التفسير المنير للزحيلي
وهبة الزحيلي
تقديم:
[الجزء الاول] بسم الله الرحمن الرحيم تقديم الحمد لله منزّل الكتاب على قلب محمد النّبي الأمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين. وبعد: فإنه لم يحظَ كتاب في الوجود بعناية مثلما حظي به القرآن الكريم، الذي كتبت حوله مئات الكتب، وسيظل مورد العلماء، وهذا بالتالي كتاب اصطفيت فيه من العلوم والمعارف والثقافات المستقاة من معين القرآن الكريم الذي لا ينضب، ما هو لصيق الصلة بحاجات العصر، ومتطلبات التثقيف، بأسلوب جلي مبسّط، وتحليل علمي شامل، وتركيز على الغايات والأهداف المنشودة من تنزيل القرآن المجيد، ومنهج بعيد عن الإطالة المملّة، والإيجاز المخلّ الذي لا يكاد يفهم منه شيء لدى جيل بعدوا عن اللسان العربي في طلاوة بيانه، وأعماق تراكيبه، وإدراك فحواه، وكأنهم أصبحوا- بالرغم من الدّراسات الجامعية المتخصصة- في غربة عن المصادر الأصيلة، والثروة العلمية العريقة في شتى العلوم من تاريخ وأدب وفلسفة وتفسير وفقه وغيرها من العلوم الإسلامية الكثيرة الخصبة. فكان لا بدّ من تقريب ما صار بعيدا، وإيناس ما أصبح غريبا، وتزويد المسلم بزاد من الثقافة بعيدة عن الدّخيل كالإسرائيليات في التفسير، ومتفاعلة مع الحياة المعاصرة، ومتجاوبة مع القناعة الذاتية، والأصول العقلية، والمرتكزات الفكرية السليمة، وهذا يقتضينا تمحيص المنقول في تفاسيرنا، حتى إن منها
- تأثرا بروايات إسرائيلية- أحدث شرخا غير مقصود في عصمة بعض الأنبياء، واصطدم مع بعض النظريات العلمية التي أصبحت يقينية الثبوت بعد غزو الفضاء، واتساع ميادين الكشوف العلمية الحديثة، علما بأن دعوة القرآن تركزت على إعمال العقل والفكر وشحذ الذهن وتسخير المواهب في سبيل الخير، ومحاربة الجهل والتخلف. وهد في الأصيل من هذا المؤلّف هو ربط المسلم بكتاب الله عزّ وجلّ ربطا علميا وثيقا: لأن القرآن الكريم هو دستور الحياة البشرية العامة والخاصة، للناس قاطبة، وللمسلمين خاصة، لذا لم أقتصر على بيان الأحكام الفقهية للمسائل بالمعنى الضيق المعروف عند الفقهاء- وإنما أردت إيضاح الأحكام المستنبطة من آي القرآن الكريم بالمعنى الأعم الذي هو أعمق إدراكا من مجرد الفهم العام، والذي يشمل العقيدة والأخلاق، والمنهج والسلوك، والدستور العام، والفوائد المجنية من الآية القرآنية تصريحا أو تلميحا أو إشارة، سواء في البنية الاجتماعية لكل مجتمع متقدم متطور، أم في الحياة الشخصية لكل إنسان، في صحته وعمله وعلمه وتطلّعاته وآماله وآلامه ودنياه وآخرته، تجاوبا في المصداقية والاعتقاد مع قول الله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال 8/ 24] . - إنه الحق سبحانه وتعالى ورسول الحق في هذه الآية اللذان يدعوان كل إنسان في هذا الوجود إلى الحياة الحرة الكريمة الشريفة بكل صورها ومعانيها. - إنه الإسلام الذي يدعو إلى عقيدة أو فكرة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهام الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، وتحرر الإنسان من العبودية لغير الله، ومن الخضوع للأهواء والشهوات، ومن طغيان المادية القاتلة للشعور الإنساني السامي.
- إنه القرآن الذي يدعو إلى شريعة العدل والحق والرحمة العامة بالإنسانية، ويدعو إلى منهج سليم للحياة والفكر والتصور والسلوك، وإلى نظرة شاملة للوجود توضح علاقة الإنسان بالله تعالى وبالكون والحياة. وهي دعوة قائمة على العلم والمعرفة الصحيحة والتجربة، والعقل والفكر الناضج الذي لا يفتر من كدّ الذهن وتشغيل المدارك، والنظر في هذا الكون سمائه وأرضه، برّا وبحرا وجوّا، وهي دعوة أيضا إلى القوة والعزة والكرامة والثقة والاعتزاز بشريعة الله، والاستقلال، مع الاستفادة من علوم ومعارف الآخرين، لأن العلم ليس حكرا على شعب دون شعب، وإنما هو عطاء إنساني عام، كما أن تحرير الإنسان وتحقيق إنسانيته العليا هدف إلهي عام، يعلو على مصالح الطغاة والمستبدين الذين يحاولون مصادرة إنسانية الإنسان من أجل الإبقاء على مصالحهم الخاصة، واستعلائهم على غيرهم، وتسلطهم على بني البشر. ولن يتأثر الاعتقاد بأصالة دعوة القرآن الخيّرة هذه إلى الناس كافة، بما يوضع أمامها من عراقيل، أو يبث حول جدارتها من شكوك أمام النهضة الحضارية المادية الجبارة، لأن هذه الدعوة ليست روحانية مجردة، ولا فلسفة خيالية أو نظرية بحتة، وإنما هي دعوة واقعية مزدوجة تضم بين جناحيها الدعوة إلى عمارة الكون، وبناء الدنيا والآخرة معا، وتعاضد الروح والمادة معا، وتفاعل الإنسان مع كل مصادر الثروة في هذا الكون، الذي سخّره الله تعالى للإنسان وحده استعمالا وانتفاعا، واستنباطا واختراعا، وإفادة واستكشافا مستمرا، كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة 2/ 29] . والمهم من التفسير والبيان مساعدة المسلم على تدبّر القرآن الكريم المأمور به في قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص 38/ 29] .
وإذا كان هدفي هو وضع تفسير للقرآن الكريم يربط المسلم وغير المسلم بكتاب الله تعالى- البيان الإلهي ووحيه الوحيد حاليا، الثابت كونه كلام الله ثبوتا قطعيا بلا نظير له ولا شبيه- فإنه سيكون تفسيرا يجمع بين المأثور والمعقول، مستمدا من أوثق التفاسير القديمة والحديثة، ومن الكتابات حول القرآن الكريم تأريخا، وبيان أسباب النزول، وإعرابا يساعد في توضيح كثير من الآيات، ولست بحاجة كثيرة إلى الاستشهاد بأقوال المفسرين، وإنما سأذكر أولى الأقوال بالصواب بحسب قرب اللفظ من طبيعة لغة العرب وسياق الآية. ولست في كل ما أكتب متأثرا بأي نزعة معينة، أو مذهب محدد، أو إرث اعتقادي سابق لاتجاه قديم، وإنما رائدي هو الحق الذي يهدي إليه القرآن الكريم، على وفق طبيعة اللغة العربية، والمصطلحات الشرعية، مع توضيح آراء العلماء والمفسرين، بأمانة ودقة وبعد عن التعصب. ولكن ينبغي البعد عن استخدام آيات القرآن لتأييد بعض الآراء المذهبية أو اتجاهات الفرق الإسلامية، أو التعسّف في التأويل لتأييد نظرية علمية قديمة أو حديثة، لأن القرآن الكريم أرفع بيانا، وأرقى مستوى، وأعلى شأنا من تلك الآراء والمذاهب والفرق، وليس هو كتاب علوم أو معارف كونية كالفلك وعلم الفضاء والطب والرياضيات ونحوها، وإن وجدت فيه بعض الإشارات إلى نظرية ما، وإنما هو كتاب هداية إلهية، وتشريع ديني، ونور يهدي لعقيدة الحق، وأصلح مناهج الحياة، وأصول الأخلاق والقيم الإنسانية العليا، كما قال الله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة 5/ 15- 16] .
وينحصر منهجي أو خطة بحثي فيما يأتي: 1- قسمة الآيات القرآنية إلى وحدات موضوعية بعناوين موضحة. 2- بيان ما اشتملت عليه كل سورة إجمالا. 3- توضيح اللغويات. 4- إيراد أسباب نزول الآيات في أصح ما ورد فيها، ونبذ الضعيف منها، وتسليط الأضواء على قصص الأنبياء وأحداث الإسلام الكبرى كمعركة بدر وأحد من أوثق كتب السّيرة. 5- التفسير والبيان. 6- الأحكام المستنبطة من الآيات. 7- البلاغة وإعراب كثير من الآيات، ليكون ذلك عونا على توضيح المعاني لمن شاء، وبعدا عن المصطلحات التي تعوق فهم التفسير لمن لا يريد العناية بها. وسأحرص بقدر الإمكان على التفسير الموضوعي: وهو إيراد تفسير مختلف الآيات القرآنية الواردة في موضوع واحد كالجهاد والحدود والإرث وأحكام الزواج والرّبا والخمر، وسأبيّن عند أول مناسبة كل ما يتعلّق بالقصة القرآنية مثل قصص الأنبياء من آدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام وغيرهم، وقصة فرعون مع موسى عليه السّلام، وقصة القرآن بين الكتب السماوية. ثم أحيل إلى موطن البحث الشامل عند تكرار القصة بأسلوب وهدف آخر. غير أني لن أذكر رواية مأثورة في توضيح القصة إلا بما يتفق مع أحكام الدين، ويتقبلها العلم، ويرتضيها العقل، وأيدت الآيات بالأحاديث الصحيحة المخرجة إلا ما ندر.
ويلاحظ أن أغلب الأحاديث المروية في فضائل سور القرآن موضوعة مكذوبة، وضعها الزّنادقة أو أصحاب الأهواء والمطامع، أو السؤّال الواقفون في الأسواق والمساجد، أو واضعو الحديث حسبة كما زعموا «1» . وفي تقديري أن هذه الخطة تحقق بمشيئة الله نفعا كبيرا، وسيكون هذا التأليف سهل الفهم، سريع المأخذ، محل الثقة والاطمئنان، يرجع إليه كل باحث ومطّلع، في وقت كثر فيه القول والدّعوة إلى الإسلام في المساجد وغيرها، ولكن مع مجافاة الصواب، أو الخلط، أو مجانبة الدقة العلمية، سواء في التفسير أو الحديث أو الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية، وعندها يظلّ الكتاب هو المرجع الأمين وموضع الثقة للعالم والمتعلم، منعا من إضلال الناس والإفتاء بغير علم، وحينئذ يتحقق بحق غرض النّبي صلّى الله عليه وسلم من تبليغ القرآن في قوله: «بلّغوا عني ولو آية» «2» ، لأن القرآن هو المعجزة الباقية من بين سائر المعجزات. ولعلي أكون بهذه الخطة في بيان المراد من آي كتاب الله مفردات وتراكيب، قد حقّقت غايتي من ربط المسلم بقرآنه، وقمت بالتّبليغ الواجب على كلّ مسلم بالرغم من وجود موسوعات أو تفاسير قديمة اعتمدت عليها، وقد تميزت إما بالتركيز على العقائد والنّبوات والأخلاق والمواعظ وتوضيح آيات الله في الكون، كالرّازي في التفسير الكبير، وأبي حيان الأندلسي في البحر المحيط، والألوسي في روح المعاني، والكشاف للزمخشري. وإما بتوضيح القصص القرآني وأخبار التاريخ، كتفسير الخازن والبغوي، وإما ببيان الأحكام الفقهية بالمعنى الضيّق للمسائل والفروع والقضايا كالقرطبي وابن كثير والجصاص وابن العربي، وإما بالاهتمام باللغويات كالزمخشري
وأبي حيان، وإما بالقراءات كالنسفي وأبي حيان وابن الأنباري، وابن الجزري في كتابه (النشر في القراءات العشر) ، وإما بالعلوم والنظريات العلمية الكونية مثل طنطاوي جوهري في كتابه (الجواهر في تفسير القرآن الكريم) . والله أسأل أن ينفعنا بما علّمنا، ويعلّمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علما، كما أسأله أن يعم النّفع كلّ مسلم ومسلمة بهذا الكتاب، وأن يلهمنا جميعا الرّشاد والسّداد، وأن يوفقنا للعمل بكتاب الله في كلّ مناحي الحياة، دستورا وعقيدة ومنهجا وسلوكا، وأن يهدينا إلى سواء الصراط، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور. وليكن رائدنا جميعا ما أخرجه البخاري ومسلم عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» «1» . الدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن:
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن أولا- تعريف القرآن وكيفية نزوله وطريقة جمعه: القرآن المجيد الذي اقتضت حكمة الله ألا يبقى في الوجود أثر ثابت للوحي الإلهي سواه، بعد أن اندثرت أو زالت أو اختلطت الكتب السماوية السابقة بغيرها من العلوم التي وضعها البشر: هو منار الهداية، ودستور التشريع، ومصدر الأنظمة الربانية للحياة، وطريق معرفة الحلال والحرام، وينبوع الحكمة والحق والعدل، ومعين الآداب والأخلاق التي لا بدّ منها لتصحيح مسيرة الناس، وتقويم السلوك الإنساني، قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام 6/ 38] ، وقال عزّ وجلّ أيضا: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل 16/ 89] . وقد عرّفه علماء أصول الفقه، لا بسبب الجهل به أو عدم معرفة الناس به، وإنما لضبط ما يتعبد به وما تجوز الصلاة به، وما لا تجوز، ولتبيان أحكام الشرع الإلهي من حلال وحرام، وما يصلح حجة في استنباط الأحكام، وما يكفر جاحده وما لا يكفر، فقالوا عنه: القرآن: هو كلام الله المعجز «1» ، المنزّل على النّبي محمد صلّى الله عليه وسلم، باللفظ العربي، المكتوب في المصاحف، المتعبّد بتلاوته «2» ، المنقول بالتواتر «3» ، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.
أسماء القرآن:
وبناء عليه: لا تسمى ترجمة القرآن قرآنا، وإنما هي تفسير، كما لا تسمى القراءة الشاذة (وهي التي لم تنقل بالتواتر وإنما بالآحاد) قرآنا، مثل قراءة ابن مسعود في فيئة الإيلاء «1» : «فإن فاءوا- فيهن- فإن الله غفور رحيم» [البقرة 2/ 226] وقراءته أيضا في نفقة الولد: «وعلى الوارث- ذي الرحم المحرم- مثل ذلك» [البقرة 2/ 233] ، وقراءته في كفارة يمين المعسر: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام- متتابعات-» [المائدة 5/ 89] . أسماء القرآن: للقرآن أسماء: هي القرآن، والكتاب، والمصحف، والنور، والفرقان «2» . وسمّي قرآنا، لأنه التنزيل المتلو المقروء، وقال أبو عبيدة: سمّي القرآن، لأنه يجمع السّور، فيضمها. قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة 75/ 17] أي جمعه وقراءته، ومن المعلوم أن القرآن نزل تدريجيا شيئا بعد شيء، فلما جمع بعضه إلى بعض سمّي قرآنا. وسمّي كتابا من الكتب أي الجمع، لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على نحو مخصوص. وسمّي مصحفا من أصحف أي جمع فيه الصحف، والصحف جمع الصحيفة: وهي قطعة من جلد أو ورق يكتب فيه. وروي أن أبا بكر الصديق استشار الناس بعد جمع القرآن في اسمه، فسمّاه مصحفا. وسمّي نورا، لأنه يكشف الحقائق، ويبين الغوامض من حلال وحرام
كيفية نزول القرآن:
وغيبيات لا يستطيع العقل إدراكها، ببيان قاطع وبرهان ساطع، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ، وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء 4/ 174] . وسمّي فرقانا لأنه فرّق بين الحقّ والباطل، والإيمان والكفر، والخير والشّر، قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان 25/ 1] . كيفية نزول القرآن: لم ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام، لئلا يثقل كاهل المكلفين بأحكامه، وإنما نزل على قلب النّبي الكريم صلّى الله عليه وسلم بالوحي بواسطة جبريل عليه السّلام، منجّما أي مفرقا على وفق مقتضيات الظروف والحوادث والأحوال، أو جوابا للوقائع والمناسبات أو الأسئلة والاستفسارات. فمن الأول: قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة 2/ 221] ، نزلت في شأن مرثد الغنوي الذي أرسله النّبي صلّى الله عليه وسلم إلى مكة، ليحمل منها المستضعفين المسلمين، فأرادت امرأة مشركة اسمها (عناق) وكانت ذات مال وجمال، أن تتزوجه، فقبل بشرط موافقة النّبي صلّى الله عليه وسلم، فلما سأله نزلت الآية، ونزل معها آية وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة 2/ 221] . ومن الثاني: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [البقرة 2/ 220] ، ووَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة 2/ 222] ، ووَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ [النساء 4/ 127] ، ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الأنفال 8/ 1] . وقد بدأ نزوله في رمضان في ليلة القدر، قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
[البقرة 2/ 185] ، وقال سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان 44/ 3] ، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... [القدر 98/ 1] . واستمر نزول القرآن في مدى ثلاث وعشرين سنة إما في مكة وإما في المدينة وإما في الطريق بينهما أو في غيره من الأماكن. وكان نزوله إما سورة كاملة كالفاتحة والمدثر والأنعام، أو عشر آيات مثل قصة الإفك في سورة النور، وأول سورة المؤمنين، أو خمس آيات، وهو كثير، أو بعض آية، مثل: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء 4/ 95] بعد قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء 4/ 95] ومثل قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، إِنْ شاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة 9/ 28] ، فإنه نزل بعد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة 9/ 28] . وتعددت حكمة إنزال القرآن منجما، بسبب المنهج الإلهي الذي رسم به طريق الإنزال، كما قال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء 17/ 106] . من هاتيك الحكم: تثبيت قلب النّبي صلّى الله عليه وسلم وتقوية فؤاده ليحفظه ويعيه، لأنه كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان 25/ 32] . ومنها: مراعاة مقتضيات التدرّج في التشريع، وتربية الجماعة، ونقلها على مراحل من حالة إلى حالة أحسن من سابقتها، وإسبال الرحمة الإلهية على العباد، فإنّهم كانوا في الجاهلية في إباحية مطلقة، فلو نزّل عليهم القرآن دفعة واحدة، لعسر عليهم التكليف، فنفروا من التطبيق للأوامر والنواهي.
المكي والمدني من القرآن:
أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا» «1» . ومنها: ربط نشاط الجماعة بالوحي الإلهي: إذ إن اتصال الوحي بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم يساعده على الصبر والمصابرة، وتحمل المشاق والمصاعب وأنواع الأذى التي كابدها من المشركين، كما أنه وسيلة لتقوية العقيدة في نفوس الذين أسلموا، فإذا نزل الوحي علاجا لمشكلة، تأكد صدق النّبي صلّى الله عليه وسلّم في دعوته، وإذا أحجم النّبي عن جواب مسألة، ثم جاءه الوحي، أيقن المؤمنون بصدق الإيمان واطمأنوا إلى سلامة العقيدة، وأمان الدّرب الذي سلكوه، وزادت ثقتهم بالغايات والوعود المنتظرة التي وعدهم الله بها: إما بالنصر على الأعداء أو المشركين في الدنيا، وإما بالفوز بالجنة والرضا الإلهي، وتعذيب الكفار في نار جهنم. المكي والمدني من القرآن: كان للوحي القرآني صبغتان أو لونان جعلت منه نوعين هما: المكي والمدني، وانقسمت بالتالي سور القرآن إلى مكية ومدنية. أما المكي: فهو ما نزل في مدى ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة- هجرة النّبي صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة- سواء نزل في مكة أو في الطائف أو في أي مكان
فائدة العلم بأسباب النزول:
آخر، مثل سورة (ق) و (هود) و (يوسف) . وأما المدني: فهو ما نزل في مدى عشر سنوات بعد الهجرة، سواء نزل في المدينة أو في الأسفار والمعارك الحربية أو في مكة عام الفتح، مثل سورة (البقرة) و (آل عمران) . ويغلب على التشريع المكي إصلاح العقيدة والأخلاق، والتنديد بالشرك والوثنية، وإقرار عقيدة التوحيد، وتصفية آثار الجهل من قتل وزنا ووأد بنات، والتأدّب بآداب الإسلام وأخلاقه، مثل العدل، والوفاء بالعهد، والإحسان، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وفعل الخيرات وترك المنكرات، وإعمال العقل والفكر، ونقض أوهام التقليد الأعمى، وتحرير الإنسان، والاعتبار بقصص الأنبياء مع أقوامهم. وقد اقتضى ذلك جعل الآيات المكية قصيرة تزخر بالرهبة والزجر والوعيد، وتبعث على الخشية، وتشعر بمعنى الجلال. وأما التشريع المدني فيغلب عليه تقرير الأنظمة والأحكام المفصلة للعبادات، والمعاملات المدنية والعقوبات، ومتطلبات الحياة الجديدة في إقامة صرح المجتمع الإسلامي في المدينة، وتنظيم شؤون السياسة والحكم، وترسيخ قاعدتي الشورى والعدل في إصدار الأحكام، وتنظيم العلاقات بين المسلمين وغيرهم في داخل المدينة وخارجها، وقت السلم والحرب، بتشريع الجهاد لوجود مسوغاته من إيذاء وعدوان وتشريد وطرد وتهجير، ثم وضع أنظمة المعاهدات لإقرار الأمن وتوطيد دعائم السلم، وقد اقتضى ذلك كون الآيات المدنية طويلة هادئة، ذات أبعاد وغايات دائمة غير وقتية، تستدعيها عوامل الاستقرار والاطمئنان وبناء الدولة على أمتن الأسس وأقوى الدعائم. فائدة العلم بأسباب النزول: إن معرفة أسباب نزول الآيات بحسب الوقائع والمناسبات لها فوائد كثيرة وأهمية بالغة في تفسير القرآن وفهمه على الوجه الصحيح، لأن أسباب النزول
أول القرآن وآخره نزولا:
قرائن معبرة توضح غاية الحكم، وتبين سبب التشريع، وتعرف أسراره ومراميه، وتساعد على فهم القرآن فهما دقيقا شاملا، حتى وإن كانت العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. ونرى في عالمنا. القانوني اليوم ما يسمى بالمذكّرات التوضيحية للقوانين والأنظمة والأحكام، يبين فيها أسباب إصدارها، وأهدافها. ويؤكد ذلك أن كل نظام يظل في مستوى الأمور النظرية غير المقنعة كثيرا للناس، ما لم يقترن بالمتطلبات الواقعية، أو يرتبط بالحياة العملية. وكل ما سبق يشير إلى أن شريعة القرآن ليست فوق مستوى الأحداث، أو أنها سامية مثالية لا تقبل التطبيق، وإنما هي متعاصرة مع كل زمن، متفاعلة مع الواقع، تصف العلاج الحاسم لكل داء عضال من أمراض المجتمع، وشذوذات الأفراد وانحرافاتهم. أول القرآن وآخره نزولا: كان أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى من سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق 97/ 1- 5] ، وذلك يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة إحدى وأربعين من ميلاده صلّى الله عليه وسلّم، في غار حراء، حين بدأ الوحي، بواسطة جبريل الأمين عليه السّلام. وكان آخر ما نزل من القرآن في أرجح الأقوال، قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة 2/ 281] ، وذلك قبل وفاته صلّى الله عليه وسلّم بتسع ليال بعد ما فرغ من حجّة الوداع، أخرجه كثيرون عن ابن عباس رضي الله عنهما. أما ما قيل وروي عن السّديّ: إن آخر ما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ... [المائدة 5/ 3] ،
جمع القرآن:
فغير مسلّم به، لأنّ هذه الآية نزلت باتفاق العلماء يوم عرفة من حجة الوداع قبل نزول سورة النصر، وآية البقرة السابقة. جمع القرآن: لم يكن ترتيب القرآن الكريم في آياته وسوره بالنحو التوقيفي في واقعه الموجود في المصاحف الحالية والغابرة متفقا مع أحوال نزول الوحي به، فقد نزل بحسب الوقائع والمناسبات، إما سورة كاملة أو بعض آيات، أو بعض آية، كما عرفنا، ثم جمع ثلاث مرات. الجمع الأول في عهد النبوة: حدث الجمع الأول في عهد النّبي صلّى الله عليه وسلّم بحفظه الثابت الراسخ كالنقش في الحجر في صدره عليه الصلاة والسلام، تحقيقا لوعد الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة 75/ 16- 19] ، وقد عرضه النّبي صلّى الله عليه وسلّم مرات على جبريل عليه السّلام، مرة في كل رمضان، وعرضه عليه مرتين في آخر رمضان قبل الوفاة، ثم قرأه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الناس على نحو هذه العرضات، ثم كتبه الصحابة عنه، وكان كتّاب الوحي خمسا وعشرين كاتبا، والتحقيق أنهم كانوا زهاء ستين، وأشهرهم الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام، وخالد بن الوليد، وحفظه أيضا عدد من الصحابة في صدورهم حبّا به، واعتمادا على قوة حافظتهم وذاكرتهم التي اشتهروا بها، حتى إن حروب المرتدين قتل فيها سبعون من القراء، وقد عدّ أبو عبيد في كتاب (القراءات) بعض الحفاظ، فذكر من المهاجرين: الخلفاء الراشدين الأربعة، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن
الجمع الثاني في عهد أبي بكر:
أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة الأربعة (ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وابن الزبير) ، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. وذكر من الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذا أبا حليمة، ومجمّع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلّد. وكان من أشهر الحفاظ: عثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري. الجمع الثاني في عهد أبي بكر: لم يجمع القرآن في مصحف واحد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لاحتمال نزول وحي جديد ما دام النّبي صلّى الله عليه وسلّم حيّا، ولكن كانت كل آيات القرآن مكتوبة في الرقاع والعظام والحجارة وجريد النخل. ثم استحّر القتل في القراء في وقعة اليمامة في عهد أبي بكر، كما روى البخاري في فضائل القرآن في الجزء السادس، فارتأى عمر بن الخطاب جمع القرآن، ووافقه أبو بكر، وكلّف زيد بن ثابت بهذه المهمة، وقال أبو بكر لزيد: «إنك شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتتبع القرآن فاجمعه» ، ففعل زيد ما أمر به وقال: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف «1» ، وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة- أي مكتوبة- مع خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة 9/ 128] ، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر» «2» .
الجمع الثالث - في عهد عثمان بنسخ المصاحف على خط واحد:
يتبين من هذا أن طريقة الجمع اعتمدت على أمرين معا: هما المكتوب في الرقاع والعظام ونحوها، وحفظ الصحابة للقرآن في صدورهم. واقتصر الجمع في عهد أبي بكر على أنه جمع القرآن في صحف خاصة، بعد أن كان متفرقا في صحف عديدة، ولم يكتف زيد بحفظه القرآن، وإنما اعتمد أيضا على حفظ غيره من الصحابة وهم العدد الكثير الذي يحصل به التواتر، أي اليقين المستفاد من نقل الجمع الكثير الذي يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب. الجمع الثالث- في عهد عثمان بنسخ المصاحف على خط واحد: اقتصر دور عثمان بن عفان رضي الله عنه على كتابة ست نسخ من المصاحف على حرف واحد وطريقة واحدة، ووزعها في الأمصار الإسلامية، فأرسل ثلاثة منها إلى الكوفة ودمشق والبصرة، وأرسل اثنين إلى مكة والبحرين، أو إلى مصر والجزيرة، وأبقى لديه مصحفا بالمدينة. وأمر بإحراق المصاحف الأخرى المخالفة في العراق والشام فقط. وظل المصحف الشامي محفوظا بجامع دمشق (الجامع الأموي) عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد رآه ابن كثير كما ذكر في كتابه (فضائل القرآن) في آخر تفسيره، إلى أن أصابه الحريق الكبير الذي أصاب المسجد الأموي سنة 1310 هـ، ورآه قبل الحريق كبار علماء دمشق المعاصرين. وسبب هذا الجمع يظهر فيما رواه لنا البخاري في فضائل القرآن في الجزء السادس عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم. ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرّق «1» . وأصبح المصحف العثماني أساسا في نشر وطبع المصاحف المتداولة الآن في العالم، فبعد أن كان الناس يقرءون بقراءات مختلفة، إلى وقت عثمان، جمع عثمان الناس على مصحف واحد، وحرف واحد، وجعله إماما، ولهذا نسب إليه، ولقّب بأنه جامع القرآن. والخلاصة: إن جمع القرآن في عهد أبي بكر كان جمعا له في نسخة واحدة موثوقة، وجمع القرآن في عهد عثمان كان نسخا من صحف حفصة، لمصاحف ستة بحرف واحد. وكان هذا الحرف ملائما للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. وأصبح لقراءة رسم المصحف طريقان: موافقة للرسم المكتوب حقيقة، وموافقة للرسم احتمالا أو تقديرا. ولا خلاف بين العلماء في أن ترتيب آيات السور توقيفي منقول ثابت عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم، كما أن ترتيب السور أيضا توقيفي على الراجح. أما دليل ترتيب
ثانيا - طريقة كتابة القرآن والرسم العثماني:
الآيات فقول عثمان بن العاص رضي الله عنه: «كنت جالسا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ شخص ببصره ثم صوّبه، ثم قال: «أتاني جبريل، فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل 16/ 90] » . وأما دليل ترتيب السور فهو حضور بعض الصحابة كابن مسعود ممن حفظوا القرآن عن ظهر قلب، مدارسة القرآن بين جبريل عليه السّلام والنّبي صلّى الله عليه وسلّم، وشهدوا بأنها كانت على وفق هذا الترتيب المعهود في السور وفي الآيات. وأركان قرآنية الآية أو الكلمة أو القراءة المقبولة ثلاثة: الموافقة للرسم العثماني ولو احتمالا، التوافق مع قواعد النحو العربي ولو بوجه، النقل المتواتر بواسطة جمع عن جمع عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما يعرف بصحة السند. ثانيا- طريقة كتابة القرآن والرسم العثماني: الرسم: طريقة كتابة الكلمة بحروف هجائها بتقدير الابتداء بها، والوقوف عليها. والمصحف: هو المصحف العثماني الإمام الذي أمر بكتابته سيدنا عثمان رضي الله عنه، والذي أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم «1» . والرسم العثماني: هو الطريقة التي كتبت بها المصاحف الستة في عهد عثمان رضي الله عنه. وهو الرسم المتداول المعمول به بعد البدء بطباعة القرآن في البندقية سنة 1530 م، وما تلاها من طبعة إسلامية خالصة للقرآن في سانت بترسبوغ، في روسيا، سنة 1787 م، ثم في الآستانة سنة 1877 م.
وللعلماء رأيان في طريقة كتابة القرآن أو الإملاء:
وللعلماء رأيان في طريقة كتابة القرآن أو الإملاء «1» : 1- رأي جمهور العلماء ومنهم الإمامان مالك وأحمد: أنه يجب كتابة القرآن كما وردت برسمها العثماني في المصحف الإمام، ويحرم مخالفة خط عثمان في جميع أشكاله في كتابة المصاحف، لأن هذا الرسم يدلّ على القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة. 2- رأي بعض العلماء (وهم أبو بكر الباقلاني وعز الدين بن عبد السلام وابن خالدون) : أنه تجوز كتابة المصاحف بالطرق أو الرسوم الإملائية المعروفة للناس، لأنّه لم يرد نص في الرسم، وإن ما في الرسم من زيادات أو حذوف لم يكن توقيفا أوحى الله به على رسوله، ولو كان كذلك لآمنا به وحرصنا عليه، وإذا كتب المصحف بالإملاء الحديث أمكن قراءته صحيحا وحفظه صحيحا. وقد رأت لجنة الفتوى بالأزهر وغيرها من علماء العصر «2» الوقوف عند المأثور من كتابة المصحف، احتياطا لبقاء القرآن على أصله لفظا وكتابة، وحفاظا على طريقة كتابته في العصور الإسلامية السابقة، دون أن ينقل عن أحد من أئمة الاجتهاد تغيير هجاء المصحف عما رسم به أولا، ولمعرفة القراءة المقبولة والمردودة، فلا يفتح فيه باب الاستحسان الذي يعرض القرآن للتغيير والتحريف، أو للتلاعب به، أو البعث بآياته من ناحية الكتابة. لكن لا مانع في رأي جماهير العلماء من كتابة القرآن بطرق الإملاء الحديثة في مجال الدرس والتعليم، أو عند الاستشهاد بآية أو أكثر في بعض المؤلفات الحديثة، أو في كتب وزارة التربية والتعليم، أو أثناء عرضه على شاشة التلفاز.
ثالثا - الأحرف السبعة والقراءات السبع:
ثالثا- الأحرف السبعة والقراءات السبع: روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه» «1» أي سبعة أوجه، وهو سبع لغات ولهجات من لغات العرب ولهجاتهم، يجوز أن يقرأ بكل لغة منها، وليس المراد: أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه وإنما لا يخرج عنها، فإما أن تكون بلغة قريش، وهو الغالب، وإما أن تكون بلغة قبيلة أخرى، لأنها أفصح، وتلك اللغات التي كانت مشهورة شائعة عذبة اللفظ هي: لغة قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. وهذا هو الأشهر والراجح. وفي رأي آخر: المراد بالسبعة: أوجه القراءات القرآنية، فاللفظ القرآني الواحد مهما يتعدد أداؤه وتتنوع قراءته لا يخرج التغاير فيه عن الوجوه السبعة الآتية وهي «2» : 1- الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، أو يغير معناها، مثل (فتلقى آدم) قرئ (آدم) . 2- الاختلاف في الحروف، إما بتغير المعنى مثل (يعلمون وتعلمون) ، وإما بتغير الصورة دون المعنى مثل (الصراط) و (السراط) . 3- اختلاف أوزان الأسماء في إفرادها وتثنيتها وجمعها وتذكيرها وتأنيثها، مثل (أماناتهم) و (أمانتهم) .
4- الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة يغلب أن تكون إحداهما مرادفة للأخرى مثل (كالعهن المنفوش) أو (كالصوف المنفوش) وقد يكون بإبدال حرف بآخر مثل (ننشزها) و (ننشرها) . 5- الاختلاف بالتقديم والتأخير، مثل (فيقتلون ويقتلون) قرئ (فيقتلون ويقتلون) . 6- الاختلاف بالزيادة والنقص، مثل (وما خلق الذكر والأنثى) قرئ (والذكر والأنثى) . 7- اختلاف اللهجات في الفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والهمز والتسهيل، وكسر حروف المضارعة، وقلب بعض الحروف، وإشباع ميم الذكور، وإشمام بعض الحركات، مثل (وهل أتاك حديث موسى) و (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) قرئ بإمالة: (أتى) ، (وموسى) ، (وبلى) وقوله تعالى: (خبيرا بصيرا) بترقيق الراءين، و (الصلاة) و (الطلاق) بتفخيم اللامين. وقوله تعالى: (قد أفلح) بترك الهمزة ونقل حركتها من أول الكلمة الثانية إلى آخر الكلمة الأولى، وهو ما يسمى (تسهيل الهمزة) . وقوله تعالى: (لقوم يعلمون، نحن نعلم، وتسود وجوه، ألم أعهد) بكسر حروف المضارعة في جميع هذه الأفعال. وقوله تعالى: (حتى حين) قرأه الهذليون (عتى عين) بقلب الحاء عينا. وقوله تعالى: (عليهم دائرة السّوء) بإشباع ميم جمع الذكور. وقوله تعالى: (وغيض الماء) بإشباع ضمة الغين مع الكسر. والخلاصة: إن الأحرف السبعة: هي اللغات السبع التي اشتملت عليها لغة مضر في القبائل العربية، وليست هي القراءات السبع أو العشر المتواترة المشهورة، فهذه القراءات التي انتشرت كثيرا في عصر التابعين ثم اشتهرت في القرن الرابع بعد ظهور كتاب في القراءات للإمام المقرئ ابن مجاهد، تعتمد على غير
رابعا - القرآن كلام الله وأدلة الإثبات بوجوه الإعجاز:
الأصل الذي يتعلق بالأحرف السبعة، وتتفرع من حرف واحد من الأحرف السبعة، كما أبان القرطبي. ثم إن الكلام على الأحرف السبعة أصبح تاريخيا، فقد كانت تلك الأحرف السبعة توسعة في النطق بها على الناس في وقت خاص للضرورة، لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم، ثم زال حكم تلك الضرورة، وارتفع حكم تلك الأحرف السبعة، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد، ولم يكتب القرآن إلا بحرف واحد منذ عهد عثمان، مما قد تختلف فيه كتابة الحروف، وهو حرف قريش الذي نزل به القرآن، كما أوضح الطحاوي وابن عبد البر وابن حجر وغيرهم «1» . رابعا- القرآن كلام الله وأدلة الإثبات بوجوه الإعجاز: إن القرآن العظيم المسموع والمكتوب: هو كلام الله القديم العزيز العليم، ليس شيء منه كلاما لغيره من المخلوقين، لا جبريل، ولا محمّد ولا غيرهما، والناس يقرءونه بأصواتهم «2» . قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء 26/ 192- 195] وقال عز وجل: قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ، لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَهُدىً، وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل 16/ 102] . والدليل على أن القرآن كلام الله: هو عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وهذا هو المراد بإعجاز القرآن: أي عجز البشر عن الإتيان بمثله، في بلاغته، أو تشريعه أو مغيباته. قال الله تعالى مستثيرا العرب المعروفين بأنهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ومتحديا لهم بأن يأتوا
بمثل القرآن في نظمه ومعانيه وبيانه المشرق البديع الفريد ولو بمثل سورة منه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَلَنْ تَفْعَلُوا، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة 2/ 23- 24] . وتتكرر آي القرآن في مناسبات مختلفة مطالبة بمجاراة القرآن وتحدي العرب الذين عارضوا الدعوة الإسلامية، ولم يؤمنوا بالقرآن، ولم يقرّوا بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلم، فقال تعالى: قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً أي معينا [الإسراء 17/ 88] . وإذ عجزوا عن الإتيان بالمثيل، فليأتوا بعشر سور مثله، فقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ، وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود 11/ 13- 14] . ثم أكد الحق سبحانه التحدي أو المعارضة بمثل سورة من القرآن بعد العجز عن المثل الكامل أو عن عشر سور منه، فقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس 10/ 38] . قال الطبري «1» : إن الله تعالى ذكره جمع لنبينا محمد صلّى الله عليه وسلم ولأمته، بما أنزل إليه من كتابه معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله، ولا لأمة من الأمم قبلهم، وذلك أن كل كتاب أنزله جلّ ذكره على نبي من أنبيائه قبله، فإنما أنزله ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلّى الله عليه وسلم، كالتوراة
ومظاهر الإعجاز أو أوجه الإعجاز كثيرة:
التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تمحيد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير، لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد صلّى الله عليه وسلم يحوي معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرا من المعاني التي سائر الكتب، غيره منها خال. ومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب: نظمه العجيب، ووصفه الغريب، وتأليفه البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلّت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت قصورا عن أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء، فلم يجدوا له إلا التسليم والإقرار بأنه من عند الله الواحد القهار، مع ما يحوي مع ذلك من المعاني التي هي ترغيب وترهيب، وأمر وزجر، وقصص وجدل ومثل، وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء. ومظاهر الإعجاز أو أوجه الإعجاز كثيرة: منها ما يخص العرب في روعة بيانه وبلاغة أسلوبه وجزالة ألفاظه أو نظمه، سواء في اختيار الكلمة القرآنية أو الجملة والتركيب ونظم الكلام، ومنها ما يشمل العرب وغيرهم من عقلاء الناس بالإخبار عن المغيبات في المستقبل، وعن الماضي البعيد من عهد آدم عليه السّلام إلى مبعث محمد صلّى الله عليه وسلم، وبالتشريع المحكم الشامل لكل شؤون الحياة العامة والخاصة. وأكتفي هنا بإيجاز مظاهر الإعجاز وهي عشرة كما ذكر القرطبي «1» : أ- النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيره، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء.
2- الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب. 3- الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وقوله سبحانه: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى آخر سورة الزمر، وكذلك قوله سبحانه: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إلى آخر سورة [إبراهيم 14/ 42] . 4- التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه. 5- الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله على قلب النّبي الأمي صلّى الله عليه وسلم، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين، فجاءهم النبي صلّى الله عليه وسلم- وهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم، بما عرفوا من الكتب السالفة، فتحققوا صدقه. 6- الوفاء بالوعد، المدرك بالحس في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله عليه السّلام، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه. وإلى وعد مقيد بشرطه، كقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق 65/ 3] ووَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن 64/ 11] ووَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق 65/ 2] وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال 8/ 65] وشبه ذلك. 7- الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، ولا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه، من ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة 9/ 33] ، ففعل ذلك. ومنه قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ الْمِهادُ [آل عمران 3/ 12] . ومنه قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح 48/ 27] . ومنه قوله تعالى: الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ، سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم 30/ 1- 3] . فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، وقد عجز الزمان عن إبطال شيء منها، سواء في الخلق والإيجاد أم في بيان أخبار الأمم، أم في وضع التشريع السوي لكل الأمم، أم في توضيح كثير من المسائل العلمية والتاريخية، مثل وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر 15/ 22] وآية أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً [الأنبياء 21/ 30] ، وآية وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات 51/ 49] وآية وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ [الحجر 15/ 19] وآية إثبات كروية الأرض: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر 39/ 5] والتكوير: اللف على الجسم المستدير. واختلاف مطالع الشمس في آية وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها إلى قوله وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس 36/ 38- 40] . 8- ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام، في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام، فهو يشتمل على العلوم الإلهية، وأصول العقائد الدينية وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل والآداب، وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي الموافقة لكل زمان ومكان. 9- الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي. 10- التناسب في جميع ما تضمنه القرآن ظاهرا وباطنا، من غير اختلاف،
وأما خصائص المعنى فهي أربعة أيضا:
قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء 4/ 82] . يظهر من بيان هذه الأوجه في إعجاز القرآن أنها تشمل الأسلوب والمعنى. أما خصائص الأسلوب فهي أربعة: الأولى- النسق البديع والنظم الغريب، والوزن العجيب المتميز عن جميع كلام العرب، شعرا ونثرا وخطابة. الثانية- السمو المتناهي في جمال اللفظ، ورقة الصياغة، وروعة التعبير. الثالثة- التآلف الصوتي في نظم الحروف ورصفها، وترتيبها، وصياغتها، وإيحاءاتها، بحيث تصلح خطابا لكل الناس على اختلاف المستويات الفكرية والثقافية، مع تسهيل سبيلها وحفظها لمن أراد، قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر 54/ 17] . الرابعة- تناسب اللفظ والمعنى، وجزالة اللفظ وإيفاء المعنى، ومناسبة التعبير للمقصود، والإيجاز والقصد دون أي تزيّد، وترسيخ المعاني بصور فنية محسوسة تكاد تلمسها، وتتفاعل معها، بالرغم من تكرارها بصورة جذابة فريدة. وأما خصائص المعنى فهي أربعة أيضا: الأولى- التوافق مع العقل والمنطق والعلم والعاطفة. الثانية- قوة الإقناع، واجتذاب النفس، وتحقيق الغاية بنحو حاسم قاطع. الثالثة- المصداقية والتطابق مع أحداث التاريخ، والواقع المشاهد، وسلامته على طوله من التعارض والتناقض والاختلاف، خلافا لجميع كلام البشر.
خامسا - عربية القرآن وترجمته إلى اللغات الأخرى:
الرابعة- انطباق المعاني القرآنية على مكتشفات العلوم والنظريات الثابتة. ويجمع هذه الخصائص آيات ثلاث في وصف القرآن، وهي قوله تعالى: الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود 11/ 1] وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت 41/ 41- 42] وقوله عز وجل: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر 59/ 21] . وسيظل القرآن الكريم ناطقا بالمعجزات في كل عصر، فهو- كما قال الرافعي «1» - كتاب كل عصر، وله في كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز، وهو معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني، ومعجز كذلك في حقائقه، وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء، فهي باقية ما بقيت. خامسا- عربية القرآن وترجمته إلى اللغات الأخرى: القرآن كله عربي «2» ، نزل بلسان العرب، وما من لفظ فيه إلا وهو عربي أصلا، أو معرّب خاضع لموازين اللغة العربية وقوالبها ومقاييسها ... وقد زعم بعض الناس أن القرآن ليس عربيا خالصا، لاشتماله على بعض كلمات من أصل أعجمي (غير عربي) ، مثل (سندس) و (إستبرق) وأنكر بعض العرب ألفاظ (قسورة) و (كبّارا) ، و (عجاب) فدخل شيخ طاعن في السن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال له الرسول صلّى الله عليه وسلم: قم، ثم قال له: اقعد، كرر ذلك
مرات، فقال الشيخ: أتهز أبي، يا ابن (قسورة) ، وأنا رجل (كبارا) ، إن هذا الشيء (عجاب) ! فسألوه، هل هذا في اللغة العربية؟ فقال: نعم. وكان الإمام الشافعي رحمه الله أول من رد بكلامه الفصيح، وحجته القوية على هذا الزعم، مبينا أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، مفندا حجج هؤلاء الزاعمين وأهمها ثنتان: الأولى- أن في القرآن خاصا يجهل بعضه بعض العرب. والثانية- أن في القرآن ما ينطق به غير العرب. ورد على الحجة الأولى: بأن جهل بعض العرب ببعض القرآن ليس دليلا على عجمة بعض القرآن، بل هو دليل على جهل هؤلاء ببعض لغتهم، فليس لأحد أن يدعي الإحاطة بكل ألفاظ اللسان العربي، لأنه أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها لفظا، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي. ثم رد على الحجة الثانية: بأن بعض الأعاجم قد تعلم بعض الألفاظ العربية، وسرت إلى لغاتهم، ويحتمل أن يوافق لسان العجم أو بعض الألسنة قليلا من لسان العرب، وقد يكون بعض الألفاظ العربية من أصل أعجمي، لكن هذا القليل النادر من أصل غير عربي قد سرى قديما إلى العرب، فعرّبوه، وأنزلوه على طبيعة لغتهم، وجعلوه صادرا من لسانهم، بحسب حروفهم ومخارج تلك الحروف وصفاتها في لغة العرب، وذلك مثل الألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها، وإن كانت في الأصل تقليدا في تغمتها للغات الأخرى «1» . وتضافرت الآيات القرآنية بالتصريح بأن القرآن كله عربي، جملة
وتفصيلا، وأنه نزل بلسان العرب قوم النّبي صلّى الله عليه وسلم، منها قوله تعالى: الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف 12/ 1- 2] ومنها قوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء 26/ 192- 195] ومنها: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا [الرعد 13/ 37] ومنها: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا، لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الشورى 42/ 7] ومنها: حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف 43/ 1- 3] ومنها: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر 39/ 28] . ورتب الشافعي على عربية القرآن حكما مهما جدا، فقال: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد، وغير ذلك. وكان من مزية عربية القرآن وفضله على العرب أمران عظيمان هما: الأول- إن تعلم القرآن والنطق به على أصوله يقوّم اللسان، ويفصّح المنطق، ويصحح الكلام، ويساعد على فهم لغة العرب، فليس هناك شيء يشبه القرآن في تقويم الألسنة، حين تتأثر باللهجات العامية المختلفة. الثاني- كان للقرآن الفضل الأكبر في الحفاظ على اللغة العربية، في مسيرة القرون الأربعة عشر الغابرة، بما اشتملت عليه من فترات ضعف وتخلف وتسلط المستعمرين الأوربيين على بلاد العرب، بل إن القرآن عامل أساسي في توحيد العرب، وباعث قوي ساعد في انتفاضة العرب ضد المحتل الغاصب والمستعمر البغيض، مما أعاد الصحوة الإسلامية إلى أوطان العرب والإسلام، وربط بين
ترجمة القرآن:
المسلمين برباط الإيمان والعاطفة القوية الصادقة، لا سيما في أوقات المحنة والحروب ضد المحتلين. ترجمة القرآن: يحرم ولا يصح شرعا ترجمة نظم القرآن الكريم، لأن ذلك متعذر غير ممكن، بسبب اختلاف طبيعة اللغة العربية التي نزل بها القرآن عن سائر اللغات الأخرى، ففي العربية المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه والصور الفنية التي لا يمكن صبها بألفاظها في قوالب لغة أخرى، ولو حدث ذلك لفسد المعنى، واختل التركيب، وحدثت العجائب في فهم المعاني والأحكام، وذهبت قدسية القرآن، وزالت عظمته وروعته، وتبددت بلاغته وفصاحته التي هي سبب إعجازه. لكن يجوز شرعا ترجمه معاني القرآن أو تفسيره، على أنه ليس هو القرآن، فلا تعد ترجمة القرآن قرآنا، مهما كانت الترجمة دقيقة، ولا يصح الاعتماد عليها في استنباط الأحكام الشرعية، لأن فهم المراد من الآيات يحتمل الخطأ، وترجمتها إلى لغة أخرى يحتمل الخطأ أيضا، ولا يصح الاعتماد على الترجمة مع وجود هذين الاحتمالين «1» . ولا تصح الصلاة بالترجمة «2» ، ولا يتعبد بتلاوتها، لأن القرآن اسم للنظم والمعنى، والنظم: هو عبارات القرآن في المصاحف. والمعنى: هو ما تدل عليه العبارات، ولا تعرف أحكام الشرع الثابتة بالقرآن إلا بمعرفة النظم والمعنى.
سادسا - الحروف التي في أوائل السور - الحروف المقطعة:
سادسا- الحروف التي في أوائل السور- الحروف المقطعة: بدأ الحق سبحانه وتعالى بعض السور المكية أو المدنية القرآنية ببعض حروف التهجي أو الحروف المقطعة، منها البسيط المؤلف من حرف واحد، وذلك في سور ثلاث: صاد وقاف والقلم، إذ افتتحت الأولى بحرف: أَحْرَصَ والثانية بحرف: بَرْقٌ، والثالثة بحرف: ن. ومنها فواتح عشر سور مؤلفة من حرفين، سبع منها متماثلة تسمى: الحواميم، لابتدائها بحرفي: لَحْمَ، وهي سور: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، وتتمة العشر: هي سور: طه، وطس، ويس. ومنها فواتح ثلاث عشرة سورة مركبة من ثلاثة أحرف، ست منها بدئت بالم وهي سور: البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وخمس منها بلفظ الر: وهي سور: يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر. واثنتان منها بدئت بطسم، وهما سورتا الشعراء والقصص. ومنها سورتان افتتحتا بأربعة أحرف، وهما سورة الأعراف وفاتحتها المص وسورة الرعد وفاتحتها المر. ومنها سورة واحدة افتتحت بخمسة حروف هي سورة مريم ومستهلها: كهيعص. فصارت مجموعة الفواتح القرآنية تسعا وعشرين، وهي على ثلاثة عشر شكلا، وحروفها أربعة عشر، وهي نصف الحروف الهجائية «1» وقد اختلف أهل التأويل المفسرون في بيان المقصود من فواتح السور «2» ،
سابعا - التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية في القرآن:
فقال جماعة: هي سرّ الله في القرآن، ولله في كل كتاب سر، وهي مما استأثر الله بعلمه، فهو من المتشابه الذي نؤمن به، على أنه من عند الله، دون تأويل ولا تعليل، لكنه أمر مفهوم عند النّبي صلّى الله عليه وسلم. وقال جماعة: لا بد أن يكون لذكره معنى وجيه، والظاهر أنه إيماء إلى إقامة الحجة على العرب وتثبيته في أسماعهم وآذانهم، بعد أن تحداهم القرآن على أن يأتوا بمثله، علما بأن القرآن مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم. فكأنه يقول لهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه؟ مع أنه كلام عربي، مكون من حروف هجائية، ينطق بها كل عربي: أمي أو متعلم، وهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ويعتمدون على هذه الحروف في الكلام: نثره وشعره وخطابته وكتابته، وهم يكتبون بهذه الحروف، ومع هذا فقد عجزوا عن مجاراة القرآن الذي نزل على محمد صلّى الله عليه وسلم، فقامت الحجة عليهم أنه كلام الله، لا كلام بشر، فيجب الإيمان به، وتكون الفواتح الهجائية تقريعا لهم وإثباتا لعجزهم أن يأتوا بمثله. لكنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن، كانوا مكابرين معاندين في عدم الإيمان به، وقالوا ببلاهة وسخف، وسطحية وسذاجة عن محمد والقرآن: محمد ساحر، شاعر، مجنون، والقرآن: أساطير الأولين. وذلك كله آية الإفلاس، ومظهر الضعف، وفقد الحجة، وكذب المعارضة والممانعة، وكفر المقلّدة، والعكوف على التقاليد العتيقة البالية، والعقائد الوثنية الموروثة الخرقاء. والرأي الثاني هو رأي جماهير المفسرين والمحققين من العلماء، وهو المعقول المقتضي فتح الأسماع، واستماع القرآن، والإقرار بأنه كلام الله تعالى. سابعا- التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية في القرآن: إن القرآن الكريم الذي نزل بلسان العرب، لم يخرج عن طبيعة اللغة العربية
أما التشبيه:
في استعمال اللفظ بطريق الحقيقة تارة (وهي استعمال اللفظ فيما وضع له من المعنى في اصطلاح التخاطب) واستعماله بطريق المجاز (استعمال الكلمة في معنى آخر غير ما وضعت له، لعلاقة بين المعنى الأصلي للكلمة، والمعنى الآخر الذي استعملت فيه) ، واستخدام التشبيه (وهو أن شيئا أو أشياء شاركت غيرها في صفة أو أكثر بأداة هي الكاف ونحوها، ملفوظة أو ملحوظة) والاعتماد على الاستعارة (وهي تشبيه بليغ حذف أحد طرفيه، وعلاقته دائما المشابهة) «1» . أما التشبيه: فكثير في القرآن، سواء أكان بحسب وجه الشبه مفردا أم مركبا، فمن التشبيه المفرد أو غير التمثيل (وهو ما لا يكون وجه الشبه فيه منتزعا من متعدد، بل من مفرد، مثل زيد أسد، انتزع وجه الشبه من مفرد، وهو أن زيدا أشبه الأسد من جهة الشجاعة) : قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 59] . ومن التشبيه المركب أو تشبيه التمثيل (وهو ما كان وجه الشبه منتزعا فيه من متعدد، أو هو كما قال السيوطي في الإتقان: أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض) قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة 62/ 5] فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه. وقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ، حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها، وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً، فَجَعَلْناها حَصِيداً، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس 10/ 24] فيه عشر جمل، وقع التركيب من مجموعها، بحيث لو سقط منها شيء، اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة
وأما الاستعارة:
تقضيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه الأرض، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، وظنوا أنها مسلمة من الجوائح، أتاها بأس الله فجأة، فكأنّها لم تكن بالأمس. وأما الاستعارة التي هي من المجاز اللغوي أي في الكلمة الواحدة لا كالمجاز العقلي فكثيرة أيضا «1» ، مثل قوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [التكوير 81/ 18] . أستعير خروج النفس شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند ظهور الفجر قليلا، ومثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ... [النساء 4/ 10] شبه مال الأيتام بالنار، بجامع أن أكله يؤذي، كما تؤذي النار. ومثل قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم 14/ 1] أي لتخرج الناس من جهالاتهم وضلالاتهم إلى الدين القيم والعقيدة الحقة والعلم والأخلاق، شبه الجهالة والضلالة والعداوة بالظلام، في أن الإنسان لا يهتدي إلى الطريق الواضح في كل منهما، وشبه الدين القيم بالنور في أن الإنسان يهتدي إلى الطريق الواضح في كل منهما. وأما المجاز: فأنكر جماعة من العلماء وجوده في القرآن (منهم الظاهرية، وبعض الشافعية كأبي حامد الاسفراييني وابن القاصّ، وبعض المالكية كابن خويز منداد البصري، وابن تيمية) وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله، فالجدار لا يريد في قوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف 18/ 77] . والقرية لا تسأل في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف 12/ 82] «2» .
والكناية:
لكن الذين تذوقوا جمال الأسلوب القرآني، يرون أن هذه الشبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن، مثل قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء 17/ 29] دلت القرينة على أن المعنى الحقيقي غير مراد، وأن الآية تنهى عن كل من التبذير والبخل. والكناية: «وهي لفظ أريد به لازم معناه» كثيرة أيضا في القرآن، لأنها من أبلغ الأساليب في الرمز والإيمان، فالله تعالى رمز إلى الغاية من المعاشرة الزوجية، وهي التناسل، بلفظ (الحرث) في قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة 2/ 223] ، ووصف الله العلاقة بين الزوجين، بما فيها من مخالطة وملابسة، بأنها لباس من كل منهما للآخر، في قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة 2/ 187] ورمز إلى الجماع بقوله سبحانه: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء 4/ 43] وقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة 2/ 187] . وكنى عن عفة النفس وطهارة الذيل بقوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر 74/ 4] . والتعريض: «وهو أن تذكر اللفظ وتستعمله في معناه، وتلوّح به إلى ما ليس من معناه، لا حقيقة ولا مجازا» مستعمل أيضا في القرآن، مثاله: وَقالُوا: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [التوبة 9/ 81] ليس المراد به ظاهر الكلام وهو ازدياد حر جهنم، وكونه أشد من حر الدنيا، ولكن الغرض الحقيقي هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال، المعتذرين بشدة الحر، بأنهم سيردون جهنم، ويجدون حرها الذي لا يوصف. ومنه قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء 21/ 63] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة، لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم، من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزا.
فوائد:
فوائد: القرآن ثلاثون جزءا 30 عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة 114 عدد آي القرآن 6236 على طريقة الكوفيين. الأمر 1000 النهي 1000 الوعد 1000 الوعيد 1000 القصص والأخبار 1000 العبر والأمثال 1000 الحرام والحلال 500 الدعاء 100 الناسخ والمنسوخ 66
الاستعاذة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم 1- معناها: أستجير بجناب الله وأعتصم به من شر الشيطان الملعون المذموم أن يغويني ويضلني أو يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به أو يحضني على ما نهيت عنه، فإنه لا يكفه ويمنعه إلا رب العالمين. والشيطان: واحد الشياطين، وسمي بذلك لبعده عن الحق وتمرده. والرجيم: أي المبعد من الخير، المهان، المرمي باللعن والسب. 2- أمر الله سبحانه بالاستعاذة عند أول كل تلاوة للقرآن، بقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل 16/ 98] أي إذا أردت أن تقرأ، فتعوذ، وقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون 23/ 96- 98] وهذا يوحي إلى أن القرآن جعل دفع السيئة بالحسنة علاجا لشيطان الإنس، والاستعاذة علاجا لشيطان الجن. وتطبيقا لهذا الأمر في السنة ورد عن أبي سعيد الخدري عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم «أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه» «1» وقال ابن المنذر: «جاء عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه ابن مسعود- أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . وهذا اللفظ هو الذي عليه جمهور العلماء في التعوذ: لأنه لفظ كتاب الله. 3- الاستعاذة مندوبة في رأي جمهور العلماء في كل قراءة في غير الصلاة.
4 -:
أما في الصلاة، فقال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، إلا في قيام رمضان، لحديث أنس: «أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» «1» وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط. ورأي الشافعية والحنابلة: أنه يسن التعوذ سرا في أول كل ركعة قبل القراءة. 4- أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن، ولا آية منه.
البسملة بسم الله الرحمن الرحيم:
البسملة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 1- معناها: أبدأ بتسمية الله وذكره وتسبيحه قبل كل شيء، مستعينا به في جميع أموري، فإنه الرب المعبود بحق، واسع الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء، المنعم بجلائل النعم ودقائقها، المتفضل بدوام الفضل والرحمة والإحسان. 2- حكمتها: ابتدأ الله تعالى بالبسملة سورة الفاتحة وكل سور القرآن، ما عدا سورة التوبة، تنبيها على أن ما في كل سورة حق، ووعد صادق للعباد، فهو سبحانه يفي لهم بجميع ما تضمنت السورة من وعد ولطف وبر، وإرشادا إلى استحباب البدء بالبسملة في كل الأعمال، التماسا لمعونة الله وتوفيقه، ومخالفة لغير المؤمنين الذين يستفتحون أعمالهم بأسماء آلهتهم أو زعمائهم. قال بعض العلماء: إن «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات «1» . 3- هل هي آية من السورة؟ اختلف العلماء في البسملة، أهي آية من الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقال المالكية والحنفية: ليست البسملة بآية من الفاتحة ولا غيرها، إلا من سورة النمل في أثنائها، لحديث أنس رضي الله عنه قال: «صليت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحدا منهم،
يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «1» أي أن أهل المدينة كانوا لا يقرءون البسملة في صلاتهم في مسجد المدينة، إلا أن الحنفية قالوا: يقرأ المنفرد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مع الفاتحة، في كل ركعة سرا، فهي قرآن، لكنها ليست بعض السورة، وإنما هي للفصل بين السور. وقال المالكية: لا يقرؤها في الصلاة المكتوبة، جهرا كانت أو سرا، لا في الفاتحة، ولا في غيرها من السور، ويجوز قراءتها في النافلة. وقال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه «2» ، لكن هذا غير ظاهر، لأنه ليس بلازم تواتر كل آية. وقال عبد الله بن المبارك: إنها آية من كل سورة، لما رواه مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت علي آنفا سورة» فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر 109/ 1- 3-] . وقال الشافعية والحنابلة: البسملة آية من الفاتحة، يجب قراءتها في الصلاة، إلا أن الحنابلة قالوا كالحنفية: يقرأ بها سرا، ولا يجهر بها. وقال الشافعية: يسرّ بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية، كما يجهر في سائر الفاتحة. ودليلهم على كونها آية في الفاتحة: ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قرأتم: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فاقرؤوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحد آياتها» وإسناده صحيح.
فضل البسملة:
ودليل الجهر بها لدى الشافعية: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم جهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «1» ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ، فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة. وتردد قول الشافعي في كون البسملة آية في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها، والأصح أنها آية من كل سورة كالفاتحة، بدليل اتفاق الصحابة على كتبها في أوائل كل سورة، ما عدا سورة براءة، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصاحف ما ليس من القرآن. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي السابق، اتفقت الأمة على أن البسملة آية في سورة النمل، وعلى جواز كتب البسملة في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فمنعه الشعبي والزهري، وأجازه سعيد بن جبير وأكثر المتأخرين «2» . فضل البسملة: قال علي كرم الله وجهه في قوله «بسم الله» : إنه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما «الرحمن» فهو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا. ملاحظة: أثبتّ النص القرآني برسم المصحف العثماني، فمثلا: «وأولوا» و «يتلوا» فيهما ألف، و «الصلوة» و «يريكم» هكذا، أما في الإملاء الحديثة فلا تكتب الألف في الكلمتين، وتكتب «الصلاة» و «يراكم» اليوم هكذا، وأما في شرحي أو تفسيري فأتقيد بالقواعد الجديدة. كذلك لا أعرب بعض الكلمات المعروفة، مثل أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ [المرسلات 17- 18] لم أعرب «نتبعهم» التي هي فعل مضارع مرفوع، لأنه كلام مستأنف، وليس مجزوما مثل «نهلك» .
أمل ودعاء وغاية:
أمل ودعاء وغاية اللهم اجعل كل ما تعلّمته- حفظته أو نسيته، وعلّمته، طوال حياتي، وكتبته أو ألّفته «1» من فيض فضلك، ومن حركة القلم الذي أكتب به، وومضة الفكر وإشعاعاته، وإجهاد العقل ونتاجه، وعناء النفس ليل نهار، ونور البصيرة والبصر، وإصغاء السمع، ووعي القلب ... ذخرا لي عندك، مخلصا لك فيه عملي، ومن أجل إعلاء كلمتك ونشر دينك، وتيسير العلم لأهله على وفق أذواق العصر والمعاصرين، وبقصد مرضاتك ووجهك الكريم، مبعدا عني بعد المشرقين كل ما يشوب ذلك من رياء أو سمعة أو شهرة، تفيض به علي من جودك وإحسانك، واحتسابا للأجر والثواب الواسع من لدنك وجنابك، فتقبّل مني يا كريم قليلي في كثيرك، ويسيري في سعتك، فإني في عصر لم أتمكن فيه من القيام بجهاد مثلما قام به السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأجزل به الأجر والنفع المنشود في حياتي وبعد مماتي، وحتى يوم العرض الأكبر عليك، وثقّل به ميزان حسابي، وحقق لي بفضلك ورحمتك النجاة يوم المعاد، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، يا أكرم مسئول، والحمد لله رب العالمين. أ- د: وهبة مصطفى الزحيلي
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ الأنفال 8/ 24 التّفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج في آخر الكتاب فهرسة ألفبائية شاملة الأستاذ الدكتور وهبة الزّحيلي رئيس قسم الفقه الاسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق الجزء الأول
سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع نزلت بعد المدثر:
سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع نزلت بعد المدّثّر [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) ما اشتملت عليه السورة: تضمنت هذه السورة معاني القرآن العظيم، واشتملت على أصول الدين وفروعه، وتناولت العقيدة، والعبادة، والتشريع، والإيمان بالبعث وبصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والإرشاد إلى طلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، وتجنب طريق المنحرفين عن هداية الله تعالى. أسماؤها: للفاتحة اثنا عشر اسما ذكرها القرطبي، وهي الصلاة، للحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» «1» ، وسورة الحمد، لأن فيها ذكر
فضلها:
الحمد، وفاتحة الكتاب، لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا وكتابة، وتفتتح بها الصلوات، وأم الكتاب في رأي الجمهور، وأم القرآن في رأي الجمهور، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «الحمد لله: أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسبع المثاني» «1» ، والمثاني، لأنها تثنى في كل ركعة، والقرآن العظيم، لتضمنها جميع علوم القرآن ومقاصده الأساسية، والشفاء لقوله صلّى الله عليه وسلم: «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم» «2» ، والرّقية، لقوله صلّى الله عليه وسلّم لمن رقى بها سيد الحي: «ما أدراك أنها رقية» «3» ، والأساس، لقول ابن عباس: « ... وأساس الكتب: القرآن، وأساس القرآن: الفاتحة، وأساس الفاتحة: بسم الله الرّحمن الرّحيم» ، والوافية: لأنها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال، فلو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز عند الجمهور، والكافية، لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. هذه هي أسماء سورة الفاتحة، وأشهرها ثلاث: الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني. والسورة: طائفة من القرآن مؤلفة من ثلاث آيات، فأكثر، لها اسم يعرف بطريق الرواية الثابتة. فضلها: ثبت في الأحاديث الصحيحة فضل الفاتحة، منها قوله صلّى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي- كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي- مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» «4» .
الإعراب:
ومنها أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأبي سعيد بن المعلّى: «لأعلّمنك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته» «1» . وهذان الحديثان يشيران إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر 15/ 87] لأنها سبع آيات تثنى في الصلاة، أي تعاد. الإعراب: الباء من بِسْمِ اللَّهِ زائدة بمعنى الإلصاق، والراجح أنها بمعنى الاستعانة، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف عند البصريين، وتقديره: ابتدائي بسم الله، أي كائن باسم الله، أو في موضع نصب بفعل مقدر عند الكوفيين، وتقديره: ابتدأت بسم الله. والْحَمْدُ لِلَّهِ مبتدأ وخبر، ورَبِّ الْعالَمِينَ صفة الله. ومالِكِ مجرور على البدل، لا على الصفة: لأنه نكرة، بسبب أنه اسم فاعل لا يكتسب التعريف من المضاف إليه، إذا كان للحال أو الاستقبال. ويَوْمِ الدِّينِ ظرف زمان. وإِيَّاكَ ضمير منصوب منفصل، والعامل فيه نَعْبُدُ والكاف للخطاب. واهْدِنَا سؤال وطلب، فعل أمر يتعدى إلى مفعولين. وصِراطَ الَّذِينَ بدل من الصراط الأول. والَّذِينَ اسم موصول. وغَيْرِ مجرور على البدل من ضمير عَلَيْهِمْ: وهذا ضعيف، أو من الَّذِينَ أو مجرور على الوصف للذين. ولَا في وَلَا الضَّالِّينَ زائدة للتوكيد عند البصريين، وبمعنى «غير» عند الكوفيين. وأما «آمين» فدعاء، وليس من القرآن، وهو اسم فعل ومعناه: اللهم استجب. البلاغة: الْحَمْدُ لِلَّهِ جملة خبرية لفظا، إنشائية معنى، أي قولوا: الحمد لله، وهي مفيدة قصر الحمد عليه تعالى. وإِيَّاكَ نَعْبُدُ ... فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتقديم المفعول يفيد القصر، أي لا نعبد سواك.
المفردات اللغوية:
واهْدِنَا الصِّراطَ أي ثبتنا عليه، فالمراد به دوام الطلب واستمراره. وغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فيه حذف، تقديره: غير صراط المغضوب عليهم. المفردات اللغوية: الْحَمْدُ الثناء بالجميل على الفعل الاختياري، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل النعمة. اللَّهِ: علم على الذات العلية المقدسة، ومعناه: المعبود بحق، وقيل: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسمّ به غيره. أما «الإله» فهو المعبود بحق أو باطل، يطلق على الله تعالى وعلى غيره. رَبِّ الرب: المالك والسيد المعبود والمصلح والمدبر والجابر والقائم، فيه معنى الربوبية والتربية والعناية بالمخلوقات. الْعالَمِينَ جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، وهو أنواع كعالم الإنسان والحيوان والنبات والذر والجن. ولفظ العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه، مثل رهط وقوم. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتان لله مشتقتان من الرحمة، لوحظ في كل منهما معنى معين، فالرحمن: صيغة مبالغة بمعنى: عظيم الرحمة، وهو اسم عام في جميع أنواع الرحمة، وأكثر العلماء على أن الرَّحْمنِ اسم مختص بالله عزّ وجلّ، ولا يجوز أن يسمى به غيره. والرَّحِيمِ بمعنى دائم الرحمة. ولما كان في اتصافه تعالى ب رَبِّ الْعالَمِينَ ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي مالك يوم الحساب والمكافأة والجزاء على الأعمال، والأمر كله في قبضته يوم القيامة، ومن عرف أن الله ملك يوم الدين، فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى. إِيَّاكَ نَعْبُدُ نخصك بالعبادة ولا نعبد غيرك، ومعناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلل وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي نطلب العون والتأييد والتوفيق، ونخصك بطلب المعونة، فأنت مصدر العون والفضل والإحسان، ولا يملك القدرة على عوننا أحد. وقد جاء الفعلان «نعبد ونستعين» بصيغة الجمع، لا بصيغة المفرد «إياك أعبد وإياك أستعين» للاعتراف بقصور العبد وحده عن الوقوف أمام الله، فكأنه يقول: لا يليق بي الوقوف وحدي وبمفردي في مناجاتك، وأخجل من تقصيري وذنوبي، بل أنضم إلى سائر المؤمنين، وأتوارى بينهم، فتقبل دعائي معهم، فنحن جميعا نعبدك ونستعين بك. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ عرفنا ووفقنا ودلنا على الطريق الموصل إلى الحق، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. والصراط المستقيم: الطريق المعتدل: طريق الإسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وختمت برسالاتهم رسالة خاتم النبيين، وهو جملة ما يوصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة، من عقائد وأحكام وآداب وتشريع ديني، كالعلم الصحيح بالله والنبوة وأحوال الاجتماع.
التأمين:
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي طريق من أنعمت عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين السابقين، وحسن أولئك رفيقا. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ أي لا تجعلنا مع أولئك الحائدين عن طريق الاستقامة، المبعدين عن رحمة الله، المعاقبين أشد العقاب، لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وضلوا الطريق. ويرى الجمهور أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى. والحق: أن المغضوب عليهم: هم الذين بلغهم الدين الحق الذي شرعه الله لعباده، فرفضوه ونبذوه. والضالون: هم الذين لم يعرفوا الحق، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح، وهم الذين لم تبلغهم رسالة أو بلغتهم بنحو ناقص.. التأمين: «آمين» دعاء، أي تقبل منا واستجب دعاءنا، وهي ليست من القرآن، ولم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السّلام، ويسن ختم الفاتحة بها، بعد سكتة على نون وَلَا الضَّالِّينَ ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن. ودليل سنيتها ما رواه مالك والجماعة (أحمد والأئمة الستة) عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أمّن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه» . آراء العلماء في الجهر والإسرار بالتأمين: للعلماء رأيان: قال الحنفية، والمالكية في الراجح: الإخفاء أو الإسرار بآمين أولى من الجهر بها، لأنه دعاء، وقد قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف 7/ 55] وقال ابن مسعود: «أربع يخفيهن الإمام: التعوذ، والتسمية، والتأمين، والتحميد» أي قول: ربنا لك الحمد. ورأى الشافعية والحنابلة: أن التأمين سرا في الصلاة السرية، وجهرا فيما يجهر فيه بالقراءة، ويؤمن المأموم مع تأمين إمامه، لحديث أبي هريرة المتقدم: «إذا أمّن الإمام فأمنوا ... » ودليلهم على هذا التفصيل: حديث أبي هريرة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا تلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول» «1» وحديث وائل بن حجر: «سمعت
التفسير والبيان:
النّبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يمدّ بها صوته» «1» . التفسير والبيان: أرشدنا الله تعالى إلى أن نبدأ كل أعمالنا وأقوالنا بالبسملة، فهي مطلوبة لذاتها، محققة للاستعانة باسمه العظيم. وعلمنا سبحانه كيف نحمده على إحسانه ونعمه، فهو صاحب الثناء بحق، فالحمد كله لله دون سواه، لأنه مالك الملك ورب العوالم والموجودات كلها، أوجدها ورباها وعني بها، وهو صاحب الرحمة الشاملة الدائمة، ومالك يوم الجزاء والحساب ليقيم العدل المطلق بين العباد، ويحقق للمحسن ثوابه، وللمسيء عقابه. فهذه الصفات تقتضينا أن نخص الله بالعبادة وطلب المعونة، والخضوع التام له، فلا نستعين إلا به، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، لأنه المستحق لكل تعظيم، والمستقل بإيجاد النفع ودفع الضر. وقد تعصف الأهواء بالنفوس، وتزيغ بالعقول، فلا غاصم من التردي في الشهوات ومتاهات الانحراف إلا الله، لذا أرشدنا الحق سبحانه إلى طلب الهداية والتوفيق منه، حتى نسير على منهج الحق والعدل، ونلتزم طريق الاستقامة والنجاة، وهو طريق الإسلام القديم المستمر الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والصالحين. وهذا شأن العبد العابد الناسك العاقل العارف حقيقة نفسه ومصيره في المستقبل، لا شأن الكافر الجاحد الضال المنحرف، الذي أعرض عن طريق الاستقامة عنادا، أو ميلا مع الأهواء، أو جهلا وضلالا، وما أكثر الضالين عن طريق الهداية، المتنكبين منهج الاستقامة، الذين استحقوا الغضب والسخط الإلهي!
فاللهم أدم علينا البقاء في طريق الهداية، وتقبل ثناءنا ودعاءنا واحفظنا من الغواية والضلال. وبه تبين أن الناس فريقان: فريق الهدى، وفريق الضلال «1» . وقد منح الله تعالى للإنسان خمس هدايات يتوصل بها إلى سعادته «2» . 1- هداية الإلهام الفطري: وتكون للطفل منذ ولادته، فهو يحس بالحاجة إلى الطعام والشراب، فيصرخ طالبا له إن غفل عنه والداه. 2- هداية الحواس: وهي متممة للهداية الأولى، وهاتان الهدايتان يشترك فيهما الإنسان والحيوان، بل هما في البداية أكمل في الحيوان من الإنسان، إذ إلهام الحيوان يكمل بعد ولادته بقليل، ويكتمل في الإنسان تدريجيا. 3- هداية العقل: وهي أسمى من الهدايتين السابقتين، فالإنسان خلق مدنيا بالطبع ليعيش مع غيره، ولا يكفي الحس الظاهر للحياة الاجتماعية، فلا بد له من العقل الذي يوجهه إلى مسالك الحياة، ويعصمه من الخطأ والانحراف، ويصحح له أغلاط الحواس، والانزلاق في تيارات الهوى. 4- هداية الدين: وهي الهداية التي لا تخطئ، والمصدر الذي لا يضل، فقد يخطئ العقل، وتنجرف النفس مع اللذات والشهوات، حتى توردها موارد الهلاك، فيحتاج الإنسان إلى مقوّم مرشد هاد لا يتأثر بالأهواء، فتسعفه هداية الدين لإرشاده إلى الطريق الأقوم، إما بعد الوقوع في الخطأ أو قبله، وتظل هذه الهداية هي الحارس الأمين الذي يفيء إليها الإنسان للتزود بمفاتيح الخير، والتسلح بمغلاق الشر، فيأمن العثور، ويضمن النجاة، وتعرّفه بحدود ما يجب
عليه لسلطان الله الذي يخضع له في أعماق نفسه، ويحس بالحاجة الملحة لصاحب ذلك السلطان، الذي خلقه وسواه، وأنعم عليه نعما ظاهرة وباطنة، لا تعد ولا تحصى. فصارت هذه الهداية أشد ما يحتاج إليها الإنسان، لتحقيق سعادته. وقد أشار القرآن إلى تلك الهدايات في آيات كثيرة، منها وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد 90/ 10] أي بينا له طريقي الخير والشر، والسعادة والشقاء. ومنها قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت 41/ 17] أي أرشدناهم إلى طريق الخير والشر، فاختاروا الثاني. 5- هداية المعونة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة: وهي أخص من هداية الدين، وهي التي أمرنا الله بدوام طلبها في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي دلنا دلالة، تصحبها من لدنك معونة غيبية، تحفظنا بها من الضلال والخطأ. وهذه الهداية خاصة به سبحانه، لم يمنحها أحدا من خلقه، بل نفاها عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص 28/ 56] ، وقوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة 2/ 272] ، وأثبتها لنفسه في قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام 6/ 90] . أما الهداية بمعنى الدلالة على الخير والحق، فأثبتها الله للنّبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى 42/ 52] . والخلاصة: الهداية في القرآن نوعان: هداية عامة: وهي الدلالة إلى مصالح العبد في معاده، وهذه تشمل الأنواع الأربعة السابقة، وهداية خاصة: وهي الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة، مع الدلالة، وهي النوع الخامس.
والإضلال نوعان «1» : أحدهما- أن يكون سببه الضلال: إما بأن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت البعير، أي ضلّ عني، وإما أن تحكم بضلاله. والضلال في هذين سبب الإضلال. والثاني- أن يكون الإضلال سببا للضلال: وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضلّ. وإضلال الله تعالى للإنسان على أحد وجهين: إما الحكم عليه بالضلال، أو التّمكين من البقاء في الضلال. والأول- سببه الضلال: وهو أن يضل الإنسان، فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة، وذلك إضلال هو حق وعدل، لأن الحكم على الضال بضلاله والعدول به عن طريق الجنة إلى النار عدل وحق. والثاني- سببه اختيار الإنسان: وهو أن يختار الإنسان طريق الانحراف، فيمده الله في ضلاله، ويمكّنه من البقاء في طغيانه، ويخلق له القدرة على الاستمرار في كفره وفساده، لذا نسب الله الإضلال للكافر والفاسق، دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إضلال المؤمن، فقال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ [التوبة 9/ 115] ، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ [محمد 47/ 4- 5] ، وقال في الكافر والفاسق: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد 47/ 8] ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة 2/ 26] ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ [غافر 40/ 74] ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم 14/ 27] ، وعلى هذا النحو
فقه الحياة أو الأحكام:
تقليب الأفئدة في قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ [الأنعام 6/ 110] ، والختم على القلب في قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة 2/ 7] ، وزيادة المرض في قوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة 2/ 10] ، فمن اختار الضلالة، أبقاه الله فيها، ومنع عنه نفوذ الهداية إلى قلبه، عقابا له من الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: لا يوجد في القرآن آية بدون معنى أو فائدة أو حكمة أو تشريع، فهو كلام الله المعجز دستور الحياة البشرية، وبناء عليه، يقصد بالآيات القرآنية تحقيق فائدة الإنسان في حياته الدينية والدنيوية والأخروية، وتربطه بالحياة. وتكون بالتالي الأحكام المستفادة من معاني الآيات مرتبطة ارتباطا وثيقا إما بالعقيدة أو بالعبادة أو بالأخلاق والسلوك أو بالتشريع الصالح للفرد والجماعة، وهذا المعنى الأعمّ هو الذي عنيته بفقه الحياة في القرآن الكريم. والمعاني أو الأحكام المستفادة من الفاتحة تشمل صلة الإنسان بالله، وتحدد طريق مناجاته، وترسم له نوع مسيرته في الحياة، وتلزمه باتّباع المنهج الأقوم والطريق الأعدل، الذي لا انحراف فيه قيد أنملة عن جادّة الاستقامة، ولا قبول بأي لون من ألوان الضلال والغيّ والانحراف. ومعنى البسملة في الفاتحة: أنّ جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام وغيرها هو لله ومنه، ليس لأحد غير الله فيه شيء. 1- كيفية حمد الله: الفاتحة ذلك النشيد العاقد للصلة مع الله، والذي علّمنا الله إياه، يقرؤه المؤمن في كل المناسبات، في الصلاة وغيرها، لأن بدايته على تأويل: قولوا: الحمد لله ربّ العالمين، وذلك يقضي أن الله أمرنا بفعل الحمد، وعلمنا كيف نحمده ونثني عليه، وكيف ندعوه، ويفهم منه أنّ من آداب الدعاء: أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ليكون ذلك أدعى إلى الإجابة.
2- قراءة الفاتحة في الصلاة: للعلماء رأيان في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. الرأي الأول- للحنفية: وهو عدم وجوب قراءة الفاتحة، وإنما الواجب للإمام والمنفرد مطلق قراءة، وهو قراءة آية من القرآن، وأقلها عند أبي حنيفة آية بمقدار ستة أحرف، مثل: ثُمَّ نَظَرَ [المدثر 74/ 21] ولو تقديرا، مثل: لَمْ يَلِدْ إذ أصله: «لم يولد» [الإخلاص 112/ 3] . وقال الصاحبان: فرض القراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. واستدلوا بالكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل 73/ 20] ، وهو أمر بمطلق قراءة، فتتحقق بأدنى ما يطلق عليه اسم القرآن. وأما السنة: فحديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» «1» . وأما حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» «2» ، فمحمول على نفي الفضيلة، لا نفي الصحة، أي لا صلاة كاملة. وأما المعقول: فهو أنه لا تجوز الزيادة بخبر الواحد الظني على ما ثبتت فرضيته بالدليل القطعي في القرآن، ولكن خبر الواحد يقتضي وجوب العمل به، لا الفرضية، فقالوا بوجوب قراءة الفاتحة فقط، أي أن الصلاة تصح بتركها، مع الكراهة التحريمية. ولا قراءة مطلقا على المقتدي عند الحنفية، سواء أكانت الصلاة سرية أم
جهرية، واستدلوا أيضا بالكتاب والسنة والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف 7/ 204] ، وهي تأمر بالاستماع والإنصات، والاستماع خاص بالجهرية، والإنصات يعمّ السريّة والجهريّة. وأما السّنة: فقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى خلف إمام، فإن قراءة الإمام له قراءة» «1» ، وهو يشمل السرية والجهرية. وأما القياس: فهو أنه لو وجبت القراءة على المأموم، لما سقطت عن المسبوق، كسائر الأركان، فقاسوا قراءة المؤتم على قراءة المسبوق في حكم الصلاة، فتكون غير مشروعة. الرأي الثاني- للمالكية والشافعية والحنبلية: وهو وجوب قراءة الفاتحة بعينها في الصلاة للإمام والمنفرد، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ، وحملوا النفي على نفي الحقيقة، لأن الأصل والأقوى أن النفي على العموم، أي لا صلاة صحيحة، ونفي الصحة أقرب إلى نفي الحقيقة. وقوله عليه الصلاة والسلام أيضا: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» «2» ، ولفعله صلّى الله عليه وسلّم كما روى مسلم، مع خبر البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . قال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة، لكل أحد على العموم. وتتعين عند الشافعية قراءة الفاتحة، في كل ركعة، للإمام والمأموم والمنفرد، سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية، فرضا أم نفلا، لحديث:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ، وحديث: «صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف، قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم؟» قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: «لا تفعلوا إلّا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ فيها» «1» ، فهو نص صريح خاص بقراءة المأموم، دال على فرضيتها، وظاهر النفي متجه إلى الإجزاء، أي لا تجزئ، وهو كالنفي للذات في المآل، وقراءة الفاتحة مستثناة من النص القرآني الآمر بالاستماع إلى القرآن والإنصات له. ورأى المالكية والحنابلة: أنه لا يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية، وإنما يستحب أن يقرأها في السرية، لأن الأمر القرآني بالاستماع والإنصات للقرآن خاص بالصلاة الجهرية، بدليل «أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: فإني أقول: ما لي أنازع القرآن، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما يجهر فيه من الصلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» «2» . وهذا صريح في كراهة القراءة للمؤتم حالة الجهر. وأما دليلهم على استحباب القراءة في حالة السرّ: فهو قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أسررت بقراءتي فاقرءوا» «3» . 3- استحضار معاني الفاتحة: على المصلي أن يستحضر في صلاته كل معاني الفاتحة من كون الله أعظم من كل عظيم، وأكبر من كل شيء، وأن كل ثناء جميل هو لله تعالى استحقاقا وفعلا، من حيث إنه الرّب خالق العالمين ومدبّر جميع
أمورهم، وأنّ رحمة الله مقرونة بعظمته وملكه وسلطانه وتصرفه دون غيره يوم الحساب، فهو المستحق للعبادة وحده، ومنه وحده تطلب المعونة على العبادة وعلى جميع الشؤون، وهو سبحانه الدّال بتوفيقه ومعونته إلى طريق الخير والحق في العلم والعمل، وللمؤمن في مناجاته قدوة حسنة وهم أولئك الذين أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كما أن أمامه عبرة وعظة وهم الذين غضب الله عليهم بإيثارهم الباطل على الحق، وترجيحهم الشّر على الخير، والضّالون عن طريق الحق والخير بجهلهم، الذين ضلّ سعيهم في الحياة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فمصيرهم إلى جهنم وساءت مصيرا. وأما الذين جاءوا على فترة من الرّسل كأهل الفترة في عصر الجاهلية، فلا يكلفون في رأي الجمهور بشريعة، ولا يعذبون في الآخرة، لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء 7/ 15] . وقال جماعة من العلماء: إنهم يكلّفون ويعذّبون، لأن العقل وحده كاف في التكليف، فمتى أوتيه الإنسان، وجب عليه النظر في ملكوت السموات والأرض، والتدبّر والتفكّر في خالق الكون، وما يجب له من عبادة وإجلال، بقدر ما يهديه عقله، ويصل إليه اجتهاده، وبذلك ينجو من العذاب. 4- قراءة غير العربي: أجمع الفقهاء على أنه لا تجزئ قراءة القرآن بغير العربية، ولا الإبدال بلفظها لفظا عربيا، سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن، لقوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا [يوسف 12/ 2] ، وقوله سبحانه: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء 26/ 195] ، ولأن القرآن معجزة بلفظه ومعناه، فإذا غيّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنا ولا مثله، وإنما يكون تفسيرا له، والتفسير غير المفسر، وليس هو مثل القرآن المعجز المتحدي بالإتيان بسورة مثله.
وأجاز القرطبي المالكي للعاجز عن العربية أن يذكر في موضع القراءة ما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله. وأجاز الكاساني لعاجز عن القراءة بالعربية أن يقرأ الفاتحة بغير العربية «1» . 5- تأمين المصلي: يؤمن المنفرد اتّفاقا. وأما الإمام: فيؤمن سرّا عند أبي حنيفة وفي الراجح عند المالكية، لأنه دعاء. وروي عن مالك أنه قال: لا يؤمن وإنما يقول ذلك من خلفه، وقال الشافعية والحنابلة: يجهر الإمام بالتأمين في الصلاة الجهرية، كما بيّنا سابقا. وقال ابن العربي والقرطبي «2» : والصحيح تأمين الإمام جهرا، فإن ابن شهاب الزهري قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: آمين، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، وفي البخاري: حتى إن للمسجد للجّة «3» من قول الناس: آمين. وأما المأموم: فيؤمّن سرّا عند الحنفية والمالكية، وجهرا فيما يجهر فيه بالقراءة، ويخفيه فيما يخفي فيه القراءة عند الشافعية والحنابلة.
سورة البقرة:
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة مدنيّة إلا آية 281 فنزلت بمنى في حجّة الوداع وآياتها مائتان وست وثمانون وهي أول سورة نزلت بالمدينة ما اشتملت عليه السورة: سورة البقرة أطول سورة في القرآن، وهي مدنية، قال عكرمة: «أول سورة أنزلت بالمدينة: سورة البقرة» «1» . وتعنى كغيرها من السور المدنية بالتشريع المنظم لحياة المسلمين في المجتمع الجديد بالمدينة، مجتمع الدين والدولة معا، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإنما هما متلازمان تلازم الجسد والروح، لذا كان التشريع المدني قائما على تأصيل العقيدة الإسلامية، ومبدؤها الإيمان بالله، وبالغيب، وبأن مصدر القرآن هو الله عز وجل، والاعتقاد الجازم بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين، وبأن العمل الصالح ترجمان ذلك الإيمان، ويتمثل العمل بعقد صلة الإنسان مع ربه بواسطة الصلاة، وبتحقيق أصول التكافل الاجتماعي بواسطة الإنفاق في سبيل الله. ويقتضي تقرير العقيدة التحدث عن صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، لعقد مقارنة بين أهل النجاة وبين أهل الدمار والهلاك. كما يقتضي التحدث عن قدرة الله عز وجل، ببدء الخليقة وتكريم آدم أبي البشر بسجود الملائكة له، وترتيب المولى ما حدث معه وزوجه في الجنة، ثم الهبوط إلى الأرض.
واستوجب التحذير الإلهي للمؤمنين التحدث في هذه السورة بما يزيد عن ثلثها عن جرائم بني إسرائيل، من الآية 47- 123، فهم كفروا بنعمة الله، ولم يقدّروا نجاتهم من فرعون، وعبدوا العجل، وطالبوا موسى عليه السّلام بطلبات على سبيل العناد والمكابرة والتحدي، وبالرغم من تحقيق مطالبهم المادية كفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، ونقضوا العهود والمواثيق، فاستحقوا إنزال اللعنة وغضب الله عليهم، وجعلهم الله أذلاء منبوذين مطرودين من رحمته. ثم انتقلت السورة من خطاب أهل الكتاب إلى خطاب أهل القرآن، بالتذكير بما هو مشترك بين قوم موسى وقوم محمد عليهما السلام من نسب إبراهيم والاتفاق على فضله، واستئصال كل مزاعم الخلاف على القبلة، وبيان الأساس الأعظم للدين وهو توحيد الألوهية، بتخصيص الخالق بالعبودية، وشكر الإله على ما أنعم به من إباحة الاستمتاع بطيبات الرزق وإباحة المحرّمات حال الضرورة، وبيان أصول البرّ في آية: لَيْسَ الْبِرَّ [في البقرة 2/ 177] . ثم أوضحت السورة أصول التشريع الإسلامي للمؤمنين به، في نطاق العبادات والمعاملات، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد في سبيل الله وتنظيم أحكام القتال، واعتماد الأشهر القمرية في التوقيت الديني، والإنفاق في سبيل الله، لأنه وسيلة للوقاية من الهلاك، والوصية للوالدين والأقربين، وبيان مستحقي النفقات، ومعاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة، وتنظيم شؤون الأسرة في الزواج والطلاق والرضاع والعدة، والإيلاء من النساء، وعدم المؤاخذة بيمين اللغو، وتحريم السحر، والقتل بغير حق وإيجاب القصاص في القتلى، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الخمر والميسر والربا، وإتيان النساء في المحيض وفي غير مكان الحرث وإنجاب النسل، أي في الدبر.
سبب التسمية:
وتضمنت السورة آية عظيمة في العقيدة والأسرار الإلهية، وهي آية الكرسي، وحذرت من يوم القيامة الرهيب في آخر ما نزل من القرآن، وهي آية وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة 2/ 281] . وتضمنت هذه السورة أطول آية في القرآن هي آية الدّين، التي أبانت أحكام الدّين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال فيها، والرهان، ووجوب أداء الأمانة، وتحريم كتمان الشهادة. وختمت السورة بالتذكير بالتوبة والإنابة إلى الله، وبالدعاء العظيم المشتمل على طلب اليسر والسماحة، ورفع الحرج والأغلال والآصار، وطلب النصرة على الكفار. فالسورة كلها منهاج قويم للمؤمنين، ببيان أوصافهم، وأوصاف معارضيهم ومعاديهم من الكفار والمنافقين، وتوضيح مناهج التشريع في الحياة الخاصة والعامة، واللجوء في الخاتمة إلى الله والدعاء المستمر له في التثبيت على الإيمان، والإمداد بالإحسان والفضل الإلهي، وتحقيق النصر على أعداء الله والإنسانية. ومن توجيهات السورة أن مناط السعادة في الدنيا والآخرة هو اتباع الدين، وأصول الدين ثلاثة: هي الإيمان بالله ورسوله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح. والولاية العامة يجب أن تكون لأهل الإيمان والاستقامة، لكن الإكراه على الدين ممنوع. سبب التسمية: سميت هذه السورة «سورة البقرة» لاشتمالها على قصة البقرة، التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها، لاكتشاف قاتل إنسان، بأن يضربوا الميت بجزء منها،
فضلها:
فيحيا بإذن الله، ويخبرهم عن القاتل، والقصة تبدأ بالآية [ (67) من سورة البقرة] وهي قصة مثيرة فعلا، يعجب منها السامع، ويحرص على طلبها. فضلها: فضل هذه السورة عظيم، وثوابها جسيم، ويقال لها: «فسطاط القرآن» لعظمها وبهائها، وكثرة أحكامها ومواعظها، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» «1» وقال أيضا: «اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» «2» أي السحرة. وفي صحيح البستي عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن سورة البقرة، ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال، ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام» . صفات المؤمنين وجزاء المتقين [سورة البقرة (2) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
الإعراب:
الإعراب: الم أحرف مقطعة مبنية غير معربة، وكذلك سائر حروف الهجاء في أوائل السور. ذلِكَ ذا: اسم إشارة مبني في موضع رفع، وهو إما مبتدأ والْكِتابُ خبره، وإما خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هو ذلك الكتاب. والْكِتابُ بدل من ذلك أو عطف بيان. لا رَيْبَ فِيهِ لا: نافية للجنس، ورَيْبَ اسمها المنصوب. وفِيهِ متعلق بمحذوف خبر تقديره: كائن. هُدىً إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هو هدى، أو منصوب على أنه حال من «ذا» أو من الْكِتابُ أو من الضمير في فِيهِ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إما بالجر صفة للمتقين أو بدل منهم، وإما بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره أُولئِكَ عَلى هُدىً أو على أنه خبر مبتدأ مقدر، وتقديره هم الذين وإما بالنصب على تقدير «أعني» ويُؤْمِنُونَ صلته. أُولئِكَ عَلى هُدىً بالرفع على أنه مبتدأ، وعَلى هُدىً خبره، أو خبر الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إذا جعل الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ مبتدأ. البلاغة: ذلِكَ الْكِتابُ الإشارة بالبعيد عن القريب للتنبيه على علو شأنه. هُدىً لِلْمُتَّقِينَ مجاز مرسل أو عقلي، أسند الهداية للقرآن، لأنه سبب الهداية، والهادي في الحقيقة هو الله تعالى. أُولئِكَ عَلى هُدىً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ للعناية بشأن المتقين. رَبِّهِمْ للحصر فيهم «1» . المفردات اللغوية: الْكِتابُ القرآن العظيم. ذلِكَ الْكِتابُ قال عامة المفسرين: تأويل قول الله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ: هذا الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ لا شك في أنه من عند الله هُدىً هداية ورشاد لِلْمُتَّقِينَ الذين وقوا أنفسهم مما يضرها، فالتزموا الأوامر الإلهية وتجنبوا النواهي والمحظورات.
التفسير والبيان:
يُؤْمِنُونَ الإيمان: هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها، ويدل عليه العمل. وبِالْغَيْبِ ما غاب عن الإنسان من حساب وجزاء وجنة ونار وغيرها. وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ الإتيان بها مستكملة شروطها وأركانها. يُوقِنُونَ اليقين: هو الاعتقاد الذي لا يقبل الشك، وهو حقيقة العلم. التفسير والبيان معنى البسملة إعلان بأن جميع ما في السورة من الله تعالى، لا من إنسان، أنزلها برحمته لهداية الناس إلى ما فيه الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. وهي لا شك آية من القرآن بإجماع الصحابة الذين حرصوا عند جمع المصحف ألا يكتبوا فيه أي شيء من غير القرآن. وقد استفتح الله هذه السورة بالحروف المقطعة، تنبيها لوصف القرآن وإشارة إلى إعجازه، وتحديا دائما على الإتيان بأقصر سورة من مثله، وإثباتا قاطعا إلى أنه كلام الله الذي لا يضارعه شيء من كلام البشر، فكأن الله يقول للعرب الذين نزل القرآن بلغتهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله، مع أنه كلام عربي، مركب من الحروف الهجائية التي ينطق بها كل عربي، ومع ذلك عجزتم عن مجاراته. هذا هو رأي المحققين من العلماء الذين قالوا: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها، بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها «1» . قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون
أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن «1» . ومما يدل على كون الم مكونة من الحروف المقطعة: قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» «2» . ثم وصف الله تعالى القرآن بأوصاف ثلاثة: الأول- أنه الكتاب الكامل في كل ما اشتمل عليه من معان ومقاصد وقصص وعبر وتشريعات غير قابلة للنقض. والثاني- أنه لا شك في كونه حقا من عند الله، لمن أمعن النظر وأصغى بقلبه. والثالث- أنه مصدر هداية وإرشاد للمؤمنين المتقين، الذين يتقون عذاب الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهم المنتفعون به. ثم أبان الله تعالى أربع صفات للمتقين الذين ينتفعون بالقرآن، وهم الذين يؤمنون ويصدقون بالغيبيات التي أخبر عنها القرآن من البعث والحساب والصراط والجنة والنار وغيرها، فلا يقفون عند مجرد الماديات والمحسوسات التي يدركها العقل إدراكا قريبا، وإنما يدركون أيضا ما وراء المادة من عوالم أخرى كالروح والجن والملائكة، وعلى رأسها وجود الله ووحدانيته. ثم يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها وآدابها وخشوعها،
فقه الحياة أو الأحكام:
فالصلاة بدون خشوع وتأمل في المقروء فيها وتدبر للمعاني القرآنية وخشية لله جسم بلا روح. ثم ينفقون في وجوه البر والإحسان من الأموال كالزكاة والصدقة وسائر النفقات الواجبة شرعا، فيتحقق الرخاء لجميع الناس، وتتطهر الأموال مما شابها من شبهات، ويكتمل البناء المنشود شرعا: بناء الفرد بالصلاة التي هي عماد الدين، وبناء المجتمع بالزكاة وتوابعها التي هي أساس التقدم ورقي الحياة وسعادة الأمة. فالآية عامة في كل غيب أخبر به الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه كائن، وعام في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا، وعام في كل نفقة. ثم إن أولئك المتقين هم الذين يصدقون بجميع ما أنزل على النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ويصدقون أيضا تصديقا جازما لا شك فيه بالآخرة وما تضمه من بعث الأجساد والأرواح معا من القبور، وحساب وجزاء وميزان وصراط وجنة ونار. وهؤلاء الموصوفون بما ذكر من الإيمان الحق بالغيب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بالقرآن وبالكتب المنزلة قبله (وهي التوراة والإنجيل والزبور والصحف) ، هم على نور وهداية من ربهم، وعلى منزلة عالية عند الله، وهم الفائزون بالدرجات العالية في جنات الخلود. فقه الحياة أو الأحكام: هذه صفات المؤمنين ومنهاجهم وقانونهم في الحياة الإسلامية: إيمان شامل كامل بكل ما غاب علمه عنهم، كذات الله تعالى وملائكته والدار الآخرة، مما أخبر عنه القرآن العظيم وأرشد إليه الدليل السليم، والإيمان مقرون بالعمل الصالح: وهو إقامة الصلاة المفروضة، والإنفاق في سبيل الله في الجهاد، وعون
صفات الكافرين [سورة البقرة (2) الآيات 6 إلى 7] :
الفقراء والمساكين وصدقة التطوع، والنفقة الواجبة على الأهل والولد وذي القربى. ولا يتجزأ الإيمان بما أنزل الله، فلا بد من الإيمان التفصيلي بكل ما أنزله الله تعالى في القرآن، والإيمان الإجمالي بالكتب والصحف السماوية السابقة، هذا مع العلم بأنه لا يعتد بما دون اليقين في الإيمان. وأرشدت الآيات إلى أن التقوى: وهي الخوف من المخالفة، فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء. فمن اتصف بأوصاف المؤمنين المذكورة، كان القرآن هدى له، أي أنه إمامه في أعماله وأحواله، لا يحيد عن نهجه، وقد ضمن لنفسه النجاة في عالم الآخرة، والسعادة والطمأنينة في الدنيا. والمشار إليه عند الجمهور وهم المؤمنون واحد، وكرر الإشارة للإعلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى، وأنهم هم المفلحون. قال مجاهد: في أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين. صفات الكافرين [سورة البقرة (2) : الآيات 6 الى 7] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) الإعراب: سَواءٌ إما مبتدأ، وخبره: أَأَنْذَرْتَهُمْ..، أو خبر إِنَّ وما بعده، والتقدير فيه: إن الذين كفروا مستو عليهم الإنذار وتركه. وإنما وحّد سَمْعِهِمْ ولم يجمعه
البلاغة:
ك قُلُوبِهِمْ وأَبْصارِهِمْ إما لأن السمع مصدر، والمصدر: اسم جنس يقع على القليل والكثير، أو على تقدير مضاف بلفظ الجمع، أي مواضع سمعهم، أو اكتفاء باللفظ المفرد لما أضافه إلى الجمع، وهو يفيد العموم، والمراد به الجمع. البلاغة: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ.. فيه التيئيس من إيمان الكفار، بسبب عدم استعدادهم للإيمان. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ استعارة تصريحية، شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق بالوعاء المختوم عليه، واستعارة لفظ الختم بطريق الاستعارة التصريحية، للتصريح بلفظ المشبه به وحذف المشبه وأداة التشبيه ووجه الشبه. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ثم وصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حدّ العظمة كمّا وكيفا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان. المفردات اللغوية: الكفر: ستر الشيء وتغطيته، ومن كفر فقد غطى الحقيقة وستر نعم الله عليه، وكل من لم يؤمن بالقرآن فهو كافر. أَأَنْذَرْتَهُمْ الإنذار: الاعلام مع التخويف. خَتَمَ اللَّهُ طبع الله عليها بالخاتم، والمراد: أغلقت قلوبهم، فلا يدخلها إيمان ونور. غِشاوَةٌ غطاء وستر، والمقصود: التعامي عن النظر إلى آيات الله. المناسبة وسبب النزول: أتبع الله تعالى هذه الآية بعد بيان أحوال المؤمنين، لعقد مقارنة بين أهل الإيمان وبين أهل الكفر، لأن الكفر ضد الإيمان، والمؤمنون ناجون، والكفار هالكون خالدون في نار جهنم. وسبب النزول في أصح الروايات: ما أخرجه الطبري عن ابن عباس والكلبي أن هاتين الآيتين نزلتا في رؤساء اليهود، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما «1» .
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: إن الذين كفروا وجحدوا بآيات الله وكذبوا بالقرآن، وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم يستوي عندهم الإنذار وعدمه، فلا تتأثر قلوبهم به، لأنها مغلقة لا يصل إليها النور الإلهي، ولا يشرق فيها إيمان، بسبب تعاميهم عن الحق وآيات الله، فلا ينفذ إليها أثر الهداية والموعظة، ولأنهم عطلوا وسائل المعرفة والنظر والتفكير وإعمال السمع والبصر، فأصبحوا يرون الحق فلا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه، فكان جزاؤهم عذابا عظيما شديدا لا ينقطع، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: في هاتين الآيتين تسلية للنّبي صلّى الله عليه وسلّم عن تكذيب قومه له، فلا تحسّر عليهم، ولا طمع في إيمانهم، ولا لوم عليه فيهم. والختم على القلوب بمعنى عدم وعي الحق، وإلقاء الغشاوة على المسامع والأبصار: بمعنى عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم، أو بمعنى عدم نظرهم في مخلوقات الله، أو بمعنى أنهم دعوا إلى وحدانية الله فلم يؤمنوا، وكل ذلك إنما كان بسبب كفرهم وجحودهم، لا بسبب في القرآن أو تقصير من محمد أو أحد بعده في هدايتهم، فهم المتسببون لكل ذلك، المعرضون عن استخدام وسائط المعرفة السليمة في اعتقاد الحق والعمل به. فدلّ تعبير الختم والطبع على القلوب والأسماع والأبصار على تمكّن الكفر في قلوبهم، حتى فقدوا الدّواعي والأسباب التي ترشدهم إلى النظر والتفكّر في أدلّة الإيمان ومحاسنه، وأصبحوا في هيئة أو عادة تألف الجحود والعصيان. وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى أسماعهم وأبصارهم إلى الله تعالى، تنبيها على سنة الله في أمثالهم، لا على أنهم مجبورون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إياهم من الإيمان بالقهر، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرّسهم على الكفر وإعماله في قلوبهم،
صفات المنافقين - 1 -[سورة البقرة (2) الآيات 8 إلى 10] :
بأنه استحوذ عليها وملك أمرها، حتى لم يعد فيها استعداد لغيره، وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن خذله وأمدّ له في ضلاله، إذ لم يمنعه حقا وجب له، فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم. ويوضحه آيتان أخريان هما: وَقالُوا: قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ، فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ [البقرة 2/ 88] ، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت 41/ 4- 5] ، فهم باستكبارهم وعنادهم لا يخرجون عن سلطان الله، وأن الله سبحانه خالق كل شيء من الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والإنسان هو الذي يختار أحد المنهجين. صفات المنافقين- 1- [سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 10] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) الإعراب: مَنْ يَقُولُ وحد الضمير في الفعل مراعاة للفظ «من» وتجوز مراعاة المعنى، فيجمع. يُخادِعُونَ اللَّهَ أي نبيّ الله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. بِما كانُوا يَكْذِبُونَ الباء تتعلق بفعل مقدّر، أي استقر لهم. و «ما» مع الفعل بعدها في تقدير المصدر، أي بكونهم يكذبون.
البلاغة:
البلاغة: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ المتبادر أن يقال: «وما آمنوا» ليطابق قوله مَنْ يَقُولُ آمَنَّا ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم، لإخراجهم من عداد المؤمنين، وأكده بالباء مبالغة في تكذيبهم. يُخادِعُونَ اللَّهَ استعارة تمثيلية، شبه حالهم مع ربهم في إظهار الإيمان وإخفاء الكفر بحال رعية تخادع سلطانها، وأستعير المشبه به للمشبه بطريق الاستعارة. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كناية، كنّى بالمرض في القلب عن النفاق، لأن المرض فساد للجسد، والنفاق فساد للقلب. المفردات اللغوية: بِالْيَوْمِ الْآخِرِ هو من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. والنفاق: اسم شرعي جعل سمة لمن يظهر الإيمان ويسرّ الكفر. يُخادِعُونَ يعملون عمل المخادع، والخداع: صرف الغير عما يقصده بحيلة، والمراد هنا: إظهار الإسلام وإضمار الكفر. مَرَضٌ المرض: العلة، والمراد هنا شك ونفاق وتكذيب وجحود. فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً: شكّا. التفسير والبيان: هؤلاء هم الصنف الثالث من الناس، وقد وصف الله حال الذين كفروا في آيتين، وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، ودعاهم صمّا بكما عميا، وضرب لهم الأمثال، فهم أشدّ خطرا على الإسلام من الكفار صراحة. ولا تقتصر أوصاف المنافقين على المعاصرين للنّبي صلّى الله عليه وسلّم فقط، بل في كل عصر إذا وجدت صفاتهم. وأول هذه الصفات النطق بالإيمان باللسان، وامتلاء القلب بالكفر والضلال. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين في عصر النّبوة، وكان
فقه الحياة أو الأحكام:
أكثر أصحابه من اليهود، وكانوا يدّعون الإيمان، فردّ الله عليهم دعواهم، وأنهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين، وإن تظاهروا به، ولا شكّ أنهم بهذا في صورة المخادعين لله، والله يعلم عنهم ذلك، فهم أشد ضررا من الكفار، ولهم في الآخرة عذاب أليم بسبب كذبهم في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر. ونظرا لقصور عقولهم تصوّروا أنهم يخدعون الله تعالى، وهو منزّه عن ذلك، فإنه لا يخفى عليه شيء، وهذا دليل على أنهم لم يعرفوه، ولو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع، وليس خداعهم إلا وبالا عليهم، والله قادر على كشف أمرهم للمسلمين. ومع كل ذلك يأمر الله بإجراء أحكام الإسلام عليهم، كأنه يخادعهم، على سبيل المشاكلة والمحاكاة والمشابهة لفعلهم، وكأن المسلمين حيث امتثلوا أمر الله فيهم مخادعون لهم، من باب التشبيه والتمثيل، للإشارة إلى أن المنافقين هم الخادعون المخدوعون. والصحيح- كما قال ابن العربي «1» - أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقتلهم وأعرض عنهم لمصلحة تألف القلوب عليه، ومخافة من سوء المقالة الموجبة للتنفير، لئلا تنفر عنه القلوب، وقد أشار هو صلّى الله عليه وسلّم إلى هذا المعنى، فقال: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم يقتل أصحابه» وهذا كما كان يعطي الصدقة للمؤلفة قلوبهم، مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا لهم. فقه الحياة أو الأحكام: إن النفاق مرض خطير، وإن المنافقين شوكة مؤذية تطعن المجتمع من الداخل، وكان المتبادر إلى الذهن في تقديرنا أن تستأصل شأفة النفاق
والمنافقين، حتى ترتاح الدولة منهم، وكذلك تفعل الدول الآن، إلا أن للوحي الإلهي والتشريع السماوي حكمة عميقة الأثر، بعيدة المدى، تنتظر أحداث المستقبل، ليظهر للناس قصور علمهم أمام سعة العلم الإلهي، فكثيرا ما لاقى النّبي صلّى الله عليه وسلّم الأذى من المنافقين ولكنه انتصر في النهاية عليهم، ولعل ذلك من أصدق البراهين التاريخية على أن النفاق واليهودية شيئان متلازمان: لأنه ينشأ عن جبن حقيقي ولؤم طبعي، فالمنافق يلتوي مع الناس في أقواله وأفعاله، ويظهر النعومة، ولكنها السّم الزعاف في الدسم. وتشير الآيات إلى أن الكذب هو شعار المنافقين، لذا حذر الله المؤمنين منه أشد التحذير، فما فشا في أمة إلا كثرت فيها الجرائم، وشاعت فيها الرذائل، قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان» «1» . وإذا كان الكذب شعار المنافقين، فإن الصراحة في القول، والجرأة في العمل الموافق للاعتقاد شعار المؤمنين الصادقين، الذين يستحقون كل تكريم، فتكون العظة بإيراد صفات المنافقين أشد أثرا، وأحكم أمرا للمؤمنين أنفسهم، إذ امتازوا بالثبات على الحق، وظل المنافقون في نفاقهم وزاد تمسكهم بما هم عليه، وأبوا الإيمان، وأعرضوا عن القرآن، وازداد مرض قلوبهم، وتحرقت نفوسهم بعد ما جاءهم البشير النذير، وعلا مجده وكثر أتباعه، على ما فاتهم من الزعامة، وحسدا للنّبي صلّى الله عليه وسلّم وصحبه.
صفات المنافقين - 2 -[سورة البقرة (2) الآيات 11 إلى 13] :
صفات المنافقين- 2- [سورة البقرة (2) : الآيات 11 الى 13] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) الإعراب: وَإِذا إذا: ظرف زمان مستقبل، وهو مبني لتضمنه معنى الحرف لَهُمْ في موضع رفع نائب فاعل لكلمة قِيلَ: هذا رأي ابن الأنباري، والصحيح أنه جار ومجرور متعلق بالفعل السابق، إِنَّما كافّة، ليس للجملة بعدها موضع من الإعراب نَحْنُ ضمير مرفوع منفصل، وهو مبني لأنه مضمر. أَلا إِنَّهُمْ ألا: حرف استفتاح، وكسرت «إن» لأنها مبتدأة. إِنَّهُمْ ضمير فصل لا موضع له من الإعراب أو توكيد للهاء والميم في إِنَّهُمْ. «والمفسدون» خبر «إن» . كَما مصدرية تقديره: كإيمان الناس. البلاغة: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ قصر الموصوف على الصفة، أي نحن مصلحون ليس إلا. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ تنويع التأكيد، جاءت الجملة مؤكدة بأربعة تأكيدات هي «ألا و «إن» وضمير الفصل: «هم» و «المفسدون» . المفردات اللغوية: لا تُفْسِدُوا الفساد: ضد الصلاح، والمراد النهي عن الأسباب المؤدية إلى الفساد، بإثارة
التفسير والبيان:
الفتن، وإفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار، وإغرائهم بالمؤمنين، وتنفيرهم من اتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم، والكفر والصد عن سبيل الله. إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ الصلاح ضد الفساد، أي ليس شأننا الإفساد أبدا، ولا شأن لنا إلا الإصلاح، وإنما نحن أناس مصلحون، بعيدون عن شوائب الإفساد، نسعى للخير والصلاح، باتباعنا رؤساءنا، وهكذا شأن المفسدين في كل زمان، يدّعون في إفسادهم أنه هو الإصلاح بعينه. السُّفَهاءُ ضعفاء العقول، والمراد هنا الجهلاء وضعفاء الناس. وأصل السفه: الخفة. التفسير والبيان: إذا قيل للمنافقين: إن مؤامراتكم الدنيئة ومخططاتكم الخبيثة بإثارتكم الفتن، والتجسس لحساب الكفار، وتأليب العرب على المسلمين فساد، قالوا: ليس الأمر كما تزعمون، فإنما نحن مصلحون، لا نبغي إلا الإصلاح، فرد الله عليهم بأنهم وحدهم هم المفسدون، ولكنهم لا يدركون خطورة عملهم، ولا يشعرون بهذا الإفساد، لأنه أصبح غريزة لهم، مركزة في طباعهم. وكان المسلمون ينصحونهم بشتى الوسائل، ويدعونهم إلى الإيمان، كإيمان الذين أصغوا للعقل السليم، وسلكوا سبيل الرشاد كعبد الله بن سلام وأشباهه، فإذا قالوا لهم: ادخلوا في ساحة الإيمان كغيركم من الناس، أجابوا مترفعين: أنؤمن بالقرآن وبمحمد، كما آمن السفهاء: أتباع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ضعفاء الناس من العبيد والفقراء، وضعفاء العقل من الجهلاء؟ مع أن العاقل هو من يرى طريق الخير والنور أمامه فيسلكه. فرد الله عليهم بأنهم وحدهم هم السفهاء دون من نسبوهم إلى السفه، فليس عندهم إدراك صحيح للإيمان، ولا يعلمون حقيقته وأثره. والسبب في أنه قيل في الإفساد: لا يَشْعُرُونَ والشعور: إدراك ما خفي، وفي الإيمان: لا يَعْلَمُونَ والعلم: اليقين ومطابقة الواقع: هو أن الإفساد في الأرض أمر محسوس، ولكن لا حسّ لهم حتى يدركوه، وأما الإيمان
فقه الحياة أو الأحكام:
فهو أمر قلبي، لا يدركه إلا من علم حقيقته، ولا يتم الإيمان إلا بالعلم اليقيني، والعلم: معرفة المعلوم على ما هو به، ولكن لا علم لديهم حتى يصلوا إلى حقيقة الإيمان. فقه الحياة أو الأحكام: إن قلب الحقائق، وتغيير الوقائع سمة الجبناء الضعفاء، أما الأقوياء وهم المؤمنون الذين استخدموا وسائط المعرفة السليمة للوصول إلى الحقائق، فهم الخالدون الباقون، وهم الذين يحبون الإنسانية بحق وصدق، فيدعونهم إلى إصلاح السلوك، وتقويم الأخلاق، والثبات على المبدأ الحق الذي يرشد إليه العقل، وتقتضيه الفطرة، وتؤيده البراهين الحسية والتاريخية. وقد دلت الآيات: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنَّا على أن الإيمان ليس هو الإقرار، دون الاعتقاد، لأن الله تعالى قد أخبر عن إقرارهم بالإيمان، ونفى عنهم سمته بقوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ «1» . صفات المنافقين- 3- [سورة البقرة (2) : الآيات 14 الى 16] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16)
الإعراب:
الإعراب: يَعْمَهُونَ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من «هم» في يَمُدُّهُمْ والعامل فيه الفعل، وهو «يمدّ» وتقديره: يمدهم عمهين، وإن شئت «عامهين» فقد قالوا: عمه، فهو عمه وعامه: إذا تحير. البلاغة: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ سمى الجزاء على الاستهزاء استهزاء بطريق المجاز أو المشاكلة: وهي اتفاق الجملتين في اللفظ مع الاختلاف في المعنى، أو هي مقابلة الكلام بمثله وإن لم يكن في معناه، كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى 42/ 40] والثانية ليست سيئة ولكنه لما قابل بها السيئة أجرى عليها اسمها، وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة 2/ 194] والثاني ليس باعتداء. وقوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل 16/ 126] والأول ليس بعقاب، وإنما هو على مقابلة اللفظ بمثله ومزاوجته له، وتقول العرب: الجزاء بالجزاء، والأول ليس بجزاء. اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى استعارة تصريحية، استعار لفظ الشراء لاستبدال الغي بالرشاد، والكفر بالإيمان، فخسرت صفقتهم، ثم زاده توضيحا بقوله فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وهذا هو الترشيح: وهو ذكر ما يلائم المشبه به. المفردات اللغوية: خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ انصرفوا إليهم أو انفردوا معهم، وشياطينهم: إخوانهم في الكفر ورؤساؤهم وكبراؤهم مُسْتَهْزِؤُنَ الاستهزاء: الاستخفاف والسخرية، وهذا فعل اليهود. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي أنه سيجازيهم عليه بالإمهال، ثم بالنكال، على سبيل المشاكلة (اتفاق اللفظ واختلاف المعنى) ليزدوج الكلام، فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. يَمُدُّهُمْ يزيدهم أو يمهلهم. طُغْيانِهِمْ تجاوزهم الحد وغلوهم في الكفر. يَعْمَهُونَ أي يتحيرون أو يعمون عن الرشد، من العمه: وهو ضلال البصيرة. سبب نزول الآية 14: أورد المفسرون أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين إذ امتدح أبا بكر وعمر وعليا بعد أن قال فيهم لأصحابه: انظروا كيف أردّ عنكم هؤلاء السفهاء؟ فنزلت الآية، لكن قال السيوطي: هذا الإسناد واه جدا.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: هذا في عصر النبوة موقف أو مشهد آخر من مواقف ومشاهد المنافقين من اليهود، الذين هم كالشياطين، بل أشد، وهو موقف لا يحسدون عليه، لأنه سينكشف الحق قريبا، وتتجلى الحقيقة، فإن كل كاذب قليل الإدراك قصير النظر، لا ينظر إلى المستقبل. فهم إذا خلوا مع بعضهم وزعمائهم تضامنوا معهم، وقالوا: إنا معكم. وإذا رأوا المؤمنين أعلنوا إيمانهم، وقد فضح الله أوضاعهم، ولم يعبأ بهم، وسيجازيهم أشد الجزاء، ويزيدهم حيرة وضلالا في أمورهم. ثم إنهم بإهمالهم العقل في فهم كتاب الله، وتركهم الطريق المستقيم، وأدلة صحة هذا الدين حسدا وبغيا، كأنهم أقدموا على صفقة خاسرة، ودفعوا الهدى ثمنا للضلال، وباعوا النور بالكفر وضلالات الأهواء، فما ربحوا في هذه التجارة، لما ينتظرهم من عذاب جهنم. قال ابن عباس: «أخذوا الضلالة وتركوا الهدى» أي استبدلوا واختاروا الكفر على الإيمان. وإنما أورده بلفظ الشراء توسعا، لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء. وأسند الله تعالى الربح إلى التجارة، على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، والمعنى ربحت وخسرت في بيعك. وما كانوا مهتدين في اشترائهم الضلالة. فقه الحياة أو الأحكام: الجزاء والعقاب واقع على كل من بدل بالإيمان كفرا، وبالهدى والقرآن والنور والمنهج المستقيم ضلالا وبطلانا وظلاما والتواء، إذ إن هؤلاء أضاعوا رأس المال وهو ما كان لهم من الفطرة السليمة، والاستعداد العقلي لإدراك الحقائق. ومن المعلوم أن الناس يصفون التاجر الخاسر الذي ضيع كل رأس ماله، ولم
يتدارك ما قد خسره في صفقة ما بأنه غبي أحمق، وهذا هو حال المنافق. ثم إن المعول عليه في دستور القرآن الحكم بصدق الإسلام هو الإخلاص بالقلب، لا مجرد القول باللسان. والخلاصة: أن الله تعالى ذكر أربعة أنواع من قبائح المنافقين، وكل نوع منها كاف وحده في إنزال العقاب بهم وهي ما يأتي «1» : 1- مخادعة الله، والخديعة مذمومة، والمذموم يجب أن يميز من غيره كيلا يفعل الذم. 2- الإفساد في الأرض بإثارة الفتنة والتأليب على المسلمين وترويج الإشاعات الباطلة. 3- الإعراض عن الإيمان والاعتقاد الصحيح المستقر في القلب، الموافق للفعل. 4- التردد والحيرة في الطغيان وتجاوز الحدود المعقولة، بالافتراء على المؤمنين ووصفهم بالسفاهة، مع أنهم هم السفهاء بحق، لأن من أعرض عن الدليل، ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه، ولأن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه، ولأن من عادى محمدا عليه الصلاة والسلام، فقد عادى الله، وذلك هو السفيه، فالسفه محصور فيهم، ومقصور عليهم، ولديهم شعور ما: بأنهم ركبوا هواهم، ولم يتبعوا هدي سلفهم، واعتمدوا في نجاتهم وسعادتهم على الأماني والتعلّات، كقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة 2/ 80] وقولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة 5/ 18] أي شعبه وأصفياؤه.
إيراد الأمثال للمنافقين [سورة البقرة (2) الآيات 17 إلى 20] :
إيراد الأمثال للمنافقين [سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 20] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) الإعراب: اسْتَوْقَدَ ووَ تَرَكَهُمْ أعاد الضمير إلى الأول بالإفراد، وإلى الثاني بالجمع، لأنه نزّل الَّذِي منزلة «من» و «من» يرد الضمير إليها تارة بالإفراد، وتارة بالجمع. واسْتَوْقَدَ: إما بمعنى «أوقد» فيكون متعديا إلى مفعول واحد، وهو قوله: ناراً، وإما أن تكون السين فيه للطلب، فيكون متعديا إلى مفعولين، والتقدير، استوقد صاحبه نارا. «لما» ظرف زمان، العامل فيه: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. ما حَوْلَهُ اسم موصول بمعنى الذي، وحوله: الصلة، وهو في موضع نصب، لأنه مفعول «أضاءت» . وأضاءت: يكون لازما ومتعديا، والأفعال التي تكون لازمة ومتعدية تنيّف على ثمانين فعلا. لا يُبْصِرُونَ جملة فعلية منفية في موضع نصب على الحال، من ضمير تَرَكَهُمْ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ: مرفوع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم. أَوْ كَصَيِّبٍ أو: هاهنا للإباحة، كصيب: مرفوع لكونه خبرا لقوله: مَثَلُهُمْ، وتقديره: مثلهم كمثل أصحاب صيب، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. فِيهِ ظُلُماتٌ في موضع جر على الوصف لصيب. ويَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ جملة فعلية في موضع جر، صفة لأصحاب المقدر. حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول لأجله. يَكادُ الْبَرْقُ مضارع كاد، من أفعال المقاربة، ينفي في الإيجاب ويوجب في النفي. كُلَّما منصوب لأنه ظرف.
البلاغة:
البلاغة: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً تشبيه تمثيلي، شبه المنافق بمستوقد النار، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار. وكذلك أَوْ كَصَيِّبٍ.. تشبيه تمثيلي، شبه الإسلام بالمطر لأن القلوب تحيا به، وشبه شبهات الكفار بالظلمات. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ تشبيه بليغ، أي هم كالصم البكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس. يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ مجاز مرسل من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أي رؤوس أصابعهم. «ويكذبون.. مصلحون.. يعمهون» : توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وهو من المحسنات البديعية. والخلاصة: اشتملت الآيات على قوة التعبير وشدة التأثير وروائع التشبيه، ففيها تشبيه القرآن بالمطر إذا أمطر يحيي الأرض، والقرآن يحيي موات النفوس، ويرى أصحاب الأهواء أن في القرآن شبها هي كالظلمات العارضة مع المطر. وفي الآيات أيضا وعد ووعيد كالرعد قوة وشدة. المفردات اللغوية: «المثل» الصفة التي أضحت كالمثل، أو مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة. اسْتَوْقَدَ أوقد نارا للاستدفاء والإضاءة، أو طلب إيقاد النار أَضاءَتْ أظهرت ما حولها، «ترك» صيّر. والصم: آفة تمنع السماع، والبكم: الخرس، والعمى: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر. كَصَيِّبٍ الصيب: المطر الكثير. رَعْدٌ الرعد: صوت احتكاك الهواء الذي يسمع في السحاب عند تجمعه. والبرق: هو الضوء الذي يلمع في السحاب غالبا بسبب احتكاك الهواء واتحاد كهربية السحاب الموجبة بالسالبة. والصاعقة: نار عظيمة تنزل أحيانا أثناء المطر والبرق بسبب تفريغ كهربية السحاب بجاذب يجذبها إلى الأرض. والخطف: الأخذ بسرعة. قامُوا: وقفوا وثبتوا في أماكنهم متحيرين منتظرين تغير الحال، للوصول إلى النجاة. والظلمات: هي ظلمة الليل وظلمة السحب وظلمة الصيّب نفسه. سبب نزول الآية 19: أخرج الطبري عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما في نزول هذه الآية: قالوا: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله: فيه رعد شديد وصواعق وبرق، فكان كلما أضاءت لهما الصواعق، جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق (الخوف) أن
التفسير والبيان:
تدخل الصواعق في مسامعهما، فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشوا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، وقاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمدا، فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه، فأسلما ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلا للمنافقين الذين بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النّبي صلّى الله عليه وسلّم، جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النّبي صلّى الله عليه وسلّم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه. فإذا كثرت أموالهم وولد لهم الغلمان، وأصابوا غنيمة أو فتحا، مشوا فيه، وقالوا: إن دين محمد صلّى الله عليه وسلّم دين صدق، فاستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، وكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل دين محمد، فارتدوا كفارا، كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما «1» . التفسير والبيان: ضرب الله تعالى في هذه الآيات مثلين لتوضيح حال المنافقين وبيان شناعة أعمالهم وسوء أفعالهم، تنكيلا بهم، وفضحا لأمورهم، إذ كانوا فتنة للبشر، ومرضا في الأمة. وضرب الأمثال هو منهج القرآن لتوضيح المعاني وإبراز المعقولات الخفية في معرض المحسوسات الجلية، وهذان المثلان يصوران حالة القلق والحيرة والاضطراب عند المنافقين وسرعة انكشاف أمرهم: المثل الأول- لسرعة انكشاف أمرهم: وهو أن مثل المنافقين وحالهم في إظهار الإسلام زمنا قليلا وأمنهم على أنفسهم وأولادهم، كحال الذين أوقدوا
نارا، لينتفعوا بها، فلما أضاءت ما حولهم من الأمكنة والأشياء، وأبصروا زمنا يسيرا، أطفأها الله بنحو مطر شديد أو ريح عاصف، فصيرهم لا يبصرون شيئا، وتركهم في ظلمة الليل وظلمة السحب المتراكمة وظلمة إطفاء النار، لأن النور قد زال. والمنافقون عطلوا مشاعرهم وإحساساتهم، إنهم عطلوا منفعة السمع، فلم يسمعوا عظة واعظ وإرشاد مرشد، بل لا يفقهون إن سمعوا، فكأنهم صمّ عن الحق لا يسمعون. وعطلوا منفعة الكلام والسؤال والمناقشة، فلم يطلبوا برهانا على قضية، ولا بيانا عن مسألة، فكأنهم بكم لا يتكلمون، وعطلوا منفعة البصر، فلم ينظروا ولم يعتبروا بما حل بهم من الفتن وبما تعرضت له الأمم، فكأنهم عمي عن الهدى. وهم لا يعدلون أصلا عن حالهم من الضلالة إلى الهدى، فلا تأس عليهم ولا تحزن. والمثل الثاني- لحيرتهم وقلقهم وانتهازيتهم: وهو أن القرآن قد أتاهم بالإرشادات الإلهية، ولكنهم أعرضوا عنها، فحالهم تشبه حال قوم نزل عليهم المطر الغزير، المصحوب بالمخاوف من ظلمات المطر والسحب والليل، والرعد القاصف، والبرق الخاطف، وفي هذا الجو القاتم تلمسوا سبيل النجاة، وعقدوا الأمل على ما لاح في الأفق من نور، فعزموا على اتباع الحق الذي جاءت به الآيات البينات، ثم ما لبثوا أن وقعوا في الظلام، فأصابهم القلق والاضطراب، والله محيط بهم، قادر عليهم، فلو شاء لأذهب أسماعهم بقوة الرعد، وأبصارهم بوميض البرق الخاطف، ولكن لحكمة ومصلحة، لم يشأ ذلك، لإمهالهم وإعطائهم الفرصة ليثوبوا إلى رشدهم. والخلاصة: قد يضيء النفاق لصاحبه الدرب حينا قصيرا، ثم سرعان ما ينطفئ كما تنطفئ النار، مما يجعل النفاق لا دوام له ولا استمرار. وقد يجد المنافق الأمل في نفاقه لتحقيق غرض أو مكسب مادي رخيص، ثم تتبدد
فقه الحياة أو الأحكام:
الآمال، ويبقى المنافقون في قلق واضطراب، إذ إن فرحهم الظاهري بنزول آية، وسيرهم مع المسلمين، يسقطه الامتحان عند ما يطالبون بالجهاد مع المؤمنين، وإن التلون بالدعم حين الخير، والنقمة والكفر حين الشر، مثل المنافق غير المؤمن. فقه الحياة أو الأحكام: هذه صفة المنافقين كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم. فما يظهره المنافقون من الإيمان الذي تثبت به أحكام المسلمين في الزواج والميراث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، واغترارهم لما آمنوا بكلمة الإسلام، لا فائدة له في أحكام الآخرة، لأنهم يصيرون إلى العذاب الأليم، كما أخبر التنزيل: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء 4/ 145] فمثل استضاءتهم بضوء إقرارهم بالإسلام مع إسرار الكفر كإضاءة النار الموقوتة أو كمثل مطر مظلم. والمنافقون عطلوا بحق وسائل المعرفة الصحيحة والإيمان الراسخ، فهم صمّ عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عمي عن الإبصار له، وأشد من ذلك أنهم لا يرجعون في النهاية إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم، لا بقهر وإجبار. ومع نفاقهم فلم يعجل الله عقابهم في الدنيا، وقد استنبط الجصاص من ذلك: أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير الاجرام، وإنما هي على ما يعلم الله من المصالح فيها، وعلى هذا أجرى الله تعالى أحكامه «1» . والقرآن ممتلئ بالخير والآيات الدالة على كونه من عند الله كالصيّب، وما فيه من الوعيد والزجر كالرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا تبهر المنافقين كالبرق، وما فيه من الدعوة إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل كالصواعق.
الأمر بعبادة الله وحده والأسباب الموجبة لها [سورة البقرة (2) الآيات 21 إلى 22] :
والله محيط بجميع الكائنات وبالكافرين، فلن يفلت من حسابه أو قدرته أو مشيئته أحد، ولو شاء الله لأطلع المؤمنين على المنافقين، فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وهو سبحانه المتميز بالقدرة الشاملة لكل شيء، فهو جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم، ويجب على كل مكلف (بالغ عاقل) أن يعلم أن الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل، ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره، ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة، وأنه غير مستبد بقدرته. هذه هي الآيات العشرون، أربع منها في وصف المؤمنين، وآيتان في وصف الكافرين، وبقيتها في المنافقين «1» . الأمر بعبادة الله وحده والأسباب الموجبة لها [سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 22] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) الإعراب: يا أَيُّهَا النَّاسُ: يا حرف نداء، وأي: اسم منادى مضموم، وها للتنبيه، وكثرة النداء في القرآن بهذا الأسلوب للتأكيد والمبالغة، لأن كل ما نادى الله به عباده من أوامر ونواه وعظات من
البلاغة:
الأمور العظام الموجبة للتيقظ. والناس: بدل من المنادي، لأن ما فيه أل بدل من المنادي إذا كان جامدا، ونعت أو صفة إذا كان مشتقا، وعبارة القرطبي: الناس: مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين. الَّذِي جَعَلَ: إما منصوب صفة رَبَّكُمُ أو مفعول تَتَّقُونَ أو منصوب على المدح بتقدير فعل، أو منصوب صفة للفظ الله في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ.. (20) . وإما مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الذي، أو مبتدأ خبره: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً (22) ، أو صفة لفظ اللَّهُ في قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ.. (20) . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنتم: ضمير مرفوع منفصل مبتدأ، وتَعْلَمُونَ جملة فعلية في موضع الخبر، والجملة من المبتدأ والخبر حال من ضمير تَجْعَلُوا. البلاغة: رَبَّكُمُ الإضافة للمخاطبين للتعظيم. جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، وَالسَّماءَ بِناءً مقابلة بين الأرض والسماء، والفراش والبناء، من أنواع المحسّنات البديعية. المفردات اللغوية: «يا» : لنداء البعيد أو الساهي أو الغافل، فإن نودي به القريب فهو بقصد تعظيم المنادي به، وإيقاظ النفوس، واجتذاب الأنظار، واستمالة القلوب الغافلة، فاقتضى الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. وأما نداء القريب فيكون بكلمة «أي» خَلَقَكُمْ الخلق: الإيجاد والاختراع بلا مثال سابق. فِراشاً: الفراش: البساط للاستقرار، والمراد أنه مهد الأرض للإقامة فيها والاستقرار عليها وذلك مثل المذكور في آيتين أخريين: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً [غافر 40/ 64] أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً [النبأ 78/ 6] . بِناءً سقفا مرفوعا مبنيا محكما. أَنْداداً جمع ند وهو النظير، أي أمثالا من الآلهة تعبدونها من دون الله. والمراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم عليها وثباتهم فيها: وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بد لها منه وهو الإقرار بالشهادتين، وما لا بد للفعل منه فهو مندرج تحت الأمر به، وإن لم يذكر، كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرها. مناسبة الآيات: بعد أن ذكر الله تعالى أصناف الناس الثلاثة: وهم المؤمنون، والكافرون،
التفسير والبيان:
والمنافقون، أمر جميع الناس ومنهم مشركو مكة بعبادته والاستكانة والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية والوحدانية له، وعبادته دون الأوثان والأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها، لأنه تعالى هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، ولأنه المنعم المتفضل على جميع الخلائق بخيرات الأرض والسماء. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى جميع الناس من مشركي مكة وغيرهم بعبادته وحده، كما أمرهم على لسان الأنبياء السابقين في قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 16/ 36] أي الأوثان. وأصل العبادة: الخضوع والتذلل، ويراد بها هنا توحيد الله والتزام شرائع دينه، ونبذ عبادة الأصنام. والسبب أن هذا الرب العظيم يستحق إفراده بالعبادة، لأنه خالق العباد جميعهم، المأمورين وأسلافهم، ومدبر شؤونهم، وواهبهم ما يحتاجونه من طرق الهداية ووسائل المعرفة. وللعبادة ثمرة مؤكدة هي الوصول للتقوى والظفر بالفوز والنجاح والهدى وبلوغ درجة الكمال، لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي، ومن عبد الله حق العبادة تحققت تقواه التي يحبها الله من عباده. وبما أن الأصل في كلمة «لعل» للترجي والتوقع، وهو مستحيل من الله القدير الأعلى للعبد الضعيف الأدنى، فكان المراد به: افعلوا ذلك راجين الوصول للتقوى، أو لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا. والأمر بالعبادة أيضا لأنه سبحانه جعل الأرض مهادا وقرارا للاستقرار عليها، والحياة والإقامة فيها بهدوء واطمئنان، بالرغم من دورانها وكرويتها، فهي ثابتة بالجبال الراسيات: وَالْجِبالَ أَوْتاداً [النبأ 78/ 7] ، ولأنه جعل السماء سقفا مرفوعا فوق الأرض كالقبة، تظلّ الناس بالخير والبركة، وأحكم
بناءها مع ما فيها من أفلاك وأجرام، وأحكم النّسب بينها بسنة الجاذبية، فلا يختل نظامها، ولا يسقط منها جرم عظيم على الأرض، ولا تصطدم ببعضها، وأنزل منها أي من السحاب ماء مباركا ومطرا عذبا ينبت به الزرع والعشب، ويحيي الأرض بعد موتها، ويغسل به الجو الذي تلوث بالتراب وغيره من كل ما يؤذي ويضر ويعكر صفو الحياة وصفاء الهواء. فمن اتصف بالخلق والإبداع والتكوين للإنسان، والإمداد له بالنعم والأرزاق، وبخلق السماء والأرض لخير البشر، جدير بالعبادة والتعظيم والخضوع له، فلا يليق اتخاذ الشركاء الضعفاء معه من الأصنام والبشر، الذين لا يخلقون شيئا ولا يقدمون رزقا، ولا يملكون لأنفسهم نفعا، ولا يدفعون عن ذواتهم ضرا، وتقدس الله تعالى عن اتخاذ الأنداد والشركاء والأولاد، إذ لا حاجة له بهم، فمن كانت له حقيقة القدرة، ودلت عليه دلائل الربوبية والوحدانية هو المستحق وحده للطاعة. وأما اتخاذ المشركين الأصنام أندادا توسلا بها إلى الله، واتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، في التشريع وتحليل المنكرات، وتحريم بعض الطيبات، فهو محض الافتراء والكذب، ومغالطة الواقع، مع أن الكل متفقون على أن الخالق والرازق هو الله، وحال جميع الكافرين والمنافقين يعلمون في الحقيقة بطلان شرائع وأنظمة الآلهة المزعومة، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت 29/ 61] أي يصرفون. وقال سبحانه منددا باتخاذ الوسائط إلى الله، وبإبطال التقرب بغير ما شرع الله: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر 39/ 3] .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: العبادة التي هي توحيد الله والتزام شرائع دينه لا تكون إلا لله الخالق الرازق، وملازمة العبادة الخالصة لله مدعاة لغرس أصول التقوى لله عز وجل، فلا يجرأ المتقون على مخالفة الأوامر، واقتحام المعاصي. وليس المراد بكون الأرض فراشا، أي وطاء للافتراش والاستقرار عليها، هو الفراش المعهود المستخدم للنوم، فمن حلف لا ينام على فراش، فنام على الأرض، لا يحنث في رأي الحنفية والشافعية، لأن اللفظ لا ينصرف إليها عرفا، والأيمان محمولة على المعتاد المتعارف من الأسماء، وليس في العادة إطلاق هذا اللفظ على الأرض. وأما المالكية فيحملون الأيمان على النية أو السبب أو بساط الحال التي جرت عليه اليمين (أي سبب اليمين) ، فإن عدم ذلك فالعرف، فإن لم يكن شيء من ذلك فيحمل اليمين على مطلق اللفظ المراد في اللغة. ودلت الآية على توحيد الله، وإثبات الصانع الذي لا يشبهه شيء، القادر الذي لا يعجزه شيء. ومن مظاهر قدرته رفع السماء ووقوفها بغير عمد نراه، ودوامها على طول الدهر، دون تبدل ولا تغير، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ [الأنبياء 21/ 32] وكذلك ثبات الأرض ووقوفها على غير سند بالرغم من تحركها، ودورانها في الفضاء، من أعظم الدلالات على التوحيد، وعلى قدرة خالقها، وأنه لا يعجزه شيء، وفي ذلك تنبيه على الاستدلال بها على الله وتذكير بالنعمة، فقد أخرج الله من الأرض ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات، طعاما للإنسان، وعلفا للدواب، وقد بين الله هذا في قوله تعالى: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا، وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً وَأَبًّا «1» ، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [عبس 80/ 25- 32] .
تحدي الجاحدين بالإتيان بمثل أقصر سورة من القرآن [سورة البقرة (2) الآيات 23 إلى 24] :
وأرشدت هذه الآية إلى أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، وقد أشار عليه السلام إلى هذا المعنى: «والله لأن يأخذ أحدكم حبلة، فيحتطب على ظهره، خير له من أن يسأل أحدا، أعطاه أو منعه» «1» . قال القرطبي: ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله، بسبب الحرص والأمل، والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ بطرف من جعل لله ندّا «2» . وفي قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ دليل على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد، لأن المشركين يعلمون في الحقيقة أن المنعم عليهم هو الله دون الأنداد، ويعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبروا ونظروا وأعملوا عقولهم وأفكارهم، فلا داعي للوسائط المزعومة في قولهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر 35/ 3] . تحدي الجاحدين بالإتيان بمثل أقصر سورة من القرآن [سورة البقرة (2) : الآيات 23 الى 24] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24)
الإعراب:
الإعراب: الهاء في مِثْلِهِ إما أن تكون عائدة على عَبْدِنا فتكون مِنْ ابتدائية، وتقديره: ابتدئوا في الإتيان بالسورة من مثل محمد، وإما أن تكون عائدة على مِمَّا نَزَّلْنا وهو القرآن، فتكون مِنْ زائدة للبيان، وتقديره: فأتوا بسورة مثله. ومِنْ مِثْلِهِ متعلق بسورة صفة لها، أي بسورة كائنة من مثله. قال الزمخشري: ورد الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس 10/ 38] ، فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [هود 14/ 13] ، عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء 17/ 88] ، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، والكلام مع ردّ الضمير إلى «المنزّل» أحسن ترتيبا، وذلك أن الحديث في المنزل، لا في المنزل عليه. أُعِدَّتْ إما حال للنار على معنى معدّة، وأضمرت معه قد، كما قال: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء 4/ 90] ، أي قد حصرت، وإما بكلام منقطع عما قبله. البلاغة: عَلى عَبْدِنا إضافة تشريف وتخصيص. فَأْتُوا بِسُورَةٍ الأمر خرج إلى معنى التعجيز، وتنكير السورة لإرادة العموم والشمول. وَلَنْ تَفْعَلُوا يفيد دوام التحدي في الماضي والحاضر والمستقبل. فَاتَّقُوا النَّارَ إيجاز صارف إلى الغاية المقصودة جوهريا، أي فإن عجزتم فخافوا نار جهنم بالإيمان بالقرآن وبالنّبي محمد عليه الصلاة والسلام. المفردات اللغوية: رَيْبٍ شك. عَبْدِنا محمد. مِنْ مِثْلِهِ أي المنزل، أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ أحضروا آلهتكم أو نصراءكم ورؤساءكم، أو من يشهد لكم يوم القيامة. مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره لتعينكم. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أن محمدا قاله من عند نفسه، فإنكم عرب فصحاء مثله. والسورة: قطعة أو طائفة من القرآن، لها أول وآخر، أقلها ثلاث آيات.
المناسبة:
المناسبة: بعد أن صنّف القرآن الناس إلى أقسام ثلاثة: متقين موحدين، وجاحدين معاندين، ومنافقين مذبذبين، وبعد أن أثبت الوحدانية والربوبية لله، ونفى الشركاء بالمنطق والبرهان، أثبت الله تعالى أن القرآن كلام الله، وأنه نزل من عنده، بدليل أنه معجز، لم يتمكن أحد من الجن أو الإنس مجاراته والإتيان بمثله، مع أن العرب فرسان البلاغة، وأساطين الفصاحة، ولا فخر لهم إلا بالكلام شعرا ونثرا وخطابة، وبما أنهم عجزوا، ولم يستطيعوا الإتيان بمثل أقصر سورة من القرآن، فقد ثبت صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم فيما ادعاه من النّبوة، وما أتى به من الرسالة الإلهية. وكان منكر نبوته ورسالته مستحقا العقاب والجزاء في نار جهنم. التفسير والبيان: إن كنتم أيها العرب وغيركم من الجاحدين في شك من صدق القرآن، الذي أنزله الله على عبده ورسوله النّبي الأميّ محمد بن عبد الله، وزعمتم أنه من كلام البشر، فأتوا بمثله، كما يقدر سائر البشر، وذلك إن كنتم صادقين في أنه مختلق ومن كلام البشر، وأنكم تقدرون على المعارضة لقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال 8/ 31] ، واستعينوا بمن شئتم من الرؤساء والأشراف والآلهة المزعومة، لمعارضة القرآن، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا الله، وحيث عجزتم ولم تقدروا على الإتيان بسورة تماثل القرآن في البيان الغريب والبلاغة المتفوقة، وعلو حسن النظم، وسلامة المنطق، وروعة التشريع والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، والإخبار بالمغيبات، ويظل العجز دائما في المستقبل، فلن تقدروا على الإتيان بمثله، مع أنه كلام عربي من جنس كلام العرب في الشعر والخطابة والنثر والأسلوب، وفي العرب البلغاء والفصحاء والشعراء والخطباء وأعلام البيان والقول.
فقه الحياة أو الأحكام:
وحيث ظهر العجز فعلا، فارجعوا إلى الحق، والإيمان بالقرآن، والتصديق برسالة النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، ففي ذلك وحده النجاة من عذاب الله في النار التي وقودها الناس الكفار والحجارة (الأصنام) مادة الاشتعال، فهي لا يماثلها أعلى فرن ناري عالي التوتر لصهر الحديد وغيره من المواد الصلبة، ولا تقدّر درجات حرارتها بأفران الدنيا على الإطلاق، وقد أعدها الله وهيأها للكافرين الجاحدين المنكرين رسالة الإسلام، جزاء وفاقا لكفرهم وجحودهم. قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء 29/ 98] . والخلاصة: إذا بان العجز التام عن الإتيان بمثل أقصر سورة من القرآن، مع المحاولة وبذل الجهود واستمرار التحدي في المستقبل، فاحذروا العناد، واعترفوا بكون القرآن من عند الله، لئلا تكونوا مع أصنامكم وقودا لنار جهنم التي أعدت لأمثالكم الكافرين. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ.. على صحة نبوة نبيّنا عليه الصلاة والسلام من وجوه: الوجه الأول - أنه تحداهم بالإتيان بمثل القرآن، وقرّعهم بالعجز عنه، مع ما هم عليه من الأنفة والحميّة، وأنه كلام موصوف بلغتهم، فلو قدروا على معارضته لكانت معارضته أبلغ الأشياء في إبطال دعواه وتفريق أصحابه عنه. فلما ظهر عجزهم عن معارضته، دلّ ذلك على أن القرآن من عند الله الذي لا يعجزه شيء، وأنه ليس في مقدور العباد مثله. وهذه معجزة باقية لنبيّنا عليه الصلاة والسلام بعده إلى قيام الساعة، وقد كانت هذه المعجزة تتناسب مع اعتزاز العرب بالفصاحة والبلاغة بما لم يتهيأ لغيرهم، فجعل الله تعالى آية محمد الكبرى كتابا معجزا لهم ولسائر الخلق في نظمه وأسلوبه، وفصاحته وبلاغته،
والوجه الثاني:
فكانت عليهم الحجة بأقوى مما قامت به المعجزات المادية السابقة مثل عصا موسى ويده في عصر السحر، وإبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في عصر الطب. والوجه الثاني - كان معلوما عند الناس قاطبة: المؤمنين والجاحدين لنبوة النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان من أتمّ الناس عقلا، وأكملهم خلقا، وأفضلهم رأيا، فما طعن عليه أحد في كمال عقله، ووفور حلمه، وصحة فهمه، وجودة رأيه، فلا يجوز على من كان هذا وصفه أن يدّعي النّبوة، ويجعل علامة نبوته كلاما يقدر كل واحد من العرب على مثله، فيظهر حينئذ كذبه، وبطلان دعواه، فدلّ ذلك على أنه تحداهم بكلام هو من عند الله لا يقدر العباد على مثله. والوجه الثالث - أخبر تعالى بقوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا أنهم لا يعارضونه، وذلك إخبار بالغيب، وتحقق الخبر مع مضي الزمان. قال أبو بكر الجصاص «1» : وقد تحدى الله الخلق كلهم من الجن والإنس بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء 17/ 88] ، فلما ظهر عجزهم قال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود 14/ 13] ، فلما عجزوا قال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [الطور 52/ 34] ، فتحداهم بالإتيان بمثل أقصر سورة منه، فلما ظهر عجزهم عن ذلك، وقامت عليهم الحجة، وأعرضوا عن طريق المحاجة، وصمموا على القتال والمغالبة، أمر الله نبيه بقتالهم. والخلاصة: أن التحدي كان متنوعا، مرة بالنظم والمعنى، ومرة بالنظم دون المعنى، بافتراء شيء لا معنى له، وفي كل الأحوال ظهر فشلهم.
جزاء المؤمنين العاملين [سورة البقرة (2) آية 25] :
وأرشدت الآية: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا.. على ظهور العجز التام عن المعارضة، وعلى استحقاق الكافرين النار لإنكارهم نبوة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ولعدم تصديقهم بالقرآن، وعلى أن من اتقى النار ترك المعاندة، وعلى أن النار حاليا ومن القديم مخلوقة مهيأة موجودة معدّة للعصاة والفسّاق والكفّار. قال القرطبي «1» : فيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة، خلافا للمبتدعة في قولهم: إنها لم تخلق حتى الآن. جزاء المؤمنين العاملين [سورة البقرة (2) : آية 25] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) الإعراب: مُتَشابِهاً منصوب على الحال من الضمير في بِهِ والعامل فيه: أُتُوا أي يشبه بعضه بعضا في المنظر، ويختلف في الطعم. وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم. مُطَهَّرَةٌ نعت للأزواج، ومطهرة في اللغة: أجمع من طاهرة وأبلغ. وَهُمْ فِيها خالِدُونَ «هم» : مبتدأ، و «خالدون» خبره، والظرف ملغى. ويجوز في غير القرآن نصب «خالدين» على الحال. والسبب في تنكير جنات وتعريف الأنهار: أن الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك
لمفردات اللغوية:
الجنان. وأما تعريف الأنهار: فلأن إيراد الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفاكهة، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو المراد أنهارها، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة، كقوله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم 19/ 4] ، أو لأنه يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ.. [محمد 47/ 15] . لمفردات اللغوية: وَبَشِّرِ أخبر. الَّذِينَ آمَنُوا صدقوا بالله. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفروض والنوافل. أَنَّ أي بأن. جَنَّاتٍ حدائق ذات شجر ومساكن، وهي دار الخلود للمؤمنين، وسميت جنة، لأنها تجنّ من فيها أي تستره بشجرها. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي تحت أشجارها وقصورها. الْأَنْهارُ المياه فيها. كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ أطعموا من تلك الجنات. رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ أي قبله في الجنة لتشابه ثمارها. وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا لونا ويختلف طعما. وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ من الحور وغيرها. مُطَهَّرَةٌ من الحيض والبصاق وسائر الأقذار. وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ماكثون أبدا لا يفنون ولا يخرجون، والخلود: البقاء، ومنه جنة الخلد. المناسبة: يعقد القرآن عادة مقارنات بين الأشياء المتضادة، فلما ذكر الله جزاء الكافرين والعصاة، أردف ذلك ببيان جزاء المؤمنين الأتقياء الأطهار، ليظهر الفرق بين الفريقين، وليكون ذلك أدعى للعبرة والعظة، والامتثال من مقارنة الأحوال. التفسير والبيان: بشّر يا محمد أنت وورثتك من العلماء: المؤمنين المتقين، الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات والحسنات أن لهم حدائق ذات أشجار ومساكن، تجري من تحت
قصورها ومساكنها أنهار الجنة «1» ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وفيها- كما ورد في الصحيحين- ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ، وهو معنى قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة 32/ 17] . فيها الأرزاق الدائمة والثمار الشهية المتنوعة، كلما قدمت لهم ثمرة منها في أول النهار وآخره، قالوا متعجبين: هذه الثمرة كالتي رزقناها في الدنيا، فإذا أكلوها وجدوا لها طعما غير الطعم المعتاد، وأدركوا أنها تشبه ثمار الدنيا في المنظر والشكل والجنس فقط، وتختلف في الذوق والطعم والحجم، فهي مما لم يروه أبدا، وجيئوا بها مشابهة لثمار الدنيا المألوفة، مع اختلاف المادة والطعم، قال ابن عباس: «ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء» ، وقال الطبري «2» : «أولى التأويلات تأويل من قال: وأتوا به متشابها في اللون والمنظر، والطعم مختلف، يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون، مختلفا في الطعم والذوق. ومن الأمور الغيبية التي نؤمن بها كما أخبر الله أن في الجنة للمؤمنين زوجات من الحور العين، مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، مطهرات من الأقذار والأدناس المنفرة: الحسية والمعنوية، كالحيض والنفاس، والحدث من البول والغائط، والتنّخم أو البصاق، وشرور النفس والهوى. روى مسلم أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النّفس» .
فقه الحياة أو الأحكام:
لكن ورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكنّ يوم القيامة أفضل من الحور العين، المذكورات في قول الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ [الواقعة 56/ 35- 38] . روى الترمذي عن أم سلمة: «.. قلت: يا رسول الله، نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظهارة على البطانة. قلت: يا رسول الله، وبم ذاك؟! قال: بصلاتهن وصيامهم وعبادتهن الله عزّ وجلّ» «1» . وثبت في الصحيح أيضا: أن لكل رجل في الجنة زوجتين اثنتين. قال العلماء: إحداهن من نساء الدنيا، والأخرى من نساء الجنة. وتمتاز الجنة عن الدنيا بأنها دار الخلود أي الدوام والبقاء والمكث الطويل، الذي لا بديل عنه، وهو تمام السعادة، وأمل المؤمنين. فقه الحياة أو الأحكام: تتوالى البشائر القرآنية المفرحة للنفوس، المحرّكة للقلوب، بأن الجنة دار النعيم الدائم المقيم هي المخصصة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات. والإيمان بمجرده لا يكفي، بل لا بدّ من أن ينضم إليه الطاعة والعمل الصالح. ونعيم الجنة غير محدود ورزقها لا ينقطع، وإنما أراد الله أن يقرب لعقولنا ما أعدّ فيها، بهذه الآية وغيرها، وبما أن طبيعة البشر تتعلق عادة بالماديات، أغراهم الله بما تميل إليه نفوسهم، فوعدهم بالحقائق المادية، المعبر عنها في آية أخرى بإيجاز: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [الزخرف 43/ 71] ، ويظل الإنسان في عالم الآخرة إنسانا لا ملكا، وإنما تكون لذاته الإنسانية أكمل مما كان في الدنيا، وأسلم من المنغصات. وأما الأعمال الصالحة التي تبوّئ أصحابها الجنان: فهي كل خير أقره العرف
فائدة ضرب الأمثال للناس في القرآن [سورة البقرة (2) الآيات 26 إلى 27] :
والشرع والعقل والفطرة السليمة، منها المذكور في أوائل سورة «المؤمنون» : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [المؤمنون 23/ 1- 11] . وخلود المؤمنين في الجنة، وخلود الكفار في النار: معناه في الشرع: الدوام الأبدي، أي لا يخرجون منها، ولا هي تفنى بهم، فيزولوا بزوالها، وإنما هي حياة أبدية لا نهاية لها. فائدة ضرب الأمثال للناس في القرآن [سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 27] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)
الإعراب:
الإعراب: لا يَسْتَحْيِي جملة فعلية منفية في موضع رفع خبر إِنَّ. أَنْ يَضْرِبَ في موضع نصب بفعل يَسْتَحْيِي وحذف حرف الجر هنا، لأن إِنَّ هنا مصدرية. مَثَلًا مفعول أول، وما في قوله مَثَلًا ما بَعُوضَةً إما زائدة لتأكيد الخسة أي مثلا بعوضة، وبَعُوضَةً بالنصب على البدل من مثل، وإما نكرة موصوفة بما بعدها بدل من مثل أي مثلا شيئا بعوضة فهو مفعول ثان، وإما بمعنى «الذي» و «بعوضة» مرفوع خبر مبتدأ مقدّر، أي الذي هو بعوضة. فَما فَوْقَها ما: عطف على ما الأولى، أو على بَعُوضَةً إن جعلت «ما» زائدة. فَأَمَّا حرف فيه معنى الشرط، فوقع في جوابها الفاء. ماذا إما كلمة واحدة للاستفهام في موضع نصب بأراد، والمعنى: أيّ شيء أراد الله بهذا المثل. وإما أن تجعل ذا بمعنى «الذي» فتكون ما في موضع مبتدأ، وما بعدها الخبر، فهو استفهام إنكاري. مَثَلًا إما منصوب على التمييز، أو منصوب على الحال من «ذا» في «هذا» . أَنْ يُوصَلَ إما في موضع نصب على البدل من ما أو في موضع جرّ على البدل من الهاء في بِهِ. والَّذِينَ نعت. وأَنْ يُوصَلَ بدل من ضمير بِهِ. البلاغة: لا يَسْتَحْيِي المعنى: لا يترك، فعبر بالحياء عن الترك، لأن الترك من ثمرات الحياء، ومن استحيا من فعل شيء تركه، كما قرر الزمخشري في (تفسيره: 1/ 204) فهو مجاز من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ فيه استعارة مكنية، حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو النقض، وسمي العهد حبلا على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الصلة بين المتعاهدين، كما قال الزمخشري: 1/ 207، أي أن أصل استعمال النقض هو في الحبل، ثم استعمل في العهد، لأنّه يشبهه. المفردات اللغوية: لا يَسْتَحْيِي لا يترك ضرب المثل. والحياء: تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب عليه ويذم، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته. أَنْ يَضْرِبَ يجعل مَثَلًا المثل في اللغة: الشبيه والنظير، وضرب المثل في الكلام: أن يذكر لحال ما يناسبها، فيظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيا. بَعُوضَةً الناموسة المعروفة. فَما فَوْقَها ما زاد عليها أو كان أكبر منها،
سبب النزول:
أي لا يترك بيانه لما فيه من الحكم. الْحَقُّ هو الشيء الذي يحقّ ويجب ثبوته، ولا يجد العقل سبيلا لإنكاره. والفسق لغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها: إذا خرجت. والنقض: الفسخ وفكّ التركيب لحبل وغزل ونحوهما. والميثاق: ما يوثق به الشيء، ويكون محكما يعسر نقضه. وميثاق العهد: توكيده، والمراد: العهد المؤكد باليمين. وعهد الله: ما أخذه على عباده من فهم السنن الكونية بالنظر والاعتبار، وهو ما أوصاهم به في الكتب السابقة من الإيمان بمحمد إذا ظهر. وطريق الإيمان: استخدام نعمة العقل والحواس المرشدة إلى الفهم. ونقض الميثاق: عدم استعمال تلك المواهب فيما خلقت له، حتى كأنهم فقدوها أو عطلوها، فالمراد بقوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ توكيده عليهم. والمأمور بوصله: هو الإيمان بالنّبي صلّى الله عليه وآله وسلم والرحم وغير ذلك. والإفساد في الأرض: بالمعاصي والتعويق عن الإيمان. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: 1/ 138 عن جماعة من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين: قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، وقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً ... إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ «1» . قال السيوطي في الجلالين: هذا القول أصح إسنادا وأنسب بما تقدم أول السورة. التفسير والبيان: إن الله سبحانه وتعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ونحوها بما هو دونها أو أكبر منها، ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، فلا غرابة ولا حرج ولا عيب في الإتيان بالأمثال والأشباه سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، لأن العظمة فيها جميعها شيء واحد وهو الخلق والإبداع، ولأن المثل جعل لكشف المعنى وتوضيحه بما هو معروف مشاهد، وما الأمثال إلا إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء
المحسوسة لتأنس بها النفوس، وتنكشف أمامها الغوامض، وتزول الأوهام عن معارضة العقل. والله الحكيم يفعل ما يحقق المصلحة بضرب المثل في العظائم والمحقرات حسب الأحوال والمناسبات، فإن كان الأمر عظيما كالحق والإسلام ضرب مثله بالنور والضياء، وإن كان الأمر مهينا حقيرا كالأصنام ضرب مثله في عدم النفع وانعدام الفائدة بما يشبهه من الذباب والبعوض والعنكبوت. فأما المؤمنون الذين يصدقون بأن الله خالق الأشياء كلها صغيرها وكبيرها، فيقولون: هذا كلام الله حق، لا يقول غير الحق، والكل لديه سواء، وهذا المثل لمصلحة وحكمة. وأما الكافرون الذين يستهزئون بالأمثال بالمحقرات فيقولون متعجبين: ماذا أراد الله بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ فهم في حيرة من أمرهم، وخسارة في نهايتهم، ولو آمنوا لعرفوا الحق ووجه الحكمة في ذلك، قال تعالى: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً، وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [المدثر 74/ 31] . ثم ردّ الله تعالى على المتسائلين بأن هذا المثل كان سببا في زيادة ضلال كثير من الكافرين لكفرهم بالله، وزيادة هداية كثير من المؤمنين لإيمانهم بالله، ولا يضلّ بضرب المثل أو بغيره من القرآن، إلا الفاسقون: الخارجون عن طاعة الله وعن سنته في خلقه وجحد آياته، وتعطيل عقولهم ومشاعرهم عن إدراك المصالح والغايات. وفي هذا إشارة إلى أن علّة إضلالهم خروجهم عن السّنن الكونية التي جعلها الله عبرة لمن تذكر، فإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب، لأنه لما ضرب المثل، فضلّ به قوم، واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم «1» . قال
تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت 29/ 43] ، والعالمون: هم المؤمنون المهتدون بهدي الحق. ثم أردف تعالى ذلك ببيان أوصاف هؤلاء الفاسقين، فهم ينقضون الميثاق، فلا يستعملون مواهبهم من عقل ومشاعر وحواس لإرشادهم إلى المقصود، وينقضون ما عاهدوا الله عليه عهدا فطريا «1» من الإيمان بمحمد والتصديق به وبجميع الرسل الكرام، والعمل بشرائع الله، قال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف 7/ 179] . وهم يقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الإيمان بالله بعد قيام الأدلة الكونية على وجوده، فقطعوا الصلة بين الدليل والمدلول، والإيمان بجميع الأنبياء، ففرقوا بين نبي ونبي، وقد أمر الله بوصل الإيمان بجميع الأنبياء، وهم لا يصلون الرحم والقرابات المادية بين الأقارب، والمعنوية بين الرسل وموالاة المؤمنين. ومشركو العرب بتكذيبهم النّبي صلّى الله عليه وآله وسلم نقضوا عهد الفطرة، وأهل الكتاب نقضوا العهدين: عهد الفطرة والعهد الديني الذي أخذه الله عليهم في كتبهم من الإيمان بالنّبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة 2/ 146] ، فمن أنكر بعثة الرسل ولم يهتد بهديهم، فهو ناقض لعهد الله تعالى. وهم يفسدون في الأرض بالمعاصي، والفتن بين الناس، والصدّ عن الإيمان،
فقه الحياة أو الأحكام:
والتضليل في العقائد، وإثارة الشبهات حول القرآن، إبقاء على نفوذهم ومراكزهم. وهم في النهاية الخاسرون في الدنيا بافتضاحهم وتخبطهم وخزيهم، وفي الآخرة بالعذاب الأليم وغضب الله عليهم، فلا سعادة لهم في دنياهم وأخراهم، لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، والنار بالجنة، والنقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب. فقه الحياة أو الأحكام: إن اشتمال القرآن الكريم على ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل ونحوها من المحقرات مما قد لا يليق- في زعم المشركين- بكلام الفصحاء، لا يقدح في فصاحة القرآن، ولا يخلّ بكونه معجزا، لأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة. وهذا وجه متناسبة الآية لما قبلها. وإذا ورد الحياء في حق الله تعالى، فليس المراد منه الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته. وكذلك ليس المراد بالغضب في حقّ الله تعالى شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية، وهو إنزال العقاب. وهذا هو القانون الكلي في هذا الباب «1» . وكلام الله حقّ مطلق، لا نقص فيه في حدّ ذاته، ولا في جانب من جوانبه، وإنما هو حق، لأنه مبين للحق ومقرر له، وسائق إلى الأخذ به، بما له من التأثير في النفس. وضرب الأمثال والأشباه في القرآن الكريم يراد به كشف الغوامض، وتنبيه
الأذهان إلى الحقائق، وإبانة المصالح، وتقرير الحكم البالغة، وهو من الأمور المستحسنة في العقول والتربية والتعليم. وأما الذين كفروا فيجادلون في الحق بعد ما تبيّن، ويمارون بالبرهان وقد تعيّن، فيخرجون من الموضوع، ويعرضون عن الحجة. وليس الإيمان أو الكفر أمرا وراثيا، أو قهريا جبريا، وإنما للإرادة والاختيار والعقل دخل فيه، وسببه هو استخدام طاقات الإنسان من حواس ومشاعر وأفكار، وليس للمثل- كما يزعم الكفار- تأثير في تفريق الناس إلى ضلالة وهدى، فالله تعالى لا يضلّ أحدا من المؤمنين المهتدين بهداية العقل والدين، وإنما يضلّ الفاسقين الخارجين عن الطاعة وصراط الله السوي، الذين سبق في علم الله تعالى أنهم غير هداة، فيكون إسناد الإضلال إلى الله تعالى من قبيل إسناد الفعل إلى السبب، لأنه لما ضرب المثل، فضلّ به قوم، واهتدى به قوم، كان ذلك سببا في ضلال الناس وهداهم، فكانت علة ضلالهم: هي الفسوق، أي الخروج عن هداية الله تعالى في سننه في خلقه، التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وبكتابه بالنسبة إلى الذين أوتوه. وصفات الفاسقين الذين أضلوا أنفسهم بأنفسهم كثيرة منها ما ذكرته الآية (27) : نقض عهد الله من بعد توكيده: وهو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله. ونقضهم ذلك: ترك العمل به. ومنها: قطع ما أمر الله به أن يوصل: وهو الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل، وهو قول الجمهور. والرحم: جزء من هذا. ومنها: الإفساد في الأرض: أي عبادة غير الله تعالى، والجور في الأفعال،
واتّباع الشهوات، وهذا غاية الفساد. والفسق موجب حتما للخسارة، كما أن الطاعة توصل إلى الربح، وليس المراد بالفاسقين هنا ما هو معروف شرعا وهم العصاة بما دون الكفر من المعاصي، فإنه لا يصح هنا. وفي الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز، ألزم المرء نفسه به، هو أمر واجب شرعا وعقلا، فلا يحلّ له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم بين غيره، لذمّ الله تعالى من نقض عهده، وقد قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة 5/ 1] ، وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [الأنفال 8/ 58] ، فنهاه عن الغدر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد. والمؤمنون المهتدون على قلتهم أجل فائدة وأكثر نفعا وأعظم آثارا من أولئك الكفار الفاسقين الضالين، على كثرتهم. فإذا أشعرت الآية بأن المهتدين في الكثرة كالضالين، مع أن هؤلاء أكثر، فليس الظاهر مرادا: لأن العبرة بالكيف لا بالكم، قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ 34/ 13] . وقدم الله تعالى الإضلال على الهداية في قوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً لأن سببه ومنشأه من الكفر متقدم في الوجود، فكان ذلك مناسبا لحال الكفرة، ليكون أول ما يقرع سمعهم من الجواب أمرا يفتّ في أعضادهم، ويهزّ جنابهم، وعبّر عن ذلك بصيغة المضارع المفيدة للاستقبال إيذانا بالتجدد والاستمرار.
مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وإماتته وخلق الأرض والسماء [سورة البقرة (2) الآيات 28 إلى 29] :
مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وإماتته وخلق الأرض والسماء [سورة البقرة (2) : الآيات 28 الى 29] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) الإعراب: كَيْفَ اسم استفهام، منصوب هنا على الحال بتكفرون. جَمِيعاً نصب على الحال من الموصول الثاني: ما. سَبْعَ سَماواتٍ إما منصوب على البدل من الهاء والنون في فَسَوَّاهُنَّ أو منصوب على أنه مفعول «سوّى» على تقدير: فسوّى منهن سبع سماوات، فحذف حرف الجر، فصار فَسَوَّاهُنَّ مثل قوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف 7/ 155] أي من قومه، ثم حذف حرف الجر، فاتصل الفعل: فَسَوَّاهُنَّ بما بعده، فنصبه، وأعاد الضمير بلفظ الجمع على السماء. وقال الزمخشري: الوجه العربي أن ضمير فَسَوَّاهُنَّ مبهم. وكلمة ثُمَّ اسْتَوى لا للتراخي في الوقت هنا، وإنما لبيان ما بين الخلقين من التفاوت، وفضل خلق السموات على خلق الأرض. وإنما كان العطف الأول بالفاء، والبواقي بثم، لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة، وعن الحياة الثانية. البلاغة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ التفات من كلام الغيبة إلى الحضور للتوبيخ والتقريع. عَلِيمٌ من صيغ المبالغة التي وصف تعالى نفسه بها، مثل: عالم وعلام، ومعناه: الواسع العلم الذي أحاط علمه بجميع الأشياء. ولا يجوز وصف الله تعالى بعلّامة، التي أدخل العرب عليها الهاء للمبالغة. فَسَوَّاهُنَّ أتمّ خلقهن مستويات، لا تشقق فيهن ولا عوج، فمعنى تسويتهن: تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن. ثُمَّ اسْتَوى الاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء. بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بأحوالهن إجمالا وتفصيلا، بعد أن خلق
المفردات اللغوية:
السموات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، وخلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم. المفردات اللغوية: كَيْفَ تَكْفُرُونَ يا أهل مكة، مثله في قولك: «أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر، ويدعو إلى الإيمان؟» والاستفهام للإنكار والتعجب من كفرهم مع قيام البرهان أو للتوبيخ. كُنْتُمْ أَمْواتاً نطفا في الأصلاب. فَأَحْياكُمْ في الأرحام والدنيا، بنفخ الروح فيكم. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انتهاء آجالكم. ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم. ودخلت الواو على جملة كُنْتُمْ أَمْواتاً إلى آخر الآية، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله، وقصتكم هذه، وحالكم أنكم كنتم أمواتا، نطفا في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم. ما فِي الْأَرْضِ الأرض وما فيها. جَمِيعاً لتنتفعوا به وتعتبروا. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ بعد خلق الأرض: قصد وعمد إليها بإرادته تعالى، قصدا مستويا خاصا بها. المناسبة: بعد أن ذكر الله صفات الفاسقين وموقف الكفار من القرآن، وجّه الخطاب إلى الكفار في هاتين الآيتين على طريق الإنكار والتعجب والتوبيخ على موقفهم وصفة كفرهم، بذكر البراهين الداعية إلى الإيمان: وهي النعم الدالة على قدرته تعالى من مبدأ الخلق إلى منتهاه، من إحيائهم بعد الإماتة، ثم الإماتة والإحياء، وخلق جميع الخيرات المكنونة في الأرض ليتمتعوا بجميع ما في ظاهرها وباطنها، وخلق سبع سموات مزينة بمصابيح، ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، أفبعد هذا كله يكفرون بمحمد وبرسالته؟! لتفسير والبيان: عجيب حالكم أيها الكفار، كيف تنكرون وجود الله وقدرته مع أن الله
سبحانه أوجدكم في هذه الحياة بعد الموت، وأتمّ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، ووهبكم أفضل مقومات الحياة من العقل والحواس والمشاعر، وأمدكم بالأرزاق التي تكفل بقاء الحياة، ثم أماتكم عند انقضاء الأجل، ثم يحييكم بالبعث من القبور، ثم ترجعون إلى الله وحده للحساب والجزاء، ليجزي كل امرئ بما قدّم، ولتحاسب كل نفس على النعمة التي أنعم الله بها عليكم. فهاتان موتتان وحياتان، لا تدع لكم عذرا في البقاء على الكفر، والاستهزاء بأمثال القرآن، وإنكار نبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم. قال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا، فأحياكم- أي خلقكم- ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. ويؤيده آية أخرى: قالُوا: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ، وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر 40/ 11] . قال ابن عطية: وهذا القول: هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها، قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها «1» . ثم بعد ذكر المبدأ والمنتهى، ذكر الله تعالى برهانا على البعث، وعلى توجيه النفوس نحو الإيمان، فأبان أنه خلق لكم الأرض وما فيها، لتنتفعوا بكل ما فيها، وتعتبروا بأن الله هو الخالق الرازق، فيكون الانتفاع إما ماديا بالاستفادة من الموجودات العينيّة في حال المعيشة، وإما معنويا بالنظر والاعتبار فيما لا سلطة لأيديكم عليه، ويتم في الحالتين غذاء الأجساد والأرواح. ومكّن الله تعالى للإنسان الحياة في الأرض بإظلاله بالسقف المحفوظ وهو السموات السبع، التي رفعها بقدرته، وسوّاها محكمة البناء، وأوجدها بحكمته،
فقه الحياة أو الأحكام:
وأودع فيها بدائع الكواكب والنجوم لإنارة الأرض في الليل، وعلم سبحانه وحده حقيقتها وروائع ما فيها، والله عالم بكل ما خلق في الأرض وفي السماء، وذلك كله دليل القدرة الباهرة الدالة على وجود الإله الخالق، وهو وحده، القادرة على إعادة الخلق والحياة. فهل بعد هذا يسوّغ الكفر أو الإلحاد وإنكار وجود الله؟! فقه الحياة أو الأحكام: وصف الكفر ينطبق على كل من لم يصدّق بنبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به، وإن آمنوا بكتاب سماوي سابق، لأنهم لم يقرّوا بأن القرآن من عند الله، ومن زعم أن القرآن كلام البشر، فقد أشرك بالله، وصار ناقضا للعهد. وقالت المعتزلة: آية كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ تدلّ على أن الكفر من قبل العباد «1» . والأدلة على قدرة الله ووجوده كثيرة منها ما ذكرته هذه الآية: وهو خلق الأرض وما فيها، والسماوات وما أبدع فيها، وخلق الإنسان من العدم، ثم إماتته، ثم إحياؤه، ثم حسابه على ما قدم في مسيرة الحياة البشرية، كما قال تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء 21/ 104] ، فإعادتهم كابتدائهم، فهو رجوع، فيكافأ المؤمنون بالجنان، لإيمانهم وعملهم الصالح، ويعذب الكفار لكفرهم. والترتيب في قوله تعالى ثُمَّ التي تقتضي التراخي، ليس مرادا، وإنما المقصود من كلمة ثُمَّ ترتيب الإخبار وتعديد النعم، فهي لا تعارض آية: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات 79/ 30] ، لأن كلمة بَعْدِ فيها بعدية في الذكر وترتيب الإخبار، لا في الزمان ولا لترتيب الأمر في نفسه، مثاله: قول الرجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت الخصوم عنك؟ وربما يكون بعض ما أخره متقدما حدوثه.
وقد يجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك، فلا تعارض، كما ذكر ابن جزي. لكن قال ابن كثير: هذه الآية (أي 29 من البقرة) دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة [فصلت 41/ 9- 10] : قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... الآية، فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء، إلا ما نقله ابن جرير الطبري عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لآية: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «1» [النازعات 79/ 30] . ونبهت آية هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ على القدرة الإلهية المهيئة للأرض من أجل نفع الإنسان وتحقيق مصلحته ورعاية حاجة الخلق، وعاتب الله تعالى الكفار على جهالتهم بما في الأرض وتصريف المخلوقات «2» ، كما قال تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها، وَبارَكَ فِيها، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها، فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، سَواءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت 41/ 9- 10] ، فالمراد بالآية الاعتبار والاتعاظ بدليل ما قبلها وما بعدها من الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتهن. ولكن وإن كان الهدف الأصلي من إيراد الآية هو ما ذكر، فقد استدل بها علماء الأصول أيضا على أن «الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي دليل الحظر» «3» ، أي أن الأصل إباحة الانتفاع بكل ما خلق الله في الأرض، حتى يأتي
دليل المنع، فليس لمخلوق حقّ في تحريم شيء أباحه الله إلا بإذنه، كما قال: قُلْ: أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ، فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا، قُلْ: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ، أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس 10/ 59] . وعلم الله واسع شامل لكل ما خلق، وهو خالق كل شيء، فوجب أن يكون عالما بكل شيء، ولا يكون هذا النظام المحكم في السموات والأرض إلا من لدن حكيم عليم بما خلق، فلا عجب أن يرسل رسولا مؤيدا بكتاب لهداية الناس، يضرب فيه الأمثال بما شاء من مخلوقاته، عظم أو صغر. وآية ثُمَّ اسْتَوى وآية الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه 20/ 5] من مشكلات التفسير، وللعلماء ثلاثة آراء فيها «1» : الرأي الأول لكثير من الأئمة: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء. الرأي الثاني للمشبهة: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهو أن الاستواء: الارتفاع والعلو على الشيء، أو الانتصاب. وهذا باطل، لأن ذلك من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك. الرأي الثالث لبعض العلماء: نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها. فقيل: المعنى استوى، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
استخلاف الإنسان في الأرض وتعليمه اللغات [سورة البقرة (2) الآيات 30 إلى 33] :
وقيل: استوى بمعنى ارتفع، والمراد- والله أعلم- ارتفاع أمره. وقيل: استوى بمعنى عمد أو قصد إليها، أي بخلقه واختراعه، واختاره الطبري: على دون تكييف ولا تحديد. ودل القرآن في هذه الآية وغيرها على وجود سبع سموات وسبع أرضين، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق 65/ 12] يعني أن السموات بعضها فوق بعض وأن الأرضين بعضها تحت بعض. ولكن لم يرد خبر في السنة يوضح حقيقة السموات والأرضين، فلا فائدة في بحث طبيعة السماء، وما علينا إلا أن نؤمن بظاهر القرآن في هذا التعداد، ونستدل به على عظمة الخالق الذي رفع السماء، وبسط الأرض. وقد أورد الرازي في تفسيره نظريات الفلكيين أو أهل الهيئة التي يفهم منها أن السبع السموات هي الكواكب السيارة «1» ، غير أن العلم الحديث اكتشف وجود كواكب سيارة أخرى مثل نبتون وبلوتو وأورانوس، غير المعروفة قديما وهي القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل. استخلاف الإنسان في الأرض وتعليمه اللغات [سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 33] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
الإعراب:
الإعراب: وَإِذْ ظرف زمان ماض، منصوب بإضمار فعل مقدر تقديره: اذكر، ويجوز أن ينتصب بقالوا. وهو مبني لتضمنه معنى الحرف، لأن كل ظرف لا بد فيه من تقدير حرف، وهو «في» أو لأنه يشبه الحرف في أنه لا يفيد مع كلمة واحدة، وهو مبني على السكون، لأنه الأصل في البناء. وإذ للماضي، وإذا للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. جاعِلٌ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر، وهما قوله: فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فكانا مفعوليه. أَتَجْعَلُ تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية. وَنَحْنُ للحال، بِحَمْدِكَ الباء هنا تسمى باء الحال، والمعنى: نسبحك حامدين لك، ومتلبسين بحمدك، لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف، لم نتمكن من عبادتك. عَرَضَهُمْ ولم يقل: عرضها، لأنه أراد مسميّات الأسماء، وفيهم من يعقل، وفيهم من لا يعقل، فغلّب جانب العقلاء. سُبْحانَكَ الصحيح أن سبحانا وكفرانا: اسمان أقيما مقام المصدر، وليسا بمصدرين. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أنت: إما مبتدأ، والعليم خبره، والحكيم صفة له، أو خبر بعد خبر، والجملة خبر إن، وإما ضمير فصل لا موضع لها من الإعراب، والعليم خبر إن، والحكيم صفة له، أو خبر بعد خبر. البلاغة: رَبُّكَ إضافته إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم للتشريف والتكريم لمقامه لِلْمَلائِكَةِ تقديم الجار والمجرور على المقول للاهتمام بما قدّم. أَنْبِئُونِي أريد به التعجيز والتبكيت. فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ فيه مجاز بالحذف، والتقدير: فأنبأهم بها، فلما أنبأهم. ثُمَّ عَرَضَهُمْ من باب التغليب للعقلاء على غير العقلاء.
المفردات اللغوية:
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تكرار الفعل مع ما قبله: إِنِّي أَعْلَمُ للتنبيه على إحاطة علم الله تعالى بجميع الأشياء، وهذا يسمى بالإطناب. تُبْدُونَ وتَكْتُمُونَ يسمى في علم البديع بالطباق. المفردات اللغوية: وَإِذْ: اذكر يا محمد. رَبُّكَ الرب: المالك والسيد والمصلح والجابر. لِلْمَلائِكَةِ: أجسام نورانية لا يأكلون ولا يشربون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وهو جمع ملك، وأصله: ملاك وزنه مفعل. خَلِيفَةً: الخليفة: من يخلف غيره ويقوم مقامه في تنفيذ الأحكام، والمراد بالخليفة هنا آدم عليه السلام. يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي وَيَسْفِكُ الدِّماءَ يريقها بالقتل عدوانا، كما فعل بنو الجان، وكانوا فيها، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة، فطردوهم إلى الجبال والجزر. نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ننزهك عن كل نقص، متلبسين بحمدك، أي تقول: سبحان الله وبحمده وَنُقَدِّسُ لَكَ نمجدك ونعظمك وننزهك عما لا يليق بعظمتك، فاللام زائدة، والجملة حال، أي فنحن أحق بالاستخلاف أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من المصلحة في استخلاف آدم. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ واحدها اسم، وهو في اللغة: ما به يعلم الشيء، والمراد به: أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه، لكونه معلوما مدلولا عليه، بذكر الأسماء، لأن الاسم لا بد له من مسمى. ثُمَّ عَرَضَهُمْ أي عرض المسميات، وفيه تغليب العقلاء. أَنْبِئُونِي أخبروني، وقد يستعمل الإنباء في الإخبار بما فيه فائدة عظيمة، وهو المراد هنا. سُبْحانَكَ تقديسا وتنزيها لك عن الاعتراض عليك. الْعَلِيمُ الذي لا تخفى عليه خافية، الْحَكِيمُ المحكم لمبتدعاته، فلا يفعل إلا ما فيه الحكمة البالغة. المناسبة: هذه القصة أو المحاورة بين الله تعالى وملائكته نوع من التمثيل بإبراز المعاني المعقولة بالصور المحسوسة، تقريبا للأفهام، وفيها بيان مدى تكريم الله للإنسان باختيار آدم خليفة عن الله في الأرض، وتعليمه اللغات التي لا تعلمها الملائكة، مما يوجب على الناس الإيمان بهذا الخالق الكريم، ولا يليق بأحد الكفر والعناد، وهو استمرار في توبيخ الكفار، وتذكيرهم بنعم الله عليهم.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: اذكر يا محمد لقومك قصة خلق أبيهم آدم، حين قال الله للملائكة: إني متخذ في الأرض خليفة، يقوم بعمارتها وسكناها، وينفذ أحكامي فيها بين الناس، وتتعاقب الأجيال من بعده في مهامه كلها حتى يعمر الكون، فتساءل الملائكة متعجبين ومستعلمين: كيف تستخلف هذا الخليفة؟ وفي ذريته من يفسد في الأرض بالمعاصي ويريق الدماء بالبغي والعدوان، لأن أفعالهم عن إرادة واختيار، وقد خلقوا من طين، والمادة جزء منهم، ومن كان كذلك فهو إلى الخطأ أقرب. فكيف تجعل- على سبيل التعجب والتعلم، لا الاعتراض والحسد- مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وأنت الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير، ولا يريد إلا الخير؟ فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه، وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح المحفوظ، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين وهم الإنس على الآخر وهم الجن، حيث أسكنوا الأرض، فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة «1» . أو أنهم عرفوا طبيعة المادة وفيها الخير والشر، وهو ما رجحناه أولا، ويقال: كان هناك نوع من الخلق في الأرض قبل آدم، أفسد وسفك الدماء، وسيحل هذا الخليفة محله، بدليل قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ [يونس 10/ 14] فقاس الملائكة هذا الخليفة عليه.
ونحن الملائكة أولى بالاستخلاف، لأن أعمالنا مقصورة على تسبيحك وتقديسك وطاعتك، فأجابهم الله تعالى: إني أعلم من المصلحة في استخلافه ما هو خفي عنكم، وأعلم كيف تصلح الأرض، وكيف تعمر، ومن هو أصلح لعمارتها، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها. ولعل التنافس على المصالح بين الناس وتنازع البقاء، وحب الذات من أقوى الدواعي على تقدم الكون وتحضر العالم، فبالخير والشر تصلح الدنيا وتعمر، وبها تظهر حكمة إرسال الرسل، واختبار البشر، وجهاد النفس. وفي هذا إرشاد الملائكة أن يعلموا أن أفعاله تعالى في غاية الحكمة والكمال. ثم عقد الرب سبحانه امتحانا للملائكة، لإظهار عجزهم، وإبطال زعمهم أنهم أحق بالخلافة من خليفته، بعد أن علّم آدم أسماء الأشياء والأجناس المادية من نبات وجماد وإنسان وحيوان، مما تعمر به الدنيا، ثم عرض مجموعة المسميات على الملائكة، أو عرض نماذج منها، أي عرض الأشخاص، لقوله تعالى: عَرَضَهُمْ لأن العرض لا يصح في الأسماء، وقال لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين في ادعائكم أنكم أحق بالخلافة من غيركم، فعجزوا، وقالوا: يا رب سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم بكل شيء، الحكيم في كل صنع. وفي هذا إشارة لتفضيل آدم على الملائكة واصطفائه، بتعليمه ما لم تعلمه الملائكة، فلا يكون لهم فخر عليه. ثم قال المولى جل جلاله: أخبرهم يا آدم بأسماء الأشياء التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بقصورهم عن معرفتها، فلما أخبرهم بكل أسماء تلك الأشياء، أدركوا السر في خلافة آدم وذريته، وأنهم لا يصلحون للاشتغال بالماديات، والدنيا لا تقوم إلا بها، إذ هم خلقوا من النور، وآدم خلق من الطين، والمادة جزء منه.
فقه الحياة أو الأحكام:
وحينئذ قال تعالى للملائكة: ألم أقل لكم: إني أعلم ما غاب في السموات والأرض عنكم، وما حضر أيضا، ولا أجعل الخليفة في الأرض عبثا، وأعلم ما ظهر وما بطن، وما تظهرون وما تكتمون من نحو قولكم فيما روي عن ابن عباس: «لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، فنحن أحق بالخلافة في الأرض» «1» . هذا وجه من التأويل، وقال الطبري: وأولى الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس: وهو أن معنى قوله: وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ. وأعلم مع علمي غيب السموات والأرض، ما تظهرون بألسنتكم، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وما كنتم تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم: ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وَيَسْفِكُ الدِّماءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟. والذي كانوا يكتمونه: ما كان منطويا عليه إبليس من مخالفة أمر الله، والتكبر عن طاعته «2» . فقه الحياة أو الأحكام: أولا - دلت هذه الآيات على تكريم الإنسان الذي جعله الله خليفة في هذه الأرض في تنفيذ أوامره بين الناس، ويؤيده قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ (ص 38/ 26) والحكمة من جعل آدم خليفة هي الرحمة بالناس، إذ لا طاقة للعباد على تلقي الأوامر والنواهي من الله بلا واسطة، فكان من رحمته تعالى إرسال الرسل من البشر. ومع هذا اختلف المفسرون في تأويل كلمة خَلِيفَةً وتحديد المستخلف عنه «3» .
فقال ابن عباس: أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم، فأسكنه إياها، فلذلك قال: إني جاعل في الأرض خليفة. فعلى هذا القول: إني جاعل في الأرض خليفة عن الجن، يخلفونهم فيها، فيسكنونها ويعمرونها، وليس آدم أول أصناف العقلاء في الأرض. وقال الحسن البصري: في تأويل قوله: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي خلفا يخلف بعضهم بعضا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله، جيلا بعد جيل، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام 6/ 165] وقال: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [النمل 21/ 62] وقال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف 43/ 60] وقال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [الأعراف 7/ 169] . ومن هو الخليفة؟ قيل: أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه، كما يستغنى بذكر أبي القبيلة في قولك: مضر وهاشم. وقال زيد بن علي: ليس المراد هاهنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين. قال ابن كثير: والظاهر أنه لم يرد آدم عينا، إذ لو كان ذلك، لما حسن قول الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فإنهم أرادوا: أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية المخلوقة من صلصال من حمأ مسنون، أو فهموا من الخليفة: أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم، أو أنهم قاسوهم على من سبق. والخلاصة: هناك قولان في المراد بالخليفة:
أحدهما- أنه آدم عليه السلام، وقوله: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها المراد ذريته لا هو. والثاني- أنه ولد آدم. ثم إن هذه الآية أصل في نصب إمام حاكم، وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ذلك، إلا ما روي عن أبي بكر الأصم من المعتزلة أنه قال: الإمامة غير واجبة في الدين، بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك. وأدلة الجمهور: قول الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وقوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص 38/ 26] وقوله عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور 24/ 55] أي يجعل منهم خلفاء. وأجمعت الصحابة على تقديم أبي بكر الصديق، بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في تعيين الخليفة «1» . وطرق تعيين الإمام ثلاث «2» : 1- النص على الخليفة: كما نص النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أبي بكر بالإشارة، وأبو بكر على عمر.
ثانيا:
2- الانتخاب بواسطة جماعة: كما فعل عمر، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في تعيين عثمان بن عفان رضي الله عنه. 3- إجماع أهل الحل والعقد. ثانيا - الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب «1» . وفي إخبار الله الملائكة بخلق آدم واستخلافه في الأرض تعليم لعباده المشاورة في أمورهم. وقول الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ليس على وجه الاعتراض أو الحسد لبني آدم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف الحكمة في ذلك. ثالثا - استدل الأشعري والجبائي والكعبي بآية وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها على أن اللغات كلها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني «2» . رابعا - آية تعليم آدم الأجناس التي خلقها الله، وألهمه معرفة ذواتها وخواصها وصفاتها وأسمائها، إما في آن واحد أو آنات متعددة، هذه الآية دالة على فضل العلم، فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام، إلا بأن أظهر علمه، فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم، لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء، لا بالعلم «3» . وكانت الحكمة في التعليم والعرض على الملائكة تشريف آدم واصطفاءه، كيلا يكون للملائكة مفخرة عليه بعلومهم ومعارفهم، وإظهار الأسرار والعلوم
خامسا:
المكنونة في غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده «1» . خامسا - أرشدت آية إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى أن الدعاوي لا يؤبه بها إلا بإثباتها بالدليل، وأن المدّعي لشيء يطالب بالحجة والبرهان تأييدا لما ادّعى. سادسا - في قوله: «هؤلاء» إشارة إلى أنه سمى الأشياء التي وقع عليها الحس، كالطيور والبهائم وأنواع الحيوان التي أمامه. سابعا - دل قول الملائكة: قالُوا: سُبْحانَكَ الآية، على قصور علم المخلوقات أمام علم الخالق، وأن فعل الخالق لا يخلو من الحكمة والفائدة، وأن علم الملائكة محدود لا يتناول جميع الأشياء. والواجب على من سئل عن علم لم يعرفه أن يقول: الله أعلم لا أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء وفضلاء العلماء. ثامنا - في آيات إخبار آدم بأسماء المسميات دلالة واضحة على شرف الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات، وعلى فضل العلم على العبادة، فإن الملائكة أكثر عبادة من آدم، ولم يكونوا أهلا لاستحقاق الخلافة، وعلى أن شرط الخلافة العلم، وعلى أفضلية آدم على الملائكة. تاسعا - إن استخلاف الملائكة الذين لا يحتاجون إلى شيء من الأرض لا يحقق حكمة استخلاف البشر في التعرف على أسرار الكون، وعمارة الأرض، واستخراج ما فيها من خيرات وزروع ومعادن، ولا يؤدي إلى تقدم العلوم والفنون التي شهدنا تفوقها في القرن العشرين.
التكريم الإلهي السامي لآدم بسجود الملائكة له [سورة البقرة (2) آية 34] :
التكريم الإلهي السامي لآدم بسجود الملائكة له [سورة البقرة (2) : آية 34] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) الإعراب: «آدم» ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء متصل عند الجمهور، لأنه كان جنيا واحدا بين ألوف الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله: فَسَجَدُوا ثم استثني منهم استثناء واحد. ويجوز أن يجعل استثناء منقطعا لأنه لم يكن من الملائكة. البلاغة: وَإِذْ قُلْنا للتعظيم بصيغة الجمع، وهي معطوفة على قوله: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم لإظهار المهابة والجلالة. فَسَجَدُوا فيه إيجاز بالحذف أي فسجدوا له. ومثله أَبى مفعوله محذوف أي أبى السجود. المفردات اللغوية: اسْجُدُوا السجود في اللغة: الخضوع والانحناء لمن يسجد له، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض. والسجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكريم والتحية، كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له، فكان تحية للملوك قديما، ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه. إِبْلِيسَ الشيطان أبو الجن، كان بين الملائكة. قال تعالى: كانَ مِنَ الْجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف 18/ 50] . أَبى امتنع من السجود. وَاسْتَكْبَرَ تكبر عنه، وقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف 7/ 12] . وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ في علم الله، من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر. المناسبة: هذا نوع آخر من تكريم الله لأبينا آدم أبي البشر، حيث أمر الملائكة
التفسير والبيان:
بالسجود له، كما أنه خصه بالخلافة في الأرض، وعلمه أسماء الأشياء والأجناس واللغات، مما يدل على تكريم النوع الإنساني بتكريم الأصل أو الأب. التفسير والبيان: واذكر أيضا يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة الأطهار: اسجدوا لآدم سجود خضوع وتحية وتعظيم، لا سجود عبادة وتأليه، كما يفعل الكفار مع أصنامهم، فسجد الملائكة جميعا له غير إبليس، فإنه امتنع من السجود واستكبر عنه، قائلا: أأسجد له، وأنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، فصار بإبائه واستكباره وتعاليه وغروره من الكافرين، فاستحق اللعنة إلى يوم الدين، لعصيانه أمر ربه، ورفضه السجود لآدم. فقه الحياة أو الأحكام: تتجلى العبرة من هذه القصة بأن آدم وذريته لا يليق بهم عصيان أوامر الله، وإنما يجب عليهم عبادته وحده، دون تلكؤ ولا تقصير، لأنّ الله سبحانه كرم ابن آدم في قوله: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء 17/ 70] وجعل آدم خليفة في الأرض، وعلمه ما لم يكن يعلم: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وقال الطبري: إن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته، ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم «1» . والملائكة والشياطين أرواح لها اتصال بالناس لا نعرف حقيقته، بل نؤمن بما ورد فيه، دون بحث عن الكيفية والحال والمآل. والسجود نوعان: سجود عبادة وتأليه وهو لله وحده، وله مظهران: إما وضع الجبهة على الأرض وهو المعتاد في الصلاة، وإما الانقياد والخضوع لمقتضى
إرادته، كما قال: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرحمن 55/ 6] وقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد 13/ 15] . وهذا بمظهريه لا يكون لغير الله إطلاقا. والنوع الثاني: سجود تحية وتكريم من غير تأليه، كسجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب وأولاده ليوسف. وهذا في رأي أكثر العلماء كان مباحا إلى عصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: «لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين» ونهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة، في حديث رواه ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحة عن أبي واقد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه «1» . والخلاصة: اتفقت الأمة على أن السجود لآدم لم يكن سجود عبادة ولا تعظيم، وإنما كان على أحد وجهين: إما الانحناء والتحية وإما اتخاذه قبلة كالاتجاه للكعبة وبيت المقدس وهو الأقوى في رأي ابن العربي، لقوله تعالى: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ «2» . وأما حقيقة إبليس: فللعلماء فيها رأيان: الأول: أنه من الجن، والجن سبط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم. ودليله واضح من قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف 18/ 50] . والثاني- أنه كان من الملائكة: لأن خطاب السجود كان للملائكة، ولأن
الظاهر من هذه الآية وأمثالها أنه منهم، قال ابن عباس: كان إبليس من الملائكة، فلما عصى الله، غضب عليه، فلعنه، فصار شيطانا «1» . قال البغوي: وهو الأصح، لأن خطاب السجود كان مع الملائكة. وقوله: كانَ مِنَ الْجِنِّ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة. وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلي أهل الجنة «2» . والراجح لدي هو القول الأول لصريح آية كانَ مِنَ الْجِنِّ ولأن إبليس قد عصى أمر ربه، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم. ويستدل من قصة الإباء عن السجود أن الامتناع عن تنفيذ أوامر الله والاستكبار والغرور مسبب للكفر، لأنه لما كره إبليس السجود في حقه، واستعظمه في حق آدم، فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته، فصار من الكافرين. واختلف، هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا، وإن إبليس أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض. واختلف أيضا: هل كفر إبليس جهلا أو عنادا؟ على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره. فمن قال: إنه كفر جهلا قال: إنه سلب العلم عند كفره. ومن قال: كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه «3» . واستنبط علماء المالكية من هذه القصة ومن علم الله بكفر إبليس سابقا: أن من أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات، ليس
آدم وحواء في الجنة وموقف الشيطان منهما [سورة البقرة (2) الآيات 35 إلى 39] :
ذلك دالا على ولايته، لأن العلم بأن الواحد منا وليّ لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا، لم يمكنّا أن نقطع أنه ولي الله تعالى، لأن الولي لله تعالى: من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان «1» . آدم وحواء في الجنة وموقف الشيطان منهما [سورة البقرة (2) : الآيات 35 الى 39] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) الإعراب: أَنْتَ تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه. رَغَداً منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، تقديره أكلا رغدا، أو منصوب على الحال. فَتَكُونا حذفت النون إما للنصب بتقدير «أن» لأنه جواب النهي، أو يكون حذفها للجزم بالعطف على وَلا تَقْرَبا. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ آدم: فاعل، وكلمات: مفعول به. بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في اهْبِطُوا
البلاغة:
على تقدير حذف الواو، أي قلنا: اهبطوا وبعضكم لبعض عدو. ويجوز أن تكون جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. فَإِمَّا.. أصلها «إن» الشرطية زيدت عليها «ما» للتأكيد، وتسمى المسلّطة، لأنها سلطت نون التوكيد على الفعل بعدها. فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ من: شرطية مبنية لأنها تضمنت معنى الشرط، في محل رفع مبتدأ، وتَبِعَ خبره، وهو في موضع جزم «بمن» الشرطية. وهُدايَ مفعول به. وكرر قوله: قُلْنَا اهْبِطُوا للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً. والأمر بالهبوط من الجنة إلى الأرض موجه لآدم وحواء، والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم. هُمْ فِيها خالِدُونَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من «أصحاب أو النار» لعود الضميرين إليهما. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يكون حالا من النار، لأن الحال لا تقع حالا من المضاف إليه، وأجازه الآخرون، لأن لام الملك مقدرة مع المضاف إليه. البلاغة: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ أي الأكل من ثمارها، فيه تعليق النهي بالقرب منها لقصد المبالغة في النهي عن الأكل. مِمَّا كانا فِيهِ إبهام يفيد كثرة الخيرات التي لا توصف في الجنة. التَّوَّابُ الرَّحِيمُ من صيغ المبالغة، أي قابل التوبة بكثرة، واسع الرحمة. المفردات اللغوية: رَغَداً أكلا واسعا طيبا هنيئا لا عناء فيه ولا حجر عليه. هذِهِ الشَّجَرَةَ أي بالأكل منها، وهي الحنطة أو الكروم أو غيرهما فَتَكُونا فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ العاصين. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ أوقعهما في المخالفة من الزلة وهي السقوط اهْبِطُوا انزلوا مُسْتَقَرٌّ موضع استقرار. وَمَتاعٌ ما يتمتع به من أنواع الطعام والشراب واللباس ونحوها. فَتَلَقَّى أخذ وقبل وألهم فَتابَ التوبة: الرجوع، فإذا عدّيت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية، وإذا عديت بعلى، كان معناها قبول التوبة. فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ آمن بي وعمل بطاعتي وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.
المناسبة:
بِآياتِنا كتبنا. أَصْحابُ النَّارِ أهلها. خالِدُونَ ملازمون لها، ماكثون فيها أبدا، لا يفنون ولا يخرجون منها. المناسبة: تستمر الآيات في بيان أنواع التكريم الإلهي للإنسان، وهذا التكريم هنا هو المقام في الجنة في بدء الخليقة، ولكن اقتضت الحكمة الإلهية إقامته في الأرض، وتكليفه القيام برسالة مهمة هي تعمير الكون، وإظهار مزية الإنسان في مجاهدة الشيطان وأهوائه. وقد سيقت هذه القصة تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم عما يلاقي من الإنكار، ليعلم أن المعصية من شأن البشر، وأنهم إذا كلفوا بشيء بالرغم من تكريمهم غاية الإكرام قد لا يمتثلون. التفسير والبيان: واذكر يا محمد لقومك أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بما فيها حيث شاءا، والأكل منهما أكلا هنيئا لا عناء فيه، أو واسعا لا حد له، ونهاهما عن الأكل من شجرة معينة، فالأكل منها ظلم لأنفسهما، ولكن الشيطان عدوهما أزلهما عنها، فأخرجهما من ذلك النعيم، بعد أن أغواهما بالأكل من الشجرة. أو أبعدهما وحوّلهما من الجنة، قائلا: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف 7/ 20- 21] فتغلبت عليهما وساوس الشيطان، وخرجا من الجنة إلى الأرض، وشقاء الدنيا، وقد نشأت العداوة بين البشر والشيطان، فإبليس عدو لآدم وزوجه حواء ولذريتهما، والبشر أعداء له، فاحذروا إغواءه: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر 35/ 6] فألهم الله آدم كلمات، فعمل بها هو وزوجته وتابا توبة
فقه الحياة أو الأحكام:
خالصة، والكلمات هي قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف 7/ 23] وتقبل الله التوبة، لأنه كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة بالعباد، وأصبح الناس في الأرض صنفين: صنف المؤمنين بالله العاملين بطاعته، فهؤلاء آمنون في جنان الله في الآخرة، وصنف الكافرين المكذبين بما أنزل الله في كتبه، والجاحدين لرسالات الأنبياء، فهؤلاء مخلدون في نار جهنم. فقه الحياة أو الأحكام: تثير هذه الآيات مشكلات عديدة هي ما يأتي: أولا- زوجة آدم في قوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ: أثار المفسرون كيفية خلق حواء، فقالوا: إنها خلقت من ضلع آدم، أخذا بظاهر قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النساء 4/ 1] وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الأعراف 7/ 189] ، وعملا بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج» وفي رواية لمسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، لن تستقيم لك على طريقة واحدة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها، وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء، لأنها خلقت من أعوج، وهو الضلع «1» . وأجيب عن الآيتين «2» : بأن كثيرا من المفسرين كالرازي قالوا: إن المراد بقوله «منها» أي من جنسها، ليوافق قوله في سورة [الروم 30/ 21] :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً والمراد أنه خلق أزواجا من جنسكم، لا أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها. وأما الحديث فجاء على طريق تمثيل حال المرأة واعوجاج أخلاقها، باعوجاج الضلوع، فهو على حدّ قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء 21/ 37] . هذا وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة. ونقل عن السدي: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة. ثانيا- الجنة: وهي في اللغة البستان. اختلف العلماء في الجنة التي أسكنها آدم، هي في السماء أم في الأرض «1» ؟ قال الأكثرون: إنها التي في السماء، وهي دار الخلد والثواب التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لسبق ذكرها في السورة. وقالت المعتزلة والقدرية: إنها جنة في الأرض غير جنة الخلد، خلقها الله تعالى امتحانا لآدم عليه السلام، في أرض عدن، أو بفلسطين، أو بين فارس وكرمان. وهو رأي أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي ومذهب السلف. ودليلهم أنها لو كانت جنة الخلد، لما وصل إليها إبليس، فإن الله يقول: لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [الطور 52/ 23] ، وقال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً [النبأ 78/ 35] ، وقال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [الواقعة 56/ 25- 26] ، وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله تعالى: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر 15/ 48] ، وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس، قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها، قد لغا فيها إبليس وكذب، وأخرج منها آدم وحواء
بمعصيتهما. وكيف يطلب آدم، مع مكانه من الله وكمال عقله، شجرة الخلد، وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى. ورجح الألوسي هذا الرأي. ورد القرطبي على هذه الأدلة: بأن الجنة المعرفة بالألف واللام لا يفهم غيرها في تعارف الناس، ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم. وأما أوصاف الجنة المذكورة في الآيات التي احتجوا بها، فهي بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة. ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها، وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء. والملائكة يدخلونها ويخرجون منها، وقد دخلها النّبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة الإسراء ثم خرج منها، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي. وأجمع أهل السنة على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام. وكيف يجوز على آدم، وهو في كمال عقله، أن يطلب شجرة الخلد، وهو في دار الفناء؟! الأمر جائز تطلّعا إلى الأفضل والأكمل، كما نتطلع الآن في الدنيا إلى الخلود في الجنة. ثالثا- الشجرة: اختلف العلماء في تعيين الشجرة التي نهي عنها آدم فأكل منها «1» . فقال جماعة: هي الكرم، ولذا حرمت علينا الخمر، وقال آخرون: هي السّنبلة، وقيل: هي شجرة التين. والصواب كما قال القرطبي: أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة، فخالف هو إليها، وعصى في الأكل منها. واختلفوا أيضا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب، وهو قوله تعالى: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة 2/ 35] ، فقال قوم: أكلا من غير التي أشير إليها، فلم يتأوّلا النهي واقعا على جميع جنسها، كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر، أي أنهما ظنّا أن المراد عين شجرة مخصوصة، وكان المراد الجنس. وهو
قول حسن كما قال القرطبي ورجحه الطبري قبله. ويقال: إن أول من أكل من الشجرة حواء، بإغواء إبليس إياها. رابعا- عصيان آدم ثم توبته: قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: الأنبياء معصومون من صغائر الذنوب وكبائرها معا، لأنّا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم «1» . وبناء عليه، أجيب عن خطيئة آدم التي كانت من الصغائر لا من الكبائر، بأنها صدرت منه قبل النبوة، والعصمة عن المخالفة إنما تكون بعد النّبوة. أو بأن الذي وقع منه كان نسيانا، فسمّي عصيانا تعظيما لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة، أو أن ذلك- على طريقة السلف- من المتشابه كسائر ما ورد في القصة، مما لا يمكن حمله على ظاهره «2» . والراجح لدي أن هذه المخالفة وقعت نسيانا وسهوا، كما قال جلّ وعزّ: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه 20/ 115] . وتوبة آدم كانت بقوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف 7/ 23] ، وهذا هو المروي عن ابن عباس. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه: إنّ أحبّ الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .
واكتفى القرآن بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعا له، كما طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسّنة لذلك. وقد ذكرها في آية أخرى: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية السابقة «1» . ولا تكون التوبة مقبولة من الإنسان إلا بأربعة أمور: الندم على ما كان، وترك الذنب الآن، والعزم على ألا يعود إليه في مستأنف الزمان، وردّ مظالم العباد وإرضاء الخصم بإيصال حقه إليه والاعتذار إليه باللسان «2» . خامسا- دخول إبليس الجنة: تساءل العلماء: كيف تمكّن إبليس من وسوسة آدم بعد أن طرده الله من الجنة بقوله: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ص 38/ 77] ، فكان خارج الجنة، وآدم في الجنة؟ وأجيب بأجوبة، منها: أنه يجوز أن يمنع إبليس دخول الجنة على جهة التكريم، كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة، ابتلاء لآدم وحواء. وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة ولم يصل إلى آدم بعد ما أخرج منها، وإنما بوسواسه الذي أعطاه الله تعالى، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» . سادسا- في قوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [البقرة 2/ 35] : إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة من الله تعالى، خلافا للقدرية وغيرهم القائلين: إن العبد يخلق أفعال نفسه. ودلّت الآية (38) على أن من جاءه الهدى على لسان رسول واتبعه، فقد فاز بالنجاة في الآخرة، ودلت الآية (39) على أن الذين لم يتبعوا هدى الله- وهم الذين كفروا بآيات الله اعتقادا وكذبوا بها لسانا- جزاؤهم الخلود في نار جهنم بسبب جحودهم بها، وإنكارهم إياها، اتباعا لوسوسة الشيطان. «3»
قصة آدم عليه السلام:
سابعا- الملائكة: الملائكة خلق من خلق الله تعالى، لا نعلم حقيقتهم، واعتقاد وجودهم واجب شرعا، لإخبار القرآن والنّبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك. وهم مجبولون على الطاعة، منزهون عن المعصية، وهل هم أفضل من البشر؟ اختلف العلماء في شأنهم، فرأى بعضهم أنهم أفضل من البشر، لقوله تعالى: قالَ: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الأعراف 7/ 20] ، وقوله تعالى عن صواحب يوسف: وَقُلْنَ: حاشَ لِلَّهِ، ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف 12/ 31] . ورأى بعضهم أن النوع الآدمي أفضل من الملائكة، لأن الملائكة مجبولون على الطاعة، والبشر فيهم نزعة الشرّ والخير، والآدمي يجاهد شهواته وميوله. وقال جماعة: إن عموم الملائكة أفضل من عموم البشر، وخواص البشر وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة. وفي رأيي: أن التوقف عن الخوض في ذلك أولى، وإن كنت أرجح تفضيل الملائكة على البشر. قصة آدم عليه السلام تكرر اسم آدم عليه السلام في القرآن الكريم خمسا وعشرين مرة، فتحدثت عنه سورة البقرة في الآيات (31- 37) ، وآل عمران في الآيتين (33، 59) ، والمائدة في الآية (27) ، والأعراف في الآيات (11- 172) ، والإسراء في الآيتين (61، 70) ، والكهف في الآية (50) ، ومريم في الآية (58) ، وطه في الآيات (115- 121) ، ويس في الآية (60) . وتنوّع التعبير عن القصة، مرة باسمه وصفته، كما في السّور: البقرة والأعراف والإسراء والكهف، ومرة بصفته فقط، كما في سورتي الحجر وص، مما يدل على إعجاز القرآن الكريم.
وفي هذه القصة موضوعات ستة «1» . الأول- خلق آدم من طين: أبان القرآن الكريم أن أصل خلق آدم عليه السلام كان من طين، من حمأ مسنون- متغير- حتى إذا أصبح صلصالا كالفخار، نفخ الله فيه من روحه، فإذا هو إنسان متحرّك، ذو قدرات مادية وعقلية ومعنوية- أخلاقية، وكان آدم وحواء أصل النوع الإنساني كما أخبر القرآن، وقد أثبت العلماء زيف نظرية «دارون» التي تجعل القرد أصلا وأبا للإنسان. الثاني- السجود لآدم: أمر الله تعالى إبليس والملائكة بالسجود لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس كان من الجنّ، ففسق عن أمر ربه، وأبى واستكبر. الثالث- سبب مخالفة إبليس وعقابه: احتجّ إبليس بأنه أفضل من آدم، وقال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، والنار باعتبار ما فيها من الارتفاع والعلو أشرف من الطين الذي هو عنصر ركود وخمود، فطرده الله من الجنة بسبب الكبر ونسبته الظلم إلى الله، لكنه طلب الإنظار إلى يوم الدّين، فأنظره الله، وتوعد آدم بإغواء ذريته، فردّ الله عليه بأن عباد الله المخلصين لا سلطان له عليهم، وتوعده ومن تبعه بالنار. الرابع- استخلاف آدم في الأرض: أخبر الله تعالى ملائكته أنه سيجعل آدم خليفة عنه في الأرض يكون له سلطان في التصرف في موادها، فتساءلوا على سبيل العلم والحكمة، كيف تجعل في الأرض المفسدين وسفاكي الدماء، وهم- أي الملائكة- أهل الطاعة واجتناب المعصية؟ فأجابهم الحقّ سبحانه أنه يعلم في هذا المخلوق من الأسرار ما لا يعلمون، واختصه بعلم ما لا يعلمون.
العظة من قصة آدم:
الخامس- تعليم آدم أسماء الأشياء المحسوسة: ميّز الله آدم عن الملائكة بتعليمه أسماء جميع الأشياء المادية التي يراها حوله من زروع، وأشجار، وثمار، وأوعية، وحيوان، وجماد، لحاجته إلى الاستفادة منها في طعامه وشرابه، بخلاف الملائكة الذين لا يحتاجون إلى شيء، ثم طالب الله الملائكة بأسماء المسميات المرئية الحاضرة، بعد أن عرض عليهم المسميات، فلم يعلموها. وحاجة ذرية آدم إلى الأشياء تدفعهم إلى العمل والتفكير، والتنقيب عن تلك الأشياء، وعمارة الكون وتقدم وسائل الحياة في كل المجالات من زراعة وصناعة وتجارة. السادس- سكنى آدم وزوجته الجنة وخروجهما منها: أسكن الله آدم الجنة، وخلق له حواء، وأباح لهما الاستمتاع بثمار الجنة إلا شجرة عينها لهما، فوسوس لهما إبليس بالأكل منها وأغراهما، وقال لهما: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا لأن الأكل منها يجعلكما من الملائكة، أو تكونا خالدين دون موت ولا فناء، فرفض آدم في مبدأ الأمر، وقاوم إغراءات الشيطان، ولكن إبليس استمر في إلقاء وساوسه: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف 7/ 21] ، حتى نسي آدم أنه عدوه الذي أبى السجود له، فأكل آدم وحواء من الشجرة: فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه 20/ 121] ليسترا عوراتهما، فعاتب الله آدم على مخالفة أمره والأكل من الشجرة، فندم واستغفر الله وتاب، فقبل توبته، ولكنه أمره وحواء بالخروج من الجنة، والاستقرار في الأرض. العظة من قصة آدم: 1- تفرد الله تعالى بأسرار وعلوم وحكم، ولم يطلع عليها أحدا من الخلق، حتى الملائكة، فإنهم جهلوا الحكمة من استخلاف آدم، وتساءلوا عن السبب في هذا الاختيار.
ما طلب من بني إسرائيل [سورة البقرة (2) الآيات 40 إلى 43] :
2- إذا توجهت عناية الله تعالى إلى شيء جعلته جليلا عظيما، كما توجهت عنايته إلى التراب فخلق منه بشرا سويا، وأفاض عليه من العلم والمعرفة وغيرهما مما عجز الملائكة عن إدراكه. 3- الإنسان وإن كرّمه الله، لكنه ضعيف، عرضة للنسيان، كما نسي آدم أوامر الله ونواهيه، فأطاع إبليس عدوه، وأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها. 4- إن التوبة والإنابة إلى الله سبيل الظفر برحمة الله الواسعة، فإن آدم الذي عصى ربه تاب وقبل الله توبته، فعلى العاصي أو المقصر المبادرة إلى التوبة والاستغفار دون قنوط ولا يأس من رحمة الله ورضوانه ومغفرته. 5- الكبر والعناد والإصرار على الإفساد أسباب لاستحقاق السخط الإلهي، واللعنة والغضب والطرد من رحمة الله، فإن إبليس الذي أبى السجود، وأصرّ على موقفه، وعاند الله، وتحدى سلطانه بإغراء الإنسان وصرفه عن إطاعة الله، غضب الله عليه وطرده من الجنة إلى الأبد، وأوعده بنار جهنم. ما طلب من بني إسرائيل [سورة البقرة (2) : الآيات 40 الى 43] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
الإعراب:
الإعراب إِيَّايَ ضمير منصوب بفعل مقدر، وتقديره: إياي ارهبوا فارهبون، وإنما وجب تقدير «ارهبوا» لأن فعل فَارْهَبُونِ مشغول بالضمير المحذوف وهو الياء. وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً «ما» بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المحذوف تخفيفا في فعل أَنْزَلْتُ. مُصَدِّقاً حال من الهاء المحذوفة، وتقديره: أنزلته. أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ أول: خبر تكونوا، كافر: صفة موصوف محذوف، تقديره: أول فريق كافر، ولهذا جاء بلفظ الواحد، والخطاب لجماعة. تَكْتُمُوا إما منصوب بتقدير «أن» أو مجزوم بالعطف على تَلْبِسُوا وعلامة النصب والجزم في الوجهين حذف النون. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في تَكْتُمُوا. البلاغة: نِعْمَتِيَ الإضافة للتشريف وبيان عظم قدر النعمة وسعة يسرها وحسن موقعها. وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ليس الشراء هنا حقيقيا، بل هو على سبيل الاستعارة التصريحية، كما في الآية السابقة اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى والمراد استبدلوا بآياتي ثمنا، والمراد بالثمن في الأصل هو المشترى به، أي استبدلوا بآيات الله وبالحق الكثير بدلا قليلا ومتاعا يسيرا، فكانت مبادلة خاسرة، لأن كل كثير أو كبير بالنسبة للحق المتروك قليل وحقير. وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وإِيَّايَ فَاتَّقُونِ يفيد الاختصاص، وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياي نعبد. تكرار الحق في قوله: تَلْبِسُوا الْحَقَّ وقوله وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ لزيادة تقبيح المنهي عنه، لأن التصريح للتأكيد. إطلاق الركوع على الصلاة في قوله: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ مجاز مرسل، من أنواع تسمية الكل باسم الجزء. المفردات اللغوية: إِسْرائِيلَ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، وبنوه: أولاده، وهم اليهود. ومعنى إِسْرائِيلَ صفي الله، وقيل: الأمير المجاهد. بِعَهْدِي عهد الله: ما عاهدهم
المناسبة:
عليه في التوراة من الإيمان بالله وبرسله وبخاصة محمد خاتم الأنبياء من ولد إسماعيل بِعَهْدِكُمْ ما عاهدتكم عليه من الثواب على الإيمان، والتمكين من بيت المقدس، وسعة العيش في الدنيا. وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا قد يطلق كل من البيع والشراء على الآخر، والمعنى: لا تبيعوا آياتي بثمن قليل وعوض يسير من الدنيا، أو لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من الناس. فَارْهَبُونِ فخافون في نقضكم العهد وترك الوفاء به دون غيري. وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ من القرآن. مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة بموافقته في التوحيد والنبوة. وَلا تَلْبِسُوا لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه، ولا تحرفوا ما في التوراة بالبهتان الذي تفترونه. المناسبة: اختصت هذه الآيات من (40- 142) بالكلام عن بني إسرائيل فيما يقارب جزءا كاملا، لكشف حقائقهم وبيان مثالبهم، وكانت الآيات السابقة من أول السورة إلى هنا حول إثبات وجود الله ووحدانيته، والأمر بعبادته، وأن القرآن كلام الله المعجز، وبيان مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وتكريمه وخلق السموات والأرض، وموقف الناس من كل ذلك وانقسامهم إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين. ثم بدأ سبحانه بمخاطبة الشعوب التي ظهرت فيها النبوة، فبدأ باليهود، لأنهم أقدم الشعوب ذات الكتب السماوية، ولأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين بالقرآن، مع أنهم أولى الناس بالإيمان بخاتم الرسل، لذا ذكرهم الله تعالى بنعمه الكثيرة التي أنعم بها عليهم، وذكرهم بالعهد المؤكد معهم على التصديق بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وتنوع أسلوب القرآن في خطابهم، تارة بالملاينة والملاطفة، وتارة بالتخويف والشدة، وأحيانا بالتذكير بالنعم، وطورا بتعداد جرائمهم وقبائحهم وتوبيخهم على أعمالهم وإقامة الحجة عليهم. التفسير والبيان: يا أولاد النبي الصالح يعقوب، كونوا مثل أبيكم في اتباع الحق، وتفكروا
فقه الحياة أو الأحكام:
بالنعم التي أنعم الله بها على آبائكم من الإنجاء من فرعون، وتظليل الغمام، واشكروا الله على نعمه بامتثال أوامره وإطاعته، وأوفوا بما عاهدتكم عليه من الإيمان بالله ورسله دون تفريق، وبخاصة محمد خاتم النبيين، أوفّ بعهدي لكم في الدنيا والآخرة، بالتمكين لكم في الأرض المقدسة- في زمنهم- ورفع شأنكم، وتوسيع معيشتكم، ونصركم على أعدائكم، وتوفير السعادة لكم في الآخرة. وآمنوا- ضمن مشتملات العهد- بالقرآن إيمانا صادقا، وأنه من عند الله، وأنه نزل مؤيدا ومصدقا وموافقا للتوراة وكتب الأنبياء السابقة، في الدعوة إلى توحيد الله، وترك الفواحش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي التوراة وصف للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فلا تكونوا يا أهل الكتاب أول الناس في الكفر به، فأنتم أحق الناس بالإيمان به، لوجود دليل صدقه في التوراة. ولا تبيعوا آيات الله الدالة على صدق محمد في نبوته ودعوته بثمن دنيوي حقير، من رياسة أو زعامة أو مال أو موروثات وعادات قديمة، فإنه ثمن قليل بخس، وتجارة خاسرة غير رابحة. ولا تخافوا أحدا سوى الله فهو بيده الخير كله. ولا تخلطوا الحق الموجود في التوراة بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه، ولا تكتموا وصف النبي وبشارته التي هي حق وأنتم تعلمون ضرر الكتمان، فليس جزاء العالم في الآخرة كالجاهل. وأدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والزكاة وأدوها جماعة مع النّبي محمد عليه السّلام. وعبر بالركوع عن الصلاة ليبعدهم عن صلاتهم القديمة التي لا ركوع فيها. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى أحكام كثيرة في العقيدة والأخلاق والعبادة والحياة الخاصة والعامة، فأوجبت على اليهود ألا يغفلوا عن نعم الله التي أنعم بها عليهم وألا يتناسوها، والنعمة هنا: اسم جنس، مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم 14/ 34] ، ومن نعمه عليهم: أن
أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفجّر لهم من الحجر الماء، واستودعهم التوراة التي فيها صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم ونعته ورسالته «1» ، والنعم على الآباء نعم على الأبناء، لأنهم يشرفون بشرف آبائهم وكانت النعم سببا في بقائهم. والتذكير بكثرة النعم يوجب الحياء عن إظهار المخالفة، ويوجب عظم المعصية، ويستدعي الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن. وألزمهم الوفاء بالعهد: وهو عام في جميع أوامره تعالى ونواهيه ووصاياه، ويدخل في ذلك الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم الذي ذكر في التوراة وغيرها، فإذا وفّوا بعهودهم، وفي الله لهم عهده: وهو أن يدخلهم الجنة، على سبيل التفضل والإنعام. وما طلب من اليهود من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا، قال الله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة 5/ 1] وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل 16/ 91] . وأمرهم بخشية الله وحده والإيمان (التصديق) بما أنزل الله وهو القرآن، ونهاهم عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا، أي على تغيير صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم رشى، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه. وقد أثار العلماء في هذه الآية (41) ونحوها مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن «2» ، فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب
والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام، وقد قال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا. وأجاز جمهور العلماء غير الحنفية أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لقوله عليه السلام في حديث ابن عباس- حديث الرّقية الذي أخرجه البخاري: «إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» والقياس على الصلاة والصيام فاسد، لأنه في مقابلة النص، ولأن تعليم القرآن يتعدى أثره لغير المعلّم، فيختلف عن العبادات المختصة بالفاعل. وهذا الخلاف جار أيضا في أداء الصلاة وغيرها من الشعائر الدينية بأجر. ونهى الله اليهود- ومثلهم غيرهم- عن أن يخلطوا ما عندهم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل، وعن كتمان ما علموا، ومنه أن محمدا عليه السلام حق، فكفرهم كان كفر عناد، ولم يشهد تعالى لهم بعلم في ذلك. وفي نهاية الآيات أمرهم الله تعالى- والأمر للوجوب- بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وعبر عن الصلاة بالركوع، لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع، ليرشدهم إلى الصلاة بالصفة الإسلامية، والمراد بالزكاة على الأصح الزكاة المفروضة، لمقارنتها بالصلاة، وليس المراد هو صدقة الفطر. وفي الصلاة تطهير النفوس، وفي الزكاة تطهير المال، وكلاهما مظهر شكر الله على نعمه، والزكاة تنفرد بأنها تحقق مبدأ التكافل الاجتماعي بين الناس، فالغني بحاجة إلى الفقير، والفقير بحاجة إلى الغني. قال الجصاص: أريد بالصلاة والزكاة ما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكوات الواجبة «1» .
نماذج من سوء أخلاق اليهود [سورة البقرة (2) الآيات 44 إلى 48] :
نماذج من سوء أخلاق اليهود [سورة البقرة (2) : الآيات 44 الى 48] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) الإعراب: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في تَنْسَوْنَ. وَإِنَّها الهاء تعود على الصلاة، وإنما قال: وَإِنَّها ولم يقل: وإنهما أي الصبر والصلاة، لأن العرب ربما تذكر اسمين، وتكنّي عن أحدهما، مثل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلا يُنْفِقُونَها ولم ينفقونهما، ومثل: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة 62/ 11] ولم يقل: إليهما. إِلَيْهِ الضمير يعود إلى الله تعالى. يَوْماً مفعول فيه ظرف زمان لفعل اتَّقُوا. ولا تَجْزِي وما بعدها من الجمل المنفية صفات ليوم، وفي كل جملة ضمير مقدر يعود على يوم، تقديره: فيه، أي لا تجزي فيه.. وهكذا. وتذكير فعل وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ مع أن الفاعل مؤنث لوجود الفاصل، وإذا وجد الفصل بين للفعل والفاعل، قوي التذكير. البلاغة: أَتَأْمُرُونَ الاستفهام للتوبيخ. وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ فيه تقريع وتبكيت. أَفَلا تَعْقِلُونَ استفهام إنكاري وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ مبالغة في الترك.
المفردات اللغوية:
ثم إن عطف وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ.. على اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ من عطف الخاص على العام. وَاتَّقُوا يَوْماً تنكير اليوم للتهويل، وتنكير النفس في نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ لإفادة العموم. المفردات اللغوية: «البر» الطاعة والخير والعمل الصالح وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركونها فلا تأمرونها به الْكِتابَ التوراة، وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل. أَفَلا تَعْقِلُونَ سوء فعلكم فترجعوا. وَاسْتَعِينُوا اطلبوا المعونة على أموركم بِالصَّبْرِ حبس النفس على ما تكره وَالصَّلاةِ قال القرطبي وغيره: خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها، وكان عليه السّلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة «1» وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ أي وإن الصلاة لشاقّة ثقيلة الْخاشِعِينَ الساكنين إلى الطاعة. يَظُنُّونَ يعتقدون أو يوقنون مُلاقُوا رَبِّهِمْ بالبعث وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ في الآخرة فيجازيهم. اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ بالشكر عليها بطاعتي فَضَّلْتُكُمْ أي آباءكم عَلَى الْعالَمِينَ عالمي زمانهم. وَاتَّقُوا خافوا يَوْماً يوم القيامة. لا تَجْزِي تقضي وتؤدي نفس. عَدْلٌ فداء. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من عذاب الله. سبب النزول: أخرج الواحدي والثعلبي عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية (44) في يهود المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينهم وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به، وهذا الرجل، يعنون محمدا صلّى الله عليه وسلّم، فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه «2» .
التفسير والبيان:
وقال السدّي: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون، فعيّرهم الله عز وجلّ «1» . التفسير والبيان: بان مما سبق في سبب النزول أن الآيات نزلت في أهل الكتاب وعلى التخصيص الأحبار والرهبان، كانوا يأمرون الناس بالخير والثبات على الإسلام ويتركون أنفسهم، فهذا مدعاة العجب والاستغراب، فإن الآمر بالشيء هو القدوة، فعليه المبادرة إلى فعل ما أمر به غيره، وإلّا كان كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه. وفي هذا توبيخ وتأنيب شديد، فكيف يليق بكم يا أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون بما تأمرون به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه من وعيد على من قصر في أوامر الله، أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم؟ فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم. وهذا الخطاب، وإن كان لليهود من أهل الكتاب، فهو موجه أيضا لغيرهم، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وطريق العلاج لهذا المرض أن تؤمنوا حقا، وتستعينوا على أنفسكم الأمارة بالسوء، على مرضاة الله بالصبر الحقيقي وهو إنما يكون بتذكر وعد الله بحسن الجزاء لمن صبر عن الشهوات المحرمة، وتستعينوا بالصلاة لترويض النفس على التزام جادة الاستقامة، فمن صبر على احتمال التكاليف، وصرف نفسه عن المعاصي، وناجى ربه في صلاته، وعقد الصلة مع الله فيها خمس مرات في اليوم، كان جديرا بنصح الآخرين، مدركا بعقله الواعي مخاطر الانحراف، ضامنا لنفسه النجاة، لأن الأمر بالمعروف واضح، وهو واجب على العالم، وأوجب منه أن
يبدأ الواعظ بفعله بنفسه، ولا يتخلف بشيء عمن أمرهم به، قال شعيب عليه السلام- فيما حكاه القرآن: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [هود 11/ 88] . والتزام الصلاة أمر شاق إلا على من خشعت نفوسهم لله، وخافوا من شديد عقابه، وعمرت قلوبهم بالإيمان وصدقوا بلقاء الله وحسابه، فبادروا إلى الصلاة، لإراحة أنفسهم، وتطمين قلوبهم، وإراحة بالهم، وإزالة قلقهم، وهو ما عبر عنه النّبي صلّى الله عليه وسلم بقوله: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» «1» . والأصح أن المراد بالصلاة التي أمر بها اليهود وغيرهم هي الصلاة الإسلامية، بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة ومكلفون بها، ولأن الصلاة التي أمروا بها هي المشتملة على الركوع، كما في الآية السابقة، وصلاتهم لا ركوع فيها، كما بينا. وعبر بالظن في قوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ للإشارة إلى أن من ظن اللقاء لا يشق عليه الصلاة، فكيف بمن يتيقنه؟! فهذا سبب آخر بعد نسيان أنفسهم وتلاوة الكتاب للتقريع والتوبيخ. وفي مجالات الأوامر والترغيب في المأمورات يحسن التذكير بالنعم الإلهية، لذا كرر تعالى تذكير الكتابيين بالنعم التي أنعم بها على آبائهم وعليهم، وأنه فضلهم على غيرهم من العالم في زمانهم، وأنه جعل فيهم الأنبياء، والخطاب ليس موجها إلى الجماعة فقط، وإنما إلى كل فرد أيضا، لأن كل امرئ مسئول عن نفسه، فليخش كل إنسان يوما مليئا بالأهوال، لا منجاة فيه إلا بتقوى الله في السر والعلن، ولا فائدة فيه إلا لمن عمل لنفسه، فلا تقبل هناك شفاعة الشفعاء والوسطاء، ولا ينفع دفع البدل أو الفداء، ولا يمنع المقصرون من العذاب.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: يستحق كل مقصر في واجبه العقاب واللوم، فقد كان التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر، لا بسبب الأمر بالبر، وكان ذم اليهود لأنهم كانوا يأمرون بأعمال البر والطاعة ولا يعملون بها، ويزداد التقريع للعالم الذي لا يعمل بما علم، فليس من يعلم كمن لا يعلم، ولا يتقبل العقل السليم هذه الحال من أحد. وإطاعة الأوامر الإلهية وعدم مخالفتها تتطلب الصبر، ومن صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة، ومن أخص حالات الصبر: الصلاة، فالصلاة فيها سجن النفوس، وجوارح الإنسان فيها مقيدة بها عن جميع الشهوات، فكانت الصلاة أصعب على النفس، وكانت مكابدتها أشق. وتهون المصاعب كلها أمام الخاشعين المتواضعين المخبتين إلى الله، الموقنين بلقاء الله، المصدقين بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وليست أمور الآخرة مقيسة على أمور الدنيا، كما كان يتوهم اليهود وغيرهم من الأمم الوثنية، فليس في ميزان الإسلام وعدله طريق لتخليص المجرمين من العذاب بفداء أو بدل يدفع، أو بشفاعة تشفع، ولا ينفع في اليوم الآخر إلا مرضاة الله تعالى بالعمل الصالح، والإيمان المستقر في النفوس، المتجلي في أعمال الإنسان، والحكم إلى الله العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، كما قال تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ، ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات 37/ 24- 26] . والشفاعة المرفوضة هي شفاعة الكافرين، فقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ: النفس الكافرة، لا كل نفس. أما المؤمنون فتنفعهم الشفاعة بإذن الله، لقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء 21/ 28] والفاسق
نعم الله تعالى العشر على اليهود [سورة البقرة (2) الآيات 49 إلى 54] :
غير مرتضى، وقوله: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ 34/ 23] وليس في الشفاعة رجوع المولى عن إرادته لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ ما أراده الله أزلا عقب دعاء الشافع، والشفاعة دعاء. وليس في إثبات شفاعة مسوغ لمغتر يتهاون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على الشفاعة، فلا ينفع أحدا في الآخرة إلا طاعة الله ورضاه. وأما تفضيل بني إسرائيل فهو ليس دائما ولا عاما، وإنما هو مقصور على عالمي زمانهم، ومرتبط بمدى تنفيذهم أوامر الله، فالتفضيل هو مناط الأخذ بالفضائل وترك الرذائل، والفضل إن كان بكثرة الأنبياء فيهم فهو صحيح لا شك فيه، ولا تقضي هذه الفضيلة بأن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم، ويزول الفضل إذا هم انحرفوا عن هدي أنبيائهم وتركوا سنتهم. وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من الله بمرضاته، فهو مختص بالأنبياء والمهتدين من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه، ومقيد بمدة الاستقامة على العمل الذي استحقوا به التفضيل «1» . نعم الله تعالى العشر على اليهود [سورة البقرة (2) : الآيات 49 الى 54] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)
الإعراب:
الإعراب: إِذْ معطوف على نِعْمَتِيَ ومنصوب بفعل محذوف تقديره: واذكروا إذ نجيناكم. وكذلك قوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا، وَإِذْ واعَدْنا مُوسى، وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى. فِرْعَوْنَ ممنوع من الصرف للتعريف والعجمة، ومعناه في القبطية: التمساح. يَسُومُونَكُمْ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من آل فرعون. وكذلك يُذَبِّحُونَ ويَسْتَحْيُونَ حال منهم أيضا. واعَدْنا بمعنى وعدنا، لأن الأصل في «فاعلنا» أن تكون مشاركة من اثنين، ولا يحسن هاهنا، لأن الله تعالى وعد موسى، ولم يكن من موسى وعد الله تعالى. اتَّخَذْتُمُ فعل يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، الأول منهما (العجل) والثاني مقدر وتقديره: إلها. وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ جملة اسمية في موضع الحال من ضمير اتَّخَذْتُمُ. ذلِكُمْ أراد المذكور، وهو يشمل القتل والتوبة. البلاغة: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ استعارة من السّوم في البيع. بَلاءٌ وعَظِيمٌ التنكير فيهما للتفخيم والتهويل. واعَدْنا ليست على أصلها وهو المشاركة من اثنين، وإنما هي بمعنى «وعدنا» كما بينا في الإعراب. هذا وعطف الفرقان على الكتاب في آية (53) من باب عطف الصفات بعضها على بعض، لأن الكتاب هو التوراة، والفرقان هو التوراة أيضا، فهو كتاب منزل وفارق بين الحق والباطل. المفردات اللغوية: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ أي آباءكم، تذكيرا لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا. وفرعون: لقب لمن ملك مصر قبل البطالسة يَسُومُونَكُمْ يذيقونكم سُوءَ الْعَذابِ أشده أي العذاب الشديد. يَسْتَحْيُونَ يبقون نساءكم أحياء، ويقتلون الرجال، لقول بعض الكهنة لفرعون: إن مولودا
المناسبة:
يولد في بني إسرائيل، يكون سببا لذهاب ملكك وَفِي ذلِكُمْ العذاب أو الإنجاء بَلاءٌ ابتلاء واختبار. فَرَقْنا فلقنا، والمراد جعلنا فيه جسرا تعبرون عليه، هاربين من عدوكم. الْكِتابَ التوراة. وَالْفُرْقانَ الشرع الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام. فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ليقتل البريء منكم المجرم ذلِكُمْ القتل، وقتل منهم نحو سبعين ألفا بارِئِكُمْ مبدعكم ومحدثكم فَتابَ قبل توبتكم. المناسبة: هذه الآيات في تفصيل النعم العشرة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، بعد الإشارة إليها إجمالا في قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ تذكيرا لهم بضرورة شكرها. التفسير والبيان: اذكروا أيها اليهود الذين تعاصرون التنزيل ونبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم النعم التي أنعم الله بها على آبائكم، وهي نعم عليكم أيضا بالتبع، كانت سببا لبقائكم، ولأن الإنعام على أمة إنعام يشمل كل أفرادها، وهي نعم عشرة، ذكر منها هنا خمسة وهي: 1- النجاة من فرعون، فإنه كان يذبح الأبناء الذكور، ويترك البنات أحياء، ويذيقهم العذاب الشديد، لأن فرعون كان قد رأى نارا هالته، خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل. وفسّرت له بأن زوال ملكه يكون على يد رجل من بني إسرائيل «1» . فأخذ يقتل الذكور ويترك النساء، ومع هذا نجاهم الله من هذا العذاب المهين. وفي النجاة من الهلاك اختبار من الله، حتى يظهر شكر الناجي وصبر الهالك. والاختبار
قد يكون بالخير أو بالشر، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء 21/ 35] وقال: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف 7/ 168] . وأما أنواع العذاب غير القتل، فقال ابن إسحاق: كان فرعون يعذب بني إسرائيل، فيجعلهم خدما وخولا، وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله، فعليه الجزية، فسامهم العذاب. وفرعون: لقب لكل من ملك مصر قبل البطالسة، مثل قيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وتبّع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة، وخاقان لملك الترك، وبطليموس لمن ملك الهند. ونسب الله تعالى إلى آل فرعون- وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه- لتولّيهم ذلك بأنفسهم، وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله «1» . قال الطبري: فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما، فهو مقتول عندنا به قصاصا، وإن كان قتله إياه بإكراه غيره له على قتله «2» . 2- عبور بني إسرائيل في البحر الأحمر سالمين بعد تهيئة طريق يابس سلكوه، وإغراق فرعون وجنوده. وقد كان فرق البحر من معجزات موسى عليه السلام كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى على أيديهم، لتصديق الناس إياهم، وهي سنة في الكون يخلقها الله متى شاء على يد من يصطفيه من عباده.
وأما فرعون وجنوده فتبعوهم، حتى إذا كانوا في وسط البحر، أطبق الله عليهم الماء، فغرقوا. 3- قبول توبة الاسرائيلين وعفو الله عنهم، لأن الله تعالى كثير القبول لتوبة العصاة، ورحيم بمن ينيب إليه ويرجع، وهذا يستدعي شكر الله تعالى، وشكره: الإيمان به وبرسله واتباعهم فيما جاؤوا به، وبخاصة خاتم النبيين محمدا صلّى الله عليه وسلّم. 4- إنزال التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام على موسى عليه السلام، كي يهتدوا بها، ويتدبروا ما فيها، ويسيروا على منهجها وشرعها. 5- التخلص الجماعي من المجرمين بأمر الله نبيه موسى عليه السّلام بعد أن اتخذ بنو إسرائيل العجل إلها، فعبدوه من دون الله، وظلموا أنفسهم بعد الإشراك بالله، في وقت غيبة موسى عنهم لميقات ربه، وصومه أربعين يوما، فاذكر يا محمد قول موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجي ربه: يا قوم إنكم باتخاذكم العجل إلها قد أصررتم بأنفسكم، فتوبوا إلى خالقكم، وتخلصوا من جهلكم، إذ تركتم عبادة البارئ، وعبدتم أغبي الحيوان وهو البقر. وطريق التوبة التي كانت في شريعتهم: أن يقتل البريء منكم المجرم، فأرسل الله عليهم سحابة سوداء، لئلا يبصر بعضهم بعضا عند القتل، فيرحمه، فتقاتل عبدة العجل مع المؤمنين بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، حتى قتل منهم سبعون ألفا، وبعدها تضرع موسى وهارون إلى الله، فتاب عليهم، من قتل ومن لم يقتل، أما المقتول فهو حي يرزق عند الله، وأما من بقي فقد قبلت توبته، وانتهى التقاتل، وألقوا السلاح، وساد السلم والأمن، ولا عجب في هذا، فالله هو التواب الرحيم بعباده. والأربعون يوما في قول أكثر المفسرين: ذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
فقه الحياة أو الأحكام:
والخلاصة: ربما كانت هذه النعمة أجل النعم، فالله تعالى يقول: اذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوما، وهي المذكورة في الأعراف (142) في قوله تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر. فقه الحياة أو الأحكام: لكل ظالم عات باغ نهاية حتمية، كنهاية فرعون بالإغراق في البحر، وللمظلوم فرج قريب ونصر محقق، كإنجاء بني إسرائيل المظلومين على يد فرعون وآله. وكان الإنجاء عيدا، مستوجبا شكر الإله، وصار يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر المحرّم يوم صيام الشكر، روى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأمر بصيامه. قال الترمذي: وروي عن ابن عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود. واحتج بهذا الحديث الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. والشكر لله- كما قال سهل بن عبد الله: الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية. والمبادرة إلى التوبة سبيل التخلص من المعصية، والله سبحانه واسع الرحمة، كثير القبول للتوبة. والصبر مفتاح الفرج، قال القشيري: من صبر في الله على قضاء الله، عوّضه
تتمة النعم العشر على بني إسرائيل [سورة البقرة (2) الآيات 55 إلى 60] :
الله صحبة أوليائه، هؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضرّ من فرعون وقومه، فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكا، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين «1» . تتمة النّعم العشر على بني إسرائيل [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 60] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) الإعراب: جَهْرَةً منصوب على المصدر في موضع حال من ضمير قُلْتُمْ وتقديره: قلتم ذلك مجاهرين، وهذا هو الأوجه. وقيل: صفة محذوف تقديره: أرنا الله رؤية جهرة.
البلاغة:
سُجَّداً جمع ساجد، منصوب على الحال من ضمير ادْخُلُوا. حِطَّةٌ خبر مبتدأ محذوف تقديره: مسألتنا حطة، أي حطّ عنا ذنوبنا. ومن نصب حِطَّةٌ أعمل الفعل. فَانْفَجَرَتْ معطوف على فعل مقدر، تقديره: فضرب فانفجرت، لأن الانفجار إنما يحصل عن الضرب، لا عن الأمر بإيجاده، مثل: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة 2/ 185] أي فأفطر فعدة. ومثل: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة 2/ 173] أي فأكل فلا إثم عليه. مُفْسِدِينَ حال مؤكدة لعاملها: تَعْثَوْا. البلاغة: مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي. كُلُوا إيجاز بالحذف، أي قلنا لهم: كلوا. وَما ظَلَمُونا إيجاز بالحذف أيضا تقديره: فظلموا أنفسهم بأن كفروا. والجمع بين ظَلَمُونا ويَظْلِمُونَ الماضي والمضارع للدلالة على تماديهم في الظلم. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ولم يقل: فأنزلنا عليهم، لزيادة التقبيح والمبالغة في الذم والتقريع، بوضع الظاهر موضع الضمير. رِجْزاً نكّره للتهويل والتفخيم. مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تعظيم للنعمة والمنة، وإيماء إلى أنه رزق حاصل من غير تعب ولا مشقة. المفردات اللغوية: جَهْرَةً عيانا واضحا بالبصر. الصَّاعِقَةُ الصيحة بالعذاب، أو نار من السماء. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما حلّ بكم. ثُمَّ بَعَثْناكُمْ أحييناكم. تَشْكُرُونَ نعمتنا بذلك. وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ سترناكم بالسحاب الرقيق من حرّ الشمس في التيه. الْمَنَّ شيء حلو لزج كالعسل. السَّلْوى الطائر المعروف بالسّماني ويسمى في بلاد الشام بالفري، وكلّ من السّماني والسلوى جمع لا واحد له من لفظه. هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس أو أريحا. رَغَداً أكلا واسعا هنيئا لا عناء فيه ولا حجر
التفسير والبيان:
عليه. الْبابَ بابها. سُجَّداً منحنين متواضعين متذللين لله. حِطَّةٌ أي سؤالنا أن تحطّ عنا ذنوبنا أو خطايانا، والمراد: اسألوا الله المغفرة. رِجْزاً عذابا من السماء، ومن المعلوم أن العذاب نوعان: نوع يمكن دفعه: وهو عذاب المخلوقات كالهدم والغرق، ونوع لا يمكن دفعه: كالطاعون والصاعقة والموت، والمراد به هذا النوع الثاني. الْحَجَرَ أي حجر، كان إذا ضربه تفجر منه الماء بقدرة الله. فَانْفَجَرَتْ انشقت وسالت. أُناسٍ جماعة منهم، وكانوا اثني عشر سبطا. مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم. وَلا تَعْثَوْا من عثي: أفسد، أي لا تفسدوا إفسادا شديدا، والعثو أو العثيّ: أشد الفساد، وتكرر المعنى تأكيدا، لاختلاف اللفظ. التفسير والبيان: اذكروا يا بني إسرائيل قول السبعين من أسلافكم الذين اختارهم موسى عليه السلام حين ذهبوا معه إلى الطّور، للاعتذار عن عبادة العجل: لن نصدق بالله وبكتابه، علما بأنك سمعت كلامه، حتى نرى الله عيانا بالعين المجردة بلا حاجز، فأخذهم الله بعذابه وهو إرسال نار من السماء وهي الصاعقة فأحرقتهم وماتوا، ومكثوا يوما وليلة، والحي ينظر إلى الميت. وهكذا كان حال بني إسرائيل مع موسى، يتمرّدون ويعاندون، فيعذبهم الله في الأرض، بالأوبئة والأمراض وتسليط هوامّ الأرض وحشراتها، حتى فتكت بالعدد الكثير منهم، ثم ينعم الله عليهم، وها هي بقية النّعم العشر التي يذكّرهم تعالى بها: 6- ثم أحييناهم بعد الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، فقاموا وعاشوا ينظرون إلى بعضهم «1» ، وذلك كله لتشكروا الله أيها اليهود المعاصرون على
إنعامه عليكم بالبعث بعد الموت، وتعتقدوا أن الله قادر على كل شيء. والشكر المطلوب: هو الإيمان بالله وكتبه وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم. وقال بعض المفسّرين في تفسير بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ: علمناكم من بعد جهلكم. قال القرطبي: والأول أصح، لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، وَهُمْ أُلُوفٌ، حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [البقرة 2/ 243] «1» . 7- ثم سترناكم بالسحاب الأبيض الرقيق من حرّ الشمس، أثناء وجودكم في وادي التّيه بين الشام ومصر مدة أربعين سنة، حيارى تائهين، بعد أن خرج آباؤكم من مصر، وجاوزوا البحر. 8- ثم أنعمنا عليكم بأنواع من الطعام والشراب كالمنّ الذي هو مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، والسلوى الذي هو طير يشبه السّماني لذيذ الطعم، وكان المنّ ينزل عليهم نزول الضباب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتأتيهم السّماني، فيأخذ كل واحد ما يكفيه إلى الغد. وقلنا لكم: كلوا من ذلك الرزق الطيب، واشكروا الله، فلم يفعلوا، وكفروا تلك النعم الجزيلة، ولم يضروا إلا أنفسهم، حيث قطع الله عنهم هذه النعم، وجازاهم على مخالفتهم، فكان. وبال العصيان عائدا عليهم. 9- واذكروا أيضا نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التّيه: ادخلوا القرية، قال الجمهور: هي بيت المقدس، وقيل: أريحاء من بيت المقدس، واسكنوا فيها، وكلوا واشربوا منها أكلا واسعا هنيئا لا حرج فيه، وادخلوا باب القرية ساجدين لله خاضعين مبتهلين إلى الله وحده، شكرا لله تعالى على خلاصكم
فقه الحياة أو الأحكام:
من التّيه، وقولوا: يا ربّنا، حطّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا، وسنزيد المحسنين ثوابا من فضلنا وأجرا جزيلا. والمحسن: من صحح أساس توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين شرّه. فخالف الظالمون الأمر ولم يتبعوه، معبرا عن المخالفة بالتبديل، إشارة إلى أن المخالف كأنه أنكر الأمر وادعى أنه أمر بغيره، ودخلوا زاحفين على أستاههم، أي أدبارهم، غير خاضعين لله، فكان جزاؤهم إنزال العذاب الشديد من السماء وهو الرجز، وهو في رأي جماعة من المفسّرين، الطاعون، بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله، قيل: هلك منهم سبعون ألفا بالطاعون. 10- واذكروا يا بني إسرائيل نعمة أخرى حين عطش آباؤكم من شدّة الحرّ في التّيه، وطلبوا من موسى عليه السّلام السقيا، فأمره الله أن يضرب بعصاه أي حجر، فضرب فانفجرت منه المياه المتدفقة بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عينا، لكل جماعة منهم عين يشربون منها حتى لا تقع بينهم الشحناء، وكانوا اثني عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر، وقال الله لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير تعب، ولا تفسدوا في الأرض بأن تنشروا الفساد في الأرض، وتكونوا قدوة لغيركم فيه، أو لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم. وكان تفجير الماء بعصا موسى معجزة ظاهرة له، وهي لا تكون لغير نبي، والمراد بالحجر الجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، قال الحسن البصري: لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه، وهذا أظهر في الحجة، وأبين في القدرة. فقه الحياة أو الأحكام: إن مخاطبة بني إسرائيل المعاصرين لنزول القرآن وتذكيرهم بالنّعم التي أنعم
الله بها على أصولهم، دليل واضح على وحدة الأمة، وتكافل أفرادها، وأن السعادة والشقاوة تعم الجميع من أصول وفروع، وإن لم يسأل الفرع عما فعل أصله، لكنه يتضرر بسوء أصله، وينتفع باستقامة أصله، كما قال تعالى في تعميم العذاب: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال 8/ 25] ، وقال سبحانه في كنز الغلامين اليتيمين تحت الجدار: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً [الكهف 18/ 82] ، فكان صلاح الأب أو الجدّ سببا في صلاح الابن أو الحفيد نفسه، وفي حفظ المال لذريته، أي أن الصلاح يفيد في النفس والمال. وفي قوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة 2/ 57] ، إيماء إلى أن كل ما يأمر به الله من عبادة فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم عنه، فإنما ذلك لدفع ضرّ يقع بهم، وهو بمعنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس 10/ 23] ، وقوله: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة 2/ 286] . أما تفجير الماء من الحجر فكان معجزة لموسى عليه السّلام، والمعجزات كلها من صنع الله، وهي سنة جديدة غير ما نشاهد من العادات كل يوم، أما المخترعات العلمية فهي مبنية على السّنن العلمية باستخدام طاقات الكون من الأثير والهواء والنفط والكهرباء وغير ذلك. وكان الله قادرا على تفجير الماء وفلق البحر بلا ضرب عصا، ولكنه جلّت قدرته أراد أن يعلم عباده ربط المسببات بأسبابها، ليسعوا في الحصول على تلك الأسباب بقدر الطاقة. ومثل ذلك أيضا معجزات عيسى عليه السّلام، كان الله قديرا على أن يخلق الطير من الطين ومن غير الطين، ولم يكن هناك داع لنفخ الملك في مريم، لأن طريق القدرة كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 47] ، ولكن شاء الله أن تظهر قدرته بطريق التدرّج، ليتبين الفرق بين الطين والطير بالحياة، وكان خلق عيسى عليه السّلام من نطفة الأم فقط، ونفخ الروح كان بإذن الله وقدرته: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 47] وكل ذلك تقريب لفهم المعجزة.
وكان إمداد اليهود بالنّعم من أجل شدهم إلى منهج الاستقامة، وتخليصهم بالتوبة من الخطايا التي كانوا يرتكبونها، وذلك كله على سبيل العظة والعبرة. وكان إبقاء اليهود في التّيه أربعين سنة من أجل خروج جيل جديد يتربى على العقائد الحقة وفضائل الأخلاق، وانقراض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه جذور الوثنية وعبادة العجل. وحينما أمر الله اليهود بالدخول في باب القرية سجّدا قائلين: حطّة، بدلوا ودخلوا الباب، يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبّة في شعرة، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به، فعصوا وتمردوا واستهزءوا، فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب. وفي هذا دليل على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يجوز إن كان التّعبد بلفظها، لذمّ الله تعالى من بدّل ما أمر به بقوله. أما إن كان التّعبد بمعناها فيجوز تبديلها بما يؤدّي ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه. وبناء عليه أجاز جمهور العلماء للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته رواية الحديث النّبوي بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله. واتّفق العلماء على جواز نقل الشرع للأعاجم غير العرب بلسانهم وترجمته لهم، وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قصّ من أنباء ما قد سلف، فقصّ قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان. وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فلأن يجوز بالعربية أولى. وأما حديث «نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي، فبلّغها كما سمعها» فالمراد حكمها، لا لفظها، لأن اللفظ غير معتدّ به «1» . وأما تعذيب بني إسرائيل بإنزال الرجز (أي العذاب) من السماء، فكان
بسبب فسقهم كما قال تعالى: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، وفي سورة الأعراف: بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162) ، والفسق في الشرع: عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته. وهذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى: عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وفائدة التكرار: التأكيد، والحق كما قال الرازي «1» : أنه غير مكرر لوجهين: الأول: أن الظلم قد يكون من الصغائر، وقد يكون من الكبائر. الثاني: يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل، فنزل الرجز عليهم من السماء، بسبب ذلك التبديل، بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل، وعلى هذا الوجه يزول التكرار. وأفادت آية وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ تقرير سنة الاستسقاء، بإظهار العبودية والفقر والمسكنة والذّلة مع التوبة النصوح. وقد أقرت شريعتنا سنة الاستسقاء بالخروج إلى المصلى والخطبة والصلاة في رأي جمهور العلماء، لأن نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلّم استسقى، فخرج إلى المصلّى متواضعا متذلّلا مترسلا متضرعا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنّة الاستسقاء صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير، واحتج بحديث أنس في صحيحي البخاري ومسلم. قال القرطبي: ولا حجة له فيه، فإن ذلك كان دعاء عجّلت إجابته، فاكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنته، ولما قصد البيان بيّن بفعله، حسبما رواه مسلم عن عبد الله بن زيد المازني، قال: «خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المصلى، فاستسقى، وحوّل رداءه، ثم صلّى ركعتين» «2» . ودلّ قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا، ووَ لا تَعْثَوْا، على إباحة النّعم وتعدادها، والنهي عن المعاصي والإنذار بعقوبتها وأضرارها.
مطامع اليهود وبعض جرائمهم وعقوباتهم [سورة البقرة (2) آية 61] :
مطامع اليهود وبعض جرائمهم وعقوباتهم [سورة البقرة (2) : آية 61] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61) الإعراب: يُخْرِجْ فعل متعد إلى مفعول واحد، وهو محذوف، وتقديره: يخرج لنا مأكولا. مِنْ للبيان بدل من مِمَّا. مِصْراً صرفه إما لأنه أراد به مصرا من الأمصار، لا مصر بعينها، أو لأنه اسم البلد وهو مذكر، أو لأنه- وإن كان مؤنثا معرفة- على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن، فجاز أن تصرف كهند ودعد وجمل ونوح ولوط. البلاغة: طَعامٍ واحِدٍ أراد بالواحد: ما لا يختلف ولا يتبدل. مِمَّا تُنْبِتُ أضاف الإنبات إلى الأرض على سبيل المجاز العقلي، وعلاقته السببية، لأن الأرض سبب للنبات. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ استعارة بالكناية عن إحاطتهما بهم، كما تحيط القبة بمن تحتها. بِغَيْرِ الْحَقِّ زيادة في التشنيع على قبح العدوان. والقائل في قوله تعالى: قالَ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى هو موسى نفسه، والاستفهام للإنكار، والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال. المفردات اللغوية: بَقْلِها البقل: كل ما اخضرت به الأرض من البقول والخضروات. القثاء هو الخيار
التفسير والبيان:
المعروف. الفوم الثوم، بدليل قراءة ابن مسعود: «وثومها» ، ولاقتران البصل بعده. أَدْنى أقل مرتبة، إما من الدّنو: وهو القرب، أو من الدّون، كما تقول: هذا دون ذاك، أي أقل مقدارا، والدّنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار. مِصْراً بلدا من البلدان الزراعية. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ جعلت ووضعت عليهم. الذِّلَّةُ الذّل والهوان. الْمَسْكَنَةُ الفقر والحاجة. وَباؤُ بِغَضَبٍ رجعوا متلبسين به. ذلِكَ أي الضرب والغضب. بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم فالباء سببية. وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ كزكريا ويحيى عليهما السلام. بِغَيْرِ الْحَقِّ أي ظلما. يَعْتَدُونَ يتجاوزون الحدّ في المعاصي. وكرر ذلِكَ للتأكيد، وقصد بالتكرار التعليل، وهو ردّ إلى علة الجزاء وتأكيد للإشارة إليه، والباء في بِما باء السبب، أي بعصيانهم، والعصيان: خلاف الطاعة، والاعتداء: تجاوز الحدّ في كل شيء. التفسير والبيان: واذكروا أيها اليهود إذ قال أسلافكم من قبل: يا موسى، لا يمكن أن نستمر على طعام واحد، وهو المنّ والسلوى- ومخاطبة اليهود المعاصرين مع أن الجناية من آبائهم دليل على مبدأ تكافل الأمة الواحدة- فاطلب لنا من ربك أن يطعمنا مما تنبت الأرض من أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها، وإنما سألوه الدعاء، لعلمهم أن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم. فقال موسى متعجبا وموبخا مستنكرا: أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وأهنأ، وهو المنّ والسلوى، الأول فيه الحلاوة المألوفة، والثاني أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ؟ وإذ طلبتم الأدون نفعا وخيرا، فاهبطوا وانزلوا من التّيه «1» واسكنوا في أي بلد زراعي، فإن لكم فيه ما طلبتم. وقد كنّوا عن المنّ والسلوى بطعام واحد، وهما اثنان: لتكرارهما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة: هو على أمر واحد، لملازمته ذلك.
لكن الله تعالى عاقبهم على كفران تلك النعم، وعلى الاستهزاء بآيات الله التي آتاها موسى وهي معجزاته الباهرة، وعلى قتلهم الأنبياء ظلما، فهم قتلوا أشعيا وزكريا ويحيى وغيرهم بغير مسوغ للقتل، وكانت عقوبتهم إلحاق الذّل والهوان بهم في الدنيا، ذلّا وهوانا ملازما لهم ومحيطا بهم، كما تحيط الخيمة بمن فيها، والذليل عادة يستخذي ويستهين، ثم استحقاق غضب الله وبلائه ونقمته في الدنيا وعذابه الأليم في الآخرة. وكان ذلك العقاب بسبب عصيانهم أوامر ربهم عصيانا متكررا، وتعديهم حدود دينهم، واعتدائهم على الناس ومنهم الأنبياء، فعلة جزائهم أمران: أنهم كانوا يعصون ويعتدون، والعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حدّ المأذون فيه والمأمور به. وضرب الذّلة والمسكنة أي الذّل والفقر والحاجة على اليهود، وإن كانوا ذوي مال، أمر قائم على أساس الشعور الذاتي النابع من أعماق النفس، فهم في فقر دائم وذلّ مستمر، وقد ورثوا صفات الذّل وضعف النّفس وامتهانها وحقارة التصرفات ودناءة الأخلاق، فلا يكادون يحسون بغنى النفس وعزتها، ولا تشبع نفوسهم، ولا ترتوي من شيء، وتظل أطماعهم وأحقادهم مسيطرة عليهم، حتى إنهم يعبدون المادة، ويؤلهون المال، وذلك كله بسبب إحساسهم الداخلي بالاستزادة من الأموال. وقيام دولة لليهود أيضا لا يصادم هذه الآية التي تقرر إلحاق الذّل والهوان بهم، لأن مقومات الدولة الحقيقية غير متوافرة لهم، وهم في أمسّ الحاجة دائما إلى الشعور بالطمأنينة والاستقرار، مما أحوجهم إلى الدعم المستمر غير المتناهي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، من الدول الكبرى، وعلى رأسها أمريكا.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: إن ترك الأفضل من المطعومات وهو المنّ والسلوى، وطلب الأدنى مرتبة منه من بصل وثوم وعدس وخيار ونحوها، دليل على أن النفس البشرية قد تبدل الطيب بالخبيث، والأرقى بالأدنى. قال الحسن البصري: كان اليهود نتانى أهل كرّاث وأبصال وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم «1» عكر السّوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليهم عادتهم، فقالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ «2» . وقولهم: لَنْ نَصْبِرَ يدلّ على كراهتهم ذلك الطعام. وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها. أما أكل البصل والثوم وماله رائحة كريهة من سائر البقول، فهو مباح في رأي جمهور العلماء، للأحاديث الثابتة فيه، لكن ينبغي على الآكل أن يتجنب حضور أماكن التجمع في المساجد ونحوها، لئلا يتأذى الناس بالروائح الكريهة. روى أبو سعيد الخدري عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها: «أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحلّ الله ولكنها شجرة أكره ريحها» . ودلّت الآية على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات، وكان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يحب الحلوى والعسل، ويشرب الماء البارد العذب. وإن الجزاء الذي أنزله الله باليهود من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب بهم، حق وعدل ومطابق لجرائهم، وهي الاستكبار عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، حتى إنهم قتلوهم ظلما وعدوانا بغير حق، لأن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به، فلم يأت نبي
عاقبة المؤمنين بنحو عام [سورة البقرة (2) آية 62] :
قط بشيء يوجب قتله، فصرّح تعالى بقوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ على شناعة الذنب ووضوحه. روى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبيا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين» أي بالتمثيل بالقتلى. فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ أجيب ذلك كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بخذلان لهم. قال ابن عباس والحسن البصري: لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال نصر. عاقبة المؤمنين بنحو عام [سورة البقرة (2) : آية 62] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الإعراب: مَنْ إما مرفوعة أو منصوبة، فالرفع على أن مَنْ شرطية مبتدأ، وفَلَهُمْ جواب الشرط، وخبر المبتدأ، والجملة خبر إِنَّ والنصب على أنها بدل من الَّذِينَ فيبطل معنى الشرط، وتكون الفاء في فَلَهُمْ داخلة لجواب الإبهام، ويقصد بها التأكيد، مثل قولك: «الذي يأتيني فله درهم» وتأكيد الشيء لا يغير معناه. وروعي في ضمير «آمن، وعمل» لفظ مَنْ وفيما بعده: عِنْدَ رَبِّهِمْ.. معناها، وهي تقع على الواحد والتثنية والجمع، فجاز رجوع الضمير إليها.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: هادُوا تهودوا، من هاد: إذ دخل في اليهودية. وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود وَالنَّصارى أتباع عيسى عليه السلام «1» وَالصَّابِئِينَ طائفة من اليهود أو النصارى عبدوا الملائكة أو الكواكب «2» . مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في زمن نبينا وَعَمِلَ صالِحاً بشريعته فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ثواب أعمالهم. سبب النزول: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان من أهل جندسابور من أشرافهم «3» . وأخرج ابن أبي حاتم والعدني في مسنده عن مجاهد قال: سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا الآية «4» . وأخرج الواحدي عن مجاهد قال: لما قص سلمان على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قصة أصحابه قال: هم في النار. قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، فنزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا إلى قوله: يَحْزَنُونَ قال: فكأنما كشف عني جبل «5» . المناسبة: اتبع الأسلوب القرآني منهج التذكير في ثنايا بيان القصة القرآنية، وفتح باب الأمل لدفع اليأس والقنوط أثناء توضيح الأسباب الموجبة للعقاب، للفت النظر وجذب الانتباه، وهكذا كان الأمر هنا، فبعد أن ذكّر الله اليهود بأفعال أسلافهم قديما، وأوضح مصيرهم وجزاءهم، ليعتبر المعاصرون، أورد مبدأ عاما
التفسير والبيان:
لكل المؤمنين: وهو أن كل مؤمن بالله واليوم الآخر تمسك بحبل الدين المتين، وعمل صالحا، فهو من الفائزين، سواء أكان من المسلمين أم من اليهود، أم من النصارى أم من الذين تركوا دينهم مطلقا وأسلموا، قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال 8/ 38] . التفسير والبيان: إن المصدقين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما أتى به من عند الله، والذين تهودوا أو تنصروا، أو بدلوا دينهم، وآمنوا بالله وحده لا شريك له، وبالبعث والنشور، وعملوا صالح الأعمال، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم، ولا خوف عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوا من الدنيا وزينتها، إذا عاينوا النعيم الدائم في الجنة. فقه الحياة أو الأحكام: إن مدار الفوز والنجاة هو الإيمان الصحيح المقترن بالعمل الصالح. وليست هذه الآية منسوخة، وإنما هي فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام. ولا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل الكتاب، ولأجل كتابهم جاز نكاح نسائهم وأكل طعامهم، كما تقرر في سورة المائدة (الآية: 5) وفرض الجزية عليهم، كما أوضحت سورة براءة (الآية 29) واختلف في الصابئين: فقال جماعة (السدي وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة) : لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال آخرون (مجاهد والحسن البصري وابن أبي نجيح) : لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
بعض جرائم اليهود وعقابهم [سورة البقرة (2) الآيات 63 إلى 66] :
والحاصل: أن الصابئة قوم موحدون معتقدون تأثير النجوم، وأنها فعّالة «1» . بعض جرائم اليهود وعقابهم [سورة البقرة (2) : الآيات 63 الى 66] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) الإعراب: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ فيه محذوف، تقديره: قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم، وحذف القول كثير في كلامهم. مِيثاقَكُمْ ولم يقل «مواثيقكم» لأنه أراد ميثاق كل واحد منكم مثل ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر 40/ 67] أي يخرج كل واحد منكم طفلا. فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.. لولا: حرف يمتنع له الشيء لوجود غيره، تقول: لولا زيد لأكرمتك، فيكون امتناع الإكرام وجود زيد. فضل: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف تقديره: موجود أو كائن. كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أمر تكوين، لا أمر تكليف، والمراد به تكوّنهم قردة. وقردة: خبر كان. وخاسئين: إما صفة لقردة، أو خبر بعد خبر، أو حال من الضمير في: كونوا.
البلاغة:
فَجَعَلْناها نَكالًا الضمير في الفعل يعود إما على المسخة أو يعود على القردة. وكذلك «ها» في قوله لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها. ونكالا: مفعول به ثان. أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أي ذوي هزء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون التقدير: أتتخذنا مهزوءا بهم. البلاغة: خُذُوا فيه إيجاز بالحذف كما بينا، أي قلنا لهم: خذوا. كُونُوا قِرَدَةً ليس الأمر على حقيقته، وإنما أريد به معنى الإهانة والتحقير لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها كناية عمن أتى قبلها أو بعدها من الخلائق. المفردات اللغوية: مِيثاقَكُمْ الميثاق: العهد المؤكد، ويراد به هنا: العهد بالعمل. بما في التوراة الطُّورَ الجبل المعروف في شمال فلسطين بِقُوَّةٍ بجد ونشاط وَاذْكُرُوا ما فِيهِ بالعمل به تَتَّقُونَ النار أو المعاصي تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم. اعْتَدَوْا تجاوزوا الحد السَّبْتِ اليوم المعروف، وقد نهاهم الله عن صيد السمك فيه، وهم أهل أيلة وهي القرية التي كانت حاضرة البحر. خاسِئِينَ بعيدين عن رحمة الله، وقد هلكوا بعد ثلاثة أيام. فجعلناها نَكالًا أي تلك العقوبة عبرة تنكل من اعتبر بها، أي تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا. لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي الأمم التي في زمانها أو بعدها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خص المتقون بالذكر، لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. والمتقون: الذين اتقوا بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه. المناسبة: كانت الآيات السابقة تذكيرا لبني إسرائيل بالنعم الجليلة، وأما هذه الآيات فهي تنديد بالمخالفات والمعاصي التي ارتكبوها، فإنهم نقضوا الميثاق أو العهد مع الله، وتجاوزوا النهي الإلهي في السبت، فأصبحوا كالقردة مبعدين عن رحمة الله والناس. وإذا كان هذا في بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى عليه السّلام،
التفسير والبيان:
فأجدر بسلائلهم الذين كانوا في عصر تنزيل القرآن ألا يجحدوا نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، خوفا من أن يحل بهم ما حل بأسلافهم. التفسير والبيان: واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة، فرفضوا حتى رفع الله فوقهم الطور تخويفا وإرهابا، وأمرهم أن يأخذوا بما فيها بجد ونشاط ومواظبة على العمل، واذكروا ما في التوراة واعملوا بما فيها من الأحكام، وتدبروا معانيها حتى تكونوا من المتقين، لأن العلم يرشد إلى العمل، والعمل يرسخ العلم في النفس، ويطبع فيها سجية المراقبة لله، وبها تصير تقية تتقي المعاصي، نقية من الرذائل، مرضية عند ربها، كما قال تعالى: وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [طه 20/ 132] . فقبلتم إلى حين، ثم أعرضتم بعد ذلك عن الطاعة، فلولا رحمة الله ولطفه بكم وإمهاله إياكم، إذ لم يعجل عقوبتكم بما تستحقون، لكنتم من الهالكين الخاسرين سعادتي الدنيا والآخرة. ولقد علمتم شأن آبائكم الذين تجاوزوا الحد بصيد السمك يوم السبت، وكان محرما فيه لقصره على العبادة، فإن موسى عليه السّلام حظر عليهم العمل في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، وأباح لهم العمل في بقية أيام الأسبوع. وكان جزاؤهم أنهم أصبحوا في مرتبة الحيوان، يعيشون من دون عقل ووعي وتفكير، ويتخبطون في أهوائهم، كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، يأتون المنكرات علانية، بعيدين عن الفضائل الإنسانية، حتى احتقرهم الناس، ولم يروهم أهلا للمعاشرة والمعاملة. فمعنى صيرورتهم قردة خاسئين: تصييرهم مبعدين عن الخير أذلاء صاغرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
قال مجاهد: لم يمسخوا قردة، ولم تمسخ صورهم، وإنما مسخت قلوبهم، فلا تقبل وعظا، ولا تعي زجرا. وهو مثل ضربه الله لهم، كما مثّلوا بالحمار يحمل أسفارا، في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة 62/ 5] «1» . ورأى جمهور المفسّرين: أن صورهم مسخت بمعصيتهم، فصارت صور القردة، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. والممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. وكذلك يفعل الله بمن شاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء «2» . وللآية نظير آخر، هو قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أي الشيطان [المائدة 5/ 60] . قال ابن كثير: والصحيح أن المسخ معنوي صوري، والله تعالى أعلم «3» . وعلى أي حال فإن الله تعالى عاقب بني إسرائيل بعقوبة المسخ، أيا كان نوعه وهو عقاب لكل فاسق خارج عن طاعة الله، وعبرة لينكل من يعلم بها، أي يمتنع من الاعتداء على حدود الله، وهو أيضا عظة للمتقين، لأن المتقي الحقيقي يتعظ بها ويبتعد عن حدود الله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [البقرة 2/ 187] فأولى بكم أيها اليهود المعاصرون أن تتعظوا بما حل بأسلافكم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت هذه الآيات على أمور ثلاثة: رفع الطور، والمسخ، وعظة العصاة.
المخالفين أوامر الله ونواهيه. أما رفع جبل الطور فوق اليهود كالمظلة: فكان إنذارا وإرهابا وتخويفا، وهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ [الأعراف 7/ 171] قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه. واختلف في الطور: فقيل عن ابن عباس: الطور: اسم للجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السّلام، وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره. وقال مجاهد وقتادة: أي جبل كان. وسبب رفع الطور: أن موسى عليه السّلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا! إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا. فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ «1» في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظّلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق «2» . وكان سجودهم على شقّ، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا، فلما رحمهم الله قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله ورحم بها عباده، فجعلوا سجودهم على شق واحد. قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كرها، وقلوبهم غير مطمئنة بذلك.
وروي عن مجاهد سبب آخر لرفع الطور قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: حطة، وطوطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة، فنتق فوقهم الجبل «1» . وأما المسخ: فرأى الجمهور أن الله تعالى مسخ المعتدين من اليهود بصيد السمك يوم السبت، وكان العمل فيه محرما من قبل موسى عليه السّلام، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا- وهي الفرقة التي نهت اليهود عن المخالفة وجاهرت بالنهي واعتزلت- وهلك سائرهم. وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية: أنه إنما مسخت قلوبهم فقط، وردّت أفهامهم كأفهام القردة. وأما عظة المخالفين: فإن الله تعالى جعل عقوبة المسخ للعصاة الذين اعتدوا في السبت وصادوا السمك فيه بحيلة، وقد ذكرها الله تعالى في سورة [الأعراف 7/ 163] وهي قوله سبحانه: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي إنهم اتخذوا حواجز أو أحواضا أمام مدّ مياه البحر، فإذا رجعت المياه بالجزر، بقيت الأسماك محجوزة في الأحواض، فيأتون في صبيحة يوم الأحد ويأخذونها. كذلك كانت عقوبة اليهود الذين امتنعوا من العمل بالتوراة، فنسوها وضيعوها، ولم يتدبروها ولم يحفظوا أوامرها ووعيدها، كانت عقوبتهم رفع جبل الطور فوقهم كالمظلة. وهذا يدل على أن المقصود بالكتب السماوية العمل بمقتضاها، لا تلاوتها باللسان وترتيلها، فإن ذلك نبذ لها.
قصة ذبح البقرة [سورة البقرة (2) الآيات 67 إلى 73] :
وهذا يعني أن مجرد التغني بألفاظ القرآن، دون الاعتبار بعظاته، والعمل بأحكامه، لا يفيد شيئا. روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن من شرّ الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن، لا يرعوي إلى شيء منه» فبين صلّى الله عليه وسلّم أن المقصود بالكتب الإلهية العمل بها، كما بينا. قصة ذبح البقرة [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 73] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
الإعراب:
الإعراب: لا فارِضٌ إما خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: لاهي فارض، أو صفة بقرة. وبِكْرٌ عطف عليه في الوجهين، وهذان الوجهان في قوله: عَوانٌ وقال: بَيْنَ ذلِكَ ولم يقل: بين ذينك، لأنه أراد بين هذا المذكور. ما تُؤْمَرُونَ أي تؤمرون به، مثل فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر 15/ 94] أي بالذي تؤمر به. ما لَوْنُها ما: مبتدأ و «لونها» خبره، ويجوز العكس. صَفْراءُ صفة لبقرة لَوْنُها مرفوع بفاقع، ارتفاع الفاعل بفعله. ويجوز كونه مستأنفا مبتدأ، وخبره: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ وجاز جعل الخبر تَسُرُّ بلفظ التأنيث، إما لأن اللون بمعنى الصفرة أي صفرتها تسر، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، وإما لأنه أضيف اللون إلى مؤنث، والمضاف يكتسب من المضاف إليه التأنيث، كقراءة «تلتقطه بعض السيّارة» وقد قالوا: ذهبت بعض أصابعه. لا ذَلُولٌ إما صفة بقرة، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا هي ذلول، وهذان الوجهان في قوله: مُسَلَّمَةٌ وكذلك في قوله: لا شِيَةَ فِيها إلا أنه يكون خبرا ثانيا ل «هي» المقدرة، والهاء في «شية» عوض عن الواو، وأصله: وشي. الْآنَ ظرف زمان للوقت الحاضر، وهو مبني. كَذلِكَ الكاف الأولى كاف تشبيه في موضع نصب، لأنها صفة مصدر محذوف، وتقديره: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك. بِغافِلٍ في موضع نصب على لغة الحجازيين، وفي موضع رفع على لغة تميم. البلاغة: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ فيه إيجاز بالحذف، والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف المطلوبة ووجدوها، فلما اهتدوا إليها ذبحوها. وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ جملة اعتراضية بين قوله: فَادَّارَأْتُمْ وقوله فَقُلْنا اضْرِبُوهُ . وفائدة الاعتراض إشعار المخاطبين بأن الحقيقة ستنجلي حتما. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ استعارة تصريحية، وصف القلوب بالصلابة والغلظ، وأريد منه: نبوّها
المفردات اللغوية:
عن الاعتبار وعدم الاتعاظ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ تشبيه مرسل مجمل، لأن أداة الشبه مذكورة، ووجه الشبه محذوف. لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ مجاز مرسل أي ماء الأنهار من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال فيه. المفردات اللغوية: هُزُواً: مهزوءا بنا أو سخرية، حيث تطلب منا ذبح بقرة. أَعُوذُ أمتنع الْجاهِلِينَ المستهزئين في موضع الجد. لا فارِضٌ مسنة. وَلا بِكْرٌ فتية صغيرة عَوانٌ نصف بين الصغيرة والكبيرة بَيْنَ ذلِكَ المذكور من السنين ما تُؤْمَرُونَ به من ذبحها. فاقِعٌ لَوْنُها شديدة الصفرة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ إليها بحسنها، أي تعجبهم. ما هِيَ أسائمة أم عاملة إِنَّ الْبَقَرَ جنسه المنعوت بما ذكر تَشابَهَ عَلَيْنا لكثرته، فلم نهتد إلى المقصود إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ إليها، ورد في الحديث النبوي: «لو لم يستثنوا- أي يقولوا: إن شاء الله- لما بينت لهم آخر الأبد» . لا ذَلُولٌ ليست مذللة بالعمل. تُثِيرُ الْأَرْضَ تقلبها للزراعة أي تحرث الأرض والجملة صفة ذلول، داخلة في النفي وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ الأرض المهيأة للزراعة مُسَلَّمَةٌ سليمة من العيوب وآثار العمل لا شِيَةَ لا لون غير لونها، ولا لمعة فيها من لون آخر، سوى الصفرة، فهي صفراء كلها، حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر: وشى وشيا: إذا خلط بلونه لونا آخر. قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ نطقت بالبيان التام، فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه، فاشتروها بملء جلدها ذهبا فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ لغلاء ثمنها، ورد في الحديث النبوي: «لو ذبحوا أي بقرة كانت، لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم» . فَادَّارَأْتُمْ تدارأتم بمعنى تخاصمتم وتدافعتم وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مظهر تَكْتُمُونَ من أمرها. اضْرِبُوهُ القتيل. بِبَعْضِها فضرب بلسانها أو عجب ذنبها، فحيي وقال: قتلني فلان وفلان وكانا ابني عمه، فحرما الميراث وقتلا. تَعْقِلُونَ تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة، قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون.
المناسبة:
المناسبة: ترتبط هذه الآيات بما قبلها التي ذكر فيها بعض جرائم اليهود، من نقض الميثاق، والاعتداء في السبت، والتمرد في تطبيق التوراة، فهي استمرار في تعداد مساوئهم، وهي مخالفتهم الأنبياء ومعاندة الرسل عليهم السّلام، والتلكؤ في امتثال أوامر الله تعالى. سبب القصة: روى ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: «كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله، ثم احتمله ليلا، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم، حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض. فقال ذوو الرأي منهم والنّهى: علام يقتل بعضكم بعضا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى عليه السّلام، فذكروا ذلك له، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.. قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها. فقال: والله، لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا- لابن أخيه، ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، فلم يورث قاتل بعد «1» ، وفي رواية: «فأخذوا الغلام فقتلوه» .
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: واذكروا أيها اليهود وقت قول موسى لقومه أسلافكم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أي بقرة كانت، فلم يمتثلوا، وشددوا، فشدد الله عليهم. وقالوا: أتهزأ بنا يا موسى، نسألك عن أمر القتل، فتأمرنا بذبح بقرة! قال: ألتجئ إلى الله من الهزء والسخرية بالناس في موضع الجد، إذ هو في مقام تبليغ أحكام الله دليل السفه والجهل. فلما رأوه جادا، سألوه عن صفاتها المميزة لها، وأكثروا من الأسئلة، فسألوه عن سنها، فقال لهم: إنها ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين الأمرين، فامتثلوا الأمر، ولا تشدّدوا فيشدد الله عليكم. ولكنهم تعنتوا، فسألوه عن لونها، فقال: إنها صفراء شديدة الصفرة تسر الناظر إليها، فلم يكتفوا بذلك، بل طالبوا بأوصاف مميزة أخرى، وقالوا معتذرين: إن البقر كثير متشابه علينا، وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى المطلوب، روي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو لم يستثنوا ويقولوا: إن شاء الله، لما تبينت لهم آخر الأبد» . قال: إن الله يقول: إنها بقرة لم تذلل بالعمل في الحراثة والسقي، وهي سالمة من العيوب، ولا لون فيها غير الصفرة الفاقعة. قالوا: إنك الآن جئت بإظهار الحقيقة الواضحة. فطلبوها، فلم يجدوها إلا عند يتيم صغير بار بأمه، فساوموه، فتغالى، حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا. وما كان امتثالهم قريب الحصول. قال ابن عباس: «لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم» . واذكروا أيها اليهود المعاصرون حين قتلتم نفسا، وهذا من قبيل التأخير لفظا والتقديم معنى للتشويق في معرفة سبب ذبح البقرة، وأسند القتل إلى
فقه الحياة أو الأحكام:
المعاصرين للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنهم من سلالة السابقين، وهم معتزون بنسبهم، راضون بفعلهم. وكذلك أسند القتل إلى الأمة والقاتل واحد، لأن الأمة متضامنة، وهي في مجموعها كالشخص الواحد، فيؤخذ المجموع بجريرة الواحد، وفيه توبيخ وتقريع للغابرين والحاضرين، والجماعة والأفراد. واذكروا حادثة القتل في تاريخكم، وتخاصمكم وتدافعكم في شأنه، فكل واحد يدرأ القتل عن نفسه ويدعي البراءة ويتهم سواه، والله أنكر فعلهم وكتمانهم، وأنتم اليوم تكتمون ما عندكم من أوصاف النّبي صلّى الله عليه وسلّم، والله مظهر لا محالة ما تكتمونه وتسترونه من أمر القتل، فقلنا: اضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة المذبوحة، فضربوه، فأحياه الله، وأخبر عن القتلة. ومثل ذلك الإحياء العجيب، يحيي الله الموتى يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله، وكذلك يريكم الله آياته الواضحة الدالة على صدق القرآن والنّبي، حيث يخبر بالمغيبات، كي تعقلوا وتؤمنوا بالنبي والقرآن، لعلكم تفقهون أسرار الشريعة وفائدة الخضوع لها، وتمنعون أنفسكم من اتباع أهوائها، وتطيعون الله فيما يأمركم به. فقه الحياة أو الأحكام: هذه القصة فيها العبرة والعظة ببيان بعض مساوئ اليهود ومواقفهم المتشددة والمعاندة، وأهم العظات ما يلي: 1- ليس التشدد في الدين محمودا، وليس الإلحاف في كثرة السؤال مرغوبا فيه، لذا نهانا الله تعالى عن ذلك وقت نزول القرآن، بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة 5/ 101] وقوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما: من سأل عن شيء لم يحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته» وقوله عليه السّلام فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما
أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم» وقوله أيضا فيما رواه البخاري ومسلم: « ... وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» والسؤال المنهي عنه: مثل السؤال عما أخفاه الله تعالى عن عباده ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن قيام الساعة، وعن حقيقة الروح، وعن سر القضاء والقدر، والسؤال على سبيل التعنت والعبث والاستهزاء، وسؤال المعجزات، وطلب خوارق العادات عنادا وتعنتا، والسؤال عن الأغاليط، والسؤال عما لا يحتاج إليه، وليس في الجواب عنه فائدة عملية، والسؤال عما سكت عنه الشرع من الحلال والحرام. وقد سجل الله على اليهود ذنب الوقوف في السؤال موقف المستهزئ المعاند المجادل المتشدد المنكر الحق الصريح. 2- كان الأمر بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان، لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم أمر تعظيمه. 3- استهزاؤهم بأوامر الأنبياء عرّضهم للوم والتوبيخ والعقاب. 4- إحياء القتيل بقتل حي أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من أضدادها. وقد ذكر الله تعالى إحياء الموتى في سورة البقرة في خمسة مواضع: في قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، وفي هذه القصة: فَقُلْنا: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها وفي قصة الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [البقرة 2/ 243] . وفي قصة عزير: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة 2/ 259] وفي قصة إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة 2/ 260] . 5- الإنكار الشديد على قتل النفس البريئة، وإنما أخره بالذكر عن ذكر موقفهم الاستهزائي العنادي، اهتماما واستهجانا وتقريعا لموقف العناد، وتشويقا
إلى معرفة سبب ذبح البقرة، وهذا الموقف ديدن اليهود وطبيعتهم التي لا تفارقهم. والكتاب الكريم لا يراعي ترتيب المؤرخين في سرد الأحداث والوقائع، وإنما يذكر الكلام بما يتفق مع هدفه: وهي العظة والعبرة، واجتذاب الأنظار وإثارة الانتباه. 6- ليس هناك أشد استهجانا وغرابة من جعل الحجارة أنفع من قلوب اليهود، لخروج الماء منها، قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم. وهذا يعني أن خشية الحجارة هنا حقيقية، كقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء 17/ 44] . وحكى الطبري عن بعض المفسرين: أن خشية الحجارة من باب المجاز والاستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار، في قوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف 18/ 77] «1» . 7- في قصة البقرة هذه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وبه قال جمهور الأصوليين غير الإمام الشافعي. 8- استدل الإمام مالك على صحة القول بالقسامة «2» بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور العلماء، لأن قول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب.
قسوة قلوب اليهود [سورة البقرة (2) آية 74] :
قسوة قلوب اليهود [سورة البقرة (2) : آية 74] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) الإعراب: أَشَدُّ قَسْوَةً معطوف على قوله: كَالْحِجارَةِ وهو في موضع رفع لأنه خبر: فَهِيَ. وقَسْوَةً تمييز منصوب، وأَوْ بمعنى «بل» . لَما اللام للتوكيد وما: اسم إِنَّ منصوب، والجار والمجرور: مِنْها والضمير يعود إلى الحجارة في موضع رفع خبر إِنَّ. البلاغة: ثُمَّ قَسَتْ ثم للترتيب مع التراخي، والتعبير بحرف ثُمَّ يدل على أن قسوة قلوب اليهود بلغت مرتبة بعيدة جدا عن الوضع السليم أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أو: بمعنى بل، أي بل أشد قسوة، كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات 38/ 147] . قال الزمخشري في الكشاف 1/ 223: أشد: معطوفة على الكاف في كَالْحِجارَةِ إما على معنى: أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وإما على: أو هي في أنفسها أشد قسوة. والمعنى: إن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلا، أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال: هي أقسى من الحجارة. المفردات اللغوية: قَسَتْ صلبت عن قبول الحق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات كَالْحِجارَةِ في القسوة يَتَفَجَّرُ يخرج وينبع بكثرة يَشَّقَّقُ أصله: يتشقق، فأدغم التاء في الشين، أي يتفتح شقوقا طولا أو عرضا يَهْبِطُ ينزل من علو إلى أسفل وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وإنما يؤخركم لوقتكم.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: بالرغم مما رأى اليهود من الآيات والمواعظ السابقة، كانفجار الماء ورفع الجبل، والمسخ قردة وخنازير، وإحياء القتيل، فإن قلوبهم قست وامتنعت عن قبول الحق، فهي تشبه في الصلابة الحجارة، بل أشد قسوة منها، وأصبحت بفقد تأثرها بالآيات وتفاعلها بالمواعظ والعبر، كأنها جمادات، بل إنها تدنت عن درجة الجماد أيضا، لأن الحجارة قد ينفجر منها الماء، ويسيل أنهارا تحيي الأرض وتنفع النبات، وقد تتشقق فيسيل منها ماء بسيط فيكون عينا لا نهرا، وفي هذا منفعة للناس، وقد تتأثر بالرياح العاتية، ونحوها من الزلازل، فتسقط من أعالي الجبال، فتكسر الصخور وتدمّر الحصون، وليس في هذا منفعة للناس. بالرغم من كل تلك المؤثرات والعظات والعبر، لم يزدد اليهود إلا عنادا وفسادا، ولكن الله تعالى حافظ لأعمالهم ومحصيها لهم، ثم يجازيهم بها. وفي هذا غاية التهديد والوعيد، لأن قوله تعالى: عَمَّا تَعْمَلُونَ يشمل كل عمل صغير أو كبير، ويؤكده قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزال 99/ 8] . فقه الحياة أو الأحكام: لم يخلق الله تعالى شيئا في هذا الوجود عبثا، وإنما لفائدة، ففي الآية دلالة على بعض فوائد الأحجار ونحوها من الجمادات، وأنها تنصاع لأمر الله، فإن تمردت فئة من المخلوقات عن الصبغة الإلهية، وأصبحت عديمة النفع، لعدم تأثرها بالعظات وعدم قبولها الحق، فالله يجازيها جزاء وفاقا، في الدنيا والآخرة، فيسلط عليها في الدنيا بعض النقم، إن لم تحركها النّعم، ويعذبها في نار جهنم في الآخرة، لإبائها الحق ولعدم طاعتها أوامر الله تعالى.
استبعاد إيمان اليهود [سورة البقرة (2) الآيات 75 إلى 78] :
استبعاد إيمان اليهود [سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 78] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) الإعراب: أَنْ يُؤْمِنُوا في موضع نصب، لأن التقدير فيه: في أن يؤمنوا لكم. فلما حذف حرف الجر، اتصل الفعل به، فنصبه. مِنْهُمْ إما في موضع رفع صفة لفريق، وجملة يَسْمَعُونَ خبر كان، وإما في موضع نصب خبر كان، ويسمعون: صفة لفريق. وَهُمْ يَعْلَمُونَ مبتدأ وخبر، في موضع نصب حال من ضمير «يحرّفون» . لِيُحَاجُّوكُمْ لام كي، تنصب الفعل بتقدير «أن» . وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم. لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ مرفوع وصف لأميين. إِلَّا أَمانِيَّ منصوب، لأنه استثناء منقطع من غير الجنس، لأن الأماني ليست من العلم. وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي: وما هم إلا يظنون ومِنْهُمْ مبتدأ، وما بعده خبره. وإِلَّا أبطلت عمل إن. البلاغة: أَفَتَطْمَعُونَ الهمزة للاستفهام الإنكاري. وَهُمْ يَعْلَمُونَ تفيد الجملة الكمال في تقبيح صنيعهم، وهو تحريف التوراة عن قصد، لا عن جهل. ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ طباق بين لفظتي يُسِرُّونَ ويُعْلِنُونَ.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: فَرِيقٌ طائفة من أحبارهم كَلامَ اللَّهِ التوراة يُحَرِّفُونَهُ يغيرونه ويبدلونه، أو يؤولونه بالباطل عَقَلُوهُ فهموه وعرفوه وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم مفترون. وَإِذا لَقُوا أي منافقوا اليهود وَإِذا خَلا رجع ومضى إليه، أو انفرد معه. فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ حكم به أو قصه عليكم أو عرفكم في التوراة من نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم. لِيُحَاجُّوكُمْ ليخاصموكم ويجادلوكم، واللام للصيرورة عِنْدَ رَبِّكُمْ في الآخرة، أي يقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمهم بصدقه. أَوَلا يَعْلَمُونَ الاستفهام للتقرير، والواو الداخل عليها للعطف، ويراد بالاستفهام التوبيخ أو التقريع. أُمِّيُّونَ عوام جهلة بكتابهم أَمانِيَّ أكاذيب تلقوها من رؤسائهم، فاعتمدوها، وهي لا تستند إلى دليل عقلي أو نقلي. يَظُنُّونَ أي ما هم في جحود نبوة النّبي وغيره مما يختلقونه إلا يظنون ظنا ولا علم لهم. سبب النزول: قال ابن عباس ومقاتل: نزل قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ في السبعين الذين اختارهم موسى، ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه، سمعوا كلام الله تعالى وهو يأمر وينهى، ثم رجعوا إلى قومهم، فأما الصادقون فأدّوا ما سمعوا. وقالت طائفة منهم: سمعنا الله من لفظ كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، ولا بأس. وعند أكثر المفسرين: نزلت الآية في الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد صلّى الله عليه وسلّم «1» . واختلف العلماء بماذا عرف موسى كلام الله، ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه.
وسبب نزول الآية (76) :
فقيل: إنه سمع كلاما ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس، فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر، وإنما هو كلام رب العالمين. وقيل: إنه لما سمع كلاما لا من جهة، وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات الست، علم أنه ليس من كلام البشر. وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام، فعلم أنه كلام الله. وقيل فيه: إن المعجزة دلت على أن ما سمعه هو كلام الله، وذلك أنه قيل له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعبانا، فكان ذلك دليلا على صدق الحال، وأن الذي يقول له: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه 20/ 12] هو الله جل وعز «1» . وسبب نزول الآية (76) : هو ما قاله مجاهد: قام النّبي صلّى الله عليه وسلّم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت، فقالوا: من أخبر بهذا محمدا، ما خرج هذا إلا منكم، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، ليكون لهم حجة عليكم، فنزلت الآية. وقال ابن عباس: كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا أن صاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا: أيحدث العرب بهذا، فإنكم كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم، فأنزل الله: وَإِذا لَقُوا الآية. وقال السدي: نزلت في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يأتون المؤمنين من العرب، بما تحدثوا به، فقال بعضهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
التفسير والبيان:
من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم «1» . التفسير والبيان: حرص النّبي صلّى الله عليه وسلم وصحابته على انضمام أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إلى دعوته والإيمان برسالته في مواجهة المشركين، لوجود جسور التقاء معهم من الإيمان بوجود الإله والتصديق بالأنبياء وبالبعث واليوم الآخر. وقد روي أنها نزلت في الأنصار الذين كانوا حلفاء لليهود، وبينهم جوار ورضاعة، وكانوا يودون لو أسلموا، فأنزل الله: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ. فجاءت هذه الآيات، في أثناء بيان قبائح اليهود، توضح خطابا للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، ما بدد الآمال والأطماع في إيمان اليهود، لأن منهم جماعة- وهم فئة من الأحبار والرؤساء- كانوا يسمعون كلام الله، ثم يبدلونه أو يؤولونه بحسب أهوائهم وميولهم، وليس الحاضرون أحسن حالا من الغابرين، لأنهم ورثوا الاستكبار من أسلافهم، وهم يعلمون أن هذا العمل يتنافى مع الحقيقة والواقع، فكيف تطمعون إذن في إيمان من له سابقة في الضلال؟! وسبب آخر يدعو إلى عدم إيمانهم هو أن منافقيهم إذا قابلوا المؤمنين قالوا: نحن مؤمنون بالله وبالنبيّ كإيمانكم، إذ هذا النبي هو المبشر به عندنا، فنحن معكم، وإذا انفردوا مع بعضهم قالوا: كيف تحدثون أتباع محمد بما أنزل الله عليكم في التوراة؟ كيف تفعلون هذا، وهم يحتجون عليكم بكلامكم، ويخاصمونكم به عند ربكم يوم القيامة؟ أتذيعون أسراركم التي تضركم؟ فيرد الله عليهم: ألا يعلمون أن الله تعالى يعلم السر والعلن، ويعلم الغيب والشهادة، فسواء أعلنتم سرا أم أضمرتموه، فإن الله سيجازيكم على أعمالكم.
فقه الحياة أو الأحكام:
ثم ذكر الله تعالى هذا شأن علماء اليهود وأحبارهم، أما الأميون منهم، فإنهم لا يعرفون عن دينهم إلا أكاذيب سمعوها ولم يعقلوها، مثل القول بأنهم شعب الله المختار، وأن الأنبياء منهم فيشفعون لهم، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة، وما هم في كل ذلك إلا واهمون ظانون ظنا لا صحة له. فلا أمل في أيمانهم، ولا أسف على أمثالهم، فمن كانت هذه صفاته وقبائحه، فلا خير فيه، ولا أسف عليه. والمراد بما فتح الله على اليهود: الإنعام بالشريعة والأحكام، والبشارة بالنبي عليه الصلاة والسّلام، شبّه الذي يعطى الشريعة بالمحصور في الصلاة يفتح عليه، فيخرج من الضيق. أو أن معنى بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ: بما حكم به وأخذ به الميثاق عليكم من الإيمان بالنبي الذي يجيئكم مصدقا لما معكم، ونصره. والمقصود بقوله عِنْدَ رَبِّكُمْ أن المحاجة في الآخرة، كما قال السيوطي، ورأى المحققون أنه بمعنى: في كتاب الله وحكمه أي أن ما تحدثونهم به من التوراة موافق لما في القرآن، فالمحاجة في الدنيا، فهو كقوله تعالى في أهل الإفك: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ، فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [النور 24/ 13] أي في حكمه المبين في كتابه «1» . وأما الأماني: فهي الأكاذيب، وفسرها بعضهم بالقراءات، أي أنهم لا حظّ لهم من الكتاب إلا قراءة ألفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل، فهو على حد: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة 62/ 5] . فقه الحياة أو الأحكام: التحريف والتبديل لكلام الله أشد الحرام، سواء أكان بالتأويل الفاسد، أم
بالتغيير والتبديل، وقد وقع النوعان من أحبار اليهود، وقد نعتهم الله تعالى بأنهم يبدلون ويحرفون، فقال: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة 2/ 79] وكان للتحريف مظاهر متعددة، ففي عهد موسى عليه السّلام: روي أن قوما من السبعين المختارين، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور، وما أمر به موسى وما نهي عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم ألا تفعلوا فلا بأس. وفي قوله تعالى: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ قال مجاهد والسدي: هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالا والحلال حراما، اتّباعا لأهوائهم. وفي عهد محمد صلّى الله عليه وسلّم حرفوا نعت الرسول وصفته، وحرفوا آية الرجم، وقالوا: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران 3/ 75] وهم العرب، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا، وقالوا أيضا: لا يضرنا ذنب فنحن أحباء الله وأبناؤه، تعالى الله عن ذلك «1» . ووقع التحريف بنوعيه أيضا في الإنجيل، كما وقع في التوراة، والدليل واضح وهو ضياع أصل كلا هذين الكتابين، وكتابتهما بأيدي العلماء بعد عشرات السنين، كما قال تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء 4/ 46] . وحدث التحريف في القرآن بمعنى التأويل الباطل، من الجهلة أو الملاحدة، أما التحريف بإسقاط آية من القرآن، فلم يقع، لتعهد الله حفظ كتابه المبين في قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر 15/ 9] . وأرشدت الآية (78) من سورة البقرة إلى بطلان التقليد في العقائد وأصول الأحكام، وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه، لأن معنى قوله تعالى: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ:
تحريف أحبار اليهود وافتراءاتهم [سورة البقرة (2) الآيات 79 إلى 82] :
يكذبون ويحدثون، لأنه لا علم لهم بصحة ما يتلون، وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرءون به. وقد أجمع السلف في صدر الإسلام وأهل القرون الثلاثة على بطلان التقليد في العقائد. وإنما كان الجاهل في تلك القرون يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها، والأحكام بروايتها، ولا يتقلد رأيه كيفما كان، من غير بينة ولا برهان «1» . وأومأ الخطاب في هذه الآيات لليهود المعاصرين للنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى أنه لا أمل في إيمان اليهود بالقرآن وبدعوة الرسول محمد، فالمعاصرون توارثوا طبائع الآباء وأخلاقهم، وتأصلت فيهم روح التمرد والإعراض عن كلام الله، وكان آباؤهم أكثر الناس مراء وجدالا في الحق، وإن كان بينا باهرا، وأشد الناس كذبا وغرورا وأكلا لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش، وغشا وتدليسا وتلبيسا، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله الخاص، وأفضل الناس، كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان. فهذه هي الأماني التي صدّتهم عن قبول الإسلام «2» . تحريف أحبار اليهود وافتراءاتهم [سورة البقرة (2) : الآيات 79 الى 82] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82)
الإعراب:
الإعراب: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ مبتدأ وخبر، وجاز أن يكون «ويل» مبتدأ وإن كان نكرة، لأن في الكلام معنى الدعاء، كقولهم: سلام عليكم. بَلى حرف يأتي في جواب الاستفهام في النفي، و «نعم» يأتي في جواب الاستفهام في الإيجاب. فإذا قال: ألست فعلت كذا؟ فجوابه: بلى، أي إني قد فعلت، كقوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى [الأعراف 7/ 172] أي بلى أنت ربّنا، ولو قالوا: نعم، لكفروا، لأنه يصير المعنى: نعم لست ربّنا. وإذا قال في الإيجاب: هل فعلت؟ فجوابه: نعم، كقوله تعالى: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قالُوا: نَعَمْ [الأعراف 7/ 44] . مَنْ كَسَبَ من شرطية مبتدأ، والفاء في «أولئك» جواب الشرط، وفَأُولئِكَ مبتدأ ثان، وأَصْحابُ النَّارِ خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول وهو مَنْ. وهُمْ فِيها خالِدُونَ جملة اسمية حال من أَصْحابُ أو من النَّارِ. وفِيها في موضع نصب، وتقديره: خالدون فيها. البلاغة: تكرار فَوَيْلٌ ثلاث مرات في الآية (79) للتوبيخ والتقريع وتقبيح جريمتهم وهي التحريف. وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ استعار لفظ الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، حيث شبه الخطايا بجيش من الأعداء نزل بقوم من كل جانب. المفردات اللغوية: فَوَيْلٌ الويل: شدة العذاب والهلاك، أو واد في جهنم بِأَيْدِيهِمْ أي مختلقا من عندهم لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا، وهم اليهود غيّروا صفة النبي في التوراة، وآية الرجم، وغيرهما، وكتبوها على خلاف ما أنزل. مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من المختلق، مِمَّا يَكْسِبُونَ من الرشا: جمع رشوة. لَنْ تَمَسَّنَا تصيبنا إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قليلة أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل. أَتَّخَذْتُمْ حذفت منه همزة الوصل، استغناء بهمزة الاستفهام عَهْداً ميثاقا منه بذلك. أَمْ تَقُولُونَ.. بل. كَسَبَ سَيِّئَةً المراد بها هنا الكفر أو الشرك. وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ بالإفراد
سبب النزول:
والجمع، أي استولت عليه وأحدقت به من كل جانب، بأن مات مشركا فَأُولئِكَ روعي فيه معنى: من. سبب النزول: نزلت الآية (79) في أهل الكتاب كما قال ابن عباس، أو في أحبار اليهود كما قال العباس: «الذين غيّروا صفة النّبي صلّى الله عليه وسلّم وبدلوا نعته» ، وكانت صفته في التوراة: أكحل، أعين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فمحوه حسدا وبغيا، وقالوا: نجده طويلا أزرق، سبط الشعر. ونزلت الآية (80) كما قال ابن عباس: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار، لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك: وَقالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلى قوله خالِدُونَ. وروى الطبري عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: لن ندخل النار، إلا تحلة القسم، الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة، فإذا انقضت، انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية «1» التفسير والبيان: الهلاك والعذاب الشديد أو العقوبة العظيمة لمن حرفوا التوراة، وكتبوا الآيات المحرفة بأيديهم، وغيّروا صفة النّبي صلّى الله عليه وسلّم التي كانت مكتوبة عندهم في التوراة، والعذاب أيضا لهم لأخذ الرشوة وفعلهم المعاصي، ونسبتهم الافتراءات إلى الله تعالى، ليأخذوا بهذا الكذب أو الافتراء ثمنا دنيويا حقيرا من مال أو رياسة أو جاه، فويل لهم مما كسبوا، لأنه كانت لليهود جنايات ثلاث: تغيير
صفة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، والافتراء على الله، وأخذ الرشوة، فهددوا على كل جناية بالويل والهلاك. ومن مزاعم اليهود: ادعاؤهم أن النار لا تمسهم إلا في أيام قليلة معدودة، هي أربعون يوما مدة عبادتهم العجل، وأكثر اليهود على أن النار تمسهم سبعة أيام فقط، لأن عمر الدنيا في زعمهم سبعة آلاف سنة، فمن عذب في النار ولم يحظ بالنجاة، يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم. فرد الله عليهم: هل عهد بذلك ربكم إليكم، ووعدكم به وعدا حقا، فلن يخلف الله وعده، أم أنتم تقولون على الله شيئا لا علم لكم به؟ أي أن مثل ذلك القول لا يصدر إلا عن عهد من الله، أو افتراء وتقوّل عليه، وبما أنه لم يحدث العهد من الله وهو الوحي والخبر الصادق، فأنتم كاذبون في دعواكم، مفترون حين تدعون أنكم أبناء الله وأحباؤه. وقد أكدت السّنّة دعواهم في النجاة من النار بعد أيام قليلة. روى الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن الليث بن سعد، والحافظ بن مردويه والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم شاة فيها سمّ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اجمعوا لي من كان من اليهود هنا، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أبوكم؟ قالوا: فلان، قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت. ثم قال لهم: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اخسؤوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا. ثم قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ فقالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرّك» .
ليس الأمر أيها اليهود كما زعمتم أو تمنيتم واشتهيتم، بل أو بلى ستخلدون في نار جهنم بسبب ارتكاب المعاصي التي أحاطت بكم، كالكفر، وقتل الأنبياء بغير حق، وعصيان أوامر الله، والاسترسال في الأهواء والافتراءات. وقد علمنا أن بلى: لفظ يجاب به بعد كلام منفي سابق، ومعناه إبطاله وإنكاره. والكسب: جلب النفع، واستعماله هنا في السيئة من باب التهكم. والسيئة: الفاحشة الموجبة للنار، والمراد بها هنا: الشرك بالله. وسبب الخلود في النار: هو ما تضمنه القانون العام لكل الخلائق في شرع الله: أن من اقترف خطيئة غمرت جميع جوانبه من قلبه ولسانه وأعضائه، وليست له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهو من أهل النار. وأما من آمن (صدق) بالله ورسله واليوم الآخر، وعمل صالحا، فأدى الواجب، وترك الحرام، فهو من أهل الجنة. قال ابن عباس: «من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة، خالدين فيها» يخبرهم أن الثواب بالخير، والشر مقيم على أهله أبدا، لا انقطاع له. وكل من الجزاءين المذكورين: وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين، شبيه بقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ، وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء 4/ 123- 124] . لكن من تاب من العصاة توبة نصوحا، فأقلع عن الذنب، وندم عليه، وعزم على ألا يعود لمثله في المستقبل، تبدل حاله من أهل النار إلى أهل الجنة. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبا، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل
فقه الحياة أو الأحكام:
قلبه. وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن: كَلَّا، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين 83/ 14] » . وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضرب لهم مثلا، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، فأنضجوا ما قذفوا فيها. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآية (79) والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في شرع الله، فكل من بدل وغيّر أو ابتدع في دين الله ما ليس منه، فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم، وقد حذر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمته، لما قد علم ما يكون في آخر الزمان، فقال: «ألا، إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» الحديث. فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه، فيضلّوا به الناس. وأبانت الآية (79) أن كل عوض- وإن كثر- عن تحريف كتاب الله، لا بركة فيه ولا خير، فقد وصف الله تعالى ما يأخذه أحبار اليهود بالقلة إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لأن الحرام لا بركة فيه، ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كتابهم: ربعة أسمر، فجعلوه: آدم سبطا طويلا، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النّبي الذي يبعث في آخر الزمان، ليس يشبهه نعت هذا. ودلت الآية (81) : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ على أن
مخالفة اليهود المواثيق [سورة البقرة (2) آية 83] :
المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، ومثله قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصّلت 41/ 30] . والخلود في النار: سببه الشرك بالله. وأرشدت الآية (82) إلى أن دخول الجنة منوط بالإيمان والعمل الصالح معا، كما ر وى مسلم «أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لسفيان بن عبد الله الثقفي، وقد قال له: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم» . والجمع بين الآيتين المذكورتين (81، 82) هو منهج القرآن الكريم في البيان، فإن الله سبحانه يقرن عادة بين الوعد والوعيد، ويذكر أهل الخير وأهل الشر، وأصحاب الجنة وأصحاب النار، لما تقتضيه الحكمة، وإرشاد العباد، بالترغيب مرة والترهيب أخرى، والتبشير طورا والإنذار طورا آخر: إذ باللطف والقهر يرقى الإنسان إلى درجة الكمال. مخالفة اليهود المواثيق [سورة البقرة (2) : آية 83] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) الإعراب: لا تَعْبُدُونَ مرفوع لأنه جواب لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا ... لأنه في معنى القسم، بمنزلة والله، فكأنه قال: استحلفناهم لا يعبدون، كما يقال: حلف فلان لا يقوم، أو لأنه في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم غير عابدين إلا الله، ومثل ذلك لا تَسْفِكُونَ. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إما معطوف على الباء المحذوفة وأن في قوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ أو في موضع نصب
البلاغة:
بفعل مقدر، وتقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وقوله: (إِحْساناً إما منصوب على المصدر بالفعل المقدر الذي تعلق به الجار والمجرور في قوله: بِالْوالِدَيْنِ وتقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، أو منصوب، لأنه مفعول فعل مقدر، وتقديره: واستوصوا بالوالدين إحسانا. حُسْناً مفعول به منصوب لفعل: قولوا، وتقديره: قولوا قولا ذا حسن، أو صفة لمصدر محذوف، وتقديره: قولا حسنا إِلَّا قَلِيلًا منصوب على الاستثناء الموجب من ضمير تَوَلَّيْتُمْ. البلاغة: لا تَعْبُدُونَ خبر في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، لأن حق المنهي عنه المبادرة إلى تركه، فكأنه انتهى عنه، وجاء بصيغة الخبر. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وقع المصدر موقع الصفة، أي قولا حسنا أو ذا حسن للمبالغة، فإن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو الصفة بقصد المبالغة، فيقولون: هو عدل. المفردات اللغوية: وَإِذْ واذكر إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل في التوراة مِيثاقَ الميثاق: العهد المؤكد الذي أخذ عليهم في التوراة، علما بأن العهد نوعان: عهد خلقة وفطرة، وعهد نبوة ورسالة، وهذا هو المراد هنا. لا تَعْبُدُونَ خبر بمعنى النهي. إِحْساناً تحسنون إلى الوالدين إحسانا، أي برا. وَذِي الْقُرْبى صاحب القربى من جهة الرحم أو العصب. حُسْناً أي وقولوا للناس قولا حسنا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في شأن محمد، والرفق بهم. تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، والمراد: آباؤهم وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ عنه كآبائكم. المناسبة: تنوع الأسلوب القرآني في معالجة مساوئ اليهود وقبائحهم، وترويضهم، ونقلهم إلى حال أفضل من حالهم في الماضي والحاضر، ففي الآيات السابقة عدّد الله النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، كتفضيلهم على العالمين، وإنجائهم من الغرق، وإنزال المن والسلوى عليهم، ثم ما يحدث إثر كل نعمة من مخالفة، فعقوبة، فتوبة.
التفسير والبيان:
ثم تذكّرهم هذه الآية بالعهد الذي أخذه الله على آبائهم بالعمل بما أمروا به من عبادات ومعاملات، ثم إهمالهم له، وتركهم اتباعه. وهذا كله ليبين الله لرسوله انقطاع الأمل في إيمان اليهود المعاصرين له، لأنهم يتوارثون عادة التطبع بقبائح أسلافهم، فهي تمنعهم من الهدى والرشاد التفسير والبيان: اذكر أيها النّبي حين أخذنا الميثاق على بني إسرائيل، أنهم لا يعبدون إلا الله سبحانه، فلا يشركون به سواه من ملك أو صنم أو بشر بدعاء أو غيره من أنواع العبادات، وأنهم يحسنون إلى الوالدين إحسانا كاملا، بأن يرعوهما حق الرعاية، ويعطفوا عليهما، ويطيعوهما فيما لا يخالف أوامر الله، وقد جاء في التوراة: أن من يسب والديه يقتل، وأن يحسنوا بالمال إلى ذي القرابة والأيتام والمساكين بسبب ضعفهم وعجزهم وحاجتهم، وأن يقولوا قولا حسنا لا إثم فيه ولا شر، بالقول الجميل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع حفض الجناح ولين الجانب، وأن يؤدوا صلاتهم أداء تاما، لأن الصلاة تصلح النفوس، وتهذب الطباع وتحليها بأنواع الفضائل، وتمنعها عن الرذائل، وأن يؤتوا الزكاة للفقراء، لما فيها من تحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس، وإسعاد الفرد والجماعة، وإشاعة الرفاه والهناءة للجميع. ولكن اليهود الذين اعتادوا الغدر، واستماتوا في حب المادة، أعرضوا قصدا وعمدا عن تنفيذ الأوامر الإلهية، وعن العمل بالميثاق، والخلف منهم معرض عن التوراة مثل السلف، ما عدا نفرا قليلا منهم مثل عبد الله بن سلام وأشباهه من المخلصين العقلاء، المحافظين على الحق بقدر الطاقة، لكن وجود القلائل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب إذا فشا فيها الفساد وعم البلاء، كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال 8/ 25] .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: إن الأمور التي ذكّر الله بها بني إسرائيل في هذه الآية، أمر بها جميع الخلق، ولذلك خلقهم، وهي تكوّن النظام الديني والأخلاقي والاجتماعي، وجاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، فقدم حق الله تعالى لأنه المنعم في الحقيقة على حق العباد، ثم ذكر الوالدين لحقهما في تربية الولد، ثم القرابة، لأن فيهم صلة الرحم، ثم اليتامى لقصورهم، ثم المساكين لضعفهم، وهي تشمل ما يلي: 1- عبادة الله وحده لا شريك له: فهي برهان الاعتقاد الصحيح ودليل الإيمان من جميع الناس، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء 21/ 25] . وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 16/ 36] . قال ابن كثير: وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تبارك وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له. والمراد بقوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ كما قال الزمخشري الطلب، فهو خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. 2- الإحسان إلى الوالدين: هذا يأتي بعد حق الله، فإن آكد حقوق المخلوقين، وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن تبارك وتعالى بين حقه بالتوحيد وحق الوالدين، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني- وهو التربية- من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره، فقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان 31/ 14] وقال: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء 17/ 23] . والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودّهما. وفي الصحيحين عن ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله، أي العمل
أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» . وجاء في الحديث الصحيح: «أن رجلا قال: يا رسول الله؟ من أبرّ؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم أدناك أدناك» . والحكمة في بر الوالدين واضحة: وهي المعاملة بالمثل ومقابلة المعروف بمثله، والوفاء للمحسن، كما قال تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [الرحمن 55/ 60] فهما بذلا للولد وهو صغير كل عناية وعطف بتربيته والقيام بشؤونه، فيجب على الولد مكافأتهما على صنعهما. 3- الإحسان إلى ذي القربى: أي القرابة، عطف ذي القربى على الوالدين، وهو يدل على أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى القرابات بصلة الأرحام، لأن الإحسان إليهم مما يقوم الروابط بينهم، فما الأمة إلا مجموعة الأسر، فصلاحها بصلاحها، وفسادها بفسادها. ولا يعرف فضل الأسرة إلا في وقت الشدة والكوارث، فعندها يظهر التعاطف والتعاون وترميم الأضرار، وإزالة العثرات. 4- الإحسان إلى اليتامى: وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. والإحسان إلى اليتيم: بحسن تربيته وحفظ حقوقه من الضياع، وقد ملئ الكتاب والسنة بالوصية به والرأفة به والحض على كفالته وحفظ ماله، من ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى. 5- الإحسان إلى المساكين: وهم الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم، وقد أمر الله بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم، وذلك يكون بالصدقة عليهم، ومواساتهم حين البأساء والضراء، روى مسلم عن
أبي هريرة أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله- وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر» قال ابن المنذر: وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله. 6- الكلام الطيب، ولين الجانب، وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك مما هو نافع في الدين والدنيا كالحلم والصفح والعفو والبشاشة. وذلك لأن إحسان القول له تأثير فعال في النفوس، وبه يتم التكافل الأدبي أو الأخلاقي بين الناس، فإنه سبحانه عبر بقوله وَقُولُوا لِلنَّاسِ ولم يقل لإخوانكم، ليدل على أن الأمر بالإحسان عام لجميع الناس. روى الإمام أحمد عن أبي ذر عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا، وإن لم تجد، فالق أخاك بوجه منطلق» . وبهذه الفضيلة وهي القول الحسن بعد الأمر بالإحسان الفعلي إلى الناس، يجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. 7- إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: الصلاة عماد الدين، وطريق التقوى، وهمزة الصلة بالله، وسبيل التحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل، ولكن بشرط الإخلاص والخشوع التام لعظمة الله وسلطانه. وأما إيتاء الزكاة فضروري لإصلاح شؤون المجتمع. لكنّ كلا من الصلاة والزكاة لم يثبت فيهما عن أهل الكتاب نقل صحيح يدل على كيفيتهما ونوعهما، روي عن ابن عباس أنه قال: الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص.
بعض حالات مخالفة اليهود الميثاق [سورة البقرة (2) الآيات 84 إلى 86] :
بعض حالات مخالفة اليهود الميثاق [سورة البقرة (2) : الآيات 84 الى 86] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) الإعراب: ثُمَّ أَنْتُمْ ... أنتم مبتدأ، وهؤُلاءِ خبره وتَقْتُلُونَ جملة فعلية حال من «أولاء» . وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى أسارى: حال من ضمير الفاعل في يَأْتُوكُمْ وأسارى على وزن فعالى، وأكثر ما يجيء «فعالى» في جمع فعلان نحو سكران وكسلان، ولما كان الأسير محبوسا عن التصرف في الأمور أشبه السكران والكسلان، لأنهما كالمحبوسين عن التصرف لاستيلاء السكر والكسل عليهما. وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ هو: أي الإخراج الذي دل عليه قوله: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مبتدأ، ومُحَرَّمٌ خبره، وإِخْراجُهُمْ بدل من هُوَ ويصح جعل هُوَ ضمير الشأن، وهو مبتدأ أول، وإخراجهم مبتدأ ثان، ومحرم: خبر مقدم، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول ومفسرة له، وتكون جملة: هو والخبر اعتراضية فَما جَزاءُ.. ما: استفهامية: أي، أي شيء جزاء من يفعل ذلك منكم، وفَما مبتدأ، وجَزاءُ خبره، وخِزْيٌ بدل من جزاء. يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف زمان منصوب، وعامله ما بعده وهو يُرَدُّونَ.
البلاغة:
البلاغة: تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ أي بعضكم، ومن قتل غيره فكأنما قتل نفسه، فهو مجاز. أَفَتُؤْمِنُونَ استفهام إنكاري للتوبيخ. خِزْيٌ تنكيره للتفخيم والتهويل. المفردات اللغوية: تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ تريقونها بقتل بعضكم بعضا. وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ لا يخرج بعضكم بعضا من داره. ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ قبلتم ذلك الميثاق. وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ على أنفسكم. تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يقتل بعضكم بعضا. تَظاهَرُونَ تتظاهرون أي تتعاونون عليهم. بِالْإِثْمِ بالمعصية أو الذنب: وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم. وَالْعُدْوانِ الظلم والاعتداء. أُسارى أسرى جمع أسير، أي مأسورين. تُفادُوهُمْ تنقذوهم من الأسر بالفداء من مال أو غيره، وهو مما عهد إليهم. خِزْيٌ هوان وذل. اشْتَرَوُا استبدلوا. المناسبة التاريخية المتجددة: كان سفك الدماء وتقاتل اليهود وطرد بعضهم بعضا من ديارهم ظاهرة شائعة فيهم، وظللت هذه الظاهرة إلى عصر التنزيل القرآني، فكان يهود بني قريظة حالفوا الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج، فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتل اليهودي يهوديا آخر، ويخرب بعضهم ديار بعض، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمال، مع أن ذلك محرم عليهم بنص التوراة، وإذا أسر بعضهم فدوهم بالمال، وكانوا إذا سئلوا، لم تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا- أي في التوراة- بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن تستذل حلفاؤنا، فأنزل الله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ «1»
التفسير والبيان:
وكانت الآيات السابقة تذكيرا لبني إسرائيل الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام بأهم الأوامر التي أمروا بها من عبادة الله وحده والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى وغير ذلك، أما هذه الآيات فكانت للتذكير بأهم المنهيات التي خطرت عليهم، والخطاب للحاضرين في عصر النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو دليل على تضامن الأمة، وأنها كالفرد يصيب خلفها أثر ما كان عليه سلفها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. التفسير والبيان: واذكر يا محمد لليهود وقت أخذنا عليهم في التوراة العهد بأن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من دياره ووطنه. وفي تعبير «دماءكم، وأنفسكم، ودياركم» إشارة إلى أن دم غيره من المجتمع كدم نفسه، فمن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، وهو ما تقرره الآية (32) من سورة المائدة. ثم أقررتم أيها اليهود المعاصرون بالميثاق الذي أخذ على أسلافكم، ولم تنكروه، فالحجة قائمة عليكم. ثم أنتم بعد الاعتراف بالميثاق تنقضون العهد، فيقتل بعضكم بعضا، كما كان يفعل من قبلكم، فكانت بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكان يهود بني قريظة حلفاء الأوس يقاتلون يهود بني النضير حلفاء الخزرج، إذا تقاتل الأوس والخزرج، وكان مقتضى الاتفاق في الدين واللغة والنسب بين اليهود أن يكونوا جميعا صفا واحدا. وكذلك كان كل من اليهود يعاون حلفاءه على إخوانه اليهود بالإثم كالقتل والسلب والنهب، والعدوان كالإخراج من الديار. وكانوا إذا تم الاتفاق على مفاداة الأسرى، يفدي بالمال كل فريق من اليهود أبناء جنسه، عملا بالكتاب
المقدس، مع أن السبب الذي أدى إلى الأسر وهو الطرد والإجلاء محرم عليكم في التوراة كتحريم القتل، فكيف تؤمنون ببعض الكتاب وتمتثلون حكم مفاداة الأسرى، وتكفرون بالأحكام الأخرى، فترتكبون جرائم القتل والإخراج والتعاون بالإثم والاعتداء، علما بأن الإيمان بشيء لا يتجزأ، والكفر ببعضه كالكفر بكله؟ فمن آمن ببعض التوراة، وكفر ببعضها الآخر، ليس له جزاء على هذا الفعل المتناقض المستهجن إلا ذل وهوان في الدنيا، وعذاب أليم دائم في الآخرة، وما الله بغافل عن عمل إنسان، فهو يجازيه على سيئاته. ثم قررت الآيات حكما عاما لأولئك اليهود وغيرهم: وهو أن من آثروا الحياة الدنيا كالزعامة الفارغة وأخذ المال، على الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، فهم باعوا آخرتهم بدنياهم بتقديم حظوظهم العاجلة الفانية على حظوظهم الدائمة الخالدة، وبترك أوامر الله في كتابه، فلا يخفف عنهم العذاب الأخروي، ولا يفتر عنهم ساعة واحدة، ولا هم ينصرون في الدنيا والآخرة، فلا شافع يشفع بهم، ولا ولي يدفع عنهم العقاب في جهنم، لأن خطاياهم كثيرة، أحاطت بهم، فحجبتهم عن الرحمة الإلهية، وأبعدتهم عن الفيض الإلهي. وهكذا كل أمة ذات دين، تؤدي بعض أحكامه كالصلاة والصوم والحج، وتخالف أحكامه الأخرى، فلم تؤد الزكاة وامتنع الأغنياء عن أداء حقوق الفقراء، وشاع فيها الربا والزنا والسرقة والرشوة والبغي والظلم، وأهملت الأسس التي يقوم عليها بنيان النظام الحكومي من العدل، والمساواة، والشورى، والجهاد في سبيل الله ونصرة المؤمنين المستضعفين، فإنها معرّضة للخزي (الهوان) في الدنيا، والعذاب في نار جهنم في الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين المخلصين، والإخلال بالعهد من صفات الكافرين والمنافقين، ومن ألزم العهود والمواثيق الواجب تنفيذها واحترامها هو عهد الله، فمن أخل به ولم يرع جميع بنوده وأحكامه، استحق العقاب والتوبيخ والاستهجان. وفي تعبير القرآن عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على أن من يقدم على الذنب، ولا يبالي بنهي الله، فهو كافر به. وإن تجزئة أحكام الله، بأخذ بعضها وقبوله، ورفض بعضها والإعراض عنه، كفر بجميع الأحكام الإلهية. قال العلماء: كان الله تعالى قد أخذ على اليهود أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى، فقال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وهو التوراة وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ «1» . وقد أكدت شريعتنا حكم فداء الأسارى وأنه واجب، قال علماء المالكية وغيرهم: فداء الأسرى واجب، وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه فك الأسارى وأمر بفكّهم، وجرى بذلك عمل المسلمين، وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين «2» .
موقف اليهود من الرسل والكتب المنزلة [سورة البقرة (2) الآيات 87 إلى 89] :
موقف اليهود من الرسل والكتب المنزلة [سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 89] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) الإعراب: أَفَكُلَّما الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والفاء: حرف عطف، و «كلما» ظرف زمان يفيد التكرار، ويقتضي الجواب، والعامل فيه جوابه وهو اسْتَكْبَرْتُمْ. فَفَرِيقاً منصوب بكذبتم وَفَرِيقاً الثاني منصوب بتقتلون. وإنما تقدم المفعول للاهتمام به، وإنما قال: تَقْتُلُونَ ولم يقل «قتلتم» مثل كَذَّبْتُمْ مراعاة لفواصل الآيات. قُلُوبُنا غُلْفٌ مبتدأ وخبر. فَقَلِيلًا منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، وما زائدة. وتقديره: فإيمانا قليلا يؤمنون. والمراد بالقلة هنا النفي، مثل قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [الأعراف 7/ 10] أي لا يشكرون أصلا. وَلَمَّا ظرف زمان مبني إما لأنه أشبه معنى الحرف، أو لأنه تضمن معنى الحرف. وجواب «لما» في رأي البصريين محذوف تقديره: نبذوه أو كفروا به، وفي رأي الكوفيين: مذكور، وهو الفاء في قوله فَلَمَّا وكرر «لما» لطول الكلام. البلاغة: تقديم المفعول وهو «فريقا كذبتم» و «فريقا تقتلون» للاهتمام به وتشويق السامع إلى
المفردات اللغوية:
ما بعده. وإنما قال: تَقْتُلُونَ ولم يقل «قتلتم» لتطابق «كذبتم» لأجل الفواصل، فإن فواصل الآيات كرؤوس الأبيات، ولأن المضارع يستعمل في الماضي الذي بلغ من الغرابة مبلغا عظيما، كأن صورة قتل الأنبياء ماثلة أمام السامع ينظر إليها. عَلَى الْكافِرِينَ ولم يقل «عليهم» : وضع الظاهر مكان الضمير، ليبين أن سبب اللعنة هو كفرهم. المفردات اللغوية: الْكِتابَ التوراة. وَقَفَّيْنا أتبعناهم رسولا إثر رسول على منهاج واحد. وعِيسَى بالسريانية: يسوع، ومعناه السيد أو المبارك، ومَرْيَمَ بالعبرية: الخادم، لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس. الْبَيِّناتِ المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وَأَيَّدْناهُ قويناه. بِرُوحِ الْقُدُسِ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الروح المطهرة المقدسة: جبريل عليه السّلام، لطهارته، ينزل على الأنبياء ويقدس نفوسهم ويزكيها، قال الحسن البصري: «إنما سمي جبريل (روح القدس) لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف» ، قال الرازي: «ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى [في سورة النحل 16/ 102] : قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» «1» ويطلق عليه الروح الأمين كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء 26/ 193- 195] . تَهْوى تحب. اسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن اتباعه. تَقْتُلُونَ يراد به حكاية الحال الماضية، أي قتلتم كزكريا ويحيى عليهما السّلام. غُلْفٌ عليها أغشية وأغطية، فلا تعي ما تقول. بَلْ للإضراب. لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم من رحمته وخذلهم من القبول. بِكُفْرِهِمْ أي ليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم. ما يُؤْمِنُونَ ما زائدة، لتأكيد القلة، أي إيمانهم قليل جدا، أو معدوم. مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة، والكتاب هو القرآن. يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون ببعثته صلّى الله عليه وسلّم على الكفار، يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان. ما عَرَفُوا من الحق، وهو بعثة النّبي. كَفَرُوا بِهِ حسدا وخوفا على الزعامة أو الرياسة. سبب نزول الآية (89) : قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود
التفسير والبيان:
خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: «اللهم إنا نسألك بحق محمد النّبيّ الأميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم» فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان. فلما بعث النّبي صلّى الله عليه وسلّم كفروا به، فأنزل الله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي بك يا محمد، إلى قوله: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «1» . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء وداود بن سلمة: يا معشر اليهود: اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة 2/ 89] . وقال السدي: «كانت العرب تمرّ بيهود، فتلقى اليهود منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة أنه يبعثه الله، فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد صلّى الله عليه وسلّم كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل» «2» . التفسير والبيان: اليهود قساة القلوب، عبدة المصالح المادية، والأهواء الذاتية، فتجددت فيهم الإنذارات الإلهية، وأرسلت إليهم الرسل، بعضهم إثر بعض، فكان
بنو إسرائيل أكثر الشعوب حظا في عدد الرسل الذين أرسلوا إليهم، ومع ذلك كانوا ينسون الإنذارات، ويحرفون الشرائع، ويتبعون أهواءهم، ويعصون رسلهم، إما بالتكذيب وإما بالقتل. وهذه الآيات تذكير لهم بإعطاء موسى التوراة، وإتباعه بالرسل: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [المؤمنون 23/ 44] وهم يوشع وداود وسليمان وعزير وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السّلام، وكانوا كلهم يحكمون بشريعة موسى، كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا.. الآية [المائدة 5/ 44] إلا أن عيسى جاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات- وهي المعجزات كإحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فتكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل عليه السّلام- ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في بعض الأحكام، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران 3/ 50] . وكانت النتيجة أنه كلما جاءهم رسول بما لا تميل إليه نفوسهم، وهي لا تميل إلى الخير دائما، كفروا به واستكبروا عليه تجبرا وبغيا، فمنهم من كذبوه كعيسى ومحمد عليهما السّلام، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى عليهما السّلام، فلا غرابة بعدئذ إن لم يؤمنوا بدعوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فإن العناد من طبعهم. والخطاب لجميع اليهود، لأنهم فعلوا ذلك في الماضي ورضي عنهم أولادهم. ومن قبائحهم قولهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم: قلوبنا عليها غشاء، فلا تعي ما تقوله، ولا تفقه ما تتكلم به، فيرد الله عليهم: لستم كذلك، فقلوبكم خلقت مستعدة بالفطرة للنظر الذي يوصل إلى الحق، لكن الله أبعدكم من رحمته، بسبب كفركم
فقه الحياة أو الأحكام:
بالأنبياء وعصيانكم التوراة. ولم يظلمهم الله بهذا الإبعاد أو الطرد من رحمته، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فإيمانهم قليل جدا، فهم آمنوا ببعض الكتاب، وتركوا العمل بالبعض الآخر أو حرفوه، أو أنهم لم يؤمنوا أصلا. وكان عندهم وصف النّبي صلّى الله عليه وسلّم وبيان زمانه، وكانوا يستنصرون به على المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة. فلما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم، مصدق لما معهم من التوراة، ومؤكد وصف النّبي المعروف عندهم، كفروا به حسدا للعرب، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، واستكبروا عن قبول دعوته وإجابته احتقارا للرسل، وهم يعلمون أنه رسول الله، وآثروا الدنيا على الآخرة، فلعنة الله على كلّ كافر من اليهود وغيرهم، لأنه كفر بدعوة الإسلام. فقه الحياة أو الأحكام: هذه صورة واضحة تبين موقف فئة من البشر من الأحكام الإلهية، فمن أعرض عنها، وجحد بها، واستكبر عن قبولها، كان مصيره المحقق المنتظر هو استحقاق العذاب والطرد من رحمة الله تعالى. وهذا الحشد المتتابع من الرسل الذين جاؤوا لبني إسرائيل يدلّ على مزيد العناية الإلهية بأعتى البشر، وتمكينه من العودة إلى طريق الحق، فإذا عوقب ذلك العاتي المستكبر، كان عقابه حقا وعدلا. والله تعالى منزّه عن ظلم أحد، ففي قوله تعالى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [البقرة 2/ 88] بيان السبب في نفورهم عن الإيمان، وهو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.
كفرهم بما أنزل الله وقتلهم الأنبياء [سورة البقرة (2) الآيات 90 إلى 91] :
وكل ما ذكر من أخبار اليهود وإظهار قبائحهم وتقريعهم على ظلمهم وكفرهم واطلاع النّبي على ما كانوا يكتمونه من شريعة التوراة، فيه دلالة على نبوته عليه السّلام. كفرهم بما أنزل الله وقتلهم الأنبياء [سورة البقرة (2) : الآيات 90 الى 91] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) الإعراب: «ما» في بئسما: إما نكرة موصوفة على التمييز بمعنى شيء، والتقدير: بئس الشيء شيئا، واشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ صفته، وإما بمعنى الذي في موضع رفع، و «اشتروا به» صلته، وتقديره: بئس الذي اشتروا به أنفسهم، وأَنْ يَكْفُرُوا في تقدير المصدر، وهو المقصود بالذم، وهو في موضع رفع لوجهين: أن يكون مبتدأ وما تقدم خبره، أو أن يكون خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو أن يكفروا، أي كفرهم. وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً نصب مصدقا على الحال من الحق، والعامل في الحال معنى الجملة، وهذه الحال حال مؤكدة، فالحق لا يجوز أن يفارق التصديق لكتب الله عز وجل، ولو فارق التصديق لها لخرجت عن أن تكون حقا. البلاغة: عَذابٌ مُهِينٌ أسندت الإهانة إلى العذاب من قبيل إسناد الأفعال إلى أسبابها.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ باعوها، لأن «اشترى» بمعنى باع، وبمعنى ابتاع، وكل من ترك شيئا وأخذ غيره فقد اشتراه. بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن. بَغْياً مفعول لأجله ليكفروا، أي حسدا. فَباؤُ رجعوا. بِغَضَبٍ الغضب أشد من اللعن، والتنكير للتعظيم، والمعنى: فرجعوا وانقلبوا متلبسين بالغضب. وَيَكْفُرُونَ الواو للحال. بِما وَراءَهُ سواه أو بعده من القرآن. وَهُوَ الْحَقُّ حال. مُصَدِّقاً حال ثانية مؤكدة. فَلِمَ تَقْتُلُونَ قتلتم، والخطاب للموجودين في زمن نبيّنا بما فعل آباؤهم، لرضاهم به. التفسير والبيان: يعلم اليهود المعاصرون للنبي صلّى الله عليه وسلّم أنه النّبي المبشر به في التوراة: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة 2/ 146] ولكنهم لم يؤمنوا حسدا وبغيا، فعقب الله على موقفهم بذمهم ذما شديدا، باختيارهم الكفر على الإيمان، وبذل أنفسهم فيه، وكأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع، وكانت علة كفرهم محض العناد الذي هو نتيجة الحسد، وخوف ضياع الزعامة والمال من أيديهم، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يختاره من عباده، فأصبحت عاقبتهم أنهم قد رجعوا بغضب من الله جديد لكفرهم بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، بعد كفرهم بموسى عليه السّلام وبمن جاء بعده من الأنبياء. ولهم بسبب كفرهم عذاب يصحبه إهانة وإذلال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلهم الخزي وسوء الحال، وأما في الآخرة فلهم الخلود في نار جهنم. وإذا قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ليهود المدينة: آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله، قالوا: إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة، ونكفر بما سواه وهو القرآن الذي جاء مصدقا لها، وهو الحق الذي لا شك فيه. فيرد الله عليهم: إن القرآن هو الحق من عند الله المصدق للتوراة التي معكم، وكلاهما من عند الله، فكيف
فقه الحياة أو الأحكام:
تكفرون ببعض الكتب وتؤمنون ببعضها؟ بل إنكم لم تؤمنوا بالتوراة التي فيها تحريم القتل، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق، فلم قتلتموهم إن كنتم بالتوراة مؤمنين؟! وقد نسب القتل إلى معاصري النّبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنهم كانوا راضين بفعل أسلافهم الغابرين، فأقروهم على القتل وغيره، ولم يعدوه مخالفة أو معصية، وفاعل الكفر ومجيزه سواء، وطبع السوء ينتقل في الذرية، وهم متضامنون متكافلون، مصرون على إقرار أفعال السلف. فإن لم يوجد إقرار أو رضا، فلا إثم على الأبناء، لأن كل نفس مسئولة عن حالها، ولا تزر وازرة وزر أخرى. فقه الحياة أو الأحكام: ليس من العقل السليم، بل ولا من المصلحة الحقيقية للإنسان أن يؤثر الفاني على الباقي، والشيء التافه الرخيص على الغالي الثمين، لأن دوام الخير وبقاء النعمة أصون للمنفعة، وأكرم للنفس، لذا ندد القرآن بأفعال اليهود، مقررا: بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم، حيث استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالإيمان. وإذ لم يؤمن اليهود إيمانا كاملا بالتوراة التي أنزلها الله على نبيهم موسى عليه السّلام، فلا أمل في إيمانهم بالقرآن. وإن استمرارهم في طريق الكفر قديما وحديثا، بعبادتهم العجل، وإعنات موسى وكفرهم به، وتكذيبهم محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وكفرهم بالقرآن، يبوئهم العذاب المهين: وهو ما اقتضى الخلود الدائم في نار جهنم. أما تعذيب عصاة المؤمنين في النار فهو مؤقت، وتمحيص لهم وتطهير، كما يطهر المذنب في الدنيا بالعقاب، مثل رجم الزاني وقطع يد السارق.
تكذيب ادعائهم الإيمان بالتوراة [سورة البقرة (2) الآيات 92 إلى 93] :
تكذيب ادعائهم الإيمان بالتوراة [سورة البقرة (2) : الآيات 92 الى 93] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) الإعراب: وَلَقَدْ جاءَكُمْ اللام لام القسم. وَاسْمَعُوا المراد به سماع تدبر وطاعة والتزام، لا مجرد إدراك القول، فهو مؤكد لقوله: خُذُوا.... البلاغة: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي حبّ العجل، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها، وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها [يوسف 12/ 82] أي أهل القرية وأهل العير. وفي قوله أُشْرِبُوا استعارة مكنية، شبّه حب عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإشراب. بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجول، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ [هود 11/ 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم. وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له (الكشاف: 1/ 227) . المفردات اللغوية: «البينات» المعجزات كالعصا واليد وفلق البحر. ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ جعلتموه إلها معبودا. مِنْ بَعْدِهِ من بعد ذهابه إلى الميقات. وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ باتخاذه.
التفسير والبيان:
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ على العمل بما في التوراة. الطُّورَ الجبل. بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد. وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ خالط حبّ العجل قلوبهم، كما يخالط الشراب الجسد. بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أي بئس شيئا، يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالتوراة، كما زعمتم، والمعنى: لستم بمؤمنين بالتوراة، وقد كذبتم محمدا، والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه. التفسير والبيان: لقد كفر اليهود بالنعم التي أنعم الله بها عليهم كما بان في الآيات السابقة والتي كانت في أرض الميعاد، وكفروا أيضا بالآيات الواضحات والدلائل القاطعات التي جاء بها موسى، والتي تدل على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والآيات البينات: هي التي حدثت قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة، وهي تسع كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء 17/ 101] ، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد وفرق البحر والسّنون. ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلا في الشرك والوثنية، ولم يشكروا نعم الله عليهم، وقابلوها باتخاذ العجل إلها يعبدونه من دون الله، والعجل: هو الذي صنعه لهم السامري من حليّهم، وجعلوه إلها وعبدوه. وهذا دليل على قسوة قلوبهم وفساد عقولهم، فلا أمل في هدايتهم، وهو ظلم ووضع للشيء في غير موضعه اللائق به، وأي ظلم أعظم من الإشراك بالله؟ واذكر يا محمد وقت أن أخذ عليهم الميثاق بأن يعملوا بما في التوراة ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى رفع الطور عليهم إرهابا لهم، فقبلوه، ثم خالفوه وكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا في المخالفة ووقعوا في الشرك، واتخذوا العجل إلها، وخالط حبه قلوبهم، وتمكن الحب الشديد لعبادة العجل في نفوسهم، بسبب ما كانوا عليه من الوثنية في مصر. قل يا محمد لليهود الحاضرين، بعد أن علموا أحوال رؤسائهم السالفين: إن
فقه الحياة أو الأحكام:
كان إيمانكم بالتوراة يدعوكم إلى هذا، فبئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى هذه الأعمال التي تفعلونها، مثل عبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق. وهاتان الآيتان ردّ على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، وزعموا أنهم مؤمنون بالتوراة دون غيرها، فهم في الواقع لم يؤمنوا بشيء، لا بالتوراة ولا بالقرآن، فاستحقوا التوبيخ والتقريع. فقه الحياة أو الأحكام: إن الإيمان الصحيح بشيء هو الذي يدعو إلى الانسجام التام مع مقتضيات ذلك الإيمان، فمن آمن بالتوراة بحق، وجب عليه العمل بما فيها، والتزام أوامرها، واجتناب نواهيها، وهذا يدعوه أيضا إلى الإيمان بكل ما يؤيدها ويؤكدها ويقرر مضمونها، وقد جاء القرآن مصدقا لما في التوراة، فلزم الإيمان به، واتباع هديه. أما اليهود في الماضي وفي عصر النّبوة فعجيب أمرهم، يدّعون الإيمان بالتوراة، وهي التي ترشد إلى توحيد الإله وعبادته، ثم يعبدون العجل ويتخذونه إلها، ويكفرون بآيات الله، ويخالفون الأنبياء، ويكفرون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أكبر الذنوب وأشد الأمور عليهم، إذ كفروا بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس جميعا. فكيف يدّعون الإيمان لأنفسهم، وقد فعلوا هذه الأفاعيل القبيحة من نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وعبادة العجل من دون الله؟. ومع ذلك عفا الله عنهم وقبل توبتهم لما تابوا عن عبادة العجل، كما سبق في تعداد نعم الله عليهم.
حرص اليهود على الحياة [سورة البقرة (2) الآيات 94 إلى 96] :
حرص اليهود على الحياة [سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى 96] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) الإعراب: خالِصَةً إما خبر كان، أو حال من الدَّارُ ويجعل عِنْدَ اللَّهِ خبر كان. أَحَدُهُمْ الضمير يعود على اليهود وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ هو: ضمير مرفوع منفصل اسم «ما» وهو كناية عن أحد، وأَنْ يُعَمَّرَ في موضع رفع فاعل مزحزح كأنه قال: ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميره. البلاغة: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أتى هنا بلن وفي سورة الجمعة بلا لأن ادعاءهم هنا أعظم من ادعائهم هناك، فإنهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنة، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس. عَلى حَياةٍ التنكير للتنبيه على أنها حياة مخصوصة وهي التي يعمر فيها الشخص آلاف السنين. المفردات اللغوية: خالِصَةً خاصة بكم. أَحْرَصَ النَّاسِ الحرص: الطلب بشره عَلى حَياةٍ أي على طول العمر، لما يعلمون من مآلهم السيء، وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. لَوْ يُعَمَّرُ لو يطول عمره بِمُزَحْزِحِهِ مبعده.
سبب نزول الآية (94) :
سبب نزول الآية (94) : أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، فأنزل الله: قُلْ: إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً.. [البقرة 2/ 94] . التفسير والبيان: أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لليهود: إن كنتم صادقين في دعواكم أن الجنة خالصة لكم من دون الناس، وأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودات، وأنكم شعب الله المختار، فاطلبوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم الذي لا ينازعكم فيه أحد، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء. ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك، ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. قال ابن عباس: «ولو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه» . وروي عن ابن عباس أن المراد: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب منا ومنكم، فأبوا ذلك وما دعوا، لعلمهم بكذبهم. قال ابن كثير: هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة. والقول بتمني الموت لا تظهر فيه الحجة عليهم، إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود لو يعمر، ليزداد خيرا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: «خيركم من طال عمره، وحسن عمله» «1» .
فقه الحياة أو الأحكام:
وعلى أي وجه أو حال: لن يتمنى الموت أحد منهم أبدا، بسبب ما اقترفوا من الكفر والفسوق والعصيان، كتحريف التوراة، وقتل الأنبياء والأبرياء، والكفر بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، مع البشارة به في كتابهم. والله يعلم أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم، وأن غيرهم من الشعوب محروم منها، وسيجازيهم على أعمالهم. ثم يقسم الله تعالى بذاته العلية «وتا لله» لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة طويلة، بل وأحرص من جميع الناس حتى الذين أشركوا بالله، ولم يؤمنوا بالبعث، فهؤلاء المشركون يفترض أن يكونوا أحرص الناس على الحياة، إذ هي الأولى والأخيرة عندهم، فمشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا علم لهم من الآخرة. ولكن اليهود الحريصين على الدنيا والمادة يتمنى أحدهم أن يعيش ألف سنة أو أكثر- والعرب تضرب الألف مثلا للمبالغة في الكثرة- لأنه يتوقع عقاب الله في الآخرة، فيرى أن الدنيا خير من الآخرة. وما بقاؤه في الدنيا- وإن طال- بمبعده عن أمر الله وتعذيبه بالعذاب الأليم، والله عليم بخفيات أعمالهم وبما يصدر منهم، وهو مجازيهم به ويعاقبهم عليه. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات امتحان لمعرفة صدق إيمان اليهود، ودحض دعاويهم الباطلة التي حكاها الله عز وجل في كتابه، كقوله تعالى: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة 2/ 80] وقوله: وَقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة 2/ 111] وقالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة 5/ 101] وموضوع الامتحان تمني الموت ليحظوا بالسعادة الأبدية، وبذل أرواحهم في سبيل الله، والذود عن الدين وحرماته. ونتيجة الامتحان الإخفاق المحتم، لأن اليهود
موقف اليهود من جبريل والملائكة والرسل [سورة البقرة (2) الآيات 97 إلى 98] :
قوم ماديون يحبون البقاء في الدنيا، ويكرهون لقاء الله، فلا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، ويظلمون في قلق وحيرة واضطراب دائم وشك يخيفهم ويزعج أعماق نفوسهم. والآية الكريمة من المعجزات المتضمنة الإخبار بالغيب، الذي تحقق فعلا، فلم يقع منهم تمني الموت في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم الذي قال: «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار» «1» . والله سبحانه وتعالى العليم الخبير بصير عالم بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمّر ألف سنة. قال العلماء: وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم: بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال. موقف اليهود من جبريل والملائكة والرسل [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 98] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) الإعراب: مَنْ شرطية مبتدأ، وجملة كان واسمها وخبرها: هي خبر المبتدأ. واسم كان ضمير تقديره هو، وعَدُوًّا الخبر. ولِجِبْرِيلَ ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة. وجواب مَنْ الشرطية قوله: فَإِنَّهُ والهاء فيه تعود إلى جبريل، ونَزَّلَهُ أي القرآن، لدلالة الحال عليه، مثل: إِنَّا أَنْزَلْناهُ [الدخان 44/ 3] أي القرآن، ومثل كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
البلاغة:
[الرحمن 55/ 26] أي الأرض، ومثل حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص 38/ 32] أي الشمس وإن لم يسبق له ذكر. مُصَدِّقاً حال منصوب من هاء نَزَّلَهُ وكذلك هُدىً وبُشْرى حال من هاء نَزَّلَهُ. فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ» أقام المظهر مقام المضمر، كقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف 12/ 90] أي أجرهم. وجملة فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ.. جواب الشرط. البلاغة: نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ خص القلب بالذكر، لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف. وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ذكرا بعد الملائكة من باب ذكر الخاص بعد العام للتشريف والتنويه. فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ الجملة اسمية لزيادة التقبيح، لأنها تفيد الثبات. وأقام الظاهر مقام المضمر لبيان صفة الكفر وهو عداوتهم للملائكة. المفردات اللغوية: الْعَدُوُّ: ضد الصديق، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والمثنى والجمع. وَهُدىً من الضلالة وَبُشْرى بالجنة. وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ عطف على الملائكة من عطف الخاص على العام فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ولم يقل: لهم، بيانا لحالهم. سبب نزول الآية (97) : أخرج الترمذي أن اليهود قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية إلى قوله: للكافرين «1» . قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا أن
هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله، قالوا ذلك. فروى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة، وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم عن شيء، فعرفتموه لتتابعنني على الإسلام» فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سلوا عما شئتم» قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا: أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا: كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ومن وليه من الملائكة، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم عهد الله، لئن أنا أنبأتكم لتتابعنني؟» فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق. فأجابهم عن الأسئلة كلها، وحينما قال لهم: «إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه» قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله عز وجل: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو في أرض (يخترف) فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: «أخبرني بهذه جبريل آنفا» قال: جبريل؟ قال: «نعم» ، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ. «أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما
أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت» . قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود: فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: «أرأيتم إن أسلم؟» . قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله «1» . قال ابن حجر في فتح الباري: ظاهر السياق أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ الآية، ردا على اليهود، ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا المعتمد، فقد صح في سبب نزول الآية قصة عبد الله بن سلام (السابقة) . وجاء في بعض الروايات: أن أحد علماء اليهود من أحبار فدك عبد الله بن صوريا سأل النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي، فقال: هو جبريل، فقال ابن صوريا: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا به، وقد عادانا جبريل مرارا، ومن عداوته أن الله أمره أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وأنذر بخراب بيت المقدس. وميكال يجيء بالخصب والسلام. وفي رواية أن عمر بن الخطاب دخل مدراسهم «2» ، فذكر جبريل، فقالوا:
التفسير والبيان:
ذاك عدونا، يطلع محمدا على أسرارنا، وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وأن ميكائيل ملك الرحمة ينزل بالغيث والرخاء. التفسير والبيان: قل أيها النبي لهم: من كان عدوّا لجبريل، فهو عدوّ لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها، فإن الله نزله بالوحي والقرآن على قلبك بإذن الله وأمره، والقرآن موافق لما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل الداعية إلى توحيد الله وأصول الأخلاق والعبادات، وهو هداية من الضلالات، وبشرى لمن آمن به بالجنة، فكيف يكون طريق الخير سببا للبغض والكراهية. ثم أكد الله سبحانه حكمه المبرم وهو من كان عدوّا لله بمخالفة أوامره، وعدم إطاعته، والكفر بما أنزله لهداية الناس، وعدوّا للملائكة بكراهة العمل بما ينزلون به من وحي ورسالة يبلغونها للناس، وعدوّا لرسل الله بتكذيبهم في دعوى الرسالة، مع وجود الأدلة على صدقهم، أو بقتل بعضهم كقتل زكريا ويحيى، وعدوّا لجبريل وميكائيل بادعاء أن الأول يأتي بالنذر، فإن الله عدوّ له ومجازيه على ذلك، لأنه كافر به ومعاد له، وظالم لنفسه، وتلك العداوة كفر صريح. فقه الحياة أو الأحكام: تعددت اعتذارات اليهود عن الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن، فقالوا سابقا: إنهم مؤمنون بالتوراة، كافرون بغيرها، وقالوا: إنهم ناجون حتما في الآخرة، لأنهم شعب الله وأحباؤه، وقالوا هنا: إن جبريل أمين الوحي على محمد عدوهم، فلا يؤمنون بما جاء به. فأبطل الله تعالى مزاعمهم، وفند حججهم، وأظهر تناقضهم، وأبان لهم أن معاداة الله وملائكته ورسله سبب واضح قاطع لإنزال العقاب بهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا وعيد شديد، وتنديد بأن اليهود أعداء
كفرهم بالقرآن ونقضهم العهود [سورة البقرة (2) الآيات 99 إلى 101] :
الحق والرسالات الإلهية وأعداء القرآن وسائر الكتب السماوية، لأن معاداة أمين الوحي جبريل، ومعاداة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومعاداة الكتب السماوية، معاداة لكل الملائكة وسائر الأنبياء والكتب، إذ إن المقصد منها واحد، وهو هداية الناس، وإرشادهم إلى الخير، ولأن رسالة جميع الأنبياء واحدة، والغاية منها متحدة، فلا يصح التفريق بين الملائكة والرسل والكتب، وكلها من مصدر واحد، وتهدف خيرا مشتركا، وتدعو إلى توحيد الله، وعبادته، والالتزام بأصول الأخلاق والفضائل التي هي عنوان تقدم الفرد والجماعة. كفرهم بالقرآن ونقضهم العهود [سورة البقرة (2) : الآيات 99 الى 101] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) الإعراب: بَيِّناتٍ حال. أَوَكُلَّما.. الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والواو حرف عطف وكلما: نصب على الظرفية. كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ الكاف حرف تشبيه، لا موضع لها من الإعراب، وموضع الجملة رفع وصف لفريق.
البلاغة:
البلاغة: رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ التنكير للتفخيم، ووصف الرسول بأنه آت من عند الله لإفادة مزيد التعظيم وَراءَ ظُهُورِهِمْ مثل يضرب للإعراض عن الشيء، فهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية. المفردات اللغوية: وَلَقَدْ اللام لام القسم بَيِّناتٍ واضحات الْفاسِقُونَ المتمردون من الكفرة، قال الحسن البصري: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي، وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره. واللام في الْفاسِقُونَ للجنس، والأحسن- كما قال الزمخشري- أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب. عاهَدُوا عَهْداً على الإيمان بالنبي إن خرج، أو النبي ألا يعاونوا عليه المشركين. نَبَذَهُ طرحه، والمراد نقضه، وهو جواب كلما، وهو محل الاستفهام الإنكاري بَلْ للانتقال. وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ما فيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب الله. سبب نزول الآية (99) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن عبد الله بن صوريا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فأنزل الله في ذلك: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ. وسبب نزول الآية (100) : أن مالك بن الصيف حين بعث رسول الله، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد قال: والله ما عهد إلينا في محمد، ولا أخذ علينا ميثاقا، فأنزل الله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا.. الآية.
المناسبة:
المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ما جبل عليه اليهود من خبث النفس ونقض العهد، وتكذيب رسل الله، ومعاداة جبريل أمين الوحي عليه السلام، أعقب ذلك أن من عادة اليهود التكذيب بآيات الله، وعدم الوفاء بالعهود، وتكذيب الرسل، والإعراض عن القرآن. وفي ذلك تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم حيث عارضوا دعوته، وأعرضوا عن القرآن الكريم. التفسير والبيان: والله لقد أنزلنا إليك يا محمد دلائل واضحات تدل على صدق رسالتك، تقترن أصولها الاعتقادية ببراهينها، وأحكامها العملية بوجوه منافعها وغاياتها المصلحية، فلا تحتاج إلى دليل آخر يوضحها، فهي كالنور يظهر الأشياء، وهو ظاهر بنفسه، ولا يكفر بها إلا المتمردون على آياتها وأحكامها من الكفرة، الذين استحبوا العمى على الهدى، حسدا لمن ظهر الحق على يديه، وعنادا ومكابرة منهم. إنهم كفروا بالله، وكلما عاهدوا عهدا مع الله، أو مع رسول الله نقضه فريق منهم: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ [الأنفال 8/ 56] بل نقضه أكثرهم، ولم يوفوا به، فاليهود غادرون بمن ائتمنهم، خائنون الأمانة، ناقضون العهود أو العقود والمواثيق، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم، فنقضوه، وأكثرهم لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا، ولا يبالون به، ولن يؤمنوا أيضا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن، كأنهم لا يعلمون أن التوراة كتاب الله، لا يدخلهم فيه شك، يعني أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم. ولما جاءهم محمد صلّى الله عليه وسلّم بكتاب مصدق للتوراة في الأصول الدينية العامة،
فقه الحياة أو الأحكام:
كتوحيد الله وإثبات البعث، والتصديق بالرسل، ترك فريق من اليهود كتاب الله وراء ظهورهم- وهو تمثيل لتركهم وإعراضهم عنه، مثل أي شيء يرمى به وراء الظهر- استغناء عنه، وقلة التفات إليه، لأنهم لم ينفذوا بعض ما فيه، ولم يؤمنوا به إيمانا حقا كأنهم لا يعلمون أن من لم يؤمن بالقرآن الموافق للتوراة، لا يكون مؤمنا بكل منهما، وهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية. فقه الحياة أو الأحكام: هذا سجل من قبائح اليهود أوضحه الله تعالى وهو من أخبار الغيب، التي لا يعلمها إلا علام الغيوب، وقد رصد فيه عيوب أربعة وهي: 1- التكذيب بآيات الله وبيناته وأدلته الواضحة القاطعة على وجوده ووحدانيته وربوبيته ولزوم عبادته وإطاعة أوامره واجتناب نواهيه. 2- عدم الثقة بهم في أي شيء، لأنهم دأبوا على نقض العهود والغدر بالمعاهدين في كل زمان. 3- انقطاع الأمل وسد باب الرجاء في إيمان أكثرهم، لأن الضلال قد استحوذ عليهم. 4- لم ينبذ فريق منهم كتاب الله «التوراة» جملة وتفصيلا، بل نبذوا منه ما يبشر بالنبي صلّى الله عليه وسلّم ويبين صفاته وما يأمرهم بالإيمان به، فإن ما في كتابهم من البشارة بنبي يجيء من ولد إسماعيل لا ينطبق إلا على هذا النبي الكريم.
اشتغال اليهود بالسحر والشعوذة والطلاسم [سورة البقرة (2) الآيات 102 إلى 103] :
اشتغال اليهود بالسحر والشعوذة والطلاسم [سورة البقرة (2) : الآيات 102 الى 103] وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) الإعراب: اتَّبَعُوا معطوف على قوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ.. وتَتْلُوا أي تتبع بمعنى: تلت، فأقام المستقبل مقام الماضي. يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ إما حال من ضمير كَفَرُوا أي كفروا معلمين، أو حال من الشياطين، أو بدل من كَفَرُوا لأن تعليم السحر كفر في المعنى، أو خبر ثان للكن. وَما أُنْزِلَ.. ما: بمعنى الذي في موضع نصب بالعطف على السحر، أو في موضع نصب بالعطف على ما تَتْلُوا.. أو في موضع جر بالعطف على مُلْكِ سُلَيْمانَ. فَيَتَعَلَّمُونَ إما معطوف على يُعَلِّمانِ أو معطوف على فعل مقدر، وتقديره: يأتون فيتعلمون، أو معطوف على يُعَلِّمُونَ النَّاسَ أي يعلمونهم فيتعلمون، أو يكون مستأنفا، وهو الأوجه، والضمير لما دل عليه: من أحد. وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ أي ما هم السحرة بضارين بالسحر أحدا، ومن: زائدة. وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ اللام في لَمَنِ اشْتَراهُ لام الابتداء، ومِنْ بمعنى الذي في موضع رفع، لأنه مبتدأ، وخبره ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ واشتراه: صلته، ومِنْ زائدة لتأكيد
البلاغة:
النفي، وخَلاقٍ مبتدأ، ولَهُ فِي الْآخِرَةِ خبره، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو «من» ولام لَمَنِ علّقت عَلِمُوا أن تعمل فيما بعدها. ويجوز أن تكون «من» شرطية. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا أن هاهنا مصدرية، والتقدير: ولو وقع إيمانهم، ولَوْ حرف يمتنع له الشيء لامتناع غيره، وجوابه لَمَثُوبَةٌ و «مثوبة» مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة، لأنه تخصص بالصفة وهو مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فقرب من المعرفة، وخبره: خَيْرٌ. البلاغة: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ هذا جار على الأسلوب البلاغي: وهو أن العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به. لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عبر بالجملة الاسمية لإفادة الثبوت والاستقرار. المفردات اللغوية: ما تَتْلُوا أي تلت الشياطين على عهد ملك سليمان من السحر أي في زمان ملكه، والمراد بالشياطين: شياطين الإنس والجن وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي وما سحر، والسحر لغة: كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، وسحره: خدعه، والملكان: رجلان صاحبا هيبة ووقار يجلهما الناس ويحترمونهما. وبابل: بلد بالعراق في أرض الكوفة لها شهرة تاريخية قديمة فِتْنَةٌ اختبار وابتلاء اشْتَراهُ استبدل ما تتلو الشياطين خَلاقٍ نصيب وحظ شَرَوْا باعوا. المثوبة: المثوبة: الثواب. وكان أهل بابل قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها، وهم معطّلة لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم، وهم الذين بعث الله تعالى إليهم إبراهيم خليله صلوات الله عليه، فدعاهم إلى الله تعالى، وحاجهم بما بهرهم به وأقام عليهم به الحجة «1» . سبب نزول الآية (102) : قال محمد بن إسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان كان نبيا؟ والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ.
المناسبة:
وأخرج الطبري عن شهر بن حوشب قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، أفما كان ساحرا يركب الريح؟ فأنزل الله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن اليهود سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم زمانا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك، قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ. وقال الكلبي: إن الشياطين كتبوا السحر والنّيرنجيات (تصرفات تخيل وليست حقيقة، وهو أخذ كالسحر وليس به) على لسان آصف: هذا ما علّم آصف بن برخيا- كاتب نبي الله سليمان- الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان. ولما مات سليمان استخرجوه من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، فلما علم علماء بني إسرائيل قالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان. وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم: ففشت الملامة لسليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وأنزل الله عذر سليمان على لسانه، وأنزل براءته مما رمي به، فقال: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ. المناسبة: حين نبذ فريق من اليهود وهم أحبارهم وعلماؤهم التوراة، وأعرضوا عنها، لأنها تدل على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، اشتغلوا بصناعات وأعمال صادّة عن الأديان، من صنع شياطين الإنس والجن، وهي السحر والشعوذة والطلاسم التي نسبوها إلى سليمان، وزعموا أن ملكه كان قائما عليها. وهذه أباطيل منهم وسوسوا بها إلى بعض المسلمين، فصدقوهم فيما زعموا منها،
التفسير والبيان:
وكذبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر. وإنما قص القرآن علينا ذلك للذكرى، وليبين لنا ما افتراه أهل الأهواء على سليمان من أمر السحر، فكان شاغلا عن العمل بالدين وأحكامه لدى اليهود. وقد زعموا أن سليمان هو الذي جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه، ثم استخرجها الناس وتناقلوها. التفسير والبيان: نبذ اليهود كتاب الله، واتبع فريق من أحبارهم وعلمائهم الذين نبذوا التوراة، السحر والشعوذة في زمن ملك سليمان، لأن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، ويضمون إليه أكاذيب، ثم يلقنونها الكهنة، فيعلمونها الناس، ويقولون: إن هذا علم سليمان، وقام ملك سليمان بهذا. فرد الله عليهم بأن سليمان ما فعل ذلك، وما عمل سليمان بالسحر، ولكن الشياطين هم الذين كفروا باتباع السحر وتدوينه وتعليمه الناس على وجه الإضرار والإغواء، ونسبته إلى سليمان على وجه الكذب وجحد نبوته، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ببابل، وهما هاروت وماروت: وهما بشران صالحان قانتان، أطلق الناس عليهما ملكين من باب الشبه. وقرأ الحسن البصري: الملكين- بكسر اللام تشبيها بالملوك في الخلق وسماع الكلمة. وكان هذان الملكان يعلمان الناس السحر الذي كثرت فنونه الغريبة في عصرهم، ليتمكنوا من التمييز بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدّعون النبوة من السحرة كذبا إنما هم سحرة، لا أنبياء. وقد كان تعلمهما السحر بالإلهام دون معلم، وهو المقصود بالإنزال، والذي أنزل عليهما كان من جنس السحر، لا عينه. ولكن هذين الملكين اتبعا في تعليم السحر سبيل الإنذار والتحذير، فلا يعلمان أحدا من الناس، حتى يقولا له: إنما نحن ابتلاء واختبار من الله عز
وجل، فلا تعمل بالسحر ولا تعتقد تأثيره، وإلا كنت كافرا، أما إذا تعلمته لتعلمه فقط دون اعتقاد بحقيقته ولا تأثير له ولا عمل به، فلا ضرر، وكانا يقولان ذلك حفاظا على حسن اعتقاد الناس فيهما. فتعلم الناس من الملكين ما يفرّق به بين المرء وزوجه، أو ما هو تمويه من حيلة أو نفث في العقد أو تأثير نفس وغير ذلك من وسائل التفريق غالبا. والمعنى في عطف وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على قوله يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ أن اليهود اتخذوا السحر من الملكين لا على الوجه المراد من توقي الناس وتحذيرهم، وقد ألهما فنون السحر ليعلّما الناس حيل السحرة وخدعهم. والسحر في الحقيقة لا يؤثر بطبعه ولا بقوة ذاتية فيه، فلا يحدث الضرر منه إلا بأمر الله وإرادته، فهو مجرد سبب ظاهري فقط، وإذا أصيب إنسان بضرر بعمل من أعمال السحرة، فإنما ذلك بإذن الله تعالى، وما السحر حينئذ إلا وسيلة أو سبب قد يرتبط المسبب أو النتيجة به، إذا شاء الله، فهو الذي يوجد المسببات حين حصول الأسباب، قال الحسن البصري: من شاء الله منعه، فلا يضره السحر، ومن شاء خلى بينه وبينه فضره. ومن تعلم السحر وعمل به فإنه يتعلم ما يضره ولا ينفعه، لأنه كان سببا في إضرار الناس ولأنه قصد الشر، فيكرهه الناس لإيذائه، ويعاقبه الله في الآخرة لإضراره غيره، وإفساده المصالح، وكل عامل يجزى بما عمل. وتا لله لقد علم اليهود بأن من ترك كتاب الله وأهمل أصول الدين وأحكام الشريعة التي تسعد في الدارين، واستبدل به كتب السحر، ما له في الآخرة إلا العذاب الأليم، لأنه قد خالف حكم التوراة التي حظرت تعلم السحر، وجعلت عقوبة من اتبع الجن والشياطين والكهان كعقوبة عابد الأوثان.
فقه الحياة أو الأحكام:
ولبئس ما باعوا به أنفسهم باتخاذ السحر محل التوراة، فهم جهلة لا يعلمون حرمة السحر علم اعتقاد وامتثال، لأنهم لم يعملوا بالعلم الصحيح، وإنما اكتفوا بعلم مبهم لا أثر له في النفس. ولو أنهم أي اليهود آمنوا الإيمان الحق بالتوراة، وفيها البشارة بنبي آخر الزمان، وآمنوا بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وبالقرآن، وتركوا كتب السحر والشعوذة، واتقوا الله بالمحافظة على أوامره واجتناب نواهيه، لاستحقوا الثواب العظيم من عند الله، جزاء على أعمالهم الصالحة، وهو خير لهم لو كانوا يعلمون العلم الصحيح، ولكنهم في الواقع لم يكونوا على علم حقيقي وإنما على ظن وتقليد، إذ لو كانوا على علم، لظهرت نتائجه في أعمالهم، ولآمنوا بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم واتبعوه وصاروا من المفلحين، ولما خالفوا كتاب الله، واتبعوا أهواءهم. فهم حين لم يعملوا بعلمهم الأصيل، جعلوا كأنهم غير عالمين. فقه الحياة أو الأحكام: السحر: أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد، فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة بسرعة يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وجاء ذكر السحر في القرآن في مواضع كثيرة، ولا سيما في قصص موسى وفرعون، ووصفه بأنه خداع وتخييل للأعين حتى ترى ما ليس بكائن كائنا، كما قال تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه 20/ 66] وقال: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف 7/ 116] . وروى مالك وأبو داود عن بريدة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن
من البيان لسحرا، وإن من العلم جهلا «1» ، وإن من الشعر حكما، وإن من القول عيالا» أما قوله: «إن من البيان لسحرا» فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق. وهذا مذموم. وهو المراد بالحديث في الأصح، أما السحر الحلال الذي أقره النبي صلّى الله عليه وسلّم: فهو أن ينبئ شخص عن حق فيوضحه، ويجليه بحسن بيانه، بعد أن كان خفيا. والسحر: إما حيلة بخفة يد، وشعوذة، وإما صناعة وعلم خفي يعرفه بعض الناس. وهل للسحر حقيقة أم لا؟ اختلف الناس في ذلك «2» . فرأى جمهور العلماء: أن للسحر حقيقة، يخلق الله عنده ما شاء، وأنه تقتدر به النفوس البشرية على التأثير في عالم العناصر، إما بغير معين، أو بمعين من الأمور كالكواكب السماوية، ويرون أن النفوس الساحرة ثلاث مراتب: الأولى- المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين. والثانية- بمعين من مزاج الأفلاك (أي طبيعتها) ، أو العناصر (الماء والهواء والتراب والنار) ، أو خواص الأعداد، أي حساب الجمّل، فلكل حرف من الأحرف الهجائية رقم حسابي معين. والثالثة- تأثير في القوى المتخيلة: بأن يعمد الشخص إلى القوة المتخيلة،
فيلقي فيها أنواعا من الخيالات والصور، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين، بقوة نفسه المؤثرة، فينظر الراءون كأن شيئا موجودا في الواقع، وليس هناك شيء من ذلك. وتنال هذه المراتب بالرياضة، والتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة، فهي لذلك وجهة وسجود لغير الله، والوجهة لغير الله كفر، فلهذا كان السحر كفرا. ويرى المعتزلة، وبعض أهل السنة «1» : أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو خداع وتمويه وتخيل. والسحر بهذا المعنى أنواع: أ- كثير من التخيلات التي مظهرها على خلاف حقائقها، كما يفعل بعض المشعوذين، من أنه يريك أنه ذبح عصفورا، ثم يريكه وقد طار بعد ذبحه، لخفة حركته، إذ إن معه اثنين أحدهما المذبوح الذي خبأه، والآخر الذي أظهره. وكان سحر سحرة فرعون من هذا النوع، فقد روى المؤرخون أن سحرة فرعون استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين حتى خيل إلى الناس أنها تسعى، كما قال تعالى: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه 20/ 66] من طريق تحمية الزئبق بالنار الموضوعة في أسراب، وتمدده بفعل الحرارة. ب- ما يدعونه من حديث الجن والشياطين بالمواطأة مع قوم أعدوهم لذلك، وإطاعتها بالرقى والعزائم. وهذا كان فعل الكهان من العرب في
حكم السحر:
الجاهلية، كانوا يوكلون أناسا بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، فيعتقدون فيهم أن الشياطين تخبرهم بالمغيبات. ج- السعي بالنميمة والوشاية والإفساد، من وجوه خفية لطيفة، يتم فيها تحريض الناس على بعضهم بعضا «1» . وقد وفق ابن خالدون بين الرأيين: فمن قال: إن للسحر حقيقة نظر إلى المرتبتين الأوليين، ومن قال بأنه لا حقيقة له، نظر إلى المرتبة الثالثة. حكم السحر: ليس تعلم السحر محظورا، وإنما الذي يحظر ويمنع هو العمل به، قيل لعمر بن الخطاب: فلان لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه. نقل ابن كثير عن أبي عبد الله الرازي المعتزلي أنه قال: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور «2» . ومن السحر: ما يكون كفرا من فاعله، مثل ما يدّعون من تغيير صور الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق، فذلك كفر منه، ويقتل هذا الساحر، لأنه كافر بالأنبياء، يدّعي مثل آياتهم ومعجزاتهم. وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات، فلا يقتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدا، فيقتل به. ولا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات، مما ليس في مقدور البشر، من مرض وتفريق وزوال عقل، وتعويج عضو، إلى غير ذلك، مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد.
الفرق بين معجزات الأنبياء عليهم السلام وبين السحر:
وأجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماوات وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل المنزلة عليهم، فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. الفرق بين معجزات الأنبياء عليهم السلام وبين السحر: لا يصح لمؤمن أن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بأفعال السحرة، لقوله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [طه 20/ 69] . وهناك فرق واضح بين المعجزة والسحر القائم على وجوه التخييلات: وهو أن معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها. ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها، لظهر عجزهم عنها. أما مخاريق السحرة وتخييلاتهم فهي نوع من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، فما يظهر منها ليس على الحقيقة، ويعرف ذلك بالتأمل والبحث. ومن شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره، ويأتي بمثل ما قام به «1» . والسحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه، ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكّن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها «2» . وخلاصة القول: إن الساحر لا قدرة له على شيء من الأمور الخارقة، وإن
السحر يعتمد في الغالب على الخداع والتخييلات والتمويهات، وإن السحرة نصابون يسلبون أموال الناس، وهم في فقر دائم، ولو كانوا قادرين على ما يدعونه لأغنوا أنفسهم، وحققوا الأمجاد بإزالة الممالك، واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان، والاستغناء عن طلب ما في أيدي الناس، كما قال أبو بكر الجصاص الرازي «1» . يتبين مما ذكر ما يأتي: 1- السحر في اللغة: كل ما لطف مأخذه وخفي. 2- السحر كما وصفه القرآن تخيل يخدع الأعين، فيريها ما ليس كائنا أنه كائن. 3- السحر إما حيلة وشعوذة أو صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس، ومنه تأثير الأرواح والتنويم المغناطيسي. 4- حكاية القرآن: يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ليس دليلا على أن السحر يفعل هذا، وإنما هي حكاية لما كان معروفا عندهم. 5- السحر لا يؤثر بطبعه ولا أثر له في نفسه، وإنما هو سبب، وما يترتب عنه من أضرار من قبيل ربط المسببات بالأسباب، كما نصت الآية: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة 2/ 102] . 6- دلت الآية على أن عمل السحر كفر وهو قول مالك وأبي حنيفة، لقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أي من السحر، وقوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي بعمل السحر، وقوله: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا أي به وبتعليمه، وقوله عن هاروت وماروت: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ.
ورأى الشافعي أن السحر معصية: إن قتل بها قتل، وإن أضرّ بها أدّب على قدر الضرر. والرأي الأول أصح، لأن السحر كلام يعظم به غير الله تعالى، مثل سحر أهل بابل الذي كان تعظيما للكواكب، وهو رأي عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى الأشعري وقيس بن سعد وسبعة من التابعين. لكن تكفير السحرة محصور بمن يعظم الكواكب، ويسند الحوادث إليها، أو يزعم أنه يقدر على خوارق العادات، لأنه يدعي أنه يقدر على مثل معجزات الأنبياء. أما الإفساد بالنميمة أو خفة اليد، دون ادعاء ما ذكر، فلا يكون كفرا، ولا يعد فاعله كافرا. 7- عقوبة الساحر: للعلماء رأيان في قتل الساحر، قال الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد) : يقتل الساحر، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «حدّ الساحر ضربه بالسيف» «1» وإذا عمل المسلم السحر، كان مرتدا، فيقتل لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من بدّل دينه فاقتلوه» . ويقتل الساحر ولا تقبل توبته في رأي أبي حنيفة، سواء أكان مسلما أم ذميا، لأن الساحر جمع إلى كفره السعي في الأرض بالفساد، فأشبه المحارب (قاطع الطريق) . ولا يقتل الساحر الذمي في رأي مالك إلا أن يقتل بسحره، ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه «2» . 7- أجاز سعيد بن المسيب والمزني أن يطلب من الساحر حل السحر عن المسحور، قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبّه: أن يأخذ سبع ورقات من
سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. 8- تساءل ابن العربي بمناسبة وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ فقال: كيف أنزل الله تعالى الباطل والكفر؟ ثم قال: كل خير أو شر أو طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر منزّل من عند الله تعالى، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ ماذا أنزل الله تعالى من الفتن؟ أيقظوا أصحاب الحجر، ربّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة «1» . 9- هل هاروت وماروت ملكان؟ اختلف العلماء، فقال جماعة: هما ملكان بعثهما الله يبينان للناس بطلان ما يدعون حقيقته، ويكشفان لهم عن وجوه الحيل التي يخدعون بها الناس، وينهيانهم عن العمل بها، يقولان: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فكانا يعلمانهم للتحرز لا للعمل، لأن الملائكة أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم 66/ 6] ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء 21/ 26- 27] ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء 20/ 20] . قال الزمخشري: والذي أنزل على الملكين هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به، كان كافرا، ومن تجنبه أو تعلمه، لا ليعمل به، ولكن ليتوقاه ولئلا يغتربه، كان مؤمنا: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وروي عن الحسن البصري: أنه كان يقرأ: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر
أدب الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ومصدر الاختصاص بالرسالة [سورة البقرة (2) الآيات 104 إلى 105] :
اللام، ويقول: كانا علجين «1» أقلفين (غير مختونين) ملكين ببابل، يأمران بالسحر ويتمسكان به. أدب الخطاب مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ومصدر الاختصاص بالرسالة [سورة البقرة (2) : الآيات 104 الى 105] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) الإعراب: راعِنا جملة فعلية في موضع نصب ب تَقُولُوا ومن قرأ «راعنا» بالتنوين، نصبه ب تَقُولُوا على المصدر، أي لا تقولوا رعونة. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من للبيان مِنْ خَيْرٍ من زائدة، والتقدير: خير من ربكم. البلاغة: مِنْ رَبِّكُمْ الإضافة للتشريف، وفيها تذكير للعباد بتربيته لهم. ومن لابتداء الغاية. وَاللَّهُ يَخْتَصُّ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ التصدير في الجملتين بلفظ الجلالة، للإيذان بفخامة الأمر. المفردات اللغوية: راعِنا أمر من المراعاة، أي راعنا سمعك أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه أو انظر في مصالحنا وتدبير أمورنا، وكان يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سب من الرعونة وهي الجهل
سبب نزول الآية (104) :
والحمق، فسّروا بذلك، وخاطبوا بها النبي، فنهي المؤمنون عنها. وأمروا أن يقولوا بدلها: انْظُرْنا أي انظر إلينا، أو انتظرنا وتأنّ علينا وأمهلنا أَلِيمٌ مؤلم وهو النار. سبب نزول الآية (104) : قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعهم اليهود يقولونها للنبي صلّى الله عليه وسلّم أعجبهم ذلك، وكان «راعنا» في كلام اليهود سبا قبيحا، فقالوا: إنا كنا نسب محمدا سرا، فالآن أعلنوا السب لمحمد، فإنه من كلامه، فكانوا يأتون نبي الله صلّى الله عليه وسلّم فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن معاذ، وكان عارفا بلغة اليهود، وقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنّ عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا: راعِنا الآية «1» . سبب نزول الآية (105) : قال المفسرون: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه، ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم. التفسير والبيان: خاطب الله المؤمنين في هذه الآية في شأن مشترك بينهم وبين اليهود، موجها لهم إلى ما هو الأمثل في اختيار اللفظ الذي يبدأ به الكلام مع النبي صلّى الله عليه وسلّم،
فكانوا يقولون إذا ألقى عليهم شيئا من العلم: راعنا سمعك، أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه، ونراجعك القول لنفهم عنك. وكانت الكلمة راعِنا عند اليهود كلمة سب قبيح من الرعونة، فكانوا يخاطبون بها النبي قاصدين معنى السب والشتم، وأصلها في العبرية «راعينوا» أي شرير، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، وأمرهم بكلمة تماثلها في المعنى، وتختلف في اللفظ، وهي انْظُرْنا التي تفيد معنى الإنظار والإمهال، كما تفيد معنى المراقبة التي تستفاد من النظر بالعين. وإجمال المعنى: أقبل علينا وانظر إلينا. واسمعوا أيها المؤمنون القرآن سماع قبول وتدبر وإمعان، وللكافرين ومنهم اليهود عذاب مؤلم شديد، وفيه إشارة إلى أن ما صدر منهم من سوء أدب في خطاب النبي صلّى الله عليه وسلّم كفر، لأن من يصف النبي بأنه شرير، فقد أنكر نبوته. فهذا أدب للمؤمنين، وتشنيع على اليهود. وأنتم أيها المؤمنون الذين عرفتم شأن اليهود مع أنبيائهم كونوا على حذر، فما يود أهل الكتاب ومشركو العرب أن ينزل عليكم خير من ربكم كالقرآن والرسالة، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، وبه جمع الله شملكم ووحد صفوفكم، وطهر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وهم يودون نزول الشر بكم وانتهاء أمركم وزوال دينكم. وحسد الحاسد لا يمنع نعم الله، والله العليم القدير الحكيم يختص بالنبوة والرحمة والخير من يشاء من عباده: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام 6/ 124] ويعلم من يؤدي واجبه بشأنها خير أداء، فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا على خير أصابه، وفضل أوتيه من عند ربه، فالله وحده صاحب الفضل العظيم.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: هاتان الآيتان تذكران شيئا من جهالات اليهود وقبائحهم، كما سبق، والمقصود نهي المسلمين عن مثل أفعال اليهود، وترسيخ عقيدتهم بأن مصدر الخير والرحمة واختيار من هو أهل للنبوة والرسالة هو الله تعالى، فلا يصح لأحد أن يحسد أحدا على ما آتاه الله من فضله، وبدئت الآية الأولى بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، من ثمانية وثمانين موضعا من القرآن ذكر فيها هذا الخطاب الدال على إقبال الله على المؤمنين، وتذكيرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بأتم طاعة وأحسن امتثال. وموضوع هذا الأدب الجميل: هو أن يتجنب المؤمن في مخاطبة النبي صلّى الله عليه وسلّم ما قد يوهم الانتقاص أو الاستهزاء، ومنعا من استغلال الأعداء استعمال لفظة أو غيرها، وقد كان اليهود يعنون بكلمة راعِنا السب والشتم، ويخاطبون بها النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويضحكون فيما بينهم، فقال لهم سعد بن معاذ، وكان يعرف لغتهم: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله، لأضربنّ عنقه. وفي تعبير وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ إيماء إلى أن ما صدر من اليهود من سوء الأدب في خطابه صلّى الله عليه وسلّم كفر لا شك فيه، لأن من يصف النبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه «شرير» فقد أنكر نبوته، ومن فعل ذلك فقد كفر. ففي هذه الآية (104) دليلان: أحدهما- على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض من قدر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو يؤكد مذهب المالكية- وفي رواية عن أحمد- القائلين بوجوب حد القذف حال التعريض بالقذف، وخالفهم الحنفية والشافعية، وأحمد
إثبات نسخ الأحكام الشرعية [سورة البقرة (2) الآيات 106 إلى 108] :
في ظاهر الرواية عنه حين قالوا: التعريض محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. الثاني- التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب الإمامين مالك وأحمد، والذريعة: عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه، يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع، أي أن كل وسيلة مباحة أدت إلى محظور أو ممنوع فهي حرام، وكل وسيلة أدت إلى مطلوب شرعا فهي مطلوبة، أي أن وسيلة الحرام حرام، ووسيلة الواجب واجبة، ووسيلة المباح مباحة. وقوله تعالى: لا تَقُولُوا: راعِنا نهي يقتضي التحريم، سدا للذرائع، حتى لا يتخذ اللفظ المحتمل ذريعة لشيء قبيح. وقوله سبحانه: وَقُولُوا: انْظُرْنا أمر للمؤمنين أن يخاطبوه صلّى الله عليه وسلّم بالإجلال. وقوله عز وجل: وَاسْمَعُوا يفيد وجوب السماع لما أمر به ونهى جل وعز. ودل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ على سد باب الحسد، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ أي بنبوته، خص بها محمدا صلّى الله عليه وسلّم. وقيل: الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا. ورحمة الله لعباده: إنعامه عليهم وعفوه عنهم. إثبات نسخ الأحكام الشرعية [سورة البقرة (2) : الآيات 106 الى 108] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108)
الإعراب:
الإعراب: ما نَنْسَخْ ما شرطية في موضع نصب بفعل «ننسخ» و «ننسخ» مجزوم بها. ونُنْسِها حذف منه المفعول الأول، وتقديره «ننسكها» أي نأمر بتركها، وهو مجزوم بالعطف على «ننسخ» المجزوم بما الشرطية، وجواب الشرط: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي بالإضافة إلى مصالح العباد إليها في نفسها. كَما سُئِلَ الكاف في موضع نصب، لأنها صفة لمصدر محذوف، أي: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى. و «ما» في «كما» مع الفعل بعدها في تقدير المصدر، أي: كسؤال موسى، والمصدر مضاف إلى المفعول. البلاغة: أَلَمْ تَعْلَمْ الاستفهام للتقرير، والخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والمراد: أمته، بدليل قوله تعالى: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ. أما إظهار لفظ الجلالة بدل الضمير في قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ ومِنْ دُونِ اللَّهِ فهو لتكوين المهابة في النفوس. ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ من إضافة الصفة للموصوف، أي الطريق السوي، وفيه تشنيع على من ظهر له الحق، فعدل عنه إلى الباطل. المفردات اللغوية: ما نَنْسَخْ النسخ في اللغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وفي الاصطلاح الشرعي: رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه. والإنساء: إذهاب الآية من ذاكرة النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد تبليغه إياها، فمعنى نُنْسِها نبح لكم تركها، من نسي: إذا ترك، ثم تعدّى بالألف. نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر. أَوْ مِثْلِها في التكليف والثواب. عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه النسخ والتبديل. وَلِيٍّ الولي: القريب والصديق. والنصير: المعين، والفارق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيا عمن ينصره. تَسْئَلُوا السؤال: الاقتراح المقصود به التعنت. يَتَبَدَّلِ بدل وتبدل واستبدل: جعل شيئا موضع آخر. ضَلَّ عدل وجار وأخطأ الطريق الحق. سَواءَ السَّبِيلِ السواء من كل شيء في الأصل: الوسط. ومنه قوله تعالى: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات 37/ 55] والسبيل: الطريق.
سبب نزول الآية (106) :
سبب نزول الآية (106) : قال المفسرون: إن المشركين قالوا: أترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما في هذا القرآن إلا كلام محمد، يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا، مثل تغيير حد الزاني بالتعيير باللسان: فَآذُوهُما والزانية بالإمساك في البيوت: فَأَمْسِكُوهُنَّ ... إلى الجلد، فأنزل الله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ الآية [النحل 16/ 101] وأنزل أيضا: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها [البقرة 2/ 106] . سبب نزول الآية (107) : قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي كعب ورهط من قريش، قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبا، ووسع لنا أرض مكة، وفجّر الأنهار خلالها تفجيرا نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال المفسرون: إن اليهود وغيرهم من المشركين تمنوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمن قائل يقول: يأتينا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة، ومن قائل يقول: وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي: ائتني بكتاب من السماء، فيه من رب العالمين: إلى ابن أبي أمية، اعلم أني قد أرسلت محمدا إلى الناس، ومن قائل يقول: لن نؤمن لك، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: رافع بن حزيمة ووهب بن زيد لرسول الله: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء، نقرؤه، أو فجّر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ إلى قوله: سَواءَ السَّبِيلِ.
سبب نزول الآية (108) وما بعدها:
سبب نزول الآية (108) وما بعدها: كان حييّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود، حسدا للعرب، إذ خصّهم الله برسوله، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الآية (109) . وأخرج ابن جرير الطبري عن مجاهد قال: سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، قال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل، إن كفرتم، فأبوا ورجعوا، فأنزل الله: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ الآية. التفسير والبيان: نزل القرآن منجما مفرقا على وفق المناسبات والحوادث والوقائع، أخذا بمبدإ تربوي ناجح ألا وهو التدرج في التشريع لإصلاح المجتمع العربي الجاهلي تدريجيا، ومراعاة للمصالح، وتمكينا من التخلص من العادات والتقاليد الموروثة شيئا فشيئا، وإعدادا للحكم الشرعي المستقر، بتقبل النفوس له وتربيتها على وفق الغاية الشرعية بنحو بطيء، واقتناع عقلي ذاتي بأفق التشريع ومراميه البعيدة، فإذا توافرت المصلحة العامة للأمة بقي الحكم، وإن لم تتوافر عدّل أو بدل ونسخ. والنسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر يكون إما بنسخ لفظ الآية ومعناها، أو أحدهما، أو بانتهاء الحكم المستفاد منها مع بقاء نصها. كل ذلك بحسب المصلحة أو الحاجة، كالطبيب الذي ينوّع الأدوية والأغذية باختلاف الأزمنة والأمزجة والأحوال الصحية، والأنبياء صلوات الله عليهم هم أطباء الأمة، ومصلحو النفوس، يوحى إليهم بتبديل الحكم الشرعي لمراعاة الأحوال الحاضرة أو المستقبلية، فما قد يصلح علاجا في الماضي قد لا يصلح في المستقبل. وذلك كله يدل على مرونة الإسلام.
وليس النسخ لظهور أو بداء المصالح الجديدة المقتضية لتغيير الحكم، فالله سبحانه الناسخ يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، وهو يتدرج في معالجة الأوضاع تبعا للظروف والأحوال، منعا من المفاجأة وأحكام الطفرة، كالتدرج في تحريم الخمر أو الربا الذي مرّ بمراحل أربع، والتدرج في تقرير أحكام الجهاد من سلم مطلق إلى إعداد النفوس، إلى فرضية القتال بحسب الضعف، ثم بحسب القوة وكثرة العدد. ومعنى الآية: ما نغير حكم آية، أو نجعلك تنساها فلا تذكرها، أو نامر بتركها أو نؤجلها، إلا أتينا بما هو خير منها للعباد بكثرة الثواب إن كان الناسخ أثقل أو تحقيق المصلحة إن كان الناسخ أخف، أو مثلها على الأقل في التكليف والثواب. قال الفخر الرازي: وقد جاء النسيان بمعنى الترك في قوله تعالى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه 20/ 115] أي فترك، وقال تعالى: الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية 45/ 34] ، وقال تعالى: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا، فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه 20/ 126] . ونسخ الحكم قد يكون ببدل أخف وأيسر، كنسخ عدة المتوفى عنها زوجها من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، أو ببدل مساو كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة عند الصلاة، أو بأشق منه وثوابه أكثر كنسخ ترك القتال بإيجابه على المسلمين، ونسخ حبس الزناة في البيوت إلى الجلد، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان لأنه كما في الحديث الثبت: «أفضل الأعمال أحمزها» أي أشقها، وقد تكون الخيرية بإسقاط التكليف لا إلى بدل في رأي جمهور الأصوليين، مثل نسخ وجوب تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان، بقوله سبحانه: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة 2/ 187] ، ونسخ وجوب الإمساك بعد النوم في ليالي
وقوع النسخ:
رمضان، ونسخ قيام الليل في حقه صلّى الله عليه وسلّم. أليس الله على كل شيء قدير؟ فالله القادر على كل شيء لا يصعب عليه نسخ الأحكام. وأليس الله ملك السموات والأرض؟ فهو يملك كل ما في الكون أرضه وسمائه، ويتصرف بحسب إرادته ومشيئته، ويدبر الأمور حسبما يرى من المصلحة، فله أن ينسخ ما شاء من الأحكام. وليس لكم ولي سواه يتولى أموركم، ولا ناصر ولا معين ينصركم ويعينكم غير الله وحده. وفي هذا نصح للمسلمين أن يعملوا بما يأمرهم به رسولهم، وينتهوا عما نهاهم عنه. ثم أتبع التحذير بالوعيد لمن يطلب المعجزات تعنتا وعنادا، فمن يترك الثقة بالآيات المنزلة بحسب المصالح، ويطلب غيرها معاندة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، كما طلبت اليهود من موسى عليه السّلام أن يريهم الله جهرة، فقد اختار الكفر على الإيمان، وضلّ عن الحق، وترك السبيل السوي كما قال تعالى: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ، فَأَنَّى تُصْرَفُونَ؟ [يونس 10/ 32] . ومعنى قوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعمّ المؤمنين والكافرين، فإنه عليه السلام رسول الله إلى الجميع. وقوع النسخ: النسخ جائز عقلا بإجماع أهل الشرائع ما عدا اليهود والنصارى، وواقع شرعا بإجماع المسلمين، ما عدا أبا مسلم الأصفهاني. ودليل الجواز العقلي: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال، وهو معنى الجواز، لأن أحكام الله تعالى إن لم يراع في شرعيتها مصالح العباد، فذلك تابع
لمشيئة الله، والنسخ فعل لله، والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فقد يأمر بالفعل في وقت، وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان، ونهى عنه في يوم العيد. أما لو راعينا في أحكام الله مصالح العباد، وأن التشريع قائم على أساس المصالح، كما تقول المعتزلة، فالمصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، فما قد يكون مصلحة لشخص أو في زمن، قد لا يكون مصلحة لشخص آخر أو في زمن آخر، وما دامت المصالح تتغير، والأحكام يراعى في تشريعها مصالح الناس، فإن النسخ أمر ممكن غير محال، ويكون جائزا عقلا. وأدلة وقوع النسخ فعلا كثيرة. منها: إجماع الصحابة والسلف على أن شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم ناسخة لجميع الشرائع السابقة، أي في غير أصول العقيدة والأخلاق، مثل تحريم الشحوم، وكل ذي ظفر على اليهود بسبب ظلمهم، وأكلهم أموال الناس بالباطل بالربا وغيره. ومنها: الإجماع على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس، باستقبال الكعبة، وعلى نسخ الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلّى الله عليه وسلّم بالعفو عنه. أما أبو مسلم الأصفهاني من علماء التفسير المتوفى سنة 322 هـ، فإنه أجاز النسخ مطلقا بين الشرائع، كما هو المشهور عنه، ولكنه منع وقوعه في الشريعة الواحدة، مستدلا بقول الله تعالى في صفة القرآن: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت 41/ 42] فلو وقع النسخ في القرآن، لأتاه الباطل. وأجيب بأن النسخ إبطال، لا باطل، لأن النسخ حقّ وصدق، والباطل ضدّ الحقّ، كل ما في الأمر أن يصبح حكم المنسوخ غير معمول
أنواع النسخ:
به، فلا دلالة في الآية على مطلوب الأصفهاني. ثم إن كل آية قيل فيها: إنها منسوخة، فإنه يؤولها تأويلا إما بالتخصيص، أو بانتهاء أمد الحكم الشرعي، أو بالتقييد ببعض الأحوال، أو الأشخاص، ونحو ذلك، كما فعل في آيات العدة وآيات القتال وغيرها الآتية. أنواع النسخ: للنسخ أحوال تسع أهمها ثلاث: 1- نسخ التلاوة والحكم معا: مثل نسخ صحف إبراهيم وموسى والرسل السابقين، ومثل نسخ عدد الرضعات من عشر إلى خمس، قالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم وغيره: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهن فيما يتلى من القرآن» والقسم الأول منسوخ الحكم والتلاوة، والقسم الثاني وهو الخمس منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية. 2- نسخ التلاوة دون الحكم: مثل قول عمر رضي الله عنه: «كان فيما أنزل: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة، نكالا من الله ورسوله» ثبت في الصحيح: أن هذا كان قرآنا يتلى، ثم نسخ لفظه، وبقي حكمه. وأضاف الحنفية أمثلة أخرى من القراءات الشاذة، مثل قراءة ابن مسعود في صوم كفارة اليمين: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وقراءة ابن عباس: «فأفطر فعدّة من أيام أخر» وقراءة سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت لأم، فلكل واحد منهما السدس» . 3- نسخ الحكم دون التلاوة: وهو كثير، مثل نسخ حكم آية الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ آية الاعتداد بحول كامل، ونسخ آية الحبس للمرأة في
البيوت، وإيذاء الرجل باللسان في حدّ الزنا، ونسخ آية تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم. ويجوز بالاتفاق نسخ نص القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، وخبر الآحاد بمثله وبالمتواتر. ويجوز عند الأكثرين نسخ المتواتر بالآحاد أي نسخ القرآن بغير القرآن، والمتواتر بغير المتواتر، ونفى الشافعي وقوعه وقال: لا ينسخ القرآن بالسنة، ولا السنة بالقرآن، واستدل بقوله تعالى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها دلت الآية على أن الآتي بالبدل هو الله سبحانه، وهو القرآن، فكان الناسخ للقرآن هو القرآن، لا السنة، وأيضا فإن الله جعل البدل خيرا من المنسوخ أو مثلا له، والسنة ليست خيرا من الكتاب ولا مثلا له، فلا تكون ناسخة له. ثم إن الآية ذيلت ببيان اختصاص ذلك التبديل بمن له القدرة الكاملة، وهو الله تعالى، فكان النسخ من جهته فقط، وهو القرآن، لا السنة. ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [النحل 16/ 101] حيث أسند التبديل إلى نفسه، وجعله في الآيات. وأجيب بأن السنة من عند الله كالقرآن، لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم 53/ 3- 4] إلا أن القرآن معجز ومتعبد بتلاوته، والسنة ليست كذلك. والمراد بالخيرية والمثلية هو في الأحكام بحسب مصلحة الناس، لا في اللفظ، فيكون الحكم الناسخ خيرا من الحكم المنسوخ لاشتماله على تحقيق مصالح العباد، وقد تأتي السنة بما هو أنفع للمكلف، مما يدل على أن هذه الآية ليست دالة على أن القرآن لا ينسخ بالسنة. وقد وقع نسخ القرآن بالسنة في آية الوصية بالحديث المتواتر: «لا وصية لوارث» .
المراد بالآية في قوله تعالى ما ننسخ من آية:
وقال الشافعي أيضا: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، ويتطلب كون الناسخ سنة أيضا، لأن الله تعالى في قوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل 16/ 44] جعل السنة بيانا، فلو نسخت قرآنا، خرجت عن كونها بيانا، وذلك غير جائز. وأجيب: بأن المراد بالبيان هو التبليغ، سواء بالقرآن وغيره. المراد بالآية في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ: ذهب الإمام محمد عبده إلى أن الآية لا يراد منها الآية القرآنية، بل المراد المعجزات الدالة على صدق الرسل، حيث يبدل الله معجزة الرسول السابق بالمعجزة التي يأتي بها الرسول الذي بعده، استدلالا بقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأجيب بأن هذه الآية جاءت للتمهيد في تحويل القبلة، ونسخ التوجه إليها بالتوجه إلى الكعبة، فهي في نسخ الأحكام المقررة بالآيات. والمراد بالآية إذا أطلقت: القطعة من السورة المتضمنة أمرا أو نهيا أو غير ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: أجمع السلف على وقوع النسخ في الشريعة، ودلت وقائع ثابتة على وقوعه، بغض النظر عن التعسف في تأويل الآيات المنسوخة، وليس النسخ جهلا بالحكم الأخير، أو من باب البداء، بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم، لنوع من المصلحة التشريعية الملائمة لحاجات الناس، إظهارا لحكمة الله، وكمال ملكه، ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية، وإنما كان يلزم البداء (الظهور بعد الخفاء أو ظهور مصلحة لم تكن ظاهرة للمشرع) لو لم يكن عالما بمآل الأمور، وأما العالم بذلك، فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعي أحوال العليل، فراعى
ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو، فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغير، فإن ذلك محال على الله تعالى. وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا، والفرق بين النسخ والبداء: أن النسخ تحويل العبادة من شيء قد كان حلالا فيحرّم، أو كان حراما فيحلّل. وأما البداء: فهو ترك ما عزم عليه، وهذا يلحق البشر لنقصانهم. والناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، والنسخ: إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخ عنه. والمنسوخ: هو الحكم الثابت نفسه، لا مثله، كما تقول المعتزلة: بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل. وقادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الحسن صفة ذاتية للحسن لا تفارقه، ومراد الله حسن. والفرق بين التخصيص والنسخ أن الأول قصر للحكم على بعض الأفراد، والثاني قصر له على بعض الأزمان. وجمهور العلماء على أن النسخ يختص بالأوامر والنواهي، وأما الأخبار فلا يدخلها النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق، ثم تقيد في موضع آخر، فيرتفع ذلك الإطلاق، فليس هو من قبيل نسخ الأخبار، وإنما هو من باب الإطلاق والتقييد، مثل قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [البقرة 2/ 186] ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال، لكنه قيّد في موضع آخر، وهو قوله تعالى: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [الأنعام 6/ 41] .
موقف أهل الكتاب من المؤمنين وكيفية الرد عليه [سورة البقرة (2) الآيات 109 إلى 110] :
موقف أهل الكتاب من المؤمنين وكيفية الردّ عليه [سورة البقرة (2) : الآيات 109 الى 110] وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) الإعراب: لَوْ مصدرية. كُفَّاراً إما مفعول ثان «ليردونكم» أو منصوب على الحال من الكاف والميم في «يردونكم» . حَسَداً مفعول لأجله، أي لأجل الحسد. مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ إما متعلق «بودّ» أو «بحسد» والوجه الأول أوجه. المفردات اللغوية: الحسد تمني زوال نعمة الغير. فَاعْفُوا اتركوهم، والعفو: ترك العقاب على الذنب. وَاصْفَحُوا أعرضوا فلا تجاوزهم، والصفح: إزالة أثر الذنب من النفس أو الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه، وهو يشمل ترك العقاب وترك اللوم والتثريب. حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ نصره ومعونته، وما يأمر فيهم من القتال والقتل، وهو قتل بني قريظة، وإجلاء يهود بني النضير وفرض الجزية عليهم. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو يقدر على الانتقام منهم. سبب نزول الآية (109) : قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق، ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم.
المناسبة العامة للآية (109) :
المناسبة العامة للآية (109) : بعد أن نهى الله سبحانه في الآيات السالفة عن الاستماع لنصح اليهود ورفض آرائهم، ذكر هنا وجه العلّة، وهي أنهم يحسدون المسلمين على نعمة الإسلام ويتمنون أن يحرموا منها، فهم لا يكتفون بكفرهم بالنبي والكيد له ونقض العهود، وإنما يتمنون أن يرتد المسلمون عن دينهم. التفسير والبيان: تمنى كثير من اليهود والنصارى أن يصرفوا المسلمين عن دينهم وأن يعودوا كفارا بعد أن كانوا مؤمنين، حسدا لهم، عن طريق التشكيك في الدين وإلقاء الشبه على المؤمنين، وطلب بعضهم من بعض أن يؤمنوا أوّل النهار ويكفروا آخره، ليتأسى بهم بعض ضعاف الإيمان. وسبب ذلك: الحسد الكامن والخبث الباطن في نفوسهم، لا ميلا مع الحق، ولا رغبة فيه. ومدعاة التمني: هو ما ظهر لهم بالدليل الواضح أن الإسلام دين الحق الصحيح، وأن محمدا على الحق، فاعفوا عنهم أيها المسلمون واصفحوا عن أفعالهم، واصبروا حتى يأتي نصر الله لكم، ويأذن الله بالقتال، ويأتي أمره فيهم: وهو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم، والله هو القادر على تحقيق النصر: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج 22/ 40] . ثم نبّه الله سبحانه إلى بعض وسائل النصر الذي وعدوا به: وهو أداء الصلاة كاملة الأركان، تامة الأوصاف، وأداء الزكاة للفقراء، ففي الصلاة تتوطد دعائم الإيمان، وتتقوى الصلة بالله والثقة به، وتتوثق روابط الأخوة بالاجتماع في المساجد، وفي الزكاة تتحقق سعادة المجتمع بإغناء الفقراء، وتتجلى وحدة الأمة بتكافل أبنائها، وتعاضد فئاتها، وثواب كل ذلك مرصود لكم في الآخرة، فكل ما تعملونه من خير، تجدون جزاءه الكامل عند ربكم: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
فقه الحياة أو الأحكام:
خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة 99/ 7] والله عالم بجميع أعمالكم، بصير بقليلها وكثيرها، لا تخفى عليه خافية، من خير أو شرّ، فالصلاة والزكاة من أسباب النصر في الدنيا، وكذلك من أسباب السعادة في الآخرة، بدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. فقه الحياة أو الأحكام: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من حسد المؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو، أو الاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه. روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: كان حييّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصّهم الله برسوله صلّى الله عليه وسلّم، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، لَوْ يَرُدُّونَكُمْ. والحسد نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم: أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، سواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا. وهذا النوع الذي ذمّه الله تعالى في كتابه بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء 4/ 54] وإنما كان مذموما، لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق. وأما المحمود وهو المسمى بالغبطة أو المنافسة، فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السّلام: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو
يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار» وحقيقته: أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة، ولا يزول عنه خيره. وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلّتهم، هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح لا يكون إلا من القادر. أخرج ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد- وأصله في الصحيحين-: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى ، قال الله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة 2/ 109] . وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتأوّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وقد جرت سنة الله في القرآن أن يقرن الزكاة بالصلاة، لما في الصلاة من إصلاح حال الفرد، ولما في الزكاة من إصلاح حال المجتمع، وكلاهما من أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، بدليل ما أردف الله تعالى الأمر بهما بقوله: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ جاء في الحديث: «إن العبد إذا مات، قال الناس: ما خلف؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟» . ودلّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ على أنه مهما فعل الناس من خير أو شرّ، سرا وعلانية، فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرا، وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدا ووعيدا، وأمرا وزجرا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم، ليجدّوا في طاعته، إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده، حتى يثيبهم عليه، كما قال تعالى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة 2/ 110] . وثبت في الحديث: «إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة
رأي كل فريق من اليهود والنصارى في الآخر [سورة البقرة (2) الآيات 111 إلى 113] :
جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» «1» . وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مرّ ببقيع الغرقد «2» ، فقال: السلام عليكم أهل القبور، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتف: يا ابن الخطاب، أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفناه فقد خسرناه» . وثبت مثله عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فمن مواعظه أنه كان إذا دخل المقبرة قال: السلام عليكم أهل هذه الديار الموحشة، والمحالّ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، ثم قال: أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم؟ والذي نفسي بيده لو أن لهم في الكلام لقالوا: إن خير الزاد التقوى. رأي كل فريق من اليهود والنصارى في الآخر [سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 113] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)
الإعراب:
الإعراب: هُوداً جمع هائد، أي تائب، من قوله تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف 7/ 156] أي تبنا، وهو خبر كان المنصوب. وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ الجملة حال. البلاغة: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ جملة اعتراضية لإبطال دعواهم، مكونة من مبتدأ وخبر. قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ أمر للتبكيت والتقريع. مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ خصّ الوجه بالذكر، لأنه أشرف أجزاء الإنسان. والوجه هاهنا استعارة، والمعنى: من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، ولا يعبد سواه. عِنْدَ رَبِّهِ العندية للتشريف، وإظهار اسم الرب محل الضمير لإظهار مزيد اللطف به. قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيه توبيخ شديد لأهل الكتاب، لأنهم جعلوا أنفسهم بمنزلة من لا يعلم شيئا أصلا. المفردات اللغوية: هُوداً جمع هائد، وهم اليهود. أَوْ نَصارى أتباع المسيح، قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران، لما تناظروا بين يدي النّبي صلّى الله عليه وسلّم، أي قال اليهود: لن يدخلها إلا اليهود، وقال النصارى: لن يدخلها إلا النصارى. تِلْكَ القولة أَمانِيُّهُمْ شهواتهم الباطلة، الأماني: جمع أمنية، وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه. والعرب تسمي كل ما لا حجة عليه ولا برهان له تمنيا وغرورا، وضلالا وأحلاما. هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجتكم على ذلك. بَلى يدخل الجنة غيرهم، وهو مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ جعل وجهه خالصا لله، وانقاد له، فإسلام الوجه لله: هو الانقياد له والإخلاص له في العمل، بحيث لا يتخذ وسيطا بينه وبين ربه. وخصّ الوجه، لأنه أشرف الأعضاء، فغيره أولى، قال الفخر الرازي: إسلام الوجه لله يعني إسلام النفس لطاعة الله، وقد يكنى بالوجه عن النفس، كما قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص 28/ 88] . وَهُوَ مُحْسِنٌ موحّد. فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي ثواب عمله الجنة. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة. عَلى شَيْءٍ معتد به، وكفرت اليهود بعيسى، وكفرت النصارى بموسى. يَتْلُونَ الْكِتابَ كل من الفريقين يتلون الكتاب المنزل عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي
سبب نزول الآية (113) :
كتاب النصارى تصديق موسى. كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اي كما قال المشركون من العرب وغيرهم. مِثْلَ قَوْلِهِمْ بيان لمعنى ذلك، أي قالوا لكل ذي دين: ليسوا على شيء. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.. في أمر الدين، فيدخل المحق الجنة، والمبطل النار. سبب نزول الآية (113) : نزلت في يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران، وذلك أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، فكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية «1» . التفسير والبيان: لقد نجم عن عدم إيمان أهل الكتاب بالقرآن وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم ضلال وتمزق وانقسام شديد بسبب اتباع الأهواء، أما اليهود وهم أسوأ حالا من النصارى فلهم حالان: الأولى- تضليل من عداهم، وادعاؤهم أنهم شعب الله المختار، وأن النبوة مقصورة عليهم. والثانية- تضليل اليهود للنصارى، وتضليل النصارى لهم، مع ان التوراة شريعة للنصارى، والإنجيل متمم للتوراة. ومعنى الآية: أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، وكل طائفة منهما تكفّر الأخرى. تلك تمنياتهم الباطلة التي لا أساس لها، ولا فائدة منها، وإلا فهاتوا البرهان على ما تزعمون أيها اليهود والنصارى، إن كنتم صادقين، فليست المسألة مجرد دعوى. وهذا وإن كان ظاهره طلب الدليل على صدق المدّعى، فهو في
العرف تكذيب للدعوى، لأنه لا برهان لهم عليها. وفي هذا إيماء إلى أنه لا تقبل دعوى من دون برهان عليها. ثم ردّ الله عليهم بقوله: بَلى كلمة تفيد الجواب لإثبات نفي سابق، وردّ لما زعموه، فإن الذي يدخل الجنة من لم يكن هودا أو نصارى، وهو كل من انقاد لله وأخلص في عمله، وهو محسن في عبادته وعمله واعتقاده، وهؤلاء لهم الأجر عند ربهم بلا خوف ولا حزن في الآخرة، خلافا لعبدة الأوثان والأصنام الذين هم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم. والآية تدل على أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بدّ من إحسان العمل أيضا، وجرت سنة القرآن أن يقرن الإيمان بالعمل الصالح، مثل قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء 4/ 124] وقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ [الأنبياء 21/ 94] . واشتدّ الخصام والنزاع بين أهل الكتاب، فلم يكتفوا بما سبق، بل قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين يعتدّ به، فلا يؤمنون بالمسيح الذي بشّرت به التوراة، ولا يزالون إلى اليوم يدّعون أن المسيح المبشّر به لما يأت بعد، وينتظرون ظهوره، وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل. وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء من الدين الصحيح، فأنكروا تتميم المسيح لشريعة اليهود. قالوا ذلك والحال أنهم أصحاب كتاب يدّعون تلاوته ويؤمنون به، فالتوراة تبشر برسول منهم يأتي بعد موسى، والإنجيل يقول: إن المسيح جاء متمما لناموس (شريعة) موسى، لا ناقضا، فلو أن اليهود تؤمن بالتوراة، والنصارى تؤمن بالإنجيل، لما قالوا مثل ذلك، لأن كل كتاب نزل من عند الله، مصدقا لما
فقه الحياة أو الأحكام:
سبقه، ومبشرا لما يأتي بعده، وكل منهما مشروع في وقت، والمعنى: أن دينهم واحد، ترك كل فريق منهم بعضه، وكتاب كل منهم حجة عليهم. وهم في هذا الموقف لا يؤمنون بشيء، ولقد قال المشركون عبدة الأوثان الذين لا يعلمون شيئا لعدم وجود كتاب سماوي لديهم مثل مقالة أهل الكتاب، فقالوا لأهل كل دين: لستم على شيء، والله يحكم بين الجميع يوم القيامة بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، فهو العليم بما عليه كل فريق من حق أو باطل، ويجازيهم على بطلانهم أشدّ الجزاء، وأما الجنة: فهي لمن أخلص العبادة لله، وانقاد له، وأخلص نفسه لربه، لا يشرك به غيره، وهو محسن أي عامل بأوامر الله، متجنب نواهيه. فقه الحياة أو الأحكام: إن من شأن أهل الكتاب أن يؤمن كل فريق بكتاب الآخر، ثم يؤمنون جميعا بالقرآن، لأنهم على علم بأصول الدين والوحي، وإقرار بمبدإ النبوة، واعتراف بوجود الإله، خلافا لكفار العرب المشركين عبدة الأصنام والأوثان، لأنهم لا كتاب لهم. فلا مسوغ لوقوع التنازع والتناقض والتباغض والتعادي والتعاند بين اليهود والنصارى، وما عليهم إلا أن يعملوا ويؤمنوا بكل ما جاء في كتابهم، فيهتدوا إلى الإيمان الحق، والتصديق برسالة كل نبيّ آت. وطريق النجاة لكل إنسان: هو الإيمان الخالص لله، المتضمن تمام الخضوع والانقياد لأمر الله، المنزّه عن كل شرك، القائم على العمل الصالح والعبادة الخالصة لله عزّ وجلّ، فلا ينفع الإيمان وحده دون اقترانه بالعمل الصالح. وليس لأحد أو شعب أن يدّعي أنه أحق برحمة الله دون غيره، لأن الله ربّ العالمين، يجازي كل إنسان بما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ولا تقبل
ظلم مانع الصلاة في المساجد، وصحة الصلاة في أي مكان [سورة البقرة (2) الآيات 114 إلى 115] :
دعوى أحد من غير برهان، فمن ادّعى نفيا أو إثباتا، فلا بدّ له من الدليل، وتدل الآية على بطلان التقليد: وهو قبول الشيء بغير دليل. والقرآن ذاته مليء بالاستدلال على القدرة والإرادة والوجود والوحدانية بالآيات الكونية والأدلة العقلية، ويكفي دليلا على وجوده تعالى الخلق والإبداع والتكوين، كما يكفي دليلا على وحدانيته عدم صلاح الكون والعالم بتعدّد الآلهة كما قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء 21/ 22] . ظلم مانع الصلاة في المساجد، وصحة الصلاة في أي مكان [سورة البقرة (2) : الآيات 114 الى 115] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115) الإعراب: وَمَنْ أَظْلَمُ مبتدأ وخبر، ولما كان معنى هذا الاستفهام النفي كان خبرا. أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ في منصوب: إما بدل من مَساجِدَ بدل اشتمال، كقوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ [البروج 85/ 4- 5] وإما مفعول لأجله، أي لئلا يذكر فيها اسمه، وكراهة أن يذكر فيها اسمه، كقوله تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [الأنبياء 21/ 31] أي لئلا تميد بهم، وكقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء 4/ 176] أي لئلا تضلوا، وكراهة أن تضلوا. ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ: أَنْ يَدْخُلُوها في موضع رفع، لأنه اسم كانَ ولَهُمْ الخبر، وخائِفِينَ منصوب على الحال من واو يَدْخُلُوها.
البلاغة:
البلاغة: وَمَنْ أَظْلَمُ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد أظلم منه. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ التنكير للتهويل أي خزي هائل لا يوصف. عَلِيمٌ صيغة مبالغة، أي واسع العلم. المفردات اللغوية: وَمَنْ أَظْلَمُ استفهام إنكاري ويفيد النفي. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والمسجد: موضع العبادة لله تعالى. وَسَعى فِي خَرابِها تخريبها وهدمها وتعطيلها، نزلت إخبارا عن الروم الذين خربوا بيت المقدس، أو في المشركين لما صدوا النبي صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية عن البيت. أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ خبر بمعنى الأمر، أي أخيفوهم بالجهاد، فلا يدخلها أحد آمنا. خِزْيٌ ذلّ وهوان بالقتل والسبي وفرض الجزية. عَذابٌ عَظِيمٌ هو النار. فَثَمَّ هناك. وَجْهُ اللَّهِ جهته وقبلته التي رضيها. واسِعٌ يسع فضله كل شيء، فلا يحصر ولا يتحدد. عَلِيمٌ شامل العلم بتدبير خلقه. سبب نزول الآية (114) : هناك روايتان عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، ففي رواية الكلبي عنه: نزلت في ططلوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرفوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف. وقال قتادة: هو بختنصر وأصحابه غزوا اليهود، وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم. وفي رواية عطاء عن ابن عباس: نزلت في مشركي أهل مكة، ومنعهم المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن قريشا منعوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ الآية.
المناسبة:
وأخرج ابن جرير عن أبي زيد قال: نزلت في المشركين، حين صدوا رسول الله عن مكة يوم الحديبية. ورجح ابن العربي أنها نزلت في صلاة النّبي صلّى الله عليه وسلّم قبل بيت المقدس، ثم عاد فصلّى إلى الكعبة، فاعترضت عليه اليهود، فأنزلها الله تعالى له كرامة، وعليهم حجة، كما قال ابن عباس. وعلى أي حال، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتشمل أهل الكتاب ومن على شاكلتهم، وينطبق على ما وقع من تيطس الروماني الذي دخل بيت المقدس بعد موت المسيح بنحو سبعين سنة، وخربها، وهدم هيكل سليمان، وأحرق بعض نسخ التوراة، وكان المسيح قد أنذر اليهود بذلك. كما ينطبق على مشركي مكة الذين منعوا النّبي وأصحابه من دخول مكة، وكذلك على الصليبيين الذين أغاروا على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين، وصدهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرا من المساجد، ويتكرر الأمر من اليهود في الوقت الحاضر بتخريب كثير من مساجد فلسطين، وإحراق المسجد الأقصى، ومحاولات هدمه المتكررة. المناسبة: ذكر النصارى في قوله: وَقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ الْيَهُودُ وذكر المشركون في قوله: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وفي أي فريق نزلت هذه الآية بسببه، كان ذلك مناسبا لذكرها. التفسير والبيان: لا ظلم ولا اعتداء على الحرمات أشد من منع العبادة في المساجد العامة، والسعي في تخريبها وهدمها أو تعطيل وظائفها وشعائر الدين فيها، لما في ذلك من انتهاك حرمة الدين المؤدي إلى نسيان الخالق، وإشاعة المنكرات والفساد بين
فقه الحياة أو الأحكام:
الناس. وما كان ينبغي لهؤلاء المخربين أو المعطلين أن يدخلوها إلا بخشية ومهابة وخوف من عظمة الله والدين وسطوة الإسلام والمسلمين. وقد توعدهم الله بالذل والهوان في الدنيا، كما حل بالرومان الذين تشتت ملكهم، وبالعذاب الشديد في الآخرة في جهنم وبئس المصير. وإذا حيل بين المسلم وبين المساجد، فله أن يصلي في أي مكان، وأينما توجه المصلي فهو متجه إلى الله، فلله جهة المشرق والمغرب أي أن ذلك له ملك وخلق، فتجوز الصلاة إليه، والله تعالى عنه راض، مقبل عليه، وهو معه، لأن الله تعالى واسع لا يحده مكان، ولا ينحصر ولا يتحدد بجهة، وواسع العلم يعلم كل من اتجه إليه. فقه الحياة أو الأحكام: إن تدمير المساجد أو الصد عنها جرم عظيم، لا يرتكبه إلا من فقد الإيمان، وعادى جوهر الدين، واتبع الأهواء، وحارب الأخلاق والفضائل، ولم يقدم على تلك الجريمة في الماضي أو في العصر الحاضر، سواء في ديار الإسلام أو غيرها إلا الملحدون المارقون من الدين، الذين يبتغون نشر الإلحاد وتقويض دعائم الدين والإسلام. ومن حمد الله أن دين الإسلام دين السعة واليسر، وبلاد الله تسع المؤمنين، فلا يمنعهم تخريب مساجد الله أن يولوا وجوههم نحو قبلة الله، أينما كانوا في أرض الله. وقد نزلت الآية (115) - كما ذكر ابن جرير الطبري- قبل الأمر بالتوجه إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطال ما كان يعتقده أرباب الملل السابقة من أن العبادة لا تصح إلا في الهياكل والمعابد. وبعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة يظل المقصود من الآية قائما، فهي تقرر
أمرا اعتقاديا له صلة بالإيمان الذي يعمر به قلب المؤمن، فأينما كان المؤمنون من شرق وغرب، فثمّ وجه الله الذي أمرنا باستقباله، وهو الكعبة. والحكمة من الاتجاه إلى القبلة، بالرغم من أن القصد هو الله الذي لا يحده مكان، هو توحيد وجهة العابدين، وتجميع مشاعرهم وعواطفهم في إطار هدف واحد، ولأنه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه الطريقة محال على الله، لأن ذاته تعالى ليست محصورة في شيء من خلقه، شرع للناس مكانا مخصوصا يستقبلونه في عبادتهم إياه، وجعل استقباله كاستقبال وجه الله تعالى. قال ابن العربي: إن الله تعالى أمر بالصلاة عبادة، وفرض فيها الخشوع استكمالا للعبادة، وألزم الجوارح السكون، واللسان الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، ونصب البدن إلى جهة واحدة، ليكون ذلك أنفى للحركات، وأبعد للخواطر، وعينت له جهة الكعبة تشريفا له «1» . والخلاصة: هل الآية (115) منسوخة؟ للعلماء رأيان «2» : رأي يقول: إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذنا من الله أن يصلي المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف. ورأي الجمهور: أنها منسوخة، وفيها تسلية للرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلي بمكة إلى بيت المقدس، والكعبة بين يديه. فلما قدم المدينة، وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد، ولهذا
حكم الخطأ في الاتجاه لغير القبلة:
يقول تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 2/ 115] . قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: قال ابن عباس: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا- والله أعلم- شأن القبلة، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.. الآية. فاستقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فصلّى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق، ونسخها، فقال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة 2/ 150] . حكم الخطأ في الاتجاه لغير القبلة: إذا صلّى الإنسان في أثناء الغيم لغير القبلة مجتهدا، ثم بان له بعدئذ أنه صلّى لغير القبلة، فإن صلاته جائزة عند الجمهور (أبي حنيفة ومالك وأحمد) ، لكن في رأي مالك تستحب له الإعادة في الوقت، وليس ذلك بواجب عليه، لأنه قد أدى فرضه على ما أمر، والكمال يستدرك في الوقت، استدلالا بالسنة فيمن صلّى وحده، ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة، أنه يعيد معهم. ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرّق أو غرّب جدا مجتهدا. وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا، فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره. وقال الشافعي: لا يجزيه، لأن القبلة شرط من شروط الصلاة. صلاة النافلة على الراحلة: لا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة، لما أخرجه مسلم عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلي، وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته، حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 2/ 115] .
الصلاة على الغائب:
واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة (أقل من 89 كم) ، فقال المالكية والثوري: لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، لأن الأسفار التي حكي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه كان يتطوع فيها، كانت مما تقصر فيه الصلاة. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وداود الظاهري: يجوز التطوع على الراحلة، خارج المصر، في كل سفر، سواء أكان مما تقصر فيه الصلاة أم لا، لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر، فكل سفر يجوز فيه ذلك، إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له «1» . الصلاة على الغائب: أجاز الشافعي الصلاة على الغائب، بدليل أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى بأصحابه سنة تسع من الهجرة على النجاشي ملك الحبشة- واسمه أصحمة، وهو بالعربية: عطية، وقد تساءل الصحابة: كيف نصلي على رجل مات، وهو يصلي لغير قبلتنا؟ فنزلت الآية: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [آل عمران 3/ 199] «2» لكن هذا الخبر غريب جدا وهو مرسل أو معضل. المقصود بوجه الله في القرآن والسنة: اختلف الناس في تأويل الوجه المصاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة «3» ، فقال جماعة: ذلك من مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد (المخلوق) وأجلها قدرا. والمراد بمن له الوجه: أي الوجود، وعليه يتأول قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الدهر 76/ 9] . المراد به: لله الذي له الوجه.
افتراءات أهل الكتاب والمشركين بنسبة الولد لله والمطالبة بتكليمه الناس [سورة البقرة (2) الآيات 116 إلى 118] :
وكذلك قوله: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [الليل 93/ 20] . أي الذي له الوجه. قال ابن عباس: الوجه: عبارة عنه عز وجل، كما قال: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن 55/ 27] ، ومعنى فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ: فثمّ الله. وهذا يدل على نفي الجهة والمكان عنه تعالى، لاستحالة ذلك عليه، وأنه في كل مكان بعلمه وقدرته. وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى وهذا أولى وأحوط. افتراءات أهل الكتاب والمشركين بنسبة الولد لله والمطالبة بتكليمه الناس [سورة البقرة (2) : الآيات 116 الى 118] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَيُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) الإعراب: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّما رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع. فَيَكُونُ قرئ بالرفع والنصب، فمن قرأ بالرفع جعله عطفا على قوله تعالى: يَقُولُ تقديره: فهو يكون. ومن قرأ بالنصب، اعتبر لفظ الأمر، وجواب الأمر بالفاء منصوب، والنصب ضعيف، لأن «كن» ليس بأمر في الحقيقة.
البلاغة:
البلاغة: سُبْحانَهُ جملة اعتراضية لإبطال دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد. كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ استعمال صيغة جمع العقلاء في قانِتُونَ للتغليب أي تغليب العقلاء على غيرهم للتشريف. المفردات اللغوية: سُبْحانَهُ تنزيها له عما يصفون، وتعجبا مما يقول الجاهلون. قانِتُونَ منقادون، والقنوت: الخضوع والانقياد. بَدِيعُ مبدع، والإبداع: هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سابق. قَضى أراد. أَمْراً أي إيجاده. هلا. والآية: الحجة والبرهان. والتشابه: التماثل. واليقين: هو العلم القاطع بالدليل والبرهان. المناسبة وسبب النزول: دلت الآيات السابقة على زعم اليهود أن الجنة خاصة بهم، وزعموا أيضا كما تفيد الآية هنا أن عزيرا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله جميعا بالدليل القاطع. فهذه الآية (116) نزلت في اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. وأما سبب نزول الآية (118) : فهو ما أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن عباس، قال: قال رافع بن خزيمة لرسول الله: إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله: فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الآية.
التفسير والبيان:
وحكى القرطبي: يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي يخاطبنا بنبوتك يا محمد، قال ابن كثير: وهو ظاهر السياق «1» . التفسير والبيان: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، ولا فرق بين أن يصدر هذا القول من الجميع أو البعض، فإن أفراد الأمة متكافلون في كل ما يعملون وما يقولون. سبحانه وتعالى تنزيها له عما يدعون، فليس لله حاجة إلى المعونة، وله كل ما في السموات والأرض، الكل خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته. وهو الذي أبدع وابتكر السموات والأرض لا على مثال سبق، ومالك ما فيهن، وإذا أراد أمرا أوجده فورا أسرع مما بين حرفي «كن» من غير امتناع. والإيجاد والتكوين من أسرار الألوهية، عبر عنهما بما يقربهما للفهم بقوله: كُنْ فَيَكُونُ. وإذا اختار الله بعض خلقه للنبوة أو الرسالة كالرسل والملائكة، فلا يتجاوز حد مرتبة المخلوق، ويظل الكل عبيدا لله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم 19/ 93] فمن كان له ما في السموات والأرض خلقا وملكا، ومن كان له كل ما في الكون منقاد لأمره، ومن أبدع السماء والأرض، ومن له أمر التكوين والإيجاد الفوري، أيحتاج إلى الولد والوالد؟! ويؤيد هذه الآية قول الله تعالى عن مشركي العرب: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام 6/ 124] وقوله تعالى: وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله: قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي، هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء 17/ 90- 93] وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، أَوْ نَرى رَبَّنا
الآية [الفرقان 25/ 21] وقوله تعالى: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [القيامة 75/ 52] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، وإنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من أمم أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وغيرهم، كما قال تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، فَقالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء 4/ 153] وقال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ: يا مُوسى، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة 2/ 55] . أما الذين لا يعلمون من المشركين، لأنه لا كتاب لهم، ولا هم أتباع نبي يبين لهم ما يليق بالألوهية فقالوا: هلا يكلمنا الله بأنك رسوله حقا، أو يرسل إلينا ملكا فيخبرنا بذلك، كما يرسله إليك، أو تأتينا ببرهان على صدقك في دعواك النبوة، وليس مرادهم من هذه المطالب إلا الاستكبار والعتو والعناد، والاستخفاف بالآيات البينات، والجحود بالقرآن. ومثل هذه الأسئلة التي يراد منها التعنت، قد قالها من قبلهم من الأمم الماضية، كما ذكرنا في الآيات المؤيدة لهذه الآية. قال أهل الكتاب سابقا مثل قول المشركين، وقد تماثلت قلوبهم وأرواحهم، وأشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في العمى والقسوة والعناد والكفر، والألسنة ترجمان القلوب، فما في القلب يعبر عنه اللسان. والحق واحد، ومخالفته هي الضلال وهو واحد، وإن تعددت طرقه، واختلفت وجوهه، وآثاره تتشابه، حتى كأنهم متواصون به فيما بينهم، كما قال تعالى: أَتَواصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [الذاريات 51/ 53] . والله سبحانه بيّن الآيات وأوضح الدلالات على صدق الرسل أحسن بيان
فقه الحياة أو الأحكام:
وأتمه، بما لا يدع مجالا للشك لدى طالبي الحق بالدليل والبرهان، ولديهم الاستعداد للعلم واليقين، وعندهم الفهم الصحيح بسبب إنصافهم وصفاء نفوسهم، وبعدهم عن العناد والمكابرة، وقد كان هذا شأن الصحابة يسألون النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيما لم يعرفوا دليله، لمحبتهم الحق، ووقوفهم عند البينة والدليل، فهم نماذج المنصفين الموقنين الذين اتبعوا الرسل بقناعة وعقل، وفهموا ما جاءوا به عن الله تبارك وتعالى. وأما من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس 10/ 96- 97] . فقه الحياة أو الأحكام: إن الاستجابة لنداء الإيمان تتطلب إعمال العقل وتفتح الكفر، وصفاء النفس، وإدراك حقائق الكون، ولو إدراكا بسيطا، وتقتضي تجردا عن الحظوظ النفسية، والأهواء الشخصية، وترك العناد. فإذا توافرت هذه الاستعدادات، تسارع نور الإيمان إلى القلب، فملأ النفس بهجة وسعادة وطمأنينة: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد 13/ 28] . أما نسبة الولد لله فهذا جهل بحقيقة الألوهية التي تمتاز بسمو الاتصاف بشيء فيه نقص من خصال البشر، ولا تحتاج إلى أحد من الخلق، فالله هو الأحد الواحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. ولا يكون الولد إلّا من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون 23/ 91] فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت، فهو سبحانه القديم الأزلي، الواحد الأحد، الفرد الصمد، كما ذكر.
والمخلوقات كلها تقنت لله، أي تخضع وتطيع، والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم. قال الجصاص عن قوله تعالى: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: فيه دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده، لأنه نفى الولد بإثبات الملك بقوله تعالى: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني ملكه، وليس بولده» . وقال القرطبي: والله تعالى مبدع السموات والأرض أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال سبق. وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: مبدع. ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة بدعة، لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام، وفي البخاري: «ونعمت البدعة هذه» يعنى قيام رمضان. وكل بدعة صدرت من مخلوق، فلا يخلو إما أن يكون لها أصل في الشرع أو لا، فإن كان لها أصل، كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض رسوله عليه، فهي في حيّز المدح. وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعله من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه. ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه: «نعمت البدعة هذه» لمّا كانت من أفعال الخير وداخلة في حيّز المدح. وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله، فهي في حيز الذم والإنكار. وهو معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم في خطبته: «وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم. وقد بيّن هذا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» «1» . أما الخلق والإيجاد فيحدث بمجرد الأمر الإلهي، فإذا قضى أمرا أوجده فورا، أي إذا أراد إحكام أمر وإتقانه- كما سبق في علمه- قال له: كن. قال ابن عرفة: قضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، ومنه سمي القاضي، لأنه إذا حكم، فقد فرغ مما بين الخصمين. ويلاحظ أن «قضى» لفظ مشترك، يكون بمعنى الخلق، كما في قوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصّلت 41/ 12] أي خلقهن، ويكون بمعنى الاعلام، كما قال تعالى: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ [الإسراء 17/ 4] أي أعلمنا، ويكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 17/ 23] ، ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام، ومنه سمي الحاكم قاضيا. ويكون بمعنى توفية الحق، قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص 28/ 29] ، ويكون بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ أي إذا أراد خلق شيء. قال ابن عطية: «قضى» معناه قدّر، وقد يجيء بمعنى أمضى «2» . وبمناسبة قوله سبحانه إِذا قَضى أَمْراً ذكر العلماء أن الأمر يأتي في القرآن على أربعة عشر وجها: الأول- الدّين، قال الله تعالى: حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ [التوبة 9/ 48] يعني دين الإسلام.
الثاني- القول، ومنه قوله تعالى: إِذا جاءَ أَمْرُنا [هود 11/ 40] يعني قولنا، وقوله: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [طه 20/ 62] يعني قولهم. الثالث- العذاب، ومنه قوله تعالى: لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ [إبراهيم 14/ 22] يعني: لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع- عيسى عليه السّلام، قال الله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً [مريم 19/ 35] يعني عيسى من غير أب. الخامس- القتل ببدر، قال الله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ [غافر 40/ 78] يعني القتل ببدر، وقوله تعالى: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [الأنفال 8/ 42] يعني قتل كفار مكة. السادس- فتح مكة، قال الله تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة 9/ 24] يعني فتح مكة. السابع- قتل بني قريظة وجلاء بني النضير، قال الله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة 2/ 109] . الثامن- القيامة، قال الله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل 16/ 1] . التاسع- القضاء، قال الله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [الرعد 13/ 2] يعني القضاء. العاشر- الوحي، قال الله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة 32/ 5] أي ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله: يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [الطلاق 65/ 12] يعني الوحي. الحادي عشر- أمر الخلق، قال الله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى 42/ 53] يعني أمور الخلائق. الثاني عشر- النصر، قال الله تعالى: يَقُولُونَ: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [آل عمران 3/ 154] يعنون النصر، قُلْ: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يعني النصر. الثالث عشر- الذنب، قال الله تعالى: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها [الطلاق
التحذير من اتباع اليهود والنصارى [سورة البقرة (2) الآيات 119 إلى 121] :
65/ 9] يعني جزاء دينها. الرابع عشر- الشأن والفعل، قال الله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود 11/ 97] أي فعله وشأنه، وقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور 24/ 63] أي فعله. التحذير من اتباع اليهود والنصارى [سورة البقرة (2) : الآيات 119 الى 121] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) الإعراب: بَشِيراً حال من كاف أَرْسَلْناكَ ونَذِيراً عطف عليه وَلا تُسْئَلُ قرئ بالرفع على أن لا نافية، والجملة خبرية حال، وقرئ بالجزم تسأل على أن لا ناهية. ما لَكَ مِنَ اللَّهِ فيه وجهان: أحدهما- أن يكون التقدير فيه: مالك من عذاب الله من ولي، والثاني- أن يكون المعنى: مالك الله وليا ولا نصيرا، والعرب تقول مثل هذا بحرف الجر، كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ [النحل 16/ 10] أي ماء لكم هو شراب. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ الَّذِينَ اسم موصول مبتدأ، وآتَيْناهُمُ صلته، ويَتْلُونَهُ جملة فعلية منصوبة على الحال من ضمير آتَيْناهُمُ. وأُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خبره. حَقَّ تِلاوَتِهِ منصوب على المصدر. البلاغة: أَصْحابِ الْجَحِيمِ التعبير عن الكافرين والمكذبين بذلك إيذان بأنه لا يرجى منهم الرجوع
المفردات اللغوية:
هُوَ الْهُدى تعريف الهدى مع اقترانه بضمير الفصل يفيد قصر الهداية على دين الله، فهو قصر الصفة على الموصوف. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ من باب التهييج. المفردات اللغوية: الْجَحِيمِ النار: وهي جهنم، وأصحابها هم الكفار. مِلَّتَهُمْ دينهم هُدَى اللَّهِ هو الإسلام وَلَئِنِ لام قسم مِنَ الْعِلْمِ الوحي من الله ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يحفظك وَلا نَصِيرٍ يمنعك منه. وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالكتاب المؤتى، بأن يحرفه الْخاسِرُونَ الهالكون. سبب نزول الآيات (119- 121) : قيل: نزلت في أبوي النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن الحديث مرسل غير ثابت. وقال مقاتل فيما رواه بسنده: إن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا» ، فأنزل الله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ 3. وأما الآية (120) : فقال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النّبي صلّى الله عليه وسلّم الهدنة، ويطمعون أنه إذا هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس: هذا في القبلة، وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة، شق ذلك عليهم، فيئسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأما الآية (121) : فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلا من الحبشة وأهل الشام. وقال الضحاك: نزلت فيمن آمن من اليهود. وقال قتادة وعكرمة: نزلت في محمد صلّى الله عليه وسلّم.
المناسبة:
المناسبة: لمّا بيّن الله الآيات، ذكر من بينت على يديه، فأقبل عليه وخاطبه صلّى الله عليه وسلّم ليعلم أنه هو صاحب الآيات، وبعد إثبات الوحدانية أردفه بإثبات النبوة. التفسير والبيان: هذه الآية (119) إيناس للنبي صلّى الله عليه وسلّم لئلا يضيق صدره، فهي تقرر له أنه أرسله للناس رسولا يبشر المؤمنين وينذر الكافرين، ويسعد الناس بالعقيدة المطابقة للواقع، وبالشرائع والأحكام التي تسعد الناس قاطبة، ويبشر من أطاعه بالجنة، وينذر من عصاه بالنار، وأن مهمته تبليغ الرسالة دون شيء بعدها، فلا حرج عليه إن أصروا على الكفر والعناد: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام 6/ 52] فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر 35/ 8] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف 18/ 6] . ولا تسأل عن أصحاب النار، فلا يضرنك تكذيبهم لك، ولا تأس عليهم ولا تحزن، فأنت لم تبعث مكرها ولا جبارا، فتكون مقصرا إن لم يؤمنوا، بل بعثت معلما ومبلغا وهاديا بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة 2/ 272] . وكان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يرجو أن يؤمن أهل الكتاب برسالته، لموافقتهم له في أصل الدين، من توحيد الله، وتقويم الاعوجاجات والتقاليد الفاسدة، فعز عليه إعراضهم عن إجابة دعوته، ولسان حالهم يقول: يا محمد مهما تأتنا من بينة، ومهما فعلت لإرضائنا، فلن نرضى حتى تتبع ملتنا. والملة: هي الطريقة المشروعة للعباد، والكفر كله ملة واحدة، وتسمى دينا، لأن العباد انقادوا لمن سنها. وتسمى شريعة، لأنها مورد إلى ثواب الله ورحمته.
فرد الله عليهم: إن هدى الله ودينه الذي هو الإسلام والذي أنزله على الأنبياء هو الهدى الواجب اتباعه وحده، أما غيره فمبني على الهوى والشهوة، وهو ما أضافه إليه اليهود والنصارى، فإن اتبعت يا محمد أهواءهم، وما أضافوه إلى دينهم، بعد ما استقر في قلبك من اليقين والطمأنينة بالوحي الإلهي الذي نزل عليك، ومنه أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويل، فالله لا ينصرك ولا يؤيدك، وإذا لم ينصرك الله ويتولاك، فمن ذا الذي ينصرك من بعده؟. وفي هذا قطع الأمل للنبي عليه السلام في إسلامهم، لأن رضاهم عنه معلق بمستحيل: وهو اتباع ملتهم والدخول في دينهم. وهذا الإنذار للنبي والوعيد هو في الحقيقة خطاب للناس كافة، ممثلين في شخص النّبي عليه الصلاة والسلام، لأنه الإمام والقائد والقدوة. ثم استدرك الحق سبحانه على ما ذكر قبل، حتى لا ييأس النّبي صلّى الله عليه وسلّم يأسا دائما من إيمان أهل الكتاب، فأخبر بأن بعض الكتابيين يتلون التوراة تلاوة تدبر وإمعان، ويفهمها حق الفهم، ولا يتعصب تعصبا أعمى، ولا يحرفون ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا يبيع آخرته بدنياه، ويسأل الله الجنة، ويتعوذ من النار، فهؤلاء يدركون أن ما جئت به الحق، فيؤمنون بالتوراة دون تحريض، ومن يؤمن بها يؤمن بالقرآن والنبي، مثل عبد الله بن سلام وأشباهه، ومن يكفر بكتابه من المحرفين، فلا يؤمن بك أصلا، أولئك هم الهالكون، وكثير ما هم، وهم الذين خسروا سعادة الدنيا والآخرة، وحق عليهم العذاب، لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار؟! فالمقصود بكلمة الْكِتابَ التوراة، وقال قتادة: المقصود به القرآن، قال القرطبي: والآية تعم. وعلى كلا الحالين، المقصود بقوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ: يتبعونه حق اتباعه، باتباع الأمر والنهي، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بما تضمنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: إن دين الله وتكاليفه يسر لا عسر، فهو يمتاز بشيئين أساسيين هما: التعقل والمنطق، والقيام بالواجب قدر الطاقة والوسع، دون إعنات ولا إرهاق. وليست مهمة الأنبياء لقسر الناس وإكراههم على الإيمان والاعتقاد الحق، وإنما هي محصورة بالتبليغ والبيان، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، والنّبي بعد التبليغ لا يكون مسئولا عنهم ولا مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار. وإن المساومات الرخيصة على العقيدة الحقة لا تفيد شيئا، ولا تحقق هدفا. وإن من يتمسك بدينه الأصلي حتى ولو كان من اليهود والنصارى فلا بد من أن يؤديه دينه الذي لم يبدله ولم يحرفه إلى الاستمساك بالقرآن والإقرار بنبوة محمد صلّى الله عليه وآله، وسلم: لأن دين الله في الأصل ذو جوهر واحد، وعباداته وشرائعه تلتقي عند غاية واحدة، وهي توحيد الإله والاعتراف بربوبيته، والأخلاق والفضائل الإنسانية الصحيحة لا يختلف فيها اثنان. وليس غرض اليهود والنصارى بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتاهم بكل ما يسألون عنه لم يرضوا عنه، وإنما يرضيهم ترك ما هو عليه من الإسلام، واتباعهم. وفي كل ذلك عبرة للأجيال، كما قال تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف 12/ 111] . وإن تلاوة كتاب الله ينبغي أن تكون بتدبر وفهم وإمعان، لا لمجرد التلاوة، كما قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد 47/ 24] وقال: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص 38/ 29] . والفائدة المنشودة من القرآن هي العمل به، فهو كما ثبت في الحديث الصحيح: «والقرآن حجة لك أو عليك» ومن يتلو القرآن، وهو معرض عن آياته والعمل به، يكون كالمستهزئ بربه. أما الأمي فعليه سؤال العلماء لشرح
معنى القرآن، وإفهامه مراده: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل 16/ 43] . هذا.. وقد استدل بالآية (120) أبو حنيفة والشافعي وداود الظاهري وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: مِلَّتَهُمْ فوحد الملة، وبقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون 109/ 6] ، وبقوله عليه السلام: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل قوله عليه السّلام: «لا يرث المسلم الكافر» . وذهب الإمام مالك، وأحمد في الرواية الأخرى: إلى أن الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله عليه السّلام: «لا يتوارث أهل ملتين» . وأما قوله تعالى: مِلَّتَهُمْ فالمراد به الكثرة، وإن كانت موحدة في اللفظ، بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذت عن علماء أهل المدينة- مثلا- علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني علومهم وأحاديثهم. والخطاب في قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ إما للرسول، لتوجه الخطاب إليه، وإما للرسول، والمراد به أمته. وإذا كان الرسول هو المخاطب فأمته أولى، لأن منزلتهم دون منزلته. وسبب الآية: أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدنة، ويعدون النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالإسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم. واستدل الإمام أحمد بقوله: مِنَ الْعِلْمِ على كفر من اعتقد أن القرآن مخلوق، فإنه سئل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، قيل: بم كفّرته؟ فقال: بآيات من الله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [الرعد 13/ 37] والقرآن من علم الله، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.
تذكير بالنعمة وتخويف من الآخرة [سورة البقرة (2) الآيات 122 إلى 123] :
والمقصود من تلاوة كتاب الله حق التلاوة: اتباعه حق الاتباع، كما بينا، قال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، وقال الحسن البصري: هم الذين يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه. تذكير بالنعمة وتخويف من الآخرة [سورة البقرة (2) : الآيات 122 الى 123] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) المفردات اللغوية وَاتَّقُوا خافوا لا تَجْزِي تغني عَدْلٌ فداء وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من عذاب الله. التفسير والبيان: يكرر المولى سبحانه للتأكيد تذكير اليهود بالنعم التي أنعم الله بها عليهم، لتجديد ثقتهم ونشاطهم، وتشجيعهم وحفز هممهم، وبعث نفوسهم على الإيمان وحثهم على اتباع النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم، ثم قرن الله تعالى بالعظة والتذكير التخويف من حساب يوم القيامة. ففي الآية الأولى يعظ الله اليهود الذين كانوا في عصر التنزيل، ويذكرهم بالنعم الكثيرة الدنيوية والدينية التي أنعم بها على آبائهم، بإنقاذهم من أيدي عدوهم، وإنزاله المن والسلوى عليهم، وتمكينهم في البلاد بعد المذلة والقهر، وإرساله الرسل منهم، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، حين كانوا مطيعين للرسل،
فقه الحياة أو الأحكام:
مصدقين لما جاءهم من عند ربهم، حتى يتركوا ضلالهم، ويثوبوا إلى رشدهم. ومن أجل النعم التوراة المنزلة عليهم، فمن شكر النعمة وآمن بجميع ما فيها، آمن بالنبي صلّى الله عليه وسلّم المبشر به فيها. وفي الآية الثانية يحذرهم الله من عذاب يوم القيامة بسبب تحريف التوراة، والتكذيب برسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم، ذلك اليوم الذي لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤاخذ نفس بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئا، ولا يؤخذ منها فدية تنجو بها من النار، ولا يشفع بما يجب عليها شافع، ولا ناصر ينصرهم، فيمنع عنهم عذاب الله. فقه الحياة أو الأحكام: تؤكد هذه الآية ما جاء في صدر السورة، لحث اليهود وغيرهم على اتباع الرسول النبي الأمي المطابقة صفته لما في التوراة، وتأمرهم ببواعث الإيمان: وهي تذكر النعم الدينية والدنيوية التي أنعم الله بها على آبائهم، والإقلاع عن حسد بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال خاتم النبيين منهم، وألا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه. فإن أبوا فإن مصيرهم المحتوم هو الحساب الشديد يوم القيام، المحقق الوقوع والنتيجة أو الأثر وهو العقاب، دون أن ينفع الوسطاء أو الشفعاء، والبدل أو الفداء، والنصر أو المنع من العذاب، ويكون كل امرئ مسئولا عن نفسه، ولا يسأل أحد عن غيره، كما قال تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور 52/ 21] وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164] .
اختبار إبراهيم عليه السلام وخصائص البيت الحرام وفضائل مكة [سورة البقرة (2) الآيات 124 إلى 126] :
اختبار إبراهيم عليه السّلام وخصائص البيت الحرام وفضائل مكة [سورة البقرة (2) : الآيات 124 الى 126] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) الإعراب: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ فيه تقديم المفعول على الفاعل، وهو واجب، لاتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول. مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل منصوب من أَهْلَهُ بدل بعض من كل، وضمير مِنْهُمْ يعود إلى المبدل منه، لأن بدل البعض من الكل، لا بد أن يعود منه ضمير إلى المبدل منه لفظا أو تقديرا. وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا: مِنَ إما منصوب بفعل مقدر تقديره: وأرزق من كفر، وإما مرفوع مبتدأ، وهي شرط، وفَأُمَتِّعُهُ الخبر والجواب. وقَلِيلًا منصوب إما لأنه صفة لمصدر محذوف، وتقديره: تمتيعا قليلا، أو لأنه صفة لظرف محذوف، وتقديره: زمانا قليلا. البلاغة: ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ تشريف له، بتكليفه الأوامر والنواهي التي يظهر بها استحقاقه للإمامة.
المفردات اللغوية:
وَأَمْناً فيه استعمال المصدر محل اسم الفاعل للمبالغة، وتقديره: وآمنا. وطَهِّرا بَيْتِيَ إضافة البيت لله عز وجل للتشريف والتعظيم، لا أن هناك مكانا محل الله تعالى. المفردات اللغوية: ابْتَلى إِبْراهِيمَ اختبره، والابتلاء: الاختبار، أي معرفة حال المختبر بتكليفه بأمور يشق عليه فعلها أو تركها، ليجازيه عليها. بِكَلِماتٍ أي أوامر ونواه، قيل: هي مناسك الحج، وقيل خصال الفطرة: وهي المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الشعر وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء. فَأَتَمَّهُنَّ أداهن تامات. إِماماً قدوة في الدين أو رسولا. ذُرِّيَّتِي أولادي، أي اجعل أئمة منهم. عَهْدِي بالإمامة. الظَّالِمِينَ الكافرين منهم، دل على أنه ينال غير الظالم. الْبَيْتَ بيت الله الحرام أو الكعبة. مَثابَةً مرجعا ومآبا يثوبون إليه من كل جانب. وَأَمْناً مأمنا من الظلم والإغارة الواقعة في غيره، كان الرجل يلقى قاتل أبيه، فلا يتعرض له مَقامِ إِبْراهِيمَ هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت. مُصَلًّى مكان صلاة، بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف. طَهِّرا بَيْتِيَ من الأوثان. الْعاكِفِينَ المقيمين فيه، الملازمين له. والثَّمَراتِ المأكولات التي تخرجها الأرض. والاضطرار: الإلجاء والحمل على الشيء أو الإكراه. سبب نزول الآية (125) : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى: روى البخاري وغيره عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو أخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [التحريم 66/ 5] فنزلت.
المناسبة العامة للآيات:
المناسبة العامة للآيات: بعد أن ذكّر الله تعالى بني إسرائيل نعمه، وأبان كيف قابلوا النعم بالكفر والجحود، أعقب ذلك بقصة إبراهيم عليه السّلام أبي الأنبياء، الذي يزعم اليهود والنصارى انتماءهم إليه، ولو صدقوا لا تبعوا النبي محمدا صلّى الله عليه وسلّم، لأنه أثر دعوة أبيه إبراهيم حين دعا لأهل الحرم، فالكلام كله متصل مع أهل الكتاب. التفسير والبيان: واذكر يا محمد لقومك المشركين وغيرهم حين اختبر الله إبراهيم ببعض التكاليف من أوامر ونواه، فأتى بها على وجه الكمال، وأداها خير أداء، كما قال سبحانه: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم 53/ 37] . وبما أن الله تعالى عالم بصدق المختبر، فكان المراد أنه عامله معاملة المختبر، ليظهر ذلك للخلق. والمراد من ذكر الوقت في قوله وَإِذِ ابْتَلى ما وقع فيه من الحوادث. ولم يعين القرآن الكلمات، فقيل: هي مناسك الحج، وقيل: إنها الكوكب والشمس والقمر التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية الله تعالى، وقيل: غير ذلك. فجازاه الله تعالى أحسن الجزاء، وقال له: إني جاعلك للناس رسولا وإماما تؤمهم في دينهم، ويأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون، فدعا الناس إلى ملة التوحيد ونبذ الشرك. قال إبراهيم: وجاعل بعض ذريتي كذلك؟ متمنيا لذريته الخير في سلوكهم ودينهم وأخلاقهم، ولا غرو فالإنسان يتمنى أن يكون ابنه أحسن منه. فأجابه الله تعالى: أجبتك إلى طلبك، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس، ولكن لا ينال عهدي بالإمامة أو النبوة الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، إذ هم لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس، لأن الإمام قدوة للناس في حراسة الدين
وأهله وحمل الأتباع على الاستقامة، ومنع الجور، فإذا كان الإمام ظالما لنفسه بالانحراف، فكيف يقوّم غيره؟ والمراد بالعهد: النبوة أو الإمامة. وفيه دليل على مقت الظلم، والتنفير من الظالمين، والبعد عنهم. ثم ذكرّ الله تعالى العرب في هذه الآيات بنعم كثيرة، منها: جعل البيت الحرام (الكعبة) مرجعا للناس يقصدونه، ومآبا يثوبون إليه للعبادة وقت الحج وغيره، وفي ذلك تنشيط لحركة التجارة والاقتصاد وجلب الخير، ومنها جعله مأمنا يطمئن إليه الأفراد من المخاوف، فمن دخله كان آمنا، ويتخطف الناس من حوله، كما قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ، وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ؟ [العنكبوت 29/ 67] . ثم أمر الله المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى، بأن يفضلوه على غيره في الصلاة، لشرفه بقيام إبراهيم فيه، فالأمر فيه للندب، لا للوجوب، والمسلمون مأمورون بذلك كما أمر به المؤمنون المعاصرون لإبراهيم الخليل عليه السّلام. وهذا البيت طاهر مطهر، وصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهيره من الأوثان وعبادة الأصنام التي كان عليها المشركون قبل أن يصير في يد إبراهيم عليه السّلام، وتطهيره من كل رجس حسي أو دنس معنوي كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء المناسك والعبادات كالطواف والسعي بين الصفا والمروة، والإقامة فيه، والركوع والسجود، وقد روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: أنه لما فتح مكة، دخل المسجد، فوجدهم قد نصبوا على البيت الأوثان، فأمر بكسرها، وجعل يطعن فيها بعود في يده، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء 17/ 81] . وفيه أن إبراهيم ومن بعده كانوا مأمورين بهذه العبادات، وإن لم تعرف
الكيفية وطريقة الأداء. وسمي بيتا، لأن الله جعله معبدا لأداء العبادة الصحيحة، وأمر المصلين أن يتجهوا إليه في عبادتهم. والحكمة في اتخاذ الكعبة مقرا لاتجاه المصلين: هو توحيد المشاعر والعواطف، وحصر الاتجاه إلى الذات الإلهية المقدسة، رمزا إلى حضوره تعالى، والحضور الحقيقي محال عليه، فكان المراد أن رحمته الإلهية تحضره. ومن ثم كان التوجه إلى الكعبة كالتوجه إلى تلك الذات العلية. ومن نعمه تعالى على العرب التي أمر الله نبيه أن يذكّرهم بها: دعاء إبراهيم عليه السّلام: أن يجعل هذا البلد في أمن وطمأنينة، فلا يتسلط عليه الجبارون، ولا يعكر صفوه المجرمون الآثمون، ويحميه سبحانه وتعالى من الخسف والزلزال والغرق والهدم ونحو ذلك من مظاهر سخط الله على بلاد أخرى. ودعاؤه أن يرزق أهله من أنواع الثمار وأطيبها، ومن خيرات الأرض وبركاتها وأمنها، إما بالزرع بالقرب منه، وإما بأن تجبى إليه من الأقطار الشاسعة، وقد حصل كل ذلك، كما هو مشاهد، وكما قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص 28/ 57] . وفي إجابة دعاء إبراهيم تكريم للمؤمنين، وإن كانت رحمة الله شاملة للمؤمنين والكافرين، فيرزق الله الجميع، كما قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء 17/ 20] لكن تمتيع الكافر بنعم الدنيا قصير محدود، ثم إلى النار، فمن كفر يرزقه الله أيضا، ويمتعه بهذا الرزق أمدا قليلا، وهو مدة وجوده في الدنيا، ثم يساق إلى عذاب جهنم سوقا اضطراريا، وبئس المصير مصيرهم الذي ينتظرهم. وفيه ترغيب لعرب قريش بالإيمان، وزجر عن الكفر، وترهيب لهم
فقه الحياة أو الأحكام:
ولأهل الكتاب من الإعراض عن دعوة الإسلام، فالله تعالى خص طلب الرزق للمؤمنين، إشارة إلى جدارتهم واستحقاقهم له. فقه الحياة أو الأحكام: النبوة أو الإمامة في الدين الصالحة الدائمة الأثر تتطلب الاستقامة على أوامر الله واجتناب نواهيه، والإمامة المؤقتة القائمة على الانحراف والظلم تحفر لنفسها قبرها بيدها، وتدمر كيانها، وتقوض عرش وجودها. فالظلم مانع من الإمامة ومن اتخاذ الظالم قدوة للناس. ولا تكون الإمامة الصالحة أو النبوة إلا للأفاضل الذين يعملون الصالحات، ويرشدون إلى الخير، ويزجرون أنفسهم وغيرهم عن الشر والآثام، ولا حظّ للظالمين في شيء من هذا، لأن الظلم مؤذن بخراب المدنيات، وتدمير الحضارة والعمران. واستدل جماعة بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل، مع القوة على القيام بذلك. فأما أهل الفسوق والجور والظلم، فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. والذي عليه أكثر العلماء: أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. وإن تعظيم البيت الحرام بالطواف حوله والسعي فيه أمر قديم من عهد أبينا إبراهيم عليه السّلام، وتخصيصه بالاتجاه إليه رمز لوجوده تعالى هناك، مع أن ذاته العلية لا تتحدد بمكان، وحضوره تعالى معناه حضور رحمته، وإفاضة فضله، وإسباغ نعمه، وإجابة الدعاء فيه. والجدير بالرزق الإلهي: من آمن بالله واليوم الآخر، وأطاع ربه، واستقام على أوامر الله، واجتنب ما نهى الله عنه.
والإنسان مخير في اختيار الحق والطيّب والتزام جادة الاستقامة، وترك الباطل والخبيث، بما أعطاه الله من العقل، وبما أرشده به من الوحي، فمن حاد عن ذلك، فقد ظلم نفسه، وعرّضها للعذاب والشقاء، ويكون ذلك سببا لحملة على العذاب، وإلجائه إليه، وصب السخط عليه والانتقام منه. وأما الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم: فهي الوظائف التي كلفه بها، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما يسمى عيسى بالكلمة، لأنه صدر عن الكلمة، وهي كن، وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز. واختلف العلماء في بيان المراد من الكلمات على أقوال، منها ما يأتي: أحدها- أنها شرائع الإسلام، وقد أكملها إبراهيم عليه السّلام، فما قام أحد بوظائف الدين مثله، ثم قام بها بعده كثير من الأنبياء عليهم السّلام، وخصوصا محمدا صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن عباس: ما ابتلى الله أحدا بهن، فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السّلام، ابتلي بالإسلام، فأتمه، فكتب الله له البراءة، فقال: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم 53/ 37] . الثاني- أنها الفطرة التي أقامها الله تعالى فيه. روت عائشة في الصحيح عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللّحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم (غسل عقد ظهور الأصابع لاجتماع الوسخ فيها) ، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء أي الاغتراف منه، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة» . الثالث- أنها الكوكب والشمس والقمر، التي رآها واستدل بأفولها على وجود الله تعالى ووحدانيته. وهذا القول هو الذي فسر به ابن كثير (الكلمات) ثم أورد قول ابن جرير الطبري وحاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه أنه المراد على
التعيين إلا بحديث أو إجماع. ثم قال: ولم يصح في ذلك خبر، بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. الرابع- قال ابن عباس: «الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجة نمرود في الله، وصبره على قذفهم إياه في النار ليحرقوه، والهجرة من وطنه حين أمر بالخروج عنهم، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمر بذبحه» ويظهر أن هذا أصح الأقوال. واختلف العلماء أيضا في تفسير الأمن على أربعة أقوال: الأول- أنه أمن من عذاب الله تعالى، والمعنى أن من دخله معظّما له، وقصده محتسبا الأجر، سلم من العذاب، ويعضده قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . الثاني- معناه: من دخله كان آمنا من التشفي والانتقام، كما كانت العرب تفعله فيمن أناب إليه، من تركها لحق يكون لها عليه. الثالث- أنه أمن من حد يقام عليه، فلا يقتل به الكافر، ولا يقتص فيه من القاتل، ولا يقام الحد على المحصن والسارق، قاله أبو حنيفة وغيره. الرابع- أنه أمن من القتال، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» . قال ابن العربي: والصحيح فيه القول الثاني، وهذا إخبار من الله تعالى عن منّته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه، إجابة لدعوة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم، حين أنزل به أهله وولده، فتوقع عليهم الاستطالة، أي الاعتداء، فدعا أن يكون أمنا لهم، فاستجيب دعاؤه «1» .
والصحيح من اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى معناه: موضعا للصلاة المعهودة، كما بان في سبب نزول الآية السابق ذكره عن عمر رضي الله عنه، واتضح منه أربعة أمور: وهي أن ذلك الموضع هو المقام المراد في الآية، وأن المراد به الصلاة المتضمنة للركوع والسجود، لا مطلق الدعاء، وأن الصلاة عقب الطواف، وأن ركعتي الطواف مطلوبتان، وهما عند المالكية: واجبتان، فمن تركهما، فعليه دم. وقال الجصاص الحنفي عن قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى هو أمر ظاهره الإيجاب، والمراد بالآية فعل الصلاة بعد الطواف، وقد روي أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قد صلاهما عند البيت. فدلت هذه الآية على وجوب صلاة الطواف، ودل فعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم لها تارة عند المقام، وتارة عند غيره على أن فعلها عنده ليس بواجب. ويفهم من قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ عدم جواز تولية الظالم، أو الفاسق، ولا فرق بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكما، كما لا تقبل شهادته ولا خبره لو روى خبرا عن النّبي عليه السّلام. قال ابن خويز منداد: وكل من كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه، حتى يعزله أهل الحل والعقد. وقال أيضا: وأما أخذ الأرزاق (المخصصات المالية) من الأئمة الظلمة فله ثلاث أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن كان مختلطا
حلالا وظلما، فالورع تركه، ويجوز للمحتاج. وإن كان ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم «1» . وقال الجصاص: دل قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ على أن الإجابة وقعت له في أن ذرية إبراهيم أئمة. واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: وَأَمْناً على ترك إقامة الحد في الحرم على الزاني المحصن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران 3/ 97] . والصحيح- كما قال القرطبي- إقامة الحدود في الحرم، وأن ترك إقامتها من المنسوخ لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت، ويقتل خارج البيت. وآية: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ استدل بها أبو حنيفة والشافعي والثوري على جواز صلاة الفرض والنفل داخل البيت الحرام، قال الشافعي رحمه الله: إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها، فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب، والباب مفتوح، فصلاته باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها، لأنه لم يستقبل منها شيئا. وقال مالك: لا يصلي في البيت الفرض ولا السّنن، ويصلي فيه التطوع (غير الرواتب) ، غير أنه إن صلى فيه الفرض، أعاد في الوقت، ودليله: ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد أن النّبي صلّى الله عليه وسلم لما دخل البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصلّ فيه حتى خرج منه، فلما خرج ركع في قبل الكعبة ركعتين. والحاصل: لا خلاف في صحة التطوع في الكعبة، وأما الفرض فلا يصح عند المالكية، لأن الله تعالى عين الجهة بقوله تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة 2/ 150] .
بناء البيت الحرام ودعاء إبراهيم وإسماعيل [سورة البقرة (2) الآيات 127 إلى 129] :
وأما الصلاة على ظهر الكعبة، فأجازها الشافعي، وقال مالك: من صلى على ظهر الكعبة، أعاد في الوقت. وقال أبو حنيفة: من صلى على ظهر الكعبة، أعاد في الوقت. وقال أحمد: من صلى على ظهر الكعبة، فلا شيء عليه. وهل الصلاة عند البيت أفضل أو الطواف به؟ اختلفوا، فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. والجمهور على أن الصلاة أفضل. بناء البيت الحرام ودعاء إبراهيم وإسماعيل [سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى 129] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) الإعراب: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا أي يقولان: ربنا تقبل منا، فحذف «يقولان» وحذف القول كثير في كتاب الله وكلام العرب. البلاغة: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ عبر بالمضارع عن الماضي، لاستحضار الصورة الماضية وكأنها مشاهدة بالعصيان، فكأن السامع ينظر ويرى إلى البنيان وهو يرتفع، وإلى البنّاء وهو إبراهيم وإسماعيل
المفردات اللغوية:
عليهما السلام. التَّوَّابُ الرَّحِيمُ من صيغ المبالغة، على وزن فعّال وفعيل. المفردات اللغوية: الْقَواعِدَ واحدها قاعدة، وهي ما يقوم عليه البناء من الأساس أو من طبقات البناء، فالقواعد: هي الأسس أو الجدران. ورفعها: إعلاء البناء عليها. وتقبّل الله العمل: قبله ورضي به. مُسْلِمَيْنِ منقادين لك أُمَّةً جماعة مِنْ ذُرِّيَّتِنا أي اجعل من أولادنا، ومن للتبعيض، وأتى به لتقدم قوله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، مَناسِكَنا شرائع عبادتنا أو حجنا، واحدها منسك- بفتح السين، من النسك: وهو غاية الخضوع والعبادة، وشاع استعماله في عبادة الحج خاصة، كما شاع استعمال المناسك في معالم الحج وأعماله لما فيها من الكلفة والبعد عن العادة. وَتُبْ عَلَيْنا سألاه التوبة، مع عصمتهما تواضعا وتعليما لذريتهما. وتاب العبد إلى ربه: إذا رجع إليه، لأن اقتراف الذنب إعراض عن الله وعن موجبات رضوانه، وتاب الله على العبد: رحمه وعطف عليه. وَابْعَثْ فِيهِمْ أي أهل البيت رَسُولًا مِنْهُمْ من أنفسهم، وقد أجاب الله دعاءه بمحمد صلّى الله عليه وسلم الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ أسرار الأحكام الدينية ومعرفة مقاصد الشريعة وَيُزَكِّيهِمْ يطهر نفوسهم من دنس الشرك وأنواع المعاصي الْعَزِيزُ الغالب الْحَكِيمُ أي الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. المناسبة: بعد أن ذكّر الله تعالى العرب بما أنعم عليهم من فضائل البيت الحرام، أردف ذلك بتذكيرهم بأن الذي بنى البيت هو أبوهم إبراهيم مع ابنه إسماعيل، ليجذبهم بذلك إلى الاقتداء بسلفهم الصالح الذي ينتمون إليه، وقد كانت قريش تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل، وتدعي أنها على ملة إبراهيم، وسائر العرب في ذلك تبع لقريش.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: واذكر يا محمد لقومك وقت أن بنى إبراهيم وابنه إسماعيل قواعد البيت وأساسه، والفضيلة في كون البنّاءين نبيين، وفي تخصيصه للعبادة وسط بلاد وثنية، لا في أفضلية أحجاره ولا موقعه ولا بأنه نزل من السماء. وجعل التوجه إليه توجها إلى الله الذي لا يحده مكان ولا تحصره جهة، وعدّ استلام الحجر الأسود تعبديا كاستقبال الكعبة في الصلاة، فلا مزية له في ذاته، بل هو كسائر الأحجار بدليل قول عمر بن الخطاب عند استلامه: «أما والله، إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبّلك ما قبّلتك، ثم دنا فقبّله» «1» . وفي أثناء إقامة البناء يدعو إبراهيم وإسماعيل قائلين: ربنا إنك أنت السميع لدعائنا، العليم بنياتنا في جميع أعمالنا، ربنا واجعلنا منقادين لك، ومخلصين في الاعتقاد فلا نتوجه إلا إليك، ولا نستعين بأحد إلا بك، وفي العمل بألا نقصد بعملنا إلا مرضاتك. ربنا واجعل من ذريتنا جماعة مخلصة لك، منقادة لأوامرك، ليستمر الإسلام دائما في الأجيال. ربنا بصّرنا وعرفنا أمور عبادتنا ومواضع نسكنا، أي أعمال الحج، كمواقيت الإحرام، وموضع الوقوف بعرفة، وموضع الطواف والسعي، واقبل توبتنا، إنك أنت التواب الرحيم، أي كثير التوبة على عبادك بقبولها منهم، الرحيم بالتائبين لإنجائهم من العذاب. وهذا منهما إرشاد لذريتهم، وطلب للتثبت والدوام على الطاعة، لا أنهما كان لهما ذنب، لأن الأنبياء معصومون، وليبينوا للناس بعد معرفة المناسك وبناء البيت أن ذلك الموقف وتلك المواضع، مكان التطهر من الذنوب وطلب التوبة.
فقه الحياة أو الأحكام:
ربنا وأرسل في الأمة المسلمة رسولا منهم، ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعزّ الناس به، وأقرب لإجابة دعوته، وقد عرفوه معرفة تامة، ولمسوا منه الصدق والأمانة والعفة والاستقامة، ونحو ذلك، يقرأ عليهم آيات دينك المشتملة على إثبات وحدانية الله، وعلى الإقناع بالبعث والجزاء، ويعلمهم القرآن وأسرار الشريعة ومقاصدها، وما تكمل به نفوسهم من العلوم والمعارف، ويطهرهم من دنس الشرك والوثنية وأنواع المعاصي، ويعملهم صالح الأخلاق، إنك أنت القوي الذي لا يغلب، الحكيم في كل صنع، فلا تفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، قال مالك: والحكمة: المعرفة بالدين، والفقه بالتأويل، والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: في هذه الأدعية تعليم لنا أن نطلب في ختام أعمالنا قبولها، وأن ندعو بصلاح أنفسنا وذريتنا ليستمر الإسلام في كل زمان، ويظهر الانقياد والخضوع لخالق السماء والأرض، والله تعالى جعل المناسك ومواقف الحج أمكنة للتخلص من الذنوب وطلب الرحمة من الله، والله كريم رحيم. وقد أجاب الله دعاء إبراهيم وابنه إسماعيل، فأرسل خاتم النبيين محمدا صلّى الله عليه وسلم رسولا من العرب، قال صلّى الله عليه وسلم: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورؤيا أمي» ، وأكرم الله أمة العرب، فجعلها بالإسلام خير الأمم، وكان لها السيادة والمجد والسلطة في المشارق والمغارب، حينا من الزمان، وكان منها ومن المسلمين غير العرب رجال هم مفخرة التاريخ في العدل والسياسة والقضاء والعلم والفكر والأدب والحضارة. أما بناء الكعبة: فكان بالطين والحجارة، وظل كذلك إلى أن هدمتها قريش وأعادوا بناءها، ورفعوها عن الأرض عشرين ذراعا، وتم وضع الحجر من قبل النبي صلّى الله عليه وسلم وهو شاب قبل البعثة، لأنهم حكّموا أول من يطلع عليهم، فطلع عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فحكّموه، ووضع الحجر في ثوب، ثم أمر سيد كل
قبيلة، فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو، فرفعوا إليه الحجر الأسود، فكان هو يضعه صلّى الله عليه وسلم. ولم يدخلوا حجر الكعبة في البناء أي حجر إسماعيل من جهة الشمال، لعجز النفقة لديهم، ثم رأى النبي تجديد البناء، لكنه كما روت عائشة رضي الله عنها قال: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشا حين بنت الكعبة استقصرت، ولجعلت لها خلفا» ، يعني بابا. وفي البخاري: «لجعلت لها خلفين» يعني بابين. ثم لما غزا أهل الشام في عهد الأمويين عبد الله بن الزبير، ووهت الكعبة من حريقهم، أعاد بناءها ابن الزبير، وبناها على ما أخبرته عائشة، وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل لها بابين، أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه، كما روى مسلم في صحيحة. ثم لما قتل ابن الزبير أعاد الحجاج بناء الكعبة، ورد ما زاد فيه من الحجر إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه، وأعاده إلى بنائه، بأمر الخليفة عبد الملك. وروي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة، وأن يردّه على بناء ابن الزبير، لما جاء عن النّبي صلّى الله عليه وسلم، وامتثله ابن الزبير، فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألا تجعل بهذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم، إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. وأما كسوة الكعبة، فقال العلماء: لا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيء، فإنه مهدي إليها، ولا ينقص منها شيء.
سفاه من يرغب عن ملة إبراهيم [سورة البقرة (2) الآيات 130 إلى 132] :
سفاه من يرغب عن ملة إبراهيم [سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 132] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) الإعراب إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ نصب نَفْسَهُ إما بنزع الخافض الجار، وتقديره: سفه في نفسه، أو لأن سَفِهَ بمعنى جهل، وهو فعل متعد بنفسه، أو منصوب على التمييز، وهو قول الكوفيين. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: فِي متعلقة بعامل مقدر، وتقديره: وإنه صالح في الآخرة لمن الصالحين، ولا يجوز أن تتعلق بالصالحين لأنه يؤدي إلى تقديم معمول الصلة على الموصول. وَوَصَّى بِها الضمير يعود إلى الملة المذكورة في قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. البلاغة: وَمَنْ يَرْغَبُ استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا السفيه، والجملة واردة لتوبيخ الكافرين. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ التأكيد ب (إن) و (الكلام) لتعلقه بأمر غيبي في الآخرة، بخلاف حال الدنيا، فإنه مشاهد. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ التفات عن الحضور إذ السياق: (قلنا) إلى الغيبة. ورَبُّهُ لإظهار مزيد اللطف والاعتناء بتربيته. وجواب إبراهيم أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ دليل على قوة إسلامه، وفيه إشارة إلى وجوب الخضوع لله تعالى، وفيه التفات من الخطاب إلى الغائب.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: وَمَنْ يَرْغَبُ رغب في الشيء: أحبه، ورغب عنه: كرهه، سَفِهَ نَفْسَهُ جهل أنها مخلوقة لله يجب عليها عبادته، أو استخف بها وامتهنها أي أذلها واحتقرها. اصْطَفَيْناهُ اخترناه بالرسالة في ذلك الوقت. أسلم أي انقاد لله وأخلص له العبادة والدين. وَوَصَّى بِها التوصية: إرشاد غيرك إلى ما فيه خير وصلاح له من قول أو فعل في الدين أو الدنيا، فَلا تَمُوتُنَّ نهي عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى الموت. سبب نزول الآية (130) : قال ابن عيينة: روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه: سلمة ومهاجرا، إلى الإسلام، فقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة، وأبى مهاجر، فنزلت فيه الآية. التفسير والبيان: بعد أن ذكر الله سبحانه أنه ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمهن، وأنه عهد إليه ببناء البيت وتطهيره للعبادة، أردف ذلك ببيان أن ملة إبراهيم وهي التوحيد وإسلام القلب لله، لا يصح لأحد التحول عنها، وبها وصى يعقوب بنيه، ووصى بها من قبله إبراهيم. فلا يرغب أحد عن ملة إبراهيم ودينه إلا شخص أذل نفسه واستخف بها، لأن من يترك الخير والحق والهدى، فقد أمتهن نفسه وأذلها. ولقد اصطفى الله إبراهيم في الدنيا، فجعله أبا الأنبياء، وجعله في الآخرة من المشهود لهم بالصلاح والاستقامة وإرشاد الناس للعمل بملته. وهذه بشارة لإبراهيم بصلاح حاله في الآخرة ووعد له بذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من الأدلة على وحدانية الله، فما كان منه إلا أن بادر بالانقياد والامتثال، وقال: أخلصت ديني لله الذي أوجد الخلق، كما في قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام 6/ 79] . ولقد أراد إبراهيم الخير لذريته، فأوصاهم بالملة الحنيفية، وكذلك فعل يعقوب عليهما السلام، وقالا لهم: إن الله اختار لكم هذا الدين- دين الإسلام، الذي لا يتقبل الله سواه، فاثبتوا على الإسلام لله، ولا تفارقوه، حتى لا تفاجأكم المنية، وأنتم على غير الدين الحق الذي اصطفاه لكم ربكم. وفي هذا فتح باب الأمل أمام المنحرف ليعود إلى الله ويعتصم بالدين، قبل الموت. فانظروا أيها اليهود: هل أنتم تتبعون آباءكم إبراهيم ويعقوب أو لا؟ فقه الحياة أو الأحكام: تندد هذه الآيات بكل من أعرض عن ملة إبراهيم- ملة التوحيد والانقياد والإخلاص لله، وتوبخ الكافرين الذين كرهوا هذه الملة. وملة الإسلام قديمة دعا لها الأنبياء جميعا، والإسلام في كلام العرب: الخضوع والانقياد للمسلم إليه، وليس كل إسلام إيمانا، لكن كل إيمان إسلام، لأن من آمن بالله فقد استسلم وانقاد لله، وليس كل من أسلم آمن بالله، لأنه قد يتكلم فزعا من السيف، ولا يكون ذلك إيمانا، بدليل قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ: آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا: أَسْلَمْنا [الحجرات 49/ 14] فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا، فدل على أنه ليس كل مسلم مؤمنا، فإن الإيمان باطن، والإسلام ظاهر. وقد يطلق الإيمان بمعنى الإسلام، والإسلام ويراد به الإيمان، للزوم أحدهما الآخر وصدوره عنه. وقال القدرية والخوارج: إن الإسلام هو الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وكل
مسلم مؤمن، لقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران 3/ 19] فدل على أن الإسلام هو الدين، وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن. ووصى بالإسلام إبراهيم ويعقوب، لأنه الدين الحق، وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده، نقله إلى مكة وهو رضيع له سنتان، وولد قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة، ومات وله مائة وسبع وثلاثون سنة، وكان سنه يوم مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعا وثمانين سنة، وهو الذبيح في قول مشهور. وإسحاق: أمّه سارة، وهو الذبيح في قول آخر، وهو الأصح في رأي القرطبي «1» . ومن ولده: الروم واليونان والأرمن ونحوهم وبنو إسرائيل، وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة، ومات بالأرض المقدسة، ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام. ودخل يعقوب فيمن أوصى إبراهيم. ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم، وإنما ولد بعد موت إبراهيم، وأوصى يعقوب بنيه كما فعل إبراهيم، عاش يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، ومات بمصر، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة، ويدفن عند أبيه إسحاق، فحمله يوسف ودفنه عنده. وبما أن الإسلام قديم وهو دعوة كل الأنبياء، أوصى إبراهيم ويعقوب بالتزامه، فقالا: الزموا الإسلام وداوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا، فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود، ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت، ولا يدري متى، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجه الخطاب من وقت الأمر دائبا لازما. فظاهر قوله تعالى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: وهو النهي عن
إبطال دعوى اليهود أنهم على دين إبراهيم ويعقوب [سورة البقرة (2) الآيات 133 إلى 137] :
الموت إلا على حالة الإسلام، غير مراد، وإنما المقصود الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الموت، فهو نهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف الإسلام «1» . إبطال دعوى اليهود أنهم على دين إبراهيم ويعقوب [سورة البقرة (2) : الآيات 133 الى 137] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) الإعراب: ما تَعْبُدُونَ ما اسم استفهام في موضع نصب ب تَعْبُدُونَ وتقديره: أي شيء تعبدون مِنْ بَعْدِي أي بعد موتي، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ في موضع جر على البدل من آبائِكَ ولا ينصرف للعجمة والتعريف. إِلهاً واحِداً إما منصوب بدل من قوله إِلهَكَ أو حال منه.
البلاغة:
تِلْكَ أُمَّةٌ مبتدأ وخبر. قَدْ خَلَتْ صفة «لأمة» وكذلك لَها ما كَسَبَتْ. بَلْ مِلَّةَ منصوب بفعل مقدر، وتقديره: بل نتبع ملة إبراهيم حَنِيفاً إما حال منصوب، من إبراهيم، لأن المعنى: بل نتبع إبراهيم أو منصوب بفعل مقدر تقديره: أعني، إذ لا يجوز وقوع الحال من المضاف إليه. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ الباء زائدة، مثل قوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها [يونس 10/ 27] أي مثلها كالآية الأخرى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى 42/ 40] . وما آمَنْتُمْ: «ما» مع الفعل بعدها في تأويل المصدر، وتقديره: بمثل إيمانكم به أي بالله. البلاغة: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ معنى الاستفهام هنا: التقريع والتوبيخ، وهو في معنى النفي، أي ما كنتم شهداء، فكيف تنسبون إليه ما لا تعلمون ولا شهدتموه أنتم ولا أسلافكم. إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ كنى بالموت عن مقدماته، لأنه إذا حضر الموت نفسه لا يقول المحتضر شيئا. آبائِكَ مجاز للتغليب، إذ شمل العلم وهو إسماعيل، والجد وهو إبراهيم، والأب وهو إسحاق. وَقالُوا: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى فيه إيجاز بالحذف، أي قال اليهود: كونوا يهودا، وقال النصارى: كونوا أنصاري. فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ فيه إيجاز، أي يكفيك الله شرهم. والتعبير بالسين بدل سوف للدلالة على أن النصر عليهم قريب. السَّمِيعُ الْعَلِيمُ من صيغ المبالغة، ومعناه: الذي أحاط سمعه وعلمه بجميع الأشياء. المفردات اللغوية: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ «أم» هنا بمعنى «بل» وبمعنى همزة الإنكار والمعنى: أكنتم حضورا، والهمزة بمعنى النفي، أي ما كنتم شهداء، وحضور الموت: حضور أماراته ومقدماته، بَعْدِي بعد موتي. أُمَّةٌ جماعة، خَلَتْ مضت وذهبت لَها ما كَسَبَتْ ما عملت، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ أي أنتم مجزيون بأعمالكم. هُوداً أَوْ نَصارى أو للتفضيل، والهود: اليهود، جمع هائد أي تائب، وقائل الأول: يهود المدينة، وقائل الثاني: نصارى نجران. حَنِيفاً مائلا عن الأديان كلها إلى الدين الحق القيم.
سبب نزول الآية (133) :
قُولُوا: آمَنَّا خطاب للمؤمنين. وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ من الصحف العشر. الْأَسْباطِ واحدهم سبط أي ولد الولد، والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب، والشعوب من العجم، وهم أولاد يعقوب وَما أُوتِيَ مُوسى وهو التوراة وما أوتي عيسى وهو الإنجيل لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كاليهود والنصارى. شِقاقٍ خلاف معكم، مأخوذ من الشق وهو الجانب، فكأن كل واحد في شق غير شق صاحبه، لما بينهما من عداوة. سبب نزول الآية (133) : نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟. وسبب نزول الآية (135) : هو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا للنبي صلّى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فأتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم: وَقالُوا: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا. وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: نزلت في رؤوس يهود المدينة: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وأبي ياسر بن أخطب، وفي نصارى أهل نجران، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين، كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن، وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد والقرآن. وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا، فلا دين إلا ذلك، ودعوهم إلى دينهم.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: ما كنتم يا معشر اليهود المكذبين محمدا حاضرين حين احتضر يعقوب، فلا تكذبوا عليه، فإني ما أرسلت إبراهيم وبنيه إلا بالحنيفية وهي الإسلام، وبه أوصوا ذريتهم. والدليل أن يعقوب قال لبنيه: أي شيء تعبدون بعد موتي؟ فأجابوه: نعبد إلهك الله الواحد الذي دلت الأدلة على وجوده ووحدانيته، ولا نشرك به سواه. وهو إله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ونحن له منقادون خاضعون لحكمه. وجعلوا إسماعيل (وهو عمه) أبا، تشبيها له بالأب، وفي الحديث الصحيح عند الشيخين: «عم الرجل صنو أبيه» . ثم رد الله تعالى على اليهود أنهم نسل الأنبياء وحفدتهم، فلا يدخلون النار إلا أياما معدودات، بقوله: تلك أمة قد مضت بمالها وما عليها، وجرت سنة الله في عباده ألا يجزى أحد إلا بعمله، ولا يسأل عن عمل غيره، كما قال تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى، وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم 53/ 36- 39] وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا بني هاشم، لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم» . فكما أن هؤلاء السابقين لا ينفعهم إلا عملهم، كذلك أنتم لا ينفعكم إلا أعمالكم. وبعد أن بين الله تعالى أن دين الله واحد على لسان النبيين جميعا، وأن على العرب وأهل الكتاب اتباع الإسلام الذي هو امتداد لدعوة الأنبياء السابقين، وأن الخلاف في الجزئيات لا يغيّر من جوهر الدين. بعد هذا ندد المولى سبحانه بتمسك أهل الكتاب بفوارق الدين الجزئية، فقال اليهود: كونوا مع اليهود في دينهم تهتدوا إلى الطريق السوي، وقال النصارى: كونوا مع النصارى تصلوا إلى الحق، وأتباع كل دين يدعون أن دينهم خير الأديان، فأجابهم الله بقوله: تعالوا إلى ملة إبراهيم الذي تدّعون أنكم على دينه، فهي الملة التي لا انحراف فيها
ولا اعوجاج، ولم يكن إبراهيم ممن يشرك بالله سواه من وثن أو صنم. وفي هذا تعريض بشركهم حين قالوا: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله. ثم أمر الله المؤمنين بأن يقولوا: آمنا بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين مع الخضوع والطاعة رب العالمين، فهو مصدر الأديان كلها، فلا نكذب أحدا من الأنبياء، بل نصدقه جملة واحدة، ونؤمن بجوهر الدين وأصله الذي لا خلاف فيه، ونشهد أن جميع الأنبياء رسل الله بعثوا بالحق والهدى، فلا نفعل فعل اليهود الذين تبرؤوا من عيسى ومحمد عليهما السلام، ولا نفعل فعل النصارى الذين تبرؤوا من محمد صلّى الله عليه وسلم. ونحن خاضعون لله، مطيعون له، مذعنون له بالعبودية، وذلك هو الإيمان الصحيح، أما أنتم فتتبعون أهواءكم، فالمؤمن حقيقة: هو من يؤمن بكل الكتب والأنبياء، ولا يفرق بين أحد من الرسل، ويؤمن بكل ما جاء به الكتاب الإلهي، فلا يؤمن بالبعض، ويكفر بالبعض الآخر. روى البخاري عن أبي هريرة أن أهل الكتاب كانوا يقرؤن والتوراة بالعبرية، ويفسرونها للمسلمين بالعربية، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ... » الآية «1» . وروى ابن أبي حاتم عن معقل مرفوعا إلى النَّبي صلّى الله عليه وسلم: «آمنوا بالتوراة والإنجيل، وليسعكم القرآن» . فإن آمن أهل الكتاب الإيمان الصحيح بالله كما آمنتم، فأقروا بوحدانية الله، وصدقوا بما أنزل على النبيين والمرسلين، فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه يا محمد من الرجوع إلى أصل الدين، وفرقوا بين رسل الله، فصدقوا ببعض، وكفروا ببعض، فإن موقفهم موقف الشقاق
فقه الحياة أو الأحكام:
(الخلاف) والنزاع والعداوة، وإذا كان هذا موقفهم فسيكفيكم الله شرهم وأذاهم ومكرهم. وسيبدد شملهم، وينصركم عليهم. وقد تحقق ذلك بقتل بني قريظة وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير إلى الشام، وفرض الجزية على نصارى نجران، والله هو السميع لما يقولون ولكل قول، العليم بما يسرون من الحقد والحسد والبغضاء، وبكل فعل. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية: قالُوا: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ ... الآية على أن دين الله واحد في كل أمة، وعلى لسان كل نبي، فهو دين التوحيد الخالص لله، والإذعان لجميع الأنبياء، كما قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى 42/ 13] . ولقد حث القرآن على اتباع الدين الواحد الذي يقوم على أمرين: الأول- التوحيد ونبذ الشرك والوثنية بمختلف الأنواع. الثاني- الاستسلام لله والخضوع له في جميع الأعمال. فمن لم يتصف بالأمرين معا فليس بمسلم، ولا على نهج الدين القيم الذي دعا إليه الأنبياء، ومنهم النّبي صلّى الله عليه وسلم. فدين إبراهيم الحنيف هو الدين الذي دعا إليه محمد صلّى الله عليه وسلم وأتباعه، وكان إبراهيم حنيفا، أي مائلا عن الأديان المكروهة إلى الدين الحق. وكل ما يغاير هذا الأصل، فيدعو إلى الإشراك ومخالفة ملة إبراهيم، بجعل عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، فهو من المشركين. وكل المعبودات من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والأحجار.
ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد، كما دلت آية وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة 2/ 134] . وآية وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164] أي لا تحمل ثقل ذنب أخرى. قال الجصاص عن آية تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ: يدل على ثلاثة معان: أحدها- أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء ولا يعذبون على ذنوبهم، وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين بذنوب، الآباء، ويبطل مذهب من يزعم من اليهود أن الله تعالى يغفر لهم ذنوبهم بصلاح آبائهم. وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في نظائر ذلك من الآيات، نحو قوله تعالى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [الأنعام 6/ 164] وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164] وقال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [النور 24/ 54] ، وقد بين ذلك النّبي صلّى الله عليه وسلم حين قال لأبي رمثة، ورآه مع ابنه: أهو ابنك؟ فقال: نعم، قال: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه» وقال عليه السّلام: «يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم، فأقول: لا أغني عنكم من الله شيئا» وقال عليه السّلام: «من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» «1» . أما الأسباط: فهم ولد يعقوب عليه السلام، وهم اثنا عشر ولدا، ولد لكل واحد منهم أمة من الناس، واحدهم سبط، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل. وسمّوا الأسباط من السّبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. قال ابن عباس: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا وشعيبا وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا صلّى الله عليه وسلم. ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب.
صبغة الإيمان وأثره في النفوس والعبودية لله تعالى [سورة البقرة (2) الآيات 138 إلى 141] :
وأرشدت الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ إلى أن الله ناصر عبده ورسوله محمدا على أعدائه، وكان هذا وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السّلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولّين، بمن يهديه من المؤمنين، فأنجز له الوعد، وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة، وإجلاء بني النضير. قال الجصاص: هذا إخبار بكفاية الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلم أمر أعدائه، فكفاه مع كثرة عددهم وحرصهم، فوجد مخبره على ما أخبر به، وهو نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «1» [المائدة 5/ 67] . والمؤمن هو الذي يثق بوعد الله وبتأييده، ويخشى الله ويتقيه، لأنه المهيمن على كل شيء في هذا الوجود، وهو السميع لقول كل قائل، العليم بما ينفذه في عباده ويجريه عليهم. صبغة الإيمان وأثره في النفوس والعبودية لله تعالى [سورة البقرة (2) : الآيات 138 الى 141] صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141)
الإعراب:
الإعراب صِبْغَةَ اللَّهِ أي دين الله، مصدر مؤكد لآمنا، وهو إما منصوب بفعل مقدر، تقديره: اتبعوا صبغة الله، أو منصوب على الإغراء، أي عليكم صبغة الله، أو منصوب بدلا من قوله تعالى: مِلَّةَ إِبْراهِيمَ. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً أي دنيا، وصِبْغَةَ منصوب على التمييز، كقولك: زيد أحسن القوم وجها. والجمل الثلاث وهي وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أحوال. البلاغة: صِبْغَةَ اللَّهِ سمي الدين صبغة بطريق الاستعارة، حيث تظهر سمته على المؤمن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ استفهام إنكاري بقصد التوبيخ والتقريع. المفردات اللغوية: صِبْغَةَ اللَّهِ الصبغة في اللغة: اسم لهيئة صبغ الثوب، وجعله بلون خاص، فهي الحالة التي عليها الصبغ، والمراد بها هنا الإيمان أو دين الله الذي فطر الناس عليه، لظهور أثره على صاحبه، كالصبغ في الثوب. والإيمان أو الدين مطهر للمؤمنين من أدران الشرك، وهو حلية تزينهم بآثاره الجميلة، وهو متداخل ومنتشر في قلوب المؤمنين، كما يتداخل الصبغ. وبه يتبين أن الإيمان يشبه الصبغة في التطهير والحلية والتداخل. أَتُحَاجُّونَنا أتجادلوننا وتخاصموننا فِي اللَّهِ أن اصطفى نبيا من العرب. وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ فله أن يصطفي من عباده من يشاء وَلَنا أَعْمالُنا نجازى بها وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ تجازون بها مُخْلِصُونَ الدين والعمل، لا نبغي بأعمالنا غير وجه الله، فنحن أولى بالاصطفاء. سبب نزول الآية (138) : قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، ليطهروه بذلك، ويقولون:
التفسير والبيان:
هذا طهور، مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك، صار نصرانيا حقا، فأنزل الله هذه الآية «1» . التفسير والبيان: علّم الله المؤمنين وأمرهم في الآية السّابقة (136) أن يقولوا: آمنّا بالله وكتبه ورسله، لا نفرّق بين أحد من رسله وكتبه، وأمرهم أيضا في هذه الآية أن يقولوا: صبغنا الله وفطرنا على الاستعداد للحقّ والإيمان بما جاء به الأنبياء، وهل هناك صبغة أحسن من صبغة الله الحكيم الخبير؟! ومن صبغة الإسلام، فالله هو الذي يصبغ عباده بالإيمان، ويطهرهم به من أدران الشرك، فلا نتبع صبغة أحد من الزعماء والأحبار، فهي صبغة بشرية مزيفة تفرق الدين الواحد، وتمزق الأمة أحزابا متنافرة. ونحن لله الذي أنعم علينا بالنعم الجليلة التي منها نعمة الإسلام والهداية عابدون لا نعبد سواه، ومخلصون وقانتون، فلا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا يزيدون في الدين وينقصون، ويحللون ويحرّمون، ويمسحون من النّفوس صبغة التوحيد، ويضعون فيها صبغة الشرك بالله. ثم أمر الله نبيّه بأن يقول لأهل الكتاب: أتجادلوننا في دين الله، وتدّعون أن الدين الحقّ هو اليهودية والنصرانية، وتتأملون بهما دخول الجنة، وتقولون أحيانا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة 2/ 111] ، وأحيانا تقولون: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [البقرة 2/ 135] . ومن أين لكم هذه الدّعاوى وادّعاء الهداية والقرب من الله دوننا، والله ربّنا
وربّكم وربّ العالمين، لا فرق بيننا وبينكم في العبودية لله، فهو خالقنا وخالقكم، ومالك أمرنا وأمركم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم الحسنة والسيئة، والله يجازي كل إنسان بعمله، فلا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، أما أنتم فقد اعتمدتم على أسلافكم الصالحين، وزعمتم أنهم شفعاء لكم، وأما نحن فنعتمد على إيماننا وعملنا، ونحن لله مخلصون في تلك الأعمال، لا نقصد بها إلا وجهه، فكيف تدّعون أن لكم الجنة والهداية دون غيركم؟! وكيف تقولون: إن اختصاصكم بالقرب من الله دوننا هو من الله، أو تقولون: إن امتيازكم باليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها هو لأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط الأنبياء كانوا يهودا، أو كانوا نصارى، فأنتم مقتدون بهم؟ وهذا ادّعاء كاذب، فإن هذين الاسمين إنما حدثا فيما بعد، فما حدث اسم اليهودية إلا بعد موسى، وما حدث اسم النصرانية إلّا بعد عيسى؟ والمراد إنكار ادّعاء الطرفين وتوبيخهم على كلا الأمرين، وهل أنتم تعلمون بالمرضي عند الله، أم أن الله أعلم بما يرضيه وما يتقبله؟ لا شك أن الله هو العليم بذلك دونكم، وقد ارتضى للناس ملّة إبراهيم، وأنتم تعترفون بذلك، وكتبكم تصدقه قبل أن تجيء اليهودية والنصرانية، فلماذا لا ترضون هذه الملّة؟ ولا أحد أشدّ ظلما ممن يكتم شهادة ثابتة عنده من الله، وهي شهادته تعالى لإبراهيم ويعقوب بالحنيفية المسلمة، والبراءة من اليهودية والنصرانية، وشهادته تعالى المثبتة في كتاب الله التي تبشر بأن الله يبعث في الناس نبيّا من بني إخوتهم، وهم العرب أبناء إسماعيل. قال الزمخشري: ويحتمل معنيين: أحدهما- أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة، وهم عالمون بها.
فقه الحياة أو الأحكام:
والثاني- أنّا لو كتمنا هذه الشهادة، لم يكن أحد أظلم منّا. وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلّى الله عليه وسلم بالنّبوة في كتبهم، وسائر شهاداته «1» . وليس الله غافلا عن أعمالكم، فهو محصيها ومجازيكم عليها، وفي ذلك وعيد وتهديد، عقب التقريع والتوبيخ. تلك جماعة الأنبياء لها ما كسبت من الأعمال الحسنة، ولكم ما كسبتم من العمل الحسن، ولا يسأل أحد عن عمل غيره، بل يسأل عن عمل نفسه، فلا يضره ولا ينفعه سواه، فأنتم لا تسألون عن أعمال السابقين، وهم لا يسألون عن أعمالنا، تلك قاعدة الأديان التي أقرتها العقول، وهي المسؤولية الشخصية أو الفردية، كما قال تعالى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم 53/ 38- 39] . كرّر الحقّ سبحانه هذه القاعدة وهذه الآية بمناسبات متعددة، فقد ذكرت في الآية السابقة (134) للمبالغة عما يفتخرون به من أعمال الآباء، والاتّكال على الماضي، وهذا شأن الخامل الضعيف الذي ينظر إلى الماضي، ويتكاسل عن المستقبل. وكرر الله أيضا قوله في مواطن كثيرة: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ لتأكيد الجزاء والحساب ورصد الأعمال، وذلك هو العدل المطلق بين الخلائق، قال أبو حيان: ولا تأتي الجملة إلّا عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيدا، ومعلمة أن الله لا يترك أمرهم سدى «2» . فقه الحياة أو الأحكام: نبذ الإسلام كلّ الصّور والهياكل والطقوس الفارغة كالمعمودية عند النصارى ونحوها، وأعلن بكل صراحة أن المعول عليه هو ما فطر عليه النفوس من الإقرار
بوحدانية الله، وإخلاص العمل لله، وحبّ الخير والاعتدال في الأمور، كما قال سبحانه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم 30/ 30] . وإن روح الدّين التوحيد، وأساسه الإخلاص، وهذا ما دعا إليه جميع الأنبياء، وجدد الدعوة إليه محمد صلّى الله عليه وسلم، فدعوته أو شريعته مكملة لدعوة وشريعة إخوانه النبيين والمرسلين. أما الدعاوي الرخيصة، والأكاذيب المفتراة، والأماني التي لا تعتمد على برهان، مما صدر من اليهود والنصارى، فكل ذلك باطل بالحجج الثلاث التي دحض بها القرآن كل ما ذكر وهي قوله: وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ [البقرة 2/ 139] ، وقوله: أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ [البقرة 2/ 140] ، وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة 2/ 140] . ولا تكون النجاة بالاعتماد على أعمال الآخرين من الأسلاف وغيرهم، ولا على شفاعة الصالحين دون انتفاع بهديهم وسنتهم، وإنما السعادة والنجاة بالعمل الصالح. وأساس الصلاح إخلاص العبادة لله، وحقيقة الإخلاص: تصفية الفعل عن مراءاة المخلوقين. وقد أكّدت هذه الآيات أمرين عظيمين جدا هما: الأوّل- أن المسؤولية الشخصية أساس الحساب، ومناط الجزاء والعقاب، وهذا ما تفاخر به الشريعة الإسلامية التي جاءت ناقضة لأعراف الجاهلية عند العرب والرومان من توجيه المسؤولية لغير الجاني الحقيقي. الثاني- أن أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بعملهم وكسبهم، فغيرهم من الناس العاديين أحرى وأولى. انتهى الجزء الأول
التمهيد لتحويل القبلة [سورة البقرة (2) الآيات 142 إلى 143] :
[الجزء الثاني] [تتمة سورة البقرة] التمهيد لتحويل القبلة [سورة البقرة (2) : الآيات 142 الى 143] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) الإعراب: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ: إِنْ مخففة من إنّ الثقيلة، واسمها محذوف أي وإنها، واللام في لَكَبِيرَةً لام التأكيد التي تأتي بعد إن المخففة من الثقيلة، ليفرق بينها وبين «إن» التي بمعنى «ما» في نحو قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ [الفرقان 25/ 44] . والتاء في كانَتْ إما أن يراد بها التولية من بيت المقدس إلى الكعبة، وإما أن يراد بها الصلاة، أي وإن كانت الصلاة لكبيرة إلا على من هداهم الله. هَدَى اللَّهُ أي هداهم الله، فحذف ضمير المفعول العائد من الصلة إلى الموصول، كقوله تعالى: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان 25/ 41] . أي بعثه الله. وإنما حذف الضمير تخفيفا. البلاغة: يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ استعارة تمثيلية، حيث مثّل لمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ من صيغ المبالغة، والرأفة: شدّة الرحمة، وقدم الأبلغ مراعاة للفاصلة والمعنى متقارب.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: السُّفَهاءُ السّفه: اضطراب الرأي والفكر أو الأخلاق، والسفهاء: الجهال ضعفاء العقول، والمراد بهم هنا: منكر وتغير القبلة من اليهود والمشركين والمنافقين. وَلَّاهُمْ صرفهم أي النّبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين. «القبلة» أصلها الحالة التي يكون عليها المقابل، ثم خصت بالجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة، وهي قبلة المسلمين في الصلاة وهي جهة الكعبة المشرفة لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الجهات كلها، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء. صِراطٍ طريق. مُسْتَقِيمٍ مستوي معتدل من الأفكار والأعمال، وهو ما فيه الحكمة والمصلحة، وهو دين الإسلام. وَسَطاً الوسط: منتصف الشيء أو مركز الدائرة، ثم أستعير للخصال المحمودة، إذ كلّ صفة محمودة كالشجاعة وسط بين الطرفين: الإفراط والتفريط، والفضيلة في الوسط. والمراد: الخيار العدول الذين يجمعون بين العلم والعمل. عَقِبَيْهِ العقب مؤخّر القدم، يقال: انقلب على عقبيه عن كذا: إذا انصرف عنه بالرجوع إلى الوراء، وهو طريق العقبين، والمراد: يرتد عن الإسلام. إِيمانَكُمْ صلاتكم إلى بيت المقدس، فإنها مسببة عن الإيمان، بل يثيبكم عليه، لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل. بِالنَّاسِ المؤمنين. لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفة: شدّة الرحمة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر، والرحمة أعم، إذ تشمل دفع الضرر، وفعل الإحسان. سبب النزول: روى البخاري عن البراء قال: لما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس ستّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية [البقرة 2/ 144] ، فقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، قال الله تعالى: قُلْ: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ الآية. وفي الصحيحين عن البراء: مات على القبلة قبل أن تحول رجال، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ.
المناسبة بين الآيات:
المناسبة بين الآيات: ما يزال القرآن يتصدى لما كان عليه اليهود وإن شاركهم فيه غيرهم من المشركين كإنكار تحويل القبلة والنسخ. كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يصلي وهو بالمدينة متجها إلى الصخرة التي في المسجد الأقصى ببيت المقدس، كما كان أنبياء بني إسرائيل يفعلون قبله، وظل كذلك ستة عشر شهرا، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة ويتمنى ويدعو الله أن يتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم وهي الكعبة، فكان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة، فيصلي في جنوب الكعبة مستقبلا الشمال، فاستجاب الله له وأمره بالتوجه إلى البيت العتيق، بعد هجرته إلى المدينة، ونزل قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة 2/ 144] . وكان أول صلاة صلاها هي العصر، كما في الصحيحين، قال اليهود والمشركون والمنافقون: ما الذي دعاهم إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟ وقالوا: لقد اشتاق محمد إلى مولده، وعن قريب يرجع إلى دينه. وقد بدئ الكلام بالرّد على اعتراضهم على التحويل قبل وقوعه، معجزة له عليه الصلاة والسّلام، ولقن الله نبيه الحجة البالغة والحكمة فيه، ليوطن نفسه عليه، ويستعد للإجابة، عند مفاجأة التساؤلات. وخلاصة الجواب: أنّ الجهات كلها لله، فلا مزية لجهة على أخرى، ولله أن يأمر بالاتجاه إلى ما يشاء من أي جهة، وعلى العبد امتثال أمر ربه كما قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 2/ 115] . التفسير والبيان: مهّد الله تعالى لتحويل القبلة في هذه الآيات، وأبان السبب، وقضى على ما علم سبحانه من ظهور اضطرابات عند التحويل، حتى لا يفاجأ المسلمون بشيء
من حملات التشويش والنقد والتشكيك، فأوضح تعالى أن سفهاء الأحلام وضعفاء العقول والإيمان من طوائف اليهود والمشركين والمنافقين سيقولون منكرين متعجبين: أي شيء صرف المسلمين عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهي قبلة الأنبياء والمرسلين؟ أما اليهود فساءهم ترك الاتّجاه لقبلتهم، وأما المشركون فقصدوا الطعن في الدين، ورأوا ألا داعي للتوجه في الحالين، وأما المنافقون: فشأنهم انتهاز الفرص لزرع الشكوك في الدين، ومحاولة الإبعاد عنه بسبب هذا التغيير، وعدم الاستقرار، ومخالفة الأعراف السابقة بالاتّجاه لبيت المقدس. فردّ الله عليهم جميعا بأنّ الجهات كلها لله، ولا مزية لجهة على أخرى، وليست صخرة بيت المقدس أو الكعبة ذات نفع خاص لا يوجد في غيرهما، وإنما الأمر كله لله، يختار ما يشاء، وأينما تولوا فثّم وجه الله، ومن مراده المطلق أنه يجعل للناس قبلة واحدة تجمعهم في عبادتهم، وقد أمر الله المؤمنين في بداية الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس، إعلاما بأن دين الله واحد، ووجهة جميع الأنبياء واحدة، وقصدهم الحقيقي هو الاتجاه إلى الله، ثم أمرهم بالاتّجاه إلى الكعبة، فامتثلوا الأمر في الحالين، لأن المصلحة فيما أمر الله، والخير فيما وجّه، والله يرشد من يشاء إلى الطريق الأقوم المؤدي لسعادة الدنيا والآخرة، سواء بالتوجه إلى بيت المقدس أو بالاتجاه إلى الكعبة. ثم خاطب الله المؤمنين ممتنّا ومتفضلا عليهم قائلا لهم: وَكَذلِكَ.. «1» أي كما هديناكم إلى الصراط المستقيم وهو دين الإسلام، وحولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السّلام واخترناها لكم، جعلنا المسلمين خيارا عدولا، فهم خيار الأمم والوسط في الأمور كلها بلا إفراط، ولا تفريط، في شأن الدين والدنيا، وبلا غلو
لديهم في دينهم، ولا تقصير منهم في واجباتهم، فهم ليسوا بالماديين كاليهود والمشركين، ولا بالروحانيين كالنصارى، وإنما جمعوا بين الحقّين: حقّ الجسد وحقّ الروح، ولم يهملوا أي جانب منهما، تمشيا مع الفطرة الإنسانية القائمة على أن الإنسان جسد وروح. ومن غايات هذه الوسطية وثمرتها: أن يكون المسلمون شهداء على الأمم السابقة يوم القيامة، فهم يشهدون أن رسلهم بلغتهم دعوة الله، ففرط الماديون في جنب الله وأخلدوا إلى اللذات، وحرم الروحانيون أنفسهم من التمتع بحلال الطيبات، فوقعوا في الحرام، وخرجوا عن جادة الاعتدال، فجنوا على متطلبات الجسد. ويؤكد ذلك أن يشهد الرسول على أمته محتجّا بالتبليغ، أي أنه بلّغهم شرع الله المعتدل، وأنه كان إماما مقسطا، وقدوة حسنة، ومثلا أعلى في الوسطية، فلا يحيدون عنها، لأنهم معرّضون لإقامة الحجة عليهم من نبيهم، بما أعلنه من الدين القويم، وبما التزمه من السّيرة الحسنة، فمن حاد عنها شهد عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأنه ليس من أمته التي وصفها الله بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران 3/ 110] ، وبذلك خرج من الوسط إلى الانحراف، ويكون حسبان شهادة الرسول بمثابة العاصم عن الانحراف، والتزام الحقّ والعدل. ويوضح نوعي الشهادة على الأمم وشهادة الرسول باعتبار أن الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له: ما روي: «أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة، على أنهم قد بلّغوا، وهو أعلم، فيؤتى بأمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم، فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيّه الصادق، فيؤتى بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله
تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء 4/ 41] . والسبب في تأخير صلة الشهادة (أي على) أولا في قوله تعالى شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وتقديمها آخرا في قوله عَلَيْكُمْ شَهِيداً: هو أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. والحاصل: أن الشهادة على الأمم ميزانها وسببها وسطية الإسلام، ويؤكدها شهادة الرسول صلّى الله عليه وسلّم على أمته بأنه يزكيهم ويعلم بعدالتهم. وقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ أي إنما شرعنا لك يا محمد التوجّه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، أي فيتبين الثابت على إيمانه ممن لاثبات له، فهو امتحان وابتلاء ليظهر ما علمناه، ويجازى كل إنسان على عمله. هذا هو الظاهر من الآية في أنّ المراد بالقبلة هنا: القبلة الأولى، لقوله تعالى كُنْتَ عَلَيْها. وقيل: الثانية أي الكعبة، فتكون الكاف زائدة، والمراد أنت عليها الآن، كما في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران 3/ 110] ، أي أنتم، في قول بعضهم. وقد اتّجه الزمخشري ومثله أبو حيان إلى القول الثاني قائلا: الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ليست بصفة للقبلة، إنما هي ثاني مفعولي جعل، يريد: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة، تألفا لليهود، ثمّ حوّل إلى الكعبة. فيقول: وما جعلنا القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة، يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء.
والمراد بقوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ ... ظهور العلم بين الناس ووقوعه، قال علي رضي الله عنه: معنى لِنَعْلَمَ: لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ... [الفيل 105/ 1] ، بمعنى ألم تعلم. وقوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي وإن كانت القبلة المحوّلة شاقة ثقيلة على من ألف التوجّه إلى القبلة الأولى، أو هذه الفعلة أي التحويلة وهي صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، فإن الإنسان ألوف لما يتعوده، إلا على الذين هداهم الله بمعرفة أحكام دينه وسرّ تشريعه، ووفقهم لما يريد، فعلموا أن المطلوب طاعة الله حيثما شاء، وأن الحكمة في اختيار قبلة ما: هو اجتماع الأمة عليها، وتوحيد مشاعرهم نحوها، مما يدفعهم إلى اتّحادهم وجمع كلمتهم في كل شؤون حياتهم: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة 9/ 124- 125] . وقوله: وَما كانَ اللَّهُ.. أي وما كانت حكمة الله ورحمته تقضي بإضاعة ثباتكم على الإيمان واتباعكم الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة وفي القبلة، وأن الله يجزيكم الجزاء الأوفى، ولا يضيع أجركم، والسبب في ذلك أن الله رءوف بعباده، ذو رحمة واسعة بخلقه، فلا يضيع عمل عامل منهم، ولا يكون ابتلاؤهم لمعرفة صدق إيمانهم وإخلاصهم سببا في إضاعة ثمرات الإيمان وتفويت الجزاء، بل يجازيهم أتمّ جزاء. وقد اتّفق العلماء على أن آية وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ نزلت فيمن مات، وهو يصلي إلى بيت المقدس، كما ثبت في البخاري عن البراء بن عازب، على ما تقدم في بيان سبب النزول. وخرّج الترمذي عن ابن عباس قال: لما وجه النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم
فقه الحياة أو الأحكام:
يصلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ الآية، قال: هذا حديث حسن صحيح. فسمّى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نيّة وقول وعمل. وقال محمد بن إسحاق: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي بالتوجه إلى القبلة وتصديقكم نبيكم، قال القرطبي: وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين. ثمّ ختم الله الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لإفادة التعليل لما قبلها، أي للطف رأفته وسعة رحمته نقلكم من شرع إلى شرع أصلح لكم وأنفع في الدين، أو لا يضيع إيمان من آمن، وهذا المعنى أظهر كما قال أبو حيان «1» . فقه الحياة أو الأحكام: الإيمان الحقيقي أو التسليم التامّ لله يقتضي الإذعان لأوامر الله والخضوع لمشيئته واختياره، فإذا أمر الله بالاتّجاه في الصلاة نحو جهة معينة، ثم أمر بالتّحول عنها إلى جهة أخرى، امتثل المؤمن ذلك تمام الامتثال، ولم يخالجه أي شكّ في أوامر الله، ولم يعقب عليها، فالجهات كلّها لله، ولله ملك المشارق والمغارب وما بينهما، والعبرة إنما هي في تمحيض القصد والاتّجاه إلى الله تعالى، ولله أن يأمر بالتّوجه إلى أي جهة شاء، فلا داعي لتعليق الجهال وضعاف العقل والإيمان على تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة. وقد تمّ تحويل القبلة بعد الهجرة إلى المدينة، قالوا كما في البخاري: حوّلت بعد ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا. وكان تحويلها- كما قال سعيد بن المسيّب- قبل غزوة بدر بشهرين. وذلك في رجب من سنة اثنتين. ودلّت هذه الآيات على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ناسخا ومنسوخا،
وأجمعت عليه الأمة إلا من شذّ، وأجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن، وأنها في أحد القولين الآتيين نسخت مرتين. ودلّت أيضا على جواز نسخ السّنة بالقرآن الكريم، لأنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السّنة، ثمّ نسخ ذلك بالقرآن، وعلى هذا يكون: كُنْتَ عَلَيْها بمعنى أنت عليها. واختلف العلماء حين فرضت الصلاة أولا بمكة، هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة، على قولين: فقال ابن عباس: إلى بيت المقدس، وبالمدينة سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة. وقال آخرون: أول ما افترضت الصلاة على النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى الكعبة، ولم يزل يصلّي إليها طوال مقامه بمكة، على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل، فلما قدم المدينة، صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، على الخلاف، ثم صرفه الله إلى الكعبة. قال ابن عبد البر: وهذا أصح القولين عندي. والسبب أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود، فتوجه إلى قبلتهم، ليكون ذلك أدعى لهم، فلما تبيّن عنادهم وأيس منهم، أحبّ أن يحوّل إلى الكعبة، فكان ينظر إلى السماء، وكانت محبته إلى الكعبة، لأنها قبلة إبراهيم عليه السّلام. وقد روى الأئمة- واللفظ لمالك- عن ابن عمر كيف تمّ التحويل، قال: بينما الناس بقباء «1» في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد
أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. وخرّج البخاري عن البراء: أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وإنه صلّى أول صلاة صلّاها العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلّى مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فمرّ على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صلّيت مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال قتلوا، ولم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله عزّ وجلّ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. ففي هذه الرواية: صلاة العصر، وفي رواية مالك: صلاة الصبح. ويستفاد من الآية وهذه الأحاديث أمور ثلاثة: 1- من لم يبلغه الناسخ يظل متعبّدا (مطالبا) بالحكم الأول، لأن أهل قباء لم يزالوا يصلّون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي، فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة، فالناسخ رافع للحكم الأول، لكن بشرط العلم به، لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطابا في حقّ من لم يبلغه. 2- دلّ ذلك على قبول خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف، معلوم بالتواتر من عادة النّبي صلّى الله عليه وسلّم في توجيهه ولاته ورسله آحادا للآفاق، ليعلّموا الناس دينهم، فيبلّغوهم سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأوامر والنواهي. 3- فهم مما ذكر أن القرآن الكريم كان ينزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيئا بعد شيء، وفي حال بعد حال، على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل الله دينه، كما قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة 5/ 3] .
وكما أن الكعبة وسط الأرض، وفي مركز قطب الدائرة للكرة الأرضية، كذلك جعل الله المسلمين أمّة وسطا، دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها، فهم خيار عدول أوساط في الموقع والمناخ والطباع والشرائع والأحكام والعبادات ومراعاة دوافع الفطرة، والجمع والتوازن بين مطالب الجسد والروح، وبين مصالح الدنيا والآخرة. لذا استحقوا الشهادة على الأمم، وكانوا سبّاقين للأمم جميعا بالاعتدال والتوسط في جميع الشؤون، والتوسط منتهى الكمال الإنساني الذي يعطي كل ذي حق حقه، فيؤدي حقوق ربّه، وحقوق نفسه، وحقوق جسمه وغيره من أبناء المجتمع، أقارب أم أباعد. وأداء الشهادة على الناس في المحشر يكون للأنبياء على أممهم، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يدعى نوح عليه السّلام يوم القيامة، فيقول: لبّيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمّته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته، فيشهدون أنه- أي نبيهم- قد بلّغ. ويكون الرّسول عليكم شهيدا (مزكيّا معدّلا) ، فذلك قوله عزّ وجلّ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً إلخ، القصة المذكورة سابقا هنا في التفسير. وهذا إنباء من الله تعالى في كتابه بما أنعم على الأمة الإسلامية من تفضيلها باسم العدالة، وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعل المسلمين أولا مكانا، وإن كانوا آخرا زمانا، كما قال عليه الصلاة والسّلام: «نحن الآخرون السابقون» وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول شخص على غيره إلا أن يكون عدلا.
ودلّ هذا أيضا على صحّة الإجماع ووجوب الحكم به، لأنهم إذا كانوا عدولا، شهدوا على الناس، فكل عصر شهيد على من بعده. وشهادة الرسول على أمته معناها: الشهادة بأعمالهم يوم القيامة، أو الشهادة لهم بالإيمان، أو الشهادة عليهم بالتبليغ لهم. وأما تحويل القبلة: فهو اختبار المؤمنين، ليظهر صدق الصادقين، وريب المرتابين، كما هو الشأن في ألوان الاختبار الإلهي بأنواع من الفتن، كما قال لله تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت 29/ 1- 3] . والقصد من العلم في قوله تعالى: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ وقوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ.. هو علم الظهور والوقوع، لا أن العلم مسبوق بالجهل، فعلم الله تعالى قديم لا يتجدد، وهو يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع، ومتى تقع، وأين تقع، ولكنه برهان وحجة على الناس من أعمالهم وتصرفاتهم نفسها. وأما من مات وهو يصلّي إلى بيت المقدس، فثوابه محفوظ كامل غير منقوص، لا يضيعه الله له أبدا، لأن الله واسع الرأفة، شامل الرحمة، فلا يكتفي بدفع البلاء عن المؤمنين المنفذين أوامره، بل يعاملهم بالرحمة الواسعة والإحسان الشامل. واختلف العلماء في تأويل: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ فقال بعضهم: معناها: وما كان الله ليضيع إيمانكم بالتوجه إلى القبلة، وتصديقكم لنبيكم، وقال آخرون: المراد به صلاتكم إلى بيت المقدس. وتسمية الصلاة إيمانا إما مجاز، أو إنها تسمى حقيقة إيمانا، كما قال الفقهاء، فهي من أركان الإيمان وعهد
تحويل القبلة [سورة البقرة (2) الآيات 144 إلى 147] :
الإسلام «1» ، أي هي من الإيمان وخصائصه، ولا يتم الإيمان إلا بها، ولأنها تشتمل على نيّة وقول وعمل. والخلاصة: لم يختلف المسلمون أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلّي بالمدينة إلى بيت المقدس بعد الهجرة مدة من الزمان، فقال ابن عباس والبراء بن عازب: كان التحويل إلى الكعبة بعد مقدم النّبي صلّى الله عليه وسلّم لسبعة عشر شهرا. وقال قتادة: لستة عشر شهرا، وقد نصّ الله في هذه الآيات على أن الصلاة كانت إلى غير الكعبة، ثم حوّلها إليها بقوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها «2» ، وهي الآية التالية التي نفسرها. تحويل القبلة [سورة البقرة (2) : الآيات 144 الى 147] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)
الإعراب:
الإعراب: قَدْ للتحقيق في رأي السيوطي، وقال الزمخشري: بمعنى ربما، وهي للتكثير هنا، ومعناه كثرة الرؤية، فهي مثل «ربما» تأتي للكثير والقليل، مثل: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر 15/ 2] أي كثيرا. ونرى هنا بمعنى الماضي، ذكر بعض النحاة: أن «قد» تقلب المضارع ماضيا، مثل ما هنا، ومثل: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور 24/ 64] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ [الحجر 15/ 97] قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ [الأحزاب 33/ 18] والمعنى قد علمنا أو رأينا. وَلَئِنْ لام القسم. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ الفاء لسببية ما قبلها في الذي بعدها. فَوَلِّ الفاء للتفريع. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ مرفوع، إما مبتدا وخبره محذوف، وتقديره: الحق من ربك يتلى عليك، أو يوحى إليك أو كائن، وإما خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هذا الحق من ربك. البلاغة: فَوَلِّ وَجْهَكَ أطلق الوجه، وأريد به الذات، من قبيل المجاز المرسل، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ هي أبلغ من الجملة السابقة، لأنها جملة اسمية، ولتأكيد نفيها بالباء. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ من باب التحريض على الثبات على الحق. كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فيه تشبيه مرسل مفصل، أي يعرفون محمدا صلّى الله عليه وسلّم معرفة واضحة كمعرفة أبنائهم.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تردد نظرك مرة بعد مرة في جهة السماء، طلبا للوحي، وتشوقا للأمر باستقبال الكعبة، وكان يودّ ذلك، لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السّلام، ولأنها أدعى إلى إسلام العرب، ولأن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ فلنوجهنك جهتها، وهذا يدل على أن في الجملة السابقة حالا محذوفة، التقدير: قد نرى تقلب وجهك في السماء طالبا قبلة غير التي أنت مستقبلها. فَوَلِّ وَجْهَكَ تولية الوجه المكان: جعله قبالته وأمامه، والمراد بالوجه: جملة البدن، أي استقبل بوجهك في الصلاة نحو الكعبة. شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وجهته أو ناحيته، وسميت الكعبة بالمسجد الحرام إشارة إلى أن الواجب على البعيد مراعاة الجهة، دون عين الكعبة: لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد، كما قال الزمخشري. بِكُلِّ آيَةٍ أي بكل برهان وحجة. أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها، مفرده: هوى، وهو الإرادة والمحبة. الْمُمْتَرِينَ الشاكين. تاريخ النزول: اختلف العلماء في تاريخ نزول هذه الآيات: فقال ابن عباس والطبري: هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ «1» ، ويؤيده ما رواه البخاري عن البراء بن عازب في الحديث المتقدم، قال: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. فقال السّفهاء من الناس، وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال تعالى: قُلْ: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. وقال الزمخشري: إن هذه الآية متأخرة في النزول والتلاوة عن قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ ويكون ذلك للإخبار بمغيّب قبل وقوعه، يحدث من
سبب نزول الآية الذين آتيناهم الكتاب:
اليهود عند نزول الأمر باستقبال الكعبة، معجزة للرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولتتوطن النفس على ما يرد من الأعداء، وتستعدّ له، فيكون أقل تأثيرا عند المفاجأة، ولإعداد الجواب المسبق، وهو قوله تعالى: قُلْ: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ «1» . سبب نزول الآية: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، كانوا يعرفون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنعته وصفته وبعثه في كتابهم، كما يعرف أحدهم ولده، إذا رآه مع الغلمان، قال عبد الله بن سلام: لأنا أشدّ معرفة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم مني بابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقّا يقينا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام. المناسبة أو وجه الربط بين الآيات: كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يتشوّق لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، ولأنها أدعى إلى إيمان العرب، وهم الذين عليهم المعول في إظهار هذا الدين، ولأن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا، ولولا ديننا لم يدر أين يستقبل القبلة؟ فكره النّبي صلّى الله عليه وسلّم قبلتهم، حتى روي أنه قال لجبريل: وددت لو أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. قال أبو حيان: ولما كان صلّى الله عليه وسلّم هو المتشوّف لأمر التحويل بدأ بأمره أولا، ثم أتبع أمر أمته ثانيا، لأنهم تبع له في ذلك، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به صلّى الله عليه وسلّم «2» .
التفسير والبيان:
ولما ذكر الله تعالى ما قاله سفهاء اليهود عند تحويل القبلة، ذكر في هذه الآيات أن إعراض أهل الكتاب عن رسالة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، لم يكن لشبهة تحتاج إلى إزالة، وإنما لعناد ومكابرة، وفي ذلك تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم من جحود أهل الكتاب الذين طمع في إسلامهم، وتضايق من تكذيبهم. التفسير والبيان: كثيرا ما نرى تردد نظرك في جهة السماء، حينا بعد حين، متشوقا للوحي، متلهفا لتحويل القبلة إلى الكعبة، والظاهر أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لم يسأل ذلك، بل كان ينتظره فقط، وهو في هذا لا يعدّ معارضا أمر ربه، لأن صفاء نفسه يجعله يتطلع إلى ما يظنه خيرا، ويقدر فيه مصلحة. ولكونك تتطلع إلى التحويل، لنمكننك من استقبال قبلة تحبها غير بيت المقدس، لهدف سليم في نفسك هو أن يجتمع الناس على قبلة مخصوصة واحدة، فتتحد قلوبهم، ويتحقق من وراء ذلك خير عظيم. فاصرف وجهك نحو أو تلقاء المسجد الحرام الذي هو محيط بالكعبة. وفي ذكر الْمَسْجِدِ الْحَرامِ دون الكعبة، مع أنها القبلة على ما ثبت في الأحاديث، إشارة إلى أنه يكفي للبعيد الذي لا يعاين الكعبة محاذاة جهة القبلة حين الصلاة. ويؤكده الأمر الإلهي لعموم المؤمنين، وهو قوله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي وفي أي مكان كنتم، فاستقبلوا جهته بوجوهكم في الصلاة، وهذا تصريح بعموم الحكم المستفاد من فَوَلِّ وَجْهَكَ ويدل على أن المصلي في مختلف البقاع يتجه نحو القبلة، سواء أكان إلى الشرق أم إلى الغرب، وإلى الشمال أم إلى الجنوب الجغرافي، لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، ولا كاليهود الذين يلتزمون جهة المغرب. والسبب في تأكيد الأمر باستقبال المؤمنين القبلة بعد أمر النّبي بها، مع أن
خطاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم خطاب لأمته: هو الاهتمام بشأن قبلة الكعبة، فإنها حادث عظيم، كان نقطة تحول في وضع أساس الاستقلال في عبادة المسلمين، وإنهاء الاتجاه نحو قبلة بيت المقدس، ولكي تشتد عزيمة المؤمنين وتطمئن قلوبهم، فيقضون على الفتنة التي أثارها المنافقون وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) ويضربون بأقوالهم عرض الحائط، ويثبتون على اتباع الرسول، ولدفع توهّم أن القبلة باتجاه الشام. لكل هذا كان التصريح بعموم الحكم في عموم الأمكنة: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. ثم عاد القرآن لمناقشة أهل الكتاب الذين اشتركوا في تحريك الفتنة العظمى بعد تحويل القبلة، فقال: إن أهل الكتاب الذين أوتوا التوراة والإنجيل ليعلمون علما أكيدا- بما أنزل إليهم في كتبهم في شأن النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم والبشارة به، وأنه سيصلي إلى القبلتين: بيت المقدس وقبلة أبيه إبراهيم الذي أمر أن يتبع ملته- أن تحويل القبلة حق لا شك فيه، وأنه أمر الله، ولكنهم دأبوا على إنكار الحق، وترويج الباطل، وما الله بغافل عن أعمالهم، بل مجازيهم عليها. وجيء بجملة: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ اعتراضا بين الكلامين: المتقدم عنها والمتأخر لوعد الفريقين ووعيدهم. ثم أوضح القرآن سبب الفتنة وإعراض الكتابيين عن دعوة الإسلام، تسلية للرسول عن متابعة أهل الكتاب له، فقد أخبره أولا أنهم يعلمون أنه الحق وهم يكتمونه ولا يعملون بمقتضاه، ثم سلاه عن قبولهم الحق باتخاذ موقف معين: وهو التزام موقف المعارضة عنادا ومعاداة، فقال: ولئن جئت اليهود والنصارى بكل برهان وحجة على أن الحق وهو تحويل القبلة من ربهم، أملا في اتباع قبلتك، ما اقتنعوا ولا صدقوا به، ولا اتبعوك، عنادا منهم ومكابرة، فهم لن يتبعوا قبلتك رغم البرهان الساطع على الحق الإلهي المأمور به، وهو توجهك إلى
الكعبة «1» ، ولن يكون منك اتباع قبلتهم بعد اليوم، قطعا لأطماعهم في الاتجاه إلى بيت المقدس، وكيف يرجى ذلك، فهم ليست لهم قبلة واحدة، فعيسى كانت قبلته مع موسى، ولكن بعد موت عيسى وتحريف الإنجيل اتخذ النصارى قبلة أخرى. وأما أنت يا محمد فعلى قبلة إبراهيم الذي يقدره جميع أهل الملل، فهي الأجدر بالاتباع، ولا فائدة ترجى من اتباع قبلتهم. وكل من اليهود والنصارى لا يغيّر الاتجاه إلى قبلته، فلا تترك اليهود قبلتها وتتجه نحو المشرق، ولا تترك النصارى قبلتها وتتجه نحو الغرب، لأن كلّا منهم متمسك برأيه، حقا كان أو باطلا، ولا ينظر إلى حجة وبرهان، وإنما يسير على منهج التقليد الأعمى. ثم هدد الله نبيه، لتعرف أمته خطر مخالفة كلام الله، واتباع أهواء الناس، فقال: ولئن اتبعت يا محمد ما يريده أهل الكتاب، فصليت إلى قبلتهم مداراة لهم، وحرصا على اتباعك والإيمان بك، بعد ما جاءك الحق اليقين واضحا، والعلم القاطع الذي لا شك فيه وهو الدلائل والآيات التي تفيدك العلم وتحصله، لتكونن من الظالمين أنفسهم، المستحقين العقاب في الدنيا والآخرة، وهذا في الحقيقة خطاب للمؤمنين لاستبعاد خاطر أو فكرة اتباع أهواء القوم استمالة لهم. وجملة إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ هي جواب القسم المحذوف، الذي أو أومأت إلى تقديره اللام في لَئِنْ ودلّ على جواب الشرط. ودليل معرفة الحق من قبل أهل الكتاب: أنهم يعرفون النّبي صلّى الله عليه وسلّم بما بشرت به كتبهم، وذكرته من صفات لا تنطبق على غيره، فهم يعرفون النّبي كمعرفتهم التامة بأبنائهم. وإن فريقا منهم عاندوا وكتموا هذا الحق الواضح الذي يعلمونه من كتبهم، وهو نبوة محمد، وأن الكعبة قبلة.
فقه الحياة أو الأحكام:
ثم أعلن القرآن قاعدة وطيدة عامة: وهي أن الحق ما كان من عند الله وحده، لا من غيره، ويتمثل هذا الحق فيما أمر الله به في القرآن، فهو مما لا شك فيه، فلا تكن يا محمد، وبالأولى غيرك، من الشاكّين في أحقية وصدق ما أنت عليه وهو ما أتاك من ربك من الوحي، ولا تتبع أهواء وأوهام الضالّين الذين لم يتبعوك فيما أمرك الله به، فالقبلة التي تتجه إليها الآن- وهي الكعبة- هي القبلة الحق التي كان عليها إبراهيم ومن بعده من الأنبياء. والنهي في هذه الآية كالوعيد السابق في آية: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ ... موجّه إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، والمراد به من كانوا غير ثابتي الإيمان من أمته، ممن يخشى عليهم الاغترار بأباطيل المخادعين، والتأثر بأقاويل أهل الفتنة. فقه الحياة أو الأحكام: اتفق المسلمون- بناء على هذه الآية- على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في حال الخوف أو الفزع، وفي صلاة النافلة على الراحلة (الدابة أو السفينة أو الطائرة) ، فإن القبلة حال الخوف جهة الأمن، وفي حال الركوب حيث توجهت به الراحلة. واتفق العلماء على أن الكعبة قبلة في كلّ أفق، وعلى أن من شاهدها وعاينها، فرض عليه استقبال عينها، فإن ترك استقبالها وهو معاين لها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كلّ ما صلّى. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة، وينظر إليها إيمانا واحتسابا، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة. وأجمعوا على أن كلّ من غاب عنها عليه أن يستقبل ناحيتها وشطرها، فإن خفيت عليه، فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يمكنه من موقع الشمس، والنجوم، والبوصلة المعروفة، وغير ذلك.
وهل القبلة للغائب عين الكعبة أو الجهة؟ :
وهل القبلة للغائب عين الكعبة أو الجهة؟ قال الشافعية: فرض الغائب إصابة عين الكعبة، لأن من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين. وقال الجمهور غير الشافعية: فرض الغائب إصابة جهة الكعبة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الترمذي وابن ماجه: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة، لما صحّت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها. ويؤكده قول ابن عباس رضي الله عنهما: الكعبة قبلة من في المسجد، والمسجد قبلة من خارجه في مكة، ومكة قبلة سائر الأقطار. وهذا مأخوذ من حديث سيأتي. قال القرطبي: استقبال الجهة هو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول- أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني- أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي في أي مكان كنتم من الأرض في شرق أو غرب، فاتجهوا شطر المسجد الحرام. الثالث- أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت «1» . وهذا هو الراجح لدي، لعدم إمكان استقبال العين، وللتيسير على الناس، روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «البيت قبلة
لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي» . وقد انبنى على هذا الخلاف خلاف آخر في حكم الصلاة فوق الكعبة: أجاز الحنفية القائلون بأن القبلة الجهة- من قرار الأرض إلى عنان السماء- الصلاة فرضا أو نفلا فوقها، مع الكراهة، لما في الاستعلاء عليها من سوء الأدب، وترك التعظيم الواجب لها، ونهي النبي عنه. وأجاز الشافعية الصلاة فرضا أو نفلا على سطح الكعبة إن استقبل من بنائها أو ترابها شاخصا (سترة) ثابتا، كعتبة، وباب مردود أو عصا مسمّرة أو مثبتة فيه، قدر ثلثي ذراع تقريبا فأكثر بذراع الآدمي، وإن بعد عن الشاخص ثلاثة أذرع. وأباح الحنابلة أيضا صلاة النافلة على سطح الكعبة، ولكن لا تصح عندهم صلاة الفريضة، لقوله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ والمصلي على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة، بدليل صلاتها قاعدا، أو إلى غير القبلة في السفر على الراحلة. ومنع المالكية من صحة الصلاة فوق الكعبة، لأن المستعلي عليها لا يستقبلها، إنما يستقبل شيئا غيرها. ودلّ قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ على أن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده، وإلا كان متجها إلى غير شطر المسجد الحرام. وهذا مذهب مالك. وقال الجمهور: يستحب أن ينظر المصلي قائما إلى موضع سجوده. وأضاف الحنفية: وينظر المصلي حال الركوع إلى قدميه، وحال السجود إلى أرنبة أنفه، وحال الجلوس إلى حجره. وهذا الرأي هو الأصح،
لتحقق الاستقبال والتوجه شطر المسجد الحرام، وأما النظر إلى هذه المواضع فلمنع المصلي أن يتشاغل في الصلاة بغيرها إذا لم يحصر بصره في هذه الجهات التي عينوها للنظر. وبهذا الأمر: فَوَلِّ وَجْهَكَ.. نسخ التوجه إلى بيت المقدس. وأرشدت الآية (145) إلى أن زحزحة أهل الكتاب عن دينهم أو قبلتهم أمر ميئوس منه، مهما حاول الإنسان إقناعهم، لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، ولا تنفعهم الآيات، أي العلامات الدالة على صدق رسالة الإسلام ووجوب اتباعه، وأنه لو أقام النبي عليهم كلّ دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس 10/ 96- 97] . وقوله تعالى: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ لفظ خبر، ويتضمن الأمر، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك. ثم أخبر الله تعالى أن اليهود ليست متّبعة قبلة النصارى، ولا النصارى متّبعة قبلة اليهود، وهذا دليل على اختلافهم وتدابرهم وضلالهم. والخطاب في قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ.. للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بعض أمته، وهو من يجوز أن يتّبع هواه، فيصير باتباعه ظالما، وليس يجوز أن يفعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم ما يكون به ظالما، فهو محمول على إرادة أمته، لعصمة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ويقيننا أن ذلك لا يكون منه، وخوطب النّبي صلّى الله عليه وسلّم تعظيما للأمر، ولأنه المنزل عليه القرآن. وكذلك قوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي الشاكّين، الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والمراد أمته. ومما يوضح عناد أهل الكتاب واستكبارهم عن قبول الإسلام أو الحق: أنهم ولا سيما علماؤهم يعرفون نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وصدق رسالته، كما يعرفون أبناءهم،
وخصّ الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس، لأن الإنسان قد ينسى نفسه، ولا ينسى ابنه. روي أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا صلّى الله عليه وسلّم كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه، إلى أمينه في أرضه، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمّه. وأهل الكتاب يكتمون الحق يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم، ويعلمون نبوته، وهذا ظاهر في صحة الكفر عنادا، مثل قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل 27/ 14] ، وقوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة 2/ 89] . والحق: وهو استقبال الكعبة وغيره، من الله، لا ما أخبر به اليهود من قبلتهم، ولا ما أخبر به النصارى، فالقول الفصل هو للوحي الإلهي، لا لأهواء الجاحدين. والمراد بالخطاب في قوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ في المعنى هو الأمة. والنهي عن كونه منهم أبلغ من النهي عن نفس الفعل، فقولك: لا تكن ظالما أبلغ من قولك: لا تظلم. والخلاصة: أن جحدهم تحويل القبلة عناد ومكابرة، لأنهم يعلمون علم اليقين نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومتى ثبتت نبوته كان كل ما يفعله إنما هو عن وحي من ربه.
الاختلاف في القبلة وأسباب تحويلها [سورة البقرة (2) الآيات 148 إلى 152] :
الاختلاف في القبلة وأسباب تحويلها [سورة البقرة (2) : الآيات 148 الى 152] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) الإعراب: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها :جْهَةٌ مبتدأ مؤخر، وكُلٍ خبره المقدم، والوجهة: جاءت على خلاف القياس، لأن القياس أن يقال: جهة، مثل عدة وصلة بحذف الواو، إلا أنهم استعملوها استعمال الأسماء، على خلاف القياس. وَمُوَلِّيها مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع صفة لوجهة، ووَ يعود إلى كل، وتقديره: لكل إنسان وجهة موليها وجهه، ويجوز أن يعود إلى الله تعالى، أي الله موليها إياهم. كَما أَرْسَلْنا..: الكاف في كَما متعلق إما بقوله: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ أي لأتم نعمتي عليكم في تحويل القبلة، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، وإما متعلق بقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ أي اذكروني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، وإما أن يكون وصفا لمصدر محذوف، وتقديره: اهتداء كما أرسلنا، لأن قبله تَهْتَدُونَ.
البلاغة:
البلاغة: هناك جناس الاشتقاق بين أَرْسَلْنا ورَسُولًا. وهناك إطناب بذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول، وهو قوله: وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ بعد قوله: وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ. المفردات اللغوية: ْهَةٌ قبلة. وَمُوَلِّيها أي يولّي وجهه في صلاته. اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ بادروا إلى الطاعات وقبولها. أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يجمعكم يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم. لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ اليهود أو المشركين. حُجَّةٌ أي مجادلة في التولي إلى غيره، أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، وقول المشركين: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالعناد، فإنهم يقولون: ما تحول إليها إلا ميلا إلى دين آبائه، والاستثناء متصل، والمعنى: لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء. فَلا تَخْشَوْهُمْ تخافوا جدالهم في التولي إليها. وَاخْشَوْنِي بامتثال أمري. وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بالهداية إلى معالم دينكم. كَما أَرْسَلْنا متعلق ب (أتم) أي إتماما كإتمامها بإرسالنا. يُزَكِّيكُمْ يطهركم من الشرك. الْكِتابَ القرآن. وَالْحِكْمَةَ العلم النافع، وما في القرآن من الأحكام، وقال بعضهم: الحكمة: السنة النّبوية. هذا.. وإن تكرار الأمر باستقبال الكعبة ثلاث مرات [في الآية (149) لأول مرة، وفي الآية (150) مرتين] : لتأكيد الأمر بتحويل القبلة في صور مختلفة، وقال القرطبي: الحكمة في هذا التكرار أن الأول: فَوَلِّ وَجْهَكَ لمن عاينها وهو في مكة إذا صلّى تلقاءها، والثاني: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ لمن هو ببقية الأمصار وسائر المساجد بالمدينة وغيرها، والثالث: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ لمن خرج في الأسفار، فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض «1» . المناسبة: لما ذكر القبلة التي أمر المسلمين بالتوجه إليها وهي الكعبة، وذكر من تصميم أهل الكتاب على عدم اتباعها، أعلم أن ذلك هو بفعله، وأنه هو المقدر له، وأنه
التفسير والبيان:
هو موجه كلّ منهم إلى قبلته، ففيه تنبيه على شكر الله إذ وفق المسلمين إلى اتباع ما أمر به من التوجه واختيارهم له. التفسير والبيان: تستمر هذه الآيات في تأييد موقف النّبي صلّى الله عليه وسلّم في اتجاهه إلى الكعبة، وإبطال دعاوى المنكرين. فذكر الله تعالى أن لكل أمة قبلة خاصة بها، فلليهود قبلة، وللنصارى قبلة، وللمسلمين قبلة، وليس لكل الأمم قبلة واحدة، والواجب التسليم لأمر الوحي، وليست القبلة أساس الدين، وإنما المهم التسابق إلى فعل الخيرات، والله يجازي كل عامل بما عمل، والأمكنة في ميزان الله واحدة، فلا تجادلوا في تحويل القبلة، ولا تعترضوا عليه، وقبلة المسلمين واحدة في مختلف أنحاء الأرض، في البرّ والبحر والجو، ولا فائدة من محاجة المشركين في القبلة، بل اخشوا الله ولا تعصوا له أمرا، فأينما تكونوا يأت بكم الله جميعا يوم القيامة، فيحاسبكم على أعمالكم، والله على كل شيء قدير. وتفصيل هذا المعنى الإجمالي فيما يأتي: لكل أمة جهة توليها في صلاتها، فإبراهيم وإسماعيل كانا يتجهان نحو الكعبة، وبنو إسرائيل يستقبلون صخرة بيت المقدس، والنصارى يستقبلون المشرق، وهدى الله المسلمين إلى الكعبة، فالقبلة مختلفة باختلاف الأمم، وليست الجهة أساسا في الدين مثل توحيد الله والإيمان باليوم الآخر، والمطلوب التسليم لأمر الوحي، وتنفيذ الطاعات. فبادروا في فعل أنواع الخير، وليحرص كل إنسان على أن يكون سباقا إليه، مبتعدا عن كل شرّ وضلال، والشأن فقط لعمل البرّ، والبلاد والجهات ليست أساس القربة إلى الله تعالى، وهي سواء عند الله، والله يأتي بكم في أي مكان تقيمون فيه، ويجمعكم للحساب. والدليل أن الله لا يعجزه أن يحشر الناس يوم
الجزاء، مهما بعدت المسافات. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [المائدة 5/ 48] . والاتجاه إلى الكعبة أو المسجد الحرام شريعة عامة في كل زمان ومكان، ففي أي بقعة كنت، فاتجه جهة المسجد الحرام، وقد أعاد الله الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في هذه الآية، بعد الأمر به مرتين في الآية (144) ليبين أن الحكم عام في كل زمان ومكان، وذكر القرآن مع كل أمر ما يناسبه: فمع الأمر الأول في الآية (144) أثبت فيها ذاتها أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق. ومع الأمر الثاني في الآية (149) أوضح أنه الحق الثابت من عند الله، الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل، وأن تولي النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إياه هو الموافق للحكمة والمصلحة، وأن الله ليس بغافل عن أعمال الناس، وإخلاصهم في متابعة النّبي صلّى الله عليه وسلّم في كل ما يجيء به من أمر الدين، وسيجازيهم خير الجزاء. وفي هذا وعد للمؤمنين الطائعين بنيل المكافأة على أفعالهم، ووعيد للعصاة بمجازاتهم على أعمالهم. ومع الأمر الثالث في الآية (150) ذكر الله الحكمة في تحويل القبلة وهي منافع ثلاث: 1- لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ- أهل الكتاب والمشركين- حجة على المسلمين، فأهل الكتاب كانوا يعرفون أن النّبي الذي يبعث من ولد إسماعيل يكون على قبلته وهي الكعبة، فبقاؤه في اتجاه الصلاة إلى بيت المقدس دائما طعن في نبوته. ويعلمون أيضا من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا تلك الصفة، ربما احتجوا بها على المسلمين. والمشركون كانوا يرون أن نبيا من ولد إبراهيم عليه السّلام، جاء لإحياء ملة أبيه، فلا ينبغي له أن يستقبل غير
بيت ربه الذي بناه جدّه إبراهيم مع ابنه إسماعيل، فجاء التحويل موافقا لما يرونه، ودحضت حجة الفريقين، ومن ورائهم المنافقون. لكن الذين ظلموا أنفسهم منهم بالعناد وهم مشركو قريش الذين لا يهتدون بكتاب، ولا يؤمنون ببرهان، لأنهم السفهاء، لا تخشوهم في توجهكم إلى الكعبة، لأن كلامهم لا يستند إلى دليل معقول، واخشوا صاحب الحق وحده. ومن أقاويل هؤلاء الظالمين الضالين: أن اليهود قالوا: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه، وحبا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله. وقال المشركون: رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، وقال المنافقون: إنه غير مستقر على قبلة، بل هو متردد مضطرب. وكل تلك الآراء لا حجة صحيحة فيها، ولا برهان يقبله العقل منها، وإنما هي جدل في دين الله، وذريعة إلى عدم الإيمان برسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فاثبتوا أيها المؤمنون على قبلتكم، ولا تخشوا الظالمين في توجهكم إلى الكعبة، لأن كلامهم لا سند له من عقل أو هدي سماوي. واخشوا الله، فلا تخالفوا ما جاءكم به رسول الله، فهو المنفذ لما وعدكم به، وفي هذا إشارة إلى أن المحق هو الذي يخشى جانبه، وأما المبطل فلا يؤبه له. 2- وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بتخصيصكم بقبلة مستقلة في بيت ربكم الذي بناه جدّكم إبراهيم، وطهّره من عبادة الأصنام والأوثان، وجعل أفئدة الناس وشعوب العالم تهوي إليه، وتكون سببا في تحقيق منافع مادية ومعنوية لا حصر لها، وجعل محمد بن عبد الله نبيا عربيا من ولد إبراهيم، وإنزال القرآن عليه بلسان عربي مبين، وظهوره في العرب بين أهله وعشيرته الذين أحبوا أن تكون وجهتهم الكعبة، فكان التحويل إلى الكعبة نعمة تامة من الله على المسلمين والعرب. 3- وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي ولتهتدوا بالثبات على الحق وعدم المعارضة
فيه، فإن الفتنة التي أثارها السفهاء بتحويل القبلة أظهرت قوة الحق والإيمان، وضعف الباطل والكفر، ومحّصت المؤمنين، وأظهرت المنافقين، وخذلت الكافرين. والخلاصة: لقد أتم الله نعمته عليكم باستقلالكم بالبيت الذي جعله قبلة لكم، كما أتمها عليكم بإرسال رسول منكم: وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم، يتلو عليكم الآيات التي ترشد إلى الحق، وتهدي إلى سبيل الرشاد، ويقيم لكم الأدلة القاطعة على وحدانية الله وعظيم قدرته، ويطهركم من رجس الوثنية، ويعلمكم ما به تسمو نفوسكم، وتزكو، من أشرف العلوم، واحترام العقل، ونبذ التقليد الأعمى، وجعل الدين عاصما من كل زيغ وانحراف، كما أنه يطهر نفوسكم من عادات الجاهلية القبيحة مثل وأد البنات، وقتل الأولاد تخلصا من النفقة، وسفك الدماء لأوهن الأسباب. ويعلمكم القرآن الكريم، ويبين لكم الأحكام الشرعية، والأسرار التشريعية التي من أجلها كان القرآن هدى ونورا. ويعلمكم أيضا الحكمة: وهي معرفة أسرار الأحكام وغاياتها، وبواعثها على العمل والطاعة، كما يعلمكم السنة النّبوية والسيرة الحميدة في شؤون الحياة في السلم والحرب، والقلة والكثرة، والسفر والإقامة. حتى أصبح أصحاب النّبي الذين أطلعهم على أسرار التشريع وفقه الدين حكماء علماء أذكياء، وصار الواحد منهم يحكم البلاد، ويقود الأمة، ويقيم فيها العدل ويحسن السياسة، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، لكنه عرف سرّه، وفقه غايته. ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من أخبار المغيبات، وسير الأنبياء، وقصص الأقوام الغابرة، وأحوال الأمم البائدة أو التي كانت مجهولة عند العرب، وغيرهم من أهل الكتاب أيضا. لهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، فقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.
فقه الحياة أو الأحكام:
أي فاذكروني بالطاعة والامتثال والعمل الصالح، مثل الحمد والتسبيح والشكر، وقراءة القرآن وتدبرا آياته، والتفكر في الأدلة الكونية على وجودي وقدرتي ووحدانيتي، والتزام ما أمرتكم به، واجتناب ما نهيتكم عنه، والإيمان بالرسل والاقتداء بهم، أذكركم عندي بالثواب والإحسان، وإفاضة الخير، ودوام السعادة والعزة، وأفاخر بكم الملائكة، واشكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم بالقلب واللسان واستعمال كل عضو فيما خلق له من الخير والنفع، ولا تكفروا هذه النعم، بصرفها في غير ما يبيحه الشرع، ولا يقره العقل السليم، فإني مجازيكم على ما قدمتم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كما جاء في آية أخرى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ، إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم 14/ 71] . فقه الحياة أو الأحكام: الاتجاه إلى القبلة وسيلة لتوحيد الأمة، والمقصود الحقيقي إنما هو إخلاص العبادة لله، أيا كانت جهة الاتجاه في الصلاة، فلا يصح استغلال الخلاف بين أتباع الأديان، وعلى الناس التسابق في الخيرات وأعمال البّر والإحسان، وعليهم أيضا الطاعة في جميع ما أمر الله به، وما تبدل الأوامر بالاتجاه نحو بيت المقدس أولا، ثم الكعبة بنحو دائم إلا نوع من الابتلاء والاختبار، لمعرفة المؤمنين الصادقين، والكشف عن الكاذبين، وتمييز الخبيث من الطيب، والمسلم من المنافق، فلم يكن تحويل القبلة نقمة، وإنما هو نعمة كبري والأمر في قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يراد به المبادرة إلى تنفيذ ما أمر الله به، من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحثّ على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بعموم اللفظ، فإن المعنى المراد- كما قال القرطبي- المبادرة بالصلاة أول وقتها، ويسنّ الإبراد بالظهر عند مالك والشافعي لشدة الحرّ، لما رواه البخاري والترمذي عن أبي ذر الغفاري أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن شدّة الحرّ من فيح جهنم، فإذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة» .
وسيكافأ كل إنسان على ما قدّم من عمل، ولن يضيع جهده، والله قادر على أن يأتي بجميع الخلائق يوم القيامة، وقادر على كل شيء، ومن مشتملات قدرته وسعتها الإعادة بعد الموت والبلى في أي مكان، في البرّ أو البحر. ولا تراجع عن الأمر بالاتجاه نحو الكعبة، بدليل تأكيد الأمر في هذه الآية بالاتجاه نحوها ثلاث مرات، بالإضافة إلى الأمر السابق به مرتين في الآية (144) . وما على المؤمنين إلا الإصرار على الاتجاه في صلاتهم نحو الكعبة. وقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا استثناء متصل، كما روي عن ابن عباس، واختاره الطبري، وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة، حيث قالوا: ما ولاهم، وتحير محمد في دينه، وما توجّه إلى قبلتنا إلا أنّا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق. والتهوين من شأن الكفار، وشدّ أزر المؤمنين، والنهي عن خشية الظالمين في التوجه إلى الكعبة، فيه إيماء إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه، وأما المبطل فلا يؤبه له. وقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا: دلّ هذا التشبيه على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وهو تشبيه يدلّ على عظم شأن تحويل القبلة إلى الكعبة. وأما قوله سبحانه: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ففيه الإشادة بصرح العدل بين الناس، والمعنى: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، كما قال سعيد بن جبير، وقال أيضا: الذكر: طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره، وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن. وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله
الصبر على البلاء [سورة البقرة (2) الآيات 153 إلى 157] :
عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي، وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا..» والمراد: ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات. وأما قوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ فهو تحذير من الله لهذه الأمة، حتى لا تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، إذ كفرت بأنعم الله، فلم تستعمل العقل والحواس فيما خلقت من أجله، فسلبها ما وهبها. الصبر على البلاء [سورة البقرة (2) : الآيات 153 الى 157] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) الإعراب: أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ مرفوعان، لأن كل واحد منهما خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم أموات، بل هم أحياء. البلاغة: أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ فيه إيجاز بالحذف، أي لا تقولوا: هم أموات، بل هم أحياء، وبين الأموات والأحياء طباق. بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ التنكير للتقليل.
المفردات اللغوية:
صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ التضوين في الكلمة الأولى والأخيرة للتفخيم، وقوله: مِنْ رَبِّهِمْ لإظهار مزيد العناية بهم. هُمُ الْمُهْتَدُونَ فيه قصر الصفة على الموصوف، أي لا مهتدي غيرهم. المفردات اللغوية: بِالصَّبْرِ الصبر: توطين النفس على احتمال المكاره، أي استعينوا على الآخرة بالصبر على الطاعة والبلاء. وَالصَّلاةِ خصّها بالذكر لتكررها وعظمها، والصلاة في اللغة: الدعاء، وهي من الملائكة: الاستغفار، ومن الله: الرحمة. مَعَ الصَّابِرِينَ أي معهم بالعون. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ لنمتحننّكم، من الابتلاء: وهو الاختبار والامتحان ليعلم ما يكون من حال المختبر، والمراد: نصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، بالخوف من العدو: ضد الأمن، وَالْجُوعِ: القحط، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ: بالهلاك وَالْأَنْفُسِ بالقتل والموت والأمراض وَالثَّمَراتِ بالجوائح، أي لنختبرنكم، فننظر أتصبرون أم لا وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ على البلاء بالجنة. والمصيبة: كل ما يؤذي الإنسان في نفس أو مال أو أهل. ونقص الثمرات: قلتها. صَلَواتٌ مغفرة، والصلاة من الله: التعظيم وإعلاء المنزلة. وَرَحْمَةٌ نعمة، والرحمة: اللطف بما يكون لهم من حسن العزاء والرضا بالقضاء. سبب نزول الآية (154) : نزلت في قتلى بدر، وكانوا بضعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، والسبب أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباس: قتل عمير بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: وَلا تَقُولُوا ... الآية. التفسير والبيان: كان تحويل القبلة فتنة للناس، لاختبارهم وتمييز المؤمن الحق من المنافق الكاذب، فهو نعمة وليس نقمة، ولكن السفهاء وأهل الكتاب استغلوا هذا الحادث العظيم، وقاموا بحملة من الافتراءات والوشايات لزرع الحقد والبغضاء في النفوس ضدّ المؤمنين، وقد علم الله أن ذلك يستتبع جهودا مكثفة منهم لتأليب
الناس على المؤمنين، وسيؤدي هذا إلى القتال حتما، ثم حدث القتال فعلا في سلسلة من المعارك الضارية. فأبان سبحانه في هذه الآيات أن النعمة قد تقترن بالبلاء وألوان المصائب، ولكن لا دواء لتحمل المصيبة ومقاومة الأعداء من المشركين وأهل الكتاب إلا بالاستعانة بالصبر والصلاة، إذ في الصبر تقوية الإرادة وتحمل المشقة والثبات على المصاعب، وأن الله مع الصابرين، أي بالعون والنصرة والرعاية والتأييد، فلما فرغ سبحانه من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر، والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكرها، أو في نقمة فيصبر عليها. وأما الاستعانة بالصلاة فلأنها أم العبادات، وهي طريق الصلة بالله ومناجاته واستشعار هيبة الله وجلاله، وهي مفزع الخائفين، وسبيل تفريج كرب المكروبين، واطمئنان نفوس المؤمنين، قال صلّى الله عليه وسلّم: «جعلت قرة عيني في الصلاة» . وإذا استعان المؤمن بالصبر والصلاة التي تملأ القلب خشية وخشوعا لله، وتبعد النفس عن الفواحش والمنكرات، هانت عليه المصاعب، وتحمّل كل شدة ومشقة، وقاوم كل عناء وكرب. لذا أمر الله بهما فقال: استعينوا على نصر دينكم وشعائركم، وعلى كل ما تلاقونه من مكاره ومصائب، بالصبر الذي يتغلب به على كلّ مكروه، وبالصلاة التي تعزز الثقة بالله تعالى وتهوّن الخطوب. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة 2/ 45] . وإنما خصّ الصبر لأنه أشدّ شيء باطني على النفس، وخصّت الصلاة، لأنها
أشدّ عمل ظاهري على الإنسان، إذ فيها انقطاع عن الدنيا، واتجاه إلى الله، وقد روي أنه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا حزبه أمر- اشتد عليه- فزع إلى الصلاة، وتلا هذه الآية. إن الله ناصر الصابرين ومجيب دعائهم ومفرج كروبهم، والواقع أن الأعمال الفردية والأعمال الجماعية العظيمة لا تحقق ثمارها إلا بالثبات والكفاح الدائم، وعدة ذلك كله الصبر. ولا تقولوا عن شهداء الكفاح والجهاد الخالص: إنهم أموات، بل هم أحياء في قبورهم حياة ذات طراز خاص ومعالم خاصة، ويرزقون رزقا على كيفية، الله أعلم بها، ولكنّا لا نستطيع إدراك حقيقة تلك الحياة بميزان الحسّ المشاهد، فهي حياة غيبية، في عالم آخر، وطراز آخر، وكلّ ما في الأمر أن الله تعالى أخبرنا عنها، فلا نبحث عنها، ويجب الإيمان بها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ، عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران 3/ 169] . وفيما ذكر إشارة إلى أن المؤمن الذي يضحي بنفسه في سبيل نصر دينه ودعوة ربه هو من الشهداء الأبرار الذين يظفرون بجنان الخلد، وهم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، كما ثبت في الحديث الصحيح. ثم أقسم الله تعالى فقال: والله لنصيبنكم أيها المؤمنون بشيء قليل من خوف العدو في القتال، والجوع بالجدب والقحط، ونقص الأموال بضياعها، والأنفس بموتها بسبب الاشتغال بقتال الكفار وغيره، والثمرات بقلتها، وقال الشافعي: بموت الأولاد، وولد الرجل: ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر، وذلك لتهدأ قلوب المؤمنين، وتطمئن لما قد يفاجئهم به المستقبل من أحداث، وليرضوا بقضاء الله
وقدره، إذا تعرضوا لمصيبة، وحدث كل هذا، فكان المؤمن يصبح فقيرا حينما يؤمن وتهجره أسرته، أو يخرج من دياره وماله حينما هاجروا إلى المدينة وتركوا مكة، وكان المقاتل يتبلغ بتمرات يسيرات، في أثناء الذهاب إلى المعارك، ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك، وكان يعاني المرض ويتعرض للموت حينما استقر في المدينة وأصابه وباؤها وحمياتها التي كانت فيها، ثم حسن مناخها. وبشر الصابرين الذين يؤمنون بالقضاء والقدر، ولكن لا تتحقق البشار: إلا بالصبر عند الصدمة الأولى، وهم يحتسبون الأجر عند الله قائلين: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وتلك بشارة بحسن العاقبة في أمورهم، فيوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، ولهم من ربهم مغفرة لسيئاتهم، ورحمة خاصة بهم يجدون أثرها في برد القلوب وسكينة النفس عند نزول المصيبة. وهذه الرحمة يحسد عليها الكافرون المؤمنين، لأن الكافر تضيق به الدنيا إذا نزلت به المصيبة، وقد يقتل نفسه، وما أكثر حوادث الانتحار في أوربا وأمريكا!! والصابرون بحق: هم المهتدون إلى الحق والصواب ونافع الأفعال، وهم الذين فازوا بخيري الدنيا والآخرة. والصبر يكون عند الصدمة الأولى لحديث البخاري عن أنس: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» . والبكاء أو الحزن مع الرضا والتسليم للقضاء والقدر لا ينافي الصبر والإيمان، فقد جاء في الصحيحين أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم بكى حينما مات ولده إبراهيم، فقيل له: أليس قد نهيتنا عن ذلك؟ قال: إنها الرحمة، ثم قال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليجزع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» . والمذموم: هو فعل ما نهى عنه الشرع من لطم الخدود وشقّ الجيوب والدعاء بدعوة الجاهلية من النواح المحرم على الأموات، وفعل ما يستقبحه العقل من التفوه بكلمات تعبر عن السخط والاعتراض على ما قدّر الله وحكم به.
وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة في الصبر وحدوده وقيوده والاسترجاع عند المصيبة، منها ما رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون «1» ، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها» . وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عاقبته، وجعل له خلفا صالحا يرضاه» . وأخرج أحمد والترمذي عن أبي موسى أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد» . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى- أنها لم تكن في ديني، الثانية- أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة- أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير» ، ثم تلا قوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. والخلاصة: إن الآيات والأحاديث التي وضعت نظام الدين حضت على الصبر والاسترجاع والقول بما يرضي الله، والاستسلام لقضاء الله وقدره، والرضا بحكمه، فحينئذ يجبر الله المصيبة، بأن يعوض خيرا منها، ويثاب الصابر بالقبول الحسن عند الله والفوز بالجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: الدنيا دار ابتلاء واختبار، والبلاء يكون حسنا، ويكون سيئا، وأصله المحنة، قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء 21/ 35] وقال: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً [الأنفال 8/ 17] والله عزّ وجلّ يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، فقيل للحسن بلاء، وللسيء بلاء. وتؤكد الآية (155) أن الامتحان قائم، والمعنى لنمتحننّكم حتى نعلم المجاهد والصابر علم معاينة، حتى يقع عليه الجزاء. والصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدلّ على قوة القلب وثباته في مقام الصبر، وهو معنى حديث أنس المتقدم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» . وأما إذا بردت حرارة المصيبة، فكل أحد يصبر إذ ذاك. والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فصاحبه مجاهد، وصبر على طاعة الله، فصاحبه عابد، والثاني أكثر ثوابا، لأنه المقصود. فإذا صبر عن معصية الله، وصبر على طاعة الله، أورثه الله الرضا بقضائه. وعلامة الرضا: سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات: وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب فذاك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب. وإذا أصيب المؤمن بمصيبة: وهي النكبة التي تصيب الإنسان، وإن صغرت، قال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. روى عكرمة أن مصباح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انطفأ ذات ليلة، فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: «نعم، كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة» فالمصيبة إذن: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، وروى مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما يصيب المسلم من
وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهمّ يهمّه «1» إلا كفّر به من سيئاته» . ومن أعظم المصائب: المصيبة في الدين، أخرج السمرقندي أبو محمد في مسنده عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب» . قال ابن عبد البر: وصدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأن المصيبة به أعظم من كلّ مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النّبوة. وكان أول ظهور الشرّ بارتداد العرب وتوابعه، وكان المصاب بالنبي أول انقطاع الخير وأول نقصانه. والاسترجاع تسليم وإذعان وهو قوله تعالى: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وقد جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: إِنَّا لِلَّهِ توحيد وإقرار بالعبودية والملك، وقوله: وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار بالهلاك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن مرجع الأمر كله لله تعالى. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب، لما قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف 12/ 84] . وبشارة الصابرين: إما بالخلف، كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه تزوجها لما مات زوجها أبو سلمة، وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى المتقدّم المتضمن بناء بيت في الجنة يسمى بيت الحمد للصابرين. وقد أنعم الله على الصابرين المسترجعين بنعم عظمي هي المغفرة والرحمة،
السعي بين الصفا والمروة وجزاء كتمان آيات الله [سورة البقرة (2) الآيات 158 إلى 162] :
لأن الصلاة من الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجّاج: «الصلاة من الله عز وجل: الغفران والثناء الحسن» . ومن هذا: الصلاة على الميت، إنما هو الثناء عليه والدعاء له. وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. والمغفرة والرحمة عدل إلهي، وزاد الله الصابرين شيئا ثالثا وهو الهداية: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. وخلاصة ما أعتقده: أن من صبر عند الصدمة الأولى، ورضي بالقضاء والقدر، وطلب الأجر والثواب من الله على مصيبته، واحتسب ذلك عند الله، ولم يبدر منه كلمة فيها سوء أدب مع الله، عوّضه الله خيرا عنها في الدنيا، وغمره باللطف الإلهي في الدنيا والآخرة، وأسبغ عليه نعمة كبيرة وفضلا عظيما في الآخرة: وهو مغفرة الذنوب والخطايا، ودخول الجنة، والإقامة في بيت الحمد. رزقنا الله الإيمان، وربّى نفوسنا على التذرع بالصبر الجميل عند كلّ مصيبة صغرت أم عظمت، والله المستعان، والله مع الصابرين بالعون والولاية والرعاية والنصر. السعي بين الصفا والمروة وجزاء كتمان آيات الله [سورة البقرة (2) : الآيات 158 الى 162] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)
الإعراب:
الإعراب: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ مِنْ إما شرطية، وتَطَوَّعَ شرط، فعل ماض في معنى المستقبل، وهو مجزوم بمن الشرطية، وإما بمعنى الذي، وتطوع: جملة فعلية لا موضع لها من الإعراب، لأنه صلة الموصول. وخَيْراً منصوب بنزع الخافض أي من تطوع بخير. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ جواب الشرط، مجزوم بمن الشرطية، مثل قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [الأعراف 7/ 186] . أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ: أُولئِكَ مبتدأ، ولَعْنَةُ اللَّهِ إما خبر، وإما مبتدأ ثان، وعَلَيْهِمْ خبره المقدم عليه، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول، والمبتدأ الأول وخبره: خبر إن. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء متصل، والمعنى: تابوا عن الكفر إلى الإسلام أو عن الكتمان إلى الإظهار. خالِدِينَ حال منصوب من ضمير عَلَيْهِمْ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير خالِدِينَ. ولا هُمْ يُنْظَرُونَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير خالِدِينَ أو من ضمير عَنْهُمُ. البلاغة: مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فيه إيجاز بالحذف، تقديره: من شعائر دين الله. شاكِرٌ عَلِيمٌ أراد به الثواب على الطاعة، أي أنه أطلق الشكر وأراد به الجزاء بطريق المجاز. يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ فيه التفات من ضمير المتكلم «نلعنهم» إلى الغيبة، وذكر اسم الجلالة لإلقاء المهابة في القلب. يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ فيه جناس الاشتقاق، وهو محسّن بديعي.
المفردات اللغوية:
خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة أو في النار، وأضمرت النار تهويلا لأمرها. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أتى بالجملة الاسمية لإفادة الدوام والاستمرار. المفردات اللغوية: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مكانان مرتفعان بمكة بينهما (760 ذراعا) والصفا: تجاه البيت الحرام، وما بينهما المسعى، وهو مسقوف الآن، ومبلط بالرخام الجميل، مثل سائر الحرم المكي. شَعائِرِ اللَّهِ جمع شعيرة وهي العلامة، وتسمى المشاعر أيضا، وواحدها مشعر، وهي تطلق أحيانا على معالم الحج ومواضع النسك، وحينا آخر على العبادة والنسك فيه، والمراد هنا: مناسك الحج، وفيه حذف تقديره: من أعلام دين الله. حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ الحج لغة: القصد، وشرعا قصد البيت الحرام للنسك أو أداء المناسك المعروفة. والعمرة لغة: الزيارة، وشرعا: زيارة مخصوصة للبيت الحرام، وهي كالحج، لكن ليس فيها وقوف بعرفة ولا بالمزدلفة ولا بمنى، ولا تتحدد بزمان معين، ووقتها: كل أيام السنة. والاعتمار: أداء مناسك العمرة. فَلا جُناحَ فلا إثم. أَنْ يَطَّوَّفَ: أصله يتطوّف: أي يكرر الطواف، والمراد به السعي بين الصفا والمروة، وهو من مناسك الحج بالإجماع، وبيّن صلّى الله عليه وسلّم فرضيته بقوله فيما رواه البيهقي وغيره: «إن الله كتب عليكم السعي» وروى مسلم: «ابدؤوا بما بدأ الله به» يعني الصفا. تَطَوَّعَ فعل الطاعة فرضا أو نفلا، والتطوع لغة: الإتيان بالفعل طوعا لا كرها، ثم أطلق على التبرع بالخير، لأنه طوع لا كره، وعلى الإكثار من الطاعة بالزيادة على الواجب. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ لعمله أي مجاز عليه بالإثابة عليه، فهو سبحانه يجزي بالإحسان إحسانا. يَكْتُمُونَ الكتمان: ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه، وحصول الداعي إلى إظهاره. وما لم يكن كذلك لا يعد كتمانا. ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى كآية الرجم ونعت محمد صلّى الله عليه وسلّم فِي الْكِتابِ: التوراة يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ يبعدهم من رحمته وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ الملائكة والمؤمنون، أو كل شيء، بالدعاء عليهم باللعنة. خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة، أو في النار المدلول بها عليها. يُنْظَرُونَ يمهلون لتوبة أو معذرة، من الإنظار: وهو الإمهال.
سبب النزول:
سبب النزول: سبب نزول الآية (158) : أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن الصفا والمروة، فقال: «كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وأخرج الحاكم مثله عن ابن عباس. وأخرج الشيخان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قال: قلت لعائشة: أرأيت قول الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه، كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنهما إنما أنزلت، لأن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية، وكان من أهلّ لها، يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ... الآية، ثم سن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بينهما. ويوضح ذلك ما أخرجه الطبري عن الشعبي: أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا، يسمى إساف، ووثنا على المروة يسمى نائلة، وكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت، مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام، وكسرت الأوثان، قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر، قال: فأنزل الله أنهما من الشعائر. أي فلا حرج على المسلمين في السعي بينهما، لأنهم يسعون لله، لا للأصنام.
سبب نزول الآية (159 وما بعدها) :
سبب نزول الآية (159 وما بعدها) : نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم وأمر محمد صلّى الله عليه وسلّم. روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد سألوا نفرا من اليهود عما في التوراة من ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فكتموهم إياه، فأنزل الله هذه الآية. المناسبة بين الآيات: كان تحويل القبلة في الآيات السابقة نعمة كبري على المسلمين، إذ جعلتهم مستقلين عن التبعة لغيرهم، ومكنتهم من الإشراف على البيت الحرام، لتطهيره من الشرك والوثنية، ووجهت أنظار المسلمين نحو مكة- قلب الجزيرة والعالم، ولما أثنى الله على الصابرين، وكان الحج من الأعمال الشاقة المضنية للمال والبدن، ناسب هنا ذكر بعض شعائر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، لإتمام النعمة بالإشراف على مكة، والتذكير بأهميتها، وإقامة مناسك الحج فيها. وكل من الاتجاه إلى الكعبة والسعي هو أيضا إحياء لملة إبراهيم عليه السّلام، فلا مسوغ بعدئذ لمعاندة أهل الكتاب والمشركين في تحويل القبلة، ولا داعي لمحاولتهم زرع الأحقاد والضغائن ضد المسلمين الذين أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلاة. التفسير والبيان: إن الصفا والمروة والسعي بينهما من علامات دين الله، ومن مناسك الحج والعمرة التي تدل على الخضوع لله وعبادته إذعانا وتسليما، يعبده عباده عندهما وما بينهما بالدعاء أو الذكر أو تلاوة القرآن، فمن حج البيت أو اعتمر، فلا إثم عليه ولا خوف من الطواف بهما، وإن كان المشركون يطوفون بهما، فإن طوافهم كان كفرا بسبب تعظيم الأصنام الجاثمة على صخرتي الصفا والمروة، وأنتم تطوفون بهما إيمانا وإطاعة لأوامر الله تعالى.
ونفي الإثم والحرج أو الجناح عن السعي يشمل الواجب والمندوب، كما أن التطوع وهو فعل الطاعة يشمل الفرض والنفل. والسر في التعبير بنفي الجناح، مع أن السعي فرض عند الجمهور، وواجب عند الحنفية: هو لبيان خطأ المشركين الذين كانوا ينكرون كون السعي من الشعائر، وأنه من مناسك إبراهيم، وأنه لا مانع منه في الإسلام لتغير قصد الطائفين، ونفي الجناح لا ينافي الإيجاب المقرر شرعا. وأما التعبير بالشعائر: وهي ما تعبّدنا الله به كالصلاة ومناسك الحج، فللدلالة على وجوب التنفيذ والطاعة، وممارسة العبادة، وإن لم نفهم معناها تمام الفهم، أو ندرك سرها، ولا يقاس عليها غيرها. أما غير الشعائر كالمعاملات من بيع وإجارة وشركة ورهن ونحوها، فهي مشروعة لمصالح البشر، ولها علل وأسباب يسهل فهمها وإدراك مقاصدها، فيجري فيها القياس بحسب المصلحة. وإقامة شعائر الحج فرض في العمر مرة، ومن تطوع خيرا بأن أكثر من الطاعة وزاد عن الواجب الأصلي، فإن الله يجازيه على الإحسان إحسانا، ويثيب على القليل بالكثير، فلا يبخس أحدا ثوابه، وهو عليم بقصده وإرادته وبمن يستحق هذا الجزاء. وفي التعبير عن الجزاء الحسن بالشكر تربية على فضائل الأخلاق، إذ إن منفعة عمل العبادة عائدة إليهم، وهو مع ذلك قد شكرهم عليه، فهل يليق بعدئذ كفران النعمة الإلهية وعدم شكرها؟! إن شكر المعروف وتقدير النعمة سمة أهل الوفاء والإخلاص، بل هو سبب لزيادة النعمة ودوامها وإسبال الستر الإلهي على العبد الشاكر الطائع. وقد حمل العلماء الشكر على الثواب والجزاء بطريق المجاز، لأن الشكر بمعنى مقابلة الإحسان والنعمة بالثناء والتقدير محال على الله، إذ ليس لأحد عند ربه
يد ونعمة، ولا حاجة لله تعالى لعمل العباد. وأثبت السلف صفة الشكر لله، فهي صفة تليق بجلاله وكماله. ثم عاد القرآن إلى كشف موقف أهل الكتاب (اليهود والنصارى) في عناد النّبي صلّى الله عليه وسلّم ومعاداتهم إياه، ولا سيما علماء اليهود وأحبارهم، وما تضمنه موقفهم من أنهم يعرفون النّبي صلّى الله عليه وسلّم كما يعرفون أبناءهم، وأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون. إن الذين يكتمون ويخفون ما أنزل الله- إما بعدم ذكر نصوصه للناس حين الحاجة إليه أو السؤال عنه، كالبشارة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وصفاته الموجودة في سفر التثنية، وإما بتحريف الكلم عن مواضعه حين الترجمة، ووضع شيء مكذوب من عندهم مكانه، سواء في التوراة والإنجيل- جزاؤهم الطرد من رحمة الله، وغضب الله عليهم، ولعنهم من الملائكة والناس أجمعين. وحكمة هذا الجزاء: أن ما أنزل الله من البينات والهدى، كان لخير الناس وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، عن طريق إيراد الأدلة الواضحة على صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم، وتبيان حقيقة أمره ووجوب اتباعه والإيمان به، فإذا كتموا ما أنزل، وحجبوا الحقائق عن الأعين، أوقعوا الناس في ضرر جسيم، وشر عميم، وعطلوا الكتب السماوية، وفوتوا ما تؤتيه من ثمار وغايات طيبة مرجوة منها. والآية عامة في كل كاتم ومكتوم، يحتاج الناس إلى معرفته في أمر معاشهم ومعادهم، ومنه كتمان العلم الذي فرض الله بيانه للناس، كما روي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من سئل عن علم يعلمه، فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» ولا عبرة بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية. والمراد من قوله تعالى: ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى: كل ما أنزله الله على الأنبياء من الكتب والوحي والدلائل التي تهتدي بها العقول في ظلمات الحيرة. والمراد من قوله: مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ إما التوراة
فقه الحياة أو الأحكام:
والإنجيل، والمكتوم: ما جاء فيهما من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم والأحكام، وإما الكتب المتقدمة وما تبعها وهو القرآن. واستثنى القرآن من جزاء الكتمان السابق: من تاب من أهل الكتاب وأصلح ما أفسده، وأعلن الحق المسطور في الكتب المنزلة، وأقر بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وصدّق ما جاء به من عند الله، وأماط اللثام عما أنزل الله من غير تحريف ولا تبديل، وأصلح نفسه بصالح الأعمال، فهؤلاء يتوب الله عليهم ويغفر لهم، ويدخلهم الجنة، لأن الله تعالى قابل التوبة كثيرا من غير حدود، رحيم بالمقبلين عليه رحمة واسعة، يعفو عن المسيء، ويغفر زلة المخطئ، ويفيض برحمته على المقصرين إذا أنابوا وتابوا ورجعوا إلى الله تعالى. أما من ظل مصرّا على الخطأ، وعاند في قبول الحق، وأعرض عن دعوة الله في قرآنه وعلى لسان نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وظل يغير ويحرف حتى مات، فهذا وأمثاله هم الذين كفروا بالله ورسله وماتوا وهم كافرون، لذا استحقوا لعنة الله، وغضبه ولعنة الملائكة والناس أجمعين، وكانوا خالدين في النار خلودا دائما، لا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يمهلون، فهم ماكثون في تلك اللعنة الشاملة على طريق الدوام، حتى يردوا النار، ويخلدوا في عذاب جهنم، لموتهم وهم كفار. وفي بيان موقف التائبين والمعاندين ترغيب في التوبة عما فرط الإنسان من الذنوب، وحث على ترك العناد، وإبعاد لليأس من رحمة الله قبل هجوم الموت، كما قال الله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 39/ 53] . فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى أن السعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج والعمرة، لكن علماءنا اختلفوا في تحديد صفته الشرعية:
فقال الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) : إنه ركن، فمن لم يسع كان عليه حج قابل، لقوله عليه الصلاة والسّلام فيما رواه أحمد عن صفية بنت شيبة: «اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» وكتب بمعنى أوجب، مثل قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، وقوله عليه الصلاة والسّلام: «خمس صلوات افترضهن الله على العباد» رواه أبو داود والبيهقي عن عبادة بن الصامت. وقال الحنفية: السعي واجب، فإن تركه أحد حتى يرجع إلى بلاده، جبره بدم، أي بذبح شاة مثل شاة الأضحية، لظاهر الآية التي رفعت الإثم عمن تطوف بين الصفا والمروة، ووصفت ذلك بالتطوع، فقالت: وَمَنْ تَطَوَّعَ يعني بالتطوف بينهما، ولما رواه الشعبي عن عروة بن مضراس الطائي، قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمزدلفة، فقلت: يا رسول الله، جئت من جبل طي، ما تركت جبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال عليه الصلاة والسّلام: «من صلّى معنا هذه الصلاة «1» ، ووقف معنا هذا الوقف، وقد أدرك عرفة قبل- ليلا أو نهارا- فقد تم حجه، وقضى تفثه» «2» قالوا: فهذا يدل على أن السعي ليس بركن من وجهين: أحدهما- إخباره بتمام حجته، وليس فيها السعي. الثاني- أنه لو كان من أركانه لبينه للسائل، لعلمه بجهله الحكم. والظاهر أن الآية لا تدل لأحد الفريقين، لأن سببها كما علمنا هو رفع الجناح على من تطوف بالصفا والمروة، بعد أن كانوا يتحرجون من السعي بينهما، لوجود صنمين أو وثنين (إساف ونائلة) عليهما في الجاهلية، وكانوا يتمسحون بهما ويطوفون من أجلهما، فأبان الله أنه يطاف بهما من أجل الله، وأنهما
من شعائره. وقوله: «ومن تطوع خيرا» يحتمل بالتطوف بهما، ويحتمل بالزيادة على الفرض من التطوف بهما، فلم يبق من مستند في هذه المسألة إلا السنة، وروي فيها آثار مختلفة، فيرجح بينها بحسب الأصول، والراجح لدي رأي الجمهور للأحاديث التي استدلوا بها وهي مصرحة بفرضية السعي. وقوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ إشارة إلى أن السعي واجب، فمن تطوع بالزيادة عليه، فإن الله تعالى يشكر ذلك له. وآية كتمان ما أنزل الله التي نزلت في أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقد كتم اليهود أمر رجم الزناة المحصنين، ليست خاصة بهم، وإنما العبرة بعموم اللفظ، والمراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم حكما شرعيا، أو علما نافعا، أو رأيا صحيحا خالصا نافعا للأمة، ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة وعمرو بن العاص عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» . وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران 3/ 187] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [البقرة 2/ 174] فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم يتضمن تحريم الكتمان والتحريف، وفي آيات أخرى تصريح إيجابي وأمر واضح في الحث على بيان العلم ونشره، وإن لم يذكر الوعيد، مثل: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة 9/ 122] . والحاصل: إذا قصد العالم كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده، لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه معروف لدى غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ، لهذه الآيات والحديث المتقدم.
وذكر بعضهم أن الآية تدل على عدم جواز أخذ الأجر على التعليم، لأنّها تدل على لزوم إظهار العلم وترك كتمانه، ولا يستحق إنسان أجرا على عمل يلزمه أداؤه، كما صرحت آية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [البقرة 2/ 174] فدل ذلك على بطلان أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين. لكن أفتى المتأخرون بجواز أخذ الأجور على تعليم العلوم الدينية، لتهاون الناس بها، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، حتى لا تضيع العلوم، ولانقطاع مخصصات العلماء من بيت مال المسلمين، واضطرار العلماء إلى التزود بما يعينهم على شؤون الحياة. ودلت آية كتمان ما أنزل الله على شدة النكير على الكاتمين ووعيدهم، لما في الكتمان من الضرر الجسيم بالناس، وتعطيل الكتب السماوية، ووظيفة الرسالة النّبوية، ولأن العلم يحرم كتمه، ويجب نشره وتعميمه، فإن أقدم إنسان على حرمان الناس من علمه، استحق اللعنة الأبدية من الله ومن الناس أجمعين، لأنهم حرموا الخير والنور ومعرفة طريق الهدى والرشاد. وقد أرشد قوله سبحانه في تحريم كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى إلى وجوب العمل بقول الواحد، لأنه لا يجب عليه البيان، إلا وقد وجب قبول قوله، وقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فحكم بوقوع البيان بخبرهم. ولم يسدّ الحق سبحانه طريق الأمل، فاستثنى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم، ولا يكفي في التوبة قول القائل: قد تبت، حتى يظهر منه مخالفة سلوكه السابق، فإن كان مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح، وجانب أهل الفساد
والأحوال التي كان عليها، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه. ودلت آية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وما بعدها على خلود الكفار في نار جهنم، فهم خالدون في اللعنة ومستقرة فيهم أي في جزائها، وأنهم مطرودون من رحمة الله، وأن تعذيبهم دائم مستمر بدون انقطاع ولا تخفيف، ولا إمهال أو إرجاء، فهم لا ينظرون أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من الأوقات. ولا خلاف في جواز لعن الكفار جملة من غير تعيين، لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان» سواء أكانت لهم ذمة أم لم تكن، وهو مباح غير واجب، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله. وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشرّاب الخمر وأكلة الرّبا، والتشبّه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. وأما الكافر المعيّن، فقال ابن العربي: والصحيح عندي جواز لعنه، لظاهر حاله، ولجواز قتله وقتاله «1» . وقد روي أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللهم إن عمرو بن العاص هجاني، وقد علم أني لست بشاعر، فالعنه واهجه عدد ما هجاني» فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله. وقال جماعة من العلماء: لا يلعن الكافر المعين، لأنا لا ندري بما يختم الله له. وأما الحديث الذي احتج به ابن العربي فهو ضعيف. وليس لعن الكافر زجرا له عن الكفر، بل هو جزاء على الكفر، وإظهار قبح كفره، سواء كان الكافر ميتا أو مجنونا. ومع هذا فإن الأولى عدم اللعن عموما، لما يؤدي إليه من المقابلة أو المعاملة بالمثل، وإثارة الخصام والاقتتال.
وحدانية الإله ورحمته ومظاهر قدرته [سورة البقرة (2) الآيات 163 إلى 164] :
ولعنة الكافر من الناس: هي في يوم القيامة، ليتأثر بذلك، ويتضرر ويتألم قلبه، فيكون لعنه جزاء على كفره، كما قال الله تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت 29/ 25] . وأما لعن المسلم العاصي المعيّن: فذكر ابن العربي أنه لا يجوز اتفاقا، لما روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم أنه أتي بشارب خمر مرارا، وهو نعيمان، فقال بعض من حضره: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» فجعل له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة. وكان هذا في حق نعيمان بعد إقامة الحد عليه، أما من لم يقم عليه الحد، فلعنته جائزة، سواء سمّي أو عيّن أم لا، لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة، ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن، فإذا تاب منها وأقلع وطهّره الحد، فلا لعنة تتوجه عليه. وأما لعن العاصي مطلقا من غير تعيين، فيجوز إجماعا، لما روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده» ويجوز لعن الظالم من غير تعيين، لقوله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود 11/ 18] . وحدانية الإله ورحمته ومظاهر قدرته [سورة البقرة (2) : الآيات 163 الى 164] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
الإعراب:
الإعراب: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ: لا نافية للجنس، وإله: اسمها المنصوب، وخبرها محذوف تقديره: لا إله لنا، أو في الوجود، وهُوَ بدل مرفوع من موضع: لا إِلهَ الذي هو في موضع رفع على الابتداء. والرَّحْمنُ إما مرفوع على البدل من هُوَ وإما مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الرحمن، ولا يجوز أن يكون وصفا لقوله: هُوَ لأنه ضمير لا يوصف ولا يوصف به. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي معطوف على المجرور قبله، والفلك: يكون واحدا ويكون جمعا، الواحد كقوله تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشعراء 26/ 119] والجمع كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس 10/ 22] . البلاغة: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ خبر خال من التأكيد، لقيام الأدلة القاطعة على وحدانية الله. لَآياتٍ وردت نكرة للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على القدرة الإلهية. المفردات اللغوية: وَإِلهُكُمْ المستحق للعبادة منكم إِلهٌ واحِدٌ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان. وَالْفُلْكِ السفن. وَبَثَّ فِيها نشر وفرّق فيها. دَابَّةٍ كل ما دب من الحيوان على الأرض، وغلب على ما يركب ويحمل عليه. وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ: تقليبها جنوبا وشمالا حارة وباردة، وتوجيهها إلى الجهات المطلوبة. وَالسَّحابِ الغيم. الْمُسَخَّرِ المذلل بأمر الله تعالى يسير إلى حيث شاء الله. بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بلا علاقة لَآياتٍ دالات على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يتدبرون. سبب النزول: عن عطاء قال: نزل على النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
وجه المناسبة أو الربط بين الآيات:
وعند أبي الضحى قال: لما نزلت هذه الآية: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ تعجب المشركون وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقا فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية «1» . وجه المناسبة أو الربط بين الآيات: بعد أن ذكر الله في الآية السابقة حال الكافرين الجاحدين لآيات الله، وحال من كتم الآيات، وعقابهم بالطرد من رحمة الله والخلود في نار جهنم، أتى ببيان سبب الكفر وهو الشرك، وأراد تعالى أن يعالج داء كفرهم بإثبات وحدانية الله بالبرهان، وتعداد مظاهر رحمته وأدلة قدرته، وأن الخير في اللجوء إليه وحده، فقال: وإلهكم المستحق للعبادة بحق: هو الله الذي ليس في الوجود سواه، والذي وسعت رحمته كل شيء، بيده النفع والخير، وهو القادر على دفع الضر والشر، فلا تشركوا به شيئا، سواء شرك الألوهية: بأن يعتقد المرء أن في الخلق من يشارك الله أو يعينه في أفعاله، وشرك الربوبية: بأن يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو تؤخذ أحكام الشرائع من عبادة وحلال وحرام من غيره، كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة 9/ 31] . فقوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته تعالى. وقوله الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ معناه: المولي لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة، فإن كل ما سواه إما نعمة وإما منعم عليه. وإنما خص الله تعالى الوحدانية والرحمة بالذكر دون غيرهما من الصفات، لتذكير الكافرين الكاتمين للحق بأن لا ملجأ أمامهم غير الله لاتقاء عذابه، ولترغيبهم بالتوبة وعدم اليأس من فضله.
ثم أورد الله تعالى أدلة وحدانيته وقدرته ورحمته في هذا الكون بالذات، فأبان أنه خالق السموات وما فيها من عوالم وأفلاك من غير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، بديعة الجمال، دقيقة النظام، كل ما فيها يجري لأجل مسمى في مداره، محكمة التناسب فيما بينها عن طريق ما يسمى بالجاذبية، نجومها وقمرها للإنارة وتقدير حساب الشهور، وشمسها للإضاءة وإمداد الحيوان والنّبات بالحرارة، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس 10/ 5] ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... [الأنعام 6/ 97] . وخالق الأرض الذي جعلها وسطا صالحا للعيش الهادئ المطمئن، وملأها بالكنوز والمنافع المختلفة، وسخرها لخير الإنسان، وأوجد فيها الجماد والمعادن والأنهار والحيوان والنّبات، وجعل لكل مخلوق غاية وحكمة، ولم يخلق ما فيها عبثا، ويسر لكل شيء فيها وسائل الحياة والرزق والدوام والبقاء مدة العيش قال الله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات 51/ 20] . وكل من خلق السموات والأرضين عدا ما فيه من عظمة وقدرة وبهاء، مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية بالناس جميعا. ومن أجل إتمام النعمة وإسباغ الرحمة على الإنسان، وتيسير سبل العيش الكريم والراحة والسكينة، أوجد الله تعالى تعاقب الليل والنهار وخالف بينهما في الفصول الأربعة بسبب خطوط الطول والعرض بالطول والقصر، والحرارة والبرودة، وبحسب اختلاف الأقطار والبلدان، كما جاء في آيات كثيرة منها: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً، لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ، أَوْ أَرادَ شُكُوراً [الفرقان 25/ 62] ومنها: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا [الإسراء 17/ 12] .
ويسر الله للإنسان سبيل الارتحال ونقل البضائع والتجارات والمواد الثقيلة بين البلدان عن طريق السفن الشراعية والبخارية والذرية التي تحمل مئات الألوف من الأطنان، وتؤدي دورا حاسما في السلم وفي الحرب. ودلالتها على الوحدانية يظهر عند دراسة صناعتها وحمولتها وتصميمها، مثل معرفة طبيعة الماء وقانون ثقل الأجسام وطبيعة الهواء والبخار والكهرباء، ولا يدرك ذلك إلا العلماء المتخصصون الذي يكتشفون هذه الطاقات ويسخرونها لخدمة الإنسان، وهي من خلق الله الذي أبدع النظام وشملت قدرته كل شيء، كما قال سبحانه: وَمِنْ آياتِهِ: الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [الشورى 42/ 32- 33] . وقد عبّر القرآن عن منافع البحر بإيجاز في قوله تعالى: بِما يَنْفَعُ النَّاسَ أي في أسفارهم وتجاراتهم وتنقلاتهم لأغراض مختلفة من قطر لآخر، فيتداولون المنتجات والصناعات ومواد الغذاء وأصناف اللباس والدواء وغير ذلك. وأنزل الله المطر من السماء لإحياء الأرض بعد موتها، ولينعم به الإنسان والحيوان، فالماء مصدر الحياة، كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء 21/ 30] . وقال: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج 22/ 5] فإنزال المطر رحمة وفضل إلهي. وأما مصدر المطر: فهو من تصاعد بخار ماء بواسطة حرارة الهواء فوق البحار، ثم تتكاثف الذرات المائية وتتكون سحبا، ثم يسقط الماء من خلالها، بفعل تسيير الرياح، وكل ذلك يتم بإرادة الله عز وجل ومشيئته، كما قال: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ، فَتُثِيرُ سَحاباً، فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ، وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً، فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ. [الروم 30/ 48] . وَهُوَ الَّذِي
يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا، سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ.. [الأعراف 7/ 57] . ومن أدلة قدرة الله ووحدانيته: توجيه الرياح وتصريفها على حسب الإرادة والمشيئة والنظام الحكيم، تهب من مختلف الجهات الأربع، ولأغراض مختلفة، كتلقيح النّبات والأشجار، كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر 15/ 22] وقد تكون عقيما، وقد تكون للعذاب:.. رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها، فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ، كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف 46/ 24- 25] . ومن مظاهر القدرة الإلهية تكاثف السحاب (الغيم) وتجمعه في الجو، ثم تذليله وتفريقه لإنزال المطر في شتى البقاع، على وفق نظام معين، وحكمة بالغة، وتقدير عجيب. كل هذه الظواهر عبر ومواعظ لمن يعقل ويتدبر وينظر، ليدرك الأسرار والعجائب، ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة الخالق المبدع، ووحدانية الإله المدبر، ورحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك من كمال الحكمة واكتمال الكون الدال على وجود الله، وأنه إله واحد، وإله كل شيء، وخالق كل شيء، وهذه الآية شبيهة بآية: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران 3/ 190- 191] وقوله: رَبَّنا مدح المؤمنين الذين يتفكرون ويتعظون. وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها
فقه الحياة أو الأحكام:
مُعْرِضُونَ. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف 10/ 105- 106] . وجاء في الحديث النّبوي عن الآية التي نفسرها هنا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ..: «ويل لمن قرأ هذه الآية، فمجّ بها» أي قذف، والمراد: عدم الاعتبار والتفكر والاعتداد بها. فقه الحياة أو الأحكام: لما حذر الله تعالى من كتمان الحق، بيّن أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه: أمر التوحيد، وأعقبه بذكر البرهان وضرورة النظر: وهو التفكر في عجائب الصنع والإبداع، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء، وأخبر تعالى في آية: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ عن تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له، ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم. جاء في الحديث عن أسماء بنت يزيد بن السّكن عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ والم، اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» . وقوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ نفي وإثبات، أولها كفر وآخرها إيمان، ومعناه: لا معبود إلا الله. أخرج مسلم عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة» والمقصود: القلب، لا اللسان، فلو قال: لا إله، ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات، لكان من أهل الجنة، باتفاق أهل السنة. ثم أورد سبحانه الدليل على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته. فهذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع.
فآية السموات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها. وآية الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها. وآية الليل والنهار: اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم، واختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والنهار: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل: من الغروب إلى الفجر. وآية الفلك (السفن) : تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها، وأول من عملها نوح عليه السّلام، كما أخبر تعالى، وقال له جبريل: «اصنعها على جؤجؤ «1» الطائر» فعملها نوح بما أراه جبريل، فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها. وإذا كانت السفن مسخرة للإنسان، فيجوز ركوب البحر مطلقا، لتجارة كانت أو عبادة، كالحج والجهاد. وآية الأمطار: كيفية تكونها وتجمعها وتفريقها، وإنعاش العالم بها، وإخراج النّبات والأرزاق، وجعل المخزون منها في الأرض عدة في غير وقت نزولها، كما قال الله تعالى: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون 23/ 18] . وفي السماء مختلف أنواع الدواب، قال الله تعالى: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [البقرة 2/ 164] والدابة: تجمع الحيوان كله. وآية الرياح: تصريفها، أي إرسالها عقيما وملقحة، ونكبا وهلاكا ونصرا، وحارة وباردة، وليّنة وعاصفة، وفيها التفريج والتنفيس والترويح، روى أبو داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الرّيح من روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها،
واستعيذوا بالله من شرها» ويلاحظ أن الرياح تستعمل في الخير، والريح في العذاب، كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إذا هبت الريح: «اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا» لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء، كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ليّنة متقطعة. وآية السحاب: تجمعه وتحريكه من مكان إلى آخر وثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق، يشبه الجبال، ويدهش لرؤيته من يراه من ركاب الطائرة عند ما تحلق فوقه. قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض. والخلاصة: أن قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.. لتقرير مبدأ الوحدانية، وإثبات الرحمة والرأفة بالمخلوقات، وأما ما ذكر بعدئذ فهو لإقامة الأدلة الواضحة على الوحدانية والقدرة والرحمة. ولم يقتصر الله تعالى في ذكر وحدانيته على مجرد الإخبار، حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي القرآن، فقال لنبيه: قُلِ: انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يونس 10/ 101] والخطاب للكفار، لقوله تعالى: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس 10/ 101] وقال: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف 7/ 185] والملكوت: الآيات. وقال: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات 51/ 21] والمعنى: أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات، لكن الإنسان أكمل منه، وذلك محال.
حال المشركين مع آلهتهم [سورة البقرة (2) الآيات 165 إلى 167] :
حال المشركين مع آلهتهم [سورة البقرة (2) : الآيات 165 الى 167] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) الإعراب: يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الذين: فاعل، ويرى بمعنى يعلم، وسدّت أَنَّ وصلتها مسدّ المفعولين. وإنما جاء إِذْ هاهنا وفي الآية (166) التي هي لما مضى، ومعنى الكلام لما يستقبل، لأن الإخبار من الله تعالى كالكائن الماضي لتحقق كونه وصحة وقوعه. وأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ متعلق بجواب لَوْ وتقديره: لعلموا أن القوة لله. إِذْ تَبَرَّأَ في موضع نصب، والعامل فيه إما شَدِيدُ الْعَذابِ وإما فعل مقدر، أي اذكر إذ تبرأ. فَنَتَبَرَّأَ منصوب بتقدير أن بعد الفاء التي في جواب التمني، لأن قوله تعالى: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً تمنّ، فينزل منزلة: ليت، وجوابه بالفاء منصوب، والفاء فيه عاطفة، وتقديره: لو أن لنا أن نكرّ فنتبرأ. والكاف في كَما تَبَرَّؤُا منصوب إما لأنها صفة مصدر محذوف، وكَما مصدرية، أي كتبرئهم منا، وإما في موضع نصب على الحال من واو تَبَرَّؤُا. كَذلِكَ: الكاف إما في موضع نصب على أنها صفة مصدر محذوف وتقديره: إراءة مثل ذلك، وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الأمر كذلك. وحَسَراتٍ إما منصوب على الحال من ضمير يُرِيهِمُ أو منصوب لأنه مفعول ثالث ليريهم. البلاغة: كَحُبِّ اللَّهِ تشبيه مرسل مجمل حيث ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه. أَشَدُّ حُبًّا أبلغ من قوله: أحب لله.
المفردات اللغوية:
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وضع الظاهر موضع الضمير أي بدلا من قوله: «ولو يرون» لبيان سبب العذاب وهو الظلم الفادح. وفي قوله: رَأَوُا الْعَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ما يسمى بالترصيع، وهو أن يكون الكلام سجعا. المفردات اللغوية: أَنْداداً أصناما جمع ند: وهو النظير المماثل. يُحِبُّونَهُمْ يعظمونهم ويخضعون لهم، كما يفعل المحب. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حبهم للأنداد، لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما، والكفار يعدلون في الشدة إلى الله. إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ إذ بمعنى إذا، ويرى بمعنى يعلم، وجواب لو محذوف، والمعنى: لو علموا في الدنيا شدة عذاب الله وأن القدرة لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة، لما اتخذوا من دونه أندادا. أو لعلموا أن القوة لله، كما تقدم. تَبَرَّأَ التبرؤ: المبالغة في التنصل والتباعد ممن يكره قربه وجواره. اتُّبِعُوا أي الرؤساء. مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أي أنكروا إضلالهم. الْأَسْبابُ واحدها سبب وهو الحبل، ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى مقصد معنوي، والمراد: الصلات والعلاقات. كَرَّةً رجعة إلى الدنيا. حَسَراتٍ ندامات، والحسرة: شدة الندم والكمد بحيث يتألم القلب. التفسير والبيان: أقام الله تعالى في الآية السابقة الأدلة على وحدانيته ورحمته، وذكر هنا حال الذين لا يعقلون هذه الأدلة، فاتخذوا أندادا لله، يلتمسون منهم الخير، ويتأملون بهم دفع الشر، وهؤلاء هم المشركون وهذه حالهم مع آلهتهم في الدنيا ومصيرهم في الآخرة. اتخذ هؤلاء المشركون أندادا وأمثالا لله وهم رؤساؤهم، أو أوثانهم وأصنامهم، يعظمونهم ويحبونهم ويطيعونهم ويعبدونهم كتعظيم الله وحبه وطاعته وعبادته، ويتقربون إليهم كتقربهم إلى الله، ويلتجئون إليهم عند الحاجة كالتجائهم إلى الله تعالى. ولكنهم في هذا كله مضطربون حيارى، فقد يلجأون إلى بشر أو صنم أو حيوان، ولا يتحقق لهم بهم مأرب، وأنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته.
أما اللجوء إلى الله وحده الذي لا إله غيره، ولا ندّ له، ولا شريك معه، فهو المحقق للغاية، لأن الله هو صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة، والرحمة الواسعة، ولكن لا بدّ للعبد من اتخاذ الأسباب المساعدة على إجابة الدعاء، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادا على الله فهو جاهل بالله، كما أن من التجأ إلى غير الله من الأصنام والأوثان فهو مشرك بالله تعالى. لذا كان المؤمنون أشد حبّا لله من كل ما سواه، ولا يتشكك المؤمن في عدالة الله إطلاقا، فلا يشرك به شيئا، ويلجأ إليه في جميع أموره، وهو مستقر دائم حال الشدة وحال الرخاء في حب الله وتعظيمه، فلا يعدل عنه إلى غيره، بخلاف المشركين، فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون إليه، ويخضعون له، ويتخذون أندادهم وسائط بينهم وبين الله، فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زمانا، ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس «1» عام المجاعة. ثم أوعد أو توعد الله تعالى المشركين الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال: لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد وإشراكهم بالله، وقت صبّ العذاب الشديد عليهم، لعلموا حينئذ أن القوة لله وحده، وأنه المتصرف في الأكوان والموجودات كلها، من البشر والحجر والصنم وغيرها، في كل حال وزمان، سواء في عالم الآخرة أو عالم الدنيا. لو علموا هذا وأدركوا مصالحهم حق الإدراك، لانتهوا عماهم فيه. وأما حال الأتباع والمتبوعين يوم القيامة فيستدعي الدهشة والعجب، والسخرية والهزء، لأن الرؤساء المتبوعين المعبودين كالملائكة والجن والإنس يتبرءون أو يتنصلون من أتباعهم، لأن الواحد منهم يهتم بإنقاذ نفسه، ولأنه لم يرض بما يفعله
فقه الحياة أو الأحكام:
المشركون في الحقيقة، فيتبرأ كل معبود ممن عبده، ولكن لا أمل في النجاة حين رؤية العذاب، وانقطاع الصلات والأنساب والحيل وأسباب الخلاص، ولا معدل ولا مصرف عن النار حينئذ. وقال التابعون: نتمنى أن تكون لنا رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ منهم، كما تبرأوا منا، وتركونا في الشدة والضلال. مثل ذلك الذي رأوه من العذاب، يريهم الله جزاء أعمالهم حسرات عليهم، أي أن الله يظهر لهم أن أعمالهم كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم، لما ورّثته فيها من حسرة وشقاء وخسران، فهي تذهب وتضمحل، ولن يخرجوا من النار إلى الدنيا لشفاء كيدهم وغيظهم من رؤسائهم، لأن دخولهم النار كان بسبب الشرك وحب الأنداد. فقه الحياة أو الأحكام: إن أعظم جريمة عند الله هي الشرك به: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» . ومما يؤسف له ويدهش العقلاء أن المشركين الذين يتخذون آلهة مع الله من رؤساء أو أصنام يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق، وحبهم لأصنامهم وعبادتهم إياهم مع عجزهم كحب المؤمنين لله مع قدرته. ولو عاين المشركون العذاب، لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا، أي أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه، علما بأن عذاب الله شديد. وقد كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم بذلك، ولكنه خوطب، والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا.
ويوم القيامة يتبرأ المعبودون من عابديهم، فتقول الملائكة مثلا: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [القصص 28/ 63] ويقولون: سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ 34/ 41] والجن أيضا تتبرأ منهم ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ، كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [الأحقاف 46/ 5- 6] وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم 19/ 81- 82] . ويتبرأ العابدون أيضا من معبوديهم، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا حتى يعملوا صالحا ويتبرءوا من الآلهة المزعومة. بل إنهم يطلبون من الله مضاعفة العذاب لهم كما قال الله تعالى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقالُوا: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب 33/ 66- 68] . وهم في هذا التمني كاذبون، بل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، كما أخبر الله تعالى عنهم. ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين من كلا الفريقين: العابدين والمعبودين، ويظهر الله لهم أعمالهم الفاسدة التي ارتكبوها، فوجبت لهم النار، وقال ابن مسعود والسّدّي: «الأعمال الصالحة التي تركوها، ففاتتهم الجنة» . وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث إنهم مأمورون بها. وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها. وقوله: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم لا يخرجون منها، كقوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف 7/ 40] .
تحليل الطيبات ومنشأ تحريم المحرمات [سورة البقرة (2) الآيات 168 إلى 171] :
تحليل الطيبات ومنشأ تحريم المحرمات [سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 171] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) الإعراب: حَلالًا طَيِّباً منصوب إما لأنه وصف لمفعول محذوف، وتقديره: كلوا شيئا حلالا طيبا، أو لأنه وصف لمصدر محذوف، وتقديره: كلوا أكلا حلالا طيبا. أَوَلَوْ همزة استفهام ومعناه التوبيخ، والواو حرف عطف، وجواب لَوْ محذوف، وتقديره: «يتبعونهم» للعلم به. وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل ... إلخ أو تقديره: مثل دعاء الذين كفروا كمثل دعاء الذي ينعق، فحذف المضاف في الحالين وأقيم المضاف إليه مقامه. ودعاء ونداء: منصوب ب يسمع. البلاغة: خُطُواتِ الشَّيْطانِ استعارة عن الاقتداء به واتباع آثاره. بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ من عطف الخاص على العام، لأن السوء أعم يشمل جميع المعاصي، والفحشاء: أقبح المعاصي وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه تشبيه مرسل لذكر الأداة، وتشبيه مجمل لحذف وجه الشبه. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ تشبيه بليغ حذف منه وجه الشبه وأداة الشبه، أي هم كالصم في عدم سماع الحق، وكالعمي والبكم في عدم الانتفاع بالقرآن.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: حَلالًا طَيِّباً الحلال: هو ما أباحه الشرع، والحرام: ما حرمه الشرع وطَيِّباً صفة مؤكدة، أي مستلذا خُطُواتِ جمع خطوة أي طرق الشيطان أي تزيينه والسير على طريقته عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة لذوي البصائر يَأْمُرُكُمْ أي يوسوس لكم ويتسلط عليكم كأنه آمر مطاع بِالسُّوءِ: ما يسوء وقوعه أو عاقبته أي السيء القبيح وَالْفَحْشاءِ كل ما يقبح شرعا أو في أعين الناس من المعاصي: وهي ما تجاوز الحد في القبح، مما ينكره العقل ويستقبحه الشرع، فهي أقبح وأشد من كلمة بِالسُّوءِ. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم ما لم يحرم وغيره. ما أَنْزَلَ اللَّهُ من التوحيد وتحليل الطيبات أَلْفَيْنا وجدنا لا يَعْقِلُونَ عقل الشيء: عرفه بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه وَمَثَلُ صفة يَنْعِقُ يصيح أو يصوت بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً أي صوتا ولا يفهم معناه، أي هم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم، تسمع صوت راعيها ولا تفهمه، فهم لا يعقلون الموعظة. والنداء للبعيد، والدعاء للقريب. سبب نزول الآية (168) : قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم أشياء من الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. المناسبة: بعد بيان أن أوضاع الشرك خبيثة المنافع، أمر الله بالطيب النافع، ولما أباح الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة، بيّن لهم ما حرم عليهم. التفسير والبيان: بعد أن ذكر الله تعالى حال متخذي الأنداد وما يرونه من العذاب، وانقطاع الأسباب والصلاة بين التابعين والمتبوعين، وهي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرءوسين، أوضح أن تلك الصلات محرمة، لأنها أكل الخبائث، واتباع خطوات الشيطان، وأن سبب الضلال هو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا برهان.
وجاء الخطاب بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ليشمل المؤمن والكافر، وأن إنعام الله يعم كل الناس، وأن الكفر لا يحجب الإنعام الإلهي. وناداهم جميعا بأن يأكلوا مما في الأرض حلالا أحله الله لهم، طيبا لا شبهة فيه ولا إثم ولا يتعلق به حق الغير، وألا يأكلوا الخبائث التي منها ما يأخذه الرؤساء من الأتباع، فهو حرام خبيث لا يحل أكله. ودل ذلك على أن بقاء رجال الدين من أهل الكتاب على ملتهم وعدم إيمانهم بالإسلام: هو للحفاظ على مراكزهم، ورياستهم الباطلة، وأخذهم الأموال بالباطل. فلا تتبعوا أيها الناس طريقة الشيطان بالإغواء والإضلال والوسوسة، فهو إنما يوسوس بالشر والمنكر، وإنه للإنسان بدءا من أبينا آدم عليه السّلام عدو ظاهر العداوة، فلا يأمر بالخير أصلا، ولا يأمر إلا بالقبيح، فهو مصدر الخواطر السيئة والمزين للمعاصي، فاحذروه ولا تتبعوه، وكأنه بوسوسته وتسلطه عليكم كأنه آمر مطاع، بأن تفعلوا ما يسوؤكم في دنياكم وآخرتكم. ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون يقينا أنه شرع الله في العقائد والشعائر الدينية، أو تقدموا على تحليل الحرام وتحريم الحلال، ليتوصل بذلك إلى إفساد العقيدة وتحريف الشريعة. ثم حكى القرآن عن المشركين وبعض اليهود: أنه إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم من الوحي، لأنه خير لكم وأجدى، ولا تتبعوا من دونه أولياء، انقادوا إلى تقليد الآباء تقليدا أعمى، اعتمادا على المألوف فقط، فرد الله عليهم: أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في تقاليدهم وعاداتهم، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الحق في أمور العقائد والعبادات، بل ولو تجردوا من أي دليل منطقي، وحادوا عن الصواب. وهذا يدل على ذم التقليد بدون دليل. أما
فقه الحياة أو الأحكام:
اتباع المجتهدين أي تقليدهم بعد معرفة دليلهم، فهو جائز، لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء 21/ 7] . وصفة أو حال داعي الكافرين إلى الإيمان، المقلدين آباءهم ورؤساهم، وما هم عليه من الضلال والجهل، وعدم التأمل في صحة المواقف، مثل حال الذي يدعو بهائمه ويسوقها إلى المرعى والماء ويزجرها عن الممنوع، وهي لا تعقل مما يقول شيئا ولا تفهم له معنى، فكل واحد من الكفار والبهائم لا يعي شيئا مما يسمع، وإنما ينقاد للأصوات والأجراس، لأن الكفار قد حجبوا عن قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم نور الهداية، فختم الله عليها بالغشاوة، وأصبحت لا ينفذ إليها شيء من الخير، وكأنهم صم لا يسمعون، خرس أو بكم لا ينطقون، عمي لا ينظرون في آيات الله تعالى وفي أنفسهم، مما يرشدهم إلى الإيمان، بل ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان. قال القرطبي: شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم إلى الإيمان وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما يقول. فقه الحياة أو الأحكام: أباح الله تعالى للناس أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيبا، أي مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر. روى ابن عباس: أنه تليت هذه الآية عند النّبي صلّى الله عليه وسلّم: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: «يا سعد، أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف
اللقمة الحرام في جوفه، ما يتقبلّ منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا، فالنار أولى به» . والحلال الطيب: هو الذي لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق للغير مهما كان. وهذا يدل على أنه لا يحل للمسلم أن يأخذ مالا يتعلق به حق الغير، أو يأخذه على وجه غير شرعي. وتدل آية وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.. على تحريم اتباع طرائق الشيطان ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي، فهو لهم حلال- وفيه: وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم» . وتدل الآية على أنه يجب على المسلم أن يجاهد نفسه وهواه، وأن يخالف الشيطان، فإنه داع للشر والسوء والمنكر والعصيان. وأخبر الله تعالى بأن الشيطان عدو، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم، وذلك في آيات كثيرة غير هذه الآية، مثل الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [البقرة 2/ 268] وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً [النساء 4/ 60] إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ، لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر 35/ 6] .
ويدخل في اتباع خطوات الشيطان كل معصية لله، وكل نذر في المعاصي، قال ابن عباس: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان «1» . ودلت آية: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ.. أي للناس ومنهم كفار العرب، واليهود، على تحريم التقليد الأعمى، وعلى أنه يجب على المسلم وغيره أن ينظر على قدر طاقته وقوته في إثبات عقيدته وأمور دينه. والتقليد عند العلماء: قبول قول بلا حجة. وأما الاتّباع: فهو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله. وفرض العامي الذي لا يستطيع استنباط الأحكام من أصولها أن يسأل أهل العلم، ويمتثل فتوى الأعلم، لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل 16/ 43] . وأجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد، لأن الله ذم الكفار بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل في قوله: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ.. [الزخرف 43/ 23] ولأنه فرض على كل مكلف (بالغ عاقل) تعلّم أمر التوحيد والقطع به، والتعليم لا يحصل إلا من جهة القرآن والسنة النبوية. ومثل الذين كفروا فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي دعاها إلى ما يرشدها، لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
الحلال والحرام من المآكل [سورة البقرة (2) الآيات 172 إلى 173] :
الحلال والحرام من المآكل [سورة البقرة (2) : الآيات 172 الى 173] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) الإعراب: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ: إِنَّما كافة، وإنما تجيء في الكلام لإثبات المذكور ونفي ما سواه، مثل: «إنما إلهكم إله واحد» أي ما إلهكم إلا إله واحد. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ: غَيْرَ منصوب على الحال من ضمير: اضْطُرَّ. المفردات اللغوية: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أي أكلها، إذ الكلام فيه، وكذا ما بعدها، وهي ما لم يذكّ (يذبح) شرعا، وألحق بها بالسنة: ما أبين من حي، وخص منها السمك والجراد وَالدَّمَ أي المسفوح وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها، ويقولون: باسم اللات، أو باسم العزى، ثم قيل لكل ذابح: مهل، وإن لم يجهر بالتسمية. فَمَنِ اضْطُرَّ ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر، فأكله. غَيْرَ باغٍ غير طالب للشيء المحرم ذاته وَلا عادٍ غير متجاوز قدر الضرورة إِثْمَ الإثم: الذنب والمعصية. التفسير والبيان: الآيات السابقة من أول السورة لبيان موقف المؤيدين والمعارضين للقرآن، ومن هنا أي بداية النصف الثاني من السورة إلى أواخر الجزء الثاني في بيان الأحكام الشرعية العملية.
بعد أن خاطب الله الناس جميعا بأن يأكلوا مما في الأرض من خيراتها، ثم بين سوء حال الكافرين المقلدين رؤساءهم، لأنهم لا يستقلون برأي، ولا يهتدون بعقل، وجه الخطاب هنا إلى المؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، فأباح لهم أن يأكلوا من رزق الله الطيب الطاهر، وأمرهم أن يشكروا نعمة الله عليهم، إن صح أنهم يخصونه بالعبادة، ويقرون أنه مولي النعم. عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «يقول الله تعالى: إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري» . ولما أباح تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة، وبيّن لهم ما حرم عليهم، لكونه أقل، بقي ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع آخر. والأكل من الطيبات مع شكر النعمة موقف وسط يجمع بين متطلبات الجسد والروح معا، فنأكل للحفاظ على الجسم بلا إسراف ولا تقتير، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً.. [المائدة 5/ 87- 88] ونغذي الروح بشكر الله على ما أنعم. ويختلف هذا الموقف الوسط عما كان عليه المشركون وأهل الكتاب قبل الإسلام، فمنهم من حرم على نفسه أشياء معينة كالبحيرة والسائبة، ونحوهما، وساد عند النصارى مبدأ الرهبانية وتعذيب النفس وحرمانها من جميع اللذات، واحتقار الجسد ولوازمه، إما بتخصيص ذلك بالرهبان، أو بتعميمه على الجميع كالحرمان من اللحم والسمن في بعض أنواع الصيام كصوم العذراء والقديسين، والحرمان من السمك واللبن والبيض في صوم آخر. والمحرم الحقيقي: 1- إنّما هو تناول الميتة، لاحتباس الدم فيها وتوقع التضرر بها، لفساد لحمها وتلوثه بالأمراض غالبا، فهي محرمة لاستقذارها ولما فيها من ضرر.
2- وتناول الدم المسفوح، لأنه ضارّ، وتأباه النفوس الطيبة، فهو حرام لقذارته وضرره أيضا. 3- وأكل لحم الخنزير، لأنه ضارّ، وخصوصا أثناء الحر، ولأن النفوس الطيبة تأباه، لأنه حيوان قذر لا يأكل غالبا إلا من القاذورات والنجاسات، فيقذر لذلك، ولأن فيه ضررا، لحملة جراثيم شديدة الفتك، ولأن فيه كثيرا من الطباع الخبيثة، وولوع بالنواحي الجنسية ولا يغار على أنثاه، وكسول بطبعه، والمتغذي يتأثر بتلك الطبائع، وتنتقل إليه بيوض الدودة الوحيدة الحلزونية التي قد تكون في خلايا عضلات جسمه، ولو تربى في أنظف الحظائر. 4- وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى عند الذبح، لأنه من أعمال الوثنية، وفيه إشراك واعتماد على غير الله. وكان العرب في الجاهلية يذبحون للأصنام، ويقولون: باسم اللات والعزى، فهو حرام صيانة لمبدأ الدين والتوحيد وتعظيم الله. وحصر التحريم في هذه الأصناف مستفاد من قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ.. أي لم يحرم عليكم إلا الميتة وتوابعها، لأن إِنَّما تفيد الحصر، تثبت ما تناوله الكلام وتنفي ما عداه. وقد حصرت هنا التحريم، لا سيما وقد جاءت عقب التحليل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ. ويضاف لهذه المحرمات ما حرم في سورة المائدة (الآية: 3) وما حرمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ولحوم الحمير الأهلية. لكن من ألجأته الضرورة (وهي أن يصل إلى حد لو لم يتناول المحظور هلك) إلى أكل شيء مما حرم الله، بأن لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك، ولم يكن راغبا فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة، فلا إثم عليه، للحفاظ على النفس، وعدم تعريضها للهلاك، ولأن الإشراف على الموت جوعا أشد ضررا من أكل الميتة والدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
وقيد الله جواز الأكل من المحرمات بقوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار، فيزعم الواحد أنه مضطر وليس بمضطر، ويتجاوز قدر الضرورة أو الحاجة مستغلا الظرف الطارئ، فينقاد لشهواته. إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة، لأنه متروك إلى اجتهادهم، رحيم بهم، إذ أباح لهم تناول المحرّمات حال الضرورة، ولم يوقعهم في الحرج والعسر. فقه الحياة أو الأحكام: أكد الله في هذه الآية إباحة الأكل من الطيبات، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا لهم وتنويها بهم، والمراد بالأكل: الانتفاع من جميع الوجوه. فيجوز الانتفاع بكل ما في البر والبحر من نبات وحيوان وأسماك وطيور إلا ما حرمه الله في هذه الآية وآية المائدة (3) وما ذكره الفقهاء بالاعتماد على الثابت في السنة النبوية. ويلاحظ أن المذكور في سورة المائدة داخل تحت اسم الميتة: وهي كل ما مات من غير ذبح شرعي، سواء أكان موقوذة أم متردية أم نطيحة أم أكلها السبع ولم تدرك حية فتذبح. وكذا ما ليس بمأكول فذبحه كموته كالسباع وغيرها. وقد خصصت هذه الآية بقوله عليه السّلام فيما أخرجه الدارقطني: «أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال» وروى البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أكل كل ذي ناب من السباع» وروى مالك وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام» وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» .
أما آراء الفقهاء في الحيوان المأكول، فهي ما يلي بإيجاز: قالوا: الحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلاثة: مائي، وبري، وبرمائي (بري- مائي) «1» : أما الحيوان المائي: وهو الذي لا يعيش إلا في الماء فقط، ففيه رأيان: 1- مذهب الحنفية: جميع ما في الماء من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة، فإنه يحل أكله بدون ذكاة (ذبح) إلا الطافي منه، فإن مات وطفا على الماء لم يؤكل، لحديث ضعيف عن جابر رواه أبو داود وابن ماجه: «ما ألقاه البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه» . 2- مذهب الجمهور غير الحنفية: حيوان الماء كالسمك والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيرة، حلال يباح بغير ذكاة، كيف مات، حتف أنفه، أو بسبب ظاهر كصدمة حجر أو ضربة صياد، أو انحسار ماء، راسيا كان أو طافيا، وأخذه: ذكاته، لكن إن انتفخ الطافي بحيث يخشى منه المرض، يحرم للضرر. إلا أن الإمام مالك كره خنزير الماء وقال: أنتم تسمونه خنزيرا. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أراه حراما. وأما الحيوان البري: وهو الذي لا يعيش إلا في البر، فهو ثلاثة أنواع: الأول- ما ليس له دم أصلا: كالجراد والذباب والنمل والنحل والدود والخنفساء والصرصار والعقرب وذوات السموم ونحوها، لا يحل أكلها إلا الجراد خاصة، لأنها من الخبائث غير المستطابة، لاستبعاد الطباع السليمة إياها، وقد قال تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف 7/ 157] . واشترط المالكية تذكية الجراد، أما الجراد الميت فهو حرام عندهم، لأن حديث: «أحلت لنا ميتتان» ضعيف. أما الحنفية الذين لا يجيزون تخصيص القرآن بالسنة،
فيقولون: إن الذي خصص ميتة السمك هو قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [المائدة 5/ 96] فأما صيده: فهو ما أخذ بعلاج، وأما طعامه فهو ما وجد طافيا أو جزر عنه البحر، لكنهم لا يجيزون أكل الطافي كما تقدم. الثاني- ما ليس له دم سائل: كالحية وسام أبرص وجميع الحشرات وهوام الأرض من الفأر والقراد (ما يعلق بالبعير) والقنافذ واليربوع والضب: يحرم أكلها لاستخباثها، ولأنها ذوات سموم، ولأنه صلّى الله عليه وسلّم أمر بقتلها. وحرم الحنفية الضب، لأنه صلّى الله عليه وسلّم نهى عائشة حين سألته عن أكله. وأباحه الجمهور لإقراره عليه الصلاة والسلام أكل الضب بين يديه. وأجاز الشافعية أكل القنفذ وابن عرس. الثالث- ماله دم سائل: وهو إما مستأنس أو متوحش. أما المستأنس من البهائم: فيحل منه الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم بالإجماع، ويحرم أكل البغال والحمير، ويحل لحم الخيل لكن مع الكراهة تنزيها عند أبي حنيفة، لاستخدامها في الركوب والجهاد. والمشهور عند المالكية تحريم الخيل. ويحرم المستأنس من السباع وهو الكلب والقط. وأما المتوحش: فيحرم عند الجمهور غير مالك كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، لأنها تأكل الجيف أي الميتات. ويكره عند مالك لحوم السباع، ويجوز عنده أكل الطيور ذوات المخالب، لظاهر الآية: قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ.. [الأنعام 6/ 145] . فالذي يحل شيئا مما ذكر يستند إلى عموم الآية، ويحمل الحديث على نهي الكراهة، أو يبطله لمعارضته الآية. والذي يحرم شيئا مما ذكر يستند إلى الحديث الوارد في التحريم وينسخ به الآية أو يرى أنه لا معارضة. وأما الحيوان البرمائي: وهو الذي يعيش في البر والماء معا، كالضفدع والسلحفاة والسرطان والحية والتمساح وكلب الماء ونحوها، ففيه آراء ثلاثة:
الأول- للحنفية والشافعية: لا يحل أكلها، لأنها من الخبائث، ولسمية الحية، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما أخرجه أحمد وأبو داود «نهى عن قتل الضفدع» ولو حل أكله، لم ينه عن قتله. الثاني- للمالكية: يباح أكل الضفادع ونحوها مما ذكر، لأنه لم يرد نص في تحريمها. الثالث- للحنابلة وهو التفصيل: كل ما يعيش في البر من دواب البحر لا يحل بغير ذكاة كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء، إلا ما لا دم فيه كالسرطان، فإنه يباح فيما روي عن أحمد بغير ذكاة، لأنه حيوان بحري يعيش في البر، ولا دم له سائل، خلافا لما له دم سائل كالطير، لا يباح بغير ذبح، والأصح لدى الحنابلة أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة «1» . ولا يباح أكل الضفدع، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه النسائي: نهى عن قتله، فيدل ذلك على تحريمه. ولا يباح أيضا أكل التمساح. وذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين الذي ذبحت أمه، وخرج ميتا، استنادا إلى أنه ميتة، وحرمت الآية الميتة، وخالفه صاحباه والشافعي وأحمد، وذهبوا إلى حله، لأنه مذكى بذكاة أمه. وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره أكل، وإلا لم يؤكل. وحجة الجمهور: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» أي أن ذكاة أمه تنسحب عليه. وتأول مؤيد وأبي حنيفة الحديث: بأن ذكاته كذكاة أمه. وهذا تأويل بعيد، لأن الحديث ورد في سياق سؤال، فقد ورد عن أبي سعيد الخدري أنه صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال: «إن شئتم فكلوه، إن ذكاته ذكاة أمه» .
واختلف العلماء في الانتفاع بدهن الميتة في غير الأكل، كطلاء السفن ودبغ الجلود: فقال الجمهور: يحرم، للآية، لأنهم يرون أن الفعل المقدر هو الانتفاع بأكل أو غيره، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه جابر: «قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، فنهاهم عن ذلك» وهذا يفيد أن إطلاق تحريم الميتة يفيد تحريم بيعها. وقال عطاء: يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وحجته أن الآية في تحريم الأكل، بدليل سابقها، ولأن حديث شاة ميمونة يعارض حديث جابر: وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرّ على شاة ميمونة، فقال: «هلا أخذتم إهابها» فيرجح، لأنه موافق لظاهر التنزيل القرآني. وأما جلد الميتة: فلا يطهر بالدباغ في ظاهر مذهب المالكية، والمشهور عند الحنابلة، لحديث عبد الله بن عكيم فيما رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربع) قال: «كتب إلينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» وهو ناسخ لما قبله من الأحاديث، لأنه في آخر عمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولفظه دال على سبق الترخيص، وأنه متأخر عنه. وذهب الحنفية والشافعية: إلى أن دباغ الجلود النجسة أو الميتة يطهرها كلها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» ورواه النسائي والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» . وأما أجزاء الميتة الصلبة التي لا دم فيها كالقرن والعظم والسن ومنه عاج الفيل والخف والحافر والظلف والشعر والصوف والعصب والإنفحة الصلبة: فهي طاهرة غير نجسة عند الجمهور، وقال الشافعية: أجزاء الميتة كلها نجسة، ومنها
الإنفحة واللبن والبيض المتصل بها، إلا إذا أخذ من الرضيع لأن كلا منها تحله الحياة. ودليل الجمهور حديث سلمان رضي الله عنه فيما رواه ابن ماجه: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن السمن والجبن والفراء، فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا الله» . وأما ما وقعت فيه فأرة: فإن أخرجت حية فهو طاهر، وإن ماتت فيه: فإن كان مائعا فإنه ينجس جميعه، وإن كان جامدا فإنه ينجس ما جاورها، فتطرح وما حولها، وينتفع بما بقي وهو على طهارته، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الفأرة تقع في السمن، فتموت، فقال: «إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها، وإن كان مائعا فأريقوه» . وإذا وقع في القدر حيوان: طائر أو غيره، فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يؤكل ما في القدر، وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه قال: يغسل اللحم ويراق المرق. وقال ابن عباس: يغسل اللحم ويؤكل. أما الدم: فاتفق العلماء على أنه حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به، إذا كان مسفوحا، لتقييده بذلك الوصف في سورة الأنعام، وقد حمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعا، ولم يحرموا منه إلا ما كان مسفوحا. قالت عائشة: لولا أن الله قال: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [الأنعام 6/ 145] لتتبع الناس ما في العروق. وعلى هذا ما خالط اللحم في العروق غير محرم إجماعا، وكذلك الكبد والطحال لا يحرم تناولهما إجماعا، من طريق تخصيص الدم المحرم- في رأي الحنفية والشافعية بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أحلت لنا ميتتان ودمان» وذكر الكبد والطحال. ولا تخصيص في رأي مالك، لأن الكبد والطحال ليسا لحما ولا دما، بالعيان والعرف. وأما الخنزير: فلحمه حرام، وكذا شحمه بالقياس على اللحم حرام أيضا،
لأن اللحم يشمل الشحم، وهو الصحيح. وقصر الظاهرية التحريم على اللحم، لا الشحم أخذا بمبدئهم في العمل بظاهر النص فقط، لأن الله قال: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ. ويرد عليهم بأن الفائدة في ذكر اللحم أنه حيوان يذبح بقصد لحمه، ولا يعقل التفريق بين اللحم والشحم. ويجوز الخرازة بشعر الخنزير، فقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الخرازة بشعر الخنزير، فقال: «لا بأس بذلك» . وأما ما أهل به لغير الله، أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسي الذي يذبح للنار، والوثني الذي يذبح للوثن، والمعطّل الذي لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه، فحرام باتفاق العلماء. وهل يشمل هذا ذبائح النصارى التي ذكروا اسم المسيح عليها، فتكون محرمة، أو لا يشملها فلا تكون محرمة، بل هو خاص بما ذكر عليه اسم الأصنام؟. قال جمهور العلماء: هي حرام، وقال عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وأشهب من المالكية: ليست حراما، وسبب اختلافهم: تعارض آيتي: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة 5/ 5] وهذه الآية. فرأى الجمهور: أن هذه الآية مخصصة لآية المائدة، والمعنى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، ما لم يذكر اسم غير الله عليه، فتحرم ذبيحة الكتابي إذا ذكر عليها اسم المسيح. ورأى الأقلون العكس، والمعنى: وما أهل به لغير الله إلا ما كان من أهل الكتاب، فتجوز ذبائح أهل الكتاب مطلقا. أما من اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي كان أحوج إليها، فله التناول منها حتى يشبع في رأي مالك، لأن الضرورة ترفع التحريم، فتعود الميتة مثلا
مباحة، ويكون معنى «غير باغ ولا عاد» هو البغي والعدوان على الإمام، أي الخارج على المسلمين وقاطع الطريق. ويأكل المضطر في رأي الجمهور على قدر سد الرمق، لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدر الضرورة. ومن حالات الضرورة: إساغة اللقمة بخمر، وتناولها لدفع العطش. والمضطر في رأي الجمهور: هو من ألجأه الجوع إلى الأكل، وأضيف إليه عند بعضهم: من أكره على أكل الحرام، كالرجل يأخذه العدو، فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى. ولم يجز جمهور العلماء التداوي بالحرام كالخمر والميتة، لقوله عليه الصلاة والسلام- فيما رواه البخاري عن ابن مسعود-: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليهم» ولقوله عليه السّلام فيما رواه مسلم لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» قال ابن العربي: الصحيح أنه لا يتداوى بالميتة، لوجود عوض حلال عنها. وللعلماء رأيان فيمن اقترن بضرورته معصية، بقطع طريق وإخافة سبيل، فقال مالك، والشافعي وأحمد: يحرم عليه إن كان السفر لمعصية، لأجل معصيته، لأن الله سبحانه أباح ذلك عونا، والعاصي لا يحل أن يعان، فإن أراد الأكل فليتب وليأكل. أما من عصى أثناء السفر، فتباح له الرخص الشرعية، وأباحها له أبو حنيفة مسويا في استباحته بين طاعته ومعصيته. ورجح القرطبي هذا القول، لأن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، لقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء 4/ 29] وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال، فتمحو التوبة عنه ما كان.
كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله [سورة البقرة (2) الآيات 174 إلى 176] :
وذكر الباجي في المنتقى أن المشهور من مذهب مالك: أن المضطر يجوز له الأكل في سفر المعصية، ولا يجوز له الفطر والقصر، لقوله تعالى: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ. وإذا وجد أكثر من نوع من المحرمات، فما الذي يقدمه المضطر؟. قال ابن العربي: الضابط لهذه الأحكام: أن المضطر إذا وجد ميتة ولحم خنزير، قدم الميتة، لأنها تحل حية، والخنزير لا يحل، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل. وإذا وجد ميتة وخمرا يأكل الميتة حلالا بيقين، والخمر محتملة للنظر. وإذا وجد ميتة ومال الغير: فإن أمن الضرر في بدنه، أكل مال الغير، ولم يحل له أكل الميتة، وإن لم يأمن، أكل الميتة. والصحيح خلافا للشافعي: ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه. وإذا وجد المحرم صيدا وميتة، أكل الصيد، لأن تحريمه مؤقت، فهو أخف، وتقبل الفدية في حال الاختيار، ولا فدية لآكل الميتة «1» . كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله [سورة البقرة (2) : الآيات 174 الى 176] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176)
الإعراب:
الإعراب: فِي بُطُونِهِمْ: ظرف في موضع الحال، وتقديره: ما يأكلون إلا النار ثابتة في بطونهم، كقوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً تقديره: يأكلون نارا كائنة في بطونهم. والأصل أن فِي بُطُونِهِمْ صفة لنار، لكن إذا قدمت صفة النكرة انتصبت على الحال. فَما أَصْبَرَهُمْ ما: إما تعجيبة وتقديره: شيء أصبرهم، أو استفهامية، وتقديره: أي شيء أصبرهم؟ وعلى كلا الوجهين: هي مبتدأ، وما بعدها خبر. البلاغة: ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ مجاز مرسل باعتبار ما يؤول إليه، أي إنما يأكلون المال الحرام الذي يؤدي بهم إلى النار. وقوله فِي بُطُونِهِمْ زيادة تشنيع وتقبيح لحالهم. اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى استعارة تصريحية، والمراد: استبدلوا الكفر بالإيمان، استعار لفظ الشراء للاستبدال. المفردات اللغوية: يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا: يبيعونه بثمن قليل من الدنيا يأخذونه بدله من أتباعهم، فلا يظهرونه خوف فوته عليهم وَلا يُكَلِّمُهُمُ غضبا عليهم. وَلا يُزَكِّيهِمْ يطهرهم من دنس الذنوب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم هو النار. الضَّلالَةَ هي العماية التي لا يهتدي فيها الإنسان لمقصده. بِالْهُدى الشرائع التي أنزلها الله على لسان أنبيائه فَما أَصْبَرَهُمْ أي ما أشد صبرهم وهو تعجب للمؤمنين من ارتكابهم موجبات النار، من غير مبالاة. ذلِكَ الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده بِأَنَّ بسبب أن اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ متعلق بنزل، فاختلفوا فيه، حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمه. شِقاقٍ مخالفة أو خلاف وهو العداء والتنازع وهو أثر الاختلاف بَعِيدٍ مبتعد عن الحق. سبب نزول الآية (174) : أخرج الطبري عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ والتي في آل عمران: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ نزلتا جميعا في يهود. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن يكون
التفسير والبيان:
النبي المبعوث منهم، فلما بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم من غيرهم، خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم فغيروها، ثم أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا النبي، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. التفسير والبيان: يستمر القرآن في كشف مواقف أهل الكتاب من القرآن والنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، ففي الآيات السابقة أوضح أنهم حرموا بعض الحلال، وابتدعوا في الدين رهبانية وتقشفا في المآكل والمشارب، وهنا يبين أنهم كتموا ما أنزل الله في كتبهم من صفات النّبي صلّى الله عليه وسلّم فحرفوه وبدلوه، وأخفوا الصحيح وأظهروا الكاذب، وتاجروا بالدين، واتخذوه وسيلة ارتزاق واحتراف معيشة، كما قال: تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام 6/ 91] . إن الذين يخفون ما أنزل الله من وصف النّبي صلّى الله عليه وسلّم نبي آخر الزمان وبيان زمانه وقومه وغير ذلك مما يشهد بصدق نبوته وكمال رسالته، أو يؤولونه ويحرفونه، في مقابل أخذ الأجور القليلة على الفتاوى، يأكلون الحرام المؤدي إلى النار. وسمي الثمن قليلا، لأن كل عوض عن الحق، فهو قليل في جنب تفويت سعادة الدنيا والآخرة: فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة 9/ 38] . إن أولئك الكاتمين لكتاب الله، المتجرين به، البعيدين في الضلال لا يأكلون في بطونهم إلا ما يكون سببا لدخول النار، وإعراض الله عنهم وغضبه الشديد عليهم، وعدم تطهيرهم من دنس الذنوب بالمغفرة والصفح، ولهم عذاب شديد الألم في الدنيا والآخرة، خلافا لأهل الجنة الذين يثني الله عليهم ويغفر لهم ويرحمهم ويرضى عنهم ويقابلهم بالمحبة والرضا. فقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ
فقه الحياة أو الأحكام:
اللَّهُ عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، وقوله وَلا يُزَكِّيهِمْ: أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم. ثم إن أولئك المتاجرين في دين الله استبدلوا الضلالة بالهدى، فتركوا هدى الله، واتبعوا في الدين أهواء الناس، واستحقوا العذاب بدل المغفرة، لجنايتهم على أنفسهم بإيثار المال الفاني على الثواب الخالد الباقي، فعجبا لهم أشد العجب، كيف يطيقون الصبر على موجبات النار وأعمال الضلال من غير مبالاة منهم فقوله: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجب من كثرة صبرهم، أي هم في حال عذاب يقول من يراهم: ما أصبرهم؟!. وهذا الأسلوب يقال لمن يتعرض لما يوجب غضب الحاكم أو السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن! أي أنه لا يتعرض لمثل ذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. إن ذلك العذاب الشديد الذي ينتظرهم هو غاية العدل، وإن ما أنزل الله من الكتاب هو الحق الأبلج الذي لا يحاد عنه ولا يغالب. وأما الذين اختلفوا في كتب الله، فقالوا: بعضها حق، وبعضها باطل، فهم في خلاف ونزاع بعيد عن الحق، ولن يلتقوا على شيء واحد، وسيظل النزاع أو الشقاق بينهم بعيد الجانب عن الحق والصواب والهداية الصحيحة. فقه الحياة أو الأحكام: إن كتمان الحق وتزييف الحقائق والإيغال في الباطل سبب لأنواع شتى من العذاب. وإن الاختلاف في أصول الدين وقضاياه الأصلية العامة مدمر للدين كله، لذا أمر الله المؤمنين بالالتقاء على سبيل واحدة هي المنهج الرباني، فقال تعالى:
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام 6/ 153] وحذر الله المؤمنين من التفرق مذاهب شتى في الاعتقاد وأصول الدين، فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام 6/ 159] . أما الاختلاف في الفهم، والاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، والاعتماد على الكتاب والسنة، فليس معيبا، وإنما يثاب كل من المجتهدين: المخطئ والمصيب، ويمكن للدولة أن تختار من بين الآراء الاجتهادية ما يناسب عصرها وزمانها ويحقق مصلحتها التي هي مصلحة الأمة العامة والعليا، لأن «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة» أي المصلحة العامة. وهذا الاختلاف في الفهم لا يؤدي إلى تمزيق وحدة الأمة، ولا يقتضي الشقاق والنزاع الناجم عن الاختلاف في أصول الشرع الإلهي. وقد أوعد الله الناس على أمور ثلاث: كتمان الحق، والمتاجرة في الدين، والاختلاف الجذري في أصول الدين. أما كتمان الحق: فيؤدي إلى النار والعذاب الدائم وعدم الظفر بالمغفرة، كما قال الله تعالى عن علماء اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم وصحة رسالته. وأما المتاجرة في الدين: فتستوجب النار أيضا، وعجبا لنفر من الناس يتحملون عذاب الله الشديد، فما أشجعهم وما أجرأهم على النار، إذ يعملون عملا يؤدي إليها. ذلك العذاب المستحق لهم عنوان العدل والحق، ولم ينزل الله هذا القرآن إلا بالحق، لإقراره ونشره والإذعان له. وأما الاختلاف الجذري في الدين: فإنه يجسّد الفرقة والخلاف، ويمنع
مظاهر البر الحقيقي [سورة البقرة (2) آية 177] :
تحقيق اللقاء والاتحاد، بدليل أن اليهود والنصارى الذين اختلفوا في التوراة، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته، أو أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم، سيظل الشقاق والخلاف الخطير قائما بينهم. وأخبر عن المتصفين بالكتم والاشتراء بأربعة أخبار: الأول- ما يأكلون في بطونهم إلا النار، والثاني- لا يكلمهم الله يوم القيامة، والثالث- لا يزكيهم أي لا يقبل أعمالهم فيثني عليهم، والرابع- لهم عذاب أليم. وبه يتبين أن المراد من قوله تعالى: بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني القرآن هنا، أنزله الله بالصدق أو بالحجة الدامغة. وأن المراد من قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ يعني التوراة. وقيل: المراد القرآن. والذين اختلفوا: كفار قريش، فقال بعضهم: هو سحر، وقال آخرون: أساطير الأولين، وقال جماعة: مفترى. مظاهر البر الحقيقي [سورة البقرة (2) : آية 177] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) الإعراب: لَيْسَ الْبِرَّ البر: خبر ليس المنصوب، وأَنْ تُوَلُّوا اسمها، ومن قرأ الْبِرَّ بالرفع جعله اسم ليس وأَنْ تُوَلُّوا خبرها، أي: ليس البر توليتكم.
البلاغة:
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ البر: اسم لكن، والخبر محذوف تقديره: ولكن البر بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن بالله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. عَلى حُبِّهِ يعود الضمير إلى المال، والمصدر مضاف إلى المفعول، وهو اعتراض يسمى في البلاغة تتميما. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ مرفوع من ثلاثة أوجه: إما لأنه عطف على ضمير في آمَنَ بِاللَّهِ وإما معطوف على مَنْ آمَنَ أي: ولكن البار المؤمنون والموفون، وإما أنّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: «وهم الموفون» . وَالصَّابِرِينَ منصوب من وجهين: إما أن يكون منصوبا على المدح، وتقديره: أمدح الصابرين. وإما أنه معطوف على قوله ذَوِي الْقُرْبى أي: وآتى الصابرين. البلاغة: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ جعل البر نفس من آمن على طريق المبالغة، مثل السخاء حاتم، والشعر زهير، أي أن السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير. وَفِي الرِّقابِ إيجاز بالحذف أي وفي فك الرقاب يعني فداء الأسرى. والرقاب: مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل. وَالصَّابِرِينَ منصوب على الاختصاص أي وأخص بالذكر الصابرين. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا أتى بالخبر فعلا ماضيا لإفادة التحقق والوقوع. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ أتى بالخبر جملة اسمية لإفادة الثبوت. المفردات اللغوية: الْبِرَّ اسم جامع لكل خير، وهو كل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق. وَآتَى الْمالَ أي أعطاه وَالْيَتامى اليتيم: من لا والد له وهو محتاج الْمَساكِينَ المسكين: هو المحتاج الذي له مال لا يكفيه، وسمي بذلك لأن الحاجة أذلته وأسكنته. وأما الفقير: فهو الذي لا مال له. وَابْنَ السَّبِيلِ ابن الطريق، وهو المسافر المحتاج، البعيد عن ماله ولا يمكنه إحضاره. وَالسَّائِلِينَ السائل: من ألجأته الحاجة إلى السؤال والطلب من الناس. والسؤال محرم شرعا إلا لضرورة يجب على السائل أن يقتصر عليها ولا يتعداها. وَفِي الرِّقابِ أي وفي تحرير الرقاب وعتقها وَأَقامَ الصَّلاةَ أي أداها على أقوم وجه وأحسنه وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ العهد: ما يلتزم به إنسان لآخر. الْبَأْساءِ من البؤس وهو شدة الفقر
سبب النزول:
الضَّرَّاءِ: كل ما يضر الإنسان من مرض أو فقد محبوب حِينَ الْبَأْسِ وقت شدة القتال. صَدَقُوا في دعوى الإيمان الْمُتَّقُونَ التقوى: الوقاية من غضب الله بالبعد عن المعاصي. سبب النزول: روى عبد الرزاق عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، فنزلت: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ الآية «1» . وروى الطبري وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن البر، فأنزل الله هذه الآية: لَيْسَ الْبِرَّ.. فدعا الرجل فتلاها عليه، وكان قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك، يرجى له في الآخرة خير، فأنزل الله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا.. وكانت اليهود توجهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق. التفسير والبيان: كان تحويل القبلة سببا في فتنة كبري بين أهل الأديان، فأصبح كل فريق يرى أن الصلاة لا تصح إلى غير القبلة التي هو عليها، واحتدم الخلاف بين المسلمين وأهل الكتاب، فرأى الكتابيون أن الصلاة يلزم أن تكون إلى قبلتهم، وهي قبلة بعض الأنبياء، واحتج المسلمون بأن الصلاة لا تقبل ولا يرضى عنها الله إلا بالاتجاه إلى المسجد الحرام قبلة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السّلام. فأبان الله سبحانه وتعالى للناس كافة أن مجرد توجيه الوجه جهة المشرق والمغرب ليس في ذاته هو البر المقصود، ولا يعد عملا صالحا بمجرده، وإنما البر الحقيقي شيء آخر وهو الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر إيمانا قلبيا صادقا كاملا مقرونا بالعمل الصالح، وهو الإيمان الذي يملأ النفس خشية
لله تعالى، ومراقبة له في السر والعلن، ويصبح حاجزا منيعا قويا بين النفس ومزالق الشيطان، فإذا أخطأ بادر إلى التوبة الصادقة. البر إذن: هو الإيمان الحقيقي الكامل الشامل لأصول الاعتقاد، وأساس البر: الإيمان بالله إلها واحدا لا شريك له ولا معبود سواه، وهو الإيمان الذي يشعر النفس بالعزة والسمو، إذ لا يخضع بعدئذ لأي إنسان في هذا الوجود، ولا يكون لأحد سلطة التشريع، وإنما التشريع لله وحده. وهو الإيمان الذي تطمئن به القلوب وتهدأ له النفوس، فلا تبطر بنعمة ولا تيأس بنقمة، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد 13/ 28] . وقال أبو حيان: البر معنى من المعاني فلا يكون قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ: مَنْ آمَنَ مرادا به إلا: البارّ أو ذا البر. والإيمان باليوم الآخر: على أنه مقر الثواب والعقاب والحساب والعرض على الله، فيكون سببا للمزيد من العمل الصالح، والبعد عن قبيح الأفعال. والإيمان بالملائكة: على أنهم أجسام نورانية، لهم مهام عديدة، دأبهم الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، منهم حملة الوحي، ومنهم الموكل بالجنة أو بالنار، ومنهم الموكل بالرياح والأمطار، ومنهم سدنة العرش، ومنهم من يقبض الأرواح. والإيمان بهم أصل للإيمان بالوحي والنبوة واليوم الآخر، ويتولى جبريل عليه السّلام أمانة الوحي، كما قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء 26/ 193- 195] وقال: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر 97/ 4] . والإيمان بالكتب السماوية (الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن وبالصحف
المنزلة على الأنبياء السابقين: يتطلب الإيمان بجميعها دون تفرقة، ويقتضي امتثال ما فيها من أوامر، واجتناب ما جاءت به من نواه. ويستدعي التزام كل ما تضمنه القرآن الكريم، لأنه جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها. والإيمان بالأنبياء جميعهم دون تفرقة بين نبي وآخر: يستلزم الاهتداء بهديهم، والاقتداء بسيرتهم وأخلاقهم، والتأسي بهم فيما أمروا به أو نهوا عنه. والإيمان الصحيح لا بد من أن يقترن بالعمل الصالح الذي يهذب النفس، ويصحح العلاقات الاجتماعية، ويجعلها قائمة على أساس متين من المحبة، والألفة، والمودة، والوحدة، والتعاون أو التضامن والتكافل الاجتماعي، ويتمثل ذلك فيما يأتي: إعطاء المال مع حبه للأصناف الآتية أصحاب الحاجات، رحمة بهم، وشفقة عليهم، وعونا للأخذ بأيديهم نحو حياة عزيزة كريمة تعتمد على الثقة بالنفس، والعمل عند القدرة، والإنقاذ وقت الشدة والمحنة. وهم ذوو القربى المحتاجون، فهم أحق الناس بالبر، بسبب رابطة الدم، والإحساس بأحوالهم، والتأثر بأوضاعهم عن قرب، ولأن سعادة الإنسان الحقة لا تتم إلا بإشاعة السعادة لمن حوله، وتكون صلتهم محققة لهدفين: صلة الرحم وثواب الصدقة، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صدقتك على المسلمين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان» . وقد رتب النّبي صلّى الله عليه وسلّم للمسلم طريق الإنفاق بحسب درجة القرابة، فقال: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» . واليتامى: وهم الذين فقدوا آباءهم ولا عائل لهم، هم في حاجة شديدة للعون المادي للتغلب على قسوة الحياة المعيشية، ولمساعدتهم في شق طريق حياة المستقبل أمامهم، إما بالتعلم، وإما بالحرفة أو المهنة الصناعية، وإما بغير ذلك، حتى لا تفسد تربيتهم، فيصبحوا ضررا على أنفسهم وعلى المجتمع.
والمساكين، والفقراء من باب أولى: وهم الذين لا دخل لهم أصلا، بسبب الفقر، أو لهم دخل لا يكفيهم بسبب المسكنة فيحتاجون إلى المساعدة. كما أن القضاء على ظاهرة الفقر من ركائز النهضة والتقدم، لأن الحاجة قد تدفع بصاحبها إلى الانحراف والاجرام، فيكون من مصلحة الجميع مؤازرتهم ومعاونتهم، حتى يتقووا، إذ أن قوة الأمة بقوة أفرادها، وضعف الأمة بضعف أبنائها. وابن السبيل: الذي انقطع في أثناء سفره أو طريقه عن الوصول إلى بلده، تكون مساعدته ومواساته ضرورية حتى يستقر به المقام في وطنه. وسمي بذلك، لأنه غريب، حتى لكأنه لا أب له ولا أم إلا الطريق. والسائلون: الذين يسألون الناس إمدادهم بالمال، لشدة الحاجة. وأدب السؤال أن يكون من غير إلحاف، وأن يكون بتعفف، كما قال الله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة 2/ 273] ولا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي، أي قادر على العمل كما جاء في الحديث الثابت. وعليه أن يبحث عن العمل الشريف، وعلى الدولة أن توفر له عملا، سواء أكان ذكرا أم أنثى. وفي الرقاب: أي مساعدة الأرقاء على الحرية، ومعاونة الأسرى على الفداء بالمال، لأن الرق والأسر عبودية وذل ومصادرة للحرية، والدين يتشوف إلى إعتاق الأنفس، وإلى تحرير الناس، وإلى التخلص من قيد الرق بمختلف الوسائل المادية ببذل المال، والمعنوية بالجاه والوساطة والشفاعة الحسنة، وإطلاق سراح الأسرى نتيجة الحرب بالتبادل أو بالفداء المالي. ومن البر: إقامة الصلاة أي أداؤها على أقوم وجه بإتمام الأركان والشروط، مع استحضار القلب والتفكير في معاني التلاوة والأذكار، واستذكار عظمة الإله
المعبود، والخشوع والطمأنينة على الوجه الشرعي، فإذا أديت الصلاة على وجهها المشروع، حققت آثارها، فهذبت النفس، وعودتها على مكارم الأخلاق، وأبعدتها عن الرذائل، فلا ترتكب فاحشة ولا منكرا، كما قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت 29/ 45] . ومن خصال البر: إيتاء الزكاة أي إعطاء الزكاة المفروضة لمستحقيها المذكورين في آية: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التوبة 9/ 60] ويلاحظ أنه قلما تذكر الصلاة في القرآن الكريم إلا وهي مقترنة بالزكاة، لأن الصلاة تهذب الروح، والزكاة تطهر المال كما قال عز وجل: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة 9/ 103] . وقدر المأخوذ من زكاة الأموال وأنواعها موضح في السنة. ومن البر: الوفاء بالعهد: سواء عهد الله بالسمع والطاعة، أو عهد الناس بالوفاء بالعقود والوعود والمعاهدات، ما لم تخالف أوامر الدين، فلا يجب الوفاء بالعهد إذا كان في معصية. والوفاء من آيات الإيمان الصحيح، والغدر من آيات النفاق كما في الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» وإذا تساهل الناس في الوفاء بالتزاماتهم، ضاعت الثقة فيما بينهم، وعاشوا في حيرة وقلق واضطراب، مما يلجئهم إلى توثيق عقودهم بمختلف الوسائل، والاحتراس من الغدر ونقض العهد. والصبر وقت الشدة والفقر، وعند الضر من مرض وفقد أهل ومال وولد، وفي ساحات القتال مع الأعداء: من البر والإيمان، فالصبر نصف الإيمان، لأنه يدل على الرضا بالقضاء والقدر، واحتساب الأجر عند الله، والاهتمام بنصرة الدين في أثناء الجهاد، والصبر في هذه المواقف الثلاث عنوان الإيمان الكامل، وقد ورد في الحديث الصحيح: أن الفرار من الزحف من السبع الكبائر. أولئك المتصفون بخصال البر السابقة هم الصادقون في الإيمان، وأولئك هم
فقه الحياة أو الأحكام:
الأتقياء بحق، الذين اتقوا غضب الله بالبعد عن المعاصي، الفائزون برضوان الله وثوابه في الدار الآخرة. والحق أن من عمل بهذه الآية فقد كمل إيمانه. فقه الحياة أو الأحكام: البر الجامع للخير: هو الذي اتصف صاحبه بالأوصاف المذكورة في هذه الآية، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة، وفرضت الفرائض، وحوّلت القبلة إلى الكعبة، وحدّت الحدود، أنزل الله هذه الآية، فقال تعالى: ليس البر كله أن تصلّوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر أي ذا البر: من آمن بالله، إلى آخرها. قال العلماء: هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، والملائكة، والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله، والنبيين، وإنفاق المال في الأحوال الواجبة والمندوبة، وإيصال القرابة وترك قطعهم، وتفقد اليتيم، وعدم إهماله، والمساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل (المنقطع به، وقيل: الضيف) ، والسائلين، وفك الرقاب، والمحافظة على الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر في الشدائد. وللعلماء قولان في إعطاء اليتيم: قيل: لا يعطى حتى يكون فقيرا، وقيل: يعطى بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا. وقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ.. يحتمل أن يراد به الصدقة الواجبة (الزكاة) وأن يراد به التطوع، قال الجصاص: وليس في الآية دلالة على أنها الواجبة، وإنما فيها حث على الصدقة ووعد بالثواب عليها، لأن أكثر ما فيها أنها من البر، وهذا لفظ ينطوي على الفرض والنفل، إلا أن في سياق الآية ما يدل على أنه لم يرد به الزكاة، لقوله تعالى وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ فلما عطف
الزكاة عليها، دل على أنه لم يرد الزكاة بالصدقة المذكورة قبلها «1» . وكذلك ابن العربي قال: ليس في المال حق سوى الزكاة، وقد كان الشعبي فيما يؤثر عنه يقول: في المال حق سوى الزكاة، ويحتج بحديث يرويه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «في المال حق سوى الزكاة» وهذا ضعيف لا يثبت عن الشعبي، ولا عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم «2» ، وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة، ونزلت بعد ذلك حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء. أي أن المراد بقوله: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ إيتاء المال تطوعا، والمراد بقوله وَآتَى الزَّكاةَ إيتاء الزكاة المفروضة. وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم «3» . وقال القرطبي: استدل بالآية: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ من قال: إن في المال حقا سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والأول أصح، للحديث المتقدم: «إن في المال حقا سوى الزكاة» . والحديث وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى: وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ فذكر الزكاة مع الصلاة، وهو دليل على أن المراد بقوله: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كان يكون تكرارا، والله أعلم «4» .
وعلى كل فإن إيتاء المال فضلا عن الزكاة، مع حب المال أمر مرغب فيه شرعا بلا شك عملا بهذه الآية، وبحديث أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقير، وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» . وعن ابن مسعود في قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ قال: أن تؤتيه وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر. ويؤيد الاتجاه الأول القائل بأن إيتاء المال على حبه هو تطوع حديث: «نسخت الزكاة كل صدقة» يعني وجوبها. ويكون لإنفاق المال صورتان: صورة الزكاة المفروضة: وهي إعطاء المال على كيفية مخصوصة، وبقدر معين. وصورة الزكاة المطلقة: وهي إعطاء المال من غير تقييد بمقدار معين ولا تحديد بامتلاك نصاب، بل ترك تقييده وتحديده لحال الأمة وأفرادها. فإذا ما أعطي المال بصورتيه، أمكننا القضاء على ظاهرة الفقر، وحققنا المقصود من التكافل الاجتماعي في الإسلام، وحينئذ نستغني عن استيراد المبادئ الاشتراكية الغربية أو الشرقية التي ظهرت لعلاج عيوب الرأسمالية الطاغية، وأمكننا الوصول إلى الحل الوسط المعقول الذي لا يقوم على الإجبار والإكراه أو نزع الملكية جبرا عن الملاك ودون تعويض، وإنما يتوخى الإبقاء على علاقات الود والحب والتعاطف بين الأغنياء والفقراء، ويعتمد على المنهج الأمثل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، قال الله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران 3/ 180] أي لا تحسبن البخل خيرا لهم، بل هو شر لهم.
مشروعية القصاص وحكمته [سورة البقرة (2) الآيات 178 إلى 179] :
وأما إعطاء المساكين: فهم الذين لا يسألون، وأما السائلون فهم الذين كشفوا وجوههم، وقد صح عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه» . وفي الرقاب: قال مالك والشافعي: هم عبيد يعتقون قربة. وقال أبو حنيفة: إنهم المكاتبون يعانون في فك رقابهم. والصحيح أنه عام. وأما الوصف البارز الذي توجّه به الله تعالى لمن اتصف بصفات البر في الآية فهو: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها، وأنهم كانوا جادّين في الدين، وهذا غاية الثناء. مشروعية القصاص وحكمته [سورة البقرة (2) : الآيات 178 الى 179] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) الإعراب: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ الضمير يعود إلى فَمَنْ وكذا ضمير مِنْ أَخِيهِ يعود على فَمَنْ، وفيه حذف: تقديره: من حق أخيه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والأخ: يراد به ولي المقتول. شَيْءٌ يراد به دم القتيل. وشيء: مرفوع نائب فاعل لفعل عُفِيَ. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ أي لكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة.
البلاغة:
البلاغة: فَاتِّباعٌ وأَداءٌ والْحُرُّ والْعَبْدُ بينهما طباق. المفردات اللغوية: كُتِبَ فرض عليكم، ولزم عند مطالبة صاحب الحق به، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة 2/ 183] ومنه الصلوات المكتوبات. الْقِصاصُ المماثلة في القتلى وصفا وفعلا، أي أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، يعني أن يقتل القاتل، لأنه مساو للمقتول في نظر الشرع. فِي الْقَتْلى: بسبب القتلى، جمع قتيل، كالصرعى جمع صريع، وإنما يكون فعلى جمعا لفعيل: إذا كان وصفا دالا على الزمانة. الْحُرُّ بِالْحُرِّ.. إلخ أي يقتل الحر بالحر ولا يقتل بالعبد، ويقتل العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، وأنه تعتبر المماثلة في الدين، فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا، وهو رأي الجمهور غير الحنفية. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أي من عفي له من جهة ولي الدم شيء من العفو، والعفو يطلق على معان، المناسب منها هنا اثنان: العطاء، والإسقاط والترك. فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي فليكن مطالبة للدية بالمعروف بلا تعسف ولا عنف ومن غير شطط وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي وتأدية من جهة الجاني للمجني عليه من غير مماطلة ولا تعب ولا بخس حق. ذلِكَ الحكم المذكور من العفو والدية. تَخْفِيفٌ تسهيل. وَرَحْمَةٌ بكم، حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحدا منهما كما حتم القصاص على اليهود، والدية على النصارى. فَمَنِ اعْتَدى أي انتقم من القاتل بعد العفو. فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل الْأَلْبابِ جمع لب: وهو العقل. سبب النزول: هناك روايتان في سبب نزول هذه الآية (178) «1» : فروي عن قتادة والشعبي وجماعة من التابعين: أنه كان من أهل الجاهلية بغي وطاعة للشيطان،
التفسير والبيان:
فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم، قالوا: لا نقتل به إلا حرا، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم. وإن قتلت لهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية، يخبرهم أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى في سورة المائدة بعد ذلك: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة 5/ 45] . وروي عن السّدّي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم- وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء- على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصهم بعضهم من بعض. فنزلت الآية لتأييد حكمه. التفسير والبيان: كانت عقوبة القاتل قبل الإسلام متعددة الأنواع، فعند اليهود القصاص، وعند النصارى الدية، وعند عرب الجاهلية تشيع عادة الأخذ بالثأر، فيقتل غير القاتل، وقد يقتلون رئيس القبيلة، أو أكثر من واحد من قبيلة القاتل، وربما طلبوا بالواحد عشرة، وبالأنثى ذكرا وبالعبد حرا. ثم قرر الإسلام أخذا بالعدل والمساواة عقوبة القصاص، لأنها تزجر الناس عن ارتكاب جريمة القتل، وما تزال هذه العقوبة هي الزاجرة في عصرنا الحاضر، إذ أن السجن لا يزجر كثيرا من المجرمين سفاحي الدماء. وتشريع الله هو الأعدل والأحكام والأسدّ، لأن الله أعلم بما يصلح الناس، وبما يربي الأمم والشعوب. وأباح الشرع أخذ الدية بدلا عن القصاص.
ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم القصاص بسبب القتلى، فتقتصوا من القاتل بمثل ما فعل في القتيل، ولا يبغين بعضكم على بعض، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، مثلا بمثل، ودعوا الظلم الذي كان بينكم، فلا تقتلوا بالحر أكثر من واحد، ولا بالعبد حرا، ولا بالأنثى رجلا. وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، والحر بالعبد إذا لم يكن سيده. فالعدل مطلوب في القصاص، والمساواة شرط فيه، فلا يقتل الكثير بالقليل، ولا السيد بالمسود، وإنما ينحصر بالقاتل، لا يتجاوزه إلى أحد أفراد قبيلته، أو أقاربه، أو عشيرته. فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه ولي الدم، حتى ولو كان واحدا من أولياء الدم أو القتيل: وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده، ويألمون لفقده، بأن كان العفو من القصاص إلى الدية، فيجب على العافي وغيره أن يحسن في الطلب من غير إرهاق ولا تعنيف، وعلى المؤدي الأداء من غير مطل ولا تسويف. كما يجوز العفو عن الدية أيضا، لقوله تعالى: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء 4/ 92] . ذلك الحكم الذي شرعناه من العفو عن القاتل إلى الدية أو بدون دية: تخفيف وتسهيل ورخصة من ربكم، ورحمة لكم، وأي رحمة أفضل من الإبقاء على الحياة وعدم سفك الدماء. ولم يكن أخذ الدية مشروعا عند اليهود، وليس لأولياء المقتول إلا القصاص. فمن اعتدى بعد أخذ الدية وقتل القاتل، أو تجاوز ما شرعناه وعاد إلى عادة الجاهلية، فله عذاب شديد الألم يوم القيامة. فالتخفيف بالعفو بنوعيه قائم، لأن أهل التوراة لهم القصاص، وأهل الإنجيل لهم العفو بلا دية. وحكمة القصاص: أنه يساعد على توفير الحياة الهانئة المستقرة للجماعة،
ويزجر القاتل وأمثاله، ويقمع العدوان، ويخفف من ارتكاب جريمة القتل، إذ من علم أنه إذا قتل غيره قتل به، امتنع عن القتل، فحافظ على الحياتين: حياة القاتل والمقتول، كما أن القصاص يمنع انتشار الفوضى والتجاوز والظلم في القتل، ويحصر الجريمة في أضيق نطاق ممكن، ويشفي غليل ولي القتيل، ويطفئ نار غيظه، ويستأصل من نفسه نار الشر والحقد والتفكير بالثأر. قال ابن كثير: معنى قوله: وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة: وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس. والذي يقدر حق الحياة المقدسة، ويفقه سر التشريع بالقصاص وما يحققه من مصلحة عامة وخاصة، هم العقلاء، فعليهم إدراك الحكمة وفهم دقائق الأحكام الشرعية. فإذا فهم العقلاء أن القصاص سبب للحفاظ على الحياة «1» ، وحذروا الناس من جريمة القتل، اتقوا القتل وسلموا من القصاص، فالمراد هنا من «تتقون» اتقاء القتل، فتسلمون من القصاص، إذ العاقل يحرص على الحياة، ويحترس من تطبيق القصاص. وقد اتفق علماء البلاغة إلا من شذ للوثة في عقله وهوى في نفسه، على أن عبارة: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أبلغ وأحكم وأفصح وأوجز، وأوفى بالمقصود من كلام فصحاء العرب: «القتل أنفى للقتل» ، لأن كل قصاص فيه صون الحياة، أما القتل فقد يكون ظلما، فيصبح أدعى للقتل، وسببا في زيادته، ولا ينفي القتل إلا إذا كان عدلا، وأما القصاص عقوبة فهو عدل دائما، لأنه لا يصدر عن القاضي الحكم به إلا بعد توافر الإثباتات اللازمة على جريمة القاتل،
فقه الحياة أو الأحكام:
فهو النافي للقتل حقيقة. والآية القرآنية جعلت سبب الحياة للجماعة القصاص، لأنه قائم على التماثل والعدل والمساواة. والعقاب في محله عدل محض، أما الكلمة العربية في الجاهلية فجعلت سبب الحياة القتل مع أن القتل لا يستلزم الحياة، ثم إن هذه الكلمة فيها تكرار لفظ القتل، والآية خالية من التكرار اللفظي. ويمكن تصحيح العبارة العربية بأن يقال: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما. والخلاصة: أن الآية أخص، وأن ظاهر العبارة محال: وهو أن القتل سبب في نفي القتل، أما القصاص فهو سبب الحياة، وأن القتل ظلما قتل وليس نافيا للقتل بل هو أدعى للقتل. فقه الحياة أو الأحكام: امتازت الشريعة الإسلامية بأنها جمعت بسبب جريمة القتل بين تشريع القصاص الذي كان في بني إسرائيل، وبين تشريع الدية الذي كان في النصارى، وأصبح الخيار مقررا بين القصاص والدية والعفو مطلقا عن أي شيء. بل إن الإسلام حض على العفو في آيات كثيرة. منها: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة 2/ 237] ومنها: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ، إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [الإسراء 17/ 33] وكذلك هذه الآية: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة 2/ 178] ذكّرت المؤمنين بالأخوة التي تدعوهم إلى العفو، وبددت من أنفسهم عوامل الغيظ والحقد، فيعطف الأخ على أخيه، ويتسامى عن أحقاده، فيصفح ويسمح عنه. أما إن أراد ولي الدم القصاص، فعلى القاتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع، وهذا فرض عليه، كما أنه فرض على الولي الوقوف عند قتل القاتل، وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسّلام «إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة
مسائل فقهية:
ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل أخذ بذحول «1» الجاهلية» ودلت الآية على مراعاة المماثلة في الحرية والعبودية والأنوثة، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد به الجنس: الذكر والأنثى سواء فيه. واتفق الفقهاء على ترك ظاهر: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. وإنهاء لعادة الأخذ بالثأر، لم يسمح الشرع للأفراد أن يطبقوا القصاص بأنفسهم، وإنما حصر تطبيق القصاص وإقامة الحدود بولاة الأمور، لأنّ الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ولا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود، منعا من الوقوع في الفوضى وتجاوز الحق والعدل، وليس القصاص بلازم، إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، ويجوز العفو عن القصاص إلى الدية أو بلا دية. مسائل فقهية: 1- قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر: اختلف الفقهاء في مسألتين هما: قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي. فاشترط الجمهور التكافؤ بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية، فلا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد، ولم يشترط الحنفية التكافؤ في الحرية والدين، وإنما يكفي التكافؤ أو التساوي في الإنسانية، فيقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد. استدل الجمهور بقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم- فيما رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي- عن عبد الله بن عمرو: «لا يقتل مسلم بكافر» ورواه البخاري عن علي أيضا، وبقوله عليه الصلاة والسّلام في العبد- فيما رواه الدارقطني والبيهقي- عن ابن عباس مرفوعا: «لا يقتل حر بعبد» .
واستدل الحنفية بعموم آيات القصاص بدون تفرقة بين نفس ونفس، مثل قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة 2/ 178] وقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة 5/ 45] . أما آية الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى بعد قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى: فالمراد بها عند الحنفية الرد على ما كان يفعله بعض القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حرا، وفي امرأتهم إلا رجلا، فأبطل ما كان من الظلم، وأكد فرض القصاص على القاتل دون غيره، فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد، أو أنه لا يقتل الرجل بالمرأة، لأن الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى وهذا يعم كل قاتل، سواء أكان حرا قتل عبدا أم غيره، وسواء أكان مسلما قتل ذميا أم غيره. ثم جاءت آية: الْحُرُّ بِالْحُرِّ.. لبيان ما تقدم ذكره على وجه التأكيد. وقال الجمهور: إن الله قد أوجب أولا المساواة في القصاص، ثم بين المساواة المعتبرة، فأوضح أن الحر يساويه الحر، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، لكن جاء الإجماع مستندا إلى السنة النبوية على أن الرجل يقتل بالمرأة. فمناط الاستدلال عندهم كلمة الْقِصاصُ الموجبة للمساواة والمماثلة في القتل. ومناط الاستدلال عند الحنفية كلمة الْقَتْلى الموجبة حصر القصاص في القاتل لا في غيره. وإذا كان الحر لا يقتل بالعبد- في رأي الجمهور- فالمسلم لا يقتل بالذمي، لأن نقص العبد برقه الذي هو من آثار الكفر، فلا يقتل المسلم بالكافر. ويظهر أن رأي الحنفية يحقق الانسجام بين صدر الآية وعجزها، فيكون العبد مساويا للحر، ويكون المسلم مساويا للذمي في الحرمة، لأنه محقون الدم
على التأبيد. أما رأي الجمهور فلا يحقق الانسجام بين بداية الآية ونهايتها، إذ أنهم قرروا ألا يقتل الحر بالعبد، وأن الرجل يقتل بالأنثى وبالعكس. لكن السنة النبوية أوجبت النظر في الآية، فقال الجمهور: جاءت الآية مبينة حكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينه النبي صلّى الله عليه وسلّم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، ولم يجز قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر. ويعضد ما ذهب إليه الحنفية من شرع قتل المسلم بالذمي: ما رواه الطحاوي عن محمد بن المنكدر: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقاد مسلما بذمي، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» ، وروي عن عمر وعلي قتل المسلم بالذمي، وقال علي: «إنا أعطيناهم الذي أعطيناهم «1» ، لتكون دماؤهم كدمائنا ودياتهم كدياتنا» . وتأول الحنفية حديث «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده» بأنه لا يقتل المسلم والمعاهد بكافر حربي، لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهدا مثله من الذميين إجماعا، فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي، كما قيد بالمعطوف، لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى الجميع اتفاقا، ويكون التقدير: لا يقتل مسلم بكافر حربي، ولا ذو عهد بكافر حربي، لأن الذمي إذا قتل ذميا قتل به، فعلم أن المراد به: الحربي، إذ هو الذي لا يقتل به مسلم ولا ذمي. ورد الجمهور بأن حديث «أنا أحق من وفى بذمته» مرسل عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ورواه عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وهو ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟! وقال الدارقطني: «لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث» .
2 - قتل الرجل بالمرأة:
وأما حديث «ولا ذو عهد في عهده» فهو كلام تام، لا يحتاج إلى تقدير، وهي جملة مستأنفة، لبيان حرمة دماء أهل الذمة، والعهد بغير نقض. 2- قتل الرجل بالمرأة: نصت الآية على قتل الأنثى بالأنثى، ولم تبين حكم قتل الرجل بالمرأة وبالعكس. فقال الحسن البصري وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة، لهذه الآية. وقال الليث بن سعد: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة. وخالفهم الجمهور فقرروا أنه يقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، لآية المائدة: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (45) ، ولقوله عليه الصلاة والسّلام- فيما رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي جحيفة-: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» . ويسوى بين الرجل والمرأة في القصاص بالنفس وفيما دون النفس من الأعضاء في رأي مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي ثور. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس، وإنما هو في النفس بالنفس. قال القرطبي: وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى. 3- قتل الوالد بالولد: قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عمدا، وموجز الخلاف هو ما يأتي. قال الجمهور غير مالك: لا قود (قصاص) عليه، وعليه ديته، لما رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يقاد الوالد بالولد» وهو حديث مشهور.
4 - قتل الجماعة بالواحد:
وقال مالك: إذا قتل الرجل ابنه متعمدا، مثل أن يضجعه، ويذبحه، أو يصبره (يحبس ويرمى حتى يموت) مما لا عذر له فيه، ولا شبهة في ادعاء الخطأ، يقتل به. أما إذا رماه بالسلاح أو بالعصا بقصد التأديب، أو في حالة غضب، فقتله، لا يقتل به، لأن شبهة الأبوة قائمة شاهدة بعدم القصد إلى القتل. 4- قتل الجماعة بالواحد: قال الظاهرية: لا تقتل الجماعة بالواحد، لظاهر الآية، التي شرطت المساواة والمماثلة، ولا مساواة بين الواحد والجماعة، لقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة 5/ 45] . والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان، ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة، افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل. وذهب أئمة المذاهب الأربعة: إلى أنه تقتل الجماعة بالواحد، قلّت الجماعة أو كثرث، سدا للذرائع، فلو لم يقتلوا لما أمكن تطبيق القصاص أصلا، إذ يتخذ الاشتراك في القتل سببا للتخلص من القصاص. وقد قتل عمر رضي الله عنه سبعة برجل بصنعاء، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء، لقتلتهم به جميعا» وقتل علي رضي الله عنه الحرورية (الخوارج) بعبد الله بن خبّاب «1» . وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبهم الله في النار» وقال فيه: حديث غريب.
5 - المماثلة في تطبيق القصاص (أداة القصاص) :
5- المماثلة في تطبيق القصاص (أداة القصاص) : للعلماء اتجاهان في كيفية استيفاء القصاص، فذهب مالك والشافعي إلى أن آية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ يقتضي المماثلة في كيفية القتل، فيقتص من القاتل على الصفة التي قتل بها، فمن قتل تغريقا، قتل تغريقا. ومن قتل بحجر قتل به، بدليل حديث أنس الذي رواه الشيخان (البخاري ومسلم) أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم «رضّ رأس يهودي بين حجرين، كان قد قتل بهما جارية من الأنصار» . وذهب الحنفية، والحنابلة في الأصح عندهم إلى أن المطلوب بالقصاص إتلاف نفس بنفس، والآية لا تقتضي أكثر من ذلك، فعلى أي وجه قتله، لم يقتل إلا بالسيف، لحديث النعمان بن بشير الذي رواه ابن ماجه والبيهقي والدارقطني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا قود إلا بالسيف» ، ولحديث عمران بن حصين وغيره أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن المثلة» وحديث شداد بن أوس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال- فيما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن-: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» فأوجب عموم لفظه على من رغب في القصاص أن يقتل الجاني بأحسن وجوه القتل. 6- أخذ الدية من قاتل العمد: هناك نظريتان، فذهب مالك في رواية أشهب والشافعي وأحمد: إلى أن ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن لم يرض القاتل، لحديث أبي شريح الخزاعي عام الفتح الذي رواه أحمد عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قتل له قتيل، فله أن يقتل أو يعفوا أو يأخذ الدية» ولأن فرضا على القاتل إحياء نفسه، بقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. وعلى هذا يكون موجب القتل العمد أحد أمرين: إما القصاص، وإما العفو إلى الدية، فأيهما اختار الولي، أجبر الجاني عليه.
7 - هل للنساء عفو؟ :
وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية ابن القاسم، وهو المشهور عنه: إلى أنه ليس لولي المقتول إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل، إذ ليس في الآية سوى إباحة العفو أي العطاء، أي فمن أعطي له من أخيه شيء من المال، فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه الجاني، وليس فيها ما يدل على إلزام القاتل بالدية إذا رضيها الولي. واحتجوا بحديث أنس في قصة الرّبيّع «1» حين كسرت ثنية المرأة، فلما حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالقصاص، وقال: «القصاص: كتاب الله، القصاص: كتاب الله» ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية، ثبت أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص. قال القرطبي: والأول- أي الاتجاه الأول- أصح، لحديث أبي شريح المذكور. 7- هل للنساء عفو؟ ذهبت طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن البصري وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي. وخالفهم بقية العلماء، وقالوا: يجوز للنساء العفو عن القصاص. 8- هل الاتباع بالمعروف والأداء واجب أو مندوب؟ إن آية فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب، وحسن القضاء من المؤدي، وقراءة الرفع فَاتِّباعٌ تدل على الوجوب، لأن المعنى: فعليه اتباع بالمعروف. قال النحاس: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ شرط، والجواب: فَاتِّباعٌ وهو رفع بالابتداء، والتقدير: فعليه اتباع بالمعروف. مثل قوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ.
9 - حكم القاتل بعد أخذ الدية:
وعلى قراءة النصب: فاتباعا يكون الطلب على سبيل الندب. 9- حكم القاتل بعد أخذ الدية: من قتل بعد أخذ الدية، فحكمه عند جماعة من العلماء، منهم مالك والشافعي: كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة. وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكّن الحاكم الوليّ من العفو. روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا أعفى «1» من قتل بعد أخذ الدية» . وقال الحسن البصري: عذابه أن يرد الدية فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى. 10- القصاص للحاكم: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه، دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك. 11- القصاص من الحاكم نفسه: أجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه، إن تعدى على أحد من رعيته، إذ هو واحد منهم، وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل،
الوصية الواجبة [سورة البقرة (2) الآيات 180 إلى 182] :
وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام الله عز وجل، لقوله جل ذكره: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى. وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملا قطع يده: «لئن كنت صادقا لأقيدنك منه» . وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقسم شيئا إذ أكبّ عليه رجل، فطعنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تعال فاستقد» قال: بل عفوت يا رسول الله. وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «ألا من ظلمه أميره، فليرفع ذلك إليّ أقيده منه» . فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه؟ قال: كيف لا أقصّه منه، وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقصّ من نفسه!. ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: «خطبنا عمر بن الخطاب، فقال: إني لم أبعث عمّالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل ذلك به، فليرفعه إلي أقصه منه» . الوصية الواجبة [سورة البقرة (2) : الآيات 180 الى 182] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
الإعراب:
الإعراب: حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أسباب الموت، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. الْوَصِيَّةُ: نائب فاعل لفعل: كتب، وتقديره: كتب عليكم الوصية. حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ منصوب على المصدر، وتقديره: حق حقا. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الهاءات في: بدله وسمعه ويبدلونه، فيها وجهان: أحدهما- إنما أتى بضمير المذكر، دون ضمير المؤنث، وإن كان الذي تقدم ذكر الوصية، لأنه أراد بالوصية الإيصاء. والثاني- أن هذه الهاءات تعود على الكتب، لأن كُتِبَ تدل عليه، والكتب مذكر. البلاغة: عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ أقيم الظاهر مقام المضمر. المفردات اللغوية: كُتِبَ: فرض الْمَوْتُ أي أسبابه وعلاماته وأماراته كالمرض المخوف خَيْراً أي مالا، قال مجاهد: الخير في القرآن كله: المال. الْوَصِيَّةُ: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت، أي فليوص من أوشك على الموت ببعض ماله لأقاربه، وتطلق على الإيصاء والتوصية، وعلى الموصى به من عين أو عمل. بِالْمَعْرُوفِ أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث، ولا يفضل الغني، وهو ما لا يستنكره الناس، بحسب حال الشخص الموصي، بأن لا يكون قليلا بالنسبة لماله الكثير، وألا يكون كثيرا يضر بالورثة، ويتحدد بعدم الزيادة على ثلث التركة. حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. والإيصاء الواجب للأقارب منسوخ بآية الميراث، وبحديث رواه الترمذي وغيره: «لا وصية لوارث» . فَمَنْ بَدَّلَهُ وغيره أي الإيصاء، من شاهد ووصي بَعْدَ ما سَمِعَهُ علمه فَإِنَّما إِثْمُهُ أي الإيصاء المبدل إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقول الموصي عَلِيمٌ بفعل الوصي، فيجازيه عليه. فَمَنْ خافَ أي علم. جَنَفاً ميلا عن الحق والعدل خطأ أَوْ إِثْماً بأن تعمد الإجحاف والظلم، بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلا. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ بين الوصي والموصى له، بالأمر بالعدل. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في ذلك.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: هذه الآيات تذكير عام لجميع الناس بالوصية التي هي عمل من أعمال البر والخير بعد الموت، في حال ظهور أماراته وعلاماته، بعد أن ذكر الله القصاص في القتل، وهو موت، وجاء الخطاب للمجموع، لأن الأمة متكافلة، يخاطب المجموع منها بما يطلب من الأفراد، فمناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أنه لما ذكر تعالى القتل في القصاص، والدية، أتبع ذلك بالتنبيه على الوصية وبيان أنه مما كتبه الله تعالى على عباده، حتى يتنبه كل أحد، فيوصي قبل مفاجأة الموت، فيموت على غير وصية. وفرض عليكم أيها المؤمنون، إذا ظهرت علامات الموت بمرض مخوف ونحوه، وترك الواحد منكم مالا كثيرا لورثته، أن يوصي للوالدين والأقربين بشيء من هذا المال، وصية عادلة، لا تعد شيئا قليلا ولا كثيرا، في حدود ثلث التركة، وعدم تفضيل غني لغناه، ودون تمييز ولا جور في الوصية إلا لضرورة، كعجز عن الكسب أو اشتغال بالعلم، أو صغر، إذ عدم العدل يسبب البغضاء والحقد والنزاع بين الورثة، حتى ولو كان الوالدان كافرين، فللولد أن يوصي لهما بما يؤلف قلوبهما، لأن الإحسان لهما مطلوب بنحو عام، كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً، وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما [العنكبوت 29/ 8] . وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلا تُطِعْهُما، وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [لقمان 31/ 15] والمراد من قوله: بِالْمَعْرُوفِ أي بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط، وهو محدد شرعا بمقدار ثلث التركة فأقل. أوجب الله تلك الوصية حقا مقررا على من اتقى الله وآمن بكتابه. فمن غيّر الإيصاء من شاهد ووصي بعد سماعه، فإنما ذنب هذا التغيير عليه، وبرئت منه ذمة الموصي، وثبت له الأجر عند ربه.
فقه الحياة أو الأحكام:
والتغيير إما بإنكار الوصية أو بالنقص فيها بعد أن علمها. والله سميع لقول المبدلين والموصين، عليم بنياتهم وبكل فعل، وهذا وعيد شديد لهم، فاحذروا العقاب. ثم استثنى من إثم التبديل حالة الإصلاح والنصح، وهي إذا خرج الموصي في وصيته عن منهج الشرع والعدل خطأ أو عمدا، فلمن علم بذلك أن يصلح بين الموصي والموصى له، أو بين الورثة والموصى لهم، بأن يرد الوصية إلى العدل والمقدار المحدد لها شرعا، ولا إثم على هذا التبديل، لأنه بحق، ولا ذنب عليه في ذلك، والله غفور لمن بدل للإصلاح، رحيم به. المراد بكلمة خَيْراً: اختلف العلماء في المال الذي تفرض فيه الوصية، فقيل: إنه المال الكثير، كما فسرته السيدة عائشة رضي الله عنها. وقيل: أي مال قليلا كان أو كثيرا. ثم اختلفوا في ضابط التمييز بين الكثير والقليل: فقال ابن عباس: إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصى. وقال قتادة. ألف درهم. وعن عائشة أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله: إِنْ تَرَكَ خَيْراً وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، فهو أفضل. والظاهر- كما قال ابن عباس وجماعة من التابعين-: أن المراد المال مطلقا، قليلا كان أو كثيرا، لأن اسم الخير يقع على قليل المال وكثيره. والقضية راجعة إلى العرف، وتقدير الموصي وعدد أفراد الورثة، وظروف المعيشة وأوضاع الغلاء والرخص. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية في رأي جمهور العلماء وأكثر المفسرين منسوخة بآية المواريث،
وبقوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما يرويه أصحاب السنن وغيرهم عن عمرو بن خارجة-: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» فصار وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخا، قال ابن كثير: بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم عن عمرو بن خارجة. أما الأقارب غير الوارثين: فيستحب أن يوصى لهم من الثلث، استئناسا بهذه الآية، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه الصحيحان- عن ابن عمر: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» قال ابن عمر: «ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ذلك، إلا وعندي وصيتي» . والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدا. وهناك أقوال في نسخ هذه الآية وهي: 1- ذهب ابن عباس والحسن البصري وطاوس ومسروق وآخرون: إلى أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نسخت، وبقيت واجبة للقرابة غير الوارثين، لأن الوصية كانت واجبة بالآية لمن يرث ومن لا يرث من الأقربين، فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على الوجوب. واختار ابن جرير الطبري في تفسيره هذا المذهب. ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخا في اصطلاح المتأخرين، وإنما هو تخصيص. 2- وذهب ابن عمر وأبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وآخرون: إلى أن هذه الآية كلها منسوخة بآية المواريث، في حق من يرث وحق من لا يرث، بدليل ما رواه الشافعي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة» «1» فلو كانت الوصية واجبة
مسائل فقهية:
للأقربين، باطلة في غيرهم، لما أجازها النبي في العبدين، لأن عتقهما وصية لهما، وهما غير قريبين. 3- حكى الرازي في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، والمعنى: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء 4/ 11] . ولا منافاة حينئذ بين ثبوت الوصية للأقرباء، وثبوت الميراث، فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية من الله تعالى، وقد جمع الوارث بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. ولو قدّر حصول المنافاة بين آية الميراث وآية الوصية لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لآية الوصية، بمعنى أن آية الوصية يراد بها القريب الذي لا يرث، إما لمانع من الإرث كالكفر واختلاف الدار، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام. وهذا رأي طاوس ومن وافقه. مسائل فقهية: 1- مقدار الوصية: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، لقوله صلّى الله عليه وسلّم لسعد الذي أراد أن يوصي: «الثلث والثلث كثير» وقوله أيضا: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة لكم في أعمالكم» . وأجاز الحنفية: الوصية بالمال كله إن لم يترك الموصي ورثة، لأن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» ومن لا وارث له، فليس ممن عني بالحديث. [2- إجماع العلماء في مقدار الوصية] 2- وأجمع العلماء على أن من مات، وله ورثة، فليس له أن يوصي بجميع
3 - وقال أئمة المذاهب الأربعة والأوزاعي:
ماله. وأجمعوا على أن للإنسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء منها، قبل الموت. 3- وقال أئمة المذاهب الأربعة والأوزاعي: من أوصى لغير قرابته، وترك قرابته محتاجين، فبئسما صنع! وفعله مع ذلك جائز ماض، لكل من أوصى له، من غني وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر. ورأى طاوس والحسن البصري: أنه إذا أوصى لغير الأقربين، ردت الوصية للأقربين، ونقض فعله. [4- ذهاب الجمهور في وصية المريض] 4- وذهب جمهور العلماء إلى أن المريض مرض الموت يحجر عليه في ماله، فلا تنفذ وصاياه وتبرعاته. وقال الظاهرية: لا يحجر عليه. [5- فتوى العلماء بجواز الوصية بأكثر من الثلث] 5- وأجاز أكثر العلماء الوصية بأكثر من الثلث أو لوارث إن أجازها الورثة، لأن المنع من الزائد عن الثلث أو لوارث، كان لحق الوارث، فإذا أسقط الورثة حقهم، كان ذلك جائزا صحيحا، وكان كالهبة من عندهم، روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تجوز الوصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» وروى أيضا عن عمرو بن خارجة أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة» . ومنع الظاهرية الوصية بأكثر من الثلث، وإن أجازها الورثة. 6- رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته: أ- قال طاوس والحسن وعطاء وآخرون: ليس لمن أجاز الوصية للوارث حال حياة الموصي الرجوع في الإجازة بعد الموت، وتنفذ الوصية عليهم، لأن المنع من هذه الوصية إنما وقع من أجل الورثة، فإذا أجازوه جاز، كما أنهم إذا أجازوا الوصية لأجنبي بأكثر من الثلث، جاز بإجازتهم. ب- وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا،
7 - وصية الصبي المميز والسفيه والمجنون:
لأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما يملك المال بعد وفاته، فقد أجاز من لا حق له في المال، فلا يلزمه شيء. ج- وفرق مالك فقال: إذا أذنوا في صحة الموصي، فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم، لأن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء، فإذا أذنوا له في صحته، فقد تركوا شيئا لم يجب لهم، وإن أذنوا له في مرضه، فقد تركوا ما وجب لهم من الحق، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه، لأنه قد فات. 7- وصية الصبي المميز والسفيه والمجنون: لا خلاف في صحة وصية البالغ العاقل غير المحجور عليه، واختلف في غيره: فقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به، وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به، ولم يأت بمنكر من القول (أي لم يوص بمعصية) فوصيته جائزة، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجاز وصية صبي من غسان بلغ من العمر عشر سنين (مميز) كان قد أوصى لأخوال له، فرفع أمره إلى عمر، فأجازها. أي أن المالكية ومثلهم الحنابلة أجازوا وصية المميز وهو ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها. وقال الحنفية والشافعية: لا تجوز وصية الصبي، لأن عبارته قبل البلوغ غير معتبرة في التبرع. واستثنى الحنفية وصيته في أمور تجهيزه ودفنه على سبيل الاستحسان مع اشتراط تحقق المصلحة في ذلك، وهو أيضا واجب. واتفق أئمة المذاهب الأربعة على القول بصحة وصية السفيه: وهو الذي لا يحسن تدبير المال، وينفقه على خلاف مقتضى الحكمة والشرع.
8 - تبديل الوصية:
ولم يجيزوا وصية المجنون والمعتوه والمغمى عليه، لأن عبارتهم ملغاة لا يتعلق بها حكم. وأجاز الحنفية وصية المجنون إذا كان جنونه غير مطبق، أما إذا كان مطبقا بأن استمر بصاحبه دون إفاقة مدة شهر فأكثر فتبطل وصيته. 8- تبديل الوصية: من سمع الوصية من الموصي أو سمعه ممن ثبت به عنده، وذلك عدلان، ثم بدله، فإثمه على المبدل، ويخرج الموصي بالوصية عن اللوم، ويتوجه إلى الوارث أو الولي. وهذا يدل كما قال بعض علماء المالكية: على أن الدّين إذا أوصى به الميت، خرج عن ذمته، وصار الولي مطلوبا به، له الأجر في قضائه، وعليه الوزر في تأخيره، وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرّط في أدائه، وأما إذا قدر عليه وتركه، ثم وصّى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه «1» . 9- الوصية بمعصية: لا خلاف في أنه إذا أوصى الموصي بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث. 10- الإصلاح والحكم بالظن: معنى آية فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً.. من علم أو رأى واطلع بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته، فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق، فلا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل، لأن فعله تبديل لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. وفي هذه الآية دليل على الحكم بالظن، لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب
11 - أفضلية الصدقة حال الحياة:
السعي في الإصلاح. وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا، إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له. 11- أفضلية الصدقة حال الحياة: لا خلاف في أن الصدقة في حال حياة الإنسان أفضل منها عند الموت، لما ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام، وقد سئل: «أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح..» الحديث، وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة» وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع» . 12- الإضرار في الوصية: من لم يضرّ في وصيته، كانت كفارة لما ترك من زكاته، لحديث رواه الدارقطني عن معاوية بن قرّة عن أبيه: «من حضرته الوفاة، فأوصى، فكانت وصيته على كتاب الله، كانت كفارة لما ترك من زكاته» . فإن ضر في الوصية حرم الإيصاء، لما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر» . وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية، فتجب لهما النار» .
فرضية الصيام [سورة البقرة (2) الآيات 183 إلى 185] :
فرضية الصيام [سورة البقرة (2) : الآيات 183 الى 185] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) الإعراب: كَما كُتِبَ الكاف في موضع نصب، إما لأنّها صفة لمصدر محذوف، وتقديره: (كتب عليكم الصيام كتابة كما كتب) وما: مصدرية، أي مثل كتابته، وإما لأنّها حال من الصيام، وتقديره: (كتب عليكم الصيام مشبّها كما كتب على الذين من قبلكم) . أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ منصوب بتقدير فعل، وتقديره: صوموا أياما معدودات، فحذف صوموا لدلالة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ عليه. ولا يجوز نصبه بالصيام، لوجود فاصل أجنبي بينه وبين صلته وهو كَما كُتِبَ. وَأَنْ تَصُومُوا مبتدأ، وخبره: خَيْرٌ لَكُمْ. فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مبتدأ مرفوع، وخبره مقدر، وتقديره: فعليه عدة من أيام أخر.
البلاغة:
ومِنْ أَيَّامٍ صفة مرفوعة لكلمة عدة وأُخَرَ جمع أخرى، وهو فعلى التي هي للتفضيل وهي صفة أيام، وممنوعة من الصرف للوصف والعدل عن آخر. فِدْيَةٌ مبتدأ، وخبره: وعلى الذين يطيقونه، مقدم عليه. طَعامُ مِسْكِينٍ بدل من فدية. ولم يجمع مِسْكِينٍ لأن الواجب في ابتداء الإسلام كان إطعام مسكين، ثم نسخ ذلك بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ والطعام بمعنى الإطعام، كالعطاء بمعنى الإعطاء. شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ، وخبره: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. وهُدىً حال من القرآن، أي هاديا للناس. وبَيِّناتٍ عطف عليه. الشَّهْرَ منصوب على الظرفية، وتقديره: «فمن شهد منكم الشهر في المصر» لأن المسافر قد شهد الشهر ولا يجب عليه الصوم فيه. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ معطوف على محذوف، تقديره: ليسهل عليكم ولتكملوا العدة. البلاغة: كَما كُتِبَ تشبيه يسمى «مرسلا مجملا» والتشبيه في الفرضية لا في الكيفية. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ مجاز بالحذف تقديره: من كان مريضا فأفطر، أو على سفر فأفطر. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قال بعضهم: إن الآية على إضمار حرف النفي، أي لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه. ولا داعي لذلك، لأن الطاقة تعني تحمل الشيء بمشقة وشدة، والمعنى: يتحملونه بجهد شديد. الْيُسْرَ ... والْعُسْرَ فيه طباق السلب. المفردات اللغوية: كُتِبَ فرض. الصِّيامُ في اللغة: الإمساك والكف عن الشيء والترك له، وفي الشرع: هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الفجر إلى غروب الشمس، بنيّة من أهله، احتسابا لوجه الله، وإعدادا للنفس لتقوى الله. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي في الفرضية ووجوب الصوم، وقيل: مقداره، وقيل: كيفيته من الكف عن الأكل والشرب، والرأي الأول أرجح، إذ يكفي في فهم الآية أن يكون الله كتب صوما ما على الذين من قبلنا، وهذا مسلّم به عند أهل الأديان، فمن المعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل، حتى الوثنية، فهو معروف عند
قدماء المصريين واليونان والرومان والهنود. وفي التوراة الحالية مدح الصيام والصائمين، وثبت أن موسى عليه السلام صام أربعين يوما، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعا تذكارا لخراب أورشليم وأخذها، ويصومون يوما من شهر آب. وكذلك الأناجيل الحالية تمدح الصيام وتعتبره عبادة كالنّهي عن الرّياء وإظهار الكآبة فيه، وأشهر صوم النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وعيسى والحواريون، ثم وضع رؤساء الكنيسة أنواعا أخرى من الصيام. تَتَّقُونَ المعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدأ المعصية، ويورث التقوى، ويقمع الهوى، ويردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهوّن لذات الدنيا. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ إن كل ما فرض صومه هنا هو رمضان، فيكون قوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ عنى به رمضان، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين. ووصفها بقوله مَعْدُوداتٍ تسهيلا على المكلف بأن هذه الأيام معدودة. يُطِيقُونَهُ أي يتحملونه بمشقة شديدة وجهد كبير، ويؤيده قراءة: «يطوقونه» مثل الكبير الهرم والحامل والمرضع والمريض مرضا لا يرجى برؤه. فِدْيَةٌ الفدية: هي إطعام مسكين عن كل يوم، من أوسط ما يطعم أهله في يومه، أكلة واحدة، وهو مدّ من غالب قوت البلد، وهو يساوي (675 غ) . فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بالزيادة على القدر المذكور في الفدية. فَهُوَ أي: التطوع خير له. والصوم خير من الإفطار والفدية. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم، فافعلوه في تلك الأيام. أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. هُدىً هاديا من الضلالة. وَبَيِّناتٍ آيات واضحات. مِنَ الْهُدى مما يهدي إلى الحق من الأحكام، ومن الْفُرْقانِ مما يفرق بين الحق والباطل. فَمَنْ شَهِدَ حضر بأن كان مقيما غير مسافر. الْيُسْرَ السهولة والتخفيف بإباحة الفطر في المرض والسفر، والمريض وكذا المسافر يختار الأيسر عليه، ويكون هو الأفضل في حقه. وآية يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ.. تعليل لما قبله، أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما يشرعه لكم من الأحكام، أن يكون دينكم يسرا تاما لا عسر فيه. وفي هذا ترغيب في الرخصة. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ اللام للتعليل، وهي معطوفة على التعليل المستفاد من قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ كأنه قال: رخص لكم في حالي المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر، وأن تكملوا العدة، فمن لم يكملها أداء، لعذر المرض أو السفر، أكملها قضاء بعده، فالله شرع لكم القضاء حال الفطر والسفر. وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عند إكمال العدة. عَلى ما هَداكُمْ إليه من الأحكام النافعة لكم، بأن
سبب نزول الآية (184) :
تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده، وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤدبهم بما يختار من التكاليف. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله على هذه النعم كلها، وإعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها. سبب نزول الآية (184) : أخرج ابن سعد في طبقاته عن مجاهد قال: هذه الآية نزلت في مولاي قيس بن السائب: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ: فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فأفطر، وأطعم لكل يوم مسكينا. التفسير والبيان: تستمر الآيات بعد بيان القصاص والوصية في سرد الأحكام الشرعية، فلا حاجة لمعرفة المناسبة بين كل حكم وما يليه. فالله فرض عليكم الصيام، كما فرض على المؤمنين أتباع الملل الأخرى من لدن آدم عليه السّلام، وناداهم بوصف الإيمان المقتضي للامتثال، وأبان أن الصوم فرض على جميع الناس، ترغيبا فيه، وتوضيحا أن الأمور الشاقة إذا عمّت، سهل تحملّها، وشعر المؤدون لها بالراحة والطمأنينة، لقيامها على الحق والعدل والمساواة. ثم إن الصوم مطهرة للنفس، ومرضاة للرّب، ويعدّ النفوس لتقوى الله في السرّ والعلن، ويربي الإرادة، ويعلم الصبر وتحمل المشاق وضبط النفس عند المكاره، وترك الشهوات، لذا قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «الصوم نصف الصبر» . وإعداد الصوم للتقوى يحدث من نواح مختلفة أهمها ما يأتي: 1- يربي في النفس الخشية من الله تعالى في السرّ والعلن: إذ لا رقيب على الصائم إلا ربه، فإذا شعر بالجوع أو بالعطش الشديد، وشمّ رائحة الطعام
الشهي، أو ترقرق في ناظريه برودة الماء وعذوبته، وأحجم عن تناول المفطر، بدافع إيمانه، وخشية ربّه، حقق معنى الخوف من الله، وإذا ازينت الشهوات له، وترفع عنها، خوفا من انتهاك حرمة الصوم، فقد استحيا من الله، وراقب ربّه. وإذا استبدت الأهواء بالنفس، كان سريع التذكر، قريب الرجوع بالتوبة الصحيحة، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ، تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف 7/ 201] . ومن أعظم فوائد الصوم الروحية: أن الصائم يحتسب الأجر والثواب عند الله ويصوم لوجه الله وحده. 2- يكسر حدّة الشهوة، ويخفف من تأثيرها وسلطانها، فيعود إلى الاعتدال وهدوء المزاج، كما قال صلّى الله عليه وسلّم واصفا الصوم لمن يتعذر عليه الزواج- فيما رواه الجماعة عن ابن مسعود-: «.. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» ، أي بمثابة الخصاء مضعف للشهوة. وقال أيضا- فيما رواه النسائي عن معاذ-: «الصوم جنّة» أي وقاية من المعاصي. 3- يستدعي الإحساس المرهف والشفقة والرحمة التي تدعوه إلى البذل والعطاء، فهو عند ما يجوع يتذكر من لا يجد قوتا من البائسين، فيحمله الصيام على مواساتهم، وهذا من أوصاف المؤمنين التي ذكرها الله: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح 48/ 29] . 4- فيه تحقيق معنى المساواة بين الأغنياء والفقراء، والأشراف والعامة، في أداء فريضة واحدة، وهذا من فوائد الصيام الاجتماعية، كالحالة السابقة. 5- يعوّد على النظام في المعيشة، وضبط الإرادة فيما بين فترتي السحور والإفطار في وقت واحد، ويحقق الوفر والاقتصاد إذا التزمت آداب الصيام.
6- يجدد البنية، ويقوي الصحة، ويخلص الجسد من الرواسب والتخمرات الضارة، ويريح الأعضاء، ويقوي الذاكرة إذا حزم الإنسان أمره، وتفرغ لعمله الذهني دون أن يشغل نفسه بتذكر المتع الجسدية، ويجمع ذلك كله قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة-: «صوموا تصحوا» . وهذا يكون بعد الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى عادة، بعد أن يتعود الإنسان على الصوم، ويستعلي على حالات الاسترخاء في الفترة الأولى من بدء الصيام. وكل هذه الفوائد الجسدية والروحية والصحية والاجتماعية مشروطة بالاعتدال في تناول وجبات الإفطار والسحور، وإلا أصبح الحال عكسيا، وانقلب الأمر وبالا وعناء وضررا إذا أتخم الإنسان معدته، ولم يعتدل في طعامه وشرابه. وكذلك يشترط في الصوم لتحقيق تلك الغايات عفة اللسان وغضّ البصر والامتناع عن الغيبة والنميمة واللهو الحرام، كما قال عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه من أجلي» «1» أي من أجل الله. وربّ صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش. فالإمساك عن المفطرات المعنوية مثل الإمساك عن المفطرات المادية الحسية، سواء بسواء. والصوم محدود في أيام معدودات معينة قليلة وهي شهر في العام كله، ويمر عادة بنحو سريع، لأن أيام رمضان مباركة تفيض بالخير والإحسان، فهو كما قال صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه ابن خزيمة عن سلمان-: «أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار» ، وقال أيضا- فيما رواه الطبراني عن ابن مسعود-: «رمضان سيّد الشهور» ، «لو علمت أمتي ما في رمضان من الخير، لتمنت أن يكون السنة كلها» رواه الطبراني وغيره عن أبي مسعود الغفاري.
فالمراد من الأيام المعدودات في رأي أكثر المحققين (ابن عباس والحسين وأبي مسلم) : شهر رمضان. وليس الصوم واجبا إلا على المستطيع الصحيح المقيم، أما المسافر والمريض مرضا شديدا يشق معه الصوم، فيباح لهما الإفطار، وعليهما القضاء في أيام أخر من العام، لأن المرض والسفر الطويل وهو الذي يباح فيه قصر الصلاة (وهو 89 كم) مشقة، والمشقة تجلب التيسير، كما قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة 2/ 185] . والمعتبر: السفر بسير الدواب المعتادة في الماضي، لا بوسائط النقل والمواصلات السريعة اليوم، وقدره بعضهم بثلاثة أميال عملا بما روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ «1» ، صلى ركعتين» - يريد أنه يقصر الصلاة، فالعبرة بقطع مثل هذه المسافة، لا بالزمن الذي تقطع فيه. وقدر الحنفية المسافة بثلاثة أيام، وقدرها الجمهور بيومين معتدلين، وهي ذهابا ستة عشر فرسخا أو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، وهي تساوي حوالي 89 كم، عملا بما رواه الشافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» والبريد: أربعة فراسخ. وأكثر الأئمة (مالك وأبي حنيفة والشافعي) على أن الصوم للمسافر أفضل إن لم يشق عليه. ويرى أحمد والأوزاعي أن الفطر أفضل عملا بالرخصة. ويشترط لجواز إفطار المسافر عند بدء السفر: أن يكون السفر في رأي الجمهور (غير الحنابلة) قبل الفجر، فلو أصبح المقيم صائما، فسافر، فلا يفطر، تغليبا لجانب
الحضر، لأنه الأصل. ولم يشترط الحنابلة هذا الشرط، لكن الأفضل الصيام، خروجا من الخلاف. والذي يتحمل الصوم بمشقة شديدة كالشيخ الهرم والمريض مرضا مزمنا، والحامل والمرضع إن خافتا على أولادهما فقط، عليه عند الشافعي وأحمد القضاء والفدية: وهي طعام مسكين. فإن خافتا على أنفسهما ولو مع أولادهما، فعليهما القضاء فقط. فمن تطوع وزاد في الفدية عن طعام مسكين لليوم الواحد، فهو خير له وأكثر ثوابا. والتطوع: بأن يطعم أكثر من مسكين في اليوم، أو يطعم أكثر من القدر الواجب، أو يصوم مع الفدية. وصوم هؤلاء المعذورين خير لهم إن كانوا يعلمون وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين، إذا لم يتضرروا، لما روي أن أبا أمامة قال للنّبي صلّى الله عليه وسلّم: مرني بأمر آخذه عنك، قال: «عليك بالصوم، فإنه لا مثل له» . ثم بيّن الحق تعالى أن هذه الأيام القليلة هي شهر رمضان المبارك الذي بدئ فيه بإنزال القرآن واستمر نزوله منجّما (مقسطا) في ثلاث وعشرين سنة، الذي هو هداية للناس إلى الصراط المستقيم، مع وضوح آياته دون غموض، وكونها فارقة بين الحق والباطل. وفسّر بعضهم نزول القرآن في شهر رمضان: بنزوله ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وليلة القدر في رمضان هي خير من ألف شهر. والحكمة في إيراد وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ بعد قوله هُدىً لِلنَّاسِ: هي الدلالة على أن الهدى نوعان: هدى بيّن واضح تفهمه العقول العادية لأول وهلة، وهدى لا يدركه إلا خواص الناس، والأول أكثر فائدة. فمن شهد أو حضر منكم الشهر، وهو سليم معافى، لا عذر له من سفر أو
فقه الحياة أو الأحكام:
مرض، فيجب عليه الصيام، لأنه أحد أركان الإسلام الخمسة. ومن لم يشهد الشهر، كسكان البلاد القطبية- التي يتساوى فيها الليل والنهار كل نصف عام، أي يكون الليل فيها نصف سنة في القطب الشمالي، بينما يكون نهارا في القطب الجنوبي، فعليهم أن يقدروا مدة تساوي شهر رمضان بحسب أقرب البلاد المعتدلة إليهم، أو بحسب مكة والمدينة اللتين وقع فيهما التشريع. ثم أعاد الله تأكيد الرخصة في الإفطار مرة ثانية، حتى لا يظن تعميم وجوب الصوم بعد قوله: فَلْيَصُمْهُ وبعد بيان مزايا الصوم وأهميته، لأن الله يريد في كل ما شرع من أحكام، ومنها رخصة الإفطار لذوي الأعذار، أن يحقق اليسر للناس ويدفع عنهم العسر. وأمر أصحاب الأعذار في حالي المرض والسفر ونحوهما بالقضاء أو الفدية، لأنه يريد إكمال عدّة الشهر، ولنكبّر الله ونعظمه ونشكره على نعمه كلها، ومنها إعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت هذه الآيات على أحكام كثيرة، أبيّنها بإيجاز: 1- للصوم فضل عظيم وثواب جسيم، ويكفي في فضله أن الله خصه بالإضافة إليه، كما جاء في الحديث القدسي الذي يخبر به النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن ربّه: «يقول الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به» ، وتخصيص الصوم بأنه له، مع أن العبادات كلها له، لأمرين ذكرهما القرطبي: أحدهما- أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات.
الثاني- أن الصوم سرّ بين العبد وبين ربّه، لا يظهر إلا له، فصار مختصا به، وما سواه من العبادات ظاهر قد يدخله الرياء. 2- الصوم يعدّ النفس للتقوى، لقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فهو سبب تقوى الله، لأنه يميت الشهوات، ولأنه كما قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنّة ووجاء» «1» . 3- يجوز للمريض والمسافر الإفطار في رمضان، ويجب عليهما القضاء في وقت آخر. والمرض المبيح للفطر في رأي أكثر الفقهاء: هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة. والعبرة في ذلك بما يغلب على الظنّ. وهذا الضابط هو الذي يتفق مع حكمة الرخصة في الآية: وهي إرادة اليسر ودفع العسر. وظاهر اللفظ: اعتبار مطلق المرض، بحيث يطلق عليه اسم المرض، وإلى ذلك ذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري. وأما السفر المبيح للفطر: فهو الذي يبيح قصر الصلاة الرباعية، وقدره في رأي الجمهور ستة عشر فرسخا أو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، أو مسيرة يومين معتدلين أو مرحلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، والبحر كالبر. ودليلهم ما رواه الشافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يا أهل مكة، لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» وقدروها بحوالي 89 كم. وقدر السفر الذي يبيح الترخيص عند الحنفية: هو قدر ثلاث مراحل أو أربع وعشرين فرسخا، أو مسيرة ثلاثة أيام سيرا وسطا، وهو سير الإبل، والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم اليوم، وقدروه ب 96 كم. واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» ولا يكون كذلك حتى تكون مدة السفر
ثلاثة أيام، لأن الشرع جعل علة امتداد مدة المسح إلى الثلاثة: السفر، والرخص لا تعلم إلا من الشرع. وأيضا ورد عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم اعتبار الثلاثة الأيام سفرا، وذلك في حديث ابن عمر عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه نهى عن أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» وهو حديث متفق عليه، فيرجح على أخبار رواها أبو سعيد وأبو هريرة مفادها منع المرأة من السفر يومين. وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء صام، وإن شاء أفطر، لأن في الآية إضمارا تقديره: فمن كان منكم مريضا أو على سفر، فأفطر، فعليه عدة من أيام أخر. وروى أبو داود في سننه عن عائشة: أن حمزة الأسلمي سأل النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، هل أصوم على السفر؟ فقال: «صم إن شئت، وأفطر إن شئت» . وقد ثبت عن جماعة من الصحابة (ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء، وسلمة) عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صام في السفر، وصام الصحابة مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» . وقال بعض الصحابة (ابن عباس وابن عمر) : الواجب على المسافر والمريض الفطر، وصيام عدة من أيام أخر، لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر» ، وردّ الجمهور بأن هذا كلام خرج على حال مخصوصة، وذلك ما رواه شعبة من طريق جابر بن عبد الله عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه رأى رجلا يظلل عليه، والزحام عليه شديد، فقال: «ليس من البرّ الصيام في السفر» ، فمن سمع وذكر الحديث، ذكره مع سببه، وبعضهم اقتصر على ذكر الحديث. وقرر أكثر الأئمة: أن الصوم للمسافر أفضل لمن قوي عليه، لقوله تعالى:
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي أن صومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه خير لكم من الفدية، لما فيه من مجاهدة النفس وقوة الإيمان ومراقبة الله. وذهب أحمد والأوزاعي وجماعة إلى أن الفطر أفضل، لقول الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. واتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر، لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية، بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين. ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج. واتفقوا على أن المسافر سفر الطاعة كالحج والجهاد وصلة الرحم وطلب المعاش الضروري وسفر التجارات والمباحات: له الإفطار. وأما سفر العاصي فيجوز له الإفطار عند الحنفية، لأن السفر نفسه ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، فلا يؤثر على رخصة القصر، ولأنه قد يتوب إذا تذكر نعمة الله عليه بالسماح له بالفطر والقصر وغيرهما. وقال الجمهور غير الحنفية: لا تباح الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع والفطر ونحوها، لما في الرخصة من الإعانة على المحرم، والشرع نهى عن ذلك. 4- دل قوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ على أن المريض أو المسافر واجبه الأصلي الصوم، ويرخص له في الفطر، فإذا أفطر فليقض أياما مكان الأيام التي أفطر فيها، وهذا رأي الجمهور، لأن معنى الآية: من كان منكم مريضا أو مسافرا، فأفطر، فعليه صيام أيام أخر، بعد ما أفطر. وإذا صام أهل البلد تسعة وعشرين، وفي البلد رجل مريض لم يصح، فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما.
ويستحب في رأي الجمهور ولا يجب تتابع أيام القضاء، لأن آية فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مطلقة، لم تخص متفرقة من متتابعة، وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها، قالت: نزلت «فعدة من أيام أخر متتابعات» فسقطت: «متتابعات» . ودلت هذه الآية أيضا على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ إذا شمل الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. فإن جاء رمضان آخر ولم يقض، لزمه في رأي الجمهور كفارة: وهي أن يطعم لكل يوم مسكينا. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، عملا بظاهر الآية: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. ودليل الجمهور ما رواه الدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة فيمن فرّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، قال: «يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرّط فيه، ويطعم لكل يوم مسكينا» . 5- من أفطر متعمدا أو جامع في نهار رمضان وجب عليه عند الحنفية والمالكية خلافا لغيرهم الكفارة: وهي عتق رقبة مؤمنة عند الجمهور، ولو غير مؤمنة عند الحنفية، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكينا. ولا كفارة بالإفطار أو الجماع في قضاء رمضان. والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة، فمات من علته تلك، أو سافر، فمات في سفره ذلك: أنه لا شيء عليه. ومن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه عنه أحد: قال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا يصوم أحد عن أحد، لقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم 53/ 39] وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [الأنعام 6/ 164] ، ولما خرجه النسائي عن ابن
عباس عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة» . وقال أحمد: يستحب للولي أن يصوم عن الميت إذا مات بعد إمكان القضاء، لأنه أحوط لبراءة ذمة الميت، ويصوم عنه أيضا إذا كان الصوم نذرا، لما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من مات، وعليه صيام، صام عنه وليه» وهذا عام في الصوم، يخصصه ما رواه مسلم أيضا عن ابن عباس، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله، إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك» . 6- ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن آية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ليست بمنسوخة، وأنها محكمة في حق من لا يقدر على الصيام، وفيه ضرر، كالشيخ الفاني والشيخة الفانية، وعليهم الفدية: طعام مسكين. فالناس على ثلاث أحوال: الأصحاء المقيمون، ويلزمهم الصوم عينا في رمضان، والمرضى والمسافرون، ولهم الفطر إن أرادوا، وعليهم إن أفطروا أيام أخر، وقوم لا يقدرون على الصوم، وفيه ضرر، فهؤلاء يفدون. والراجح أن هذه الآية تتناول الحامل والمرضع، سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما أو ولدهما، فقال: أي مرض أشد من الحمل؟ تفطر وتقضي. وأجمع العلماء على أن الواجب على الشيخ الهرم الفدية ومثله المريض الذي لا يرجى برؤه، أما الحامل والمرضع، فعليهما القضاء دون الفدية عند الحنفية،
والفدية والقضاء عند الشافعية والحنابلة إن خافتا على ولدهما فقط، والفدية والقضاء على المرضع فقط، لا الحامل عند المالكية. ومقدار الفدية عند أبي حنيفة: نصف صاع (مدان) من برّ، أو صاع من غيره كالتمر أو الشعير، ومد من الطعام من غالب قوت البلد عن كل يوم عند الجمهور. ومن تطوع بالزيادة على مسكين أو في مقدار الفدية على المسكين، أو بالصيام مع الفدية، فهو خير له. والمد 675 غم، والصاع 2751 غم. 7- دل قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ على أن الصيام في السفر والمرض غير الشاق وغير ذلك خير، والأولى حمله على العموم، لعموم اللفظ كما قال الفخر الرازي، وهو يقتضي الحض على الصوم مطلقا، كما قال القرطبي. 8- امتاز رمضان باختصاصه بالصوم فيه من بين الشهور، لأنه أنزل فيه القرآن، أي ابتدأ إنزاله في رمضان، ولا منافاة بين إنزاله في رمضان، وإنزاله في ليلة القدر والليلة المباركة، لأن هذه الليلة في رمضان. والقرآن: اسم لكلام الله المنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم. وهو مشتق من القراءة، وهو بمعنى المقروء، فهو مصدر: قرأ قراءة وقرآنا، فأطلق المصدر وأريد به اسم المفعول، كما في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء 17/ 78] أو مشتق من القرآن، لأن آياته قد قرن بعضها ببعض. 9- فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ: هناك قولان في مفعول شَهِدَ. أحدهما- أن مفعول شَهِدَ محذوف، والمعنى: فمن شهد البلد في الشهر، أي لم يكن مسافرا، ويكون الشهر منصوبا على الظرفية. والثاني- أن مفعول شَهِدَ هو الشهر، والتقدير: فمن شهد الشهر
وشاهده بعقله وبمعرفته، فليصمه، هذا.. مع ملاحظة أن خطابات الله جميعا تتوجه إلى المكلفين، فتكون الآية مخصوصة بمن يتأتى تكليفهم. أما الوجه الأول فيعتمد على تقدير محذوف أي إضمار، والمقرر في الأصول: إذا تعارض التخصيص والإضمار، تعين المصير إلى التخصيص. ويرى الجمهور أن الآية عامة في المكلفين، وهي تشمل المسافر والمقيم، غير أن المسافر يترخص بالفطر كالمريض، وعليهما عدة من أيام أخر. ويرى الجمهور أيضا أن شهود أي جزء من أجزاء الشهر يكفي في وجوب الصوم، إلا أن الحنفية رأوا أن صوم جميع الشهر يجب بشهود أي جزء منه، ويرى الشافعية أن شهود أي جزء موجب لصوم ذلك الجزء. أما من جنّ في رمضان، فقال المالكية: إنه يقضي ما مضى، ولو جن سنين. وقال غيرهم: إنه لا قضاء عليه لما مضى، كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم. ومن أفاق في بعض الشهر يصوم في الأصح لدى الشافعية والحنابلة ما شهد فقط، ولا قضاء عليه لغيره. وأما الصبي يبلغ، والكافر يسلم في بعض رمضان، فقال الجمهور غير الحنابلة: إنهما يصومان ما بقي، وليس عليهما قضاء ما مضى، ولا اليوم الذي حصل فيه البلوغ والإسلام. وقال الحنابلة في الأصح: يلزمهما قضاء اليوم الذي حدث فيه البلوغ والإسلام. وبه يعلم أن فرض الصوم مستحق بالإسلام والبلوغ والعلم بالشهر. وشهود الشهر: يكون برؤية الهلال أو بالعلم أنه قد رئي، ولا عبرة بالحساب وعلم النجوم في رأي الجمهور (منهم أئمة المذاهب الأربعة) ، لما رواه ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الشهر تسع وعشرون، ولا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له» ، أي فأكملوا المقدار،
بدليل حديث أبي هريرة عند النسائي: «فأكملوا العدة» . وهذا موافق لظاهر قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة 2/ 189] . وأجاز بعضهم الاعتماد على المراصد والحساب عند ثبوت إفادتها العلم القطعي بهذه المواقيت، ولو مع المحافظة على رؤية الهلال في حال عدم المانع من رؤيته، للجمع بين ظاهر النص والمراد منه، تحقيقا لاتفاق الأمة في عبادتها، وإبعادها عن الخلاف، ما أمكن الاتفاق وسيلة ومقصدا، لأن العلم مقدم على الظن، فلا يعمل بالظن مع إمكان العلم، فمن أمكنه رؤية الكعبة لا يجوز له أن يجتهد في التوجه إليها، ويعمل بظنه الذي يؤديه إليه الاجتهاد «1» . وأفتى علماء السعودية في صفر 1409 هـ بجواز الاعتماد على مكبرات الرؤية في المراصد. 10- هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو شاهدين؟ للعلماء رأيان: قال مالك: لا يقبل فيه شهادة الواحد، لأنها شهادة على هلال، فلا يقبل فيها أقل من اثنين، كالشهادة على هلال شوال وذي الحجة. وقال الجمهور: يقبل قول الواحد العدل، لما روى أبو داود عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. وتقبل شهادة المرأة عند الحنفية والحنابلة، ولا تقبل عند المالكية والشافعية. 11- من رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال: قال الشافعي: من رأى هلال رمضان وحده فليصمه، ومن رأى هلال شوال وحده فليفطر، وليخف ذلك. وقال مالك وأحمد: الذي يرى هلال رمضان وحده يصوم، لأنه لا ينبغي
له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان. ومن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر، لأن الناس يتّهمون من يفطر منهم بأنه ليس مأمونا، ثم يقول أولئك إذا ظهر أمرهم: قد رأينا الهلال. وإذا لم ير الهلال بسبب كسوف الشمس مثلا، كما حدث في رمضان عام 1404 هـ، وصام بعض الناس ثمانية وعشرين يوما، بسبب رؤية هلال شوال، وجب قضاء يوم، إكمالا لعدة الشهر، وهو 29 يوما على الأقل. 12- اختلاف المطالع: قال الجمهور: إذا رئي الهلال في بلد وجب على أهل البلاد الأخرى الصيام، سواء قربت البلاد أو بعدت، توحيدا للصوم بين المسلمين، ولا عبرة باختلاف المطالع. وقال الشافعية: إن قرب البلد فالحكم واحد، وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم، والمسافة بين القريب والبعيد في الأصح لديهم بحسب مسافة القصر (89 كم) . ومثل هذا الرأي لم يعد مقبولا. 13- لا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهارا، بل هو لليلة التي تأتي، وهو الصحيح. 14- دل قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ على الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل، فهذه الآية دليل على مشروعية التكبير في عيد الفطر. ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثلاثا. ومن العلماء: من يكبّر ويهلّل ويسبح أثناء التكبير، ومنهم من يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وأما وقت التكبير ومدته: فقال أبو حنيفة ومالك: يندب التكبير في عيد الفطر بالخروج من داره إلى المصلى، فإذا انقضت الصلاة، انقضى العيد. وقال الشافعي وأحمد: يندب التكبير في أي وقت عقب الصلاة وفي أي زمن من
غروب شمس ليلة العيد إلى أداء صلاة العيد، أي من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة. 15- ما يفطّر الصائم وما لا يفطره: يفطر الصائم بالأكل والشرب والجماع عمدا بالنص والإجماع، ويفطر أيضا بالدواء، والقيء عمدا، والاستمناء (إخراج المني بغير جماع) ، وإنزال الماء إلى الجوف أثناء المبالغة في المضمضة والاستنشاق، وتناول الدخان المعروف «التبغ» ، وابتلاع النخامة في رأي الشافعية، وتناول أي شيء مادي يصل إلى الجوف عمدا، سواء أكان مغذيا أم غير مغذ. ولا يفطر الصائم بالفصد اتفاقا، كما لا يفطر عند الجمهور بالأكل ونحوه ناسيا، ويفطر عند المالكية. ولا يفسد الصوم بالقطرة أو بالحجامة، أو بالحقنة، أو بالاكتحال في العين في رأي الحنفية والشافعية، ويفطّر الاكتحال بكحل يتحقق معه وصوله إلى الحلق في رأي الحنابلة والمالكية، وكذا تفطر الحجامة عندهم إذا ظهر دم. ولا يفسد الصوم بالسواك والمضمضة والاستنشاق من غير مبالغة، ولا بالاغتسال والسباحة. ويفطر عند المالكية بوصول ماء المضمضة والاستنشاق والسواك ولو سهوا أو خطا ولو من غير مبالغة. ولا يفطر إذا غلبه القيء ولم يبتلع منه شيئا، ولا بخلع الضرس ما لم يبتلع شيئا من الدم أو الدواء. ولا بحقنة في إحليل الرجل في رأي الحنفية والمالكية، وأما في إحليل المرأة فيفطر عند الحنفية، وتفطر الحقنة مطلقا عند الشافعية. ولا يفطر بإنزال المذي عند الحنفية والشافعية، ويفطر به عند المالكية والحنابلة في حال التقبيل أو المباشرة فيما دون الفرج. وأما المجامع ناسيا ففيه أقوال ثلاثة:
أحدها- لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين. والثاني- عليه القضاء بلا كفارة، وهو قول مالك. والثالث- عليه الأمران وهو المشهور عن أحمد. وتجب الكفارة بالجماع عمدا في نهار رمضان باتفاق الفقهاء، وكذا بالأكل والشرب عمدا عند الحنفية والمالكية، ويجب الإمساك بقية النهار. ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان في رأي أكثر العلماء. وتتداخل الكفارة، فلا تجب إلا واحدة بتكرر الإفطار في أيام عند الحنفية، وتتعدد الكفارة بتعدد الإفطار في أيام مختلفة في رأي الجمهور. واختلف العلماء فيما يجب على المرأة التي يطؤها زوجها في شهر رمضان: فقال المالكية والحنفية والحنابلة: عليها مثل ما على الزوج إن مكنته طائعة، ولا كفارة عليها إن كانت مكرهة. وقال الشافعي: ليس عليها كفارة، وعليها القضاء فقط، سواء طاوعته أو أكرهها. ولا كفارة على من أمنى بالنظر أو التفكير عند الجمهور، وعليه الكفارة عند الحنابلة، ولا يفسد صومه أيضا عند الحنفية.
أحكام الصيام [سورة البقرة (2) الآيات 186 إلى 187] :
أحكام الصيام [سورة البقرة (2) : الآيات 186 الى 187] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) الإعراب: أُجِيبُ إما صفة لقريب، أو خبر بعد خبر، وروعي الضمير في فَإِنِّي. أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ ليلة: منصوب على الظرف ب أحل. وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير تُبَاشِرُوهُنَّ. البلاغة: الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ كناية عن الجماع، وعدّي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء. هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ: استعارة، شبّه كل واحد من الزوجين، لاشتماله على صاحبه في الاقتراب والعناق والضم، باللباس المشتمل على لابسه. الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ: استعارة، يراد بها تشبيه بياض الصبح بالخيط الأبيض، وسواد الليل بالخيط الأسود، والخيطان مجاز، والتشبيه بالخيطين، لأنهما ضعيفان عند الطلوع. وقال الزمخشري: إنه تشبيه بليغ، لأن قوله: مِنَ الْفَجْرِ أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: «رأيت أسدا» مجاز، فإذا زدت: «من فلان» رجع تشبيها. وقوله:
المفردات اللغوية:
مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للثاني. ويجوز أن تكون مِنَ للتبعيض، لأنه بعض الفجر وأوله (الكشاف: 1/ 258) . المفردات اللغوية: فَإِنِّي قَرِيبٌ منهم بعلمي، فأخبرهم بذلك فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي فليلبوا دعوتي إياهم بالإيمان والطاعة وَلْيُؤْمِنُوا بِي يداوموا على الإيمان بي. لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ يهتدون. لَيْلَةَ الصِّيامِ ليالي الصوم. الرَّفَثُ الأصل فيه: الفحش من الكلام أو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، ثم أطلق على الجماع أو كل ما يريده الرجل من المرأة، لأنه لا يخلو مما ذكر غالبا. هُنَّ لِباسٌ.. كل من الزوجين بمثابة لباس للآخر، لأنه يستر صاحبه، كما يستر اللباس ويمنعه من الفجور، والتعبير القرآني كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه تَخْتانُونَ تخونون أنفسكم بالجماع ليلة الصيام. الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: أول ما يبدو من بياض النهار، كالخيط الممدود رقيقا ثم ينتشر. الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ: هو ما يمتد من سواد الليل، مختلطا مع بياض النهار، كأنه خيط ممدود مِنَ الْفَجْرِ أي الصادق، بيان للخيط الأبيض، وأما بيان الأسود فهو محذوف أي: من الليل، واكتفى بالأول، لأن بيان أحدهما بيان للثاني. شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ من الفجر إلى اللَّيْلِ أي غروب الشمس، والإتمام: الأداء على وجه التمام. وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ أي نساءكم، وحقيقة المباشرة: مس كلّ بشرة الآخر: أي ظاهر جلده، والمراد به الجماع وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ: الاعتكاف: لغة: اللبث وملازمة الشيء، وشرعا: المكث في المسجد طاعة لله وتقربا إليه. حُدُودُ اللَّهِ مفردها حد: وهو في اللغة: الحاجز بين شيئين، ثم أطلقت على ما شرعه الله لعباده من الأحكام، فإن جاء بعدها: فَلا تَقْرَبُوها فالمراد بها ممنوعاته ومحارمه، وإن جاء بعدها: فَلا تَعْتَدُوها فالمراد بها أحكامه، أي ما حده وقدره، فلا يجوز أن يتعداه الإنسان. وإن أريد بالحدود: الأحكام عامة، فيكون المقصود من قوله: فَلا تَقْرَبُوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير، أو لا تقربوا الحد الحاجز بين حيّز الحق وحيّز الضلال، مثل منع الاقتراب من الحمى في حديث: «فمن حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه» .
سبب نزول الآية (186) :
سبب نزول الآية (186) : أخرج ابن جرير الطبري وغيره عن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده، قال: جاء أعرابي إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: أقريب ربنا، فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه فنزلت الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي.. ورويت أسباب أخرى، سأذكرها في التفسير والبيان. سبب نزول الآية (187) : أخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل قال: كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا، امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له: قيس بن صرمة صلى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتى أصبح، فأصبح مجهودا، وكان عمر أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فذكر ذلك له، فأنزل الله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ.. إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. وهذا يدل على أنه حين فرض الصيام، كان كل إنسان يجتهد فيما يراه أحوط وأقرب للتقوى، حتى نزلت هذه الآية. سبب زيادة مِنَ الْفَجْرِ: قال الزمخشري: لو لم يذكر مِنَ الْفَجْرِ لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد مِنَ الْفَجْرِ فكان تشبيها بليغا، وخرج من أن يكون استعارة. فإن قلت: فكيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان، حتى قال: عمدت إلى عقالين: أبيض وأسود، فجعلتهما تحت وسادتي، فكنت أقوم من الليل، فأنظر إليهما، فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت، غدوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبرته فضحك، وقال: «إن كان وسادك لعريضا» .
التفسير والبيان:
وروي: «إنك لعريض القفا، إنما ذاك بياض النهار، وسواد الليل» . قلت: غفل عن البيان، ولذاك عرّض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته. فإن قلت: فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي: «أنها نزلت ولم ينزل: من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب، حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك: من الفجر، فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار» «1» . وكيف جاز تأخير البيان، وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه، قبل ذكر: الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة، وهي غير مرادة؟!. قلت: أما من لا يجوز تأخير البيان، وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم، فلم يصح عندهم هذا الحديث. وأما من يجوزه، فيقول: ليس بعبث، لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله، إذا استوضح المراد منه «2» . التفسير والبيان: هذه الآيات تذكير للعباد وتعليم للمؤمنين ما يراعونه في عبادة الصيام وغيرها من الطاعة والإخلاص والآداب والأحكام، والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء الذي يعدّهم للهدى والرشاد. وقال البيضاوي في وجه الربط بين الآيات: واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة، وحثهم على القيام بوظائف التكبير
والشكر، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيدا له وحثا عليه. وقد روي أن سبب نزول الآية: أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم سمع المسلمين يدعون الله بصوت مرتفع في غزوة خيبر، فقال لهم: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم» . وروي أيضا عن قتادة: أن الصحابة قالوا: كيف ندعوا ربنا يا نبي الله؟ فأنزل الله هذه الآية. وروي كذلك أنه: لما نزلت آية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، فهموا منها تحريم الأكل بعد النوم، ثم إنهم أكلوا، وندموا، وتابوا، وسألوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم: هل يقبل الله تعالى توبتنا؟ فنزلت. وليس المراد بالقرب هنا قرب المكان، بل المراد: القرب بالعلم وما تقتضيه إجابة الدعاء. ويرى السلفيون: أن ما ذكر في القرآن والسنة من قرب الله ومعيّته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء. ومعنى الآية (186) : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي أي عن شأن من شؤون ذاتي، وهي جهة القرب أو البعد، فإني قريب منهم، أي أعلم أحوالهم، وأسمع أقوالهم، وأرى أعمالهم، وهو المراد بالقرب في آية أخرى مماثلة: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق 50/ 16] فليس بيني وبين أحد حجاب، وأجيب دعوة من يدعوني مخلصا لي، دون وسيط، وقرن دعاءه بالعمل الخالص لوجه الله تعالى. وإجابة الدعاء تشمل الهداية للأسباب كتيسير سبل الرزق والشفاء والنجاح، وتحقيق النتائج المترتبة على الأسباب بالتوفيق والرعاية.
فقه الحياة أو الأحكام:
وتتطلب إجابة الدعاء: الاستجابة لأوامر الله بالإيمان الصحيح، والطاعة وإقامة العبادات النافعة للعباد من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها، وحينئذ يجازيهم الله على عملهم أحسن الجزاء. وإذا صدرت الأعمال الخالصة لله مقترنة بالإيمان، كانت سبيلا للرشاد والاهتداء إلى الخير الشامل للدنيا والآخرة، لأنهم إن أجابوا ما دعاهم إليه الله، أجابهم إلى ما يطلبون. والاستجابة هنا: الاستسلام والانقياد. والإيمان: الإذعان القلبي. وبما أن كلمة «لعل» تفيد الرجاء، وذلك مستحيل على الله، لاستعلائه واستغنائه، فيكون المراد بها حيث وردت في القرآن: راجين بعملكم الرشاد، أو بمعنى التعليل، أي لترشدوا، أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون. قال ابن تيمية: وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطّلع إليهم، فدخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه. وفي الصحيح: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» . ومعنى قوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ: أي كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم. فقه الحياة أو الأحكام: قال ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة» فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر، دعا أهله وولده ودعا. ورواه ابن ماجه بلفظ: «إن للصائم عند فطرة دعوة ما ترد» وكان عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر:
هل الدعاء يفيد؟ :
«اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي» وفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك، ولو بعد حين» «1» . هل الدعاء يفيد؟ زعم بعضهم أن الدعاء لا فائدة فيه، لأن الأمر المدعو فيه إن كان في علم الله واقعا، فهو لا بد واقع، وإن لم يكن واقعا فهو غير واقع لا محالة. وقرر الجمهور أن الدعاء أهم مقامات العبودية، لقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر 40/ 60] فالله طلبه منا، مما يدل على فضله، وبين في آية أخرى أنه تعالى إذا لم يسأل غضب، فقال: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام 6/ 43] . وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «الدعاء مخ العبادة» «2» وقال أيضا: «الدعاء هو العبادة» «3» وقرأ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر 40/ 60] وقال أيضا: «الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين، ونور السموات والأرض» «4» . وهناك أمور معلقة على شروط وأسباب في تقدير الله، منها الدعاء. والدعاء عبادة، لأنه معرفة، إذ يتطلب أن يكون الداعي عارفا بربه تمام المعرفة، وأنه القادر على كل شيء، والقاهر فوق عباده.
وهذه الآية دليل قاطع على فائدة الدعاء، ومعناها كما بينا: إذا سألوك عن المعبود، فأخبرهم أنه قريب، يثيب على الطاعة، ويجيب الداعي، ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك. والمراد بقوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ أي بالإجابة، وقيل: بالعلم. أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ أي أقبل عبادة من عبدني، ومنها الدعاء، والدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول. بدليل الأحاديث السابقة. وكان خالد الرّبعي يقول: «عجبت لهذه الأمة في ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط. لكن إجابة الدعاء مقيدة بقيود بالنسبة للعبد، منها: عدم الاعتداء بتجاوز حدود الله، فكل مصرّ على كبيرة عالما بها أو جاهلا، فهو معتد، وقد أخبر تعالى أنه لا يحب المعتدين، فقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف 7/ 55] وقال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أبو سعيد الخدري: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدّخر له، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها» . وفي رواية مسلم عن أبي هريرة: «لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر «1» عند ذلك، ويدع الدعاء» . ومنها أكل الحرام وما في معناه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «الرجل يطيل
السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء، يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟» وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته. وإجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به. فمن شرط الداعي: أن يكون عالما بأن لا قادر إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخّرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه. وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام، وألا يملّ من الدعاء. ومن شرط المدعو فيه: أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا، كما جاء في الحديث السابق: «ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . ويدخل في الإثم جميع الذنوب، ويدخل في الرحم: جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. وقال سهل بن عبد الله التّستري: شروط الدعاء سبعة: أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. ومن شرائط الدعاء كما ذكر ابن عطاء: أربع: أولها- حفظ القلب عند الوحدة. ثانيها- وحفظ اللسان مع الخلق. ثالثها- وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحلّ. رابعها- وحفظ البطن من الحرام. ومواقيت الدعاء: وقت الأسحار، والفطر، وما بين الأذان والإقامة، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء، وأوقات الاضطرار، وحالة السفر
والمرض، وعند نزول المطر، والصّف في سبيل الله. كل هذا جاءت به الآثار. فإذا تحققت شروط الدعاء وقيوده استجيب، قال ابن عباس: «كل عبد دعا استجيب له، فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه، وإن لم يكن رزقا له في الدنيا، ذخر له» . أما آية الصيام (187) فأرشدت إلى ما يأتي: 1- إباحة الجماع في أثناء الليل، وحرمته كالأكل والشرب أثناء النهار: وقد كان الجماع حراما بعد الإفطار والنوم، ثم نسخ، كما بينا في أسباب النزول. ومحظورات الصيام في الآية هي الأكل والشرب والجماع، أما القبلة والجسّة ونحوها فلا تفطر، لكن ذلك في رأي المالكية والشافعية: يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها، لئلا يكون سببا إلى ما يفسد الصوم. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن البصري والشافعي: إن قبّل فأمنى، فعليه القضاء ولا كفارة. ولو قبل فأمذى، لم يكن عليه شيء. وقال أحمد: من قبّل فأمذى أو أمنى، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، إلا من جامع فأولج عامدا أو ناسيا. وأوجب مالك عليه القضاء والكفارة، ولا كفارة على من أنزل بالنظر عند الجمهور، وعليه الكفارة عند الحنابلة، ولا يفسد صومه أيضا عند الحنفية. 2- وجوب الإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بشرط النية قبل الفجر في رأي الجمهور غير الحنفية، لأن الصيام من جملة العبادات، فلا يصح إلا بنية «1» . ومن تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها، لكن لا يخرج من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية. وقال الحنفية: تبييت
النية غير لازم، لأن قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ يدل على ذلك، لأن «ثم» يفيد التراخي. 3- قرر جمهور العلماء صحة صوم من طلع عليه الفجر، وهو جنب، قال ابن العربي: «وذلك جائز إجماعا، وقد كان وقع فيه بين الصحابة كلام، ثم استقر الأمر على أن من أصبح جنبا، فإن صومه صحيح» «1» ، لأن الجنابة لا تؤثر في صحة الصوم، للزومها الصوم للضرورة، لأنه يجوز له الوطء قبل الفجر، ولأن آية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ترشد إلى احتمال بقاء الشخص جنبا حتى مطلع الفجر، فيصاحب جزءا من الصوم، وهو جنب، لأن حَتَّى غاية للتبيين، ولا يصح أن يقع التبيين لأحد، ويحرم عليه الأكل، إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر. لكن الغسل فرض للصلاة، لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة 5/ 6] . 4- الحائض إذا طهرت: قال الجمهور: إذا طهرت الحائض قبل الفجر، وتركت التطهر حتى تصبح، وجب الصوم عليها وأجزأ، سواء تركت التطهر عمدا أو سهوا كالجنب. وقال الأوزاعي: تقضي لأنها فرّطت في الاغتسال. وإذا طهرت المرأة ليلا في رمضان، فلم تدر أكان ذلك قبل الفجر أم بعده، صامت وقضت ذلك اليوم احتياطا، ولا كفارة عليها. 5- الحجامة لا تفطر الصائم، لأنه صلّى الله عليه وسلّم احتجم عام حجة الوداع وهو محرم
صائم ، فيكون ذلك ناسخا لحديث شداد بن أوس عام فتح مكة: «أفطر الحاجم والمحجوم» . 6- إن ظن أن الشمس قد غربت لغيم أو غيره، فأفطر، ثم ظهرت الشمس، فعليه القضاء في رأي أكثر العلماء. ومثله لو أذّن المؤذن خطأ قبل الغروب، أو ضرب مدفع الإفطار قبل الغروب ولو بدقيقة، فأفطر بناء عليهما، وجب القضاء. وإن أفطر وهو شاك في غروب الشمس، كفّر مع القضاء في رأي مالك، إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها. ومن شك في طلوع الفجر، لزمه الكف عن الأكل، فإن أكل مع شكه، فعليه القضاء كالناسي، في مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا شيء عليه حتى يتبين له طلوع الفجر. فإن تبين طلوع الفجر وجب عليه القضاء باتفاق أئمة المذاهب إذ «لا عبرة بالظن البين خطؤه» . ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غمّ عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، ثم بان أنه من رمضان. وكذلك الأسير في دار الحرب إذا أكل ظنا أنه من شعبان، ثم بان خلافه. قال ابن كثير: وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور، لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحث على السحور، ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تسحروا فإن في السّحور بركة» . والمقصود بالفجر: الفجر الصادق، لا الفجر الكاذب، بدليل حديث عائشة في الصحيحين: «لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» - لفظ
البخاري، وحديث قيس بن طلق عن أبيه «ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكن المعترض الأحمر» . وفي حديث مرسل جيد: «الفجر فجران: فالذي كأنه ذنب السّرحان- أي الذئب- لا يحرم شيئا، وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام» . 7- دل قول تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ على النهي عن صوم الوصال، إذ الليل غاية الصيام. ويؤكد المنع منه ما رواه البخاري أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إياكم والوصال، إياكم والوصال» فيكره الوصال في رأي جمهور العلماء. وحرمه بعضهم لما فيه من مخالفة ظاهر القرآن والتشبه بأهل الكتاب. أخرج مسلم وأبو داود: «إن فصل «1» ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السّحر» . وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: لست كهيئتكم، إني أبيت، لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» وهذا يدل على إباحة تأخير الفطر إلى السحر، وهو الغاية في الوصال لمن أراده، ومنع من اتصال يوم بيوم، وبه قال أحمد وإسحاق وابن وهب صاحب مالك. قال القرطبي: ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أولى، وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات «2» . ودلت هذه الآية أيضا على أن وقت الإفطار عند غروب الشمس، بدليل ما جاء في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم» .
وقد فهم الحنفية من هذه الآية لزوم إتمام ما شرع فيه من صوم التطوع، لأن لفظ الصيام عام يتناول كل صوم، فكل صوم شرع فيه، لزمه إتمامه، لأن الله سبحانه أمر بإتمام الصوم إلى الليل، والأمر للوجوب، فإن لم يتم لزمه قضاؤه. وهكذا الحكم في جميع النوافل من صلاة وحج وصيام، يجب إتمامها بالشروع فيها، وعليه إعادتها مطلقا، سواء أكان معذورا أم غير معذور. ودليلهم قوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد 47/ 33] والنفل الذي شرع فيه عمل من الأعمال، فوجب عليه عدم إبطاله، فإذا بطل أو أبطله، فقد ترك واجبا، ولا تبرأ ذمته إلا بإعادته. وفصل المالكية فقالوا: إن أبطله، فعليه القضاء، وإن كان طرأ عليه ما يفسده، فلا قضاء عليه. وقال الشافعية والحنابلة: إن أفسد ما دخل فيه من تطوع، فلا قضاء عليه إلا في الحج النفل عند الحنابلة، فيجب إتمامه. ودليلهم قوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة 9/ 91] وقوله عليه الصلاة والسلام: «الصائم المتطوع أمير نفسه» . 8- ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات أو تمرات أو حسوات من الماء، لما رواه أبو داود والدارقطني عن أنس قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفطر على رطبات قبل أن يصلّي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» . ويستحب الدعاء بعد الإفطار، لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أفطر قال: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا، إنك أنت السميع العليم» وروى أبو داود عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إذا أفطر: «ذهب الظمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» . ويندب إفطار المسلم، لما رواه ابن ماجه عن زيد بن خالد الجهني قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من فطر صائما، كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا» . 9- ويستحب صيام ستة أيام من شوال، لما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان له كصيام الدهر» . وكره المالكية اتصالها برمضان. 10- الجماع يفسد الاعتكاف، لقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ. أما مباشرة الزوجة من غير جماع: فإن قصد بها التلذّذ فهي مكروهة، وإن لم يقصد لم يكره، لأن عائشة كانت ترجّل (تمشط) رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو معتكف، وكانت لا محالة تمسّ بدنه بيدها. فدل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة. وهو قول عطاء والشافعي وابن المنذر. أما دواعي الجماع كالقبلة والمباشرة وإن لم ينزل فهي حرام وتفسد الاعتكاف عند المالكية، ولا تفسده عند الجمهور، لكن قال الشافعية: يفسد إن أنزل المني بحسب المعتاد له، وقال غيرهم: يفسد الاعتكاف مطلقا بالإنزال في حال المباشرة بشهوة كالقبلة واللمس والتفخيذ. 11- يسن الاعتكاف في المسجد، وهو في اللغة: الملازمة، وفي الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وإنما هو قربة من القرب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وأزواجه. ويلزم بالنذر. وأجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، لقوله تعالى: فِي الْمَساجِدِ. وأقل الاعتكاف عند مالك يوم وليلة. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: أقله لحظة، ولا حدّ لأكثره. ولا يشترط له عندهم الصوم، وجعل
أكل الأموال بالباطل [سورة البقرة (2) آية 188] :
المالكية الصوم شرطا مطلقا، وشرطه الحنفية في الصوم المنذور فقط دون غيره من التطوع، ودليل المشترطين حديث ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي وهو: «لا اعتكاف إلا بصوم» . وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بدّ له منه، لما روى الأئمة عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» تريد الغائط والبول. واستحب مالك وأحمد لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، حتى يغدو منه إلى المصلى. وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غربت الشمس. 12- يجب التزام أحكام الله من أوامر ونواه، ومنها المباشرة في الاعتكاف، فهي حدود الله، وسميت بذلك لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج منها ما هو منها، ومنها سميت الحدود في المعاصي، لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها. ومنه سمي الإحداد في العدة، لأن المعتدة تمتنع من الزينة. أكل الأموال بالباطل [سورة البقرة (2) : آية 188] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) الإعراب: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ: وَتُدْلُوا إما مجزوم عطفا على قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا فكأنه قال: «ولا تدلوا» ، وإما منصوب على تقدير: «أن» بعد الواو التي وقعت جوابا للنهي وهي بمعنى الجمع، فكأنه يقول: لا تجمعوا بين أن تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وأن تدلوا بها إلى الحكام.
المفردات اللغوية:
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في لِتَأْكُلُوا. المفردات اللغوية: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ أي يأكل بعضكم مال بعض بغير وجه مشروع، والمراد بالأكل: الأخذ والاستيلاء، وعبر به، لأن المقصود الأعظم من المال هو الأكل. وأكل المال بالباطل له وجهان: الأول- أخذه على وجه الظلم والسرقة والغصب ونحو ذلك. والثاني- أخذه من جهة محظورة كالقمار، وأجرة الغناء، ونحو ذلك من سائر الوجوه التي حرمها الشرع. وقد انتظمت الآية تحريم كل هذه الوجوه. والباطل: في اللغة: الذاهب أو الزائل، والمراد به هنا الحرام شرعا كالسرقة والغصب. ويشمل كل ما أخذ دون مقابل، أو دون رضا من صاحبه، أو أنفق في غير وجه حقيقي نافع. وَتُدْلُوا تلقوا بالأموال إلى الحكام رشوة للوصول إلى الحكم القضائي لصالحكم. فَرِيقاً الفريق من الشيء: الجملة والطائفة منه. بِالْإِثْمِ أي متلبسين بالإثم، أي الظلم والتعدي: وهو شهادة الزور أو اليمين الكاذبة الفاجرة أو نحوها، وسمي ذلك إثما، لأن الإثم يتعلق بفاعله. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم مبطلون آثمون، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. سبب النزول: قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، وفي عبدان بن أشوع الحضرمي، وذلك أنهما اختصما إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم في أرض، وكان امرؤ القيس هو المطلوب (المدعى عليه) ، وعبدان هو الطالب (المدعي) ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فحكم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه «1» . وقال سعيد بن جبير: إن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي، اختصما في أرض، وأراده امرؤ القيس أن يحلف، ففيه نزلت: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.
المناسبة:
المناسبة: مناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أن من يعبد الله تعالى بالصيام، فحبس نفسه عمّا تعوّده من الأكل والشرب والمباشرة للمرأة في النهار، ثم حبس نفسه عن الممنوعات في الصيام، جدير به ألا يكون مطعمه ومشربه إلا من الحلال الخالص الذي ينور القلب، ويزيده بصيرة، ويفضي به إلى الاجتهاد في العبادة، فنهي عن أكل الحرام المؤدي إلى عدم قبول صيامه. التفسير والبيان: أبان الله تعالى في آيات الصيام حلّ أكل الإنسان من ماله، وناسب هنا أن يذكر حكم أكل مال الغير. نهانا الله تعالى أن يأكل بعضنا أموال بعض بغير وجه مشروع، وأضاف كلمة أَمْوالِ إلى الجماعة إشعارا بأن المال في الحقيقة مال الأمة أو الجماعة، فهي أمة واحدة متكافلة، وتنبيها إلى أن احترام وحفظ مال غيرك احترام وحفظ لمالك. فيكون التعدي على مال الآخرين جناية على الأمة التي هو فرد منها وعضو فيها. وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي، لأن كل واحد منهي ومنهي عنه. والأكل بالباطل: يشمل كل ما أخذ بغير وجه الحق، كالرّبا والقمار، لأنه أخذ بدون مقابل، والرشوة والدفاع بالباطل، لأنهما إعانة على الظلم، والصدقة على القادر على الكسب، لأنها إذلال له، ولا تحل للآخذ إذا كان غير مضطر إليه، والسرقة والغصب، لأنهما اعتداء على مال الغير، سواء أكان غصب مال عيني أم غصب المنافع، أم التعدي على منفعة الآخرين، كالتسخير بدون مقابل أو الإنقاص من الأجر، وأكل مال اليتيم ظلما، وأجور الرقص والغناء، ومهور البغايا، ومقابل التمائم والعزائم وختمات القرآن، والمأخوذ غشا واحتيالا وزورا
وبهتانا، ونحو ذلك من أموال السحت والحرام، التي تؤدي إلى النار، لأن كل جسم نبت من حرام فالنار أولى به. وقد جاء النهي عن أكل الأموال بالباطل في آيات أخرى، منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ [النساء 4/ 29] ، ومنها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ... [النساء 4/ 10] . ومعنى وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ: ألا تلقوا بالأموال إلى الحكام رشوة لهم، لأخذ شيء من أموال الناس بالإثم كاليمين الكاذبة الفاجرة أو شهادة الزور، أو نحو ذلك من وسائط الوصول إلى الحرام. وتشمل هذه الآية وجهين: الأول- تقديم الأموال رشوة للحكام، ليقضوا لهم بالباطل وأخذ حق الغير. الثاني- رفع القضايا للمحاكم، اعتمادا على الحجة الباطلة، وتزييف الحقائق، وشهادة الزور، واليمين الغموس. وهذا ما حذر منه النّبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث أم سلمة الذي رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة، قالت: «كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء أخرى» ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» ، فبكى الخصمان، وقال كل واحد منهما: أنا حلّ لصاحبي، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اذهبا فتوخّيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» «1» .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: منعت هذه الآية جميع أفراد الأمة المحمدية من أن يأكل بعضهم مال بعض بغير حق، ويشمل ذلك القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس المالك، أو حرّمته الشريعة وإن أداه الإنسان برضاه، كمهر البغي (الزانية) وحلوان الكاهن «1» وأثمان الخمور والخنازير وغيرها من وجوه اللهو الحرام. ومن الأكل بالباطل: أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالآية صريحة في أن الإثم على من أكل، وهو يعلم أنه ظالم في الأكل، وأما غيره فلا إثم عليه. والحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر، كما دلّ حديث أم سلمة المتقدم، وهو الموافق للواقع. لكن مع ذلك ظهر خلاف في الموضوع بين الفقهاء: فقال أبو حنيفة: ينفذ حكم القاضي في العقود والفسوخ، ظاهرا وباطنا، لأن مهمته القضاء بالحق، فإذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد، فحكمه نافذ، ويكون كعقد عقداه ابتداء، وإن كان الشهود شهود زور. مثل أن يدعي رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على ادعائه شاهدي زور، فقضى القاضي بعقد الزواج بينهما، حلّ للرجل الاستمتاع بها، ولو قضى القاضي بالطلاق، فرّق بينهما، وإن كان الرجل منكرا. ونفاذ حكم القاضي على هذا النحو مقيد بشرطين: 1- ألا يعلم بكون الشهود زورا.
2- وأن يكون من الأمور التي له فيها صلاحية الإنشاء. وقد قضى علي كرّم الله وجهه بما يؤيد هذا الرأي، حيث جاءه رجل ادعى زواجا على امرأة وهي تنكر، وجاء بشاهدين، فقالت: إني لم أتزوجه، فقال لها: زوجك الشاهدان. وكذلك قصة لعان هلال بن أمية مع امرأته، وقضى النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالفرقة بينهما، وكان ذلك بعد أن قال: «إن جاء الولد على صفة كذا فهو لهلال. وإن جاءت به على صفة كذا، فهو لشريك بن سحماء» فجاءت به على الصفة المكروهة، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لولا ما مضى من الأيمان، لكان لي ولها شأن» فقصة اللعان تدل على أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب، الذي لو علم الحاكم كذبها فيه، لحدّها وما فرّق بينهما، فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه» . وقال جمهور العلماء: ينفذ حكم القاضي ظاهرا لا باطنا، في المال وغيره من أحكام الزواج والطلاق والجنايات، فلا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال، ولا ينشئ الحقوق، وإنما يظهرها، ويكشف عنها في الوقائع، بدليل حديث أم سلمة المتقدم، الذي أخذت منه القاعدة التالية: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر» . وهذا هو الحق بنحو عام، إلا ما خص منه بنص كاللعان. وعلى أي حال، لا يجوز لمؤمن أن يلجأ إلى المحاكم، معتمدا على مهارة وكلاء الدعاوي (المحامين) ، وهو يعلم أنه مبطل في ادعائه. ولا يحل لمؤمن أن يأخذ مال أخيه أو غير حقه، وإن قضى له به القاضي، لأن القاضي بشر معذور يقضي بالظاهر، وحكمه لا يغير الواقع، وإنما الذي يجب أن ينظر إليه هو الحساب الحق العدل أمام الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية،
التوقيت بالشهر القمري وحقيقة البر [سورة البقرة (2) آية 189] :
ويجزي كل إنسان بما عمل، فهو الذي تجب مراقبته في السرّ والعلن، وهو الذي يجب أن يخشاه المسلم في الظاهر والباطن. وإن تقديم المال رشوة إلى الحكام، تضييع للأموال وإهدار لها وإتلاف. فلا يصح لمؤمن أن يصانع بأمواله الحكام ويرشوهم ليقضوا له على أكثر من حقه أو غير حقه. واتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم «مال» قل أو كثر: أنه يفسّق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه. التوقيت بالشهر القمري وحقيقة البر [سورة البقرة (2) : آية 189] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) الإعراب: هِيَ مَواقِيتُ مبتدأ وخبر. الْبِرُّ اسم لَيْسَ مرفوع، وجملة: بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ خبرها. وَلكِنَّ الْبِرَّ اسم لكِنَّ منصوب، وخبرها محذوف وتقديره: برّ من اتقى. البلاغة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ هذا يسمى في البلاغة «الأسلوب الحكيم» فقد سألوا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن الهلال، لم يبدو صغيرا ثم يزداد حتى يتكامل نوره؟ فصرفهم إلى بيان الحكمة من الأهلة، فهي الأولى بالسؤال عنها. إذ من المعلوم أن كل ما يفعله الله عزّ وجلّ لا يكون إلا عن حكمة بالغة ومصلحة لعبادة، فدعوا السؤال عن أشكال القمر نقصا وتماما، وانظروا في أمر ليس من البر، وأنتم تحسبونه برّا.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: الْأَهِلَّةِ جمع هلال، وهو القمر، لم يبدو دقيقا في ليلتين أو ثلاث من أول كل شهر، ثم يزيد حتى يمتلئ نورا، ثم يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة كالشمس. مَواقِيتُ جمع ميقات، وهو ما يعرف به الوقت أي الزمن المقدر المعين. فبالأهلة يعرف الناس أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم، وأوقات صلواتهم، وزمان الحج، فيعلم بالأهلة وقته أيضا، وهو من عطف الخاص على العام. وإنما سمي هلالا، لظهوره بعد خفائه، ومنه الإهلال بالحج، لظهور الصوت بالتلبية، أو لأن الناس عند ظهور الهلال يرفعون أصواتهم بذكره عند رؤيته. ويسمى هلالا لليلتين أو لثلاث من الشهر، ثم يسمى قمرا. وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها في الإحرام، بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون، وتتركوا باب البيت، وكانوا يفعلون ذلك، ويزعمونه برّا. وَلكِنَّ الْبِرَّ ذا البر. مَنِ اتَّقى الله بترك مخالفته، والبر: التقوى. وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها في الإحرام كغيره. تُفْلِحُونَ تفوزون. سبب النزول: قال ابن عباس: إن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم «1» - وكانا من الأنصار- قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ويعظم، ثم لا يزال ينقص ويدقّ، حتى يعود كما كان، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية. ويروى أيضا أن اليهود سألت عن الأهلة. وقال البراء في سبب نزول: وَلَيْسَ الْبِرُّ..: كانت الأنصار إذا حجّوا، فجاءوا، لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل، فدخل من قبل الباب، فكأنه عيّر بذلك، فنزلت هذه الآية. رواه البخاري ومسلم.
المناسبة:
وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطا (بستانا) ولا بيتا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته، منه يدخل ومنه يخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر، خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب، حتى يحلّ من إحرامه، ويرون ذلك ذمّا، إلا أن يكون من الحمس «1» : وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضير بن معاوية، سمّوا حمسا لشدتهم في دينهم. قالوا: فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار وهو قطبة بن عامر الأنصاري على إثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لم دخلت من الباب وأنت محرم؟» فقال: رأيتك دخلت من الباب، فدخلت على إثرك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إني أحمسيّ» ، قال الرجل: إن كنت أحمسيّا فإني أحمسيّ، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم والحاكم عن جابر، وهذا القول هو أصح الأقوال. المناسبة: هذه الآية تكملة لأحكام الصيام، لأن الصوم والإفطار مقرونان برؤية الهلال، كما جاء في الحديث الثابت: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» «2» . ولم يذكر في الآية تحديد المسؤول عنه في الأهلة، أهي حقائقها أم أحوالها؟ لكن الجواب ووروده بقوله تعالى: قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ مشعر بأن السؤال عن الحكمة في تغيرها، وأيده الخبر في سبب النزول.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: يسألونك يا محمد عن سبب اختلاف حجم الأهلة نقصا وإتماما، وهذا لا فائدة بالسؤال عنه، لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لم يبعث معلما لعلوم الفلك وأحوال النجوم، وإنما الأولى أن يوجه السؤال عن الحكمة أو الغاية من الأهلة، فأجبهم عن ذلك، بأن الأهلة معالم للتوقيت والحساب في شؤون الزراعة والتجارة وآجال العقود والديون، ومعالم أيضا لتوقيت العبادات من صوم وإفطار وصلاة وحج وعدة وغير ذلك. والتوقيت بالشهر القمري والسنة القمرية سهل في الحساب ومناسب للعرب. والمواقيت جمع ميقات بمعنى الوقت، كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم: الميقات: منتهى الوقت، كما في قوله تعالى: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف 7/ 142] ، والهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام: مواقيت، لأنها التي ينتهي عندها الحل. ولما ذكر مواقيت الحج ذكر ما كان من أفعالهم فيه، لإبطال عادة الجاهلية: وهي الامتناع بعد الإحرام بالحج أو بالعمرة من دخول البيوت من أبوابها، وإنما كانوا يدخلونها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر، أو من نقب في ظهر البيت إذا كانوا من أهل المدر، زاعمين أنه من البرّ، فقيل لهم: ليس البرّ هذا، وليس بقربة إلى الله تعالى، وذلك خطأ، وإنما البرّ الحقيقي هو تقوى الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والتّحلي بالفضائل، والتّخلي عن المعاصي والرذائل، والخوف من الله ومن عقابه. فأتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله في كل شيء، رجاء أن تكونوا من المفلحين في أعمالكم، فالمتقي في رشاد، والعاصي في ضلال، كما قال الله تعالى:
فقه الحياة أو الأحكام:
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق 65/ 4] ،فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ، فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس 10/ 32] . ويلاحظ أن أبا بكر الجصاص الرازي قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز الإحرام بالحج في سائر السنة، لعموم اللفظ في سائر الأهلّة، أنها مواقيت للحجّ، ومعلوم أنه لم يرد به أفعال الحج، فوجب أن يكون المراد الإحرام «1» . وهو استدلال غير ظاهر، لأن الآية في بيان الحكمة في تغيير الأهلّة بالزيادة والنّقص: وهي أن يوقّت الناس بها في معاملاتهم، وعباداتهم، وحجّهم، وليس الكلام في بيان ما يكون في الشهر من العبادات وغيرها. وجاءت السنّة القولية مبينة وقت الإحرام بالحج والعمرة، ودلّ قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ على أن وقت الحج شهران وبعض الثالث. فقه الحياة أو الأحكام: الإسلام دين الموضوعية والحياة والواقع النافع، فهو ينبذ الشكليات والمظاهر والأوضاع التي لا نفع فيها، ويوجه الناس إلى الاعتناء بما ينفعهم ويعود عليهم بالخير والمصلحة. لذا أبان الله تعالى في آية سابقة بمناسبة تحويل القبلة أن البرّ ليس هو بالاتجاه نحو المشارق والمغارب، وإنما البرّ هو الإحسان والتقوى والعمل الصالح. ونبّه في هذه الآية إلى الحكمة من زيادة القمر ونقصانه، وهي الاستفادة من الهلال في ضبط الحساب وتوقيت الزمان ومعرفة الآجال والمعاملات والأيمان، والحج، وأنواع عدة المرأة (العدد) ، والصوم والفطر، ومدّة الحمل، والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً،
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [الإسراء 17/ 12] ، وقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس 10/ 5] ، وإحصاء الأهلّة شهريا أيسر من إحصاء الأيام. وسمّي الشهر شهرا، لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية، ويدلون عليه. ويؤيد الآيات أحاديث، منها ما رواه عبد الرزاق والحاكم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «جعل الله الأهلّة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فعدوا ثلاثين يوما» . والعلم بالآجال أو المدد أمر مشروط في كل العقود كالإجارة والبيع بثمن إلى أجل معلوم، والسّلم والمساقاة والمزارعة ونحوها. وبهذا يرد على الظاهرية الذين قالوا: تجوز المساقاة إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غير توقيت. ويجاب عنه: بأن هذا لا دليل فيه، لأنه عليه الصلاة والسلام قال لليهود: «أقركم فيها ما أقركم الله» ، وهذه خصوصية له، لا يقاس عليه غيره، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه. وأجاز الجمهور البيع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء ونحوه، لأن الأجل معروف، وتأخره يسيرا متسامح فيه، ولم يجز الشافعي ذلك للجهل بالأجل. وقد أفرد الله الحج بالذكر، لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز فيه التأجيل أو النسيء عن وقته، بخلاف ما كان عليه العرب، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدّل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم. واستدل مالك وأبو حنيفة رحمهما الله بهذه الآية على أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج، لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصحّ أن يحرم
قواعد القتال في سبيل الله [سورة البقرة (2) الآيات 190 إلى 195] :
في جميعها بالحج. وخالف الشافعي في ذلك لقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة 2/ 197] ، ولأنّ معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج، وهذا كما تقول: هذه السلعة لخالد وعمر، أي بعضها لخالد وبعضها لعمر، ولا يجوز أن يقال: جميعها للأول وجميعها للثاني. وفي هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة، ولا ندب إليه، لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب، فدخول الدار من ظهرها لا من بابها ليس قربة يثاب عليها الشخص. وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلّم رجلا اسمه أبو إسرائيل عن القيام في الشمس، وقال: «مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه» «1» . وأكّد الله تعالى أوامره ونواهيه في كثير من الآيات بالأمر بتقوى الله للوصول إلى الفلاح، والمعنى: اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، لتفلحوا غدا أو رجاء أن تكونوا من المفلحين إذا وقفتم بين يديه، فيجازيكم على التمام والكمال. قواعد القتال في سبيل الله [سورة البقرة (2) : الآيات 190 الى 195] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)
لبلاغة:
لبلاغة: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ فيه ما يسمى بحذف الإيجاز، تقديره: هتك حرمة الشهر الحرام تقابل بهتك حرمة الشهر الحرام. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ سمي جزاء العدوان عدوانا من قبيل «المشاكلة» : وهي الاتفاق في اللفظ، مع الاختلاف في المعنى، مثل قوله تعالى أيضا: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى 42/ 40] ، وقوله: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال 8/ 30] ، تقول العرب: ظلمني فلان فظلمته، أي جازيته بظلمه. ومثل: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة 2/ 193] سمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان عدوانا. المفردات اللغوية: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دينه، لأنه طريق إلى مرضاته، فالقتال في سبيل الله: هو القتال لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه. يُقاتِلُونَكُمْ أي يتوقع منهم قتالكم. وَلا تَعْتَدُوا أي لا تبدءوهم بالقتال. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين ما حدّ لهم من الشرائع والأحكام. ومحبة الله لعباده: إرادة الخير والثواب لهم. ثَقِفْتُمُوهُمْ وجدتموهم وأدركتموهم. مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من مكة، وقد فعل بهم ذلك عام فتح مكة. وَالْفِتْنَةُ الشرك منهم أعظم من القتل لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه. وقيل: إن المراد بالفتنة: ما يقع من المشركين من صنوف الإيذاء والتعذيب. عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي في الحرم. كَذلِكَ أي القتل والإخراج. فَإِنِ انْتَهَوْا عن الفكر وأسلموا. وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ أي ويكون دين كل شخص خالصا لله، لا يخشى غيره، ولا يصدّ عنه، ولا يحتاج إلى محاباة أو استخفاء. والدين: يشمل الاعتقاد والعبادة والعمل الصالح.
سبب النزول:
فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك. فَلا عُدْوانَ أي لا تتعدوا عليهم بقتل أو غيره. إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ أي المتجاوزين حدودهم المعتدين على غيرهم، فمن انتهى عن الشرك والاعتداء فليس بظالم، فلا عدوان عليه. الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ردّ على استعظام القتال في الأشهر الحرم، إذ هتك حرمة الشهر الحرام من المسلمين مقابل هتك حرمة الشهر الحرام من الكفار. وَالْحُرُماتُ جمع حرمة: وهي ما يجب احترامه. قِصاصٌ أي يقتص بمثلها إذا انتهكت. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ بالقتال في الحرم أو الإحرام، أو الشهر الحرام. فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ.. سمّى مقابلة الاعتداء اعتداء، لشبهها بالمقابل به في الصورة. وَاتَّقُوا اللَّهَ في الانتصار، وترك الاعتداء. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالعون والنصر. وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعته بالجهاد وغيره. وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ أي أنفسكم. إِلَى التَّهْلُكَةِ الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه، لأنه يقوي العدو عليكم. وَأَحْسِنُوا بالنفقة وغيرها. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي يثيبهم. سبب النزول: قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. الآية. قال ابن عباس فيما أخرجه الواحدي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما صدّ عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل، على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء. وصالحهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما كان العام المقبل، تجهّز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعني قريشا. وقوله: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ الآية، قال قتادة فيما أخرجه الطبري: أقبل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في ذي القعدة، حتى إذا كانوا بالحديبية، صدّهم المشركون، فلما كان العام المقبل دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة،
المناسبة:
وأقاموا بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فجروا عليه حين ردّوه يوم الحديبية، فأقصّه الله تعالى منهم، فأنزل: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ الآية. وقوله: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. الآية، قال الشعبي: نزلت في الأنصار، أمسكوا عن النفقة في سبيل الله تعالى، فنزلت هذه الآية. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: كانت الأنصار يتصدقون ويطعمون ما شاء الله، فأصابتهم سنة (قحط) ، فأمسكوا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وروى البخاري عن حذيفة قال: نزلت الآية في النفقة. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن حبان والحاكم وغيرهم، عن أبي أيوب الأنصاري قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرّا: إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يردّ علينا ما قلنا: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فكانت التهلكة: الإقامة على أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو. المناسبة: وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم، إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا، فهي متصلة بما قبلها، لأن الآية السابقة بيّنت أن الأهلّة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم وحجهم، والحج يكون في أشهر هلالية مخصوصة، كان القتال فيها محرما في الجاهلية، فأوضحت هذه الآيات أنه لا حرج عليكم في القتال في هذه الأشهر، دفاعا عن دينكم، وتربية لمن يفتنكم عنه، وينكث العهد، لا لأهواء النفوس، فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان
مشروعية القتال:
البيوت من ظهورها حال الإحرام. ثم إنه بعد الأمر بالتقوى ذكر أشدّ أقسام التقوى وأشقها على النفس. مشروعية القتال: كان القتال قبل الهجرة محظورا بآيات كثيرة، منها: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت 41/ 34] ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة 5/ 13] ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل 16/ 125] ، فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل 16/ 82] ، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا: سَلاماً [الفرقان 25/ 63] ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية 88/ 22] ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق 50/ 45] ، قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا: يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية 45/ 14] . ثم نسخ الله وجوب هذا كله في المدينة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة 9/ 5] ، وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة 9/ 29] . وأما أوّل آية نزلت في الإذن بالقتال، فهي كما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّهُ [الحج 22/ 39- 40] . وروي عن جماعة من الصحابة والربيع بن أنس وغيره «1» أن أول آية نزلت في الإذن بالقتال هي: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وهذا رأي أكثر علماء التفسير «2» .
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: قاتلوا في سبيل الله ونصرة دينه وإعزاز كلمته أيها المؤمنون، فإني أذنت لكم في قتال المشركين الذين فتنوكم عن دينكم، وأخرجوكم من دياركم، وقاتلوكم ونكثوا عهودكم. والمقاتلة في سبيل الله: هي الجهاد للكفار لإظهار دين الله وإعلاء كلمته. ولا تعتدوا بالبدء بالقتال، ولا بقتل المسالمين، ولا بقتل غير المقاتلة من النساء والصبيان والعجزة والشيوخ، ولا بتخريب الدور وقطع الأشجار، وإحراق الزروع والثمار، فإن الله يكره الاعتداء، ولا سيما حين الإحرام، وفي أرض الحرم، وفي الأشهر الحرم. وإذا نشب القتال بينكم وبين أعدائكم، فاقتلوهم أينما أدركتموهم، وحيثما وجدتموهم، ولو في أرض الحرم، وأخرجوهم أو أجلوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة. فإنهم أخرجوكم من وطنكم وهو مكة، وتعاونوا على إخراجكم منها، وصادروا أموالكم، وأخذوا ممتلكاتكم، وفتنوكم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب والاضطهاد بسبب عقيدتكم، وهذه الفتنة في الدين أشد على المؤمن الحرّ الأبيّ من قتل النفوس، لأن العقيدة أقدس شيء في الوجود، وأغلى وأسمى من كل شيء في الكون، وليس هناك بلاء ومضايقة على الإنسان أشد من إيذائه واضطهاده في دينه، وتعذيبه من أجل عقيدته التي تمكنت في قلبه وعقله ونفسه، ورأى السعادة في الدنيا والآخرة بسلامتها وصحتها ووجودها لديه، فهي الكنز ورأس المال الرابح، ويهون في سبيلها التضحية بالنفس والنفيس، فيكون ما تفعلونه معهم من القتل في الحرم أقل مما يتصفون به من الفتنة، أي التعذيب من أجل إرجاعكم إلى الكفر، وقال بعضهم: أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشدّ خطرا من القتل الذي عيّروكم به «1» .
ثم استثنى الحقّ سبحانه وتعالى مكانا خاصّا من عموم الأمة بقتل المحاربين في أي مكان، وهو قتالهم في المسجد الحرام، لأن من دخله كان آمنا، فلا تقاتلوهم فيه حتى يقاتلوكم، ولا تستسلموا لهم أبدا، لأن الشّر بالشّر، والبادئ أظلم، فإن قاتلوكم فيه فاقتلوهم، لأنّ سنّة الله أن يجازى الكافرون مثل هذا الجزاء، وأن يعذبوا مثل هذا العذاب، بسبب بدئهم بالعدوان، وظلمهم أنفسهم، فيلقون جزاء ما صنعوا. فإن توقفوا عن القتال أو كفّوا عن الكفر والشّرك، ودخلوا في دين الله، فإن الله يتقبل أعمالهم ويغفر لهم ما تقدّم منهم، لأنه غفور للسيئات، رحيم بالعباد، يمحو عنهم الخطيئات إذا تابوا وأنابوا إلى ربهم، وأحسنوا واتّقوا: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف 7/ 56] ، وتفسير المنتهى عنه فيه رأيان: ذهب ابن عباس إلى أن معنى الآية: فإن انتهوا عن القتال، وذهب الحسن إلى أن المعنى: فإن انتهوا عن الشرك، لأنه لا غفران لهم إلا إذا انتهوا عن الشرك: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] . وبعد أن بيّن الله بقوله أوّلا: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الإذن بالقتال أو البدء به، ذكر الغاية من القتال: وهي إقرار مبدأ الحرية، وألا يوجد شيء من الفتنة في الدين، فقال: اقصدوا بقتالهم أن تزول الفتنة والكفر وأنواع الإيذاء والضّرر التي تلحق المسلمين بوجودهم في مكة، وإزالة الفتنة: بألا تكون لهم قوة يفتنونكم بها في دينكم، ويؤذونكم، ويمنعونكم من إظهار دعوة الله تعالى. واستمروا في قتالهم حتى يكون الدين من كل شخص خالصا لله، لا أثر لخشية غيره فيه، وحتى يكون الدين ظاهرا قائما تمارس شعائره، دون خوف أو إرهاب أو استخفاء، وحتى يأمن المسلم في الحرم، فيعلن أمور دينه دون تهيب من أحد، فيكون معنى وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ: أن يكون الله هو المعبود وحده.
هذا مع العلم بأن الكفار في مكة كانوا أحرارا آمنين في عبادتهم الأصنام، والمؤمنون بالله مطرودون منها، ومن بقي فهو خائف لا يظهر دينه. فإن انتهوا عما كانوا عليه وكفّوا عن قتالكم، ورجعوا عن الكفر، وأسلموا وسالموا، فلا تعتدوا عليهم إلا على من ظلم واعتدى، فيكون قتاله تأديبا له وإصلاحا لشأنه، حتى يكفّ عن ظلمه ويرتدع عن غيّه، وتطبق عليه أحكام الشرع. والحرمة: ما منعت من انتهاكه، والقصاص: المساواة. وعلى هذا تكون مقابلة العدوان وانتهاك الحرمات أمرا مطلوبا في موازين الشرع والعقل والعرف، فمن استحلّ دمكم في الشهر الحرام، فاستحلوا دمه فيه، وقابلوا بالمثل هتك حرمة الشهر، ولا تتحرّجوا بالقتال فيه للدفاع عن الدين والنفس وإعلاء كلمة الله. والحرمات وهي الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الإحرام، يجب قصاص المشركين على انتهاكها، ومعاملتهم بالمثل. فمن انتهك حرمتها، فافعلوا به مثل فعله، وإن منعوكم عن قضاء العمرة هذه السّنة بموجب العهد والاتّفاق معهم، وقاتلوكم، فاقتلوهم، لأن الدفاع عن النفس أمر واجب ولا حرج فيه ولو كان في مكة، أو في حال الإحرام، أو في شهر حرام. ثمّ أبان الله تعالى حكما دائما، وسنة مستقرة: وهو أن العدوان يقابل بمثله، وما كان على سبيل القصاص (المعاملة بالمثل) فهو مأذون فيه. ولكن مقابلة العدوان مقيدة بمبادئ الفضيلة والتقوى والمدنية والإنسانية، فاتّقوا الله ولا تظلموا، واحذروا أن تعتدوا، والتزموا حدود العدل ودفع الضرر وإحقاق الحق والبقاء على المدنيات، ومنافع الناس، والترفع عن الانتصار للأهواء والشهوات وحظوظ النفس التي قد تتمادى في الغي والحقد والتهور والطيش، واعلموا أن الله نصير المتقين، ومؤيد الأتقياء، ومثيب الصلحاء، فهو ينصرهم
على الأعداء، ويحقق لهم الغلبة، ويمكّن لهم في الأرض، تأييدا لدين الله وإعلاء لكلمته. والجهاد كما يكون بالنفس يكون أيضا بالمال، فهو يحتاج إلى الأنفس المقاتلة، وإلى الأموال التي يشترى بها السلاح، وينفق بها على المحاربين، لذا أمر الله بإنفاق المال في سبيل الجهاد، فقال: وابذلوا المال في سبيل الله أي سبيل الجهاد لشراء العتاد والسلاح ونفقات الحرب، فالإنفاق في الحروب والمال في المعارك يدعم القتال، ويحقق النصر والفوز، واحذروا من التلكؤ والتقصير في واجب الإنفاق، فإنه مهلكة للأمة، مضيعة للجماعة، إتلاف للأنفس، وإياكم أن تلقوا بأنفسكم إلى سبل الدمار والهلاك، وأعدوا العدة اللازمة المكافئة للقتال بحسب كل زمان ومكان وحال كما قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال 8/ 60] بتعليم الرجال القتال، وإعداد السلاح المناسب المتطور، وتحصين النفوس بالخلق المتين والعلم الصحيح، فإن الجيوش الجرارة قد تصاب في كبدها من ضعفاء النفوس الذين يشتريهم العدو بالرشوة والمال وأنواع الإغراءات المادية والمعنوية، كما أنها قد تخسر الحرب بسبب جهلها ونقص تكوينها وتقصيرها عن مستوى أعدائها في التخطيط والتدبير والتدرب على استعمال السلاح الحديث. وما أروع وأحكم ما ختمت به هذه الآية: وهو إحسان العمل، فأحسنوا أعمالكم بامتثال الطاعات وأتقنوها، فالله يحب المحسنين ويجازيهم أحسن الجزاء، وذلك مكمل للجانب الأدبي الرفيع والحضاري السامي الذي ختمت به الآية السابقة وهو التزام التقوى والفضيلة، فتكون الخاتمتان قد جمعتا بين وسائل القوتين المادية والمعنوية ومقوماتها وقيودها.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: يستخلص من هذه الآية وغيرها الواردة في بيان حالات مشروعية القتال، وحكمة الإذن بالجهاد ما يأتي: 1- شرع القتال في سبيل الله لرد العدوان وحماية الدعوة، وحرية الدين الإلهي. 2- كان تشريع القتال متصفا بالعدل والحق، فهو لا اعتداء فيه على أحد، ولا يتجاوز فيه ما تقتضيه الضرورة الحربية، وليس الهدف منه التدمير والتخريب، ولا الإرهاب المجرد، فلا يقتل غير المقاتلين، ولا تقتل النساء والصبيان ونحوهم من الرهبان والعجزة والمرضى والشيوخ، ولا تقطع الزروع والثمار، ولا تذبح الحيوانات إلا لمأكلة، كما جاء في الوصايا النبوية ووصايا الخلفاء الراشدين. 3- لم يكن القتال لإكراه الناس على اعتناق الإسلام، فذلك منفي أصلا في شريعة القرآن، بآيات كثيرة منها: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة 2/ 256] أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس 10/ 99] . 4- لم يشهد التاريخ أمة منصفة، رحيمة بالضعفاء، مترفعة عن الدنايا وسفساف الأمور، مثل أمة الإسلام، كما اعترف بذلك المنصفون من قادة الفكر في الغرب، قال الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون: «ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب» . أما ما يزعمه الحاقدون والجهلة من أن الإسلام دين قام بالسيف، فهو مجرد فرية أملاها الحقد الدفين وتشوية الحقائق وكذبها التاريخ والواقع. وأما المفسرون فقد أثاروا وبحثوا عدة مسائل بمناسبة هذه الآية أهمها ما يأتي:
1 - هل آية وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم منسوخة؟ :
1- هل آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ منسوخة؟ أ- قال جماعة من العلماء: مفاد هذه الآية أنه يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار، ثم نسخت بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة 9/ 36] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة 9/ 123] وقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة 9/ 5] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.. [التوبة 9/ 29] وهذه كلها تأمر بالقتال لجميع الكفار، وتدل على عموم شرع القتال للمشركين، سواء قاتلوا المسلمين أو لم يقاتلوهم. ب- وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: الآية محكمة، أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين في السنة والنظر. أما السنة فحديث ابن عمر الذي رواه الأئمة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. وأما النظر: فإن (فاعل) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزّمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، فيما رواه مالك وغيره، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية. أما النساء: فإن قاتلن برأي أو تحريض على القتال أو إمداد بمال قتلن، في حالة المقاتلة وبعدها في رأي سحنون، لعموم قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [البقرة 2/ 190] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة 2/ 191]
ولا تقتل المرأة التي لا تقاتل، سواء في أثناء المعركة، أو بعد الأسر والأخذ، لما رواه الطبراني عن ابن عباس عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «.. ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا شيخا» . وأما الصبيان: فلا يقتلون أيضا، للنهي الثابت في السنة عن قتل الذرية، فقد ثبت أنه صلّى الله عليه وسلّم نهى عن قتل النساء والصبيان. وقال فيما رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن رباح بن ربيع: «لا تقتلوا ذرّية ولا عسيفا» أي أجيرا، ولأنه لا تكليف عليهم، فإن قاتل الصبي قتل. وأما الرهبان: فلا يقتلون، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، إذا انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان في وصيته المشهورة «1» فيما رواه مالك في الموطأ: «.. وستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له» . وأما الزّمنى (المرضى) : فالصحيح أن تعتبر أحوالهم، فإن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا، وما هم بسبيله من الزمانة. وأما الشيوخ: ففي رأي جمهور الفقهاء: إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة، فإنه لا يقتل، لقول أبي بكر ليزيد، ولأنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو، فلا يجوز قتله كالمرأة، وأما إن كان ممن تخشى مضرّته بالحرب أو الرأي أو المال، فيخير فيه الإمام في رأي المالكية إذا أسره بين خمسة أشياء: القتل، أو المن، أو الفداء، أو عقد الذمة على أداء الجزية، أو
الاسترقاق (في الماضي) . وكذلك أجاز الشافعي بعد الأسر قتل ما عدا النساء والصبيان. وأما العسفاء وهم الأجراء والفلاحون: فلا يقتلون في رأي مالك، للحديث السابق عن رباح بن ربيع: «الحق بخالد بن الوليد، فلا يقتلنّ ذرية ولا عسيفا» وقال عمر بن الخطاب: اتقوا الله في الذرّية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حرّاثا. وقال الشافعي: يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار، إلا أن يسلموا، أو يؤدوا الجزية. ج- ولم ير الفخر الرازي نسخ آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ بآية وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ لأن ذكر العام بعد الخاص يثبت زيادة حكم على حكم الخاص، من غير أن ينسخه. وقال: وتحقيق القول: أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه الآية: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ زاد في التكليف، فأمر بالجهاد معهم، سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام بقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ... وأما ما روي عن مقاتل: أن آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ منسوخة بقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ثم تلك منسوخة أيضا بقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فقال عنه الفخر الرازي: وهو ضعيف، أما أن قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ منسوخ، فقد تقدم إبطاله. وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فهو تخصيص لا نسخ. وأما قوله بنسخ آية وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فهو خطأ أيضا، لأنه
2 - أمان اللاجئ إلى الحرم:
لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم باق لم ينسخ، فثبت أن قوله ضعيف. ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متتالية، تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى «1» . 2- أمان اللاجئ إلى الحرم: تمسك الحنفية بآية وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ في عدم قتل الكافر اللاجئ للحرم، ما دام لم يقاتل في الحرم. وتدل أيضا بعمومها على أن القاتل إذا لجأ إلى الحرم لا يقتل. ويؤيد حكم الاثنين قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران 3/ 97] وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة 2/ 125] . 3- غاية القتال وحكمته: شرع القتال في الإسلام للدفاع عن النفس والبلاد والأعراض والحرمات، ولم يشرع للعدوان والتقتيل وسفك الدماء. وكانت الغاية السامية منه إقرار حرية الدعوة إلى الدين، وإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ونصرة شريعته وحماسة أهله ودعاته. وهل سبب القتال رد العدوان والإيذاء أو الكفر؟ بالأول قال جمهور من الفقهاء، وبالثاني قال جماعة كالشافعية بدليل آية: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ وفسروا الفتنة بالشرك أو الكفر، وبقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر الذي أخرجه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا
4 - الظفر بالحق:
الله» قال القرطبي: فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر، لأنه قال: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر «1» . أي أن المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر، ويثبت الإسلام، ونظيره قوله تعالى: «تقاتلونهم أو يسلمون» . 4- الظفر بالحق: دلت آية فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ على جواز أخذ الحق من الظالم بأي طريق، ما لم يعد سارقا. وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهم. قال ابن العربي «2» : من أباح دمك فمباح دمه لك، لكن بحكم الحاكم، لا باستطالتك وأخذ ثأرك بيدك، ولا خلاف فيه. ومن أخذ مالك فخذ ماله، إذا تمكنت منه، إذا كان من جنس مالك، طعاما بطعام، وذهبا بذهب، وقد أمنت من أن تعدّ سارقا. وأما أخذ ما ليس من جنس مالك، فاختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا يؤخذ إلا بحكم حاكم، ومنهم من قال: يتحرّى قيمته، ويأخذ مقدار ذلك، هو الصحيح عندي. ومن أخذ عرضك فخذ عرضه، لا تتعداه إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه. لكن ليس لك أن تكذب عليه، وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل المعصية، فلو قال مثلا: يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت الكافر، وإن قال لك: يا زاني، فقصاصك أن تقول: يا كذاب، يا شاهد زور، ولو قلت له
5 - المماثلة في القصاص:
يا زان، كنت كاذبا، فأثمت في الكذب، وأخذت فيما نسب إليك من ذلك، فلم تربح شيئا، وربما خسرت. وإن مطلك غني دون عذر، قل: يا ظالم، يا آكل أموال الناس. قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته» «1» أما عرضه فيما فسرناه، وأما عقوبته فبالسجن حتى يؤدّي. 5- المماثلة في القصاص: وأرشدت أيضا آية فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ إلى مبدأ المماثلة في القصاص، ونظيرها آية: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل 16/ 126] ، فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به، ما لم يقتله بفسق أو معصية كاللواط وإسقاء الخمر، فيقتل بالسيف، وهذا قول الجمهور، واستثنى المالكية أيضا القتل بالنار أو السّم، لا يقتل به، لقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يعذب بالنار إلا الله» والسم نار باطنة. وقال أبو حنيفة، وأحمد في الأصح في مذهبه: إنه لا قود إلا بحديدة، بدليل حديث النعمان بن بشير- فيما رواه ابن ماجه والبيهقي والدارقطني-: «لا قود إلا بحديدة، ولا قود إلا بالسيف» . وانفرد أبو حنيفة بالقول فيمن قتل بخنق أو بسمّ أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة، إنه لا يقتل ولا يقتص منه، إذ القتل بمثقل عنده لا يوجب القصاص، لأنه قتل شبه عمد، يوجب الدية على عاقلة القاتل. وإنما القصاص يجب بالقتل بمحدّد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتّردية.
6 - الجهاد بالنفس والمال:
6- الجهاد بالنفس والمال: يكون الجهاد بالنفس والمال، لأن تجهيز الجيوش يحتاج إلى عتاد وسلاح ونفقات، كاحتياج المعارك إلى الرجال الأشداء. فلو قصّر المسلم في الإنفاق في سبيل إعلاء كلمة الله، فقد ألقى بنفسه إلى الهلاك، وأهلك الجماعة، ودمر الأمة التي ينتمي إليها. وقد نزلت آية: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة 2/ 195] كما عرفنا في الأنصار حينما تعرضوا لقحط وجدب في بعض السنوات، وظنوا ألا حاجة للنفقة، لأن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلم يقبل الله ذلك منهم، لأن الجهاد فريضة دائمة، والإعداد للقتال واجب شرعي مستمر. 7- اقتحام أهوال الحرب أو العمل الفدائي: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب، وحمله على العدو وحده، أيعد ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلكة؟. قال جماعة من المالكية: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة، فذلك من التهلكة. وقيل: إذا طلب الشهادة، وخلصت النية، فليحمل، لأن مقصوده واحد من الأعداء، وذلك بيّن في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة 2/ 207] . وهذا هو الفدائي بحق. روي أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال: فلك الجنة» فانغمس في العدو حتى قتل. وقال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين،
وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرّض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين. فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه، فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدو، ليعلم صلابة المسلمين في الدّين، فلا يبعد جوازه. وإذا كان فيه نفع للمسلمين، فتلفت نفسه لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة 9/ 111] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه. وعليه ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنه متى رجا نفعا في الدّين، فبذل نفسه فيه، حتى قتل، كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ، إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان 31/ 17] . وروى ابن عباس عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أفضل الشهداء: حمزة بن عبد المطلب، ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر، فقتله» .
أحكام الحج والعمرة [سورة البقرة (2) الآيات 196 إلى 197] :
أحكام الحج والعمرة [سورة البقرة (2) : الآيات 196 الى 197] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) الإعراب: ... وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ متعلق بأتموا، وهو مفعول لأجله، ويجوز أن يكون في موضع الحال، وعامله محذوف تقديره: كائنين لله. فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: ما: مبتدأ، وخبره مقدر، وتقديره: فعليكم ما استيسر. الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ مبتدأ وخبر، ولا بد فيه من محذوف مقدر، وفي تقديره وجهان: أحدهما- أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والثاني: الحج حج أشهر معلومات. فَلا رَفَثَ.... فِي الْحَجِّ لا: نافية للجنس، كما في قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ واسمها
البلاغة:
وهو رفث: مبني على الفتح، وبني مع «لا» لأنه معه بمنزلة «خمسة عشر» . و «لا» مع النكرة المبنية في موضع مبتدأ، وقوله فِي الْحَجِّ خبر. وَما تَفْعَلُوا ما: شرطية منصوب بتفعلوا، وتفعلوا مجزوم بما، ويعلمه: مجزوم لأنه جواب شرط. البلاغة: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ: كناية عن ذبحه في مكان الإحصار. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً فيه إيجاز بالحذف، أي كان مريضا فحلق وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ فيه التفات من الغائب إلى المخاطب. تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ فيه إجمال بعد التفصيل، لزيادة التأكيد، ويسمى «الإطناب» . وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ إظهار اسم الجلالة في موضع الإضمار لتربية الهيبة والجلال. لِمَنْ اللام بمعنى على، أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة. فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ نفي بمعنى النهي، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا أي لا تماروا مع الرفقاء والخدم والمكارين، والنفي أبلغ من النهي الصريح، أي لا ينبغي أن يقع أصلا، والأمر بالاجتناب في الحج مع أن وجوبه في كل حال، لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في قراءة القرآن. المفردات اللغوية: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أدوهما بحقوقهما فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ منعتم عن إتمامهما بعدو أو مرض اسْتَيْسَرَ تيسر الْهَدْيِ أي سهل عليكم وهو شاة، أو كل ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النّعم، ليذبح ويفرق على الفقراء وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ أي لا تتحللوا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ مكان الحلول والنزول، حيث يحل ذبحه، وهو مكان الإحصار عند الشافعي ومالك، فيذبح فيه بنية التحلل، ويفرق على مساكينه، ويحلق به، وبه يحصل التحلل. وفي رأي الحنفية: هو الحرم. أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كقمل وصداع، فحلق في الإحرام فَفِدْيَةٌ عليه مِنْ صِيامٍ ثلاثة أيام أَوْ صَدَقَةٍ ثلاثة أصوع «1» من غالب قوت البلد، على ستة مساكين أَوْ نُسُكٍ أي ذبح شاة، وأصل النسك: العبادة، والمراد هنا الذبيحة، وسميت نسكا لأنها من أشرف
العبادات التي يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى. وأو: للتخيير. وألحق به: من حلق لغير عذر، ومن استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره. فَإِذا أَمِنْتُمْ قيل: برأتم من المرض، وقيل: من خوفكم من العدو. فَمَنْ تَمَتَّعَ استمتع بِالْعُمْرَةِ أي بسبب فراغه منها، أي تمتع بمحظورات الإحرام إِلَى الْحَجِّ أي الإحرام به، بأن يكون أحرم بها في أشهره. فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ تيسر عليه من الهدي وهو شاة يذبحها بعد الإحرام بالحج بمكة، والأفضل يوم النحر. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي، لفقده أو فقد ثمنه، فعليه صيام ثلاثة أيام في حال الإحرام بالحج، فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة، والأفضل قبل السادس، لكراهة صوم يوم عرفة، ولا يجوز صومها أيام التشريق في الأصح عند الشافعي. وسبعة أيام بعد الرجوع إلى الوطن: مكة أو غيرها. وحاضرو المسجد الحرام: هم أهل مكة وما دونها إلى المواقيت في رأي الحنفية، وإلى ما دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي. الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ وقته شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، في رأي الشافعي، وقال الجمهور: يجوز الإحرام بالحج فيما عدا هذه الأشهر مع الكراهة. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا. وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج، وأوجبها الظاهرية. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة، وكانت العمرة لا وقت لها معلوما، بيّن أن الحج له وقت معلوم. فَلا رَفَثَ جماع فيه، وَلا فُسُوقَ عصيان وَلا جِدالَ خصام ومجادلة «1» والمراد بالنفي في الثلاثة: النهي عنها. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ كصدقة يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجازيكم به، ونزل في أهل اليمن، وكانوا يحجون بلا زاد، فيكونون كلّا على الناس. وَتَزَوَّدُوا ما يبلغكم لسفركم فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ما يتقى به سؤال الناس وغيره، واتقوا الله يا أولي العقول. والألباب: جمع لبّ، ولبّ كل شيء: خالصة، ولذلك قيل للعقل: لبّ.
سبب النزول:
سبب النزول: سبب نزول قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: أخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فقال: أين السائل عن العمرة، قال: ها أنا ذا، فقال له: ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعا في حجك، فاصنعه في عمرتك. وقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً: روى البخاري عن كعب بن عجرة أنه سئل عن قوله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ قال: حملت إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قال: قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك، فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة. وروى مسلم عن كعب بن عجرة قال: «فيّ أنزلت هذه الآية، أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أدنه، فدنوت مرتين أو ثلاثا، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال ابن عون، وأحسبه قال: نعم، فأمرني بصيام، أو صدقة، أو نسك ما تيسر» . وروى أحمد عن كعب قال: كنا مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصر المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تسّاقط على وجهي، فمرّ بي النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ. وقوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا: روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال:
المناسبة:
كان أهل اليمن يحجون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فأنزل الله: وَتَزَوَّدُوا، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى. المناسبة: ذكرت أحكام الصيام، ثم ذكرت أحكام الأشهر الحرم والمسجد الحرام والقتال فيها وفيه، ثم ذكرت هنا أحكام الحج، لأن شهوره بعد شهر الصيام، فأوضح تعالى فيها حكم المحصر الذي منعه العدو من إتمام الحج، وحكم المتمتع إلى زمن الحج من غير أهل الحرم، ووقت الحج في أشهر معلومات. التفسير والبيان والأحكام: كان الحج معروفا بين عرب الجاهلية، من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وأقره الإسلام بعد أن أبطل ما فيه من أنواع الشرك والمنكرات، وزاد فيه بعض المناسك. وقد فرضه الله تعالى على المسلمين سنة ست من الهجرة بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران 3/ 97] وكانت أول حجة حجها المسلمون سنة تسع بإمرة أبي بكر رضي الله عنه، ثم حج النّبي صلّى الله عليه وسلّم سنة عشر، وفيها أذّن أبو بكر بالمشركين الذين حجوا: ألا يطوف بعد هذا العام مشرك، ونزلت الآية إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة 9/ 28] . واستمر المسلمون منذ ذلك التاريخ يهرعون بقلوب ملؤها الشوق والحنين والتعظيم إلى بيت الله الحرام كل عام، من مختلف الأقطار في المشارق والمغارب، تظللهم راية الإيمان بالله تعالى، وترتفع أصواتهم بتلبية أوامر الله، وتخشع نفوسهم لتلك المواقف المهيبة، قاصدين تطهير أنفسهم من شوائب العصيان
1 - إتمام الحج والعمرة:
ومخالفة الأوامر الإلهية، وهم في صفوفهم وتحركاتهم الجماعية منصهرون ماديا وفعليا بمعنى المساواة، دون تفرقة بين سيد ومسود وحاكم ومحكوم وغني وفقير، ومتجردون من مظاهر الدنيا وزينتها، فلا تكاد تجد في أنحاء العالم تجمعا كثيفا ومؤتمرا عالميا، مثل مؤتمر الحج كل عام، حيث تجد فيه مختلف الجنسيات والألوان والألسنة من كل أنحاء العالم. ويبين الله تعالى في هذه الآيات بعض أحكام الحج وهي: 1- إتمام الحج والعمرة: أي أداؤهما تامين كاملين لا ينقصهما شيء من شروطهما وأفعالهما من غير أن يفعل أثناءهما شيء من المحظورات، ظاهرا بأداء المناسك على وجهها المطلوب شرعا، وباطنا بالإخلاص لله تعالى دون قصد شيء دنيوي. والتعبير بالإتمام مشعر بأن المسلمين قد شرعوا فيهما، وبدؤوا في العمرة سنة ست وصدوا عنها، ولذلك تسمى العمرة التي وقعت في سنة سبع عمرة القضاء. ودل قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ على وجوب القضاء على من أحصر بمرض أو عدو إذا حل منهما بالهدي، في رأي الحنفية، لأن الأمر في الآية يقتضي الإيجاب بالشروع في العبادة، والمراد بقوله وَأَتِمُّوا.. تمامهما بعد الشروع فيهما. وقال مالك والشافعي: إن أحصر المحرم بعدو، فحلّ فلا قضاء عليه في الحج ولا العمرة، والمراد بالآية: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: فَأَتَمَّهُنَّ وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. 2- اتفق العلماء على فرضية الحج، واختلفوا في العمرة ، بالرغم من الأمر إتمامهما في هذه الآية. فقال الشافعية والحنابلة: العمرة واجبة كالحج، لقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة 2/ 158] . ولما روي في
4 - الإحصار:
الصحيح أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأصحابه: «من كان معه هدي، فليهلّ بحج وعمرة» وقوله أيضا: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» وروى الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهما بدأت» . وذهب المالكية والحنفية: إلى أن العمرة سنة، لأن كل الآيات التي فرض فيها الحج، جاءت مجردة عن ذكر العمرة: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران 3/ 97] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ.. [الحج 22/ 27] ، ولأن أحاديث أركان الإسلام لم يذكر فيها العمرة، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما أخرجه الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجه وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي- «الحج جهاد، والعمرة تطوع» وأخرج الترمذي وصححه عن جابر: أن رجلا سأل رسول الله عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا خير لكم» ، وتأولوا أحاديث فريضة العمرة بأنها بعد الشروع فيها، وهي واجبة حينئذ بلا خلاف. والظاهر هو الرأي الأول، لأن هذه الآية وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ دليل على وجوب العمرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها، كما أمر بإتمام الحج. 4- الإحصار: إن منعتم وأنتم محرمون من إتمام النسك بسبب عدو أو مرض أو نحوهما، وجب عليكم إن أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر من الهدي: وهو ناقة (بدنة) أو بقرة أو شاة، فإن لم يجدها المحصر قوّم الحيوان، واشترى بقيمته طعاما، وتصدق به، فإن لم يجد، صام عن كل مدّ من الطعام يوما. والإحصار يكون عن الحج، وعن العمرة، لأن المنع قد يحصل منهما على سواء. واختلف الفقهاء في أسباب الإحصار: فذهب الحنفية: إلى أنه يشمل كل حالات المنع من دخول مكة بعد الإحرام، بمرض أو عدو، أو سجن أو غيره،
4 - حلق الرأس أو التقصير:
لأن الله تعالى علّق الحكم على مطلق الإحصار: وهو الحبس، وهو عام، يتناول الكل. وذهب الشافعية والمالكية: إلى أن معنى الإحصار: المنع بالعدو، أخذا بما روي عن ابن عباس وابن عمر، ولأن الحصر هو المنع، والمنع لا بد له من مانع قادر على المنع، وذلك يتصور في العدو لا في المرض، ولأن الأمن في قوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ إنما يستعمل في الخوف من العدو، لا في المرض. وأما من أحصره المرض فلا يحلّه إلا الطواف بالبيت، وإن أقام سنين، حتى يفيق. والظاهر هو الرأي الأول، لأن الأمن عام ليس مقصورا على الأمن من العدو، ولأن المانع هو كل حاجز عن الشيء، والمرض حاجز عن متابعة السير وإتمام الأعمال المطلوبة في المناسك، وتخصيص بعض أفراد العام بحكم في آية: فَإِذا أَمِنْتُمْ لا يخصص العام المفهوم في آية: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ. وأما اشتراط المحرم: بأن يقول: لبيك اللهم لبيك، ومحلّي حيث حبستني من الأرض، فلا ينفعه عند الجمهور، وعليه دم. وأجاز أحمد وأبو ثور وإسحاق بن راهويه الاشتراط، ولا دم ولا هدي عليه، لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أذن بذلك لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فيما رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما. 4- حلق الرأس أو التقصير: يعبر عن الدخول بالحج أو العمرة بالإحرام، وذلك بالنية من الميقات، وتجرد الرجال من لبس المخيط والحذاء، ولبس النعل، والامتناع عن الطيب والنساء والصيد البري ونحوها، ويكون الخروج من الإحرام بما يسمى بالتحلل: وهو حلق الرأس أو التقصير، وقد نهى الله تعالى عن الحلق قبل بلوغ الهدي مكان ذبحه، وهو مكان الإحصار في رأي مالك والشافعي، عملا بفعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في عام الحديبية، وفي الحرم المكي في رأي الحنفية، لقوله تعالى في جزاء الصيد: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة 5/ 95]
5 - جزاء الحلق وقتل الهوام:
فبين أن شرط الهدي أن يكون على صفة بلوغ الكعبة، فلا يصح أن تغير هذه الصفة، وكان الذبح من النّبي صلّى الله عليه وسلّم في طرف الحرم من جهة الحديبية. والظاهر الرأي الأول لأن منع العدو أو المرض لا يتحدد بمكان معين، ويحول بين المحرم وبين تقدمه أو تجاوزه المكان الممنوع، فكيف يتصور وصوله إلى الحرم، وهو ممنوع منه؟! قال الله تعالى: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح 48/ 25] قيل: محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق. وهل لذبح الهدي وقت معين؟ لا خلاف في أن هدي العمرة غير مؤقت بزمان مخصوص، بل له أن يذبح متى شاء، ويحل من إحرامه. وأما هدي الإحصار في الحج: فيذبح عند الجمهور متى شاء ويحل، لأن قوله تعالى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ عام في كل الأوقات متى حصل الإحصار، ولأن حكم الإحصار بالعمرة لا توقيت فيه، فلا يفرق بين دم إحصار الحج ودم إحصار العمرة، ولأن تأخير الذبح حتى يجيء يوم النحر فيه ضرر واضح. وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد: لا يذبح الهدي قبل يوم النحر. وهل على المحصر حلق؟ قال أبو حنيفة ومحمد: ليس على المحصر تقصير ولا حلاق. وقال الجمهور: يحلق المحصر أو يقصر، لأن ذلك قادر عليه، ولقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة 2/ 196] ولا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، لأن سنة الذبح الحلاق، وللآية المذكورة: وَلا تَحْلِقُوا.. 5- جزاء الحلق وقتل الهوام: إذا خالف المحرم شروط الإحرام، فحلق رأسه أو قصر بسبب المرض، أو الأذى في رأسه من قمل أو جرح أو صداع وغيره، أو قلم ثلاثة أظافر، أو قبّل زوجته مثلا، أو تطيب أو ادّهن في جسمه مثلا، فعليه فدية مخير فيها بين صيام ثلاثة أيام أو صدقة وهي إطعام ستة مساكين، أو
نسك «1» وهو ذبح شاة، والتخيير بين هذه الخصال مستفاد من (أو) التي تقتضي التخيير. وتجب الفدية المذكورة عند مالك وأبي حنيفة، سواء فعل المخالفة عامدا أو ناسيا، ولا تجب عند الشافعي وأحمد إن خالف ناسيا. وتقدير الطعام: إما بستة صيعان لكل مسكين صاع «2» ، كما في رواية، وإما بثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، في رواية أخرى، فجمع الجمهور بينهما، بحمل رواية الستة الآصع على التمر، والثلاثة الآصع على طعام القمح، لأنه المعهود في سائر الصدقات. ودليل التقدير: ما أخرجه البخاري من حديث كعب بن عجرة، قال: «وقف عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية، ورأسي يتهافت قملا، فقال: يؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك» قال: فنزلت هذه الآية، وذكرها، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق «3» بين ستة، أو انسك بما تيسر» . قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: لا يجزي أن يغدّي المساكين ويعشّيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدّين بمد النّبي صلّى الله عليه وسلّم. وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغديهم ويعشيهم. وأما موضع الفدية: فقال الحنفية: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء. وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، والذبح هنا نسك وليس بهدي، والنسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة. وقال الشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء، لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم. وقال أحمد: فدية الحلق في الموضع الذي حلق فيه،
6 - فدية المتمتع:
وما عدا فدية الشعر من الدماء يكون بمكة. وأما الإطعام فهو بمكة، وأما الصوم فحيث شاء. 6- فدية المتمتع: من أمن العدو والحصار وتمتع بسبب فراغه من المناسك والتحلل من الإحرام بالعمرة، وبقي متمتعا إلى زمن الحج، ليحرم من مكة به، فعليه دم أي ذبح هدي (شاة) شكرا لله تعالى، يذبحه يوم النحر بمنى ويأكل منه كالأضحية، أو يذبحه في مكة في رأي الشافعي، وهذا يحقق اليوم فائدة أكثر، لإيصاله إلى الفقراء. والقارن بالحج والعمرة مثل المتمتع في وجوب الفدية، لأن التمتع يشمل معنيين: استباحة التمتع بالنساء والتفرقة بترك محظورات الإحرام، وجمع الحج مع العمرة في أشهر الحج بأعمال واحدة. فمن لم يجد الهدي، لعدم وجوده، أو لم يجد المال الذي يشتري به، فعليه صيام ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج قبل السادس من ذي الحجة قبل يوم التروية «1» ويوم عرفة، وسبعة أيام إذا رجع إلى بلده، أو شرع في الرجوع، فله أن يصوم في الطريق. هذه الأيام الثلاثة والسبعة الأيام عشرة كاملة، لتأكيد المراد بالسبعة وهو العدد، دون الكثرة في الآحاد، ووصفت بالكمال للتنبيه إلى رعاية العدد فلا ينقص منها شيء، وللإشارة إلى أن البدل قائم تماما مقام المبدل منه، وهما في الفضيلة سواء. ذلك التمتع بإنهاء أعمال العمرة ثم الإحرام بالحج، وإيجاب الفدية، تخفيف ورخصة للآفاقيين الذين حضروا من البلاد البعيدة، دون أهل الحرم، لأن الغريب يتحمل مشاق السفر أكثر من المقيم بمكة، فالغرباء هم الذين يحتاجون إلى
هذه الرخصة، حتى لا يؤدوا كلا من الحج والعمرة على انفراد، أما أهل الحرم فليسوا في حاجة إلى ذلك، فلا تمتع ولا قران لحاضري المسجد الحرام. واتقوا الله واخشوه بالمحافظة على امتثال أمره، والانتهاء عن نواهيه، واحذروا أن تعتدوا في ذلك، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن تجاوز حدود الله تعالى. ومن المعلوم أن كيفيات أداء الحج والعمرة الجائزة إجماعا ثلاث: الأولى- الإفراد: الإحرام بالحج وحده، ثم بالعمرة بعد إنهائه. الثانية- التمتع «1» : الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من الميقات وكان من أهل الآفاق، ثم الإحرام بالحج من مكة. الثالثة- القرآن: أن يحرم الشخص بالحج وبالعمرة معا، أو يحرم بأحدهما ثم يدخل الآخر عليه في عام واحد وفي أشهر الحج. وأيها هو الأفضل؟ للعلماء آراء ثلاثة: قال الحنفية: القرآن أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد، لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما أخرجه الطحاوي عن أم سلمة: «أهلّوا يا آل محمد بعمرة في حجة» ، وقال أنس فيما أخرجه البخاري ومسلم: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجة» . وقال المالكية والشافعية: الإفراد بالحج أفضل، ثم التمتع، ثم القرآن: لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم حج مفردا على الأصح، قالت عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم: «خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من
7 - وقت الحج الحج أشهر معلومات فيه حذف، تقديره:
أهل بحج وعمرة، وأهلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحج» وروي حديث آخر: «القران رخصة» ولأن في الإفراد زيادة التلبية، والسفر، والحلق، والثواب على قدر المشقة وهذا أصح الآراء. وقال الحنابلة: التمتع أفضل، فالإفراد، فالقرآن، لأن التمتع جاء ذكره في القرآن، ولما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر: «تمتع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحليفة» وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» «1» . وعلى كل حال، فإن الآية لا تدل لأحد المذاهب السابقة، إذ ليس فيها إلا الأمر بالإتمام، وهو لا يقتضي شيئا منها، وإنما المعول على ما في السنة، والترجيح بين الروايات. ويلاحظ أن من اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده ومنزله، ثم حج من عامه، فليس بمتمتع في رأي الجمهور. وقد جمع المحدثون بين روايات حجه صلّى الله عليه وسلّم بوجوه: أقواها أنه أهل بالحج مفردا، ثم أدخل عليه العمرة فصار قرانا، فيحمل قول القائلين بالإفراد على ما أهل به، وقول القائلين بالقرآن على ما انتهى إليه عمله من إدخال العمرة على الحج. 7- وقت الحج: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فيه حذف، تقديره: وقت أعمال الحج أشهر معلومات، أو الحج في أشهر معلومات، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فلا تصح نية الحج في مذهب الشافعي إلا في هذا الوقت، وتنتهي أعماله في أيام التشريق الثلاث. والأشهر المعلومات هي ما ذكر في رأي الجمهور غير المالكية. وقوله مَعْلُوماتٌ: إقرار لما كان عليه العرب في الجاهلية من اعتبار
هذه الأشهر أشهرا للحج، وذلك من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وقال مالك: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله. وفائدة الخلاف: تظهر فيمن أوقع شيئا من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج، قال: تم حجه، ولا يلزمه دم بالتأخير. ومن قال: إلى عشر ذي الحجة، قال: يلزمه دم بالتأخير، كما ذكر الشوكاني. وذكر الجصاص الرازي توفيقا بين القولين، فقال: وقال قائلون: وجائز أن لا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة، وأن يكون مراد من قال: وذو الحجة: أنه بعضه، لأن الحج لا محالة، إنما هو في بعض الأشهر، لا في جميعها، لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام (منى) شيء من مناسك الحج. وقالوا: ويحتمل أن يكون من تأوله على ذي الحجة كله: مراده أنها لما كانت هذه أشهر الحج، كان الاختيار عنده فعل العمرة في غيرها، كما روي عن عمر وغيره من الصحابة استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج «1» . وأضاف الجصاص قائلا: ولا تنازع بين أهل اللغة في تجويز إرادة الشهرين وبعض الثالث بقوله: أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ كما قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أيام منى ثلاثة» وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقولون: حججت عام كذا، وإنما الحج في بعضه، ولقيت فلانا سنة كذا، وإنما كان لقاؤه في بعضها، وكلمته يوم الجمعة، والمراد البعض، وذلك من مفهوم الخطاب إذا تعذر استغراق الفعل للوقت، كان المعقول منه البعض.
ثم قال: ولقول من يقول: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة وجه آخر، وهو ينتظم القولين جميعا، وهو أن الآية سيقت لبيان أن هذه هي الأشهر التي يكون فيها الحج، بدون تبديل ولا تغيير، على نحو ما كان يفعله أهل الجاهلية من التغيير والتبديل، فكانوا ينسئون الشهور، فيجعلون صفرا المحرم، ويستحلون المحرم، على حسب ما يتفق لهم من الأمور التي يريدون فيها القتال، وكانوا يغيرون في أشهر الحج، فمعنى قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ: أن عمال الحج تقع في هذه الأشهر، على مقتضى بيان السنة، دون ما كان يفعله أهل الجاهلية من تبديل الشهور، وتأخير الحج وتقديمه. وهل يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؟ اختلف السلف وأئمة المذاهب في ذلك، فقال الجمهور غير الشافعية «1» : يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وينعقد حجا، ولا ينقلب عمرة، ولكنه مكروه، لما أخرجه البخاري عن ابن عباس: «من السنة ألا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» وتكون فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر لبيان أن أفعال الحج لا تصح إلا فيها، وأما صحة الإحرام في غيرها، فلأنه شرط للحج، فيجوز تقديمه على أدائه، كتقديم الطهارة على أداء الصلاة. وقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يهلّ بالحج قبل أشهر الحج، وينعقد إحرامه بالعمرة، وظاهر الآية يشهد له، لأنها قد جعلت وقت الحج هذه الأشهر المعلومات، والإحرام بالعبادة قبل وقتها لا يجوز، كما لا تجوز نية الظهر قبل الظهر. ونية الإحرام بالحج: تجب فرضا، لقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ ومن تمام العبادة: حضور النية، وهي فرض عند الإحرام، لقوله عليه الصلاة والسلام لما
8 - من هم حاضرو المسجد الحرام؟ :
ركب راحلته: «لبيك بحجة وعمرة معا» ، فمن شهد مناسك الحج، وهو لا ينوي حجا ولا عمرة، وهو بالغ عاقل، لم يسقط عنه الفرض. وأما المواقيت: فروى الأئمة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم «1» ، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يهلّون منها. وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله، لا يخالفون شيئا منه. وأما ميقات أهل العراق فهو ذات عرق «2» ، جاء في كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقّت لأهل العراق ذات عرق. وأجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم، ولكنه مكروه، لأنه ضيّق على نفسه ما قد وسّع الله عليه. 8- من هم حاضرو المسجد الحرام؟ اختلف العلماء في حاضري المسجد الحرام بعد إجماعهم على أهل الحرم (مكة وحاضريها) فقال الحنفية: هم أهل المواقيت ومن دونها من كل ناحية، وقال المالكية: هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة، وقال الشافعية والحنابلة: هم أهل الحرم ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر (89 كم) . 9- ما يحظر في الإحرام: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ أي فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن، وجب أن يبتعد عن الجماع ومقدماته وهو المعبر عنه بالرفث، وعن أنواع المعاصي والمخالفات مثل
10 - حكمة محرمات الإحرام:
صيد البر والطيب والزينة ولبس المخيط، وعن كل ما يؤدي إلى التنازع والتباغض والاختلاف، كالجدال والمراء والخصام والتنابز بالألقاب، لأن الشرع يريد من الحاج أن يتجرد عن كل مظاهر الدنيا ومغرياتها ومفاسدها، ويتطهر من الذنوب والسيئات، فيتحقق الغرض المنشود من الحج وهو تهذيب النفس وإشعارها بالعبودية لله الواحد الأحد، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من حج، ولم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» وقد جمعت الآية والحديث أصول الأخلاق الفاضلة، ونهت عن كل ما يعكر صفوها، فالآية خبر لفظا، نهي معنى، ويراد من الرفث الوقاع ومقدماته وقول الفحش، والفسوق: (وهو الخروج عن طاعة الله إلى المعصية) جميع أنواع المعاصي، والجدال جميع أنواع الخصام. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا لتصفو نفوسكم، وتتخلى عن الرذائل، وتتحلى بالفضائل، لأن الله يعلم ما تفعلون، فيجازيكم على كل خير تقدمونه لأنفسكم، فالآية شرط وجوابه، والمعنى: أن الله يجازيكم على أعمالكم، لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشيء. وتزودوا بالأعمال الصالحة التي تنفعكم، واتخذوا التقوى زادا لمعادكم، فإن خير الزاد اتقاء المنهيات، وأخلصوا لي يا أهل العقول أعمالكم، بأداء ما أوجبته عليكم من الفرائض، واجتناب ما حرمته عليكم، فإن فعلتم ذلك نجوتم من العقاب، وأدركتم الفوز بالرضا والرحمة الإلهية. وخص أولي الألباب بالخطاب- وإن كان الأمر يعم الكل- لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله، وهم قابلو أوامره والناهضون بها. 10- حكمة محرمات الإحرام: السر في محرمات الإحرام: هو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى قاصد له، فيتجرد من عاداته
تتمة أحكام الحج [سورة البقرة (2) الآيات 198 إلى 203] :
ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الأموات، وفي ذلك من تصفية النفس وتهذيبها وإشعارها من حقيقة العبودية لله والأخوة للناس ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره، وفي الحديث الصحيح المتقدم: «من حج ولم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» لأن الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة، والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها ويدخلها في حياة جديدة، لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت «1» . تتمة أحكام الحج [سورة البقرة (2) : الآيات 198 الى 203] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)
الإعراب:
الإعراب: عَرَفاتٍ التنوين في عرفات بمنزلة النون من زيدون، وليست للصرف، لأنها لو كانت للصرف، لكان ينبغي أن يحذف للتعريف والتأنيث، لأنها اسم لبقعة مخصوصة. كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ الكاف في موضع نصب إما لكونه صفة لمصدر محذوف وتقديره: ذكرا كذكركم آباءكم، أو لكونه في موضع نصب على الحال من ضمير «فاذكروا» أي فاذكروه مشبهين ذكركم آباءكم. أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً إما مجرور عطفا على «ذكركم» أو منصوب على تقدير فعل، والتقدير: واذكروه ذكرا أشدّ من ذكركم آباءكم. البلاغة: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ تشبيه تمثيلي يسمى «مرسلا مجملا» . فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً فيهما مقابلة. المفردات اللغوية: جُناحٌ أي حرج وإثم. أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا. فَضْلًا عطاء ورزقا منه بالربح في التجارة أيام الحج. أَفَضْتُمْ أصله: أفضتم أنفسكم ودفعتموها، والمراد: الدفع منه بكثرة. عَرَفاتٍ موقف الحاج لأداء النسك، وسمي بذلك لأن الناس يتعارفون فيه، وعرفة: اسم لليوم الذي يقف فيه الحاج بعرفات، وهو التاسع من ذي الحجة. فَاذْكُرُوا اللَّهَ بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء. والذكر: الدعاء والتلبية والتكبير والتحميد. الْمَشْعَرِ الْحَرامِ هو جبل في آخر المزدلفة يقال له: قزح، وسمي بالمشعر، لأنه معلم للعبادة، والشعائر: العلامات، ووصف بالحرام لحرمته، فلا يفعل فيه ما نهي عنه. روى مسلم: أنه صلّى الله عليه وسلّم وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جدا وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ لمعالم دينه ومناسك حجه، والكاف للتعليل، وَإِنْ مخففة من الثقيلة. ثُمَّ أَفِيضُوا يا قريش مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي من عرفة، بأن تقفوا بها معهم، وكانوا يقفون بالمزدلفة، ترفعا عن الوقوف معهم، وثم للترتيب في الذكر. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من ذنوبكم. فَإِذا قَضَيْتُمْ أديتم. مَناسِكَكُمْ عبادات حجكم، بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى، أي إذا فرغتم من مناسك الحج فأكثروا من ذكر الله بالتكبير والثناء، كما كنتم تفعلون بذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم.
سبب النزول:
خَلاقٍ نصيب. حَسَنَةً توفيقا وصحة ونعمة (أو رزقا) . وَقِنا عَذابَ النَّارِ بعدم دخولها، القصد منه: الحثّ على طلب خير الدارين. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ ثواب. مِمَّا كَسَبُوا من أجل ما عملوا من الحج والدعاء. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، لحديث بذلك. وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ أي بالتكبير عند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة. فَمَنْ تَعَجَّلَ أي استعجل بالنفر من منى فِي يَوْمَيْنِ في ثاني أيام التشريق (العيد) بعد رمي جماره فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بالتعجيل. وَمَنْ تَأَخَّرَ بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره، أي هم مخيرون في ذلك. لِمَنِ اتَّقى الله في حجه، لأنه الحاج في الحقيقة. تُحْشَرُونَ إليه في الآخرة، فيجازيكم على أعمالكم. سبب النزول: نزول الآية (198) : روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثّموا أن يتّجروا في المواسم، فسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في موسم الحج. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير الطبري والحاكم وغيرهم من طرق عن أبي أمامة التيمي قال: «قلت لابن عمر: إنا نكري (أي الدواب للحجاج) ، فهل لنا من حج؟ فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يجبه، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ... فدعاه النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أنتم حجاج» . نزول الآية (199) : أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة، فأنزل الله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.
نزول الآية (200) :
نزول الآية (200) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير أفعال آبائهم، فأنزل الله: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الآية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم، وقفوا عند الجمرة، وذكروا آباءهم في الجاهلية، وفعال آبائهم، فنزلت هذه الآية، حتى إن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبّة، عظيم الجفنة» ، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية، ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية. نزول آخر الآية (200) والآيتين (200- 201) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاء وحسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله فيهم: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ويجيء آخرون من المؤمنين، فيقولون: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ... إلى قوله: سَرِيعُ الْحِسابِ. المناسبة: بعد أن حضّ الله تعالى على التقوى والتزوّد ليوم الحساب ومخافة الله، وبعد أن منع الله تعالى الجدال في الحج، وكانت المعاملات التجارية تفضي عادة إلى الجدال والمخاصمة، جاءت آية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ.. للاستدراك مما قد يفهم أن التجارة مظنة المنع، أي ممنوعة في الحج، وأيضا لما حظر الله لبس المخيط.
التفسير والبيان:
والإنسان قد يكون شديد الحاجة، وكانت التجارة مظنة الحظر، فدفعا لذلك التوهم أباح الله تعالى الاتّجار في أثناء الحج، لأن ذلك سعي من أجل الرزق، والرزق أو الكسب فضل من الله غير محظور، لأنه لا ينافي الإخلاص في هذه العبادة، فلا مانع من انضمام قصد الاتّجار إلى الحج، وإنما الممنوع هو قصد التجارة فحسب. وقد تحرج المسلمون من التجارة في بادئ الأمر، خشية التأثير على العبادة، كما بيّنا في سبب النزول، فكانوا يقفلون حوانيتهم، فأعلمهم الله أن الكسب فضل من الله لا إثم فيه مع إخلاص العبادة. التفسير والبيان: لا إثم عليكم في طلب الرزق الحلال أثناء الحج من طريق البيع والشراء والكراء إذا لم يكن هو المقصود الأساسي بالذات، وإنما يجوز أن يكون تبعا للعبادة، إذ هو مع حسن المقصد عبادة أيضا، ولكن التفرغ لأداء المناسك أفضل وأكمل، لقوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة 98/ 5] . ويشترط أيضا لإباحة التجارة في الحج: ألا يترتب عليها نقصان في الطاعة، ولا تشغله عن أعمال الحج، لذا أمر الله تعالى بذكره بعد الوقوف بعرفات الذي هو أهم أركان الحج للحديث النّبوي: «الحج عرفة» «1» ، وبعد الإفاضة من عرفات: أي الاندفاع في السير بكثرة، فعلى الحاج إذا دفع إلى المزدلفة وبات فيها أن يذكر الله عند المشعر الحرام بالتلبية والتهليل والدعاء والحمد والثناء، وإنما طلب منه الذكر خشية أن يتركه في هذا الموضع المبارك. والمشعر الحرام: هو الجبل الذي يقف عليه الإمام، فقد روي: «عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لما صلّى الفجر بالمزدلفة، ركب ناقته، حتى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبّر، وهلل، ولم
يزل واقفا حتى أسفر جدا» أي دخل في الإسفار وهو بياض النهار، وورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال: كان الناس في هذه الليلة لا ينامون. ثمّ بيّن الله سبحانه طريقة الذّكر، فقال: واذكروه كما علّمكم كيفيّة الذّكر، بأن يكون بتضرع وإخلاص وإنابة قلبية وخشوع وحضور القلب مع الله، وهذا هو الذّكر الحسن، كما هداكم هداية حسنة، وإن كنتم من قبل هذا الهدى من الضّالين عن الحق في العقيدة والعمل، إذ كنتم تعبدون الأوثان والأصنام، وتتخذونها وسطاء أو شفعاء عند الله، لتقربكم إلى الله زلفى. ثم أمرت الآية قريشا وبعض القبائل بالإفاضة من عرفات، كما يفيض الناس منها ويقفون عليها، بعد أن كانوا يقفون في المزدلفة، ترفعا عن غيرهم. روى البخاري ومسلم: أن قريشا ومن دان دينهم من كنانة وجديلة وقيس وهم الحمس «1» كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة، ترفّعا عن الوقوف مع العرب في عرفات. وتحقيقا لمبدأ المساواة ونبذ الامتيازات في الإسلام أمر الله نبيّه بأن يقف مع المسلمين جميعا في عرفات، وأن يفيضوا منها إبطالا لما كانت عليه قريش. ولما كانت أعمال الحج كثيرة، وهي لا تخلو عن تقصير، أمرهم بالاستغفار، فالله تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن يطلب ذلك منه مع التوبة الخالصة. ثم أبطل الله تعالى عادة جاهلية أخرى وهي المفاخرة بأمجاد الآباء حيث إنهم كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل، بعد الفراغ من أعمال الحج، كما بيّنا في سبب النزول، ويؤكده ما روى ابن عباس: أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم، يعدّ الواحد منهم أيام آبائه في السماحة، والحماسة، وصلة الرحم،
ويتناشدون فيها الأشعار، فلما أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام، أمرهم بأن يذكروه كذكرهم لآبائهم. وروى القفال عن ابن عمر قال: طاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على راحلته القصواء، يوم الفتح، يستلم الركن بمحجنه، ثم حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس: إن الله قد أذهب عنكم حميّة الجاهلية وتفككها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: برّ تقيّ كريم على الله، أو فاجر شقيّ هيّن على الله، ثم تلا: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.. الآية [الحجرات 49/ 13] . وخطب النّبي صلّى الله عليه وسلّم أيضا في حجة الوداع في ثاني أيام التشريق، فأرشد العرب إلى ترك تلك المفاخرات، وقال: «أيها الناس، إنّ ربّكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلّغت؟» قالوا: بلّغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وإبطال تلك العادة كان بالأمر بذكر الله ذكرا كثيرا مبالغا فيه، كما كانوا يذكرون آباءهم ومفاخرهم، بل أشدّ من ذكرهم آباءهم. ثم ذكر ما يكون من الناس الذاكرين في الدعاء، ليأخذوا بأحسن الأحوال ويتركوا غيره، فقال: الناس في الحج قسمان: قسم يقصر دعاءه على أمور الدنيا، والاستزادة من خيراتها، ويسكت عن الآخرة، وكأنها لا تخطر له ببال، ولا يهتم بشيء من أمورها، فيطلب الجاه والغنى والنصر على الأعداء ونحو ذلك من حظوظ الدّنيا، هذا القسم لا خلاق (لا حظّ) لهم في الآخرة، مما أعدّه الله للمتقين من رضوانه وجناته.
وقسم يحرص على طلب خيري الدّنيا والآخرة، فيقول: ربّنا هب لنا حياة طيبة سعيدة هانئة في الدنيا، وحياة راضية رغيدة مطمئنة في الآخرة، وطلب كلّ من سعادة الدّنيا والآخرة منوط بالعمل الطيب النافع، فالدّنيا تتطلب الجهد والسعي في سبيل الرزق، وحسن المعاملة والمعاشرة، والتّخلّق بمحاسن الأخلاق، والآخرة لا تنال إلا بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، وهذا القسم حريص على اجتناب المعاصي وأسباب العذاب في النار، فيقول: ربّنا احفظنا من شهوات نفوسنا، وباعد بيننا وبين الخطايا كما باعدت بين المشرق والمغرب، ووفقنا للعمل بما يرضيك، فإذا قام المؤمن بفرائض الله واجتنب المعاصي والمنكرات، وطلب سعادة الدارين، حقق الله له النجاح فيهما. والحسنة في الدّنيا: هي الصّحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء. والحسنة في الآخرة: هي الفوز بالثواب والخلاص من العقاب. ثم أشار الله إلى الفريقين: الذين طلبوا الدنيا، والذين طلبوا الدنيا والآخرة معا، فأبان أنّ كلّا منهما يعطى حظّا مما طلب ودعا، وقيل: إن قوله: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ.. راجع للقسم الثاني فقط، لأن الله ذكر حكم الفريق الأول بقوله: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وعلى كل حال يكون نوال الجزاء مبتدءا من الكسب، لأن فَمِنَ لابتداء الغاية، لا للتبعيض، والكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله، والله سريع الحساب، يوفي كلّ كاسب أجره عقب عمله، وسرعة الحساب في الآخرة تكون باطّلاع كل عامل على عمله، ويتمّ ذلك في لحظة، فقد روي أن الله يحاسب الخلائق كلهم بمقدار لمحة البصر، وروي بمقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وفي الجملة: آية رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة، وما دام الحساب محقق الوقوع، فهو قريب سريع.
وهناك شبيه لهذه الآية، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً، وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها، وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً، كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء 17/ 18- 20] . وقوله عزّ وجلّ: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا، نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى 42/ 20] . ثم أمر الله تعالى بذكره في أيام منى بعد الأمر السابق بذكره عند المشعر الحرام، وعند تمام أداء المناسك بعد منى، فقال سبحانه: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ هي أيام منى أو أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي الحجة إلى ثالث عشر، وهي الأيام التي يرمون فيها الجمار، وينحرون فيها الهدي والأضاحي. والذكر في هذه الأيام يكون بالتهليل والتكبير عقب الصلاة وعند رمي الجمار وذبح القرابين، ويستوي في نوع هذا الذكر الحاج وغيره إلا أن غير الحاج يكبّر أيضا في يوم عرفة، والحاج يلبي، والمأثور من التّكبير: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا» . ورد عن عمر رضي الله عنه أنه كان يكبّر في فسطاطه بمنى، فيكبّر من حوله، حتى يكبّر الناس في الطريق. وروي عن الفضل بن العباس قال: «كنت رديف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من جمع- مزدلفة- إلى منى، فلم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة» . ويلاحظ أنه ورد الأمر بالذكر في الحج في هذه السورة في أيام معدودات، وفي سورة الحج في أيام معلومات: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ، وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ (الآية: 28) ، فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنّ
«المعلومات» هي العشرة الأوائل من ذي الحجة، آخرها النّحر، وأما «المعدودات» فهي ثلاثة بعد يوم النّحر، وهي أيام التشريق. وقد أكّد القفال هذا بما رواه في تفسيره أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم أمر مناديا فنادى: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع- مزدلفة- قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج، وأيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه» ، وروى أصحاب السّنن عن عبد الرحمن بن يعمر قال: إن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو واقف بعرفة، فسألوه، فأمر مناديا ينادي: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع «1» - مزدلفة- قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه» . ومذهب مالك أن أيام الرّمي معدودات وأيام النّحر معلومات، فيوم النّحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم. ومعنى آية فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ..: أنّ من تعجل في الإتيان بالمطلوب في الأيام الثلاثة، بأن جعله في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر، بأن لم يأخذ برخصة التعجيل، فلا إثم عليه، فالأفضل البقاء في منى والمبيت بها ثلاثة أيام وليال، لرمي الجمار «2» الثلاث في كلّ يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة، عند كل جمرة سبع حصيات، تأسّيا بفعل إبراهيم عليه السلام، وتمتاز جمرة العقبة بأنها ترمى وحدها يوم النحر أيضا. ويجوز الترخص والمبيت بمنى ليلتين الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق، ثم النّفر إلى مكة. ومن لم ينفر حتى غربت شمس اليوم الثاني، فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده، ثم ينفر، ولا إثم عليه بترك الترخص. هذا التخفيف والتخيير في التعجيل والتأخير، ونفي الإثم عن المستعجل
فقه الحياة أو الأحكام:
والمتأخر أو هذا الغفران، إنما هو لمن اتّقى «1» الله وترك ما نهى عنه، فلم يلبس حجه بالمظالم والمآثم، لأنه هو الحاج الحقيقي، لأن الغرض من كل عبادة هو التقوى، كما قال الله تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة 5/ 27] . وتحقيق التقوى: بذكر الله بالقلب واللسان ومراقبته في جميع الأحوال. ثم أمر الله بالتقوى فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي واتّقوا الله حين أداء مناسك الحج، وفي جميع الأحوال، ثم أكّد الأمر بالتقوى فقال: واعلموا أنكم ستجمعون وتبعثون للحساب والجزاء على أعمالكم يوم القيامة، والحشر: من ابتداء الخروج من الأجداث إلى انتهاء الموقف، والعاقبة للمتّقين، والعاقبة للتقوى، قال الله تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا [مريم 19/ 63] ، وقال أيضا: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار 82/ 19] . ومن علم أنه محاسب على أعماله، التزم العمل الصالح، واتقى ربّه، وقد كرّر الأمر بذكر الله وبالتقوى، للإرشاد بأن المهم في العبادة هو إصلاح النفس وفعل الخير، والبعد عن الشر والمعاصي. وأما من ظن أو شك في المصير المحتوم فيعمل تارة ويترك أخرى. ولما ذكر الله تعالى النفر الأول من عرفات، والنفر الثاني بعد إنهاء المناسك وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، كما قال: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الملك 67/ 24] . فقه الحياة أو الأحكام: دلّت آية لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ.. على جواز التجارة في الحج للحاج، مع
أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا، ولا يخرج به المكلف عن شرط الإخلاص المفترض عليه. لكن الحج دون تجارة أفضل، لبعده عن شوائب الدّنيا وتعلّق القلب بغيره. وفي آية: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ.. دلالة على أن الوقوف بعرفة أمر واجب لا بدّ منه، لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده، ولأنه قد رتب عليه الأمر بالذكر عند المشعر الحرام. وقد أجمع العلماء على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال (الظهر) ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك. وأجمعوا على تمام حجّ من وقف بعرفة بعد الزوال، وأفاض نهارا قبل الليل، إلا الإمام مالك، فإنه قال: لا بدّ أن يأخذ من الليل شيئا. ولا خلاف أيضا في أن من وقف بعرفة بالليل فحجّه تام. وحجة الجمهور: مطلق قوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ ولم يخصّ ليلا من نهار، وحديث عروة بن مضرّس قال: أتيت النّبي صلّى الله عليه وسلّم وهو في الموقف من جمع- مزدلفة-، فقلت: يا رسول الله، جئتك من جبلي طيء، أكللت مطيّتي، وأتعبت نفسي، والله إن تركت من جبل «1» إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى معنا صلاة الغداة بجمع، وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد قضى تفثه «2» ، وتمّ حجّه» «3» .
وحجة مالك: حديث جابر الطويل عند مسلم، وفيه: فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصّفرة قليلا، حتى غاب القرص، وأفعاله عليه الصلاة والسلام على الوجوب، لا سيّما في الحج، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» . وهل على من وقف نهارا فقط في عرفات شيء؟ أوجب الجمهور (غير الشافعية) الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، اقتداء بفعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن أفاض (دفع) قبل غروب الشمس، ولم يرجع، فحجّه صحيح تام، وعليه دم عند الحنفية والحنابلة، وقال مالك: عليه حجّ قابل، وهدي ينحره في حجّ قابل، وهو كمن فاته الحج. وذهب الشافعية: إلى أنه يسنّ الجمع بين الليل والنهار فقط، اتّباعا للسّنة، فإن أفاض قبل الغروب، فلا دم عليه، وإن لم يعد إلى عرفة ليلا، للخبر الصحيح: «من أتى عرفة قبل الفجر ليلا أو نهارا، فقد تمّ حجه» . والأفضل أن يقف بعرفة راكبا لمن قدر على الركوب، اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولأنه أعون على الدعاء، فإن لم يقدر على الركوب وقف قائما على رجليه داعيا، ما دام يقدر، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على الوقوف. وفي الوقوف راكبا تعظيم للحج قال الله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ، فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج 22/ 32] . وظاهر عموم القرآن والسّنة الثابتة يدلّ على أن عرفة كلها موقف، قال صلّى الله عليه وسلّم: «ووقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف» . ويوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم، يكفر الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال، قال صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «صوم يوم عرفة يكفّر السنة الماضية والباقية» ، وهذا سنّة لغير الحاج، وصام بعض أهل العلم بعرفة يوم عرفة، وقال أيضا: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت
أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ، وروى الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو عزّ وجلّ، ثم يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء» . ورغّبت الآيات في ذكر الله في مواضع كثيرة في الحج، عند المشعر الحرام، وفي أيام منى، وبعد الانتهاء من الحج، وذلك بالدعاء والتّلبية عند المشعر الحرام، وبالتهليل والتّكبير في منى، وبالاستغفار والدعاء في عرفات وبعد الإفاضة منها وبعد إنهاء أعمال الحج، لتقوى الصّلة والارتباط بالله، ولتكون خشية الله في مرأى ومسمع وقلب المسلم إذا عبد الله أو تعامل مع الناس. روى أحمد ومسلم حديثا عن نبيشة الهذلي: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر» . وقيل: الأمر الأول: أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني: أمر بالذكر على حكم الإخلاص، والثالث المداومة على الذكر كذكر مفاخر الآباء والتغني بالأمجاد الذي كان في الجاهلية عقب الحج، بل كأشد ذكرا من ذكر الآباء. ومن أكمل الأذكار والدعاء في هذه الآيات: الصيغة الجامعة لخيري الدّنيا والآخرة، فهي من جوامع الدعاء التي يطلب من المؤمن الإكثار منها، وهي: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ. جاء في الصحيحين عن أنس قال: «كان أكثر دعوة يدعو بها النّبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: اللهمّ آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار» . وثبت أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى الظهر والعصر في يوم عرفة جمع تقديم مع خطبة كخطبة الجمعة، وصلّى المغرب والعشاء بالمزدلفة جمع تأخير، بأذان واحد وإقامتين، كما ثبت في الصحيح. وقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين. وليس المبيت بالمزدلفة ركنا في الحج عند الجمهور، وقال مالك: الوقوف بها
واجب، ويكفي مقدار حطّ الرّحال وجمع الصّلاتين، وتناول شيء من الطعام والشراب، والمبيت بها سنّة مؤكّدة، فمن لم يبت بها فعليه دم، ومن قام بها أكثر ليله، فلا شيء عليه. وقال الحنفية: يجب الوقوف بالمزدلفة ولو لحظة بعد الفجر، ولو مارّا كالوقوف بعرفة، ويسنّ المبيت فيها. وقال الشافعية: يكفي في المبيت بالمزدلفة الحصول بها لحظة بعد منتصف الليل. وقال الحنابلة: المبيت بمزدلفة واجب لما بعد منتصف الليل، من تركه فعليه دم. والواجب عند الكل من الفدية أو الدم هو شاة، ودليل وجوب الوقوف بالمزدلفة حديث عروة بن مضرّس المتقدم: «من صلّى معنا هذه الصلاة، ثم وقف معنا حتى نفيض، وقد أفاض قبل ذلك- من عرفات «1» - ليلا أو نهارا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه» . ويقطع الحاج التلبية بأول حصاة يرميها من جمرة العقبة في رأي أكثر العلماء، والمشهور عن مالك قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة. ودليل الجمهور: ما رواه مسلم عن الفضل بن عباس: «لم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبّي حتى رمى جمرة العقبة» . ويحصل التحلل الأصغر للحاج برمي جمرة العقبة والحلق والذبح، لما روى الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا رميتم وحلقتم وذبحتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء، وحلّ لكم الثياب والطّيب» .
وبعبارة أخرى: يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة. والتحلل الأكبر: طواف الإفاضة، وهو الذي يحلّ النساء وجميع محظورات الإحرام. وقت التكبير: إن ذكر الله في الأيام المعدودات: هو التّكبير عقب الصلوات وعند رمي الجمرات، قال مالك: يبدأ التّكبير من ظهر يوم النّحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات التي يكبّر فيها خمس عشرة صلاة. وفي رواية عن الشافعي: يبدأ بالتكبير من صلاة المغرب ليلة النّحر. وفي رواية أخرى عنه وعن أبي حنيفة: إنه يبدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة، ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النّحر. ومذهب الحنفية والحنابلة والمشهور عند الشافعية: أنه يبدأ بالتكبير من صلاة الفجر يوم عرفة وينقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات ثلاثا وعشرين صلاة، بدليل ما روى جابر عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه صلّى الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا، فقال: الله أكبر، ومدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق» . وفي قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا: قال ابن عباس: هو الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره، فيكون له ثواب، وروي عنه- فيما رواه الدارقطني- في هذه الآية أنّ رجلا قال: يا رسول الله، مات أبي ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو كان على أبيك دين، فقضيته، أما كان ذلك يجزي؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يقضى» ، وقول ابن عباس نحو قول مالك، أي أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة، والحجة للحاج، فكأن له ثواب بدنه وأعماله، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه، لذا لا فرق بين أن يكون النائب حجّ عن نفسه حجة الإسلام أم لم يحجّ.
ولا خلاف في أن المخاطب بالذكر في الأيام المعدودات هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رمي الجمرات، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند إدبار الصلوات دون تلبية. وغير الحاج في رأي جماهير الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار مثل الحاج مطالب بالتكبير، فيكبّر عند انقضاء كل صلاة، سواء صلّى وحده أو في جماعة، تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء بالسلف رضي الله عنهم، على النحو الذي بيّناه في وقت التّكبير. وفي المدونة لمالك: إن نسي التّكبير إثر صلاة، فإن كان قريبا قعد فكبّر، وإن تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب ولم يكبّر، والقوم جلوس فليكبّروا. ولفظ التّكبير في مشهور مذهب مالك: ثلاث تكبيرات، وفي رواية يزاد: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد. وأجمع الفقهاء على أن يوم النّحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يرم يوم النّحر من الجمرات غيرها، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال. وأجمعوا أيضا على أن وقت رمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال إلى الغروب. وأجاز الجمهور (غير الشافعي) رمي جمرة العقبة بعد الفجر قبل طلوع الشمس، ولا يجوز رميها قبل الفجر. وأباح الشافعي رميها بعد نصف الليل. فإذا مضت أيام الرمي، فلا رمي، وعليه الهدي (دم) ، سواء ترك الجمار كلها، أو جمرة منها، أو حصاة من جمرة، في رأي مالك. وقال أبو حنيفة: إن ترك الجمار كلها فعليه دم، وإن ترك جمرة واحدة، كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع، إلى أن يبلغ دما فيطعم ما شاء، إلا جمرة
الناس إما منافقون أو مخلصون [سورة البقرة (2) الآيات 204 إلى 207] :
العقبة فعليه دم. وقال الشافعي: إن في الحصاة الواحدة مدّا من الطعام، وفي حصاتين مدين، وفي ثلاث حصيات دم. وينتهي عند الجميع وقت الرمي بغروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر. والمبيت بمنى «1» عند الجمهور ليالي التشريق واجب، فلا تجوز البيتوتة بمكة وغيرها عن منى في تلك الليالي إلا للرّعاء ولمن ولي السقاية من آل العباس، ومن ترك المبيت ليلة من ليالي منى من غير الرعاء وأهل السقاية، فعليه دم، لأن المبيت من شعائر الحج ونسكه. ويرمى عن المريض والصّبي اللذين لا يطيقان الرمي، ويتحرى المريض حين الرمي عنه، فيكبّر سبع تكبيرات، لكلّ جمرة، وعليه الهدي عند مالك. وقال الجمهور: لا دم عليه. الناس إما منافقون أو مخلصون [سورة البقرة (2) : الآيات 204 الى 207] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) الإعراب: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ مبتدأ وخبره، والخصام إما جمع خصم أو مصدر خاصم بمعنى الخصومة، يقال: خاصم خصاما، كقاتل قتالا، والمعنى: شديد الخصومة.
البلاغة:
البلاغة: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ذكر لفظ الإثم بعد قوله: العزة من باب «التتميم» في علم البديع، ليدلّ على أنها عزّة مذمومة. وَلَبِئْسَ الْمِهادُ من باب التهكّم، أي لبئس الفراش هي جهنم، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، فالله يقسم تأكيدا للوعيد بأن الذي يرى عزته مانعة له عن الإذعان للأمر بتقوى الله، سيكون مهاده ومأواه النار. المفردات اللغوية: يُعْجِبُكَ يروقك لوافقته إياك بالإيمان والخير. أَلَدُّ الْخِصامِ شديد الخصومة والعداوة. تَوَلَّى ذهب وانصرف عنك. سَعى مشى. الْحَرْثَ الزرع. النَّسْلَ ما تناسل من الحيوان. لا يُحِبُّ الْفَسادَ لا يرضى به. أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ حملته العزة الكاذبة أي الأنفة والحمية، على العمل بالإثم الذي أمر باتقائه. فَحَسْبُهُ كافيه. الْمِهادُ الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي، وسمى جهنم مهادا، لأنها مستقر الكفار، أو لأنها بدل لهم من المهاد. يَشْرِي نَفْسَهُ يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله أي رضاه. سبب النزول: روى ابن جرير عن السّدي في نزول الآيات (204- 206) : أن الأخنس بن شريق الثقفي «1» أتى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وأظهر له الإسلام، ثم خرج، فمرّ بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع، وعقر (قتل) الحمر، فأنزل الله الآية. وقال سعيد بن المسيّب- فيما يرويه الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن أبي حاتم-: أقبل صهيب الرومي مهاجرا إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فاتبعه نفر من
المناسبة:
قريش، فنزل عن راحلته، وانتشل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش: لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله، لا تصلون إليّ حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي، ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النّبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة، قال: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع» ، ونزلت الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ... المناسبة: ذكر الله في الآيات السابقة أن الناس في الحج صنفان: منهم من يدعو الله للدنيا، ومنهم من يدعو للآخرة، وأن المقصد من كل العبادات هو تقوى الله، ومحل التقوى هو القلب لا اللسان، وهنا ذكر صنفين آخرين في ميزان التقوى: منافق ومؤمن، الأول يظهر غير ما يبطن، والثاني مخلص في عمله يبتغي مرضاة الله تعالى. التفسير والبيان: بعض الناس يروقك قوله ويعجبك لسانه وبيانه، ولكنه منافق يظهر غير الحقيقة، فيعلن غير ما يضمر، ويقول ما لا يفعل، ليحظى بشيء من أعراض الدنيا الفانية، ويزيد في الإيهام والتضليل أنه يحلف بالله أنه صادق، فيقول: يعلم الله هذا، ويشهد أني صادق، وهو في الواقع قوي الجدل، يغش الناس بما يظهر، شديد العداوة للمسلمين. وهذه الخصال الثلاث (حسن القول، وإشهاد الله على صدقه، وقوته في الجدل) وجدت في الأخنس بن شريق، كما بيّنا في سبب النزول. وهذا الصنف سرعان ما ينكشف أمره، فتراه إذا توارى عن الأعين يكون ضدّ ما قال، فيسعى في الأرض بالفساد، ويهلك الحرث (الزرع) ويقضي على
فقه الحياة أو الأحكام:
النسل، إرضاء لنزعات نفسه الأمّارة بالسوء، وانقيادا لأهوائه وشهواته، وإيثارا لمقاصده الدنيوية الحقيرة، والله سبحانه لا يرضى بالفساد ولا يحبه، ولا يحب المفسدين، ولا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال. وإذا نصحه إنسان، فقال له: اتّق الله، حملته الحمية الجاهلية، والعزّة الشيطانية على ارتكاب الإثم والحرام، لأنه ينفر من الصلاح والمصلحين، فيكفيه عذاب جهنم، فهي مأواه ومهاده، ولبئس المهاد مهاده، بسبب سوء عمله في الدنيا، وسوء خداعه وحاله ولحنه في كلامه، قال الله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ [محمد 47/ 30] . وأما الصنف الثاني: فهو فريق يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، فتراه يجاهد في سبيل الله لإقرار الحق والعدل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتحرى صالح الأعمال وقول الحق، مع الصدق والإخلاص فيهما، وليس له لسانان أو وجهان، ولا يؤثر عرض الدنيا على ما عند ربه من حسن الجزاء، والله رءوف بالناس، فيجزيهم بالنعيم الدائم على العمل القليل، ولا يكلفهم فوق الطاقة، وينشر عليهم واسع رحمته وإحسانه وكرمه، ولولا ذلك لغلب شرّ أولئك المفسدين في الأرض، حتى لا يبقى فيها صلاح: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة 2/ 251] . فقه الحياة أو الأحكام: قال علماء المالكية: في هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط في أمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم، حتى يبحث عن باطنهم، لأن الله تعالى بيّن أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلا، وهو ينوي قبيحا.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة عن أم سلمة: «فأقضي له على نحو ما أسمع» فكان هذا في صدر الإسلام حيث يكتفي بالظاهر لسلامة أحوال الناس، أما بعد أن عمّ الفساد، فلا بدّ من التزكية والتعرّف على البواطن «1» . والصحيح كما قال القرطبي: أن الظاهر يعمل به حتى يتبيّن خلافه، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري: «أيها الناس، إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمّناه وقرّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة» «2» . وأرشدت الآية إلى أن فريق المنافقين شأنه الإفساد والتدمير والتخريب من الباطن، وهو لا يتّقي الله، ولا يخشاه، فحقّ له العذاب في جهنم، فهي مأواه ومصيره، وبئس المصير. كما أرشدت الآية إلى أن المخلص في عمله لله، والذي جاهد في سبيل الله، يستحق رضوان الله ورحمته، ويظفر بجنان الخلد، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.. إلى قوله: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة 9/ 111] . والفريق الأول يوجد في كل أمة، فقد يخدع الشخص فردا واحدا أو أفرادا معدودين، وقد يخدع الأمة بأجمعها، فيوقعها في مهاوي الشرّ والعذاب. وقد يعتمد هذا الصنف على الأيمان الكاذبة، فيحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما يقول
ويدّعي، وفي معنى الحلف: أن يقول الإنسان: الله يعلم أو يشهد بأنني أحب كذا، وأريد كذا، قال العلماء: إن هذا آكد من اليمين، ورأى بعض الفقهاء: أن من قاله كاذبا يكون مرتدا، لأنه نسب الجهل إلى الله تعالى، وعلى كل حال: إن أقل ما يدل عليه هذا هو عدم المبالاة بالدين، ولو لم يقصد صاحبه نسبة الجهل إلى الله عز وجل، فهو قول لا يصدر إلا عن المنافقين الذين يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا.. [البقرة 2/ 9] «1» . ودلّ التعبير القرآني الموجز: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ على حقيقة ثابتة وهي أن وجود فئة المخلصين بين الناس رحمة عامة للعباد، لا خاصة بهم، فكثيرا ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم، إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم، وعلى من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في نفع عباده ألا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يكون حكيما يقدّر الأمور بقدرها، إذ ليس المقصود بهذا الشراء: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.. [التوبة 9/ 111] إهانة النفس ولا إذلالها، وإنما المراد دفع الشرّ، وفعل الخير العام، رأفة بالعباد، وإيثارا للمصلحة العامة «2» وكون آية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.. نزلت في الأخنس، فلا يخصصها، وإنما هي عامة في كل من يتصف بصفته، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، قال سعيد المقبري: إن في بعض الكتب: إن عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر «3» ، لبسوا للناس مسوك «4» الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون
الدعوة إلى قبول الإسلام واتباع أحكامه وجزاء المخالف [سورة البقرة (2) الآيات 208 إلى 212] :
وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب القرظي: «هذا في كتاب الله» فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: «إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد» . قال ابن كثير: وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح «1» . الدعوة إلى قبول الإسلام واتباع أحكامه وجزاء المخالف [سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 212] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212) الإعراب: كَافَّةً منصوب على الحال من ضمير ادْخُلُوا.
البلاغة:
سَلْ فعل أمر، وأصله «اسأل» إلا أنه حذفت الهمزة تخفيفا، ونقلت حركتها إلى السين قبلها، فاستغنى عن همزة الوصل. وكَمْ منصوب على الظرف، وتقديره: كم مرة، وعامله: آتَيْناهُمْ. وجملة آتَيْناهُمْ مع كَمْ في موضع نصب مفعول ثان لفعل سَلْ. ولا يجوز أن يكون العامل في كَمْ هو سَلْ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. زُيِّنَ لم يقل «زينت» وإن كانت الْحَياةُ مؤنثة لسببين، لوجود الفاصل بينهما، ولأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، فيجوز ترك علامة التأنيث، مثل: حسن الدار، واضطرم النار. البلاغة: هَلْ يَنْظُرُونَ استفهام إنكاري في معنى النفي، بدليل مجيء إِلَّا بعدها، أي ما ينتظرون. فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ التنكير للتهويل. وَقُضِيَ الْأَمْرُ عطف على المضارع: يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ للدلالة على تحققه، فكأنه قد كان. فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أظهر لفظ الجلالة لتربية المهابة والروعة. زُيِّنَ أورد بصيغة الماضي لكونه مفروغا منه، مستقرا في طبعهم. وَيَسْخَرُونَ عطف بالمضارع لإفادة استمرار السخرية منهم. المفردات اللغوية: السِّلْمِ: التسليم والانقياد، ويطلق على الصلح والسلام وعلى دين الإسلام، والمراد هنا الإسلام. كَافَّةً في اختيار السيوطي: حال من السلم، أي في جميع شرائعه، وقال أهل اللغة: حال من ادْخُلُوا أي جميعا. خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي طرق، جمع خطوة، والمراد تزيينه ووساوسه بالتفريق. عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة. زَلَلْتُمْ ملتم عن الدخول في الإسلام جميعه، والزلل في الأصل: عثرة القدم، ثم استعمل في الانحراف عن الحق. الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرة والأدلة التي ترشد إلى أن الإسلام الذي دعيتم إليه هو الحق. عَزِيزٌ غالب لا يعجزه شيء عن الانتقام منكم. حَكِيمٌ في صنعه، يعاقب المسيء، ويكافئ المحسن. هَلْ يَنْظُرُونَ ما ينتظرون أي تاركو الدخول فيه. يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ أي يأتيهم عذابه أو أمره كقوله: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ أي عذابه. فِي ظُلَلٍ جمع ظلة، وهي ما أظلك. مِنَ الْغَمامِ السحاب الأبيض الرقيق. وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي تمّ أمر إهلاكهم وفرغ منه. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي في لا حرة فيجازي الناس.
سبب النزول:
وقال أهل السلف: الإتيان في ظلل من الغمام كالمجيء في آيات أخرى: مما وصف به الله تعالى نفسه، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. آيَةٍ بَيِّنَةٍ معجزة ظاهرة لا يخفى أنها من عند الله، كالعصا واليد البيضاء وفلق البحر وإنزال المن والسلوى، فبدلوها كفرا. وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ التبديل: تغيير الشيء من حال إلى حال، ونعمة الله: آياته الباهرة التي آتاها أنبياءه، وجعلها مصدر الهداية والنجاة. الْعِقابِ العذاب. زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا حسّن لأهل مكة. الْحَياةُ الدُّنْيا بالتمويه، فأحبوها. وَيَسْخَرُونَ يستهزئون من الذين آمنوا لفقرهم، كبلال وعمار وصهيب، ويتعالون عليهم بالمال. وَالَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك وهم هؤلاء. وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي بغير تقدير ولا حصر ولا تعداد على حسب الإيمان والتقوى والكفر والفجور، أو أنه كناية عن السعة، فيرزقهم رزقا واسعا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبالتسلط على أولئك الساخرين، وأما في الآخرة فبالفوز بالجنة والرضوان الإلهي، وهذا كما يقال: «هو ينفق بغير حساب» على معنى أنه ينفق كثيرا. سبب النزول: نزلت الآية (208) في عبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد قبول الإسلام، قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يوم نعظمه، فدعنا فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً الآية. هذا ما رواه ابن جرير عن عكرمة. وروى عطاء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، فآمنوا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعد ما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
المناسبة: أوضح الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس في الصلاح والفساد فريقان: فريق يفسد في الأرض ويخرب العامر، وفريق يبغي بعمله رضوان الله وطاعته، وأتبع ذلك هنا بأن شأن المؤمنين الاتفاق والاتحاد، لا التفرق والانقسام، فأمرهم بقوله: كونوا على ملة واحدة، واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه. التفسير والبيان: يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب انقادوا إلى الله تعالى في كل شيء، وادخلوا في الإسلام كله، وخذوا الإسلام بجملته، ولا تخلطوا به غيره، وافعلوا كل ما أمركم به الإسلام من أصول وفروع وأحكام دون تجزئة أو اختيار «1» ، كالعمل بالصلاة والصيام مثلا، وترك الزكاة والحدود، وتناول الخمر، وأخذ الربا، وفعل الزنى، ونحوه مما نراه الآن. وحافظوا على وحدة الإسلام وجمع كلمة المسلمين، كما قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا.. [آل عمران 3/ 103] واحذروا التنازع والاختلاف، كما قال عز وجل: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي قوتكم [الأنفال 8/ 46] وقال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» . ولا تتبعوا طرق الشيطان في التفرق في الدين أو في الخلاف والتنازع، فهذه
وسائله ووساوسه التي يزخرفها أو يزينها للناس، يسوّل لهم المنافع والمصالح. ويصرف الشخص عن الحق والهداية، ويفرق بين الجماعة، كما حدث من أهل الكتاب الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وحرفوا وبدلوا، ونقصوا وزادوا، فتمزقت وحدتهم، وسلّط الله عليهم الأعداء. والسبب في تحذيرنا من اتباع خطوات الشيطان: أنه العدو اللدود الظاهر العداوة، فإن جميع ما يدعو إليه هو الضلال والباطل بعينه. ثم توعد الله من حاد عن جادة الاستقامة، فأعلمهم أنكم إن ملتم عن الحق، وابتعدتم عن صراط الله وهو الإسلام، بعد ما جاءتكم الآيات الواضحات والحجج البينات القاطعات، وسرتم في طريق الشيطان، طريق الخلاف والنزاع والتفريق، فإن الله عزيز لا يغلب، أو غالب على أمره، لا يعجزه الانتقام منكم، حكيم في صنعه، لا يهمل المذنب، وإنما يعاقبه ويؤاخذه في الدنيا والآخرة. وهكذا الحكم في كل الأفراد، إذا لم يلتزموا طريق الاستقامة، ولم يتحصنوا بدرع متين من الأخلاق، وأهملوا شرع الله كله أو بعضه، فلن يوفقوا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم زاد في التهديد والوعيد، فأورد هذا الاستفهام: ما ينتظر هؤلاء المكذبون دعوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد إثباتها بالأدلة والبراهين الساطعة، وأولئك الخارجون عن أمر الله إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من العذاب في ظلل من الغمام (السحاب) حيث ينتظرون الخير، تنكيلا بهم، وتأتيهم الملائكة وتنفذ ما قدره الله وأراده لهم، وهو أمر قضاه الله وأبرمه، فلا مفرّ منه، والمرجع في كل الأمور في النهاية إلى الله يوم القيامة، فيضع كل شيء في موضعه الذي قضاه، فهو الأول مبدئ الخلائق، وهو الآخر تصير إليه الأمور.
وحكمة إنزال العذاب في الغمام الذي هو مظنة الرحمة والأمل في الخير، هو إنزاله فجأة من غير سابق إنذار، كما في آية أخرى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ، وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان 25/ 25] . وهذا يومئ للمؤمن بأن يبادر إلى التوبة وإصلاح الحال، حتى لا يفاجئه العذاب، ويأتيه بغتة وهو لا يشعر، فإذا لم تفاجئه القيامة، فاجأه الموت، أو المرض الذي يعجزه عن العمل الصالح، كما جاء في آية أخرى: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ، وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً، وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر 39/ 54- 55] . ثم فتح الله سبيل الحوار والمناقشة مع بني إسرائيل عن الآيات العديدة التي حدثت على يد رسلهم، كي يكون ذلك باعثا لهم على الإيمان برسالة النّبي صلّى الله عليه وسلّم التي قامت على مثل تلك الآيات أو المعجزات. فقال: سل يا محمد بني إسرائيل سؤال تقريع وتبكيت وتوبيخ لهم عن الآيات الكثيرة التي جاءت على أيدي رسلهم الكرام، مثل موسى وعيسى عليهما السلام، فهي تدل دلالة قاطعة على صدقهم، ومثلها المعجزات الدالة على صدقك، فهي متنوعة وكثيرة تؤدي إلى الاقتناع والتصديق بالنبوات. فهل لهم أن يتعظوا ويتدبروا، ويقلعوا عن جحودهم بالحق وطغيانهم؟ وإلا حلّ بهم من النكال مثل ما حلّ بأسلافهم. ثم هدد كل من يغيّر سنن الله، فقال: ومن يغير نعمة الله وهي الأدلة والبراهين الدالة على الحق والخير والهداية، من بعد ما وصلت إليه وعرفها، ويجعلها من أسباب ضلاله وكفره وعصيانه، فله العذاب الشديد، والعقاب الصارم، والجزاء المحتم، لأنه من سنن الله العامة القائمة على العدل والإنصاف،
تمييزا بين المحسن والمسيء، والله شديد العقاب لمن خالف وأساء، رؤف رحيم بمن أطاع وأحسن. ولكن طبيعة الكافرين الجاحدين قائمة على حب الدنيا حبا شديدا، وتحسينها في أعينهم، وتمكّن محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وفتنوا بمباهجها وزخارفها، وآثروها على كل شيء، حتى ما عند الله من نعيم مقيم، لأنهم لم يؤمنوا إيمانا صادقا بالآخرة، ثم يتبعون التأويلات والأوهام والآمال الكاذبة التي علقت في خواطرهم. وتراهم يسخرون من المؤمنين، ويستهزئون بالفقراء منهم، كابن مسعود وعمار وصهيب، ويعجبون: كيف ترك هؤلاء لذات الدنيا وعذبوا أنفسهم بالعبادات؟ كما يعجبون من الأغنياء، كيف لا يتقلبون في النعيم، ويستعدون لما بعد الموت، بتصحيح الاعتقاد، وإصلاح الأعمال، والتخلق بفضائل الأخلاق؟ ويتلخص موقفهم أو نظرتهم بأنه موقف مادي، لا أثر فيه للروحانية. ثم ردّ الله على هؤلاء الساخرين الذين يظنون أنهم في لذاتهم ودنياهم خير من أهل اليقين والإيمان، ومفاد الرد: إذا استعلى بعض الكافرين على بعض المؤمنين فترة من الدهر، بالمال أو المنصب والجاه، أو العزة والسلطان وكثرة الأنصار والأتباع، فإن المتقين سيكونون أعلى رتبة منهم في الآخرة، وأعلى مقاما عند ربهم، فهم في أعلى عليين، والكفار في أسفل سافلين، كما قال الله تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا [مريم 19/ 63] . وقد تساءل الزمخشري عن السبب في قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ثم قال: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا؟ ثم أجاب: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن
التقي، وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك «1» . هذا هو الجزاء المفضل الخالد في الآخرة، أما الدنيا فليس الارتفاع فيها خالدا، وإنما هو موقوت، بل هو في الحقيقة شيء حقير، يغتر بها سذاج الناس، أو السطحيون العاديون، فلو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها جرعة ماء. والله سبحانه يرزق من فضله من يشاء، ولو كان كافرا فاسقا، ويقدر الرزق أو يقلله على من يشاء، ولو كان مؤمنا طائعا، ويعطي الرزق عطاء كثيرا جزيلا، بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: «ابن آدم، أنفق أنفق عليك» «2» وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنفق بلالا، ولا تخش من الله ذي العرش إقلالا» «3» وقال الله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ 34/ 39] فيكون لكلمة الحساب في الآية (212) وجهان: التقدير أي من غير تقدير له، أو كناية عن السعة وعدم التقتير والتضييق، كما يقال: فلان ينفق بغير حساب، أي ينفق كثيرا. وتكرر معنى هذه الآية في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً. كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء 17/ 18- 21] . ويلاحظ أنه لم يسترط السعي لرزق الدنيا، لأنه قد يأتي بلا سعي كإرث وهبة ووصية وكنز أو ارتفاع أثمان ما يملك من عقار
فقه الحياة أو الأحكام:
وعروض، واشترط للآخرة السعي مع الإيمان، كما خصّها هنا بالذين اتقوا من المؤمنين «1» . والرزق بلا حساب في الدنيا يكون بالنسبة إلى الأفراد، فإنا نرى كثيرا من الأبرار، وكثيرا من الفجار أغنياء أو فقراء، لكن المتقي يكون دائما أحسن حالا وأكثر احتمالا، فلا يؤلمه الفقر، كما يؤلم الفاجر، إذ هو بالتقوى يجد المخلّص من كل ضيق، ويرى من عناية الله به رزقا غير محتسب. أما الأمم فأمرها على خلاف ذلك، وسنته فيها أن يرزقها بعملها، ويسلبها بزللها، إذ ليس من سنن الله أن يرزق الأمة العزة والثروة والقوة والسلطة من حيث لا تحتسب ولا تقدر، ولا تعمل ولا تتدبر «2» . فقه الحياة أو الأحكام: الإسلام كلّ لا يتجزأ، فمن آمن به وجب عليه الأخذ به كله، فلا يختار منه ما يرضيه، ويترك ما لا يرضيه، أو يجمع بينه وبين غيره من الأديان، لأن الله تعالى أمر باتباع جميع تعاليمه وتطبيق كل فرائضه، واحترام مجموع نظامه، بالحل أو الإباحة، وبالحظر أو الحرمة، فهو دليل الإيمان الحق به، فضلا عن القول بأن شرائعه نسخت كل الشرائع السماوية السابقة حال تعارضها معه. واختيار غير هذا المنهاج أو الخطة يكون اتباعا لخطوات الشيطان ووساوسه وأباطيله. وقد دلت آية فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع.
وأرشدت آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ إلى أن مصير المخالفين أو العصاة هو الهلاك والعذاب، وهو أمر محتم نافذ لا مردّ له، وهذه النتيجة يقدرها كل عاقل، وهي التي قررها القرآن، فذكر تعالى: هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه، يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض. وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء، كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا، وأفعاله بلا آلة ولا علة، سبحانه! وما أكثر الأدلة التي ترشد الناس إلى اتباع الحق والإسلام، لذا سئل بنو إسرائيل سؤال تقريع وتوبيخ: كم جاءهم من الآيات التي أيد الله بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظّلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك؟ كما قال مجاهد والحسن البصري وغيرهما، وقال غيرهم: كم جاءهم في أمر محمد عليه الصلاة والسلام من آية معرّفة عليه دالة عليه؟ ولا مانع من الجمع بين التفسيرين، كما فعلت. فإن بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومثلهم كل مبدّل نعمة الله، فلهم العقاب الشديد. وأما الماديون الكفار الذين فتنوا بالدنيا، وهم رؤساء قريش وأمثالهم، وصنفوا الناس على حسب الغنى والترف، وسخروا من المؤمنين الفقراء، وأقبلوا على الدنيا، وكانت موازينهم مادية محضة، وأعرضوا عن الآخرة بسبب الدنيا، فإنهم قصيرو النظر، لأن الله جعل ما على الأرض زينة لها، ليبلوا الخلق أيهم أحسن عملا، ولأنهم لا يعتقدون غير الدنيا، وأما المؤمنون الذين هم على سنن الشرع، فلم تفتنهم زينة الدنيا، وسيكونون أرفع درجة من الكفار، لأنهم في الجنة، والكفار في النار، وسيلقون جزاء سخريتهم بالمؤمنين، كما قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين 83/ 34- 36] .
وروى عليّ رضي الله عنه أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من استذلّ مؤمنا أو مؤمنة، أو حقّره لفقره وقلة ذات يده، شهره الله يوم القيامة، ثم فضحه، ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله تعالى على تلّ من نار يوم القيامة، حتى يخرج مما قال فيه. وإن عظم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من ملك مقرّب، وليس شيء أحبّ إلى الله من مؤمن تائب، أو مؤمنة تائبة. وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء، كما يعرف الرجل أهله وولده» . ومع جدارة الكافر لاستحقاق العقاب في الآخرة، فإن الله تعالى من باب العدالة والرحمة لا يحجب عنه الرزق والعطاء الذي يستمتع به في الدنيا، ويضمن له معيشته وكرامته، والله يرزقه ويرزق كل دابة في الأرض، ويعطي الإنسان عطاء بغير حساب أي بغير تقدير له على حسب الإيمان والتقوى، والكفر والفجور، أو أن عطاءه واسع خصب كثير، لا حدود له، فهو جلت قدرته لا ينفق بعدّ، وفضله كله بغير حساب، أما الذي بحساب فهو ما كان على عمل قدمه العبد، قال الله تعالى: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [النبأ 78/ 36] لذا كان رزق المؤمن التقي في الآخرة أوسع من رزقه في الدنيا، وحينئذ يتميز المؤمن عن الكافر في زيادة الرزق واستمراره في الآخرة، وأما الكافر فلا رزق له هناك، وإنما جزاؤه العذاب في جهنم. قال الله تعالى عن المؤمنين: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ. وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [المرسلات 77/ 41- 44] وقال الله سبحانه عن الكافرين: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ. وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [الحاقة 69/ 35- 37] .
الحاجة إلى الرسل وما يلاقونه مع المؤمنين في دعوتهم [سورة البقرة (2) الآيات 213 إلى 214] :
الحاجة إلى الرسل وما يلاقونه مع المؤمنين في دعوتهم [سورة البقرة (2) : الآيات 213 الى 214] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) الإعراب: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ نصب على الحال. أَمْ حَسِبْتُمْ: أَمْ تكون متصلة ومنقطعة، فالمتصلة: لا تكون إلا بعد الاستفهام بالهمزة، والمراد بها تعيين المسؤول عنه بمنزلة (أي) نحو: أزيد عندك أم عمرو؟ أي أيهما عندك. والمنقطعة: بمنزلة «بل» والهمزة، وهي تقع بعد الاستفهام والخبر، وأم هاهنا منقطعة. وأَنْ تَدْخُلُوا في موضع المفعولين. حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ الفعل منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وتقديره: حتى أن يقول، وحتى: هاهنا غاية، بمعنى: «إلى أن» فجعل قول الرسول غاية لخوف أصحابه. وحَتَّى لا ينتصب الفعل بعدها إلا إذا كان بمعنى الاستقبال. فأما إذا كان بمعنى الماضي أو الحال، فلا ينتصب بعدها بتقدير (أن) لأن (أن) تخلصه للاستقبال.
البلاغة:
البلاغة: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فيه إيجاز بالحذف أي كانوا على ملة واحدة وهي الإيمان والتمسك بالحق، فاختلفوا، بأن آمن بعض وكفر بعض. أَمْ حَسِبْتُمْ استفهام إنكاري، وأم هنا منقطعة بمعنى: بل أحسبتم. وَلَمَّا يَأْتِكُمْ: لما: تدل على النفي مع توقع وقوع المنفي. أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فيها أربعة تأكيدات، وهي «ألا» أداة الاستفتاح، وإنّ، والجملة الاسمية، وإضافة النصر إلى الله القادر على كل شيء. المفردات اللغوية: أُمَّةً ورد لفظ الأمة في القرآن بعدة معان: 1- الجماعة: الذين يرتبطون برابطة واحدة، مثل قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف 7/ 181] وقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران 3/ 110] . 2- الملة: أي العقائد وأصول النشريع، مثل قوله: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [الأنبياء 21/ 92 والمؤمنون 23/ 52] . 3- الزمن: مثل قوله: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود 11/ 8] وقوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف 12/ 45] . 4- الإمام: مثل قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل 16/ 120] أي رجلا جامعا للخير. والمراد بها هنا في رأي كثير من المفسرين: الملة: أي أن جميع الأنبياء والرسل على دين واحد. وقال آخرون: إن الأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة. مُبَشِّرِينَ المؤمنين بالجنة. وَمُنْذِرِينَ الكافرين بالنار. الْكِتابَ أي الكتب. الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرة على التوحيد. مِنْ بَعْدِ متعلقة باختلف، وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى. بَغْياً حسدا. مِنَ الْحَقِّ من بيانية. بِإِذْنِهِ بإرادته. أَمْ حَسِبْتُمْ بمعنى بل أحسبتم، وبل: تفيد افتتاح كلام جديد. وَلَمَّا لم مَثَلُ وصف عظيم وحال ذات شأن.
سبب النزول نزول الآية (214) :
مَسَّتْهُمُ جملة مستأنفة مبينة ما قبلها الْبَأْساءُ: شدة الفقر، وكل ما يصيب الإنسان في غير ذاته، كأخذ المال، والطرد من الديار، وتهديد الأمن، ومقاومة نشاط الدعوة إلى الله الضَّرَّاءُ المرض، وكل ما يصيب الإنسان في نفسه، كالجرح والقتل وَزُلْزِلُوا أزعجوا بأنواع البلايا، والزلزال: الاضطراب في الأمر. مَتى نَصْرُ اللَّهِ أي متى يقع نصر الله، وقَرِيبٌ خبر إن، وقريب: لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى، قال الله عز وجل: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف 7/ 56] . سبب النزول: نزول الآية (214) : قال قتادة والسّدّي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق (الأحزاب) حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش، وأنواع الأذى، وكان كما قال الله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب 33/ 10] وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [الأحزاب 33/ 11] . أما المنافقون فقالوا: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب 33/ 12] وقال صادقو الإيمان: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب 33/ 22] . وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه المدينة، اشتد الضر عليهم، بأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم: أَمْ حَسِبْتُمْ. المناسبة: أمر الله تعالى في الآية السابقة المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة ويأخذوا الإسلام بجملته، دون تجزئة أو خلط بينه وبين غيره، وأبان في هاتين الآيتين مدى الحاجة إلى الرسل، وأن الاهتداء بهديهم ضروري للبشر، وأن من آمن
التفسير والبيان:
بدعوة الأنبياء قد يتعرض للمحنة والشدة والبلاء، فعليه بالصبر حتى يأذن الله بالفرج أو النصر، وإن إصرار هؤلاء على كفرهم هو بسبب حب الدنيا. التفسير والبيان: كان الناس (أي بنو آدم) في وضع يحتاجون فيه إلى الهداية الإلهية، فأنعم الله عليهم بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين يخرجونهم من الظلمات إلى النور، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد إرسال الرسل، وأنزل مع بعضهم كتابا يرشدهم إلى الحق. وما ذلك الوضع الذي كانت عليه البشرية قبل الرسل والأنبياء؟ قال الجمهور: كانت أمة هداية على ملة واحدة، ودين قويم واحد، وعقيدة واحدة وتشريع واحد وهو دين الإسلام، فاختلفوا فيما بينهم، فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين. روى أبو داود عن ابن عباس قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا» . واستدلوا أيضا على صحة قولهم: بأن آدم عليه السّلام كان نبيا، وكان أولاده على ملته هادين مهتدين إلى أن وقع التحاسد بين ولديه، وكان من قتل أحدهما للآخر ما هو معروف. وذهبت طائفة أخرى (ابن عباس وعطاء والحسن البصري) : إلى أن الأمة أمة الضلال التي لا تهتدي بحق، ولا تقف في أعمالها عند حد شريعة، ودليلهم: ما اقتضاه وضعهم من إرسال الرسل، لتظهر مهمتهم بنحو معقول، وليحكموا بينهم في الاختلافات الناشئة عن فساد العقيدة، واتباع الأهواء الضالة في الأعمال، وإلا لم يكن هناك معنى أو حاجة للرسل.
وقال أبو مسلم الأصفهاني والقاضي أبو بكر الباقلاني: المعنى: كان الناس على سنة الفطرة، تأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، ولكن استسلام الناس إلى عقولهم بلا هدي إلهي، مما يدعو إلى الاختلاف، فكثيرا ما حالت الأوهام دون الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام. واختار صاحب تفسير المنار معنى آخر: وهو أن الإنسان اجتماعي بالخلقة، أي أن الله خلق الإنسان أمة واحدة، أي مرتبطا بعضه ببعض في المعاش، لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلى الأجل الذي قدره الله إلا مجتمعين، يعاون بعضهم بعضا، ولا يمكن أن يستغني بعضهم عن بعض، فلا بدّ من انضمام قوى الآخرين إلى قوته، وهذا ما يعبر عنه بقولهم: «الإنسان مدني بالطبع» «1» . ويكون المعنى أن الناس خلقوا ولهم صفة الجماعية والتجمع، وذلك يؤدي إلى التنافس والتنازع والاختلاف، فكان إرسال الرسل لفض النزاع بين البشر، والإرشاد إلى الحق والخير، وبيان الباطل والضلال. وكان عدد النبيين مائة وأربعة وعشرين ألفا (124000) والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر (313) ، والمذكورون في القرآن بالاسم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على ما جاء في حديث أبي ذرّ «2» ، وقيل: نوح، لحديث الشفاعة الذي قال له الناس فيه: أنت أول الرسل، وقيل: إدريس. ثم أبان الله تعالى أنه أنزل مع النبيين الكتاب: وهو اسم جنس بمعنى الكتب، وقال الطبري: الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة. ومهمة الكتاب أن يكون مصدرا للتشريع والحكم والفصل بين الناس في الخلافات، وهداية الناس إلى العقيدة الحقة، والآداب الفاضلة، والأعمال
الصالحة، وتحذيرهم من عاقبة الشرّ والفساد، والبعد عن الأهواء والتأويلات الباطلة، فهو ملتبس بالحق دائما. وهذا موافق لما عبرت عنه آية أخرى وهو النطق بالحق: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية 45/ 29] وآية الهدى والتبشير في القرآن: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ [الإسراء 17/ 9] ، فكل كتاب سماوي هو الحق والحكم الفصل في أمور الدنيا والدين. وعبر بالكتاب عن كتب النبيين وإن تعددت للإشارة إلى أنها في جوهرها كتاب واحد، ومشتملة على شرع واحد في الأصول. ثم ذكر الله تعالى أن بعض أهل الكتاب جعلوا كتابهم مصدر الاختلاف عدوانا وتجاوزا للحق، فقال: لقد اختلف الرؤساء والأحبار وعلماء الدين في الكتاب الذي أنزله الله للحق، بعد ما جاءتهم البينات الواضحة والأدلة على سلامة الكتاب وعصمته من إثارة الخلاف، وأنه لإسعاد الناس، لا لإشقائهم والتفريق بينهم، ولم يكن ذلك الاختلاف من أولي العلم القائمين على الدين الحافظين له بعد الرسل، والمطالبين بتقرير ما فيه إلا حسدا وبغيا (جورا) منهم، وتعديا لحدود الشريعة التي أقامها حواجز للناس. ولكن هذه الجناية من هؤلاء الرؤساء على أنفسهم وعلى الناس لا تقدح في هداية الكتاب إلى الحق، فليس العيب فيه، وإنما في القائمين عليه. غير أن الإيمان الصحيح مع سلامة القصد يهدي إلى الحق ويمنع الاختلاف، وإن المؤمنين هم الذين يهتدون لما اختلف الناس فيه من الحق، ويصلون إلى ما يرضي ربهم، بتوفيقه وإنعامه، والله يهدي دائما إلى الطريق المستقيم. أما الذين يؤولون الدين بحسب أهوائهم فهم في ضلال وفساد وشرّ، ولهم العذاب الأليم عند الله، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام 6/ 159] .
وبعد إيراد هذه الصورة القبيحة لفعل العلماء بكتاب الله، حثّ الله رسوله والمؤمنين على الثبات والصبر وتحمل المشاق في أثناء مواجهة الكفار، فإنهم متعرضون لأنواع من البلاء والمحن، كما تعرض الأنبياء السابقون لمختلف أنواع الشدائد ومقاساة الهموم، فصبروا وثبتوا، حتى تحقق لهم الفرج والنصر، لأن دخول الجنان والفوز برضوان الله يتطلب الجهاد، وتحمل الشدائد، والصبر على الأذى، واجتياز محنة الفتنة والاختبار بنجاح وثبات، دون تسخط ولا تبرم ولا ضجر، ولا انحراف عن خط الهداية، والقيام بأعباء التكاليف الإلهية. وليس للمؤمن الحق أن يستبطئ النصر، فإن نصر الله لأوليائه وأحبائه قريب. هذا مثل صادق للعبرة والعظة بما تعرض له الأنبياء السابقون وأتباعهم المؤمنون، فأنتم أيها المسلمون في صدر الإسلام، لم تبتلوا مثل ابتلائهم، مسّتهم الشدة والخوف والفقر والآلام والأمراض، وأزعجوا إزعاجا شديدا، حتى اضطر الألم والقسوة إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بالله تعالى وأوثق بنصره: متى نصر الله؟ حيث كاد أن ينفد صبرهم من هول ما لا قوا، فأجيبوا: ألا إن نصر الله قريب التحقق والحصول، وكما قال تعالى في آية أخرى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، جاءَهُمْ نَصْرُنا، فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف 12/ 110] . وفي هذا كله (موقف الأنبياء وموقف المسلمين الأوائل) عبرة لمن يأتي بعدهم، ويظنون أن الإسلام عبادة فقط، دون أن يمروا بشيء من الاختبار، أو يتعرضوا لنوع من الإيذاء، والمصائب والشدائد، جهلا منهم بسنة الله في ابتلاء أهل الهداية، من أجل التعرف على مدى قدرتهم في الثبات على الحق والإيمان، وما تتطلبه الدعوة إلى الله من عناء ومقاساة، قال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة 2/ 155] وقال عز وجل: الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا
فقه الحياة أو الأحكام:
أَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت 29/ 1- 3] . وقال سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران 3/ 142] . بل ولم يصل المسلمون في الماضي أو الحاضر إلى ما تعرض له الرسل السابقون، فقد قتل بعضهم، ونشر بعضهم بالمنشار وهو حيّ «1» ، وأحرق بعض المؤمنين بالنار، كما فعل بأصحاب الأخدود باليمن بإخبار الله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج 85/ 4- 8] . فقه الحياة أو الأحكام: إن الحاجة إلى الرسل والأنبياء والكتب السماوية قائمة ومؤكدة في كل زمان ومكان، لأنهم يرشدون الناس إلى الدين الحق، والاعتقاد الصحيح، ويبينون للناس طريق الحياة الصحيحة، ومنهج السعادة في الدنيا والآخرة، ويضعون الحدود الواضحة بين الحق والباطل، ويفصلون بالعدل في منازعات الناس. ولا تصلح الفطرة أو الطبيعة بمجردها سبيلا للهداية والرشد، لأنها مجهولة وغائمة وغير منضبطة، كما لا تصلح العقول البشرية لتسيير شؤون الحياة، فهي متفاوتة، مضطربة أحيانا، عاجزة وقاصرة عن إدراك الحقائق، وإذا أدركت
بعض عقول الحكماء سبيل الحق ونطقت بالحكمة، فذلك محصور في فئة قليلة من الناس، ولا يستقيم القول أو يظهر صدق النظرية التي يقررها العالم إلا بعد أن تمرّ بتجارب طويلة، وحلقات متواصلة من البحث والدراسة والتأمل والفكر، فيتضرر الناس الذين ينتظرون نتائج مصداقية القول أو الحكمة إلى زمن قد يطول وقد يقصر، وربما تأثر الإنسان بالأهواء والشهوات، أو بالمنافع والمصالح الخاصة، فلا يكتب لرأيه القبول أو النجاح. فكان من حكمة الله تعالى وفضله ورحمته إرسال الرسل والأنبياء ليقودوا الفطرة والعقل البشري إلى ما هو خير للدنيا والآخرة، قبل فوات الأوان، والوقوع في العثرات، وانتظار ما تسفر عنه التجارب والنظريات، ولإقرار الحق والعدل، دون التأثر برعاية مصلحة خاصة. وقد صحح الله أخطاء الأفهام وبيّن وجه الخطأ في ظن الصواب، من بعد ما جاءهم العلم، وسطعت البينات (الدلائل على عصمة الكتاب من وصمة إثارة الخلاف) وهو ما استدركته الآية: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ.. ومفاد الاستدراك: أن غرائز البشر وحدها ليست كافية في توجيه أعمالهم إلى ما فيه صلاحهم، فلا بدّ لهم من هداية أخرى تعليمية تتفق مع القوة المميزة لنوعهم، وهي قوة الفكر والنظر، تلك الهداية التعليمية هي هداية الرسل منهم، والكتب التي ينزلها الله عليهم، مع الأدلة القائمة على عصمة الرسل من الكذب، وعصمة الكتب من الخطأ، فعلى الناس أن يستعملوا عقولهم في فهم الأدلة على الرسالة والعصمة أولا، وإذا فهموها استعدوا حتما للتصديق بدعوة الرسل. وإذا آمنوا بتلك الدعوة، وعقلوا ما جاءت به الرسل، وجب عليهم أن يلازموه ولا يعدلوا عنه «1» . وأرشدت آية أَمْ حَسِبْتُمْ.. إلى أن للإيمان حقوقا وواجبات تؤدي إلى
مقدار نفقة التطوع ومصرفها [سورة البقرة (2) آية 215] :
سعادة الدارين، فمن أهملها أو فرط بها حرم النعمة الجليلة التي أنعم الله بها على سلف هذه الأمة، من السيادة والعزة. وإن الجنة لا تنال بغير ثمن، ولا تفيد الأماني شيئا، وما على المسلم إلا أن يكون مقدرا لدوره ورسالته في الحياة، فلا يكفيه مجرد الإيمان القلبي، وإنما لا بدّ له من أعمال جسام، وتضحيات عظام، ومجاهدة نفس حتى يهذبها ويصلح عيوبها، وتعاون على البرّ والتقوى، وهجر لزينة الدنيا والافتتان بها، وعمل خالص للآخرة، وإرضاء لله وحده، دون أن يشوبه شائبة رياء أو سمعة أو شهرة زائفة. وإذا أعيد تكوين المسلم على طراز تربية السلف الصالح، أمكن تحقيق العزة الإسلامية المنشودة، والنصر المرجو على الأعداء، بعد استكمال وسائل القوة اللازمة المكافئة لقوى العدو، والتخطيط لبناء الأمة، ووضع أسس النهضة والتقدم موضع التنفيذ الفعلي بكل حزم وإصرار وإخلاص. مقدار نفقة التطوع ومصرفها [سورة البقرة (2) : آية 215] يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) الإعراب: ماذا ما: مبتدأ، وذا: الخبر، وهو بمعنى الذي. ما أَنْفَقْتُمْ ما: في موضع نصب بأنفقتم وكذا وما تنفقوا وهو شرط، والجواب: فللوالدين. وكذا: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ شرط، وجوابه: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. المفردات اللغوية: مِنْ خَيْرٍ من مال كثير طيب، وسمي به لأن حقه أن ينفق في وجوه الخير، وهو شامل
سبب النزول:
للقليل والكثير. وَالْأَقْرَبِينَ هم الأولاد وأولادهم ثم الإخوة. واليتيم: من فقد والده وهو صغير. والمسكين: من عجز عن كسب ما يكفيه ورضي بالقليل. وابن السبيل: المسافر. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ إنفاق أو غيره. فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ يعلمه ويجازي عليه. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أين يضعون أموالهم، فنزلت: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ؟ قُلْ: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ. وأخرج ابن المنذر عن أبي حيان: أن عمرو بن الجموح سأل النّبي صلّى الله عليه وسلّم: ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها، فنزلت. ويؤيده ما قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت هذه الآية. المناسبة: ذكر في الآيات السابقة أن حب الدنيا هو سبب الشقاق والخلاف، وأن المؤمنين بحق هم الذين يتحملون الشدائد في أموالهم وأنفسهم ابتغاء رضوان الله، فناسب أن يذكر ما يرغب الإنسان في الإنفاق في سبيل الله، لأن الكسب والإنفاق يتطلبان الصبر والسماحة، وبذل المال كبذل النفس، كلاهما من آيات الإيمان. هذا مع العلم بأنه لا حاجة إلى التناسب بين كل آية وما يتصل بها، لا سيما إذا كانت الأحكام المسرودة أجوبة لأسئلة وردت، أو كان من شأنها أن ترد، وذلك للحاجة إلى معرفة حكمها كهذه الآية، والسؤال عنها وقع بالفعل «1» ، كما ذكرنا في سبب النزول.
التفسير والبيان:
ويلاحظ ما ذكرناه سابقا: أن بداية سورة البقرة إلى ما قبل آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (172) في القرآن والرسالة، وأن هذه الآية وما بعدها إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ (243) في سرد الأحكام العملية. وهذه الآية بيان لمصرف ما ينفقونه. التفسير والبيان: يسألك أصحابك يا محمد عن مقدار ما ينفقون نفقة تطوع، لا الزكاة الواجبة، وعن بيان الجهة (أو المصرف) التي ينفقون فيها. فأجبهم أن أي مقدار تنفقونه قليلا كان أو كثيرا، فثوابه خاص بكم، وأن جهات الإنفاق: إعطاء الوالدين (الأب والأم) والأولاد، لأنهم قرابة قريبة، ثم بقية الأقارب، للأقرب فالأقرب، ثم اليتامى الذين مات كافلهم، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب، ثم إعطاء المسافرين الذين انقطعوا في الطريق إلى بلادهم، وكل ما تنفقونه في وجوه البرّ والطاعة مطلقا، فإن الله سيجازي به، لأنه عليم بكل شيء، لا يغيب عنه شيء، فلا ينسى الجزاء والثواب عليه، بل يضاعفه. والأصح أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، فهي لبيان صدقة التطوع، لأنها لم تعين مقدار المنفق، والزكاة الشرعية معينة المقدار بالإجماع «1» . وترتيب جهات الإنفاق يظهر فيما رواه أحمد والنسائي عن أبي هريرة أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: تصدقوا، فقال رجل: عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر، قال: أنت أبصر به.
فقه الحياة أو الأحكام:
وفي رواية عطاء: نزلت الآية في رجل أتى النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إن لي دينارا، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: إن لي دينارين، فقال: أنفقهما على أهلك، فقال: إن لي ثلاثة، فقال: أنفقها على خادمك، فقال: إن لي أربعة، فقال: أنفقها على والديك، فقال: إن لي خمسة، فقال: أنفقها على قرابتك، فقال: إن لي ستة، فقال: أنفقها في سبيل الله، وهو أخسها» . وقد بينت الآية أن صدقة التطوع للوالدين والأقربين أفضل، بدليل ما روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا معشر النساء، تصدقن ولو بحليكن» فقالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود لزوجها: أراك خفيف ذات اليد، فإن أجزأت عني فيك صرفتها إليك، فأتت النّبي صلّى الله عليه وسلّم فسألته، فقالت: أتجزي الصدقة على زوجي، وأيتام في حجري، فقال لها النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لك أجران: أجر الصدقة وأجر القرابة» ، وفي رواية: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه» . وروى مسلم عن جابر أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ابدأ بنفسك، فتصدق عليها» . وروى النسائي وغيره أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يد المعطي العليا: أباك، وأمك، وأختك، وأخاك، وأدناك أدناك» ولا شك أن الحنو على القرابة أبلغ، ومراعاة ذي الرحم الكاشح أوقع في الإخلاص» . وكون الجواب في الآية أتى ببيان المنفق عليه، مع أنهم سألوا عن المنفق: هو على أسلوب الحكيم، فقد سألوا عن شيء، وأجابهم عما هو أهم منه: وهو بيان مواطن الإنفاق، لأن الإنفاق لا يحقق الخير حتى يصادف موقعه. فقه الحياة أو الأحكام: الآية لبيان مصارف صدقة التطوع، ومنها أنه يجب على الرجل الغني أن
ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحان في قدر حالهما، من طعام وكسوة وغير ذلك. وهل على الولد تزويج أبيه؟ قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، سواء كانت أمّه أو أجنبية. وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه، قال القرطبي: لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب عليه أن يزوجه، لولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. أما ما يتعلق بالعبادات من الأموال، فليس عليه أن يعطيه ما يحجّ به أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام «1» . وقال الشافعية على المشهور: يلزم الولد ذكرا كان أو أنثى إعفاف الأب والأجداد، لأنه من وجوه حاجاتهم المهمة كالنفقة والكسوة، ولئلا يعرضهم للزنا المفضي إلى الهلاك، وذلك لا يليق بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمعروف المأمور بها شرعا «2» . ودلت الآية على معان منها: 1- أن القليل والكثير من النفقة يستحق به الثواب على الله تعالى إذا أراد بها وجه الله، وينتظم ذلك الصدقات من النوافل والفروض. 2- أن الأقرب فالأقرب أولى بالنفقة، لقوله تعالى: فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مع بيان النّبي عليه السّلام. لمراد الله بقوله المتقدم: «ابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك» . 3- فيها الدلالة على وجوب نفقة الوالدين والأقربين على الولد، كما بينا.
فرضية القتال وإباحته في الأشهر الحرام [سورة البقرة (2) الآيات 216 إلى 218] :
واقتصر الإيجاب عليهم دون نفقة المساكين وابن السبيل وجميع من ذكرتهم الآية، لأن هؤلاء داخلون في الزكاة والتطوع، وللحديث المرفوع عن أبي هريرة: «دينار أعطيته في سبيل الله، ودينار أعطيته مسكينا، ودينار أعطيته في رقبة، ودينار أنفقته على أهلك، فإن الدينار الذي أنفقته على أهلك أعظمها أجرا» وعن ابن مسعود عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن المسلم إذا أنفق نفقة على أهله، كانت له صدقة» . فرضية القتال وإباحته في الأشهر الحرام [سورة البقرة (2) : الآيات 216 الى 218] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) الإعراب: قِتالٌ بدل اشتمال من الشهر، والهاء في فِيهِ: تعود على الشهر، وبدل الاشتمال لا بد أن يعود ضمير منه إلى المبدل منه. قُلْ: قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ: الْقِتالُ: مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة، لأنه
البلاغة:
وصفه بقوله: فيه، فتخصص، والنكرة إذا تخصصت جاز أن تكون مبتدأ. وكَبِيرٌ: خبر المبتدأ. وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مبتدأ، وعطف عليه: وَكُفْرٌ بِهِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ، وخبر الثلاثة: أكبر عند الله. البلاغة: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أي مكروه، وضع المصدر موضع اسم المفعول للمبالغة. وهناك ما يسمى في علم البديع بالمقابلة بين جملتي: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وقوله وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فيه ما يسمى طباق السلب. المفردات اللغوية: كُتِبَ فرض الْقِتالُ للكفار كُرْهٌ مكروه وَعَسى هنا للإشفاق لا للترجي، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر وَصَدٌّ منع للناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه وَكُفْرٌ بِهِ بالله الْمَسْجِدِ الْحَرامِ مكة وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ وهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون أَكْبَرُ أعظم وزرا عِنْدَ اللَّهِ من القتال فيه. وَالْفِتْنَةُ أي فتنة المسلمين عن دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم، حتى يهلكوا «1» وَمَنْ يَرْتَدِدْ يرجع حَبِطَتْ بطلت وفسدت في الدنيا والآخرة، فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها. والتقييد بالموت فَيَمُتْ على الردة يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام، لم يبطل عمله، فيثاب عليه ولا يعيده، كالحج مثلا، وهو مذهب الشافعي، ورأى مالك وأبو حنيفة: أنه يعيده آمَنُوا ثبتوا على إيمانهم وهاجَرُوا فارقوا أوطانهم وأهلهم وَجاهَدُوا من الجهد: وهو المشقة فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه يَرْجُونَ يتوقعون النفع باتخاذ الأسباب رَحْمَتَ اللَّهِ أي ثوابه. سبب النزول: نزول الآية (216) : قال ابن عباس: لما فرض الله الجهاد على المسلمين شق عليهم وكرهوا، فنزلت هذه الآية.
نزول الآية (217) :
نزول الآية (217) : أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث رهطا وبعث عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فلقوا ابن الحضرمي، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ فسبب نزولها قصة عبد الله بن جحش باتفاق المفسرين. وقال المفسرون: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النّبي صلّى الله عليه وسلّم في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليترصدوا عيرا «1» لقريش فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون معه، فقتلوه وأسروا اثنين، واستاقوا العير، وفيها عير لقريش تحمل زبيبا وأدما، وتجارة من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب، وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم لهم عند ما قدموا عليه: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وأوقف توزيع الغنيمة، وقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، وهو الشهر الذي يأمن فيه الخائف، ويسعى الناس فيه إلى معايشهم «2» . وقال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا وزرا، فليس لهم أجر، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا الآية. المناسبة: ذكرت أحكام القتال بعد أحكام الصدقة (نفقة التطوع) لما بينها من الصلة
التفسير والبيان:
الوثيقة، فالقتال يحتاج لبذل النفس والنفيس من المال، والمال قرين الروح، والإنفاق جهاد بالمال، فناسب أن يذكر الجهاد الذي هو أسمى من بذل المال، لأنه يستقيم به الدين، ويحتاج إلى بذل المال والنفس. التفسير والبيان: فرض عليكم معشر المسلمين قتال الكفار، فرض كفاية إن تحققت الحاجة، فإن لم تتحقق ودخل العدو بلاد المسلمين، كان فرض عين. قال الجمهور: أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين، ثم استمر الإجماع على أنه فرض كفاية إلى أن نزل بساحة الإسلام، فيكون فرض عين. وقال عطاء: فرض القتال على أعيان أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، فلما استقر الشرع، صار على الكفاية «1» . والقتال مكروه لكم وشاق عليكم طبعا، لما فيه من بذل المال وتعريض النفس إلى الهلاك، وهذه الكراهة الطبيعية لا تنافي الرضا بما يكلف به الإنسان، فهو قد يرضى بتناول المرّ لما فيه من النفع. ولعلكم تكرهون شيئا طبعا، وفيه خير ونفع لكم فيما بعد، لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر، ومرضاة الله، وفي الجهاد إعلاء كلمة الإسلام ورفع منارة الحق والعدل ودفع الظلم، ولعلكم تحبون شيئا كترك القتال، وهو في الواقع شر لكم، لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر، وتسلط الأعداء على بلاد المسلمين وأموالهم، واستباحة حرماتهم، وقد يؤدي ذلك إلى القضاء عليهم. والله يعلم أنه خير لكم في عاجل أمركم، ولا يأمر إلا بما فيه الخير والمصلحة لكم، وأنتم لقصور علمكم لا تعلمون ما يعلمه الله، فلا تركنوا إلى القعود عن واجب الجهاد، فإنه شر لكم، لأن الدنيا قامت على التدافع، وبادروا إلى ما يأمركم به ربكم، واحذروا الميل مع طباعكم وأهوائكم، فقد سبق في علم الله أنه سيظهر دينه
وينصر أهله على قلتهم، ويخذل المبطلين على كثرتهم، كما قال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة 2/ 249] . والله الذي فرض عليكم القتال يعلم أيضا أن هؤلاء الأعداء لا ينفع معهم إلا القتل والتشريد والإذلال، حتى لا يعودوا إلى الاعتداء على المسلمين أبدا. وقد اختلف العلماء فيمن كتب عليهم القتال في هذه الآية: فقال الأوزاعي وعطاء: نزلت في الصحابة، فهم الذين كتب عليهم الجهاد. وقال الجمهور: إن القتال فرض على جميع المسلمين بحسب الحاجة أو الحال، فإن كان الإسلام غالبا فهو فرض على الكفاية، وإن كان العدو غالبا فهو فرض على الأعيان، حتى يتحقق النصر. وهذا هو الراجح، قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . وهذه الآية أول آية فرض فيها القتال، وذلك في السنة الثانية للهجرة، إذ كان القتال على المسلمين محظورا في مكة، ثم أذن الله لهم في مقاتلة المقاتلين من المشركين بعد الهجرة إلى المدينة، بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج 22/ 39] ، ثم أبيح القتال لكل المشركين، ثم فرض الجهاد. وأحدثت قضية قتل الحضرمي على يد سرية عبد الله بن جحش اضطرابا وتساؤلا، حكاه القرآن، فقال تعالى: يسألك يا محمد أصحابك عن القتال في الشهر الحرام وهو رجب، هل هو حلال أو حرام؟. فقل لهم: نعم، القتال فيه كبير الإثم والجرم وهو أمر مستنكر، لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ، ولكن صد قريش عن سبيل الله بما يفتنون المسلمين عن دينهم ويقتلونهم ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم، والكفر
بالله، والصد عن المسجد الحرام (مكة) بمنع المسلمين من الحج والعمرة، وإخراج أهله من مكة وهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم وصحبه، كل ذلك أكبر إثما وأعظم جرما عند الله والناس من القتال في الشهر الحرام، والفتنة أشد من القتل، فأعمالهم المنكرة وفظائعهم الوحشية مع عمار بن ياسر وأبيه وأخيه وأمه وغيرهم أكبر بكثير من قتل الحضرمي، أي أنكم أيها المسلمون ترتكبون أخف الضررين وأهون الشرين. وما يزال أولئك المشركون أو الكفار على الشر والمنكر وقتال المسلمين حتى يردوهم عن دينهم، ويحاولوا استئصال الإسلام من قلوبهم. ومن يوافقهم ويرتد عن دينه، ويموت كافرا ولا يتوب بالرجوع إلى الإسلام، فقد بطل عمله، وذهب ثوابه وأجره، وصار هباء منثورا، وأصبح من أهل النار خالدا فيها، وهذا جزاء الكافرين المرتدين. وأما المجاهدون في سبيل الله كعبد الله بن جحش وأمثاله، فهم الذين صدقوا بالله ورسله، وفارقوا الأهل والأوطان، وتركوا مساكنة المشركين في ديارهم، وكرهوا سلطان المشركين، فهاجروا خوفا من الفتنة في الدين، ولإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وحاربوا في سبيل الله، ولحقوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، فأولئك يطمعون في رحمة الله، وأولئك هم الكمّل، فالله يجازيهم أحسن الجزاء، ويستر ذنوبهم، ويرحمهم بفضله وإحسانه، وهو الغفور الرحيم بهم وبأمثالهم. هذا المعنى على أن السائلين من الصحابة. وهناك رواية أخرى «1» : وهي أن وفدا من المشركين سأل النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن القتال في الشهر الحرام، وحينئذ يكون المعنى: أن المشركين متناقضون، يتمسكون بحرمة الشهر الحرام، ويفعلون ما هو أكبر من ذلك: من الصد عن
فقه الحياة أو الأحكام:
سبيل الله، والكفر بالله، والمنع من المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وفتنتهم المسلمين عن دينهم أكبر إثما عند الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: أوضحت آية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أن الجهاد فرض، وهو امتحان للمؤمن، وطريق إلى الجنة، ويراد به قتال الأعداء من الكفار، ولم يؤذن للنبي صلّى الله عليه وسلّم في القتال مدة إقامته بمكة ثلاثة عشر عاما، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين، فقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج 22/ 39] ثم أذن له في قتال المشركين عامة. وإنما كان الجهاد كرها، لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشّجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه الآية: إنهم كرهوه ثم أحبّوه، وقالوا: سمعنا وأطعنا، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب، هان في جنبه مقاساة العذاب، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق. وبالرغم من كراهة الجهاد لما فيه من المشقة، فإنه سبيل العزة والغلبة والنصر، أو الشهادة، وعند ما ترك المسلمون الجهاد، وجبنوا عن القتال، وأكثروا من الفرار، وتفرقت كلمتهم، وتشتتت وحدتهم، استولى العدو على بلادهم في الأندلس وفلسطين وغيرهما. ودلت الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام، فذهب عطاء إلى أن هذه الآية لم تنسخ، لأن آية القتال عامة وهذه خاصة، والعام لا ينسخ الخاص. ولكن الجمهور على نسخ هذه الآية، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح، والناسخ في قول الزهري: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة 9/ 36] أو:
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة 9/ 29] . وقال المحققون: نسخها قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة 9/ 5] يعني أشهر التسيير في آية فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة 9/ 2] فلم يبق لهم حرمة إلا لزمان التسيير. ويؤيدهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس «1» لمحاربة المشركين، وكان ذلك في الشهر الحرام. قال ابن العربي: والصحيح أن هذه الآية رد على المشركين حين أعظموا على النّبي صلّى الله عليه وسلّم القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفتنة- وهي الكفر- في الشهر الحرام أشد من القتل، فإذا فعلتم ذلك كلّه في الشهر الحرام، تعيّن قتالكم فيه «2» . والأشهر الحرم: هي رجب، وذو القعدة وذو الحجّة والمحرم، ثلاثة سرد، وواحد فرد «3» . وإن انتهاك حرمات المسلمين بفتنتهم عن دينهم وتعذيبهم وطردهم من ديارهم، وهي جرائم مادية محسوسة، أشد جرما من انتهاك حرمة الشهر الحرام، وهي مسألة معنوية. ودلت آية وَلا يَزالُونَ على تحذير المؤمنين من شر الكفرة، بنحو دائم.
علة مشروعية القتال:
علة مشروعية القتال: صرح القرآن الكريم بعلة مشروعية القتال، وهي فتنة المسلمين عن دينهم، فقال: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة 2/ 217] وكان المشركون يفتنون المسلمين عن دينهم بإلقاء الشبهات أو بتعذيبهم، كما فعلوا بعمار بن ياسر وأسرته، وبلال، وخبّاب بن الأرت وصهيب وغيرهم، فقد عذبوا عمارا بكيّ النار ليرجع عن دينه، وكان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يمر به، فيرى أثر النار به كالبرص، وعذبوا أباه وأخاه وأمه، عن أم هانئ قالت: إن عمار بن ياسر وأباه وأخاه عبد الله، وسميّة أمه كانوا يعذبون في الله، فمرّ بهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صبرا آل ياسر، صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» . مات ياسر في العذاب، وأعطيت سمية أم عمار لأبي جهل يعذبها- وكانت مولاة لعمه أبي حذيفة بن المغيرة- فعذبها عذابا شديدا رجاء أن تفتن في دينها، فلم تجبه لما يسأل، ثم طعنها في فرجها بحربة فماتت رضي الله عنها، وكانت عجوزا كبيرة. وكان أمية بن خلف يعذب بلالا ليفتنه عن دينه، فكان يجيعه ويعطشه ليلة ويوما، ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء (الرمل المحمى بحرارة الشمس) ويضع على ظهره صخرة عظيمة، ويقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزّى، فيأبى ذلك، وتهون عليه نفسه في سبيل الله عز وجل، وكانوا يعطونه للولدان، فيربطونه بحبل ويطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: «أحد، أحد» . وعذب خباب رضي الله عنه بإلقاء النار على ظهره. بل إنهم آذوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوضعوا سلا الجزور (كرش البعير المملوء بالفرث) على ظهره، وهو يصلي عند الكعبة، حتى نحّته فاطمة
الارتداد والمرتد:
رضي الله عنها، وآذوه بأنواع أخرى كثيرة من الإيذاء، كفاه الله شرها، كما قال تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر 15/ 95] . الارتداد والمرتد: إن آية وَمَنْ يَرْتَدِدْ أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام. واتفق المسلمون على أن الردة تحبط أي تبطل الأعمال وتفسدها، وهل الإحباط مشروط بالموت «1» ؟. أخذ الشافعي من الآية: ... فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ: أن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة كافرا، وظاهر الآية يؤيده، ويدل على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت صاحبها على الكفر. ورأى مالك وأبو حنيفة: أن الردة بمجردها محبطة للعمل، حتى ولو رجع صاحبها إلى الإسلام، اعتمادا على عموم قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر 39/ 65] وقوله: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام 6/ 88] وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة 5/ 5] وهذه الآيات في الردة فقط، وقد علق الحبوط فيها بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فهو مراد به أمته، لاستحالة الشرك عليه. أما آية وَمَنْ يَرْتَدِدْ.. الواردة هنا فرتبت حكمين: الحبوط، والخلود في النار، ومن شروط الخلود: أن يموت على كفره. ورأى الشافعية: أن آية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ من باب التغليظ على النّبي صلّى الله عليه وسلّم، كما غلظ على نسائه في قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب 33/ 30] . وتظهر ثمرة الخلاف فيمن حج، ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك وأبو حنيفة:
وهل يستتاب المرتد قبل قتله؟ :
عليه الحج، لأن ردته أحبطت حجه. وقال الشافعي: لا حج، لأن حجه قد سبق، والردة لا تحبطه إلا إذا مات على كفره. وهل يستتاب المرتد قبل قتله؟ قال الحنفية: يستحب أن يستتاب المرتد، ويعرض عليه الإسلام، لاحتمال أن يسلم، لكن لا يجب، لأن دعوة الإسلام قد بلغته، ودليلهم أن بعض الصحابة قتلوا في عهد عمر رجلا كفر بالله تعالى بعد إسلامه، ولم يستتيبوه «1» . وقال الجمهور: تجب استتابة المرتد قبل قتله ثلاث مرات، لأن امرأة يقال لها: «أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت» «2» وثبت عن عمر وجوب الاستتابة. وأما ميراث المرتد: فلورثته من المسلمين في رأي علي والحسن البصري وجماعة. ولبيت المال في رأي مالك والشافعي وأحمد، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم» «3» . وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه المرتد في حال الردة فهو فيء لبيت المال، وما كان مكتسبا في حالة الإسلام، ثم ارتد، يرثه ورثته المسلمون. وقال أبو يوسف ومحمد وابن شبرمة: ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين. وبعد معرفة حال المشركين وحكم المرتدين، بين تعالى جزاء المؤمنين المهاجرين «4» والمجاهدين: وهو استحقاق الفوز والفلاح والسعادة، وإسباغ
المرحلة الثانية من مراحل تحريم الخمر وحرمة القمار [سورة البقرة (2) آية 219] :
الرحمة والإحسان والفضل الإلهي والمغفرة والنعمة. وإنما عبّر سبحانه عن هذا الجزاء الحسن بقوله: يَرْجُونَ وقد مدحهم، لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة، ولو بلغ في الطاعة كل مبلغ، وذلك لأمرين: أحدهما- لا يدري بم يختم له. والثاني- لئلا يتّكل على عمله، والرجاء مصحوب أبدا بالخوف، كما أن الخوف معه رجاء. والهجرة التي امتدح الله بها المؤمنين كانت فرضا على المسلمين من مكة إلى المدينة، ثم نسخت بقوله صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» ومع ذلك يؤخذ من علة وجوب الهجرة في عهد التشريع أنها تجب بمثل تلك العلة في كل زمان ومكان، فلا يجوز لمؤمن أن يقيم في بلاد يفتن فيها عن دينه، بأن يؤذى إذا صرح باعتقاده، أو عمل بما يجب عليه. المرحلة الثانية من مراحل تحريم الخمر وحرمة القمار [سورة البقرة (2) : آية 219] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) الإعراب: ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ماذا كلمة واحدة منصوبة بفعل: يُنْفِقُونَ. والْعَفْوَ: منصوب ب: ينفقون المقدر، وتقديره: قل: ينفقون العفو. وقرئ: الْعَفْوَ بالرفع على أن ما استفهامية مبتدأ، وذا خبره، ويُنْفِقُونَ: صلته، والعفو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو العفو.
البلاغة:
البلاغة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فيه إيجاز بالحذف، أي عن تعاطيهما، بدليل قوله تعالى: قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فيه إطناب، وهو التفصيل بعد الإجمال. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ فيه تشبيه مرسل مجمل، أي كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، يعني في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها. المفردات اللغوية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي عن حكم شربهما وتعاطيهما. والسائلون: هم المؤمنون. والخمر: من خمر الشيء: إذا ستره وغطاه، سميت بها، لأنها تستر العقل وتغطيه. وهي عند الحنفية: النيء من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، وتطلق في رأي الجمهور على عصير العنب والتمر والذرة وكل ما يسكر. والميسر: القمار، مأخوذ من اليسر وهو السهولة، لأنه كسب بلا جهد ولا مشقة. قال مجاهد: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالخرز. وكان قمار العرب في الجاهلية بالأقداح أو الأزلام وهي عشرة، سبعة يكتب على كل واحد منها نصيب معلوم، وثلاثة غفّل لا نصيب لها، كانوا يشترون جزورا نسيئة (لأجل) وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه 28 قسما أو 10 أقسام، ويجعلون الأقداح العشرة في كيس يحركها شخص ثقة منهم، ويدخل يده، فيخرج منها الأقداح، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ نصيبه، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يشترك معهم. فِيهِما في تعاطيهما إِثْمٌ كَبِيرٌ الإثم: الذنب، ولا ذنب إلا فيما كان ضارا من قول أو فعل، والضرر إما في البدن أو النفس أو العقل أو المال. والكبير: العظيم، وسبب الوقوع في الإثم: ما يقع بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش. وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ باللذة والفرح في الخمر وتحقيق الربح بالتجارة فيها، وإصابة المال بلا كدّ ولا جهد في الميسر، فهي منافع اقتصادية أو شهوانية. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما أي ما ينشأ عنهما من المفاسد وعقاب التعاطي أعظم من نفعهما: وهو الالتذاذ بشرب الخمر، ولعب القمار، والطرب فيهما، وسلب الأموال بالقمار والافتخار على الأقران، فالكثرة تعني أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة.
سبب النزول:
الْعَفْوَ: الفضل والزيادة عن الحاجة التي يحتاجها الإنسان هو ومن يعوله، فلا ينفق ما يحتاج إليه ويضيع نفسه. سبب النزول: نزلت آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار، أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية «1» . وروى أحمد عن أبي هريرة قال: «قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنهما، فنزلت الآية، فقال الناس: ما حرّم علينا، إنما قال: إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوم، صلى رجل من المهاجرين، وأمّ الناس في المغرب، فخلّط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء 4/ 43] . ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة 5/ 90] إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا: انتهينا ربّنا» . من هذه الرواية وغيرها يتبين أن تحريم الخمر مرّ في أربع مراحل تدرج فيها التشريع لينقل الناس من الأخف إلى الأشد تدريجيا، وتلك سياسة تربوية ناجحة، فلو قيل لهم دفعة واحدة: لا تشربوا الخمر، لقالوا جميعا: لا ندع الخمر، فنزل في الخمر أربع آيات في مكة، لمعالجة الإدمان على الخمر، وتخليص الناس من هذا الداء العضال: الأولى- وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل 16/ 67]
وأما سبب نزول قوله تعالى ويسئلونك ماذا ينفقون:
فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. والثانية- قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة 2/ 219] ، التي نزلت كما بينا باستفتاء عمر ومعاذ ونفر من الصحابة، فشربها قوم، وتركها آخرون. والثالثة- لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء 4/ 43] نزلت بعد أن دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا من الصحابة، فشربوا وسكروا، فأمّ بعضهم، فقرأ: قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «أعبد ما تعبدون» فنزلت، فقلّ بعدها من يشربها، وامتنعوا عن شربها نهارا، لأن أوقات الصلاة متقاربة، وشربوها ليلا. والرابعة- إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ التي نزلت بعد أن دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير، فشجه شجّة موضحة، فشكا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال عمر: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة 5/ 90- 91] فقال عمر: انتهينا يا رب «1» . قال القفّال: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيرا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق. وأما سبب نزول قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ: فهو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في
المناسبة:
سبيل الله، أتوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ؟ قُلِ: الْعَفْوَ والسائل هم المؤمنون، وهو الظاهر من واو الجماعة، وقيل: السائل: عمرو بن الجموح. والنفقة هنا: قيل: في الجهاد، وقيل: في الصدقات أي التطوع في رأي الجمهور، وقيل: في الواجب أي الزكاة المفروضة «1» . المناسبة: أبان الله تعالى في الآيات السابقة أحكام القتال، وذلك أمر له صلة بالعلاقات الخارجية، ثم انتقل إلى إصلاح الأوضاع الداخلية، على أساس من الفضيلة والكرامة والتضامن الاجتماعي وطهر الاعتقاد وطهر الجسد، ولا بد لكل نهضة أو رسالة من الإصلاح الخارجي والداخلي، لتتمكن من تحقيق المسيرة الظافرة والأمجاد السامقة، وبناء الأمة (أو الجماعة) والفرد على أسس متينة ودعائم وطيدة الأركان. وكانت هذه الآية كسابقتها وتاليها إجابة عن أسئلة الصحابة، قال ابن عباس: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، كلهن في القرآن: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة 2/ 222] ، يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ [البقرة 2/ 217] ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [البقرة 2/ 220] ، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم «2» . التفسير والبيان: يسألك أصحابك يا محمد عن حكم تناول الخمر، ولعب الميسر، أحلال هما أم حرام؟ ومثل شرب الخمر: بيعها وشراؤها وكل الوسائل التي تساعد أو تؤدي إلى
الخمر وأضرارها:
تناولها. قل لهم: إن في تعاطيهما إثما كبيرا، لما فيهما من أضرار كثيرة ومفاسد عظيمة. أما إثم الخمر: فإيذاء الناس وإيقاع العداوة والبغضاء. وأما إثم الميسر: فهو أن يقامر الرجل، فيمنع الحق، ويظلم، فتقع العداوة والبغضاء. وفيهما منافع للناس، أما منفعة الخمر: فهي الاتجار بها، والالتذاذ بها، والنشوة، وبسط يد البخيل، وتقوية قلب الجبان. وأما منفعة الميسر: فهي ما يصيبهم من الربح أو الأنصباء، أو التصدق بلحم الجزور على الفقراء، ومنفعة القمار وهمية ومضرته حقيقية، إذ المقامر يبذل ماله لربح موهوم، فيبتز منه المحترفون ثروته كلها، وهو في طلبه الربح المتوهم يفسد فكره، ويضعف عقله، ويعظم همه، ويضيع وقته. وإثمهما أكبر من نفعهما، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا، وإذا قامروا وقع بينهم الشر والنزاع، ونشأت في صدورهم الأحقاد. وإذا كان الضرر أكبر من النفع وجب الامتناع عنهما، لأن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» لذا امتنع كثير من عرب الجاهلية عن الخمر، مثل العباس بن مرداس، فقد قيل له: ألا تشرب الخمر، فإنها تزيد في حرارتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي، فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد القوم، وأمسي سفيههم. وأجمع الأطباء على ضرر الخمور، وقامت جمعيات كثيرة في أوربا وأمريكا تدعو لمنع المسكرات وإصدار القوانين بمنع بيعها وشرائها. الخمر وأضرارها: اختلف العلماء في بيان المراد بالخمر، فذهب أبو حنيفة وجماعة العراقيين:
إلى أن الخمر: هي الشراب المسكر من عصير العنب فقط. أما المسكر من غيره، كشراب التمر أو الحنطة أو الشعير أو الذرة ونحوها، فلا يسمى خمرا، بل يسمى نبيذا، فتكون آية تحريم الخمر مقتصرة عليها، وأما الأشربة المسكرة الأخرى وهي الأنبذة فالقليل منها حلال، والكثير المسكر منها حرام بالسنة النّبوية. وذهب الجمهور (غير أبي حنيفة) وأهل الحجاز والمحدثون: إلى أنها الشراب المسكر من عصير العنب وغيره، فكل مسكر من عصير التمر، والشعير والبر خمر. وإذا كانت الخمر اسما لكل ما أسكر، كان تحريم جميع المسكرات قليلها وكثيرها بنص القرآن. واحتج الفريق الأول باللغة والسنة: أما اللغة: فإن الأنبذة لا تسمى خمرا، ولا يسمى الشيء خمرا في اللغة إلا النيء المشتد من ماء العنب. وأما السنة: فحديث أنس بن مالك عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الخمر بعينها حرام، والسّكر من كل شراب» وفي رواية عن علي: «حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» «1» والسكر: كل ما يسكر، ويطلق على نبيذ الرطب. قالوا: ومما يدل على أن قليل الأنبذة ليس بحرام أن الله ذكر في علة تحريم الخمر العداوة والبغضاء ونحوها بقوله: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [المائدة 5/ 91] وهذه المعاني لا تحصل إلا بالسكر، فلا يحرم من المسكرات إلا القدر المسكر، لأنه هو الذي توجد فيه هذه العلة. واحتج الفريق الثاني باللغة والسنة الثابتة: أما اللغة: فلأن الخمر تطلق لغة على ما خامر العقل أي ستره، وهذه الأنبذة
تخامر العقل. وإذا كانت اللغة لا تثبت قياسا فإن الصحابة فهموا مدلول «الخمر» وهم أدرى باللغة والقرآن، وأنها تطلق على كل مسكر من عنب وزبيب وتمر وذرة وشعير وغيره. وأما السنة: فقد ورد فيها أحاديث كثيرة تحرم قطعا كل مسكر، منها الحديث المتواتر الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن ستة عشر صحابيا كعمر وابن عمر وغيرهما: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» والحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن جابر، وأحمد والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . والحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة» والحديث الذي رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن النعمان بن بشير: «إن من العنب خمرا، وإن من العسل خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن الحنطة خمرا، ومن التمر خمرا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» . فصريح هذه الأحاديث الصحيحة يدل على أن الأنبذة تسمى خمرا، لأنها مسكرة، فتكون حراما، ويدل على حرمتها قليلها وكثيرها ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن البتع (نبيذ العسل) وعن نبيذ العسل، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام» . والراجح قول أهل الحجاز (الفريق الثاني) ، لأن الصحابة لما سمعوا تحريم الخمر، فهموا منه تحريم الأنبذة، وهم كانوا أعرف الناس بلغة العرب ومراد الشارع، وقد ثبت ذلك من حديث أنس قال: «كنت ساقي القوم حيث حرمت الخمر في منزل أبي طلحة، وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيخ- نقيع البسر- فحين سمعوا تحريم الخمر، أحرقوا الأواني وكسروها» وأثبت المؤرخون أنه كان
مضار الخمر:
تحريم الخمر في المدينة، وكان المشروب نبيذ البر والتمر. وقد اتفق العراقيون مع الحجازيين على أن الله حرم من عصير العنب الكثير للسكر، والقليل، لأنه ذريعة إلى الكثير، فوجب أن يكون كذلك في سائر الأنبذة حيث لا فرق. وأما أضرار الخمر فكثيرة مادية ومعنوية أشارت إليها الآية القرآنية: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [المائدة 5/ 91] وجمع الحديث النّبوي الصحيح مضارها، وهو الذي رواه الطبراني عن ابن عمر: «الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وعمته وخالته» . [مضار الخمر] ومضارها تشمل البدن والنفس والعقل والمال وتعامل الناس بعضهم مع بعض، من ذلك: 1- مضارها الصحية: إفساد كل أعضاء جهاز الهضم، وفقد شهوة الطعام، وجحوظ العينين، وعظم البطن بسبب اتساع المعدة، وتشمع الكبد، ومرض الكلى، وداء السل، وتعجل الشيخوخة أو إسراع الهرم، بسبب تصلب الشرايين، وإضعاف النسل أو انقطاعه، فولد السكير يكون هزيلا ضعيف العقل. 2- مضارها العقلية: إنها تضعف القوى العقلية، لتأثيرها في الجملة العصبية، وقد تؤدي إلى الجنون. 3- مضارها المالية: تبدد الثروة وتتلف المال، وتؤدي إلى إهمال واجب النفقة على الزوجة والأولاد. 4- مضارها الاجتماعية: وقوع النزاع والخصام بين السكارى بعضهم مع
5 - مضارها الأدبية:
بعض، وبينهم وبين الناس الآخرين، وكثيرا ما تقع حوادث قتل وضرب وجرح من السكارى وعليهم. 5- مضارها الأدبية: يصبح السكران ذليلا مهينا وموضع هزء وسخرية وضحك وتهكم، لاضطراب كلامه وهيئته وحركاته. ويتجرأ السكران على القذف والشتم والسب والزنى والقتل، لذا سميت الخمر (أم الخبائث) . 6- مضارها العامة: إفشاء الأسرار، فكثيرا ما تسربت أخبار الدولة الخطيرة إلى الجواسيس على موائد السكر «1» . 7- مضارها الدينية: لا تتأدى من السكران عبادة صحيحة، ولا سيما الصلاة التي هي عماد الدين، فالخمر تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وبقية الواجبات الدينية، لأن السكران لا يهمه إلا معاقرة الخمر، والانقياد للأهواء والشهوات، ويصبح ضعيف الإرادة، خاملا كسولا، بل لا يستطيع الامتناع عن السكر بسهولة بسبب الإدمان، ومخالطة الكحول الدم، فيصبح المدمن متعطشا لتناول الشراب المسكر قهرا عنه ودون إرادة. والخلاصة: إن الخمر أم الخبائث، فهي وسيلة إلى كل منكر وقبيح، روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: «اجتنبوا الخمر، فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن قبلكم متعبد، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسا، فسقته كأسا، فقال:
الميسر أو القمار وأضراره:
زيدوني، فزادوه، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه» . الميسر أو القمار وأضراره: الميسر: إما من اليسر كما بينا، أو من يسرت الشيء: إذا جزأته، ويطلق على الجزور، لأنه موضع التجزئة، والميسر الذي ذكره الله وحرمه: هو ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا، ثم أطلق على النرد وكل ما فيه قمار. وكيفية الميسر عند العرب كما بينا: أنه كانت لهم عشرة قداح، وتسمى الأزلام والأقلام أيضا «1» ، وأسماؤها: الفذّ، والتّوأم، والرقيب، والحلس، والمسبل، والمعلّى، والنّافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزءونها، إما عشرة أجزاء، أو ثمانية وعشرين جزءا، ولا شيء للثلاثة الأخيرة، فكانوا يعطون للفذ سهما، وللتوأم سهمين، وللرقيب سهمين، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وهو أعلاها «2» . وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الرّبابة، وهي الخريطة (الكيس) توضع على يد عدل، يجلجلها، ويدخل يده، ويخرج منها واحدا باسم رجل، ثم واحدا باسم رجل آخر، وهكذا، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء، أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له، لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها شيئا، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم أي الوغد: اللئيم عديم المروءة «3» ، كما بينا سابقا.
إنفاق الزائد عن الحاجة (العفو) :
وللقمار أضرار كثيرة: منها: أنه يورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله، كالخمر، كما أبان القرآن. ومنها إفساد التربية، بتعويد النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال الياسرين (المقامرين) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي أركان العمران. ومنها وهو أشهرها: إفلاس المقامر وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من ثروة بددت في ليلة من الليالي، وأصبح المقامر في عداد الفقراء. إنفاق الزائد عن الحاجة (العفو) : ويسألونك يا محمد عن مقدار ما ينفقه المسلم، امتثالا لقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة 2/ 195] ، فقل لهم: ينفقون العفو، أي الفضل (ما فضل) الزائد عن الحاجة، فأنفقوا ما فضل عن حاجتكم، ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه، وتضيعوا أنفسكم. كذلك «1» : أي وكما بين لكم ما ذكر (أي مثل ذلك البيان السابق في تحريم الخمر والميسر ووجوب إنفاق الزائد عن الحاجة) يبين الله لكم الأحكام والآيات الواضحات في سائر كتابه، فيما يحقق مصالحكم ومنافعكم، ويوجهكم لما فيه من نفع وضر. والحكمة من شرع هذه الأحكام: هي لتتفكروا بعين البصر والوعي في أمور الدنيا والآخرة، فتعلموا زوال الأولى وحقارتها، وبقاء الثانية وجلالها، أو
فقه الحياة أو الأحكام:
لتحسبوا من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا، وتنفقوا الباقي فيما ينفعكم في العقبى. وقد ورد في معنى الآية أحاديث كثيرة: منها ما روى ابن جرير الطبري عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل ببيضة من ذهب، أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه صدقة، فو الله، ما أصبحت أملك غيرها، فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فقال: هاتها مغضبا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابته شجته أو عقرته. ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى» وروي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ارضخ «1» من الفضل، وابدأ بمن تعول، ولا تلام على كفاف» وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» . وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي-: «إذا كان أحدكم فقيرا، فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل، فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك، فليتصدق على غيره» . والأصح أن هذه الآية ثابتة الحكم غير منسوخة، فليس في الآية ما يدل على وجوب إنفاق الفضل، بل الآية نزلت جوابا لمن سألوا ماذا ينفقون نفقة تطوع، لا زكاة مفروضة، فبين لهم ما فيه الله رضا من الصدقات. فقه الحياة أو الأحكام: يحرم كل ما يسكر، قليلا كان أو كثيرا، سواء أكان من عصير العنب أم من
غيره، ويجب الحد في تناوله، ولا فرق بين المسكرات التي كانت في الماضي والمسكرات ذات التسميات الحديثة المتخذة من التفاح أو البصل أو غيرهما، فكل مادة مسكرة تذهب العقل وتضيع الصحة والمال، وتقضي على الكرامة الشخصية، فهي حرام كالخمر، لوجود علة الإسكار فيها، وبالأولى ما هو أفتك منها وأشد كبعض السموم التي تؤخذ حقنا تحت الجلد، أو شمّا بالأنف كالمورفين والكوكايين والهيروين. ومن خصائص التشريع الإسلامي ومزاياه الطيبة أنه لم يوجب على المسلمين الشرائع دفعة واحدة، ولكن تدرج بهم، وأوجب عليهم مرة بعد مرة تكريما لهذه الأمة وبرا بها، وهذا هو مبدأ التدرج في التشريع، وقد جاء تحريم الخمر والربا على هذا النحو. وكل لعب فيه غرم بلا عوض، وفيه استيلاء على أموال الناس بغير حق ولا جهد معقول فهو حرام، فالميسر أو القمار ولعب الموائد والسباق على عوض من أحد المتسابقين يغرمه للآخر الفائز، وأوراق اليانصيب، كل ذلك حرام، لما فيه من المتسابقين يغرمه للآخر الفائز، وأوراق اليانصيب، كل ذلك حرام، لما فيه من إضاعة المال أو الكسب من غير طريق شرعي، ولاشتماله على أضرار كثيرة مدمرة للجماعة والأفراد. روي عن أبي موسى عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجتنبوا هذه الكعاب الموسوسة التي يزجر بها زجرا، فإنها من الميسر» . وقال عليه الصلاة والسّلام أيضا- فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي موسى-: «من لعب بالنرد، فقد عصى الله ورسوله» . وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وآخرون من الصحابة والتابعين: كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب «1» ، إلا ما أبيح من الرّهان في الخيل، والقرعة في إفراز الحقوق، بأن
يكون العوض أو المكافأة من شخص ثالث كالدولة أو بعض الأغنياء، أو من أحد المتسابقين دون أن يلتزم الآخر بشيء إذا خسر. وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو: النّرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه. وذكر العلماء: أن المخاطرة (المراهنة) من القمار، قال ابن عباس: المخاطرة قمار، وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة، وقد كان ذلك مباحا، إلى أن ورد تحريمه، وقد خاطر أبو بكر المشركين، حين نزلت: الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [الروم 30/ 1] وخسر الرهان، فقال له النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «زد في الخطر، وأبعد في الأجل» ثم حظر ذلك ونسخ بتحريم القمار. وأما ما يسمى باليانصيب الخيري لمواساة الفقراء ورعاية الأيتام وأولي العاهات، أو لبناء المدارس والملاجئ والمشافي وغيرها من أعمال البر والصالح العام، فهو حرام أيضا، لأن هذه الأعمال، وإن كانت معتبرة في الشريعة، ولكن الطريق إليها حرام، لأن الحرام في ذاته كالرشوة وشهادة الزور لا يجوز اللجوء إليه للوصول إلى الحلال، ولا ينتج عن العصيان طاعة كما قال عليه الصلاة والسّلام في الحديث الصحيح: «إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبا» . وقد حرّم الشرع الميسر الذي كان عليه عرب الجاهلية، وإن كانوا يطعمون الأنصباء الفقراء، ولا يأكلون منها شيئا. وكون اليانصيب غير الخيري لا يؤدي إلى ضرر العداوة والبغضاء، لعدم معرفة الرابح من قبل الخاسرين، خلافا لميسر العرب وقمار الموائد، لا يسوغ القول بالجواز، لأن فيه مضار القمار الأخرى وأهمها: أنه طريق لأكل أموال
الناس بالباطل، أي بغير عوض حقيقي من عين أو منفعة، وهذا محرم بنص القرآن. والادعاء بأن في ميدان اليانصيب قد سمح المشتركون للرابح بأموالهم وخرجوا له عن طيب أنفسهم: غير صحيح، لأن التراضي لا وجود له في الحقيقة، وكل من يدفع ثمن بطاقة يحلم بالربح، وهو في حال الخسران يحقد على الرابحين. والرضا المعتبر هو في العقود والمعاملات بشرط خلوة من العيوب، وبخاصة الإكراه في أي صورة، سواء أكان ماديا أم معنويا. والرضا في اليانصيب رضا قسري، كالرضا الحاصل في الربا والرشوة، والرضا شرعا لا يعتبر إلا إذا كان في حدود الشرع. ويمكن تحقيق المقصد الخيري لليانصيب من أجل الصالح العام بطريق فرض ضرائب على أموال الأغنياء، وتؤخذ بدون مقابل، لسد حاجة البلاد، وفقا لقاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام» أو يستدين الحاكم من الأغنياء إذا كان هناك احتمال امتلاء الخزينة. وإن وجود بعض المنافع التجارية أو اللذة والطرب في الخمر، أو مواساة الفقراء في الميسر أو سرور الرابح وصيرورته غنيا بدون تعب، لا يمنع تحريمهما، لأن المعول عليه في التحريم أو الحظر غلبة المضار على المنافع، والإثم أكبر من النفع في الدنيا نفسها، وأعود بالضرر في الآخرة، فالإثم بعد التحريم، والمنافع قبل التحريم. وأما نفقة التطوع: فهي الزائدة عن الحاجة وهي العفو، وقد كان السؤال في هذه الآية عن قدر الإنفاق، أما السؤال في الآية المتقدمة التي نزلت في شأن عمرو بن الجموح فكان عن الجهة التي تصرف إليها: «قل: ما أنفقتم من خير فللوالدين..» .
الولاية على مال اليتيم [سورة البقرة (2) آية 220] :
والعفو: ما سهل وتيسر وفضل، ولم يشق على القلب إخراجه، ويكون المعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم، فتكونوا عالة. وأما حكمة إطلاق الأمر بالنفقة في مبدأ الإسلام: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة 2/ 195] فلأن المسلمين كانوا في الماضي فئة قليلة تحتاج إلى التضامن والتعاون فيما بينها لتحقيق المصلحة العامة، ولأن الإنفاق ينبغي فيه أن يحقق الكفاية، سواء كان لإغناء الفقراء، أو لصد الأعداء. فلما كثر المسلمون، وتحقق ما يكفي الصالح العام، ظهرت الحاجة إلى تقييد الإنفاق، لذا سأل المسلمون: ماذا ينفقون؟ فأجيبوا بأنهم ينفقون الفضل والزيادة عن حاجة من يعولونهم. وأرشد قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ وما تلاه بعدئذ: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ في الآية التالية إلى ضرورة استخدام الفكر، وتنمية دائرة التفكير، واستعمال العقل في مصالح الدارين معا. لذا قال علماؤنا: إن تعلم ما تحتاج إليه الأمة في معايشها من الفنون والصناعة والزراعة والتجارة وشؤون الحرب والدفاع من الفروض الدينية الكفائية، إذا أهملها الكل أثموا. الولاية على مال اليتيم [سورة البقرة (2) : آية 220] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) الإعراب: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ جار ومجرور في موضع نصب، متعلق إما بفعل: تَتَفَكَّرُونَ في الآية السابقة أو بفعل: يُبَيِّنُ، وتقدير: يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة، لعلكم
البلاغة:
تتفكرون إِصْلاحٌ مبتدأ، وهو نكرة ساغ الابتداء به لتقييده بالمجرور الذي هو: لَهُمْ، وخَيْرٌ: خبر إصلاح. وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ الألف واللام فيهما للجنس، لا للمعهود، أي يعلم هذين الصنفين، كقولهم: الرجل خير من المرأة، أي جنس الرجال خير من جنس النساء. البلاغة: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فيه التفات من غيبة إلى خطاب لأن قبله: وَيَسْئَلُونَكَ والحكمة من الالتفات: أن يتهيأ المخاطب لسماع ما يلقى إليه وقبوله والتحرز فيه. الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ فيه من علم البديع ما يسمى: الطباق. المفردات اللغوية: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي في أمر الدنيا والآخرة، فتأخذوا بالأصلح لكم فيهما، والجار والمجرور متعلق بفعل: تَتَفَكَّرُونَ في الآية السابقة، أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين، فتأخذون بما هو أصلح لكم. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى أي عن الإشراف على اليتامى وكفالتهم وما يلقونه من الحرج في شأنهم، فإن واكلوهم أثموا، وإن عزلوا ما لهم عن أموالهم وصنعوا لهم طعاما وحدهم، فحرج. واليتيم: من فقد أباه قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ في أموالهم بتنميتها خير من ترك ذلك. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ تخلطوا أموالكم بأموالهم لَأَعْنَتَكُمْ لضيق عليكم بتحريم المخالطة، والعنت: المشقة والإحراج إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على أمره. حَكِيمٌ في صنعه. سبب النزول: أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام 6/ 152] وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى الآية [النساء 4/ 10] ، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه،
المناسبة:
فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى الآية. قال الضحاك والسدي: سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يتحرجون من مخالطة اليتامى في مأكل ومشرب وغيرهما. المناسبة: الحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق والسؤال عن الخمر والميسر: هي التذكير بطائفة من الناس هي أحق بالإنفاق عليها لإصلاحها وتربيتها، وهي جماعة اليتامى، فينفق عليها من العفو الزائد عن الحاجة. التفسير والبيان: ويسألونك عن مخالطة اليتامى والقيام بأمرهم، هل يخالطونهم أو يجعلون أموالهم مستقلة؟ فأجابهم تعالى: قصد إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ خير من اعتزالهم، فإن كان في مخالطتهم إصلاح لهم ومنفعة، فذلك خير، فهم إخوانكم في الدين والنسب، والأخ يخالط أخاه ويداخله ولا حرج في ذلك، وإن كان في عزل بعض أموالهم كالنقود إصلاح لأموالهم، فهو خير، فعليكم أن تراعوا المصلحة فيهم، وأن تحسنوا النظر في أموالهم. فكانت هذه الآية إذنا في المخالطة مع صحة القصد، لا أن يقصد الولي نفع نفسه بهذه الخلطة ويضر اليتيم، ولا يقبل أن تكون مخالطتهم ذريعة إلى أكل أموالهم بغير حق، فالله سبحانه يعلم المحسن والمسيء وكل ما تضمره النفوس. وجملة: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ معناها التحذير، أخبر تعالى فيها أنه عالم بالذي يفسد من الذي يصلح، والمعنى: أنه يجازي كلا منهما على الوصف الذي قام به، وكثيرا ما ينسب العلم إلى الله تعالى على سبيل التحذير.
فقه الحياة أو الأحكام:
ولو شاء الله أن يضيق عليكم ويشدد بأن يوجب الاعتزال وعزل أموال اليتامى عن أموالكم، لفعل ذلك، ولكنه ينظر للمصلحتين: مصلحة اليتيم، ومصلحة التيسير ودفع الحرج، فشأنه تعالى الأخذ باليسر، كما قال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة 2/ 185] وقال: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج 22/ 78] . وهو تعالى القوي الذي لا يغلب، فهو قادر على أن يكلف بالشاق من الأعمال، ولكنه حكيم في صنعه لا يكلف إلا ما فيه الطاقة كما قال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة 2/ 286] . فقه الحياة أو الأحكام: دلت هذه الآية على جواز التصرف في أموال اليتامى على وجه الإصلاح، فيجوز لولي اليتيم أن يتاجر بأموال اليتامى بيعا وشراء ومضاربة وقسمة وأن يكون الولي نفسه هو المضارب. وأن يخلط ماله بماله إذا توافر الصلاح ومراقبة الله في الأعمال، وبعد عن الفساد والإفساد، خلافا لما عليه أكثر الأوصياء على اليتامى. قال الجصاص الرازي: دل قوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ على إباحة خلط ماله بماله، والتصرف فيه في الصهر والمناكحة، وأن يزوجه بنته، أو يزوج اليتيمة بعض ولده، فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله، واختلط هو بهم، والدليل: هو إطلاق لفظ المخالطة. وإذا كانت الآية قد دلت على جواز خلط مال اليتيم بماله في مقدار ما يغلب في ظنه أن اليتيم يأكله، على ما روي عن ابن عباس، فقد دلت على جواز المناهدة «1» التي يفعلها الناس في الأسفار، فيخرج كل واحد منهم شيئا معلوما،
فيخلطونه، ثم ينفقونه، وقد يختلف أكل الناس. ويدل لجواز المناهدة أيضا قوله تعالى في قصة أهل الكهف: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً [الكهف 18/ 19] فكان الورق (الفضة) لهم جميعا بقوله: بِوَرِقِكُمْ فأضافه إلى الجماعة، وأمر أحدهم بالشراء، ليأكلوا جميعا منه «1» . ودل قوله: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ على أن التجارة في مال اليتيم وتزويجه ليس بواجب على الوصي، لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد. ودل ظاهر الآية على أن ولي اليتيم يعلّمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلّمه الصناعات. وإذا وهب لليتيم شيء، فللوصي أن يقبضه لما فيه من الإصلاح «2» . أما الإشهاد من الوصي أو الكفيل على الإنفاق من مال اليتيم، فله عند المالكية حالتان: حالة يمكنه الإشهاد عليها، فلا يقبل قوله إلا ببينة، كإعطاء الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة، فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة إلا ببينة أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مساناة (سنويا) . وحالة لا يمكنه الإشهاد عليها، فقوله مقبول بغير بينة، كالأكل واللبس في كل وقت. وقد نشأت من هذه الآية مذاهب في تزويج الرجل نفسه من يتيمته إن كانت تحل له، وفي الشراء لنفسه من مال اليتيم. فقال مالك: لا يزوج الرجل نفسه من اليتيمة، ولكن يشتري لنفسه من مال اليتيم. وقال أبو حنيفة: إذا كان الإصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوّج منه. وله كما قال مالك أن يشتري من مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن
الاجتهاد:
المثل، لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن. والشافعي: لا يرى في التزويج إصلاحا، إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجة قبل البلوغ، ولا يجوز له الشراء من مال اليتيم، لأنه لم يذكر في الآية التصرف. وأحمد: يجوز للوصي التزويج، لأنه إصلاح «1» . الاجتهاد: استنبط الجصاص من قوله: قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث، لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن «2» . وأرشدت الآية إلى أن الأحكام الإسلامية مبنية على اليسر والسماحة، متلائمة مع القدرة والطاقة البشرية المعتادة دون إعنات ولا إحراج، مع أن الله قادر على أن يضيق علينا ويشدد في أحكامه، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل علينا. زواج المسلم بالمشركة [سورة البقرة (2) : آية 221] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)
البلاغة:
البلاغة: يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ يوجد طباق بين كلمتي النار والجنة. المفردات اللغوية: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ لا تتزوجوا بالنساء الحربيات غير الكتابيات. واحدها مشركة: وهي من ليس لها كتاب، وقيل: المشركات: الكافرات. وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ لجمالها ومالها، وهذا على تفسيرها بالكافرات مخصوص بغير الكتابيات بآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المائدة 5/ 5] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط، وهو قول ابن عباس والأوزاعي. وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ لا تزوجوا نساءكم المؤمنات الكفار مطلقا. وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ لماله وجماله أُولئِكَ أي أهل الشرك. يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي إلى العمل الموجب لها، فلا تليق مناكحتهم. وَاللَّهُ يَدْعُوا على لسان رسله. إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ أي العمل الموجب لهما. بِإِذْنِهِ بإرادته، فتجب إجابته بتزويج أوليائه. يَتَذَكَّرُونَ يتعظون. سبب النزول: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في ابن أبي مرثد الغنويّ استأذن النبي صلّى الله عليه وسلّم في «عناق» أن يتزوجها وهي مشركة، وكانت ذات حظ من جمال، فنزلت. وفي عبارة أو في رواية أخرى: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها، عناق، فأتته، وقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك، إن الإسلام قد حال بيننا، فقالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأستأمره، فاستأمره، فنزلت» . وأخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، وإنه غضب، فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبره وقال: لأعتقنها ولأتزوجنها،
التفسير والبيان:
ففعل، فطعن عليه ناس، وقالوا: ينكح أمة؟! فأنزل الله هذه الآية وأخرجه ابن جرير الطبري عن السدي منقطعا. ويلاحظ في أسباب النزول أمران كما ذكر السيوطي: الأول- إن رواية الصحابة سبب نزول آية هو لتوضيح معناها ويتناول أمثال ما حدث. والثاني- قد يكون السبب الذي ذكروه حصل عقب نزول الآية. التفسير والبيان: هذه الآية من جملة الأحكام التي تنظم المجتمع الإسلامي الداخلي، فلما أذن الله تعالى في مخالطة الأيتام، وفي مخالطة الزواج، بيّن أن مناكحة المشركين لا تصح. ومعناها: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون المشركات اللاتي لا كتاب لهن حتى يؤمنّ بالله واليوم الآخر، ويصدّقن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم. وقد جاء لفظ المشرك في القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [البقرة 2/ 105] وقوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة 98/ 1] والخلاصة: لا تتزوجوا المشركات ما دمن على شركهن. ولأمة مؤمنة بالله ورسوله، وإن كانت رقيقة وضيعة، أفضل من حرة مشركة، وإن كرم أصلها، وإن أعجبتكم في الجمال والحسب والمال، إذ بالإيمان كمال الدين والحياة معا، وبالمال والجاه كمال الدنيا فقط، ورعاية الدين وما يستتبعه من دنيا أولى من رعاية الدنيا. ولا تزوجوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن بالله ورسوله، مع ما به من مهانة، خير لكم من أن تزوجوهن من حرّ مشرك، وإن أعجبكم في الحسب والنسب والشرف.
فقه الحياة أو الأحكام:
وسبب تحريم زواج المسلم بالمشركة والمسلمة بالكافر مطلقا كتابيا كان أو مشركا: هو أن أولئك المشركين والمشركات يدعون إلى الكفر والعمل بكل ما هو شرّ يؤدي إلى النار، إذ ليس لهم دين صحيح يرشدهم، ولا كتاب سماوي يهديهم إلى الحق، مع تنافر الطبائع بين قلب فيه نور وإيمان وبين قلب فيه ظلام وضلال. فلا تخالطوهم ولا تصاهروهم، إذ المصاهرة توجب المداخلة والنصيحة والألفة والمحبة والتأثر بهم، وانتقال الأفكار الضالة، والتقليد في الأفعال والعادات غير الشرعية، فهؤلاء لا يقصرون في الترغيب بالضلال، مع تربية النسل أو الأولاد على وفق الأهواء والضلالات. والخلاصة: أن العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار. والله يدعو ويرشد بكتابه المنزل وأنبيائه إلى ما يوصل إلى الجنة ونعيمها، وإلى المغفرة وستر الذنوب بإذنه وأمره وإرادته وبإعلامه السبيل الحق، ويوضح آياته وأحكامه وأدلته للناس، ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر، وليتعظوا فلا يخالفوا أمره، ولا يسيروا بأهوائهم أو وراء الشيطان، لأن ذكر الأحكام بعللها وأدلتها يكون أدعى لقبولها والرضا بها والمبادرة إلى تنفيذها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن زواج المسلم بالمرأة المشركة كالوثنية والبوذية والملحدة لا يصح بحال. أما المرأة الكتابية (اليهودية أو النصرانية) فقد أباح الشرع التزوج بها بقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ- مهورهن- مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [المائدة 5/ 5] . والمحصنات: العفائف.
والفرق بين المشركة والكتابية واضح، وهو أن الأولى لا تؤمن بدين أصلا، وأما الثانية فتشترك مع المسلم بالإيمان بالله واليوم الآخر، وبالحلال والحرام، ووجوب فعل الخير والفضيلة، والبعد عن الشر والرذيلة. وأجاز الشرع زواج المسلم بالكتابية، ولم يجز زواج المسلمة بالكتابي، لأمر واضح أيضا وهو أن الكتابية لها أن تبقى على دينها بزواجها بمسلم ولا تتضرر فيما تدين به، ولأن المسلم يؤمن بدينه المتضمن الإقرار بأصول الأديان الأخرى، ومنها الدين اليهودي والدين النصراني في أصوله الأولى التي تتفق مع الإسلام في الدعوة إلى التوحيد والفضائل الإنسانية، فهي مع المسلم في دائرة متسعة تسع دينها وغيره، وربما إذا لمست روح التسامح وحسن المعاملة من زوجها عاشت سعيدة هانئة معه دون تضرر. وبما أن للرجل عادة سلطة القوامة على المرأة، وهي أقوى من سلطة المرأة، فلو تزوج الكتابي المسلمة أمكن التأثير عليها، فربما تركت دينها، وتضررت غالبا بمعاشرة زوجها، لعدم توافر الانسجام والوئام الروحي والحسي، والكتابي لا يؤمن بالإسلام، فتكون معه في دائرة ضيقة الأفق، وهي متسعة الاعتقاد، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فعزة المسلمة تأبى عليها أن تكون زوجة لكتابي. هذا ما عليه جمهور العلماء، مع القول بأن زواج المسلم بالكتابية مكروه، وحينئذ تحمل الآية هنا على العرف الخاص، وهو المشركة بالمعنى الضيق (أي عابدة الوثن وأمثالها) ، ولا تكون الآية منسوخة ولا مخصصة، وإنما تفيد حكما: هو حرمة نكاح الوثنيات والمجوسيات، وتكون آية المائدة وَالْمُحْصَناتُ.. المتقدمة مفيدة حكما آخر هو حل الزواج بالكتابيات، فلا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب، لقوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ
رَبِّكُمْ [البقرة 2/ 105] وقوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة 98/ 1] ففرّق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بعد قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل. وذهب بعضهم إلى أن لفظ الْمُشْرِكاتِ يعم كل مشركة، سواء أكانت وثنية أم يهودية أم نصرانية، ولم ينسخ أو يخص منها شيء، فيكنّ جميعا قد حرم على المسلم زواجهن. روي عن ابن عباس أنه قال: إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكلّ من على غير الإسلام حرام. فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في «المائدة» . ويؤيده قول ابن عمر في الموطأ: «ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة: ربّها عيسى» . وروي عن عمر بن الخطاب القول بحرمة الكتابيات، وأنه فرّق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين، وقالا: نطلّق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما! ولكن أفرّق بينكما صغرة قمأة. لكن قال ابن عطية: وهذا لا يستند جيدا، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما، فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وروي عن ابن عباس نحو ذلك. وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر «1» . وهذا ما عليه الأمة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم. والخلاصة: أن الذي صح إسنادا عن عمر هو إباحة زواج المسلم بالكتابية، وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رضي الله عنهما نكاح اليهودية والنصرانية حذرا من
اقتداء الناس بهما، والزهد بالمسلمات، أو خشية الوقوع بالمومسات، أو غير ذلك من المعاني والحكمة البعيدة الأفق بالنظر لمصلحة المسلمين العامة. وأما الكتابية الحربية: فلا تحل في رأي ابن عباس، لقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى قوله صاغِرُونَ [التوبة 9/ 29] وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرّفها في الخمر والخنزير. واتفق أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم على حرمة نكاح نساء المجوس، لقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وهن الوثنيات والمجوسيات. وأجمعت الأمة على حرمة زواج المسلمة بالكافر، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، ولما بينا سابقا، وللآية: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك. ودلت آية وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ على أن لا نكاح إلا بولي، وهو رأي جمهور العلماء لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نكاح إلا بولي» «1» وقوله: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» «2» . وأجاز أبو حنيفة للمرأة مباشرة عقد زواجها بنفسها أو بالوكالة عن غيرها، لكمال أهليتها، ولإسناد لفظ النكاح إلى المرأة في آيات كثيرة، مثل حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة 2/ 230] ومثل: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ [البقرة 2/ 232] والمراد بالعضل: منع النساء من مباشرة عقد الزواج عند اختيارهن الأزواج. وحملوا حديث «لا نكاح إلا بولي» على الكمال أو الندب والاستحباب، لا على الوجوب.
الحيض وأحكامه [سورة البقرة (2) الآيات 222 إلى 223] :
وأخيرا، يمكن القول: إن إباحة زواج المسلم بالكتابية عند غير الشيعة هو في الواقع حالة استثنائية، وليست أصلا، ولذا فإنا نشجب إقبال الشبان على الزواج بالأجنبيات، افتتانا بالجمال الأشقر، واستسهالا للزواج، لكونه بغير مهر يذكر، لأن هاتيك الزوجات تفسد على الرجل غالبا دينه ووطنيته، وتعزله عن انتمائه لبلاده وقومه، وتربي الأولاد على هواها ودينها، فضلا عن نظرة الاستعلاء والفوقية عندها، واحتقار العرب والمسلمين، وقد تقتل الزوج، وقد تأخذ الأولاد إلى بلادها وتترك الزوج، وقليل جدا منهن من أسلم، فلا مطمع فيهن. وأما زواج المسلمة بغير المسلم فهو أشد وأنكى، إذ الزواج باطل حرام بإجماع المسلمين، والأولاد أولاد زنا، والعلاقة القائمة بينها وبين الرجل لا تجيز الاستمتاع وإن طال الأمد، لبطلانها أصلا، فإن استحلّت المرأة ذلك فهي مرتدة كافرة. والإقامة في دار الكفر لا تسوغ القول بالحلّ، إذ يحرم على المسلم والمسلمة المقام بين الكفار إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحة أو موقوتة، ونعوذ بالله تعالى من هذا الانحراف الخطير، والتهاون في أمر الدين. الحيض وأحكامه [سورة البقرة (2) : الآيات 222 الى 223] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
الإعراب:
الإعراب: حَتَّى يَطْهُرْنَ قرئ بتشديد الطاء وتخفيفها، فمن قرأ بالتشديد أراد: حتى يغتسلن وأصله: يتطهرن، وكرهوا اجتماع التاء والطاء، فأسكنوا التاء وأبدلوا منها طاء، وأدغموا الطاء في الطاء. ومن قرأ بالتخفيف أراد: ينقطع دمهن، وعلى هاتين القراءتين ينبني الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة، في جواز وطء الحائض إذا انقطع دمها لأكثر الحيض (10 أيام) قبل الغسل، فأجازه أبو حنيفة وأباه الشافعي. البلاغة: قُلْ هُوَ أَذىً تشبيه بليغ أي كالأذى، والأذى كناية عن القذر على الجملة، أي أن الحيض شيء يستقذر ويؤذي من بقربه نفرة منه وكراهة له، فتتأذى منه المرأة وغيرها برائحة دم الحيض. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ كناية عن الجماع. نِساؤُكُمْ حَرْثٌ على حذف مضاف أي موضع حرث، أو على سبيل التشبيه، فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج. المفردات اللغوية: الْمَحِيضِ هو الحيض كالمعيش أي العيش: وهو لغة: السيلان، يقال: حاض السيل وفاض. وشرعا: دم فاسد يخرج من أقصى رحم المرأة كل شهر مرة واحدة، أقله عند الشافعي وأحمد: يوم وليلة، وغالبة: ست أو سبع، وأكثره: خمسة عشر يوما. والحكمة: الاستعداد للحمل حين المعاشرة الزوجية، إبقاء للنوع البشري. وقد يراد بالمحيض: مكانه الذي يفعل بالنساء فيه أَذىً قذر أو محله، أو هو ضرر ومؤذ مكروه تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض. واعتزال النساء من الحيض: ترك غشيانهن في هذه المدة. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ مثل فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ كناية عن عدم الجماع. يَطْهُرْنَ يغتسلن بالماء إن لم يوجد مانع، أو التيمم خلفا عنه في رأي الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأقل من عشرة أيام، فلا تحل له إلا إذا اغتسلت، أو مضى وقت صلاة كامل والدم منقطع، وإن طهرت لأكثر مدته وهي عشرة أيام، حلت له ولو لم تغتسل. فَأْتُوهُنَّ بالجماع مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بتجنبه في الحيض، وذلك في المكان المأمور به وهو القبل، لا الدبر التَّوَّابِينَ من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ من الأقذار. حَرْثٌ لَكُمْ موضع حرث
سبب النزول:
كالأرض التي تستنبت، شبهت بها النساء، لأنها منبت للولد، كالأرض للنبات فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي جامعوا في القبل، كيف شئتم من قيام وقعود، واضطجاع وإقبال وإدبار، ونزل ردا لقول اليهود: من أتى امرأته في قبلها من جهة دبرها، جاء الولد أحول. وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ العمل الصالح، كالتسمية قبل الجماع وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمره ونهيه وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الذي اتقوه بالجنة. سبب النزول: نزول الآية (222) : روى مسلم والترمذي عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل الأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ الآية، فقال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» . نزول الآية (223) : روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها- أي يأتي امرأته من ناحية دبرها في قبلها-: إن الولد يكون أحول، فنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.. الآية «1» . وقال مجاهد: كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، فنزلت. وروى الحاكم عن ابن عباس قال: إن هذا الحي من قريش كانوا يتزوجون النساء، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى في ذلك: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ الآية.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: هذا ثالث الأسئلة التي جاءت معطوفة بالواو، لاتصالها بما قبلها وما بعدها، وقد سئل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن حكم الحيض، لأن اليهود كانوا يقولون: إن كل من مسّ الحائض في أيام طمثها، يكون نجسا، وكانوا يتشددون في معاملة الحائض، فيعتزلونها في الأكل والشرب والنوم، كما بينا، وكانت النصارى تتهاون في أمور الحيض، فلا تفرق بين الحيض وغيره، وكانت العرب في الجاهلية كاليهود والمجوس لا يساكنون الحائض، ولا يؤاكلونها، فصارت هذه الأحوال مدعاة للتساؤل عن حكم مخالطة النساء زمن الحيض، فأجابهم تعالى: إن الحيض ضرر وأذى، يضر الرجل والمرأة على السواء، فامتنعوا من جماع النساء في مدة الحيض، ولا حرج في غير الجماع من التقبيل والمفاخذة مثلا، في رأي الحنابلة، للحديث المتقدم الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن: «اصنعوا كل شيء إلا الجماع» «1» . وحرم الجمهور الاستمتاع بما بين السرة والركبة، لما روى أبو داود عن حزام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار» أي ما فوق السرة، ولأن الاستمتاع بما دون الإزار يدعو إلى الجماع. وأيّد الطب اتجاه الشرع، فأثبت الأطباء أن الوقاع في أثناء الحيض يحدث آلاما والتهابات حادة في أعضاء التناسل لدى الأنثى، كما أن تسرب الدم في فوهة عضو الرجل قد يحدث التهابا صديديا يشبه السيلان، وقد يصاب الرجل بالزهري إذا كانت المرأة مصابة به، وقد يؤدي الجماع إلى عقم كل من الرجل والمرأة. ولا تقربوهن حتى يطهرن من الحيض، فإذا تطهرن بالاغتسال بالماء
- والطهر: انقطاع دم الحيض، والتطهر: الاغتسال- فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله وأذن به: وهو القبل، لأنه موضع النسل، إن الله يحب الذين يتوبون من المعاصي، كإتيان النساء في المحيض أو في أدبارهن، ونحو ذلك مما يصادم الفطرة والطبع السليم، ويحب الذين يتطهرون من رجس الفاحشة أو المعصية، ومن كل دنس مادي كالحيض والنفاس. ومحبة الله: إرادته ثواب العبد. والتوبة: هي رجوع العبد عن حالة المعصية. وكنى بالإتيان عن الوطء. نساؤكم الطاهرات من الحيض مواضع حرثكم وإنجاب نسلكم، فالنطفة كالبذرة في الأرض، ولا يحل إتيان النساء في زمن الحيض، حيث لا استعداد لقبول الزرع، ولا في الدبر، لأنه غير محل الإنجاب، ويؤدي إلى ضرر واضح ظهر حديثا: وهو إفساد الدم والموت. وهذه الآية تعد شارحة للآية السابقة، ومبّينة وجه الحكمة التي من أجلها شرع الاستمتاع: وهو حفظ النوع البشري بالاستيلاد. فأتوا حرثكم بلا حرج بأي كيفية شئتم، قائمة وقاعدة ومضطجعة ومقبلة ومدبرة، ما دام المأتى واحدا وهو في القبل الذي هو موضع الحرث، كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، فلا تحظر عليكم جهة من الجهات. وكذلك تفيد الآية إباحة إتيان النساء بالنكاح لا بالسفاح، وفي الوقت المأذون به شرعا، لا محرمات، ولا صائمات، ولا معتكفات. وقدموا لأنفسكم الخير وصالح الأعمال «1» عدة لكم يوم الحساب، واتقوا الله واحذروا معاصيه، فلا تقربوها، وحدوده فلا تضيعوها، ولا تريقوا ماء الحياة في الحيض أو في غير موضع الحرث، واختاروا المرأة المتدينة، وأعرضوا عن سيئة
فقه الحياة أو الأحكام:
الأخلاق التي تسوء معاشرتها للزوج، وتفسد تربية الأولاد. واعلموا علما يقينيا أنكم ستلقون ربكم في الآخرة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبشر المؤمنين المستقيمين على أوامر الله بالفوز والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة. أما الذين يتجاوزون حدود الله، ويتبعون شهواتهم، ويخرجون عن السّنن المشروعة، فلا يسلمون من الضرر في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وقد يكون ضرر الدنيا بالقلق والاضطراب، والهمّ والخوف ونحوهما من الأمراض النفسية. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية (222) على وجوب اعتزال المرأة في المحيض، لقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب. واختلف العلماء فيما يجب على الرجل اعتزاله من المرأة وهي حائض على أقوال ثلاث: 1- يجب اعتزال جميع بدن المرأة، لأن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصص من ذلك شيئا. وهو قول ابن عباس وعبيدة السّلماني، وهذا قول شاذّ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه، فالسّنة الثابتة بخلافه. 2- يجب اعتزال موضع الأذى، وهو مخرج الدم، وهو قول الحنابلة، أخرج ابن جرير الطبري عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: «كل شيء إلا الجماع» وهذا موافق للحديث المتقدم، ويؤيده «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يباشر نساءه وهنّ حيّض» فعلم منه أن المطلوب اعتزاله بعض جسدها دون بعض. 3- يعتزل ما بين السّرة والركبة، أي ما فوق الإزار، وهو قول الجمهور،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم للسائل حين سأله: «ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟» فقال: «لتشدّ عليها إزارها، ثم شأنك «1» بأعلاها» . وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: «شدّي على نفسك إزارك، ثم عودي إلى مضجعك» ، وقالت عائشة: «كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النّبي صلّى الله عليه وسلّم أن تأتزر، ثم يباشرها» . ودلّت آية وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ على حرمة الجماع في الحيض حتى الطهر، وللعلماء في ذلك آراء ثلاثة: 1- قال أبو حنيفة: يجوز أن تؤتى المرأة إذا انقطع دم الحيض ولو لم تغتسل بالماء، فإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحلّ حتى يمضي وقت صلاة كامل، وإذا انقطع دمها لأكثر الحيض، حلّت حينئذ. 2- قال الجمهور: لا تحلّ حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة. 3- قال طاوس ومجاهد: يكفي في حلّها أن تتوضأ للصلاة. وسبب الخلاف: حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ: حمل أبو حنيفة الفعل الأول على انقطاع دم الحيض، والثاني على المعنى نفسه، أي فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل الفعل المشدد بمعنى المخفف. وقال الجمهور بالعكس، أي إنهم استعملوا المخفف بمعنى المشدد، والمراد: ولا تقربوهن حتى يغتسلن بالماء، فإذا اغتسلن فأتوهن، بدليل قراءة: حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد، وبدليل قوله: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. وللعلماء رأيان فيما يجب على من وطأ الحائض: فقال الجمهور: يستغفر الله ولا شيء عليه، لأن الحديث مضطرب عن ابن عباس، وإن مثله لا تقوم به
حجة، وإن الذمة على البراءة، ولا يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مطعن فيه. وقال الحنابلة: عليه دينار إن كان في مقتبل الدم، ونصف دينار في مؤخر الدم، لما رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «يتصدق بدينار، أو نصف دينار» ، وفي كتاب الترمذي: «إن كان دما أحمر فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار» . وهذا مستحب عند الشافعية والطبري. وأجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر، وهي: الحيض المعروف، ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة، وتترك له الصلاة والصوم، وتقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة. واختلف العلماء في مقدار الحيض: فقال فقهاء المدينة منهم (مالك والشافعي وأحمد) : أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وما زاد على ذلك فهو استحاضة. وأقلّه عند الشافعي وأحمد: يوم وليلة، وما دونه استحاضة، وأقلّه عند مالك: دفقة أو دفعة في لحظة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما نقص أو زاد عن ذلك فهو استحاضة. ودم النفاس عند الولادة كالحيض، وأقله عند الشافعية لحظة، ولا حدّ لأقله عند الأئمة الآخرين، وغالبة عند الشافعية أربعون، وأكثره عند المالكية والشافعية: ستون يوما، وعند الحنفية والحنابلة: أربعون يوما. والغسل منه كالغسل من الحيض والجنابة.
ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا، وهي: وجوب الصلاة، وصحة فعلها، وفعل الصوم دون وجوبه، والجماع في الفرج وما دونه، والعدّة، والطلاق، والطواف، ومسّ المصحف، ودخول المسجد، والاعتكاف فيه، وفي قراءة القرآن رأيان: الحرمة عند الجمهور، والإباحة عند المالكية. ودم الاستحاضة: وهو دم ليس بعادة ولا طبع منهن، ولا خلقة، وإنما هو نزيف أو عرق انقطع، سائله: دم أحمر، لا انقطاع له إلا عند البرء منه، والمستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ولكنها تتوضأ لكل صلاة. ويجمع أحكام الحيض والاستحاضة ما رواه مالك عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر! أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي» . وفي قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إيماء إلى أن الشريعة طلبت التزوج ورغبت عن الرهبانية، فليس لمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى، لأنه سبحانه قد امتنّ علينا بالزواج بقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم 30/ 21] ، وطلب إلينا أن ندعوه بالتوفيق بالسرور بالزوجة الصالحة والولد البارّ فقال: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان 25/ 74] ، وقال: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً [البقرة 2/ 201] وهي الزوجة الصالحة. فالزواج الشرعي وقربان المرأة ابتغاء النسل قربة لله تعالى، وتركه مع القدرة عليه مخالف لطبيعة الفطرة وسنة الشرع، قال صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «وفي
بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟» . وتجبر الكتابية على الاغتسال من الحيض في رأي مالك- وفي رواية ابن القاسم عنه- ليحلّ لزوجها وطؤها، قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي بالماء، ولم يخصّ مسلمة من غيرها. وهذا موافق لرأي الشافعية والحنابلة القائلين بأن الكافر مكلف بفروع الشريعة. وقال الحنفية: إنه غير مكلف بها. وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة، وليس عليها نقض شعرها في رأي الحنفية والمالكية، لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله، إني أشدّ ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين» . ويجب نقض الضفائر في رأي الشافعية والحنابلة إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض، لما روى البخاري عن عائشة: أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لها إذ كانت حائضا: «خذي ماءك وسدرك وامتشطي» ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور. وخصصه الحنابلة في الحيض أو النفاس، ولم يوجبوا النقض في حال الجنابة إذا أروت أصوله، أخذا بحديث أم سلمة. وقوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى كما بيّنا: جامعوهن من أي شق أردتم، بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث. قال الزمخشري: قوله تعالى: هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ: من الكنايات اللطيفة
الحلف بالله ويمين اللغو [سورة البقرة (2) الآيات 224 إلى 225] :
والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاوراتهم ومكاتباتهم «1» . وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ تحذير، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم. روى مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يخطب يقول: «إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا «2» ، ثم تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ. الحلف بالله ويمين اللغو [سورة البقرة (2) : الآيات 224 الى 225] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) الإعراب: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ عُرْضَةً: منصوب مفعول ثاني لتجعلوا. أَنْ تَبَرُّوا فيه ثلاثة أوجه: النّصب والجر والرفع. فأما النصب: فعلى تقدير: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم لئلا تبروا، فحذفت لا، أو كراهة أن تبروا، والتقدير الثاني أولى، لأن حذف المضاف أكثر في كلامهم من حذف «لا» . وأما الجرّ: فعلى تقدير حرف الجر وإعماله، لأنه يحذف مع «أن» كثيرا، لطول الكلام.
المفردات اللغوية:
وأما الرفع: فعلى أن تكون: أن وصلتها مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أمثل وأولى من تركها. المفردات اللغوية: عُرْضَةً هي المانع المعترض دون الشيء. لِأَيْمانِكُمْ أي ما حلفتم «1» عليه من البر والتقوى والإصلاح، ويكون: أَنْ تَبَرُّوا بدلا من أيمانكم، ويكون المعنى: لا تجعلوا الله مانعا من البر، وهذا المعنى موافق لخبر الصحيحين في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه» . وهناك معنى آخر هو: لا تجعلوا الحلف بالله معرّضا لأيمانكم، تبتذلونه بكثرة الحلف به، ويكون أَنْ تَبَرُّوا علّة للنهي، أي أن لا تبروا أو إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلّاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برّا متقيا، ولا يثق به الناس، وعلى هذا تكون الآية نهيا عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم. عَلِيمٌ بأحوالكم. بِاللَّغْوِ هو اليمين الذي لا قصد فيه ولا نيّة، كأن يجري على لسانه: إي والله، ولا والله، وبلى والله، من غير قصد اليمين، وإنما يسبق إليه اللسان عادة، فلا مؤاخذة فيه بكفارة ولا إثم ولا بعقوبة. واليمين اللغو عند أبي حنيفة: أن يحلف على ظن شيء أنه حصل، ثم يظهر خلافه. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدته من الأيمان إذا حنثتم، وهو مثل قوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [المائدة 5/ 89] . وَاللَّهُ غَفُورٌ ليمين اللغو. حَلِيمٌ يؤخر العقوبة عن مستحقها. سبب النزول: نزول الآية (224) : روى ابن جرير الطبري عن ابن جريج، أن قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ نزلت بسبب أبي بكر الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح، حين خاض مع المنافقين في حديث الإفك وتكلم في عائشة رضي الله عنها، وفيه
المناسبة:
نزل: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى [النور 24/ 22] . وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، حين حلف ألا يكلم ختنه زوج أخته (صهره) : بشير بن النعمان، وألا يدخل عليه أبدا، ولا يصلح بينه وبين امرأته، ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحلّ إلا أن أبرّ في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية «1» . المناسبة: أمر تعالى في الآية السابقة بتقوى الله وحذّر من معصيته، ونبّه هنا على أن مما يتّقى ويحذر منه: أن يجعل اسم الله مانعا من البرّ والتقوى. وقال العلماء أيضا: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة، قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعلّلا بأنّا حلفنا ألا نفعل كذا. التفسير والبيان: للآية معنيان: الأول- إذا حلف الشخص ألا يفعل خيرا من صلة رحم أو صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أو عبادة ونحوها، فلا يكون الحلف بالله مانعا من المحلوف عليه من برّ وتقوى، وما على المؤمن إذا أراد أن يفعل البر والخير إلا أن يكفّر عن يمينه ويفعل المحلوف عليه، كما جاء في قوله صلّى الله عليه وسلّم لعبد الرحمن بن سمرة- فيما رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه-: «إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك» فتكون الآية لرفع الحرج عن الحالفين بالله إذا أرادوا فعل الخير.
والمعنى الثاني: لا تتعرّضوا كثيرا للحلف بالله من أجل إرادة البرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، لما في كثرة الحلف بالله من استخفاف واستهانة وتجرؤ على الله، وعلى المؤمن تعظيم الله تعالى وتوقيره، والابتعاد عن اليمين قدر الإمكان، سواء أكان الحالف صادقا أم كاذبا، فكان صاحب الورع مثل عمر والشافعي لا يحلف بالله ذاكرا ولا آثرا عن غيره، فتكون الآية للنهي عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان، توفيرا للثقة بكلام المتكلم بدون يمين، قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم 1068] . هذا في اليمين المنعقدة التي يلزم فيها الكفارة بالحنث فيها: وهي على الموسر: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد وهو المعسر الفقير فيصوم ثلاثة أيام. وقد أخبر تعالى أنه يؤاخذ على ما كسبت القلوب أي قصدت إيقاع اليمين، والمؤاخذة بالكفارة أو العقوبة عند عدم الكفارة، حتى لا يتخذ اسم الله عرضة للابتذال وتوفيرا لتعظيمه، أو مانعا من صالح الأعمال. أما اليمين اللغو: فأخبر تعالى أنه لا مؤاخذة ولا عقاب ولا كفارة عليها بالحنث، لصدورها عن غير قصد اليمين، لأن الله غفور لعباده، فلا يؤاخذهم بما لم تقصده قلوبهم، ولم يكلفهم بما يشق عليهم، لحصوله دون اختيار. ويمين اللغو عند الشافعيّة: هي التي تجري على اللسان دون قصد الحلف، مثل قول الشخص: لا والله، بلى والله. وإن عدم المؤاخذة عليها: هو عدم إيجاب الكفارة بها. وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: هي أن يحلف على شيء يظنه أنه حصل، ثم يظهر خلافه، وبعبارة أخرى: اللغو: ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه. فهذا لا مؤاخذة فيه، أي لا يجب تكفيره. وأما ما يجري على اللسان من غير قصد فتجب فيه الكفارة.
فقه الحياة أو الأحكام:
والظاهر هو الرأي الأول، لأن الله قسم اليمين قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسبه القلب: هو ما قصد إليه، وحيث جعل اللغو مقابله، فيعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه. قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها. وقالت عائشة رضي الله عنها: أيمان اللغو: ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب. فقه الحياة أو الأحكام: تعظيم الله تعالى واجب شرعا، والإكثار من اليمين، والحنث فيه يتنافى مع واجب التعظيم لله، وفيه قلة مراعاة لحق الله تعالى، فلا يصحّ جعل الأيمان مبتذلة في كلّ حقّ أو باطل، أو في الصدق أو الكذب. أما إذا حلف المؤمن معظّما الله تعالى، وكان المحلوف عليه أمرا خيريا، فلا تمنعه اليمين من فعل الخير المحلوف عليه، وعليه أن يكفّر عن يمينه، وهذا نوع من التسامح والتيسير في شرع الله تعالى، حبّا في فعل الخير: من صدقة أو معروف أو صلة رحم أو إصلاح بين الناس. كما أن من فضل الله تعالى، وتيسيره على الناس، وعدم تكليفهم بالشاق من الأحكام، ودفعا للحرج عنهم، أنه رفع المؤاخذة والإثم والكفارة عن اليمين اللغو، لأنه الغفور الحليم، الرءوف الكريم.
حكم الإيلاء [سورة البقرة (2) الآيات 226 إلى 227] :
حكم الإيلاء [سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) الإعراب: لِلَّذِينَ اللام تفيد الاستحقاق، كقولك: الرحمة للمؤمنين واللعنة للكفار. مِنْ نِسائِهِمْ جار ومجرور متعلقان بمحذوف تقديره: كائنا من نسائهم. وليست مِنْ متعلقة بفعل يُؤْلُونَ، لأنه يقال: آلى على امرأته، ولا يقال: آلى من امرأته، فهو غلط. البلاغة: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ خرج الخبر عن ظاهره إلى معنى الوعيد والتهديد. المفردات اللغوية: يُؤْلُونَ يحلفون أو يقسمون، والأليّة: الحلف، جمع ألايا، والإيلاء: أن يحلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر فأكثر. وإنما عدّيت يُؤْلُونَ بمن، وهي إنما تعدى بعلى، إما لأنه ضمن يُؤْلُونَ معنى يعتزلون، وإما لأن في الكلام حذفا، وتقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر: يعتزلون، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه. تَرَبُّصُ انتظار. فاؤُ رجعوا إلى نسائهم عن اليمين. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم ما حلفوا عليه من ضرر المرأة. رَحِيمٌ بهم. عَزَمُوا الطَّلاقَ صمموا على إيقاع الطلاق، وعزموا ألا يعودوا إلى الاستمتاع بنسائهم. فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم. عَلِيمٌ بعزمهم، أي ليس لهم بعد تربص مدة أربعة أشهر إلا الفيئة أو الطلاق.
سبب النزول:
سبب النزول: قال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السّنة والسّنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، وكان يتركها كذلك، لا أيّما ولا ذات بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ الآية «1» . وذكر مسلم في صحيحة أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم آلى وطلّق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده. وذكر ابن ماجه سببا آخر: وهو أن زينب ردّت عليه هديته، فغضب صلّى الله عليه وسلّم، فآلى منهن. ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تقدم شيء من أحكام النساء وشيء من أحكام الأيمان، وهذه الآية جمعت بين الشيئين. التفسير والبيان: حدد الله تعالى مدة قصوى للذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم، وهي أربعة أشهر، إشارة إلى أن الإيلاء لمدة طويلة مما لا يرضي الله تعالى، لما فيه من قطيعة واستمرار نزاع، ومنعا من إلحاق الضرر بالمرأة وامتهانها وإهدار حقوقها. فإن رجعوا بالفعل لا بالقول «2» إلى ما حلفوا على الامتناع منه وكانوا عليه، فإن الله يغفر لهم ما كان من الحنث في أيمانهم، لأن الفيئة توبة في حقهم، رحيم
فقه الحياة أو الأحكام:
بهم وبغيرهم من المؤمنين، فلا يؤاخذهم بما سلف، لأن رحمته وسعت كل شيء. ومعنى تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف، ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: فَإِنْ فاؤُ. وإن عزموا الطلاق، فلم يفيئوا إلى نسائهم، فإن الله سميع لإيلائهم وطلاقهم، عليم بنياتهم، وبما ارتكبوه مما يحرم أو يحلّ، فليراقبوه فيما يفعلون، فإن أرادوا إيذاء النساء ومضارتهن، فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي مثل حملهن على إقامة حدود الله، فالله يغفر لهم. ومجمل الحكم: أن من حلف على ترك قربان امرأته واستمر على امتناعه أربعة أشهر، فإما أن يفيء إلى زوجته، ويحنث في يمينه، ويكفّر عنها، وإما أن يطلق، فإن أبى الطلاق طلّق عليه القاضي. أي له الخيار بين أمرين: الفيئة أو الطلاق. والفيئة أفضل من الطلاق، لأن الله جعل جزاءها المغفرة والرحمة، وهدد في حال الطلاق بأن الله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم وأفعالهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلّ قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ على أن الإيلاء يختص بالزوجات. ويلزم الإيلاء كلّ من يلزمه الطلاق، فالحرّ والعبد والسكران يلزمه الإيلاء، وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون، وكذلك الخصي غير المجبوب، والشيخ الكبير إذا كان فيه بقية قوة ونشاط. أما المجبوب: فللشافعي فيه قولان: قول: لا إيلاء له، وقول: يصحّ إيلاؤه، والأول أصح. ويصحّ إيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة، ويقع إيلاء الأعجمي كالعربي بلغته. واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين:
فقال الشافعي في الجديد: لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت» . وقال الحنفية والمالكية: يصحّ الإيلاء باليمين، أو بالحلف على ترك الوطء بالطلاق أو العتاق، أو نذر التصدق بالمال أو الحج، أو الظهار، لقول ابن عباس: «كلّ يمين منعت جماعا فهي إيلاء. وكلّ من حلف بالله أو بصفة من صفاته، فقال: أقسم بالله أو أشهد بالله، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمّته، فإنه يلزمه الإيلاء اتفاقا» . وأضاف المالكية: أنه لا تشترط اليمين في الإيلاء، فإذا امتنع الرجل من الوطء بقصد الإضرار من غير عذر، ولم يحلف، كان موليا، لوقوع الضرر. وقال الحنابلة على الرواية المشهورة: لا يكون الإيلاء بالحلف بالطلاق والعتاق، بدليل قراءة أبي وابن عباس: «للذين يقسمون» بدل يُؤْلُونَ. فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى، بأن قال: إن شاء الله، فالأصح لدى المالكية وفقهاء الأمصار: ليس بمول، لأن الاستثناء يحلّ اليمين، ويجعل الحالف كأنه لم يحلف. وكذا إن حلف بالنّبي أو بالملائكة أو بالكعبة ألا يطأها، أو قال: هو يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها: ليس بمول، في رأي مالك وغيره. واختلف العلماء في صفة اليمين التي يكون بها الحالف موليا. فقال جماعة (علي وابن عباس والزهري) : لا يكون موليا إلا إذا حلف على ترك الوطء إضرارا بها، أما إذا حلف لا على وجه الإضرار، فلا يكون موليا، لأن الله جعل مدة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته، فإذا لم يقصد الضرر، وإنما قصد الصلاح والخير، لم يكن موليا، فلا معنى لتحديد الأجل، حتى تتخلّص من مساءته.
وقال آخرون: إنه يكون موليا، سواء أحلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أم لمصلحة. وقال بعضهم: ليست يمين الإيلاء مقصورة على الحلف بترك الوطء، بل تكون بالحلف على غيره أيضا، كأن يحلف ليغضبنها، أو ليسوءنها، أو ليحرمنها، أو ليخاصمنها، كل ذلك إيلاء. واختلف الفقهاء في الفيء: فقال الجمهور: هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه، لا فيئة له إلا ذلك، فإن كان هناك عذر من مرض أو سفر، ومضت مدة الإيلاء دون وطء، بانت منه في رأي طائفة، وقال الأكثرون منهم المالكية: لا تبين منه، وارتجاعه صحيح وهي امرأته. وقال الحنفية: الفيء إما بالفعل وهو الجماع في الفرج، وإما بالقول: كأن يقول: فئت إليك، أو راجعتك، وما أشبه ذلك. وأما الطلاق بعد ترك الفيء في الإيلاء ففيه اختلاف أيضا: فقال الحنفية: الفيء يكون قبل مضي المدة، فإذا مضت الأربعة الأشهر بدون فيئة، وقع الطلاق طلاقا بائنا. وقال الجمهور: لا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة، فإن مضى الأجل، لا يقع به طلاق، وإنما ترفع المرأة الأمر إلى القاضي، فإما فاء وإما طلّق، أي إن الطلاق يقع بتطليق الزوج، أو القاضي إذا رفعت الزوجة الأمر إليه. ومنشأ الخلاف: اختلافهم في تأويل آية: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فرأى الحنفية: إن فاءوا في هذه الأشهر، فإن الله غفور رحيم لما أقدموا عليه من الحلف على الإضرار
بالزوجة، وإن لم يفيئوا في هذه الأشهر، واستمروا في أيمانهم، كان ذلك عزما منهم على الطلاق، ويقع الطلاق بحكم الشرع. ويكون معنى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي بترك الفيئة، وقد شبهوا مدة الإيلاء بالعدة. والمولى عنها بالرجعية، وشبهوا الطلاق بالطلاق الرجعي. وكان الإيلاء في الجاهلية طلاقا، فأقره الشرع طلاقا، وزاد فيه الأجل. والمعنى عند الجمهور: للذين يحلفون يمين الإيلاء انتظار أربعة أشهر، فإن فاءوا بعد انقضاء المدة، فإن الله غفور رحيم، وإن قصدوا إيقاع الطلاق، فإن الله سميع لطلاقهم، عليم بما يصدر عنهم من خير أو شرّ، فيجازيهم عليه. وقد شبهوا أجل الإيلاء بالأجل الذي يحدد في العنّه (العجز الجنسي) ، لأن الإيلاء ضرر بالزوجة، فإن رفعه الزوج وإلا رفعه الشرع كما في أي ضرر يتعلق بالوطء، وهذا هو الظاهر، لأن قوله: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة «1» . ولا فرق في لزوم الإيلاء بين المرأة المدخول بها وغير المدخول بها. ولا يشترط في المولي عند الجمهور: أن يكون مسلما، فيصح إيلاء المسلم والكافر، ولكن لا تلزمه الكفارة بالحنث عند الحنفية، وتلزمه الكفارة في رأي الشافعية والحنابلة. واشترط المالكية أن يكون المولي مسلما، فلا يصح إيلاء الذّمي، كما لا يصحّ ظهاره ولا طلاقه، لأن نكاح أهل الشرك لديهم غير صحيح، وإنما لهم شبهة يد، ولأنهم لا يكلفون الشرائع، حتى تلزمهم كفارات الأيمان، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء، لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم، ويذهبون إلى حكامهم، فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم، حكم بحكم الإسلام، كما لو ترك المسلم وطء زوجته، ضرارا من غير يمين.
عدة المطلقة وحقوق النساء [سورة البقرة (2) آية 228] :
واتفق أئمة المذاهب الأربعة على وجوب كفارة اليمين على المولي الحانث بيمينه إذا فاء بجماع امرأته. وأجمع العلماء على مشروعية تقديم الكفارة على الحنث في الإيلاء، واختلفوا في مسألة الأيمان، فرأى أبو حنيفة: أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث فيها. وذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي لأربعة أشهر الأثر الذي رواه مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ عن عبد الله بن دينار، قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني أن لا خليل ألا عبه فو الله لولا الله أني أراقبه ... لحرّك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستّة أشهر أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك. عدّة المطلّقة وحقوق النساء [سورة البقرة (2) : آية 228] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
الإعراب:
الإعراب: يَتَرَبَّصْنَ خبر بمعنى الأمر، أي ليتربصن، وجاز ذلك لأن المعنى مفهوم. ثَلاثَةَ قُرُوءٍ نصب ثَلاثَةَ على أنه مفعول به، أو ظرف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء. وقُرُوءٍ جمع كثرة، وأقراء جمع قلة، وإضافة العدد القليل وهو من الثلاثة إلى العشرة، إلى جمع القلة أولى من إضافته إلى جمع الكثرة، والسبب في مجيء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء: هو أن العرب يتسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر، لاشتراكهما في الجمع، ألا ترى إلى قوله: بِأَنْفُسِهِنَّ، وما هي إلا نفوس كثيرة، ولعل القروء كانت أكثر استعمالا في جمع قرء من الأقراء، فأوثر عليه، تنزيلا لقليل الاستعمال منزلة المهمل. وفي ذكر الأنفس: تهييج لهن على التربّص، وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكف منه، فيحملهن على أن يتربص، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن بقمع أنفسهن وجبرها على التربّص (الكشاف: 1/ 277) . وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ مِثْلُ: مبتدأ، ولَهُنَّ خبره، وعَلَيْهِنَّ: صلة الَّذِي، ويتعلق بفعل مقدر: وهو الذي استقر عليهن. وبِالْمَعْرُوفِ: متعلق بلهن، وتقديره: استقرّ لهن حق مثل الذي عليهن بالمعروف، أي بالذي أمر الله في ذلك. البلاغة: يَتَرَبَّصْنَ خبر في معنى الأمر، أي ليتربصن، كما بيّنا. إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ للتهييج والحثّ والبعث على الأمر. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ فيه طباق بين لهن وعليهن، وفيه إيجاز، والمعنى: لهن على الرجال من الحقوق مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق. المفردات اللغوية: يَتَرَبَّصْنَ ينتظرن ويصبرن. قُرُوءٍ جمع قرء، ويطلق في كلام العرب على الطهر، وعلى الحيض حقيقة، فهو من ألفاظ الأضداد. وأصل القرء: الاجتماع، وسمي الطهر قرءا لاجتماع الدم في البدن، وسمي الحيض قرءا لاجتماع الدم في الرحم، وقد يطلق القرء على الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. ولما كان الحيض معتادا مجيئه في وقت معلوم، سمت العرب وقت مجيئه قرءا. وجاء القرء بمعنى الحيض في قوله صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك» لذا قال الحنفية والحنابلة: المراد بالقرء الحيض، وقال المالكية والشافعية: المراد به الطهر. والاعتداد للمطلقات ثلاثة قروء مخصوص بالحرائر المدخول بهن، أما غيرهن أي قبل الدخول، فلا عدّة عليهن، لقوله تعالى: فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب 33/ 49] ، والقروء
سبب النزول:
مخصوصة أيضا بغير الآيسة والصغيرة، لأن عدتهما ثلاثة أشهر، وكذلك غير الحوامل لأن عدة الحوامل بوضع الحمل، كما في قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.. [الطلاق 65/ 4] . وعدة الإماء: قرءان، بالسّنة. ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الولد أو الحيض. وَبُعُولَتُهُنَّ أزواجهن، مفرده بعل أي زوج، والمراد هنا الزوج الذي طلق. إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً بينهما، لا إضرار المرأة، وهو تحريض على قصده، لا شرط لجواز الرجعة، وهذا في الطلاق الرجعي. وَلَهُنَّ للنساء على الأزواج. مِثْلُ الَّذِي لهم عَلَيْهِنَّ من الحقوق. بِالْمَعْرُوفِ شرعا، من حسن العشرة وترك الإضرار ونحو ذلك. وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ أي فضيلة في الحق، من وجوب طاعتهن لهم، لما ساقوه من المهر والإنفاق. وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه. حَكِيمٌ فيما دبّره لخلقه. سبب النزول: أخرج أبو داود وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد بن السّكن الأنصارية، قالت: طلّقت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكن للمطلقة عدّة، فأنزل الله العدة للطلاق: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ. التفسير والبيان: لتتربص ثلاث حيضات أو أطهار بعد الطلاق حرائر النساء اللاتي يطلقن، وهن من ذوات الحيض، للتعرف على براءة الرحم من الولد، فيؤمن من اختلاط الأنساب، وقد أخرج من حكم الآية كما بيّنا ثلاثة أصناف من النساء: وهنّ المطلقات قبل الدخول، فلا عدّة عليهن، والصغيرات قبل سنّ الحيض واليائسات من المحيض لكبر السّن، فعدتهن ثلاثة أشهر، والحوامل فعدتهن وضع الحمل، فصارت الآية هنا خاصة بعدّة النساء الممكنات الحيض، غير المدخول بهنّ، وغير الحوامل. والتعبير بقوله: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ يشير إلى أن على النساء أن يحملن
أنفسهن على الصبر والانتظار لإتمام تلك المدة، حتى تنقضي العدّة، فلا يسايرن أهواءهن وشهواتهن، إذ قد تكون أنفسهن تواقة إلى سرعة انقضاء العدّة، والتزوّج بزوج آخر. وفي هذا التعبير لفت نظر لطيف، فيه تعظيم وتبجيل، إذ لم يؤمرن بذلك أمرا صريحا. وحكمة هذا التربّص: هو التعرّف على براءة الرحم، فلا تختلط الأنساب، لذا لا يحلّ للنساء أن يكتمن شيئا مما في أرحامهن من حمل أو حيض، وإن طالت العدة للتزوج بزوج آخر، ولا يحلّ لهنّ الكذب بكتمان الحيض أيضا لأجل استدامة النفقة ما دمن في العدّة، وقد جرت المحاكم الآن على أن أقصى العدّة سنة قمرية، كما هو مذهب مالك رحمه الله تعالى. وذلك إذا كنّ مؤمنات إيمانا صادقا بالله وباليوم الآخر، فلا يخفى على الله شيء، ويحاسب كل إنسان على قوله وفعله يوم القيامة، مما يقتضي أن تكون المرأة أمينة على ما في رحمها، فإن لم تكن أمينة لعدم إيمانها الكامل أضلّت نفسها وغيرها. وفي هذا تهديد شديد ووعيد لهن على خلاف الحق، مما يدل على أن المرجع في هذا إليهن، لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البيّنة غالبا عليه، فردّ الأمر إليهن وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالا منها لانقضاء العدّة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في الحالين من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في شأنها من غير زيادة ولا نقصان. وأزواجهن في حال الطلاق الرجعي أحقّ برجعتهن إلى بيت الزوجية، في مدة العدّة، حرصا من الشرع على إبقاء الرابطة الزوجية السابقة، فليس هناك من الحلال أبغض عند الله من الطلاق، وعلى المرأة الاستجابة إلى طلب الزوج الرجعة، بشرط أن يكون المقصود بالرجعة: الإصلاح والخير للزوجين. أما إذا كان القصد هو الانتقام والإضرار ومنعها من الزواج بآخر، حتى تكون كالمعلّقة،
لا هي زوجة له بالمعنى الكريم، ولا يمكّنها من التزوّج بغيره، فهو آثم عند الله، بإلحاق الضرر بها، والحيلولة بينها وبين الزواج برجل آخر. وهذا يدل على أن الرجعة مشروطة ديانة بإرادة الإصلاح، ونية المعاشرة بالمعروف. وبمناسبة الرجعة ذكّر الله الزوجين بما لهما من الحقوق وما عليهما من الواجبات، فللرجل حقوق، وعليه واجبات للمرأة، وللمرأة مثل ذلك. وهما متساويان في الحقوق والواجبات، لأن لكل منهما كرامة إنسانية وأهلية تامة من عقل وتفكير ورغبات ومشاعر وإحساسات، وحقّا في العيش الحرّ الكريم، إلا في درجة القوامة: أي تسيير شؤون الأسرة المشتركة والقيام على مصالحها بقيادة الرجل، لما فضله الله على المرأة بسعة العقل والخبرة، والحكمة والاتّزان دون التأثر السريع بالعواطف العابرة، ولأنه الذي ينفق ماله وكسبه من بداية تكوين الزواج بدفع المهر، إلى نهايته بالنفقة الدائمة على شؤون الحياة بتوفير المسكن والملبس والطعام، كما قال الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء 4/ 34] . وسبب القوامة أن كل شركة أو حياة اجتماعية تتطلب وجود رئيس مسئول عنها، يتحمل الأعباء، ويستعد لتحمل المغارم والخسارات، ويدير أمر هذه المؤسسة بما يوصلها إلى شاطئ الأمن والسعادة والاستقرار، في داخل المنزل وخارجه، تعليما وتعلّما، وتمكينا من ممارسة الخبرات والمهارات التي تفيد الزوجة والفتاة في حاضر الزمان ومستقبله. وإذا كان اضطلاع الرجل غالبا بالمهام الملقاة على عاتقه خارج المنزل، لتوفير المورد والكسب المطلوب لحياة الأسرة، فإن المرأة تضطلع غالبا بمسؤوليات جسام تكمل مهمة الرجل، في رحاب البيت، فهي الملكة التي تربي الأولاد على الأخلاق والفضائل، وهي التي تعين الرجل على توفير متطلبات الحياة
الضرورية، وهذا هو حكم النّبي صلّى الله عليه وسلّم بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، إذ جعل فاطمة في البيت تديره وترعاه، وعليّا كرّم الله وجهه خارج البيت يكافح ويبحث عن الرزق، ويجاهد في سبيل الله والحق، وفي سبيل أسرته. ولا مانع من عمل المرأة خارج المنزل عند الحاجة بشرط التزام ما يقتضيه الدّين والخلق وعدم الخلوة، والسّتر المطلوب شرعا، فكل المرأة عورة ما عدا الوجه والكفين، لكنهما مما يجب غضّ البصر عنهما كباقي جسد المرأة «1» ، كما يشترط أن تكون المرأة في العمل حرّة أبية لا تلين في الكلام، لقوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى.. [الأحزاب 33/ 32- 33] . وأما عدم التقيد بالقيود الشرعية لعمل المرأة فيؤدي إلى كثير من المفاسد والفتن، ولتكن المرأة متيقظة دائما، فإنه لا يراد بمحادثتها غالبا إلا السوء، وجعلها أداة تسلية ومتعة. وما أروع ما ختمت به الآية من التذكير بعزة الله وقدرته التي لا تغلب، وبحكمته بوضع الشيء في موضعه المناسب له، فهو حكيم الصنع والأمر والبيان، فمن عزته وحكمته: إنصاف المرأة بجعلها في الحقوق والواجبات كالرجل، بعد أن كانت كالمتاع لا تتمتع بالحقوق الكريمة، وإعطاء الرجل حق القوامة (الرياسة) ، فلا يغترن بهذه الدرجة، فإذا دعته قدرته إلى ظلم المرأة أو غيرها، فليذكر قدرة الله عليه، وليكن الرجل حكيم القيادة، متحملا لمهام المسؤولية الملقاة على عاتقه، بكل ثقة وأمانة وجرأة وعدالة فلا يتساهل في حكم شرعي، لأنه راع، وكل راع مسئول عن رعيته، ولا يفرط في واجب عند القدرة، ولا يغمط أحدا في الأسرة حقه، لأن الله سائله عما يعمل. وفي هذا من الوعيد لمن خالف أحكام الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى أحكام في الطلاق: 1- وجوب العدة: تجب العدة لأهداف كثيرة: منها التعرف على براءة الرحم، ومنها صون سمعة المرأة، والحفاظ على نعمة الزوجية وتقديرها، والتفكير في عواقب الطلاق، والتدبر في أمر الحياة، فيصلح كل من الرجل والمرأة أخطاءه، وتعطى الفرصة الملائمة للعودة إلى الحياة الزوجية بنمط جديد أحسن مما كان في الماضي، لتستقيم شؤون المعاشرة، وينظر في مستقبل الأولاد والمعيشة الهانئة. والعدة: ثلاثة أطهار في رأي ابن عمر وزيد وعائشة، وفقهاء المدينة السبعة، والمالكية والشافعية، لأن القرء في اللغة: الانتقال من الطهر إلى الحيض، وليس الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا، لأن الانتقال من الطهر إلى الحيض هو الذي يدل على براءة الرحم، فإن الحامل لا تحيض في الغالب، فبحيضها نعلم براءة رحمها، والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل وقوي الولد، انقطع دمها. ثم إن لفظ ثَلاثَةَ المؤنث يدل على أن المعدود مذكر، لا مؤنث، وهو الطهر، لا الحيضة، لضرورة التغاير بين العدد والمعدود في اللغة في التذكير والتأنيث. والله تعالى قال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي في وقت العدة، والطلاق للعدة: ما كان في الطهر، وهو الطلاق السّني، أما الطلاق في زمن الحيض فهو طلاق بدعي منهي عنه، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الطهر، وإذا كان الطلاق للعدة ما كان في الطهر، فهو يدل على كون القرء مأخوذا من
الانتقال، وتقدير الكلام: فعدتهن ثلاثة انتقالات. والعدة في رأي عمر وعلي وابن مسعود، والحنفية، والحنابلة بمقتضى الرواية الأخيرة عن أحمد أو في أصح الروايتين: ثلاث حيضات، لأن عدة الأمة اتفاقا بالحيضة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» فتقاس الحرة على الأمة، ولأن الذي يدل على براءة الرحم، إنما هو الحيض لا الطهر. ورجح هذا الرأي من جهة المعنى. وتظهر فائدة الخلاف في حالة ما إذا طلقها في أثناء الطهر، فعلى الرأي الأول يحتسب من العدة وتنتهي بمجيء الحيضة الثالثة، وعلى الرأي الثاني: لا يحتسب من العدة، ولا تنتهي إلا بانقضاء الحيضة الثالثة. وعلى كلا الرأيين: المرأة مؤتمنة على ما في رحمها من حمل أو حيض، يقبل قولها فيه، لأنه لا يعلم إلا من قبلها. وإنما حرم الله أن يكتمن ما في أرحامهن، لأنه يتعلق بخبرها حق الرجل في الرجعة، وعدم اختلاط الأنساب. فإذا ادعت انتهاء عدتها، حرمت الرجل من حقه في الرجعة، وإذا كانت حاملا وادعت انقضاء العدة، ثم تزوجت بآخر، اختلطت الأنساب. واختلف الفقهاء في أقل ما تصدق فيه المعتدة بالأقراء: فقال أبو حنيفة: أقل ما تصدق فيه الحرة: ستون يوما، عملا بالوسط في مدة الحيض، وهو خمسة أيام، فتكون الحيضات الثلاث خمسة عشر يوما، والأطهار خمسة وأربعين يوما، على أن يبدأ بالطهر، فيكون المجموع ستين يوما. وأقل مدة عند المالكية تنقضي بها العدة بالأقراء (الأطهار) شهر: ثلاثون يوما، بأن يطلقها زوجها في أول ليلة من الشهر، وهي طاهرة، ثم تحيض، وينقطع عنها الحيض قبل الفجر، لأن أقل الحيض عندهم يوم، أو بعض يوم
2 - مشروعية الرجعة:
بشرط أن تقول النساء: إنه حيض، ثم تطهر خمسة عشر يوما، ثم تحيض في ليلة السادس عشر، وينقطع قبل الفجر أيضا، ثم تحيض عقيب غروب آخر يوم من الشهر وينقطع قبل الفجر، فتكون قد طهرت ثلاثة أطهار: الطهر الذي طلقها فيه، ثم الطهر الثاني، ثم الثالث، فيحدث تمام الشهر ثلاثين يوما. وأقل مدة تنقضي بها العدة في رأي الشافعية: اثنان وثلاثون يوما ولحظتان، ولا يقبل أقل من ذلك بحال، لأنه لا يتصور عندهم أقل من تلك المدة، بأن تطلق وقد بقي لحظة من الطهر، وهي قرء عندهم، ثم تحيض يوما وليلة أقل الحيض عندهم، ثم تطهر خمسة عشر يوما أقل الطهر، وذلك قرء ثان، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوما، وذلك قرء ثالث، ثم تحيض. وهذه الحيضة ليست من العدة، بل لتيقن انقضائها، فذلك اثنان وثلاثون يوما ولحظتان. وأقل مدة عند الحنابلة على أن الأقراء هي الحيضات، كما يقول الحنفية: تسعة وعشرون يوما ولحظة، وذلك بأن يطلقها مع آخر الطهر، ثم تحيض بعده يوما وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوما، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوما، ثم تحيض يوما وليلة، ثم تطهر لحظة، ليعرف بها انقطاع الحيض. ويلاحظ أن المعقول والغالب هو رأي أبي حنيفة، وأما الآراء الأخرى فيمكن أن تقع، ولكنها نادرة. 2- مشروعية الرجعة: أي ارتجاع الرجل زوجته إلى عصمته وملك زواجه ما دامت في عدتها، والرجل مندوب إلى المراجعة. وهذا من أحكام الطلاق، للآية: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً والرجعة مشروعة بشرط قصد إصلاح حاله معها، لا الضرر، فإذا أراد المضارة وتطويل العدة وجعلها كالمعلقة،
فحرام، وليس له حق الرجعة، لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [البقرة 2/ 231] لكن لو فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن خالف وظلم نفسه، إذ لما كانت هذه الإرادة لا اطلاع لنا عليها، عاملناه بظاهر أمره، وجعل الله التطليقات الثلاث علما على امتناعها. ودل لفظ «أحق» على أن حق الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها، فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء العدة، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «الثيب أحق بنفسها من وليها» «1» . وحق الرجعة بغير عقد ولا شهود مقصور على المطلقة رجعيا في أثناء العدة لا بعد انقضائها، ولم يشترط الإشهاد إلا الظاهرية، وإنما هو مستحب أو مندوب عند العلماء الآخرين. فإن لم يراجعها المطلّق حتى انقضت عدتها، فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، لا تحل له إلا بخطبة وزواج مستأنف بولي وإشهاد، ليس على سنة المراجعة، بإجماع العلماء. واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة: فقال الشافعية: تحصل الرجعة في العدة بالقول الصريح، أو بلفظ كنائي بنية مثل قول المرتجع: تزوجتك أو نكحتك، ولا تحصل بالوطء. وقال الجمهور: تحصل الرجعة في العدة بالقول، أو بالفعل ومنه الخلوة كتقبيل بشهوة ووطء، وأضاف المالكية: وتحصل أيضا بالنية: وهي حديث النفس، بأن يقول في نفسه: راجعتها، ولم يجز الحنابلة الرجعة بالكناية. واختلفوا أيضا في حكم المطلقة الرجعية في مدة التربص: أحكمها حكم الزوجة أم ليست كذلك؟ فذهب الحنفية، والحنابلة في ظاهر المذهب: إلى أن حكمها حكم الزوجة،
فلا يحرم الاستمتاع بها أو مباشرتها مدة التربص، وأحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شيء. وذهب المالكية والشافعية: إلى أنها ليست كالزوجة، فيحرم الاستمتاع بها قبل المراجعة، بوطء أو غيره، حتى بالنظر ولو بلا شهوة، لأنها مفارقة كالبائن، ولأن النكاح يبيح الاستمتاع، والطلاق يحرمه، لأنه ضده. ومنشأ الخلاف: اختلاف الفهم في هذه الآية، فقد سماهم الله بعولة (أزواجا) وهذا يقتضي أنهن زوجات، لكنه قال: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وهذا يقتضي أنهن لسن بزوجات، إذ الرد إنما يكون لشيء قد انفصم. فذهب الفريق الأول إلى أن الرجعية زوجة، وفائدة الطلاق نقص العدد، وأن أحكام الزوجية وإن كانت باقية، فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل الزوال بانقضاء العدة. وأوّلوا قوله أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فقالوا: إنهن كن سائرات في طريق لو وصلن إلى نهايته، لخرجن عن الزوجية، فالارتجاع رد لهن عن التمادي في ذلك الطريق. والفريق الثاني أوّلوا قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ على الماضي، سماهم بعولة باعتبار ما كان، ومعنى أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ: ردهن إلى الزوجية. وأرى أن هذا هو الحق، وإلا لم يكن للطلاق أثر في التحريم. واتفق الفريقان على أنه ليس له أن يسافر بها قبل أن يرتجعها. ولها في رأي الفريق الأول: أن تتزين له وتتطيب وتلبس الحلي وتتشرف. وليس لها أن تفعل ذلك لدى الفريق الثاني، وليس له أن يخلو معها، ولا أن يدخل عليها إلا بإذن، ولا أن ينظر إليها إلا وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها. ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما، ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها.
3 - حقوق الزوجين:
وأجمع العلماء على أن المطلّق إذا قال بعد انقضاء العدة: إني كنت راجعتك في العدة، وأنكرت: أن القول قولها مع يمينها، ولا سبيل له إليها. 3- حقوق الزوجين: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ: ليس الزواج في الإسلام عقد استرقاق وتمليك، وإنما هو عقد يوجب حقوقا مشتركة ومتساوية بحسب المصلحة العامة للزوجين، فهو يوجب على الزوج حقوقا للمرأة، كما يوجب على المرأة حقوقا للزوج. وفي هذا التعبير الموجز ثلاثة أحكام: الأول- للنساء من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن، مثل حسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف، وترك المضارّة، واتقاء كل منهما الله في الآخرة، وطاعة الزوجة لزوجها، وتزين كل منهما للآخر، قال ابن عباس: «إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي..» «1» وتكون زينة الرجال بالمظهر اللائق والنظافة، وحسن الهندام واللباس، والتطيب والخضاب، وما يليق بالأحوال في وقت الشباب والكهولة والشيخوخة، روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أمرني ربي أن أعفي لحيتي، وأحفي شاربي» . الثاني- إعفاف كل من الزوجين الآخر بحسب الحاجة، ليستغني كل منهما عن التطلع إلى غيره، ويتوخى الوقت المناسب، ويعالج كل منهما نفسه بالأدوية اللازمة إذا شعر من نفسه عجزا عن تأدية حق الآخر. الثالث- للرجال درجة (أي منزلة) على النساء: وهي درجة القوامة والولاية، وتسيير شؤون الأسرة، كما قال الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى
النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء 4/ 34] أي أن مسوغ التفضيل وإعطاء درجة القيادة له أمران: أ- تكوين الرجل بزيادة خبرته واتزانه وعقله، وإعداده لتحمل الأعباء والكفاح والعمل. ب- إلزامه بالإنفاق على المرأة: بدفع المهر وتوفير الكفاية لها من مسكن وملبس ومطعم ومشرب ومداواة ونحو ذلك. هذه الدرجة في الحقيقة كما تبيّن: هي غرامة وتكليف للرجال أكثر من تكليف النساء، لذا كان حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لو أمرت أحدا بالسجود لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . وقال ابن عباس: «الدرجة إشارة إلى حضّ الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق» أي أن الأفضل ينبغي أن يتحمل أخطاء الآخر، ويتحامل على نفسه، ويضبط أعصابه في معالجة المشكلات أو الأزمات الطارئة. قال ابن عطية: وهذا قول حسن بارع. والخلاصة: الزواج شركة بين اثنين، وعلى كل شريك أن يؤدي للآخر حقوقه، ويقوم بما يجب عليه له بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في خطبته في حجة الوداع: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا؟ قال:
عدد الطلاق وما يترتب عليه من أحكام [سورة البقرة (2) الآيات 229 إلى 230] :
«أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلا في البيت» . وأما الدرجة للرجال: فهي في الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة «1» . عدد الطلاق وما يترتب عليه من أحكام [سورة البقرة (2) : الآيات 229 الى 230] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) الإعراب: الطَّلاقُ مَرَّتانِ مبتدأ وخبر، وهذا الكلام فيه اتساع، وتقديره: الطلاق في مرتين، والطلاق في معنى التطليق. وقيل: تقديره: عدة الطلاق الرجعي مرتان. فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ مبتدأ وخبره محذوف، وتقديره: فعليه إمساك بمعروف. ومثله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: أن وصلتها في موضع نصب على الاستثناء من غير الجنس. وأن لا يقيما: في موضع نصب، لأن تقديره: من أن لا يقيما، فلما حذف حرف الجر تعدى الفعل إليه.
البلاغة:
البلاغة: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ طباق بين لفظي إمساك وتسريح. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة والتعظيم في النفس. فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قصر صفة على موصوف. وجاء هذا الوعيد بعد النهي للمبالغة في التهديد. المفردات اللغوية: الطَّلاقُ مَرَّتانِ أي التطليق الذي يراجع فيه، كالسلام بمعنى التسليم، ومرتان: دفعتان أو اثنتان فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أي فعليكم إمساكهن بعد المراجعة من غير إضرار، بل بإصلاح وحسن معاشرة أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أي إيقاع الطلقة الثالثة بدون رجعة وأداء حقوقها المالية، دون أن يذكرها بعد المفارقة بسوء. حُدُودَ اللَّهِ أحكامه وشرائعه تَعْتَدُوها تتجاوزوها، والاعتداء: تجاوز الحد في قول أو فعل. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي لا إثم ولا حرج على الزوج في أخذ المال الذي افتدت به نفسها ليطلقها، ولا حرج أيضا على الزوجة في بذله. تِلْكَ الأحكام المذكورة الظَّالِمُونَ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. حَتَّى تَنْكِحَ تتزوج زوجا غيره ويطأها، كما في الحديث الصحيح عند الشيخين: البخاري ومسلم. فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي الزوجة والزوج الأول أن يتراجعا إلى الزواج الجديد بعقد جديد بعد انقضاء العدة يَعْلَمُونَ يتدبرون. سبب النزول: لم يكن للطلاق لدى عرب الجاهلية حد ولا عدد، فكان الرجل يطلق ثم يراجع وتستقيم الحال، وإن قصد الإضرار يراجع قبل انقضاء العدة، ثم يستأنف طلاقا جديدا، مرة تلو مرة إلى أن يسكن غضبه، فجاء الإسلام لإصلاح هذا الشذوذ ومنع الضرر. نزول الآية (229) : أخرج الترمذي والحاكم وغيرهما عن عائشة قالت: «كان الرجل يطلق
امرأته ما شاء أن يطلق، وهي امرأته إذا ارتجعها، وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة وأكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك، فتبيني مني، ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي، راجعتك، فذهبت المرأة، وأخبرت النبي صلّى الله عليه وسلّم، فسكت حتى نزل القرآن: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. وقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ ... الآية: أخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس قال: كان الرجل يأكل من امرأته نحلة- عطاءه- الذي نحلها وغيره، لا يرى أن عليه جناحا، فأنزل الله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً. وقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما ... الآية: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس وفي حبيبة، وكانت اشتكته إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فدعاه، فذكر ذلك له، قال: وتطيب لي بذلك؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، فنزلت: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ خِفْتُمْ ... الآية. وروى البخاري وابن ماجه والنسائي عن ابن عباس أن جميلة أخت عبد الله بن أبيّ بن سلول زوج ثابت بن قيس أتت النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضا، وأكره الكفر في الإسلام «1» ، قال: أتردين عليه حديقته «2» ؟ قالت: نعم، قال: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» .
نزول الآية (230) :
نزول الآية (230) : أخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: نزلت هذه الآية في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك، كانت عند رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلقها طلاقا بائنا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، فطلقها، فأتت النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: إنه طلقني قبل أن يسمني، أفأرجع إلى الأول؟ قال: لا حتى يمس، ونزل فيها: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فيجامعها فَإِنْ طَلَّقَها بعد ما جامعها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا. التفسير والبيان: هذه الآية مخصصة لقوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة 2/ 228] فهي واردة لبيان عدد الطلاق الذي يجوز فيه للرجل الرجعة، والعدد الذي لا رجعة فيه. والمعنى: إن عدد الطلاق الذي تصح فيه الرجعة مرتان، أي اثنتان أو طلقتان فقط، وليس بعد المرتين إلا أحد الأمرين: الإمساك بالمعروف والمعاشرة الحسنة، أو التسريح لها بإحسان، بمعنى أن تتركها، حتى تتم العدة من الطلقة الثانية، ولا تراجعها. وقيل: المراد من الآية إيقاع الطلاق مفرّقا، لا مجموعا، فالجمع بين الثنتين أو الثلاث حرام، كما قال بذلك جمع من الصحابة، منهم عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، بدليل حديث ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: «إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا، فتطلق لكل قرء تطليقة» . وقال مجاهد وعطاء وجمهور السلف وعلماء الأمصار: المراد من التسريح
بإحسان: الطلقة الثالثة، بدليل حديث أبي رزين الأسدي عند أبي داود وغيره، أنه سأل النّبي صلّى الله عليه وسلّم، سمعت الله تعالى يقول: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة؟ فقال: أو تسريح بإحسان. ويكون قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ بيانا لهذا «1» . والحكمة من جعل الطلاق مرتين وإثبات حق الرجعة بعد كل من الطلاق الأول والثاني: هو إعطاء الفرصة لإصلاح كل من الزوجين حاله، لأن الأوضاع تعرف بأضدادها، فلا يجد المرء مقدار النعمة ولذتها حتى يذوق طعم النقمة ويشعر بمرارتها، فقد يكون الرجل عصبي المزاج، حاد الطبع، سيء الخلق، فيتورط في الطلاق، مرة بعد أخرى، فتذكره الفرقة، وما تتركه الزوجة من وحشة وفراغ «2» ، وما يتطلبه البيت والأولاد من خدمات، فيثوب لرشده، ويحد من سوء خلقه، ويصلح معاملته لزوجته، ويعاشرها بالمعروف كما أمر الله تعالى. وقد تكون المرأة مهملة حقوق زوجها وبيتها وأولادها، مترفعة سادرة «3» في كبريائها، فإذا أحست بألم الفرقة، ووحشة الطلاق، وأدركت أخطاءها، عادت إلى الحياة الزوجية بوجه جديد، وسلوك أفضل من السابق.
وعلى هذا النحو من التنازلات من كلا الزوجين، والعتاب الخفيف اللطيف، والتماس أوسط الحلول وأقربها إلى مصلحة الطرفين، والنظر البعيد إلى مستقبل الأسرة والأولاد، يمكن تجديد بنية العلاقات الزوجية، وتوجيهها وجهة معقولة متسمة بالحكمة والاتزان، ومراقبة الله تعالى في كل شيء، دون تفريط ولا إفراط، ولا بغي أو ظلم أو اعتداء من طرف على آخر، والله يحب المحسنين. فإن اختار الرجل التسريح على الإحسان- وهو أبغض الحلال إلى الله وهو الطلاق الذي لم يشرع إلا للضرورة-، حرم عليه أخذ شيء مما أعطاها: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة 2/ 229] سواء من مهر أو غيره، بل يجب عليه إهداؤها شيئا من الهدايا العينية أو النقدية زائدا عن حقوقها السابقة، عملا بقوله تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الأحزاب 33/ 49] وهذا تحذير للرجال من إلحاق الظلم بالنساء وهضم حقوقهن. ولكن يجوز للرجل أخذ ما تبذله المرأة من فداء مالي عن الطلاق، لتفتدي به نفسها، لأنه برضاها واختيارها دون إكراه، إذا كانت المرأة هي الطالبة لفراق زوجها، لكراهتها إياه، أو لسوء خلق منها أو منه، دون قصده الإضرار، لقوله تعالى: وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق 65/ 6] ، وخاف الزوجان تجاوز حدود الله- أي أحكامه- التي شرعها للزوجين من حسن العشرة وأداء الحقوق المطلوبة في ظل ولاية الرجل، بأن خافت المرأة الوقوع في المعصية مثل جحد نعمة العشرة أو الخيانة، أو خاف الرجل تجاوز الحدود في مؤاخذة الناشز، وهذا الفراق على عوض مالي من المرأة يسمى الخلع، وتجب بعده العدة كالطلاق، ولا تصح الرجعة بعده إلا بأمر الزوجة، بخلاف الطلاق الرجعي، وقد حث النّبي صلّى الله عليه وسلّم على ترك طلب الخلع من المرأة من غير ضرورة، روى أحمد والترمذي والبيهقي عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أيما امرأة سألت
زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» وقال: «المختلعات هن المنافقات» «1» . ثم حرّم الله تعالى تحريما قاطعا تجاوز حدود الله التي حدها في العلاقات الزوجية وغيرها: وهي الأحكام المقررة المشتملة على الأوامر والنواهي، فلا يجوز تجاوز ما أحله إلى ما حرمه، وما أمر به إلى ما نهى عنه. ثم حذر وأوعد المخالفين الذين يعتدون على أحكام الشرع، ويفعلون ما لا ينبغي فعله، ويتعدون حدود الله، ووصفهم بأنهم الظالمون، ولا ظالم غيرهم. ثم أبان تعالى حكم الطلاق الثالث الذي تصبح المرأة بعده بائنا بينونة كبري، فقال: فإن طلقها بعد الطلقتين السابقتين، فلا تحل له أبدا من بعد هذا الطلاق الثالث، حتى تتزوج من آخر زواجا شرعيا صحيحا يقصد به الدوام والاستمرار دون أن يقصد به مجرد تحليل المرأة المطلقة لزوجها، ولا بد في الزواج الثاني من الدخول الحقيقي بالمرأة (أي الجماع) عملا بما رويناه سابقا في قصة رفاعة، التي رواها الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم بعبارة أخرى مشهورة عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبتّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» «2» . فإن طلقها الزوج الثاني بنحو طبيعي، وانقضت العدة، فيجوز للزوج الأول أن يعقد عليها عقدا جديدا، إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية
والتزام ما أمر الله به من المعاشرة الحسنة، فتلك حدود الله، وأما إن ظنا حين المراجعة أنهما يعودان لما كان، من إضرار بها، أو نشوز منها، فالرجوع ممقوت عند الله، وإن صح قضاء. ويلاحظ أنه لم يقل: «إن علما أنهما يقيمان» لأن اليقين مغيب عنهما، لا يعلمه إلا الله عز وجل، ومن فسر الظن هاهنا بالعلم، فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى، لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن: علمت أنه قام، ولأن الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظنا «1» . أما نكاح التحليل المؤقت: وهو الذي يقصد به تحليل المرأة لزوجها الأول بشرط أو اتفاق في العقد أو غيره بالنية، فهو زواج باطل غير صحيح، ولا تحل به المرأة للأول الذي طلقها، وهو معصية لعن الشرع فاعلها، سواء علم الزوج المطلّق أو جهل بذلك وهو رأي مالك وأحمد والثوري والظاهرية. وقال الحنفية والشافعية: هو صحيح مع الكراهة ما لم يشترط التحليل في العقد. والرأي الأول أصح وأحق بالاتباع، لما روى أحمد والنسائي عن ابن مسعود، وابن ماجه عن عقبة بن عامر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلّل له» . وروى أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المحلّل، قال: «لا، إلا نكاح رغبة، لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله عز وجل، ثم تذوق العسيلة» . وروى ابن المنذر وابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا أوتى بمحلّل ومحلّل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك، فقال: كلاهما زان» . وسأل
رجل ابن عمر، فقال: ما تقول في امرأة تزوجتها لأحلّها لزوجها، لم يأمرني ولم يعلم؟ فقال ابن عمر: لا، إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وسئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته ثلاثا، ثم ندم، فقال: هو رجل عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان، فلم يجعل له مخرجا، فقيل له: فكيف ترى في رجل يحلّها له؟ فقال: من يخادع الله يخدعه. بهذا يتبين أن التحليل المؤقت ليس من شرع الله ولا دينه، وفيه مفاسد كثيرة، وهو زنى، وإن تم بعقد في الظاهر. ثم ختم الله تعالى الآية بإعلان صريح: وهو أن هذه الأحكام هي حدود الله يبينها بأجلى بيان، ويوضحها بأتم وضوح، لقوم يدركون فائدتها، ويعلمون مصلحتها، فلا يحيدون عنها، ولا يتحايلون عليها، وإنما يعملون بها على الوجه الذي تتحقق به الفائدة المرجوة، فلا يضمر الرجل السوء أو يبيت الانتقام إذا راجع امرأته. إن أحكام الله وشرعه ومنها الطلاق والرجعة منسجمة مع الحكمة والواقع، فقد تستعصي الحلول، فيلجأ إلى الطلاق، وما أكثر حوادث الطلاق في بلاد الغرب لأتفه الأسباب التي نستغربها أشد الغرابة في بلادنا. ويحدث الندم عادة وغالبا في الطلاق بين المسلمين والمسلمات إذا لم يكن هناك انحراف واضح أو سلوك معوج يصعب تقويمه، كالخيانة الزوجية أو السلوك المشبوه الذي يعجز الرجل عن إثباته، فيكون الطلاق حال الانحراف أو الشذوذ طريق الخلاص المحتوم، وتكون الرجعة في الأحوال التي تحتمل الإصلاح والتربية الناجعة. وأما الأخطاء التي يرتكبها الرجل في الإقدام على الطلاق بغير وجه مشروع أو يسيء استعمال هذا الحق الممنوح له لأحوال اضطرارية أو استثنائية، فيتحمل
فقه الحياة أو الأحكام:
وزرها أصحابها، ويكون الإسلام منها براء. تلك حدود الله أي ما منع منه يبينها لقوم يعلمون الحقائق ويعلمون المصالح المترتبة على العمل بها، لأن الجاهل لا يحفظ الأمر والنهي ولا يتعاهده، والعالم يحفظ ويتعاهد. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت الآيتان على أحكام ثلاثة: هي الطلاق الرجعي وهو الطلاق الأول والثاني، والخلع وهو الفراق على عوض من المرأة، والطلاق الثلاث أو البائن بينونة كبري: وهو حكم المبتوتة. 1- عدد الطلاق والسنة فيه: نزلت الآية كما عرفنا لبيان عدد الطلاق الذي يجوز فيه للرجل الرجعة والعدد المشروع الذي تصح بعده المراجعة، ردا على ما كان عليه العرب في الجاهلية من أن الطلاق لا حد له، وقد تستخدم الرجعة للإضرار بالمرأة، فتصبح لا هي مزوجة ولا هي مطلقة، وإنما معلقة. والطلاق: هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها، وبقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق» وقد طلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حفصة ثم راجعها «1» . وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر لم يمسها فيه أنه مطلّق للسنة، وللعدة التي أمر الله تعالى بها، وأن له الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها، فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب.
وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم: المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق، وكيف يطلقون أي مفرقا، فمن طلق اثنتين، فليتق الله في الثالثة، فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها، وإما أمسكها محسنا عشرتها، والآية كما قال القرطبي: تتضمن المعنيين، أي تحديد عدد الطلاق وتفريقه، ودليلهم ما أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن مسعود في قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ.. قال: «يطلقها بعد ما تطهر، من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء، ثم إن أراد أن يراجعها، راجعها، ثم إن شاء الله طلقها، وإلا تركها حتى تتم ثلاث حيض، وتبين منه بها» . وعلى هذا يكون قد بين الله سنة الطلاق في هذه الآية، وبين أن من سنته تفريق الطلاق، ولأنه قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ وهذا يقتضي أن يكون طلقتين مفرقتين، لأنهما إن كانتا مجتمعتين، لم يكن مرتين. فإذا خالف المطلق وجمع التطليقات الثلاث في لفظ واحد، فاختلف العلماء في ذلك. قال الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة: يقع به ثلاث طلقات، مع الكراهة عند الحنفية والمالكية، لأن طلاق السنة: هو أن يطلقها واحدة، ثم يتركها، حتى تنقضي عدتها. وقال الشيعة الإمامية: لا يقع به شيء. وقال الزيدية وابن تيمية وابن القيم: يقع به واحدة، ولا تأثير للفظ فيه. ومنشأ الخلاف: كيفية فهم آية الطَّلاقُ مَرَّتانِ هل هي متعلقة بما قبلها، أم مستقلة عنها؟ وكيفية تأويل حديث ابن عباس. أما الآية: فقال الإمامية ومن وافقهم: إن التعريف للعهد، أي الطلاق
المشروع مرتان، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع، أي ليس مشروعا كون الطلاق كله دفعة واحدة. ورأى مالك أن معناه: الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان، فتكون الآية مرتبطة بما قبلها، فالله لما ذكر أن بعولتهن أحق بردهن، أراد أن يبين الطلاق الذي فيه الرجعة. وذهب أبو حنيفة إلى أن معناه: الطلاق الجائز مرتان. وأما حديث ابن عباس الذي رواه أحمد ومسلم من طريق طاوس فهو كما قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» . أما أئمة المذاهب الأربعة فأوّلوا الحديث على صورة تكرير لفظ الطلاق ثلاث مرات، بأن يقول الرجل: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» فيلزمه واحدة إذا قصد التوكيد، وثلاث إذا قصد تكرير الإيقاع، وكان مسلمو الصدر الأول يصدقون في إرادة التوكيد، لورعهم وتقواهم، ثم تبدل الحال، فصار الغالب عليهم قصد الثلاث، بدليل قول عمر: «إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة» وهذا الحكم إنما هو في القضاء، أما في الديانة فيعمل كل واحد بنيته. وأما الإمامية وموافقوهم فقالوا: يجب العود إلى سنة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وترك اجتهاد عمر، لأن إمضاء الثلاث إبطال للرخصة الشرعية والرفق المشار إليه بقوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [الطلاق 65/ 1] . وبالرغم مما أراه وهو رجحان مذهب الجمهور، لا أجد مانعا من الأخذ برأي ابن تيمية ومن وافقه، لأن الطلاق هدم للأسرة، وتعريض لضياع الأولاد، وهو
2 - الخلع:
كما قال صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم عن ابن عمر-: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» والشريعة أجازته لدفع ضرر أشد، وتحصيل مصلحة أكثر، ولا يلجأ إليه إلا للضرورة القصوى، والله شرع الطلاق مرتين متفرقتين في طهرين كما أرشدت إليه السنة، لا مجتمعتين، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق وأمضى الطلاق. وفي هذا تيسير على الناس، وبخاصة أنهم يقصدون غالبا بالطلاق التهديد والزجر، لا الحقيقة والوقوع الفعلي، ثم إن الفرقة تحدث بطلقة واحدة، فيكون ما يتلوها مؤكدا لها. 2- الخلع: نهى الله تعالى الأزواج أن يأخذوا شيئا من أزواجهم على وجه المضارّة، إذا طلقوهن وكان مما آتوهن، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهن، لأن العرف بين الناس: أن يطلب الرجل عند وقوع النزاع ما قدم من صداق وجهاز. ولكن إذا بذلت الزوجة الفدية على الطلاق، جاز الأخذ في رأي الجمهور إذا كان النشوز من قبلها. وذهب بعضهم (داود الظاهري) إلى أن الذي يبيح أخذ الفداء هو خوف ألا يقيما حدود الله منهما جميعا، لكراهة كل منهما صحبة الآخر. والظاهر الرأي الأول وهو أن نشوزها وسوء عشرتها لزوجها كاف في جواز أخذ الفداء، وإن كان ظاهر الآية يؤيد رأي غير الجمهور. وعليه، فإن الخلع جائز عند أكثر الأئمة، سواء أكان في حالة الخوف أم في غير حالة الخوف، بدليل قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً، فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء 4/ 4] . وذهب الجمهور: إلى أنه يجوز الخلع بأزيد مما أعطاها، لأنه عقد معاوضة يوجب ألا يتقيد بمقدار معين، لكن يكره عند الحنفية، ولا يستحب عند غيرهم أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، لقصة امرأة ثابت بن قيس المتقدمة، التي قال
وهل الخلع طلاق أو فسخ؟ :
النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيها: «أتردّين عليه حديقته؟ فقالت: نعم وزيادة، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: أما الزيادة فلا» . ومنع الشعبي والزهري والحسن البصري الخلع بأكثر مما أعطاها، لقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي مما آتيتموهن. وأخذ الجمهور بإطلاق هذه الآية. وأجاز الجمهور غير الشافعي الخلع على غرر (أمر محتمل) أو معدوم ينتظر وجوده، كثمرة لم يبد صلاحها، وجمل شارد، وجنين في بطن أمه، أو نحو ذلك من وجوه الغرر، بخلاف البيوع والزواج، وله المطالبة بذلك كله، فإن سلم كان له، وإن لم يسلم فلا شيء له، والطلاق نافذ على حكمه. وقال الشافعي: الخلع جائز وله مهر مثلها. وقال أبو ثور: الخلع باطل. وهل الخلع طلاق أو فسخ؟ ذهب الجمهور (الحنفية والمالكية، والشافعية على الراجح) : إلى أن الخلع طلاق لا فسخ يقع به طلقة بائنة، لقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وإنما يكون فداء إذا خرجت المرأة من سلطان الرجل، ولو لم يكن بائنا لملك الرجل الرجعة، وكانت تحت حكمه وقبضته، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جازت الرجعة لعاد الضرر. أما كونه طلاقا: فلأنه لو كان فسخا لما جاز بأكثر من المهر، كالإقالة في البيع، مع أنه يجوز بالأكثر، وإذا بطل كونه فسخا، تعين كونه طلاقا. واستدلوا أيضا بما ورد عن ابن عباس في امرأة ثابت بن قيس: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: اقبل الحديقة، وطلقها طلقة واحدة» «1» .
والمعتمد لدى الحنابلة التفصيل: وهو أن الخلع طلاق بائن، إن وقع بلفظ الخلع والمفاداة ونحوهما، أو بكنايات الطلاق، ونوى به الطلاق، لأنه كناية نوى بها الطلاق، فكانت طلاقا. وهو فسخ لا ينقص به عدد الطلاق إذا لم ينو طلاقا، بأن يقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو المفاداة، ولا ينوي به طلاقا، فيكون فسخا لا ينقص به عدد الطلاق. وذهب ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأحمد: إلى أن الخلع فسخ لا طلاق، لأن الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم ذكر الخلع، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ فلو كان طلاقا لكان ذلك يدل على أن للرجل أربع تطليقات. ورد عليهم بأن الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم بين أنه لا يجوز أخذ مال على الطلاق، إلا في الحال التي ذكرها الله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما.. سواء أكان ذلك عند الطلقة الأولى أم الثانية أم الثالثة، ثم بين الطلقة الثالثة بقوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ. واستدلوا أيضا بما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس «أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه، جعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم عدتها حيضة» . ولو كان طلاقا لكانت عدتها ثلاثة قروء كما قال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة 2/ 228] . وإذا وقع الخلع على غير عوض، كان طلاقا بائنا في رواية عن مالك. ووقع خلعا بعوض في الرواية الأخرى عنه، وفي رأي الحنفية والشافعية والحنابلة، لأن البدل في ذاته كالمهر لازم في الخلع على كل حال، بل إنه عند الحنابلة ركن، فإن خالعها بغير عوض، صح الخلع ولزم العوض عند الحنفية والشافعية، ولم يقع خلع ولا طلاق إلا إذا كان بلفظ طلاق، فيكون طلاقا رجعيا.
وهل يجبر الرجل على قبول الخلع؟ :
وهل يجبر الرجل على قبول الخلع؟ جميع الفقهاء يرون أنه لا يجبر الرجل على قبول الخلع، فلا بد فيه من التراضي بين الطرفين، لقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء 4/ 19] وقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة 2/ 229] وحملوا الفاحشة في الآية على الزنا. وقال ابن رشد: والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك (أبغض) المرأة، جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل «1» . وأما أهلية الخلع: فكل من يصح طلاقه يصح خلعه، فيصح الخلع عند الجمهور من البالغ العاقل، رشيدا أو سفيها. وأجاز الحنابلة: أن يكون مميزا يعقله. أما من لا يصح طلاقه ولا يصح خلعه فهو كالصبي والمجنون والمعتوه ومن اختل عقله لمرض أو كبر سن. وللرشيدة «2» أن تخالع عن نفسها في رأي الجمهور، أما السفيهة فلا تخالع لأنها محجورة. ويصح الخلع من الحاكم ولي غير المكلف من صبي أو مجنون إذا كان في الخلع مصلحة. ولم يجز أبو حنيفة والشافعي وأحمد للأب خلع زوجة ابنه الصغير والمجنون ولا طلاقها. وقال مالك: يخالع الأب على ابنه الصغير وابنته الصغيرة، لأنه في رأيه يطلّق على الابن، ويزوج الصغيرة. وأما الطلاق بعد الخلع في العدة: بأن خالع الرجل زوجته، ثم طلقها، وهي في العدة، فيلحقها في رأي الحنفية، ولا يلزمها في رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) .
3 - نكاح المبتوتة:
3- نكاح المبتوتة: وهي المطلقة طلاقا ثلاثا. لها أن تتزوج بزوج آخر بعد انتهاء العدة من الزوج الأول، وتحل للزوج الأول إن كان الزواج الثاني قائما على الرغبة والدوام والبقاء لا السفاح، وحدث طلاق من غير تواطؤ، وانقضت العدة بعد هذا الطلاق. واختلف في ذلك النكاح الذي اشترط لحل المطلقة ثلاثا، فذهب سعيد بن المسيب إلى أنه العقد، فتحل المطلقة ثلاثا للأول بمجرد العقد على الثاني. وهذا من شذوذاته» . وذهب سائر العلماء إلى أن المراد به الوطء، كما بينا: وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج، ويحصن الزوجين، ويوجب كمال الصداق. واشترط مالك أن يكون الوطء مباحا: بألا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها، ويكون الزوج بالغا. واشترط أحمد أيضا أن يكون الوطء حلالا، وأن يكون الواطئ له اثنا عشر سنة. ولم يشترط أبو حنيفة كون الوطء مباحا، فيجوز في وقت غير مباح كحيض أو نفاس، وأجاز كون الواطئ بالغا عاقلا أو صبيا مراهقا أو مجنونا، لأن وطء الصبي والمجنون يتعلق به أحكام النكاح من المهر والتحريم كوطء البالغ العاقل. واتفق علماء المذاهب الأربعة على أن النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثا، ويشترط أن يكون النكاح صحيحا. ومنشأ الخلاف بين ابن المسيب والجمهور: أن النكاح ورد في القرآن بمعنى العقد والوطء، واحتمل أن يكون المراد بقوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ:
وهل على الزوجة خدمة؟ :
العقد أو الوطء، فجاءت السنة وبينت أن المراد به الوطء، كما قدمنا في الأحاديث. وقد عرفنا حكم نكاح المحلل، وهو البطلان في رأي مالك وأحمد والثوري وأهل الظاهر. والكراهة في رأي الحنفية والشافعية، ما لم يشترط التحليل في العقد. وإذا عقد الزوج الأول على المطلقة من الثاني ضمن قيود الشريعة عادت إليه بطلقات ثلاث. وهل يهدم الزواج الثاني مادون الثلاث؟ فيه رأيان: قال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة، ومحمد وزفر من الحنفية) : لا يهدم، أي أن المطلقة مرة واحدة أو مرتين، ثم تزوجت زوجا آخر، ثم رجعت إلى زوجها الأول، تكون على ما بقي من طلاقها، لأن الوطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، والإمامية في أشهر الروايتين: إنه يهدم، فتعود إلى الزوج الأول بطلاق ثلاث، كما يهدم ما دون الثلاث، لأنه إذا هدم الطلقة الثالثة، فهو أحرى أن يهدم ما دونها، لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلا يتسع ثلاث تطليقات، فيتسع لما دونها بالأولى. وهل على الزوجة خدمة؟ اختلف المالكية، فقال بعضهم: ليس على الزوجة خدمة، لأن العقد يتناول الاستمتاع، لا الخدمة، فهو ليس بعقد إجارة، ولا تملّك رقبة، وإنما هو عقد على الاستمتاع، والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره، فلا تطالب بأكثر منه، لقوله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ، فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء 4/ 34] .
واجب الرجل في معاملة المطلقة وولاية التزويج [سورة البقرة (2) الآيات 231 إلى 232] :
وقال بعضهم: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوّة أو ترفه، فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقمّ البيت وتطبخ وتغسل، لقوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة 2/ 228] وهذا الرأي أسلم، عملا بما جرى عليه عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه، ألا ترى أن أزواج النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك. وقسم النّبي صلّى الله عليه وسلّم- كما بينا- شؤون المعيشة بين علي وفاطمة، فجعل لفاطمة شؤون البيت، ولعلي شؤون الكسب والمعاش خارج البيت. واجب الرجل في معاملة المطلّقة وولاية التزويج [سورة البقرة (2) : الآيات 231 الى 232] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) الإعراب: ضِراراً مفعول لأجله. إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ إذا: ظرف زمان، ويتعلق إما بفعل: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أو بقوله: أَنْ يَنْكِحْنَ. والواو في تَراضَوْا يراد به الأزواج
البلاغة:
والنساء، لكن غلب جانب المذكر على جانب المؤنث. وقوله: بِالْمَعْرُوفِ جار ومجرور متعلق بفعل تَراضَوْا أو بفعل يَنْكِحْنَ والأولى الأول، لأنه أقرب إليه. ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ وحد الكاف، وإن كان الخطاب لجماعة، لأنه أراد به الجمع، كأنه قال: أيها الجمع، والجمع: لفظه مفرد، ويجوز أن يثنى ويجمع على العدد، مثل قوله تعالى: ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ. البلاغة: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: مجاز مرسل، أطلق فيه الكل على الأكثر، لأنه لو انقضت العدّة لما جاز له إمساكها. وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ من باب عطف الخاص على العام، لأن الكتاب والسّنة من أفراد النعمة الإلهية. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ جناس اشتقاق بين اعْلَمُوا وعَلِيمٌ. أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ من باب المجاز المرسل، إذ المراد به المطلقين، وسمّوا أزواجا باعتبار ما كان. المفردات اللغوية: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ قاربن انقضاء عدتهن، والأجل يطلق على المدّة كلها وعلى آخرها، فيقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل. والمراد به هنا زمن العدّة. فَأَمْسِكُوهُنَّ بالمراجعة. بِمَعْرُوفٍ من غير ضرر، والمعروف ما استحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة. أَوْ سَرِّحُوهُنَّ التسريح: ترك المراجعة حتى تنقضي العدة. ضِراراً أي بقصد الإضرار بهنّ. لِتَعْتَدُوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل العدّة. والاعتداء: الظلم. ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعريضها لعذاب الله. آياتِ اللَّهِ هي أحكام الطلاق والرجعة والخلع ونحوها. هُزُواً مهزوءا بها بالإعراض عنها والتهاون في الحفاظ عليها. نِعْمَتَ اللَّهِ الإسلام وسائر نعم الله والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين. وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ أي ما أنزل الله في القرآن من آيات أحكام الزوجية التي تحقق السعادة في الدارين. وَالْحِكْمَةِ السّنة الشريفة، أو سرّ تشريع الأحكام وما فيها من منافع ومصالح، وقيل: هي الإصابة في القول والعمل. يَعِظُكُمْ بِهِ بأن تشكروها بالعمل به. فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ البلوغ: الانتهاء، والأجل هنا آخر مدّة العدّة، فهو على الحقيقة
سبب النزول:
لاقربها، كما في الآية السابقة، لأن إمكان المراجعة لا يتأتى إلا في العدّة، قال الشافعي: دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين. فَلا تَعْضُلُوهُنَّ الخطاب للأولياء، أي لا تمنعوهنّ من نكاح أزواجهنّ المطلقين لهنّ. والعضل: الحبس والتضييق والمنع. إِذا تَراضَوْا أي الأزواج والنساء. بِالْمَعْرُوفِ شرعا. ذلِكَ النهي عن العضل. يُوعَظُ بِهِ العظة: النّصح والتذكير بالخير، وكان مقتضى الظاهر: أن يقال: «ذلكم يوعظ به» ، لأنه يخاطب جماعة، وإنما قال: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ لكثرة تردده على ألسنة العرب في كلامها. أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ أفضل وأطيب، من الزكاء: وهو النماء والبركة والخير، ومن الطّهر: وهو الطيب والنقاء. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما في ذلك من المصلحة والزكاء والطّهر. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك، فاتبعوا أمره. سبب النزول: نزول الآية (231) : أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدّتها، ثم يطلقها، يفعل ذلك، يضارّها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج الطبري عن السّدّي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلّق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها، ثم طلّقها مضارّة، فأنزل الله: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا «1» . وقوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً أخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء، قال: كان الرجل يطلّق، ثم يقول: لعبت، ويعتق، ثم يقول: لعبت، فأنزل الله: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً فقرأها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: «ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والرّجعة» . وقال أيضا: «من طلّق لاعبا، أو أعتق لاعبا، فقد جاز عليه» .
نزول الآية (232) :
نزول الآية (232) : روى البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم عن معقل بن يسار: أنه زوّج أخته رجلا من المسلمين، فكانت عنده، ثم طلّقها تطليقة، ولم يراجعها، حتى انقضت العدّة، فهويها وهويته، فخطبها مع الخطّاب، فقال له: يا لكع «1» ، أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها؟! والله لا ترجع إليك أبدا، فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إليه، فأنزل الله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إلى قوله: وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، فلما سمعها معقل، قال: سمعا لربّي وطاعة، ثم دعاه، وقال: أزواجك، وأكرمك، فزوجها إياه. التفسير والبيان: إذا طلقتم النساء، وقار بن إتمام العدّة، فعليكم أحد أمرين: إما إمساك المرأة بالمعروف (أي بالمراجعة دون إيذاء) ، أو إخلاء سبيلها بالمعروف (أي الخلو من إلحاق ضرر بها) . وفسّر بلوغ الأجل بقرب إتمام العدّة، لأن العدّة إذا انقضت لا تجوز مراجعتها، فهذا المعنى مضطر إليه، أما بلوغ الأجل في الآية التالية فهو الانتهاء، لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية، مجاز في الأولى. ثم أكّد منع الضرر، فقال: ولا تراجعوهنّ بقصد إلحاق الضرر بهنّ وإيذائهنّ بالحبس وتطويل العدّة، حتى يضطرن إلى الفدية ودفع المال لكم، فهذا اعتداء عليهن، ومن يفعل هذا الفعل الممنوع وهو الإمساك على سبيل الضرار والعدوان، فقد ظلم نفسه في الدنيا بإقلاق ضميره وفتح باب الشّر والعداء مع أسرة المرأة، وفي الآخرة بتعريض نفسه لعذاب الله وغضبه، بسبب تسلطه على الضعفاء، واستغلاله حاجة المرأة إلى الخلاص منه.
ولا تتهاونوا في امتثال أوامر الله تعالى، والتزام حدوده التي شرعها لكم، فإن تهاونتم وقصرتم كنتم كمن يستهزئ بالله وأمره. وفي هذا وعيد شديد لمن يتجاوز الحدود الشرعية، وفيه حثّ للمؤمن على احترام صلة الزوجية، والبعد عن أفعال الجاهلية. واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وسائر نعمه، ومنها جعل الرحمة والمودة بين الزوجين، كما قال الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم 30/ 21] . واذكروا ما أنزل الله عليكم في القرآن والسّنة النّبوية من أحكام وحكم تشريعيّة، لتوفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة والهناءة وغير ذلك، مما فيه مصلحة ومنفعة، إذ أن الأحكام تضع أصول النظام، وأسرار الحكمة التشريعية تساعد على الامتثال والاتّعاظ والاقتناع. ثم وثّق الحقّ سبحانه وتعالى الأحكام التشريعية في الزواج بما يبعث على احترامها، وهو التقوى أي خوف الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك احتقار المرأة وعدم المبالاة برابطة الزوجية المقدسة، خلافا لما كان عليه العرب في الجاهلية من الاستهانة بالمرأة، واتّخاذها مجرد متاع، وتطليقها لأتفه الأسباب، ومضارّتها بالمراجعة، وجعلها كالمعلّقة، وهذا ما يفعله الجهّال والطّائشون اليوم. واعلموا أن الله يعلم بكلّ شيء وبما عملتم من تعدي حدوده وتضييع أوامره، فيجازيكم على ما عملتم، فهو تعالى لا يرضى إلا باتّباع أحكامه، مع الإخلاص له في السّر والعلن. وإذا طلقتم النساء معشر المؤمنين، وانقضت عدّتهن تماما، فلا يجوز لكم أيها الأولياء أن تمنعوهنّ من العودة إلى الزواج بالزوج السابق بعد الطلقتين الأولى والثانية، ولا يجوز لكم أيها الأزواج أيضا أن تمنعوهنّ بما لكم من النفوذ من الزواج
فقه الحياة أو الأحكام:
بزوج آخر بعد الطّلقة الثالثة وانقضاء العدّة، إذا حصل التّراضي بين المرأة والخاطب لها، وكان الخاطب كفؤا، وبمهر المثل، ولم يكن هناك محظور شرعي. وعلى الأمة أيضا ممثلة بوجهائها وعلمائها وحكامها وعقلائها أن تكون متكافلة متضامنة في تحقيق المصلحة العامة، فلا تمنع المعروف، ولا تقرّ المنكر، فتهلك وتتضرّر. ذلك الذي تقدّم من نهي الأولياء عن عضل النساء وأحكام التشريع، يوعظ به أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، فهم الذين يتقبلونه، وتخشع له قلوبهم، امتثالا لأمر ربّهم، فشأن المؤمن الطاعة والعظة، وذلك النهي عن ترك العضل أزكى لكم، وأطهر من أدناس الآثام، أي أن فيه بركة وصلاحا لمتّبعيه، وفيه الطّهر بحفظ العرض والشّرف وعدم التّسبّب في الفسوق والفساد وانحراف المطلقات، والنّجاة من التّورّط في الآثام والمحرّمات والذّنوب والسّيّئات. والله يعلم ما في ذلك من النّفع والصّلاح لكم، والزّكاة والطّهر وصون السمعة، فامتثلوا أوامره، وأنتم لا تعلمون الحقائق وأبعاد المستقبل، ومخاطر ترك المرأة الأيم أو الثّيب من غير زواج، إرضاء للأهواء وحظوظ النّفس المريضة غير المتعقّلة، وإنما التي تتّبع الأوهام أو تناسق مع الأنفة والكبرياء. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على أحكام كثيرة هي ما يأتي: 1- الإمساك بالمعروف: وهو القيام بما يجب للمرأة من حقّ على زوجها، كالنّفقة، فإذا لم يجد ما ينفق على الزوجة، خرج عن حدّ المعروف، ويطلّقها، فإن لم يفعل طلّق عليه الحاكم من أجل الضّرر اللاحق بها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وهو رأي الجمهور (مالك والشافعي
وأحمد) لقوله صلّى الله عليه وسلّم في صحيح البخاري: «تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلّقني» . وقال الحنفية: لا يفرّق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلّق النفقة بذمته بحكم الحاكم، لقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة 2/ 280] . 2- التّسريح بإحسان: أي الطّلاق بدون إضرار لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [البقرة 2/ 231] ، والتّسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما: تركها حتى تتمّ العدّة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها. وهذا قول السّدّي والضّحاك. والمعنى الآخر: أن يطلّقها ثالثة فيسرحها، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصحّ لوجوه ثلاثة ذكرها القرطبي «1» : أحدها- ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فلم صار ثلاثا؟ قال: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» وفي رواية هي الثالثة. الثاني- أن التّسريح من ألفاظ الطّلاق. الثالث- أن فعّل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل. قال ابن عبد البرّ: وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ هي الطّلقة الثالثة بعد الطّلقتين، وإياها عنى بقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة 2/ 230] .
3- يحرم الاستهزاء بالأحكام الشرعية: لأنه تعالى قال: لا تأخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو، فإنها جدّ كلها، فمن هزل فيها لزمته. ومن الهزء: الاستغفار من الذّنب قولا مع الإصرار فعلا. 4- من طلّق هازلا يلزمه الطّلاق بالإجماع، لما روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: النكاح، والطّلاق، والرّجعة» . وقال علي وابن مسعود وأبو الدرداء: «ثلاث لا لعب فيهنّ، واللاعب فيهنّ جادّ: النّكاح، والطّلاق، والعتاق» . 5- شكر النعمة: أمر الله تعالى بتذكر نعمه علينا من الإسلام وبيان الأحكام، وتشريع الأنظمة، وتبيان القرآن بالحكمة أي الأسرار التشريعية والسّنة النّبوية. كل ذلك للتخويف وإعداد النفس للتقوى، لأن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. نهي أولياء المرأة عن أن يعضلوها: أي يمنعوها حقّ الزواج إذا خطبها الكفء، وتراضت المرأة والخاطب لها. 7- لا يجوز النّكاح بغير ولي: دلّت الآية على أنه لا يجوز النّكاح بغير ولي، بدليل سبب النزول في أخت معقل، فقد كانت ثيّبا، ولو كان الأمر إليها دون وليّها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليّها: معقل، فالخطاب إذن في قوله تعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأولياء، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهنّ، ولأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بدون رضا وليّها، ولم يكن للولي شأن لما كان معنى لنهي الأولياء عن أن يعضلوا النساء. وهذا رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) . وقال الحنفية: للمرأة أن تزوّج نفسها، لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها، كما قال: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ولم يذكر الولي، ولأن الخطاب في آية
الاسترضاع بأجر ومدة الرضاع ونفقة الأولاد وأحكام أخرى [سورة البقرة (2) آية 233] :
فَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارّة عضلا عن نكاح الغير، بتطويل العدّة عليها، ولأن قوله إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ دليل على أنه لا مانع أن يخطب الرجل المرأة إلى نفسها، ويتّفق معها على التزوّج بها. والعضل يكون بعد انتهاء الأجل أي بعد انتهاء العدّة. ودلّ قوله بِالْمَعْرُوفِ على أن العضل من غير الكفء غير محرم. وأجاز بعضهم العضل إذا كان المهر دون مهر المثل. والمدار في الكفاءة على العرف الشرعي السائد، لا على التقاليد المصطنعة. 8- الإيمان مدعاة الاتّعاظ: دلّت الآية: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ على أن المؤمن حقّا لا بدّ له أن يتّعظ، فالذين لا يتّعظون ولا يعملون بأوامر الله ليسوا بمؤمنين، وإنما آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. 9- التشريع الإلهي يحمي المصالح الاجتماعية العامة البعيدة الأمد التي لا يتنبه لها الناس أحيانا، بسبب قصور العقل البشري وعدم قدرته على الاستيعاب، والاطّلاع على المستقبل. الاسترضاع بأجر ومدّة الرضاع ونفقة الأولاد وأحكام أخرى [سورة البقرة (2) : آية 233] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
الإعراب:
الإعراب: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ خبر بمعنى الأمر، أي ليرضعن، مثل وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ، ومجيء الخبر بمعنى الأمر كثير في العربية. لِمَنْ أَرادَ اللام إما متعلّق بيرضعن، فهو منصوب، وإما متعلق بمحذوف على أنه مرفوع خبر مبتدأ تقديره: هذا الذي ذكرنا لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ تقديره: وعلى المولود له الولد، والولد نائب فاعل للمولود. لا تُضَارَّ قراءة الفتح على أن يكون لا نهيا، وتضارّ مجزوم بها، وحرّكت بالفتح لأن الفتحة أخف الحركات، وقراءة الرفع على أن يكون لا نفيا يراد به النهي مثل قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ويصحّ كون الفعل مبنيّا للمعلوم أو للمجهول. والِدَةٌ فاعل تضارّ، على أن أصله: تضارر بكسر الراء الأولى، ويقدر مفعول محذوف، تقديره: لا تضارر والدة بولدها أباه، ولا يضارر مولود له بولده أمّه. أَوْلادَكُمْ أي لأولادكم، فحذف حرف الجرّ، فاتّصل الفعل بالاسم، فنصبه. ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ آتى: يتعدى إلى مفعولين، لأنه بمنزلة أعطى، وتقديره: آتيتموه المرأة، أي أعطيتموه المرأة. البلاغة: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ خبر بمعنى الأمر للمبالغة في الحمل على تحقيقه، أي ليرضعن، كما بيّنا. أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فيه إيجاز بالحذف، أي تسترضعوا المراضع لأولادكم، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والغيبة في قوله: فَإِنْ أَرادا فِصالًا والالتفات لتحريك مشاعر الآباء نحو الأبناء. المفردات اللغوية: يُرْضِعْنَ أي ليرضعن. حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ الحول: العام أو السنة. وكاملين: صفة مؤكّدة. الْمَوْلُودِ لَهُ هو الأب الوالد. رِزْقُهُنَّ إطعام الوالدات. وَكِسْوَتُهُنَّ على الإرضاع إذا كنّ مطلّقات. بِالْمَعْرُوفِ بقدر طاقته. وُسْعَها طاقتها، وهي آخر درجات القدرة، وما بعدها العجز. والتكليف: الإلزام. لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها بسببه بأن تكره على
المناسبة:
إرضاعه إذا امتنعت. وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ أي بسببه بأن يكلّف فوق طاقته. وإضافة الولد إلى كلّ منهما في الموضعين للاستعطاف. والمضارّة: تقتضي المشاركة أي مشاركة كلّ من الوالدين للآخر في الضّرر. وهذا يدلّ على أن الإضرار بالآخر إضرار بنفسه، وينعكس أثر المضارّة على الولد. وَعَلَى الْوارِثِ وارث الأب وهو الصّبي مثل ذلك، أي على الولد في ماله للوالدة من الرزق (النفقة) والكسوة وعدم الإضرار بها مثل الذي على الأب للوالدة، إن كان له مال، أي إن نفقة إرضاعه تكون من ماله إن كان له مال، وإلا فهي على عصبته. وقال بعضهم: إن المراد بالوارث: هو وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه، وهو قريبه إذا مات، فتؤخذ النفقة ممن يرث الطفل إذا لم يكن له مال، لو مات. واللفظ يحتمل المعنيين، والأول: اختيار الطبري والزمخشري وغيرهما، وهو معطوف على قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وما بينهما تفسير للمعروف، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، ويكون المعنى: وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، أي إن مات المولود له، لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بشرط المعروف وتجنّب الضّرار. فَإِنْ أَرادا أي الوالدان. فِصالًا فطاما له قبل الحولين، وسمّي بذلك، لأنه يفصل الولد من أمه، ويفصلها منه، فيكون مستقلا في غذائه دونها. عَنْ تَراضٍ اتّفاق بينهما. وَتَشاوُرٍ بينهما فيما يحقق مصلحة الصبي. والتشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي من المستشارين. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي لا حرج. أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ تتخذوا مراضع غير الوالدات. ما آتَيْتُمْ سلمتم إليهن ما أردتم إيتاءه لهنّ من الأجرة.. بِالْمَعْرُوفِ بالجميل كطيب النفس. المناسبة: لما ذكر الله أحكام النكاح والطلاق الذي يحصل به الفراق، ذكر حكم ما كان من نتيجة النكاح، لأن المطلّقات قد يكون لهنّ أولاد رضّع، وربّما ضاعوا بين كراهة الأزواج وعنت المطلّقات، فربما حرمتهم الرضاع انتقاما من الأبّ، فأوصى الوالدات بالأولاد، فجعل مدّة الرّضاع حولين كاملين إذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة، وألزم الآباء بكسوة الوالدات ونفقتهن مدّة الرّضاع بقدر سعتهم أو طاقتهم، ونهى عن مضارّة أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد، فترفض الأمّ إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، أو تبالغ في طلب النفقة والكسوة، وينتزع الأبّ
التفسير والبيان:
الولد منها إضرارا بها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع، أو يمنعها حقّها في النفقة والكسوة، كما أنه تعالى نهى الوالدين عن إلحاق الضرر بالولد، فيحدث تقصير فيما ينبغي له، وكل ذلك رعاية من الله للصبي، لأنه عاجز عن نفع نفسه ودفع الضرر عنها. وعلى هذا تكون الآية في المطلّقات اللاتي لهنّ أولاد من أزواجهنّ، فهنّ أحقّ برضاع أولادهنّ من الأجنبيّات، لأنهنّ أحنى وأرقّ، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها. وسبب كون المراد بالوالدات المطلّقات: أن الله تعالى قال: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ولو كانت الزوجية قائمة باقية لوجب على الزوج ذلك بالزوجية لا بالولادة، وأيضا ذكرت هذه الآية عقب آيات الطّلاق. ورأى بعضهم: أن المراد بالوالدات: كلّ والدة مطلّقة أو زوجة، أخذا بعموم اللفظ. التفسير والبيان: على الوالدات المطلقات، أو على جميع الوالدات مطلقات أو غير مطلقات أن يرضعن أولادهن مدة سنتين كاملتين دون زيادة عليهما، إذا أريد إتمام المدة، ولا مانع من نقص ذلك إذا رئيت المصلحة فيه، والأمر متروك للاجتهاد والتقدير. والرضاع مندوب للأم بصفة عامة، لأن لبنها أفضل لبن باتفاق الأطباء، وقد يجب إذا امتنع الطفل من الرضاع من غيرها، أو لم يجد الوالد مرضعة لفقر أو غيره. ورغبة بعض النسوة عن الإرضاع ترفعا أو محافظة على الجمال والصحة مناف لمقتضى الفطرة، مسيء لمصلحة الولد. وهل الرضاع حق للوالدة أو واجب عليها؟ فيه اختلاف.
فقال مالك: الرضاع حق على الوالدة إذا كانت زوجة أو لم يقبل الولد ثدي غيرها، واستثنى من ذلك الشريفة فلم يجعل حقا عليها، عملا بالعرف الذي كان عليه العرب وقت نزول الآية «1» ، فكان نساء قريش يلتمسن المراضع بأجر أنفة واعتزازا. وقال الجمهور: إن ذلك مندوب، إلا عند الضرورة كأن لم يقبل ثدي غير الأم، لقوله تعالى: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [الطلاق 65/ 6] . ومدة الرضاع التام: سنتان، لاحتياج الطفل إلى اللبن فيهما، ولا مانع من جعله أقل من ذلك حسبما يرى الوالدان المصلحة، ويعوّد الولد الآن بتناول شيء من الغذاء مع اللبن في أواخر الحول الأول، ثم يفطم إذا استغنى عن اللبن بالطعام المعتاد. وإنما قال الله حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لئلا يتوهم أنه أراد حولا وبعض الثاني. والمقصود من تحديد مدة الرضاع بحولين كاملين ليس وجوب ذلك، لأنه قال: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ فهو يدل على أن الإرضاع في الحولين ليس بحد أدنى لا يتعدى، وإنما ذلك لمن أراد الإتمام، أما من لا يريده فله فطم الولد دون بلوغ الحولين إذا لم يكن فيه ضرر للولد، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما [البقرة 2/ 233] فالمقصود بيان المدة التي يرجع إليها عند الاختلاف، أو بيان المدة القصوى قضاء. وعلى الوالد كفاية المرضع من طعام وكسوة، للقيام بحق الولد، وأجرة لها على الإرضاع، واستئجار الأم غير جائز ما دامت في الزواج أو العدة، ويجوز عند الشافعي رضي الله عنه مطلقا. وتقدير الأجرة على قدر حال الأب من اليسار والإعسار والتوسط، كما قال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ
عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها [الطلاق 65/ 7] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة 2/ 286] والآية هنا لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها أي لا تلزم نفس إلا بقدر سعتها. وأخذ من الآية أيضا وجوب نفقة الولد على الوالد، لأن الله أوجب نفقة المطلقة على الوالد في زمن الرضاع، لأجل الولد، وإنما وجبت لضعف الولد واحتياجه، والوالد أقرب الناس إليه. وعلة تشريع الأحكام السابقة منع الضرار من جانبي الرجل والمرأة، بإعطاء كل ذي حق حقه، فيحرم إضرار أحدهما الآخر بسبب الولد، فلا تمتنع الأم من إرضاعه تعجيزا للأب بالتماس الظئر (المرضع) ، أو تكلفه من النفقة فوق طاقته، أو تقصّر في تربية الولد، كذلك لا يجوز أن يمنعها من إرضاع ولدها وهي ترغب به، لأنها أرأف الناس به، وأحناهم عليه، وأنفعهم له، أو يضيّق عليها في النفقة، أو يمنعها من رؤيته ولو بعد مدة الرضاع والحضانة. وعلى وارث الأب مثل ذلك من النفقة والكسوة وترك الضرار للمرضع، وقيل: على وارث الصبي الذي لو مات ورثه، فدل هذا القول على وجوب النفقة على أقارب الصبي عند عدم الوالد. وهذا أصل في وجوب نفقة الأقارب، وهو مذهب أبي حنفية، وأحمد، إلا أن الحنفية أوجبوا النفقة لكل ذي رحم محرم كالعمة والخال، ولا تجب لغير ذي الرحم المحرم كابن العم وبنت العم، وأوجبها الحنابلة لكل قريب وارث بفرض أو تعصيب كالأخ والعم وابن العم، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة والعمة ونحوهم ممن لا يرث بفرض ولا تعصيب، لأن قرابتهم ضعيفة. ورأى مالك والشافعي أن النفقة لا تجب إلا على الوالدين، فنفقة الولد على أبيه، فإن مات ففي مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى الأم. والآية تؤيد
الرأي الأول، إلا أن يراد بالآية: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ترك الإضرار فقط، أو يراد من الوارث الولد نفسه. وتحديد مدة الرضاع بحولين كاملين إنما كان لبيان المدة القصوى التي يرجع إليها عند الاختلاف كما بينها الله، فإن أراد الوالدان فطام الولد قبل الحولين أو بعدهما، برضاهما وتشاورهما في مصلحة الطفل، فلا إثم عليهما فيه، حيث اقتضت المصلحة ذلك، ولم يلحق ضرر بالولد. ولا مانع من استئجار المراضع، وهو ما أبانته الآية التي أفصحت عن أنه: إذا أردتم أن تسترضعوا المراضع أولادكم أو لأولادكم بسبب حمل أو مرض أو عدم اتفاق، فلا حرج فيه، بشرط إعطاء المرضعة أجرها بالمعروف أي بحسب أجرة أمثالهن في كل عصر ومكان، لما في الأجر من تحقيق مصلحة الولد والوالدين أيضا. وهذا خطاب للأب والأم على سبيل التغليب، للإشارة إلى أنه من الأدب والمصلحة تشاور الأبوين في الاسترضاع، لأنه ولدهما. والقول بجواز استرضاع المراضع الأجنبيات هو مذهب أبي حنيفة. وقوله تعالى: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ليس شرطا لجواز الاسترضاع، وإنما هو ندب إلى الأولى، تطييبا لنفس المرضع. ثم ضرب الله نطاقا محكما لتنفيذ الأحكام السابقة: وهو أن يتم في ظل تقوى الله، فعلى المؤمن أن يخشى الله، فلا يفرط في شيء من الأحكام المذكورة، لأن الله تعالى خبير وبصير بكل شيء، فيجازيكم على أعمالكم، فإن أنتم أديتم حقوق النساء والأطفال، واجتنب الوالدان المضارّة، كان الأولاد مثلا صالحا في الدنيا وسبب مثوبة في الآخرة، وإن سرتم على وفق الأهواء، كان الأولاد نذير سوء، وعنوان بلاء وفتنة في الدنيا، وسبب عذاب في الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن أحق برضاع أولادهن من الأجنبيات، لأنهن أحنى وأرقّ، وانتزاع الولد الصغير من والدته إضرار به وبها. وهذا يدل على أن الولد، وإن فطم، فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها، ما لم تتزوج بزوج آخر باتفاق العلماء لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لامرأة- فيما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو-: «أنت أحق به ما لم تنكحي» . وإذا كانت المطلقة أولى بالرضاع والحضانة فإن الزوجات حال الزوجية أولى بهما أيضا، بل إن الزوجة تستحق النفقة والكسوة، أرضعت أو لم ترضع، في مقابلة التمكين من الاستمتاع. وأما إيجاب النفقة في حال الرضاع بعد الطلاق فبسبب اشتغال المرأة في مصالح الزوج، لذا قال الله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي الزوج رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ دفعا لتوهم سقوط النفقة إذا اشتغلت المرأة بالإرضاع ولم يحدث التمكين. ودل قوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ على أن إرضاع الحولين ليس حتما، فإنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكن التحديد بالحولين لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين. وإن أراد الأب الفطم قبل الحولين، ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك. والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود، وعند رضا الوالدين. وقد أخذ مالك في موطئه والشافعي وأحمد من آية: يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ أن مدة الرضاع المحرّم أي التي يحرّم الرضاع فيها المصاهرة كما يحرّم بالنسب: هي حولان فقط، فإذا لم يقع الرضاع فيهما لا يحرم.
ولم يعتبر الحنفية، والمالكية أخذا بما روى ابن القاسم عن مالك «1» : أن الآية جاءت لتحديد مدة الرضاع المحرّم، فذهب أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا، وقال زفر: ثلاث سنين، وذهب المالكية في الصحيح إلى أن ما قرب من زمان الفطام عرفا لحق به، وما بعد عنه خرج عنه، من غير تقدير. قال القرطبي «2» : والصحيح الأول، لقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين. وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» «3» فهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير، وأنه لا حرمة له. واستنبط العلماء من هذه الآية ومن قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً أقل مدة الحمل، فإنه إذا أسقطت مدة الرضاع من ثلاثين شهرا، يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقل المدة. وأرشدت الآية: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ.. إلى وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه. والمراد بالمولود له: الذي ولد له، والذي يعبر به عن الواحد والجمع. ويجوز في العربية القول: «وعلى المولود لهم» كقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يونس 10/ 42] . والنفقة الواجبة من الطعام والكسوة (اللباس) هي بالمعروف أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. والإنفاق يكون على قدر غنى الزوج وحال الزوجة في رأي المالكية.
ودلت الآية على أن الحضانة للأم، وهو حق لها، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة، ومدة الحضانة عند مالك في الغلام إلى البلوغ، وفي الفتاة إلى الزواج. وقال الشافعي وأحمد: إذا بلغ الولد ثمان سنين، وهو سن التمييز، خيّر بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم العلوم ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والفتاة، بدليل تخيير النّبي صلّى الله عليه وسلّم ولدا حينئذ، فلحق بأمه، كما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة. ويظل الحق للأم بالحضانة ما لم تتزوج اتفاقا كما سبق بيانه، قال ابن المنذر: «وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا حقّ للأم في الولد إذا تزوجت» وينقطع حقها بمجرد عقد الزواج عند الشافعي، وقال مالك: إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها، حتى يدخل بها زوجها. ولا فرق في رأي الحنفية بين الذمية والمسلمة في أحقية الأم بالحضانة إذا افترق الزوجان بطلاق. وقال مالك والشافعي: الولد مع المسلم من الزوجين. وإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج، ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها، فإن كان تركها له من عذر كان لها أخذه، وإن كانت تركته رفضا له ومقتا، لم يكن لها بعدئذ أخذه. وتحرم المضارّة بين الزوجين وغيرهما، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولقوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ.. أي لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع، كما بينا. ودل قوله تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ على وجوب نفقة الأقارب، كما بينا، كما أنه يدل على وجوب النفقة على الصبي نفسه من ماله إن كان له مال.
ومدة الرضاع الكاملة حولان كاملان عند اختلاف الزوجين في تحديد المدة القصوى التي تجب فيها أجرة الرضاع. ويجوز اتفاقهما على أقل من ذلك من غير مضارّة الولد. وقوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنونهما، لا على الحقيقة واليقين. وإذ أرشد القرآن إلى التشاور في أدنى الأعمال لتربية الولد، فهو مطلوب بالأولى في أجلّ الأعمال خطرا وأعظمها فائدة، وهي مشورة الحكام في مصالح الأمة، لذا أمر الله رسوله بمشاورة أصحابه قائلا: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران 3/ 159] ومدح المؤمنين بقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى 42/ 38] . ودل قوله سبحانه: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ على جواز اتخاذ الظئر (أي استئجار المرضع) إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك، ويجب حينئذ تسليم الأجرة إلى المرضعة الظئر لقوله تعالى: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ.. والأصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها، كما أخبر الله عز وجل، فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجية قائمة، فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكر من رزقهن وكسوتهن، إلا أن مالكا رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة كما بينا، فقال: لا يلزمها رضاعه، فأخرجها من الآية، وخصصها بأصل من أصول الفقه، وهو العمل بالعادة: وهو ما كان عليه عرب الجاهلية، فجاء الإسلام ولم يغيره، واستمر ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمّهات للمتعة، بدفع الرّضعاء للمراضع إلى زمن مالك فقال به، وكذا إلى زماننا «1» . وجاء الأمر الإلهي بإرضاع الأمهات أولادهن على مقتضى الفطرة، فأفضل
عدة المتوفى عنها زوجها [سورة البقرة (2) آية 234] :
اللبن للولد لبن أمه باتفاق الأطباء، ولبن المرضع يؤثر في جسم الطفل وفي أخلاقه وسجاياه، ولذلك يحتاط في انتقاء المراضع، ويجتنب استرضاع المريضة، والفاسدة الأخلاق والآداب «1» . عدة المتوفى عنها زوجها [سورة البقرة (2) : آية 234] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) الإعراب: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ.. الذين: مبتدأ، وفي الخبر أربعة أوجه: الأول- أن يكون خبره مقدرا، وتقديره: فيما يتلى عليكم الذين، مثل وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ أي فيما يتلى عليكم. الثاني- أن يكون خبره: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ على تقدير: يتربصن بعدهم بأنفسهن، فحذف «بعدهم» للعلم به، لأن الجملة إذا وقعت خبرا للمبتدأ، فلا بد من أن يعود منها عائد إليه. الثالث- أن يكون التقدير: فأزواجهن يتربصن، والجملة من المبتدأ أو الخبر: خبر الَّذِينَ. الرابع- أن يكون الخبر: يَتَرَبَّصْنَ، على أن يكون التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. المفردات اللغوية: يُتَوَفَّوْنَ يموتون بأن يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، قال الله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [الزمر 39/ 42] فإذا حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول وَيَذَرُونَ: ويتركون
المناسبة:
أَزْواجاً يطلق الزوج على الذكر والأنثى، كما قال تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ يَتَرَبَّصْنَ أي ليتربصن أي لينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ بعدهم عن الزواج أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً من الليالي، وهذا في غير الحوامل، أما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق (4) . فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي أتممن عدتهن وانتهت مدة تربصهن وانتظارهن. فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للخطاب. بِالْمَعْرُوفِ شرعا خَبِيرٌ عالم بباطن العمل وظاهره. المناسبة: هذا بيان متصل في أنواع العدة، فقد ذكر أولا عدة الطلاق بالحيض، وذكر هنا عدة الوفاة المخالفة لها. التفسير والبيان: ذكر الله في هذه الآية حكم الحداد على الأزواج ووجوب العدة على النساء، عقب بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وواجبات الوالد نحو ولده وزوجته، وكان بيان عدة الوفاة لئلا يتوهم أنها مثل عدة الطلاق. والعدة: هي المدة التي تمكث فيها المرأة في بيت الزوجية دون زواج ولا خروج من المنزل إلا لعذر شرعي للتعرف على براءة الرحم أو للحداد على الزوج. وعدة المطلقة: ثلاثة قروء، وعدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام، أما الحامل فعدتها بوضع الحمل، ولو بعد الوفاة بساعة. ولا حداد على غير الزوج من أخ أو أب أو قريب أكثر من ثلاثة أيام. ولا فرق في حال الوفاة بين الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وغير المدخول بها، لأن العدة في الأصل للحداد، وبراءة الرحم تبعا. وقد بدأ الله تعالى بذكر الرجال الذين يتوفون، وترك الخبر عنهم إلى الإخبار عن أزواجهم، ليبين صلة العدة بالرجل، ومعنى الآية: إن زوجات
ما تمتنع منه المعتدة:
الذين يموتون: عدتهن أربعة أشهر وعشرة أيام، قال الزمخشري: وقيل: عشرا، ذهابا إلى الليالي، والأيام داخلة معها. فلا يحل لهن فيها الخطبة والزواج والخروج من المنزل إلا لعذر شرعي. وهذا الحكم لغير الحوامل، أما الحامل التي يموت زوجها فتنقضي عدتها بوضع الحمل، ولو بعد الموت بساعة، عملا بآية الطلاق السابق الإشارة إليها، وبما روى أبو داود من حديث سبيعة الأسلمية أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أفتاها بأنها حلت حين وضعت حملها، وكانت ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر. ما تمتنع منه المعتدة: اختلف العلماء في الذي يتربص عنه هذه المدة، فقال بعضهم: يتربصن عن النكاح والطيب والزينة والنقلة من المسكن الذي يسكنه في حياة أزواجهن، وأدلتهم من السنة الصحيحة كثيرة، منها: ما رواه الشيخان عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (والدها) فدعت بطيب فيه صفرة- خلوق وغيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» . وقالت زينب: سمعت أمّي أمّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر» . والكحل الذي منعه النّبي صلّى الله عليه وسلّم هو كحل الزينة، لا كحل التداوي بدليل
حديث الموطأ عن أم سلمة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار» . وقال بعضهم: إنما عدة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والنقلة من المنزل، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت: «لما أصيب جعفر، قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: تسلّبي «1» ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت» ويرد عليهم بأنه يحتمل أن يكون أمرها بالتسلب ثلاثا، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدة لبسها، مما لم يكن زينة، ولا تطيبا، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة، ولا ثياب تسلب. وتقدير المدة بأربعة أشهر وعشر أمر تعبدي، لا يبحث عن حكمته، فهو كأعداد الركعات ومقادير الزكوات. والحكمة في هذه العدة: استبراء الرحم من ماء الزوج المتوفى، فيمنع نكاح المعتدة حتى تمضي مدة تتبين فيها: أهي حامل، فيلحق ولدها بالزوج المتوفى؟ أم حائل (غير حامل) فإذا تزوجت وولدت لحق الولد بالزوج الثاني. ومنعت الطيب والزينة، لأنهما من دواعي الزواج، وذريعة إليه. ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة. ومنع عقد الزواج عليها وخطبتها صراحة في العدة، لأن ذلك ذريعة، ورخص في التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة. أما في الجاهلية فكانت المرأة تحد على زوجها سنة كاملة لا تمس طيبا ولا زينة، ولا تبدو للناس في مجتمعهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
ثم أبان الله تعالى ما يباح بعد انتهاء العدة بقوله: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.. «1» فخاطب الأولياء بأنه إذا أتممن عدتهن، فلا إثم عليكم أيها الأولياء وجميع الناس فيما فعلن في أنفسهن ما كان محظورا عليهن قبل ذلك من التزوج فما دونه من التزين، والتعرض للخطاب، واختيار الأزواج وتقدير الصداق، والخروج من البيت على الوجه المعروف شرعا وعرفا: وهو ما أذن الله لهن فيه، والله بما تعملون خبير، فهو محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها، ويعلم من يعضل النساء فيجازيه، ويعلم من يحسن توجيه النساء نحو التزام حدود الشرع، أو يتساهل ويفرط في حقوق الله، فإن جعلتم نساءكم تسير على نهج الشرع سعدتم، وإن فرطتم وانحرفتم عن حدود الله وقعتم في الشقاء والعذاب. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم، ومعناها الخصوص فهي مخصوصة بغير الحوامل، لقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق 65/ 4] . وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة 2/ 240] . لأن الناس كانوا في مبدأ الإسلام إذا توفي الرجل وخلّف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة، وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وبالميراث.
وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها: وضع حملها عند جمهور العلماء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين. لكن روي عن ابن عباس أنه رجع عن هذا. وحجتهما الجمع بين قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وبين قوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. لأنها إذا قعدت أقصى الأجلين، فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل، فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق علماء الأصول ما عدا الحنفية الذين يقدمون الترجيح على الجمع. ويرد على هذا الاتجاه بحديث سبيعة الأسلمية في الصحيح، كما تقدم، وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأباح لها أن تتزوج. قال الزهري: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. واتفق العلماء على أن عدة الحامل المطلقة تنتهي بوضع الحمل. وليس لمعتدة الوفاة نفقة في رأي الجمهور، لانتهاء الزوجية بالموت، وأوجب لها المالكية السكنى مدة العدة إذا كان المسكن مملوكا للزوج، أو مستأجرا ودفع أجرته قبل الوفاة، وإلا فلا، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام للفريعة: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» . وأجمع أهل العلم على وجوب نفقة الحامل المطلقة ثلاثا أو الرجعية، لقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ، فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق 65/ 6] . وعلى المرأة في رأي مالك إذا أتاها نعي زوجها، وهي في بيت غير بيت زوجها، الرجوع إلى مسكنه. وقال سعيد بن المسيب والنخعي: تعتد حيث أتاها الخبر حتى تنقضي العدة.
والإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيّب والحليّ والكحل والخضاب بالحنّاء ما دامت في عدتها، لأن الزينة داعية إلى الأزواج. فنهيت عنها سدا للذرائع، وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك. والحداد على القريب ثلاثة أيام فقط، وعلى الزوج أربعة أشهر وعشر، وهو مقصور على ترك الزينة والطيب وعدم الخروج من المنزل إلا لضرورة أو عذر «1» ، روى البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تحدّ امرأة على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب «2» ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار» «3» وفي حديث أم حبيبة: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» الحديث، وهو يدل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، خلافا للأعراف الفاسدة السائدة اليوم. وأجاز الحنفية والمالكية «4» للمتوفى عنها زوجها لا المطلقة أن تخرج من منزل العدة نهارا في حوائجها الضرورية، لاكتساب ما تنفقه، لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ثم تعود فتبيت في ذلك المنزل، ولا تخرج بالليل، لعدم الحاجة إلى الخروج ليلا، كما لا تخرج لزيارة ولا تجارة ولا تهنئة ولا تعزية.
ولا خلاف في أن الخضاب والكحل داخلان في جملة الزينة المنهي عنها، وأنه لا يجوز لبس الثياب المصبوغة والمعصفرة، إلا ما صبغ بالسواد فإنه مرخص فيه في المذاهب الأربعة. وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، واتفقوا على عدم وجوبه على المطلقة طلاقا رجعيا، لأنها في حكم الزوجة، لها أن تتزين لزوجها، ليرغب في إعادتها إلى الزوجية. أما المطلقة طلاقا بائنا فلا يجب عليها الحداد عند الجمهور، وإنما يستحب فقط، لأن الزوج أذاها بالطلاق البائن، فلا تلزم بإظهار الحزن والأسف على فراقه، واستحباب الحداد لها لئلا تدعو الزينة إلى الفساد. وأوجب الحنفية الحداد على المبتوتة والمطلقة طلاقا بائنا، لأنه حق الشرع، ولإظهار التأسف على فوات نعمة الزواج، كالمتوفى عنها. وتبدأ العدة في المذاهب الأربعة في الطلاق والوفاة من يوم الموت أو الطلاق. وأجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها، ثم توفي قبل انقضاء العدة: أن عليها عدة الوفاة وترثه. واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثا في المرض، فقالت طائفة: وهي مالك والشافعي: تعتد عدة الطلاق، لأن الله جعل عدة المطلقات الأقراء. وقال أبو حنيفة ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر، تستكمل في ذلك ثلاث حيض. وتلزم عدة الوفاة الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة، والتي لم تبلغ المحيض، والتي حاضت، واليائسة من المحيض، والكتابية، دخل بها أو لم يدخل، إذا كانت غير حامل، ومدة العدة كما بينا أربعة أشهر وعشرة أيام، لعموم الآية: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. وقوله تعالى: عَشْراً: سئل أبو العالية: لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ فيها.
خطبة المتوفى عنها زوجها تعريضا ووقت العقد [سورة البقرة (2) آية 235] :
وقال الخطابي: قوله وَعَشْراً يريد- والله أعلم- الأيام بلياليها. وذهب أئمة المذاهب الأربعة إلى أن المراد بها الأيام والليالي. قال ابن المنذر: فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول، وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليال، كان باطلا، حتى يمضي اليوم العاشر. وإنما ورد لفظ العشر مذكرا، فلأن المراد به المدة، في رأي المبرد، المعنى: وعشر مدد، كل مدة من يوم وليلة. والمراد به الليالي في رأي الزمخشري، كما تقدم، فلم يقل «عشرة» تغليبا لحكم الليالي، إذ الليلة أسبق من اليوم، والأيام في ضمنها. ثم إن قوله عَشْراً أخف في اللفظ. وفي آية فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ.. دليل على أن للأولياء والحكام منع النساء من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة، بل إن الأولياء من آباء وإخوة وغيرهم ممن له شأن مؤاخذون ومعاقبون على خروج النساء وتهتكهن وفعلهن غير المعروف شرعا، فإن ذلك مما يضعف الأمة، ويهدم الأخلاق. خطبة المتوفى عنها زوجها تعريضا ووقت العقد [سورة البقرة (2) : آية 235] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
الإعراب:
الإعراب: عُقْدَةَ النِّكاحِ منصوب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، فنصبه، كقولهم: ضرب زيد البطن والظهر، أيّ على البطن والظهر. ويجوز نصبه على المصدر بمعنى: تعقدوا عقدة النكاح، والوجه الأول أولى وأوجه. البلاغة: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ عبر بالعزم للمبالغة في تحريم مباشرة الزواج، فإذا نهي عن العزم، كان النهي عن فعل الزواج من باب أولى أو أشد نهيا. وقيل: لا تقطعوا عقد عقدة النكاح، لأن العزم: القطع، فيكون الكلام صريحا في النهي عن اليأس من الزواج وتحطيم الآمال، وتدمير الثقة بالنفس وتفويت عقد الزواج. المفردات اللغوية: عَرَّضْتُمْ لوّحتم، والتعريض في الكلام: أن تفهم المخاطب المقصود الذي تريد بلفظ لم يوضع له صراحة، وإنما بالإشارة والتلويح، ويحتاج فهمه إلى قرينة، لبعده عن ذهن السامع، وبعبارة موجزة: هو القول المفهم للمقصود، وليس بنص فيه. خِطْبَةِ النِّساءِ المتوفى عنهن أزواجهن، والخطبة: طلب الرجل المرأة للزواج بالوسائل المعروفة بين الناس. والتعريض بخطبة معتدة الوفاة في أثناء العدة: أن يقول الإنسان مثلا: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك، ورب راغب فيك. أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أضمرتم في النفس قصد النكاح أو العزم عليه بعد انقضاء العدة. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ بالخطبة ولا تصبرون عنهن، فأباح لكم التعريض وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي زواجا قَوْلًا مَعْرُوفاً أي ما عرف شرعا من التعريض، فالقول المعروف: ما لا يستحيا منه في المجاهرة كذكر حسن المعاشرة ورحابة الصدر للزوجات ونحو ذلك. وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي عقده، والعزم: التصميم على تنفيذه الْكِتابُ أي المكتوب المفروض من العدة أَجَلَهُ أي نهايته. ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم وغيره فَاحْذَرُوهُ أن يعاقبكم إذا عزمتم غَفُورٌ لمن يحذره حَلِيمٌ بتأخير العقوبة عن مستحقها.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: لا يزال الكلام في أحكام النساء، ففي الآيات السابقة بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وحقوق الزوجات والأولاد، وواجبات الأب من نفقة وسكنى وكسوة، ووجوب العدة والحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها، وفي هذه الآية توضيح جواز خطبة معتدة الوفاة في العدة تلميحا لا تصريحا، وصحة إبرام العقد عليها بعد انقضاء العدة. فأبان الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج على الرجل أن يعرّض بالخطبة للمرأة المتوفى عنها زوجها أو لوليها، ومثلها المطلقة طلاقا بائنا، في أثناء العدة، أو يضمر في نفسه قصد زواجه بها، لأن التعريض لا يمس حق الزوج السابق، وربما كان فيه نوع من الإيحاء بالثقة والطمأنينة على أوضاع المستقبل، حيث تصبح المرأة لا عائل لها، ولأن إضمار شيء في النفس أمر طبيعي يشق الاحتراز عنه، لذا قال الله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ في أنفسكم، ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم، ولا ضرر ولا خطر في قصد شيء بالنفس. ولكن يحرم المواعدة على الزواج في السر، لأن في المواعدة مدرجة للفتنة، ومظنة للقيل والقال، ولا تحرم المواعدة بقول معروف لا يستحيا منه في الجهر، كذكر حسن العشرة وسعة الصدر للزوجات ونحو ذلك، فيكون المراد بالقول المعروف: هو التعريض لا التصريح، أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض. والمراد بالسر في الأصل: هو الوطء، ويقصد به هنا عقد الزواج في العدة سرا، فأطلق على العقد الذي هو سبب الوطء، وقيل كما اختار الطبري: المراد به هنا هو الزنى، أو القول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري. قال ابن كثير: وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك. والتعريض بالخطبة للمعتدة بسبب الوفاة أو لوليها في العدة: كأن يقول: إنك لجميلة، أو عسى أن ييسر الله لي امرأة صالحة بنت حلال مثلك، حتى تدخر
نفسها له، أو يمتدح نفسه أمامها فيقول: إني حسن الخلق، كريم الأصل، سخي النفس، جميل العشرة، محسن إلى الزوجة، ونحو ذلك من الكنايات التي يستعملها الناس، ويتفننون فيها بأنواع من الذكاء وحسن الدهاء في كل عصر. وفائدة ذلك ظاهرة: هي أن تختار من الخطّاب من هو الأفضل والأكرم. أما خطبة المعتدة من طلاق رجعي تلميحا أو تصريحا فحرام، لأنها لا تزال في عصمة زوجها، ما دامت في العدة. وأما التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو طلاق بائن فحرام أيضا. ودليل جواز التعريض: ما أخرج الطبري عن سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر: محمد بن علي الباقر، وأنا في عدتي، فقال: يا ابنة حنظلة، أنا من علمت قرابتي من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وموضعي، قد دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة. فالقول المعروف غير المنكر شرعا: وهو القول العفّ والإشارة الخفيفة والكلام اللطيف غير الجارح الذي يدخل في التعريض هو الجائز، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم مع أم سلمة بعد وفاة زوجها، حيث ذكر لها منزلته عند الله تعالى. ثم ذكر سبحانه وقت إباحة عقد الزواج على المعتدة: وهو ما بعد انقضاء العدة، ونهى نهيا شديدا عنه قبل ذلك، فقال: ولا تصمموا على إبرام الزواج
فقه الحياة أو الأحكام:
الشرعي مع معتدة الوفاة حتى تنتهي عدتها من زوجها السابق: وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. وحذر الله تعالى من تجاوز هذا الحد، فقال: اعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا التجاوز من قول أو فعل على ما منع الله، وفي هذا التحذير قرن الأحكام بالموعظة ترغيبا وترهيبا، لتأكيد المحافظة عليها. ومع هذا اعلموا أن الله غفور لمن تعدى حدود الله وفرط بارتكاب الذنب ثم تاب وأصلح، وهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل عباده ليصلحوا أعمالهم، فلا تغتروا بإمهاله. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: 1- يحرم التصريح بالخطبة للمعتدة أيا كانت عدتها، فلا يجوز بالإجماع «1» الكلام مع المعتدة في أمر الزواج سرا، أو التواعد معهن عليه، لكن يجوز التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة والمطلقة طلاقا بائنا، تمهيدا للمشاورة والتفكير بالموافقة على مبدأ الزواج الجديد في المستقبل. ولا يجوز إجماعا التعريض لخطبة الرجعية، لأنها كالزوجة. قال سحنون وكثير من العلماء: والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض. 2- يحرم شرعا إبرام عقد الزواج على أية معتدة في العدة، لقوله تعالى:
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وهذا من المحكم المجمع على تأويله: أن بلوغ أجله: انقضاء العدة، مراعاة لحقوق الزوجية والتعرف على براءة الرحم من الحمل لئلا تختلط الأنساب. 3- استدل الشافعية بهذه الآية على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وقالوا: لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح، دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح قائما مقام التصريح. ورد عليهم بأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف، والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرّض، لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح، ويلزم على قول الشافعية: أن التعريض بالقذف جائز مباح، كما أبيح التعريض بالخطبة بالنكاح «1» . 4- اختلف العلماء في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا، أو يواعدها ويعقد بعد العدة: فقال مالك في رواية أشهب وابن القاسم: إنه يفرّق بينهما إيجابا. وقال الشافعي: إن صرّح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح، حتى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت، والتصريح لهما مكروه، لأن النكاح حادث بعد الخطبة. 5- إذا عقد على المعتدة في العدة، وبنى بها، فسخ الحاكم النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحل نكاحها أبدا عند مالك والشعبي، وبه قضى عمر رضي الله عنه قائلا: «ثم لا يجتمعان أبدا» ، لأنه استحل ما لا يحل، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله.
وقال الجمهور: يفسخ النكاح، فإذا انتهت عدتها، كان خاطبا من الخطاب، ولم يتأبد التحريم، لأن الأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم دليل على الحرمة: من كتاب أو سنة أو إجماع، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابي ليس حجة، وأنكر علي هذا القضاء من عمر، وقال المحدثون: هذا الأثر عن عمر منقطع، وقد روي عن مسروق: أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان، ولذا جعل القرطبي رأي عمر مع الجمهور الذين احتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها، لم يحرم عليه تزوجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة. وهو قول علي وابن مسعود والحسن البصري. 6- لا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة زواجا، وهي في العدة من غيره أن النكاح فاسد، واتفق عمر وعلي أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد، وذلك أمر متفق عليه مع الجهل بالتحريم، ومختلف فيه مع العلم بالتحريم. واختلفوا هل تعتد منهما جميعا؟ وهذه مسألة العدتين. قال مالك في رواية المدنيين عنه والشافعي وأحمد والليث وإسحاق: إنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، وهو رأي عمر وعلي رضي الله عنهما، أي فعليها عدتان. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرّق بينه وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور. وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه، فدل على أنها في عدّة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه. أجاب الأولون فقالوا: هذا غير لازم، لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين، كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه.
المطلقة قبل الدخول ومتعتها أو وجوب نصف المهر لها [سورة البقرة (2) الآيات 236 إلى 237] :
7- قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأن الله توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. المطلقة قبل الدخول ومتعتها أو وجوب نصف المهر لها [سورة البقرة (2) : الآيات 236 الى 237] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) الإعراب: ما لَمْ ما: إما شرطية، أي إن لم تمسوهن، وإما ظرفية زمانية مصدرية، أي مدة لم تمسوهن. مَتاعاً اسم أقيم مقام التمتع، وهو منصوب على المصدر، أي متعوهن متاعا حَقًّا منصوب أيضا على المصدر، وتقديره: حقّ ذلك حقا فَنِصْفُ مرفوع إما مبتدأ وخبره محذوف وتقديره: فعليكم نصف ما فرضتم وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالواجب نصف ما فرضتم إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أن: حرف ناصب، والنون في يعفون نون النسوة، فهي علامة جمع، لا علامة رفع، وإذا اتصلت بالفعل المضارع صار مبنيا، كاتصاله بنون التوكيد. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى مبتدأ وخبر.
البلاغة:
البلاغة: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ كنّى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ في التخاطب. الخطاب في قوله وَأَنْ تَعْفُوا ولا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ عام للرجال والنساء، ولكن بطريق التغليب. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة والخوف. المفردات اللغوية: لا جُناحَ لا إثم ولا تبعة عليكم، والمراد لا شيء عليكم تَمَسُّوهُنَّ تجامعوهن أَوْ تَفْرِضُوا أي ولم تفرضوا لهن فرضا أي تقدروا لهن مقدارا توجبونه على أنفسكم وهو المهر، أي لا تبعة ولا مسئولية عليكم بإثم ولا مهر في الطلاق زمن عدم المسيس وعدم فرض المهر. وَمَتِّعُوهُنَّ أي فطلقوهن وأعطوهن ما يتمتعن به عَلَى الْمُوسِعِ الغني منكم الْمُقْتِرِ: الفقير قَدَرُهُ: أي قدر الإمكان والطاقة. مَتاعاً أي متعوهن تمتيعا بِالْمَعْرُوفِ شرعا، وهو صفة مَتاعاً. حَقًّا صفة ثانية أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا ثابتا واجبا. والمعروف: ما يتعارفه الناس ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم ومعايشهم وبيئاتهم. الْمُحْسِنِينَ المطيعين الذين يحسنون في معاملة المطلقات. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ: لكن إذا ترك الزوجات المطلقات حقهن أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الولي يعني: إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن، فلا يطالبنهم بنصف المهر، إن كن مالكات أنفسهن، أو يسقط الولي الذي يلي عقد النكاح ما وجب للمطلقات قبل الدخول من نصف الصداق، إن لم يكنّ مالكات أنفسهن. والولي: هو الأب في ابنته البكر، وهو رأي مالك وابن عباس وجماعة من التابعين. وقيل: هو الزوج، وعفوه: تركه ما يعود إليه من نصف المهر الذي أعطاه للمرأة. ويكون المعنى: إلا أن يعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصداق، فيجعل المهر كله لها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي في قوله الجديد، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، وهو رأي علي وشريح وسعيد بن المسيب، وحجتهم: أن الله قال: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلا، فلا ينطبق على الولي. وحجة الفريق الأول: أن الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج، لقال: أو يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. ولأن معنى يَعْفُونَ، يسقطن وكذلك معنى يَعْفُوَا يسقط، والولي هو الذي يسقط، أما الزوج فيعطي.
سبب النزول:
قال الزمخشري: والأول ظاهر الصحة، وتسمية الزيادة على الحق عفوا فيها نظر «1» . وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي أن يتفضل بعضكم على بعض، والفضل: المودة والصلة. إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبير بأعمالكم، فيجازيكم عليها. سبب النزول: روي أنها نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة، ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية، فقال له صلّى الله عليه وسلّم: «أمتعها ولو بقلنسوتك» «2» . التفسير والبيان: لا شيء عليكم أيها الأزواج من الصداق المسمى أو مهر المثل إن لم يسمّ المهر إن طلقتم النساء قبل الدخول وقبل تحديد أو تقدير مهر لهن. وقد دل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ فأوجب نصف المهر في مقابله. وقوله أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل الدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المهر المسمى، وإن لم يسم، فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة. وقال بعضهم: إن أَوْ بمعنى الواو. وإنما الواجب عليكم المتعة، أي إعطاء المطلقات شيئا من أموالكم يتمتعن به بحسب حالكم من الثروة والغنى والمنزلة والفقر، جبرا للخاطر، ولم يحدده الله تعالى، وإنما ترك تقديره لحالة الزوج من غنى وفقر حسب الطاقة. وكان ابن
عباس يقول: متعة الطلاق: أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وجعل الله تعالى هذه المتعة حقا واجبا على الذين يحسنون معاملة المرأة. وللفقهاء فيها آراء، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها واجبة للمطلقة قبل الدخول ولم يسمّ لها مهر، لظاهر قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ وقوله حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ. وهي مستحبة لسائر المطلقات، كالمطلقة بعد الدخول، والمطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر «1» . وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أن المتعة مندوبة ما عدا المطلقة قبل الدخول التي لم يسم لها المهر، وقيل بوجوبها. ورأى الشافعي وأحمد: أنها واجبة للمطلقة قبل الدخول سواء التي فرض لها مهر أو لم يفرض لها إلّا المطلقة قبل الدخول المسمى لها المهر، وأوجبها الشافعية أيضا للمطلقة بعد الدخول، لقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة 2/ 241] يعني أن المتعة واجبة لكل مطلقة في مذهب الشافعي الجديد ما عدا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر. والظاهر القول بالوجوب، لظاهر الأمر: وَمَتِّعُوهُنَّ وكأن الله جعل لها المتعة في مقابل ما جعل المسمى لها من نصف الصداق حال التسمية. وأما قوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فليبين أن مقتضى الإحسان يوجب ذلك. هذا هو القسم الأول المذكور في الآية وهو حكم المطلقة قبل الدخول والتي لم يسم لها المهر، وهذه لها المتعة. ثم بيّن الله تعالى حكم القسم الثاني وهو المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، وهذه لها نصف الصداق، فقال الله تعالى فيما معناه:
فقه الحياة أو الأحكام:
إذا طلقت المرأة قبل الدخول، وقد سمّي لها صداق، فيجب لها نصفه ولها حق أخذه في كل حال، إلا أن تعفو المطلقة، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الولي، وعفوه: إسقاط الحق في نصف المهر، وقيل: هو الزوج وعفوه: التنازل عن نصف الصداق المستحق له، فتأخذ المهر كله، كما بينا في شرح المفردات. والعفو أقرب لتقوى الله، أي أن من عفا من الرجال والنساء فهو المتقي. ولا تنسوا التفضل بينكم بالإحسان، فتتركوه وتستقصوا أخذ كل المستحق، فإن العفو خير لكم جميعا، والله بما تعملون بصير، فيجازي كلا على حسب نيته وعمله، ويعلم من عفا، وعامل بالإحسان من لم يفعل ذلك. وهذه خاتمة للتذكير باطلاع الله على كل ما يعامل به الأزواج بعضهم بعضا، ترغيبا في الإحسان والفضل، وترهيبا من المخاشنة والجهل. فقه الحياة أو الأحكام: 1- ذكر الله تعالى في هذه الآية حكم حالتين من الطلاق: المطلقة قبل الدخول وقبل تسمية المهر، فجعل لها المتعة، والمطلقة قبل الدخول وبعد تسمية المهر، وجعل لها نصف الصداق. والحكمة في المتعة وإيجاب نصف المهر قبل الدخول: جبر وحشة الطلاق، والتعويض عما لحق المرأة من أذى وسوء سمعة، فيكون ذلك سبيلا لرفع معنويات المرأة المطلقة، ودفع الشبهات والريبة عنها، وتوفير حسن الصيت وطيب الشهرة لها، حتى لا تتضرر باحتمال إعراض الخطّاب عليها، وتعكير صفو المستقبل المنتظر لها. وهناك صنفان آخران من المطلقات: المطلقة المدخول بها المفروض لها المهر، وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية (في الآية: 229) ، وأنه لا يسترد
منها شيء، وأن عدتها ثلاثة قروء. والمطلقة المدخول بها غير المفروض لها المهر، وقد ذكر الله تعالى حكمها في قوله: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن [النساء 4/ 24] . 2- إن قسمة الله تعالى حال المطلقة قبل الدخول إلى قسمين: مطلقة مسمى لها المهر، ومطلقة لم يسمّ لها، يدل على أن نكاح التفويض جائز: وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه، ويفرض بعد ذلك الصداق. فإن فرض بعد العقد وقبل الطلاق، كان من المسمى، فيكون لها نصف المسمى، ويلتحق الفرض بالعقد في رأي مالك، ولا يكون لها نصف المسمى ولا يلتحق بالعقد في رأي أبي حنيفة، نظرا إلى أنها لم يسم لها في العقد. وأما إن لم يفرض لها، وكان الطلاق، لم يجب صداق إجماعا، كما قال ابن العربي «1» . 3- إذا مات الزوج قبل أن يفرض لها، فقال مالك: يكون حكمها حكم المطلقة، لها الميراث دون الصداق، وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لا يكون لها حكم المطلقة، فيجب لها الصداق والميراث «2» . وحجة مالك: أنه فراق في نكاح قبل الفرض، فلم يجب فيه صداق، أصله الطلاق، أي كالحكم في الطلاق. وحجة الشافعي وأحمد وأبي حنيفة: ما رواه النسائي وأبو داود عن ابن مسعود: أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قضى في بروع بنت واشق- وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها- بالمهر، والميراث، والعدة. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه.
4- ومذهب أبي حنيفة وأحمد: أن المهر جميعه يتقرر بالخلوة الصحيحة، لخبر ابن مسعود قال: «قضى الخلفاء الراشدين فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا: أن لها الميراث، وعليها العدة» «1» . ومشهور مذهب مالك، والشافعي: أنه لا يتقرر المهر بالخلوة إلا إذا اقترن بها مسيس (وطء) ، وظاهر القرآن يعضدهما. 5- ليس للمتعة بمقتضى القرآن والسنة حد معروف في قليلها ولا كثيرها. لذا اختلف الناس فيها، فقال ابن عمر: أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها، وهو قول الشافعي القديم، وقال في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إليّ: أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة. وقال ابن عباس: أرفع المتعة خادم، ثم كسوة، ثم نفقة. وقال عطاء: أوسطها الدرع والخمار والملحفة. وقال أبو حنيفة: ذلك أدناها. وقال الحسن البصري ومالك: يمتّع كل بقدره، هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب، وهذا بنفقة. وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة التي تطلّق قبل الدخول والفرض لا يتجاوز بها نصف مهر مثلها، لا غير، لأن مهر المثل مستحق بالعقد، والمتعة: هي بعض مهر المثل، فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلّق قبل الدخول، فيكون لها الأقل من نصف مهر مثلها ومن المتعة، وهي على قدر المعتاد المتعارف في كل وقت، كثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار «2» . وروى الدارقطني أن الحسن بن علي رضي الله عنه متّع زوجته: عائشة الخثعمية بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق. 6- قال ابن القاسم من المالكية: من جهل المتعة حتى مضت أعوام، فليدفع
ذلك إليها، وإن تزوّجت، وإلى ورثتها إن ماتت، لأنه حق ثبت عليه، وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق. وهذا يشعر بوجوبها في المذهب المالكي. وقال أصبغ: لا شيء عليه، لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق، وقد فات ذلك. 7- دل قوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ على وجوب المتعة. والموسع: الذي اتسعت حاله، والمقتر: المقل القليل المال. وكذلك قوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ أي يحق ذلك عليهم حقا: دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها، فقوله حَقًّا تأكيد للوجوب. 8- الواجب للمطلقة قبل الدخول نصف المهر المسمى بالإجماع. ولا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها، وقد سمّى لها مهرا: أن لها ذلك المسمّى كاملا، والميراث، وعليها العدة. 9- لكل امرأة تملك أمر نفسها وكانت بالغة عاقلة راشدة أن تترك النصف الذي وجب لها عند الزوج، لأن معنى يَعْفُونَ: يتركن ويصفحن، وقوله إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ استثناء منقطع، لأن عفوهنّ عن النصف ليس من جنس أخذهنّ. وأما التي في حجر أب أو وصي: فلا يجوز وضعها لنصف صداقها بلا خلاف. ولولي المرأة في مذهب مالك العفو عن نصف الصداق، لأن الذي بيده عقدة النكاح: هو الولي، لأوجه أربعة: الأول- لأن الزوج قد طلق، فليس بيده عقدة. الثاني- أنه لو أراد الأزواج لقال: إلا أن تعفون، فلما عدل عن مخاطبة
الحاضر المبدوء به في أول الكلام: وهو الزوج، إلى لفظ الغائب دل على أن المراد به غيره. الثالث- أنه تعالى قال: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يعني يسقطن، ولا يتصور الإسقاط عن شيء من المهر إلا من الولي، أما الزوج فيعطي. الرابع- أنه تعالى قال: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يعني يسقطن أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ يعني يسقط، وكل هذا يرجع إلى النصف الواجب بالطلاق الذي تسقطه المرأة، فأما النصف الذي لم يجب، فلم يجر له ذكر. ورجح ابن العربي هذا القول قائلا: والذي تحقق عندي بعد البحث والسّبر أن الأظهر هو الولي لثلاثة أوجه «1» . وللزوج في رأي الشافعي وأبي حنيفة: أن يترك ما يعود إليه من نصف المهر الذي سماه للزوجة، لما رواه الدارقطني عن ابن عمرو أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ولي عقدة النكاح: الزوج» . وروى الدارقطني عن جبير بن مطعم: أنه تزوج امرأة من بني نصر (بطن من هوازن) فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملا، وقال: أنا أحق بالعفو منها، قال الله تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وأنا أحق بالعفو منها. 10- أقرب الزوجين للتقوى: الذي يعفو. وعلى الزوج ألا ينسى مودة أهل البيت الذين تزوج منهم ثم طلق، وألا يهجرهم أو يسبهم ويلعنهم ويحقد عليهم، كما هو حال الناس اليوم مع الأسف بعد حدوث الطلاق بين زوجين، فصارت رابطة المصاهرة بعد انفصالها مرتعا للمخاصمات والمنازعات والمهاترات والمكائد، وهذا كله مناقض لكتاب الله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ.
الحفاظ على الصلاة [سورة البقرة (2) الآيات 238 إلى 239] :
قال مجاهد: الفضل: إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. بل إن الآية تذكّر بالإحسان واستعمال الفضل في المعاملات، لأن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه ولا يستغل حاجته ويعطيه إذا كان محتاجا، ولا يبخل ولو بالدعاء له. 11- دلت آية إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ... على صحة هبة المشاع، لأن الله تعالى أوجب للمرأة بالطلاق نصف الصداق، فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل، ولم يفصل بين مشاع ومقسوم. وقال أبو حنيفة: لا تصح هبة المشاع إلا بعد القسمة، لأن القبض شرط صحة الهبة، وقبض المشاع أمر متعذر. الحفاظ على الصلاة [سورة البقرة (2) : الآيات 238 الى 239] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) الإعراب: قانِتِينَ حال أي ذاكرين الله في قيامكم، والقنوت: أن تذكر الله قائما. فَرِجالًا حال منصوب، وعامله محذوف تقديره: فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام. كَما عَلَّمَكُمْ الكاف بمعنى مثل، وما: المصدرية أو موصولة مفعول لفعل «علمكم» . البلاغة: الصَّلاةِ الْوُسْطى عطف خاص على عام، تنويها بفضلها وتنبيها على شرفها في جنسها. هناك طباق بين خِفْتُمْ وأَمِنْتُمْ. وعبر بكلمة الشرط فَإِنْ لعدم تحقق وقوع الخوف،
المفردات اللغوية:
وأورد الثانية بكلمة فَإِذا لتحقق وقوع الأمن وكثرته، وأوجز في جواب الأولى مراعاة لظرف الخوف، وأطنب في جواب الثانية لمناسبته ظرف الأمن والاستقرار. المفردات اللغوية: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ داوموا على الصلوات الخمس بإتقان وأداء في أوقاتها وإتمام أركانها وشروطها مع خشوع القلب، دون تضييع ولا عجلة ولا تأجيل. الصَّلاةِ الْوُسْطى من الوسط: وهو العدل والخيار، والوسطى: الفضلى، ويحتمل أنها وسط أو متوسطة في العدد، لأنها متوسطة بين صلاتين قبلها وصلاتين بعدها، وقيل: إنها وسط من الوقت. والراجح من الأقوال: أنها صلاة العصر، لما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن علي مرفوعا يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى- صلاة العصر» ، وروى أحمد والشيخان: أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال في هذا اليوم: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس» ولم يذكر العصر. وفي رواية عن علي عن عبد الله بن أحمد في سند أبيه: «كنا نعدّها الفجر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هي العصر» وأخرج الشيخان: «الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله» . وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ ذاكرين الله تعالى في القيام، مداومين على الضراعة والخشوع، وقيل: مطيعين، لما رواه أحمد: «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» وقيل: ساكتين، لما رواه الشيخان عن زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت» . فَإِنْ خِفْتُمْ من عدو أو سيل أو سبع فَرِجالًا جمع راجل، أي مشاة صلوا أَوْ رُكْباناً جمع راكب، أي كيف أمكن، مستقبلي القبلة أو غيرها، ويومئ بالركوع والسجود، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله. وعن أبي حنيفة رحمه الله: لا يصلون في حال المشي والمسابقة، ما لم يمكن الوقوف. فَإِذا أَمِنْتُمْ من الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي صلوا على النحو الذي علمكم إياه من الإتيان بالفرائض وحقوق الصلاة كاملة. سبب النزول: أخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والبيهقي وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكانت أثقل الصلوات
المناسبة:
على أصحابه، فنزلت: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وهذا يدل على أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وبه قال جماعة. وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. وأخرج الأئمة الستة وغيرهم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. المناسبة: ختمت آيات الأحكام السابقة في العبادات والمعاملات ومعاملة الزوجات بالأمر بتقوى الله والتذكير بعلمه بحال عباده وما أعد لهم من جزاء على العمل، لتقوية الوازع الديني في النفوس، كما هي سنة القرآن. ثم توسطت آيات المحافظة على الصلاة آيات أحكام الأسرة لحكمة «1» : وهي الحاجة إلى مذكّر عملي يصل الإنسان بالله، للترفع عن البغي والعدوان، والميل إلى العدل والإحسان في معاملة الأسر، ولا سيما بعد الطلاق الذي يولد الشحناء والبغضاء، وذلك المذكّر هو الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتدعو إلى الإحسان والتسامح، وتنفي الجزع وتنسي هموم الدنيا، فتتربى النفس الإنسانية على أفضل سلوك، وأقوم طريق، وإشارة إلى أنه يجب ألا تشغلنا البيوت وأوضاعها ولا أنفسنا عن الصلاة.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: داوموا على الصلوات جميعها، لما فيها من مناجاة الله ودعائه والثناء عليه، ولأنها عماد الدين، ولما لها من الأثر الفعال في تطهير النفس، إذا كانت على النحو المقرر في الحديث: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» «1» . والصلاة الوسطى داخلة في الصلوات، وإنما خصها الله بالذكر تنبيها على شرفها في جنسها، وتذكيرا بها، سواء أكانت صلاة الظهر بسبب شدة الحر في الأقاليم الحارة، ولأنها في وسط النهار، كما رجح القرطبي، أم صلاة العصر حيث يشغل الناس عنها لإنهاء أعمالهم اليومية، وشكرا لله تعالى على التوفيق في إنجاز العمل اليومي الذي يعود بالثمرة الطيبة على النفس والأهل والوطن، أم صلاة الصبح، كما قال ابن عباس وابن عمر وأبو أمامة وعلي، بسبب الحرص على النوم والتكاسل عن أدائها، ولأنها أثقل صلاة على المنافقين، أم غير ذلك وهي المغرب أو العشاء أو الجمعة، وفي ذلك سبعة أقوال للعلماء، رجح ابن العربي أن تعيينها متعذر «2» . وقوموا خاشعين لله في صلاتكم، متفرغين من كل مشاغل الدنيا التي تصرف القلب عن الخشوع، ذاكرين الله دون سواه، ساكتين لا تتكلمون بغير آي القرآن والدعاء والمناجاة بحسب تنظيم الشرع أحوال الصلاة. والقنوت في رأي مجاهد: هو السكوت، ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في سبب النزول المتقدم. والمحافظة على الصلاة في وقتها مع الخشوع وحضور القلب دليل الإيمان وصحة الإسلام، وأخوة الدين، وحفظ الحقوق، والمحافظ عليها هو الذي يرجى خيره، ويؤمن شره، روى أحمد وأصحاب السنن من حديث بريدة قال: سمعت
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «العهد الذي بيننا وبينكم: الصلاة، فمن تركها فقد كفر» وروى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم «أنه ذكر الصلاة يوما، فقال: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف» . وكان من أثر ترك الصلاة على الوجه الشرعي فشو المنكرات والفواحش، وظهور الخيانة، وزعزعة الأمن على النفس والمال، وكثرة الاعتداءات، وانقباض الأيدي عن فعل الخير، وقلة التراحم والتعاطف، وسوء الظن، وضعف الثقة بين الناس. ونظرا لأهمية الصلاة وخطورتها لم يجز الإسلام تركها في أي حال من الأحوال، لذا قال الله تعالى ما معناه: لا عذر لأحد في ترك الصلاة، حتى في حال الخوف على النفس أو المال أو العرض من العدو، فإن خفتم أي ضرر من القيام، فصلوا كيفما كان راجلين (مشاة) أو ركبانا. فإذا أمنتم أي زال الخوف عنكم، فاذكروا الله واعبدوه، واشكروه على نعمة الأمن، كما علمكم من الشرائع، وكيفية صلاة الأمن، ما لم تكونوا تعلمون. والمراد: ما لم تكونوا تعلمون من صلاة الأمن، أو فإذا أمنتم فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن «1» . وقال القرطبي: المعنى: ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان، واشكروا الله على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تفتكم صلاة من الصلوات، وهو الذي لم تكونوا تعلمونه «2» .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: 1- وجوب المحافظة على الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها، لفضلهن، وتخصيص الفضلى منهن بزيادة محافظة، أي الزائدة الفضل «1» ، تشريفا لها، كما قال الله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [البقرة 2/ 98] وقال: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب 33/ 7] وقال: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن 55/ 68] . 2- لا تسقط الصلاة بحال، ولا يجوز تركها لأي عذر، ولو في حال اللقاء مع العدو، أو في وسط المعارك الحربية، أو في شدة المرض، إذ شرع الإسلام أداءها بكيفية تتناسب مع كل الأحوال، ففي أثناء الخوف تؤدى إما حال الركوب أو حال المشي، أو حال الوقوف إيماء على أي وضع كان. وفي حالة المرض تصلى قياما أو قعودا أو اضطجاعا، أو على جنب، أو بالإشارة إلى الأركان بجفن العين، أو بإجراء الأركان على القلب، كما أبان الشافعية والمالكية وغيرهم، قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم لعمران بن حصين- فيما رواه الجماعة-: «صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» . وسبب عدم سقوطها في كل حال: أنها تذكر بسلطان الله على كل شيء، وبأنه وحده الغاية والهدف، وإليه المرجع والمآل، فإن الأعمال الظاهرة تساعد القلب على استحضار الذات الإلهية، والإقبال على الله في كل شيء صعب أو
سهل، وفي حال الصحة أو حال المرض، وفي حال الأمن أو الخوف، فسبحانه وتعالى هو المهيمن على كل شيء، وهو صاحب الجلال والعظمة، وهو وحده الفعال لما يريد، وهو الذي ينجز مطلب عبده إذا أخلص الدعاء له، وكل ذلك أمر مجرب يحتاج إلى الإيمان الصحيح، والعمل الصالح، وصدق الطلب. 3- دل قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى على أن الوتر ليس بواجب، لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد عن ثلاثة، وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة، والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة، وفي حديث الإسراء: «هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي» . 4- إذا كان المراد من قوله تعالى: قانِتِينَ ساكتين وأن القنوت هنا: السكوت كما صحح القرطبي، كانت الآية آمرة بالسكوت في الصلاة، ناهية عن الكلام فيها. قال ابن عبد البر: أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة، إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته: أنه يفسد الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال: «من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام، لم تفسد صلاته بذلك» وهو قول ضعيف في النظر، لقول الله عز وجل: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ. وقال مالك: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، فلو صلّى الإمام ركعتين، وسلّم ساهيا، فسبّحوا للتنبيه، فلم يفقه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: إنك لم تتمّ، فأتم صلاتك. فالتفت إلى القوم، فقال: أحقّ ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، صحت صلاة الجميع. ودليله قصة ذي اليدين: وهي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، سلّم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: كلّ ذلك لم
يكن، فقال: بعض ذلك قد كان، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: أصحيح ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم» . وأما إذا تكلم عابثا فتبطل صلاته. ووافق الشافعية والحنابلة مالكا في أن الصلاة لا تبطل بكلام لمصلحتها إن صدر ذلك سهوا، فمن تكلم بعد أن سلّم قبل إتمام صلاته سهوا بكلام يسير عرفا لمصلحة الصلاة، بأنه سبق لسانه إليه أو نسي الصلاة، لا تبطل صلاته عملا بقصة ذي اليدين، وأضاف الشافعية القول بأن الصلاة لا تبطل بكلام من جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام. وذهب الحنفية: إلى أن الصلاة تفسد بالكلام عمدا أو سهوا، أو جاهلا، أو مخطئا، أو مكرها، على المختار، بالنطق بحرفين أو بحرف مفهم مثل: «ع» و «ق» ، لتحريم الكلام في الصلاة، ولقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» «2» . وقالوا: إن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم «3» . 5- ذكر أبو بكر الأنباري أن القيام أحد أقسام القنوت، وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفردا كان أو إماما. وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما أخرجه الأئمة-: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما، فصلوا قياما» وهو بيان لقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ.
وأجاز جمهور العلماء للمأموم الصحيح أن يصلي قائما خلف إمام مريض لا يستطيع القيام، لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته، تأسّيا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذ صلّى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا، وأبو بكر إلى جنبه قائما، يصلي بصلاته، والناس قيام خلفه. والمشهور عن مالك: أنه لا يؤمّ القيّام أحد جالسا، فإن أمّهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يؤمّنّ أحد بعدي قاعدا» . 6- دلت آية فَإِنْ خِفْتُمْ على جواز الصلاة حالة القتال، أو الخوف الطارئة أحيانا، رجالا (مشاة) على الأقدام، وركبانا على الخيل والإبل ونحوها، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، ولا تبطل بالقتال، ويسقط استقبال القبلة. وهو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) ، بدليل ظاهر الآية، ويؤيده ما روي في الصحيح عن ابن عمر في حال الخوف: «فإن كان خوف أكثر من ذلك، صلوا قياما وركبانا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها» . وذهب أبو حنيفة: إلى أن الصلاة تبطل بالقتال. لكن ظاهر الآية حجة عليه، وحديث ابن عمر يرد عليه. واختلف العلماء في تحديد صفة الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا: فقال الشافعي: هو إطلال العدو عليهم، فيتراءون معا، والمسلمون في غير حصن، حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب، أو يأتي من يصدق خبره، فيخبر بأن العدو قريب منهم ويصف مسيرهم، جادّين فيه، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين، فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف. فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف، ثم ذهب العدو، لم يعيدوا، وقال أبو حنيفة: يعيدون.
أما صلاة الخوف مع الإمام وقسمة الناس قسمين فليس حكمها في هذه الآية، وإنما في سورة النساء. ولا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماهير العلماء. وتشريع صلاة الخوف دليل على أن الصلاة لا تسقط بحال ولا بعذر، فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه، والله سبحانه وتعالى أمر بالمحافظة على الصلوات في كلّ حال من صحة أو مرض، وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز، وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلّف بحال، ولا يتطرّق إلى فرضيتها اختلال. والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتّفق فعلها إلا بالإشارة بالعين، لزم فعلها. وبهذا تميزت الصلاة عن سائر العبادات، كلّها تسقط بالأعذار، ويترخّص فيها بالرّخص. قال ابن العربي: ولذلك قال علماؤنا- وهي مسألة عظمي- إن تارك الصلاة يقتل، لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها: إحدى دعائم الإسلام، لا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها، وأصله الشهادتان «1» .
وصية الحول للمتوفى عنها زوجها ومتعة كل مطلقة [سورة البقرة (2) الآيات 240 إلى 242] :
وصية الحول للمتوفى عنها زوجها ومتعة كلّ مطلّقة [سورة البقرة (2) : الآيات 240 الى 242] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) الإعراب: وَالَّذِينَ مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: يوصون وصية، والوصية هاهنا: قائمة مقام المصدر وهو الإيصاء، واللام في لِأَزْواجِهِمْ تتعلّق بالمصدر، أو بالفعل المقدر. مَتاعاً منصوب على المصدر، وغير إخراج: صفة له، أي: متاعا لا يخرجهن، أو منصوب على الحال من الموصين المتوفين، وتقديره: متاعا إلى الحول غير ذوي إخراج، أي مخرجين لهن. وهذه الآية منسوخة بما تقدّمها وهي آية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ.. [البقرة 2/ 234] . المفردات اللغوية: وَيَذَرُونَ يتركون زوجات بعد وفاتهم. وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ أي فليوصوا وصية، أو يوصي الله وصية لأزواجهم، ومن قرأ: وصية بالرفع: كان مرفوعا على أنه مبتدأ، وخبره مقدر، وتقديره: فعليهم وصية لأزواجهم، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر الَّذِينَ أو مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتبت. مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ أي ليعطوهن ما يتمتعن به من النفقة والكسوة إلى تمام الحول من موتهم، أو جعل الله لهن ذلك متاعا مدّة الحول. غَيْرَ إِخْراجٍ حال أي غير مخرجات من مسكنهن، أي لهنّ ذلك المتاع، وهنّ مقيمات في البيت غير مخرجات منه، ولا ممنوعات من السكنى فيه. فَإِنْ خَرَجْنَ بأنفسهن. فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ لا إثم عليكم يا أولياء الميت.
سبب النزول:
فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها. وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه. حَكِيمٌ في صنعه. سبب النزول: نزول الآية (240) : أخرج إسحاق بن راهويه في تفسيره عن مقاتل بن حيان: أنّ رجلا من أهل الطائف قدم المدينة، وله أولاد ورجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فأعطى الوالدين، وأعطى أولاده بالمعروف، ولم يعط امرأته شيئا، غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول، وفيه نزلت: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَيَذَرُونَ أَزْواجاً الآية «1» . نزول الآية (241) : أخرج ابن جرير الطبري عن ابن زيد قال: لما نزلت: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة 2/ 236] قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. المناسبة: هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الزواج، وتوسطت بينها آية الأمر بالمحافظة على الصلاة، لأنها عماد الدين، للعناية بها، فمن حافظ على الصلوات، كان جديرا بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته، كما قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة 2/ 45] وقد سبق بيان ذلك.
التفسير والبيان:
قال الإمام محمد عبده: وقد خطر لي وجه آخر: هو الذي يطّرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض، من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبديّة ومدنيّة وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارئ والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما في الصلاة وغيرها «1» . التفسير والبيان: على الذين يشرفون منكم على الموت، ويتركون زوجات بعدهم أن يوصوا لهنّ بوصية التّمتع المستمر في البيت إلى نهاية الحول، بدون إخراج منه أو منع السكنى فيه. فيكون للزوجة الأرملة النفقة من مال زوجها المتوفى مدّة سنة كاملة، ويجب على الورثة ألا يخرجوا المتوفى عنها زوجها ولا يمنعوا النفقة عنها قبل مضي السنة. وهل هذا الأمر أمر وجوب وإلزام أو أمر ندب واستحباب؟ قولان «2» : 1- قول الجمهور: كانت عدّة الوفاة في أول الإسلام سنة كاملة، مجاراة لعادة العرب، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث في سورة النساء والآية المتقدمة المتأخرة في النزول: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة 2/ 234] ، فصارت عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، بدل السّنة، وتأخذ حقّها المقرر في الميراث. أخرج ابن جرير الطبري عن همام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فقال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، كان لها السكنى والنفقة، حولا في مال زوجها، ما لم تخرج،
ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة: الثّمن إن كان له ولد، والرّبع إن لم يكن له ولد، وعدّتها: أربعة أشهر وعشرا، فقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَيَذَرُونَ أَزْواجاً.. الآية، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول. 2- قول مجاهد وأبي مسلم الأصفهاني من قدماء المفسّرين: هذه الآية ثابتة الحكم، لم ينسخ منها شيء. ورجح الرازي في تفسيره هذا القول. أما مجاهد: فروى عنه ابن جرير أنه يقول: نزل في عدّة المتوفى عنها زوجها آيتان: قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وقد تقدمت، وهذه الآية، أما الآية الأولى: فكانت هذه للمعتدة تعتدّ عند أهل زوجها واجبا ذلك، فأنزل الله هذه الآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ.. إلى قوله: عَزِيزٌ حَكِيمٌ، قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية: إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى ذكره: غَيْرَ إِخْراجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ والعدّة كما هي. أي أنه يجب حمل الآيتين على حالتين: فإن اختارت الإقامة في دار زوجها المتوفى، والنفقة من ماله، فعدّتها سنة، وإلا فعدّتها أربعة أشهر وعشر، فيكون للعدّة على قوله أجل محتم وهو الأقل، وأجل مخيّر فيه، وهو الأكثر. وأمّا أبو مسلم: فيقول: إن معنى الآية: من يتوفون منكم، ويذرون أزواجا، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك، وخالفن وصية الأزواج، بعد أن يقمن المدّة التي ضربها الله تعالى لهنّ، فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة، قال: والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون
بالنفقة والسكنى حولا كاملا، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب، على هذا التقدير، فالنسخ زائل. أما الفقهاء: فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد: إلى أنه لا يجب لها السكنى مدة الأربعة الأشهر والعشر في تركة زوجها، وتعتدّ حيث شاءت. وذهب مالك: إلى أن لها السكنى مدّة العدّة إذا كان المسكن مملوكا للزوج، أو مستأجرا ودفع أجرته قبل الوفاة وإلا فلا، لحديث الفريعة وهو: ما رواه مالك في موطئه عن زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نعم» ، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، ناداني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو أمر بي، فنوديت له، فقال: «كيف قلت؟» فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» . قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به «1» . وأما بقية تفسير الآية فهو: فإن خرجن من تلقاء أنفسهن بعد مضي العدّة، فلا إثم عليكم أيها الورثة المخاطبون بتنفيذ الوصية، فيما فعلن في أنفسهن من المعروف شرعا وعادة كالخروج والتعرّض للخطّاب والزينة والتّزوج، ما دام ذلك
لا يتنافى مع الشرع، إذ لا ولاية لكم عليهن، والله عزيز لا يغالب ويعاقب من خالفه، حكيم في كل أمر يراعي مصالح عباده. ثمّ بيّن تعالى حكم متعة المطلّقات عموما، فذكر أنه شرعت المتعة (وهي ما يتّفق عليه الزوجان أو يقدرها القاضي) لكل مطلّقة مدخول بها أو غير مدخول بها، وهذا حقّ على المتّقين الذين يخافون الله ويرهبون عقابه، ومثل ذلك البيان السابق لحقوق الأزواج يبيّن الله لكم سائر الأحكام بآياته المحكمة مع توضيح فائدتها، لتدفعنا إلى الخير في الدنيا والآخرة، ولنتدبر الأشياء ونتعقل ما فيها من الحكمة والموعظة الحسنة والمصلحة الحقيقية. وهل الأمر بالمتعة على سبيل الوجوب أو الندب؟ بيّنا سابقا آراء الفقهاء، وموجزها أن الأمر بالمتعة هنا مستحب عند الجمهور، واجب عند الشافعية، وهو رأي ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وآخرين من التابعين، أما المالكية فقالوا: إن المتعة مستحبة لكل مطلقة، ما عدا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، وقال الشافعية: المتعة واجبة لكل مطلقة قبل الدخول أو بعده، إلا المطلقة قبل الدخول المسمى لها المهر، وقال الحنفية والحنابلة برأي متوسط: المتعة واجبة للمطلقة قبل الدخول التي لم يسمّ لها مهر، مستحبة لغيرها من المطلقات. ولا متعة للمتوفى عنها زوجها لورود النص في المطلقات. والراجح لدي ما ذهب إليه الشافعية وموافقوهم، لأن هذه الآية أثبتت المتعة لكل مطلقة، سواء أكانت مدخولا بها أم لم تكن مدخولا بها، فيكون تعالى قد ذكر أولا المتعة، وأثبتها أو أوجبها لمن طلقت قبل الدخول (المسيس) وعمّ هنا المتعة لكل مطلّقة، فهو تعميم بعد تخصيص. وروى ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً
بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة 2/ 236] ، قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. وعلى هذا فإن من طلّق ظلما، أو مللا وسآمة، أو تعسّفا، يحكم عليه بالمتعة، أخذا برأي سعيد بن جبير والشافعية، أو ما يسمى بالتعويض عن الطلاق التعسّفي، ويكون ذلك بقدر حال الزوج من عسر ويسر، وهذا الرأي يحقق المصلحة ويدفع الضرر عما أصاب المرأة من طلاق جائر، ويقلل حالات الطلاق. وتكون أحوال المطلّقات أربعة: 1- مطلّقة مدخول بها قد فرض لها مهر، فلها كل المفروض، لقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة 2/ 229] ، وقوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ، وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً، فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء 4/ 4] ، وعدتها ثلاثة قروء. 2- ومطلّقة غير مدخول بها ولا مفروض لها: فيجب لها المتعة بحسب إيسار المطلّق، ولا مهر لها، لقوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة 2/ 236] ولا عدة عليها. 3- ومطلّقة مفروض لها غير مدخول بها: لها نصف المهر المفروض، لقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة 2/ 237] ولا عدّة عليها. 4- ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها: لها مهر مثلها من قريباتها وأسرتها العصبات بلا خلاف، لقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [النساء 4/ 24] ، ومعناه في رأي بعضهم: فأعطوهنّ مهورهنّ بالفرض والتقدير إذا كان غير مسمى.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا مع ملاحظة أن الله تعالى لم يأمرنا بالتمتيع عند ذكر نوع من المطلّقات إلا غير المدخول بهنّ (غير الممسوسات) مطلقا أي سواء سميّ لهنّ مهر أو لم يسم كما في آية الأحزاب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ، ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها، فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الأحزاب 33/ 49] ، أو مقيّدا بحالة عدم تسمية المهر بقوله: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة 2/ 236] ، أي مدّة عدم مسّكم إياهنّ وتسمية المهر لهنّ، أي فحينئذ يجب عليكم شيء وهو المتعة بقوله: وَمَتِّعُوهُنَّ أي أعطوهنّ شيئا يتمتّعن به، كما بيّنا سابقا. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية على أمرين: الأول- عدّة المتوفى عنها زوجها: وهي حول كامل تسكن فيه في بيت المتوفى عنها، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت، لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها. ثمّ نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالرّبع والثّمن في سورة النساء، كما قال ابن عباس وقتادة والضّحاك وابن زيد والرّبيع. وقال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثمّ جعل الله لهنّ وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله عزّ وجلّ: غَيْرَ إِخْراجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ. الثاني- متعة المطلّقات: واختلف الناس في الآية، فقال أبو ثور: هي محكمة، والمتعة لكلّ مطلّقة، وكذلك قال الزّهري، وسعيد بن جبير، والشافعي في الأصحّ، لكنه استثنى المطلّقة قبل الدخول المسمّى لها المهر. وقال مالك:
موت الأمم بالجبن والبخل وحياتها بالشجاعة والإنفاق [سورة البقرة (2) الآيات 243 إلى 245] :
تستحب المتعة لكل مطلّقة إلا المطلّقة قبل الدّخول، وقد سمّى لها صداقا، فحسبها نصفه، ولو لم يكن سمّى لها، كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حدّ. وزعم ابن زيد أن هذه الآية نسختها الآية المتقدمة: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة 2/ 237] ، وهي المطلّقة التي سمّي لها المهر ولم يدخل بها، لها نصف المسمّى، فأخرجت من المتعة. وأوجب الشافعية المتعة للمختلعة والمبارئة. وقال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعا؟! لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة، أو ملاعنة، أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمّى لها صداقا أم لا. موت الأمم بالجبن والبخل وحياتها بالشجاعة والإنفاق [سورة البقرة (2) : الآيات 243 الى 245] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
الإعراب:
الإعراب: مَنْ ذَا الَّذِي من: استفهامية مبتدأ، وذا: خبره، والذي: صفة: ذا أو بدل منه. قَرْضاً منصوب، لأنه اسم أقيم مقام المصدر، وهو الإقراض، فانتصب انتصاب المصدر. فَيُضاعِفَهُ بالنصب، معطوف بالفاء حملا على المعنى دون اللفظ، كأنه قال: من ذا الذي يكون منه قرض، فتضعيف من الله تعالى، فقدر (أن) بعد الفاء ونصب بها الفعل، وصيّرها مع الفعل في تقدير مصدر، ليعطف مصدرا على مصدر. وعلى قراءة الرفع: إما معطوف على صلة الَّذِي وهو يُقْرِضُ، وإما منقطع عما قبله. البلاغة: قال أبو حيان في تفسيره (البحر المحيط: 3/ 253) : تضمنت الآية الكريمة من ضروب البلاغة وصنوف البيان أمورا كثيرة، منها الاستفهام الذي أجري مجرى التعجّب في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ والحذف بين مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ أي فماتوا ثمّ أحياهم، والطّباق في قوله: مُوتُوا وأَحْياهُمْ، وكذلك في قوله: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، والتكرار في قوله: فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ووَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ، والالتفات في وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والتشبيه بدون الأداة في قوله: قَرْضاً حَسَناً شبه قبوله تعالى إنفاق العبد في سبيله بالقرض الحقيقي، فأطلق عليه اسم القرض، والتجنيس في قوله: فَيُضاعِفَهُ وقوله: أَضْعافاً. المفردات اللغوية: أَلَمْ تَرَ استفهام تعجيب واعتبار وتشويق إلى استماع ما بعده، أي ألم ينته علمك، والرؤية بمعنى العلم، إذ الاستفهام الحقيقي محال على الله. وَهُمْ أُلُوفٌ أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا، وهو جمع كثرة، والقلّة: آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة. حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول لأجله، وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففرّوا، والحذر: الخوف والخشية. مُوتُوا أي فماتوا. ثُمَّ أَحْياهُمْ بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيّهم حزقيل، فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت، لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن، واستمرت في أسباطهم. لَذُو فَضْلٍ ومنه إحياء هؤلاء. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار. لا يَشْكُرُونَ القصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال، ولذا عطف عليه الأمر بالقتال بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دينه. سَمِيعٌ لأقوالكم. عَلِيمٌ بأحوالكم فيجازيكم. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ أي يتصدّق لوجه الله. قَرْضاً حَسَناً بأن ينفقه لوجه الله عن طيب قلب.
سبب النزول نزول الآية (245) :
فَيُضاعِفَهُ يضيف له مثله ومثله. أَضْعافاً كَثِيرَةً من عشرة إلى أكثر من سبعمائة. يَقْبِضُ يقتر أو يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء. وَيَبْصُطُ يوسعه لمن يشاء امتحانا. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم. سبب النزول: نزول الآية (245) : روى ابن حبان في صحيحة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر، قال: لما نزلت: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة 2/ 261] الآية، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ربّ، زد أمتي فنزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً. المناسبة: ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الأسرة لتنظيم العلاقة بين أفرادها، وبنائها على دعائم وطيدة وأسس ثابتة راسخة، ثم ذكر بعدها أحكام الجهاد للدفاع عن الأمة وصون مقدّساتها والدّفاع عن عقيدتها، إذ لا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع، وللجمع بين الحفاظ على المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، فيتحقق التوازن والتعادل بين ما يحفظ الجماعة وما يحفظ الفرد والأسرة، بل إن صون المصالح الخاصة لا يتمّ في الحقيقة بدون صيانة المصالح العامة وحماية الأمة، والذود عن حياضها ووجودها أمام أعدائها. التفسير والبيان: ألم يصل إلى علمك حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وأوطانهم، وهم قوم كثيرون من بني إسرائيل، لما لحقهم العدو وطاردهم؟ خرجوا وهم كثرة تعدّ بالألوف المؤلفة، حذر الموت والخوف منه، بسبب الجبن والخوف والهلع، وضعف
العزيمة، وعدم الإيمان بالله ورسله، مع أن كثرتهم تدعو إلى الثبات، والشجاعة، والصمود، والدفاع عن النفس والحمى. ولم يبيّن الكتاب الكريم عددهم وجنسهم وبلدهم، لأن المقصود هو العظة والاعتبار، وذكر جماعة من السلف أنهم قوم من بني إسرائيل أو في زمان بني إسرائيل وهم أهل قرية يقال لها: داوردان: قرية على فرسخ من قبل واسط، أو أهل أذرعات، خرجوا هاربين فرارا من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضا ليس بها موت، فتمكن منهم العدو، ففتك بهم، وقتل أكثرهم، وفرّق شملهم، أو أنّ الله أماتهم دون قتال ثم أحياهم، ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم الله وقضائه. وعلى التأويل الأول: لما فرّوا أماتهم الله ببطش أعدائهم وتنكيله بهم وتعذيبه لهم، ولم يكن تمكين العدو فيهم إلا بسبب جبنهم وتخاذلهم، ثم أحياهم الله بدعاء نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فأحسّوا بخطئهم الفاحش، وكتّلوا صفوفهم، وقاتلوا عدوهم بإخلاص، واستعادوا عزّتهم وكرامتهم واستقلالهم. وقيل عن الضّحّاك: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، فهربوا، حذرا من الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم، ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قال ابن عطية: وهذا القصص كلّه ليّن الأسانيد. وقوله: وَهُمْ أُلُوفٌ فيه دليل على الألوف الكثيرة. وقوله: وَهُمْ أُلُوفٌ فيه دليل على الألوف الكثيرة. وقوله: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا قال فيه الزمخشري: معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة، للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقّف، كقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ:
كُنْ فَيَكُونُ [يس 36/ 82] . وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرّض للشهادة، وأن الموت إذا لم يكن منه بدّ، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله «1» . وقال أبو حيان: وفي الكلام حذف، التقدير: فماتوا، وظاهر هذا الموت: مفارقة الأرواح الأجساد، قيل: ماتوا ثمانية أيام، وقيل: سبعة أيام «2» . وعلى أي حال فقد وقع الموت والإحياء فعلا، كما يدل عليه ظاهر الآية، والله على كل شيء قدير، وتكرر مثل هذا في زمان بني إسرائيل وغيرهم في قصص القرآن. وإذ لم تثبت الروايات المنقولة في سبب خروج القوم، أهو الفرار من الحمّى أو الطاعون، أو الفرار من الجهاد، فإني أرى أن المعنى ما رآه الطبري: وهو أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر، خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، فأماتهم الله تعالى. ثم أحياهم، ليروا هم وكلّ من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى، لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا لاغترار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم بالجهاد. إن الله لذو فضل على الناس فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة، وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، أو لذو فضل عليهم فيما ابتلاهم به من الطاعون أو المرض أو العدو، ليعتبروا ويتعظوا ويأخذوا من المصائب عبرة ودرسا في الإيمان، أو فيما تتمخض عنه الحوادث من تصفية وصقل وتمييز الخبيث من الطيب، لأن الحوادث تنبت الرجال، وتحيي الأمة، وتوقظها من رقادها، وتنبهها إلى أخطائها ومفاسدها.
فقه الحياة أو الأحكام:
ولكن أكثر الناس لا يؤدون شكر ما أنعم الله عليهم في دينهم ودنياهم، لذا أمر الله تعالى بالتضحية والقتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق ونشر الدين، لأنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، والله سميع لكل قول، عليم بكل فعل، يحاسب كل إنسان على ما قدم. وبما أن لفناء الأمم سببين: الجبن والبخل، قرن الله الآية السابقة التي تندد بالجبن والخوف والفرار من قدر الله، بالآية التي تدعو إلى البذل والإنفاق: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ.. إذ عبر الله تعالى عن الإنفاق بالقرض، ليحث عباده على الإنفاق في سبيل الله، وكرر الله تعالى هذه الآية في غير موضع من كتابه العزيز، ولله ملك السموات والأرض، وبيده وحده خزائن السموات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويضاعف ثوابه أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله، ومن نماذج تضعيف الثواب ما قاله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة 2/ 261] ، فأنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرزاق، يضيق على من يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه المرجع والمآب يوم القيامة، فاعملوا أيها المؤمنون عملا صالحا تجدون ثمرته عند الرجوع إلى الله في الدار الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: يرى القرطبي أن أصح الأقوال وأشهرها عملا بما روي عن ابن عباس: أنهم خرجوا فرارا من الوباء، فقال ابن عباس: خرجوا فرارا من الطاعون، فماتوا، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم الله. وروي عن الحسن البصري أيضا أنهم فروا من الطاعون «1» .
1 - الأعمار والأقدار والبلايا والأمراض بيد الله:
وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية: 1- الأعمار والأقدار والبلايا والأمراض بيد الله ، والإيمان بذلك واجب، ولن يغني في الواقع حذر من قدر، ولكن لما كانت الأقدار غير معروفة لدينا، جاز للإنسان اتخاذ أسباب الوقاية من المكاره، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها، والحذر من المهالك، قال الله تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء 4/ 71] وقال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة 2/ 195] فإذا نزلت المصيبة فعليه الصبر وترك الجزع، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها، فرارا منه. وهكذا الواجب على كل متقّ من الأمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» «1» . وهذا ما دلت عليه الأحاديث، روى الأئمة، واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكر الوجع «2» ، فقال: «رجز أو عذاب عذّب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقية، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يقدمنّ عليه، ومن كان بأرض وقع بها، فلا يخرج فرارا منه» . وبمقتضى هذا الحديث ونحوه عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم، لما رجعوا من سرغ «3» حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره. روى الزهري عن ابن عباس: أن عمر خرج إلى الشام،
2 - وجوب القتال:
حتى إذا كان بسرغ، لقيه التجار، فقالوا: الأرض سقيمة، فاستشار المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه، فعزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟! فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت بها واديا له عدوتان «1» : إحداهما خصيبة، والأخرى جديبة، ألست إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: عندي من هذا علم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا سمعتم به في أرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه» فحمد الله عمر وانصرف. ومعنى قول عمر: لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهالك، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات. وإذا كانت الآجال محصورة لا تتقدم ولا تتأخر عن وقتها، فإن وجه النهي عن دخول أرض الطاعون في الحديث: هو أن الإنسان لو مات فيها فلا يقول: لو لم يدخلها ما مات. 2- وجوب القتال: قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. خطاب لأمة محمد صلّى الله عليه وسلّم بالقتال في سبيل الله، في قول الجمهور، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا، وسبل الله كثيرة، فهي عامة في كل سبيل. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا.
3 - الإنفاق في سبيل الله:
وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك. والواو في قوله وَقاتِلُوا على القول الأول: عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. وعلى القول الثاني عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم: قاتلوا. 3- الإنفاق في سبيل الله: لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق، حرّض على الإنفاق في ذلك، لأن إعداد المقاتلة والجيش يحتاج إلى نفقات كثيرة، وفي النفقة في سبيل الله ثواب عظيم، كما فعل عثمان رضي الله عنه بتجهيز جيش العسرة. قصة أبي الدحداح: روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم، يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني أقرضت ربي عز وجل حائطي (بستاني) وكان له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه، وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل. 4- أداء القرض: يجب على المستقرض رد القرض، لأن الله تعالى بيّن أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى، بل يردّ الثواب قطعا، وأبهم الجزاء، وفي الخبر: «النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر» . 5- ثواب القرض: ثواب القرض عظيم، لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه، أخرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض
6 - بعض أحكام القرض:
بثمانية عشر، فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» . 6- بعض أحكام القرض: على المقترض رد مثل ما أقرضه، ويجوز إقراض النقود والأطعمة والحيوان، وأجمع المسلمون على أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو حبة واحدة. ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه نصا أو عرفا، لأن ذلك من باب المعروف، استدلالا بحديث أبي هريرة لدى البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة في البكر «1» : «إن خياركم أحسنكم قضاء» . ولا يجوز- في رأي مالك- أن يهدي من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها، إلا أن يكون عادتهما ذلك، كما جاء في السنة، أخرج ابن ماجه أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته، فلا يقبلها ولا يركبها، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» . وهل يجوز القرض أو التصدق بالعرض؟ أي من سبّك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر. فيه رأيان: رأي يجوز عملا بحديث أبي ضمضم عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم في صحيح مسلم: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك» . وقال أبو حنيفة وروي عن مالك: لا يجوز التصدق بالعرض، لأنه حق الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» .
قصة النبي صمويل والملك طالوت وترك بني إسرائيل الجهاد [سورة البقرة (2) الآيات 246 إلى 247] :
قصة النّبي صمويل والملك طالوت وترك بني إسرائيل الجهاد [سورة البقرة (2) : الآيات 246 الى 247] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247) الإعراب: عَسَيْتُمْ من أفعال المقاربة، يشبه «كان» في رفعه الاسم ونصبه الخبر، ولا يكون خبرها إلا «أن» مع الفعل، والتاء والميم في عسيتم: اسمها، وألا تقاتلوا: خبرها، وقد فصل الشرط بين الاسم والخبر وهو: إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ. وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ: ما: مبتدأ، و «لنا» خبره، وتقديره: أي شيء لنا في ألا نقاتل، فحذف حرف الجر. وقيل: أن: زائدة، ولا نقاتل: جملة فعلية في موضع الحال، وتقديره: وما لنا غير مقاتلين. وطالوت: اسم أعجمي كجالوت وداود، وإنما امتنع من الصرف للعلمية والعجمة. وَاللَّهُ واسِعٌ فيه وجهان: إما بمعنى ذو سعة، مثل: لابن وتامر، أي ذو لبن وتمر، وإما
المفردات اللغوية:
بمعنى: موسع، على طريقة حذف الزوائد، كقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر 15/ 22] بمعنى ملقحات. المفردات اللغوية: أَلَمْ تَرَ استفهام مفاده: ألم ينته إلى علمك خبر الملأ: وهم الجماعة الأشراف أو القوم، سموا بذلك لأنهم يملئون العيون رهبة إذا اجتمعوا. والنّبي: هو شمويل معرّب صمويل أو صموئيل ابْعَثْ أقم لنا ملكا نقاتل معه في سبيل الله لتنتظم به كلمتنا ونرجع إليه. هَلْ عَسَيْتُمْ أراد بالاستفهام، التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [الإنسان 76/ 1] معناه التقرير وأَلَّا تُقاتِلُوا: خبر عسى وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ: وأيّ داع لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه. وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا أي بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت، أي لا مانع من القتال مع وجود مقتضيه، وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون على ساحل البحر المتوسط بين مصر وفلسطين، فأسروا أربعمائة وأربعين. تَوَلَّوْا عنه وجبنوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين عبروا النهر مع طالوت. قيل: كان عددهم ثلثمائة وثلاثة عشر، على عدد أهل بدر. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد، فهو مجازيهم، وسأل النّبي ربه إرسال ملك، فأجابه إلى إرسال طالوت. أَنَّى كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النّبوة، وكان دباغا أو راعيا. والواو في وَنَحْنُ للحال، وفي وَلَمْ يُؤْتَ لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، والمعنى: كيف يتملك علينا؟ والحال أنه لا يستحق التملك، لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير، ولا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن النّبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلا سقاء أو دباغا فقيرا. وطالوت: معرب شاول، لقب به لطوله. وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ يستعين بها على إقامة الملك. اصْطَفاهُ اختاره للملك بَسْطَةً سعة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا، وكان أطول من كل الشعب، وبسطة الجسم: عظمه وامتداده.
المناسبة:
والظاهر: أن المراد بالعلم: المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها، فمقومات الملك وهي العلم والجسامة متوافرة فيه، لأن الجاهل مزدرى غير منتفع به، والجسيم أعظم في النفوس وأهيب في القلوب. المناسبة: قال البقاعي: ولعل ختام بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها للنبي صلّى الله عليه وسلّم من واضح الدلالة على صحة رسالته، لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل «1» . وبعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السابقة حكمة تشريع القتال لحماية الحق وصون عزة الأمة وكرامتها، بيّن هنا قصة قوم من بني إسرائيل أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، لكن جاءت هذه القصة مفصلة تبين ما في القصة الأولى المجملة. والهدف من هذه الآيات البيان للمؤمنين بأن القتال كان مطلوبا مشروعا في الأمم السابقة، فليس حكما مخصوصا بهم «2» . التفسير والبيان: ألم ينته إلى علمك قصص جماعة من بني إسرائيل بعد موسى في عصر داود عليهما السلام، حين قالوا لنبيهم، قيل: إنه «صمويل» : اختر لنا قائدا للحرب وجمع الكلمة، فإنا صممنا على طرد أعدائنا واسترداد حقوقنا المغتصبة، ولا شك أن طرد العدو من البلاد قتال في سبيل الله، كما قال الله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء 4/ 84] وقال سبحانه: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا.. [آل عمران 3/ 167] .
ولكن نبيهم بسبب معرفته لهم وتجربته معهم قال لهم: أتوقع منكم التخلي عن القتال إن فرض عليكم، فردوا عليه: أي شيء يدعونا إلى ترك القتال، وقد أخرجنا من ديارنا وأوطاننا، ومنعنا من أبنائنا، واغتربنا عنهم؟! فلما فرض عليهم القتال كما طلبوا، تخلفوا عن الجهاد وجبنوا وأعرضوا إلا قليلا منهم، عبروا النهر مع طالوت، وانتحلوا المعاذير، ولكن الله عليم بالذين يظلمون أنفسهم، بتركهم الجهاد في سبيل الله، دفاعا عن أمتهم ووطنهم، وردا لحقهم المغتصب، فصاروا أذلة في الدنيا، معذبين في الآخرة. ثم أوضح القرآن ما دار من نقاش بين شيوخ بني إسرائيل وبين نبيهم صمويل، إذ طلبوا منه أن يختار لهم ملكا، لأن أهل فلسطين تسلطوا عليهم، وقتلوا منهم العدد الكثير، وأخذوا تابوت عهد الرب، وكانوا من قبل يستفتحون به (يطلبون الفتح والنصر به) على أعدائهم. فحذرهم وأنذرهم ظلم الملوك، فألحوا، فاختار لهم طالوت (شاول) ملكا وقائدا حربيا. فقالوا: كيف يكون ملكا علينا؟ وهو لا يستحق هذا الملك، لأنه ليس من سلالة الملوك ولا من سلالة الأنبياء، وقد كان الملك في سبط يهوذا بن يعقوب، ومنهم داود وسليمان، وكانت النّبوة في سبط لاوي بن يعقوب، ومنهم موسى وهرون، وهناك من هو أحق بالملك منه، ولأنه فقير لا مال له فلا يستطيع الحكم، وهذا قائم على وهم أن الغنى شرط أساسي في الملك، وأن الملك حق موروث، لا يتجاوز أبناء الملوك أو الأشراف، حتى يخضع الناس له، فقولهم أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا..؟ كلام من تعنت وحاد عن أمر الله، وهي عادة بني إسرائيل «1» .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقال لهم نبيهم: إن الله قد اختاره ملكا عليكم، والله لا يختار إلا ما فيه الخير لكم، وما عليكم إلا الطاعة والامتثال، ومقومات الملك متوافرة فيه وهي ما يأتي: الاستعداد الفطري، وسعة العلم والمعرفة بتدبير الأمور، وبسطة الجسم وكمال قواه المستلزمة لصحة الفكر والهيبة وفرض النفوذ، وتوفيق الله تعالى له بسبب أهليته وصلاحه، وهذا هو المراد بقوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ أي الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء ومن يصلح للملك، فلا اعتراض على حكم الله، وهو أعلم بخلقه وبالصالح منكم، وبما يستحقونه، والله واسع عليم، أي واسع التصرف والقدرة، لأحد لسعة قدرته وتصرفه، وواسع الفضل والعطاء يوسع على من يشاء ويغنيه بعد فقر، عليم بما يحقق الحكمة والمصلحة، وبما يؤدي إلى الفوز والنصر، وبمن يصطفيه للملك. فقه الحياة أو الأحكام: هذه قصة أخرى للتحريض على القتال، جرت في بني إسرائيل، يستفاد منها ما يأتي: 1- الجهاد في سبيل الله يتطلب إعدادا نفسيا وتربويا وعلميا، وخبرة وكفاءة ومهارة، وجرأة وشجاعة، وعزيمة صادقة وإخلاصا، وتضحية وتفانيا في سبيل المبدأ والعزة والكرامة، فهو لا يكون بالأماني والتعللات، وإنما بالبطولة ومضاء العزيمة وقوة الإرادة. ولم يكن لدى بني إسرائيل شيء من هذه المقومات لسببين جوهريين: هما خبث النفوس وعدم طهارتها وصدقها، وضعف الإيمان وحب الحياة بدون تضحيات وعناء، لذا تولوا وأعرضوا عن المشاركة في القتال، لفقد مقوماته السابقة.
مع أن القتال يحقق لهم أسمى الآمال من استرداد الحقوق المغتصبة، وتطهير البلاد من المحتل والعدو القاهر، وتتويج الجهود بالعزة والكرامة والفوز والغلبة. 2- إن الملك أو الحكم ليس بالوراثة أو بالغنى، وإنما بالكفاءة والعلم والمهارة، وقوة الشخصية، وصلابة الإرادة. قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو. وقيل: سمي طالوت لطوله. وقد بين الله في هذه الآية تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء. فتضمنت الآية بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة، لا بالنسب، فلا حظّ للنسب فيها، مع العلم وفضائل النفس، وأنها متقدمة عليه، لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوّته، وإن كانوا أشرف نسبا. ودل قوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ على أن الله مالك جميع ما في الكون من إنسان وحيوان وجماد، إذ إن إضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى في الآية إضافة مملوك إلى ملك. ودلت الآية أيضا على أن منح الملك أو السلطة لإنسان إنما هو بمشيئة الله الذي لا يصدر عنه إلا الخير للناس، فهو يصطفي لهم من يحقق المصلحة وتتوافر فيه الكفاءة المطلوبة. 3- لا ينضب الخير في الأمة، فإن تولى الأكثرون عن واجب الجهاد، فإن الخير في القليل، والخيار هم الأقلون، وهم يعملون ما لا يعمله الأكثرون، والله عليم بأعمال هؤلاء فيجازيهم خيرا، وعليم بأفعال الظالمين، فيعذبهم بما يستحقون.
إثبات ملك طالوت واختباره الأتباع وانهزام الفئة الكثيرة أمام الفئة القليلة [سورة البقرة (2) الآيات 248 إلى 252] :
إثبات ملك طالوت واختباره الأتباع وانهزام الفئة الكثيرة أمام الفئة القليلة [سورة البقرة (2) : الآيات 248 الى 252] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)
الإعراب:
الإعراب: آيَةَ أصلها: «أيية» فقلبت العين التي هي الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من التابوت، وكذلك تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من التابوت أيضا. غُرْفَةً قرئ بفتح الغين وضمها مثل حسوة وحسوة. كَمْ مِنْ فِئَةٍ.. كم: للعدد وهي هنا خبرية، ويراد بها الكثرة، وهي مبنية كنقيضتها «ربّ» ، وهي مبتدأ، وغلبت: خبره. دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ قرئ أيضا: دفاع الله، وهما مصدران لدفع، وكل من المصدرين مضاف إلى الفاعل. والناس: مفعول المصدر المضاف، وبعضهم: بدل من الناس. تِلْكَ آياتُ اللَّهِ مبتدأ وخبر، ونَتْلُوها جملة فعلية حال من آياتُ. البلاغة: أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً: فيه استعارة تمثيلية، فقد شبه حالهم والله تعالى يفيض عليهم بالصبر، بحال الماء الذي يصب على الجسم كله. المفردات اللغوية: آيَةَ علامة التَّابُوتُ الصندوق المحفوظ فيه التوراة، ويروى أنه مصنوع من خشب مموه (مطلي) بالذهب، أخذه العمالقة ثم ردوه إلى بني إسرائيل الذين كانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه في القتال، ويسكنون إليه، كما قال تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ فيه طمأنينة لقلوبكم. ثم أخذه الفلسطينيون من بني إسرائيل حينما انتصروا عليهم، ولما طلب الإسرائيليون من نبيهم صمويل الذي كان قاضيا أن يبعث لهم ملكا، ففعل، وجعل رجوع التابوت إليهم آية لملك طالوت. وَبَقِيَّةٌ أي قطع الألواح، وعصا موسى ونعلاه، وعمامة هارون، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ على ملكه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت، فأقروا بملكه، وسارعوا إلى الجهاد، فاختار من شبابهم سبعين ألفا. فَلَمَّا فَصَلَ خرج عن بلده بيت المقدس مصاحبا الجنود، لقتال العمالقة، وكان الحر شديدا، وطلبوا منه الماء قالَ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ مختبركم، والابتلاء: الاختبار والامتحان بِنَهَرٍ كان بين فلسطين والأردن، وكان الاختبار بشرب شيء من مائه ليظهر المطيع من العاصي. فَلَيْسَ مِنِّي أي من أتباعي وأنصاري وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ يذقه غُرْفَةً المقدار
التفسير والبيان:
الذي يملأ الكف بالاغتراف، وكان المسموح به هو غرفة واحدة لا زيادة عليها. وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وهم أصحاب الغرفة الذين اقتصروا عليها، وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا لا طاقَةَ قوة بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي لا طاقة بقتالهم وقد جبنوا ولم يجاوزه الذين شربوا من النهر، وجالوت: أشهر أبطال الفلسطينيين أعدائهم. كَمْ مِنْ فِئَةٍ كم: خبرية بمعنى كثير، والفئة: الجماعة من الناس، سواء كانوا قليلين أو كثيرين وَلَمَّا بَرَزُوا ظهروا لقتالهم وتصافوا أَفْرِغْ أصبب وَثَبِّتْ أَقْدامَنا قونا على الجهاد ولا تزلزلنا عند المقاومة. فَهَزَمُوهُمْ كسروهم بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَقَتَلَ داوُدُ وكان في عسكر طالوت، وهو داود بن يسّى، وكان راعي غنم، وله سبعة إخوة هو أصغرهم. وَآتاهُ أي داود الْمُلْكَ في بني إسرائيل وَالْحِكْمَةَ النبوة بعد موت شموئيل (صموئيل) وطالوت، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبل داود، وعليه نزل الزبور، كما قال تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [النساء 4/ 163] . وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ [البقرة 2/ 251] كصنعة الدروع، كما قال تعالى: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ، لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء 21/ 80] ومعرفة منطق الطير، كما قال تعالى: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل 27/ 16] وفصل الخصومات، لقوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص 38/ 20] . لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ بغلبة المشركين، وقتل المسلمين، وتخريب المساجد. وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ فدفع بعضهم ببعض تِلْكَ هذه الآيات نَتْلُوها نقصها عَلَيْكَ يا محمد بِالْحَقِّ بالصدق وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أكد الكلام بإن واللام ردا لقول الكفار: لست مرسلا. التفسير والبيان: كان لبني إسرائيل مواقف تشدد وغلو ومطالب مادية مع أنبيائهم، ومنها هذا الموقف، إذ لم يقبلوا باختيار طالوت ملكا عليهم واشتدوا في عنادهم، فقال لهم نبيهم: هناك دليل مادي على صحة اختياره ملكا وقائدا لكم، وعلامة ذلك عودة التابوت (وكان له شأن ديني عندهم) إليكم عن طريقه ووصوله إلى بيته، وفيه تحقيق الطمأنينة لقلوبكم وارتياح ضمائركم، وبخاصة عند ما تقدمونه رمزا وشعارا وحاميا في قتالكم، وفيه أيضا بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وتلك
البقية: هي قطع الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هارون وشيء من التوراة وأشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون. وقول النبي لهم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ لا يكون إلا بوحي، لأنهم سألوه تعيين ملك لهم يقاتل في سبيل الله، فأخبرهم النبي أن الله قد بعثه لكم. وستحمل الملائكة التابوت إلى طالوت تشريفا وتكريما له، وإن في مجيئه أو عودته دليلا على عناية الله بكم، واختيار طالوت قائدا لكم، لينهض بشؤونكم، وينتصر على عدوكم، فعليكم مؤازرته والرضا بملكه إن كنتم صادقي الإيمان بالله تعالى. فالتفّ الناس حول قيادته واختار من شبابهم سبعين أو ثمانين ألفا، وكان الوقت حرا، فأراد أن يختبرهم بشيء ليعلم صدقهم في القتال، فلما خرج طالوت من البلد مع هؤلاء الجند، بدأ بالاختبار، كما يفعل كل قائد حكيم. فقال لهم: إن الله مختبركم- وهو الأعلم بكم- بنهر يصادفنا في أثناء الطريق إلى الأعداء، فمن شرب منه فليس من أتباعي وأنصاري، ومن لم يتذوقه فإنه من حزبي وأعواني، وكذا من اغترف بيده غرفة فقط يبل بها ريقه ويدفع بها شيئا من العطش، فالمرفوض هو النوع الأول، والمقبول: النوعان الآخران. فكانت نتيجة الاختبار: أن شربوا منه جميعا، لاعتيادهم العصيان، وضعف الإيمان، إلا قليلا منهم وهم أهل الإيمان، وصدق الاتباع، والإخلاص في الدين. والخير في الواقع في هذه الفئة القليلة، التي تفعل بصدق إيمانها، وصلابة عزيمتها ما لا تفعله الفئة الكثيرة العدد، ولكنها غثاء كغثاء السيل. فلما جاوز طالوت النهر مع هذه القلة من المؤمنين الصادقين الذين أطاعوه ولم يخالفوه فيما منعهم منه، ثم تبعهم الذين شربوا من النهر أخيرا، قال بعض
الجيش المؤمن لبعض، لما رأوا جالوت وكثرة جنوده، وتفوقهم عددا وعددا: لا قدرة لنا على محاربة هؤلاء الأعداء، وهم جالوت وجنوده، فضلا عن الأمل في التغلب عليهم، فرد عليهم بقية المؤمنين الذين يوقنون بلقاء ربهم ومجازاته على أعمالهم في الآخرة، والذين ينتظرون إحدى الحسنيين: إما الشهادة في سبيل الله، وإما النصر على الأعداء: لا تغرنكم كثرة الأعداء، فكثيرا ما غلبت الفئة القليلة العدد بقوة إيمانها ومشيئة الله الفئة الكثيرة العدد، والله مع الصابرين بالتأييد والعون، فإن النصر مع الصبر. ولما ظهر طالوت ومن معه من جماعة المؤمنين لأعدائه الفلسطينيين: جالوت وجنوده، وشاهدوا ما هم عليه من كثرة العدد وقوة العدد، لجأوا إلى الله يدعونه، كما هي عادة المضطر الخائف الذي لا يجد ملاذا غير الله في وقت الشدة وعسر المحنة، فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. أي ألهمنا الصبر، وثبّت نفوسنا في القتال، وحقق النصر لنا على الكافرين: عبدة الأوثان، الذين يحبون الدنيا وتمتلئ قلوبهم بالأباطيل. وهذا دعاء عظيم في مثل هذا الموقف الرهيب، وفيه حكمة وعقل، إذ الصبر سبب الثبات، والثبات سبب النصر، وأحق الناس بالنصر هم المؤمنون. وهنا تجلت عظمة الله ونعمته عند صدق الإيمان وصدق اللجوء إليه، فأذن بنصر المؤمنين، واستجاب دعاءهم، وهزمت الفئة القليلة تلك الفئة الكثيرة بإذن الله وإرادته، وقتل داود الفتى القوي جالوت جبار الفلسطينيين في مبارزة، إذ رماه بمقلاعه، فأصاب الحجر رأسه فصرعه، ثم دنا منه، وأخذ سيفه، واحتزّ به رأسه، وجاء به فألقاه بين يدي طالوت، وانهزم جنوده وأتباعه. فاشتهر داود بين الناس، وورث ملك بني إسرائيل، وآتاه الله النبوة، وأنزل عليه التوراة، وعلمه صنعة الدروع، وعرفه منطق الطير، وعلمه علوم
الدين وكيفية فصل الخصومات، كما قال الله تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ، وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص 38/ 20] ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله، إذ كان لبني إسرائيل في الماضي نبي وملك، وكان النبي قبل داود هو شمويل (صموئيل) ، والملك هو طالوت، فلما توفيا صار له الملك والنبوة. ثم بيّن الله تعالى الحكمة من القتال، فإذا كانت الحرب ظاهرة اجتماعية منذ أن اقتتل أبناء آدم، فقتل قابيل هابيل، ولا تخلو من ضرر وخطر، فإنها لا تخلو أيضا من نفع وخير، فلولا دفع الله أهل البغي والشر بأهل العدل والإصلاح والخير، وتسليط جماعة على أخرى، لغلب أهل الفساد، وفسدت الأرض، وعمت الفوضى، وساد الظلم، وهدّمت أماكن العبادة لذكر الله، ولكن الله ذو فضل كبير على الناس جميعا، وذو رحمة بهم، حيث يسلط على الظالم من يهلكه، ويدحر أهل الباطل بجند الحق، فإذا ظهر ظالم آخر، أرسل الله له في الوقت المناسب من يخلص الناس منه، وهكذا ينصر الله رسله بالغيب، ويؤيد أعوانه في اللحظة الحاسمة التي يريدها. تلك آيات الله نتلوها عليك يا محمد، وتلك القصص الغابرة نعرفك بها، فهي مطابقة للواقع والتاريخ، ولم تكن تعلمها، لأنك نبي أمي، لتكون دليلا على صدق نبوتك وصحة رسالتك، وليقتنع بها معاصروك وتصدّق بها الأجيال المتلاحقة على ممر الزمان، وهكذا تكون القصص عبرة وعظة يستفيد منها كل إنسان، كما قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً، وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف 12/ 111] .
أضواء من التاريخ على قصة طالوت وجالوت:
أضواء من التاريخ على قصة طالوت وجالوت «1» : ظل بنو إسرائيل بعد مجيئهم إلى فلسطين بعد موسى عليه السّلام من غير ملك 356 سنة، وتعرضوا في تلك الفترة لغزوات الأمم القريبة منهم كالعمالقة من العرب، وأهل مدين وفلسطين والآراميين وغيرهم، فمرة يغلبون وتارة يغلبون. وفي أواسط المائة الرابعة أيام «عالي الكاهن» تحارب العبرانيون مع الفلسطينيين سكان أشدود قرب غزة، فغلبهم الفلسطينيون، وأخذوا تابوت العهد منهم، وهو التابوت (الصندوق) الذي فيه التوراة أي الشريعة، فعزّ عليهم ذلك، لأنهم كانوا يستنصرون به. وكان من قضاة بني إسرائيل نبي اسمه صمويل، جاء إليه جماعة من أشرافهم وشيوخهم في بلدة الرامة، وطلبوا منه تعيين ملك عليهم، يقودهم إلى قتال أعدائهم الذين أذلوهم وقهروهم زمنا طويلا، فلم يقتنع بمطلبهم لما يعلمه من تخاذل نفوسهم، إن فرض عليهم القتال، فأجابوه بأن دواعي القتال موجودة: وهي إخراج الأعداء لهم من أوطانهم وأسرهم أبناءهم. فجعل عليهم طالوت ملكا، واسمه في سفر صمويل: شاول بن قيس، من سبط بنيامين، وكان شابا جميلا عالما وأطول بني إسرائيل، فرضي به جماعة، ورفضه آخرون، لأنه ليس من سلالة الملوك، وهو راع فقير. وحاول صمويل إقناعهم بكفاءة طالوت وجدارته للملك والسلطة، وحسن الاختيار، ورضا الله عنه، وأن الدليل المادي على ملكه هو عودة التابوت الذي أخذه منهم الفلسطينيون إليهم، وأن الملائكة تحمله إلى بيت طالوت تشريفا وتكريما له، فرضوا به. قام طالوت بتكوين الجيش وجمع الجنود لمحاربة الفلسطينيين (العمالقة)
فقه الحياة أو الأحكام والعبرة من هذه القصة:
بزعامة أو إمارة جالوت الجبار الذي كان قائدهم وبطلهم الشجاع الذي يهابه الناس. وتم فعلا اختيار سبعين أو ثمانين ألفا من شباب بني إسرائيل، وخرج معهم لقتال الأعداء. ولكن حكمة القائد طالوت ومعرفته بهم وتشككه في صدقهم وثباتهم، دفعته إلى اختبارهم في أثناء الطريق وفي وقت الحر بالشرب من نهر بين فلسطين والأردن، فتبين له عصيان الأكثرين، وطاعة الأقلين، فتابع الطريق وتجاوز النهر مع القلة المؤمنة، ولكن بعضهم قالوا حين مشاهدة جيش جالوت العظيم: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فرد عليهم الآخرون بأنه كثيرا ما غلبت الفئة القليلة فئات كثيرة بإذن الله. وكان من حاضري الحرب داود بن يسّى الذي كان شابا صغيرا راعيا للغنم، لا خبرة له بالحرب، أرسله أبوه ليأتيه بأخبار إخوته الثلاثة مع طالوت، فرأى جالوت يطلب المبارزة، والناس يهابونه، فسأل داود عما يكافأ به قاتل هذا الفلسطيني، فأجيب بأن الملك يغنيه غنى جزيلا، ويعطيه ابنته، ويجعل بيت أبيه حرا. فذهب داود إلى طالوت يستأذنه بمبارزة جالوت أمير العمالقة وكان من أشد الناس وأقواهم، فضن به وحذره، فقال: إني قتلت أسدا أخذ شاة من غنم أبي، وكان معه دب فقتلته. ثم تقدم بعصاه وخمسة أحجار ماس في جعبته، ومعه مقلاعه، وبعد كلام مع جالوت، رماه داود بحجر، فأصاب جبهته فصرع، ثم تقدم منه وأخذ سيفه، وحزّ به رأسه، وهزم الفلسطينيون، فزوجه الملك ابنته «ميكال» وجعله رئيس الجند. فقه الحياة أو الأحكام والعبرة من هذه القصة: ذكر أن التابوت أنزله الله على آدم عليه السّلام، ثم وصل إلى يعقوب عليه
السلام، فكان في بني إسرائيل، يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا، فغلبوا على التابوت، غلبهم عليه العمالقة: جالوت وأصحابه، وسلبوا منهم التابوت. وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان، كما أوضح القرطبي «1» . وظاهر بداية الآية: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ... وما قبلها يدل على أنهم كانوا مقرّين بنبوة هذا النبي الذي كان معهم «2» . ودل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ على مبدأ سد الذرائع، لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم، لذا لم يقل: «ومن لم يشرب منه» . ودل ذلك أيضا على أن الماء طعام، وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به، فوجب أن يجري فيه الربا، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أيضا مذهب الشافعي، فلا يجوز بيع الماء متفاضلا، ولا يجوز إلى أجل، والعلة فيه: كونه مأكولا ومتحد الجنس. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل. ولا يجوز بيعه كذلك عند محمد بن الحسن، لأن علته في الربا الكيل والوزن، وهو مما يكال ويوزن. ودفع الله الناس بعضهم ببعض قد يكون بجماعة في مواجهة أخرى، وقد يكون بالفرد الواحد، قال ابن عمر: قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء» ، ثم قرأ ابن عمر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة 2/ 251] ، وروى جابر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» .
وقوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ بيان واضح أن دفعه سبحانه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة. ونبه تعالى نبيه بقوله: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ على أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل. وفي هذه القصة القرآنية أحكام عامة أهمها ما يأتي: 1- إن الشعور بالظلم والذل والاستعباد هو الذي يولد الانفجار، وإن الأمم إذا اعتدي عليها لا سبيل إلى استرداد عزتها إلا بتوحيد صفوفها تحت قيادة زعيم عادل وقائد باسل، كما فعل بنو إسرائيل حينما تغلب عليهم أهل فلسطين. 2- إن أول من يتنبه للخطر والضرر اللاحق بالأمة هم خواصها وعلماؤها وأشرافها وأهل الفضل فيها، كما حدث من ملأ بني إسرائيل حينما طلبوا تنصيب ملك عليهم. 3- يظن الجهال أن أحق الناس بالزعامة والقيادة أصحاب النفوذ والثروة، كما زعم بنو إسرائيل: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ مع أن الأجدر بالقيادة أهل العلم والخبرة والمقدرة الشخصية والخلق الكريم. 4- إن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار القائد أو الرئيس، فيجب أن يكون هناك مرجح وحاسم للخلاف، وكان ذلك المرجح هو ما يختاره نبي بني إسرائيل بطلب الملأ منهم، والمرجح في الإسلام بعد النبي رأي أهل الحل والعقد: وهم العلماء وأصحاب المكانة في الأمة. 5- تتجلى شروط الإمامة في اختيار الأكفاء، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وإذا انضم إلى ذلك قوة العصبة والقبيلة
والنفوذ كان أولى، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الأئمة من قريش» «1» . 6- دل قوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ على أن التوفيق الإلهي في اختيار القائد قائم على العدل التام والسنة الحكيمة ورعاية المصلحة العامة. 7- إن من أوليات شروط النصر والغلبة توافر الطاعة التامة للقائد من قبل الجنود، وهذا ما أخذت به قوانين الجيوش الحالية. 8- إن الفئة القليلة قد تغلب الفئة الكثيرة بقوة الإيمان والصبر والثبات وإطاعة القواد. والمقصود بالإيمان: هو الإيمان بالله تعالى والتصديق بلقائه، وانتظار الثواب العظيم، وتحقيق المكانة العالية للشهداء في الجنة. 9- إن الدعاء في وقت الشدة وفي أثناء المعركة مفيد ومحقق للغاية، لأن الدعاء آية الإيمان، والعون على الثبات، كما قال الله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ... الآية، وقال: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وقال الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال 8/ 45] . 10- إن نظرية تنازع البقاء وبقاء الأصلح تشبه إلى حد كبير قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وقوله عز وجلّ: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد 13/ 17] . انتهى الجزء الثاني
درجات الرسل وأحوال الناس في اتباعهم [سورة البقرة (2) آية 253] :
[الجزء الثالث] [تتمة سورة البقرة] درجات الرسل وأحوال الناس في اتباعهم [سورة البقرة (2) : آية 253] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) الإعراب: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا: تلك: مبتدأ، والرسل: صفة له أو عطف بيان، وفضلنا: جمله فعلية في موضع رفع خبر المبتدأ ولم يقل: ذلك، وقال: تلك، مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ من: اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، فصلته: كَلَّمَ اللَّهُ والعائد محذوف تقديره: كلمه الله، وهو وصلته: في موضع رفع مبتدأ، وخبره: منهم. البلاغة: تِلْكَ الرُّسُلُ أشار بالبعيد لعلو مرتبتهم في الكمال وسمو درجتهم. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ يسمى في البلاغة: التقسيم، وهو تفصيل ذلك التفضيل. ويوجد طباق بين قوله: آمَنَ وكَفَرَ. كرر جملة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ في الآية، ويسمى ذلك إطنابا، لتأكيد المقصود. المفردات اللغوية: فَضَّلْنا بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ كموسى وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ أي محمدا صلّى الله عليه وسلّم دَرَجاتٍ على غيره بعموم الدعوة، وأنه رحمة للعالمين، وختم النبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة الْبَيِّناتِ الآيات الواضحات الدالات على رسالته وَأَيَّدْناهُ قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ جبريل يسير معه حيث سار. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مشيئة إلجاء وقسر. مِنْ بَعْدِهِمْ أي الأمم التي أتت بعد الرسل فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ
المناسبة:
ثبت على إيمانه وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كالنصارى بعد المسيح واليهود بعد موسى، والكفر: ضد الإيمان، وهو أيضا جحود النعمة، وهو ضد الشكر وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ من توفيق من شاء وخذلان من شاء. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة طالوت وجالوت وداود، وأعقبها بقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ليقيم الدليل بمعرفة تلك القصص على أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم من المرسلين الذين أوحي إليهم الوحي المبين لأحوال الماضين. ذكر تعالى هنا أن الرسل درجات، ميّز الله بعضهم على بعض، بمزايا ومناقب ليست لغيره، وأن أحوال الناس عموما في اتباع الرسل: إما مؤمنون وإما كفار، وإما مسالمون وإما متقاتلون، لحكمة ربانية مردها إلى قضاء الله وقدره. التفسير والبيان: هؤلاء الرسل المشار إليهم في الآية السابقة: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ على مراتب في الكمال، وقد فضل الله بعضهم على بعض بتخصيصه بمآثر أو خصائص أو مفاخر جليلة ليست لغيره، مع استوائهم جميعا في اختيارهم لتبليغ الرسالة الإلهية وهداية الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة. وجاءت عبارة التفضيل في آية أخرى هي: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [الإسراء 17/ 55] وهنا: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ. من هؤلاء الرسل: من فضله الله بأنه كلمه مشافهة من غير واسطة وهو موسى عليه السلام: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء 4/ 164] ، وَلَمَّا جاءَ
مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف 7/ 143] ، فسمي «كليم الله» . ومنهم من رفعه الله على غيره درجات ومراتب في الفضل والشرف، والمراد به محمد صلّى الله عليه وسلّم، كما رواه الطبري عن مجاهد، ويؤيده السياق أيضا. وتفضيله بأوجه ذكرناها، وبأوجه أخرى منها رؤيته الأنبياء في السموات ليلة الإسراء والمعراج بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل، ومنها سمو أخلاقه الشريفة، كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم 68/ 4] ، ومنها تأييده بالقرآن الخالد إلى يوم القيامة كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر 15/ 9] وقال في فضل القرآن: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء 17/ 9] ومنها تفضيل أمته: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران 3/ 110] وجعل أمته وسطا بين الأمم عدولا وشهداء على الأمم: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة 2/ 143] . ولو لم يؤت من المعجزات والخصائص إلا القرآن وحده، لكفى به فضلا على سائر الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية أبد الدهر، روى البخاري أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» . وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «فضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» . وآتى الله عيسى بن مريم عليه السلام البينات: وهي الآيات الواضحات التي يتبين بها الحق من الباطل، كتكليمه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه
والأبرص بإذن الله ومشيئته، وتأييده بروح القدس: جبريل عليه السلام، ردا على اليهود الذين أنكروا نبوته والطعن به، وحفظا له من أذاهم، وتبيانا لحقيقته أنه بشر مؤيد من عند الله بالآيات الواضحات، لا إله، كما زعمت النصارى في عيسى، فكان الناس في شأنه بين مفرّط ومفرط. ولو شاء الله ما اقتتلت الأمم التي جاءت بعد الرسل، من بعد ما جاءهم الرسل بالبينات والمعجزات الدالة على الحق الموجبة لاتباعهم، ولو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم متفقين على اتباع الرسل وقبول الحق من ربهم، وإنما ترك لهم حرية التفكير والنظر والإدراك بالعقل الذي أودعه فيهم، ليختاروا طريق الخير والسعادة بأنفسهم، ولكنهم لم يفكروا تفكيرا سليما واختلفوا اختلافا بينا كبيرا في قبول الدين، فمنهم من آمن بما جاء به الرسل، ومنهم من كفر برسالاتهم، وقد اختلف اليهود في دينهم واقتتلوا، وكذلك النصارى اختلفوا وانقسموا، وتعددت الفرق والانقسامات في كل من اليهودية والنصرانية، واتهم كل فريق الآخر بالخروج عن أصل الدين، ووجد هذا الاختلاف أيضا بين المسلمين، حيث عصفت بهم الأهواء، وفرقتهم المصالح، واحتدم القتال فيما بينهم. ولو شاء الله- بالرغم من اختلاف ميولهم ونزعاتهم وأهوائهم- ما اقتتلوا على ما يختلفون فيه، ولكن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وكل ذلك من قضاء الله وقدره، فصارت ردود الفعل متفاوتة، إما بخصومة الكلام والطعن والنقد والسب، وإما بالاحتكام إلى حد السيف وإراقة الدماء. وقد كرر تعالى قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا للتأكيد. والله قادر على كل شيء، فإن أراد التوفيق لبعض عباده آمن به وأطاعه، وإن أراد الخذلان لبعض آخر كفر به وعصاه، فالخذلان والعصمة من فعل الله وإرادته.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على التفضيل بين الأنبياء في زيادة الأحوال والخصوصيات والكرامات والألطاف الإلهية والمعجزات المتباينات. أما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، فكلهم في النبوة والتبليغ ووحدة الهدف والغاية سواء، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليل الله، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات. والرسل أفضل من الأنبياء، فمن أرسل بشرع وأمر بتبليغه أفضل ممن لم يؤمر بالتبليغ، وأولو العزم من الرسل وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أفضل من بقية الرسل. ومحمد صلّى الله عليه وسلّم أفضل الأنبياء والمرسلين على الإطلاق، لأن رسالته عامة للناس جميعا، وللإنس والجن أيضا، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ 34/ 28] ولأن رسالته توجهت بالقرآن المجيد الذي هو شرع الله الدائم والذي ختمت به الشرائع، والمتكفل بحفظه إلى يوم القيامة، ولغير ذلك من الأسباب التي ذكرناها سابقا، لذا قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب 33/ 7] فعمّ ثم خص وبدأ بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة-: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» . وأما قوله عليه السلام: «لا تخيروني على موسى» أو «لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى» فهو على معنى التواضع. وهذا القول ينطبق على الصحابة رضوان الله عليهم، اشتركوا في الصحبة، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والخصائص، فهم متفاضلون بالمآثر، مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، ويشير القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ الآية [الفتح 48/ 29] وقوله: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [الفتح 48/ 26] وقوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ.. [الحديد 57/ 10] وقوله: لَقَدْ
الأمر بالإنفاق في سبيل الخير [سورة البقرة (2) آية 254] :
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح 48/ 18] فعمّ وخص، ونفى عنهم الشين والنقص، ووعد كلا منهم الحسنى. وأما النزاع والاقتتال بين الناس بعد الرسل فكله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان، ولكنه المستأثر بسرّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد. الأمر بالإنفاق في سبيل الخير [سورة البقرة (2) : آية 254] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) الإعراب: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ قرئ بالرفع بالابتداء، أو على أن يجعل: لا بمعنى ليس، وفِيهِ الخبر، وقرئ بالبناء على الفتح، لأنه معه بمنزلة «خمسة عشر» . البلاغة: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ مبتدأ محصور في خبره أي قصر صفة على موصوف، وقد أكدت بالجملة الاسمية وبضمير الفصل، أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ وهو كافر وهُمُ: مبتدأ ثان، والظَّالِمُونَ خبر الثاني، أو أن: هُمُ ضمير فصل، والظَّالِمُونَ: خبر. وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. أي يصبح كل ظالم كافرا، وما أكثر الظلم بين الناس. المفردات اللغوية: يَوْمٌ المراد به هنا يوم الحساب لا بَيْعٌ فِيهِ البيع في الأصل: الكسب بأي نوع من أنواع المبادلة أو المعاوضة، والمراد به هنا: لا فداء، فيتدارك المقصّر تقصيره. وَلا خُلَّةٌ أي
المناسبة:
ولا صداقة ولا مودة تنفع وَلا شَفاعَةٌ بغير إذنه يوم القيامة وَالْكافِرُونَ بالله أو بما فرض عليهم، والمراد به في رأي الحسن البصري: تاركو الزكاة، لأن الأمر بالإنفاق هو الإنفاق الواجب، لاتصال الوعيد به وهو أن تاركي الزكاة هم الظالمون، كما قال الزمخشري. والظالمون: هم الذين جحدوا أمر الله أو أنفقوا المال في غير محله المشروع. المناسبة: حثت الآيات السابقة على الجهاد بالنفس، وهذه الآية حث على الجهاد بالمال وإنفاقه في سبيل الخير، ليدخر الناس ثواب ذلك عند ربهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا. التفسير والبيان: يأمر الله المؤمنين الذين اتصفوا بصفة الإيمان الصادق بالإنفاق في سبيل الله، وذلك يشمل- في رأي ابن جريج وسعيد بن جبير- الزكاة المفروضة والتطوع أو المستحبة، قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال. وقوله: مِمَّا رَزَقْناكُمْ يؤكد الحث على الإنفاق، لأنه يدل على أنه لا يطلب إلا بعض ما رزقه الله لعباده. ويتأكد الأمر أيضا بأنه سيأتي يوم يندم فيه الإنسان ولا يفيده الندم، وهو يوم الجزاء والحساب والثواب والعقاب الذي لا ينفع فيه البديل أو الفداء، ولا الصداقة أو المودة، ولا الشفاعة أو الوساطة أو النسب، يوم تختلف فيه مقاييس الآخرة عن مقاييس الدنيا، وذلك مثل آية أخرى هي: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة 2/ 48] .
فقه الحياة أو الأحكام:
والكافرون وهم كل من كفر بالله أو التاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم، أي فإنهم يقاتلون بالنفس والمال، وإن المنفقين وضعوا المال في غير موضعه، وقد سماهم الله كافرين تهديدا وتغليظا، كما قال: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [آل عمران 3/ 97] وإشعارا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار، كما قال تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [فصلت 41/ 6- 7] قال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل: «والظالمون هم الكافرون» . فقه الحياة أو الأحكام: تأمر الآية بإنفاق المال في وجوه الخير، سواء أكان بطريق الزكاة المفروضة أم بالصدقات والتطوعات المندوبة، فلكل ثوابه العظيم يوم الآخرة، وفيه تحقيق التضامن والتكافل بين أبناء الأمة الواحدة، بل إنه السبيل الواجب للحفاظ على عزة الأمة ومكانتها وهيبتها واسترداد حقوقها المغتصبة، وصون كرامتها وحرماتها وديارها، فمن يقصر في ذلك وهو من الأغنياء القادرين على الإنفاق، كان سببا في تدمير أمته وإذلالها، إذ لا بقاء ولا حياة ولا سعادة للأغنياء أنفسهم إذا فتك الثالوث المخيف (وهو المرض والفقر والجهل) في بقية أفراد الأمة. قال ابن عطية: وظاهر هذه الآية: أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل خير وصلة رحم، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال «1» .
آية الكرسي [سورة البقرة (2) آية 255] :
آية الكرسي [سورة البقرة (2) : آية 255] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) الإعراب: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ: اللَّهُ مبتدأ أول، ولا: نافية للجنس، وإِلهَ: اسمها، وخبرها محذوف تقديره: لا إله معبود إلا هو، والجملة مبتدأ ثان، وهُوَ ضمير فصل مرفوع على البدل من موضع: لا إِلهَ، ويجوز رفعه خبرا لكلمة: لا. والْحَيُّ الْقَيُّومُ: مرفوعان إما صفة لله تعالى، أو بدل من هُوَ أو على تقدير مبتدأ. هذا عند ابن الأنباري، والأصح عند العكبري وغيره أن اللَّهُ مبتدأ، وجملة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبره، وليس بمبتدإ ثان. البلاغة: في الآية حسن افتتاح بأجل أسماء الله تعالى، وفيها تكرار اسمه ظاهرا ومضمرا في ثمانية عشر موضعا، وفيها إطناب بتكرير الصفات، وقطع الجمل حيث لم يصلها بحرف العطف، لأنها كلها في حكم البيان، وطباق في ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ. هذا ما قاله أبو حيان في البحر المحيط (2/ 281) وعدّ أحمد رحمه الله سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا وخفيا، فالظاهر ستة عشر وهي: الله، هو، الحي، القيوم، ضمير لا تأخذه، وضمير له، وضمير عنده، وضمير إلا بإذنه، وضمير يعلم، وضمير علمه، وضمير شاء، وضمير كرسيه، وضمير: ولا يؤده، وهو العلي، العظيم. وأما الخفي: فالضمير الذي اشتمل عليه مصدر: حفظهما، فإنه مصدر مضاف إلى المفعول، ولا بد له من فاعل وهو الله (حاشية الكشاف: 1/ 292) .
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: اللَّهُ هو المعبود بحق، والعبادة: استعباد الروح وإخضاعها لسلطة غيبية لا تحيط بها علما، ولا تدرك حقيقتها لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا معبود بحق في الوجود سوى الله الْحَيُّ: الدائم البقاء أو ذو الحياة، والحياة صفة لله تعالى تستلزم اتصافه بالعلم والإرادة والقدرة الْقَيُّومُ دائم القيام أو القائم بتدبير خلقه في آجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، وحفظهم ورعايتهم، كما قال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد 13/ 33] . لا تَأْخُذُهُ الأخذ: الغلبة والاستيلاء سِنَةٌ نعاس وهو فتور قبل النوم. والنوم: حال تعرض للحي، بها تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس والشعور. كُرْسِيُّهُ علمه الإلهي بدليل قوله تعالى: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [غافر 40/ 7] ولأن أصل الكرسي: العلم، ومنه يقال للعلماء: كراسي، للاعتماد عليهم، وقيل: المراد بها عظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد، كقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر 39/ 67] ، وقيل: ملكه، وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش. قال ابن كثير في تفسيره (1/ 310) : والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار. وَلا يَؤُدُهُ: ولا يثقله ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض ومن فيهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، وهو القاهر لكل شيء، العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه. وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ العلي: المتعالي عن الأشباه والأنداد وهو فوق خلقه بالقهر، والعظيم: هو الكبير الذي لا شيء أعظم منه وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ مثل قوله: وهو الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ. فضل آية الكرسي: آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، وقد صح الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأنها أفضل آية في كتاب الله، وفيها اسم الله الأعظم، قال أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي أمامة مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اسم الله الأعظم الذي إذ دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه» قال هشام بن عمار خطيب دمشق: أما البقرة فقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وفي آل عمران: الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وفي طه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ. ووردت أحاديث كثيرة أخرى في فضلها، منها «سيد الكلام: القرآن، وسيد القرآن: البقرة، وسيد البقرة: آية الكرسي» ، ومنها «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد» ومنها: «من قرأ دبر
المناسبة:
كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» «1» . وعن علي رضي الله عنه قال: «سمعت نبيكم صلّى الله عليه وسلّم يقول، وهو على أعواد المنبر: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره، والأبيات حوله» . وقال ابن كثير: هذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة، متعلقة بالذات الإلهية، وفيها تمجيد الواحد الأحد «2» . المناسبة: ذكر تعالى في الآيات السابقة أن العمل الصالح الفردي هو أساس النجاة، فلا ينفع المال والشفاعة والصداقة والمودة، وأن الرسل صلوات الله عليهم- وإن تفاوتوا في الفضل- إلا أن دعوتهم واحدة ورسالتهم واحدة ودينهم واحد قائم على دعوة التوحيد وصون الفضائل والأخلاق وعبودية الله تعالى، ثم جاءت آية الكرسي لتقرر أصل التوحيد وأساس العبادة، ولتحصر الاتجاه بأي عمل نحو الله تعالى، وليستشعر العبد عظمة الله وسلطانه، ويطيع أوامره، ويذعن لأحكامه. التفسير والبيان: الله هو المتفرد بالألوهية لجميع الخلائق، فلا معبود بحق في الوجود إلا هو، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الواجب الوجود، ذو الملك والملكوت، الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم بذاته على تدبير خلقه، كقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم 30/ 25] ، الذي لا يشبه أحد من خلقه في الذات ولا في الصفات، ولا في الأفعال، كما قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى 42/ 11] .
لا يعتريه نوم ولا يغلبه نعاس لأنه قائم بتدبير أمور خلقه آناء الليل وأطراف النهار. وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية الدائمة الكاملة، جاء في الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . وجميع ما في السموات وما في الأرض عبيده وفي ملكه، خاضعون لمشيئته، وتحت قهره وسلطانه، كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً، لَقَدْ أَحْصاهُمْ، وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [مريم 19/ 93- 95] . وهذه الجملة مؤكدة أيضا لقيوميته وتفرده بالألوهية. ومن عظمة الله وجلاله وكبريائه أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [النجم 53/ 26] وقوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء 21/ 28] وقوله: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود 11/ 105] وفي حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش، فأخر ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفّع، قال: فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة» . وهذا دليل على انفراد الله بالملك والسلطان. والله محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويعلم أمور الدنيا وأمور الآخرة، كقوله إخبارا عن الملائكة: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا، وَما بَيْنَ ذلِكَ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم 19/ 64] قال
الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر: «ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر» . ولا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل، وأطلعه عليه، ومن تلك الأشياء: الشفاعة، فهي متوقفة على إذنه تعالى، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه. والله تعالى واسع الملك والقدرة، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، يحيط علمه بجميع ما في السموات والأرض، ويعلم صغار الأمور وكبارها، دقيقها وعظيمها، لا يشغله سمع عن سمع، ولا شأن عن شأن، ولا يشق عليه أمر. وقد أورد الزمخشري أربعة أوجه في تفسير قوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ «1» : أحدها- أن كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته، وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة، ولا قعود ولا قاعد، كقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر 39/ 67] من غير تصوّر قبضة، وطي، ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي، ألا ترى إلى قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والثاني- وسع علمه: وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم. والثالث- وسع ملكه: تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك. والرابع- ما روي أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش، دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعلى كل حال أرى أنه يجب الإيمان
فقه الحياة أو الأحكام:
بوجود العرش والكرسي، كما ورد في القرآن، ولا يجوز إنكار وجودهما إذ في قدرة الله متسع لكل شيء. ولا يثقله تعالى حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه. وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، وأعظم من كل شيء، لا تحيط به العقول والمدارك، ولا يعرف حقيقته إلا هو سبحانه وتعالى. وهذا كقوله: الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ والمقصود بالعلو: علو القدر والمنزلة، لا علو المكان لأن الله منزّه عن التحيّز في المكان. وفسر بعضهم العلي: بأنه القاهر الغالب للأشياء. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وعظمته وجلاله وكماله، فهي تدل على أن الله تعالى متفرد بالألوهية والسلطان والقدرة، قائم على تدبير الكائنات في كل لحظة، لا يغفل عن شيء من أمور خلقه، وهو مالك كل شيء في السموات والأرض، لا يجرأ أحد على شفاعة بأحد إلا بإذنه، ويعلم كل شيء في الوجود، ويحيط علمه بكل الأمور وأوضاع الخلائق دقيقها وعظيمها، ويظل بالرغم من التدبير للخلائق والعلم المحيط بالأشياء هو العلي الشأن، القاهر الذي لا يغلب، العظيم الملك والقدرة على كل شيء سواه، فلا موضع للغرور، ولا محل لعظمة أمام عظمة الله تعالى. منع الإكراه على الدين والله هو الهادي إلى الإيمان [سورة البقرة (2) : الآيات 256 الى 257] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257)
الإعراب:
الإعراب: لَا انْفِصامَ لَها: هذه الجملة في موضع نصب على الحال من بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى التي هي لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ أولياء: مبتدأ، والطاغوت خبره، وبما أن خبر المبتدأ يكون على وفق المبتدأ، فيجب أن يكون الطاغوت جمعا لأن أولياء جمع، والطاغوت: تصلح للواحد والجمع. وأصل طاغوت: طغيوت، إلا أنهم قلبوا الياء التي هي لام إلى موضع العين، فصار طيغوتا، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار طاغوتا. البلاغة: اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى: استعارة تمثيلية، حيث شبه المتمسك بدين الإسلام بالمتمسك بالحبل المحكم. وعدم الانفصام ترشيح. مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ استعارة تصريحية، حيث شبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور. المفردات اللغوية: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ لا جبر ولا إلجاء على الدخول في الدين، والدين هنا: المعتقد والملة بقرينة قوله: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي ظهر بالآيات البينات الواضحات أن الإيمان رشد، والكفر غي، والرشد والرشاد: الهدى وكل خير، وضده الغي أي الضلال في الاعتقاد أو الرأي. أما الجهل فهو كالغي إلا أنه في الأفعال لا في الاعتقاد. بِالطَّاغُوتِ الشيطان أو الأصنام، مأخوذ من الطغيان: وهو مجاوزة الحد في الشيء. ويجوز تذكيره وتأنيثه وإفراده وجمعه، ويتحدد المراد بحسب المعنى. اسْتَمْسَكَ تمسك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى بالعقد المحكم. والعروة: من الدلو والكوز ونحوهما: المقبض الذي يمسك به من يأخذهما. والوثقى: مؤنث الأوثق: وهو الحبل الوثيق المحكم. ويجوز أن يراد بالعروة الوثقى: الشجر الملتف لَا انْفِصامَ لَها لا انقطاع لها.
سبب النزول:
اللَّهُ وَلِيُّ الولي: الناصر والمعين، أي أن الله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية مِنَ الظُّلُماتِ الكفر والضلالات إِلَى النُّورِ الإيمان. وأفرد النور وجمع الظلمات لأن الحق واحد لا يتعدد، وأما أنواع الضلال والكفر فكثيرة، كما قال ابن كثير. سبب النزول: نزول الآية (256) : أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: نزلت: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ في رجل من الأنصار من بني سالم يقال له: الحصين «1» ، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلما، فقال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله الآية. وفي رواية: أنه حاول إكراههما، فاختصموا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله: أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما. وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: كانت المرأة من نساء الأنصار تكون مقلاة «2» ، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. نزول الآية (257) : أخرج ابن جرير الطبري عن عبدة بن أبي لبابة في قوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد صلّى الله عليه وسلّم آمنوا به وأنزلت فيهم هذه الآية.
المناسبة:
المناسبة: حددت آية الكرسي ما يتصف به الله عز وجل من تفرد بالألوهية والملك والسلطان في السموات والأرض، والحياة، والقيام بأمر الخلائق دون عناء ولا مشقة، وإحاطة العلم بكل شيء، فلا يصح بعدئذ أن يكون هناك إكراه على الدخول في الدين لأن الفطرة، والمشاهدات الكونية، والفكر السليم تهدي إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته والاقتناع بالإسلام دينا ومنهج حياة. التفسير والبيان: لا تكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، فإن دلائل صحته لا تحتاج بعدها إلى إكراه، ولأن الإيمان يقوم على الاقتناع والحجة والبرهان، فلا يفيد فيه الإلجاء أو القسر أو الإلزام والإكراه، كقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس 10/ 99] . وقد بان طريق الحق من الباطل، وعرف سبيل الرشد والفلاح، وظهر الغي والضلال، وأن الإسلام هو منهج الرشد، وغيره طريق الضلال، فمن شاء فليؤمن به ومن شاء فليكفر. وهذه الآية أوضح دليل على بطلان زعم أن الإسلام قام بالسيف، فلم يكن المسلمون قبل الهجرة قادرين على مجابهة الكفار أو إكراههم، وبعد أن تقووا في المدينة وعلى مدى القرون الماضية لم يكرهوا أحدا على الإسلام، كما يفعل أتباع الملل الأخرى كالنصارى، وقد نزلت هذه الآية في بداية السنة الرابعة من الهجرة، حيث كان المسلمون أعزاء وأقوياء. ولم يلجأ المسلمون إلى الحرب أو الجهاد إلا لرد العدوان، والتمكين من حرية التدين، ومنع تعسف السلطة الظالمة الحاكمة من استعمال المسلمين حقهم في الدعوة
إلى الله، ونشر الإسلام في أنحاء الأرض، بدليل قبول المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى القتال. ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، بسبب عدم استخدامه وسائل النظر والمعرفة الصحيحة، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. وبناء عليه، من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وكفر بعبادة أي مخلوق من الناس أو الجن أو الشيطان أو الكواكب أو الأوثان والأصنام، وعبد الله وحده وشهد أن لا إله إلا هو، فقد تمسك بالحق، وثبت على الهدى، واستقام على الطريق المستقيم، وكان مثله مثل الممسك بعروة حبل محكم مأمون الانقطاع، أي أن الله تعالى شبه من استمسك من الدين بأقوى سبب بمن استمسك بالعروة القوية التي لا تنفصم، فصارت محكمة مبرمة قوية، لا يحلّ ربطها القوي الشديد. والعروة الوثقى فسرت بعبارات ترجع إلى معنى واحد: وهي الإيمان، أو الإسلام، أو لا إله إلا الله. والله يرصد بدقة أقوال الناس وأفعالهم وتصوراتهم وأفكارهم، فهو سميع لقول من يدعي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، عليم بما يضمره قلبه من تصديق أو تكذيب لأن الإيمان: ما نطق به اللسان واعتقده القلب، والله سميع عليم بكل شيء ظاهر وباطن، يعلم حقائق الأشياء والأقوال والمعتقدات والأفعال. قال القرطبي: ولما كان الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات: سَمِيعٌ من أجل النطق، عَلِيمٌ من أجل المعتقد. والله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية لأرشد الأمور، وهو يخرجهم بهداية الحواس والعقل والدين من ظلمات الشك والشبهة، والجهل
فقه الحياة أو الأحكام:
والضلالة، والكفر والانحراف، إلى نور العلم والمعرفة واليقين والإيمان الصحيح، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا، فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف 7/ 201] قال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة: نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات «1» . وأما الكافرون بالله ورسوله فلا سلطان على نفوسهم إلا لمعبوداتهم الباطلة التي تقودهم إلى الضلال، فإن لاح لهم نور الحق والإيمان، بادر الشيطان وما يلقيه من وساوس إلى إطفاء هذا النور، وإبقاء الكفار في ظلمات الشك والضلال، والكفر والعصيان، أو النفاق والتردد. وكان جزاؤهم الحق المنتظر هو الخلود في النار والملازمة لها بسبب بعدهم عن الهدى، وتماديهم في الضلال، وعدم استنارة قلوبهم بنور الحق. وبما أن الحق واحد وحّد الله تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات لأن الكفر أجناس مختلفة كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام 6/ 153] وقال تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام 6/ 1] ونحو ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتشعبه. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية قاعدة من قواعد الإسلام الكبرى، وركن عظيم من أركان سياسته ومنهجه، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه.
وهذا يكون إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا، ويكون الجهاد ضد السلطة الباغية أمرا اضطراريا لتأمين حرية الدعوة، وأمن الفتنة، وتترك قضية التدين أو اعتناق الإسلام في المجال الفردي أو الجماعي أو الشعبي للمجادلة بالتي هي أحسن، وللإقناع بالحجة والبرهان. وأما ادعاء كون هذه الآية منسوخة بآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [التوبة 9/ 73] كما روي عن ابن مسعود، فهو يتنافى مع كون هذه الآية نزلت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة، بعد تشريع الجهاد والإذن بالقتال، ويتناقض مع سبب بالنزول كما بينا، فضلا عن الاختلاف في النسخ على ستة أقوال أوردها القرطبي «1» . فقال الشعبي وقتادة والحسن البصري والضحاك: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون: أهل الأوثان من العرب، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فهم الذين نزل فيهم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وحجتهم: ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق، فقالت: أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. وضعّف ابن العربي القول بنسخ الآية، وقال: لا إِكْراهَ عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بحق فإنه من الدين، ورأى أن قتل الكافر في الحرب قتل على الدين «2» ، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتواتر الذي رواه الأئمة عن أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» وهو مأخوذ من قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[البقرة 2/ 193] لكن فاته أن المراد بالناس بإجماع العلماء هم مشركو العرب. وهذا راجع لسبب خاص بالعرب لأنهم حملة رسالة الإسلام، وبلادهم منطلق الإسلام، فجاز إكراههم بحق لهذين السببين. ودلت آية لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ على ظهور أدلة الرشد والإيمان وتميز الدين الحق عن الغي والضلال والجهالة، وأن الإسلام هو دين الحق، وأن أنواع الكفر كلها باطلة. ودلت آية اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا على أن من آمن من الناس، فالله متولي أموره، يخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود النبي صلّى الله عليه وسلّم، الداعي المرسل، فشيطانه مغويه، كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معه. ودلت أيضا على أن الحكم على الكفار بالدخول في النار، لكفرهم هو عدل منه تعالى، ولا يسأل عما يفعل. وهذه الآية بمثابة الدليل على منع الإكراه في الدين لأن الولاية على العقول والقلوب هي لله تعالى وحده، والهداية إلى الإيمان تكون بتوفيق الله تعالى من شاء، وإعداده للنظر في الآيات والخروج من الشبهات، بما ينقدح لنظره من نور الدليل، لا بالإجبار والإكراه. والخلاصة: أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله تعالى، وتكوين الإيمان يكون باستعمال الهدايات التي وهبها الله للإنسان وهي الحواس والعقل والدين. أما الكفار فلا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة المؤدية إلى الطغيان، فهي التي تقوده إلى إخلاء قلبه من الإيمان، والانصراف إلى التمتع بالشهوات الحسية أو المعنوية كالسلطة أو الجاه، والاسترسال في الفواحش والمنكرات أو الظلم والطغيان. وعرف ابن القيم الطاغوت: بأنه ما تجاوز به
قصة النمروذ الملك [سورة البقرة (2) آية 258] :
العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، وقال: الطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، من عبد وهو راض، من دعا الناس إلى عبادة نفسه، من ادعى شيئا من علم الغيب، من حكم بغير ما أنزل الله. قصة النّمروذ الملك [سورة البقرة (2) : آية 258] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) الإعراب: رَبِّهِ الهاء تعود على الذي وهو نمروذ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ في موضع نصب لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن آتاه الله، فحذف اللام فاتصل الفعل به. والهاء في آتاهُ فيها وجهان: إما أن تكون عائدة على إبراهيم، أي: أن آتى الله إبراهيم النبوة، وإما أن تعود على الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ وهو نمروذ الذي خاصم إبراهيم لأن آتاه الله الملك. إِذْ قالَ إذ: ظرف زمان والعامل فيه تَرَ. والياء في رَبِّيَ يجوز فيها التحريك والإسكان، فمن حركها شبهها بالكاف في رَأَيْتَكَ، ومن سكّنها استثقل الحركة عليها، لأن الحركات تستثقل على حرف العلة. البلاغة: أَلَمْ تَرَ الاستفهام للتعجب، والرؤية قلبية. يُحْيِي وَيُمِيتُ عبر بالمضارع لأنه يفيد التجدد والاستمرار. وصيغة رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ تفيد القصر لورود المبتدأ والخبر معرفتين، أي أنه تعالى وحده هو الذي يحيي ويميت. ويوجد طباق بين يحيي ويميت أو بين المشرق والمغرب. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ يشعر التعبير بأن العلة وسبب الحيرة هو كفره، ولو قال: فبهت الكافر لما أدى ذلك المعنى.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: أَلَمْ تَرَ الاستفهام للتعجب والإنكار حَاجَّ جادل أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي حمله بطره بنعمة الله على ذلك وهو نمروذ. فَبُهِتَ تحير ودهش، وفي الحديث: «إن اليهود قوم بهت» ، الظَّالِمِينَ المعرضين عن قبول الهداية بالنظر فيما يؤدي إلى الحق. المناسبة: لما ذكر الله تعالى فيما سبق أن الله ولي الذين آمنوا، وأن الطاغوت ولي الكافرين، أعقبه بذكر نموذج للإيمان ونموذج للطغيان، ليبين تلك القضية ويشهد على صدقها وصحتها، وهو أن إبراهيم وفقه الله للأدلة التي تدحض الشبهات، وأن الملك عمي عن نور الحق، فكانت حججه متهافتة ساقطة، تتردد في ظلمات الشكوك والأوهام، فصارت هذه القصة مثلا للمؤمن والكافر اللذين تقدم ذكرهما «1» . التفسير والبيان: ألم تعلم قصة النمروذ الملك الذي تجبر وادعى الربوبية وهو النّمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح عليه السلام ملك زمانه، وعارض إبراهيم في ربوبية الله «2» . والذي حمله على المجادلة: هو الملك وما يعقبه من كبر وبطر وغرور، وهو ملك بابل، وقيل: إنه ملك زمانه، ملك الدنيا بأجمعها، قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران: فالمؤمنان: سليمان بن داود
وذو القرنين، والكافران: نمروذ وبختنصّر «1» . فالنمروذ الملك لم يشكر النعمة، بل أبطرته، وجعلته يطغى، مع أن النعمة مدعاة الشكر، فجعل ما كان سببا في الطاعة سببا في المعصية. وهو في رأي ابن عباس ومجاهد وجماعة آخرين: صاحب النار والبعوضة، فهو الذي أضرم النار لإحراق إبراهيم عليه السلام، وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى: بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض، وبعثها على عسكره، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت واحدة منها في دماغه، فأكلته حتى صارت مثل الفأرة، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوما «2» . وكان قوم الملك يعبدون ملوكهم مع آلهتهم، فأحب الملك أن يرجع إبراهيم عن نحلته الجديدة المخالفة لنحلة قومه، وان يعبده وآلهته. وهذه قصة المجادلة «3» : حينما كسّر إبراهيم عليه السلام الأصنام التي تعبد من دون الله، وسفّه عقول عابديها، سأله نمروذ عن ربه الذي يدعو إلى عبادته، فأجابه: ربي الذي يحيي ويميت فهو مصدر الحياة وسبب الممات، أي ينشئ الحياة والموت، فأنكر الملك الطاغية الذي كان أول من تجبر وقال: أنا أحيي بعض البشر بالعفو عمن حكم عليه بالإعدام، وأميت البعض الآخر بالقتل وتنفيذ الحكم المقرر عليه، وأحضر رجلين عفا عن أحدهما، وقتل الآخر، وأخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا وتركهم بدون طعام وشراب، ثم أطعم اثنين فحييا، وترك اثنين فماتا.
وهذا أول السقوط والضعف في حجة النمروذ، لأن المراد في قول إبراهيم: إنشاء الحياة وتكوينها بعد العدم، وإزالة الحياة القائمة لجميع الكائنات الحية من نبات وحيوان وغيرهما، لا مجرد التسبب في بقاء الحياة، وإعدامها لفئة من الناس حكم عليهم بالإعدام، فجواب النمروذ بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة. ولما رأى إبراهيم مغالطة الطاغية وتجاهله المقصود من معنى الإحياء والإماتة، انتقل إلى حجة أخرى لا مجال فيها للمكابرة أو المغالطة، فقال: إن ربي الذي يمنح الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته المطلقة هو الذي يطلع الشمس من المشرق، فإن كنت تدعي الربوبية، فغيّر نظام طلوع الشمس وغروبها، وائت بها من جهة المغرب. فلم يجد من تولى كبره جوابا، ودهش وتحير، وأعجزته الحجة، وأفحمه إبراهيم، وغلبه وأسكته، وقطع حجته، ولم يمكنه، أن يقول: آنا الآتي بها من المشرق، لأن الواقع يكذبه. والله لا يهدي الظالمين أنفسهم المعرضين عن قبول هداية الله إلى طريق الخير والفلاح أبدا، بل يطمس الله على قلوبهم وبصائرهم، ويفضح شأنهم في أحلك أوقات الشدة والأزمة أمام الملأ من الناس. وهذا يدل على أن عدم الهداية ليس للطائعين، وإنما للظالمين، والمراد: هداية خاصة، أو ظالمون مخصوصون «1» . وقد ذكر السّدّي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك، إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة، وكان ذلك نصرا لخليل الله إبراهيم بعد نصر، وهكذا تتوالى الانتصارات لأولياء الله وأصفيائه، وتتعاقب الهزائم لأعداء الله، وتبدو مواقف الخذلان لهم
فقه الحياة أو الأحكام:
لكل ناظر عاقل متأمل، كما قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ، فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الأنبياء 21/ 18] . فقه الحياة أو الأحكام: تدل هذه الآية على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعزّ والرّفعة في الدنيا، وتدل أيضا على جواز أن ينعم الله على الكافرين في الدنيا، ثم يحرم منها في الآخرة، ولا يجد إلا النار. وتدل على إثبات المناظرة وصحة المجادلة في الدين وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة مواقف كثيرة من هذا الجدال، كما في قصة نوح عليه السلام مثلا: قالُوا: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هود 11/ 32- 35] إلى قوله: وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ، لأن الجدال في الدّين لا يظهر فيه الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. وجادل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الكتاب، وباهلهم «1» بعد بيان الحجة. وتجادل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم السقيفة وتدافعوا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله، ثم تناظروا أيضا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله عز وجل: فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران 3/ 66] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر. وأدب المجادلة محدد مرسوم في القرآن الكريم في قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل 16/ 125] .
قصة العزير وحماره [سورة البقرة (2) آية 259] :
وذكر الأصوليون في، هذه الآية: أن إبراهيم عليه السلام، لما وصف ربه تعالى بالإحياء والإماتة، قصد إلى الحقيقة، وأما النمرود فلجأ إلى المجاز وموّه على قومه، فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه إلى أمر لا مجاز فيه، وعارضة بالشمس، فبهت الذي كفر. ويستفاد من الآية أيضا أن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه، وأن طريق معرفته: ما في الكون من الدلائل القاطعة على توحيده، لأن أنبياء الله عليهم السلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك، ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه، وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها وبآثاره عليه. قصة العزير وحماره [سورة البقرة (2) : آية 259] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) الإعراب: أَوْ كَالَّذِي: الكاف إما زائدة، وتقديره: أو الذي مر على قرية على عروشها، وهي خاوية. والذي: في موضع جر، معطوف على قوله: إِلَى الَّذِي حَاجَّ، وإما للتشبيه، معطوفا على معنى ما تقدمه من الكلام، لأن معنى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ، وألم تر كالذي حاج: واحد. عَلى عُرُوشِها في موضع نصب، لأنه بدل من قوله: عَلى قَرْيَةٍ، ويكون
البلاغة:
وَهِيَ خاوِيَةٌ جملة اعتراضية. وفسر قوم: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي ساقطة سقوفها، فلا يكون هناك اعتراض. كَمْ لَبِثْتَ: كم: في موضع نصب على الظرفية الزمانية، وتقديره: كم لبثت يوما. لَمْ يَتَسَنَّهْ إما أصله: يتسنّن، من قوله: حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي متغير، قلبت النون الثالثة ياء كراهية اجتماع ثلاث نونات، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار «يتسنّى» ثم حذفت الألف للجزم، فصار: يتسن، وأدخلت عليه هاء السكت، وإما مأخوذ من «تسنّه وسانهت» تفعل من السنة، فيكون المعنى: لم يتغير بمرّ السنين، وأصل سنة: سنهة. وَلِنَجْعَلَكَ الواو عطف على فعل مقدر، تقديره: انظر إلى حمارك لتتيقن ما تعجبت منه، حين قلت: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، ولنجعلك آية للناس. البلاغة: بَعْدَ مَوْتِها أي موت سكان القرية، مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال. ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فيها استعارة الكسوة للحم الذي غطى العظم، كما يستر الجسد باللباس، ثم حذف المشبه به وهو الثوب، وأتى بشيء من لوازمه وهو الكسوة على سبيل الاستعارة المكنية. المفردات اللغوية: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ أي عزير الذي مر على ضيعة هي بيت المقدس، راكبا ومعه سلة تين وقدح عصير خاوِيَةٌ ساقطة، أو خالية من السكان، والعروش: السقوف، لما خربها بختنصر. أَنَّى يُحْيِي كيف، وهو استبعاد منه للإحياء بعد الموت، والمراد بالإحياء هنا: العمارة بالبناء والسكان بَعْدَ مَوْتِها خرابها فَأَماتَهُ اللَّهُ أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا، كما حدث لأهل الكهف ثُمَّ بَعَثَهُ أرسله من بعثت الناقة: إذا أطلقتها من مكانها، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أولا حيا عاقلا كامل المدارك. ويرى الأطباء أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا، لكنه يكون فاقد الحس والشعور، وهو المسمى لديهم بالسبات: وهو النوم المستغرق، ومرد كل ذلك إلى قدرة الله بالحفظ مائة سنة أو ثلثمائة سنة أو أكثر أو أقل، وقال القرطبي: وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد. طَعامِكَ التين وَشَرابِكَ العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير مع طول الزمان، والهاء إما للسكت من سانيت، وإما من أصل الكلمة وهي سانهت وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف هو، فرآه ميتا وعظامه باقية وَلِنَجْعَلَكَ فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية على البعث، أي علامة على قدرة
المناسبة:
الله نُنْشِزُها نرفعها من الأرض ثم نردها إلى أماكنها من الجسد وقرئ «ننشرها» أي نحييها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فنظر إليها وقد تركبت وكسيت لحما، ونفخ في الجسد الروح، وظهرت عليه علائم الحياة أَعْلَمُ علم مشاهدة. المناسبة: القصة السابقة لإثبات وجود الله، وهذه القصّة والتي تليها في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لإثبات الحشر والبعث بعد الفناء. التفسير والبيان: أرأيت مثل هذا الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، أي ساقطة جدرانها على سقوفها «1» ، وهي معطوفة على قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ وهي بمعنى قوله: هل رأيت مثل الذي حاجّ في ربّه. وما هي القرية؟ ومن هو المارّ؟ قيل: إنّه بيت المقدس، والمارّ: هو عزير بن شرخيا، وهو القول المشهور، وقيل: هي دير هرقل على شطّ الدّجلة، والمارّ: هو أرميا من سبط هارون عليه السلام. وقيل: إنه الخضر عليه السلام، وقيل: اسمه حزقيل بن بوار، وقال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل. فقال: كيف يعمّر الله هذه القرية بعد خرابها، والمراد استبعاد عمرانها بالبناء والسّكان، بعد أن خربت وتفرّق أهلها، ولكنّه في الوقت نفسه يستعظم قدرة الله تعالى لما رأى شدّة خرابها، فقوله: اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الأحياء، واستعظام لقدرة المحيي. فجعله الله فاقد الحسّ والحركة مائة عام، مع بقائه حيّا، ثمّ أطلق فيه
الحركة وبعثه بسرعة وسهولة، كأنّه كان نائما ثم استيقظ، فوجد القرية قد عمرت بعد سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، ورجع إليها بنو إسرائيل. فقيل له بواسطة الملك: كم وقتا لبثت؟ وسئل هذا السؤال ليظهر عجزه عن الإحاطة بشؤون الله تعالى. وأكثر المفسّرين على أن ظاهر هذه الإماتة: أنها بإخراج الرّوح من الجسد، والأظهر أن القائل: هو الله تعالى، من طريق ملك أو هاتف من السماء يقول له ذلك. فقال: لبثت يوما أو بعض يوم، على التّقريب والظنّ والتّخمين، لأنّه مات أوّل النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظنّ أنها شمس ذلك اليوم، فقوله هذا على ما عنده وفي ظنّه، فلا يكون كاذبا فيما أخبر به، ومثله قول أصحاب الكهف: قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف 18/ 19] ، وإنّما لبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين. فأجيب: بل لبثت مائة عام، فانظر لترى دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك طوال هذه المدّة، لم يتغيّر ولم يفسد، مع أنّ العادة جرت بفساد مثله بمضي مدّة قليلة. وانظر أيضا لترى الدّليل على قدرتنا إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطّعت أوصاله، لتتبيّن تطاوّل مرور الزّمان عليه وعليك وأنت راقد أو نائم فعلنا بك ما فعلنا لتعاين ما استبعدته، ولتتيقّن ما تعجبت منه، ولنجعلك دليلا على المعاد، وآية دالّة على تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة، كقوله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [لقمان 31/ 28] ، فقوله: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ دليل على البعث بعد الموت. وانظر كيف نرفع عظام حمارك المتناثرة يمينا وشمالا، فيركب بعضها على بعض، ونردها إلى أماكنها من الجسد، ثم نكسوها لحما وعصبا وعروقا وجلدا،
فقه الحياة أو الأحكام:
كما يستر الثوب الجسد، ثم بعث الله ملكا فنفخ الرّوح في هذا الجسم، فنهق كله بإذن الله عزّ وجلّ، وذلك كلّه بمرأى من العزير. فالقادر على هذا الإحياء بعد موت مائة سنة قادر على الإحياء بعد آلاف السنين، لأن الأفعال الإلهية تشبه بعضها. فلما تبيّن له هذا كله قال: أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانا، وأعلم علما يقينيا أن الله على كل شيء من الأشياء قدير لا يستعصي عليه أمر. فقه الحياة أو الأحكام: هذه القصة دليل واضح على إمكان البعث بعد الفناء، والحشر بعد النشر من القبور، والدليل الثابت الذي يمكن أن يحتجّ به على البعث في كل زمان ومكان: هو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه، والإنشاء معناه: التقوية، والإنشاز معناه: التنمية. وهذه حالة خاصة، وأما الآية الكبرى العامة وهي كيفية التّكوين الدّالة على قدرة الله على البعث، فهي قوله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف 7/ 29] ، وقوله: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء 21/ 104] . والرّاجح أن الذي مرّ على القرية كان من الصدّيقين أو الأنبياء، وقيل: إنه كان من الكافرين، وهو ضعيف، لأن الكافر لا يؤيّد بآيات الله. والكلام على الوجه الأوّل الصّحيح مثل لهداية الله تعالى للمؤمنين، وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر. والإخبار أو اليمين على الظنّ لا يكون كذبا، ولا يوجب كفارة اليمين، وهذا هو المراد عند الحنفية والمالكية والحنابلة (الجمهور) بلغو اليمين الذي عفا الله عنه، أخذا بقوله تعالى: قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وقوله في سورة الكهف: قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف 18/ 19] ، ونظيره قول
حب الاستطلاع عند إبراهيم عليه السلام [سورة البقرة (2) آية 260] :
النّبي صلّى الله عليه وسلّم في قصة ذي اليدين (الخرباق بن عمرو) في حديث متفق عليه عن أبي هريرة: «لم أقصر ولم أنس» . وعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السّهو والنسيان. وجعل عزيز آية للناس: كان في إماتته مدة مائة عام، ثم إحيائه بعدها. حبّ الاستطلاع عند إبراهيم عليه السلام [سورة البقرة (2) : آية 260] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) الإعراب: كَيْفَ تُحْيِ كيف: في موضع نصب بفعل (يحيي) وهو سؤال عن الحال، وتقديره: بأي حال تحيي؟ ولا يجوز أن يكون العامل فيه أَرِنِي لأن كيف للاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. أَوَلَمْ دخلت همزة الاستفهام على واو العطف، ولا يدخل شيء من حروف الاستفهام على حروف العطف إلا الهمزة لأنها الأصل في حروف الاستفهام. لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي اللام إما لام «كي» وهي متعلقة بفعل مقدر، وتقديره: ولكن سألتك ليطمئن قلبي، أو أرني ليطمئن قلبي، وإما لام الأمر والدعاء، كأنه دعا لقلبه بالطمأنينة، والوجه الأول أوجه. سَعْياً مصدر منصوب في موضع الحال، أي يأتينك ساعيات، كقولهم: جاء زيد ركضا أي راكضا.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: وَإِذْ قالَ واذكر حين قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكّا في إحياء الله الموتى قط، ولا في قدرة الله، وإنّما طلب المعاينة لكيفية الإحياء لأن النفوس تحبّ الاطلاع على المجهول ورؤية ما أخبرت به، ولهذا قال عليه السلام: «ليس الخبر كالمعاينة» رواه الطبراني عن أنس. أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بقدرتي على الإحياء، والسؤال والجواب مع علمه تعالى بإيمان إبراهيم لتعليم السامعين. بَلى حرف جواب أي آمنت. وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي سألتك ليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال. فَصُرْهُنَّ أي قطعهنّ، وقيل: المعنى: أملهنّ إليك أي ضمهنّ واجمعهنّ إليك، وقوله: إِلَيْكَ على تأويل التقطيع، متعلق بفعل «خذ» أي اجمعهنّ عندك ثم قطّعهن، واخلط لحمهن وريشهن، ثم وزّع أجزاءهنّ على مجموعة من الجبال، ثُمَّ ادْعُهُنَّ (نادهنّ) إليك، يَأْتِينَكَ سَعْياً مسرعات، طيرانا ومشيّا. عَزِيزٌ غالب لا يعجزه شيء. حَكِيمٌ في صنعه وتدبيره. التفسير والبيان: ونفّذ إبراهيم الخطّة ولم يعين الله تعالى الأربعة من أي جنس هي من الطّير، وقيل عن ابن عباس: أخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا، وفعل بهنّ ما ذكر، وأمسك رؤوسهن عنده، ودعاهنّ، فتطايرت الأجزاء إلى بعضها، حتى تكاملت، ثم أقبلت إلى رؤوسها. وقال مجاهد: كانت طاووسا وغرابا وحمامة وديكا «1» ، فذبحهنّ، ثمّ فعل بهنّ ما فعل، ثمّ دعاهنّ، فأتين مسرعات، وهكذا يحيي الله الموتى بمجرد الأمر الإلهي: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس 36/ 82] ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت 41/ 11] .
فقه الحياة أو الأحكام:
وخلاصة القصّة: كان إبراهيم عليه السلام محبّا للاستطلاع، فلما أوحى الله تعالى إليه أنه سيحيي الموتى ويحشرهم يوم القيامة، ليجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فأحبّ أن يرى ميتا عاد حيّا، فسأل الله ذلك، ليطمئن قلبه، فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة طيور، فيذبحها، ويفرّق أجزاءها على الجبال، ثم يدعوها إليه، وحينئذ يرى كيف يعود الميت حيّا، ففعل ودعا الطيور إليه، فجاءت صحيحة، كأنها لم تمت أصلا. فقه الحياة أو الأحكام: هذه القصة دليل آخر على إثبات قدرة الله على إحياء الموتى، مهما تلاشت أجزاؤها، وتفتت ذراتها، وتطاول الزمان على موتها. ولم يكن إبراهيم عليه السلام شاكّا في القدرة الإلهية على ذلك، وإنما ليثبت الاعتقاد بالتجربة الحسيّة أو الخبر والمعاينة، وهذا يشير إلى أهمية العلم التجريبي، والاختبارات العملية، لمعرفة كيفية تركيب الأشياء. ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشّك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث، وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل، فقال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الإسراء 17/ 65] ، وقال الشيطان: إلا عبادك منهم المخلصين، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة، فكيف يشككهم؟! وإنما سأل إبراهيم عليه السلام أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين، فقوله: أَرِنِي كَيْفَ طلب مشاهدة الكيفية، وليس اختبار القدرة الإلهية على الإحياء أو الإنشاء. ثم إنه طلب طمأنينة القلب: وهي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد،
ليتبيّن الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا. ولقد ذهبت كلمة إبراهيم مثلا بين الناس عند التصديق بالشيء، وطلب التأكّد من حصول الفعل، فيطلب الشخص من غيره ما يؤكد الوعد أو القول أو الفعل قائلا: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي مع توافر الثقة والائتمان. وطلب إبراهيم وجيه، وبخاصة في عصرنا، حيث كثرت الشكوك، وسخر بعض الناس من احتمال بعث الأجساد والأرواح التي مات أصحابها في البرّ والبحر والجوّ، على مدى مرور آلاف السنين، وكثرة ملايين البشر من بدء الخليقة إلى يوم القيامة، فكان هذا الطلب في محله ليخرس الألسنة، ويطمئن الأفئدة، ويزيل الشكوك في المعتقدات. وهو أيضا مثال ثالث لولاية الله تعالى للمؤمنين، وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، وهو كالذي قبله من آيات البعث. وكان المثال الأول: وهو محاجّة من آتاه الله الملك لإبراهيم، للدّلالة على وجود الله، والمثال الثاني: إماتة العزير مائة عام، والمثال الثالث: إماتة أربعة من الطيور. والحكمة في ذكر مثال واحد في إثبات الرّبوبيّة ومثالين في إثبات البعث أن منكري البعث أكثر من منكري الألوهيّة. وأرشد قوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده، فلا يتعداه إلى ما ليس من شأنه. وفي هذا الإرشاد لخليل الرحمن تأديب للمؤمنين كافة، ومنع لهم عن التّفكر في كيفية التّكوين، وشغل نفوسهم بما استأثر الله تعالى به، فلا يليق بهم البحث عنه. والحكمة في اختيار الطير على غيره: أن الطّير أقرب إلى الإنسان، وأجمع لخواص الحيوان، ولسهولة إجراء التجربة عليها، ولأن الطير أكثر نفورا من الإنسان في الغالب، فإتيانها بمجرد الدعوة أبلغ في المثل.
ثواب الإنفاق في سبيل الله وآدابه [سورة البقرة (2) الآيات 261 إلى 264] :
وأما كون الطيور أربعة فيفوّض فيه أمره إلى الله تعالى لأن العدد تعبدي غالبا، وقيل: إنه الموافق لعدد الطبائع أو لعدد الرياح، وهو ليس بشيء، كما جاء في تفسير المنار. ثواب الإنفاق في سبيل الله وآدابه [سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 264] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) الإعراب: أَنْبَتَتْ جملة فعلية في موضع جر صفة «لحبة» . فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ قول: مبتدأ، ومغفرة: معطوف عليه، وخير: خبر.
البلاغة:
يَتْبَعُها أَذىً جملة فعلية في موضع جر صفة صَدَقَةٍ. كَالَّذِي يُنْفِقُ الكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف وتقديره: إبطالا كالذي. رِئاءَ النَّاسِ منصوب: إما لأنه مفعول لأجله، أو لأنه حال، أو صفة لمصدر محذوف تقديره، إنفاقا. كَمَثَلِ في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ وهو: مثله. وصفوان: إما مفرد أو اسم جنس واحده صفوانة، مثل درّ ودرّة. وقال عَلَيْهِ بالتذكير لأن اسم الجنس مذكر. عَلَيْهِ تُرابٌ جملة اسمية في موضع جر لأنها صفة لصفوان. البلاغة: كَمَثَلِ حَبَّةٍ تشبيه مرسل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه، شبه تعالى الصدقة التي تنفق في سبيله بحبة زرعت وباركها الله، فأصبحت سبعمائة حبّة. أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ مجاز عقلي إذا أسند الإنبات إلى الحبة، مع أن المنبت هو الله تعالى. مَنًّا وَلا أَذىً ذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول لأن الأذى أعمّ من المنّ. كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فيه تشبيه تمثيلي لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. المفردات اللغوية: مَثَلُ صفة نفقات المنفقين في سبيل الله. سَبِيلِ اللَّهِ ما يؤدي إلى مرضاته تعالى. حَبَّةٍ واحدة الحبّ الذي يزرع. واسِعٌ فضله. عَلِيمٌ بمن يستحقّ مضاعفة الثواب. مَنًّا المنّ: أن يذكر المحسن إحسانه على المنفق عليه، ويظهر تفضله عليه، فيقول: قد أحسنت إليه وجبرت حاله. أَذىً الأذى: التّطاول والتّفاخر بالإنفاق، وذكره إلى من لا يحبّ اطّلاعه عليه، أو التّبرّم منه. لَهُمْ أَجْرُهُمْ ثواب إنفاقهم. يَحْزَنُونَ في الآخرة. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام حسن وردّ جميل على السائل. وَمَغْفِرَةٌ ستر وتجاوز لإلحاحه في السؤال وغيره. خَيْرٌ أنفع وأكثر فائدة. غَنِيٌّ عن صدقة العباد. حَلِيمٌ بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي. لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ أي أجورها كإبطال نفقة المرائي للناس.
سبب النزول:
رِئاءَ النَّاسِ مراءة لهم وسمعة، أي يفعل الخير مباهاة أو لأجل أن يروه فيحمدوه. صَفْوانٍ حجر أملس. وابِلٌ مطر شديد. صَلْداً صلبا أملس ليس عليه تراب أو غبار. لا يَقْدِرُونَ استئناف كلام لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس. وجمع الضمير باعتبار معنى الذي، والمراد لا يجدون ولا يملكون شيئا. مِمَّا كَسَبُوا عملوا، أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة، كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه، لإذهاب المطر له. سبب النزول: قال الكلبي: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عبد الرحمن بن عوف فإنه جاء إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم بأربعة آلاف درهم صدقة، فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» . وأما عثمان رضي الله عنه، فقال: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهّز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وتصدّق برومة ركية كانت له على المسلمين «1» ، فنزلت فيهما هذه الآية. وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رافعا يده يدعو لعثمان، ويقول: «يا ربّ، إن عثمان بن عفان رضيت عنه، فارض عنه» فما زال رافعا يده حتى طلع الفجر، فأنزل الله تعالى فيه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية «2» .
المناسبة:
المناسبة: أثبتت الآيات السابقة أمر البعث، وأن الناس يبعثون إلى دار يوفون فيها أجورهم بغير حساب، وذكر هنا فضيلة الإنفاق في سبيل الله، وسبل الله كثيرة، مثل نشر العلم ومحاولة القضاء على الجهل والفقر والمرض، وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله (أي دين الإسلام) هي العليا، فمن جاهد بعد هذا البرهان على البعث الذي لا يأتي به إلا نبيّ، فله في جهاده الثواب العظيم. وقد رغّب القرآن الكريم في مواضع عديدة بالإنفاق لأنه وسيلة إغناء وتحقيق رفاه للجميع، وواسطة متعيّنة لصون عزّة الأمة وكرامتها ودحر عدوان المعتدين عليها، فما بخلت أمة بمالها إلا حاق بها الذّل والاستعباد، وتكالبت عليها الأمم، روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ربّ زد أمتي» فنزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ربّ زد أمتي» فنزلت: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ. التفسير والبيان: هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فأبان تعالى أن صفة نفقات المنفقين أموالهم في طاعة الله تعالى وابتغاء رضوانه وحسن مثوبته كنشر العلم والجهاد وإعداد السلاح والحج والدفاع عن الوطن والأهل، كصفة حبة زرعت في أرض خصبة، فأنبتت سبع سنابل، في كلّ سنبلة مائة حبة، وقد ثبت لدى متخصصي الزراعة أن الحبة الواحدة من قمح أو أرز أو ذرة مثلا لا تنبت سنبلة واحدة، بل أكثر، قد تصل إلى أربعين أو ست وخمسين أو سبعين، وأن السنبلة قد تشتمل على أكثر من مائة حبة، وقد أنبتت فعلا مائة
وسبع حبات. وهذا تصوير لمضاعفة ثواب المنفق. وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أي بحسب إخلاصه في عمله، فيزيده أكثر من ذلك، والله تعالى لا ينحصر فضله، ولا يحدّ عطاؤه، ففضله واسع كثير، أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق هذه المضاعفة ممن لا يستحقها. وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة لأن التحديد والتعداد يظل فيه قصور، وأما عدم التحديد بحدّ فيشير إلى احتمال النمو والبركة والزيادة. وفيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عزّ وجلّ لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السّنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. روى ابن ماجه وابن أبي حاتم الحديث الأول عن علي وأبي الدّرداء، والثاني عن عمران بن حصين عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة، ومن غزا في سبيل الله، وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبعمائة درهم» ، ثم تلا هذه الآية: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ. وروى الإمام أحمد عن أبي عبيدة، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من أنفق نفقة في سبيل الله، فسبع مائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضا أو ماز أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنّة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله عزّ وجلّ ببلاء في جسده، فهو له حطة» وروى النسائي بعضه في الصوم. ومن شروط الإنفاق وآدابه لاستحقاق هذا الثواب في الآخرة: ألا يتبعوا ما أنفقوا أو بذلوا منّا على الفقير بأن يحاسبه على ما أعطاه ويظهر تفضّله عليه، ولا أذى أو ضررا بأن يتطاول عليه ويطلب جزاء عمله. فهؤلاء الباذلون الذين
لا يمتنون ولا يؤذون من أحسنوا إليهم لهم ثواب كامل لا يقدر قدره، ولا خوف عليهم حين يخاف الناس، ولا هم يحزنون حين يحزن الناس البخلاء الذين لا ينفقون شيئا في سبيل الله، فيندمون، كما قال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، فَيَقُولَ: رَبِّأَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، فَأَصَّدَّقَ، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون 63/ 10] . والكلام الحسن، والرّد الجميل على السائل وعدم الصدقة، وستر ما يقع منه من إلحاف في السؤال وغيره، خير للسائل والمسؤول من صدقة يتبعها أذى وضرر إذ الصدقة شرعت للأخذ بيد الضعيف، وتخفيف حدّة الحسد والحقد على الأغنياء، ولتحصين مال الغني من السرقة والنهب والضياع والمنّ والأذى يخرجها عن هذه الغاية السامية التي شرعت لها، والله غني عن صدقة عباده، فيستطيع أن يرزق الجميع، حليم لا يعجل بعقوبة المسيء، كمن يمنّ أو يؤذي، ولكنها الحكمة البالغة التي مدارها الابتلاء والاختبار، ومعرفة من يجاهد نفسه الشحيحة، فيحملها على البذل وتنفيذ التكاليف الإلهية عن رضا وطيب خاطر، وقد شرع الله الصدقة سبيلا لكسب المودّة، وجلب المحبّة، وتأكيد الصلة والتعاطف والتعاون بين الجميع. ومن أجل استئصال طبيعة المنّ والأذى في نفوس الناس، أكّد سبحانه ما أخبر به من صفات المستحقين للثواب العظيم وهو عدم إتباع صدقاتهم بالمنّ والأذى، وأن الأذى من شوائب الصدقة المكروه الذي يسقط الأجر والثواب، أكّد ذلك بخطاب المؤمنين بصفة الإيمان التي تدعو إلى التقيّد بالأمر الإلهي، فنهاهم وحرم عليهم المنّ والأذى لأن صفاء الصدقة وجعلها خالصة لله أدعى لقبولها واستحقاق ثوابها. ولأن من يتبع صدقته بمنّ أو أذى يشبه حال من ينفق ماله رياء وسمعة، لأجل أن يحمده الناس، وليقال عنه: إنه كريم جواد، ونحو ذلك من مقاصد
فقه الحياة أو الأحكام:
الدّنيا الفانية، لا لابتغاء رضوان الله، وترقية شؤون الأمة، وهذا المرائي في الواقع لا يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا صحيحا، حتى يرجو ثوابا أو يخشى عقابا، ومثله الذي يمنّ ويؤذي السائل. وصفة عمل كل من المرائي والذي يمنّ ويؤذي كصفة تراب على حجر أملس، نزل عليه مطر شديد، فأزال التراب وترك الحجر أملس لا شيء عليه، أي أنه لا ثمرة ولا بقاء لعمله، وإنما يضمحل ويتبدد بالظواهر الطارئة، ويبقى فارغا لا أثر لعمله، ولا ينتفع بشيء مما فعل لا في الدّنيا ولا في الآخرة، أما في الدّنيا فلأنّ المنّان بغيض إلى الناس، والمرائي مذموم منبوذ لدى المجتمع، وأما في الآخرة فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغي به وجهه، والرّياء ومثله المنّ والأذى ينافي الإخلاص، وهو نوع من الشرك بالله إذ هو الشرك الخفي فإن صاحبه يقصد به غير الله. والله لا يهدي القوم الكافرين لما فيه خيرهم ورشادهم ما داموا على الكفر، أو لا يهديهم في أعمالهم وهم على الكفر «1» ، وأما الإيمان فهو الذي يهدي صاحبه إلى الإخلاص والخير وابتغاء وجه الله، والتأدّب بالإنفاق بما أدّب الله به أهل الإيمان. وهذا يشير إلى أنّ كلّا من الرياء والمنّ من صفات الكافرين لا من صفات المؤمنين. فقه الحياة أو الأحكام: 1- تضمنت الآية بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله، والتحريض والحثّ على الإنفاق في سبيل الله، إما عن طريق حذف مضاف تقديره: مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة، وإما بطريق آخر: مثل الذين
ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة، فأنبتت الحبة سبع سنابل، فشبه المتصدّق بالزارع، وشبّه الصدقة بالبذر، فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة. 2- وهي تشمل الإنفاق المندوب إليه، والواجب أيضا لأن سبل الله كثيرة، ولا حاجة للقول: بأنها نزلت قبل آية الزكاة، ثم نسخت بآية الزكاة لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كلّ وقت. 3- وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، ثم دلّ قوله تعالى: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ على أنه تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف، بدليل حديث ابن عمر المتقدم في مناسبة الآية. 4- وفي هذه الآية دليل على أن اتّخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتّخذها الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله به المثل، فقال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ. وفي صحيح مسلم عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له صدقة» ، وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض» يعني الزرع. والزراعة من فروض الكفاية، فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وغرس الأشجار في معناها. 5- الإنفاق في سبيل الله دون منّ ولا أذى سبب لرضوان الله، كما رضي الله ورسوله عن عثمان الذي جهز جيش العسرة، وجاء بألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «ما ضرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم، اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان» . وهذا الرضا الإلهي والثواب العظيم إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منّا ولا أذى
لأن المنّ والأذى مبطلان لثواب الصدقة، كما أخبر تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى.. وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه، ولا يرجو منه شيئا، قال تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان 76/ 9] . ومن طلب بعطائه الجزاء والشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء. قال ابن عباس: في قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر 74/ 6] ، أي لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. 6- المنّ من الكبائر، والمنّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، مثل أن يقول: قد أحسنت إليك، ونعشتك ونحوه، وقال بعضهم: المنّ: التحدّث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. ودليل كونه من الكبائر: ما ثبت في صحيح مسلم وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وروى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجّلة تتشبه بالرجال، والدّيوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقّ لوالديه، والمدمن الخمر، والمنّان بما أعطى» «1» . والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ لأن المنّ جزء من الأذى، لكنه نص عليه لكثرة وقوعه. والمن والأذى هادم للفائدة المقصودة من الصدقة ومبطل لها: وهو تخفيف بؤس المحتاجين ودفع غائلة الفقر عنهم. 7- جعل الله تعالى ثواب النفقة في سبيله أمورا ثلاثة: ضمن الله له الأجر،
والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته في المستقبل، وأذهب عنه الحزن أو الألم على ما سلف في الدنيا لأنه يغتبط بآخرته، فقال: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وفيها دلالة لمن فضّل الغنى على الفقر. 8- القول المعروف خير من صدقة الأذى، والقول المعروف: هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله. وهذا فيه أجر، ولا أجر فيها، قال صلّى الله عليه وسلّم فيما أخرجه مسلم: «الكلمة الطيبة صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» أي يتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب، ليكون مشكورا إن أعطى، ومعذورا إن منع، وهو نظير قوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً [الإسراء 17/ 28] . وأيضا الفعل المؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى. والمغفرة: ستر سوء حالة المحتاج، أو التجاوز عن السائل إذا ألحّ وأغلظ وجفا. ودلت آية قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ على مبدأ مهم عام في الشريعة وهو «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» . 9- لا تقبل الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمنّ أو يؤذي بها، وعبر الله تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال. والمراد إبطال الصدقة المصحوبة بالمن أو الأذى، لا غيرها، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها، وإنما يقتصر الأمر على حرمان المرائي والمنان من الانتفاع بصدقته المشتملة على الرياء أو المن. ودل قوله تعالى: وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ على تسلية الفقراء، وتعليق قلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني الحليم، وتهديد الأغنياء وإنذارهم بأن لا يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم.
10- كره الإمام مالك لهذه الآية: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه، لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء، ويظهر منّته عليهم، ويكافئوه عليها، فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها الأجانب، وأن يولّي غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا، لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى. وهذا بخلاف صدقة التطوع السرّية لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد، وصار في حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه، لكونه في حكم من لم يفعل. 11- صاحب المن والأذى مثل المرائي المنافق، عمل كل منهما باطل لا فائدة فيه، ولا فضل له، ولا دوام لأثره. وإنما ينمحي بسرعة، كما تعصف الرياح بالغبار الموجود على الحجارة أو الصخور الصلبة الملساء، وتعد أفعال المرائي الواجبة أو الخيرية من صلاة وصيام وتطوع كلها باطلة، لا تجاه قلبه إلى من يرائيه، لا إلى الله الصمد الذي يستحق العبادة دون سواه. ويوصف كل من المرائي والمنّان أيضا بأنه لا يؤمن حقا بالله ولا باليوم الآخر لأن قصده من فعله مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكره الناس أو ليقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية. ولا يقدر المرائي الكافر والمانّ على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم، عند حاجتهم إليه إذ كان لغير الله، فعبّر عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب. وفي قوله تعالى: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى من صفات الكافرين، لا المؤمنين، فلا ينبغي للمؤمنين الاتصاف بها، وعليهم تجنبها لأن الإخلاص لله هو من صفات الإيمان، قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة 98/ 5] .
الإنفاق لمرضاة الله والإنفاق لغير وجه الله [سورة البقرة (2) الآيات 265 إلى 266] :
الإنفاق لمرضاة الله والإنفاق لغير وجه الله [سورة البقرة (2) : الآيات 265 الى 266] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) الإعراب: ابْتِغاءَ ووَ تَثْبِيتاً منصوبان على المفعول لأجله. كَمَثَلِ جَنَّةٍ الكاف في موضع رفع خبر مبتدأ وهو قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ. بِرَبْوَةٍ جار ومجرور في موضع جر صفة لجنة أَصابَها وابِلٌ جملة فعلية في موضع جر صفة لجنة أو لربوة. مِنْ نَخِيلٍ جار ومجرور في موضع رفع وصف لجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا إما مرفوع وصف ثان للجنة، وإما منصوب على الحال من جَنَّةٌ لأنها قد وصفت. لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ في موضع نصب على الحال من أَحَدُكُمْ. ووَ أَصابَهُ الْكِبَرُ عطف على قوله: فِيها. وقال الزمخشري: الواو للحال، لا للعطف، ومعناه: أن تكون له جنة، وقد أصابه الكبر. البلاغة: لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ذكر العام بعد الخاص وهو النخيل والعنب لأنهما أكرم الشجر وأكثرهما منافع فخصهما بالذكر تغليبا لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات: المنافع التي كانت تحصل له فيها. أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ استعارة تمثيلية، وهي تشبيه حال بحال، لم يذكر المشبه
المفردات اللغوية:
ولا أداة التشبيه، وإنما ذكر المشبه به فقط، ودلت القرائن على إرادة التشبيه. وهمزة أَيَوَدُّ للاستفهام الإنكاري أي ما يود أحد ذلك. المفردات اللغوية: وَمَثَلُ صفة نفقات المنفقين ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي طلبا لرضوانه وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ تحقيقا للثواب أو تصديقا ويقينا بثواب الإنفاق من عند أنفسهم، ومن: ابتدائية، أي مبتدأ من أنفسهم، أو تمكين أنفسهم في مرتبة الإيمان والإحسان، بخلاف المنافقين المترددين في إيمانهم ولا يرجون الثواب، وقال ابن كثير: أي وهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا الحديث المتفق على صحته: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا» أي يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه كَمَثَلِ جَنَّةٍ بستان بِرَبْوَةٍ مكان مرتفع من الأرض وابِلٌ مطر غزير فَآتَتْ أعطت أُكُلَها ثمرها ضِعْفَيْنِ مثلي ما يثمر غيرها فَطَلٌّ مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، والمعنى: تثمر وتزكو، كثر المطر أم قل، فكذلك نفقات من ذكر، تزكو عند الله، كثرت أم قلت وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم به. أَيَوَدُّ أيحب، والهمزة للاستفهام الإنكاري والنفي، أي ما يود أحد ذلك. وَأَعْنابٍ ثمر الكرم وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ أولاد صغار لا يقدرون على شيء. إِعْصارٌ ريح شديدة، تستدير في الأرض بشدة، ثم ترتفع إلى الجو حاملة الغبار، كهيئة العمود وهي الزوبعة نارٌ سموم شديدة، المراد: ريح فيها برد شديد وسموم يحرق الشجر «1» كَذلِكَ كما بين ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فتعتبروا. وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمانّ، في ذهابها وعدم نفعها، مع أن أحوج ما يكون لثوابها في الآخرة. التفسير والبيان: صفة نفقات المنفقين أموالهم طلبا لرضوان الله ومغفرته، وهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، أو تثبيتا لأنفسهم على الإيمان
واليقين «1» بترويض أنفسهم على إنفاق المال الذي هو شقيق الروح، وبذل أشق شيء على النفس من سائر العبادات ومن الإيمان، صفة نفقاتهم الكثيرة والقليلة كبستان جيد التربة، ملتف الشجر، خصب النبات، وهو بمكان مرتفع متمتع بالشمس والهواء، ينزل عليه المطر الغزير، فيثمر ضعفي غلته، وإذا نزل عليه مطر خفيف أثمر أيضا لجودة تربته وكرم منبته، وحسن موقعه. وإنما وصف البستان بكونه في ربوة: مكان مرتفع، فلأن الشجر في الربوة أزكى وأحسن ثمرا. وإنما قال من أنفسهم أي مبتدأ منها دون عامل خارجي ليدل على أن إنفاقه نابع من ذاته ويقينه، وقناعته بجدوى فعله، ومجاهدته بخل النفس، كما قال تعالى: وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال 8/ 72] . والمعنى في هذا التشبيه: أن المنفق لله وفي سبيله ويقصد تثبيت نفسه على بذل المال وفعل الخير أو التأكد من نيل الثواب يجود بقدر سعته، فإن أصابه خير كثير أنفق كثيرا، وإن أصابه قليل أنفق بقدر طاقته، فخيره دائم وبره لا ينقطع، فهو محسن في كلا الحالين، ويجد ثمرة بذله على كل حال، فهو كالأرض الجيدة التربة الخصبة النبات تثمر مطلقا وتغل الخير، ونتاجها وفير دائما، سواء أصابها مطر كثير أو قليل.
والله لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ويجازي كلا من المخلص والمرائي بما يستحق. هذا هو المثال الأول لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الرحمن وطلب رضوانه، والمثال الثاني لمن ينفق على عكس الأول في سبيل الشيطان والهوى أو لغير وجه الله. وبدأه تعالى بالإنكار والنفي لأن شأن المؤمن المخلص ألا يقصد ذلك، فهو مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي وجه الله، فإذا كان يوم القيامة، وجدها محبطة مبددة متلاشية، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنات وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ... قالوا: الله أعلم، فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل، ولا تحقر نفسك، فقال: ضربت مثلا بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله «1» . وقال الحسن البصري: هذا مثل، قلّ والله من يعقله من الناس: شيخ كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، فجاءها الإعصار فأحرقها، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله، إذا انقطعت عنه الدنيا «2» . وتوضيح هذا المثل: أتحب أيها المنفق لغير الله أن تكون لك جنة فيها
فقه الحياة أو الأحكام:
النخيل والأعناب ومختلف الأثمار، وتجري فيها الأنهار، فتسقيها، وقد علقت الآمال عليها، ورجوت أن تنتفع بها مع صغارك، وأنت في حال الكبر لا تقدر على الكسب، وهم لا يقدرون على شأنك وشأنهم، ولا مورد لك غير هذه الجنة، ثم أصابتها ريح السّموم «1» اللافحة بحرها أو بردها القارس، فأحرقتها وأبادت ثمرها. هذا حالك إذ أنفقت مالك رياء، أو بالمن والأذى، لن تجد له أية فائدة في يوم القيامة، ولن تجد لعملك غير الحسرة والندامة، وأنت في ذلك اليوم الرهيب في أشد الحاجة إلى نتيجة عملك، وثواب ما بذلت لأن إعصار الرياء، والمنّ والأذى بدّد كل ما فعلته من خير في الظاهر، وهو شر في الحقيقة والباطن. ومثل هذا البيان الجلي الواضح يبين الله لكم الآيات ودلائل الشريعة وأسرارها وغاياتها وفوائدها لتتفكروا فيها، وتتعظوا بما اشتملت عليه من الأمثال والمعاني والعبر، وتنزلوها على المراد بها، فتقصدوا بنفقاتكم أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، دون أن يصاحبها رياء أو منّ وأذى، كما قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت 29/ 43] . فقوله لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ أي في العواقب، فتضعون نفقاتكم في مرضاة الله مع الإخلاص وقصد تثبيت النفس على فعل الخير المحض. فقه الحياة أو الأحكام: في الآيتين مثلان واضحان يوجبان التأمل والتفكر والمقارنة، ولا شك بأن كل مؤمن عاقل يختار الموقف الأول، فيجعل نفقته خالصة لوجه الله، لأنها هي التي تفيده وتحقق له الثواب يوم القيامة، ولا يغتر العاقل بمظاهر الدنيا الفانية وسمعتها وشهرتها الزائلة لأن كلام الناس في كل حال مؤذ ومضر، فإن راءى
بعمله ذمّوه وحسدوه ومقتوه، وقد يتهمونه بالتهور والطيش إن كانت نفقته كثيرة، وإن مدحوه فلا قيمة ولا غناء لمديحهم لأن ما عند الله خير وأبقى أو أنفع وأخلد. والله تعالى بكرمه وفضله ينمي نفقات المخلصين ويكافئهم بالمزيد، كالبستان الذي يثمر ضعفي ثمرته، تقريبا لأذهاننا، أخرج مسلم ومالك وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فيربّيها كما يربّي أحدكم فلوه «1» ، أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم» . وأما المنفق لغير وجه الله فيتلاشى فضل عمله سراعا في الدنيا، ولا يجد له ثمرة في الآخرة. روي عن ابن عباس وغيره أن هذا- أي الموقف الثاني- مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستانا، فأكثر فيه من الثمر، فأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء- يريد صبيانا بنات وغلمانا- فكانت معيشته ومعيشة ذرّيته من ذلك البستان، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار، فأحرقته، ولم يكن عنده قوة، فيغرسه ثانية، ولم يكن عند بنيه خير، فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة، ليست له كرّة يبعث فيرد ثانية، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية، ولم يكن عند من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنىّ عنه. وقد دل تعليل الإنفاق بعلتين في آية: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ.. على أن نقصد بأعمالنا أمرين: أولهما- ابتغاء رضوان الله لذاته، تعبدا له.
إنفاق الطيب من الأموال لا الخبيث [سورة البقرة (2) آية 267] :
وثانيهما- تزكية أنفسنا وتطهيرها من الشوائب التي تعوقها عن الكمال، كالبخل والمبالغة في حب المال، وتوطينها على البذل في سبيل الله. والخلاصة: أن الله في الآية (265) ضرب المثل للمخلصين في الإنفاق وفي الآية (266) ضرب مثلا آخر للمرائين، والمؤذين والمنّانين، والقصد هو المقارنة والمقابلة بين حال الفريقين، وأن المثل الثاني ليس خاصا بالآخرة أو المرائي، وإنما ينطبق أيضا على حال الدنيا فيشمل المنان والمؤذي. إنفاق الطيب من الأموال لا الخبيث [سورة البقرة (2) : آية 267] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الإعراب: تَيَمَّمُوا أصله تتيمموا، فكرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد وهما التاءان فسكنوا التاء الأولى، وأدغموها في الثانية تُنْفِقُونَ حال من ضمير تيمموا إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أن وصلتها: في موضع نصب بآخذيه لأن التقدير: بأن تغمضوا، فلما حذفت الباء اتصل بآخذيه. البلاغة: تُغْمِضُوا فِيهِ مجاز مرسل يراد به التساهل لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك، أو تشبيه على سبيل الاستعارة. المفردات اللغوية: أَنْفِقُوا زكوا مِنْ طَيِّباتِ جياد وحسان، مفرده طيب أي جيد مستطاب، وضده
سبب النزول:
الخبيث المستكره ما كَسَبْتُمْ من المال وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ومن طيبات ما أنبتنا من الحبوب والثمار وَلا تَيَمَّمُوا تقصدوا الْخَبِيثَ الرديء وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ بالتساهل وغض البصر، فكيف تؤدون منه حق الله؟! غَنِيٌّ عن نفقاتكم حَمِيدٌ مستحق للحمد على نعمه الكثيرة. سبب النزول: روى الحاكم والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشّيص والحشف «1» ، وبالقنو قد انكسر، فيعلّقه «2» ، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ. وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن سهل بن حنيف قال: كان الناس يتيممون شر ثمارهم، يخرجونها من الصدقة، فنزلت: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ. وروى الحاكم عن جابر قال: أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزل القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ الآية. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشترون الطعام الرخيص، ويتصدقون به، فأنزل الله هذه الآية.
المناسبة:
المناسبة: بيّن الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة ما يجب أن يتصف به المنفق عند الإنفاق من الإخلاص لله، وقصد تزكية النفس، والبعد عن الرياء، وما يجب أن يتحلى به بعد الإنفاق من البعد عن المن والأذى. ثم بين تعالى هنا صفة المال المبذول: وهو أن يكون من جيد الأموال. التفسير والبيان: يا من اتصفتم بالإيمان آمركم أن تنفقوا الطيب الجيد من الأموال، سواء أكان نقودا أم ماشية أم حبوبا وزروعا أم سلعا تجارية وغيرها، كالمعادن والكنوز والركاز (دفين الجاهلية) ، كقوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران 3/ 92] وأنهاكم أن تقصدوا إلى الخبيث الرديء من أموالكم، فتنفقونه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا يقبل ما تكرهه نفوسكم. والخبيث ينطلق على معنيين: أحدهما- ما لا منفعة فيه، كما في حديث الشيخين: «كما ينفي الكير خبث الحديد» والثاني- ما تنكره النفس، وهو مقصود الآية: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ. وكيف يروق لكم أن تتصدقوا بالخبيث الرديء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم إلا أن تتساهلوا وتتسامحوا فيه تساهل من غض بصره عن شيء فلم ير العيب فيه، ولو كان لأحدكم حق أو دين، فجاءكم دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! فحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه. واعملوا أن الله- وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها- فهو غني عنها وعن إنفاقكم وغني عن جميع خلقه، وإنما يأمركم به لمنفعتكم، ولتحقيق المساواة بين الغني والفقير، وليختبركم فيما تنفقون، فلا تتقربوا إليه بالرديء، وهو أيضا
فقه الحياة أو الأحكام:
مستحق للحمد والشكر على جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ونعمه. ومن الحمد اللائق بجلاله: إنفاق الطيب مما أنعم به. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآية: وجوب اختيار الطيب الجيد من مكاسب الأموال عند إنفاقها في سبيل الله، سواء أكانت من الزكوات الواجبة أم من الصدقات المندوبة لأن القصد هو التقرب إلى الله تعالى، وادخار الثواب على فعل الخير، وذلك لا يتحقق إلا بجياد الأموال وأطيبها. والآية خطاب لجميع أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم «1» ، واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا، فقال علي بن أبي طالب وعبيدة السّلمانيّ وابن سيرين: هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد. وقال البراء بن عازب والحسن البصري وقتادة: إن الآية في التطوع، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد. والظاهر أن الآية عامة تشمل الزكاة والصدقة، لكن الزكاة الأمر فيها على الوجوب، ومخصوصة بالقدر المفروض، وأما التطوع فالأمر فيه على الندب، وليس مخصوصا بقدر معين، فيجوز بالقليل وبالكثير، لكن يختار الجيد، وليس القصد هو الممتاز، فهو الأولى، ولكن الحد الأدنى المطلوب هو الوسط، كما قرر الفقهاء في الزكاة. ودلت الآية على أن للوالد أن يأكل من كسب ولده لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أولادكم من طيّب أكسابكم، فكلوا من أموال أولادكم هنيئا» «2» . واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
على وجوب زكاة العشر فيما سقي بالمطر، ونصف العشر فيما سقي بالبئر ونحوه مما فيه كلفة، في كل ما تخرجه الأرض من أصناف زراعية، قليلا كان أو كثيرا، من غير تقدير بنصاب، ولا تخصيص بنوع معين من الأقوات، فتجب الزكاة عنده في الزروع والثمار كلها، ويعضده قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية «1» نصف العشر» . وأجيب من قبل الجمهور: بأنه لا متعلق له من الآية لأنها إنما جاءت لبيان محل الزكاة، لا لبيان نصابها أو مقدارها، وقد بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم الأنصبة بقوله فيما رواه ابن ماجة: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» «2» . وهناك أدلة أخرى للفريقين «3» . ويلاحظ أن الآيات التي تطالب بالإنفاق تختم عادة أو غالبا إما بقوله تعالى: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أو بقوله: وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وذلك يرشدنا إلى أن النفقة جزء مما أنعم الله به من رزق على العباد، وأنه تعالى سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافا كثيرة، ويخلف المبذول على المنفق لأنه واسع الفضل والرحمة والعطاء، ويرشدنا أيضا إلى أن القصد هو اختبار الناس فهو لا يأمرهم بالصدقة حين العوز، وإنما حال السعة واليسر، فكل إنسان مكلف حسب طاقته وقدرته على الإنفاق، وهو سبحانه محمود على كل حال، وعلى جميع نعمه،
تخويف الشيطان من الفقر والفهم الصحيح للقرآن [سورة البقرة (2) الآيات 268 إلى 269] :
ومقتضى الحمد والشكر تذكر المحتاج ومواساة الفقير والمسكين، ومما يرغب في النفقة أن اليد العليا- المنفقة- خير من اليد السفلى- الآخذة. تخويف الشيطان من الفقر والفهم الصحيح للقرآن [سورة البقرة (2) : الآيات 268 الى 269] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269) الإعراب: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ مبتدأ، وجملة يَعِدُكُمُ خبره، وسمي شيطانا (فيعالا) من شطن أي بعد لأنه بعد عن رحمة الله، وقيل في وجه ضعيف: على وزن فعلان: من شاط يشيط: إذا احترق. البلاغة: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وفي قراءة «تشاء» على الخطاب، وهو التفات إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب. المفردات اللغوية: يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ أي يخوّفكم من الفقر إن تصدقتم، فتمسكون ما بأيدكم، فلا تنفقوه في مرضاة الله، والفقر: سوء الحال وضيق ذات اليد. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي يغريكم بالبخل ومنع الزكاة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ على الإنفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ صفحا من الله عن ذنوبكم. وَفَضْلًا رزقا وخلفا منه وَاللَّهُ واسِعٌ فضله عَلِيمٌ بالمنفق. يُؤْتِي الْحِكْمَةَ العلم النافع المؤدي إلى العمل، المؤثر في النفس، واختلف العلماء في
التفسير والبيان:
الحكمة: فقال السدي: هي النبوة. وقال ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدّمه ومؤخره (أي العلم بأصول الفقه) . وقال قتادة ومجاهد: الحكمة: هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل. وقال ابن زيد: الحكمة: العقل في الدّين. وقال مالك بن أنس: الحكمة: التفكر في أمر الله والاتّباع له، أو هي طاعة الله والفقه في الدين والعمل به. وكل هذه الأقوال تشترك في أن الحكمة: هي الفهم الصحيح والعلم النافع واتباع المعلوم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة «1» . خَيْراً كَثِيراً لأن الحكمة أوصلته إلى السعادة الأبدية وَما يَذَّكَّرُ يتعظ، وأصله: يتذكر، فأدغم التاء في الذال أُولُوا الْأَلْبابِ أصحاب العقول. التفسير والبيان: الشيطان عدو الإنسان من قديم، وهو الذي أقسم فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص 38/ 82- 83] يوسوس للناس ويخوفهم من الفقر إذا تصدقوا أو أنفقوا في سبيل الله ويقول لهم: إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، ويحرضهم ويغريهم على البخل والإمساك إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب: البخيل. والوعد: يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحج 22/ 72] . وسمي ذلك التخويف وعدا: مبالغة في الإخبار بتحقق وقوعه، وكأن مجيئه بحسب إرادته، مع العلم بأن الوعد: هو الإخبار بما سيكون من جهة المخبر، والشيطان لم يقل: إني سأفقركم. ويوضح هذا التخويف: ما رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن للشيطان لمّة «2» بابن آدم، وللملك لمّة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد
الأخرى، فليتعوذ من الشيطان» ثم قرأ: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا «1» . والله تعالى في مقابلة إغراءات الشيطان ووساوسه وأمره بالفحشاء (البخل) يعدكم على لسان نبيكم مغفرة بسبب الإنفاق لذنوبكم، وتعويضا وإخلافا في الدنيا لما أنفقتموه، والفضل: المال والخير، والله واسع الرحمة والفضل، فيحقق ما وعدكم به، وهو عليم بما تنفقون، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء، كما قال تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ 34/ 39] وروى البخاري ومسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» أي أن الأول يعوضه الله بتسهيل أسباب الرزق له، والآخر يذهب ماله. والله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء من عباده، وليست الحكمة على الصحيح النبوة، ولكنها كما قال الجمهور: العلم والفقه والقرآن، فهي لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، وذلك يرشد إلى تمييز الحقائق من الأوهام، والتفرقة بين الوسواس والإلهام. وآلة الحكمة: العقل، فمن عرف ما في القرآن من أحكام وأسرار، وأدرك بسلامة عقله ما في الإنفاق من فوائد تعود على الأمة بالخير وعلى المنفق بالثواب الجزيل، لم يتأثر بوساوس الشيطان، ولم يتردد في البذل والإنفاق في سبيل الله. عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها» «2» . ومن يوفقه الله للعلم النافع، وعلى التخصيص فهم القرآن والدين، ويرشده
فقه الحياة أو الأحكام:
إلى هداية العقل، فقد هدي إلى خيري الدنيا والآخرة، وأدرك الأمور على حقيقتها. ولا يتعظ بالعلم ويتأثر بالموعظة وينتفع بالتذكار إلا كل ذي عقل سليم يفهم به الخطاب الشرعي ومعنى الكلام الإلهي. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية متصلة بما قبلها، فهي تحث المؤمن على الإنفاق في سبيل الله: سبيل الخير لأن الله وعد بالمغفرة جزاء الإنفاق، وبالإخلاف والتعويض والإمداد بالفضل الإلهي من المال والرزق، والله تعالى يعطي من سعة، فلا تنفد خزائنه، ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم الغيب والشهادة. وتحذر الآية من وساوس الشياطين، فإن للشيطان مدخلا في تثبيط الإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالبخل والفحشاء وهي المعاصي، والإنفاق فيها. ومن أعطي الحكمة (العلم النافع الصحيح) وفهم القرآن، فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع كتب علم الأولين من الصحف وغيرها. والآية تحض على العلم وترفع شأن الحكمة، وتهدي إلى استعمال العقل في أشرف ما خلق له. قال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم: فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا، فقال: قُلْ: مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء 4/ 77] وسمّى العلم والقرآن خَيْراً كَثِيراً.
صدقة السر وصدقة العلن [سورة البقرة (2) الآيات 270 إلى 271] :
صدقة السر وصدقة العلن [سورة البقرة (2) : الآيات 270 الى 271] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) الإعراب: فَنِعِمَّا أصله نعم ما وهي لغة هذيل، ونعم فعل ماض مخصوص للمدح، وفيه ضمير مرفوع، والتقدير: نعم الشيء شيئا إبداؤها، وإبداؤها: هو المقصود بالمدح وهو مرفوع لأنه مبتدأ، وما قبله: الخبر، ثم حذف (إبداء) وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فصار الضمير المجرور المتصل ضميرا مرفوعا منفصلا وهو هِيَ مرفوعا بالابتداء، لقيامه مقام المبتدأ. و «ما» في موضع نصب على التمييز. يُكَفِّرُ بالرفع: استئناف وتقديره: ونحن نكفّر ومِنْ سَيِّئاتِكُمْ: من للتبعيض، أي شيئا من سيئاتكم. وقيل: من زائدة، والأكثرون على أنها ليست زائدة لأن «من» لا تزاد في الإيجاب، وإنما تزاد في النفي، نحو: ما جاءني من أحد. البلاغة: يوجد جناس اشتقاق بين «أنفقتم ونفقة» وبين «نذرتم ونذر» . ويوجد طباق بين «تبدوا وتخفوها» . لمفردات اللغوية: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أديتم من زكاة أو صدقة أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ النذر: لغة: العزم على التزام شيء خاص، وشرعا: التزام طاعة تقربا إلى الله تعالى إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ تظهروا الصدقات النوافل أو التطوعات فَنِعِمَّا هِيَ الأصل: فنعم ما هي، بمعنى شيئا إبداؤها وَإِنْ تُخْفُوها تسروها خير لكم من إبدائها وإيتائها الأغنياء والضمير يعود على الصدقات. أما صدقة الفرض (الزكاة) فالأفضل إظهارها ليقتدى به ولئلا يتهم المزكي بالمنع، وإيتاء الفقراء: متعين.
سبب النزول:
سبب النزول: قال ابن أبي حاتم في قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ.. الآية أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أما عمر فجاء بنصف ماله، حتى دفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما خلّفت وراءك لأهلك يا عمر؟» قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما خلّفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟» فقال: عدة الله وعدة رسوله. فبكى عمر رضي الله عنه وقال: بأبي أنت وأمي يا أبابكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط، إلا كنت سابقا «1» . وقال الكلبي: لما نزل قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ الآية، قالوا: يا رسول الله، صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية «2» . المناسبة: بعد أن رغب تعالى في الإنفاق في سبيله، أوضح أن الله يعلم مصرف كل صدقة، سواء أكانت في طاعة أم في معصية، وخيرنا بين إخفاء صدقة التطوع وإظهارها، ولكن الإخفاء هو الأفضل، ويؤيده حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» «3» فكان موضوع الآية الترغيب في إخفاء الصدقات بعدا عن الرياء.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: ما أنفقتم من نفقة، سواء كانت لله أو للرياء أو كانت مصحوبة بالمن أو الأذى أو لم تصحب بهما أو نذرتم نذرا في طاعة (وهو نذر التبرر) أو في معصية (وهو نذر اللجاج والغضب) ، فإن الله عالم به ومجاز عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا ترغيب في الخير وترهيب من الشر. وما للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بأن بخلوا بالمال ولم يتصدقوا من أنصار ينصرونهم يوم القيامة، كقوله: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [غافر 40/ 18] . وإن تظهروا صدقات التطوع بقصد حمل الناس على فعلها فنعم ما فعلتم، وإن تخفوها، ولم تعلموا بها أحدا، وتعطوها الفقراء، فهو خير لكم بعدا عن الرياء والسمعة، ويمحو عنكم بالصدقة بعض ذنوبكم لأن الصدقة لا تكفر جميع الذنوب أو السيئات. والله خبير وبصير بكل عمل تعملونه وبكل دقائق الأمور، فهو يعلم السر وأخفى، فيجازيكم على أعمالكم، واحذروا الرياء والإنفاق لغير الله، فلا تخفى عليه نياتكم في الإبداء والإخفاء. فقه الحياة أو الأحكام: كانت العرب تكثر من النذور، فذكر الله تعالى النوعين: ما يفعله المرء تبرعا، وما يفعله نذرا أي بإلزامه نفسه. ويخبر الله تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، ويجازي كل واحد بحسب فعله، خيرا أو شرا، وفي الآية معنى الوعد والوعيد، فمن كان خالص النية، ينفق في طاعة الله فهو مثاب، ومن أنفق رياء أو قرن صدقته بالمن أو الأذى ونحو ذلك، فهو ظالم، يذهب فعله هدرا، ولا يجد له يوم القيامة ناصرا فيه ينقذه من عذاب الله ونقمته. ولا فرق في
مشروعية نذر التبرر بين أن يكون بشرط أو بغير شرط، مثال الأول: أن يقول الناذر: لله علي أن أصوم أو أتصدق بكذا، ومثال الثاني: أن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا. وقد اتفق العلماء على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، وحرمة فعل المعصية المنذورة، بدليل ما أخرجه النسائي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله تعالى، فذلك لله تعالى، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله تعالى، فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه، ويكفّره ما كفّر اليمين» . وأما نذر المباح كالأكل والركوب واللبس فيخير فيه في رأي جمهور الفقهاء بين الفعل والترك، لخبر أبي داود: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» . وأما المرأة التي نذرت أن تضرب الدف يوم قدوم النبي صلّى الله عليه وسلّم وقول الرسول لها: أوفي بنذرك ، فإن فعلها صار من القرب، لسرور المسلمين بقدومه صلّى الله عليه وسلّم، وإغاظة الكفار، وإرغام المنافقين. وذهب جمهور المفسرين إلى أن الآية (271) في صدقة التطوع، وفيها دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، وكذلك سائر العبادات: الإخفاء أفضل في تطوعها لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فمن تصدق لجهة عامة أو لمشروع خيري، أو لأي أمر عام مثلا، فلا بأس من إعلان صدقته أو مشاركته ومساهمته، لترغيب الناس، وللاقتداء به، وليكون أدعى للتسابق في الخيرات. ويؤكد التخيير ما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر والحاكم عن معاذ: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة» . ويؤكد أفضلية الإسرار بصدقة التطوع ما ذكرناه وهو
ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة من حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ومنهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وروى أحمد وابن أبي حاتم عن أبي أمامة: «أن أبا ذرّ قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة سرّ إلى فقير، أو جهد من مقلّ، ثم قرأ الآية: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ وروى الطبراني مرفوعا: «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب» . ودليل إعلان الصدقة المفروضة: ما روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: «جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفا. وأما الصدقة الواجبة (الزكاة) : فأكثر العلماء على أن إظهارها أفضل من إسرارها لأن الفرائض لا يدخلها رياء، والنوافل عرضة لذلك، أخرج مسلم في صحيحة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » ومن هنا قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة في الفرض أبعد عن التّهمة. بل إن إظهار الفرائض أمر لا بد منه لإقامة شعائر الدين، وفيه الدلالة على قوة الإسلام، كما أن فيه الأخذ والعمل بمبدإ القدوة الحسنة. وتجوز صدقة التطوع للمسلم والكافر، والبر والفاجر، والفقير والغني، لأن الله تعالى قال: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فقد أطلق كلمة الْفُقَراءَ ولم يقيدها بفقراء المسلمين، وجعل الخيرية في إعطائها للفقير، ولم يمنعها عن الغني، وورد في الصحيحين: «في كل كبد حرّى رطبة أجر » أي أن رحمة جميع المخلوقات مدعاة للثواب. وأما الزكاة المفروضة وزكاة الفطر فهي خاصة بالمسلمين وبالفقراء، لقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ولحديث معاذ حينما أرسله النبي صلّى الله عليه وسلّم واليا إلى اليمن: «خذها من أغنيائهم، وردها في فقرائهم» «1» .
مستحقو الصدقات [سورة البقرة (2) الآيات 272 إلى 274] :
والخلاصة: إن الصدقة الواجبة، والإنفاق في المصالح العامة كبناء المدارس والمشافي والدعوة إلى الدين والجهاد، ونفقة التطوع بقصد ترغيب الآخرين في التصدق ينبغي إعلانها، وهو أفضل من الإخفاء. وأما الصدقة على الفقراء لسد حاجاتهم فإسرارها أفضل من إعلانها، سترا لحالهم وحفظا لكرامتهم. مستحقو الصدقات [سورة البقرة (2) : الآيات 272 الى 274] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الإعراب: لِلْفُقَراءِ جار ومجرور: إما مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الصدقات للفقراء، وإما منصوب لتعلقه بفعل: وَما تُنْفِقُوا في الآية السابقة، أي: وما تنفقوا من خير للفقراء، أو متعلق بمحذوف والمعنى اعمدوا للفقراء أو اجعلوها لهم. لا يَسْتَطِيعُونَ جملة فعلية حال
البلاغة:
منصوب من ضمير أُحْصِرُوا. يَحْسَبُهُمُ جملة فعلية حال من الفقراء، وكذلك: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ولا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ويحتمل أن يكون ذلك كله حالا من ضمير أُحْصِرُوا ويحتمل أن يكون مستأنفا، فلا يكون له موضع من الإعراب. ومعنى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي لا يسألون ولا يلحفون. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ مبتدأ موصول، وتمت الصلة عند قوله: سرا وعلانية: وهما مصدران في موضع الحال من ضمير يُنْفِقُونَ. ثم أخبر عن المبتدأ بقوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ودخلت الفاء في خبر المبتدأ، لتضمن المبتدأ الموصول حرف الشرط، وهذا لا يكون إلا إذا كانت الصلة جملة فعلية، ولم يدخل على عامل يغير معناه نحو ليت ولعل وكأن. البلاغة: وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ خبر بمعنى النهي، أي لا تطلبوا غير ثواب الله من أعراض الدنيا. وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ إطناب بعد قوله: يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وقوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ. ويوجد طباق بين قوله: بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وقوله سِرًّا وَعَلانِيَةً. المفردات اللغوية: هُداهُمْ إدخال الناس في الإسلام، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى الخير والله هو الهادي إلى الدخول في الإسلام، فالهدى نوعان: هدى التوفيق إلى طريق الخير والسعادة وهو مختص بالله تعالى، وهدى الدلالة والإرشاد إلى الخير وهو مهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم. مِنْ خَيْرٍ مال فَلِأَنْفُسِكُمْ أي ثوابه لأنفسكم لا ينتفع به غيركم ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ طلب مرضاته وثوابه أُحْصِرُوا منعوا وحبسوا في طاعة الله لجهاد أو تعلم علم يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يصل إليكم جزاؤه غير منقوص وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ لا تنقصون منه شيئا، وهذه الجملة وجملة يُوَفَّ تأكيد للجملة الأولى: فَلِأَنْفُسِكُمْ. لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً.. سفرا وسيرا في الأرض للكسب والتجارة والمعاش بسبب شغلهم عنه بالجهاد التَّعَفُّفِ إظهار العفة وترك السؤال بِسِيماهُمْ علامتهم من التواضع وأثر الجهد لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي لا يسألون الناس أصلا شيئا، ولا يقع منهم إلحاف أي إلحاح: وهو أن يلازم السائل المسؤول حتى يعطيه بِهِ عَلِيمٌ خبير، مطلع عليه ومجاز عليه.
سبب النزول:
سبب النزول: 1- نزول الآية (272) : ورد في سبب نزولها روايات عديدة مضمونها واحد منها: ما رواه النسائي والحاكم والبزار والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا «1» لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الآية. وروي أن ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم. وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر، فأتتها أمها تسألها، وهي مشركة، فأبت أن تعطيها، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الآية، فأمر بالتصدق على كل من سأل من كل دين. وروى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثر فقراء المسلمين، قال رسول الله: صلّى الله عليه وسلّم: «لا تتصدّقوا إلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وحكى الطبري أن مقصد النبي صلّى الله عليه وسلّم بمنع الصدقة إنما كانوا ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ.
2 - نزول الآية (273) :
والخلاصة: إن مضمون سبب نزول هذه الآية: أن من أسلم كره أن يتصدق على قريبه المشرك أو على المشركين أو نهاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم من التصدق عليهم فنزلت الآية. 2- نزول الآية (273) : نزلت في أهل الصّفّة «1» : وهم أربعمائة من المهاجرين، أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا «2» . 3- نزول الآية (274) : أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: نزلت هذه الآية: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، سِرًّا وَعَلانِيَةً، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ في أصحاب الخيل «3» : وهم الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله تعالى، ينفقون عليها بالليل والنهار، سرّا وعلانية، نزلت فيمن لم يرتبطها تخيلا ولا افتخارا. وروي عن ابن عباس: أن هذه الآية: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ نزلت في علف الخيل. ويدلّ على صحة هذا حديث أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من ارتبط فرسا في سبيل الله، فأنفق عليه احتسابا، كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه، وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة» .
المناسبة:
المناسبة: أرشدت الآية السابقة المؤمنين إلى إعطاء الفقراء عامة، مسلمين وغير مسلمين، وصرحت هذه الآية بإباحة صدقة التطوع لغير المسلمين، سواء أكانوا مشركين أم من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لأن الله تعالى يرزق المؤمن والكافر من خير الدنيا، وشأن المؤمن أن يتخلّق بأخلاق الله، وأن يكون خيره عاما للناس إشعارا بحبّ الخير والنّفع للبشرية، وإدلالا على توافر صفة الرحمة والمحبة في قلب المسلم لكل إنسان، وإبعادا للعصبية الدّينية التي من شأنها التهديم والتفريق والفتنة، وزرع الأحقاد والضغائن، والتنفير من قبول الإسلام ذاته القائم على التسامح، وترك أمر الهداية للدين لله تعالى، فإن الهداية من الله، وتقتضي الشفقة إعطاء المحتاج أيّا كان دينه. التفسير والبيان: ليس عليك أو لا يجب عليك يا محمد أن تقود الناس إلى هداية الإسلام كرها، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى الدين فقط، فتبشر من أطاع بالجنة، وتنذر من عصى بالنار، وأمر الهداية بمعنى التوفيق إلى الخير والسعادة والاهتداء إلى الإسلام مردّه إلى الله، بما وضع في النفوس من العقول، وما أبانه لهم من سنن وأدلّة ترشدهم إلى الدين الحق، فأمر يا محمد بالصدقة إلى كل من سألها من كل دين. وثواب الصدقة وإنفاق المال في سبيل الله عائد بذاته لأنفسكم، ولا ينتفع به غيركم في الدنيا والآخرة. أما في الدّنيا فيصون المال، ويحصّن الثروة، ويحميكم من أذى الفقراء بالنّهب والسلب والسرقة لأن الجائع يستبيح لنفسه كل شيء. وأما في الآخرة فثوابه لكم بدخول الجنة وتكفير بعض السيئات والذنوب. وإنكم لا تنفقون إلا طلبا لرضوان الله، لا لمصلحة دنيوية أو لإرضاء
الشيطان، وعلى ذلك فلا فرق بين فقير وفقير أيّا كان دينه، ولا داعي للمنّ والأذى، أو الرياء والسمعة لأنك تقصد بنفقتك وجه الله وحده، وفعل الخير المحض، دون انتظار ثناء، أو جزاء الناس في الدّنيا، قال صلّى الله عليه وسلّم لسعد بن أبي وقاص في الحديث الصحيح: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلّا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» أي فمها. ثم أكّد سبحانه الآية السابقة: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ بمؤكّدين: الأول- قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يصلكم ثوابه كاملا غير منقوص في الآخرة. الثاني- قوله: وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي لا يضيع عليكم منه شيء، ولا تبخسون منه شيئا، فيكون ذلك البخس ظلما، كقوله تعالى: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء 21/ 47] . وكلّ هذا يدل على أن الإنفاق يكون للفقراء عامة، مسلمين أو غير مسلمين، وذلك نحو قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان 76/ 8- 9] . والأسير في دار الإسلام لا يكون عادة إلا مشركا وقوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة 60/ 8] . ويؤيد ذلك ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قال رجل: لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدّثون: تصدّق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد: على زانية! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا
ثم بين الله تعالى أحق الناس بالصدقة وهم الفقراء بالصفات الخمس التالية:
يتحدّثون: تصدّق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد: على غني! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر، فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته» . ثم بيّن الله تعالى أحقّ الناس بالصدقة وهم الفقراء بالصفات الخمس التالية: الصفة الأولى- الإحصار في سبيل الله: أي الذين حبسوا أنفسهم للجهاد أو العمل في مرضاة الله كطلب العلم إذ لو اشتغلوا بالكسب مثل غيرهم لتعطلت المصلحة العامة، فهم فداء الأمة وحماتها وقادتها الموجهون لها في وقت السّلم والحرب، وفي الشدّة والأزمة أو المحنة، والرفاه والرخاء أو السعادة. وقد عرفنا أن هذه الآية نزلت في أهل الصّفّة: وهم فقراء المهاجرين الذين كانوا حوالي أربعمائة رجل، وكانوا مرابطين في سقيفة المسجد، يتعلمون القرآن في الليل، ويجاهدون في النهار، عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقف يوما على أصحاب الصّفّة، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصّفّة، فمن بقي من أمتي على النّعت الذي أنتم عليه، راضيا بما فيه، فإنه من رفقائي» . الصفة الثانية- العجز عن الكسب: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي لا يتمكنون من القيام بالسفر أو السّير في البلاد للتجارة والكسب. والضرب في الأرض: هو السّفر، وعجزهم لأسباب عديدة: منها الكبر والشيخوخة، ومنها المرض، ومنها الخوف من العدو، ونحو ذلك من الضرورات.
الصفة الثالثة - التعفف:
الصفة الثالثة- التّعفف: إظهار العفّة والتّرفع عن الطّمع مما في أيدي الناس، حتى إن الجاهل بحقيقة حالهم يظنّهم أغنياء، لعفّتهم وصبرهم وقناعتهم وتعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم. ورد في هذا المعنى حديث متّفق على صحّته عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا» «1» . الصفة الرابعة- القرائن المميزة لهم: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ أي علامتهم، والتّعرّف عليهم يحتاج إلى فراسة المؤمن «2» ، وخبرة المجرّب، وحنكة ذوي البصيرة والعقل، والتّحرّي عنهم بالسؤال لمن يعرفهم من جيران وأقارب، وربما يستأنس بمظاهر الضّمور والنّحول والضّعف ورثاثة الثياب، وربما لا يكون ذلك دليلا مقنعا، فقد يتظاهر بعضهم بالفقر، وقد يكتسي بعضهم اللباس المعقول لعزّة نفسه، ويكون هو المحتاج، وغيره هو الكاذب. الصفة الخامسة- عدم السؤال أصلا وعدم الإلحاح في السؤال: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ومعناه في رأي جمهور المفسرين: أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة، ويكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح.
وقال قوم: إن المراد نفي الإلحاف، أي إنهم يسألون الناس غير إلحاف، وهذا هو المتبادر إلى الذهن والسابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين، فلا يلحّون في المسألة، ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحف في المسألة. وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا، وهذا شأن أغلب الشّحاذين اليوم. روى الأئمة، واللفظ لمسلم، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تلحفوا في المسألة، فو الله لا يسألني أحد منكم شيئا، فتخرج له مسألته مني شيئا، وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته» . ثم ختمت الآية بأنه ما من نفقة صغيرة أو كبيرة إلا ويعلمها الله، ولا يخفى عليه الباعث على النفقة أو النيّة أيضا، فبحسن النية والإخلاص ففي النفقة دون أذى يحسن الجزاء، وبسوء النية يسوء الجزاء. وفي هذا ترغيب في الإنفاق الطيّب، وترهيب من الإنفاق الخبيث. ثم أوضح الله تعالى ثواب المنفقين وجزاء الإنفاق في جميع الأحوال والأوقات، فمن تصدّق بأمواله ليلا أو نهارا، سرّا أو علانية، ولم يمتنع عن نفقة وقت الحاجة إليها، ومنها النفقة على الأهل، كما دلّ حديث النّبي صلّى الله عليه وسلّم لسعد المتقدّم، فله الأجر الكامل عند ربّه وثوابه على الله لا على أحد سواه، ولا خوف عليه في الآخرة، ولا يتعرّض للحزن أبدا، أي فلا خوف عليه فيما يستقبله من أهوال يوم القيامة، ولا يحزن على ما خلّفه من أولاد ولا على ما فاته من الحياة الدّنيا وزهرتها، فلا يأسف عليها لأنه قد صار إلى ما هو خير له من ذلك. وإنما قدّم الليل على النهار، والسرّ على العلانية، للإشارة إلى تفضيل صدقة السرّ على صدقة العلانية.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أباحت الآية دفع صدقة التطوع لأي إنسان كان. أما الصدقة المفروضة (الزكاة) فلا يجزئ بالإجماع دفعها لكافر، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة عن ابن عباس: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم» . وكذلك لا يجوز في رأي الجمهور دفع زكاة الفطر لكافر لأنها طهرة للصيام، فلا تصرف إلى الكافر، كصدقة الماشية والنقود، وقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الدارقطني وغيره عن ابن عمر: «أغنوهم عن سؤال هذا اليوم» يعني يوم الفطر، لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد، وهذا لا يتحقّق في المشركين. وجوّز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى غير المسلم من أهل الذّمة، أخذا بعموم الآية في البرّ وإطعام الطّعام وإطلاق الصدقات. ودلّت آية: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ على أن ثمرة النفقة عائد في الواقع إلى المنفق لأنه سيجد جزاء أوفى على فعله، وأكّد تعالى هذا المعنى في جملتين تاليتين وهما: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ. وأرشد قوله تعالى: وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ إلى أن النفقة المعتدّ بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله. وأبانت آية: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا.. صفات مستحقي النفقة وهم الفقراء، وقد أوضحناها في التفسير المتقدّم. وأن من أدب السؤال عدم الإلحاح في المسألة. والسؤال في الإسلام محرّم إلا لضرورة، فلا يحلّ للقادر على الكسب بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه-: «لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سوي» . والمرّة: القوة، والسّوي: سليم الأعضاء، والمراد به القادر على الكسب.
ولا تحلّ المسألة إلا لثلاث حددهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «المسألة لا تحلّ إلا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دمّ موجع» «1» ، والفقر المدقع: هو الشديد، وهو الذي يلصق صاحبه بالدقعاء: وهي الأرض التي لا نبات فيها، والغرم: ما يلزم أداؤه تكلّفا لا في مقابلة عوض، كالكفالة والنفقة لإصلاح ذات البين ونحوه من أعمال البرّ، كدفع مظلمة وحفظ مصلحة، والمفظع: الشديد، فلمن تحمل ذلك أن يسأل الإعانة على سداد ما غرم، وأما ذو الدّم الموجع: فهو الذي يتحمل الدّية عن الجاني من قريب أو نسيب أو صديق لئلا يقتل، فيتوجع لقتله. والإلحاح في المسألة مع الغنى عنها حرام لا يحل، أخرج مسلم عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سأل الناس أموالهم تكثّرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقلّ أو ليستكثر» ، وأخرج أيضا عن ابن عمر أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله، وليس في وجهه مزعة «2» لحم» ، وروى أحمد وأبو داود وابن حبان عن سهل ابن الحنظلية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه» . أما إذا كان السائل محتاجا فلا بأس أن يكرّر المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا، والأفضل تركه. فإن كان المسؤول يعلم بذلك، وهو قادر على ما سئله، وجب عليه الإعطاء، وإن كان جاهلا به، فيعطيه مخافة أن يكون صادقا في سؤاله،
الربا وأضراره على الفرد والجماعة [سورة البقرة (2) الآيات 275 إلى 281] :
فلا يفلح في ردّه «1» . وقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ.. مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال سرّا أو علانية، لكن تقديم الليل على النهار، والسرّ على العلانية يومئ إلى تفضيل صدقة السرّ على صدقة العلن، كما بيّنا. الرّبا وأضراره على الفرد والجماعة [سورة البقرة (2) : الآيات 275 الى 281] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)
الإعراب:
الإعراب:: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ الذين وصلته: مبتدأ، ولا يقومون: خبره. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ مبتدأ وخبره بِأَنَّهُمْ. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ إنما ذكّر: جاء، لثلاثة أوجه: الأول- حملا على المعنى لأن موعظة بمعنى «وعظ» . الثاني- لأن تأنيث موعظة مجازي ليس بحقيقي. الثالث- لوجود الفصل بالهاء. وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ كان هاهنا تامة بمعنى حدث ووقع، ولا خبر لها، كقول الشاعر: «إذا كان الشتاء فأدفئوني» أي حدث ووقع، وذو عسرة: عام في حقّ كل أحد. فَنَظِرَةٌ خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فشأنه أو حاله فنظرة. وَأَنْ تَصَدَّقُوا مبتدأ، وخبره لَكُمْ. وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ يوما: منصوب لأنه مفعول اتَّقُوا، وترجعون: جملة فعلية في موضع نصب لأنه صفة يوم. ورجع: يكون لازما ومتعديا، يقال: رجع زيد ورجعته، كما يقال: زاد الشيء وزدته، ونقص ونقصته. البلاغة: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا الأصل أن يقال: الرّبا مثل البيع، ولكنهم قلبوا التّشبيه، فجعلوا المشبّه مكان المشبّه به، على سبيل «التشبيه المقلوب» . ويوجد طباق بين لفظ أَحَلَّ وحَرَّمَ، وبين يَمْحَقُ ويُرْبِي. كَفَّارٍ أَثِيمٍ كلاهما من صيغ المبالغة، أي عظيم الكفر شديد الإثم. فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ تنكير «حرب» للتهويل أي بنوع شديد من الحرب. لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ فيه ما يسمى «الجناس الناقص» لاختلاف شكل الحروف. المفردات اللغوية: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي يأخذون، عبّر بالأكل عن الأخذ أو الانتفاع بالرّبا لأنه الغرض الأساسى منه، أي أن أغلب حالات الانتفاع هو الأكل. ويشمل ذلك الآخذ والمعطي،
سبب النزول نزول الآيتين (278 - 279) :
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء» «1» . والرّبا في اللغة: الزّيادة، وفي الشرع: زيادة مال مخصوص بلا عوض في معاوضة مال بمال، أو الزّيادة في المعاملة من بيع أو قرض بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل. وهذا في رأي الشافعية، وحصره المالكية في ربا الفضل بالمقتات المدّخر، وأما في ربا النّسيئة فهم كالشافعية. وعمه الحنفية والحنابلة على كل مكيل وموزون. لا يَقُومُونَ أي من قبورهم. يَتَخَبَّطُهُ يصرعه. الْمَسِّ الجنون والصرع. بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم. مَوْعِظَةٌ وعظ وزجر. فَلَهُ ما سَلَفَ أي لا يسترد منه ما أخذه قبل النّهي. وَأَمْرُهُ في العفو عنه إلى الله. وَمَنْ عادَ إلى أكل الرّبا مشبّها له بالبيع في الحلّ. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ينقصه ويذهب بركته. وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها. كَفَّارٍ مقيم على كفره بتحليل الرّبا. أَثِيمٍ فاجر أي بأكله الرّبا، ومصرّ على الإثم ومبالغ فيه. لا يُحِبُّ أي يعاقبه. اتَّقُوا اللَّهَ أي قوا أنفسكم عقابه. وَذَرُوا اتركوا. فَأْذَنُوا اعلموا، من أذن بالشيء: علم به. بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ بغضب منه، وحرب من رسوله: بمعاملتكم معاملة البغاة وقتالكم بالفعل في عصره، واعتباركم أعداء له في كلّ عصر. وَإِنْ تُبْتُمْ رجعتم عنه. فَلَكُمْ رُؤُسُ أصول. لا تَظْلِمُونَ لا تأخذون الزّيادة من الغريم. وَلا تُظْلَمُونَ بنقص شيء من رأس المال. وَإِنْ كانَ وجد غريم. ذُو عُسْرَةٍ معسر بفقد المال أو كساد المتاع. فَنَظِرَةٌ له، أي فعليكم تأخيره وانتظاره. مَيْسَرَةٍ وقت اليسر والرّخاء. وَأَنْ تَصَدَّقُوا على المعسر بالإبراء. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير فافعلوه. سبب النزول: نزول الآيتين (278- 279) : أخرج أبو يعلى في مسنده وابن منده عن ابن عباس قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يربون لثقيف «2» ، فلما أظهر الله رسوله على مكة، وضع يومئذ
نزول الآية (280) :
الرّبا كلّه، فأتى بنو عمرو وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد، وهو على مكة، فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالرّبا، ووضع عن الناس غيرنا. فقال بنو عمرو: صالحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها. وأخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في ثقيف، منهم مسعود، وحبيب، وربيعة، وعبد ياليل بنو عمرو وبنو عمير. فقالت ثقيف: لا يد لنا- أي لا طاقة لنا- بحرب الله ورسوله، وتابوا، وأخذوا رؤوس أموالهم فقط. نزول الآية (280) : قال الكلبي: قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا، ولكم الرّبا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة، فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ الآية. المناسبة: كانت الآيات السابقة في النفقة أو الصدقة من المال بغير عوض، تقرّبا إلى الله، وطلبا لمرضاته، وتثبيتا لأنفسهم على الإيمان. وهذه الآيات في المرابين الذين يأخذون المال بلا عوض يقابله، والصدقة يبارك الله فيها، وأما الرّبا فيمحقه الله ويبطل بركته ونماءه، فالمناسبة بين الآيات التّضاد لأن الضدّ أقرب خطورا بالبال من غيره. التفسير والبيان: الذين يأخذون الرّبا، ويستحلّونه حبّا في المال وعملا بالأهواء، ويأكلون
أموال الناس بالباطل ومن غير عمل ولا جهد: مثلهم في الاضطراب والقلق وتعذيب الضمير والوجدان والانهماك في الأعمال والدّنيا كمثل المصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وتمسّهم الجنّ، وتضربهم وتصرعهم، وهم في الآخرة- من وقت قيامهم من قبورهم إلى البعث والنشور- أشدّ تخبّطا واضطرابا وتثاقلا في حركاتهم، بسبب ثقل المال الحرام الذي أكلوه من الرّبا، مما جعلهم متميزين عن بقية الناس في تعثرهم وسقوطهم كلما همّوا بالنهوض والقيام، وهذه صورة في غاية القبح والبشاعة، ودليل على ما يحدثه النظام الرأسمالي الرّبوي في العالم المعاصر من هزّات وقلق واضطراب وخوف وأمراض عصبية ونفسية. وجمهور المفسرين على أن المراد بقوله تعالى: لا يَقُومُونَ القيام من قبورهم يوم القيامة إلى بعثهم ونشورهم، فعلامتهم أنهم لا يقومون منها إلا كما يقوم المصروع حال صرعة وتخبّط الشيطان له، قال ابن عباس- فيما رواه ابن أبي حاتم-: «آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق» . واقتصر جماعة (وهم ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة ومقاتل بن حيان) على القول: بأنهم لا يقومون يوم القيامة. وإنما عبّر بالقيام لأنه أبرز مظاهر النشاط في ممارسة العمل. وذلك لأنهم فهموا خطأ وتصوروا باطلا أن الرّبا مثل البيع، أي أن الزّيادة الرّبوية عند حلول أجل الدين آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد لأن العرب كانت لا تعرف إلا ذلك، فكانت إذا حلّ دينها قالت للغريم (المدين) : إما أن تقضي، وإما أن تربي، أي تزيد في الدّين، فحرّم الله سبحانه ذلك عليهم. وبعبارة أخرى: كما يجوز لك أن تبيع الشيء في الحال نقدا بدرهمين، فلماذا لا يصحّ أن تأخذ درهما في وقت الحاجة، ثم تدفع في وقت اليسار درهمين؟! وسبب الزيادتين واحد وهو الأجل.
فردّ الله تعالى عليهم وأبان قياسهم الفاسد بقوله الحق: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، وَحَرَّمَ الرِّبا أي أن البيع لا يكون إلا لحاجة وهو معاوضة لا غبن فيه، والرّبا محض استغلال لحاجة المضطر، وليس له مقابل ولا عوض «1» ، فقياسهم فاسد، فمن يشتري شيئا من الطعام ويدفع ثمنه في الحال، هو محتاج إليه في الأكل أو البذر أو أي انتفاع يصون به حياته وجسده، أما من يرابي، فلا يعقد عقد معاوضة، وإنما يأخذ الزّيادة عن أصل الدّين وقت حلول أجل الوفاء بدون مقابلة شيء، بل إن المصارف اليوم تشبه في عملها أفعال الجاهلية بتجميع الفوائد المتراكمة أو المركّبة، وأخذ الفائدة وفائدة الفائدة مع مرور السنوات، فصار حملة أسهم المصرف يأكلون الرّبا أضعافا مضاعفة، وأخذ هذه الزّيادة وتوابعها ظلم موجب للإثم والمعصية الكبيرة. فمن بلغه تحريم الرّبا، فانتهى عمّا كان يفعله، فله ما سلف أخذه من الرّبا في الجاهلية، وأمره بالعفو عنه أو بالحكم فيه بالعدل، وإسقاط التّبعة عنه يوم القيامة إلى الله تعالى. ومن عاد إلى أخذ الرّبا بعد تحريمه، فقد استوجب العقوبة، واستحقّ الخلود في نار جهنم. والمراد بالخلود هنا: المكث الطويل إذا كان الفاعل مؤمنا، وعبّر به تغليظا لفعله. ثم نبّه الله تعالى على أضرار الرّبا وتبديد أثره، فالرّبا يذهب الله بركته، ولا ينميه ولا يزيده في الحقيقة والواقع، وإن زاد المال بسببه في الظاهر، فهو إلى ضياع وفناء. أما الصدقة: فالله ينميها ويبارك فيها، ويضاعف ثوابها، ففي الدنيا ما نقصت صدقة من مال قط، والله يعوّض المتصدّق خيرا في بيع أو شراء أو ارتفاع ثمن أرض أو سلعة أو متاع، وفي الآخرة يجد المتصدق ثواب عمله أضعافا
مضاعفة. ومن مظاهر النّماء المعنوية في الصدقة: أنّ المتصدّق محبوب عند الله وعند الناس، فلا حسد ولا بغض ولا سرقة ولا إيذاء، ومن مظاهر المحق الأدبية في الرّبا: أنّ المرابي مبغوض مكروه عند الله وعند الناس، الكلّ حاسد له وشامت إن ألمّ به أمر مكروه، والكلّ ينتظر له المصير المشؤوم، وهذا أمر ملحوظ في واقع المرابين، فسرعان ما يبدّدون المال، وعاقبتهم تكون في صحّتهم وثروتهم سيئة للغاية، فهم إن بدا عليهم الغنى وقتا ما، فإن الفقر في النهاية هو المحدق بهم غالبا. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يقبل الله تعالى إلا طيّبا، فإن الله تعالى يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل» . هذا في نماء الصدقة، وأمّا الرّبا فقد عبّرت الآية بالإضافة إلى محقه، بأن الله يعاقب صاحبه ويبغضه، ولا يرضى عن كل من يصرّ على ارتكاب المحرّمات ويحلّها، ويبغض كل كفّار أي متماد مبالغ في كفر ما أنعم الله عليه، فلا ينفق منه في سبيله، ويبغض كل أثيم أي منهمك في ارتكاب الآثام أو المعاصي، فيستغل حاجة المعسرين، ففيه تغليظ أمر الرّبا وإيذان بأنه من فعل الكفار، لا من فعل أهل الإسلام. ثم قارن الله- كما هو شأن القرآن- فعل الكفار الآثمين بفعل المؤمنين الصالحين، ليظهر الفرق واضحا بين الفريقين، فيكون ذلك أدعى إلى امتناع الجاحد وامتثال المؤمن الصادق. فقال: إن الذين صدقوا بالله ورسوله وبما جاءهم من الأوامر والنواهي، وعملوا الصالحات التي تصلح بها نفوسهم كمواساة المحتاجين، وإنظار المعسرين، وأقاموا الصلاة التي تذكّر المؤمن بربّه وتقرّبه إليه، وأتوا الزكاة المفروضة التي تساهم في تخفيف الفقر ومحبة الناس لبعضهم، لهم
ثواب كامل مدّخر عند ربّهم الذي تعهدهم بالرّعاية في شؤونهم، ولا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات. وخصّ الله تعالى الصّلاة والزّكاة مع شمول الأعمال الصالحة لهما، اهتماما بشأنهما لأنهما أعظم أركان العبادة العملية. وبعد هذه المقارنة بين جزائي أكلة الرّبا والمؤمنين العاملين الصالحات، جاء الأمر الصريح القاطع بترك الرّبا والتخلّص من مختلف آثاره، ومضمونه: يا من اتّصفتم بالإيمان المتنافي مع كلّ حرام، قوا أنفسكم عقاب ربّكم على ترك الأوامر وفعل المنهيات، واتركوا ما بقي لكم من الرّبا عند الناس حالا، وإياكم والتعامل به من جديد إن كنتم مؤمنين حقّا، وإلا فلستم بمؤمنين كاملي الإيمان لأن الإيمان طاعة والتزام فلا إيمان مع المعاصي، وهو سلام ورحمة وعطف وصلة، فلا إيمان مع تعاطي الرّبا لأن الرّبا ظلم وجشع واستغلال يتنافى مع الإخاء والإنسانية. ثم ذكر الله الوعيد على المخالفة فقال: فإن لم تتركوا الرّبا وما بقي منه- والخطاب للمؤمنين- فإنكم محاربون لله ولرسوله أي أعداء خارجون عن شريعته، وهذا معنى قوله: فَأْذَنُوا أي اعلموا، وحرب الله: غضبه وانتقامه من أكلة الرّبا، في الدّنيا بإلحاق الضّرر، وفي الآخرة بالعذاب في النار، وحرب رسوله: معاداته، ومن حارب الله ورسوله استحقّ القتال، لتجاوز شرع الله وأحكامه. وإن رجعتم عن الرّبا امتثالا لأمر الله، فتستحقون رؤوس أموالكم كاملة فقط، لا نقص ولا زيادة، فلا تظلمون أحدا بأخذ الرّبا، ولا تظلمون بنقص شيء من أموالكم. ثم يأمر الله تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقرر ما يلي: إن تعاملتم مع فقير معسر. ولم يتمكن من سداد دينه في الأجل المحدد،
فأمهلوه وانتظروه إلى وقت اليسر والرّخاء، حتى يتمكّن من أداء الدّين، كقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة: «من نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة» ، والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، والنّظرة: التّأخير، والميسرة: مصدر بمعنى اليّسر. وأن تتصدّقوا على المعسر أو الغريم بإبرائه من الدّين كله أو بعضه، فهو خير لكم من الإنظار والتّأجيل، وأكثر ثوابا عند الله، إن كنتم تعلمون أنه خير، ومن علم بشيء عمل به. وفي هذا حثّ على السماحة للمدين المعسر، لما فيه من تعاون وتعاضد وتراحم، كقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» ، وقوله أيضا- فيما رواه الطّحاوي عن بريدة بن الخصيب-: «من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة، ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة قال: بكل يوم صدقة ما لم يحلّ الدّين، فإذا أنظره بعد الحلّ، فله بكل يوم مثله صدقة» . وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرّج عن معسر» . وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلّا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله عزّ وجلّ: نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه» . وفي حديث طويل لأبي اليسر (كعب بن عمرو) أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول فيما رواه أحمد ومسلم: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظلّه» ، وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدّين عن ذمّته. ثم أمر الله تعالى بالتّقوى أمرا عامّا ونبّه خلقه على محاسبتهم يوم القيامة،
مراحل تحريم الربا:
وحدد مصير المتّقين وذكرهم بزوال الدنيا وما فيها من أموال، ومضمون ذلك: اتّقوا واحذروا يوما عظيما ترجعون فيه إلى الله تعالى، فيحاسبكم على ما عملتم، ويجازيكم على ما كسبتم من خير أو شرّ، فيثيبكم على الخير ويعاقبكم على الشّر، ويجازى كل امرئ بما يستحق من خير أو شرّ، ولا تظلمون فلا ينقص من ثوابكم شيئا، ولا يزاد في عقوبتكم، كقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء 21/ 47] . قال ابن جريج: إنّ آية وَاتَّقُوا يَوْماً ... نزلت قبل موت النّبي صلّى الله عليه وسلّم بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ليال، وروي: بثلاث ليال، أو بثلاث ساعات، وقال عليه الصلاة والسلام: «اجعلوها بين آية الرّبا وآية الدّين» . وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: «آخر ما نزل من القرآن كله: وَاتَّقُوا يَوْماً.. وعاش النّبي صلّى الله عليه وسلّم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول» . وروى النسائي وغيره عن عبد الله بن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فكان بين نزولها وموت النّبي صلّى الله عليه وسلّم واحد وثلاثون يوما. مراحل تحريم الرّبا: حرّم الله الرّبا في القرآن كتحريم الخمر في أربعة مواضع، وسار التّحريم في مراحل أربع، الموضع الأول منها مكي، والباقي مدني. 1- ففي مكّة أنزل الله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم 30/ 39] ، وهذا يقابل آية الخمر المكيّة: وَمِنْ ثَمَراتِ
النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل 16/ 67] ، وفي كلا الآيتين تمهيد للتحريم وتعريض به وإيماء إلى ضرورة تجنّبه. 2- ثم قصّ علينا القرآن في المدينة سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الرّبا فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، فقال: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ.. «1» [النساء 4/ 161] ، وهذا نظير المرحلة الثانية في تحريم الخمر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة 2/ 219] ، وكلا الآيتين إنذار بالتّحريم، وتعريض به، وإيذان بعقوبة المخالف. 3- ثم نهى تعالى عن الرّبا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافا مضاعفة، وهو ما كان في الجاهلية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً.. [آل عمران 3/ 130] . وهذا يشابه المرحلة الثالثة من مراحل تحريم الخمر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.. [النساء 4/ 43] ، فكلا الآيتين نهي جزئي صريح، إلا أنّ آية الرّبا نهي عن صورة فاحشة من صور الرّبا وهو الرّبا الجاهلي، وآية الخمر نهي جزئي عن تناول المسكر وقت إرادة الصلاة. 4- ثم جاء التّحريم القاطع لكلّ من الرّبا والخمر، أما الرّبا فقد نهى الله عن كل ما يزيد عن رأس مال المدين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.. الآيات. وأما الخمر فقد أمر الله باجتنابه في كل الأحوال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة 5/ 90] .
فقه الحياة أو الأحكام:
وقوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبا اللام للجنس أي حرّم جنس الرّبا، وليست للمعهود الذهني وهو ربا الجاهلية أو ربا النّسيئة، وإنما يفيد النّص بإلاقه تحريم جميع أنواع الرّبا، مثل إباحة أنواع البيع في قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ. فقه الحياة أو الأحكام: وفيه بيان نوعي الربا وسبب تحريمه: تضمّنت الآيات أمورا خمسة: إباحة البيوع، وتحريم الرّبا والحملة الشديدة على أكلة الرّبا، والصبر على المعسر (نظرية الميسرة) ، وجزاء الإيمان والعمل الصالح، والأمر بالتقوى والتذكير بزوال الدنيا وإتيان الآخرة. الموضوع الأول: إباحة سائر البيوع التي ليس فيها نهي شرعي عنها، والبيع: هو تمليك مال بمال بإيجاب وقبول عن تراض منهما. الموضوع الثاني: تحريم الرّبا وإعلان الحرب على أكلته من الله ورسوله: والرّبا في اللغة: الزيادة مطلقا، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد. وفي الشرع: فضل مال بدون عوض في معاوضة مال بمال. والرّبا نوعان: ربا النّسيئة وربا الفضل. وربا النّسيئة: هو الزيادة الفعلية في أحد العوضين بسبب الأجل، أو تأخير تسليم أحد العوضين لأجل بدون زيادة. ويكون إما في القرض أو في البيع. وصورته في القرض: أن يتمّ إقراض قدر معيّن من المال لزمن محدود كسنة أو شهر، مع اشتراط زيادة عند الوفاء بسبب امتداد الأجل. وهذا هو الذي كان متعارفا في الجاهلية بين العرب، لا يعرفون غيره، فكانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر
قدرا معيّنا، فإذا حلّ أجل الدّين طولب المدين بكلّ الدّين، فإذا تعذّر الأداء زادوا في الحقّ والأجل، قائلين: إما أن تقضي أو تربي، أي تزيد الدّين مع زيادة الأجل، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه. وهذا هو المستعمل الآن في المصارف المالية، وهو الذي نصّ القرآن الكريم على تحريمه. وقد اتّفق العلماء على أنّه محرّم، وأنه من الكبائر، وأنّ التّحريم لا يقتصر على آخذ الرّبا، وإنما يشتمل الدافع والكاتب والشاهدين، للحديث المتقدم الذي رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود: «لعن الله آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهده» . وأما ربا النّسيئة في البيوع: فمثاله: بيع رطل من القمح برطل ونصف يدفع للبائع بعد شهرين، أو بيع صاع من القمح بصاعين من الشعير يدفعان له بعد ثلاثة أشهر، فهو حرام بسبب الزيادة الواضحة، وقد يكون بدون زيادة وهو حرام أيضا كبيع رطل من التمر ناجز تسليمه برطل آخر من التمر مؤجل التسليم، ولا يلجأ لهذا البيع عادة إلا بسبب كون الرّطل الحالي أكثر قيمة في الواقع من المؤخر تسليمه لأن المعيّن خير من الدّين في الذّمة، والمعجّل أكثر قيمة من المؤجّل. وهذا النوع حرام لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما يرويه الشيخان من حديث أسامة: «لا ربا إلا في النسيئة» . وربا الفضل في البيوع: هو أن يباع مال مخصوص مع زيادة أحد العوضين على الآخر، كبيع رطل من القمح أو العسل أو التّمر برطلين، وبيع درهم بدرهمين. وهو حرام للحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم- وأختار هنا ما رواه مسلم- قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه
الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» أي مقابضة. وهذا الحديث حينما بلغ ابن عباس الذي كان لا يحرّم إلا ربا النّسيئة، ويجيز ربا الفضل، رجع عن قوله. وأجيب عن حديث: «إنما الرّبا في النّسيئة» بأن القصد منه بيان الرّبا الأشد خطورة، الأكثر وقوعا، أو أنه محمول على حالة التفاضل بين جنسين مختلفين كبيع رطل من القمح برطلين من الشّعير إلى أجل، فإن النّسيئة في ذلك حرام، وأما التفاضل في الحال فليس حراما. وقد يكون ربا الفضل في القرض: وهو الزيادة المشروطة للدّائن بغير مقابل، كأن أقرض خالد عليّا مائة دينار على أن يدفع له في العام القادم مائة وعشرة. والخلاصة: أن الآية دلّت بإطلاقها عن التقييد بربا النّسيئة على تحريم كل من ربا النّسيئة الجاهلي وربا الفضل أيضا بسبب الزيادة، ويحرم أيضا الصلح على خمسمائة حالّة (معجّلة) مثلا مع من عليه ألف مؤجّلة، فإن هذا في معنى ربا الجاهلية الذي كان قرضا مؤجّلا بزيادة مشروطة، فكانت الزّيادة عوضا عن الأجل، وفي مسألة الصلح انتفع المدين بباقي الدّين مقابل إسقاط الأجل، فيصبح منتفعا بزيادة (فضل) من المال بدون عوض مالي. ومن أنواع الرّبا: بيع الدّين بالدّين، روى الدارقطني عن ابن عمر عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» . والخلاصة: أن قوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبا مجمل متوقف على ورود البيان، فمن الرّبا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع وهو ربا الجاهلية: وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض. وهل تحريم الرّبا مقصور على الأصناف الستّة المذكورة في الحديث السابق، أو يقاس عليها ما في معناها؟
قال نفاة القياس وهم الظاهرية: إن الحرمة مقصورة على هذه الأصناف الستّة، لا يزاد عليها. وقال جمهور الفقهاء منهم أئمة المذاهب الأربعة: إن الحرمة غير مقصورة على هذه الأصناف، وإنما تتعدّاها إلى كل شيء هو في معناها، لأن النّص معلل بعلة مفهومة منه، فتتعدى الحرمة إلى كلّ ما توجد فيه العلّة، إذ لا تعقل التّفرقة بين متماثلين، وإنما نصّ الحديث على أصول الأشياء في عصر النّبوّة. فقال الحنفية، والحنابلة في أشهر الروايات الثلاث عندهم: إنّ العلّة هي اتّحاد هذه الأصناف في الجنس والقدر، أي الكيل والوزن، فمتى اتّحد العوضان في الجنس، والقدر الذي يباع به من كيل أو وزن، حرم الرّبا بنوعيه، كبيع الحنطة بالحنطة، والحديد بالحديد، وإذا عدما معا حلّ التفاضل والنّسيئة كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل، وإذا عدم القدر واتّحد الجنس حلّ التفاضل دون النّسيئة، كتفاحة بتفاحتين، وإذا عدم الجنس واتّحد القدر حلّ الفضل دون النّسيئة أيضا كبيع الحنطة بالشّعير. وقال الشافعية، والمالكية في ظاهر المذهب: علّة تحريم الزيادة في الذهب والفضة هي النقدية (أي الثمنية- كونهما ثمنا للأشياء عادة) . والعلّة في الطّعام في ربا النّسيئة: هي مجرّد المطعومية، لكن عند المالكية: على غير وجه التداوي، وعند الشافعية: ولو بقصد التداوي، فيحرم هذا الرّبا في الخضار والفاكهة، وأما المأخوذ تداويا فلا ربا فيه عند المالكية، وفيه الرّبا عند الشافعية. وأما علّة ربا الفضل: فقد اختلف هذان المذهبان فيها، فذهب المالكية إلى أنّ العلّة هي اتّحاد الجنس مع الاقتيات والادّخار، فيجري هذا الرّبا في الحبوب كلّها والزّبيب واللحوم والألبان وما يصنع منها، ولا يجري في الخضروات والفواكه
لعدم قابليتها الادّخار، وفي معنى الاقتيات: إصلاح القوت كملح ونحوه من التوابل والخلّ والبصل والثوم والزيت والسّمن. وذهب الشافعية إلى أن العلة في الطعام: هي اتّحاد الجنس والطعمية أي كونها مطعومة، والمطعوم يشمل كل ما يصلح الجسد مما يؤخذ اقتياتا أو تفكها أو تداويا. واتفق الجمهور على منع بيع التمرة الواحدة بالتمرتين والحبة الواحدة من القمح بحبتين، إذ لا فرق بين كثرة المال الربوي وقلته، وأجاز الحنفية هذا البيع، لأنه لا مكيل ولا موزون، فجاز فيه التفاضل. وقال الجمهور: عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال، فيجب فسخ صفقة الربا ولا تصح بحال. وقال الحنفية: بيع الربا فاسد، لأنه بيع جائز بأصله من حيث هو بيع، ممنوع بوصفه من حيث هو ربا، فيسقط الربا ويصح البيع. ويلاحظ أن أكثر البيوع الممنوعة إنما منعت بسبب وجود معنى الزيادة إما في عين المال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه. وهناك بيوع ممنوعة ليس فيها معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة. ويلاحظ أيضا أن الجودة والصنعة في الأموال الربوية ملغاة، فجيدها ورديئها سواء، سدا للذرائع، ولا ينظر إلى الصنعة، فالدينار الذهبي المسكوك والدرهم الفضي المسكوك والذهب والفضة غير المسكوكين (التبر) سواء، وكذا الذهب أو الفضة غير المصوغ والمصوغ حليا سواء أيضا، خلافا لما كان يراه معاوية بن أبي سفيان، فقد اتفق العلماء على أن ما ذهب إليه معاوية غير جائز، وليس مستبعدا أن يكون قد خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة اللذان جادلا معاوية في خطأ رأيه، لما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من تحريم التفاضل في بيع الذهب والفضة والمطعومات.
سبب تحريم الربا:
وبناء عليه يجب بيع الشيء بجنسه بوزن مساوله، وإن اختلفا في الصياغة وعدمها، ويصح بيع الذهب أو الفضة بالنقود الورقية الحالية مع التفاضل، لاختلاف الجنس، بشرط التقابض في مجلس العقد لكونهما نقدين، سدا للذرائع، وبسبب تفاوت سعر الذهب والفضة ارتفاعا وانخفاضا بين وقت وآخر، فما يحدث في أسواق الصاغة من بيع وشراء كيلو ذهب مثلا أو سبيكة بوزن معين وبسعر معين دون قبض المبيع ودفع الثمن نقدا: لا يجوز شرعا، درءا للمنازعات. سبب تحريم الربا: الإسلام دين الجهد والعمل، والتعاطف والتراحم، والود والحب والوئام، والصفاء وسلامة النفوس من الأحقاد، والحق والعدل. فلا يجيز كسبا بغير عمل، ويرغب في الصدقة والقرض الحسن، ويحرم استغلال حاجة الضعيف، ويحظر كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء والمنازعات، ويستأصل الحقد والحسد والجشع والطمع من النفوس، ويوجب أخذ المال من طريق مشروع حلال لا ظلم فيه، ويكره تكديس الثروة في أيدي فئة قليلة من الناس تتحكم في مصائر الآخرين وأقواتهم وتتلاعب باقتصاديات الدولة والأمة. لهذه المبادئ السامية كلها، وحفاظا عليها حرم الله الربا للأضرار التالية: 1- إنه يعوّد الإنسان على التكسب بدون عمل أو حرفة، كالتجارة أو الصناعة أو الزراعة أو المهنة الشريفة التي اقتضتها ظروف الحياة المعاصرة مثل الطبابة والهندسة والصيدلة والمحاماة بشرط الدفاع عن الحق والعدل وتحامي الدفاع بالباطل، أو تبرئة الجاني أو المجرم. وهذا يجعل المرابين مصاصين لدماء الفئة العاملة الكادحة، ويعتمد في عيشه ودخله على مورد بغير جهد، وذلك مما يستفيده من فوائد الأموال المودعة في المصارف الربوية للإقراض بفائدة.
2- والربا هو مجرد كسب من غير عوض، والشرع يحرم أخذ المال ظلما بغير حق شرعي، ويمنع استغلال القوي الضعيف. 3- إنه يؤدي إلى زرع الأحقاد والحسد في قلوب الفئة الفقيرة على الأغنياء، ويولد العداوة والبغضاء، ويثير المشاحنات والخصومات بين الناس، إذ هو يقضي على عاطفة التراحم والتعاون، ويجعل الإنسان عبدا للمال، وكأنه ذئب ينقض على ما في جيوب الناس بأسلوب هادئ ماكر خبيث دون إثارة أو معرفة الغريم. 4- إنه يقضي على وشائج الصلة بين الناس، ويقطع المعروف بينهم بالقرض الحسن، ويسلب مال الفقير أو المحتاج وهو في أشد حالات الحاجة والعوز، لتسيير شؤون عمله وحياته. 5- إن عاقبته العامة تدمير القيم الإنسانية وتوليد الصراع بين الأفراد، والتحكم في الاقتصاد العام للأمة، وعاقبته الخاصة الوقوع في الخراب والفقر والحرمان في نهاية الأمر، إذ يمحق الله الربا، ويربي الصدقات، كما بينا. والخراب يشمل المرابي، كما يشمل دافع الربا، فكثير ما أدى اقتراض المزارعين من المصارف الزراعية إلى بيع أراضيهم لتسديد القروض المصرفية وفوائدها، لأن الزراعة كثيرة النفقات، معرضة للآفات الزراعية، والقحط والجدب. وكذلك أصحاب المعامل وتجار المحلات إذا اقترضوا من المصارف لا يتمكنون غالبا من سداد الديون، ويصبحون عاجزين عنها وبخاصة في السنوات الأولى من العمل والإنتاج، فكيف يسددون أصل الدين مع ما يضم إليه من فوائد؟! والفوائد المصرفية تتضاعف مع مرور السنوات، فتصبح الفوائد تكاد تعادل أصل القرض. ولا فرق في تحريم الربا بين ما يسمى بالقروض الإنتاجية، والقروض
الموضوع الثالث - نظرية الميسرة:
الاستهلاكية، إذ لا يجوز الاقتراض بفائدة إلا لضرورة قصوى، وهي الحالة التي يغلب على الظن فيها الوقوع في الهلاك أو التسيب في الشارع ونحو ذلك من الحالات النادرة التي لا تنطبق على ما يدعيه أصحاب المعامل والمحلات التجارية من ضرورات، وهم يقصدون بذلك إما توسيع دائرة العمل والنشاط، أو دعم المصنع بآلات حديثه مثلا، وكل هذه المزاعم لا تدخل في دائرة الضرورة بحسب ضوابطها الشرعية، ولا تحل الحرام القطعي التحريم. والربا حرام ويبطل ما قبض منه، ولا يجوز أخذ ما زاد على أصل رأس المال، قلّ أو كثر، وقد دلت الآية على ذلك: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ودلت أيضا على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، لكونه سببا في معاداة الله ورسوله، جاء رجل إلى مالك بن أنس رضي الله عنه، فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشرّ من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك. فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئا أشرّ من الربا، لأن الله أذن فيه بالحرب. وسبيل التوبة مما بيد الإنسان من الأموال الحرام إن كانت من ربا، فليردّها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرا، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه. وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه. الموضوع الثالث- نظرية الميسرة: لما حكم جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند المدينين، حكم في ذي العسرة بالانتظار إلى حال الميسرة، وذلك أن ثقيفا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة، شكوا- أي بنو المغيرة- العسرة، كما بينا في سبب النزول، وقالوا:
ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ. ودل قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ مع قوله: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ على ثبوت حق المطالبة لصاحب الدين (الدائن) على المدين، وجواز أخذ ماله بغير رضاه، ودل أيضا على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان، كان ظالما، فإن الله تعالى يقول: فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ فجعل له المطالبة برأس ماله، فإذا كان له حق المطالبة، فعلى من عليه الدين (المدين) لا محالة وجوب قضائه. ومن كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم، فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ويترك له ما كان من ضرورته، والمشهور عن مالك أنه يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك مزريا به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالما خلاف. ولا يترك له مسكن ولا خادم، ولا ثوب جمعة ما لم تقلّ قيمتها، والأصل في هذا قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ. ويحبس المفلس في قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم حتى يتبين عدمه. ولا يحبس عند مالك إن لم يتّهم أنه غيّب ماله، ولم يتبين لدده أي خصومته ومماطلته. وكذلك لا يحبس إن ثبت عسره، للآية المتقدمة: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ... وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ يدل على أن الله تعالى ندب بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر، وجعل ذلك خيرا من إنظاره. وقد أوردت سابقا الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل إنظار المعسر وإبرائه من الدين، ومدى الثواب العظيم في ذلك عند الله تعالى.
الموضوع الرابع - جزاء الإيمان والعمل الصالح:
الموضوع الرابع- جزاء الإيمان والعمل الصالح: مدح الحق تعالى المؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، مخبرا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، ليكون ذلك في خلال المقارنة مع أكلة الربا أدعى إلى الامتثال، والبعد عن الربا الحرام، وفي هذا تعريض بأكلة الربا وأنهم لو كانوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكفوا عن تعاملهم الربوي. والخلاصة: أن الله تعالى أتبع وعيد المرابي بهذا الوعد، وإنما خص الصلاة والزكاة بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لمنزلتهما العظمى في الإسلام. الموضوع الخامس- التحذير من أهوال يوم القيامة: ختم الله تعالى آيات الربا بموعظة بالغة، إذا وعاها المؤمن هانت عليه الدنيا ومطامعها وسامح بالمال والنفس، فالدنيا زائلة، والأموال فانية، والآخرة آتية خالدة باقية، والحساب أمام الله أمر حتمي، يجازي كل امرئ بما عمل من خير أو شر، دون بخس أو ظلم أو نقصان، فليحذر المؤمن عقوبة ربه، وليتق الله بامتثال الأوامر الإلهية، واجتناب النواهي ومن أخطرها الربا، فمن التقى وحذر العقوبة لقي خيرا، ونال سعادة دائمة في جنان الخلد الباقية. آية الدين وآية الرهن توثيق الدين المؤجل بالكتابة أو الشهادة أو الرهن [سورة البقرة (2) : الآيات 282 الى 283] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
الإعراب:
الإعراب: كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ كما: في موضع نصب متعلق بفعل لْيَكْتُبْ أو بقوله: فَلْيَكْتُبْ أو بقوله: يَأْبَ. وَلِيُّهُ الضمير يعود على المدين. فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ: إما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالشاهد رجل وامرأتان، وإما مرفوع بتقدير فعل وتقديره: فليكن رجل وامرأتان. ويكون «فليكن» تامة. ومِنْ رِجالِكُمْ: متعلق باستشهدوا، ومن ابتدائية، أو متعلق بمحذوف صفة لشهيدين، ومن تبعيضية، أي بعض رجالكم المسلمين الأحرار، لأن الكلام في معاملاتهم. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ في موضعه ثلاثة أوجه: الجر والنصب والرفع، فالجر: على أنه بدل من قوله: مِنْ رِجالِكُمْ والنصب على أنه صفة لشهيدين، والرفع على أنه وصف لقوله: رجل وامرأتان. أَنْ تَضِلَّ أن: مصدرية في موضع نصب بتقدير فعل، وتقديره: يشهدون أن تضل إحداهما، وقرئ بكسر إن الشرطية ورفع: تذكر.
البلاغة:
صَغِيراً أَوْ كَبِيراً منصوبان على الحال من هاء تَكْتُبُوهُ وهي عائدة على الدين. إِذا ما دُعُوا ما: زائدة. أَلَّا تَرْتابُوا أن وصلتها في موضع نصب بأدنى، وتقديره: وأدنى من ألا ترتابوا، فحذف حرف الجر فاتصل به. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً أن وصلتها في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وتجارة: بالنصب خبر تكون الناقصة، واسمها مقدر فيها، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. وعلى قراءة الرفع: تَكُونَ تامة أي تقع. وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ: الكاتب والشهيد إما فاعلان ليضارّ وهو الأحسن، فيكون أصله: يضارر: بكسر الراء. وإما نائب فاعل فيكون أصله: يضارر بفتحها، فأدغمت الراء الأولى في الثانية. وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ حال مقدرة، أو مستأنف. فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ وقرئ «فرهنّ» وكلاهما جمع رهن عند الأكثرين، وهو مبتدأ، وخبره مقدّر، وتقديره: فرهان مقبوضة تكفي من ذلك. اؤْتُمِنَ أصله أؤتمن على وزن افتعل، إلا أنه أبدلت الهمزة الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، فصار: اؤتمن. آثِمٌ قَلْبُهُ فيه ثلاثة أوجه: أن يكون آثم خبر «إن» وقلبه فاعل له، أو أن يكون قَلْبُهُ مبتدأ، وآثِمٌ خبره، والجملة منهما في موضع رفع خبر إن، أو أن يكون آثِمٌ خبر إن، وقَلْبُهُ: بدل من الضمير المرفوع في آثِمٌ، بدل بعض من كل. البلاغة: توجد أنواع من الجناس في قوله تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ واؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ويُعَلِّمُكُمُ وعَلِيمٌ. ويوجد طباق في قوله: صَغِيراً أَوْ كَبِيراً وأَنْ تَضِلَّ وفَتُذَكِّرَ تضل: أي تنسى. وتشتمل الآية على إطناب في قوله: فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ وفي وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ... فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وفي أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى.
المفردات اللغوية:
وتكرار لفظ الجلالة في جمل وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لتربية المهابة في النفس وتعظيم الأمر. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ الجمع بين لفظ الجلالة والوصف بالربوبية: للمبالغة في التحذير. المفردات اللغوية: تَدايَنْتُمْ: داين بعضكم بعضا أي تعاملتم بدين مؤجل بِدَيْنٍ: أي ببيع مؤجل أو سلم أو قرض، والدين: هو المال الذي يثبت في الذمة إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى الأجل: هو الوقت المحدد لانتهاء شيء، والمسمى: الموعد المعلوم أو المحدود بالأيام أو الشهور أو السنين، ويشمل الدين المؤجل: بيع الأعيان إلى أجل، والسلم (السلف) ، والقرض فَاكْتُبُوهُ ندبا استيثاقا للدين ودفعا للنزاع وَلْيَكْتُبْ سند الدين أو كتابه بِالْعَدْلِ بالحق في كتابته، أو بالتسوية بين الجانبين، من غير ميل إلى أحدهما، ولا زيادة أو نقص في المال والأجل. وَلا يَأْبَ أي لا يمتنع كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي على الطريق التي علمه الله إياها من كتابة الوثائق، فلا يبخل بها ولا يقصر في شيء وَلْيُمْلِلِ أي وليلق على الكاتب ما يكتبه، والإملال والإملاء بمعنى واحد الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أي الدين، والمراد به هنا المدين، لأنه المشهود عليه، فيقر بكامل الحق، ليعلم ما عليه. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في إملائه وَلا يَبْخَسْ لا ينقص من الحق شيئا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً مبذرا ضَعِيفاً عن الإملاء لصغر أو كبر بأن كان صبيا أو شيخا هرما أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ بأن كان جاهلا أو أخرس أو نحو ذلك. فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ متولي أمره من والد ووصي وقيّم ومترجم وَاسْتَشْهِدُوا اطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لدينه وعدالته. أَنْ تَضِلَّ لأجل أن تنسى أو تخطئ إحداهما الشهادة لعدم ضبطها وقلة عنايتها فتذكر إحداهما (الذاكرة) الأخرى (الناسية) ، وجملة «تذكر» للتعليل أي لتذكر إن ضلت. وقرئ بكسر إن شرطية، ورفع فعل «تذكر» المستأنف، وهو جواب الشرط، والشرط والجزاء يكونان صفة للنكرة: وَامْرَأَتانِ. دُعُوا إلى تحمل الشهادة وأدائها وَلا تَسْئَمُوا تملوا وتضجروا من أَنْ تَكْتُبُوهُ أي ما شهدتم عليه من الحق، لكثرة وقوع ذلك. إِلى أَجَلِهِ وقت حلول أجله. ذلِكُمْ أي الكتب أَقْسَطُ أعدل وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أعون على إقامتها وأثبت لها، لأنه يذكّرها. وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي أقرب إلى ألا تشكوا في قدر الدين وأجله
المناسبة:
تُدِيرُونَها أي تقبضونها ولا أجل فيها، والمراد تتعاملون بها يدا بيد. وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ نهي عن وقوع الضرر من الجانبين، فلا يضر الكاتب والشاهد صاحب الحق ومن عليه الحق بتحريف أو زيادة أو نقص، أو امتناع من الشهادة أو الكتابة، ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة. وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ خروج عن الطاعة لا حق بكم. وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمره ونهيه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ مصالح أموركم. وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين وتداينتم، وبينت السنة جواز الرهن ووجود الكاتب في الحضر. وذكرت حالة السفر لأن التوثيق فيه أشد فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ تستوثقون بها، ودل قوله: مقبوضة على اشتراط القبض في الرهن، والاكتفاء بقبض المرهون من المرتهن أو وكيله. فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي أمن الدائن المدين على حقه، فلم يرتهن أو لم يكتب الدين فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أي المدين أَمانَتَهُ دينه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في أدائه وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ إذا دعيتم لأدائها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ خص القلب بالذكر لأنه محل الشهادة، ولأنه إذا أثم تبعه غيره، فيعاقب عليه معاقبة الآثمين. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. المناسبة: لما ذكر الله تعالى الإنفاق وجزاءه الطيب، والربا وقباحته وخطره، أعقبه بذكر القرض الحسن بلا فائدة، والتعامل بالدين المؤجل، وطريق توثيقه وحفظه بالكتابة والشهادة والرهن، وطريق تنميته بالتجارة التي تقتضي السرعة، ففي الصدقة والقرض الحسن تراحم وتعاون، وفي الربا قسوة وطغيان، وفي أحكام التعامل بالدين المؤجل والتجارة الحاضرة غاية الحكمة والمصلحة والعدل إذ من يؤمر بالإنفاق والصدقة والقرض، وينهى عن التعامل بالربا لا بد له من تنمية ماله بالتجارة، وحفظ حقه من الضياع. فتكون مناسبة الآية لما قبلها بيان حالة المداينة الواقعة في المعاوضات الجارية بين الناس، ببيع السلع بالدين المؤجل، بطريقة تحفظ الأموال وتصونها عن الضياع، بعد بيان حكم التعامل بالربا ومنعه، أو أن المراد بيان كيفية حفظ المال الحلال، بعد بيان الإنفاق في سبيل الله وتحريم الربا، اللذين يترتب عليهما نقص المال إما حالا أو مآلا.
التفسير والبيان:
وكون هذه الآية أطول آية في القرآن الكريم دليل على أن المال في ذاته ليس مبغوضا عند الله، وعلى أن الإسلام معني باقتصاديات الأمة، وأنه دين ودولة وحياة ونظام مجتمع، وليس دين رهبنة وفقر، وانعزال عن الحياة، فتنظيم التعامل بين الناس، وتبيان طريق حفظ الحقوق، وتعاطي التجارة وتنمية المال، يدل كل ذلك على أن الإسلام دين عمل وجهد وكفاح، وحرص على الكسب والربح من أوجه الحلال، روى أحمد والطبراني من حديث عمرو بن العاص: «نعمّا المال الصالح للمرء الصالح» . وأما البذل في المصالح العامة وتحريم الربا فهو عنوان على تضامن الأمة وتراحمها، ونبذها الظلم والاستغلال والكسب من غير جهد وكدّ وعمل. وأما ذمّ الدنيا أو المال في بعض الآيات والأحاديث: فإنما هو عند نسيان جانب الآخرة، واستعباد المال صاحبه، فيبخل في إنفاقه، ولا يبالي في جمعه من طريق حلال أو حرام، قال تعالى: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن 64/ 15] وقال سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ، فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد 57/ 20] . وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم» . التفسير والبيان: يا من اتصفتم بالإيمان إذ تعاملتم بالدّين المؤجل في الذمة بيعا أو سلما أو قرضا، كبيع شيء بثمن مؤجل، أو بيع سلعة مؤجلة إلى أجل مسمى مع بيان الجنس والنوع والقدر، بثمن معجل وهو المسمى بالسلم أو السلف، وقرض مبلغ من المال، إذا تعاملتم ببدل مؤجل، فاكتبوا ما يدل على هذا التعامل، مع بيان الأجل بالأيام أو بالأشهر أو بالسنين، أي بكونه معلوما، لا بالتأجيل إلى
الحصاد والدياس مما لا يرفع الجهالة في رأي الجمهور لأن الكتابة أوثق في ضبط المتفق عليه، وأرفع للنزاع. ثم بيّن الله كيفية الكتابة وعين من يتولاها: بأن يكتب كاتب مأمون عادل محايد، فقيه متدين يقظ: الحقّ دون ميل لأحد الجانبين، مع وضوح المعاني، وتجنب الألفاظ المحتملة للمعاني الكثيرة، فهو كالقاضي بين الدائن والمدين. وهذا يدل على اشتراط العدالة في الكاتب. ثم أوصى الكاتب ونهاه عن الإباء: فلا يمتنع أحد من الكتاب عن كتابة وثيقة الدين، ما دام يمكنه ذلك، على الطريقة التي علمه الله في كتابة الوثائق، أو كالتي علمه الله، فالكاف صفة لموصوف محذوف، فلا يزيد ولا ينقص ولا يضر أحدا، والكتابة نعمة من الله عليه، فمن شكرها ألا يمتنع عنها، وإن كانت بأجر، وهذا يدل على اشتراط كون الكاتب عالما بالأحكام الشرعية والشروط المرعية عرفا ونظاما. وقدّم اشتراط العدالة على العلم لأنها أهم من العلم. فالعادل يمكنه تعلم ما تتطلبه كتابة الوثائق، وأما العالم غير العادل فلا يهديه علمه للعدالة، وإنما يفسد ولا يصلح. ودل قوله: وَلا يَأْبَ على أن العالم العادل إذا دعي للقيام بالكتابة ونحوها، وجب عليه تلبية الدعوة، ثم أكد الله تعالى النهي عن الإباء بالأمر بالكتابة بالحق، لكون الوثيقة متعلقة بحفظ الحقوق. ثم أرشد الله تعالى إلى أن الذي يتولى إملاء البيانات على الكاتب إنما هو المدين، فإنه المكلف بأداء مضمون الكتابة، ليكون بيانه وإملاؤه حجة عليه، ثم أوصاه تعالى بأمرين: هما تقوى الله في الإملاء، بأن يذكر ما عليه كاملا، وألا ينقص من الحق الذي عليه شيئا. ويلاحظ أن الكاتب أمر بالعدل فلا يزيد ولا ينقص، والمدين نهي عن
مقبول الشهادة ومرفوضها:
النقص فقط لأن هذا هو المنتظر منه أو المتصور منه دون سواه. ثم أوضح تعالى أحوال ناقصي الأهلية، فإن كان المدين (الذي عليه الحق) سفيها أي مبذرا في ماله ناقص العقل والتدبير، أو ضعيفا بأن كان صبيا أو مجنونا أو جاهلا أو هرما لم تساعده قواه العقلية على ضبط الأمور، أو عاجزا عن الإملاء لكونه جاهلا أو ألكن أو أخرس أو معتقل اللسان، أو أعمى، فعلى وليه الذي يتولى أموره من قيّم أو وكيل أو مترجم أن يملي الحق على الكاتب بالعدل والإنصاف، بلا زيادة ولا نقص. ثم جاء دور الإثبات، فأرشد تعالى على سبيل الندب لضبط الوقائع وحفظ الأموال إلى الشهادة على المداينة، ونصاب الشهادة: رجلان أو رجل وامرأتان. وقوله: مِنْ رِجالِكُمْ دليل على اشتراط الإسلام والحرية في الشهود لأن الكلام وارد في معاملاتهم. وأما العدالة في الشهود فاشترطوها بقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق 65/ 2] . مقبول الشهادة ومرفوضها: يرى أبو يوسف أن من سلم من الفواحش التي يجب فيها الحدود، وما يجب فيها من العظائم، وأدّى الفرائض، وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار، قبلت شهادته لأنه لا يسلم عبد من ذنب، ولا تقبل شهادة من ذنوبه أكثر من أخلاق البر، ولا من يلعب الشطرنج يقامر عليها، ولا من يلعب بالحمام ويطيرها، ولا تارك الصلوات الخمس في جماعة استخفافا أو فسقا، لا أن تركها على تأويل، وكان عدلا، ومن يكثر الحلف بالكذب، ولا مداوم على ترك ركعتي الفجر، ولا معروف بالكذب الفاحش، ولا مظهر شتيمة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا شتام الناس والجيران، ولا من اتهمه الناس بالفسق والفجور، ولا متهم بسب الصحابة حتى يقولوا: سمعناه يشتم.
وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: تقبل شهادة أهل الأهواء العدول إلا صنفا من الرافضة وهم الخطابية. وقال محمد: لا أقبل شهادة الخوارج، وأقبل شهادة الحرورية لأنهم لا يستحلون أموالنا، فإذا خرجوا استحلوا «1» . واشتراط إسلام الشهود هو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض لأنه عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى. وقال ابن القيم في (أعلام الموقعين والطرق الحكمية) : البينة في الشرع أعم من الشهادة، فكل ما يتبين به الحق كالقرائن القطعية يسمى بيّنة، فلا مانع أن تدخل شهادة غير المسلم في البينة بذلك المعنى، إذا تبين للحاكم الحق بها. وقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ مؤكد لاشتراط الإسلام والعدالة لأن المعنى: ممن ترضون دينهم وعدالتهم من الشهداء، أو من النساء وجيء بهذا الوصف لضعف شهادة النساء وقلة ثقة الناس بها، والخطاب يعم جميع الناس، حكاما وغيرهم، ولا بد في رأي الجمهور من ثبوت العدالة للشهود بالتزكية. وقال أبو حنيفة: لا حاجة للتزكية، فكل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل، وإن كان مجهول الحال. وذكر الله تعالى السبب في جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل، أي اعتبار العدد في شهادة النساء: وهو التذكير صونا لحكم الشهادة لعدم ضبط المرأة وقلة عنايتها ونسيانها، فتذكر كل منهما الأخرى. وبما أن العلة في الحقيقة هي التذكير، وكان الشأن في النساء النسيان، نزّل النسيان منزلة العلة، أي نزل السبب منزلة المسبب. فقد جرت العادة أن المرأة لا تهتم كثيرا بالمعاملات المالية
ونحوها من المعاوضات، فتكون معلوماتها محدودة، وخبرتها قليلة، واهتمامها بالوقائع المالية ضعيفا، وأما اشتغال النساء في هذا العصر بالمسائل المالية فلا يغير الحكم لأن الأحكام إنما للأعم الأغلب، وبالرغم من إسناد الوظائف المالية للمرأة، فإنها لا تأبه بغير العمل الذي وكّلت به وفوض إليها، فلا تلتفت لما يجري بين الآخرين من منازعات على قضايا مالية، ويظل اهتمامها بالنواحي المالية أو العامة بالرغم من توظفها محصورا بشؤون منزلها أثاثا وترفها ونظافة، وتوفير مواد تموينية، وإعداد طعام وشراب لأسرتها، وتربية أولاد، فكان تذكرها للمعاملات- فيما عدا مشترياتها الخاصة- قليلا. والخلاصة: أن الحكم للأغلب، ولا عبرة بالنادر، والشرع ينظر للمجموع. ثم نبّه القرآن إلى قضية مهمة، فشا بين الناس في عصرنا بل وفي الماضي نقيضها، وهي الإدلاء بالشهادة، فأوصى تعالى الشهود، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة أو التقاعس في أدائها وتحملها، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة، فلا يجوز للشهود الامتناع عن تحمّل الشهادة (أي استيعاب وقائع القضية المشهود عليها) وأدائها أمام القاضي، كقوله تعالى بعدئذ: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة 2/ 283] إذ بالشهادة تثبت الحقوق ويمنع الجور والظلم والتسلط على الضعفاء. ودلت الآية أيضا على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم. روى الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير، فيدعوهم إلى الشهادة، فلا يتبعه أحد منهم. ثم عاد إلى أمر الكتابة، فأكد طلبها في عقود المداينات، فنهى عن الملل أو الضجر من كتابة الدين، فلا ينبغي التكاسل أو التقصير أو الاستحياء في كتابة الدين، مهما قلّ، وسواء أكان صغيرا أم كبيرا تطلب كتابته، قطعا للنزاع والشقاق، وحفظا لأصل الحق.
وهذا دليل على اعتبار الكتابة في أدلة الإثبات، وعلى أنها مطلوبة في القليل والكثير إلى أجل الحق، أي وقت وفائه الذي أقر به المدين. ثم بيّن الله تعالى الحكمة من الأوامر والنواهي المتقدمة، وهو أن ذلك البيان الذي أمر به القرآن من الكتابة والإشهاد أعدل في إصابة حكم الله تعالى لأنه يكون إلى الصدق أقرب وعن الكذب أبعد، وهو أيضا أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين، وأعون على أداء الشهادة على وجهها الصحيح، وأقرب إلى إزالة الشكوك في تعيين جنس الدين ونوعه وقدره وأجله، فهذه مزايا ثلاث تؤكد العمل بكتابة الدين. وهذا يدل على أن للشاهد طلب وثيقة الدين المكتوب ليتذكر وضعه. ثم خفف القرآن من قيد المطالبة بالكتابة أخذا بما تقتضيه ظروف التجارة من حرية وحركة وسرعة، فأبان أن الكتابة مطلوبة إلا إذا تمت مبادلة العوضين في التجارة وقبضهما في الحال، فلا داعي للكتابة، ولا حرج ولا إثم في تركها حينئذ، إذ لا يترتب عليها شيء من التنازع والتخاصم، وهذا يدل على أن الإسلام متمش مع الواقع، متجاوب مع ما تقتضيه المعاملات من تطور وسرعة ورعاية مصلحة. وإذ لا بأس من عدم الكتابة في التجارة الحاضرة أو التعامل يدا بيد، فيطلب الإشهاد على التبايع لأن اليد الظاهرة التي تحوز الشيء قد لا تكون محقة، فيحدث النزاع والخلاف، فكان الإشهاد أحوط، ويكفي. أما المعاملات والديون المؤجلة والسّلم فتجب كتابتها لأن مرور الزمان قد ينسي بعضها، فيقع التنازع. والمبدأ الواجب اتباعه في علاقة الكاتب والشاهد بالمتعاملين هو عدم المضارّة، فلا يجوز لهما إلحاق ضرر بأحد المتعاملين أو كليهما بزيادة أو نقص أو
تحريف أو ترك الإجابة بالاستفسار عن بعض ظروف الواقعة، أو عما يطلب منهما من توضيح بعض الأمور الغامضة، كما لا يجوز أيضا للمتعاملين إلحاق الضرر أو الأذى بالكاتب أو الشاهد، كتحريف وتغيير بعض الوقائع، أو إهمال الإشارة إلى كلمة أو قيد مثلا، أو محاولة المنع من أداء الشهادة بالترهيب أو الترغيب برشوة أو وعد بمال لأن الإسلام دين الحق والعدل، والله تعالى يأمر بإقامة الحق والعدل كاملا غير منقوص. ويؤيد ذلك الآية التالية: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي أن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة فسق وإثم، أو إن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار، فإن فعلكم هذا فسوق بكم، وخروج عن الطاعة ملتبس بكم. ومنع المضارّة مستفاد من تحليل أصل يُضَارَّ: فإن كان أصله «يضارر» بكسر الراء الأولى، ثم وقع الإدغام، وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة، فالمعنى: لا يضر الكاتب ولا الشهيد غيره بترك الإجابة، أو التغيير، والتحريف في الكتابة والشهادة. وإن كان أصله «يضارر» بفتح الراء الأولى، وكذا قرأ ابن مسعود، فالمعنى لا يجوز لطالب الحق أو المطالب به أن يضرّ الكاتب والشهيد، بأن يقهر هما على الانحراف في الكتابة والشهادة. ثم ذكّر تعالى بالقاعدة العتيدة العامة إثر الأمر والنهي وهي التزام التقوى بامتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، والمعنى: فاتقوا الله في جميع ما أمركم به وما نهاكم عنه، ومن جملة ذلك: ما حذركم منه من الضرار، وهو سبحانه يعلمكم ما فيه صلاح دنياكم وحفظ أموالكم، كما يعلمكم ما يصلح أمر الدين، وهو العليم بكل شيء، لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن، فإذا شرع شيئا فإنما يشرعه عن علم دقيق شامل بما يدرأ المفاسد ويجلب المصالح، وشرعه كله حكمة وعدل. وختم الآية بهذه الموعظة الحسنة للتذكير بامتثال جميع الأحكام السابقة.
وتكرار لفظ الجلالة في الجمل الثلاث: وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لتربية المهابة في نفس السامع، ولتقرير استقلال كل منها بحكم معين. ثم انتقل البيان إلى تشريع حكم يتناسب مع السفر، وهو الرهان التي يستوثق بها في الحصول على الدين، فإن إثبات المبايعات المؤجلة بالكتابة والإشهاد عليها أمر ممكن في الحضر، أما في السفر فالغالب عدم التمكن من ذلك، فشرع تعالى ما يناسبه وهو الرهن، ودلت السنة على جوازه في الحضر، فقد أخرج النسائي عن ابن عباس، والشيخان عن عائشة: «أنه عليه الصلاة والسلام رهن درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله» . ومعنى آية الرهان: إن كنتم مسافرين، ولم تجدوا كاتبا يحسن كتابة المداينة، أو لم تسمح ظروف السفر بالجلوس والكتابة، أو لم تجدوا أدوات الكتابة، فاستوثقوا برهن تقبضونه. وتقييد الرهان في الآية بوصف السفر، وعدم وجود الكاتب: بيان للعذر الذي رخص في ترك الكتابة، ووضع الرهن وثيقة للدين محلها. وإنما نص على السفر دون الأعذار الأخرى لأنه هو غالب الأعذار، لا سيما في وقت نزول القرآن، لكثرة المعارك والحروب. ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، مثل ظرف الليل، وزحمة الأشغال والأعمال، وتهديد حالة الغريم (المدين) بالإفلاس. وأشارت الآية إلى أن عدم وجود الكاتب مقيد بحال السفر، لا في حال الإقامة والحضر. لكن وصف الرهان بكونها مقبوضة: يدل على أنه ما لم يقبض المرهون لا يظهر وجه للتوثق به. واشتراط القبض يستلزم عند الحنفية أن يكون المرهون معينا مفرزا، فلا يجوز لديهم رهن المشاع سواء فيما يقسم وفيما لا يقسم لتعذر
القبض، وأجاز الجمهور رهن المشاع مثل بيعه وهبته، ويسلّم للمرتهن كل الشيء المشترك، ويتم التناوب عليه بطريق المهايأة. ثم عادت الآية إلى تقرير احتمال وجود الثقة والائتمان بين المتعاملين، فصرحت بأنه إن أمن بعض الدائنين بعض المدنيين، لحسن ظنه به، وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره، وهذا هو البيع بالأمانة، فليؤد المدين الذي اؤتمن أمانته أي دينه الذي ائتمنه الدائن عليه، فلم يأخذ منه رهنا، وليكن عند حسن ظن الدائن به، وليتق الله ربه في رعاية حقوق الأمانة، وعدم خيانتها ولا جحودها ولا التأخر في دفعها، فالله خير الشاهدين، وهو أولى أن يتّقى. وسمي الدين أمانة لائتمان المدين عليه بترك الارتهان عليه. وجمع في قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ بين الألوهية وصفة الربوبية للمبالغة في التحذير من الخيانة التي تغضب الإله المعبود بحق، وربه الذي يربيه ويلي شؤونه ويدبر مصالحه. ثم أكد سبحانه النهي السابق عن الإباء عن أداء الشهادة وتحملها، فنهى عن كتمانها أي إخفائها بالامتناع عن أدائها، مجددا النهي فيما يليق ببيع الأمانة، مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد، وتهدده بعقوبة كتمان الشهادة واستحقاق الإثم، والآثم والفاسق متقاربان، فقال بالمعنى: لا تمتنعوا عن أداء الشهادة إذا احتيج إليها، ومن يكتمها أو يمتنع عنها كان مرتكبا للذنب، مجترحا للمعصية والإثم، وخص القلب بالذكر في تحمل الإثم لأنه مركز الإحساس والشعور ووعي الوقائع وإدراكها، ولأنه أحد الأعضاء التي تقترف ذنبا، كما يسند الزنى إلى العين والأذن ونحوهما، فالإثم قد يكون بعمل القلب كما يكون بعمل بقية الأعضاء، كقوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [الإسراء 17/ 36] ومن آثام القلب: إضمار السوء وسوء النية والقصد، والحقد والحسد.
فقه الحياة أو الأحكام:
وكل ما سبق من أعمال كأداء الشهادة وكتمها وغيرها يعلمه الله، والله بكل شيء عليم وبصير، يجازي عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فاحذروا مخالفة الأوامر واقتراف المعاصي، ومنها كتمان الشهادة، واعلموا بما أمركم به، فإن علم الله عام في جميع الأعمال. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع آية الدين في توثيق المبايعات المؤجلة والديون والسّلم «1» بالكتابة والشهادة والرهن، فإن لم يكن توثيق برهن أو بكتابة جاز البيع بالأمانة، فالمبايعات في هذه الآية ثلاثة أنواع: بيع بكتابة وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة. قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السّلم خاصة، معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال ابن خويز منداد: إنها تضمنت ثلاثين حكما، منها ما يلي: 1- استدل بها بعض علماء المالكية على جواز التأجيل في القروض، على ما قال مالك إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في ذلك الشافعية وقالوا: الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. 2- مشروعية تأجيل الديون، لقوله تعالى: بِدَيْنٍ: وحقيقة الدين: عبارة عن كل معاملة، كان أحد العوضين فيها نقدا، والآخر في الذمة
نسيئة فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والذين: ما كان غائبا. وتشمل الآية كلا من بيع العين بالدين كبيع كتاب حاضر بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين: وهو السلم. أما بيع العين بالعين كبيع سلعة حاضرة بنقد حاضر فهو جائز، وأما بيع الدين بالدين كبيع صاع من القمح في ذمة إنسان، بصاعين من الشعير في ذمة إنسان آخر، فهو باطل للنهي عنه. 3- دل قوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز، وأكدت السنة ذلك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» «1» . وأجمع أهل العلم على مشروعية السلم: وهو أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامّة لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع ثمن ما أسلم منه قبل أن يفترق العاقدان من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسمّيا المكان الذي يقبض فيه الطعام. والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، وهو مستثنى من نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السلم، لحاجة الناس إليه، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج أو بيع المفاليس. وأجاز المالكية السّلم إلى الحصاد والجذاذ، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم. وأجازوا أيضا تأخير قبض رأس المال (الثمن) يومين أو ثلاثة، بشرط وبغير شرط، لأن ذلك في حكم المقبوض في المجلس، لقرب هذه المدة. ولم يجز باقي الأئمة تأخير شيء من رأس مال السّلم عن مجلس العقد والاتفاق ورأوا أنه كالصرف، وتحرزا من بيع الدّين بالدّين.
وأجاز الشافعي السلم الحالّ، ولم يجزه باقي الأئمة، للحديث المتقدم: «إلى أجل معلوم» . 4- ودل قوله: فَاكْتُبُوهُ أي الدّين والأجل على مشروعية الاحتجاج بالكتابة. ويقال: أمر بالكتابة، ولكن المراد الكتابة والإشهاد لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. وهل كتابة الكاتب فرض أو ندب؟ قيل: إنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين على الكاتب متى طلب منه، وكان في حال فراغه لقوله تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وقوله: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ وقيل: إنه ندب، والصحيح أنه أمر إرشاد، فيجوز له أن يتخلف عن الكتابة، حتى يأخذ أجره إذ لو كانت الكتابة واجبة على الكاتب ما صح الاستئجار بها لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة. 5- هل الكتابة والإشهاد واجبان؟ ذهب جماعة إلى أن الكتابة والشهادة على الديون المؤجلة واجبان، بقوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ وقوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ثم نسخ الوجوب بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ. واختار الطبري أن كتب الديون واجب على أربابها بهذه الآية، بيعا كان أو قرضا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود. وقال الجمهور: الأمر بالكتابة والإشهاد للندب، وهما مندوبان، لحفظ ما يقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل لأن النسيان يقع كثيرا في المدة التي بين العقد وحلول الأجل، وقد تطرأ عوارض من موت أو غيره، فشرع الله الكتابة والإشهاد لحفظ المال وضبط الواقع، ولم ينقل عن الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار أنهم كانوا يتشددون فيهما، بل كانت تقع المداينات والمبايعات بينهم من غير كتابة ولا إشهاد، ولم يقع نكير منهم، فدل ذلك على أن الأمر للندب.
وقرينة صرف ظاهر الأمر من الوجوب إلى الندب منصوص عليها في الآية ذاتها، وهو قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ. 6- التزام العدل: طالبت الآية بالتزام العدل في الكتابة، وفي الإملاء، وفي إملاء الولي عن السفيه والضعيف، وهذا واضح من قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وقوله: كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ وقوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وقوله: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ. وهل يحجر على السفيه؟ أجاز الجمهور الحجر على السفيه المبذر من قبل القاضي حتى لا يصبح عالة على الناس، وقال أبو حنيفة: يمنع السفيه من ماله ما لم يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ماله، وإن لم يؤنس منه رشد لأن الحجر عليه إهدار لآدميته. 7- نصاب الشهادة: رجلان أو رجل وامرأتان. وتجوز شهادة النساء مع الرجال عند المالكية في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص، والنكاح والطلاق والرجعة. وتجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة. واتفق الفقهاء على رد الشهادة بسبب التهمة: وهي التي تجلب للمشهود له نفعا أو تدفع عنه ضررا، وترد شهادة أحد الزوجين للآخر في رأي الجمهور، ولا ترد في رأي الشافعية وإنما تقبل لأن عقد الزوجية أمر طارئ ويزول. وقال أبو حنيفة: إن شهادة الأجير غير جائزة لمستأجره في شيء، وإن كان عدلا استحسانا. ولا يجوز في رأي الحنفية القضاء بشاهد ويمين المدعي لأن الله لم يذكر في الآية إلا قسمين وهما: شهادة رجلين، وشهادة رجل وامرأتين، فلا ثالث لهما. وأجاز الجمهور القضاء بشاهد ويمين في الأموال لا في الأبدان، لا باعتباره قسما ثالثا للشهادة، وإنما هو باعتبار اليمين مع الشاهد ترجيحا لجانب المدعي، بدليل ما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أنه قضى بشاهد ويمين» «1» . وأما عدم ذكر ذلك في
القرآن، فلا يمنع مشروعيته والعمل به، بدليل جواز القضاء بالنكول عند الحنفية، وهو قسم ثالث لم يذكره القرآن. 8- ودل قوله تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا على منع الإباء عن تحمل الشهادة وأدائها وإثباتها عند اللزوم أمام القاضي، وأن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم. وهذا في حال طلب الشهادة، فأما في غير حال طلبها من القاضي فأداؤها مندوب، فقد فرض الله الأداء عند الدعاء (الطلب) ، فإذا لم يدع الشاهد، كان أداء الشهادة ندبا لقوله عليه الصلاة والسلام: «خير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» «1» . ورأى المالكية في الصحيح أن أداء الشهادة فرض، وإن لم يسألها، إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته، حتى لا يضيع الحق، سواء في حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين، لقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ [الطلاق 65/ 2] وقوله: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف 43/ 86] وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقد تعين عليه نصره إذا كان مظلوما بأداء الشهادة التي له عنده، إحياء لحقه الذي أماته الإنكار. وذهب الحنفية إلى أن أداء الشهادة في حقوق الله تعالى قبل سؤالها مطلوب، أما في حقوق العباد فلا يشهد الشاهد قبل أن يستشهد، لما أخرجه الصحيحان عن عمران بن حصين: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن» وأوّله المالكية وحملوه على شاهد الزور فإنه يشهد بما لم يستشهد، أي بما لم يتحمّله ولا حمّله، أو على الذي يحمله الشّرة على تنفيذ ما يشهد به، فيبادر بالشهادة قبل أن يسألها، فهي شهادة مردودة، أو على الغلمان. واتفق الجميع على أن أداء الشهادة فرض كفاية،
فإذا أداها اثنان واجتزأ بهما الحاكم، سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يجتزئ بهما تعينت الشهادة على الآخر. 9- الكتابة مندوبة في المبايعات والديون المؤجلة، سواء أكان المؤجل صغيرا أم كبيرا. ولا تطلب الكتابة في التجارة الحاضرة التي يتم فيها التبادل في الحال، ويحدث التقابض في البدلين عقب العقد، إذ يقلّ في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة. قال الشافعي: البيوع ثلاثة: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان، وبيع بأمانة، وقرأ هذه الآية. وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب. 10- ودل قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ على طلب الإشهاد على صغير ذلك وكبيره، وهل الإشهاد على البيع على الوجوب أو الندب؟ قال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وجماعة من التابعين: هو على الوجوب، أخذا بظاهر الأمر في هذه الآية، ورجحه الطبري. وذهب الشعبي والحسن البصري إلى أن ذلك على الندب والإرشاد، لا على الحتم والإيجاب. وهذا قول مالك والشافعي وأهل الرأي، وزعم ابن العربي أن هذا قول الكافّة، قال: وهو الصحيح، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك. روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له: إن آية الدّين منسوخة قال: لا والله، إن آية الدّين محكمة ليس فيها نسخ، قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا، منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير
نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه. 11- أداء الشهادة، وكتابة الكاتب يكونان بالحق والعدل، فلا يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها، فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو النقصان، وذلك من الكذب المؤذي في الأموال والأبدان، وفيه إبطال الحق، وكذلك إذايتهما من الخصوم معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة لأمر الله بقول الحق، فلا يجوز إلحاق الضرر بهما، ولا إضرارهما المشهود له أو عليه إذ لا مضارّة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وإن تفعلوا المضارة، فإنه فسوق (أي معصية) حالّ بكم. 12- وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علّمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه. أما قوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو إشارة إلى إحاطته تعالى بالمعلومات، فلا يشذ عنه منها شيء، وفيها إشعار بالمجازاة للفاسق والمتقي. 13- دلت آية فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ على مشروعية الرهن في السفر إذا لم يتوافر الإشهاد وكتابة الدين. وجاءت السنة مبينة جواز الرهن في الحضر، كما بيّنا. والرهن: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحقّ من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ولا يظهر وجه للتوثق بالمرهون من غير قبضه، وقد اتفق الفقهاء على أن القبض شرط في الرهن، واختلفوا في نوع الشرط، فقال الجمهور: القبض شرط لزوم للرهن، فلا يلزم إلا بالقبض، وما لم يلزم للراهن أن يرجع عنه لأن مشروعية الرهن للتوثق، ولا توثق إلا بالقبض. وقال المالكية: القبض شرط تمام الرهن، أي لكمال فائدته، وليس شرط صحة أو لزوم، فإذا انعقد الرهن لزم
بمجرد العقد، ويجبر الراهن على الإقباض، ومتى قبض تم وكمل، قياسا على سائر العقود، فإنها تلزم بمجرد العقد. والمعتمد لدى المالكية أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن، بطل الرهن. وهو قول أبي حنيفة أيضا، للآية: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ. فإذا خرج عن يد القابض، لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة، فلا يصدق عليه حكما. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا، لا يبطل حكم القبض المتقدم. ويصح قبض المرتهن أو وكيله، وقال الجمهور: يصح أيضا قبض عدل (طرف ثالث محايد غير العاقدين) يوضع الرهن في يديه لأنه إذا صار عند العدل، صار مقبوضا لغة وحقيقة لأن العدل نائب عن صاحب الحق، وبمنزلة الوكيل. والعدل أمين غير ضامن، فلو ضاع المرهون منه دون تهاون ولا تقصير، لم يضمنه. ويجوز رهن المشاع عند الجمهور، خلافا للحنفية، كما بينا. ويجوز لدى المالكية خلافا للجمهور رهن ما في الذمة لأنه مقبوض، ومثاله: رجلان تعاملا، ولأحدهما على الآخر دين، فرهنه دينه الذي عليه. قالوا: وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه، فيجوز رهن ما في الذمة لأن بيعه جائز، ولأنه مال تقع الوثيقة به، فجاز أن يكون رهنا، قياسا على سلعة موجودة. وقال الجمهور: لا يجوز رهن الدين في الذمة لأنه لا يتحقق إقباضه، والقبض شرط في لزوم الرهن لأنه لا بد أن يستوفي الحق منه عند حلول أجل وفاء الدين المرهون به، ويكون الاستيفاء من مالية المرهون، لا من عينه، ولا يتصور ذلك في الدّين.
انطباعات عامة مستفادة من آية الدين:
ولا يجوز غلق الرهن «1» : وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه، إن لم يأته به عند أجله، وكان هذا من فعل الجاهلية، فأبطله النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله فيما رواه الشافعي والدارقطني وغيرهما عن أبي هريرة: «لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه، وعليه غرمه» . قال الجمهور: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة، فإذا آجر المرتهن المرهون بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن، فقد خرج من الرهن ولا يعود. وأجاز الحنابلة انتفاع المرتهن بالرهن مقابل نفقته إذا كان المرهون مركوبا أو محلوبا، لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدرّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» . انطباعات عامة مستفادة من آية الدين: 1- إن الذي أمر الله تعالى به في آية الدين من الشهادة والكتابة «2» : قصد به الحفاظ على ووشائج الود والصلة والمحبة وصلاح ذات البين بين الناس، ومنع وقوع التنازع المؤدي إلى فساد علاقات الناس، وسدّ كل المنافذ أمام الشيطان الذي قد يسول للمدين جحود الحق، وتجاوز ما حدّ له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق. ومن أجل هذه الغايات السامية، حرّم الشرع البيوع المجهولة التي تؤدي إلى
الاختلاف والتنازع وفساد العلاقات وإيقاع التضاغن والتباين. وبناء عليه أيضا حرم الله الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [المائدة 5/ 91] فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره، حاز صلاح الدين والدنيا، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [النساء 4/ 66] . 2- لا ينبغي للإنسان استدانة دين إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحّة لأنه كما روي عنه صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الديلمي في الفردوس عن عائشة، وهو ضعيف: «الدّين همّ بالليل، ومذلّة بالنهار» . لما فيه من شغل القلب والبال والهمّ اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمّل منّته بالتأخير إلى حين أوانه. وقد يقع المدين في عجز مستحكم فلا يستطيع وفاء دينه، لذا تعوّذ منه النبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما يرويه البخاري عن أنس- فقال: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل، وضلع الدّين، وغلبة الرجال» قال العلماء: ضلع الدين: هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه. وإذا حسنت نية المدين أعانه الله على إيفاء الدين، روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله» . 3- لما أمر الله تعالى بكتابة الدين والإشهاد وأخذ الرهان، كان ذلك نصا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم، ثم إذا احتاج أحدهم أو افتقر عياله، فهو إما أن يتعرض لمنن الإخوان أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهي عنه.
لله ملك السموات والأرض وإحاطة علمه بكل شيء ومحاسبة العباد على أفعالهم ونواياهم [سورة البقرة (2) آية 284] :
لله ملك السموات والأرض وإحاطة علمه بكل شيء ومحاسبة العباد على أفعالهم ونواياهم [سورة البقرة (2) : آية 284] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) الإعراب: فَيَغْفِرُ ومثله وَيُعَذِّبُ: يجوز فيه الرفع والجزم والنصب، فالرفع على الاستئناف وتقديره: فهو يغفر، والجزم بالعطف على يُحاسِبْكُمْ، والنصب ضعيف، على تقدير (أن) بعد الفاء، والفعل وما بعده في تأويل المصدر لعطف مصدر على مصدر حملا على المعنى دون اللفظ، كأنه قال: إن يكن إبداء أو إخفاء منكم، فمحاسبة، فغفران منّا. البلاغة: يوجد طباق بين: وَإِنْ تُبْدُوا.. أَوْ تُخْفُوهُ وبين فَيَغْفِرُ.. وَيُعَذِّبُ. المفردات اللغوية: تُبْدُوا.. تظهروا ما في أنفسكم من السوء والعزم عليه أَوْ تُخْفُوهُ تسرّوه يُحاسِبْكُمْ.. يخبركم به الله يوم القيامة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ يستر من أراد المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ يعاقب من أراد تعذيبه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عظيم القدرة على أي شيء، ومنه محاسبتكم وجزاؤكم، قال أبو حيان: لما ذكر المغفرة والتعذيب لمن يشاء، عقب ذلك بذكر القدرة إذ ما ذكر جزء من متعلّقات القدرة. المناسبة: هذه الآية متممة لآخر كل من الآيتين السابقتين وهما: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
التفسير والبيان:
عَلِيمٌ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ودليل على إحاطة علم الله بالأشياء لأن من ملك شيئا وخلقه، فلا بد من أن يعلمه، كقوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك 67/ 14] ، وكذلك من ملك شيئا فله حسابه على أفعاله وما يخفيه صدره، ومنها كتمان الشهادة، وصاحب السلطة المطلقة في شيء وهو الحساب، له الإرادة المطلقة في العفو عمن شاء ممن أخطأ، وعقاب من شاء، وذلك كله مقترن بالقدرة المطلقة على كل شيء. وللآية أمثال كثيرة في القرآن الكريم نحو: قُلْ: إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران 3/ 29] ونحو: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [طه 20/ 7] يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر 40/ 19] . التفسير والبيان: يخبر الله تعالى في هذه الآية أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر والسرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال ابن كثير فلله ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعلما، وهو العليم بكل شيء، فإن تظهروا ما في قلوبكم من السوء والعزم عليه، أو تكتموه عن الناس وتخفوه، فالله يحاسبكم عليه ويجازكم به، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهو يغفر بفضله لمن يشاء من عباده، ويعاقب من يشاء عقابه، ومما يكون عونا على المغفرة توفيق الله عبده إلى التوبة والعمل الصالح، كما قال تعالى: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ
فقه الحياة أو الأحكام:
آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر 40/ 7- 9] . والحساب من الله لعباده: أن يطلعهم على جميع أعمالهم، ثم يسألهم: لم فعلوها؟. فقه الحياة أو الأحكام: تتضمن الآية إنذارا وتخويفا شديدا من الحساب الإلهي، لكون الإنسان مملوكا لله، والله مطلع على كل أفعاله، محاسب له على جليل الأعمال وحقيرها، مما أدى إلى إيقاع الرهبة في النفوس والإشفاق عليها من شدة العذاب، وتفويض أمره مطلقا إلى الله وحده أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم جثوا على الرّكب، فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير؟» . فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.. الآية. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها الآية. وظاهر قوله: «نسخها الله» يدل على نسخ هذه الآية بالآية التي بعدها وهي: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ.. وقد فهم بعض المفسرين «1» من ذلك أن هذه الآية
منسوخة لأنها تثبت الحساب على الوساوس وخواطر النفوس. والراجح أن الآية غير منسوخة، وأن المراد من قوله: «نسخها الله» : أزال ما أخافهم، وأن آية: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ليست ناسخة، ولكنها موضحة، أيدها الحديث الذي رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلّم أو تعمل» ، وقد قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد: إن الآية محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى الله عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. ويدل على منع القول بالنسخ الأدلة التالية: 1- إن قوله تعالى: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ خبر، والأخبار لا تنسخ عند جمهور الأصوليين. 2- إن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والإجماع والقياس على ثبوته والجزاء عليه، ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر، كقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة 2/ 225] وقوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [الإسراء 17/ 36] . 3- إن الوساوس العارضة وحديث النفس الذي لا يصل إلى درجة القصد الثابت والعزم الراسخ لا يدخل في مفهوم الآية، كما قال المحققون. 4- إن تكليف ما ليس في الوسع ينافي الحكمة الإلهية. 5- لا يظهر معنى للنسخ وهو تغيير الحكم لتغير مصلحة المكلفين لأن ما في النفس لا يتغير ولا يختلف باختلاف الأزمنة والأحوال.
الإيمان برسالات الرسل والتكليف بالطاقة [سورة البقرة (2) الآيات 285 إلى 286] :
وأما قول الصحابة والتابعين بالنسخ فهو مما يتفق مع علو مرتبة هؤلاء وكمالهم، حتى إنهم ليجدون أن وسوسة النفس مما تخضع للحساب، وهم يريدون التطهر من كل آثار الإثم، لذا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فتحرجهم من باب كمال التزكية وتمام الطهاوة واعتقاد النقص في أنفسهم. الإيمان برسالات الرسل والتكليف بالطاقة [سورة البقرة (2) : الآيات 285 الى 286] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) الإعراب: وَالْمُؤْمِنُونَ إما معطوف على الرَّسُولُ فكأنه قال: آمن الرسول والمؤمنون. وإما مبتدأ، وكُلٌّ: مبتدأ ثان، وآمَنَ بِاللَّهِ: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر المبتدأ الأول. والعائد من الجملة إليه محذوف، وتقديره: كلهم آمن بالله. وقال: آمَنَ: بالإفراد، ولم يقل: آمنوا بالجمع، حملا على لفظ كل. وأضيف بَيْنَ إلى أَحَدٍ لأن المراد به هاهنا الكثرة لأن «أحدا» في سياق النفي يدل على الكثرة، كقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ.. ثم قال: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما [البقرة 2/ 102] . إذ لا تجوز إضافة بَيْنَ إلى الواحد.
البلاغة:
غُفْرانَكَ منصوب على المصدر بفعل مقدر تقديره: اغفر لنا غفرانك، أو نسألك غفرانك، وحذف للعلم به لوجود الدلالة عليه. البلاغة: يوجد طباق بين كَسَبَتْ في الخير واكْتَسَبَتْ في الشر. ويوجد جناس اشتقاق بين آمَنَ.. وَالْمُؤْمِنُونَ وهناك إطناب في قوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ. وإيجاز بالحذف في قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ أي آمنوا بالله ورسله. المفردات اللغوية: آمَنَ الرَّسُولُ صدّق النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ من القرآن وَرُسُلِهِ يقولون لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي في الرسالة والتشريع، فلا نفضل بعضهم على بعض في ذلك، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض سَمِعْنا ما أمرنا به سماع قبول وتدبر الْمَصِيرُ المرجع بالبعث. وُسْعَها طاقتها: وهو ما تسعة قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر. كَسَبَتْ من الخير وثوابه مَا اكْتَسَبَتْ من الشر أي وزره، فلا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا بما لا يكسبه مما وسوست به نفسه لا تُؤاخِذْنا تعاقبنا أَوْ أَخْطَأْنا تركنا الصواب لا عن عمد، كما آخذت به من قبلنا إِصْراً أمرا أو حملا يثقل علينا حمله أو يشق تحمله كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أي بني إسرائيل، من قتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقرض موضع النجاسة. ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ أي ما لا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء، فالتكليف بما يطاق: هو ما يمكن الإتيان به ولو بمشقة معتادة متحملة، والتكليف بما لا يطاق: هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان وقدرته، بأن اقترن بمشقة زائدة غير معتادة. وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا الرحمة أمر زائد على المغفرة مَوْلانا مالكنا وسيدنا ومتولي أمورنا. جاء في الحديث الذي يرويه مسلم عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، فقرأها صلّى الله عليه وسلّم، قال الله عقب كل كلمة: قد فعلت. سبب النزول: سبق بيان سبب نزول هذه الآية فيما رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة في بحث «فقه الحياة» في الآية السابقة. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس نحوه.
المناسبة:
المناسبة: بدأ الله تعالى هذه السورة بالكلام على القرآن والمؤمنين ومقارنتهم بالكافرين، ولا سيما أخبار اليهود، ثم أرشد تعالى إلى كثير من الأحكام كالصيام والحج والطالق، ثم أرشد تعالى إلى كثير من الأحكام كالصيام والحج والطلاق، ومحاجة الضالين، وختم السورة بالكلام عن إيمان الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين بالكتب السماوية وبالرسل الكرام دون تفريق أو تفضيل في أصل الرسالة والتشريع، وكان مسك الختام إبداء ما تفضل الله به على هذه الأمة من التكاليف السمحة السهلة التي لا ضيق ولا حرج فيها، وأن الإيمان وأهله منصور على الكفر وأعوانه، إذا صح وصدقت العزيمة وتوافر الإخلاص والصدق وتنفيذ الأحكام الشرعية. فضل هاتين الآيتين: ورد في السّنة النّبوية أحاديث كثيرة تشير إلى فضائل هاتين الآيتين، منها: ما رواه البخاري عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» ، ورواه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري بلفظ: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» . ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبيّ قبلي» . وروى ابن مردويه عن علي قال: «لا أرى أحدا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم من تحت العرش» . ومنها: ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد
التفسير والبيان:
فتح من السماء، ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته» . التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وعن المؤمنين بالإيمان بأصول الاعتقاد فقال: صدّق الرسول محمد والمؤمنون برسالته، بالذي أنزل على قلب محمد صلّى الله عليه وسلّم من ربّه، من العقائد والأحكام تصديق يقين واطمئنان. قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم لما نزلت عليه هذه الآية فيما رواه الحاكم في مستدركه: «حقّ له أن يؤمن» . كلّ منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتمام حكمته في خلقه، وبوجود الملائكة الذين لهم مهام عديدة منها السفارة بالوحي بين الله ورسله، وبالرّسل الكرام الذين أنزل الله عليهم كتبا وصحفا لهداية البشر، قائلين جميعا: لا نفرق بين الرّسل في الرّسالة والتّشريع من حيث المبدأ، وأن دعوتهم واحدة هي الإقرار بوجود الله ووحدانيته والدّعوة إلى مكارم الأخلاق. وأما التّفضيل بين الرّسل في آية سابقة: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [البقرة 2/ 253] ، إنما هو في مزايا أخرى غير الرّسالة والتّشريع. وفي هذا إشارة إلى فضيلة المؤمنين على غيرهم من أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الرّسل ويكفرون بالبعض الآخر. وقال المؤمنون: بلّغنا الرّسول بالوحي، فسمعنا القول سماع تدبّر وفهم وقبول، وأطعنا الأوامر إطاعة إذعان وانقياد، معتقدين أن كل أمر ونهي إنما هو لسعادة الدّنيا والآخرة. ويسألون الله تعالى المغفرة بالسّتر في الدّنيا وترك الجزاء في الآخرة، فأنت المتصرف في أمورنا وإليك المرجع والمآب، فتفعل فينا ما تشاء. قال جبريل: «إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: لا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها إلى آخر الآية» . لا يكلّف الله أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى ورأفته بهم، وهذه الآية هي التي أوضحت للصحابة ما أشفقوا منه في قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ أي أنه تعالى وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذّب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلّف به الإنسان، علما بأن كراهية وسوسة السّوء من الإيمان. ومنع التّكاليف الشّاقة والتّكليف باليسير مشار إليه في كثير من آي القرآن، نحو: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة 2/ 185] ، ونحو: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج 22/ 78] . وللنّفس الإنسانيّة من الأعمال التي تدخل تحت التّكليف المحتمل غير الشّاق ما كسبت من خير وما اكتسبت من شرّ، ولها الثواب على الخير، وعليها العقاب على الشّر. وأضيف الاكتساب إلى الشّر لبيان أنه يحتاج إلى تكلّف وعناء وتخطيط ومصادمة الطبيعة والأعراف، أما الخير فلا يحتاج إلى جهد كثير لأنه مما أودع الله في طبع الإنسان، وترتاح النفس لفعله، ولا يحتاج إلى حذر وتدبير، ويقدم الإنسان عليه كلما صفت نفسه وأحسّت بضعفها أمام الخالق، وبفقرها إليه يوم المحنة الكبرى وكشف الحساب الدّقيق الشامل الرّهيب أمام الله والنّاس. ثم أرشد الله تعالى عباده إلى هذا الدّعاء، وقد تكفّل لهم بالإجابة وهو: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي إن تركنا فرضا نسيانا، أو فعلنا حراما ناسين، أو أخطأنا الصواب في العمل جهلا منا بوجهه الشرعي، فلا تعاقبنا عليه، يؤيده ما رواه ابن ماجه والبيهقي والطبراني والحاكم عن أبي ذرّ
وابن عباس وثوبان أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . - رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أي لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها، كما كلفت الأمم الماضية قبلنا كبني إسرائيل الذين كانت توبتهم بقتل التائب نفسه، وإيجاب ربع المال في الزّكاة، وقطع موضع النّجاسة من الثوب إذا تنجّس. أما رسالة النّبي صلّى الله عليه وسلّم ففيها التّخفيف والتّيسير والسّماحة والسّهولة لأنه نبيّ الرحمة المهداة للأمم قاطبة، روى الخطيب وغيره عن جابر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «بعثت بالحنيفية السّمحة» . - رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ أي من التكليف والمصائب والبلاء، فلا تبتلينا بما لا قدرة لنا عليه من الفتن. وَاعْفُ عَنَّا فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا. وَاغْفِرْ لَنا فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على عيوبنا وأعمالنا القبيحة. وَارْحَمْنا فيما يستقبل، فجنبنا بتوفيقك الوقوع في ذنب آخر. ويلاحظ أن عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ يستتبع العفو، وأن عدم حمل الإصر (الحرج والحمل الثقيل) يستوجب المغفرة، وأن عدم تحميل ما لا يطاق يتطلب الرحمة. - أَنْتَ مَوْلانا متولي أمورنا ومالكنا، وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوّة إلا بك. - فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيّك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدّنيا والآخرة. وكان معاذ رضي الله عنه إذا فرغ من هذه السورة قال: آمين.
فقه الحياة أو الأحكام:
وقد تكفّل الله بالإجابة، ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله: نعم» ، وعن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله: قد فعلت» . فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على ما يلي: 1- الإيمان لا يتجزّأ: فالمؤمن يجب عليه الإيمان بكل ما أوحى الله به، والمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا ربّ سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء والرّسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون، راشدون، مهديون، هادون إلى سبيل الخير. وليس المؤمنون كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. 2- الإيمان يستلزم الطاعة: المؤمن بالله يؤمن بصدق لقائه، ويسمع ويطيع أوامره، ويتجنّب نواهيه، فلا يقصر في واجب، ولا ينغمس في معصية، فذلك يتصادم مع الإيمان. 3- الإسلام دين اليسر: فهو يمتاز بقلّة التّكاليف والفرائض والواجبات، وبيسر تكاليفه، وعدم التّكليف بالشّاق من الأعمال، فلا تكليف فوق الطاقة، وإنما التّكليف بحسب الوسع والقدرة، والطاعة على قدر الطاقة، فقد يكلّفنا الله بأمور فيها شيء من المشقّة لكنها معتادة متحمّلة مقدور عليها، كثبوت الواحد للعشرة من الكفار في مبدأ الإسلام حينما كان المسلمون قلّة، وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه، ومفارقة أهله ووطنه وعادته، أما المشقات الثّقيلة والأمور المؤلمة فهي مرفوعة عنا، وكان بعضها على الأمم السابقة، كتكليفهم بقتل أنفسهم
للتوبة، وقرض موضع النّجاسة كالبول من ثيابهم وجلودهم، فلله الحمد والمنّة، والفضل والنّعمة. والخلاصة: إن قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها نصّ على أن الله تعالى لا يكلّف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يطيقه، ولو كلّف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يستطيعه، لكان مكلّفا له ما ليس في وسعه. وهذا أصل عظيم في الدّين وركن من أركان الإسلام. هذا من حيث الواقع الفعلي، أما من حيث الجواز العقلي، فلم يمنع الأشاعرة من تكليف ما لا يطاق، فهو جائز عقلا وإن لم يقع شرعا. 4- المسؤولية الشخصية: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة 2/ 286] : للإنسان ما كسب من الحسنات، وعليه ما اكتسب من السّيئات، مثل قوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164] ، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [الأنعام 6/ 164] . روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسي، ضحك، وقال: إنهما من كنز الرحمن تحت العرش» ، وإذا قرأ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء 4/ 123] ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم 53/ 39- 41] استرجع واستكان. 5- ودلّت آية لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ على أنه يطلق على أفعال العباد الكسب والاكتساب، وعلى أن من قتل غيره بمثقّل كحجر وخشب، أو بخنق أو تغريق، فعليه ضمانه قصاصا أو دية، خلافا لأبي حنيفة الذي جعل ديته على العاقلة (القبيلة) وذلك يخالف الظاهر. ودلّت على أن سقوط القصاص عن الأب بقتل ولده لا يقتضي سقوطه عن شريكه، فالقود واجب على
شريك الأب في رأي المالكية خلافا لأبي حنيفة، وعلى شريك المخطئ خلافا للشافعي وأبي حنيفة، ودلّت أيضا على وجوب الحدّ على المرأة العاقلة البالغة إذا مكنت مجنونا من نفسها. 6- رفع الإثم عن الخطأ والنسيان: دلّت الآية على أن الإثم مرفوع حال الخطأ والنسيان. وأما الأحكام الدّنيوية المتعلّقة بهما فالصّحيح أنها تختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتّفاق كالغرامات والدّيات والصّلوات المفروضات، وقسم يسقط باتّفاق كالقصاص والنّطق بكلمة الكفر. وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا. وهذا يدل على أن أحكام العباد وحقوق الناس ثابتة، كما سنبيّن في سورة النساء. خلاصة أهم الأحكام في سورة البقرة المسمّاة «فسطاط القرآن» : أولا- العقائد: 1- دعوة جميع الناس إلى عبادة الله تعالى. 2- تحريم اتّخاذ الأنداد والشركاء مع الله. 3- إثبات الوحي والرّسالة بالقرآن وتحدّي الناس بالإتيان بسورة من مثله. 4- أساس الدّين: توحيد الله، وإثبات البعث ومحاجة الكافرين الضالين في ذلك. ثانيا- الأحكام العملية الفرعية: 1- إباحة الأكل من الطّيّبات. 2- الحفاظ على حق الحياة بتشريع القصاص والقتال في سبيل الله.
3- أحكام أركان الإسلام: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج والعمرة. 4- إنفاق المال في سبيل الله تحقيقا للتّكافل الاجتماعي في الإسلام. 5- تحريم الخمر والميسر والرّبا. 6- الولاية على اليتامى ومخالطتهم في المعيشة. 7- أحكام الزواج من طلاق ورضاع وعدّة ونفقة. 8- الوصية الواجبة. 9- كتابة وثيقة الدّين والإشهاد عليه والرّهان وكتمان الشهادة ونصاب الشهادة المطلوب في المعاملات. 10- أداء الأمانة. 11- صيغة الدّعاء المطلوبة في التّشريع.
سورة آل عمران:
بسم الله الرحمن الرحيم سورة آل عمران هي السّورة الثالثة، وهي سورة مدنيّة وآياتها مائتان. نزلت بعد الأنفال مدى صلتها بسورة البقرة: هناك أوجه اتّصال وشبه ومقارنة بين السورتين: البقرة وآل عمران، وهي ما يأتي: 1- موقف الناس من القرآن: بدئت السورتان بذكر القرآن (أو الكتاب) وحدد موقف الناس منه، ففي البقرة: ذكر حال المؤمنين وغير المؤمنين به، وفي آل عمران: ذكر موقف الزائغين الذين يتصيّدون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وموقف الرّاسخين في العلم الذين يؤمنون بمحكمه ومتشابهه، قائلين: كلّ من عند ربّنا. 2- عقد التّشابه بين خلق آدم وخلق عيسى: ففي البقرة تذكير بخلق آدم، وفي آل عمران تذكير بخلق عيسى، وتشبيه الثاني بالأول في خلق غير معتاد. 3- محاجّة أهل الكتاب: في السورة الأولى: إفاضة في محاجّة اليهود وبيان عيوبهم ونقائصهم ونقضهم العهود، وفي الثانية: إيجاز في محاجّة النصارى، لتأخرهم في الوجود عن اليهود. 4- تعليم صيغة الدّعاء في ختام كلّ منهما: في الأولى دعاء يناسب بدء الدّين ويمسّ أصل التّشريع وبيان خصائصه في قلّة التّكاليف ودفع الحرج والأخذ باليسر والسماحة، وفي الثانية: دعاء بالتّثبيت على الدّين وقبول دعوة الله إلى الإيمان، وطلب الثواب عليه في الآخرة.
ما اشتملت عليه السورة:
5- إثبات الفلاح للمؤمنين: ختمت السورة الثانية بقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهو ما بدئت به السّورة الأولى بقوله تعالى واصفا المؤمنين: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ما اشتملت عليه السورة: تضمّنت هذه السّورة الكلام على جانبي العقيدة والتّشريع، أما العقيدة: فقد أثبتت الآيات وحدانية الله، والنّبوة، وصدق القرآن، وإبطال شبهات أهل الكتاب حول القرآن والنّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وإعلان كون الدّين المقبول عند الله هو الإسلام، ومناقشة النصارى في شأن المسيح وألوهيته والتكذيب برسالة الإسلام، واستغرقت المناقشة قرابة نصف السورة، كما استغرقت سورة البقرة ما يزيد عن ثلثها في مناقشة اليهود وتعداد قبائحهم وجرائمهم، بالإضافة إلى ما تضمنته هذه السّورة من تقريعاتهم، والتحذير من مكائد أهل الكتاب. وأما التّشريع: فقد أبانت الآيات بعض أحكام الشرع مثل فرضية الحج والجهاد وتحريم الرّبا وجزاء مانع الزّكاة، وبعض الدروس والعبر والعظات من غزوتي بدر وأحد، والتّنديد بمواقف أهل النّفاق. ثم ختمت السورة بما يناسب الجانبين، فطالبت بالتّفكير والتّدبّر في خلق السّموات والأرض وما فيهما من عجائب وأسرار، وأوصت بالصبر على الجهاد والمرابطة في سبيل الله، ليحظى الإنسان برتبة الفلاح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. سبب التّسمية: سميت السورة سورة آل عمران لإيراد قصة أسرة عمران والد مريم أم عيسى فيها، وإعداد مريم التي نذرتها أمها للعبادة، وتسخير الله الرّزق لها في المحراب
فضلها:
واصطفائها وتفضيلها على نساء عالمي زمانها، وتبشيرها بإنجاب عيسى صاحب المعجزات «1» وسميت آل عمران والبقرة بالزّهراوين لأنّهما النّيّرتان الهاديتان قارئهما للحقّ بما فيهما من أنوار، أي معان، أو لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة، أو لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم، روى أبو داود وابن ماجه وغيرهما عن أسماء بن يزيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، والتي في آل عمران: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» . فضلها: أخرج مسلم عن النّواس بن سمعان قال: سمعت النّبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران» ، وأخرج أيضا عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزّهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» «2» .
إثبات التوحيد وإنزال الكتاب [سورة آل عمران (3) الآيات 1 إلى 6] :
إثبات التوحيد وإنزال الكتاب [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 6] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) الإعراب: الم: أحرف مقطعة مبنية غير معربة، وكذلك سائر حروف الهجاء في أوائل السور، كما قلنا أول البقرة، إلا أنه فتحت الميم هاهنا لسكونها وسكون اللام بعدها. وأما قول من قال: إنها فتحت لالتقاء الساكنين، ففاسد لأنه لو كان كذلك، لوجب فتحها في الم ذلِكَ الْكِتابُ وفي حم وفي ن وفي كل حرف من حروف التهجي التي في أوائل السور. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: الله: مبتدأ، ولا إله: مبتدأ ثان، وخبره محذوف وتقديره: لا إله معبود إلا هو، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول. و «هو» مرفوع لوجهين: أحدهما- لكونه مرفوعا على البدل من موضع: لا إله، والثاني: لكونه خبر: لا إله. ويجوز جعل الجملة في موضع نصب على الحال من الله تعالى، أو حال من ضمير نَزَّلَ. بِالْحَقِّ جار ومجرور في موضع نصب على الحال وعامله فعل مقدر وتقديره: نزل عليك الكتاب كائنا بالحق. مُصَدِّقاً حال من ضمير الحق، وتقديره: نزّل عليك الكتاب محققا مصدقا لما بين يديه. وكلتا الحالين مؤكدة.
البلاغة:
التَّوْراةَ في مذهب البصريين على وزن فوعلة، وأصله: وورية، فأبدلت الواو الأولى تاء، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. مِنْ قَبْلُ مبني لأنه مقطوع عن الإضافة هُدىً حال بمعنى هادين من الضلالة. البلاغة: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ عبر عن القرآن بالكتاب، لكمال تفوقه على بقية الكتب السماوية. لِما بَيْنَ يَدَيْهِ كناية عما تقدمه من الكتب السماوية، وعبر بذلك لصلته الوثيقة بها ولظهوره واشتهاره. وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ أي أنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل، وهو من باب عطف العام على الخاص، حيث ذكر الكتب الثلاثة أولا، ثم عمّ الكتب كلها. المفردات اللغوية: الم الحروف المقطعة في أوائل السور للتنبيه مثل ألا ويا، لتنبيه المخاطب إلى ما يلقى بعدها إِلهَ الإله هو المعبود بحق الْحَيُّ ذو الحياة، وهي صفة تستلزم الاتصاف بالعلم والإرادة الْقَيُّومُ القائم على كل شيء بحفظه ورعايته. نَزَّلَ عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن مقترنا بالحق أي الصدق في أخباره فكل ما فيه حق لا شك فيه. ونزل: تفيد التدرج، والقرآن نزل في نيف وعشرين سنة بحسب الحوادث. التَّوْراةَ كلمة عبرية معناها الشريعة، وتشتمل على خمسة أسفار هي «سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع» ويقول اليهود: إن موسى كتبها، ويسميها النصارى: العهد القديم أو العتيق، وفيها حكاية قصص الأنبياء وتاريخ بني إسرائيل قبل المسيح. الْإِنْجِيلَ كلمة يونانية، معناها التعليم الجديد أو البشارة. ويسمى العهد الجديد، ويشتمل في سيرة المسيح عليه السلام وبعض تعاليمه على أربعة أناجيل هي إنجيل متى ويوحنا ومرقس ولوقا وعلى أعمال الرسل (الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب، ورؤيا يوحنا، وهي كلها مكتوبة بعد قرن أو قرنين من وفاة المسيح، وليس لها سند متصل إلى كاتبها. والتوراة في عرف القرآن: ما أنزل الله على موسى، والإنجيل: ما أوحاه الله إلى عيسى عليه السلام، وفيه البشارة بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وأنه هو الذي يتمم الشريعة. مِنْ قَبْلُ تنزيله هُدىً هادين من الضلالة لِلنَّاسِ ممن تبعهما. وعبر عن
سبب النزول:
التوراة والإنجيل بأنزل، وعن القرآن بنزّل لأنهما نزلا دفعة واحدة، وأما القرآن فنزل تدريجيا، والتعبير عن الوحي بالتنزيل أو بالإنزال للإشارة بأن منزلة الموحي أعلى من منزلة الموحى إليه، فتكرار نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ لاختلاف الإنزال بآيات الله وكيفيته وزمانه، والله كرر اسمه تعالى تفخيما لأن في ذكر الظاهر من التفخيم ما ليس في ذكر المضمر. الْفُرْقانَ ما يفرق بين الحق والباطل كالدلائل والبراهين، وهو عموم بعض خصوص ليعم ما عدا الكتب الثلاثة. بِآياتِ اللَّهِ القرآن وغيره وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ذُو انْتِقامٍ عقاب شديد ممن عصاه، لا يقدر على مثله أحد. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ كائن في الأرض ولا في السماء، لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي، وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ التصوير: جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والأرحام: جمع رحم، وهو مستودع الجنين من المرأة كَيْفَ يَشاءُ من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وطبائع وأخلاق وغير ذلك. الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في صنعه. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري وابن إسحاق وابن المنذر «1» أن هذه الآيات إلى بضع وثمانين آية نزلت في وفد نصارى نجران، وفدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا نحو ستين راكبا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، وعلى رأسهم أميرهم ووزيرهم وحبرهم، وخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وتكلم منهم ثلاثة، فمرة قالوا: عيسى ابن مريم إله لأنه يحيي الموتى وتارة هو ابن الله، إذ لم يكن له أب وتارة هو ثالث ثلاثة لقوله تعالى: «قلنا، وفعلنا» ولو كان واحدا، لقال: قلت وفعلت.
التفسير والبيان:
وقالوا على الله الكذب والبهتان، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى أتى عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صوّر في الرّحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته، كما تضع المرأة ولدها، ثم غذّي كما يغذّى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا، فأنزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران، إلى بضعة وثمانين آية منها. التفسير والبيان: بدأ الله تعالى السورة بإثبات التوحيد أساس الدين لينفي عقيدة التثليث، ثم أبان أنه تعالى أنزل الكتب على الأنبياء، وأن عيسى نبي مثلهم فهو منزل عليه، وأن الله هو صاحب القدرة المطلقة الذي يصور في الأرحام، ليرد على ولادة عيسى من غير أب، إذ الولادة من غير أب ليست دليلا على الألوهية، فآدم مخلوق من غير أب ولا أم، والخالق هو الإله، والمخلوق عبد كيفما خلق. ألم: الحروف المقطعة لتحدي العرب بالإتيان بشيء من مثل القرآن، ما دام هو مكوّنا من لغتهم ومن الحروف التي ينطقون بها وتتركب منها كلماتهم. الله لا معبود بحق في الوجود سواه لأنه الخالق المسيطر على الكون والنفوس، ولأنه مصدر الخير ودافع الضر، الحي الدائم الحياة التي لا أول ولا نهاية لها، القائم على خلقه بالتدبير والتصريف، وعلى السموات والأرض قبل خلق عيسى، فكيف قامت ودبّرت قبل وجوده وبعد موته؟!
والله هو الذي نزّل القرآن عليك يا محمد بالحق الذي لا شك ولا شبهة فيه، مصدقا ومؤيدا ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين، وهو تصديق إجمالي لا تفصيلي في أصل الوحي وأصل الرسالة الداعية إلى توحيد الإله ومكارم الأخلاق، والإخبار والبشارة، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت قديما، وهو يصدقها لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد صلّى الله عليه وسلّم وإنزال القرآن العظيم عليه. وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل القرآن، هداية للناس في زمانهما، وإرشادا، فالله هو الذي أنزل الوحي والشرائع قبل وجود عيسى وبعده، وليس عيسى مصدر الوحي، وإنما هو كغيره من الأنبياء متلقّ للوحي، فكيف يكون إلها؟! وأنزل الله الفرقان: وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بالدلائل والبينات الواضحات، والبراهين القاطعات. إن الذين كفروا بآيات الله الواضحة الدالة على توحيده وتنزيهه عما لا يليق، أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، لهم عذاب شديد يوم القيامة بسبب كفرهم، والله منيع الجناب عظيم السلطان، ذو انتقام ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام، ينفذ بعزته مراده، وينتقم ممن خالف وحيه. وإن الله لا يخفى عليه شيء في الكون، فيعلم حال الصادق في إيمانه، وحال الكافر والمنافق والمكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وعيسى وغيره لا يعلم شيئا من ذلك، فكيف يكون إلها؟ والله هو الذي يخلق الإنسان في الرحم كما يشاء، ذكرا أو أنثى، حسنا وقبيحا وغير ذلك من الطبائع والألوان والمقادير والسلامة والعاهة، وعيسى وغيره لا يصوّر أحدا في رحم ولا يخلق شيئا، بل هو مصوّر مخلوق في رحم أمه،
فقه الحياة أو الأحكام:
وخارج منه، فكيف يكون إلها؟ لا إله إلا هو العزيز الحكيم: أي هو الخالق الموجد المستحق للألوهية وحده لا شريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، المنزه عن الوالد والولد، العزيز الذي لا يغلب، الحكيم المنزه عن العبث الذي يضع الأمور في محالّها على وفق الحكمة. وهذا دليل صريح بأن عيسى عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر لأن الله صوّره في الرحم، وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها، كما زعمت النصارى؟ وقد تدرج خلقه، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ، خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر 39/ 6] . فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتب السماوية على الأنبياء، وأن هذه الكتب يصدّق بعضها بعضا لأن غايتها واحدة، وهدفها واحد وهو إرشاد الناس إلى الحق، والإقرار بتوحيد الإله، والاعتراف بوجوده. وإنزال الكتب، والخلق والإيجاد في الأرحام، والعلم بغيب السماء والأرض دون أن يخفى عليه شيء كلي أو جزئي: أدلة وبراهين ثلاثة قاطعة تثبت الألوهية لله وحده، دون مشاركة أحد من خلقه له، أو اتصاف بشر بما يزعم المبطلون من ألوهية إنسان مخلوق ضعيف بحاجة إلى الخالق في كل أموره، سبحانه لا إله إلا هو، أي لا خالق ولا مصوّر سواه، وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصوّرا وهو بشر مصوّر؟!
المحكم والمتشابه في القرآن [سورة آل عمران (3) الآيات 7 إلى 9] :
المحكم والمتشابه في القرآن [سورة آل عمران (3) : الآيات 7 الى 9] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) الإعراب: مِنْهُ آياتٌ جار ومجرور في موضع نصب على الحال من الكتاب، وتقديره: أنزل عليك الكتاب كائنا منه آيات. وآيات: فاعل لاسم الفاعل: كائن، المقدر. ومحكمات: صفة لآيات. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ: جملة اسمية في موضع رفع صفة لآيات أيضا. وَأُخَرُ معطوف على قوله: آيات محكمات. وأخر: ممنوع من الصرف للوصف والعدل، معدول عن آخر. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ إما مبتدأ، وخبره: آمنا به، وإما عطف على الله تعالى، فكأنه قال: لا يعلم تأويله إلا الله ويعلمه الراسخون. والهاء في تأويله: تعود على المتشابه. البلاغة: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ استعارة، شبّه أصول الآيات المحكمات بالأم، وسائر الآيات يتبعها أو يتعلق بها، كما يتعلق الولد بأمه. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ استعارة أيضا، شبه المتمكنين في العلم بالأشياء الثقيلة الراسخة في الأرض.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: مُحْكَماتٌ واضحات الدلالة، لا خلاف في معناها، من أحكم الشيء: وثقه وأتقنه، مفردها محكم: وهو ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره أُمُّ الْكِتابِ أصله المعتمد عليه في الأحكام مُتَشابِهاتٌ هي التي لم يظهر معناها ولم يتضح، بل خالف ظاهر اللفظ المعنى المراد، كأوائل السور. وقال القرطبي: المتشابه: ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، ولم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، والدابة التي تكلم الناس إذا وقع القول عليهم، ونحو ذلك. وجعل الكتاب في آية أخرى: أُحْكِمَتْ آياتُهُ كله محكما: بمعنى أنه ليس فيه عيب، وفي آية أخرى: كِتاباً مُتَشابِهاً كله متشابها: بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق. فلكل آية معنى خاص غير الآخر، فلا تعارض بين الآيات. زَيْغٌ: ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: طلب الفتنة لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: تفسيره وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ تفسيره ومعرفة حقيقته وبيان ما يؤول إليه في الواقع الرَّاسِخُونَ: المتمكنون في العلم المتفقهون في الدين المتأكدون منه، وهو أبلغ من قول: والثابتون في العلم آمَنَّا بِهِ أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: أي كل من المحكم والمتشابه من عند الله. وَما يَذَّكَّرُ يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ أصحاب العقول. رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه: ربنا لا تمل قلوبنا عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا، كما أزغت قلوب أولئك. بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أرشدتنا إليه وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ من عندك رَحْمَةً عناية إلهية وتوفيقا وتثبيتا على الحق. جامِعُ النَّاسِ جمع الناس: حشرهم للحساب والجزاء لا رَيْبَ فِيهِ لا شك في وقوعه، وهو يوم القيامة لأنك أخبرت به، وقولك الحق، فتجازي الناس بأعمالهم، كما وعدت بذلك. إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ موعده بالبعث فيه. فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة. والغرض من الدعاء بذلك: بيان أن همهم أمر الآخرة، ولذلك سألوا الثبات على الهداية، لينالوا ثوابها. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أن في القرآن آيات محكمات وآيات متشابهة في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فالمحكم العبارة: هو الواضح الدلالة التي لا التباس فيها
والمحكم:
على أحد، والمتشابه: هو الذي لم يظهر معناه ولم يتضح المراد منه بسبب التعارض بين ظاهر اللفظ والمعنى المراد منه، أو هو ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة. وهذا الإخبار للرد على النصارى الذين يستدلون ببعض آيات القرآن التي يفيد ظاهرها تميز عيسى على غيره من البشر. والمراد بالكتاب هنا: القرآن باتفاق المفسرين. والمحكم: مثل قوله تعالى: قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وما بعدها من الآيات [الأنعام 6/ 151- 153] ، وقوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ والآيات الثلاث بعدها من سورة [الإسراء 17/ 23- 26] وقوله عز وجل في شأن عيسى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [الزخرف 43/ 59] . فهذه الآيات وأمثالها وهي تمثل أغلب القرآن في تبيان أحكام الفرائض وأصول الاعتقاد والأمر والنهي والحلال والحرام، كلها واضحة الدلالة على المعنى المراد ولا تحتمل أي معنى آخر، هي أم الكتاب أي أصل القرآن وعماده ومعظمه، وغيرها متفرع عنها تابع لها، فإن اشتبه علينا آية منها، ردت إلى المحكم وحملت عليه، كقوله تعالى في شأن عيسى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء 4/ 171] يحمل على قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ [الزخرف 43/ 59] وقوله سبحانه: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران 3/ 59] أي أننا نؤمن بأن كل الآيات من عند الله، وأنه لا ينافي الأصل المحكم. والمتشابه: مثل قوله تعالى في عيسى عليه السلام وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء 4/ 171] ، وقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 3/ 55]
وقوله تعالى عن ذاته: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه 20/ 5] وقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح 48/ 10] . فهذه الآيات تحتمل عدة معان، ويخالف ظاهر اللفظ فيها المعنى المراد، فربما وافقت المحكم، وربما وافقت شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. فليس لكم أيها النصارى الاحتجاج بأمثال هذه الآيات التي هي من المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى، وإنما عليكم الوقوف عند محكم التنزيل، مثل قوله تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء 4/ 172] . ومعنى المتشابه والمحكم هنا يختلف عن معناه في آيات أخرى، فقد وصف القرآن كله بالمحكم في قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود 11/ 1] والمراد أنه ليس فيه عيب وأنه كلام حق فصيح الألفاظ صحيح المعاني، أحكم نظمه وأتقن، واشتمل على الحكمة، ووصف القرآن أيضا بالمتشابه في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [الزمر 39/ 23] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق والهداية، والسلامة من التناقض والاختلاف، كما قال: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء 4/ 82] . فأما الذين في قلوبهم زيغ، أي ضلال وميل عن الحق إلى الباطل، فيتبعون أهواءهم، فيأخذون بالمتشابه الذي يتمسكون به، ويمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، ويتركون المحكم الذي لا التباس فيه، بقصد إيقاع الناس في الفتنة في الدين وإضلال أتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على مزاعمهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: إِنْ هُوَ
إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ [الزخرف 43/ 59] وبقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 59] . وهم يفعلون ذلك أيضا بقصد تأويل القرآن على غير حقيقته، وتحريفه على ما يريدون، متبعين أهواءهم وتقاليدهم وموروثاتهم، وتاركين الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وهو عبودية عيسى لله وإطاعته إياه. روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ الآية، ثم قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّاهم الله، فاحذروهم» . وروى ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه، فآمنوا به» . وما يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فهو مما استأثر الله بعلمه، أو ما خالف ظاهر اللفظ فيه المراد منه، فلا يعلم حقيقته إلا الله. ويرى جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة وابن عباس وابن عمر الوقوف على لفظ الجلالة، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وأما الراسخون في العلم فكلام مستأنف، يقولون: آمنا به لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق لله تعالى، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض. ويرى جمهرة من الصحابة كابن عباس، وتبعهم كثير من المفسرين «1» وأهل
الأصول أنه لا يوقف على لفظ الجلالة، والراسخون معطوف عليه، على معنى: لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. قال ابن عباس: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. فالمتشابه يعلمه الراسخون لأن الله تعالى ذم الذين يبتغون التأويل بقصد الفتنة والإضلال، ذاهبين فيه إلى ما يخالف المحكم، والراسخون في العلم ليسوا كذلك، فهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه، إذ يفهمون المتشابه بما يتفق مع المحكم. وأما قوله تعالى: يَقُولُونَ: آمَنَّا فهو كلام مستأنف، لا ينافي العلم، فهم يجعلون المحكم هو الأساس، ويؤمنون بأن كلا من المحكم والمتشابه من عند الله، وكلاهما حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر، ويدل لذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا لابن عباس بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» . والحكمة من وجود المتشابه مع العلم بأن القرآن نزل هاديا للناس: هو تمييز الصادق الإيمان من ضعيفة، وبيان فضيلة الراسخين في العلم الذين ينظرون ويبحثون لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به، وإن لم يعلموا بحقائق الأشياء، ولهذا قال تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة، والفهوم المستقيمة. ووصف النبي صلّى الله عليه وسلّم الراسخين في العلم- فيما يرويه ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن يزيد التابعي الذي أدرك أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الراسخين في العلم، فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم» . ثم ذكر دعاء هؤلاء الراسخين للثبات على فهم المتشابه وهو: 1- رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا.. الآية، أي إن الراسخين في العلم المؤمنين بالمتشابه يطلبون من الله الثبات على الهداية، والحفظ من الزيغ بعد الهداية،
فقه الحياة أو الأحكام:
وهبة الرحمة والفضل من الله، والتوفيق إلى الخير والسداد، إنك أنت الوهاب. قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثيرا ما يدعو: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: «ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه» . 2- رَبَّنا، إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ ... أي ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك فيه، ووعدك الحق الذي لا يخلف. وتعليمنا هذا الدعاء لنشعر بالخوف من تسرّب الزيغ الذي يسلب الرحمة في ذلك اليوم. وفي هذا إقرار بالبعث يوم القيامة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن آيات القرآن أكثرها محكم، وبعضها متشابه، وأن المتشابه لا يعلم المراد منه إلا الله والمتمكنون من العلم، لكن علمهم الله طريق العصمة من الزيغ في فهم المتشابه بدعاءين: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ... رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ ... وأما الزائغون فيتبعون المتشابه. وقد أوردت أمثلة من المحكم والمتشابه، وأبنت المراد منهما على الأصح، وسأذكر أمثلة أخرى للمتشابه. نماذج من المتشابه: روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هو؟ قال: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون 23/ 101] وقال: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات 37/ 27] . وقال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء 4/ 42] وقال:
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام 6/ 23] فقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات: أَمِ السَّماءُ بَناها ... [النازعات 79/ 27] إلى قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات 79/ 30] ، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... [فصلت 41/ 9] إلى قوله: أَتَيْنا طائِعِينَ فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم في ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين فختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء، فسوّاهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها، فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين فذلك قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. فخلقت الأرض في أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. وقوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يريد نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. ويحك! فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله «1» .
متبعو المتشابه:
متبعو المتشابه: متبعو المتشابه إما أن يتبعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوامّ، كما فعلته الزنادقة والقرامطة «1» الطاعنون في القرآن وإما أن يتبعوه طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسّمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة، مما ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم، وصورة مصوّرة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك! أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها. أو يكثروا السؤال عنها. فهذه أربعة أقسام: أما القسم الأول: فلا شك في كفرهم، ويقتلون في رأي المالكية من غير استتابة، وأما القسم الثاني: فالصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام، وحكمهم كالمرتدين، يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا. وأما القسم الثالث: فاختلفوا في جواز تأويلها، فمذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، ويؤمنون بها كما جاءت وهو الأولى. ومذهب آخرين: إبداء تأويلاتها وحملها على مقتضى اللسان العربي من غير قطع بتعيين مجمل منها. وقد قيل: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم. وأما القسم الرابع: فيعزرون تعزيرا بليغا.
عاقبة الكفار المغرورين بالمال والولد ومثال ذلك [سورة آل عمران (3) الآيات 10 إلى 13] :
عاقبة الكفار المغرورين بالمال والولد ومثال ذلك [سورة آل عمران (3) : الآيات 10 الى 13] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) الإعراب: كَدَأْبِ ... الكاف إما مرفوع خبر مبتدأ محذوف وتقديره: دأبهم كدأب، وإما منصوب بفعل مقدر تقديره: يتوقّدون توقّد آل فرعون، دل عليه ما قبله وهو: فأولئك هم وقود النار. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إما مرفوع مبتدأ والخبر: كَذَّبُوا بِآياتِنا، وإما مجرور بالعطف على آلِ فِرْعَوْنَ. فِئَةٌ إما مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: إحداهما فئة، وإما مجرور بدل من فِئَتَيْنِ وَأُخْرى يجوز فيه الرفع والجر بالعطف على فِئَةٌ بالرفع ولأجر. وجملة يَرَوْنَهُمْ حال من كاف لَكُمْ أو صفة لأخرى بالرفع أو الجر البلاغة: مِنَ اللَّهِ فيه إيجاز بالحذف أي من عذاب الله شَيْئاً التنكير للتقليل، أي لن تنفعهم أي نفع ولو قليلا. وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ الجملة اسمية للدلالة على ثبوت الأمر وتحققه. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ التفات من الحضور إلى الغيبة، والأصل: (فأخذناهم) . لَكُمْ آيَةٌ قدم الجار والمجرور للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. وتنكير آية للتفخيم والتهويل، أي آية عظيمة، ومثله تنكير «ورضوان» . ويوجد جناس اشتقاق بين يَرَوْنَهُمْ ورَأْيَ الْعَيْنِ.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: لَنْ تُغْنِيَ تنفع. مِنَ اللَّهِ أي من عذاب الله. وَقُودُ النَّارِ: ما توقد به النار من حطب أو فحم ونحوهما. كَدَأْبِ كعادة، أي دأبهم كدأب. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أهلكهم بها، والجملة مفسرة لما قبلها. الْمِهادُ الفراش. آيَةٌ علامة على صدق ما يقول الرسول. الْتَقَتا يوم بدر للقتال. مِثْلَيْهِمْ ضعفي المسلمين، بل أكثر منهم، إذ كانوا نحو ألف، والمسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. رَأْيَ الْعَيْنِ أي رؤية ظاهرة معاينة. يُؤَيِّدُ يقوي. إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور. لِأُولِي الْأَبْصارِ لذوي البصائر، أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنوا. سبب النزول: نزول الآية (12- 13) : روى أبو داود في سننه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك، والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ إلى قوله: لِأُولِي الْأَبْصارِ «1» المناسبة: ذكر الله تعالى في مطلع السورة مبدأ التوحيد والكتب الناطقة به وبخاصة القرآن وإيمان العلماء الراسخين به كله، ثم ذكر حال الكفرة وسبب كفرهم وهو اغترارهم في الدنيا بالمال والولد، وبيّن أنها لن تغني عنهم شيئا في الآخرة والدنيا.
التفسير والبيان:
وضرب على ذلك المثل بغزوة بدر حيث التقى جند الإيمان والرحمن بجند الكفر والشيطان، فانتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة، فلم تنفعهم كثرة الأموال والأولاد والسلاح. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار يوم القيامة، وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ، وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة 9/ 85] . وقد كانوا يقولون: نحن أكثر أموالا وأولادا، وما نحن بمعذبين، فرد الله عليهم بقوله: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [سبأ 34/ 37] . ومعنى قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي كذبوا بآياته ورسله وخالفوا كتابه ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه، وذلك يشمل وفد نجران والنصارى واليهود والمشركين، وكل كافر. فهؤلاء كلهم لن تنجيهم أموالهم ولا أولادهم، وأولئك المبعدون هم وقود النار وأهلها، وحطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء 21/ 98] . وصنيعهم وحالهم في تكذيب محمد صلّى الله عليه وسلّم وشريعته كحال آل فرعون ومن قبلهم من المؤتفكات كقبائل عاد وثمود، كذبوا بآيات الله، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والله شديد العقاب قوي العذاب. ثم هددهم الله وتوعدهم بالعقاب في الدنيا، فقال: قل يا محمد للكافرين ومنهم اليهود ستغلبون في الدنيا، وتحشرون يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد الذي
مهدتم لأنفسكم، أي يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. والآية أي الدلالة والعلامة على أنكم مغلوبون، وأن الله معزّ دينه، وناصر رسوله: التقاء جماعتين، إحداهما معتزة بكثرة مالها، مغترة بعددها، كافرة بالله، تقاتل في سبيل الشيطان، وهم مشركو قريش يوم بدر والأخرى فئة قليلة العدد، مؤمنة بالله، تقاتل في سبيل الله، وهم المسلمون في معركة بدر. فقد كان المؤمنون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، معهم فرسان، وست أدرع، وثمانية سيوف، وأكثرهم رجالة مشاة. وكان الكافرون نحو ألف، أي ثلاثة أمثال المسلمين في الواقع. روى محمد بن إسحاق عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدّة قريش، قال: كثير، قال: «كم تنحرون كل يوم؟» قال: يوما تسعا ويوما عشرا، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «القوم: ما بين تسعمائة إلى ألف» . لكن في رأي العين- وهي الرؤية المكشوفة الظاهرة لهم كسائر المعاينات- دلت الآية على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين فقط، أي ضعفيهم في العدد، وإن كانوا ثلاثة أمثالهم في العدد، لأن الله قللهم في أعينهم، حتى يقاتل الرجل المسلم رجلين، كما في قوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ، بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الانفعال 8/ 66] أي أن الله تعالى أراهم الكفار على غير عدتهم، لتقوى قلوبهم بذلك، وليطلبوا الإعانة من ربهم عز وجل ورأى المشركون المؤمنين مثلي عددهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع. هذا في بدر، أيد الله المؤمنين بنصره، وكذلك صدق الله وعده، فقتل
فقه الحياة أو الأحكام:
المسلمون يهود بني قريظة الذين خانوا العهد، ونقضوا الميثاق، ودخلوا مع المشركين في غزوة الأحزاب (أو الخندق) وأجلى المسلمون بني النضير المعتدين على حرمات الإسلام والمسلمين، وفتحوا خيبر، وفرضوا الجزية على من عداهم حينما قاتلوا المسلمين وبدؤوهم بالعدوان. والله دائما يؤيد ويدعم بمعونته من يشاء، كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدو، وتقليل الأعداء في عين المسلمين، كما قال تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا «1» ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [الأنفال 8/ 44] وقال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.. [آل عمران 3/ 123] . إن في هذا النصر الحاصل في بدر مع قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم عظة لمن عقل وتدبر، وأعمل البصيرة والفكر، ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، بشرط نصرة دين الله، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد 47/ 7] وقوله: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم 30/ 47] والمؤمن: هو من يشهد له القرآن بإيمانه، لا من يدعي الإيمان بلسانه، وأخلاقه وأعماله تكذب دعواه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشد الآيات إلى مبادئ ثلاثة كبري في ميزان الله وهي: 1- تأكد وقوع العذاب للكفار في نار جهنم، دون أن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا.
محبة الشهوات في الدنيا [سورة آل عمران (3) آية 14] :
2- الشأن والعادة المقررة: توجيه المؤاخذة وإيقاع العقاب الشديد بسبب الذنوب والتكذيب بآيات الله المتلوة، فلا يختلف الحكم بين كفار قريش وبين آل فرعون ومن قبله من قوم لوط وعاد وثمود غيرهم، كما قال تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا.. وقال: وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر 40/ 45- 46] وقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.. [الانفعال 8/ 54] . 3- النصر منوط بإرادة الله على وفق الحكمة الإلهية، ولمكافأة المؤمنين الممتثلين أوامر ربهم، وليست موازين النصر بالكثرة العددية أو بالتفوق في السلاح، وإنما بمقدار الإيمان والثقة بالله، فقد ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة 2/ 249] ودلت الآية على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم من وجهين: الأول- غلبة الفئة القليلة العدد الفئة الكثيرة العدد، وذلك على خلاف مجرى العادة، لما أمدهم الله به من الملائكة. والثاني- أن الله تعالى كان قد وعدهم إحدى الطائفتين، وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم المسلمين قبل اللقاء بالظفر والغلبة، وقال: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وكان كما وعد الله وأخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم. محبة الشهوات في الدنيا [سورة آل عمران (3) : آية 14] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
الإعراب:
الإعراب: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ: الله مبتدأ مرفوع، وحسن: مبتدأ ثاني، وعنده: خبر المبتدأ الثاني. والمبتدأ الثاني وخبره: خبر عن المبتدأ الأول. والمآب: مضاف إليه، أصله مأوب على وزن مفعل: من آب يئوب، إلا أنه نقلت حركة الواو إلى الهمزة، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها وقلبت ألفا نحو: مقام ومقال. البلاغة: حُبُّ الشَّهَواتِ أي المشتهيات، وعبّر بالشهوات عن الأعيان المشتهاة، مبالغة في كونها مشتهاة، محروصا على الاستمتاع بها. والقصد تخسيسها، وأن المزيّن لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير. ويوجد جناس ناقص بين الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ. المفردات اللغوية: زُيِّنَ حبّب لهم، والمزين: هو الله للابتلاء، أو الشيطان بوسوسته وتحسينه الميل إليها الشَّهَواتِ جمع شهوة: وهي ما تشتهيه النفس وتميل إليه وتستلذه، والمراد بها المشتهيات، كما يقال: شهوة فلان: الطعام، أي ما يشتهيه. وَالْقَناطِيرِ جمع قنطار: وهو المال الكثير، وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام وفي مكة: مائة رجل قد قنطروا الْمُقَنْطَرَةِ المجمعة الْمُسَوَّمَةِ الحسان المعلمة، من السومة: وهي العلامة، أو المرعية في المروج والمراعي: من أسام الدابة وسوّمها: رعاها وَالْأَنْعامِ: الإبل والبقر والمعز والغنم وَالْحَرْثِ الزرع والنبات ذلِكَ أي المذكور أو المتقدم ذكره مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتمتع به فيها ثم يفنى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره. المناسبة: ذكر في الآيات السابقة عاقبة الغرور بالمال والولد، ثم ذكر هنا وجه الغرور وسببه، تحذيرا للناس من استعباد الشهوات لأنفسهم، والانشغال بها عن أعمال الآخرة.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: حببت الشهوات للناس وحسّنت في أعينهم وقلوبهم، حتى صار حبها غريزة أو فطرة عندهم، فمن أحب شيئا ولم يزين له، يوشك أن يعدل عنه يوما ما، ومن زين له حبه، فلا يكاد يعدل عنه. ولقد عبر القرآن عن الأشياء المشتهاة بالشهوة ذاتها مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها، وإشارة إلى أن الشهوة مذمومة حتى يعتدل الإنسان في حبه لها، ويعدّل غريزته نحوها، ولا يحمله حبّه الدنيا حبا أعمى، وتعلقه بالزعامة الموقوتة، والمال الزائل على طمس معالم الحق وعدم الإيمان بدين الحق، الذي عرفوه كما عرفوا أبناءهم، مثل وفد نصارى نجران وغيرهم من زعماء الكفر. ومن المزين للشهوات؟ قيل: المزين هو الله للابتلاء والاختبار، بمعنى أن الله فطر الناس على حب هذه الشهوات، كما قال: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف 18/ 7] وقال: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام 6/ 108] . وقيل: المزين هو الشيطان بالوسوسة وتحسين الميل للشهوات للإضلال، كما قال تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [الأنفال 8/ 48] . وعلى أي حال، الإسلام دين ودنيا، فلا يقصد من هذه الآية المنع من مجرد حب معتدل للشهوات، وإنما الممنوع المبالغة في الحب والإسراف في الشهوات، والاشتغال بها، حتى تطغى على العقيدة والدين، ويهمل أمر الآخرة، بدليل قوله تعالى: قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف 7/ 32] . ثم ذكر الله تعالى أصنافا ستة من المشتهيات والملاذ وهي:
1 - النساء:
1- النساء: فإن الرجل متعلق بالمرأة، ميال إليها، فهي مطمح النظر، وموضع العناية، وإليها تسكن نفسه: لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم 30/ 21] وعليها ينفق ماله بسخاء. وبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» «1» . وقدم النساء على الأولاد مع أن حبهنّ قد يزول، وحب الأولاد لا يزول لأن حب الولد لا غلو ولا إسراف فيه، كحب المرأة. أما إذا كان القصد بتعلق الرجل بالمرأة هو الإعفاف وكثرة الأولاد، فهو مطلوب، مرغب فيه، مندوب إليه شرعا، قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا: المرأة الصالحة» «2» . وفي رواية: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة: إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» . ولم يمنع النبي صلّى الله عليه وسلّم من حب المرأة حبا معقولا فقال: «حبّب إلي من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» «3» . 2- البنون: أي الأولاد مطلقا، فهم فلذة الأكباد، وقرة الأعين. لكنهم مع الأموال فتنة تتطلب الحذر، كما قال تعالى: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن 64/ 15] والفتنة بالأولاد: الابتلاء بجمع المال لأجلهم.
3 - القناطير المقنطرة من الذهب والفضة:
وسبب حب الأولاد والزوجات واحد: هو بقاء النوع الإنساني، وحب بقاء الأثر والسمعة والذّكر. وعبر بالبنين ويشمل البنات من باب التغليب إذ أن حب الابن عادة أقوى من حب البنت لأن بقاء الذّكر والسمعة بين الناس يكون عن طريق البنين، ولأن الأنثى تنفصل من عشيرتها وتلتحق بعشيرة أخرى، ولأن الأمل بدعم الولد لوالده وكفالته له حين الحاجة يتعلق بالابن، ولأن مخاطر الأنثى أكثر من مخاطر الذكر. 3- القناطير المقنطرة من الذهب والفضة: المراد المال الكثير لأن العرب تريد بالقناطر المال الكثير، والمقنطرة تأكيد. وحب المال غريزة في البشر لأنه وسيلة لتحقيق الحوائج وتلبية الرغبات. جاء في السنة: «لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» «1» . وذم المال ليس لذاته، فهو نعمة من الله، وإنما لما يؤديه من طغيان وتكبر وفسوق كما قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق 96/ 6- 7] ، أما إذا أدى المسلم فيه حقوق الله والناس، وشكر النعمة، ووصل به الرحم، وأنفق منه في سبيل الله، كان خيرا وسببا للسعادة والتقرب من الله، جاء في الحديث الثابت المتقدم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» .
4 - الخيل المسومة:
4- الخيل المسوّمة: المعلمة أو التي ترعى في المراعي أو المطهّمة الحسان الأصيلة التي يقتنيها السادة والأغنياء: من المتع التي يفاخر بها الناس بعضهم، ويتنافسون فيها، وهي مذمومة إن كانت سببا للشر والبعد عن الله وإهمال واجبات الله. وتكون محمودة إن استخدمت للجهاد في سبيل الله، عملا بقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ [الأنفال 8/ 60] . قال العلماء أخذا بحديث: حب الخيل على ثلاثة أقسام: تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر، وتارة للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر. 5- الأنعام: وهي ثروة الناس الأصلية إلى عهد قريب، وبها معايشهم، وتفاخرهم وتكاثرهم، وهي زينة، فإن اقتناها صاحبها بقصد المعيشة كانت خيرا، وإن اقتناها مفاخرة ورياء، كانت شرا. 6- الحرث: الزرع والنبات: هو مصدر دائم للحياة في البادية والحضر، والحاجة إليه أشد من الحاجة لما سواه من الأنواع السابقة، فإن قصد به نفع العباد، كان صاحبه مأجورا، وإن قصد به التكثر والبطر كان عليه شرا. ثم وصف الله تلك الأصناف الستة وصفا عاما وهو أنها متاع يتمتع به في الدنيا، والله عنده حسن المآب أي المرجع في الحياة الآخرة. فعلى المؤمن ألا يغتر بهذه الشهوات، وإنما يعتني بها بجعلها مجرد وسيلة للمعيشة في الدنيا، ولا تشغله عن واجباته الدينية نحو الآخرة، فالمؤمن يعمل لسعادة الدارين، كما قال تعالى:
فقه الحياة أو الأحكام:
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة 2/ 201] . فقه الحياة أو الأحكام: الآية توبيخ لمعاصري محمد صلّى الله عليه وسلّم من اليهود وغيرهم، ممن صرفتهم الأهواء والشهوات عن اتباع دعوة الإسلام، فإذا أراد الإنسان النجاة من حساب الله يوم القيامة، ابتعد عن مزالق الشهوات الممنوعة، فإن اتباع الشهوات مرد في النار ومهلكة، جاء في صحيح مسلم عن أنس: «حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات» والمعنى أن الجنة لا تنال إلا بتجاوز المكاره وبالصبر عليها، وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. والشهوات المذكورة في الآية هي التي يحدث فيها الإفراط أو المغالاة أو التي تكون سببا للتفريط في الواجبات الدينية، فإن قصدت ضمن الحدود المعتدلة المعقولة لم تكن وبالأعلى صاحبها، وقد تكون سببا للثواب وزيادة الأجرة إن قصد بها الخير والصون والعفاف وتسخيرها في سبيل الله ومرضاته. قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتموّل به صنف من الناس: أما الذهب والفضة فيتموّل بها التجار، وأما الخيل المسوّمة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول بها أهل الريف والقرى. ودل قوله تعالى: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى، على تزهيد الناس في الدنيا وتحقيرها، والترغيب في الآخرة، روى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما الدنيا متاع، وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة» . وثبت في الحديث الصحيح: «ازهد في الدنيا يحبّك الله» أي ازهد في متاعها من الجاه والمال الزائد
الجنات التي هي خير من الدنيا ومفاتنها [سورة آل عمران (3) الآيات 15 إلى 17] :
على الضروري، وأخرج الترمذي عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف «1» الخبز والماء» . وأما قوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ فيدل على تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة. الجنات التي هي خير من الدنيا ومفاتنها [سورة آل عمران (3) : الآيات 15 الى 17] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) الإعراب: جَنَّاتٌ: مبتدأ، وخبره المقدم: للذين اتقوا، كقولك: لله الحمد. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ: جملة فعلية في موضع رفع صفة: جنات. خالِدِينَ فِيها منصوب على الحال من الَّذِينَ المجرور باللام. الَّذِينَ يَقُولُونَ الذين: بدل مجرور من قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ. الصَّابِرِينَ إما منصوب على المدح، وتقديره: أمدح الصابرين، وإما مجرور بدل من الذين، أو وصف للذين أو وصف للعباد.
البلاغة:
البلاغة: أَأُنَبِّئُكُمْ استفهام تقرير. بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ إبهام الخير لتفخيم شأنه والتشويق لمعرفته. لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ عبّر بكلمة الرب، وأضافها لضمير المتقين لإظهار مزيد اللطف بهم. المفردات اللغوية: أَأُنَبِّئُكُمْ أخبركم مِنْ ذلِكُمْ المذكور من الشهوات لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك مُطَهَّرَةٌ طاهرات من الفواحش والحيض والنفاس وَرِضْوانٌ رضا كثير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ عالم بهم، فيجازي كلا منهم بعمله. الصَّابِرِينَ على الطاعة وعن المعصية، والصبر: حبس النفس عند كل مكروه يشق عليها احتماله وَالصَّادِقِينَ في الإيمان. والصدق يكون في القول والعمل، والصفة كالحب وَالْقانِتِينَ المداومين على الطاعة والعبادة. وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ أي المصلين وقت السحر، القائلين: اللهم اغفر لنا. بِالْأَسْحارِ أواخر الليل، جمع سحر: وهو الوقت الذي يختلط فيه ظلام آخر الليل بضياء النهار. المناسبة: هذه الآية تفضيل وتفصيل، فهي تبين الأفضل من زخارف الدنيا وزينتها التي تشتمل على فضيلة إن استعملت في خير وحق ولم تؤد إلى إهمال الواجب نحو الله. وهي تفصل المراد من قوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ الذي أبهم فيه الخير تفخيما لشأنه وتشويقا إليه، ثم وضح بقوله تعالى: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ. التفسير والبيان: قل لهم يا محمد: أأخبركم بما هو خير من جميع الأصناف المذكورة للشهوات؟
وعبر بالاستفهام التقريري لاجتذاب الأنظار وتشويق النفوس إلى الجواب. ثم أجاب عن الاستفهام: للمتقين: جنات تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها أبدا، وزوجات طاهرات من النقائص والفواحش والشوائب كالحيض والنفاس. وهذا نعيم جسدي مادي: وهو الجنة، ولهم أيضا نعيم روحاني وهو رضوان الله الذي لا يشوبه شيء، وهو أعظم وأكبر من كل نعمة ولذة مادية. وقد بدأ بذكر المقر وهو الجنات، ثم ذكر ما يحصل به الأنس التام من الأزواج المطهرة، ثم ذكر ما هو أعظم الأشياء وهو رضا الله عنهم، فحصل بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني حيث علم برضا الله عنه. وقوله: للذين اتقوا عند ربهم جنات: جواب عن الاستفهام، وكلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من أصناف الشهوات، سواء استعملت في محالها ومواضعها التي خلقت من أجله: وهي تحقيق حوائج الناس، أو أسيء استعمالها، وقرن بها الشر والفساد، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم، أو تاجر صدوق في السوق؟ هو فلان. هذه الآية التي اشتملت على بيان نوعين من الجزاء: المادي وهو الجنة والأزواج، والروحي وهو رضوان الله، تشبه قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة 9/ 72] وقوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد 57/ 20] . ثم ختمت الآية بقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي خبير بأحوالهم، وبأسرارهم، وحقيقة تقواهم، فيجازي كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وفي هذا إيماء ليحاسب كل إنسان نفسه على التقوى، فليست التقوى بالمظاهر، وإنما
المتقي: من يعلم منه ربه التقوى. وهذه الجملة وعد ووعيد. ولما ذكر المتقين ذكر شيئا من صفاتهم. فذكر الله تعالى أوصاف المتقين، وهم الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بما أنزلته على رسلك إيمانا ثابتا راسخا في القلب، مهيمنا على كل أعمالنا، فاستر ذنوبنا بعفوك، وادفع عنا عذاب النار، إنك أنت الغفور الرحيم. وهم أيضا الصابرون على أداء الطاعات وترك المعاصي، الراضون بقضاء الله وقدره، ولا شك أن الصبر يقوي الإرادة، ويعصم النفس عن الانزلاق في الأهواء والشهوات والمنكرات. وهم الصادقون في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، يترجمون عنه بكل شيء حميد وخلق عال، كما قال تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر 39/ 33- 34] . وهم القانتون المداومون على الخشوع والطاعة والضراعة إلى الله، وذلك لب العبادة وروحها. والمنفقون أموالهم في سبيل الله نفقة واجبة أو مستحبة. والمستغفرون بالأسحار بالتهجد في آخر الليل، والدعاء بالمغفرة والرضا. والاستغفار المطلوب: ما يقرن بالتوبة النصوح والعمل على وفق حدود الدين، ولا يكفي الاستغفار باللسان مع الإقامة على المعصية، فإن المستغفر من الذنب، وهو مقيم على معصيته، كالمستهزئ بربه. وأفضل صيغة للاستغفار: ما رواه البخاري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: سيد الاستغفار أن تقول: «اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: إن نظرة الإنسان في الغالب آنية وقتية، لا ينظر إلى المستقبل البعيد، ولا يقارن بين الباقي الدائم والمنقطع الموقت، لذا كان القرآن أكبر مساعد للعقل على التزام جادة التفكير السوي والاستقامة. فإن الخالد المستمر أفضل من الذي يزول بسرعة، وهكذا كانت هذه الآية مع الآية السابقة مقارنة مبينة ما هو الأصلح للإنسان، تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها. وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه الصلاة والسلام: «تنكح المرأة لأربع: لما لها وحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك» «1» . والذي هو خير من الدنيا وشهواتها وكل ما فيها هو جنان الخلد وما فيها من متع خالصة كالحور العين والولدان المخلدين، وعبر عن الحور بالأزواج المطهرة المبرأة من عيوب نساء الدنيا خلقا وخلقا، وهو أيضا الفوز برضوان الله، وهو أعظم المتع كلها في الآخرة عند أهل التقوى، فإذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى لهم: «تريدون شيئا أزيدكم؟» فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: «رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا» «2» . والجمع بين الجنات والرضوان الإلهي يشير إلى أن أهل الجنة درجات، كما أن أهل النار في دركات، فمن أهل الجنة: من يرغب في لذات الدنيا الحسية، ومنهم من ارتقى إدراكه واشتد اهتمامه بقربه من ربه، فيتمنى رضاه ويفضله على أي شيء سواه.
والقصد من قوله: آمَنَّا في دعاء المتقين: الإيمان الصحيح الذي تصدر عنه آثاره من ترك المعاصي وفعل الصالحات، إذا الإيمان: اعتقاد وقول وعمل. وصرحت الآية بصفات المتقين: وهي الإيمان، والصبر، والصدق، والقنوت (الخشوع والطاعة) والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار: وهو الصلاة في آخر الليل (أي التهجد) وسؤال المغفرة، فإن المستغفرين بالأسحار يصلون ويستغفرون. وخص السحر بالذكر لأنه مظانّ القبول ووقت إجابة الدعاء. سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم جبريل: «أي الليل أسمع؟» فقال: «لا أدري غير أن العرش يهتزّ عند السحر» . والسحر: من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر، وقيل: هو سدس الليل الأخير. والأصح من هذا: ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني، فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» «1» . ووضحت وقت السحر رواية النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد: «إن الله عز وجل يمهل، حتى يمضي شطر الليل الأول..» وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح «2» . والاستغفار: طلب المغفرة باللسان مع حضور القلب لأن الله لا يستجيب دعاء غافل، لاه، معرض قلبه عن الله.
الشهادة بوحدانية الله وقيامه بالعدل ونوع الدين المقبول عند الله [سورة آل عمران (3) الآيات 18 إلى 20] :
الشهادة بوحدانية الله وقيامه بالعدل ونوع الدين المقبول عند الله [سورة آل عمران (3) : الآيات 18 الى 20] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) الإعراب: قائِماً بِالْقِسْطِ حال مؤكدة من هُوَ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ الدين اسم إن والإسلام خبره. ومن قرأ إِنَّ بفتحها، فهي بدل منصوب من قوله: أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بدل الشيء من الشيء، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال، على تقدير اشتمال الثاني على الأول لأن الإسلام يشتمل على شرائع كثيرة، منها التوحيد، ويجوز كونها بدلا مجرورا من بِالْقِسْطِ في قوله: قائِماً بِالْقِسْطِ بدل الشيء من الشيء. بَغْياً بَيْنَهُمْ في نصبه وجهان: إما لأنه مفعول لأجله أو لأنه حال من الذين. وَمَنْ يَكْفُرْ من: شرطية مبتدأ، وخبره: جملة، فإن الله سريع الحساب، والعائد من الجملة إلى المبتدأ مقدر، وتقديره: فإن الله سريع الحساب لهم. وَمَنِ اتَّبَعَنِ إما مرفوع بالعطف على تاء أَسْلَمْتُ أو مبتدأ وخبره محذوف، وتقديره: ومن اتبعن أسلم وجهه لله متبعا.
البلاغة:
أَأَسْلَمْتُمْ لفظة استفهام، والمراد به الأمر، أي أسلموا، مثل فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ أي انتهوا. البلاغة: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ الجملة معرفة الطرفين، فتفيد الحصر، أي لا دين إلا الإسلام. الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ التعبير بذلك عن أهل الكتاب لزيادة التشنيع والتقبيح عليهم. بِآياتِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة وإلقاء الروعة في النفوس. أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ أطلق الوجه، وأراد الكل، فهو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل. المفردات اللغوية: شَهِدَ اللَّهُ الشهادة: الإخبار المقرون بالعلم والإظهار والبيان إما بالمشاهدة الحسية، وإما بالمشاهدة المعنوية وهي الحجة والبرهان. والمراد: بيّن وأعلم الله تعالى لخلقه بالدلائل والآيات والبراهين «1» أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا معبود في الوجود بحق إلا هو وَأُولُوا الْعِلْمِ هم أهل البرهان القادرون على الإقناع، وهم الأنبياء والمؤمنون، بالاعتقاد واللفظ قائِماً بتدبير مصنوعاته، أي تفرد بِالْقِسْطِ بالعدل في الدين والشريعة وفي الكون والطبيعة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره تأكيدا الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في صنعه إِنَّ الدِّينَ أي الملة والشرع، والمراد: الدين المرضي هو «الإسلام» أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى، في الدين، بأن وحّد بعض وكفر بعض إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بالتوحيد بَغْياً حسدا أو ظلما من الكافرين سَرِيعُ الْحِسابِ المجازاة له. حَاجُّوكَ خاصمك الكفار يا محمد في الدين أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ انقدت له، وخص الوجه بالذكر، لشرفه، فغيره أولى أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ مشركي
سبب النزول:
العرب أَأَسْلَمْتُمْ أي أسلموا الْبَلاغُ التبليغ للرسالة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ خبير بأعمالهم، فيجازيهم عليها، وهذا من قبيل الأمر بالقتال. سبب النزول: لما ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلّى الله عليه وسلّم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله؟ فأنزل الله تعالى على نبيه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» . التفسير والبيان: بيّن الله تعالى لجميع الخلائق وحدانيته أو أنه المتفرد بالألوهية بالدلائل التكوينية والتصرفية في الآفاق والأنفس. وأخبر الملائكة الرسل بهذا، وشهدوا شهادة مؤيدة بعلم بدهي، وكذلك أخبر أولو العلم بذلك، وبينوه وشهدوا به شهادة مقرونة بالدليل والحجة، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة. وأنه القائم بالعدل في جميع الأحوال من العقائد والعبادات والآداب والأعمال وفي الكون والخليقة، ومن صفة العدل أنه يأمر حقا بالعدل في الأحكام، كما تقرر في نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل 16/ 90] وقوله:
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء 4/ 58] ، فالله عادل في الشريعة وفي الكون، حيث إنه أتقن نظام الكون وعدل بين القوى الروحية والمادية، وأقام التوازن الدقيق في الأحكام بين الإنسان والخالق، وبين الفرد والجماعة، وبين الإنسان وأخيه، وبين فئات الناس في مجتمع ما، بين الغني والفقير ونحو ذلك. ثم أكد سبحانه انفراده بالألوهية بقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ والعزيز: هو القوي الذي لا يغلب، الكامل القدرة، السامي العظمة والكبرياء. والحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح، سواء في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ثم ذكر نوع الدين الذي ارتضاه لعباده من بدء الخليقة إلى يوم القيامة: وهو دين الإسلام لا غيره، فهذا إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد، سوى الإسلام: وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، أي اتباع الملل والشرائع التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، فهم إن اختلفوا في الفروع، لم يختلفوا في الأصول وجوهر الدين: وهو التوحيد والسلام، والعدل في كل شيء. فمن لقي الله بعد بعثه محمد صلّى الله عليه وسلّم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران 3/ 85] . ومعنى الإسلام: السلام والصلح، والخضوع والانقياد لله، كما قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النساء 4/ 125] . وتشريع الدين له هدفان: تصحيح الاعتقاد وحصر معنى الألوهية والربوبية بالله تعالى، وإصلاح النفوس بالنية الخالصة لله وللناس وبالعمل الصالح.
ثم أخبر الله تعالى بأن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، وبأن محمدا هو خاتم الأنبياء وهو المبشر به عندهم: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة 2/ 146] . فصاروا شيعا ومذاهب يقتتلون في الدين، وتفرقت كلمتهم في شأن محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد ما جاءهم العلم اليقيني بنبوته، وبأن الدين واحد لا مجال للاختلاف فيه، إلا بسبب البغي والحسد، فكان ذلك سببا للفرقة، وكان اختلافهم في شأن محمد حسدا من عند أنفسهم، وبغيا بينهم، وحرصا على الدنيا وما فيها. والخلاصة: أن اختلافهم في أصل الدين الحق وفي نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم كان بسبب بغي بعضهم على بعض، وتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فخالف بعضهم البعض الآخر في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا. ثم هدد تعالى بأن من أنكر آيات الله التكوينية في الأنفس والآفاق وجحد ما أنزل الله في كتابه مما يوجب الاعتصام بالدين ووحدته، فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم حسم الله تعالى مجادلة أهل الكتاب وغيرهم في التوحيد، فقال: فإن جادلك أهل الكتاب أو غيرهم في التوحيد، فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له، ولا ندّ له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، وهذا مبدئي ومبدأ من اتبعني على ديني من المؤمنين، كما قال تعالى: قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي، أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف 12/ 108] فلا فائدة في الجدل مع أمثال هؤلاء، بعد أن قامت الأدلة على وجود الله ووحدانيته، وبطلت شبهات الضالين. ثم قال تعالى آمرا عبده ورسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به، أهل الكتاب ومشركي العرب، فيقول لهم:
فقه الحياة أو الأحكام:
أسلموا، فإن أسلموا فقد اهتدوا إلى الصراط المستقيم، وتركوا الضلال، وإن أعرضوا عن الاعتراف بما سألتهم عنه، فلن يضيرك شيء، إذ ما عليك إلا البلاغ فقط، والله خبير بعابده عليم بحالهم وبمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، فيحاسبهم ويجازيهم. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآية (18) : إثبات وحدانية الله بالأدلة التكوينية التي أبانها الله في الآفاق والأنفس وإنزال آيات التشريع، وأخبر الملائكة والعلماء بذلك وبينوه، قال القرطبي: دلت الآية على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء. ويؤكده أنه تعالى أمر نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يستزيد من العلم، بقوله: وَقُلْ: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. وقال صلّى الله عليه وسلّم فيما جاء في السنن: «العلماء ورثة الأنبياء» وقال: «العلماء: أمناء الله على خلقه» «1» . وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحلّ لهم في الدّين خطير «2» . روى أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من قرأ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، عند منامه، خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة» . وأعلنت الآية (19) أن الدين المرضي عند الله هو الإسلام فقط، والإسلام هو الإيمان بالله وإطاعة أوامره، وهو شيء واحد متفق عليه بين جميع الأنبياء. وأما الخلاف في الدين أي الملة فحاصل من قبل الأتباع والأنصار، حسدا وظلما. ويكون القصد من الآية نبذ الفرقة والخلاف في الدين، والابتعاد عن التفرق فيه إلى شيع ومذاهب لأن اختلاف أهل الكتاب في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا، فقد أبانت كتبهم صفته ونبوته،
وأوضحت أن الله إله واحد، وأن جميع الخلائق عبيده، لذا وجب على أهل الإيمان الصادق نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والاتفاق بين أتباع الدين، بالاعتقاد بوحدانية الله، والتصديق برسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع البشر، كما دل عليه القرآن والسنة في غير ما آية وحديث، منها قوله تعالى: قُلْ: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف 7/ 158] ومنها أيضا: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان 25/ 1] . وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة: أنه صلّى الله عليه وسلّم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيهم ومشركهم، امتثالا لأمر الله بذلك. وروى مسلم وعبد الرزاق عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» . وقال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الثابت: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال فيما رواه الشيخان والنسائي عن جابر: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» . وروى البخاري عن أنس: أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي صلّى الله عليه وسلّم وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي صلّى الله عليه وسلّم، فدخل عليه، وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا فلان، قل: لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول: «الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» .
جزاء قتل الأنبياء [سورة آل عمران (3) الآيات 21 إلى 22] :
جزاء قتل الأنبياء [سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 22] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) الإعراب: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ خبر: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ. ودخلت الفاء في الخبر، لشبه اسمها الموصول بالشرط، أي ضمّن معنى الشرط، أو للإبهام الذي في الَّذِينَ مع كون صلته جملة فعلية. ولا يجوز أن تدخل الفاء في خبر الذي إذا وقع مبتدأ حتى يكون صلته جملة فعلية، ولم يغيّر العامل معناها. فلو كانت صلته جملة اسمية نحو: الذي أبوه منطلق فقائم، أو غيّر العامل معناها نحو: ليت الذي انطلق أبوه فقائم، لم يجز دخول الفاء في خبره. البلاغة: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ استعمل البشارة في الشّر، والأصل أن تكون في الخير، للتهكم ويسمى «الأسلوب التهكمي» مثل قوله: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً حيث نزل الإنذار منزلة البشارة. المفردات اللغوية: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ المراد بهم اليهود خاصة. بِغَيْرِ حَقٍّ أي بغير شبهة لديهم. بِالْقِسْطِ بالعدل. مِنَ النَّاسِ وهم اليهود، روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيّا، فنهاهم مائة وسبعون من عبّادهم، فقتلوهم من يومهم كما ذكر السيوطي. فَبَشِّرْهُمْ أعلمهم، والبشارة: الخبر السّارّ، واستعمالها في الشّر من باب التّهكم بهم والسّخرية. بِعَذابٍ أَلِيمٍ مؤلم. حَبِطَتْ بطلت. أَعْمالُهُمْ ما عملوا من خير، كصدقة وصلة رحم. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ مانعين من العذاب.
سبب النزول:
سبب النزول: قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل، جاءهم النّبيون يدعونهم إلى الله عزّ وجلّ، فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين، فأمروهم بالإسلام، فقتلوهم ففيهم نزلت هذه الآية. وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية. ذكره المهدي وغيره. فهذه الآية جاءت وعيدا لمن كان في زمانه صلّى الله عليه وسلّم. التفسير والبيان: كانت الآيات السابقة في تبيان اختلاف أهل الكتاب الذي نشأ من البغي بعد أن جاءهم العلم اليقيني، وفي محاجّة أهل الكتاب والمشركين للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم ذكر هنا موقف اليهود من الأنبياء، ومنهم النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم الذي همّوا أيضا بقتله زمن نزول الآية، ويتمثّل موقفهم فيما يأتي: إن الذين يجحدون من اليهود بآيات الله بعد معرفتها في كتبهم، ويقتلون الأنبياء، كما فعلوا بزكريا ويحيى عليهما السلام بغير شبهة لديهم، ولا حق ولا ذنب إلا أنهم قالوا: ربّنا الله، وجهروا بالحق، وبلغوا الرّسالة، ويقتلون الحكماء الذين يأمرون الناس بالعدل والقسط، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومرتبة هؤلاء في الإرشاد تلي مرتبة الأنبياء، أنبئ هؤلاء بالعذاب الأليم في الدّنيا والآخرة. هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم الشنيعة، البعيدون في الضلال، بطلت أعمالهم في الدّنيا والآخرة، وما لهم في الآخرة من ناصرين ينصرونهم من
فقه الحياة أو الأحكام:
بأس الله وعذابه، كما قال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء 26/ 88] . والإخبار عن اليهود السابقين، ونسبة الكفر إلى اليهود المعاصرين للنّبي صلّى الله عليه وسلّم لأنهم راضون عنه، بل إنهم همّوا بمثل فعل آبائهم بقتل النّبي صلّى الله عليه وسلّم إمعانا في الفساد والضلال. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى وقائع خطيرة وأحكام مهمة متعلقة باليهود وغيرهم: 1- اليهود كانوا قتلة الأنبياء والحكماء أو العلماء، وكفروا بآيات الله وشرائعه التي بلّغتها إياهم الرّسل، استكبارا عليهم وعنادا لهم، وتعاظما على الحق، واستنكافا عن اتّباعه، فذمّهم الله على مآثمهم. 2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النّبوة. قال الحسن: قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه» . وجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فارقا بين المؤمنين والمنافقين، فقال: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة 9/ 67] . ثم قال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة 9/ 71] . فدلّ على أن أخصّ أوصاف المؤمن: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ورأسها الدعوة إلى الإسلام والقتال عليه. وهناك أحكام أخرى متعلقة بمبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها: أ- ليس من شرط النّاهي أن يكون عدلا، عند أهل السّنة لأن الأمر
بالمعروف والنّهي عن المنكر عام في جميع الناس. ب- أجمع المسلمون- فيما ذكر ابن عبد البر- أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدّى إلى الأذى، فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه، فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. والأحاديث في هذا المبدأ ومراحل تطبيقه كثيرة جدا، ولكنها مقيدة بالاستطاعة. روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوامّ الناس. ويبدأ بإزالة المنكر بالأخف فالأخف، باللسان أولا، ثم بالعقوبة، أو بالقتل. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره، فله ذلك ولا شيء عليه. ج- متى يترك؟ أخرج ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» ، قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» ، قال زيد: تفسير معنى قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «والعلم في رذالتكم» إذا كان العلم في الفسّاق. 3- قد جعل الله وعيد الكفار ومنهم اليهود ثلاثة أنواع: أ- إيقاع العذاب الأليم في الدّنيا والآخرة، الألم والقلق والاضطراب في الدّنيا، ونار جهنم في الآخرة. ب- إحباط الأعمال في الدّنيا والآخرة، ففي الدّنيا الذّم والخزي واللعن،
إعراض أهل الكتاب عن حكم الله [سورة آل عمران (3) الآيات 23 إلى 25] :
وفي الآخرة العذاب كما قال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان 25/ 23] . ج- دوام هذا العذاب لقوله تعالى: وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. والخلاصة: ذكرت هذه الآية ثلاثة أوصاف لليهود: أولها- الكفر بآيات الله، وهو أقوى الأسباب في عدم المبالاة بما يقع من الأفعال القبيحة. وثانيها- قتل من أظهر آيات الله واستدلّ بها. وثالثها- قتل أتباعهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر «1» . إعراض أهل الكتاب عن حكم الله [سورة آل عمران (3) : الآيات 23 الى 25] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) الإعراب: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ كيف: استفهام عن الحال، وهو هاهنا بمعنى التهديد والوعيد، وهي منصوبة بفعل مقدّر، وتقديره: في أي حال يكونون إذا جمعناهم. وإذا: منصوب
المفردات اللغوية:
على الظرف. ولِيَوْمٍ اللام تتعلق بجمعناهم. ولا رَيْبَ فِيهِ في موضع جرّ صفة ليوم. المفردات اللغوية: أَلَمْ تَرَ استفهام للتعجب من حالهم. نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ حظّا من التّوراة، والمراد: أحبار اليهود أو اليهود أنفسهم، ومن: إما للتبعيض، وإما للبيان. يُدْعَوْنَ يطلبون، وهو حال والداعي هو النّبي صلّى الله عليه وسلّم كِتابِ اللَّهِ التوراة أو القرآن. لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أي ليفصل بين اليهود. ثُمَّ يَتَوَلَّى يعرض بالبدن أو بالقلب. مُعْرِضُونَ عن قبول حكمه. ذلِكَ التولي والإعراض. يَفْتَرُونَ يختلقون ويكذبون. لا رَيْبَ فِيهِ لا شكّ فيه، وهو يوم القيامة. ما كَسَبَتْ عملت من خير أو شرّ. وَهُمْ أي الناس. لا يُظْلَمُونَ بنقص حسنة أو زيادة سيئة. سبب النزول: نزول الآية (23- 24) : أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيت المدراس «1» على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: «على ملّة إبراهيم ودينه» ، قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فهلمّا إلى التّوراة، فهي بيننا وبينكم» فأبيا عليه، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى قوله: يَفْتَرُونَ. المناسبة: الآيات استمرار في تعداد قبائح اليهود، ولكنها خطاب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم يستدعي التّعجب من شأنهم، وهو أنهم يرفضون التّحاكم إلى كتابهم، بدافع الغرور والكبرياء، واغترارهم باتّصال نسبهم بالأنبياء، وزعمهم النّجاة من عذاب الله يوم القيامة، فردّ الله عليهم بأن الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: انظر يا محمد وتعجّب من صنع هؤلاء اليهود الذين يحفظون بعض كتابهم الذي أوحاه الله لنبيّهم موسى عليه السلام، وفقدوا سائره أو حرّفوه وغيّروه لأن التّوراة كتبت بعد موسى بخمسمائة سنة، وبقي الجزء الذي فيه بشارة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وموضع العجب: أنهم يرفضون قبول حكم كتابهم، حينما زنى بعض أشرافهم، وحكّموا النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فحكم بمثل حكم التّوراة، فتولّوا وأعرضوا عن قبول حكمه. وعمم ابن كثير الآية وجعلها إنكارا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التّوراة والإنجيل «1» . فإذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم أي بعد تردّد في قبول الحكم، ثم أدبروا وهم معرضون. وفي قوله: فَرِيقٌ مِنْهُمْ إشارة إلى أن منهم طائفة متمسكة بالحق كعبد الله بن سلام وغيره، كما قال تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف 7/ 159] . وفي قوله: وَهُمْ مُعْرِضُونَ إشارة إلى دوام إعراضهم. ثم ذكر الله تعالى سبب هذا التّولي والإعراض أو العناد والجحود: وهو اعتقادهم النّجاة، فاليهودي يعتقد أنه مهما فعل لن يدخل النار إلا أياما معدودة، ثم يدخل الجنة، فلم يبالوا بارتكاب المعاصي والذنوب، اعتمادا على اتّصال نسبهم بالأنبياء. وهذه الآية مثل قوله تعالى: وَقالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً، قُلْ: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً، فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟ [البقرة 2/ 80] . ولم يثبت في عدد الأيام التي يدخلون فيها النار شيء، وقيل: هي أربعون يوما، وهي مدّة عبادتهم للعجل.
فقه الحياة أو الأحكام:
وغرهم افتراؤهم في الدين أي خدعهم ما كانوا يختلقونه في الدّين، كقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وسيشفع لنا الأنبياء، ونحن أولاد الأنبياء، وشعب الله المختار، وإن الله وعد يعقوب ألا يعذّب أبناءه إلا تحلّة القسم أي مدّة قصيرة. فكيف يصنعون إذا جمعناهم للجزاء في يوم لا شك فيه، يوم تتقطع فيه الأنساب، ولا ينفع فيه مال ولا بنون، يوم توفّى كل نفس ما عملت من خير أو شرّ، دون نقص، وهم لا يظلمون فلا يزاد في العذاب شيء، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء 21/ 47] . فقه الحياة أو الأحكام: توجب الآيات الالتزام في الأحكام الشرعية وأحكام القضاء بما أمر الله به في كتابه، وتندّد بفعل اليهود وغيرهم الذين إذا دعوا إلى التّحاكم بكتاب الله، وما فيه من اتّباع محمد صلّى الله عليه وسلّم، تولوا وهم معرضون عن حكم الله. وهذا في غاية ما يكون من ذمّهم ووصفهم بالمخالفة والعناد. وتندّد الآيات أيضا بمزاعم اليهود أنهم ناجون يوم القيامة من النّار، وأنهم يعتمدون على الأنساب، وكونهم من سلالة الأنبياء، وأنهم شعب الله المختار. والحقيقة أن الجزاء يكون على قدر العمل من خير أو شرّ. وفي الآية دليل على أن من دعي إلى مجلس الحاكم ليحكم بينه وبين خصمه بكتاب الله، وجب عليه أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه، فإن لم يجب زجر وعزر. واستنبط المالكية من الآية أنها تدلّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا ما علمنا نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا إذا ثبتت من طريق المسلمين بنقل صحيح. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده
دلائل قدرة الله وعظمته وتصرفه في خلقه والتفويض إليه [سورة آل عمران (3) الآيات 26 إلى 27] :
غير أمين عليها، وقد غيّرها وبدّلها، بل ولم يثبت نقلها إلى موسى عليه السلام، وإنما كتبت بعده بخمسة قرون. ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغيّر ولم يتبدّل، جاز لنا قراءته. والبرهان القاطع الساطع المصادم أن هؤلاء الكتابيين المعتمدين على مجرد الأوهام والمزاعم والأباطيل، كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادّعوها في الدّنيا، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم. وهذا تهديد ووعيد. دلائل قدرة الله وعظمته وتصرفه في خلقه والتفويض إليه [سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 27] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) الإعراب: الجمل كلها في الآية الأولى جمل فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير مالِكَ، ويجوز كونها في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: أنت تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. وكذلك الجمل في الآية الثانية مثل الآية الأولى في النصب والرفع. البلاغة: يوجد طباق بين تُؤْتِي وتَنْزِعُ، وتُعِزُّ وتُذِلُّ، واللَّيْلَ والنَّهارِ، والْحَيَّ والْمَيِّتِ. ويوجد جناس ناقص بين مالِكَ والْمُلْكِ.
المفردات اللغوية:
وهناك ما يسمى بردّ العجز على الصدر في تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ووَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ. والتّكرار في جمل تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ للتفخيم والتعظيم. والإيجاز بالحذف في قوله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ أي من تشاء أن تؤتيه. وكذا في قوله: تَنْزِعُ وتُعِزُّ وتُذِلُّ. وفي قوله: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ استعارة لإدخال هذا على هذا، وهذا على هذا، فما ينقصه الليل يزيده في النهار والعكس. ولفظ الإيلاج أبلغ في التعبير عن الإدخال. الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... الحيّ والميّت مجاز عن المؤمن والكافر، شبه المؤمن بالحيّ والكافر بالميّت. بِيَدِكَ الْخَيْرُ أي والشر خلقا وتقديرا: قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ولكنه ذكر الخير دون الشّر تأدّبا مع الله، فلا ينسب له الشّر أدبا. المفردات اللغوية: اللَّهُمَّ أي يا الله. الْمُلْكِ السلطة والتصرف في الأمور. تُؤْتِي تعطي. تَنْزِعُ تقلع وتخلع. مَنْ تَشاءُ أي من خلقك. وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بإيتائه. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بنزعه منه. بِيَدِكَ الْخَيْرُ بقدرتك الخير، أي والشرّ خلقا وتقديرا، لا كسبا وعملا. تُولِجُ تدخل، ويراد به زيادة زمان النهار في الليل وبالعكس بحسب الفصول والبلاد، فيزيد كلّ منهما بما نقص في الآخر. قال السيوطي: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كإخراج الإنسان من النطفة، والطائر من البيضة. وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ كالنطفة والبيضة. بِغَيْرِ حِسابٍ أي رزقا واسعا. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سأل ربّه أن يجعل ملك الرّوم وفارس في أمته، فأنزل الله: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ الآية.
المناسبة:
وقال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكّة، ووعد أمته ملك فارس والرّوم، قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والرّوم؟ هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة، حتى طمع في ملك فارس والرّوم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: هذه الآية بقصد تسلية النّبي صلّى الله عليه وسلّم أمام موقف المشركين وأهل الكتاب بإنكار دعوته فيما ذكرته الآيات السابقة، والتذكير له بقدرته تعالى على نصرة دينه وإعلاء كلمته، فكان المشركون ينكرون النّبوة لرجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وأهل الكتاب ينكرون النّبوة في غير بني إسرائيل. التفسير والبيان: إذا أعرض المشركون وأهل الكتاب كوفد نجران عن قبول دعوتك يا محمد، فالجأ إلى الله مالك الملك وصاحب الأمر، وتوجه إليه وقل: يا الله، يا مالك الملك، لك السلطان المطلق، وأنت المتصرف في خلقك، الفعّال لما تريد، ومدبّر الأمور على وفق حكمتك، فأنت المعطي وأنت المانع، تؤتي الملك والنّبوة من تشاء من عبادك، وتنزع الملك ممن تشاء من خلقك، كما نزعت النّبوة من بني إسرائيل ببعثة رسولك العربي القرشي الأمي المكي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن. والظاهر المتبادر أن المراد بالملك: السلطة والتصرف في الأمور، وأنه تعالى صاحب السلطان المطلق في تدبير الأمور وتحقيق التوازن في الكائنات. والله يعطي من يشاء إما النّبوة فقط كهود ولوط، وإما الملك فقط كالملوك الغابرين والمعاصرين، وإما الملك والنّبوة كآل إبراهيم ومنهم داود وسليمان:
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء 4/ 54] ، وهكذا يعطي النّبوة لمن يريد، كما قال تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام 6/ 124] ، وقال: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [الإسراء 17/ 21] . وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء، وللعزّة والذلّة مظاهر وآثار، ولا يتوقف ذلك على الملك أو المال، فكم من ملك ذليل، وكم من غني مهين، وكم من فقير عزيز. ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلّتها، فقد كان المشركون في مكة واليهود ومنافقو العرب في المدينة يغترون بكثرتهم على النّبي صلّى الله عليه وسلّم والفئة القليلة المؤمنة، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئا، كما قال تعالى: يَقُولُونَ: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون 63/ 8] . بقدرتك وحدك الخير كلّه، تتصرّف فيه بحسب مشيئتك، فكل ما كان أو يكون فيه الخير والنعمة إما لصاحبه أو للجماعة، إنك صاحب القدرة المطلقة على كل شيء، خير أو شرّ، فأنت المفوض إليك كل شيء، ونحن المتوكّلون عليك. وذكر الخير، مع أنّ كلّا من الخير والشّر بقدرته، لمناسبته للمقام، بتحويل النّبوة والملك من قوم إلى قوم ومن شخص إلى شخص. والخير: شامل للنصر والغنيمة والعزّة والجاه والمال ونحو ذلك مما يرغب به الإنسان ويحرص عليه: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ. ومن مظاهر القدرة الإلهية وإبراز تمام الملك والعظمة إدخال الليل في النهار، زيادة ونقصا، فتأخذ من طول هذا، فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا، فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وقد يطول التفاوت جدا في بعض البلاد والأوقات، وهكذا يتفاوت طول الليل والنهار وقصره بحسب فصول
السنة ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء، وبحسب مواقع البلدان الجغرافية، فقد يكون الليل ستة أشهر والنهار كذلك، وقد يطول النهار إلى ثماني عشرة أو عشرين ساعة، وقد تطلع الشمس في بعض البلاد والأزمان بعد غروبها بساعة أو أكثر. بيده تعالى أمر الزمان، كما قال: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر 39/ 67] . وهو الذي خلق الأرض مكورة يلف عليها الليل والنهار: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر 39/ 5] ، والتّكوير: اللف على الجسم المستدير، وجعل الشمس دليلا على النّهار. وتخرج الحيّ من الميّت إما إخراجا ماديا كالنخلة من النواة، والزرع من الحب، والإنسان من النّطفة، والطائر من البيضة، أو إخراجا معنويا كالعالم من الجاهل والمؤمن من الكافر. وتخرج الميّت من الحيّ ماديا ومعنويا أيضا كالنّواة من النّخلة، والبيضة من الطائر، والجاهل من العالم، والكافر من المؤمن. وفسّر بعض الأطباء إخراج الحيّ من الميّت: بأن الحيّ ينمو بأكل أشياء ميتة، فالصغير يكبر جسمه بتغذية اللبن أو غيره، والغذاء شيء ميّت. وأما إخراج الميت من الحيّ فهو الإفرازات مثل اللبن، فهو سائل ليس فيه حياة، ومثله اللحوم ومنتجات الزروع والنباتات، بخلاف النّطفة فإن فيها حيوانات حيّة، وهكذا ينمو الحيّ من الميّت، ويخرج الميّت من الحيّ. وترزق من تشاء بغير حساب، أي تعطي من شئت من المال والرّزق بغير عدّ ولا حصر ولا إحصاء، ولا إعياء ولا تعب «1» ، فلك خزائن السّموات والأرض،
فقه الحياة أو الأحكام:
وتقتّر على آخرين على وفق حكمتك وإرادتك ومشيئتك. فقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ أي بغير تضييق ولا تقتير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، كأنه لا يحسب ما يعطي. وأنت القادر على انتزاع الملك من العجم إلى العرب، والنّبوة من بني إسرائيل إلى العرب. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على أن الله تعالى صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة، والإرادة والمشيئة العليا، بيده الخير والشّر خلقا وتقديرا، لا كسبا، فالخير منه مطلقا، والشّر لا ينسب إليه أدبا، وإنما ينسب لفاعله. وإنّ النّبوة والملك والرّزق بيده تعالى، يمنحها بحسب الإرادة ومقتضى الحكمة البالغة، والحجة التامة. وإنّ إدخال الليل بالنهار وإدخال النهار بالليل دليل على كروية الأرض ودورانها لأن تعاقب الليل والنهار، وتفاوت مقدارهما بحسب الفصول والأزمنة والأمكنة يشير إلى الكروية والدوران. ويخرج الله الحيّ من الميّت، والميّت من الحيّ بكلّ من المعنى المادي والمعنوي المتقدم. وإنعامه عام يتولى من يشاء، والرزق على الله مضمون، يعطي منه ما يشاء ويمنع بمقتضى الحكمة والإرادة والمشيئة. روى الطبراني عن ابن عباس عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: في هذه الآية من آل عمران: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
موالاة الكافرين والتحذير من الآخرة [سورة آل عمران (3) الآيات 28 إلى 30] :
موالاة الكافرين والتحذير من الآخرة [سورة آل عمران (3) : الآيات 28 الى 30] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) الإعراب: لا يَتَّخِذِ لا ناهية، فالفعل مجزوم، أو نافية، فالفعل مرفوع، وتكون الجملة خبرية في معنى النهي. فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي ليس من دين الله أو ثواب الله في شيء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. مِنَ اللَّهِ في موضع نصب على الحال لأن التقدير: فليس في شيء كائن من دين الله. فلما قدم صفة النكرة عليها انتصب على الحال. وفِي شَيْءٍ: في موضع نصب، خبر ليس. وتُقاةً منصوبة على المصدر. وأصلها وقية فأبدل الواو تاء ومن الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تقاة. يَوْمَ تَجِدُ يوم: منصوب بفعل مقدر، وتقديره: اذكر يوم تجد كل نفس. وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ما: إما بمعنى الذي، وهي معطوفة بالنصب على ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وجملة: تودّ منصوبة على الحال، أو هي مرفوعة مبتدأ وخبره: تَوَدُّ. وإما أن تكون ما شرطية مبتدأ، وعملت: فعل الشرط، وتَوَدُّ: جواب الشرط خبر المبتدأ. البلاغة: يوجد طباق في تُخْفُوا وتُبْدُوهُ، وفي مِنْ خَيْرٍ ومِنْ سُوءٍ، وفي مُحْضَراً وبَعِيداً.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: أَوْلِياءَ مفرده ولي وهو النصير والمعين. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي يواليهم. فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ أي ليس من دين الله في شيء. إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً مصدر تقية، أي تخافوا مخافة، فلكم موالاتهم باللسان دون القلب. وهذا في حال ضعف المسلم بأن يكون في بلد ليس قويا فيها. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يخوّفكم الله أن يغضب عليكم إن واليتموهم. وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ المرجع، فيجازيكم. مُحْضَراً حاضرا لديها. أَمَداً بَعِيداً الأمد: المدة التي لها حدّ محدود، والمراد: غاية في نهاية البعد، فلا يصل إليها. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ كرر للتأكيد. سبب النزول: نزول الآية (28) : أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد- وهؤلاء كانوا من اليهود- قد بطنوا (لازموا) بنفر من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيتمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم (ملازمتهم) ، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا، فأنزل الله فيهم: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ.. الآية. أي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المؤمنين كانوا يوالون رجالا من اليهود، فحذرهم جماعة من المؤمنين من تلك الموالاة أو المخالطة والمصاحبة، فأبوا النصيحة، وظلّوا على ملازمة اليهود ومباطنتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي أيضا عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري البدري النقيب، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النّبي صلّى الله عليه وسلّم يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ الآية.
المناسبة:
المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أن الأمر بيد الله، وأنه مالك الملك، المعزّ والمذلّ، المعطي والمانع، وأنه على كلّ شيء قدير، نبّه المؤمنين إلى أنه يجب الالتجاء إليه وحده والاستعانة بأوليائه دون أعدائه، وأنه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، أو يستعينوا بهم لقرابة أو صداقة قديمة. وقد جاء في هذا المعنى آيات كثيرة، منها: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [آل عمران 3/ 118] ، لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة 58/ 22] ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة 5/ 51] ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً [النساء 4/ 144] ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ... إلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [الممتحنة 60/ 1] ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ [الأنفال 8/ 73] . وفي مقابل ذلك قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة 9/ 71] . التفسير والبيان: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، ثم توعّد على ذلك بقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ فلا يحلّ للمؤمنين اتّخاذ الكافرين أولياء لقرابة أو صداقة أو جوار ونحو ذلك، يطلعونهم على أسرارهم، ويودونهم، ويقدمون مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، وإن كان في ذلك مصلحة خاصة،
فالمصلحة العامة أولى وأحقّ بالمراعاة. فإن كانت الموالاة والمحالفة لمصلحة المسلمين، فلا مانع منها، فقد حالف النّبي صلّى الله عليه وسلّم خزاعة، وهم على شركهم. وإنما الواجب موالاة المؤمنين بعضهم بعضها، والاعتماد عليهم في الشؤون العامة. قال ابن عباس: نهى الله أن يلاطفوا الكفار، فيتّخذوهم أولياء. ومعنى الموالاة الممنوعة: الاستنصار بهم والتعاون معهم والاستعانة بهم لقرابة أو محبة، مع اعتقاد بطلان دينهم لأن الموالاة قد تجرّ إلى استحسان طريقتهم، والموالاة بمعنى الرّضا بكفرهم كفر، لأن الرّضا بالكفر كفر. أما الموالاة بمعنى المعاشرة الجميلة في الدّنيا بحسب الظاهر، مع عدم الرّضا عن حالهم، فليس ممنوعا منه. ومن يوالي الكافرين من غير المؤمنين أي يتجاوز المؤمنين إلى الكفار، كأن يكون جاسوسا للكفار، فليس من دين الله ولا من حزبه أو من ولاية الله في شيء، أي يكون بينه وبين الله غاية البعد، ويطرد من رحمته، ويكون منهم، ولا يكون مطيعا لدينه، كما قال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ: إشارة إلى اتّخاذهم أولياء، وهذا يدلّ على المبالغة في ترك الموالاة إذ نفى عن متوليهم أن يكون في شيء من الله. ثم استثنى سبحانه حالة تجوز فيها موالاة الكفار، وهي حالة الخوف من شيء، يجب اتّقاؤه منهم، كالقتل مثلا أي حال اتّقاء الضّرر فتجوز موالاتهم حينئذ لأن «درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح» . وإذا جازت موالاتهم لدفع الضّرر، فتجوز لنفع الإسلام والمسلمين. ويكون ذلك للضّرورة، مثل النّطق بالكفر حال الإكراه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل 16/ 106] . ويحذركم الله عقابه، وفي ذكر نَفْسَهُ إشارة إلى أن الوعيد صادر منه
فقه الحياة أو الأحكام:
تعالى، وأنه القادر على إنفاذه، ولا يعجزه شيء عنه. وهذا تهديد شديد على المخالفة. وإلى الله مرجع الخلق وجزاؤهم، فيحاسب كل امرئ بما عمل، ويجازيه بما فعل. ثم بيّن تعالى سعة علمه بالمخلوقات، فإن تخفوا ما صدوركم وتكتموه، أو تبدوه وتظهروه، فالله يعلمه ويجازي عليه، وهو يعلم كل شيء في السّموات والأرض، ومنه الميل إلى الكفار أو البعد عنهم. والله قدير على عقوبتكم، فلا تعصوا نواهيه، إذ ما من معصية ظاهرة أو خفية إلا يعلمها. واحذروا يوم الآخرة الذي تجد فيه كل نفس ما عملت في الدّنيا من خير حاضرا لديها، فتسرّ وتنعم بما عملت، وتجد ما عملت من شرّ صغر أو كبر حاضرا أيضا، فتساء وتندم، وادّة أن يكون بينها وبين عملها بعد طويل ومسافة كبعد المشرقين. ثم أكّد تعالى تحذيره، فيحذركم الله عقابه وسخطه من ارتكاب المخالفات، وعليكم ترجيح جانب الخير على الشّر. والله بهذا التحذير والتهديد رؤف بعباده، إذ أنذرهم عاقبة أمرهم، وعرّفهم جزاءهم ومصيرهم. قال الحسن البصري: ومن رأفته أن حذّرهم نفسه، وعرّفهم كمال علمه وقدرته لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة، دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه. فقه الحياة أو الأحكام: 1- دلّت الآية على تحريم الاطمئنان إلى الكفار أو الثقة بهم والرّكون إليهم في أمر عام، والتّجسس لهم، واطّلاعهم على أسرار المسلمين الخاصة بمصلحة
الدّين، واتّخاذهم أولياء وأنصارا في شيء تقدّم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة لأن فيه إعانة للكفر على الإيمان. وقصة حاطب المسندة في الصحيحين وغيرهما ملخصها: «أن حاطبا كتب كتابا لقريش يخبرهم فيه باستعداد النّبي صلّى الله عليه وسلّم للزّحف على مكة، إذ كان يتجهّز لفتحها، وكان يكتم ذلك، ليبغت قريشا على غير استعداد منها، فتضطر إلى قبول الصلح- وما كان يريد حربا- وأرسل حاطب كتابه مع جارية وضعته في عقاص شعرها، فأعلم الله نبيّه بذلك، فأرسل في أثرها عليّا والزّبير والمقداد، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها، فلما أتي به، قال: يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ! إنّي كنت حليفا لقريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاني ذلك من النّسب فيهم أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما إنه قد صدقكم» ، واستأذن عمر النّبي صلّى الله عليه وسلّم في قتله فلم يأذن له، قالوا: وفي ذلك نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة 60/ 1] . أي أن آية: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ.. لم تنزل في قصة حاطب، وإنما هذه الآية وما نزل في قصة حاطب يشتركان في النهي عن موالاة الكافرين. ولا تمنع هاتان الآيتان وأمثالهما التّحالف أو الاتّفاق بين المسلمين وغيرهم، وإن كان التّحالف أو الاتّفاق لمصلحة غير المسلمين لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان محالفا خزاعة، وهم على شركهم.
كما لا تمنع الآيات في هذا الموضوع موادّة ومجاملة غير الحربيين من غير المسلمين في الظاهر مع عدم الرّضا بكفرهم في الحقيقة والباطن، ولا تمنع معاملة غير المسلم أو معاشرته أو الثقة به في أمر خاص من الأمور، لا يمسّ مصلحة المسلمين العامة، بدليل آيات: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة 60/ 7- 9] . فالكفار الحربيون الذين آذوا المسلمين أو ظاهروا على إخراجهم من بلادهم أو اغتصبوا بعض بلادنا كفلسطين، لا تحلّ موالاتهم بل تجب معاداتهم، للآية المتقدّمة. 2- وفي الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب، وإليه ذهب بعض المالكية، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه مسلم عن عائشة- لرجل تبعه يوم بدر: «ارجع فلن أستعين بمشرك» ، ولأنه لا يؤمن غدرهم، إذ العداوة الدينية تحملهم على الغدر إلا عند الاضطرار. وأجاز الأكثرون من أتباع المذاهب الأربعة الاستعانة بالكافر على الكفار، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، وقيّد الشافعية ذلك أيضا بالحاجة لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه مسلم- استعان بصفوان بن أمية يوم حنين لحرب هوازن، وتعاونت خزاعة مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم عام فتح مكة، وخرج قزمان- وهو من المنافقين- مع الصحابة يوم أحد، وهو مشرك. وأما حديث «ارجع فلن أستعين بمشرك» فهو منسوخ بدليل استعانته صلّى الله عليه وسلّم بيهود قينقاع وقسمه لهم من الغنيمة. 3- وفي الآية أيضا دليل على مشروعية التّقية: وهي المحافظة على النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء.
والواقع أن التّقية نوعان بحسب نوع العدوّ: عدو في الدّين، وعدوّ في الأغراض الدّنيوية كالمال والمتاع والإمارة. أما النوع الأول: فكل مؤمن وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار دينه، وهذا يجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه فيه. أما إن كان من المستضعفين وهم الصبيان والنساء والعجزة فيجوز له البقاء في ديار الكفر وموافقة الكافرين في الظاهر بقدر الضرورة، مع السّعي في حيلة للخروج والفرار بدينه، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَساءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً [النساء 4/ 97- 99] . والموافقة حينئذ للكفار رخصة، وإظهار ما في قلبه عزيمة، فلو مات فهو شهيد، بدليل ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه ثم دعا الثاني وقال: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، قالها ثلاثا، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أما هذا المقتول، فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضيلة فهنيئا له، وأما الآخر، فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه» «1» . وأما النوع الثاني- وهو من كانت عداوته بسبب المال ونحوه، فقد اختلف
محبة الله باتباع الرسول وطاعته [سورة آل عمران (3) الآيات 31 إلى 32] :
العلماء في وجوب هجرة صاحبه من ديار الأعداء، فقال بعضهم: تجب لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة 2/ 195] وللنهي عن إضاعة المال، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، وابن حبان عن سعيد بن زيد: «من قتل دون ماله فهو شهيد» . وقال آخرون: لا تجب لأنها مصلحة دنيويّة ولا تضرّ بالدّين. ولكن الراجح أن الهجرة قد تجب هنا أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك عرضه. 4- مداراة الناس بإظهار المحبة والولاء والموافقة: إن كانت فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير، كما أنها لا تخالف أصول الدّين، فهي جائزة. وإن كانت تؤدي إلى ضرر الغير كالقتل والسرقة وشهادة الزّور، فلا تجوز. قال الحسن البصري: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. 5- ينبغي دوام الحذر من عقاب الله وغضبه، حتى يكون الإنسان على طهر من المعاصي، ويحرص على زيادة القربات إلى ربّه، فهي التي تنفعه يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. 6- علم الله واسع شامل، يعلم كل شيء كبيرا أو صغيرا، ويعلم ما في السموات والأرض، ويعلم خفيات النفوس وجلياتها، فسواء أظهر الإنسان شيئا أو أخفاه في صدره، فإن الله تعالى عالم به علما دقيقا تامّا، لا يختلف عليه شيء. محبّة الله باتّباع الرّسول وطاعته [سورة آل عمران (3) : الآيات 31 الى 32] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32)
البلاغة:
البلاغة: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أقام الظاهر وهو اسم الجلالة مقام المضمر، لتربية المهابة والرّوعة وتعظيم الله في النفوس. ويوجد جناس مماثل في تُحِبُّونَ ويُحْبِبْكُمُ، وجناس مغاير في تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وفي يَغْفِرْ لَكُمْ وغَفُورٌ. المفردات اللغوية: تُحِبُّونَ اللَّهَ المحبّة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، قال ابن عرفة: المحبّة عند العرب: إرادة الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبّة العبد لله ورسوله: طاعته لهما واتّباعه أمرهما، ومحبّة الله للعباد: إنعامه عليهم بالغفران، قال الله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي لا يغفر لهم. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي يثيبكم. وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي يتجاوز عن سيئاتكم وأباطيلكم. أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فيما يأمركم به من التوحيد. فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الطاعة، ولم يجيبوا دعوتك فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي يعاقبهم. سبب النزول: نزول الآية (31) : أخرج ابن المنذر عن الحسن البصري قال: قال أقوام على عهد نبيّنا: والله يا محمد، إنا لنحبّ ربّنا، فأنزل الله: قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي الآية. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادّعوه في عيسى حبّ لله عزّ وجلّ. وقال ابن عباس: إن اليهود لما قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على اليهود، فأبوا أن يقبلوها.
المناسبة:
وعلى كلّ فالخطاب في الآية عام يشمل كل من ادّعى حبّ الله، أي طاعته واتّباع أمره، ولم يتّبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادّعى محبّة الله، وليس هو على الطريقة المحمديّة، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتّبع الشّرع المحمدي والدّين النّبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» . المناسبة: بعد أن نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، أوضح هنا أن طريق محبّة الله تعالى متابعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وامتثال أوامره واجتناب ما نهى عنه. التفسير والبيان: قل يا محمد لهم: إن كنتم تطيعون الله وترغبون في ثوابه، فامتثلوا ما أنزل الله علي من الوحي، يرض الله عنكم، ويغفر لكم ذنوبكم، أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبّتكم إياه، وهو محبّته إياكم، وهو أعظم من الأوّل. والله غفور لمن أطاعه، واتّبع دينه، رحيم به في الدّنيا والآخرة، والطاعة تكون باتّباع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم. روي أنه لما نزل قوله: قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ.. قال عبد الله بن أبيّ زعيم المنافقين: إنّ محمدا يجعل طاعته كطاعة الله تعالى، ويأمرنا أن نحبّه، كما أحبّ النصارى عيسى، فنزل قوله: قُلْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. أي قل لهم: أطيعوا الله باتّباع أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوا الرّسول باتّباع سنّته والاهتداء بهديه واقتفاء أثره. وهذا يدلّ على أنّ الله إنما أوجب عليكم متابعة نبيّه لأنه رسوله، لا كما يقول النّصارى في عيسى عليه السلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
فإن تولوا وأعرضوا، وخالفوا أمره، ولم يجيبوا دعوته غرورا منهم، بادّعاء أنهم أبناء الله وأحباؤه، أي محبون لله، فإنّ الله يجازي الكافرين ولا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم ويغضب عليهم لأنهم اتّبعوا أهواءهم، ولم يهتدوا إلى الدّين الحنيف. وهذا دليل على أنّ مخالفة النّبي صلّى الله عليه وسلّم في الطريقة والمنهج كفر، والله لا يحبّ من اتّصف بذلك، وإن ادّعى وزعم في نفسه أنه محبّ لله ويتقرّب إليه. فقه الحياة أو الأحكام: إن محبّة الله والرّسول تتجلّى في اتّباع الإسلام وإطاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والعمل بشريعته، واتّباع أوامره واجتناب نواهيه. ومحبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لا لذاته وإنما لكونه رسولا مرسلا من عند الله إلى جميع الثقلين: الجنّ والإنس. فاتّباع شرع النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم هو دليل الحبّ الصادق، كما قال الورّاق: تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع وقال سهل بن عبد الله: علامة حبّ الله: حبّ القرآن، وعلامة حبّ القرآن: حبّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وعلامة حبّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم: حبّ السّنّة، وعلامة حبّ الله وحبّ القرآن وحبّ النّبي وحبّ السّنّة: حبّ الآخرة، وعلامة حبّ الآخرة: أن يحبّ نفسه، وعلامة حبّ نفسه: أن يبغض الدّنيا، وعلامة بغض الدّنيا: ألا يأخذ منها إلا الزّاد والبلغة. وروى مسلم في صحيحة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله إذا أحبّ عبدا دعا جبريل فقال: إني أحبّ فلانا فأحبّه، قال: فيحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحبّ فلانا فأحبّوه، قال: فيحبّه أهل السماء، وإذا
اصطفاء الأنبياء وقصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لعبادة الله [سورة آل عمران (3) الآيات 33 إلى 37] :
أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» . اصطفاء الأنبياء وقصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لعبادة الله [سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى 37] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) الإعراب: ذُرِّيَّةً منصوب على الحال من الأسماء المتقدمة. إِذْ ظرف منصوب متعلق بفعل مقدر تقديره: اذكر يا محمد إذ قالت، أو متعلق بقوله: سَمِيعٌ عَلِيمٌ. مُحَرَّراً حال من ما. وعبر ب ما عمن يعقل للإبهام، مثل: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ.
البلاغة:
وَضَعَتْها الهاء عائدة على «ما» حملا على المعنى، ومعناها التأنيث. أُنْثى منصوب على الحال من ضمير وَضَعَتْها. وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بالتشديد، وزكريا مفعول به، ومن قرأها بالتخفيف رفع زكرياء لأنه فاعل. والهمزة في زكرياء للتأنيث. البلاغة: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى جملتان معترضتان لتعظيم الأمر. أُعِيذُها التعبير بالمضارع للدلالة على الاستمرار والتجديد. وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً شبه تربيتها الصالحة ونموها بالزرع الذي ينمو شيئا فشيئا عن طريق الاستعارة التبعية، بحذف المشبه والإتيان بشيء من لوازمه. المفردات اللغوية: اصْطَفى اختار. ذُرِّيَّةً الذرية في الأصل: صغار الأولاد، ثم استعملت في الصغار والكبار، وللواحد والكثير، والمراد: ذرية يشبه بعضها بعضا. امْرَأَتُ عِمْرانَ اسمها حنة بنت فاقود. مُحَرَّراً عتيقا خالصا من شواغل الدنيا، مخصصا للعبادة وخدمة البيت المقدس (المسجد الأقصى) . فَتَقَبَّلْ مِنِّي خذه على وجه الرضا والقبول. أُعِيذُها بِكَ أي أمنعها وأحفظها بحفظك، وأصل التعوذ والاستعاذة بالله: الالتجاء إليه، والاستجارة به، واللجوء إليه بالدعاء والرجاء. مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ المطرود. مَرْيَمَ بالعبرية: خادم الرب أي العابدة. وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً رباها بما يصلح أحوالها. وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا جعل زكريا كافلا لها. وزكريا: من ولد سليمان بن داود عليهما السلام. الْمِحْرابَ: الغرفة وهي أشرف المجالس، وتسمى عند أهل الكتاب بالمذبح: وهي مقصورة في مقدم المعبد، ذات باب يصعد إليه بسلم ذي درجات قليلة يكون من فيه محجوبا عمن في المعبد. أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا، والزمان زمان قحط وجدب. مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يأتيني به من الجنة. بِغَيْرِ حِسابٍ أي بغير عدّ ولا إحصاء لكثرته، فهو رزق واسع بلا تبعة.
المناسبة:
المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن محبته تستلزم محبة رسوله واتباعه وطاعته، وأن طاعة الله مقترنة بطاعة الرسول، ناسب أن يذكر من أحبهم واصطفاهم من الرسل وذرياتهم الذين يبينون للناس طريق المحبة: وهي الإيمان بالله مع طاعته وطاعة رسله الكرام. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، وجعلهم صفوة العالمين بجعل النبوة فيهم، فاختار آدم أبا البشر، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد الملائكة له، وعلمه أسماء الأشياء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، وتاب عليه واجتباه، كما قال: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، فَتابَ عَلَيْهِ، وَهَدى [طه 20/ 122] وكان من ذريته الأنبياء والمرسلون. واصطفى من بعده نوحا أبا البشر الثاني، الذي جعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض فهو شيخ المرسلين، لما عبدوا الأوثان، وانتقم له بإغراقهم بالطوفان، ونجاه هو ومن تبعه من المؤمنين في الفلك العظيم، وكان من ذريته كثير من الأنبياء والمرسلين، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات. واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر خاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. واصطفى من ذرية إبراهيم آل عمران: وهم عيسى وأمه مريم بنت عمران التي ينتهي نسبها إلى يعقوب عليه السلام. والمراد بعمران هذا: هو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وهو عمران بن
ياشم، ابن ميشا بن حزقيا بن إبراهيم، وينتهي نسبه إلى سليمان بن داود عليهما السلام. فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم. اختار الله هؤلاء وجعلهم صفوة الخلق وجعل النبوة والرسالة فيهم. فهم ذرية واحدة وسلالة واحدة، ويشبه بعضها بعضا في الفضل والمزية والتناصر في الدين، فآل إبراهيم وهم إسماعيل وإسحاق وأولادهما من نسل إبراهيم، وإبراهيم من نسل نوح، ونوح من آدم. وآل عمران: وهم موسى وهرون وعيسى وأمه من ذرية إبراهيم ونوح وآدم. واصطفاؤهم على جميع الخلق كلهم، فهم صفوة الخلق، فأما محمد صلّى الله عليه وسلّم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة، قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فالرسل خلقوا للرحمة، ومحمد صلّى الله عليه وسلّم خلق بنفسه رحمة، فلذلك صار أمانا للخلق، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم وابن عساكر عن أبي هريرة: «إنما أنا رحمة مهداة» يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله، وقوله «مهداة» أي هدية من الله للخلق. هذه الذرية هم المذكورون بمناسبة الكلام عن إبراهيم: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا.. [الأنعام 6/ 84- 87] . وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن جميع الأنبياء والرسل من نسلهم. والله سميع لأقوال العباد، عليم بنياتهم وضمائرهم. واذكر وقت أن قالت امرأة عمران (وهي أم مريم واسمها حنّة بنت فاقود) وكانت عاقرا لم تلد، واشتاقت للولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فلما تحققت الحمل قالت: رب إني نذرت لك ما في بطني خالصا لوجهك الكريم، متفرغا للعبادة وخدمة بيت المقدس وكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على الولد الطاعة. ودعت الله أن يتقبل منها هذا النذر، وهو
السميع لكل قول ودعاء، العليم بنية صاحبه وإخلاصه، وهذا يستدعي تقبل الدعاء، فضلا منه وإحسانا، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكر أم أنثى. والنذر: هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه. فهو لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسه. ويلاحظ أن المراد بعمران أولا في قوله: آلَ عِمْرانَ هو أبو موسى عليه السلام، وثانيا في قوله امْرَأَتُ عِمْرانَ هو أبو مريم، وبينهما نحو ألف وثمانمائة عام (1800) تقريبا. فلما وضعت بنتا، قالت متحسرة حزينة: إني وضعتها أنثى، وذلك أنه ما كان يؤخذ لخدمة البيت إلا الذكور لأن الأنثى تحيض وتلد، فلا تصلح لهذا، والله أعلم بما وضعت وبمكانتها، وفي هذا تعظيم لشأن الأنثى، وليس الذكر الذي طلبت وتمنت كالأنثى أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى، بل هذه الأنثى خير مما كانت ترجو من الذكر. أما قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ فهو من كلام الله عز وجل. وقرئ بضم تاء «وضعت» فيكون من كلام امرأة عمران عن طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وأما: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى فهو من كلام الله بالمعنى المذكور. ويجوز كونه من كلام امرأة عمران، قالته معتذرة إلى ربها من ولادة أنثى على خلاف ما قصدته من خدمة المسجد لأنه أنثى لا تصلح للخدمة بسبب كونها عورة. وقالت امرأة عمران: إني سميتها مريم، أي خادمة الرب، وإني أجيرها وأعيذها بحفظك ورعايتك من شر الشيطان المطرود من الخير، وأدعوك أن تقيها وذريتها وهو عيسى عليه السلام من الشيطان وسلطانه عليهما، فاستجاب الله دعاءها. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل بني آدم
فقه الحياة أو الأحكام:
يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها» «1» أي أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يؤثر فيه إلا مريم وابنها. فتقبل الله مريم من أمها بأبلغ قبول حسن، ورضي أن تكون محررة خالصة للعبادة وخدمة البيت على صغرها وأنوثتها، ورباها ونماها بما يصلح أحوالها تربية عالية تشمل الجسد والروح، كما يربى النبات في الأرض الصالحة بعد تعهد الزارع إياه بالسقي والتسميد والعزق وقلع الأعشاب الضارة من حوله. وجعل زكريا- وكان زوج وخالتها وكان معروفا بالخلق والتقوى- كافلا لها وراعيا مصالحها حتى شبت وترعرعت. وإنما قدر الله كون زكريا كفيلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا. وكان كلما دخل زكريا عليها المحراب، وجد عندها خيرا كثيرا ورزقا وافرا، وألوانا من الطعام لا توجد في مثل ذلك الوقت، قال جماعة من مفسري التابعين: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. فيقول لها: يا مريم، من أين لك هذا؟ والأيام أيام جدب وقحط، قالت: هو من عند الله الذي يرزق الناس جميعا، بتسخير بعضهم لبعض، إن الله يرزق من يشاء من عباده بغير حساب. قيل: هو من قول مريم، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا، فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد. فقه الحياة أو الأحكام: كان المشركون وأهل الكتاب ينكرون نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه بشر مثلهم، ولأنه ليس من بني إسرائيل، فرد الله عليهم: إن الله اصطفى آدم أبا البشر.
ونوحا الأب الثاني، واصطفى من ذريتهما آل إبراهيم، واختار آل عمران من آل إبراهيم. وآل عمران هم من سلالة بني إسرائيل حفيد إبراهيم. فإذا كان الاصطفاء لله فهو يصطفي أيضا نبيا من العرب وهو سليل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. فكانت هذه القصة لتقرير نبوة النبي العربي صلّى الله عليه وسلّم، ودحض شبهة أهل الكتاب الذين حصروا النبوة في بني إسرائيل، وإبطال شبهة المشركين الذين تصوروا كون النبي غير بشر، وهو لا يكون إلا بشرا من جنس المبعوث إليهم. وفي القصة إرهاص بنبوة عيسى، إذ ولدت أمه من أم عاقر كبيرة السن، على خلاف المعهود، وقبلت الأنثى في خدمة بيت المقدس، لتكون سيرتها الطاهرة عنوانا على كون ولدها من روح الله وكلمته. ودل قوله تعالى: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ على جواز التسمية يوم الولادة، وهو شرع من قبلنا، وأكده ما ثبت في السنة عند البخاري ومسلم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي: إبراهيم» . وكان من أثر دعاء امرأة عمران الذي قبله الله بصون مولودها وذرريتها من مس الشيطان أن صان عيسى عليه السلام من إغواءات الشيطان، كما يصون الله تعالى سائر أنبيائه الكرام من وساوس الشياطين وسلطانهم، فكم تعرّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك فعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر 15/ 42 والإسراء 17/ 65] . ووجود الرزق الكثير عند مريم مما ليس كالعادة دليل على كرامات الأولياء، كما ذكر ابن كثير «1» .
قصة زكريا ويحيى (دعاء زكريا وطلبه الولد الصالح وإنجاب يحيى) [سورة آل عمران (3) الآيات 38 إلى 41] :
قصة زكريا ويحيى (دعاء زكريا وطلبه الولد الصالح وإنجاب يحيى) [سورة آل عمران (3) : الآيات 38 الى 41] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) الإعراب: هُنالِكَ الأصل أن يكون ظرف مكان، ولكنه استعمل هنا ظرف زمان، وقيل: بهما في هذه الآية أي في ذلك المكان والوقت، وهو متعلق بدعاء أي دعا زكريا في ذلك الوقت، وهذا الاستعمال جائز على سبيل التوسع، ويعرف المراد بدلالة الحال، وقد تجيء هُنالِكَ محتملة الزمان والمكان، كما في قوله تعالى: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ. والظرف منه «هنا» واللام للتأكيد، والكاف للخطاب، لا موضع لها من الإعراب. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أي جماعة الملائكة. ومن قرأ «فناداه» أراد جمع الملائكة إذ يجوز في فعل الجماعة التذكير والتأنيث، سواء كانت الجماعة للمذكر أو المؤنث، نحو: قال الرجال وقالت الرجال، وقال النساء وقالت النساء، فالتذكير بالحمل على معنى الجمع، والتأنيث بالحمل على معنى الجماعة. وَهُوَ قائِمٌ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من هاء فَنادَتْهُ. أَنَّ اللَّهَ مفعول ثان لنادته، ومن قرأها بالكسر فعلى الابتداء، على تقدير: قال: إن الله يبشرك. مُصَدِّقاً حال من يحيى، وكذلك: سَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا. وَامْرَأَتِي عاقِرٌ إنما جاء بغير تاء لأنه أراد النّسب، أي: ذات عقر أي عقم، مثل طالق وحائض.
البلاغة:
البلاغة: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ المنادي جبريل، وعبر عنه باسم الجماعة تعظيما له لأنه رئيسهم. بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ فيه طباق وهو أحد المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: هُنالِكَ أي لما رأى زكريا ذلك، وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء من غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته انقرضوا ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ولدا صالحا مباركا. الذرية: الولد، وتقع على الواحد والكثير وهو هنا واحد، والطيب: ما تستطاب أفعاله سَمِيعُ الدُّعاءِ أي مجيبه وقابله، كما يقال: سمع الله لمن حمده، إذ من لم يجب، فكأنه لم يسمع مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي يصدق بعيسى أنه روح الله، فهو قد وجد بكلمة كائنة من الله، وكلمة الله: عيسى عليه السلام، وسمي كلمة لأنه خلق بكلمة: كن، قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم. وَسَيِّداً السيد: الرئيس المتبوع الذي يسود قومه. وَحَصُوراً قال السيوطي وغيره: ممنوعا من النساء، من الحصر: وهو المنع، فهو لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن تعففا وزهدا. وقال آخرون: منوعا نفسه من ارتكاب ما يعاب عليه، أو أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها، كأنه حصور عنها، كما قال القاضي عياض. وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أي من أصلابهم، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها أَنَّى كيف غُلامٌ ولد وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي بلغت نهاية السن، مائة وعشرين سنة وَامْرَأَتِي عاقِرٌ عقيم لا تلد بلغت ثمانيا وتسعين سنة. كَذلِكَ أي الأمر كذلك، أي من خلق الله غلاما منكما اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ: لا يعجزه عنه شيء. آيَةً علامة على حمل امرأتي أي علامة أعرف بها ميقات الحمل إذا حدث لأتلقى النعمة بالشكر أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي تمتنع من كلامهم ما عدا ذكر الله تعالى رَمْزاً إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وسمي الرمز كلاما لأنه يفيد ما يفيده الكلام ويدل على ما دل عليه بِالْعَشِيِّ الوقت من الزوال إلى الليل. وَالْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى الضحى، فشمل قوله: بالعشي والإبكار: أواخر النهار وأوائله. التفسير والبيان: حينما رأى زكريا حال مريم وتفرغها للعبادة وتفضل الله عليها بالأرزاق الوفيرة، دعا ربه أن يرزقه ولدا صالحا مثلها من ولد يعقوب عليه السلام،
قائلا: إنك يا رب سميع لكل قول، مجيب لكل دعاء صالح لأن رؤية الأولاد النجباء تشوق النفس لو يكون له مثلهم. فخاطبته الملائكة شفاها، والمخاطب في رأي الجمهور: هو جبريل عليه السلام «1» ، والأظهر في رأي القرطبي: ناداه جميع الملائكة، أي جاء النداء من قبلهم. وهو قائم يدعو الله ويصلي في محراب عبادته، وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم 19/ 7] وهو معرّب يوحنا، ويطلق عليه في إنجيل متى: «يوحنا المعمداني» لأنه كان يعمّد الناس في زمانه. وهو أول من يصدق بعيسى بن مريم عليه السلام المسمى (كلمة الله) لأنه ولد ونشأ بكلمة الله: كُنْ، لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم. ويحيى أيضا سيد قومه، ومعصوم من الذنوب، ومانع نفسه من شهواتها، ونبي يوحى إليه- وهذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى- وهو صالح ناشئ من أصلاب الصالحين: أنبياء الله الكرام صلوات الله عليهم. ولكن زكريا تعجب قائلا: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابه الله تعالى من طريق الملائكة: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امرأة عمران، يفعل
فقه الحياة أو الأحكام:
الله ما يشاء في الكون، فمتى شاء أمرا أوجده، سواء بسبب معروف أو بغير سبب، ومنه إيجاد الولد والمرأة عاقر. فطلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة تدله على الحمل ووجود الولد منه، استعجالا للسرور، أو ليشكر تلك النعمة، فجعل الله علامة ذلك ألا يقدر على كلام الناس مدة ثلاثة أيام متوالية إلا بالإشارة والرمز بيد أو رأس أو نحوهما. وأمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال طوال الوقت، وعلى التخصيص في الصباح والمساء. فقه الحياة أو الأحكام: دلت هذه الآية على مشروعية طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصدّيقين، قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد 13/ 38] وقال: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان 25/ 74] وقال مخبرا عن إبراهيم الخليل: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء 26/ 84] ، وروي من حديث أنس قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أيّ رجل مات، وترك ذرّية طيبة، أجرى الله له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئا» . وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «النكاح من سنّتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» . وأخرج أبو داود من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم» . والأخبار في هذا المعنى كثيرة، تحث على طلب الولد وتندب إليه لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته، روى مسلم وغيره أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر: أو ولد صالح يدعو له» ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.
ودلت الآية أيضا على أن الواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه وطلب التوفيق لهما، والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونوا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه. ألا ترى قول زكريا: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم 19/ 6] وقال: ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً وقال: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان 25/ 74] ، ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنس، فقال فيما رواه البخاري ومسلم: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه» . ومن مهام الملائكة البشارة، كما بشرت بيحيى عليه السلام، والأنبياء معصومون من الذنوب والمعاصي الكبيرة والصغيرة قبل النبوة وبعدها، وقد يعصمون ويمنعون عن الشهوات المباحة، كما حصل ليحيي عليه السلام أنه كان حصورا، ولعل هذا كان شرعه، فأما شرعنا فالنكاح. وكان يحيى أول من آمن بعيسى عليهما السلام وصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، ويقال بستة أشهر. واستبعاد زكريا عليه السلام وتعجبه كان على وفق المعتاد أن حاله وحال امرأته لا يولد لمثلهما، لا أن ذلك ليس من مقدور الله. وقد طلب إتمام النعمة بأن يجعل له آية تكون دليلا على زيادة النعمة والكرامة. وفي هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات: ما حكم به النبي صلّى الله عليه وسلّم من أمر السوداء حين قال لها: «أين الله؟» فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة» فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك. وهذا قول عامة الفقهاء، قال مالك: إن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه
قصة زكريا عليه السلام:
يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه، فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. وقد منع زكريا الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة. أما عن ذكر الله فلا، فقد أمره الله بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه. قال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر، لرخص لزكريا بقول الله عز وجل: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [الأنفال 8/ 45] . وكذلك الصلاة لا تترك لأن معنى قوله: وَسَبِّحْ أي صلّ، سميت الصلاة سبحة، لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء. قصة زكريا عليه السلام: ذكر زكريا في القرآن الكريم ثماني مرات في آل عمران وفي الأنعام وفي مريم وفي الأنبياء. ويظهر أن لزكريا أبي يحيى شركة في خدمة الهيكل، فهو «لاوي» وهو زوج خالة «مريم» . لما رأى زكريا آيات الله الباهرات وإكرامه تعالى لمريم ورزقها من حيث لا تحتسب، فدعا ربه ليرزقه ذرية طيبة مباركة تلي أمور بني إسرائيل لأنه كان يخشى ابتلاءهم بمواليه الذين لم يكونوا متمسكين بالشريعة، فحملت زوجه بيحيى وبشره الله بنبوته، وأعلمه أن آية ذلك أن يعجز عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام لا يكلمهم إلا رمزا. وقتل زكريا وابنه يحيى في حادث واحد.
قصة يحيى عليه السلام:
قصة يحيى عليه السلام: ذكر يحيى في مواضع أربعة من القرآن الكريم: في آل عمران، وفي الأنعام، وفي مريم، وفي الأنبياء. وحملت زوجة زكريا، واسمها «اليصابات» في الزمن الذي حملت فيه مريم بعيسى، وولد يحيى ثم شب ونشأ بارعا في الشريعة الموسوية ومرجعا مهما لكل من يستفتي في أحكامها. وكان «هيرودس» أحد حكام فلسطين، وله بنت أخ تسمى «هيروديا» بارعة الجمال، أراد أن يتزوج منها، وأرادت البنت وأمها ذلك، فلم يرض يحيى عن هذا الزواج لأنه حرام. فانتهزت الأم ليلة الزفاف بين العم وابنة أخيه، فرقصت العروس في زينتها أمامه، فسر منها، وطلب منها أن تقول ما تتمناه، ليعمله لها، فطلبت منه- عملا بمشورة أمها- رأس يحيى بن زكريا في هذا الطبق، فوفى لها عمها الحاكم بذلك وقتل يحيى. وامتاز يحيى منذ صباه بأكمل أوصاف الصلاح والتقوى، وأوتي النبوة وهو صبي قبل بلوغ الثلاثين، كما قال تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم 19/ 12] وكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمّدهم أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد عمّد المسيح، ويسميه المسيحيون «يوحنا المعمدان» . ولما قتل يحيى، جهر المسيح بدعوته، وبدأ في وعظ الناس. قصة مريم [سورة آل عمران (3) : الآيات 42 الى 44] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
الإعراب:
الإعراب: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ مبتدأ وخبر، والجملة منصوبة بفعل مقدر، تقديره: ينظرون أيهم يكفل مريم. البلاغة: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ المراد جبريل، على سبيل المجاز المرسل من إطلاق الكل، وإرادة البعض. اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ تكرار لفظ اصْطَفاكِ ولفظ مَرْيَمَ من باب الإطناب. المفردات اللغوية: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي جبريل يا مَرْيَمُ مريم في لغتهم: العابدة، وسميت بذلك تفاؤلا لها بالخير. اصْطَفاكِ اختارك. وَطَهَّرَكِ من الحيض والنفاس، ومن مسيس الرجال، ومن سفساك الأخلاق. وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ أي أهل زمانك. والاصطفاء الأول: قبولها محررة لخدمة بيت المقدس، وكان ذلك خاصا بالرجال. والاصطفاء الثاني: الاختصاص بولادة نبي من غير أن يمسها رجل، وذلك بمعنى أنها مهيأة ومعدة له، وفيه شهادة ببراءتها مما قذفها به اليهود. اقْنُتِي أطيعي، والقنوت: الطاعة مع الخضوع. وَاسْجُدِي تذللي. وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ صلي مع المصلين، والمراد من السجود والركوع لازمه وهو التواضع والخشوع في العبادة. نُوحِيهِ الوحي: تعريف الموحى إليه بأمر خفي، وقد جاء الوحي في القرآن لمعان: لكلام جبريل للأنبياء كما هنا، ومثل: نُوحِي إِلَيْهِمْ، وللإلهام مثل: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [القصص 28/ 7] ولإلقاء المعنى المراد مثل: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة 99/ 5] وللإشارة مثل: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم 19/ 11] . أَنْباءِ الْغَيْبِ أخبار ما غاب عنك. أَقْلامَهُمْ قداحهم المبرية التي يقترعون بها،
المناسبة:
وتسمى السهام. أما الأزلام: فهي التي يضربون بها القرعة ويقامرون بها. إِذْ يَخْتَصِمُونَ يتنازعون في كفالتها. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة ولادة يحيى من أب كبير وأم عاقر، وذلك شيء خارق للعادة، أعقبه بذكر قصة ولادة عيسى من غير أب، وهو شيء أغرب من الأول. وغاية القصة: الرد على النصارى الذين ادعوا ألوهية عيسى، فذكر ولادته من مريم ليدل على بشريته. التفسير والبيان: أخبرت الملائكة مريم عليها السلام أن الله اختارها لكثرة عبادتها وزهدها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس ومن سفساف الأخلاق وذميم الصفات (وهو التطهير المعنوي) ثم اصطفاها ثانيا بالتطهير الحسي كعدم الحيض والنفاس والولادة من غير جماع، وفضلها على نساء عالمي زمانها، فهي طاهرة من الأدناس والأرجاس من الحيض والنفاس وغيرهما، ومن العيوب والنقائص البشرية الحسية والمعنوية. ومثلها السيدة فاطمة الزهراء التي ما كانت تحيض، ولذلك لقبت بالزهراء. يا مريم الزمي الطاعة مع الخضوع لله، واسجدي له مع الخشوع، وصلي جماعة مع المصلين، لا وحدك. فالقنوت: الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [الروم 30/ 26] . والسجود: التذلل، والركوع: الانحناء، والمراد: ما يلزمه وهو التواضع والخشوع في العبادة. تلك القصص التي أخبرناك عنها من أخبار زكريا ويحيى ومريم، هي من أخبار الغيب التي لم تطلع عليها أنت ولا أحد من قومك، وإنما هي بالوحي
فقه الحياة أو الأحكام:
الذي نوحيه إليك على يد جبريل الروح الأمين، لتكون دليلا على صحة نبوتك، وإلزام المعاندين لك. فهذا تقرير وتثبيت أن ما علمه من ذلك إنما هو بوحي من الله تعالى، والمعلم به قصتان: قصة مريم، وقصة زكريا. وما كنت حاضرا معهم حينما جاءت امرأة عمران، وألقت مريم في بيت المقدس، وتنافس الأحبار في رعايتها وخدمتها، فهي بنت سيدهم وكبيرهم، وأخذوا يستهمون (يقترعون) في ذلك، فجاءت القرعة لزكريا، فكان كافلها. وما كنت شاهدا عليهم إذ يتنازعون ويتخاصمون في كفالتها، ولم يتفقوا عليها إلا بعد القرعة. وإذ لم تعلم بهذه القصة ولا قومك لأنك أمي مثلهم، فلم يبق لك طريق للعلم إلا الوحي من الله تعالى. أما المشاهدة للخصومة فقد نفاها الله تعالى على سبيل التهكم. وهي كما قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود 11/ 49] . وأما تعليم البشر- كما زعموا- فرده الله تعالى بقوله: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل 16/ 103] وهو النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب. وهذه الآية مثل المذكور عقب قصة نوح عليه السلام: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود 11/ 49] والمذكور بعد قصة موسى وشعيب: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [القصص 28/ 44] . فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى تفضيل السيدة مريم عليها السلام على نساء العالمين أجمع في قول الزجاج وغيره، وعلى عالمي زمانها في قول أكثر المفسرين. وكرر الاصطفاء لأن معنى الأول: الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني لولادة عيسى.
روى مسلم والجماعة إلا أبا داود عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . والكمال: هو التناهي والتمام، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة. ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين. وروي من طرق صحيحة أنه عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة وأنس بن مالك: «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد» وفي رواية أخرى: «سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم: فاطمة وخديجة» . فهذه الأحاديث تدل على فضيلة مريم وأن روح القدس كلمها، وظهر لها، ونفخ في درعها، ودنا منها للنفخة، وصدقت بكلمات ربها، ولذلك سماها الله في تنزيله صدّيقة فقال: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ وقال: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [التحريم 66/ 12] . ودلت الآية على أن مريم كانت كثيرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل، مما هيأها لمحنة لها ورفعة في الدارين. ودل قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، حيث أخبره الله عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر الناس عن ذلك، وصدّقه أهل الكتاب بذلك. والإيحاء هنا: الإرسال إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. واستدل بعض علماء المالكية بهذه الآية وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ ... على إثبات القرعة، وهي في أصل شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي
سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم، وتطمئن قلوبهم، وترتفع الظّنّة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة. وردّ العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث الواردة فيها، وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. وأجيبوا بالآثار والسنة، قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم. وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» «1» وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه. ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدّة، وقد قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم في ابنة حمزة- واسمها أمة الله- لجعفر، وكانت عنده خالتها، وقال فيما رواه الترمذي والشيخان عن البراء: «الخالة بمنزلة الأم» وكان زكريا قد قال لأحبار بيت المقدس: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فأبوا واقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة فقرعهم زكريا، فكفلها. وكيف تمت القرعة؟ لما نذرت امرأة عمران والدة مريم ما في بطنها لخدمة الهيكل، جاءت بها إلى خدام الهيكل، فكل واحد منهم أراد أن يكفلها وألقوا قرعة على ذلك، فكانت مريم نصيب زكريا، فقام بأمرها كما قال تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا. قال بعض العلماء: الحكمة في أنّ الله لم يذكر في القرآن امرأة باسمها إلا (مريم) : هي الإشارة من طرف خفي إلى رد ما قاله النصارى من أنها زوجته، فإن العظيم يأنف من ذكر اسم زوجته بين الناس، ولينسب إليها عيسى باعتبار عدم وجود أب له، ولهذا قال في الآية التالية: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
قصة عيسى عليه السلام [سورة آل عمران (3) الآيات 45 إلى 51] :
قصة عيسى عليه السلام [سورة آل عمران (3) : الآيات 45 الى 51] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) الإعراب: إِذْ ظرف زمان ماض، وهو بدل من قوله: إِذْ يَخْتَصِمُونَ في الآية السابقة. اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اسمه المسيح: جملة اسمية في موضع صفة لكلمة. وعِيسَى: بدل من المسيح.
البلاغة:
ابْنُ مَرْيَمَ إما بدل من عِيسَى أو خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو ابن مريم، ولا يجوز أن يكون وصفا لعيسى لأن اسمه عيسى فقط، وليس اسمه: عيسى بن مريم. وإذا كان كذلك وجب إثبات الألف في الخط من قوله: ابن مريم لأن الألف من ابْنُ إنما تسقط إذا وقعت وصفا بين علمين، ولا يجوز أن يكون هاهنا وصفا، فوجب أن تثبت. وَجِيهاً وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ: كل ذلك أحوال من عيسى. أَنِّي أَخْلُقُ فيه ثلاثة أوجه: الجر بدلا من بِآيَةٍ والرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أني أخلق، والنصب بدلا من «أن» في قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ وهي في موضع نصب، وتقديره: جئتكم بأني قد جئتكم، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به. كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ الكاف في موضع نصب لأنها صفة مصدر محذوف وتقديره: خلقا مثل هيئة الطير. وهاء فِيهِ إما أن تعود على الهيئة وهي الصورة بمعنى المهيأ، أو تعود على المخلوق لدلالة: أخلق عليه، أو تعود على الكاف في: كهيئة الطير لأنها بمعنى «مثل» . وَمُصَدِّقاً منصوب على الحال من تاء جِئْتُكُمْ أي جئتكم مصدقا. البلاغة: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ كناية عن الجماع، مثل الكناية عنه بالحرث واللباس والمباشرة. وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ يوجد طباق بين لفظي لِأُحِلَّ وحُرِّمَ. المفردات اللغوية: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ المراد بها عيسى، وسمي بالكلمة لأنه وجد بكلمة كُنْ فَيَكُونُ. الْمَسِيحُ لفظ معرب من العبرانية، وأصله: مشيحا لأنه مسح بالبركة أو بالدهن الذي يمسح به الأنبياء، وهو دهن طيب الرائحة. وعيسى: معرب يسوع بالعبرانية. وَجِيهاً ذا جاه وكرامة في الدارين فِي الدُّنْيا بالنبوة وَالْآخِرَةِ بالشفاعة والدرجات العلا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عند الله فِي الْمَهْدِ مقر الصبي حين الرضاع وَكَهْلًا الكهل: الرجل التام السوي، وهو من بلغ الأربعين فأكثر قَضى أراد شيئا الْكِتابَ الكتابة والخط وَالْحِكْمَةَ العلم النافع وهو الذي يبصّر الإنسان بفقه الأحكام وسر التشريع. وَالتَّوْراةَ كتاب موسى وَالْإِنْجِيلَ كتاب عيسى الذي أوحي إليه به.
المناسبة:
أَنِّي أَخْلُقُ أصور، والخلق: التصوير والتكوين على مقدار معين، لا الإنشاء والاختراع كَهَيْئَةِ مثل صورة الطير الْأَكْمَهَ: من ولد أعمى الْأَبْرَصَ: الذي به برص أي بياض في الجلد يتطير به بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة زكريا ويحيى أقارب عيسى، وذكر قصة أمه، ناسب أن يذكر قصة عيسى وكيفية ولادته. التفسير والبيان: اذكر يا محمد لقومك وقت أن قال جبريل من الملائكة: إن الله يبشرك يا مريم بعيسى الموصوف بالكلمة على معنى: نبشرك بمكون منه أو بموجود من الله، إيذانا بأنه خلق خلقا غير عادي، استحق أن يوصف بهذه الصفة، وإن كان في الواقع أن جميع الكائنات وجدت بكلمة الله كما ذكر عقب خلق عيسى بقوله: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ وذكر في مكان آخر: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [يس 36/ 82] لكن في العرف تنسب الأشياء الأخرى إلى الأسباب العادية، وأطلق اسم الكلمة على عيسى مجازا كما قال تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [النساء 4/ 171] . والمراد من الملائكة هنا جبريل، لقوله تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا، فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم 19/ 17] وذكر بلفظ الجمع لأنه رئيسهم. اسمه المسيح الذي جاء لرفع الظلم وهداية الناس وإشاعة الأخوة الصادقة فيما بينهم، وكانت مملكته روحانية لا جسدية. والمسيح: لقب الملك عندهم، فهو من ألقاب المدح. وقال القرطبي: معناه الصدّيق. وإنما قيل: ابن مريم، مع أن الخطاب لها، إشارة إلى أنه ينسب لها، لولادته من غير أب، وليظل هذا الوصف ثابتا مقررا في الأذهان في كل زمان،
وردا على من ألّهه، وبيانا لمكانتها وتكريما لها. وهو ذو وجاهة في الدنيا لما له من مكانة عند أتباعه والمؤمنين، وفي الآخرة بين الناس، ومن المقربين إلى الله يوم القيامة. ويمتاز أيضا بأنه يكلم الناس وهو رضيع في المهد، وفي حال الكهولة وتمام الرجولة، كلاما متزنا معقولا. وهذا يشير إلى أنه سيكون رجلا سويا. قال ابن عباس: كان كلامه في المهد لحظة بما قصة الله علينا، ثم لم يتكلم حتى بلغ أوان الكلام. وكانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش. وهو كذلك من الصالحين الذين أنعم الله عليهم بالنبوة والاستقامة وصلاح الحال. ولما بشرت مريم بعيسى المتصف بما ذكر، قالت متعجبة: كيف يكون لي ولد، وليس لي زوج؟ فأجابها الله: مثل هذا الخلق المتعجب منه وهو خلق الولد بغير أب، يخلق الله ما شاء، فخلق السماء والأرض، وخلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق جميع الموجودات في الأصل من غير سبب ظاهر. وسبب التعبير في قصة زكريا وابنه يحيى بقوله تعالى: كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ وفي قصة خلق عيسى بقوله: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ: هو أن إيجاد يحيى من شيخين عجوزين كإيجاد سائر الناس في العادة، فعبر عنه بالفعل، وأما إيجاد عيسى فهو من أم بلا أب، خلافا للمعتاد في التوالد، بل بمحض القدرة الإلهية، وهو أبلغ من إيجاد يحيى، فناسب التعبير عنه بالخلق والإيجاد والإبداع، لكونه من غير سبب عادي. ثم أعقبه بما يناسبه ويؤكده فقال: إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، والمراد بالأمر هنا الأمر التكويني، لا الأمر التكليفي في مثل قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وهذا تبيان لعظمة الله، ونفاذ أمره ومشيئته، وسرعة إنجاز مطلوبه، تقريبا للأذهان، وإلا فالإيجاد أسرع مما هو قائم بين حرفي
كُنْ. وهو يشبه قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت 41/ 11] . وهناك خلق آخر أعظم من خلق عيسى وهو خلق آدم من غير أب ولا أم: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 59] . فهذه الأحوال في الخلق على نحو غير عادي دليل على قدرة الله المطلقة، وإرادة تكميل الكون بعجائب المخلوقات. ومن أوصاف عيسى: أن الله يعلمه الكتابة والخط، والعلم النافع الذي يبعث النفس إلى تنفيذ الفعل ويرشد إلى أسرار الأحكام، ويعرفه التوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أوحي إليه. وأنه رسول مرسل إلى بني إسرائيل، مؤيد بآيات تدل على صدق رسالته وهي: 1- أنه يصور من الطين صورة على قدر معين كصورة الطير، لا ينشئ ويخترع من الطين هيئة جديدة، فينفخ فيه، فيكون طيرا بقدرة الله ومشيئته، لا بقدرته وأمره، فإنه مخلوق لا يقدر على هذا. روي أنهم طالبوه بخلق خفّاش، فأخذ طينا وصوره ونفخ فيه، فإذا هو يطير، وهم ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتا، ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق وهو الله تعالى، وليعلم أن الكمال لله. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتا، ليتميز من خلق الله. 2، 3- ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله: وتخصيصهما بالذكر لأن مداواتهما أعيت الأطباء، علما بأن الطب كان متقدما في زمن عيسى، فأراهم
الله المعجزة من جنس الطب. قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان الغالب في مصر على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيرت كل سحّار، فلما استيقنوا أنها من عند الله العظيم الجبار، انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى عليه السلام فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره. وقد أحيا صديقا له اسمه عازر، وابن العجوز، وابن العاشر، فعاشوا وولد لهم، وأحيا سام بن نوح ومات في الحال. وكذلك محمد صلّى الله عليه وسلّم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتحليق الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا أن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدا. 4- وأخبركم بما تأكلونه، وما تخبئونه وتحفظونه للمستقبل في بيوتكم. والفرق بين إخبار النبي بالمغيباب وإخبار المنجمين والكهنة: أن النبي يخبر بإعلام الله من غير اعتماد على شيء آخر، أما الكاهن والمنجم فيعتمد على طرق الاحتيال واستخدام بعض الأسباب المؤدية إلى معرفته كالنجوم والجن وبعض الإنس. إن في ذلك لدليلا قاطعا على صدق رسالتي، إن كنتم مصدقين بآيات الله الباهرة، مقرين بتوحيده وبقدرته الكاملة على كل شيء. 5- وجئتكم مصدقا لما تقدم من التوراة، لا ناسخا لها، ولا مخالفا أحكامها إلا ما خفف الله في الإنجيل مما كان مشددا عليهم فيها، كما قال تعالى: وَلِأُحِلَّ
فقه الحياة أو الأحكام:
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أي بعض الطيبات التي كانت محرمة على بني إسرائيل بظلمهم، كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء 4/ 160] قيل: من ذلك: السمك ولحوم الإبل والشحوم والعمل يوم السبت. وما عدا ذلك جئت متفقا مع التوراة في أصول الدين كالتوحيد والبعث وفضائل الأخلاق، جاء في الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام: «ما جئت لأنقض الناموس- أي شريعة التوراة- ولكن لأكمله» . 6- وجئتكم بآية بعد آية من ربكم شاهدة على صدقي وصحة رسالتي. كرر ذلك للتأكيد وليبني عليه الأمر بالتقوى. وقد وحد الآية وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته. فاتقوا الله في المخالفة، وأطيعوا فيما أدعوكم إليه وهو توحيد الإله: إن الله ربي وربكم، فاعبدوه، وهذا هو الطريق السوي الذي اتفقت عليه الرسل قاطبة، وهو المؤدي إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن تعدى ذلك فهو في ضلال. ففي هذا تلخيص لمهمة الرسالة وهي الأمر بالتقوى وإطاعة الله، والإقرار بالتوحيد: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، والاعتراف بالعبودية والخضوع لله، وهو منهج الحق المبين في مريم وابنها. وهذا موجود في الإنجيل لأن فيه: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم. والأب: السيد في تلك اللغة، بدليل أنه قال: وأبي وأبيكم، فعلم أنه لم يرد به الأبوة المقتضية للبنوة. فقه الحياة أو الأحكام: ذكرت الآيات بشارة الملائكة لمريم عليها السلام بأنه سيوجد منها ولد
عظيم، له شأن كبير، يكون وجوده بكلمة من الله أي يقول له: كن فيكون، واسمه المسيح مشهور في الدنيا يعرفه المؤمنون، وله وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب والحكمة، وله وجاهة في الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه أولي العزم من الرسل عليهم السلام. ويدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه، وهو صالح القول والعمل. روى محمد بن إسحاق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما تكلم أحد في صغره إلا عيسى وصاحب جريج» . وروى مسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاث: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر» . وهذا حصر نسبي في وقت ما، ثم أخبر الله نبيه في وقت آخر بآخرين، ومجموعهم سبعة: شاهد يوسف، وصبي ماشطة امرأة فرعون، وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الجبار، وصبي قصة الأخدود: وهو- كما في مسلم وغيره- أن امرأة جيء بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي يرضع، فتقاعست أن تقع فيها، فقال الغلام: يا أمّه، اصبري، فإنك على الحق. ودل قوله تعالى: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ على أن أمر الله عظيم لا يعجزه شيء. وأكده بقوله: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ فلا يتأخر شيئا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة، كقوله: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر 54/ 50] . أي إنما نأمر مرة واحدة دون تكرار ولا تثنية، فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح البصر. ودلت الآيات على خصائص عيسى عليه السلام وما أيده الله به من معجزات
عيسى مع قومه المؤمنين والكفار [سورة آل عمران (3) الآيات 52 إلى 58] :
خارقة للعادة، وهي كلها من صنع الله مباشرة، ومعناها سنة جديدة بخلاف كل ما نراه يوميا من عظة وعظمة. وكان عيسى أحد الرسل إلى بني إسرائيل. روي أن الوحي أتاه وهو ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوته ثلاث سنين، ثم رفع إلى السماء. ولا تختلف دعوة عيسى عن دعوات سائر الأنبياء، كما أوضحت هذه الآيات، فهو يدعو إلى تقوى الله وطاعته فيما جاء به عنه، ويأمر بالتوحيد والاعتراف بالعبودية لله، وذلك هو الصراط المستقيم أي أقرب طريق موصل إلى الله تعالى. عيسى مع قومه المؤمنين والكفار [سورة آل عمران (3) : الآيات 52 الى 58] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)
الإعراب:
الإعراب: إِذْ قالَ اللَّهُ إذ: تتعلق بفعل مقدر، تقديره: اذكر أني متوفيك ورافعك إليّ وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه وجهان: إما أنه معطوف على ما قبله، وهو خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم وما قبله خطاب لعيسى، وإما أنه معطوف على مُتَوَفِّيكَ وكلاهما لعيسى. مِنَ الْآياتِ حال من الهاء في نَتْلُوهُ وعامله ما في ذلك من معنى الإشارة. البلاغة: فَلَمَّا أَحَسَّ استعارة، إذ الكفر ليس بمحسوس وإنما يعلم ويفطن به. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ من باب المشاكلة. ويوجد جناس اشتقاق بين مَكَرُوا والْماكِرِينَ. فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ فيه التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة، تنويعا للفصاحة. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب. المفردات اللغوية: أَحَسَّ علم علما لا شبهة فيه، كعلم ما يدرك بالحواس. واستعمالها في إدراك الأمور المعنوية مجاز مَنْ أَنْصارِي أعواني إِلَى اللَّهِ أي مع الله، فإلى بمعنى مع، أو من أعواني في السبيل إلى الله لأنه دعاهم إلى الله عز وجل، أو من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل. قالَ الْحَوارِيُّونَ: واحدهم حواري، وحواري الرجل: صفيّه وناصره، فالحواريون: هم أصحاب عيسى وأنصاره وأصفياؤه. والحور: البياض الخالص، وصفوا به لبياض قلوبهم وصفاء سريرتهم «1» . ورد في الصحيحين: «لكل نبي حواري، وحواريّ الزبير» . نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أعوان دينه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلا. بِأَنَّا مُسْلِمُونَ منقادون لما تريده منا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق.
سبب النزول نزول الآية (58) :
وَمَكَرُوا المكر: تدبير خفي يفضي بالممكور به إلى ما لم يكن يحتسب، وغلب استعماله في التدبير السيء. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أعلمهم به وأعرفهم بالتدابير، وهو المجازي على المكر. وكان مكر كفار بني إسرائيل بعيسى: أن وكلوا به من يقتله غيلة، ولكن الله ألقى شبه عيسى على من قصد قتله، فقتلوه، ورفع عيسى إلى السماء. إِنِّي مُتَوَفِّيكَ التوفي: أخذ الشيء وافيا تاما، ثم استعمل بمعنى الإماتة، كما قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر 39/ 42] فمعنى مُتَوَفِّيكَ قابضك. وَرافِعُكَ إِلَيَّ من الدنيا من غير موت، فإذا كان عيسى حيا حين الرفع كان في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: أني رافعك إليّ ومتوفيك، والواو لا تدل على الترتيب. وقيل: معنى: إني متوفيك: قابضك ورافعك إلي، أي إلى كرامتي. وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مبعدك، وتطهيره من الذين كفروا: براءته مما كانوا يزمونه به بتهمة أمه بالزنا. وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ صدقوا بنبوتك من المسلمين والنصارى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وهم اليهود، والفوقية بمعنى العلو عليهم بالحجة والسيف. فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ يشمل المسيح والمختلفين معه والاختلاف بين أتباعه والكافرين به. عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي والجزية وَالْآخِرَةِ بالنار ناصِرِينَ مانعين منه وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي يعاقبهم ذلِكَ المذكور من أمر عيسى نَتْلُوهُ نقصه وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ المحكم أي القرآن. سبب النزول: نزول الآية (58) : أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راهبا نجران، فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يعجل حتى يؤامر ربه، فنزل عليه ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إلى قوله مِنَ الْمُمْتَرِينَ. وسيأتي بيان روايات أخرى في بيان سبب نزول آية: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ إلى قوله مِنَ الْمُمْتَرِينَ. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى معجزات وخصائص عيسى عليه السلام، ذكر هنا
التفسير والبيان:
قصته مع قومه، حيث دعاهم للإيمان، فآمن به بعضهم، وأعرض الآخرون، وما لقيه منهم من إيذاء وعزم على قتله، وإنجائه منهم برفعه إليه، وإنذار الكافرين بالعذاب الشديد، ومجازاة المؤمنين الذين عملوا الصالحات. وفي ذلك تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم وبيان أن الأدلة وحدها لا تؤدي إلى الإيمان، وإنما لا بد من هداية الله وتوفيقه. التفسير والبيان: لما شعر عيسى من قومه بني إسرائيل بالتصميم على الكفر، والاستمرار على الضلال، وتحقق من ذلك، أراد التعرف صراحة عن المؤمنين بدعوته، فقال: من يتبعني إلى الله، ومن ينصرني ملتجئا إلى الله؟ والظاهر أنه يريد: من أنصاري في الدعوة إلى الله، كما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في مراسم الحج قبل أن يهاجر: «من رجل يؤويني حتى أبلّغ كلام ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي؟» فوجد الأنصار، فآووه ونصروه وهاجر إليهم، فواسوه ومنعوه من الأعداء. وهكذا عيسى انتدب طائفة من بني إسرائيل لنصرته، فآمنوا به وآزروه ونصروه، كما جاء في آية أخرى: «كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ [الصف 61/ 14] . قال الحواريون أي الأنصار: نحن أنصار دين الله وجنوده المخلصون المؤيدون دعوتك، آمنا بوجود الله وبوحدانيته إيمانا صادقا، واشهد بأنا مسلمون، أي خاضعون منقادون لأوامره، وجوهر الإسلام متفق عليه بين كل الأديان. ثم تضرعوا إلى الله قائلين: ربنا آمنا وصدقنا بما أنزلت في كتابك واتبعنا الرسول عيسى ابن مريم، فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك
بالصدق. وذكر الاتباع في قولهم دليل على صحة الإيمان، لأن الإيمان يقتضي العمل. ثم أخبر الله تعالى عن مؤامرة جماعة من بني إسرائيل على قتل عيسى، فوشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرا: أن هنا رجلا يضل الناس، ويصدهم عن طاعة الملك، ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، وهذا هو مكرهم بتوكيل من يقتله غيلة، فأبطل الله مكرهم وأفسد تدابيرهم، إذ بعث الملك في طلبه لأخذه وصلبه والتنكيل به، فلما أحاطوا بمنزله، وظنوا أنهم قد ظفروا به، بإلقاء شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، نجّاه الله تعالى من بينهم، ورفعه إلى السماء. والله خير المدبرين، وأنفذهم خطة، وأحكمهم وأقواهم صنعا، وأقدرهم على إضرارهم، وإتمام حكمته، وإنفاذ مشيئته، وتركهم في ضلالهم يعمهون: يعتقدون أنهم قد ظفروا بمطلبهم، وحققوا مأربهم. وقال أبو حيان: معناه: أي المجازين أهل الخير بالفضل وأهل الجور بالعدل لأنه فاعل حق في ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب «1» . ثم ذكر الله رفع عيسى إلى السماء مخاطبا نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم وقائلا: اذكر يا محمد حين قال الله لعيسى: إني موفيك أجلك كاملا، ورافعك إلي، وهذه بشارة له بنجاته من كيدهم وتدبيرهم. وللمفسرين رأيان في تأويل هذه الآية: 1- إن في الآية تقديما وتأخيرا: والتقدير: إني رافعك إلي ومطهرك من
الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء، أي أنه رفعه إلى السماء حيا بجسمه وروحه، وسينزل في آخر الزمان، فيحكم بشريعة الإسلام، ثم يميته الله. وهذا ما دلت عليه الأحاديث النبوية الصحيحة، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» . 2- التوفي: الإماتة العادية، والرفع: رفع الروح والمكانة، لا المكان، كما قال تعالى في شأن إدريس عليه السلام: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [مريم 19/ 57] وقال في شأن المؤمنين: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر 54/ 55] ويكون المعنى: إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان علي رفيع. ويؤيد التأويل الأول أكثر العلماء، وقال بعضهم وهو الربيع بن أنس: المراد بالوفاة هاهنا: النوم، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام 6/ 60] وقال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر 39/ 42] وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إذا قام من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا، بعد ما أماتنا» . وقال القرطبي: والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس. وذكر الله تعالى قصة صلب عيسى ورفعه في آيات أخرى هي: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ، وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ، وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ، وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [النساء 4/ 156- 159] . والضمير في قوله قَبْلَ مَوْتِهِ عائد على عيسى عليه السلام، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن
بعيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم لأنه يضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام. ثم أبان الله تعالى بعض وجوه أخرى من إكرام عيسى عليه السلام، فقال: وجاعل الذين آمنوا بأنه عبد الله ورسوله، وصدقوه في قوله، واتبعوا دينه فوق الذين كفروا أي أعلى منهم، وهي إما فوقية روحانية: وهي فضلهم عليهم في حسن الأخلاق، وكمال الآداب، والقرب من الحق، والبعد عن الباطل، وإما فوقية دنيوية وهي كونهم أصحاب السيادة عليهم، وليس ذلك أمرا مطردا دائما في كل وقت، مما يرجح كون الفوقية روحانية ومعنوية وأدبية. هذه الفوقية في صحة العقيدة وسمو الآداب والأخلاق وقوة الحجة وعلو القدر تدوم لأهل الإيمان إلى يوم القيامة. ثم مصيركم جميعا إلى يوم البعث، فأحكم بينكم فيما اختلفتم فيه من أمور الدين. ثم بيّن الله جزاء المحق والمبطل: فأما الذين كفروا بعيسى وكذبوه وهم اليهود فلهم عذاب في الدنيا بذنوبهم بالإذلال والقتل والأسر وتسليط الأمم عليهم، وعذاب في الآخرة بنار جهنم، وما لهم في الآخرة من نصير ولا معين. وأما الذين آمنوا بعيسى وصدقوا بنبوته وبما جاء به من عند الله، وعملوا صالحا بتنفيذ الأوامر وترك النواهي، فيعطيهم الله أجورهم كاملة غير منقوصة. ثم أكد تعالى جزاء الكافرين فقال: والله لا يحب الظالمين أي يعاقبهم ويجازيهم بما يستحقون، أو لا يريد ظلم الظالمين. هذه الأخبار عن عيسى نتلوها عليك يا محمد، وهي من الأدلة الواضحة الدالة على صدق نبوتك، وهي من القرآن الحكيم الذي يبين وجوه العبرة والحكمة
فقه الحياة أو الأحكام:
والعظة في الأخبار والأحكام، فيهتدي المؤمنون بها إلى الحق ومعرفة سر الشريعة وجوهر الدين. وشبيه ذلك قوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ، إِذا قَضى أَمْراً، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [مريم 19/ 34- 35] . فقه الحياة أو الأحكام: أصحاب الدعوات الإصلاحية وعلى رأسهم الأنبياء يتعرضون بسبب دعوتهم إلى مختلف أنواع الأذى والطرد ومحاولة الاغتيال. ولكن اقتضت الحكمة الإلهية ألا ينضب الخير والفلاح بين الناس، فيهيّئ أناسا يؤازرون المصلحين، ويحتاج القائد إلى أن يتعرف على أتباعه وأنصاره المخلصين، كما فعل عيسى عليه السلام بالتعرف على الحواريين، ليعتمد عليهم وقت الشدة والأزمة، ويساعدونه في تحمل عبء الدعوة إلى الله، وهذا هو المراد بقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ. ولما أخرج بنو إسرائيل عيسى وأمه من بين أظهرهم، عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطؤوا على الفتك به، فذلك مكرهم. ومكر الله في رأي الفراء: استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون، وفي رأي الزجاج: مكر الله: مجازاتهم على مكرهم، فسمى الجزاء باسم الابتداء، كقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَهُوَ خادِعُهُمْ وهذا على طريق المشاكلة، وهو الرأي المشهور بين العلماء: رأي الجمهور. والصحيح لدى المحققين من العلماء أن الله رفع عيسى عليه السلام إلى السماء من غير وفاة ولا نوم. وسينزل في آخر الزمان. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركنّ القلاص «1» ،
الرد على من زعم ألوهية عيسى والمباهلة [سورة آل عمران (3) الآيات 59 إلى 63] :
فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعونّ إلى المال، فلا يقبله أحد» . وأما تطهيره من الذين كفروا: فهو إنجاؤه مما كانوا يرمونه به، أو يرومونه منه، ويريدونه به من الشر. وأما قوله وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ففيه رأيان: قال الضحاك ومحمد بن أبان: المراد الحواريون. وقال آخرون: الخطاب لمحمد صلّى الله عليه وسلّم، والفوقية: بالحجة وإقامة البرهان، وقيل: بالعز والغلبة. والتفوق بالحجة على صحة دين الإسلام بالمعنى العام الذي يتفق عليه جميع الأنبياء وأتباع عيسى وموسى وغيرهم من أتباع محمد صلوات الله وسلامه عليهم: هو الأولى، مثل آية: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ.. [النور 24/ 55] . وجزاء الكافرين: النار في الآخرة، والقتل والصلب والسبي والإذلال في الدنيا. وجزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات: السعادة والاطمئنان في الدنيا، والجنة في الآخرة، فهي سعادة في الدارين. الرّدّ على من زعم ألوهية عيسى والمباهلة [سورة آل عمران (3) : الآيات 59 الى 63] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)
الإعراب:
الإعراب: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسّرة للمثل، وهي موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما المثل؟ فقال: خلقه من تراب، أي المثل خلقه من تراب. ولا يجوز أن يكون وصفا لآدم لأن آدم معرفة، والجملة لا تكون إلا نكرة، والمعرفة لا توصف بالنكرة. ولا يجوز أيضا أن يكون حالا لأن خَلَقَهُ فعل ماض، والفعل الماضي لا يكون حالا. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الحق: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا الحقّ من ربّك، أو هو الحقّ، أي أمر عيسى. وَما مِنْ إِلهٍ من: زائدة للتوكيد. البلاغة: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أتى بوصف الربوبية وأضافه إلى الرّسول عليه الصلاة والسلام لتشريفه. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ هذا من باب الإثارة والإلهاب، لزيادة التّثبيت. المفردات اللغوية: إِنَّ مَثَلَ عِيسى المثل: الشأن الغريب والحال المدهشة. عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ أي كشأنه في خلقه من غير أم ولا أب، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب، ليكون أوقع في النفس وأقطع لقول الخصم. والمراد أنّ شبه عيسى وصفته في خلق الله إياه على غير مثال سبق، كشأن آدم في ذلك، ثم فسّر هذا المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ أي خلق قالبه وقدر أوضاعه وكون جسمه من تراب ميّت أصابه الماء، فكان طينا لازبا لزجا. ثم قال له: كن بشرا، فكان، وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين فيه، الامتراء: الشّك. فَمَنْ حَاجَّكَ جادلك من النصارى. ثُمَّ نَبْتَهِلْ نتضرّع في الدّعاء، وابتهل القوم: تلاعنوا، والبهلة: اللعنة. فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ بأن نقول: اللهمّ العن الكاذب في شأن عيسى. وقد دعا صلّى الله عليه وسلّم وفد نجران لذلك، لما حاجوه به، فقالوا: حتى ننظر في أمرنا، ثم نأتيك، فقال ذو رأيهم- مستشارهم، واسمه «العاقب» : «لقد عرفتم نبوّته، وأنه ما باهل قوم نبيّا إلا هلكوا» ، فودّعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وقد خرج، ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي، وقال لهم: إذا دعوت، فأمّنوا، فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية. رواه نعيم.
سبب النزول:
الْقَصَصُ الخبر. الْحَقُّ الذي لا شكّ فيه. الْعَزِيزُ أي ذو العزّة الذي لا يغالبه أحد في ملكه. الْحَكِيمُ ذو الحكمة الذي لا يساميه أحد في صنعه. سبب النزول: قال المفسّرون: إن وفد نجران قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد، قال: أجل، إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية «1» . المناسبة: ذكر الله تعالى سابقا قصة عيسى وأمه، وإيمان بعض قومه به، وكفر بعض آخر، وهنا ذكر حال فريق ثالث لم يكفر به، ولم يؤمن به إيمانا صحيحا، بل افتتن به افتتانا، لكونه ولد من غير أب، فزعم أن معنى كونه «كلمة الله وروح الله» : أنّ الله حلّ في أمه، وأن كلمة الله تجسّدت فيه، فصار إنسانا وإلها ذا طبيعة مزدوجة، فردّ الله عليهم بأن خلق آدم أعجب من خلق عيسى. التفسير والبيان: إن صفة عيسى في قدرة الله حيث خلقه من غير أب كمثل آدم حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل خلقه من تراب، وقدره جسدا من طين، ثم قال له: كن فيكون أي أنشأه بشرا بنفخ الروح فيه. شبّه الغريب بالأغرب منه، والتشبيه واقع على أن عيسى خلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب، والشيء قد يشبّه بالشيء لاتّفاقهما في وصف واحد، وإن اختلفا في أمور أخرى. فالذي خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى،
وإن جاز ادّعاء النبوّة في عيسى، لكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ادعائها في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتّفاق أن ذلك باطل، فدعوى النبوّة في عيسى أشدّ بطلانا. ولكن الله تعالى أراد أن يظهر قدرته للناس حين خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية البشر من ذكر وأنثى. ولهذا قال تعالى في سورة مريم: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [21] ، وقال هنا: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. هذا الذي أخبرتك به من شأن عيسى ومريم هو القول الحق، لا ما اعتقده النصاري في المسيح من أنه إله، ولا ما زعمه اليهود من رمي مريم بيوسف النّجار. فلا تشكنّ في أمرهما بعد أن جاءك العلم اليقيني به. وهذا النهي يثير في النّبي وأمّته ضرورة الاعتصام باليقين واطمئنان النفس إلى الخبر الإلهي. أي واظب على يقينك وطمأنينة نفسك إلى الحقّ والبعد عن الشّك فيه، أو أن الخطاب للنّبي صلّى الله عليه وسلّم والمراد أمته، لأنه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن شاكّا في أمر عيسى عليه السّلام. فمن جادلك في شأن عيسى عليه السّلام بعد معرفة الحقّ واليقين فادعهم إلى المباهلة أي الملاعنة: بأن نتباهل وندعو الله أن يلعن الكاذب ويطرده من رحمته. وهذه الآية تسمى آية المباهلة. وقد ثبت أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم دعا نصارى نجران للمباهلة، فأبوا. جاء في سيرة ابن إسحاق: أنه قدم سنة تسع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد نصارى نجران ستون راكبا: فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، منهم: «العاقب» واسمه عبد المسيح، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه. ومنهم السيّد وهو الأيهم، وكان عالمهم، ومنهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وكان أسقفهم. فدخلوا بعد العصر
مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فصلوا صلاتهم إلى المشرق، ثمّ كلّموا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا عن عيسى: هو الله، هو ولد الله، هو ثالث ثلاثة، فنزل القرآن للرّدّ عليهم. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: أنه جاء العاقب والسيّد صاحب نجران إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيّا، فلاعناه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقال: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: لأبعثنّ معكم رجلا أمينا حق أمين، قم يا أبا عبيدة بن الجرّاح، فلما قام قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هذا أمين هذه الأمّة. وروي أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم اختار للمباهلة عليّا وفاطمة وولديهما: الحسن والحسين، وخرج بهم وقال: إن أنا دعوت، فأمّنوا أنتم. وبعد أن رفضوا المباهلة صالحوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم على الجزية: وهي دفع ألف حلّة في صفر، وألف في رجب ودراهم. وهذا يدلّ على قوة اليقين والثّقة بما يقول، وعلى أن امتناعهم عن المباهلة فيه تقرير للخطر وكونهم على غير بيّنة فيما يعلنون، فما أمكنهم الإقدام على المباهلة. إن هذا الذي قصصته عليك في شأن عيسى هو القصص الحق الذي لا مرية فيه ولا جدال، لا ما يدّعيه النصارى من كونه إلها أو ابن الله، ولا ما يدّعيه اليهود من كونه ابن زنا. وسمّيت قصصا لأن المعاني تتابع فيها. وليس هناك إله إلا الله العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم: ذو الحكمة الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح المناسب له. فإن أعرضوا بعد هذا عن اتّباعك وتصديقك، ولم يعلنوا وحدانية الله، ولم يجيبوا
فقه الحياة أو الأحكام:
إلى المباهلة، فإن الله عليم (واسع العلم) بحال المفسدين، وسيجازيهم على أعمالهم شرّ الجزاء. وكلّ من عدل عن الحقّ إلى الباطل فهو المفسد، والله قادر عليه لا يفوته شيء. فقه الحياة أو الأحكام: إن عجائب الخلق وخلق الكائنات وأمر الخليقة تدلّ على وجود الخالق وهو الله تعالى، كما قال: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، وَيَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ، قَوْلُهُ الْحَقُّ [الأنعام 6/ 73] . ومن خلقه تعالى: خلق الناس على وفق قوانين عادية، أو على غير العادة، مثل خلق آدم، وحواء، وعيسى. وعقد الشّبه بين آدم وعيسى هو في أنهما خلقا من غير أب، وذلك للرّدّ على وفد نجران الذين أنكروا على النّبي صلّى الله عليه وسلّم قوله: إن عيسى عبد الله وكلمته، فقالوا: أرنا عبدا خلق من غير أب؟! فقال لهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم: آدم، من كان أبوه؟ أعجبتم من عيسى ليس له أب؟ فآدم عليه السّلام ليس له أب ولا أم. وآية المباهلة حدّ فاصل في الجدال لأن اللعنة محقّقة فيها على الكاذب. وهذه الآية من أعلام نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم لأنه دعاهم إلى المباهلة، فأبوا ورضوا بالجزية، بعد أن أعلمهم كبيرهم: العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا، فإن محمدا نبيّ مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى فتركوا المباهلة، وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حلّة في صفر، وألف حلّة في رجب، فصالحهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ذلك بدلا من الإسلام. ودلّ قوله تعالى: نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحسن: «إنّ ابني هذا سيّد» «1» على خصوصية تسمية الحسن والحسين: ابني النّبي صلّى الله عليه وسلّم دون غيرهما، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي» «2» .
الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وملة إبراهيم [سورة آل عمران (3) الآيات 64 إلى 68] :
الدّعوة إلى توحيد الله وعبادته وملّة إبراهيم [سورة آل عمران (3) : الآيات 64 الى 68] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) الإعراب: سَواءٍ صفة لكلمة، أي كلمة مستوية. أَلَّا نَعْبُدَ بدل مجرور من كلمة. ويجوز رفعه خبرا لمبتدأ محذوف وتقديره: هي ألا نعبد إلا الله، أو جعله مبتدأ، أي بيننا وبينكم ترك عبادة غير الله. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها للتنبيه، وأنتم: مبتدأ، وهؤلاء: خبره. حاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبيّنة للجملة الأولى أي أنتم هؤلاء أنكم جادلتم لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ: خبر إن. وَهذَا عطف عليه. النَّبِيُّ صفة لهذا أو بدل منه أو عطف بيان. البلاغة: كَلِمَةٍ مجاز إذ أطلق الواحد على الجمع. أَرْباباً فيه تشبيه طاعتهم لرؤساء الدّين في أمر التحليل بالرّب المستحق وحده للعبادة. أَوْلَى وأَوْلَى فيه جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: يا أَهْلَ الْكِتابِ هم اليهود والنصارى. تَعالَوْا أقبلوا. سَواءٍ مستو أمرها بين الفريقين، والسّواء: العدل والوسط الذي لا تختلف فيه الشرائع. أَرْباباً جمع ربّ: وهو السّيّد المربي المطاع فيما يأمر وينهى، ويراد به هنا: ما له حق التشريع من تحريم وتحليل. أما الإله: فهو المعبود الذي يدعى حين الشدائد ويقصد عند الحاجة لأنه مصدر الفرج. مُسْلِمُونَ منقادون لله مخلصون له موحدون. تُحَاجُّونَ تخاصمون وتجادلون. حَنِيفاً مائلا عن العقائد الزائفة الباطلة إلى الدّين الحق القيّم. مُسْلِماً موحّدا مخلصا مطيعا له. إِنَّ أَوْلَى أحق. وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ناصرهم وحافظهم. سبب النزول: نزول الآيات (65- 67) : أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا، فأنزل الله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ الآية» . نزول الآية (68) : سأل اليهود قائلين: والله يا محمد، لقد علمت أنّا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وإنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ لكلّ نبيّ ولاة من النّبيين، وإن وليي أبي وخليل ربي، ثم قرأ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهذَا النَّبِيُّ الآية.
المناسبة:
المناسبة: أقام القرآن الحجة على النصارى في ادّعائهم ألوهية المسيح، ثم دعا هنا اليهود والنصارى إلى أصل الدّين وروحه الذي اتّفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا وهو توحيد الله وعبادته، والاقتداء بإبراهيم أبي الأنبياء عليهم السّلام إذ أن ملّته ملّة الإسلام، ولم يكن يهوديا ولا نصرانيا. التفسير والبيان: قل يا محمد: يا أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى جميعا، أقبلوا وهلمّوا إلى كلمة عادلة وسطى سواء بين الفريقين اتّفقت عليها جميع الشرائع والرّسل والكتب التي أنزلت إليهم، فأمرت بها الصّحف والكتب الأربعة: التّوراة والزّبور والإنجيل والقرآن، وهي كلمة التّوحيد: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وعبادة الله وتفويض سلطة التشريع والتحليل والتحريم إليه، وعدم الشرك به شيئا، وعدم اتّخاذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، كالوثن والصليب والصنم والطاغوت والنار. هذه الآية حوت وحدانية الألوهية في قوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، ووحدانية الرّبوبية في قوله: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ. وهذه دعوة جميع الرسل إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء 21/ 25] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 16/ 36] . وكان اليهود موحدين، ولكن مفهوم الإله فيهم أصبح ليس هو الإله الحق، واتبعوا رؤساء الدين فيما يخترعون من أحكام، وكذلك كان النصارى موحدين وما زالوا يدعون الوحدانية، لكنهم انتقلوا من ادعاء نبوة عيسى لله والتثليث إلى
ادعاء ألوهيته وأن الثلاثة واحد، وهو عيسى، ورفضت فرقة الإصلاح «البروتستانت» فكرة ألوهية عيسى. روى عدي بن حاتم قال: «أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [31] فقلت له: يا رسول الله، لم يكونوا يعبدونهم، فقال: ما كانوا يحللون لكم ويحرّمون، فتأخذون بأقوالهم؟ قال: نعم، فقال عليه الصّلاة والسّلام: هو ذاك» ، وعلى هذا خوطب أهل الكتاب بهذا الخطاب لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب. فإن أعرضوا عن هذه الدعوة أو التحكيم، وأبوا إلا أن يعبدوا غير الله، فقولوا لهم: إنا مسلمون حقا، منقادون لله، مخلصون له الدّين، لا نعبد أحدا سواه، ولا نطلب النّفع أو دفع الضّرر من غيره، ولا نحلّ إلا ما أحلّه الله، ولا نحرّم إلا ما حرّمه الله. وهذه الآية هي جوهر رسائل النّبي صلّى الله عليه وسلّم وكتبه إلى ملوك وأمراء العالم من أهل الكتاب وغيرهم، مثل كسرى ملك الفرس الوثنيين، وهرقل ملك الرّوم النصارى، والنّجاشي النّصراني والمقوقس عظيم أقباط مصر وغيرهم. واشتملت كل تلك الكتب على هذه الآية، وهنا أذكر كتابه إلى هرقل، جاء في صحيح مسلم: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم. سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين- أي الشعب من فلاحين وخدم وأتباع وغيرهم، ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» .
المحاجة في انتماء إبراهيم:
المحاجّة في انتماء إبراهيم: أيها اليهود والنصارى، لم تتنازعون في إبراهيم الخليل عليه السلام ويدّعي كل منكم أنه كان منكم على دينه؟ كيف تدّعون أيها اليهود أنه كان يهوديا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ فما أنزلت التوراة على موسى، ولا الإنجيل على عيسى إلا من بعد إبراهيم بأزمان طويلة، قيل: كان بين إبراهيم وموسى سبعمائة سنة، وبين موسى وعيسى حوالي ألف سنة. لهذا قال تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ أن المتقدم على الشيء لا يكون تابعا له؟ وألا تعقلون ضعف حجّتكم وانهيارها وبطلان قولكم؟ ثم أشار الله تعالى إلى جهلهم وحماقتهم في دعواهم هذه، فقال: ها أنتم هؤلاء تجادلون وتحاجّون فيما لكم به علم ومعرفة من أمر عيسى «1» عليه السّلام مما نطق به التّوراة والإنجيل، وقد قامت عليكم الحجّة وظهر الغلط، فكيف تحاجّون، وعلى أي أساس تجادلون في شأن إبراهيم عليه السّلام أنه كان يهوديا أو نصرانيا، وليس لكم به علم ولا نزل في شأنه شيء في دينكم وكتبكم، فمن أين أتاكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ والله يعلم ما غاب عنكم ولم تشاهدوه، وأنتم لا تعلمون إلا ما عرفتم وعاينتم وشاهدتم أو سمعتم؟ فهذا إنكار من الله عليهم مثل تلك الدّعاوى والمحاجّة في إبراهيم والمحاجّة فيما لا علم لهم به، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقيقتها.
فقه الحياة أو الأحكام:
ثم جاء القرار الإلهي الحاسم في شأن إبراهيم، وهو أنه ما كان يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مائلا عن الشرك بالله والوثنية، مسلما منقادا لله مطيعا لأوامره، مجتنبا نواهيه، فأهل دينه الذين هم على منهاجه وشريعته هم أهل الإسلام، فهم الصادقون، وأما اليهود والنصارى فهم الكاذبون. وما كان أيضا من المشركين الذين يسمون أنفسهم الحنفاء، ويدّعون أنهم على ملّة إبراهيم، وهم قريش ومن تبعهم من العرب. ثم أكّد تعالى ما سبق بقوله: إن أحقّ الناس بإبراهيم ونصرته هم المؤمنون بالله وحده لا شريك له، المخلصون له الدّين، وهذا النّبي محمد والذين آمنوا معه، فهم أهل التوحيد المتفقون على وحدانية الله وألوهيته وربوبيته، وهذا هو روح الإسلام، والله ناصر المؤمنين ومؤيدهم، وموفقهم ومتولي أمورهم ومصلح شؤونهم، بإرسال الرّسل إليهم. فقه الحياة أو الأحكام: إن إطاعة غير الله تعالى من الأحبار وعلماء الدّين في الأحكام الشرعية بالتحليل والتحريم يجعل الأحبار كالأرباب، وهذا يقتضي تخصيص الطاعة لله تعالى. وإن ملتقى الأديان هو الانصياع تحت راية التوحيد وهي كلمة «لا إله إلا الله» وعبادته وحده، والاعتماد في التشريع على الله تعالى فهو مصدر الشرائع الحقّ. لذا خاطبهم القرآن بقوله: أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق، وهي قوله تعالى: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ. ودلّ قوله تعالى: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ على أنه لا يجوز اتّباع من سوى الله في تحليل شيء أو تحريمه، إلا فيما حلله الله تعالى،
وهو نظير قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة 9/ 31] ، معناه: أنهم أنزلوهم منزلة ربّهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرّمه الله ولم يحلّه الله. وفي هذا حجّة على أنّ مسائل الدّين كالعبادات والتّحريم والتّحليل لا يؤخذ فيها إلا بقول النّبي المعصوم، لا بقول إمام ولا فقيه، وإلا كان إشراكا في الرّبوبية، وهذا ما ندّد به القرآن في آيات مثل قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى 42/ 21] ، وقوله: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ: هذا حَلالٌ، وَهذا حَرامٌ [النحل 16/ 116] . أما المسائل الدّنيوية كالقضاء والسياسة فهذه فوّض أمرها إلى أهل الحلّ والعقد وهم أهل الشورى، فما أمروا به وجب تنفيذه وقبوله. وإن أعرض أهل الكتاب عما دعوا إليه وهي الكلمة السواء نقول: نحن مسلمون أي متّصفون بدين الإسلام، منقادون لأحكامه، معترفون بما لله علينا في ذلك من النّعم، غير متّخذين أحدا ربّا، لا عيسى ولا عزيرا ولا الملائكة لأنهم بشر مثلنا، ولا نقبل من الرّهبان شيئا بتحريمهم علينا ما لم يحرّمه الله علينا، فنكون قد اتّخذناهم أربابا. وأبين آية وحجّة على اليهود والنصارى الذين ادّعوا أن إبراهيم كان على دين كل منهم آية: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ ... فهي تكذبهم بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا من بعده، وذلك قوله: وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ فكيف يكون إبراهيم منسوبا إلى ملّة حادثة بعده؟ هذا فضلا عن أن اليهودية ملّة محرّفة عن ملّة موسى عليه السلام، والنّصرانية ملّة محرّفة عن شريعة عيسى عليه السلام. ودلّت آية: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ ... على المنع من الجدال لمن لا علم
محاولة بعض أهل الكتاب إضلال المسلمين والتلاعب بالدين والعصبية الدينية [سورة آل عمران (3) الآيات 69 إلى 74] :
له. أما الجدال لمن علم وأيقن، والاحتجاج للحقّ فهو جائز، لقوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل 16/ 125] ، ومثاله: ما روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أتاه رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق «1» ؟ قال: نعم. قال: «فمن أين ذلك؟» قال: لعل عرقا نزعه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وهذا الغلام لعل عرقا نزعه» ودلّت هذه الآية على وجوب المحاجّة في الدّين وإقامة الحجّة على المبطلين، كما احتجّ الله تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في أمر المسيح عليه السلام، وأبطل بها شبهتهم. وإبراهيم كان على الحنيفية الإسلامية، ولم يكن مشركا ولا يهوديا ولا نصرانيا، وأحقّ الناس بإبراهيم ونصرته: هم الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده، وكانوا حنفاء مسلمين مثله غير مشركين، وأيضا هذا النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم والذين آمنوا معه، فإنهم أهل التوحيد. والله ولي المؤمنين، أي ناصرهم. أخرج الترمذي عن ابن مسعود أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن لكل نبيّ ولاة من النّبيين، وإن وليي أبي وخليل ربّي، ثم قرأ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ» . محاولة بعض أهل الكتاب إضلال المسلمين والتلاعب بالدين والعصبية الدينية [سورة آل عمران (3) : الآيات 69 الى 74] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)
الإعراب:
الإعراب: أَنْ يُؤْتى مفعول به لتؤمنوا، وتقدير الكلام: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم، فتكون لام لِمَنْ على هذا زائدة وهو اختيار السيوطي، ومن في موضع نصب لأنه استثناء منقطع. ويجوز أن تكون اللام غير زائدة، ومتعلّقة بفعل مقدّر دلّ عليه الكلام لأن معناه: لا تقرّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، فتتعلّق الباء واللام (بتقروا) . والتأويل عند الزمخشري: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أي أسرّوا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم. وجملة قُلْ: إِنَّ الْهُدى.. اعتراضية. وقوله: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عطف على أَنْ يُؤْتى. والضمير في يُحاجُّوكُمْ عائد لكلمة أَحَدٌ لأنه في معنى الجمع. البلاغة: الْحَقَّ وبِالْباطِلِ بينهما طباق. يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ فيهما جناس تام. المفردات اللغوية: وَدَّتْ أحبّت ورغبت. طائِفَةٌ جماعة وهم الأحبار والرؤساء. يُضِلُّونَكُمْ
سبب النزول:
يوقعونكم في الضلال بالرّجوع عن دين الإسلام والمخالفة له، والضلال: نوع من الهلاك. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن إثم إضلالهم عليهم، والمؤمنون لا يطيعونهم فيه. بِآياتِ اللَّهِ ما يدلّ على صدق نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو القرآن المشتمل على نعته عليه الصلاة والسلام. تَلْبِسُونَ تخلطون الحقّ بالباطل، بالتّحريف والتّزوير. وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي نعت النّبي صلّى الله عليه وسلّم. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه حق. وَجْهَ النَّهارِ أوله. لَعَلَّهُمْ أي المؤمنين. يَرْجِعُونَ عن دينهم. وَلا تُؤْمِنُوا تصدقوا. قُلْ: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام، والخطاب لمحمد صلّى الله عليه وسلّم، والجملة اعتراضية. إِنَّ أي بأن، وأن: مفعول تؤمنوا. مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من الكتاب والحكمة والفضائل. أَوْ يُحاجُّوكُمْ أي بأن يحاجّوكم وهم المؤمنون، أي يغلبوكم بالحجّة. الْفَضْلَ الزيادة، والمراد به هنا النّبوة. سبب النزول: نزول الآية (69) : نزلت في معاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان حين دعاهم اليهود إلى دينهم. نزول الآية (72) : روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل الله على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعوا عن دينهم، فأنزل الله فيهم: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ إلى قوله: واسِعٌ عَلِيمٌ.
المناسبة:
وأخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول أحبارهم للذين من دونهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فأنزل الله: قُلْ: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ. المناسبة: ذكر الله تعالى سابقا موقفا لأهل الكتاب وهو الإعراض عن الحق، وذكر هنا موقفا آخر وهو شدّة حرصهم على إضلال المؤمنين. التفسير والبيان: أحبّت طائفة من الأحبار والرؤساء إيقاع الضلال بين المسلمين، بزرع الشّبهات ومحاولة كسب بعض المسلمين بإدخالهم في دينهم، ولكنهم خائبون، فهم لا يضلون إلا أنفسهم وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، إذ شغلوها بما لا يجدي، بل بما يضرّ، ويوقعهم في الإثم والمعصية، وما يشعرون بذلك وما يفطنون إلى سوء حالهم، وفي هذا نهاية الذّم والاحتقار لهم. والآية نظير قوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً.. [البقرة 2/ 109] . يا أهل الكتاب (اليهود والنصارى) : لأي سبب تكفرون بالآيات الدّالة على صدق نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأنتم تشهدون بصحّتها، بما جاء في كتبكم من نعته والبشارة به. يا أهل الكتاب لم تخلطون الحقّ الذي جاء به الأنبياء بالباطل الكذب الذي لفّقه أحباركم ورؤساؤكم بتأويلاتهم الفاسدة، وبإلقاء الشّبه، والتّحريف والتّبديل، وأنتم تكتمون شأن محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو مكتوب عندكم في التّوراة والإنجيل وهو البشارة بنبيّ من بني إسماعيل يعلّم الناس الكتاب والحكمة، وأنتم تعلمون أنكم مخطئون مبطلون، وتفعلون ذلك حسدا وعنادا.
ثمّ ذكر نوعا آخر من مكرهم وكيدهم: وهو أن طائفة منهم كما بان في سبب النزول المتقدم أظهروا الإسلام في أول النّهار فصلّوا مع المسلمين صلاة الصّبح، ثم ارتدّوا عنه في آخره، ليلبسوا على الضعفاء والجهلة من الناس أمر دينهم، فيقولوا: إنما ردّهم إلى دينهم اطّلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عنه. ولم يدروا أن من عرف الحقّ لم يرجع عنه، سأل هرقل أبا سفيان عن شؤون محمد صلّى الله عليه وسلّم: هل يرجع عنه من دخل في دينه؟ فقال أبو سفيان: لا. ومن تتمة كلام اليهود أن قالوا لبعضهم زعما منهم أنّ النّبوة لا تكون إلا فيهم «1» : أسرّوا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم، دون المسلمين، لئلا يزيدهم ثباتا على دينهم، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام، أي أن المعنى كتم التصديق بأن للمسلمين من كتاب الله مثل أهل الكتاب. وقال ابن كثير: لا تطمئنوا أو تظهروا سرّكم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجّوا به عليكم، فالمعنى حجب أسرارهم عن المسلمين. ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجّونكم يوم القيامة بالحق، ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجّة. وقال ابن كثير في تفسير ذلك: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلّموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم لشدّة الإيمان به، أو يتّخذوه حجّة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدّلالة، وتترتب الحجة في الدّنيا والآخرة. وتخلل ذلك جملة اعتراضية: وهي أن الهدى هدى الله، فمن شاء الله هدايته
فقه الحياة أو الأحكام:
إلى الإيمان آمن بما أنزله على عبده ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم من الآيات البيّنات والدّلائل القاطعات والحجج الواضحات، ولا يؤثر كيدكم وخبثكم وحيلكم وكتمكم شيئا، فسواء أظهرتم الحق، أم كتمتم أيها اليهود ما عندكم من صفة محمد النّبي الأميّ في كتبكم، فلن يغيّر ذلك شيئا من نعمة الهداية الإلهية على أحد من الناس. ثم ردّ الله على اليهود ردّا قاطعا لزعمهم أنّ النّبوة لا تكون إلّا فيهم فقال: إن الأمور كلها ومنها أمر النّبوة تحت تصرفه، وليس إليكم، وإنما بيد الله وحده، فهو المعطي المانع، يمنّ على من يشاء بالإيمان والعلم، ويضلّ من يشاء فيعمي بصيرته وبصره ويختم على قلبه وسمعه، وهو صاحب الفضل المطلق، والخير كله بيده، يؤتيه من يشاء من عباده، يختصّ برحمته أي بالنّبوة من شاء، ويختصّ المؤمنين بالفضل بما لا يحدّ ولا يوصف، وفضله واسع عظيم، ورحمته وسعت كل شيء، فلا حدّ لها، ولا حصر لآثارها، ولا قصر للنّبوة على بني إسرائيل على حدّ زعمهم، ولا لنسب أو شرف معين. فقه الحياة أو الأحكام: يحسد اليهود المؤمنين ويبغون إضلالهم، ولكن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم، وهم لا يشعرون. وهكذا يحلم الكفار قديما وحديثا بردّ المسلمين عن دينهم، إلى دين اليهودية أو النصرانية، أو أن يصبحوا من غير دين، ولكنهم خابوا وخسروا، وأثبتوا أنهم ضعاف العقول، سفهاء الأحلام فإن العقيدة الإسلامية في قلب المسلم أثبت من رواسخ الجبال، وهم لا يعلمون بصحّة الإسلام، وواجب عليهم أن يعلموا لأن البراهين ظاهرة والحجج باهرة على وحدانية الله، وعلى صحّة الشريعة ونضارتها وأصالتها ووفائها بالحاجات وسمّوها وتفضيلها على كلّ شرائع العالم قاطبة لأنها شرع الله ودينه. ومن المستنكر عقلا وعادة أن يخلط أهل الكتاب الحقّ بالباطل، أو يكتموا
أداء الأمانة والوفاء بالعهد عند بعض أهل الكتاب [سورة آل عمران (3) الآيات 75 إلى 77] :
الحقّ الأبلج، وهم به عالمون. ومحاولة التّدليس والخداع في إظهار أناس إيمانهم فترة ما، للتضليل والتشكيك، ثم العودة إلى الكفر هي محاولة صبيانية طائشة، لا يغترّ بها إلا السّذّج أمثالهم لأن التلاعب بالدّين والإيمان ليس من سمة المخلصين، ولأن الإيمان إذا وقر في القلب عن دليل وبرهان، استحال نزعه وسلخه من صاحبه إلا بالموت أو القتل. والنّبوات ليست قصرا على أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، وإنما يختص الله برحمته من يشاء، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو صاحب السلطان المطلق والأمر المبرم، ينزّل الوحي أو الملائكة على من يشاء من عباده، فليس لليهود أن يقولوا: إن النّبوات محصورة فيهم، أو أن تفوق الحجة عند الله لهم، فهم لا حجّة لهم، والإسلام أصح من معتقداتهم، والمسلمون أصحّ منهم دينا. وإن الهدى إلى الخير والدلالة إلى الله عزّ وجلّ بيد الله جلّ ثناؤه، يؤتيه أنبياءه، فليس لأهل الكتاب أن ينكروا أن يؤتى أحد مثلما أوتوا، فإن أنكروا يقال لهم: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ فالأمور كلها تحت تصرف الله، وهو المعطي المانع، يمنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتّصرف التامّ، ويضلّ من يشاء، فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجّة التّامة والحكمة البالغة. أداء الأمانة والوفاء بالعهد عند بعض أهل الكتاب [سورة آل عمران (3) : الآيات 75 الى 77] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77)
الإعراب:
الإعراب: بَلى إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم. مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدّت مسدها. والضمير في بِعَهْدِهِ راجع إلى مَنْ أَوْفى. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى. البلاغة: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا أشار إليهم بالبعيد لازدياد غلوهم في الشّر والفساد. لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ مجاز بالحذف أي ليس علينا في أكل الأموال سبيل. يَشْتَرُونَ فيه استعارة، استعار لفظ الشراء للاستبدال أي يستبدلون. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ مجاز عن شدّة الغضب والسخط الإلهي. وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم، تقول: «فلان لا ينظر إلى فلان» أي لا يعتدّ به. وَلا يُزَكِّيهِمْ أي لا يحسن إليهم ولا يثني عليهم، فهو مجاز عن معنى الإحسان. يوجد جناس اشتقاق بين اتَّقى والْمُتَّقِينَ. المفردات اللغوية: تَأْمَنْهُ أي تأتمنه، وهو من فعل أمنته. بِقِنْطارٍ المراد العدد الكثير، وقيل: هو المعيار الذي يوزن به، ومقداره عند أهل الشام مائة رطل، والرطل كيلوان ونصف. بِدِينارٍ المراد العدد القليل. فِي الْأُمِّيِّينَ أي العرب. سَبِيلٌ مؤاخذة وذنب أو تبعة. بَلى
سبب النزول نزول الآية (77) :
كلمة تقع جوابا عن نفي سابق، لإثباته، أي عليهم فيه سبيل. بِعَهْدِهِ العهد: ما تلتزم الوفاء به لغيرك، وإذا كان الالتزام من جانبين يقال: عاهد فلان غيره عهدا. ويَشْتَرُونَ يستبدلون. بِعَهْدِ اللَّهِ ما أنزله في كتابه من الإيمان بالنّبي وأداء الأمانة. وَأَيْمانِهِمْ جمع يمين: وهي الحلف بالله، والمراد هنا: أيمانهم الكاذبة أو حلفهم بالله تعالى كاذبين. ثَمَناً قَلِيلًا أي عوضا يأخذونه من الدّنيا، أو رشوة، وهو قليل لأن المال الذي يكون سببا في العقاب قليل مهما كثر. لا خَلاقَ لَهُمْ لا نصيب لهم. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ أي يغضب عليهم. وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أي يسخط عليهم ولا يرحمهم. وَلا يُزَكِّيهِمْ أي لا يثني عليهم ولا يطهرهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم. سبب النزول: نزول الآية (77) : روى الشيخان وغيرهما أن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ألك بيّنة؟ قلت: لا، فقال لليهودي: احلف، فقلت: يا رسول الله، إذن يحلف، فيذهب مالي، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا. وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلا أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله، لقد أعطي بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ.. الآية. قال الحافظ ابن حجر في (شرح البخاري) : لا منافاة بين الحديثين، بل يحمل على أن النزول كان لسببين معا. وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أن الآية نزلت في حييّ بن الأخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة وبدلوه، وحلفوا أنه من عند الله. وقيل: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق
المناسبة:
وحيي بن أخطب: حرّفوا التّوراة، وبدّلوا صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأخذوا الرّشوة على ذلك «1» . قال الحافظ ابن حجر: والآية محتملة، لكن العمدة في ذلك ما ثبت في الصحيح. المناسبة: تتابع الآيات في تبيان أوصاف أهل الكتاب، فمنهم الأمين، ومنهم الخائن، ومنهم المستحل أموال غير اليهود بالباطل بتأويلات واهية، لذا فإن القرآن يحذر المؤمنين من الاغترار بهم. التفسير والبيان: لقد أنصف القرآن في وصف أهل الكتاب، فمنهم طائفة تؤتمن على الأموال القليلة والكثيرة، والودائع أو الأمانات، مثل عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأدّاها إليه، ومثل السموءل بن عاديا اليهودي المشهور بالوفاء. ومنهم طائفة أخرى تخون الأمانة، وإن كانت قليلة، ويتعذر استردادها منهم إلا بمتابعة المطالبة والتحصيل، أو باللجوء إلى التقاضي والمحاكمة وإقامة البيّنة عليهم، مثل كعب بن الأشرف أو فنحاص بن عازوراء، استودعه رجل قرشي دينارا، فجحده وخانه. والذي حمل هذه الطائفة من اليهود على الخيانة: زعمهم أن التوراة تبيح لهم أكل أموال الأميين وهم العرب، قائلين: إنه لا تبعة ولا إثم عليهم في أكل أموال العرب بل وكل ما عدا اليهود، إذ هم شعب الله المختار، فلهم السمو والتفوق
العنصري على غيرهم، وأما من سواهم فلا حرمة له عند الله، فهو مبغوض عنده، محتقر لديه، ولا حق له ولا حرمة، روي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام، وأسلم من أسلم من العرب، بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد، فنزلت الآية مانعة من ذلك «1» . وهذا أمر مرفوض في شرعة الله التي لا تفرق في أداء الحقوق بين المؤمن والكافر، ولكنهم اليهود الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويتأوّلون النصوص على وفق أهوائهم. ومن أمثلة ذلك أيضا: ما رواه ابن جرير الطبري: أن جماعة من المسلمين باعوا لليهود بعض سلع لهم في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم الثمن، فقالوا: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. فليحذر أتباع شرع مثل فعل اليهود، روى عبد الرزاق وأبو إسحاق أنّ رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة: الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فماذا تقولون؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ إنهم إذا أدّوا الجزية، لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم. وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم: «كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر» هذا ردّ عليهم. وردّ الله عليهم أيضا بأنهم يكذبون على الله بادعائهم أن ذلك في كتابهم، وهم يعلمون كذبهم الصريح فيه لأن التوراة خالية من هذا الحكم الجائر وهو خيانة الأميين.
بل إن حكم التوراة عكس ذلك، فإنها توجب الوفاء بالعقود، وتأمر بوفاء الأمانات، وقال الله لهم: بلى عليهم في الأميين سبيل العذاب بكذبهم، واستحلالهم أموال العرب، فمن اقترض إلى أجل، أو باع بثمن مؤجل، أو اؤتمن على شيء مثلا، وجب عليه الوفاء به، وأداء الحق لصاحبه في حينه، دون حاجة إلى إلحاح في الطلب أو تقاض، وهكذا فإن كل من أوفى بما عاهد عليه، واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله يحبه ويرضى عنه لأن الله عهد إلى الناس في كتبه أن يلتزموا الصدق والوفاء بالعهود والعقود. وليس العهد مقصورا على الوفاء بالعقود والالتزامات وأداء الأمانات وإنما يشمل أيضا عهد الله تعالى: وهو الوفاء بما التزم به المؤمن من تكاليف وأوامر وواجبات شرعية. ولو وفي اليهود بعهودهم لآمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، ولو أنصفوا لما فرقوا في وفاء العهد بين اليهودي وغيره. ثم بيّن الله تعالى جزاء الذين يخونون العهد، ويكتمون ما أنزل الله، ويبدلون بالحق الباطل، ويستبدلون بكلام الله وأوامره عوضا حقيرا، وثمنا قليلا: وهو متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك، ذلك الجزاء هو خسارة نعيم الآخرة، واستحقاق غضب الله وسخطه، وعدم الثناء عليهم، وانعدام الإحسان إليهم والرحمة بهم، والاستهانة بأحوالهم وأوضاعهم، ولهم عذاب مؤلم شديد في نار جهنم. وقد عبر الله تعالى عن كل ذلك بطريق المجاز، فجعل نكث العهد وأخذ شيء مقابله بمثابة الشراء والمعاوضة، ولكنها صفقة خاسرة لأن المقابل أو الثمن مهما كان كثيرا، فهو في الواقع قليل إذا قيس بعظم الجرم والذنب وشدة العقاب الذي يلقاه في الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أخبر الله تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين، والمؤمنون لا يستطيعون التمييز بينهم، فعليهم اجتناب جميعهم. وخصّ أهل الكتاب بالذكر، وإن كان المؤمنون كذلك لأن الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب. والأمين لا فرق عنده بين الكثير والقليل، فمن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. واستدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم (المدين) بقوله تعالى: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً وأباه سائر العلماء. والأمانة عظيمة القدر في الدّين، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرّحم على جنبتي الصراط، كما في صحيح مسلم، فلا يمكّن من العبور بسلام إلا من حفظهما. وليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم، في رأي المالكية، خلافا لمن ذهب إلى ذلك لأن فسّاق المسلمين يوجد فيهم من يؤدّي الأمانة، ويؤمن على المال الكثير، ولا يكونون بذلك عدولا، فطريق العدالة وقبول الشهادة لا يدل عليه أداء الأمانة في المال في التعامل والوديعة. ولا يوجد في شرع الله مطلقا التفريق في أداء الحقوق والأمانات بين المؤمن وغيره لأن الحق مقدس، لا تتأثر صفته بشخص مستحقه، أما اليهود فلم يجعلوا الوفاء بالعهد حقا واجبا لذاته. ودلّ قوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ على أن الكافر ليس أهلا لقبول شهادته لأن الله تعالى وصفه بأنه كذّاب. وفيه ردّ على الكفرة الذين يحرّمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله، ويجعلون ذلك من الشرع.
وإن الوفاء بالعهد: عهد الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعهد الناس في المعاملات والعقود والأمانات من الإيمان، بل من أجل خصال الإيمان، وهو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلا لمحبته ورضوانه. أما الانتساب إلى أمة أو عنصر أو شعب بعينه فلا أثر له عند الله. وإن خائن العهد ليس من التقوى في شيء، بل هو في زمرة المنافقين، وإن آكل المال بالباطل يستحق غضب الله وسخطه، روى أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان» وقال أيضا فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» وروى الطبراني في الأوسط عن أنس حديثا هو: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» . وجزاء ناكثي العهد وخائني الأمانات أشدّ عند الله من مرتكبي بقية الكبائر كالزنا والسرقة وشرب الخمر ولعب الميسر وعقوق الوالدين لأن مفسدة نقض العهد عامة شاملة، وضررها أعظم وأخطر. ودلت هذه الآية وأحاديث النبي صلّى الله عليه وسلّم المتقدمة على أن حكم الحاكم لا يحلّ المال في الحقيقة والباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه، روى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة» . ورأى أبو حنيفة أن قضاء القاضي ينفذ في الظاهر والباطن إذا حكم بعقد أو فسخ أو طلاق لأن مهمته القضاء بالحق، وأما الحديث السابق فهو في قضية لا بينة فيها، فإذا ادّعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على زواجها شاهدي زور، فقضى القاضي- دون أن يعلم بزور الشهود- بالنكاح
من أكاذيب اليهود [سورة آل عمران (3) آية 78] :
بينهما، وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما، حلّ للرجل ووطؤها، وحلّ لها التمكين. ومثله لو قضى بالطلاق فرق بينهما عنده، وإن كان الرجل منكرا. ويقاس عليه البيع ونحوه. من أكاذيب اليهود: [سورة آل عمران (3) : آية 78] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) المفردات اللغوية: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ من اللّي وهو الفتل والعطف، أي يفتلون ألسنتهم ويميلونها ويعطفونها عن الكلام المنزل إلى المحرّف والمبدل كإثبات النبوة الحقيقية لعيسى عليه السلام، بدلا من المعنى المجازي الوارد على لسان عيسى، وكتحريف صفة نبي آخر الزمان. لِتَحْسَبُوهُ أي المحرف مِنَ الْكِتابِ الذي أنزله الله. وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون. سبب النزول: عن ابن عباس: قال عن هذه الفئة الثالثة من أهل الكتاب الذين افتروا على الله ما لم يقله: هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف- وكان من ألدّ أعداء النبي صلّى الله عليه وسلّم- غيّروا التوراة، وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم أخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الذي عندهم «1» .
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: إن من أهل الكتاب جماعة من أحبارهم وعلمائهم وزعمائهم، وهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحييّ بن أخطب وغيرهم، يفتلون ألسنتهم بقراءة كتابهم المنزل عن الصحيح إلى المحرّف، بالزيادة في كلام الله أو النقص أو تغيير المعنى، أو قراءته بنغمة توهم الناس أنه من التوراة، وتجعلهم يظنون أن ذلك المحرّف من كلام الله، وما هو من عند الله، فهم كاذبون فيما يقولون، فإنهم يدعون أنه من عند الله، وهذا تأكيد لقوله: هُوَ مِنَ الْكِتابِ. فهم لم يكتفوا بالتعريض ولكنهم يصرحون بنسبة الكلام إلى الله كذبا، لفرط جرأتهم على الله وقساوة قلوبهم، ويأسهم من الآخرة. وبناء عليه سجّل الله تعالى عليهم صفة الكذب الدائمة الملازمة لهم وهي افتراء الكذب على الله عمدا، لا خطأ لأنهم يعلمون تمام العلم أنه كذب وافتراء محض، فهذه الجملة تنعى عليهم قبيح ما يرتكبون من الكذب. من أمثلة ليّ لسانهم: أنهم كانوا إذا سلّموا على النبي صلّى الله عليه وسلّم أخفوا لام «السلام» وقالوا: «السام عليكم» والسام هو الموت. ومن الأمثلة قولهم: راعِنا من الرعونة والحمق، لا من الرعاية، كما جاء في آية: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ: سَمِعْنا وَعَصَيْنا، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَراعِنا، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَطَعْناً فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ [النساء 4/ 46] . التحريف والتبديل: هذا وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة في تحريف التوراة والإنجيل، منها هذه الآية، وآية النساء المتقدمة، وآية البقرة: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة 2/ 75] وآية المائدة: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ
فقه الحياة أو الأحكام:
الْكِتابِ [المائدة 5/ 15] والآية الأخرى في المائدة: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [المائدة 5/ 13] وآيات الإسراء: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ إلى قوله: وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً [الإسراء 17/ 4- 7] وآية إبراهيم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [إبراهيم 14/ 9] وآية الأنعام: قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها، وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام 6/ 91] . فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية صفتين شنيعتين لليهود والنصارى وهما تحريف التوراة والإنجيل، وتأويلهما، ووضع كتب يكتبونها من عند أنفسهم، والكذب والافتراء على الله. وهاتان الصفتان يصدر عنهما عادة أسوأ الأفعال وأخس المؤامرات، وأخطر أنواع التضليل والتدليس والخداع الذي يمارسونه في حق البشرية. افتراء أهل الكتاب على الأنبياء [سورة آل عمران (3) : الآيات 79 الى 80] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)
الإعراب:
الإعراب: وَلا يَأْمُرَكُمْ على قراءة النصب معطوف على أَنْ يُؤْتِيَهُ أو على ثُمَّ يَقُولَ وضميره وهو «كم» للبشر. وعلى قراءة الرفع على الاستئناف والاقتطاع مما قبله، وتكون لا بمعنى «ليس» والضمير المرفوع في يَأْمُرَكُمْ لله تعالى. البلاغة: يوجد طباق بين لفظ بِالْكُفْرِ ومُسْلِمُونَ. لا يَأْمُرَكُمْ الهمزة للاستفهام الإنكاري أي لا ينبغي له. المفردات اللغوية: لِبَشَرٍ إنسان ذكرا أو أنثى، واحدا أو جمعا. وَالْحُكْمَ الحكمة وهي فقه الشريعة وفهم القرآن، وذلك يوجب العمل به. عِباداً مفرده عبد بمعنى عابد. رَبَّانِيِّينَ واحده رباني: منسوب إلى الرب لأنه عالم به مواظب على طاعته، مثل: رجل إلهي. فالمراد بالربانيين: هم العلماء الفقهاء العاملون المنسوبون إلى الرب. قال محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس: «اليوم مات ربانيّ هذه الأمة» . تَدْرُسُونَ تقرؤون الكتاب. سبب النزول: أخرج ابن إسحاق والبيهقي عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ قال: معاذ الله، فأنزل الله في ذلك: ما كانَ لِبَشَرٍ إلى قوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن الحسن البصري قال: بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله، نسلّم عليك، كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، فأنزل الله: ما كانَ لِبَشَرٍ إلى قوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
التفسير والبيان:
والغرض من الآية تكذيب أهل الكتاب الذين يعظمون عيسى والعزير تعظيم عبادة. التفسير والبيان: لا ينبغي لبشر ينزل الله عليه الكتاب، ويعلمه الحكمة: فقه الدين ومعرفة أسرار الشرع، ويؤتيه النبوة والرسالة، ثم يقول بعد هذا للناس: اعبدوني من دون الله أي متجاوزين ما يجب من إفراد العبادة لله تعالى، فهذا هو الشرك بعينه، وإنما يجب إخلاص العبادة لله وحده، كما قال: قُلِ: اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي [الزمر 39/ 14] . وروى مسلم وغيره حديثا قدسيا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري، تركته وشركه» وفي رواية: «فأنا منه بريء، هو للذي عمله» . وروى أحمد عنه صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جمع الله الناس يوم القيامة نادى مناد: من أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» . ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين أي علماء فقهاء عاملين بما أمر الله، مطيعين له طاعة تامة لأن العلم الصحيح هو الذي يبعث على العمل، وإن تعلم الكتاب الإلهي ودراسته يوجب الطاعة، ويحقق وصف الرباني. ولا يعقل أن يأمر الرسول باتخاذ إله أو رب غير الله، أو بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرّب. وقد كان مشركو العرب يعبدون الملائكة، وحكى القرآن: وَقالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة 9/ 30] . وهذا كله مخالف لرسالات الأنبياء التي تأمر بعبادة الله وحده. أيأمركم هذا النبي بالكفر بعد الإسلام، وهذه شهادة لهم بأنهم مسلمون، أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا
فقه الحياة أو الأحكام:
إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء 21/ 25] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 16/ 36] وقال: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا، أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف 43/ 45] وقال إخبارا عن الملائكة: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء 21/ 29] . فقه الحياة أو الأحكام: من المستبعد أن يأتمن الله تعالى رسولا أو نبيا على وحيه، ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فإن الأمين يقوم عادة بما كلفه به المؤتمن له. وإنما تكون دعوة الأنبياء موجّهة نحو عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتطلب الإخلاص، قال تعالى: قُلِ: اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي [الزمر 39/ 14] وقال: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [البينة 98/ 5] . ودلّت الآية على أن العلم الصحيح والفقه وفهم أسرار الشريعة يستدعي العمل والطاعة والتزام التكاليف الشرعية لأن من عرف الله هابه، ومن هابه امتثل أمره، ومن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس بالله. فمن تعلم علوم الشريعة وترك العمل بها فهو ساقط الاعتبار أمام الله، وكان علمه وبالا عليه، وحجة على ضلاله وهلاكه وفساده. والتقرب إلى الله لا يكون إلا بالعمل بالعلم، والعلم الذي لا يبعث على العمل لا يعدّ علما صحيحا. والكفر يتنافى مع الإسلام، والإسلام دين الفطرة، وهو في عرف القرآن: دين جميع الأنبياء.
ميثاق الأنبياء بتصديق بعضهم بعضا وأمرهم بالإيمان [سورة آل عمران (3) الآيات 81 إلى 83] :
ميثاق الأنبياء بتصديق بعضهم بعضا وأمرهم بالإيمان [سورة آل عمران (3) : الآيات 81 الى 83] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) الإعراب: لَما: من قرأ بكسر اللام علقها بأخذ، وما بمعنى الذي. ومن فتح اللام جعلها لام الابتداء، وهي جواب لما دل عليه الكلام من معنى القسم لأن أخذ الميثاق إنما يكون بالأيمان والعهود، ويجوز حينئذ أن تكون «ما» بمعنى الذي أو شرطيه، فإذا كانت بمعنى «الذي» كانت مرفوعة مبتدأ، وآتَيْتُكُمْ: صلته، والعائد محذوف تقديره: آتيتكموه، وخبر المبتدأ: مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ومِنْ: زائدة، وقوله: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ معطوف على الصلة، وعائده محذوف تقديره: ثم جاءكم رسول به. وإذا كانت شرطية فهي في موضع نصب بآتيتكم، وآتَيْتُكُمْ في موضع جزم بما، وكذا ثُمَّ جاءَكُمْ. وقوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ جواب قسم مقدر ينوب عن جواب الشرط، وحينئذ لا تحتاج الجملة إلى عائد، ولهذا كان هذا الوجه أوجه عند كثير من المحققين، لعدم العائد في الجملة المعطوفة إذا كانت شرطية. طَوْعاً وَكَرْهاً منصوبان على المصدر في موضع الحال، أي طائعين ومكرهين. البلاغة: لَما آتَيْتُكُمْ التفات من الغيبة في قوله: النَّبِيِّينَ إلى الحاضر.
المفردات اللغوية:
ويوجد جناس اشتقاق بين لفظ فَاشْهَدُوا والشَّاهِدِينَ. ويوجد طباق بين طَوْعاً وكَرْهاً. المفردات اللغوية: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ اذكر حين قبل الله مِيثاقَ الميثاق: العهد المؤكد الموثّق: وهو أن يلتزم المعاهد شيئا ويؤكد ذلك بيمين أو بمؤكدات أخرى من ألفاظ العهود. أَأَقْرَرْتُمْ أقرّ بالشيء: أخبر بما يلزمه أو بما يدل على ثبوته، مأخوذ من: قرّ الشيء: إذا ثبت في مكانه. وَأَخَذْتُمْ قبلتم. إِصْرِي عهدي، الإصر: العهد المؤكد الذي يحمل صاحبه على الوفاء بما التزمه. تَوَلَّى أعرض. بَعْدَ ذلِكَ الميثاق. الْفاسِقُونَ الخارجون عن الطاعة وحدود الله. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ الهمزة للإنكار أي: أيتولون غير دين الله؟ وقدم المفعول الذي هو فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار متجه إلى المعبود بالباطل. وَلَهُ أَسْلَمَ انقاد. طَوْعاً اختيارا بلا إباء. وَكَرْهاً بالسيف بمعاينة ما يلجئ إليه. المناسبة: الآيات السابقة من أول السورة إلى هنا، وعلى التخصيص المتضمنة خيانة أهل الكتاب بتحريفهم كلام الله، وتغييرهم أوصاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الموجودة في كتبهم، قصد بها حملهم على الإيمان برسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وإثبات نبوته، وتؤكد هذه الآية القصد المذكور من طريق إقامة الحجة عليهم: وهو أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء من لدن آدم إلى عيسى عليهم السلام أن يؤمن كل واحد بمن يأتي بعده، ويصدق برسالته، وينصره في مهمته، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع المبعوث بعده ونصرته. فإذا كان هذا هو ميثاق الأنبياء، فالواجب على أتباعهم الإيمان بكل المرسلين والتصديق بما معهم لأن رسالتهم واحدة، وهي رسالة الإسلام بالمعنى العام وبالمعنى الخاص الذي هو رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم: وهو الخضوع والانقياد لأوامر الله،
التفسير والبيان:
وإعلان مبدأ التوحيد، والتمسك بأصول الفضائل والأخلاق، وهو الدين الحق الذي لا يقبل الله سواه. التفسير والبيان: اذكر يا محمد لهم وقت أن قبل الله الميثاق المأخوذ على جميع الأنبياء أنهم مهما آتيناهم من كتاب وحكم ونبوة، ثم جاءهم رسول مصدق وموافق لما معهم، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين: محمد صلّى الله عليه وسلّم، لتؤمنن به ولتنصرنه لأن رسالات الأنبياء يكمل بعضها بعضا، والقصد من إرسالهم واحد، فهم متفقون في الأصول، وأما اختلافهم في الفروع فهو لخير الإنسان ومصلحته، ولمناسبته مع تقدم وتطور الحياة الإنسانية. فإن تعاصر نبيان مثلا في أمة واحدة مثل موسى وهرون عليهما السلام، كانا متفقين في كل شيء وإن اختلفت أقوامهما فالمتأخر يؤمن بدعوة المتقدم وبالعكس، كما آمن لوط بما جاء به إبراهيم عليهما السلام وأيده في دعوته، وإن تعاقبا مثل موسى وعيسى عليهما السلام صدق كل منهما بدعوة الآخر. وهكذا بعثة خاتم النبيين يجب على أتباع الأنبياء السابقين الإيمان بها وتأييدها. فليس الدين مصدر شقاق واختلاف، وسبب عداوة وبغضاء، كما فعل أهل الكتاب حين عادوا النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإنما هو سبب تجمع واتحاد، وسبيل حب ووداد، وطريق إنقاذ وإسعاد. ثم قال الله تعالى لمن أخذ عليهم الميثاق من النبيين: أأقررتم وقبلتم ذلك الإيمان والعهد بالرسول المصدق لما معكم، ونصرته وتأييده، أقبلتم عهدي وميثاقي المؤكد؟! قالوا: أقررنا واعترفنا بذلك، فقال تعالى: فليشهد بعضكم على بعض، وأنا معكم شاهد عليكم وعلى إقراركم، أعلم بكل شيء عنكم، لا يفوتني شيء. روى
الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك» . هذه المحاورة على طريق التمثيل توكيد عليهم وتحذير من الرجوع عن الإقرار إذا عملوا بشهادة الله، وشهادة بعضهم على بعض. فمن تولى بعد ذلك الميثاق والتوكيد، واتخذ الدين أداة للتفريق والعداء، ولم يؤمن بالنبي المبعوث في آخر الزمان، المصدّق لمن تقدمه، المهيمن على الرسالات والكتب السابقة، كما حصل من أهل الكتاب المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فأولئك هم المتمردون من الكفار، الخارجون عن عهد الله وميثاقه، الناقضون العهد. وإذا كان الدين واحدا، وأن الرسل متفقون في الأصول العامة لوحدة الدين الحق، كما بيّن تعالى، فلماذا ينكر أهل الكتاب نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم؟! أيتولون غير دين الله، وغير الحق بعد ما تبين، ويريدون غير الإسلام دينا؟ وقد أسلم وخضع لله تعالى وانقاد لحكمه ومراده أهل السموات والأرض، إما طوعا واختيارا من أنفسهم بالإنصاف والنظر في الأدلة، أو كرها بالسيف أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون والإشراف على الموت، فلما رأوا بأس الله وتصرفه بالكون والتكوين والإيجاد قالوا: آمنا بالله وحده، وإلى الله المرجع والمآب يوم المعاد، يرجع إليه سائر الخلق، فيجازي كلّا بعمله، سواء من أسلم وخضع وانقاد لله، ومن اتخذ غير الإسلام دينا من اليهود والنصارى، وهذا تهديد ووعيد لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بعضا، فذلك معنى النصرة بالتصديق، ومن بنود الميثاق: أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم. ثم جاءهم الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، فما عليهم إلا أن يؤمنوا برسالته ويؤيدوا دعوته، تنفيذا للميثاق العظيم على الأنبياء، إن كانوا من أتباعهم، ووفاء بالعهد المؤكد، ولأنه مصدّق لرسالات الأنبياء السابقين لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، وهم قد شهدوا على بعضهم بموجب الميثاق وشهد الله عليهم جميعا به. ومن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب. ومن أعرض عن اتباع رسالة الإسلام التي جاء بها محمد صلّى الله عليه وسلّم، وتولى من أمم الأنبياء أو من غير أممهم عن الإيمان بوحدانية الله وبصدق رسالة خاتم الأنبياء، بعد أخذ الميثاق، فأولئك هم الخارجون عن دائرة الإيمان، المصنّفون مع الكفار المتمردين عن طاعة الله. أهم يطلبون غير دين الله؟! وقد خضع لحكمه أهل السموات والأرض، وكل مخلوق هو منقاد مستسلم لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال الكلبي: إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: أيّنا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كلا الفريقين بريء من دينه» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فنزل: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ يعني: يطلبون.
وهذه الآية نظير قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف 43/ 87] وقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان 31/ 25] . عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابّة أحدكم أو كانت شموسا «1» ، فليقرأ في أذنها هذه الآية: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. والخلاصة: إن الدين الحق هو الانقياد لله والإخلاص له، وإن دين الله واحد، وإن رسالات الأنبياء ومللهم واحدة في أصولها العامة، وإن الأنبياء يكمل بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويؤيد دعوته، وهم جميعا عبيد لله مؤمنون بوحدانيته، مذعنون لوجهه الكريم، مخلصون له الدين حنفاء، وقد أدّوا رسالتهم على الوجه الأكمل، وما على البشرية إلا التزام منهجهم، والسير على سنتهم، دون اختلاف ولا نزاع ولا معاداة، ولا تمسك بالموروثات، وبما عندهم من كتاب وحكمة، فقد انصبّت كل الأديان في الإسلام في صورته الأخيرة، وانصهرت كل الأحكام في حكم رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وكان القرآن مصدّقا لما بين يديه وما تقدمه من الكتب السماوية ومهيمنا عليها، ودين الله الواحد: هو عبادة الله وحده لا شريك له الذي أسلم له من في السموات والأرض، أي استسلم له من فيهما طائعين أو كارهين، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد 13/ 15] وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ، عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ، سُجَّداً لِلَّهِ، وَهُمْ داخِرُونَ، وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ، وَالْمَلائِكَةُ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [النحل 16/ 48- 50] فالمؤمن مستسلم بقلبه
الإيمان بكل الأنبياء وقبول دين الإسلام [سورة آل عمران (3) الآيات 84 إلى 85] :
وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، بالقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع. الإيمان بكل الأنبياء وقبول دين الإسلام [سورة آل عمران (3) : الآيات 84 الى 85] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) الإعراب: قُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ فيه وجهان: أحدهما- على تقدير محذوف: قل: قولوا: آمنا بالله، وحذف القول كثير في القرآن وكلام العرب. الثاني- أن يكون المقصود من خطاب النبي عليه الصلاة والسلام خطاب أمته، مثل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ومثل: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمراد به الأمة. دِيناً منصوب إما لأنه مفعول يَبْتَغِ، ويكون غَيْرَ حالا منصوبا، تقديره: ومن يبتغ دينا غير الإسلام، فلما قدم صفة النكرة عليها انتصبت على الحال، أو لأنه منصوب على التمييز. وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ.. متعلق بفعل مقدر تقديره: وهو خاسر في الآخرة، من الخاسرين، ولا يجوز أن يتعلق بالخاسرين لأن الألف واللام فيه بمنزلة الاسم الموصول، فلو تعلّق به لأدى إلى أن يتقدم معمول الصلة على الموصول، وهو لا يجوز. البلاغة: وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ هو من عطف العام على الخاص.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعني القرآن. وَالْأَسْباطِ الأحفاد وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وأبناؤهم، وخصهم بالذكر لأن أهل الكتاب يقرّون بنبوتهم. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالتصديق والتكذيب. مُسْلِمُونَ موحدون مخلصون له عبادتنا، ومستسلمون مطيعون له. غَيْرَ الْإِسْلامِ يعني التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى، ويمكن أن يراد به شريعة نبينا صلّى الله عليه وسلّم. مِنَ الْخاسِرِينَ أريد به تضييع رصيد الفطرة وهو الانقياد لله وطاعته. سبب النزول، نزول الآية (85) : قال مجاهد والسدّي: نزلت هذه الآية في الحارث بن سويد أخو الحلاس بن سويد، وكان من الأنصار، ارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه، ولحقوا بمكة كفارا، فنزلت هذه الآية، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة. قال ابن عباس: وأسلم بعد نزول الآيات. المناسبة: ذكر فيما سبق ميثاق النبيين أن يؤمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وينصروه، وهنا أمر لمحمد وأمته أن يؤمنوا بجميع الأنبياء المتقدمين وبكتبهم وبالإسلام الذي هو دين الأنبياء قاطبة. التفسير والبيان: قل يا محمد: آمنت وأمتي بوجود الله ووحدانيته وسلطانه. فهذا أمر لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأن يخبر عن نفسه وعن أمته بالإيمان، فلذلك وحّد الضمير في قُلْ وجمع في آمَنَّا، ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالا من الله لقدر نبيه، كما ذكر الزمخشري. وآمنا بما أنزل علينا وهو القرآن، وصدقنا بما أنزل الله من وحي على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وذريته الأسباط، فجوهر المنزّل واحد، كما قال
تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء 4/ 163] . وصدّقنا بما أوتي موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل وسائر المعجزات. وخص هذان النبيان بالذكر، تبيانا لأتباعهم وهم اليهود والنصارى بأن الإيمان عام في منهج القرآن. وكذلك صدقنا بما أوتي بقية النبيين من رسالات كداود وسليمان وصالح وهود وأيوب وغيرهم ممن لم نعلم قصصهم. وقدم الإيمان بالله على الإيمان بالكتب لأنه المصدر والأساس، وقدم المنزل علينا وهو القرآن، مع أنه متأخر عن نزول الكتب الأخرى لأنه طريق المعرفة بما سبق، ولأنه المهيمن على سائر الكتب السماوية، ولأنه الكتاب الإلهي إلى الأبد، وأما غيره فاندثر وضاع، ثم بدّل وغيّر. والأمر بالإيمان بالله وبأنبيائه أمر شامل عام، لا يختلف فيه أهل ملة عن غيرهم، ولا تفرقة فيه بين الأنبياء تصديقا وكفرا، فلسنا في ذلك كاليهود والنصارى نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بالكل على أن كل نبي مرسل من قبل الله تعالى، ونحن له مستسلمون منقادون له بالطاعة. وبعد الأمر بالإيمان جاء الأمر بالإسلام لأن الإيمان بوجود الله وهو التصديق به هو الأصل، وعنه يصدر العمل الصالح، وأما الإسلام فهو توحيد الله وإخلاص العبادة له والانقياد لشرعه ومنهجه، وهو يأتي تبعا لأصل الاعتقاد. ومن يطلب غير الإسلام (وهو التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى) دينا، فلن يقبل منه قطعا، وهو من الذين وقعوا في الخسران مطلقا لأنه سلك طريقا سوى ما شرعه الله، وأضاع ما جبلت عليه الفطرة السليمة من توحيد الله
فقه الحياة أو الأحكام:
والانقياد لأوامره، كما قال تعالى: قُلْ: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الزمر 39/ 15] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ومسلم عن عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» وقال أيضا فيما رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجّسانه» . فقه الحياة أو الأحكام: إن خلود شريعة الإسلام نابع من شيئين: أولهما- الإيمان الشامل المطلق بكل الأنبياء وبكتبهم ورسالاتهم، دون تفرقة بين أحد منهم، فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله. وثانيهما- الإيمان بوجود الله ووحدانيته، والانقياد لطاعته، والتزام منهجه وشرعه، وهو شرع الأنبياء، ودين الرسل الذي ارتضاه لعباده، وجعله أساس الاحتكام إليه، وطريق النجاة به يوم المعاد، فمن سلك طريقا آخر سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه قطعا في الآخرة، وكان من الذين خسروا أنفسهم، وأضاعوا حياتهم في غير المفيد لهم. أنواع الكفار من حيث التوبة [سورة آل عمران (3) : الآيات 86 الى 91] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91)
الإعراب:
الإعراب: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ: أُولئِكَ: مبتدأ، وجَزاؤُهُمْ: مبتدأ ثان، وأَنَّ عَلَيْهِمْ: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون جَزاؤُهُمْ بدلا من أُولئِكَ بدل اشتمال، وأَنَّ عَلَيْهِمْ خبر أُولئِكَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء متصل. خالِدِينَ فِيها حال من ضمير عَلَيْهِمْ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ حال أخرى، ويجوز أن يكون مستأنفا منقطعا عن الأول. وَهُمْ كُفَّارٌ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ماتُوا. ذَهَباً تمييز. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ما: نافية، ومِنْ: زائدة، وناصِرِينَ: مبتدأ، ولَهُمْ: خبره، والجملة الاسمية حال من ضمير لَهُمْ الأول. ودخلت الفاء في خبر إن فَلَنْ يُقْبَلَ لشبه الذين بالشرط، وإيذانا بتسبب الكفر لعدم القبول. البلاغة: أَلِيمٌ مؤلم، وهو صيغة فعيل للمبالغة. المفردات اللغوية: كَيْفَ يَهْدِي أي لا يهدي. الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرات على صدق النبي. الظَّالِمِينَ أي الكافرين، والظلم: الانحراف عن سبيل الحق والعدل. لَعْنَةَ اللَّهِ اللعن: الطرد والإبعاد من رحمة الله. خالِدِينَ فِيها أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها. يُنْظَرُونَ يمهلون ويؤخرون.
سبب النزول نزول الآية (86) :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بعيسى بَعْدَ إِيمانِهِمْ بموسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إذا غرغروا أو ماتوا كفارا. مِلْءُ الْأَرْضِ مقدار ما يملؤها. أَلِيمٌ مؤلم. ناصِرِينَ مانعين منه. سبب النزول: نزول الآية (86) : روى النسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله: هل لي من توبة؟ فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأرسل إليه قومه، فأسلم. وأخرج مسدّد في مسنده وعبد الرزاق عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم كفر، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليها، فقال الحارث: «إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة» فرجع وأسلم وحسن إسلامه. وقال الحسن البصري وقتادة: نزلت في اليهود لأنهم كانوا يبشّرون بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، ويستفتحون على الذين كفروا، فلما بعث عاندوا وكفروا، فأنزل الله عز وجل: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أخرجه عبد بن حميد وغيره «1» . أي أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبي صلّى الله عليه وسلّم في كتابهم، وأقروا بذلك، وشهدوا أنه حق، ولذا كانوا يستفتحون به
التفسير والبيان:
على المشركين، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، وأنكروه، وكفروا به بعد إيمان سابق. وأرى أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول، وإن كانت القرائن ترجح أن الآية نزلت في أهل الكتاب- ومثلهم المشركون- لأن الآيات السابقة تدور حول محاورتهم ومناقشتهم واستئصال جذور الشرك من نفوسهم. وهذا ما رجحه أيضا ابن جرير الطبري، وأيده في (تفسير المنار) . مجمل بيان الآيات: هذه الآيات جعلت الكفار أصنافا ثلاثة: 1- الذين تابوا توبة صادقة، وهم الذين أشارت إليهم الآية: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. 2- الذين تابوا توبة غير صحيحة، وهم المذكورون في قوله: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ. 3- الذين لم يتوبوا أصلا وماتوا على الكفر، وهم الموصوفون بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ. التفسير والبيان: كيف يهدي الله قوما كاليهود والنصارى الذين كفروا بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حق، وأرشدتهم الآيات الواضحات من القرآن والكتب السابقة وسائر المعجزات الدالة على صدق نبوته وصحة رسالته؟! هذا استبعاد لهداية هؤلاء وتيئيس للنبي صلّى الله عليه وسلّم منهم، كما قال البيضاوي. فمن سنن الله تعالى في هداية البشر إلى الحق أن يقيم لهم الدلائل والبينات، مع إزالة الموانع من النظر فيها على النحو المؤدي إلى المطلوب، وقد مكنهم الله من هذا كله، وآمنوا به ثم كفروا.
والله لا يهدي أولئك الظالمين لأنفسهم لأنهم عرفوا الحق وحادوا عنه، وتركوا دلائل النبوة، وهداية العقل. فجزاؤهم استحقاق غضب الله وسخطه والطرد من رحمته، وسخط الملائكة والناس، وصبّ اللعنات عليهم، والدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله في الدنيا، وكذا في الآخرة، كما قال تعالى: وَقالَ: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت 29/ 25] . وهم خالدون أبدا في اللعنة أو في النار لأن مستحق اللعنة جزاؤه النار، ولا يخفف عنهم العذاب ساعة واحدة، ولا يؤجلون لعذر يعتذرون به. ثم استثنى الله تعالى التائبين، فمن تاب من هؤلاء عن ذنبه، وترك الكفر، ورجع إلى الله، وأصلح قلبه وعمله، وندم على ما فعل، فإن الله غفور لما تقدّم منه، رحيم بعباده كما قال: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ، وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [الشورى 42/ 25] . هذا هو الصنف الأول من الكفار وهم التائبون. وأما الصنف الثاني فهم أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، وشهدوا قبل بعثته أنه حق، ثم كفروا به بعد البعث، ثم ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد، ومقاومة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومحاربة المؤمنين، فهؤلاء لن تقبل توبتهم ما داموا على الكفر، ثم ماتوا وهم كفار، وأولئك هم الواقعون في الضلال، المخطئون سبيل الحق والنجاة، الذين تمكن الكفر في قلوبهم. والآية تشير إلى أن الكفر يزداد قوة واستقرارا، وتمكنا في القلب بعمل ما يقتضيه ويقويه وينميه، من طريق القيام بأعمال تنافي الإيمان، وتدعم الكفر وأهله. وكذلك الإيمان يزداد وينقص بعمل الصالحات أو بالإنقاص منها، كما
فقه الحياة أو الأحكام:
قال تعالى في الحالين: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة 9/ 124- 125] . والتوبة سبيل التزكية والتطهير والإصلاح، كما قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس 91/ 9- 10] فمن أهمل إصلاح نفسه خسر، ومن حاول الإصلاح نجح، فإذا تراكمت المساوئ، وأهملت تزكية النفس، وتدنست بالمعاصي الكثيرة، صعب في العادة الرجوع إلى جادة الاستقامة. وهذا ما أشارت إليه آيات التوبة: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، قالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء 4/ 17- 18] . وأما الصنف الثالث فهم الذين يموتون وهم كفار، فهؤلاء لن يقبل منهم الفداء، ولو كان ملء الأرض ذهبا، ولو افتدى به في الآخرة، لا يقبل منه، على افتراض أنه يملكه، ويريد استخدامه وسيلة النجاة، ولهم عذاب أليم أي عقاب مؤلم، وليس لهم ناصر ولا شفيع يمنع عنهم العذاب، أو يخففه، كما قال تعالى: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ، وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مَأْواكُمُ النَّارُ، هِيَ مَوْلاكُمْ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد 57/ 15] . فقه الحياة أو الأحكام: صنفت الآيات الكفار إلى أصناف ثلاثة بحسب بقائهم على الكفر وقبولهم الإيمان، وهو تصنيف صريح واقعي. فمن كفر بعد إسلامه، وكان ظالما مقيما على الظلم لا يهديه الله ما دام مقيما
على كفره وظلمه، ولا يقبل على الإسلام، وله جزاء شديد هو استحقاق غضب الله وسخطه، والخلود في نار جهنم، دون تخفيف لشيء من العذاب، ولا تأجيل له لمعذرة ما. فأما إذا أسلم هؤلاء وتابوا، وأصلحوا ما أفسدوا، فباب المغفرة والرحمة مفتوح لهم. وهذا الباب مفتوح أيضا بالأولى لمن كان مسلما عاصيا ثم تاب وأصلح وأخلص عمله لله. ولن تقبل التوبة من الكفار الذين كفروا بعد إيمانهم، وبقوا مقيمين على الكفر، وسماها الله تعالى توبة غير مقبولة لأنه لم يصح منهم عزم عليها، والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صح العزم وصدقت الإرادة. كما لا تقبل توبتهم إذا عزموا عليها عند الموت، كما قال عز وجل: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء 4/ 18] ويؤيده قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» . ومن مات كافرا فلن يقبل منه خير أبدا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة، ولن ينفعه بعد موته بديل ولا فداء مهما كثر، كما قال تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ [البقرة 2/ 123] وقال: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة 2/ 254] وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [المائدة 5/ 36] . وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك» «1» .
نوع النفقة المبرورة وجزاء الإنفاق [سورة آل عمران (3) آية 92] :
وأما عدم جدوى فعل الخير الذي صدر منه في الدنيا، ففيه حديث آخر وهو أن عبد الله جدعان سئل عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان يقري الضيف، ويفك العاني «1» ، ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا، إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. نوع النفقة المبرورة وجزاء الإنفاق [سورة آل عمران (3) : آية 92] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) المفردات اللغوية: لَنْ تَنالُوا لن تصيبوا وتجدوا. الْبِرَّ كلمة جامعة لوجوه الخير، والمراد بها هنا: لن تنالوا ثواب البر وهو الجنة. تُنْفِقُوا تصدّقوا. مِمَّا تُحِبُّونَ من أموالكم. فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجازي عليه. المناسبة: ادعى أهل الكتاب في الآيات السابقة الإيمان، وأن النبوة محصورة فيهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، وناسب هنا أن يذكّرهم بأن آية الإيمان هو الإنفاق في سبيل الله من أحب الأموال، مع الإخلاص. التفسير والبيان: لن تصلوا إلى ثواب البر وهو الجنة، ولن تكونوا بررة تستحقون رضوان الله وفضله ورحمته، وصرف عذابه عنكم، حتى تنفقوا من أحب الأموال إليكم من
كرائم الأموال. وما تنفقون من شيء، سواء أكان كريما أم رديئا، فإن الله به عليم فيجازي عليه، ولا يخفى عليه أمر الإخلاص والرياء. ومما يدل على سمو رتبة الصحابة أنهم كانوا يتصدقون بأحب الأموال لديهم، روى الأئمة الستة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلا بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء «1» (بستان في المدينة) وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها، فلما نزلت: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: بخ بخ (كلمة استحسان تدل على الرضا والإعجاب) ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. وفي رواية لمسلم: فجعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب. قال العلماء: إنما تصدّق به النبي صلّى الله عليه وسلّم على قرابة المصدّق لوجهين: أحدهما- أن الصدقة في القرابة أفضل، الثاني- أن نفس المتصدق تكون بذلك أطيب وأبعد عن الندم. وكذلك فعل زيد بن حارثة، أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال: لما نزلت هذه الآية، جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها (سبل) لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة، فقبلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحمل عليها ابنه أسامة- أي أعطاها له-، فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه (أي حزن) ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله قد قبلها منك» .
فقه الحياة أو الأحكام:
وفي الصحيحين: أن عمر قال: يا رسول الله، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: «حبّس الأصل، وسبّل الثمرة» . وأعتق ابن عمر نافعا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله عز وجل: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. وأخرج عبد بن حميد والبزار عن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ، فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد أحبّ إليّ من مرجانة (جارية رومية) فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها، فأنكحتها نافعا (مولاه الذي كان يحبه) . ولم يمت ابن عمر إلا وأعتق ألف رقبة. أما معنى البر فاختلفوا في تأويله على أقوال ثلاث: الجنة، أو العمل الصالح، أو الطاعة، والتقدير على المعنى الأول: لن تنالوا ثواب البر حتى تنفقوا مما تحبون أي لن تصلوا إلى الجنة وتعطوها حتى تنفقوا مما تحبون، وعلى المعنى الثاني: لن تصلوا إلى العمل الصالح ... وعلى المعنى الثالث وهو معنى جامع: لن تصلوا إلى الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات حتى تنفقوا مما تحبون. وقال الحسن البصري: حَتَّى تُنْفِقُوا: هي الزكاة المفروضة. والأولى أن يكون المراد كما قال الزمخشري: لن تبلغوا حقيقة البر حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها، كقوله: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة 2/ 267] . وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئا جعلوه لله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أمرين: الأول- أن يكون الإنفاق في سبيل الله للوصول إلى حقيقة البر من أحب
الأموال وأفضلها عند مالكها، وبمقدار طيبها وحسنها يكون الثواب عليها. الثاني- الترغيب والحث على إخفاء الصدقة، بعدا عن الرياء، وإخلاصا في العمل لوجه الله، وترفعا عن نفاذ الشيطان إلى قلب المؤمن الصالح. انتهى الجزء الثالث ولله الحمد
الرد على اليهود في تحريم بعض الأطعمة [سورة آل عمران (3) الآيات 93 إلى 95] :
[الجزء الرابع] [تتمة سورة آل عمران] الرّد على اليهود في تحريم بعض الأطعمة [سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) البلاغة: قُلْ: فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ الأمر للتوبيخ واللوم. المفردات اللغوية: الطَّعامِ المراد به هنا المطعومات كلها، ويكثر استعماله في البرّ وفي الخبز. حِلًّا حلالا. إِسْرائِيلَ لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ومعناه: الأمير المجاهد مع الله، ثم أطلق على جميع ذريته، فالمراد الآن شعب إسرائيل لا يعقوب نفسه. مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ على موسى، وذلك بعد إبراهيم، ولم تكن المطعومات على عهده حراما كما زعموا. افْتَرى اختلق الكذب. مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب، لا من عهد إبراهيم. الظَّالِمُونَ المتجاوزون الحق إلى الباطل. حَنِيفاً مائلا عن الباطل إلى الحق. المناسبة: اشتملت سورة آل عمران من أولها إلى هنا على إقامة الدلائل على إثبات وحدانية الله، ونبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومحاجّة أهل الكتاب وإبطال مزاعمهم وبدعهم وتقاليدهم. وجاءت هذه الآيات وما بعدها إلى الآية (97) حول البيت الحرام للرّد على شبهتين لليهود: الأولى- قولهم للنّبي صلّى الله عليه وسلّم: إنك تدّعي أنك على ملّة إبراهيم وذريته، فكيف تستحلّ ما كان محرّما عندهم من الطعام كلحم الإبل؟ فنزلت الآية:
التفسير والبيان:
كُلُّ الطَّعامِ ردّا عليهم. قال أبو روق والكلبي: نزلت حين قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: إنه على ملّة إبراهيم، فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نحلّه» ، فقالت اليهود: كلّ شيء أصبحنا اليوم نحرّمه، فإنّه كان على نوح وإبراهيم، حتى انتهى إلينا، فأنزل الله عزّ وجلّ تكذيبا لهم: كُلُّ الطَّعامِ ... الثانية- قولهم أيضا: كيف تدّعي أنك على ملّة إبراهيم وأنك أولى الناس به؟ وإبراهيم وإسحاق وذريته من الأنبياء كان يعظمون بيت المقدس ويصلّون إليه، فلو كنت على منهجهم لعظّمته، ولما تحوّلت عنه إلى الكعبة، فنزلت آية: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ... للرّد عليهم. قال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر الأنبياء، وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى هذه الآية «1» . التفسير والبيان: كلّ الطعام بأنواعه الطّيبة المباحة كان حلالا لبني إسرائيل ولإبراهيم من قبله إلا ما حرّم إسرائيل أو شعب إسرائيل على نفسه، وهو لحوم الإبل وألبانها، وذلك قبل أن تنزل التوراة على موسى، والذي حرّم الله تعالى على شعب إسرائيل في التوراة هو بعض الطّيبات عقوبة لهم وتأديبا، كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 4/ 160] ، وقال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا، أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الأنعام 6/ 146] . والمراد في رأي بعضهم من
إِسْرائِيلَ هنا ليس يعقوب عليه السّلام الذي ذكرت بعض الرّوايات «أنه لما حصل له عرق النّسا، فنذر إن شفي لا يأكل الإبل» لأنه كان بينه وبين نزول التوراة زمن طويل، وإنما المراد شعب إسرائيل كما هو مستعمل عند اليهود، والمعنى في تحريمهم أشياء على أنفسهم: أنهم كانوا سبب التحريم لارتكابهم الظلم واجتراح السيئات. هذا ما رجحه صاحب (تفسير المنار) «1» . أما الذي سار عليه جمهور المفسرين: فهو أن المراد بإسرائيل يعقوب عليه السّلام، روى التّرمذي عن ابن عباس: أنّ اليهود قالوا للنّبي صلّى الله عليه وسلّم: أخبرنا، ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: «كان يسكن البدو، فاشتكى عرق النّساء، فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرّمها» قالوا: صدقت، وذكر الحديث «2» . وجاء في رواية الإمام أحمد أن اليهود سألوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن أشياء، فقالوا: أخبرنا أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه؟ فقال: «أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا، وطال سقمه، فنذر لله نذرا: لئن شفاه الله من سقمه ليحرّمنّ أحبّ الطّعام والشّراب إليه، وكان أحبّ الطّعام إليه لحم الإبل، وأحبّ الشّراب إليه ألبانها» . وخلاصة الجواب: كلّ أنواع المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة، وإلا ما حرّمه الله في التّوراة على شعب إسرائيل من مطعومات تأديبا وزجرا لهم بسبب جرائم ومخالفات ارتكبوها، والنّبي صلّى الله عليه وسلّم وأمته لم يرتكبوا هذه السّيئات والمخالفات، فلا تحرم عليهم هذه الطّيبات، وإبراهيم لم يكن محرّما عليه شيء من هذا لأن التّحريم حصل بعد نزول التّوراة، وكان كلّ طعام حلالا له.
ثم أمر الله نبيّه محمدا صلّى الله عليه وسلّم بالاحتكام إلى التوراة كتاب اليهود لتكذيب دعواهم، وقال لهم: فأتوا بالتوراة كتابكم فاتلوها إن كنتم صادقين في دعواكم، لا تخافون تكذيبها لكم، ولو جئتم بها لوجدتم أن تحريم شيء على بني إسرائيل ما كان إلا عقوبة تأديبية زاجرة، فيظل غير الجاني على أصل الحلّ لأن الأصل في الأطعمة الحلّ والإباحة. فمن اخترع الكذب على الله، وزعم أن التّحريم كان على الأنبياء السابقين وأممهم قبل نزول التّوراة، وادّعى ما لم ينزله الله في كتابه، فأولئك هم الظالمون أنفسهم بطمس معالم الحق وإظهار الكذب على الله. روي أنهم لم يتجاسروا على الإتيان بالتوراة، فبهتوا، وفي ذلك دليل واضح على صحّة نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأنه يعلم بوحي من الله ما في التوراة، وهو لم يقرأها لأمّيته المعروفة، وأنها مؤيّدة لما في القرآن. وإذ ظهر الحقّ واندحر الباطل، قل لهم يا محمد: صدق الله فيما أخبرني به أن سائر الأطعمة كانت حلالا لبني إسرائيل، وأنه لم يحرّم الله شيئا على إسرائيل قبل التوراة، وأن ما حرّم الله على اليهود كان جزاء وتأديبا وعقوبة لهم بسبب أفعالهم القبيحة. وإذ استبان الحق، وظهرت الحجّة عليكم، فعليكم اتّباع ملّة إبراهيم التي أدعوكم إليها، والتي تبيح أكل لحوم الإبل وألبانها، وهي الملّة الحنيفيّة السمحاء الوسط التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وهي التي شرعها الله في القرآن، وكان إبراهيم حنيفيّا مائلا عن الأديان الأخرى الباطلة إلى الدّين الحقّ الذي يقوم على مبدأ التوحيد وإباحة الطّيبات، وما كان مشركا يدعو مع الله إلها آخر، أو يعبد سواه، كما يفعل عبدة الأوثان، ويدعيه اليهود أن عزيرا ابن الله، ويعتقده النصارى أن المسيح ابن الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
فملّة إبراهيم القائمة على التوحيد: هي شرعة القرآن التي دعا إليها محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهي الحقّ الذي لا مرية فيه، كما قال تعالى: قُلْ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام 6/ 161] ، وهو الذي أمره الله به صراحة، كما جاء في آية أخرى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل 16/ 123] . فقه الحياة أو الأحكام: إن شريعة القرآن واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وهي التي تلتقي مع الشرائع السابقة في أصول الحلال والحرام، فلذا اتّفقت مع ملّة إبراهيم ومع ما كان مقررا من إباحة أنواع المطعومات كلها على بني إسرائيل، إلا أمرين: الأول- ما حرّمه يعقوب (إسرائيل) على نفسه باجتهاد منه، لا بإذن من الله تعالى، على الصحيح لأن الله تعالى أضاف التّحريم إليه بقوله تعالى: .. إِلَّا ما حَرَّمَ..، وأنّ النّبي إذا أدّاه اجتهاده إلى شيء، كان دينا يلزمنا اتّباعه، لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك. وقد حرّم نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم العسل على نفسه- على الرواية الصحيحة، أو خادمه «1» مارية، فلم يقرّ الله تحريمه، ونزل في القرآن: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم 66/ 1] ، وهل عليه الكفارة بتحريم المباح؟ رأيان لعلمائنا: أو حنيفة أجراه مجرى اليمين وجعله أصلا في تحريم كلّ مباح، والشافعي: لم يوجب فيه الكفارة، وجعله مخصوصا بموضع النّص. وأما سبب تحريم يعقوب لحوم الإبل فهو كما قال ابن عباس: «لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النّسا، وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل، فحرّمها على نفسه، فقالت اليهود: إنما نحرّم على أنفسنا لحوم الإبل لأن يعقوب حرّمها، وأنزل الله تحريمها في التّوراة فأنزل الله هذه الآية:
منزلة البيت الحرام وفرضية الحج [سورة آل عمران (3) الآيات 96 إلى 97] :
قُلْ: فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فلم يأتوا، فقال عزّ وجلّ: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . قال الزّجاج: «في هذه الآية أعظم دلالة لنبوّة محمد نبينا صلّى الله عليه وسلّم، أخبرهم أنه ليس في كتابهم، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة، فأبوا، يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي» . الثاني- ما حرّمه الله في التّوراة على بني إسرائيل من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة لهم على معاصيهم، كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء 4/ 160] ، وقال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ إلى قوله: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الأنعام 6/ 146] . ويرى الكلبي: أنه لم يحرّم الله عزّ وجلّ لحوم الإبل في التوراة عليهم، وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما، حرم الله تعالى عليهم طعاما طيّبا، أو صبّ عليهم رجزا وهو الموت، فذلك قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ ... وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا.... ودلّت الآيات صراحة على اتّفاق شريعة القرآن مع ملّة إبراهيم، بل وملل الأنبياء قاطبة في الدّعوة إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ومحاربة الشرك والوثنية، واتّباع الإسلام بالمعنى العام: وهو الخضوع والانقياد إلى الله تعالى في كلّ ما أمر به وما نهى عنه. منزلة البيت الحرام وفرضية الحج [سورة آل عمران (3) : الآيات 96 الى 97] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)
الإعراب:
الإعراب: بِبَكَّةَ صلة الذي، وتقديره: استقرّ ببكّة. مُبارَكاً وَهُدىً منصوبان على الحال من ضمير: استقر. مَقامُ إِبْراهِيمَ مبتدأ وخبره محذوف تقديره: من الآيات مقام إبراهيم. وقيل: هو بدل من الآيات. وَمَنْ دَخَلَهُ معطوف على مقام. ويجوز كونه مبتدأ منقطعا عما قبله، وكانَ آمِناً خبر المبتدأ. مَنِ اسْتَطاعَ إما بدل مجرور من الناس، وإما مرفوع بالمصدر وهو: حج البيت، وتقديره: أن يحج، ويجوز إضافة المصدر إلى المفعول، أو مرفوع على أن مَنْ شرطية مبتدأ، واستطاع: مجزوم بمن، وجواب الشرط محذوف تقديره، فعليه الحج. والهاء في إِلَيْهِ إما عائدة على الحج أو على البيت. البلاغة: لَلَّذِي بِبَكَّةَ حذف الموصول للتفخيم وتقديره: للبيت الذي ببكّة. وَمَنْ كَفَرَ وضع موضع «ومن لم يحجّ» تأكيدا لوجوبه. وكان إيجاب الحج بالجملة الاسمية للدلالة على الثبات والاستمرار. وفي الآية تدرج من التعميم إلى التخصيص، ومن الإبهام إلى التبيين، ومن الإجمال إلى التفصيل. المفردات اللغوية: بِبَكَّةَ مكّة، أبدلت ميمها باء، والعرب كثيرا ما تبدل الباء ميما وبالعكس، وسميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها. مُبارَكاً أي ذا بركة وكثير الخيرات. وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لأنه قبلتهم. آياتٌ بَيِّناتٌ علامات ودلائل. مَقامُ إِبْراهِيمَ موضع قيامه وعبادته، وفيه الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، فأثر قدماه فيه، وبقي إلى الآن، مع تطاول الزمان، وتداول الأيدي عليه. وهو من الآيات البينات، التي منها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه. حِجُّ الْبَيْتِ الحج لغة: القصد، شرعا: قصد بيت الله الحرام للنّسك. سَبِيلًا طريقا، فسّره صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه الحاكم وغيره- بالزّاد والرّاحلة. وَمَنْ كَفَرَ بالله أو بما فرضه من الحجّ. فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ عن الإنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم. سبب النزول: نزول آية وَمَنْ كَفَرَ: أخرج سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «فرض الله على المسلمين حجّ البيت» ، فقالوا:
التفسير والبيان:
لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجّوا، فأنزل الله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ. وقد ذكرت عن مجاهد سبب نزول آية إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ في مقدّمة تفسير الآيات السابقة. التفسير والبيان: إنّ البيت الحرام قبلة المسلمين في الصلاة والدعاء: هو أوّل بيت وضع معبدا للناس، بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام للعبادة: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ [البقرة 2/ 127] ، ثمّ بني المسجد الأقصى بعد ذلك بقرون، بناه سليمان بن داود سنة 1005 قبل الميلاد، فكان جعله قبلة أولى، فيكون النّبي صلّى الله عليه وسلّم على ملّة إبراهيم الذي كان يتّجه بعبادته إلى الكعبة المشرّفة. فالبيت الحرام أول بيت عبادة، وهي أولية زمان، تستتبع أولية الشرف والمكانة، وله مزايا عديدة هي: 1- إنه مبارك كثير الخيرات، فهو بالرغم من كونه في واد غير ذي زرع، بصحراء جرداء، كما قال تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص 28/ 57] ، ففيه الخضار والفواكه ومنتجات الدّنيا، وهو أيضا كثير البركة في الثواب والأجر، ففيه تضاعف الحسنات، ويستجاب الدّعاء. 2- إنه مصدر هداية للناس، يتّجه إليه المصلّون، وتهواه الأفئدة، ويزحف إليه الملايين مشاة وركبانا، يأتون إليه من كلّ فجّ عميق، لأداء مناسك الحجّ والعمرة، ببركة دعوة إبراهيم عليه السّلام: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ، لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم 14/ 37] ، وقد
أجاب الله دعاء إبراهيم: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ... الآية [الحجّ 22/ 27- 28] . 3- فيه آيات واضحات، منها مقام إبراهيم (موضع قيامه للصلاة والعبادة) تعرفه العرب بالنقل المتواتر جيلا عن جيل، ويدلّ عليه أثر قدمه الشريف على الحجر. 4- ومن دخله كان آمنا على نفسه وماله من أي اعتداء وإيذاء، فلا يسفك فيه دم حرام، ولا يقتل الشخص فيه ولو كان مطلوبا للثأر أو القصاص، لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت 29/ 67] ، وقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً [القصص 28/ 57] ، وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة 2/ 125] ، وكما دعا إبراهيم عليه السّلام: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [البقرة 2/ 126] . وقال عمر بن الخطاب: «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه» . وقال أبو حنيفة: «من وجب قتله في الحلّ بقصاص أو ردّة أو زنا، فالتجأ إلى الحرم، لم يتعرّض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه» . واتّفقت قبائل العرب على تعظيمه واحترامه، بنسبته إلى الله، حتى إن القاتل اللاجئ إلى الحرم يصير فيه آمنا ما دام فيه. قال الجصاص الرازي: «هذه الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل من لجأ إلى الحرم، وإن كان مستحقا للقتل قبل دخوله، ولما عبّر تارة بذكر البيت، وتارة بذكر الحرم، دلّ على أنّ الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه» «1» . وقد أقرّ الإسلام ميزة البيت الحرام. وأما ما كان من فتح مكّة عنوة بالسّيف
فكان لضرورة تطهيره من الشّرك، ولأجل أن يعبد الله وحده، واستحلّ ساعة من نهار لم تحلّ لأحد بعد النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم أعلن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في السيرة: «من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» . وأما ما حدث أيام الحجاج فهو شذوذ لم يقرّه عليه أحد، ولم يعتقد أحد حل ما فعل بابن الزّبير، وإنما هو ظلم وإلحاد فيه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج 22/ 25] . وأما بعض حوادث الاعتداء على الأنفس والأموال فهو فعل الفجار الفساق الذين لم يرعوا لله حرمة في كعبة ولا غيرها. وأما ما أجازه الإمامان مالك والشافعي من الاقتصاص من القاتل عمدا في الحرم كله فهو عقوبة حقّ وعدل أمر بها القرآن الكريم، لا تجاوز فيها على أحد. واتّفق أهل العلم على أنه إذا قاتل أحد في الحرم قتل، قال الله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة 2/ 191] ، ففرّق بين الجاني في الحرم وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه. روي عن ابن عبّاس وبان عمر وغيرهما من الصّحابة والتابعين، فيمن قتل غيره ثم لجأ إلى الحرم: إنه لا يقتل. قال ابن عبّاس: «ولكنه لا يجالس ولا يؤوى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم فيقتل، وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه الحدّ» «1» . 5- ومن مزايا البيت الحرام تجمع الحجيج فيه وجعل الحجّ واجبا على المسلمين، فيجب الحجّ على المستطيع منهم، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وفي هذا تعظيم للبيت. واستطاعة السبيل إلى الشيء: إمكان الوصول إليه، والسبيل عام يشمل الشيء البدني والمالي، فالحج فريضة على كلّ مسلم ما لم يوجد مانع من
الوصول إلى الحرم، سواء أكان بدنيا أم ماليا أم بدنيا وماليا، فالبدني: كالمرض والخوف على النفس من العدو ومن السّباع، أي ألا يكون الطريق مأمونا. والمالي كفقد الزّاد والرّاحلة إذا كان ممن يتعسّر عليه الوصول إلى البيت إلا بزاد وراحلة. والبدني والمالي معا: فقد الزّاد والراحلة والمرض أو عدم أمن الطريق. وقد اتّفق أكثر العلماء على أنّ الزّاد والرّاحلة شرطان في الاستطاعة، بدليل ما رواه علي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال فيما رواه الترمذي من حديث ضعيف: «من ملك زادا وراحلة تبلّغه بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديّا أو نصرانيّا» ، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وفسّر الصحابة كابن عمر وغيره استطاعة السبيل: بالزّاد والرّاحلة. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ أي من جحد كون هذا البيت أول بيت وضع للعبادة، ولم يمتثل أمر الله في الحجّ، فإن الله غير محتاج إليه، إذ هو الغني عن جميع العالمين. والجمهور حملوا ذلك على تارك الحجّ إعراضا عنه مع توافر الاستطاعة، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الترمذي وفيه ضعف: «من مات ولم يحجّ، فليمت إن شاء يهوديّا أو نصرانيّا» . وبدليل ما روي عن الضّحّاك في سبب النزول قال: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الأديان الستّة: المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمشركين والمجوس وقال فيما رواه أحمد وسلم والنسائي: «إنّ الله كتب عليكم الحج، فحجّوا» فآمن به المسلمون، وكفر به الباقون، وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلّي ولا نحجّ، فأنزل الله قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ. والغرض من الآية والأخبار التنفير من ترك الحجّ والتغليظ على المستطيعين حتى يؤدّوا الفريضة.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية الأولى إلى أن البيت الحرام أول بيت وضعه الله للعبادة، بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام. وهو يمتاز بمزايا عديدة هي وجود مقام إبراهيم عليه السّلام، وكونه ذا بركة وخير كثير، ومصدر هداية للناس، وسبب وحدة المسلمين لاتّجاههم إليهم في صلاتهم، وموضع أمن وسلام لمن دخله في الدّنيا: بمنع قتله والاعتداء عليه، وفي الآخرة: يكون آمنا من النّار، لقضاء النّسك معظّما له، عارفا بحقّه، متقرّبا إلى الله تعالى. وأرشدت الآية الثانية إلى فرضيّة الحجّ على المستطيع الذي لم يجد مانعا من الوصول إلى البيت الحرام، وهو فرض في العمر مرّة، وتكراره كل خمس سنوات سنّة، لحديث في هذا المعنى أخرجه ابن حبّان في صحيحة والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقول الله عزّ وجلّ: إن عبدا صححت له جسمه، ووسّعت عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ المحروم» أي من الأجر ومطرود من رضوان الله. ودلّ الكتاب والسّنة على أنّ الحجّ على التّراخي، لا على الفور، وهو مذهب الشافعية ومحمد بن الحسن، قال القرطبي: وهو الصحيح لأن الله تعالى قال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا [الحج 22/ 27] وسورة الحج مكيّة، وقال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران 3/ 97] ، وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة، ولم يحجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى سنة عشر. وورد في السّنة ما يدل على فرضية الحج مثل حديث ضمام بن ثعلبة السعدي قدم على النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فسأله عن الإسلام، فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج. واختلف في وقت قدومه، فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع. قال ابن عبد البرّ: ومن الدّليل على أن الحج على التراخي: إجماع العلماء
على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخّره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحج موسّع فيه، وأنه على التّراخي، لا على الفور. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، والمالكية في أرجح القولين، والحنابلة: يجب الحجّ بعد توافر الاستطاعة وبقية شروط الوجوب على الفور في العام الأول، أي في أول أوقات الإمكان، فيفسق وتردّ شهادته بتأخيره سنينا لأنّ تأخيره معصية صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار، لأنّ الفورية ظنيّة، بسبب كون دليلها ظنيّا، كما ذكر الحنفيّة. واستدلّوا بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، وقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة 2/ 196] ، والأمر على الفور. واستدلّوا أيضا بأحاديث منها: «حجّوا قبل أن لا تحجّوا» «1» ، ومنها: «تعجّلوا إلى الحجّ- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» «2» ، ومنها: «من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر، فلم يحجّ، فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا» «3» ورواية الترمذي المتقدمة: «من ملك زادا أو راحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران 3/ 97] » «4» .
هذه الأخبار مع غيرها تدلّ على وجوب الحجّ على الفور فإنه ألحق الوعيد بمن أخّر الحجّ عن أوّل أوقات الإمكان لأنه قال: «من ملك.. فلم يحجّ» والفاء للتعقيب بلا فصل، أي لم يحجّ عقب ملك الزاد والراحلة، بلا فاصل. وأجمع العلماء على أن الخطاب في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ عام في جميع الناس، ذكرهم وأنثاهم، ما عدا الصغار فإنهم غير مكلّفين. وإذا وجدت الاستطاعة فقد يمنع مانع من الحجّ كالغريم يمنعه الدّائن عن الخروج حتى يؤدّي الدّين، أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحجّ، حتى يوفّر لهم النّفقة مدّة الغياب، وتقديم العيال أولى، قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عمرو: «كفى المرء إثما أن يضيّع من يقوت» . وكذا الأبوان يخاف الضيعة عليهما، ولم يكن له من يتلطف بهما، فلا سبيل له إلى الحجّ، فإن منعاه لأجل الشوق والوحشة، فلا يلتفت إليه. وإذا منع الرجل زوجته من الحجّ، لم تحجّ على الصّحيح. وإذا لم يتوافر المحرم للمرأة أو الزّوج فلا يجب عليها الحجّ، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الصحيحين عن ابن عمر: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرم أو زوج» فليس للمرأة أن تحجّ إلا مع زوج أو ذي محرم. وهل تكون الاستطاعة للبعيد عن البيت بالمشي؟ قال الشافعية والحنابلة: لا حجّ على الفقير البعيد عن البيت الذي لا يجد الزّاد والرّاحلة إذا أمكنه المشي، وإن حجّ أجزأه ذلك عن حجّة الإسلام. وحكي عن مالك: أن عليه الحجّ إذا أمكنه المشي، ووجد الزّاد أو القدرة على الكسب، أو لم يجد الزّاد والرّاحلة أيضا إذا أطاق المشي. والحجّ لا يجب في العمر إلا مرّة واحدة لأنه ليس في الآية ما يوجب
التّكرار، وقد روى أحمد والنسائي عن ابن عبّاس أن الأقرع بن حابس سأل النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، الحجّ في كلّ سنة، أو مرّة واحدة؟ فقال: «بل مرّة، فمن زاد فتطوع» . ولم يجز الإمام مالك خلافا للجمهور النّيابة في الحجّ، فلا يجزئ أن يحجّ عن الشّخص غيره لأن حجّ الغير لو أسقط عنه الفرض، لسقط عنه الوعيد المذكور في الآية: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ. أما المريض والمغضوب الذي لا يستطيع الثبات على الراحلة، فيسقط عنه فرض الحج أصلا، في رأي مالك، سواء كان قادرا على من يحجّ عنه بالمال أو بغير المال، واحتجّ بقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم 53/ 39] ، والمغضوب لا يستطيع السّعي، ولأنه غير مستطيع، والحجّ فرض على المستطيع. لكن أجاز المالكية الإجارة على الحجّ عن الميت الذي أوصى به، ويجوز أن يكون الأجير على الحجّ عندهم لم يحجّ حجّة الفريضة. ويجوز في رأي الجمهور النّيابة في الحجّ عن الغير لمن مات ولم يحج، أو كان مريضا عاجزا عن الحجّ لعذر وله مال، لحديث ابن عبّاس وغيره الذي رواه الجماعة: «أن المرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحجّ شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يستوي على ظهره؟ قال: فحجّي عنه» وكان ذلك الإذن في حجّة الوداع. وجاء في رواية: «لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره» ، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «فحجّي عنه، أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحقّ أن يقضى» ، فأوجب النّبي صلّى الله عليه وسلّم الحجّ بطاعة ابنتها إياه، وبذلها من نفسها له بأن تحجّ عنه، فيجوز له أن يستأجر عنه شخصا يحجّ عنه إذا كان قادرا على المال. ولا تتحقق الاستطاعة بالهبة بأن يهب له شخص أجنبي عنه مالا يحجّ به،
إصرار أهل الكتاب على الكفر وصدهم عن سبيل الله [سورة آل عمران (3) الآيات 98 إلى 99] :
ولا يلزمه قبوله إجماعا، لما يلحقه من المنّة في ذلك. وقال الشافعي: لو وهب الابن لأبيه مالا يلزمه قبوله لأن ابن الرّجل من كسبه، ولا منّة عليه في ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يلزمه قبوله لأن فيه سقوط حرمة الأبوة إذ يقال: قد جزاه، وقد وفّاه. هذا ... وقد تقدّمت أحكام أخرى للحجّ والعمرة في تفسير سورة البقرة- الجزء الثاني. إصرار أهل الكتاب على الكفر وصدهم عن سبيل الله [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 99] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) الإعراب: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ جملة حالية فيها تهديد ووعيد، وشَهِيدٌ: صيغة مبالغة، وما: متعلقة بقوله شَهِيدٌ، وهي اسم موصول. المفردات اللغوية: بِآياتِ اللَّهِ دلائل الله الدالة على إثبات نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم. شَهِيدٌ عالم بالشيء مطلع عليه، فيجازي عليه. تَصُدُّونَ تصرفون. عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه، والسبيل يذكر ويؤنث، وهو الطريق. تَبْغُونَها تطلبون السبيل. عِوَجاً مصدر بمعنى معوجة أي مسائلة عن الحق، فالعوج: الميل عن الاستواء في الأمور المعنوية كالدين والقول، والمراد هنا: الزيغ
سبب النزول:
والانحراف. وَأَنْتُمْ شُهَداءُ عالمون بأن الدين المرضي القيم دين الإسلام، كما في كتابكم. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من الكفر والتكذيب، وإنما يؤخركم إلى وقتكم، ليجازيكم. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري عن زيد بن أسلم قال: مرّ شاس بن قيس اليهودي- وكان شيخا قد غبر في الجاهلية عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام، بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة (الأوس والخزرج) بهذه البلاد، لا والله، مالنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار. فأمر شابا من اليهود كان معه، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكّرهم يوم بعاث «1» وما كان فيه، وأنشدهم بعض ما كان تقاولوا فيه من الأشعار. وكان بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل، فتكم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين: أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجابر بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، وقال أحدهما لصاحبه: إن شئت رددتها جذعا «2» وغضب الفريقان جميعا وقالا: ارجعا، السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة «3» ، وهي حرّة، فخرجوا إليها، فانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى
المناسبة:
بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم، فقال: يا معشر المسلمين، أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد أن أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألّف بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا، الله الله، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سامعين مطيعين. فأنزل الله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- يعني الأوس والخزرج- إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ- يعني شاسا وأصحابه- يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. قال جابر بن عبد الله: ما كان طالع أكره إلينا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأومأ إلينا بيده، فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا، فما كان شخص أحبّ إلينا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم «1» . المناسبة: بعد أن أورد الله تعالى أدلة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم واعتراضهم على ذلك، وإبطال شبهاتهم ومزاعمهم، وبخهم على إصرارهم على الكفر، وصدهم عن دين الله، مستعملا الخطاب بأهل الكتاب، ليدعوهم باللين إلى تغيير موقفهم من دعوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وإيمانهم برسالته، مع علمهم بصدقه وصحة ما جاء به.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: قل لهم يا محمد: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله، وما سبب ذلك، وما دليلكم على موقفكم الرافض دعوة الإسلام، ولأي سبب تصرفون المؤمنين عن جادة الإيمان الذي يرقى بالعقل عن طريق إعمال النظر في الكون، ويزكي الروح بالأخلاق، ويرفع مستوى الإنسان بالأعمال الطيبة الصالحة؟ إنكم بهذا الموقف المعاند القائم على الحسد والاستعلاء والكبر وإلقاء الشبهات الباطلة، تريدون الانحراف عن منهج الحق، والزيغ عن سبيل الاستقامة على الهدى، وأنتم عارفون معرفة تامة بصدق محمد في نبوته، وتقدم البشارة به، وقد غيّرتم وبدّلتم صفاته، وكذبتم على الله، وما الله بغافل عن أعمالكم ومكائدكم، فمجازيكم عليها. والسبب في ختم الآية الأولى بقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ ... : هو أن العمل الذي فيها وهو الكفر ظاهر مشهود، وأما سبب ختم الآية الثانية بقوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ ... فهو أن الصد عن الإسلام كان عن طريق المكر والاحتيال. وتكرر الخطاب بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ للتوبيخ بلطف ولين، ولحملهم على الانضمام لدعوة الإسلام المتفقة مع أصول كتبهم الصحيحة. والآية الأولى لكفهم عن الضلال، والثانية لكفهم عن الإضلال «1» . فقه الحياة أو الأحكام: إن أصول الأديان واحدة، وغاياتها واحدة، وطريقها بالدعوة إلى التوحيد الإلهي، وسمو الأخلاق والفضائل، وعبادة الله واحدة أيضا، فما على أتباع الأديان إلا أن ينضم بعضهم إلى بعض، دون تمسك بما لديه، وبما أن الإسلام خاتم
توجيه المؤمنين إلى الحفاظ على الشخصية والاعتصام بالقرآن والإسلام [سورة آل عمران (3) الآيات 100 إلى 103] :
الرسالات السماوية، فعلى المتقدمين من أتباع الملل الأخرى الانضمام تحت لوائه، ليكون جند الإيمان في خندق واحد وصف واحد أمام معسكر الشرك والوثنية، وأما المسلمون فهم مؤمنون بكل الرسل دون تفرقة بين أحد منهم، وبما أنزل عليهم من كتب وصحف ووصايا. وهذا ما ركز عليه القرآن بدعوة أهل الكتاب بالكف عن عنادهم وحسدهم، وقبولهم سراعا دعوة القرآن. وهاتان الآيتان لون من ألوان التعنيف والتوبيخ من الله تعالى بلطف ولين لأهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله (وهي القرآن وما اشتمل عليه من دلائل نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم) وصدّهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم، ومكرهم، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، وبما عندهم من بشائر الأنبياء المتقدمين بالنبي محمد. واستحقوا في هاتين الآيتين التهديد والوعيد، والإعلان الصريح عن إحباط المؤامرات، وكشف أنواع الخداع، وإلقاء الشبهات، وألوان المكر لأن الله تعالى شهيد على صنيعهم ذلك، غير غافل عن مكائدهم، وسيجازيهم على سوء أعمالهم ومواقفهم المستغربة المتسمة بالتكذيب والجحود والعناد. أجل! إنه إنذار في الدنيا قبل فوات الأوان، وإعلام بالحق لئلا يضل الناس، وتحذير من الميل مع أهواء النفوس التي من أخصها الحسد والعناد والكبر التي حملت أصحابها على الضلال بأنفسهم ومحاولة الإضلال لغيرهم. توجيه المؤمنين إلى الحفاظ على الشخصية والاعتصام بالقرآن والإسلام [سورة آل عمران (3) : الآيات 100 الى 103] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
الإعراب:
الإعراب: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا الجار والمجرور في موضع نصب لأنه خبر كان. وشَفا: أصله شفو، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقبلت ألفا. البلاغة: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ استفهام تعجب وتوبيخ واستبعاد وقوع الكفر منهم مع تلاوة القرآن ووجود الرسول فيهم وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ استعارة تصريحية، شبه القرآن بالحبل، وأستعير اسم المشبه به وهو الحبل للمشبه وهو القرآن، بجامع النجاة في كل منهما. شَفا حُفْرَةٍ استعارة تمثيلية، شبه حالهم في الجاهلية بحال المشرف على حفرة عميقة. المفردات اللغوية: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ تجحدون، وهو استفهام تعجب وتوبيخ يَعْتَصِمْ يتمسك به حَقَّ تُقاتِهِ الحق: الوجوب والثبوت، والتقاة: التقوى، والأصل فيه: اتقاء حقا، أي اتقوه التقوى الواجبة: بأن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، فقالوا: يا رسول الله، ومن يقوى على هذا، فنسخ بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. وَاعْتَصِمُوا تمسكوا بِحَبْلِ اللَّهِ هو العهد أو الدين أو القرآن أو الإسلام، وكل ذلك مترادف المعنى شَفا حُفْرَةٍ طرف حفرة، وأشفى على الشيء: أشرف عليه. وهو مثل يضرب في القرب من الهلاك. وأريد به هنا القرب من النار أي ليس بينكم وبين الوقوع في النار إلا أن تموتوا كفارا فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بالإيمان كَذلِكَ كما بيّن لكم ما ذكر يبين لكم الآيات.
سبب النزول:
سبب النزول: أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهم شر، فبينما هم جلوس، ذكروا ما بينهم حتى غضبوا، وقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ الآية والآيتان بعدها. وهذا مؤيد لما ذكر في بيان سبب نزول الآيتين المتقدمتين. التفسير والبيان: حذر الله المؤمنين من إطاعة الكافرين وإغوائهم وإضلالهم، بعد أن وبخ أهل الكتاب على كفرهم وصدهم عن سبيل الله، وذلك من أجل تماسك الشخصية الإسلامية والحفاظ على تميزها واستقلالها، بعد أن انحرف أهل الكتاب عن صراط الله المستقيم، وتبيان ذلك فيما يأتي: أيها المؤمنون إذا أطعتم هؤلاء اليهود فيما يثير الفتنة ويؤجج نار الجاهلية العمياء، ردّوكم إلى الكفر بعد الإيمان، وإلى التفرق بعد الوحدة، وإلى الكراهية والحقد والضغينة بعد المحبة والصفاء والوداد، كما قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً، حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة 2/ 109] والكفر مهلكة في الدين بخسارة الآخرة وسوء الحال في الدنيا والمعاش، ومهلكة في الدنيا بإثارة الفتنة والعداوة والبغضاء. وكيف تكفرون بالله وحاشاكم منه وكيف تطيعون الكفرة فيما يشيرون به؟ والحال أن فيكم أمرين: الأول- تلاوة آيات الله التي تنزل على رسوله ليلا ونهارا، وهو يتلوها عليكم، ويبلّغها إليكم، وهو القرآن الظاهر الإعجاز، كقوله تعالى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ، وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد 57/ 8] . والثاني- وجود الرسول فيكم الذي ظهرت على يديه الخوارق المؤيدة
لدعوته. ووجود هاتين الحالتين ينافي الكفر، وليس المعنى أنه وقع منهم الكفر، فوبخوا على وقوعه لأنهم مؤمنون، ولذلك نودوا بوصف الإيمان: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا «1» . ومن يعتصم بالله وكتابه ويتمسك بدينه ويتوكل عليه، فقد أحرز الهداية، وابتعد عن الغواية، وسار في طريق الرشاد والسداد وتحقيق المراد. ثم أمر الله تعالى المؤمنين بالتزام التقوى حقا، بأن يؤدوا الواجبات ويجتنبوا المنهيات، وذلك باجتناب المعاصي كلها، واتباع الأوامر قدر المستطاع، كما قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن 64/ 16] وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» «2» وقال ابن مسعود: «حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر» «3» وقال ابن عباس: هو ألّا يعصى طرفة عين. وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يقوى على هذا؟ وشقّ عليهم، فأنزل الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فنسخت هذه الآية. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية. والأصوب أن قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ بيان لهذه الآية. والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو أولى. ثم نهاهم بقوله: ولا تموتن إلا ونفوسكم مخلصة لله، أي: ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت. وهذا حث على المبادرة إلى الإسلام ابتداء
واستمرارا، والمحافظة عليه في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، وليس معناه النهي عن الموت حتى يسلموا، وإنما المطلوب هو التدين بالإسلام قبل مفاجأة الموت. ثم أمر بالاعتصام بكتاب الله وعهده الذي عهد به إلى الناس، ونهى عن التفرق عنه أبدا، والتزام الألفة والاجتماع على طاعة الله والرسول. وحبل الله: هو الإيمان والطاعة والعمل بالقرآن، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: فيما أخرجه الترمذي: «القرآن: حبل الله المتين، ونوره المبين، لا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به، هدي إلى صراط مستقيم» . ثم ذكّرهم بالنعمة العظمى التي أنعم بها على العرب وهي نعمة الوحدة والتجمع بعد التفرق، والألفة بعد العداوة والخصام، وقتل بعضهم بعضا، وتسلط القوي على الضعيف، والأخوة الإيمانية: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات 49/ 10] بعد الكفر والشرك، والإشراف على حافة النار والهلاك بسبب الشرك والوثنية، فصاروا سادة البشر وأساتذة العالم، وأنقذهم الله بالإسلام من الدمار والهلاك: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم 14/ 34] . وقد كان بين العرب ومنهم الأوس والخزرج حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة، وضغائن وإحن، طال بسببها قتالهم واقتتالهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال 8/ 63] . مثل هذا البيان الناصع الذي بيّنه لكم ربكم في هذه الآيات لما يضمره اليهود
فقه الحياة أو الأحكام:
نحوكم، ولما أمركم به ونهاكم عنه، ولما كنتم عليه في الجاهلية، وما صرتم إليه في الإسلام، يبين سائر آياته وحججه في تنزيله على رسوله، لتهتدوا هداية دائمة، وتزدادوا هداية، حتى لا تعودوا إلى أوضاع الجاهلية من التفرق والعدوان، والوثنية والشرك، والضلال في العقيدة والأخلاق والتعامل. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: 1- الحفاظ على الشخصية الإسلامية وتميزها، ورفض تبعتها لغير المسلمين، والتحذير من الإصغاء لمشورتهم، والتفكير العميق في آرائهم، كيلا تؤدي إلى الضرر والشر والفساد، أو الفرقة والخلاف والانقسام. 2- تحكيم القرآن والسنة فيما قد يقع فيه المسلمون من نزاع أو اختلاف في الرأي، كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى 42/ 10] فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء 4/ 59] . 3- الاعتصام والتمسك بالقرآن وبدين الله تعالى وطاعته، والالتفاف الموحد حول أحكام الله حلالها وحرامها، واجتماع المسلمين على وحدة الهدف والغاية من أجل صون الحرمات والبلاد من عدوان المعتدين فإنه لم يتوافر لأمة مقومات تجمع بين شعوبها وأفرادها مثل ما توافر لأمة الإسلام، وهي الآن مع الأسف أبعد الناس عن اجتماع الكلمة ووحدة الصف والغاية والمنهج، وتلك المقومات واضحة في تلاوة آي القرآن وآثار رسول الله. قال قتادة: في هذه الآية علمان بيّنان: كتاب الله ونبيّ الله فأما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهرهم رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. 4- ليس الاختلاف مذموما إذا كان في مجال مسائل الاجتهاد واستخراج
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأكيد النهي عن التفرق [سورة آل عمران (3) الآيات 104 إلى 109] :
الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون، ولا فيما كان أثناء تبادل الآراء فيما يحقق مصلحة الأمة بإخلاص، فليس في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الجزئيات والفروع، وتقدير المصالح العامة، وإنما الخلاف المذموم هو في اتباع الأهواء والأغراض المختلفة، وما يؤدي إليه من تقاطع وتدابر وتقاتل. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» «1» وأخرجه أيضا عن ابن عمر بزيادة: «كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» . 5- أوجب الله تعالى علينا التّمسك بكتابه وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم والرّجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسّنة اعتقادا وعملا، وذلك سبب اتّفاق الكلمة، وانتظام الشّتات الذي يتمّ به مصالح الدّنيا والدّين، والسّلامة من الاختلاف، كما بيّنا. وقرن ذلك بأمره تعالى بتذكّر نعمه وأعظمها الإسلام واتّباع نبيّه محمد عليه الصّلاة والسّلام، فإن به زالت العداوة والفرقة، وكانت المحبّة والألفة. الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وتأكيد النّهي عن التّفرّق [سورة آل عمران (3) : الآيات 104 الى 109] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
الإعراب:
الإعراب: يَوْمَ تَبْيَضُّ يوم: منصوب إما بمحذوف مقدر بفعل، تقديره: اذكر يا محمد يوم تبيض وجوه، وإما بقوله: لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي استقر لهم هذا العذاب في يوم تبيض وجوه. أَكَفَرْتُمْ فيه محذوف مقدر تقديره: فيقال لهم: أكفرتم، وحذف لدلالة الكلام عليه، وحذفت الفاء تبعا للقول، وحذف القول كثير في كلامهم. والهمزة: همزة استفهام ومعناها التّوبيخ والإنكار. البلاغة: يوجد طباق مقابلة في قوله: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فيه قصر صفة على موصوف، حيث قصر الفلاح عليهم. ويوجد طباق أيضا بين كلمتي تَبْيَضُّ وتَسْوَدُّ. فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ مجاز مرسل، من باب إطلاق الحال وإرادة المحل، أي في الجنة لأنها مكان تنزل الرّحمات. أما معنى المقابلة الذي جعله بعض البلغاء من أنواع الطباق: فهو أن يؤتي بمعنيين متوافقين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: مِنْكُمْ من للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية، لا يلزم كلّ الأمّة، ولا يليق بكلّ أحد كالجاهل. أُمَّةٌ جماعة تربطهم رابطة معينة تجمعهم. إِلَى الْخَيْرِ ما فيه المنفعة وصلاح الناس في الدين والدنيا. بِالْمَعْرُوفِ ما استحسنه الشرع والعقل. الْمُنْكَرِ ما استقبحه الشرع والعقل. الْمُفْلِحُونَ الفائزون. تَبْيَضُّ تشرق وتسرّ. وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ تكتئب وتحزن، وذلك يوم القيامة. بِالْحَقِّ أي بالأمر الذي له ثبوت وتحقق ولا شبهة فيه. ظُلْماً الظّلم: وضع الشيء في غير موضعه، إما بالنّقص أو الزّيادة أو بالتعديل في وقته أو مكانه. المناسبة: هذه الآيات كالشّرح لقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا فشرح الاعتصام بحبل الله بقوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ وشرح وَلا تَفَرَّقُوا بقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا «1» . أمرنا تعالى بالاعتصام بالقرآن والتّمسك بالدّين، ونهانا عن التّفرّق والاختلاف، ثمّ بيّن لنا سبيل الاعتصام بالدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فهذه تذكّر بالله وباليوم الآخر، وترشد إلى الإسلام، وتعصم من الزّيغ والانحراف، بقصد الحفاظ على وحدة الأمة، وترشد أبنائها، وتكثير سوادها بالأتباع الذين يؤمنون بدعوة الإسلام، وتضامن الأفراد في كلّ ما هو حضاري يؤدّي إلى القوة والتقدّم والسّمو، روى مسلم وأحمد حديثا معروفا عن النّعمان بن بشير هو: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر السجد بالحمّى والسّهر» . وروى البخاري ومسلم والتّرمذي والنّسائي عن أبي موسى الأشعري: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» .
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: يأمر الله تعالى الأمة الإسلامية بأن يكون منها جماعة متخصصة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وأولئك الكمّل هم المفلحون في الدّنيا والآخرة. وتخصص هذه الفئة بما ذكر لا يمنع كون الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبا على كلّ فرد من أفراد الأمّة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» ، وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل» . وروى أحمد والترمذي وابن ماجه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم، عقابا من عنده، ثّم لتدعنّه فلا يستجيب لكم» . وكان الواحد من السّلف الصالح لا يتوانى في هذا الواجب، ولا يخشى في الله لومة لائم، فقد خطب عمر على المنبر قائلا: «إذا رأيتم فيّ اعوجاجا فقوّموه» فقام أحد رعاة الإبل، وقال: لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا. ولا تكونوا أيّها المؤمنون كأهل الكتاب الذين تفرّقوا، في الدّين، وكانوا شيعا، واختلفوا اختلافا كثيرا، من بعد ما جاءتهم الأدلّة الواضحات التي تهديهم إلى السبيل لو اتّبعوها، لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فاستحقّوا العذاب العظيم في الدّينا والآخرة، أما في الدّنيا فيجعل بأسهم بينهم شديدا، ويذيقهم الخزي والنّكال، وأما في الآخرة ففي جهنم هم فيها خالدون، ونظير هذه الآية قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ، كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة 5/ 78- 79] .
وهذا الوعيد لأهل الكتاب يقابل الوعد بالفلاح والنّجاة والفوز لأهل الإيمان، والاختلاف المنهي إنما هو الاختلاف في أصول الدّين وتحكيم الهوى والمصلحة الشخصية في القضايا العامة. أما الاختلاف في الفروع المذهبية والاجتهادات الجزئية، كاختلاف المذاهب في كثير من تفاصيل العبادات والمعاملات، فليس مذموما لتعدد المفاهيم المستوحاة من النّصّ القرآني، وتعدّد أفعال النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وكيفيّة ثبوت الأخبار والرّوايات. وزمان العذاب للكفار هو يوم القيامة، يوم تبيضّ وتشرق وتسرّ وجوه المؤمنين كما في آية أخرى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة 75/ 22- 23] وتسودّ وجوه المختلفين الذين لم يتواصوا بالحقّ والصّبر من أهل الكتاب والمنافقين حينما يرون ما أعدّ لهم من العذاب الدّائم، وذلك مثل قوله تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [القيامة 75/ 24- 25] ، وقوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [عبس 80/ 40- 41] ، وقوله: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ، ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يونس 10/ 27] . ثمّ أوضح الله تعالى مصير الفريقين، فبيّن سوء حال الفريق الثاني ثمّ حال الفريق الأوّل على طريقة اللّف والنّشر المشوش، أمّا الذين اسودّت وجوههم بسبب تفرّقهم واختلافهم، فيوبخهم تعالى ويؤنّبهم بقوله: أكفرتم بالرّسول محمد بعد إيمانكم به، فقد كنتم على علم ببعثته، ولديكم أوصافه والبشارة به؟ ولكن كفرتم به حسدا وحقدا، فكان جزاؤكم أن تذوقوا العذاب بكفركم. وأمّا الذين ابيضّت وجوههم باتّحاد الكلمة وعدم التّفرق في الدّين، فهم خالدون في رحمة الله، أي ماكثون في الجنّة أبدا، لا يبغون عنها حولا. هذه الآيات: آيات الله وحججه وبيّناته نتلوها عليك يا محمد مقررة ما هو
فقه الحياة أو الأحكام:
الحقّ الثابت الذي لا شبهة فيه، كاشفة حقيقة الأمر في الدّنيا والآخرة. والله لا يريد ظلما للعباد، أي ليس بظالم، بل هو الحاكم العدل الذي لا يجوز لأنه القادر على كلّ شيء، العالم بكلّ شيء، ولأن الظلم يصادم الحكمة والكمال في النّظام وفي التّشريع، فلا يحتاج إلى ظلم أحد من خلقه، وأما ما يأمر به وينهى عنه، فإنما يريد هدايتهم إلى أقوم الطّرق، فإذا خرجوا عن حدود الطّاعة وفسقوا كانوا هم الظالمين لأنفسهم، والظالم هو الذي سبب لنفسه العقاب، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود 11/ 102] ، وقال: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ، وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [هود 11/ 117] . ومما يدلّ على عدم احتياج الله لظلم أحد من خلقه: أن جميع ما في السموات والأرض من مخلوقات وكائنات ملك له وعبيد له، وأنهم إليه راجعون، فهو الحاكم المتصرّف في الدّنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أوّلا- إنّ الدعوة إلى الإسلام ونشرها في آفاق العالم والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من فروض الإسلام الكفائية، لقوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة 9/ 122] . ويجب أن يكون الدّعاة علماء بما يدعون الناس إليه، وقائمين بفرائض الدّين، وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج 22/ 41] ، والسبب أن الدّاعية هو القدوة الحسنة والمثل الصالح
الذي يحتذي به، ويقلّده الآخرون ويتأثّرون به، وتحليل تلك الضوابط يتجلّى في الشروط الآتية المطلوبة في الدّعاة: 1- العلم بالقرآن والسّنّة والسّيرة النّبويّة وسيرة الرّاشدين. 2- تعلّم لغة القوم الذين يراد دعوتهم إلى الدّين، إذ يتعذّر تحقيق الغاية بدون ذلك، وقد أمر النّبي صلّى الله عليه وسلّم بعض الصحابة بتعلّم العبريّة لمحاورة اليهود. 3- معرفة الثقافة الحديثة والعلوم العامة وأحوال الأقوام وأخلاقهم وطبائعهم، والملل والنحل، وشبهات التّيارات والمبادئ الاقتصادية والاجتماعية السائدة في العالم المعاصر، وموقف الإسلام منها. ثانيا- إن التّفرق في الدّين وسياسة الأمة العامة أمر حرام ومنكر عظيم مؤذن بتدمير المصلحة العامة والقضاء على وجود الدولة المسلمة والأمة المؤمنة، وقد عدّ القرآن المتفرقين في الدين من الكفار والمشركين، كما في قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وَكانُوا شِيَعاً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم 30/ 32] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام 6/ 159] . ومن خرج عن حدود الدين ومقاصده كان ظالما، ومن لازم الظلم كان كافرا، كما قال تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة 2/ 254] . ومن ترك الاعتصام بالقرآن والإسلام ورد الأمر المتنازع فيه إلى غير الكتاب والسنة كان أيضا من الكافرين. هذا.. والاختلاف المحظور إنما هو الاختلاف في العقيدة وأصول الدين، وأما اختلاف الفقهاء في الفروع الاجتهادية فهو محمود غير مذموم ومن يسر الشريعة.
سبب خيرية الأمة الإسلامية وضرب الذلة والمسكنة على اليهود [سورة آل عمران (3) الآيات 110 إلى 112] :
ثالثا- إن أهل الطاعة لله عز وجل والوفاء بعهده هم الذين تبيض وجوههم وتسر يوم القيامة، ولهم الخلود في الجنة ودار الكرامة، جعلنا الله منهم، وجنبنا الضلالة بعد الهدى. وأما أهل المعصية الذين كفروا بعد الإيمان فلهم سوء العذاب بسبب كفرهم. وكل من بدل أو غيّر أو ابتدع في دين الله ما لا يرضاه، ولم يأذن به الله فهو من المسوّدي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من رحمة الله من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع. ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال ذرة من خير أو حبة من إيمان. رابعا- كل ما في الكون وكل ما في السموات والأرض ملك لله تعالى وعبيد له، يتصرف بهم كيفما شاء، ولا يشاء إلا ما فيه الحكمة والخير ومصلحة العباد، فهو قادر على كل شيء، وغني عن الظلم، لكون كل شيء في قبضته وتصرفه، فلا يصح لأحد من الخلق أن يسأل غير الله أو يعبد غير الله، وعليهم أن يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره. سبب خيرية الأمة الإسلامية وضرب الذلة والمسكنة على اليهود [سورة آل عمران (3) : الآيات 110 الى 112] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112)
الإعراب:
الإعراب: أُخْرِجَتْ جملة فعلية في موضع جر لأنها صفة لأمة. لِلنَّاسِ جار ومجرور في موضع نصب، ويتعلق إما ب أُخْرِجَتْ أو ب خَيْرَ وقوله: تَأْمُرُونَ.. كلام مستأنف أبان به كونهم خير أمة. إِلَّا أَذىً منصوب لأنه استثناء منقطع، وكذلك قوله إِلَّا بِحَبْلٍ أي ولكن قد يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، فيأمنون على أنفسهم وأموالهم. والجملتان وهما مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ولَنْ يَضُرُّوكُمْ واردتان على طريق الاستطراد، بمناسبة الكلام عن أهل الكتاب. البلاغة: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ استعارة تبعية حيث شبه الذل بالخباء المضروب على أصحابه، ثم حذف المشبه به وأتى بشيء من لوازمه وهو الضرب. وَباؤُ بِغَضَبٍ نكّر كلمة الغضب للتفخيم والتهويل. ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ تساءل الزمخشري قائلا: هلا جزم المعطوف في قوله: ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ؟ ثم أجاب بقوله: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون، أي لا يكون لهم نصر من أحد، ولا يمنعون منكم. والفرق بين الجزم والرفع: أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا (الكشاف: 1/ 342) . المفردات اللغوية: كُنْتُمْ أي وجدتم وخلقتم خير أمة، أي في الماضي، وقد تستعمل للأزلية والدوام كما في
سبب النزول:
صفاته تعالى مثل: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. أُخْرِجَتْ أي أظهرت. أَذىً أي ضررا يسيرا كالسب باللسان والوعيد. يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ كناية عن الانهزام أي يكونوا منهزمين ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ وعد مطلق من الله للمسلمين في الماضي، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم أنهم بعد التولي مخذولون غير منصورين، لا تنهض لهم قوة بعدها، ولا يستقيم لهم أمر، وكان ذلك كما أخبر في هزيمة طوائف اليهود في المدينة وهم «بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع» ويهود خيبر. والتراخي في ثُمَّ هو في المرتبة. الذِّلَّةُ الذل الذي يحدث في النفوس من فقد السلطة، وضربها عليهم: إلصاقها بهم وظهور أثرها فيهم، كضرب السكة بما ينقض فيها. ثُقِفُوا حيثما وجدوا. بِحَبْلِ أي عهد، وهو تأمينهم وعهد المؤمنين إليهم بالأمان على أداء الجزية، أي لا عصمة لهم غير ذلك، وتظل صفة الذل بهم، سواء كانوا حربا أو أهل ذمة. وَباؤُ رجعوا، من البوء وهو المكان أي حلوا فيه يَعْتَدُونَ يتجاوزون الحد. سبب النزول: نزول الآية (110) : قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن خير وأفضل منكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. نزول الآية (111) : قال مقاتل: إن رؤوس اليهود: وهم كعب ويحرى والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنهم: عبد الله بن سلام وأصحابه، فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: هذه الآيات تثبيت للمؤمنين على ما هم عليه من الاعتصام بالله والاتفاق على
التفسير والبيان:
الحق والدعوة إلى الخير، وهي أيضا ترغيب لهم في المحافظة على مزيتهم باتباع الأوامر وترك النواهي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وأعقب ذلك بمقارنتهم بحال أهل الكتاب وبيان سبب إلحاق صفة الذل بهم والغضب عليهم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن الأمة الإسلامية بأنها خير الأمم في الوجود الآن، ما دامت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله إيمانا صحيحا صادقا كاملا. وإنما قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان لأنهما أدل على بيان فضل المسلمين على غيرهم، ولأن الإيمان يدعيه غيرهم، وتظل الخيرية والفضيلة لهذه الأمة ما دامت تؤمن بالله حق الإيمان وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وأما الأمم الأخرى فقد غلب عليهم تشوية حقيقة الإيمان، وشاع فيهم الشر والفساد، فلا يؤمنون إيمانا صحيحا، ولا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر. والإيمان المطلوب: هو الموصوف بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات 49/ 15] وقوله أيضا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ، زادَتْهُمْ إِيماناً، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال 8/ 2] . وفي قوله: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيمانا بالله لأن من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك، لم يعتد بإيمانه، فكأنه غير مؤمن بالله، كما قال تعالى: وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ، وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ
سَبِيلًا، أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [النساء 4/ 150- 151] . والدليل عليه قوله تعالى: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ مع إيمانهم بالله، لكان الإيمان خيرا لهم مما هم عليه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام، حبا للرياسة، واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع، وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين. هذه المقومات والأوصاف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان الحق بالله وبعناصر الإيمان الأخرى هي سبب الفضيلة والخيرية، ولا تثبت للأمة إلا بمحافظتها على هذه الأصول الثلاثة، روى ابن جرير عن قتادة قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها، رأى من الناس دعة، فقرأ هذه الآية: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ثم قال: «من سرّه أن يكون من هذه الأمة، فليؤد شرط الله فيها» . ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة 5/ 79] . ولهذا لما مدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال: ولو آمنوا بما أنزل على محمد، لكان خيرا لهم إذ هم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، ويؤمنون ببعض الرسل كموسى وعيسى، ويكفرون بمحمد، مع أن كتبهم تتضمن البشارة بمحمد وصفته! إلا أن هذا الذم ليس كليا ولا جماعيا شاملا، لذا استطرد الله تعالى فذكر أن بعض أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي ورهطه مؤمنون إيمانا حقا، لكن أكثرهم فاسقون خارجون عن حدود دينهم وكتبهم، متمردون في الكفر، فقليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان. ومرة يعبر تعالى بالأكثر كما هنا، وكما في قوله
عن بني إسرائيل: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء 4/ 46] ، وتارة يعبر بالكثير، كما في قوله عن النصارى واليهود: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [المائدة 5/ 66] . ويكثر الفسق عادة بعد طول الأمد على ظهور الدين، كما قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الحديد 57/ 16] . ثم أخبر الله تعالى عباده المؤمنين وبشرهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب، فذكر أن هؤلاء الكافرين الفاسقين لن يلحقوا بكم إلا ضررا بسيطا كالسب والهجاء والتوعد باللسان ومحاولة الصد عن دين الله، والطعن في الدين، وإلقاء الشبهات، وتحريف النصوص، والطعن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، كما يفعل المبشرون اليوم. وإن يقاتلوكم ينهزموا أمامكم، ولا ينصرون عليكم أبدا ما داموا على فسقهم، ودمتم على خيريتكم بالحفاظ على الأصول الثلاثة، وقد تحققت لسلف أمتنا هذه البشارات الثلاث من أخبار الغيب، فانهزم يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، ويهود خيبر. وتحقق مثل هذه الانتصارات مرهون بنصر دين الله، كما قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد 47/ 7] وبالحفاظ أيضا على الأصول الثلاثة المذكورة هنا وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى في وصف المؤمنين المجاهدين: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [التوبة 9/ 112] . والخلاصة: إن النصر ليس هبة تمنح كما يتوقع بعض المخدوعين، وإنما هو
مشروط بالإتيان بمقومات دينية أساسية، فما دمنا نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونؤمن بالله إيمانا صحيحا، تحقق لنا النصر والسيادة والعزة، وما داموا هم فاسقين خارجين عن حدود الله والطاعة والإيمان، ظلوا أذلة مقهورين. والله تعالى ألصق بهم الذل والهوان أبدا أينما كانوا، لا ينعمون بأمن ولا استقرار، إلا بعهدين: عهد الله وعهد الناس. أما عهد الله فهو ما قررته الشريعة لهم من الأمان وتحريم الإيذاء والمساواة في الحقوق والقضاء إذا تم لهم عقد الذمة وفرض الجزية وإلزامهم أحكام الملة. وأما عهد الناس: فهو ما يصدر لهم من الأمان كالمهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه أحد المسلمين ولو امرأة، وكذا التاجر الذي يتعامل معه في داخل البلاد أو على الحدود الخارجية، لتبادل المنافع والصنائع والتجارات. ومثل ذلك ما نجده من الحماية الثابتة لليهود في فلسطين، سواء من أمريكا وأوربا وروسيا وغيرها من الدول الكبرى. والله تعالى أيضا ألزمهم غضبا منه فالتزموه، واستوجبوه واستحقوه، وأحاط بهم المسكنة والصغار إحاطة المكان بما فيه، فهم تابعون أذلاء لغيرهم، دائمون في الذل والحاجة والتبعة لغيرهم، متفرقون في أقطار الأرض على قلتهم، وسيظلون كذلك بالرغم من محاولاتهم المستميتة في التجمع والاستيطان والاستقرار في الأراضي المحتلة بفلسطين، وبالرغم من غناهم واعتمادهم على جمع المال والسيطرة على اقتصاديات العالم. ثم بيّن تعالى سبب كل ذلك وعلته من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بسخط الله عليهم: وهو كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق تعطيهم إياه شريعتهم، وبدافع من الكبر والبغي والحسد، مع اعتقادهم أنهم على غير حق فيما
فقه الحياة أو الأحكام:
يرتكبونه من جريمة قتل أناس يقولون: ربنا الله. وفي هذا غاية التشنيع عليهم، والتوبيخ لهم. وما جرأهم على ذلك، وما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، إلا كثرة المعاصي لأوامر الله، والانغماس الدائم في المعصية، والاعتداء على شرع الله وحدوده، فمن اعتاد العصيان، وانتهك حرمات الله، هان عليه كل شيء حرام ومنكر في الحياة. والتشنيع على اليهود المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتوجيه اللوم لهم على الكفر وقتل الأنبياء، مع أنه صدر من أسلافهم، إنما كان لأنهم منتسبون إليهم، متكافلون متعاطفون معهم، راضون بأفعالهم، سائرون على منهجهم، فإنهم حاولوا أيضا قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم مرارا. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات وصف فريقين أو أمتين من الناس، وأبانت سبب الاتصاف، وقارنت بينهما، على أساس دقيق من التعادل والحق. فالأمة الإسلامية خير الأمم بسبب إيمانها الصحيح التام بكل ما أمر به الله، وبقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتظل الخيرية والفضيلة لها على الشرائط المذكورة، والتزامها الأصول الثلاثة. وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم، فإن السنة النبوية أوضحت أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» «1» وهذا مذهب معظم العلماء، فمن صحب النبي صلّى الله عليه وسلّم ورآه ولو مرة في عمره مؤمنا به، فهو أفضل ممن يأتي بعده. وفضل قرن النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم، قليلون في عددهم، مع
كثرة الكفار، صابرون على أذاهم، متمسكون حق التمسك بدينهم. وأما أواخر هذه الأمة فلهم فضيلة أخرى لا تمنع ولا تحجب فضيلة السلف الصالح إذا أقاموا الدّين، وتمسكوا به، وصبروا على طاعة ربهم، في وقت ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر، فيصيرون بذلك أشباه السلف غرباء أيضا، وتزكو أعمالهم في ذلك الوقت، كما زكت أعمال أوائلهم، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء» وقوله فيما رواه الترمذي والحاكم وصححاه وابن ماجه وغيرهم عن أبي ثعلبة الخشني: «إن أمامكم أياما: الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله، قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: بل منكم» وذكر أبو داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي: «أمتي كالمطر لا يدرى أوّله خير أم آخره» وذكره الدارقطني في مسند حديث مالك عن أنس: «مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره» . وحينئذ يستوي أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية. ومدح الأمة الإسلامية ما داموا قائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببا لهلاكهم. وإيمان أهل الكتاب بالنبي صلّى الله عليه وسلّم خير لهم، ومنهم المؤمن والفاسق، والفاسق أكثر. ووعد الله المؤمنين ورسوله صلّى الله عليه وسلّم أن أهل الكتاب لا يغلبونهم، وأنهم منصورون عليهم، لا ينالهم منهم أذى إلا بالافتراء والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين. وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام لأن من قاتله من اليهود انهزم وولى الأدبار.
الفئة المؤمنة من أهل الكتاب والثواب على أعمالهم [سورة آل عمران (3) الآيات 113 إلى 115] :
وسبب الغضب من الله على اليهود وإلصاق صفة الذل والهوان أينما وجدوا هو كفرهم بآيات الله، ومنه عدم إيمانهم بالقرآن والإسلام، وقتلهم الأنبياء ظلما وعدوانا، ومنه محاولة قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم وتأليب المشركين عليه وتحريضهم على قتاله واستئصال شأفة المسلمين إلى الأبد، كما حدث في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وغزوة الأحزاب (الخندق) في السنة الخامسة، وغير ذلك من ألوان العصيان والاعتداء. الفئة المؤمنة من أهل الكتاب والثواب على أعمالهم [سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 115] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) الإعراب: لَيْسُوا سَواءً: الواو في لَيْسُوا اسم ليس، وسواء: خبرها. أُمَّةٌ قائِمَةٌ إما بدل من ضمير لَيْسُوا، والتقدير: ليس أمة قائمة وأمة غير قائمة سواء. فحذف «غير قائمة» مثل حذف البرد في آية سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ، وإما مبتدأ ومِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: خبر مقدم، أو مرفوع بالجار والمجرور على قول الأخفش والكوفيين يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ جملة فعلية في موضع رفع لأنها صفة أُمَّةٌ. آناءَ اللَّيْلِ ظرف زمان متعلق ب يَتْلُونَ. وَهُمْ يَسْجُدُونَ إما حال من ضمير يَتْلُونَ، ويكون المراد بالسجود هنا الصلاة لأن التلاوة لا تكون في السجود، وإما معطوف على يَتْلُونَ ويكون المراد بالسجود: السجود بعينه.
البلاغة:
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ جملة فعلية: إما في موضع نصب على الحال من ضمير يَسْجُدُونَ أو يَتْلُونَ أو قائِمَةٌ، وإما في موضع رفع لأنها صفة (الأمة) ، وإما مستأنفة. وهذه الأوجه تجري في جمل يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ. البلاغة: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ جملة اسمية للدلالة على الاستمرار. يَتْلُونَ.. يَسْجُدُونَ جملة فعلية للدلالة على التجدد. وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ الإشارة بالبعيد لبيان علو درجتهم وسمو منزلتهم. المفردات اللغوية: لَيْسُوا أي أهل الكتاب. سَواءً متساوين، يستعمل للواحد والمثنى والجمع، فيقال: هما سواء، وهم سواء قائِمَةٌ مستقيمة عادلة ثابتة على الحق، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه، مأخوذ من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى: استقام يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ أي القرآن. آناءَ اللَّيْلِ أي في ساعاته، واحدها أنى كعصا. وَهُمْ يَسْجُدُونَ يصلون. يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يبادرون إلى فعل الخيرات. وَما يَفْعَلُوا أي الأمة القائمة، والقراءة بالتاء: أي أيتها الأمة. فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي يعدموا ثوابه، بل يجازون عليه، والقراءة بالتاء: أي أنتم أيتها الأمة. سبب النزول: نزول الآية (113) : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في الصحابة عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعنة (أو سعية) ، وأسيد بن سعنة (أو سعية) ، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار اليهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد واتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله في ذلك: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وذكر مثله عن مقاتل. وأخرج أحمد وغيره عن ابن مسعود قال: أخرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلاة
المناسبة:
العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا بالناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم، وأنزلت هذه الآية لَيْسُوا سَواءً ... حتى بلغ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. وبعبارة أخرى لابن مسعود: نزلت الآية في صلاة العتمة (العشاء) يصليها المسلمون، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها. المناسبة: هذه الآيات استمرار في بيان أوصاف أهل الكتاب، ففي الآيات السابقة صنفهم القرآن صنفين: منهم المؤمنون وكثير منهم الفاسقون، ثم بين حال الفاسقين ومصيرهم، وهنا بيّن حال المؤمنين منهم الذين وإن كانوا قلة دخلوا في الإسلام. التفسير والبيان: ليس من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب متساوين أو على حد سواء في الفسق والكفر، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، فمنهم فئة قائمة بأمر الله، مستقيمة على دينه، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، يتلون القرآن في صلواتهم ليلا، ويكثرون التهجد. وهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقا صادقا لا شبهة فيه، ويأمرون غيرهم بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويبادرون إلى فعل الخيرات بسرعة، ويعملون الصالحات دون تلكؤ، وهم موصوفون عند الله بأنهم من الصالحين الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم. وهم من أحبار أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعنة وغيرهم ممن نزلت فيهم هذه الآيات، ردا على اليهود الذين زعموا أن من آمن منهم شرارهم لا خيارهم، ولو كان فيهم خير لما آمنوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
وما يفعلون من الطاعات فلن يحرموا ثوابه، ولا يضيع عند الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء، والله شكور عليم بالمتقين، أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا. فقه الحياة أو الأحكام: يأبى عدل الله إلا أن يظهر الأخيار، ويبعد الأشرار، لذا أكد سبحانه وتعالى في هذه الآيات التنويه بإيمان المؤمنين من أهل الكتاب، فإنهم آمنوا بالإسلام، وصدقوا بالقرآن، ورغبوا في دين الله ورسخوا فيه. وقاموا بالأعمال الصالحة، فأصلحوا أنفسهم، وجاهدوا في إصلاح غيرهم، وقاوموا دعوة الفساد والانحراف، فاستحقوا الاتصاف بالصالحين، والوصف بالصلاح هو غاية المدح والثناء، بدليل مدح إسماعيل وإدريس وذي الكفل بهذا الوصف، فقال تعالى: وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا، إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [الأنبياء 21/ 86] وقال عن سليمان: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل 27/ 19] . وهذا هو واجب الإنسان العاقل في هذه الحياة، فلا قيمة لحياة دون عقيدة صحيحة، ولا مدنية لإنسان دون العمل الصالح، ومحاربة ألوان الفساد. وسيجد العامل الصالح ثمرة عمله، ويجازى بأوفر الجزاء، ويشكر عليه، ولن يجحد ثوابه، وقد سمى الله في آية أخرى إثابته للمحسنين شكرا في قوله: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء 17/ 19] ، وسمى نفسه شاكرا في قوله: فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة 2/ 158] ، وعبر تعالى هنا عن عدم الإثابة بالكفر.
ضياع أعمال الكافرين يوم القيامة [سورة آل عمران (3) الآيات 116 إلى 117] :
ضياع أعمال الكافرين يوم القيامة [سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) الإعراب: كَمَثَلِ رِيحٍ: خبر المبتدأ وهو مثَلُ ما يُنْفِقُونَ فيها صِرٌّ: في موضع جر لأنها صفة ريحٍ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلَمُوا أَنْفُسَهُمْ: جملة في موضع جر صفة لقوم. البلاغة: كمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ: أي باردة: تشبيه تمثيلي، شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون به وجه الله، بالزرع الذي أصابته الريح الباردة، فذهب حطاما (الكشاف: 1/ 344) . المفردات اللغوية: لَنْ تُغْنِيَ: لن تجزئ وتنفع كمثَلُ ما يُنْفِقُونَ: أي صفة إنفاق الكفار صرٌّ أو صرّة: برد شديد حرْثَ: زرع ظلَمُوا أَنْفُسَهُمْ: بالكفر والمعصية. المناسبة: هذه الآيات وعيد للكفار وإحباط لآمالهم بأنهم لن يجدوا يوم القيامة
التفسير والبيان:
بنفقاتهم فائدة، ولن ترد عنهم عذابا، وذلك بعد أن ذكر في الآيات السابقة أحوال الكافرين وعقابهم، قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم، وهو قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن مصير أعمال الكافرين يوم القيامة، وهم اليهود والمنافقون والمشركون جميعا، فهم بافتخارهم بأموالهم، وإنفاقهم لها فيما يكيد النبي صلّى الله عليه وسلّم ويعاديه في هذه الحياة الدنيا، لن تجزي عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا إذا أراده بهم، وخص الأموال والأولاد بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد لأنهم أقرب أنسابهم إليهم. وأكد تعالى هذه المعنى في آيات كثيرة منها: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [البقرة 2/ 48] ومنها يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء 26/ 88] ومنها فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً، وَلَوِ افْتَدى بِهِ [آل عمران 3/ 91] ومنها: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى [سبأ 34/ 37] . وأولئك هم الملازمون للنار لا ينفكون عنها، وهم دائمون فيها بسبب كفرهم وفساد عقيدتهم. وكما أن أموالهم لا تغني عنهم شيئا، كذلك لا تجديهم أموالهم التي أنفقوها في أغراض الدنيا ولذاتها، أو للرياء والسمعة والمفاخرة، وكسب الثناء والشهرة لأنها لغير وجه الله، وقد يكون منها للصد عن سبيل الله وعن اتباع النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وعداوته ومقاومته. وما مثل أو صفة تلك الأموال التي أنفقوها في غير مرضاة الله، إلا كمثل
فقه الحياة أو الأحكام:
ريح عاتية شديدة البرد أتت على نبات مزروع، فأحرقته وأهلكته، فلم يبق منه شيء، وأعقب على صاحبه الحسرة والندامة، ونظير ذلك قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان 25/ 23] وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور 24/ 39] . وهكذا يمحق الله ثواب وثمرة أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا، كما يذهب ثمرة زرع بذنوب أصحابه، وما ظلمهم الله بهذا بأن لم يقبل نفقاتهم بل جازاهم على عملهم الشر بالشر، وكانوا هم الظالمين أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى 42/ 40] . وسبب إحباط أعمال الكفار يوم القيامة ولو كانت صدقة في الخيرات، هو فقد الإيمان، وبناؤهم العمل على قاعدة الكفر، وتركهم النظر في الدلائل الموصلة إلى الحق والصواب. فإن توافر الإيمان، وصح اليقين، وكان الإنفاق بقصد وجه الله تعالى، لا للرياء والسمعة، كان مقبولا عند الله، لقوله تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة 5/ 27] . فقه الحياة أو الأحكام: إن الكفر أساس بلاء الإنسان في الآخرة، وهو سبب ضياع ثمرة أعماله التي عملها في الدنيا، فيكون جزاء الكافرين النار خالدين فيها أبدا، ولن تفيدهم نفقاتهم المنفقة في دنياهم إلا الحسرة والندامة، وليس عدم قبول نفقاتهم ظلما من الله لهم، وإنما هم الظالمون لأنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول فكفروا وعصوا ومنعوا حق الله تعالى، وأنفقوا أموالهم رياء وسمعة ومفاخرة، ولم يبتغوا بها وجه الله تعالى. وحالهم حال بؤس وشقاء وقلق واضطراب، فهم كمن يزرع
الثقة بالكفار واطلاعهم على الأسرار وموقفهم الثابت من المؤمنين [سورة آل عمران (3) الآيات 118 إلى 120] :
زرعا تأمّل منه خيرا ونفعا ورزقا يعيش منه طوال العام، فأصابته ريح باردة، فأحرقته، فوقف مبهوتا حائرا، خائب الظن، خائر القوى لا يستطيع فعل شيء، عافانا الله من السوء، وألهمنا الرشد والصواب، وثبت قلوبنا على الإيمان، وجعل أعمالنا كلها ظاهرها وباطنها في سبيله، ومن أجل رضوانه فقط. الثقة بالكفار واطلاعهم على الأسرار وموقفهم الثابت من المؤمنين [سورة آل عمران (3) : الآيات 118 الى 120] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) الإعراب: لا يَأْلُونَكُمْ صفة ل بِطانَةً. خَبالًا تمييز منصوب وَدُّوا وبَدَتِ
البلاغة:
الْبَغْضاءُ : إما صفة بِطانَةً أو جملة مستأنفة ما عَنِتُّمْ ما: مصدرية، وتقديره: ودوا عنتكم، أي هلاككم ها أَنْتُمْ أُولاءِ ها: للتنبيه، وأنتم: مبتدأ، وأولاء: خبر أنتم، تُحِبُّونَهُمْ حال من اسم الإشارة. لا يَضُرُّكُمْ إنما ضمه وإن كان مجزوما لكونه جواب الشرط اتباعا لضمة ما قبله. شَيْئاً منصوب على المصدر. البلاغة: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً استعارة، شبه فيها خواص الرجل بالبطانة، لملازمتهم له ملازمة الثوب للجسم. عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ إما حقيقة تبين وصف المغتاظ والنادم، وإما من مجاز التمثيل الذي يبين شدة الغيظ والتأسف على عدم إذاية المؤمنين. ويوجد مقابلة الحسنة بالسيئة والمساءة بالفرح في آية: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها. ويوجد جناس اشتقاق في لَمَهُمُ وظْلِمُونَ وفي الْغَيْظِ وبِغَيْظِكُمْ وفي تُؤْمِنُونَ وآمَنَّا. المفردات اللغوية: بِطانَةً بطانة الرجل: خاصته الذين يطلعهم على أسراره، مأخوذ من بطانة الثوب: وهي القماش الرقيق الذي يبطن به الثوب من الداخل، وعكسه الظهارة، وهي تستعمل للواحد والجمع، مذكرا ومؤنثا مِنْ دُونِكُمْ: من غيركم لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يقصرون لكم في الفساد، وخَبالًا: منصوب بنزع الخافض وهي مثل قوله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [التوبة 9/ 47] أي فسادا وضررا وَدُّوا تمنوا ما عَنِتُّمْ إيقاعكم في العنت وهو الهلاك والمشقة وشدة الضرر قَدْ بَدَتِ ظهرت الْبَغْضاءُ العداوة لكم مِنْ أَفْواهِهِمْ بالوقيعة فيكم واطلاع المشركين على سركم وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من العداوة. الْأَنامِلَ أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ من شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم، ويعبر عن شدة الغضب أو الندم بعض الأنامل مجازا، وإن لم يكن ثمّ عض قُلْ: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أي ابقوا عليه إلى الموت، فلن تروا ما يسركم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما في القلوب، ومنه ما يضمره هؤلاء. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ إن تصبكم نعمة كنصر وغنيمة تَسُؤْهُمْ تحزنهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ كهزيمة وجدب، يفرحوا بها، وعبر أولا بالمس إشارة إلى أن الحسنة تسوء الأعداء، ولو
سبب النزول:
كانت بأيسر الأشياء، وعبر ثانيا بالإصابة إشارة إلى أن السيئة تفرح الأعداء مهما كانت كبيرة وخطيرة «1» . والحسنة: المنفعة المادية أو المعنوية مثل صحة البدن والفوز بالغنيمة، وانتشار الإسلام، وتألف المسلمين. والسيئة: الفقر والهزيمة والتفرقة. والمعنى: أنهم متناهون في عداوتكم والحقد عليكم، فلا توالوهم واجتنبوهم. وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا الله في موالاتهم وغيرها لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً لا يؤثر عليكم احتيالهم، للإيقاع في المكروه، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ عالم، فيجازيهم به، مثل قوله تعالى: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ وقوله: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري وابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم، يتهاهم عن مباطنتهم، تخوف الفتنة عليهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية. وروي مثل ذلك عن مجاهد. المناسبة: كانت الآيات السابقة في بيان صفات الكافرين من أهل الكتاب والمشركين وعقوباتهم في الآخرة، وفي بيان أحوال المؤمنين وثوابهم. وهذه الآيات تحذير للمؤمنين من عقد الصلات والصداقات العميقة مع الكافرين والمنافقين لأنها تؤدي إلى تسرب الأسرار، والاطلاع على أحوال المسلمين، مما تقضي المصلحة بكتمانه، ويؤدي إلى مخاطر تؤثر على كيان الأمة الإسلامية، وهذا التحذير في غاية الحكمة والتعقل وحماية المصالح العامة العليا، شأن كل أمة لا تأتمن على أسرارها إلا خواصها.
التفسير والبيان:
ولا يصح أن تكون القرابات والصداقات والعهود والمحالفات والجوار والرضاع والمصاهرة وغير ذلك سببا في توطيد الصلات والثقة بالأعداء. التفسير والبيان: أيها المؤمنون بالله ورسوله، وشأن الإيمان السماع إلى الكلام، لا تتخذوا الكافرين من اليهود والنصارى والمنافقين بطانة أي أصدقاء وخواص ومستشارين، تطلعونهم على أسراركم ودخائلكم، لأسباب عديدة هي: 1- لا يقصرون في إضراركم وإفساد أموركم، ما استطاعوا ذلك. 2- يتمنون إلحاق الضرر والمشقة والهلاك بكم في دينكم ودنياكم. 3- يظهرون لكم العداوة والبغضاء أثناء الكلام وعلى صفحات الوجوه وفلتات اللسان، ويكذبون كتابكم ونبيكم. 4- ما تخفي صدورهم من الحسد والحقد والبغضاء للإسلام وأهله أشد وأكثر مما يظهرون. وهذا النهي المطلق الذي له أمثال كثيرة في القرآن الكريم، يوضحه ويقيده آيتا الممتحنة: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة 60/ 8- 9] . فإذا اطمأن الحاكم أو الإمام المسلم إلى موادة غير المسلمين، ووثق بهم، جاز التعاون معهم، كما حدث من عون اليهود للمسلمين في فتوح الأندلس، وكما وقع من القبط، إذ عاونوا المسلمين في فتح مصر. وجاز توظيفهم في أعمال الدولة الإسلامية، فقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجال دواوينه من الروم، وتابعه الخلفاء من بعده على هذا النهج، وأناط العباسيون أعمال الدولة باليهود
والنصارى، وكان كثير من سفراء الدولة العثمانية من النصارى «1» . ثم عاد القرآن محذرا ومنبها المؤمنين قائلا لهم: قد بينا وأظهرنا لكم الدلائل والعبر التي ترشدكم إلى الخير، وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تدركون هذه الحقائق التي ترشدكم إلى الخير، وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تدركون هذه الحقائق التي ترشدكم إلى ضرورة التفرقة بين الأعداء والأولياء. ثم أكد القرآن تحذيره السابق من اتخاذ الأعداء بطانة وموضع سر وثقة لأسباب ثلاثة أخرى، كل منها يستدعي الامتناع عن المودة والمخالطة حال انعدام الثقة وهي: الأول- إنكم تحبون أولئك الكفار، وهم لا يحبونكم وإنما يعادونكم. الثاني- إنكم تؤمنون بالكتب السماوية كلها ومنها كتابهم، وتصدقون بكل الرسل والأنبياء، ومنهم رسولهم ونبيهم، وهم يجحدون بكتابكم ونبيكم. الثالث- إذا لقوا المؤمنين لاطفوهم حذرا على أنفسهم، وقالوا: آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم، وإذا خلوا مع أنفسهم وشياطينهم، أظهروا شدة الغيظ والحقد والعداوة لكم، وتألموا وندموا وعضوا الأنامل على أنهم لا يستطيعون إلحاق الأذى بكم. ويكون عض الأنامل مجازا عن الغيظ والحقد أو الندم. فأنتم مخطئون في موالاة المنافقين والكفار، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، كما قال الزمخشري، ومثل هذه الآية قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [النساء 4/ 104] . ثم أمر الله نبيه محمدا بأن يقول لهم: موتوا بغيظكم، إن الله عليم بذات الصدور، أي مهما كنتم تحسدون المؤمنين، ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومظهر له، ومعل كلمته، ومعز أهل
الإسلام، فموتوا أنتم بغيظكم، والله عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا، بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها. ثم أوضح الله تعالى حالا دالة على شدة عداوتهم للمؤمنين: وهو أنه إذا أصاب المؤمنين نعمة أو خير من خصب أو نصر وتأييد وكثرة وعزة أنصار، ساء ذلك المنافقين وإن أصاب المسلمين شر كجدب أو تغلب الأعداء عليهم- لحكمة إلهية في ذلك كما جرى يوم أحد- فرح المنافقون بذلك. ويلاحظ فرق التعبير البلاغي في القرآن بين جملتي: مس الحسنة وإصابة السيئة، فهم يستاءون عند أدنى مس للحسنة، ولا يفرحون حتى تتمكن الإصابة بالسيئة. ولكن الله تعالى ذكر للمؤمنين العلاج الناجع، وأرشدهم إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، وهو استعمال الصبر، والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه. فإذا صبروا على أداء التكاليف الشرعية، واتقوا ما نهاهم الله عنه، لم يضرهم كيد الكفار واحتيالهم، كما قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق 65/ 2- 3] . والله تعالى عالم محيط علمه بعمل الفريقين، فهو خبير بمكائد الأعداء وخفاياهم، وسيحبطها لهم ويردها في نحورهم، ويجازيهم على أفعالهم، وعليم بالمؤمنين الذين يستعينون بالصبر، ويتمسكون بالتقوى، وهما شرط النجاح والغلبة على الأعداء.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية (118) - آية اتخاذ البطانة «1» إلى أربعة أمور: الأول- تأكيد الزجر عن الركون إلى الكفار، وذلك للآية السابقة: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ. الثاني- نهي المؤمنين أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء مستشارين أمناء في إبداء الآراء المهمة، وإسناد الأمور الخطيرة في الدولة إليهم. أما اتخاذ أهل الكتاب كتبة وموظفين في أعمال الحكومة مما لا يتصل بالقضايا الحساسة للدولة فيظهر من عمل الخلفاء أنه لا مانع منه. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم: من عصم الله تعالى» . الثالث- دل قوله تعالى مِنْ دُونِكُمْ أي من سواكم على أن النهي موجه إلى استعمال غير المسلمين بطانة، لأسباب ذكرتها الآية: وهي: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يقصّرون في إفساد أموركم ووَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي ودّوا عنتكم أي ما يشق عليكم، والعنت: المشقة وقَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواهم ووَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم. الرابع- في هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا تجوز، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز، وروي عن أبي حنيفة جواز ذلك. ودلت الآية (119) : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ أي المنافقين من أهل
الكتاب، بدليل قوله تعالى: وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا: آمَنَّا على عدم التكافؤ في المواقف بين المسلمين والمنافقين، فالمسلمون يصافونهم، وهم لا يصافون المسلمين لنفاقهم، وهي أيضا بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء، والحال أن المسلمين يؤمنون بكتاب الكتابيين كله، وهم مع ذلك يبغضون المسلمين، فلم يحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابهم؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب من المسلمين في حقهم! وأما قوله: قُلْ: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ فهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد بزيادة الغيظ: زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، وما لهم في ذلك من الذل والخزي والخسران. وربما يكون المعنى: أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك، فيزول معنى الدعاء، ويبقى معنى التقريع والإغاظة، كما في قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ، ثُمَّ لْيَقْطَعْ، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ [الحج 22/ 15] . وذكرت الآية (120) سببا آخر لعدم اتخاذ الأعداء بطانة: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ.. والمعنى من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة، لا سيما في الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة. لكن يلاحظ أن هذا فيمن كانت حاله مثل المنافقين في صدر الإسلام، بدليل أن المذاهب الأربعة أجازت الاستعانة بالكفار في القتال، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، أو عند الحاجة في رأي الشافعية «1» .
غزوة أحد تنظيم الجيش الإسلامي والتذكير بالنصر في غزوة بدر [سورة آل عمران (3) الآيات 121 إلى 129] :
ودل قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا على ترغيب المسلمين بالتزام الصبر في القيام بالتكاليف الشاقة وتنفيذ الأوامر الإلهية، والاعتصام بتقوى الله بالابتعاد عما نهى الله عنه وحظر منه، فإن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيد الأعداء شيئا. وقد جرت سنة القرآن أن يذكر الصبر في كل مقام يشق على النفس احتماله، والموقف هنا يتطلب الصبر على عداوة الكافرين واتقاء شرهم، حتى يأذن الله بالفرج القريب والنصر العاجل، والله محيط بأعمالهم، وهو القادر على أن يمنعهم مما يريدون بالمسلمين، فلا بد من الثقة بالله والتوكل عليه. غزوة أحد تنظيم الجيش الإسلامي والتذكير بالنصر في غزوة بدر [سورة آل عمران (3) : الآيات 121 الى 129] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)
الإعراب:
الإعراب: وَإِذْ غَدَوْتَ إذ متعلق بفعل مقدر، تقديره: واذكر إذ غدوت. إِذْ هَمَّتْ متعلق بعليم من الآية السابقة، أي: يعلم إذ همت. إِذْ تَقُولُ إما متعلق بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ أو بدل من إِذْ هَمَّتْ ولا يجوز أن يبدل من: نصركم لأن النصر كان يوم بدر، وإذ همت كان يوم أحد، أو متعلق بفعل مقدر تقديره: اذكروا. أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ أن وما بعدها في تقدير المصدر فاعل يكفيكم أي إمداد ربكم. وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ الهاء في بِهِ فيها خمسة أوجه: إما أن تعود على الإمداد، أو على المدد، أو على التسويم من مُسَوِّمِينَ أو على الإنزال من مُنْزَلِينَ أو على العدد الذي دل عليه: خمسة آلاف وثلاثة آلاف. ولام لِتَطْمَئِنَّ: لام كي، والفعل منصوب بها بتقدير: أن. لِيَقْطَعَ طَرَفاً اللام إما متعلق بفعل دل عليه الكلام، تقديره: ليقطع طرفا: نصركم، أو متعلق بيمددكم، أو متعلق بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ على نية التقديم، وقوله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ وما بعده اعتراض. أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إما بمعنى «إلا أن يتوب» وإما عطف على قوله لِيَقْطَعَ وتقديره: ليقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم. البلاغة: إِذْ تَقُولُ أتى بالمضارع لحكاية الماضي بطريق استحضار الصورة في الذهن. أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ الإتيان بصفة الربوبية وإسنادها للمخاطبين لإظهار كمال العناية بهم. يَغْفِرُ ويُعَذِّبُ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: غَدَوْتَ خرجت في الغداة: وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. تُبَوِّئُ تهيأ وتنزل مَقاعِدَ مراكز وأماكن يقفون فيها. إِذْ هَمَّتْ بنو سلمة وبنو حارثة جناحا العسكر. والهم: حديث النفس واتجاهها إلى شيء. أَنْ تَفْشَلا تجبنا وتضعفا، لما رجع عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ وقال لأبي جابر السلمي القائل له: «أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم» : لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ فثبتهما الله ولم ينصرفا. وَلِيُّهُما ناصرهما. فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ليثقوا به دون غيره، والتوكل: الاعتماد على الله في كفاية الأمور. أَذِلَّةٌ واحدها ذليل: وهو من لا منعة له ولا قوة، وقد كان المسلمون في بدر قليلي العدد والسلاح يَكْفِيَكُمْ الكفاية مرتبة دون الغنى، وهي سد الحاجة يُمِدَّكُمْ يعينكم، والإمداد: إعطاء الشيء حالا بعد حال مُنْزَلِينَ بكسر اللام، ويقرأ بالتخفيف والتشديد. بَلى كلمة للجواب مثل نعم، ولكنها لا تقع إلا بعد النفي، وتفيد إثبات ما بعده، أي نعم يكفيكم ذلك، فأمدهم بألف أولا، ثم صارت ثلاثة، ثم صارت خمسة. إِنْ تَصْبِرُوا على لقاء العدو. وَتَتَّقُوا الله في المخالفة. وَيَأْتُوكُمْ أي المشركون. مِنْ فَوْرِهِمْ وقتهم أو ساعتهم، والفور: الحال السريعة التي لا إبطاء فيها ولا تراخ. مُسَوِّمِينَ بكسر الواو بمعنى معلمين أنفسهم أو خيلهم، أو بفتح الواو، فكانت عليهم علامات تميزهم، فإنهم صبروا، وأنجز الله وعده، بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق، عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي الإمداد. إِلَّا بُشْرى لَكُمْ بالنصر. وَلِتَطْمَئِنَّ تسكن. قُلُوبُكُمْ بِهِ فلا تجزع من كثرة العدو وقلتهم، فإن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء، وليس بكثرة الجند. لِيَقْطَعَ متعلق بنصركم، أي ليهلك طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر. أَوْ يَكْبِتَهُمْ يذلهم بالهزيمة. فَيَنْقَلِبُوا يرجعوا. خائِبِينَ لم ينالوا ما راموا. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بل الأمر لله فاصبر إلى أن يتوب عليهم بالإسلام أو يعذبهم بظلمهم بالكفر. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا. سبب النزول: نزول آية وَإِذْ غَدَوْتَ في غزوة أحد، أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف، أي خالي: أخبرني عن قصتكم يوم أحد، فقال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا، أي من قوله: وَإِذْ
سبب نزول قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء:
غَدَوْتَ ... إلى قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً أي وما بعد ذلك بمقدار ستين آية. سبب نزول قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ: روى أحمد ومسلم عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد كسرت رباعيته، وشج رأسه، حتى سال الدم على وجهه، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. وروى أحمد والبخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: اللهم العن فلانا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت الآية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ إلى آخرها، فتيب عليهم كلهم. وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه. قال الحافظ ابن حجر: طريق الجمع بين الحديثين: أنه صلّى الله عليه وسلّم دعا على المذكورين في صلاته بعد ما وقع له من الأمر المذكور يوم أحد، فنزلت الآية في الأمرين معا فيما وقع له، وفيما نشأ عنه في الدعاء عليهم. الخلاصة: إن الآية نزلت في قصة أحد، ويمكن أن تشمل حوادث أخرى وقعت بعدها. وأما ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة من الكف عن الدعاء على رعل وذكوان بعد نزول هذه الآية، ففي الخبر علة وهي الإدراج من قول الزهري عمن بلغه: وهو قوله «حتى أنزل الله» لأن هذه القصة حدثت بعد قصة أحد. ونص رواية مسلم: «أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يقول في الفجر: اللهم العن رعلا وذكوانا وعصية، حتى أنزل الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. ورواية البخاري: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة
المناسبة:
يكبر ويرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد ووطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية، عصت الله ورسوله. ثم بلغنا أنه ترك ذلك، لما نزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ، فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ. المناسبة: لما حذّر الله تعالى من اتخاذ بطانة السوء، ذكر هنا مثالا واقعيا من ميدان المعارك والغزوات، وهو أن سبب همّ الطائفتين بالفشل (الجبن والضعف) هو تثبيط المنافقين لهم بقيادة زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول. روى الشيخان عن جابر قال: فينا نزلت: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل، لقوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما. وقد تحدثت الآيات عن غزوة أحد التي أنزل فيها ستون آية من 121- 180، وجاء في أثنائها الحديث عن غزوة بدر اعتراضا، ليذكّرهم بنعمته تعالى عليهم، حينما نصرهم ببدر وهم قلة. نبذة يسيرة عن غزوتي بدر وأحد: غزوة بدر: حدثت معركة بدر في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، بعد أن تعرض المسلمون لقافلة أبي سفيان القادمة من الشام، التي تحمل الأموال والتجارة، في وسط من قيام حالة الحرب بين المسلمين وبين مشركي قريش بمكة،
بقصد الحصار الاقتصادي، وتعويض المسلمين ما صادره لهم القرشيون في مكة من أموال وعقارات وممتلكات. وقد عزّ على المكيين هذا الحادث، وأحسوا بالخطر على وجودهم، وشعروا بقوة المؤمنين في المدينة، وملأ الحقد والعزة بالإثم صدورهم. فحشدوا قواهم من قبائل العرب، ولم يتخلف من قريش إلا القليل النادر، وكان عددهم ألفا وزيادة، فيهم الفرسان والأبطال وصناديد قريش. فلما سمع بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استشار أصحابه، ثم خرج إليهم مسرعا في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، لم يكن معهم إلا فرسان وسبعون بعيرا، والباقون مشاة ليس معهم من العدد ما يحتاجون إليه. وتقابل الجيشان في بدر: وهي بئر بين مكة والمدينة، كانت لرجل يسمى بدرا، فسمي به الموضع، والأكثر على أنه ماء هنالك، وبه سمي الموضع. وانجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين، وكارثة كبري على المشركين، وكانت معركة حاسمة قررت مصير الفريقين، وأحدثت دويا هائلا بين العرب، فسماها الله تعالى يَوْمَ الْفُرْقانِ فقال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال 8/ 41] . فيها انتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ وأمد الله تعالى فيها المؤمنين بالملائكة يقاتلون مع المسلمين، وظهر فيها مدى ثبات المسلمين وجرأتهم النادرة، واشترك فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم وقاتل- وكان اشتراكه في تسع غزوات- وبرز فيها عنصر الإيمان والعقيدة والتوكل على الله في قلب المعركة وأثناء المشاركة بالسلاح، وتمثل ذلك بدعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم قبيل التحام الصفين فقال: «اللهم، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم نصرك» ورفع يديه إلى السماء، حتى سقط الرداء عن منكبيه ،
غزوة أحد:
فأخذه أبو بكر فرده، ثم التزمه من ورائه يسري عنه، ويشفق عليه من كثرة التضرع والاستغاثة والابتهال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال 8/ 9] . غزوة أحد: اشتد غيظ المشركين بعد معركة بدر على المسلمين، وبدأ أبو سفيان زعيم قريش يؤلب المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجمعوا الأموال، وجهزوا جيشا نحو ثلاثة آلاف مقاتل، فيهم سبعمائة دارع، ومائتا فارس، على رأسهم صفوان بن أمية. فاستشار النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابه، فأشار الشيوخ ومعهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ورأس اليهود في المدينة بالبقاء في المدينة والقتال في شوارعها، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكره الخروج. وأشار الشباب بالحرب، ومعهم رجال لم يشهدوا بدرا، وقالوا: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا. وما زالوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى دخل بيته ولبس وتجهز ووافق الأغلبية رأي القائلين بالحرب، ثم ندم الذين اقترحوا الخروج وقالوا: استكرهناك يا رسول الله! ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد، صلى الله عليك، فقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته- درعه- أن يضعها حتى يقاتل» . فخرج في ألف أو إلا خمسين رجلا من أصحابه، فيهم مائة دارع وفرسان فقط، ونزل الشّعب من جبل أحد (على بعد نحو 3 كم من شمال المدينة) يوم السبت سابع شوال في السنة الثالثة من الهجرة، وجعل ظهره وعسكره إلى «أحد» وسوى صفوفهم، وأجلس جيشا من الرماة وهم خمسون رجلا، وأمرّ عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من
ورائنا، ولا تبرحوا، غلبنا أو نصرنا. وفي (سيرة ابن هشام) : ادفعوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا. وفي (زاد المعاد) : أمرهم بأن يلزموا مركزهم، ولا يفارقوا، ولو رأوا الطير تتخطف العسكر. وكان لواء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع مصعب بن عمير، وعلى أحد الجناحين الزبير بن العوام، وعلى الآخر المنذر بن عمرو، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ولواؤهم مع طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وعلى رماتهم وكانوا مائة: عبد الله بن أبي ربيعة. ورجع زعيم المنافقين مع ثلاثمائة من أصحابه قائلا: أيعصيني ويطيع الولدان: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ [آل عمران 3/ 167] . وكاد بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار ألا يخرجوا إلى أحد، ثم وفقهم الله، فخرجوا، وهو معنى قوله تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما. فلم يبق بعد رجوع المنافقين مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا سبعمائة رجل. ولما التقى الجمعان، قامت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان في نسوة يضربن بالدفوف، ويمشين وراء الصفوف. وقاتل أبو دجانة الذي أخذ السيف من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ووعده بأن يأخذه بحقه، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتالا شديدا، وقتل عددا من الأبطال، ولما قتل مصعب بن عمير أعطى النبي صلّى الله عليه وسلّم الراية لعلي بن أبي طالب، وقتل وحشي غلام جبير بن مطعم حمزة بحربة دفعها عليه، حتى خرجت من بين رجليه، فسقط شهيدا سيد الشهداء. وانهزم المشركون، وسقط لواؤهم من يد طلحة، فحمله ابنه، ثم أخوه،
وكاد النصر يتحقق للمسلمين، لولا أن الرماة على ظهر الجبل خالفوا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وانحدروا يجمعون الغنائم، وفارقوا مكانهم. ففطن خالد بن الوليد لمكان الضعف، فبادر من قناة مع خيل المشركين إلى تطويق المسلمين من أعلى جبل الرماة من الخلف، وانقض مع جيشه يفتك بالمسلمين، وشاع بين الناس أن محمدا قد قتل، فتراجع المسلمون، وهربوا، وأصيب النبي صلّى الله عليه وسلّم بالحجارة، حتى وقع لشقه، فكسرت رباعيته، وشج في رأسه، وجرحت شفته، وسال الدم على وجهه، وغاب حلق المغفر في وجنتيه، وأصيبت ركبتاه، وجعل يمسح الدم ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟!» وأخذ بيده علي ورفعه طلحة حتى قام، ومص مالك بن سنان الدم عن وجهه صلّى الله عليه وسلّم وابتلعه. ثم أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدعو المسلمين في أخراهم، ويقول: «إليّ عباد الله، أنا رسول الله: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ، فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران 3/ 153] . وصار أبو سفيان يقول: يا معشر قريش، أيكم قتل محمدا؟ فقال عمر بن قميئة: أنا قتلته. وكان كعب بن مالك أول من بشر بنجاة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وسلمه الله من أذى المشركين: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة 5/ 67] . ولم يقتل صلّى الله عليه وسلّم في حياته سوى أبي بن خلف الذي تآمر على قتل النبي وفيه نزلت آية: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال 8/ 17] . وكان يوم بلاء شديد على المسلمين، استشهد فيه منهم سبعون رجلا، وعدة قتلى المشركين اثنان وعشرون رجلا. ووجد في ساحة المعركة حمزة سيد الشهداء، وكانت هند بنت عتبة قد بقرت كبده ولاكتها، ولم تستسغها، وصرخ أبو سفيان بأعلى صوته: الحرب
التفسير والبيان:
سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل (صنم عند الكعبة) أي ظهر دينك. ولما انصرف ومن معه قال: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: قولوا له: هو بيننا وبينكم. ثم بحث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن عمه الحمزة، فوجده مبقور البطن، مجدوع الأنف، مصلوم الأذن، فحزن حزنا شديدا، وقال: «لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين منهم» . ثم سجّاه ببردته، وصلى عليه، وكبر سبع تكبيرات، وصف إلى جانبه القتلى، وصلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة. ثم دفن حمزة، وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بدفن بقية القتلى قائلا: ادفنوهم حيث صرعوا. وكان سبب الهزيمة كما تبين مخالفة الرماة أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم وطمعهم في الغنائم، وكانت هذه المعركة محنة للمسلمين، وتمحيصا وتربية للمؤمنين، وتعليما لهم بأن النصر منوط باتخاذ الأسباب، وأن الهزيمة لا تعني نكسة في الإيمان واضطرابا في اليقين، لذا قال تعالى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا ما أَصابَكُمْ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [آل عمران 3/ 153] . وأن البلاء يعم، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال 8/ 25] . التفسير والبيان: اذكر لهم يا محمد وقت خروجك من بيتك غدوة يوم السبت سابع يوم من شوال سنة ثلاث للهجرة تنزل المؤمنين أمكنة القتال، وتعبئ الجيش، فتضع جماعة على جبل الرماة، وآخرين في الميمنة، وأولئك في الميسرة، وتخصص مواضع معينة للفرسان. والله سميع لما قاله المؤمنون فيما شاورتهم فيه، سواء الذين قالوا: «لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا» والذين قالوا: «اخرج بنا حتى نلقاهم في
خارج المدينة» والله عليم بكل نية وفعل، سواء من أخلص القول، وإن أخطأ، ومن نافق وإن أصاب كعبد الله بن أبي وجماعة المنافقين. والله أيضا سميع عليم حين همت طائفتان من الأنصار وهم بنو سلمة من الأوس، وبنو حارثة من الخزرج- وكانتا جناحي عسكر المسلمين ونحو ثلثهم- أن تضعفا وتجبنا عن القتال ولا تخرجا إلى المعركة، حين رأوا تراجع المنافقين، ولكن الله متولي أمورهما لصدق إيمانهما، فعصمهم من الخذلان والذل، وحماهم من الجبن والفرار لأن الهم بالشيء لا يعد معصية بدليل قوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وليثقوا به، وليعتمدوا على تأييده، لا على قوتهم وأنصارهم، بعد اتخاذ الأسباب، وإعداد العدة، وتجهيز الجيش والسلاح الملائم لكل عصر، فإن الإنسان مأمور باتخاذ الأسباب، ثم ترك النتائج والمسببات إلى الله تعالى، فهو تعالى ينصر الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة بإذنه، كما نصر المؤمنين يوم بدر. لذا اقتضى المقام تذكيرهم بنصر الله لهم يوم بدر، لما توكلوا عليه وامتثلوا أوامره وأوامر نبيه، وكانوا قليلي العدد والعدد، إذ كانوا نحو ثلاثمائة والكفار نحو ألف، وليس معهم سوى فرسين، ومع المشركين الخيول والدروع والفرسان والأبطال. فذلك دليل على أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد، وكما قال تعالى يوم حنين: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة 9/ 25- 27] . فاتقوا الله بطاعته واجتناب محارمه، والثبات مع رسوله، والصبر على المشاق، لتشكروا الله أو لتصيروا شاكرين أو لتعدّوا أنفسكم لشكره، فإن الطاعة والصبر والثبات عدة الشكر على النعمة والنصر.
واذكر يا محمد حين تقول للمؤمنين يوم بدر، تعدهم تطمينا، وقد هابوا العدو لكثرتهم: ألن يكفيكم إمداد ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة أنزلهم الله تعالى لقتال الكفار. أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: بلغ النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربيّ يريد أن يمدّ المشركين، فشق ذلك على النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلى المسلمين، فأنزل الله تعالى: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ إلى قوله: مُسَوِّمِينَ فبلغ كرزا الهزيمة، فلم يمدّهم ورجع، فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قد مدّوا بألف. قال قتادة: كان الإمداد بالملائكة يوم بدر، أمدهم الله بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، فذلك قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وقوله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ وقوله: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ فصبر المؤمنون يوم بدر، واتقوا الله، فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة، على ما وعدهم فهذا كله يوم بدر. وكان هذا الإمداد ماديا فعليا من قبيل إمداد العسكر بما يزيد عددهم، وشاركت الملائكة في القتال، وأكد ذلك روايات كثيرة ثابتة في البخاري ومسلم «1» وليس ذلك من قبيل الإمداد المعنوي، كما جنح إليه صاحب (تفسير المنار) وهو رأي قديم لبعضهم إذ قال: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبّحون، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت. والرأي الأول هو ما عليه أكثر
المفسرين «1» . قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا أو مددا. وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، وأنهم قاتلوا الكفار «2» . هذا على القول بأن آية إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ.. هي تذكير بالقول يوم بدر. وقيل عن عكرمة والضحاك: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما صبروا، فلم يمدّهم بملك واحد، ولو أمدّوا لما هزموا. ومجمل القول: اختلف المفسرون في هذا الوعد: إِذْ تَقُولُ.. هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: القول الأول- للحسن البصري وجماعة واختاره الطبري: وهو أنه متعلق بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ. والقول الثاني- لمجاهد وجماعة آخرين: وهو أن هذا الوعد متعلق بقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ.. وذلك يوم أحد، والظاهر القول الأول. ثم ذكر تعالى: بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، ثم وعدهم بزيادة الإمداد إلى خمسة آلاف إن صبروا واتقوا، حثا لهم عليهما، وتقوية لقلوبهم. فإن تصبروا على لقاء العدو، وتتقوا المعاصي، ومخالفة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويأتيكم المشركون من ساعتهم هذه لقتالكم، يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (بكسر الواو وفتحها) أي معلمين أنفسهم أو خيلهم، أو معلمين بعمائم صفر
مرخاة على أكتافهم، كما قال الكلبي، وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها، وعن قتادة: كانوا على خيل بلق. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: تسوّموا، فإن الملائكة قد تسوّمت. والخلاصة: دل القرآن على أنهم أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، في قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ، أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وأما الإمداد بثلاثة آلاف أو بخمسة آلاف فأثبته بعضهم، لكن قال الطبري: ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، وعلى أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أن الله أمدهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف «1» . وأضاف الطبري قائلا: أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدّوا أبين منها في أنهم أمدّوا، وذلك أنهم لو أمدوا، لم يهزموا، وينل منهم ما نيل. وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون، ولإلقاء الطمأنينة في قلوبكم بأن معونة الله ونصرته معكم، أي: أن للإمداد بالملائكة غايتين: 1- التبشير بالنصر على الأعداء، وإدخال السرور على القلوب. 2- تطمين المؤمنين بأن الله معهم وأنه مؤيدهم، فلا يجبنون عن المحاربة. وما النصر الحقيقي إلا من عند الله العزيز: القوي الذي لا يغلب، الحكيم الذي يدبر الأمور على أحكم الخطط وأقوم الوسائل، والذي يعطي النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة.
فقه الحياة أو الأحكام:
حقق الله نصركم يوم بدر وأمدكم بالملائكة ليهلك طائفة من رؤوس الكفر والشرك بالقتل والأسر، فقد قتل يوم بدر سبعون وأسر سبعون من رؤساء قريش وصناديدهم أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، فينقلبوا خائبين غير ظافرين بمبتغاهم، وذلك نحو قوله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ، لَمْ يَنالُوا خَيْراً [الأحزاب 33/ 25] أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا إلى الله أو يعذبهم إن أصروا على الكفر والعداوة، فيكونون ظالمين لأنفسهم. ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها لبيان أن الأمر كله بيد الله، فقال: ليس لك يا محمد من أمر البشر شيء، وما عليك إلا تنفيذ أمري وإطاعتي، وإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا تتألم منهم، ولا تدع عليهم، فربما تاب بعضهم، وقد تاب وأسلم أبو سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية. ثم أكد سبحانه وتعالى أن الأمر بيده، فلله ملك السماء والأرض وما فيهما، وكلهم خلقه وعبيده، يحكم فيهم بما يشاء، فيغفر لمن يشاء المغفرة له، ويعذب من يشاء تعذيبه، بحكمة وعدل، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب من أوليائه، الرحيم بأهل طاعته، فيعفو ويصفح، ويترك العقاب عاجلا أو آجلا. وفي ذلك تعليم للنبي صلّى الله عليه وسلّم ولأمته إذ الأمر كله لله، والكل خاضعون له، لا فرق في ذلك بين ملك مقرّب أو نبي مرسل أو بشر آخر ممن خلق، إلا من سخره الله لمهمة أو أذن له بشفاعة، على وفق السنة الكونية العامة، وبمقتضى المشيئة الإلهية المطلقة، ولحكمة قد لا ندركها إلا يوم القيامة. فقه الحياة أو الأحكام: خلاصة ما دلت عليه الآيات ما يأتي: - لا بد للبشر في كل أمورهم من اتخاذ الأسباب والقيام بواجباتهم المعتادة،
سواء في حال السلم أو في حال الحرب والقتال، ومنها إعداد القوة وتعبئة الجيش وتنظيم المقاتلين. - ومن اتخاذ الأسباب المطلوبة في الظاهر والفعل: إطاعة أوامر الله والقائد، فقد انتصر المسلمون في بدر، وأمدهم الله تعالى بالملائكة فعلا، وشاركوهم في القتال، لما صبروا وثبتوا واتقوا وأطاعوا الله سبحانه، وهزموا في أحد لما خالفوا أوامر النبي صلّى الله عليه وسلّم وتركوا مواقعهم في جبل الرماة، وهذا دليل واضح على أثر التقوى والصبر في غزوتي بدر وأحد، كما أن لهما أثرا في التعامل مع الأعداء، فإن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئا، كما في الآية (120) . - وإنجاز النصر مرهون بنصر الله تعالى ودينه، وتحقيق النتائج إنما هو بيد الله تعالى وحده، ولله الأمر كله، وله ملك السموات والأرض وما فيهن. أما تفصيل دلالات الآيات وأهم الأحداث التي صاحبت غزوتي بدر وأحد فهو ما يأتي: 1- لا بد لكل قائد حربي من وضع خطة استراتيجية للمعركة التي يخوضها مع الأعداء، ولا بد من تنظيم صفوف المقاتلين وترتيب مواقعهم وإنزالهم في أماكن معينة يتم من خلالها لقاء المحاربين، وقد فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك بوصفه قائد الحرب في معركة أحد، كما أشارت الآية: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ... 2- إن صدق الإيمان وإخلاص المقاتلين يعصمان من الوساوس والهم بالشيء وأحاديث النفس، كما عصم الله طائفتي بني حارثة وبني الأوس من الأنصار من التراجع بقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما حين رجع المنافقون إلى المدينة. 3- شارك النبي صلّى الله عليه وسلّم فعلا في القتال في تسع غزوات، منها غزوة أحد، وفيها جرح في وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة
(الخوذة) «1» من على رأسه، وكان الذي رماه في وجهه عمرو بن قميئة الليثي، الذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. 4- كان من كوارث أحد أن قتل حمزة عم النبي صلّى الله عليه وسلّم وسيد الشهداء، قتله وحشي الذي كان مملوكا لجبير بن مطعم، وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمدا جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلّها سود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر. فقال وحشي: أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد. وأما علي ما برز إليه أحد إلا قتله. وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله. وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرّت به قالت: إيها أبا دسمة، اشف واستشف. فكمن له خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين فلما رجع من حملته، ومرّ بوحشي زرقه بالمزراق (رمح قصير) فأصابه فسقط ميّتا، رحمه الله ورضي عنه. قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة، فلاكتها، ولم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت أبياتا مطلعها: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكري 5- دل قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ على أن التوكل على الله من الإيمان. والتوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. وأما في الشرع فليس هو ترك الأسباب، كما زعم قوم، وإنما هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه صلّى الله عليه وسلّم في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من
مطعم ومشرب وتحرز من عدوّ، وإعداد الأسلحة، واستعمال سنة الله تعالى المعتادة «1» . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر، وهو ضعيف: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف» . 6- أرشدت الآيات وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [123- 125] إلى أن الله تعالى نصر عباده المؤمنين في بدر أول لقاء مسلح مع المشركين، فرق الله بين الحق والباطل وسماه «يوم الفرقان» ، وأسفر عن معركة حاسمة بعيدة المدى في التاريخ الإنساني، وأمد الله تعالى به المؤمنين بالملائكة، باعتباره سببا من أسباب النصر، لتطمئن قلوبهم وتتعلق بالله وتثق به، وليمتثلوا ما أمرهم به من اتخاذ الأسباب التي قد خلت من قبل: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب 33/ 62] . أما في الحقيقة فالناصر هو الله تعالى بسبب وبغير سبب: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [يس 36/ 82] . وأما كلمة مُسَوِّمِينَ بكسر الواو اسم فاعل: فمعناها أنهم أعلموا أنفسهم بعلامة، وأعلموا خيلهم، وقال كثير من المفسرين: مسوّمين أي مرسلين خيلهم في الغارة. وأما بفتح الواو اسم مفعول: فالمعنى: معلّمين بعلامات. وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة، فروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما «أن الملائكة اعتمّت بعمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم» ذكره البيهقي عن ابن عباس، وحكاه المهدوي عن الزجاج. وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق «2» . وذلك دليل على اتخاذ الشارة (الهيئة) والعلامة للقبائل والكتائب، يجعلها السلطان لهم، لتتميز كل قبيلة وكتيبة عن غيرها عند الحرب.
7- إن الإمداد بالملائكة يوم بدر كان إمدادا فعليا، لا معنويا، بدليل الثابت في الروايات الكثيرة في السنة النبوية. وقد جعله الله بشرى للمؤمنين بالنصر وتطمينا لقلوبهم، وإهلاكا لأعدائهم. والنصر الحقيقي بسبب أو بغير سبب هو من عند الله القوي الغالب الحكيم الصنع، المدبر لكل الأمور على وفق الحكمة بوضع كل شيء في المحل المناسب له. 8- إن جرح النبي صلّى الله عليه وسلّم في معركة أحد أمر عظيم الوقع والتأثير على النبي نفسه وعلى المؤمنين، لذلك قال كما ثبت في صحيح مسلم حينما جعل يمسح الدم عنه: «كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله تعالى» فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. قال الضحاك: همّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو على المشركين، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآية، علم أن منهم من سيسلم، وقد آمن كثير، منهم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. وروى الترمذي عن ابن عمر قال: وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ فهداهم الله للإسلام، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وعلى أي حال: فهذه الآية لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ دليل قاطع على أن القرآن من عند الله، فهذا تنبيه لرسول الله وإعلام له بأن الأمر كله لله، سواء دعا على المشركين أو لم يدع. 9- بناء على ما ثبت من دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم على جماعة من المشركين في صلاة الفجر، اختلف العلماء في القنوت في صلاة الفجر وغيرها. فمنعه الكوفيون (الحنفية والحنابلة) لما روي في الموطأ عن ابن عمر: «أنه كان لا يقنت في شيء
إرشادات للمؤمنين بفعل الخيرات وترك المنكرات وجزاء الطائعين والعصاة [سورة آل عمران (3) الآيات 130 إلى 136] :
من الصلاة» ولما روى النسائي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدين لم يقنتوا. وأجازه الحجازيون (المالكية والشافعية) لكن الأفضل عند المالكية قبل الركوع، وعند الشافعية بعد الركوع لما روى الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: «ما زال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا» . وروى أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران أن جبريل علّم النبي صلّى الله عليه وسلّم دعاء القنوت وهو دعاء عمر: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ... » إلخ. وروى البيهقي صيغة القنوت بلفظ: «اللهم اهدني فيمن هديت..» إلخ. إرشادات للمؤمنين بفعل الخيرات وترك المنكرات وجزاء الطائعين والعصاة [سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 136] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136)
الإعراب:
الإعراب: أَضْعافاً مُضاعَفَةً: أضعافا حال منصوب من الربا، ومضاعفة: صفة له وَسارِعُوا معطوفة على ما قبلها من القصص عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وأُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الأولى جملة اسمية والثانية فعلية، وهما في موضع جر صفة لجنة. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ: مَنْ استفهام معناه النفي: مبتدأ، ويَغْفِرُ: خبره، وفيه ضمير يعود إلى مَنْ. وإِلَّا اللَّهُ: بدل من ضمير يَغْفِرُ، وتقديره: ما يغفر الذنوب إلا الله. وَجَنَّاتٌ تَجْرِي.. جملة: تجري فعلية في موضع رفع صفة لجنات، والعائد إليها الهاء في تَحْتِهَا. خالِدِينَ فِيها حال من أولئك، أي مقدرين الخلود فيها. وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ونعم أجر العاملين الجنة، وحذف لدلالة الكلام المتقدم عليه. البلاغة: أَضْعافاً مُضاعَفَةً جناس اشتقاق. لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا مجاز مرسل، سمي الأخذ أكلا لأنه يؤول إليه. عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ تشبيه بليغ حذف منه أداة الشبه، أي كعرض السموات والأرض. سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ أي إلى موجب مغفرة، تسمية للشيء باسم سببه. السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فيه طباق. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ استفهام يقصد منه النفي أي لا يغفر. أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ الإشارة بالبعيد للدلالة على علو منزلتهم. وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ حذف منه المخصوص بالمدح أي ونعم أجر العاملين الجنة. المفردات اللغوية: أَضْعافاً مُضاعَفَةً بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب، وضعف
سبب النزول:
الشيء: مثله، وهذه المضاعفة: إما في الزيادة فقط التي هي الربا، وإما بالنسبة إلى رأس المال كاستدانة مائة بثلاثمائة وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الربا بأن تجعلوا لأنفسكم وقاية من عذابه تُفْلِحُونَ تفوزون وَاتَّقُوا النَّارَ أن تعذبوا بها أُعِدَّتْ هيئت وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ بادروا إلى الأسباب المؤدية إليها من الأعمال الصالحة، كالصدقة وفعل الخير والتوبة عن الآثام كالربا ونحوه عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي كعرضهما لو وصلت إحداهما بالأخرى، والعرض: السعة، والمراد وصف الجنة بالسعة. السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ السراء: الحال التي تسر، والضراء: الحال التي تضر، وفسرهما ابن عباس باليسر والعسر وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الحابسين والكاتمين له مع القدرة على إمضائه. والغيظ: أشد أنواع الغضب، وهو ألم شديد يحدث في النفس عند الاعتداء على حق مادي كالمال والولد، أو معنوي كالشرف والعرض والكرامة. الْمُحْسِنِينَ الإحسان: الإنعام والتفضل على الغير على نحو لا مذمة فيه فاحِشَةً الفاحشة: الذنب الكبير والفعل القبيح الذي يتعدى أثره إلى الغير كالزنا والغيبة ونحوهما. وظلم النفس: هو الذنب الذي يقتصر أثره على الفاعل كشرب الخمر ونحوه. ذَكَرُوا اللَّهَ تذكروا وعده ووعيده، وأمره ونهيه، وعظمته وجلاله. يُصِرُّوا يداوموا، والمراد شرعا بالإصرار على الذنب: الاستمرار في فعل القبيح دون إقلاع عنه من غير تراجع ولا استغفار ولا توبة وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الذي أتوه معصية. سبب النزول: نزول الآية (130) : أخرج الفريابي عن مجاهد قال: كانوا يبتاعون إلى الأجل، فإذا حل الأجل، زادوا عليهم، وزادوا في الأجل، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً. وأخرج أيضا عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بني النصير، فإذا جاء الأجل قالوا: نربيكم وتؤخرون عنا، فنزلت: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً.
نزول الآية (135) :
نزول الآية (135) : قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت الآية في نبهان التّمّار، وكنيته أبو مقبل، أتته امرأة حسناء، باع منها تمرا، فضمها إلى نفسه وقبّلها، ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية. المناسبة: بعد أن حذر الله المؤمنين من اتخاذ البطانة من غير المسلمين، وبيّن أنهم إن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئا، وذكر مثالا للصبر والتقوى في غزوتي بدر وأحد وما فعله المشركون واليهود، حذر هنا المسلمين من فحش صفة لازمة لليهود والمشركين وهي الربا، واستتبع هذا بيان ألوان من الترغيب والترهيب والإرشادات وثمرة فعل الخير والشر. التفسير والبيان: يا أيها المؤمنون، إياكم أن تأكلوا الربا كما كان الناس يفعلون في الجاهلية، فهو نهي صريح للمؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في قدر الفائدة، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا. وضم الله تعالى إلى هذا النهي لتأكيد تحريم الربا أمر المؤمنين بالتقوى لعلهم يفلحون في الدنيا والآخرة، ثم زاد النهي تأكيدا فتوعدهم بالنار، وحذرهم منها ثم شدد في الأمر بإطاعة الله والرسول، ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات، والمسارعة إلى نيل القربات. وقد أوضحت في الجزء الثالث في تفسير آيات الربا (275- 276،
278- 279) من سورة البقرة أن هذه الآية نزلت في المرحلة الثالثة من مراحل تدرج التشريع في تحريم الربا، وأن قليل الربا ولو 1 وكثيره حرام، وأن الآيات القرآنية التي في سورة البقرة والتي هي آخر الأحكام نزولا دلت على تحريم نوعي الربا: ربا النسيئة (أي الأجل) وربا الفضل (أي الزيادة الحالية) وأن تحريم الربا بنوعيه إنما هو لمصلحة الأمة، لما فيه من خطر على الفرد والجماعة، وأن تحريم ربا الفضل من باب سد الذرائع، أي حتى لا يكون ذريعة يتذرع به إلى ربا النسيئة، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا، سواء كانت المنفعة نقدا أو عينا مادية كثيرة أو قليلة. وربا الجاهلية أو ربا النسيئة هو ما يسمى اليوم في المصارف الربوية بالربا الفاحش أو الربح المركب أو الفائدة المركبة مع مرور الزمن، وهو محرم قطعا بنص القرآن الكريم، وأما التقييد بالأضعاف المضاعفة في الآية فهو قيد لبيان الواقع وتصوير للحالة التي كان عليها الناس في الجاهلية، وتشنيع عليهم بأن في هذه المعاملة ظلما صارخا واستغلالا واضحا لحاجة المدين. ولا يعني هذا التقييد أصلا أن الربا اليسير حلال، وأن الحرام هو الربا الفاحش فقط، فذلك ليس مرادا من الآية، فالربا قل أو كثر هو حرام وكبيرة من الكبائر، وليس لهذا القيد أي مفهوم. ولا يبلح الربا بحال إلا للمضطر في حدود الضرورة القصوى، مثل الإقدام على أكل الميتة، كأن غلب على ظنه الوقوع في الهلاك جوعا، أو تعرض للعيش في الشارع بلا مسكن يأوي إليه، أما الاقتراض بفائدة للتوسع في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، فهو حرام، إلا إذا كان مهددا بغالب الظن بالإفلاس أو تلف المحصول الزراعي، فهو حرام، إلا إذا كان مهددا بغالب الظن بالإفلاس أو تلف المحصول الزراعي، ولم يجد أحدا يقرضه القرض الحلال، فله الاقتراض بفائدة بقدر إنقاذ نفسه من الضائقة المستحكمة لأن الضرورة تقدر بقدرها. ومما يبشر بخير في ظاهرة الصحوة الإسلامية الحالية نجاح مؤسسات المصارف
وشركات التأمين الإسلامية التي تقوم على أساس عقود المضاربة والمرابحة والضمان وغيرها مما أباحه الفقهاء، وليس فيه الربا الحرام أو الغرر والمقامرة المحرمان شرعا. وأكد الله تعالى النهي عن الربا بالأمر بتقوى الله فيما نهينا عنه من الأمور، ومنها الربا، لنحقق لأنفسنا الفوز والفلاح في الدنيا بالتعاون والتراحم المؤديين إلى المحبة، والمحبة أساس السعادة، وفي الآخرة بالظفر برضوان الله وبالجنة. وزاد النهي تأكيدا بالتحذير مما يؤدي إلى النار، ومنه الربا، تلك النار التي هيأها الله للكافرين ومنهم المرابون، فإذا لم يمتثلوا جانب التقوى واتقاء المعاصي، صاروا في عداد أهل النار، روي عن أبي حنيفة رحمه الله: إن هذه أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتّقوه في اجتناب محارمه. وقد عرفنا في سورة البقرة أن الله تعالى أعلن الحرب والعداوة من الله ورسوله على أكلة الربا. ثم شدد تعالى في النهي تشديدا بليغا، فأمر بإطاعة الله ورسوله فيما نهى عنه الله ورسوله من أخذ الربا، كي يرحم الناس في الدنيا بصلاح حالهم، وفي الآخرة بحسن الجزاء على أعمالهم. ثم أمر عز وجل بالمبادرة إلى ما يوجب مغفرة الذنوب ودخول الجنان الواسعة الفسيحة التي أعدها الله للمتقين، وهذا دليل على أن الجنة مخلوقة الآن. روى الإمام أحمد في مسنده: أن هرقل كتب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم: إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟» أي أنه إذا دار الفلك كان النهار في جانب من العالم، والليل في الجانب الآخر، فكذا الجنة في ناحية العلو، والنار في جهة السفل، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار. ويمكن أن يكون
المعنى: أنه لا يلزم إن عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل، قال ابن كثير: وهذا أظهر لحديث أبي هريرة عند البزار قال: جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أرأيت قوله تعالى: جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار؟ قال: «أرأيت الليل إذا جاء، لبس كل شيء، فأين النهار؟» قال: حيث شاء الله، قال: «وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل» . هذه أربعة تأكيدات للتّنفير من الرّبا: اتّقوا الله، اتّقوا النّار، أطيعوا الله، أطيعوا الرّسول. ثمّ رغب تعالى بفعل الخير بعد التّرهيب، فأمر بالمبادرة إلى فعل الطاعات كالصدقة والصّلة والتّراحم والتّعاون والبعد عن الآثام كالرّبا ونحوه، وتلك الأعمال الخيرية هي التي تجعل المجتمع الإسلامي متراحما سعيدا مطمئنا لا أحقاد فيه ولا صراعات ولا حسد ولا بغض ولا كراهية بين الفقراء والأغنياء. ثم ذكر الله تعالى أوصاف أهل الجنة، وهي: 1- الذين ينفقون في السّراء والضراء، أي في الشدة والرّخاء، والمنشط والمكره، والصّحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [البقرة 2/ 274] ، والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البرّ، وجاء في الحديث عند أحمد والشيخين عن عدي: اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة» . والأمر بالإنفاق له هدفان: الأول- أنّ الصدقة عون المحتاج وأخذ بيده إلى طريق الكفاية، والرّبا استغلال الغني حاجة الفقير، لذا قال تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، فَأُولئِكَ هُمُ
الْمُضْعِفُونَ [الرّوم 30/ 39] ، وقوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة 2/ 276] . الثاني- أنّ الإنفاق في مختلف الأحوال يسرا وعسرا وغيرهما أدلّ على التّقوى، وأعون على سدّ الحاجات المتكررة، بنحو تدريجي بطيء، فلا يكون فيه إرهاق على المنفق، ولا إهمال للمحتاج حتى يصير في أدنى درجات الحاجة، والحكمة تقول: «أعط القليل فالحرمان أقل منه» . وحبّ الخير وتذكّر الآخرة هو الذي يحرّك في الإنسان عاطفة الرّحمة، وداعية البذل لإنفاق القليل الدائم، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع، والقليل إذا اجتمع من الأفراد والجماعات صار كثيرا محققا للمطلوب، لذا قال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها، سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [الطلاق 65/ 7] . 2- والكاظمين الغيظ أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموا، فلم يعملوه مع القدرة على إمضائه وإنفاذه، لا عن ضعف وعجز، قال عليه الصّلاة والسّلام: «ليس الشديد بالصّرعة، لكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» «1» . وروى أحمد أيضا أن حارثة بن قدامة السعدي قال: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب» . وطريق علاج الغضب ما رواه أحمد وأبو داود عن عطية بن سعد السعدي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» . وروى عبد الرّزاق عن أبي هريرة أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه، ملأ الله جوفه أمنا وإيمانا» .
وأثر عن عائشة رضي الله عنها أن خادما لها أغاظها فقالت: لله درّ التّقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء. 3- والعافين عن الناس أي الذين يتسامحون ويعفون عمن أساء إليهم مع القدرة على ردّ الاعتداء، وتلك منزلة ضبط النفس التي تدلّ على سعة العقل ورجاحة الفكر وقوة الإرادة ومتانة الشخصية، وهي أرقى من كظم الغيظ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة، وهذا مثل قوله تعالى: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى 42/ 37] ، وروى الحاكم والطبراني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سرّه أن يشرف له البنيان، وترفع له الدّرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه» «1» . وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربّكم، وخذوا أجوركم، وحقّ على كلّ امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة» . وفي هذا إشارة إلى عفو النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن الرّماة الذين خالفوا أمره في غزوة أحد، وإلى تركه مجازاة المشركين بما فعلوه بحمزة رضي الله عنه حين قال- وقد رآه مثّل به كما جاء في السيرة-: «والذي نفسي بيده لأمثّلنّ بسبعين منهم» . 4- والله يحبّ المحسنين: الذين يقابلون الإساءة بالإحسان، إما بإيصال النّفع لمن أساء، وإما بدفع الضّر عنه في الدّنيا بألا يقابل الإساءة بمثلها، أو في الآخرة بالعفو عماله عند النّاس من الحقوق. وهذه مرتبة هي أعلى المراتب السابقة. أخرج البيهقي أنّ جارية لعلي بن الحسين رضي الله عنه جعلت تسكب عليه الماء، ليتهيأ للصّلاة، فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه، فقالت: إن الله يقول: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال لها: قد كظمت غيظي،
قالت: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: قد عفا الله عنك، قالت: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال: اذهبي فأنت حرّة لوجه الله تعالى. 5- والذين إذا فعلوا فاحشة، أي ذنبا يتعدّى ضرره إلى الغير كالزّنى والرّبا والسّرقة والغيبة ونحوها، أو ظلموا أنفسهم أي فعلوا ذنبا يقتصر ضرره عليهم كشرب الخمر ونحوه، ذكروا وعد الله ووعيده، وعظمته وجلاله، فرجعوا إليه تائبين مستغفرين لذنوبهم، طالبين رحمته. علما- وهذه جملة اعتراضية- بأنه لا يغفر الذنوب إلا الله، ومن فضله وإحسانه وكرمه أنه يعفو عن المسيء، ويتجاوز عن المذنب مهما عظمت الذنوب، غير الشرك، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] ، وقال أيضا: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف 7/ 156] . وشرط قبول التوبة: عدم الإصرار على الذّنب، وهذا قوله: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمرّوا على المعصية ويصرّوا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذّنب تابوا منه، كما قال الحافظ أبو يعلى في مسنده، فإنه مع أبي داود والترمذي والبزار في مسنده رووا عن أبي بكر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أصرّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» «1» . وهم يعلمون أن الذي أتوه معصية، ويذكرون ذنوبهم فيتوبون منها، وأن من تاب تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [التوبة 9/ 104] ، وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء 4/ 110] .
فقه الحياة أو الأحكام:
ثم أبان الله تعالى بعد وصف المتّقين بالأوصاف السابقة: أن أولئك المتّقين الموصوفين بهذه الصّفات جزاؤهم مغفرة من ربّهم على ذنوبهم، وأمن من العقاب، ولهم ثواب عظيم عند ربّهم في جنّات تجري من تحتها الأنهار، أي من أنواع المشروبات، وهم خالدون فيها أي ماكثون فيها، ونعم هذا الجزاء على تلك الأعمال الصالحة وهو الجنة، فهو تعالى يمدح الجنة، وحقّ له المدح، ففيها النعيم الأبدي المطلق، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات (130- 132) على تحريم الرّبا من نواح أربعة: النّهي عنه لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا واتّقاء الله في أموال الرّبا فلا تأكلوا، والوعيد لمن استحلّ الرّبا بالنّار، ومن استحلّ الرّبا فإنه يكفر، والأمر بإطاعة الله في تحريم الرّبا، وإطاعة الرّسول فيما بلّغ الناس من التّحريم، كي يرحمهم الله. قال مجاهد: كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حلّ الأجل زادوا في الثّمن على أن يؤخّروا، فأنزل الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً. قال القرطبي «1» : وإنما خصّ الرّبا هنا من بين سائر المعاصي لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة 2/ 279] ، والحرب يؤذن بالقتل فكأنه يقول: إن لم تتّقوا الرّبا هزمتم وقتلتم، فأمرهم بترك الرّبا لأنه كان معمولا به عندهم. ودلّت عبارة أَضْعافاً مُضاعَفَةً المؤكّدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حالة التّضعيف خاصة، فإنهم كانوا يكرّرون التّضعيف عاما بعد عام.
ودلّت آية وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ على أنّ النّار مخلوقة، ردّا على الجهمية لأنّ المعدوم لا يكون معدّا. وأرشدت آية وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ إلى وجوب المبادرة إلى ما يوجب المغفرة، وهي الطاعة، وقدم المغفرة على الجنّة لأنّ التّخلي مقدم على التّحلي، فلا يستحقّ دخول الجنّة من لم يتطهّر من الذّنوب أولا. واختلف العلماء في تأويل قوله: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فقال ابن عبّاس: تقرن السّموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط الثياب، ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنّة، ولا يعلم طولها إلا الله. وهذا قول الجمهور. ولم تقصد الآية تحديد العرض، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه. وأشارت آية أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ إلى أن الجنّة مخلوقة موجودة كالنّار، وهذا قول عامّة العلماء. ويؤيده نص حديث الإسرار وغيره في الصحيحين وغيرهما، وحديث أبي ذر عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما السّموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض» . وقالت المعتزلة: إنهما غير مخلوقتين في وقتنا، وإن الله تعالى إذا طوى السّموات والأرض، ابتدأ خلق الجنّة والنّار حيث شاء لأنهما دار جزاء بالثّواب والعقاب، فخلقتا بعد التّكليف في وقت الجزاء لئلا تجتمع دار التّكليف ودار الجزاء في الدّنيا كما لم يجتمعا في الآخرة. ويلاحظ أنه تعالى أمر بالمسارعة إلى عمل الآخرة في آيات كثيرة: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [آل عمران 3/ 133] ، سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [الحديد 57/ 21] ،اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ [البقرة 2/ 148] ، فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة 62/ 9] ، وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين 83/ 26] ، وأما السّعي للدّنيا فذكر بها تذكيرا برفق مثل: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها
[الملك 67/ 15] ، وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ [المزمل 73/ 20] . وفي الآية (134) صفات المتّقين الأبرار: وهي الإنفاق في الرّخاء والشّدة، وفي حال الصّحة والمرض وكظم الغيظ وكتمه وردّه في الجوف دون إنفاذ وإمضاء مع القدرة على ذلك، والغيظ أصل الغضب والفرق بينهما: أن الغيظ لا يظهر على الجوارح (الأعضاء) بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما، ولا بدّ أن يظهر، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم والعفو عن النّاس عند الإساءة، وكل من استحقّ عقوبة فتركت له، فقد عفي عنه، والإحسان بعد الإساءة أعلى المراتب، والإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس كلّ وقت يمكنك الإحسان. ومعنى قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي يثيبهم على إحسانهم. وهذه أصول الفضائل وأمّهات مكارم الأخلاق. ثم ذكر الله تعالى بقوله: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ... صنفا هم دون الصنف الأول، فألحقهم به برحمته ومنّه، وهم التّوابون. ذكر التّرمذي وقال: حديث حسن، وأبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر- وصدق أبو بكر- أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من عبد يذنب ذنبا، ثم يتوضأ ويصلّي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له» ، ثم تلا هذه الآية: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، ذَكَرُوا اللَّهَ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... الآية ، والآية الأخرى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [النساء 4/ 110] . والفاحشة تطلق على كلّ معصية، وقد كثر اختصاصها بالزّنى، حتى فسّر جابر بن عبد الله والسّدّي هذه الآية بالزّنى. وذكر الله: معناه الخوف من عقابه والحياء منه، وذكر العرض الأكبر على الله، والتّفكر في النّفس أن الله سائل عن الذّنب. والاستغفار عظيم وثوابه جسيم، ووقته الأسحار، روى التّرمذي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم،
وأتوب إليه، غفر له، وإن كان قد فرّ من الزّحف» . وروى مكحول عن أبي هريرة قال: «ما رأيت أكثر استغفارا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» . قال علماء المالكية: الاستغفار المطلوب: هو الذي يحلّ عقد الإصرار، ويثبت معناه في الجنان، لا التّلفّظ باللسان. فأما من قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصرّ على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لا حقة بالكبائر. قال الحسن البصري: استغفارنا يحتاج إلى استغفار. وليس أحد يغفر المعصية، ولا يزيل عقوبتها إلا الله تعالى. والباعث على التوبة وحلّ الإصرار: إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنّة، ووعد به المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدّد به العاصين، ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه، فدعا الله رغبا ورهبا، والرّغبة والرّهبة: ثمرة الخوف والرّجاء، يخاف من العقاب، ويرجو الثّواب، والله الموفق للصّواب. وتصحّ التّوبة بعد نقضها بمعاودة الذّنب لأن التّوبة الأولى طاعة وقد انقضت وصحّت، وهو محتاج بعد مواقعة الذّنب الثّاني إلى توبة أخرى مستأنفة، والعود إلى الذّنب وإن كان أقبح من ابتدائه لأنه أضاف إلى الذّنب نقض التّوبة، فالعود إلى التّوبة أحسن من ابتدائها لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذّنوب سواه. ودليل ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فيما يحكي عن ربّه عزّ وجلّ قال: «أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أنّ له ربّا يغفر الذّنب، ويأخذ بالذّنب، ثم عاد فأذنب فقال: أيّ ربّ اغفر لي ذنبي- فذكر مثله مرّتين، وفي آخره: اعمل ما شئت فقد غفرت لك» . ومعنى العبارة الأخيرة وهو الأمر: الإكرام، فيكون من باب قوله: ادْخُلُوها بِسَلامٍ.
ودلّت الآية وهذا الحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذّنب والاستغفار منه، أخرج الشّيخان في صحيحيهما، قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون، فيغفر لهم» وهذه فائدة اسم الله تعالى: الغفار والتّواب. أنواع الذّنوب: الذّنوب التي يتاب منها: إما كفر أو غيره، فتوبة الكافر: إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره، وليس مجرّد الإيمان نفسه توبة. وغير الكفر إما حقّ الله تعالى، وإما حقّ لغيره. فحقّ الله تعالى يكفي في التّوبة منه التّرك، لكن مع القضاء كالصّلاة والصّوم، أو مع الكفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك. وأما حقوق الآدميين: فلا بدّ من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجدوا تصدّق عنهم. فإن كان معسرا فعفو الله مأمول وفضله مبذول. وليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه: أن يتوب منه بعينه، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه. ودلّ قوله: وَلَمْ يُصِرُّوا على أنّ الإنسان يؤاخذ بما وطّن عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية. وهذا يدلّ على أنّ الهم بالمعصية يؤاخذ عليه إن وطّن نفسه عليها «1» . وأما معنى قوله عليه الصّلاة والسّلام في الحديث الصحيح: «من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة» أي لم يعزم على عملها، فإن أظهرها أو عزم عليها عوقب عليها. وفي التّنزيل: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحجّ 22/ 25] عوقبوا قبل فعلهم بعزمهم.
عاقبة المكذبين والمتقين وتوفير العزة للمؤمنين بالجهاد [سورة آل عمران (3) الآيات 137 إلى 141] :
وقوله تعالى: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ.. فيه ترتيب فضل الله وكرمه بغفران الذّنوب لمن أخلص في توبته، ولم يصرّ على ذنبه، وهذا يشمل من فرّ في غزوة أحد، ثم تاب ولم يصرّ، فله مغفرة الله. عاقبة المكذّبين والمتّقين وتوفير العزّة للمؤمنين بالجهاد [سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 141] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) الإعراب: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ الواو إما للعطف، أو للحال فيكون المعنى: ولا تضعفوا ولا تحزنوا، وهذه حالكم. نُداوِلُها جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الأيام. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الواو: إما عاطفة على فعل مقدّر، والتّقدير: لئلا يغترّوا وليعلم الله الذين امنوا، وإما زائدة، أي ليعلم الله. والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
البلاغة: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ التفات من الحاضر في كلمة نُداوِلُها إلى الغيبة، لتعظيم شأن الجهاد في سبيل الله. المفردات اللغوية: قَدْ خَلَتْ مضت سُنَنٌ طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم، واحدها سنة: وهي الطريقة المعتبرة والسّيرة المتّبعة. وَهُدىً من الضلالة أي تبصير وإرشاد إلى طريق الدّين القويم. وَمَوْعِظَةٌ ما يلين القلب ويدعو إلى التّمسك بالطاعة. وَلا تَهِنُوا تضعفوا عن قتال الكفار، من الوهن: الضعف في العمل وفي الرّأي وفي الأمر. وَلا تَحْزَنُوا على ما أصابكم بأحد أو غيرها من المعارك من الهزيمة. والحزن: ألم يعرض للنّفس من فقد ما تحبّ. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ بالغلبة عليهم. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حقّا. قَرْحٌ جهد من جرح بسلاح ونحوه. الْأَيَّامُ المراد هنا أزمنة الفوز والظّفر، واحدها يوم: وهو الزمن المعروف من الليل والنهار. نُداوِلُها نصرّفها بين النّاس، يوما لهؤلاء ويوما لآخرين، ليتّعظوا، كما وقع في يومي بدر وأحد. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ أي ليظهر الله علمه. الَّذِينَ آمَنُوا أخلصوا في إيمانهم من غيرهم. شُهَداءَ واحدهم شهيد: وهو قتيل المعركة. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي يعاقب الكافرين، وأما ما ينعم به عليهم فهو استدراج. وَلِيُمَحِّصَ يطهرهم من الذّنوب ويخلّصهم من العيوب بما يصيبهم. وَيَمْحَقَ يهلك وينقص. سبب النزول: نزول الآية (139) : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا: قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم لا يعلونّ علينا، اللهم لا قوّة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النّفر» فأنزل الله تعالى هذه
نزول آخر الآية (140) :
الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ «1» . سبب نزول أوّل الآية: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ: قال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كئيبا حزينا يوم أحد، جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين، وهي تلدم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أهكذا يفعل برسولك؟ فأنزل الله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ الآية «2» . نزول آخر الآية (140) : وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النّساء الخبر، خرجن ليستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قالا: حيّ، قالت: فلا أبالي يتّخذ الله من عباده الشهداء، ونزل القرآن على ما قالت: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ. المناسبة: إنّ ما حدث في وقعتي بدر وأحد، وجزاء المؤمنين والكافرين هو سنة الله في الخلق مع بيان الحكمة في النصر والانهزام، فالحق لا بدّ أن ينتصر على الباطل مهما طال أمد وجوده، وقد جرى ذلك على أتباع الأنبياء السابقين، كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، كما وعد الله رسله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات 37/ 171- 173] ، وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء 21/ 105] .
التفسير والبيان:
التّفسير والبيان: إن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة وسنن حكيمة، ترتبط فيها الأسباب بالمسببات، والمقدّمات بالنتائج، وإن كان الله قادرا على كلّ شيء، وتلك السّنة في الماضين واللاحقين هي أن من سار على منهاج الطائعين المؤمنين الموفقين، حظي بالسعادة والنّصر والفلاح، ومن سار في طريق العصاة المكذّبين، كانت عاقبته خسرا ودمارا وهلاكا. ففي أحوال السّلم إن سار المرء على الأصول المطلوبة والنّظم العلمية والخبرات المعروفة في شؤون الزراعة والصّناعة والتّجارة وغيرها، نجح وظفر بمراده، وإن كان ملحدا أو وثنيّا أو مجوسيّا. وإن جانب المعقول، وخرج عن المألوف، كان من الخاسرين، وإن كان صالحا تقيّا. وفي أحوال الحرب إن أعدّ القائد العدّة المناسبة في كلّ عصر لقتال العدوّ، كما قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... [الأنفال 8/ 60] ودرّب الجيش على فنون الحرب تدريبا صحيحا عاليا، تحقق النصر والغلبة، وإن أهمل الإعداد والتّدريب، أدركته الهزيمة. ومن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبّر التاريخ وعرف الأخبار، يجد مصداق تلك السّنة الإلهية الثابتة وهي الفوز لمن أحسن، والخيبة لمن أساء. وفي هذا تنبيه لمن أساء وخالف أمر النّبي صلّى الله عليه وسلّم في أحد، وتذكير بأنّ النّصر يوم بدر كان بسبب الثبات وصدق اللقاء وإطاعة الله والرّسول وحسن التّوكل على الله والثقة بقدرته ورحمته وفضله. وهذا كلّه في القرآن بيان صريح للنّاس جميعا، وهداية وموعظة للمتّقين
منهم خاصة، لأنهم المنتفعون بهدي القرآن: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة 2/ 2] ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان 31/ 2- 3] ، إنه بيان الأمور على نحو واضح، وكيف كان الأقدمون مع أعدائهم، وهو زاجر عن المحارم والمخالفات. وذلك يدحض قول المشركين والمنافقين: «لو كان محمد رسولا حقّا لما غلب في وقعة أحد» مما يتبين أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرّسل وسائر الخلق، فما من قائد لا يطيعه جنوده ويخالفون أوامره، إلا كان جيشه عرضة للهزيمة. وإذا عرف المؤمنون هذه الحقيقة فيجب عليهم ألا يضعفوا عن القتال بسبب ما جرى في أحد، وما يجري من مسّ السّلاح، ولا يحزنوا على ما أصابهم من قتل في أحد، فالقتيل شهيد مكرم عند الله يوم القيامة، وتلك الموقعة درس وتربية وتعليم للمسلمين، لذا قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو خيّرت بين الهزيمة والنّصر يوم أحد لاخترت الهزيمة» . وليس لكم أن تضعفوا وتحزنوا، وأنتم الأعلون، والعاقبة والنصر لكم أيها المؤمنون، بمقتضى سنّة الله في جعل العاقبة للمتّقين، وقتلاهم في الجنّة، وقتلى الكافرين في النّار. والمراد بالنّهي عن الوهن والحزن: النّهي عن الاستسلام، والعودة إلى التّأهّب والاستعداد، مع صدق العزيمة، وقوّة الإرادة، وحسن الظّن بالله، والتّوكّل عليه والثّقة بالنّصر. وكيف تضعفون بسبب الآلام والجراح والقتل، فإن كنتم قد أصابتكم جراح، وقتل منكم طائفة في أحد، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح، بل وتعرّضوا لألم أكثر في بدر، فإن هزمتم في أحد، فقد انتصرتم في بدر، والأيّام دول، والحرب سجال، ويوم لكم ويوم عليكم، وذلك كلّه لحكمة، فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحقّ دولة في أيّام، والعاقبة والنّصر في النهاية
للمتّقين المخلصين. جاء في السّيرة أنّ أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد، فمكث ساعة، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وأبو كبشة زوج حليمة السعدية، وهو أبوه من الرّضاع، أين ابن أبي قحافة؟ - أي أبو بكر- أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم، والأيّام دول، والحرب سجال. فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء، قتلانا في الجنّة، وقتلاكم في النّار، فقال: إنكم تزعمون ذلك، فقد خبنا إذن وخسرنا «1» . إن تقلّب الأحوال بين الدّول ليظهر العدل ويستقرّ النظام، ويعلم الناظر في السّنن العامة، وليظهر الله علمه بتحقق إيمان المؤمنين، وانكشاف الصابرين على مناجزة الأعداء، كقوله: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال 8/ 37] أي ليعلم الناس الفرق بينهما ويميزوه، ولذا قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم بعد موقعة أحد لمطاردة المشركين: «لا يذهب معنا في القتال- أي في غزوة حمراء الأسد- إلا من قاتل» فذهب المؤمنون الصّادقون بالرّغم من تعبهم وعنائهم. وقد فسّرنا: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ بأن يظهر الله علمه بذلك للناس بما يعلم به، إذ علم الله بالأشياء ثابت في الأزل، فما يقع يكون مطابقا لعلم الله السابق في الأزل، وعلم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع، فما لا يعلمه الله تعالى لا يكون له حقيقة ثابتة. وليعدّ الله أناسا للشهادة في سبيل الله، فيقتلون في سبيله ويبذلون أرواحهم في مرضاته، فقد فات بعض المؤمنين الاستشهاد يوم بدر، فتمنوا لقاء العدو، ليحظوا بمرتبة الشهادة. وقد كرّم الله الشهداء بالحياة البرزخية، وبالدرجة الموازية للأنبياء، فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران 3/ 169] ، وقال: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ [النساء 4/ 69] .
وبصدد ذلك ذكر أضداد الشّهداء تنويها بإخلاصهم، فقال تعالى: والله يعاقب الظالمين الكافرين، بسبب ظلمهم أنفسهم وفسادهم في الأرض، وبغيهم على الناس، ويعجل زوال دولتهم وسلطتهم، لأن الظلم لا بقاء له. ثم أكّد الله تعالى أنّ المعارك مجالات كشف وإبراز وتطهير، ففيها يتميّز المؤمنون الصادقون عن المنافقين، وبها عرف صدق الإيمان وصلابة العزيمة والثبات عند الابتلاء، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران 3/ 143] ، ففي غزوة أحد تراجع المنافقون ولا ذوا بالفرار، بل إن بعض المؤمنين في أثناء المعركة هرب، وثبت الآخرون حول النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فتبيّن أن تمنيات اللقاء مع العدو مجرد آمال لا قرار ولا ثبات لها، وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف» . ومن فوائد المعارك أيضا تبيان حال الكفار، فهم إن ظفروا كما في أحد بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، فلا بقاء ولا استمرار لهم، ولا ثبات لأحوالهم أمام المؤمنين الصادقين. وإذا هزموا كما في بدر عاجلهم الله بالدّمار والفناء، والعاقبة للمتّقين. وقد وردت آيات كثيرة في معنى هذه الآيات منها: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ، وَزُلْزِلُوا ... [البقرة 2/ 214] ، ومنها: الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت 29/ 1- 2] ، ومنها الآية التالية: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران 3/ 142] .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: موضوع هذه الآيات بتعبير العصر: تقوية الرّوح المعنوية للمؤمنين، وجعلها عالية سامية لا تتأثر ولا تهتز بأحداث المعارك والقتال. وفي تعبير المفسّرين: هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين. وهي تذكرهم بسنّة الله الدّائمة في الكون، وهي ارتباط الأسباب بالمسببات، مع الإيمان بالقدرة المطلقة لله في إيجاد ما يشاء، إنها تذكير بهلاك من كذب قبلنا أنبياءهم كعاد وثمود، والعاقبة أي آخر الأمر للمؤمنين، فإن انتصر المشركون يوم أحد، فهذا إمهال واستدراج، وسيكتب النّصر النهائي للنّبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، وسيهلك أعداؤهم الكافرون. ثمّ عزّى الله المؤمنين وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثّهم على قتال عدوّهم، ونهاهم عن العجز والفشل والقعود عن جهاد الأعداء، فإن الهزيمة أو المصيبة تذكر بضرورة تصحيح الأخطاء، وتهيئ لدراسة عميقة لمستقبل الأحداث، وتخطط لمعارك كثيرة، يكون الماضي خير درس وعبرة فيها، وعندئذ تكون العاقبة بالنصر والظفر للمؤمنين إذا أحسنوا الإعداد، واستفادوا من أخطاء الماضي. وتحقق وعد الله للمؤمنين بأنهم الأعلون أي الغالبون على الأعداء بعد أحد، فكان النّصر والظّفر في المعارك المتوالية، في عهد النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي عهد الصحابة من بعده أيضا. وهذا دليل على فضل هذه الأمّة: لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، فقال لموسى عليه السّلام: إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه 20/ 68] ، وقال لهذه الأمّة: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ. وتداول الأيام بين الناس في الحرب، فيكون النّصر مرّة للمؤمنين لنصر الله عزّ وجلّ، ومرّة للكافرين إذا عصى المؤمنون، إنما هو ليرى المؤمن من المنافق،
فيميز بعضهم من بعض، كما قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا [آل عمران 3/ 166] . ومن فوائد المداولة: إكرام قوم بالشّهادة، فيقتلون، فيكونون شهداء على النّاس بأعمالهم، وليصيروا مشهودا لهم بالجنّة، وللشهادة فضل عظيم، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.. [التوبة 9/ 111] ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ إلى قوله: ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصّف 61/ 10- 12] . وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة» . ودلّ قوله: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ على أن الإرادة غير الأمر، كما يقول أهل السّنة، فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزة وأصحابه، وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة، وأراده، فواقعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده، فامتنع منه، وأشار تعالى لذلك: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التوبة 9/ 46] . وأمر تعالى الجميع بالجهاد، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير، فقعدوا. ودلّ قوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي المشركين على أنه تعالى وإن حقق نصر الكفار على المؤمنين مرة، فهو لا يحبّهم ويعاقبهم، وإن أوقع ألما بالمؤمنين فإنه يحبّهم ويثيبهم. وتتلخّص نتيجة المداولة بين المؤمنين والكفار في الحروب: أن الله شرع اللقاء ليبتلي المؤمنين ويثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم، ويستأصل الكافرين بالهلاك.
عتاب لبعض أهل أحد بقدسية الجهاد وضرورة الثبات على المبدأ وتذكير بأن الموت بإذن الله [سورة آل عمران (3) الآيات 142 إلى 148] :
وللجنة ثمن وبدل ثمين، فهل حسبتم يا من انهزموا يوم أحد أن تدخلوا الجنّة، كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح والقتل، من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟! لا. عتاب لبعض أهل أحد بقدسية الجهاد وضرورة الثبات على المبدأ وتذكير بأن الموت بإذن الله [سورة آل عمران (3) : الآيات 142 الى 148] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)
الإعراب:
الإعراب: أَمْ حَسِبْتُمْ أم هاهنا المنقطعة، لأنها ليس قبلها همزة. وَلَمَّا حرف لنفي ما قرب من الحال. يَعْلَمِ مجزوم بلما، وكسرت لالتقاء الساكنين، ويَعْلَمِ: هاهنا بمعنى يعرف، ولهذا تعدّت إلى مفعول واحد وهو الذين. وَيَعْلَمَ منصوب بتقدير أن، أي لم يجتمع العلم بالمجاهدين والصابرين. أَنْ تَلْقَوْهُ في موضع بإضافة قَبْلِ إليه، والهاء تعود على الموت، وكذا هاء: رَأَيْتُمُوهُ أي رأيتم أسبابه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أَنْ تَمُوتَ أن وصلتها في تأويل مصدر في موضع رفع اسم كان. إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ خبر كان. كِتاباً مُؤَجَّلًا منصوب على المصدر. نُؤْتِهِ مِنْها قرئ بالإشباع وهو أحسن من الاختلاس والإسكان، لأنه الأصل، ثم الاختلاس ثم الإسكان وهو أضعفها. وَكَأَيِّنْ بمنزلة «كم» في الدّلالة على العدد الكثير، وأصلها «أي» أدخلت عليها كاف التّشبيه. رِبِّيُّونَ فاعل مرفوع لقاتل، والجملة في موضع جر صفة لنبيّ. وخبر كَأَيِّنْ مقدر، وتقديره: في الدّنيا، أو في الوجود وما أشبه ذلك. البلاغة: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ يعني الموت، شاهدتموه، فيه ما يسمى بالتخييل: وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيّل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب. وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قصر موصوف على صفة. انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ استعارة، شبّه سبحانه الرّجوع عن الدّين في الارتياب بالرّجوع على الأعقاب. المفردات اللغوية: أَمْ بل. وَلَمَّا لم، لكن لنفي قريب الحصول. يَعْلَمِ علم ظهور. جاهَدُوا الجهاد: تحمّل المشاق ومكافحة الشدائد، وهو يشمل جهاد النفس (الجهاد الأكبر) وجهاد الأعداء بالنفس دفاعا عن الدّين وأهله وإعلاء كلمته (الجهاد الأصغر) ، والجهاد بالمال للدّين والأمة، ومجاهدة الباطل ونصرة الحق.
سبب النزول:
تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي تتمنون الشهادة في سبيل الله. تَلْقَوْهُ تشاهدوا أهواله وتروا مخاطره. رَأَيْتُمُوهُ رأيتم أسباب الموت من لقاء الشجعان ومصاولة الفرسان. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ تتأملون وتبصرون الحال كيف هي، فلم انهزمتم. ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قتل، وقال لهم المنافقون: إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم. انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أصل معناه: رجعتم إلى الوراء، والمراد هنا رجعتم كفارا بعد إيمانكم. وهذه الجملة استفهام إنكاري، أي ما كان محمد معبودا فترجعوا إلى الكفر. إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه. كِتاباً مصدر أي كتب الله ذلك. مُؤَجَّلًا ذا أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر، والأجل: المدّة المضروبة للشيء. وَكَأَيِّنْ كلمة بمعنى كم، تفيد كثرة ما دخلت عليه. رِبِّيُّونَ جماعات كثيرة، واحدهم ربّي: وهو الجماعة. فَما وَهَنُوا وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وهنوا: ضعفوا وجبنوا، والوهن: ضعف يصيب القلب، والضعف: اختلال قوة الجسم، والاستكانة: الاستسلام والخضوع للعدو ليفعل ما يريد. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ يثيبهم، والصبر: احتمال الشدائد وتحمل المكاره. وَإِسْرافَنا الإسراف: تجاوز الحدّ في كلّ شيء، كما قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف 7/ 31] . وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بتقوية قلوبنا على الجهاد وإزالة الوساوس من صدورنا. سبب النزول: نزول الآية (143) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس: أنّ رجالا من الصحابة، كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر، أو ليت لنا يوما كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبلي فيه خيرا، أو نلتمس الشهادة والجنة، أو الحياة والرزق، فأشهدهم الله أحدا، فلم يلبثوا إلا من شاء منهم، فأنزل الله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ الآية.
نزول الآية (144) :
نزول الآية (144) : أخرج ابن المنذر عن عمر، قال: تفرقنا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، فصعدت الجبل، فسمعت اليهود تقول: قتل محمد، فقلت: لا أسمع أحدا يقول: قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والناس يتراجعون، فنزلت هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الرّبيع قال: لما أصابهم يوم أحد ما أصابهم من القرح، وتداعوا نبي الله، قالوا: قد قتل، فقال أناس: لو كان نبيّا ما قتل، وقال أناس: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيّكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به، فأنزل الله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية. وقال عطية العوفي: لما كان يوم أحد، انهزم الناس، فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم، فإنما هم إخوانكم وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب، ألا ما تمضون على ما مضى عليه نبيّكم، حتى تلحقوا به، فأنزل الله تعالى في ذلك: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ.. الآية. وأخرج ابن راهويه في مسنده عن الزّهري: أنّ الشيطان صاح يوم أحد، إن محمدا قد قتل، قال كعب بن مالك: وأنا أول من عرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رأيت عينيه من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية. المناسبة: ما يزال الكلام عن أهل غزوة أحد، ففي الآيات السابقة إرشاد إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأنّ ما أصابهم من المحنة والبلاء، جاء على سنّة الله الثابتة في المداولة بين الناس، ولتمحيص أهل الحق والإيمان، وكان فيها
التفسير والبيان:
تقوية معنوية وتسلية للمؤمنين كي يتربّوا على حبّ الجهاد والتّحلي بالصفات التي ينالون بها النصر. وهذه الآيات تبيّن أن طريق السعادة في الآخرة بالجهاد والصّبر، وفي الدّنيا بالثبات على المبدأ والالتفاف حول النّبي في المعركة، والتضحية والإحسان، وملازمة الحق والعدل والإنصاف. التفسير والبيان: هل ظننتم دخول الجنة وأنتم لم تجاهدوا في سبيل الله، ولم تصبروا في القتال؟ لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا وتختبروا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء. وهذا مثل قوله تعالى: الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت 29/ 1- 2] . ويلاحظ أن أَمْ منقطعة بمعنى بل، ومعنى الهمزة فيها الإنكار. وللجهاد أنواع: جهاد النفس والهوى والشيطان، وخاصة في عهد الشباب، وجهاد العدوّ بالنفس لإعلاء كلمة الله والدّفاع عن البلاد والأوطان، والجهاد بالمال في سبيل الدّين والأمّة والمصلحة العامة، وجهاد الباطل ومدافعته ونصرة الحق. والصبر مطلوب عند أداء التكاليف الشرعية الدائمة والمؤقتة، وطاعة الله والرّسول، وفي وقت البلاء والشدة والمحنة، وعند مقاومة الأعداء. والمراد بنفي العلم من الله عدم ظهوره ووقوعه، فهو دليل على عدم وقوع الجهاد والصبر منكم، أما في الحقيقة فالله يعلم ذلك منذ الأزل، ولكن المراد إقامة الدّليل والبرهان على الناس بصدور ما يوجب لهم الجنة والمغفرة. ثم خاطب الله بعض المؤمنين الذين لم يشهدوا بدرا، وكانوا يتمنون أن
يحضروا مشهدا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر، وهم الذين ألحوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة. فقال الله لهم: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتحترقون عليه، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا. فلما كان يوم أحد ولّى جماعة منهم، فعاتبهم الله على ذلك. روي عن الحسن البصري أنه قال: بلغني أنّ رجالا من أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم لنفعلنّ ولنفعلنّ، فابتلوا بذلك، فلا والله، ما كلّهم صدق، فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ. وتمني الموت: معناه تمني الشهادة في سبيل الله. ولقد تمنى الشهادة جماعة لم يشهدوا بدرا، حتى إذا دارت معركة القتال مع الأعداء في أحد، وشهدوا أسباب الموت من اشتباك الرّماح، وظهور الأسنة، واصطفاف الرجال للقتال، جبنوا وضعفوا، وتركوا رسول الله يتلقى السهام، وهو يدعوهم إلى الوقوف بجانبه، ويدعوهم إلى عبادة الله، وصدق اللقاء والثبات. فمعنى قوله: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي رأيتم الموت، أي أسبابه، معاينين مشاهدين له، حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم، وشارفتم أن تقتلوا. وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه، وقلة ثباتهم عنده. ولما انهزم المسلمون يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدا، وإنما كان ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فشجه في رأسه، فظنّ الكثيرون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد قتل، فأنزل الله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية، أي
له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه، فقد توفي موسى وعيسى عليهما السّلام، وقتل زكريا ويحيى عليهما السّلام، ومع هذا ظلّت ديانتهم كما هي، وأتباعهم متمسكون بها، فعليكم الثبات على الدين والمبدأ كما كنتم ولو مات أو قتل، فالرّسول بشر كسائر الأنبياء، له مهمة تنتهي بانتهاء أجله، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيّ باق لا يموت. ثم أنكر الله تعالى على من حصل له ضعف بأن من يرجع عن دينه والجهاد في سبيل الله ومقاومة الأعداء، فلن يضرّ الله شيئا بما فعل، بل يضرّ نفسه. وسيجزي الله الشاكرين نعمه الذين قاموا بطاعته، وقاتلوا عن دينه، واتّبعوا رسوله حيّا وميّتا بأن يمنحهم من فضله ورحمته في الدّنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم. وكانت هذه تمهيدا لموت النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وتذكيرا لأمثال عمر رضي الله عنه. وهذا يعني أن المصائب التي تحلّ بالإنسان لا مدخل لها في كونه على حق أو باطل. قال أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك في ساعة اشتداد الأزمة على المسلمين في أحد، وحين شاع بين الناس أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قد قتل، وظهر على لسان بعض ضعفاء المؤمنين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ، فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وقال بعض المنافقين: إن كان محمد قد قتل، فالحقوا بدينكم الأول، قال: «إن كان محمد قد قتل، فإن ربّ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه» . ثم قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء» ، ثم شدّ بسيفه، فقاتل حتى قتل رضي الله عنه «1» . وقال البخاري: عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: أنّ أبا بكر
رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسّنح «1» ، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وهو مغطّى (مغشى) بثوب حبرة (برد يمان) ، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه وقبّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها. وقال الزّهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عبّاس أن أبا بكر خرج، وعمر يكلّم الناس، وقال: اجلس يا عمر، قال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ- إلى قوله- وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلّهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. وروى ابن ماجه عن عائشة مثل ذلك «2» . وقال الزّهري أيضا: وأخبرني سعيد بن المسيّب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرقت حتى ما تقلني رجالي، وحتى هويت إلى الأرض. وقال أبو القاسم الطبري بسنده- فيما حدثوا به- عن ابن عبّاس: أنّ عليّا كان يقول في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ: والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل، لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به منّي «3» ؟
ثم أخبر تعالى أنه لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي حددها الله له، ولذا قال: كِتاباً مُؤَجَّلًا أي أثبته الله مقرونا بأجل معين، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فقد يظل الشجاع الذي تعرض لأهوال الحرب حيّا، ويموت الجبان الذي تخبأ في مأواه. وهذا مثل قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [فاطر 35/ 11] ، وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ قَضى أَجَلًا، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام 6/ 2] ، وقوله: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل 16/ 61] . فالأعمار محدودة، والآجال محتومة، والأقدار هي الحاكمة، والله وحده هو المتصرف في كل شيء، فيأذن بقبض كل نفس على وفق علمه دون تأخير ولا تقديم، سواء في الحرب أو في السلم. وفي هذه الآية تشجيع للجبناء، وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، فكيف يسوغ الجبن والضعف ما دام العمر بيد الله، وانقضاؤه بمشيئة الله؟ ثم بيّن الله تعالى غاية البشر: وهي إما إرادة الدّنيا، وإما إرادة الآخرة. فمن قصد بعمله التوصل للدّنيا فقط، ناله منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله من ثوابها وما قسم له من الدّنيا، كما قال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى 42/ 20] ، وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء 17/ 18- 19] ، وآخر هذه الآية يطابق ما هاهنا: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أي سنعطيهم من
فضلنا ورحمتنا في الدّنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم، ونؤتيهم الثواب الأبدي على ترك الانهزام. أما أنتم يا من قصدتم الدنيا وهرعتم لجمع الغنائم وخالفتم أمر نبيكم وقائدكم في أحد، بإمكانكم الحصول على الدنيا، ولكنكم ضيعتم ما يدعوكم إليه نبيكم وهو الدنيا والآخرة. ففي الآية تعريض بهؤلاء الذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، وفيها إشارة بقوله يُرِدْ إلى أن الإرادة الشخصية هي التي تحدد طبيعة العمل من خير أو شر، وهذا مطابق لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما يرويه الشيخان عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» . ثم قال الله تعالى مسليا المؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ... أي أن كثيرا من الأنبياء قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم كثير من أصحابهم الذين آمنوا بهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا هداة معلمين فما ضعفوا بعد ما قتلوا وقتل نبيهم، ولا وهنت عزائمهم عن الجهاد بعدئذ، ولا استسلموا للأعداء، ولا خضعوا للدنيا ومتاعها، ولا ولّوا الأدبار، بل ثبتوا وصبروا بعد قتل نبيهم، كما ثبتوا في حال الحياة، والله يحب الصابرين الذين صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، فهو يديهم ويرشدهم ويثيبهم أجزل الثواب، وهذه نبذة من مفاخر أفعالهم، وتعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين أرادوا الأمان من أبي سفيان. أما محاسن أقوالهم أي الربيين فهي أنهم قالوا عند نزول الكارثة: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا وتجاوزنا أمرك، وثبّت أقدامنا في مواطن الحرب ولقاء العدو، وانصرنا على القوم الكافرين. وطلبهم المغفرة من الذنوب وغيرها مع كونهم ربانيين إشعار لأنفسهم
بالتقصير، وكان دعاؤهم بالاستغفار مقدما على طلب تثبيت الأقدام في أثناء المعركة، بقصد جعل طلبهم إلى ربهم عن تزكية نفس وطهارة وخضوع أقرب إلى الاستجابة. فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر والظفر على الأعداء والعزة وطيب السمعة، وحسن ثواب الآخرة بتحصيلهم رضوان الله ورحمته والقرب منه في دار الكرامة، ونحو ذلك مما أخبر به تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة 32/ 17] وأخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» . ثم وصفهم الله بأنهم محسنون أعمالهم على وفق ما يرضي الله، فهم الذين يقيمون سننه في أرضه، والله يثيبهم على حسن فعلهم. وإنما جمع لهم بين الثوابين لأنهم مؤمنون عملوا الصالحات وأرادوا تحقيق سعادتي الدنيا والآخرة، كشأن المؤمن الصالح: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة 2/ 201] . وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عند الله تعالى. ورتبت أوصافهم بالتوفيق على الطاعة، ثم إثابتهم عليها، ثم تسميتهم محسنين لتوجيه العبد إلى أن ذلك كله بعناية الله وفضله، وتوفيقه وإحسانه. وفي هذه الآية تربية لأصحاب محمد ولفت نظر إلى أنهم أولى بهذا كله، وما عليهم إلا الاعتبار بأحوال أولئك الرّبيين، والصبر على الأعداء كما صبروا، والاقتداء بأعمالهم الصالحة والقول مثلهم، فإن دين الله واحد، وسنته في خلقه واحدة.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أحكام كثيرة لصيقة بنفسية الإنسان وتطلعاته ومواقفه التي يمر بها في الحياة من خوف وضعف، وتردد وإدبار، وانهزام وسطحية في التفكير، بالرغم من وجود أصل الإيمان الذي ينبغي أن يكون مذكرا بالثبات والجرأة والشجاعة والحرص على انتزاع النصر، وقطع طريق العودة إلى سبيل الكفر والكافرين، وعدم التأثر بموت القائد أو النبي لأن الاستقامة أبدية دائمة ليست موقوتة بحياة النبي ولا من أجل شخصية النبي. 1- إن دخول الجنة مرهون بسلوك طريق المجاهدين المخلصين الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح، وضحوا بأنفسهم في سبيل الله. 2- إن الظفر بشرف الشهادة في سبيل الله لا يكون بالأماني والتمنيات، وإنما بالثبات والصبر على الجهاد. وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة بالوصف السابق، لا تمني قتل الكفار لهم، فذلك معصية وكفر، ولا يجوز إرادة المعصية، وهذا هو مراد المسلمين وسؤالهم من الله أن يرزقهم الشهادة، فهم يسألون الصبر على الجهاد، وإن أدى إلى القتل. 3- إن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وإنما يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسول بموت أو قتل، وأما من حاول الردة إلى الكفر بعد الإيمان، فلن يضر الله شيئا، بل يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لغناه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، وسيجزي الله الشاكرين الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. وكل هذه الأحكام عتاب للمنهزمين يوم أحد، وهو درس لأمثالهم. وإن
موقف أبي بكر الصديق يوم وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم أدل دليل على شجاعته وجرأته، فإن الشجاعة والجرأة: هما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلّى الله عليه وسلّم، ففي ثباته واستدلاله بالآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ تثبيت للمؤمنين، وقطع لدابر الفتنة، واستئصال لأوهام ومقالات الجاهلين. وأما تأخر الصحابة عن دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مع أن السنة تعجيل الدفن فلأمور ثلاثة: عدم اتفاقهم على موته، وعدم علمهم بمكان دفنه، حتى أخبرهم أبو بكر بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما دفن نبي إلا حيث يموت» «1» ، واشتغالهم بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، حتى انتهوا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه في مبدأ الأمر، ثم بايعوه في الغد عن رضا واتفاق شامل. ثم نظروا في دفنه عليه الصلاة والسلام وغسّلوه وكفنوه، ثم صلوا عليه فرادى، أخرج ابن ماجه بإسناد حسن صحيح عن ابن عباس: «فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أرسالا «2» يصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحد. 4- إن محمدا بشر كسائر الأنبياء، وهم قد ماتوا، وإن مهمة كل نبي وهي تبليغ الدين تنتهي بتحقيق الغرض المقصود، ولا يلزم من ارتحالهم نقض رسالتهم. وإن المصائب التي تنزل بالإنسان لا صلة لها بكونه على حق أو باطل، فقد يبتلى الطائع بأنواع المصائب، والعاصي بأصناف النعم. 5- الموت أمر حتمي مقضي به في أجل معين لا يتجاوزه ولا يتقدم عنه لحظة، وكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميّت إذا بلغ أجله المكتوب له، وهذا
معنى قوله: كِتاباً مُؤَجَّلًا. وأما معنى قوله بِإِذْنِ اللَّهِ أي بقضاء الله وقدّره. وأجل الموت: هو الوقت الذي في معلومه سبحانه أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم يقتل لعاش، لقوله تعالى: كِتاباً مُؤَجَّلًا إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس 10/ 49] فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت 29/ 5] لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد 13/ 38] . ودلت الآية وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ.. على الحض على الجهاد، وعلى أن الموت لا بد منه، وأن كل إنسان يموت بأجله، والقتيل يموت بأجله. 6- من قصر رغبته وعمله على الدنيا دون الآخرة، آتاه الله منها ما قسم له، ومن جعل رغبته في الآخرة من تضعيف الحسنات لمن يشاء، آتاه الله الآخرة والدنيا معا. 7- دلت آية وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ.. على غاية التجرد والموضوعية والعدالة وإنصاف الحقائق، فليس العمل الصالح والجهاد في سبيل الله والثبات والصبر في الحرب مقصورا على أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكثير من أتباع الأنبياء السابقين كانت لهم مواقف رائعة، وبطولات خارقة، فجاهدوا وقاتلوا، وصبروا وقتلوا، وما لانت لهم قناة، ولا خارت لهم عزيمة، ولا ذلوا ولا خضعوا لما أصابهم في الجهاد، وكان فعلهم هذا مقرونا بقولهم الدال على قوة إيمانهم، وطهارة نفوسهم، وإخلاصهم في طلب رضوان الله، فتضرعوا إلى ربهم وقت الشدة والمحنة وعند لقاء العدو، فاستحقوا إنعام الله عليهم في الدنيا بالنصر والظفر على عدوهم، وفي الآخرة بالجنة، ووصفوا بالإحسان، وأوتوا ثوابا عظيما دائما لا يحده حصر. وفي موقفهم المهيب بالابتهال والتضرع والدعاء والاستغفار دليل على أن إجابة الدعاء تتطلب الإخلاص وطهارة النفس وخشوعها لله، وأن الذنوب
التحذير من طاعة الكافرين [سورة آل عمران (3) الآيات 149 إلى 151] :
والمعاصي من عوامل الخذلان والهزيمة، وأن الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والغلبة. 8- والدعاء المفضل يكون بالمأثور لبلاغته وجمعه معاني كثيرة قد لا يدركها الإنسان، مثل المذكور في دعاء الرّبيين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني» . التحذير من طاعة الكافرين [سورة آل عمران (3) : الآيات 149 الى 151] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) الإعراب: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ أي ناصركم لا تحتاجون إلى نصرة أحد وولايته، مبتدأ وخبر. وقرئ بالنصب على تقدير فعل محذوف هو: بل أطيعوا الله مولاكم. البلاغة: يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي يرجعوكم من الإيمان إلى الكفر، فيه استعارة الرجوع إلى الوراء إلى الرجوع إلى الكفر، بتشبيه الثاني بالأول. ويوجد طباق بين آمَنُوا وكَفَرُوا.
المفردات اللغوية:
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ لم يقل: مثواهم، بل وضع الظاهر مكان الضمير للتغليظ والتهويل. والمخصوص بالذم محذوف: أي بئس النار. المفردات اللغوية: الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي العرب: أبا سفيان وأصحابه، وقيل: اليهود والنصارى، وقال علي رضي الله عنه: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة في أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان خاسِرِينَ الدنيا بانقيادكم للأعداء واستبدالكم ذلة الكفر بعزة الإسلام، والآخرة بحرمانكم من نعيم الله وثوابه ووقوعكم في العذاب. بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ناصركم ومعينكم. وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ أي فأطيعوه دونهم. الرُّعْبَ شدة الخوف التي تملأ القلب، وكان المشركون قد عزموا بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين، فرعبوا ولم يرجعوا بِما أَشْرَكُوا بسبب إشراكهم. سُلْطاناً حجة وبرهانا، والمقصود بما لم ينزل به سلطانا أي حجة على عبادته وهو الأصنام. مَثْوَى مأوى. الظَّالِمِينَ الكافرين. سبب النزول: نزول الآية (149) : قال علي رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم. وعن الحسن البصري رضي الله عنه: إن تستنصحوا اليهود والنصارى، وتقبلوا منهم لأنهم كانوا يستغوونكم ويوقعون لكم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس، يوما له ويوما عليه. وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينكم. نزول الآية (151) : قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة،
المناسبة:
انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك، ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، حتى رجعوا عما هموا به، وأنزل الله تعالى هذه الآية: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. المناسبة: تستمر الآيات في تبيان عظات غزوة أحد والدروس المستفادة منها، فلما أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء، حذّر من طاعة الكافرين وهم مشركو العرب واليهود والنصارى والمنافقون الذين تآمروا على الدعوة الإسلامية بتثبيط عزائم المؤمنين. التفسير والبيان: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، لذا قال: يا أيها المؤمنون إن تطيعوا الذين كفروا بدينكم وجحدوا نبوة نبيكم كأبي سفيان وأصحابه وعبد الله بن أبي زعيم المنافقين وأتباعه، ورؤوس اليهود والنصارى، يردوكم كافرين بعد الإيمان، فتصبحوا خاسرين في الدنيا بذل الكفر بعد عزة الإسلام، وتحكم العدو فيكم، وحرمانكم من متعة الملك والتمكين في الأرض، المذكورين في وعد الله المؤمنين الصادقين: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النور 24/ 55] وخاسرين في الآخرين أيضا بحرمانكم من نعيم الله وثوابه وتعرضكم لعذاب الله وعقابه في النار. فلا تأبهوا بمناصرة وعون الكفار وإغوائهم، فإن الله هو ناصركم ومعينكم، كما في آية أخرى: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال 8/ 40]
فقه الحياة أو الأحكام:
وقد كتب الله العزة لرسوله وللمؤمنين: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون 63/ 8] وجرت سنته في تولي الصالحين وخذلان الكافرين: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [محمد 47/ 10- 11] . ومن مظاهر مناصرته وعونه تعالى للمؤمنين إلقاء الرعب في قلوب الكافرين بسبب إشراكهم بالله، واتخاذهم أصناما وحجارة ومعبودات تعبد من دون الله، لم يقم برهان ولا حجة من عقل أو حس على صحة استحقاقها للعبادة، وكونها واسطة بين الله وخلقه، وحجتهم الوحيدة في عبادتها تقليدهم آباءهم الذين وجدوهم عابدين لها: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف 43/ 23] وهم إنما يعتمدون في واقعهم على الأخيلة والأوهام، والوساوس والهواجس أنها ذات تأثير، مما يؤدي إلى اضطراب قلوبهم وعقولهم، وفساد أفكارهم، وضعف نفوسهم. ومسكنهم في النهاية والآخرة النار بسبب ظلمهم وكفرهم وعنادهم الحق وأهله، وبئس المثوى والمأوى مثواهم ومأواهم فإنهم ظالمون لأنفسهم، وللناس بسوء معاملتهم، وفقد مقومات الحضارة والمدنية عندهم. وهم إن رأوا المؤمنين متمسكين بدينهم، ازداد الشك في أنفسهم، واستمر الخوف والرعب والقلق في نفوسهم. فقه الحياة أو الأحكام: العبرة دائما بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآيات تحذير دائم للمؤمنين من طاعة الكافرين على مختلف أنواع كفرهم، لعداوتهم وحقدهم وغشهم وعدم الثقة بنصحهم وأمانتهم. والمؤمن بقوة إيمانه، وثقة لقائه ربه، واعتقاده بسلطان الله وتأييده
أسباب انهزام المسلمين في أحد وتفرقهم بعد وعدهم بالنصر [سورة آل عمران (3) الآيات 152 إلى 155] :
ونصره، يكون دائما قوي العزيمة، شديد الشكيمة، صلب الإرادة. فإن ظهرت فيه علائم الخوف من الكفرة كان مسلما بالوراثة والاسم الظاهر فقط، وليس مؤمنا حقا. والمشرك والكافر في قلق دائم، واضطراب مستمر، وخوف مستحكم في قلبه وفي أعماق نفسه، إذ إن الكفر لا يلقي في نفسه شيئا صحيحا ثابتا من الطمأنينة والثقة، وإنما هي موروثات وتقاليد يرددها، وعصبية عمياء حجبته عن رؤية الحقائق، وصدّته عن التفكير الصحيح بوحدانية الله وقدرته الشاملة وسلطانه القاهر في الدنيا والآخرة. وآية إلقاء الرعب في قلوب الكفر دليل على بطلان الشرك عقلا وحسا، وعلى سوء أثره في النفس، إذ لا يلقي في النفس الثقة والأمان والطمأنينة، وإنما على العكس يخلق الرعب، وينشر الهلع والخوف في كل وقت. وما أقوى وأشد تأثيرا من تهديدات القرآن وإنذاراته بالنار الحامية للكافرين، ولو غضوا الطرف عنها، فإنهم لا بد سامعون لها. ودل قوله: وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ المنبئ عن المكث الطويل على أنهم خالدون في النار، ولا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يخرجون منها، ولو لراحة وقتية، أو تنفس واستنشاق هواء عليل فترة ما، يرد عليهم نسيم الحياة، وحلاوتها العذبة الرقراقة. أسباب انهزام المسلمين في أحد وتفرقهم بعد وعدهم بالنصر [سورة آل عمران (3) : الآيات 152 الى 155] وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
الإعراب:
الإعراب: أَمَنَةً نُعاساً في نصبهما وجهان: إما أن تكون أَمَنَةً منصوبا بأنزل، ونُعاساً بدلا منه، وإما أن تكون أَمَنَةً مفعولا لأجله، ونُعاساً منصوبا بأنزل. يَغْشى أي النعاس، ومن قرأ بالتاء ردّ إلى الأمنة. وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ مبتدأ وخبر، والجملة منهما حال. والواو: إما واو الحال، أو واو الابتداء، أو بمعنى إذ.
البلاغة:
يَظُنُّونَ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير أَهَمَّتْهُمْ أو في موضع رفع صفة لطائفة. إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ كلّه بالنصب تأكيد للأمر، وبِاللَّهِ: خبر إِنَّ. ومن قرأ بالرفع: فهو مبتدأ، وبِاللَّهِ: خبره، والجملة منهما خبر إِنَّ. وَلِيَبْتَلِيَ لام كي، متعلقة بفعل مقدر دل عليه الكلام وتقديره: وليبتلي ما في صدوركم أوجب عليكم القتال. وَلِيُمَحِّصَ: معطوف على لِيَبْتَلِيَ. البلاغة: يوجد طباق بين يُخْفُونَ ويُبْدُونَ وبين فاتَكُمْ وأَصابَكُمْ. وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تنكير: فضل للتفخيم، وإظهار الْمُؤْمِنِينَ في موضع الإضمار للتشريف. يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظَنَّ وفَتَوَكَّلْ والْمُتَوَكِّلِينَ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إياكم بالنصر. تَحُسُّونَهُمْ تقتلونهم وتستأصلونهم، مأخوذ من حسّه: أذهب القاتل حسّه بالقتل، كما يقال: بطنه: أصاب بطنه. بِإِذْنِهِ بإرادته وأمره وتأييده وعونه. فَشِلْتُمْ جبنتم وضعفتم عن القتال. وَتَنازَعْتُمْ اختلفتم. فِي الْأَمْرِ أي أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمقام في سفح الجبل للرمي، فقال بعضكم: نذهب فقد نصر أصحابنا، وبعضكم قال: لا نخالف أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم. وَعَصَيْتُمْ أمره، فتركتم المركز لطلب الغنيمة. مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ الله. ما تُحِبُّونَ من النصر. وجواب إِذا: دل عليه ما قبل أي منعكم نصره. مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أي الغنيمة. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فثبت حتى قتل كعبد الله بن جبير وأصحابه. ثُمَّ صَرَفَكُمْ ردّكم للهزيمة، وهو عطف على جواب إِذا المقدر. عَنْهُمْ أي الكفار. لِيَبْتَلِيَكُمْ ليمتحنكم ويختبركم، فيظهر المخلص من غيره، والمراد ليعاملكم معاملة من يختبر ويمتحن، وإلا فالله عالم لا يحتاج إلى اختبار. عَفا عَنْكُمْ تاب عليكم لما ارتكبتموه. وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بالعفو. إِذْ تُصْعِدُونَ اذكروا إذ تذهبون في الأرض أو الوادي وتبعدون هاربين. وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي لا تلتفتون لأحد. أُخْراكُمْ آخركم أو من ورائكم يقول: إليّ عباد الله، إلي عباد الله. فَأَثابَكُمْ فجازاكم. غَمًّا بالهزيمة. بِغَمٍّ بسبب غمكم ومضايقتكم للرسول بالمخالفة. والغم: ألم وضيق في الصدر من أمر محرج.
سبب النزول:
أَمَنَةً أي أمنا وهو ضد الخوف. يَغْشى يغطي ويستر. يُبْدُونَ يظهرون. لَبَرَزَ لخرج. مَضاجِعِهِمْ مصارعهم التي قدر قتلهم فيها. لِيَبْتَلِيَ يختبر. ما فِي صُدُورِكُمْ قلوبكم من الإخلاص والنفاق. وَلِيُمَحِّصَ يميز. بِذاتِ الصُّدُورِ عليم بما في القلوب لا يخفى عليه شيء، وإنما يبتلي ليظهر للناس. الْجَمْعانِ جمع المؤمنين وجمع المشركين بأحد، والذين تولوا: هم المسلمون إلا اثني عشر رجلا. اسْتَزَلَّهُمُ أزلهم الشيطان بوسوسته، أي أوقعهم في الزلل والخطأ. بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من الذنوب، وهو مخالفة أمر النبي، فمنعوا التأييد والنصر الإلهي الذي كان وعدهم به ربهم. سبب النزول: نزول الآية (152) : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ... : قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ الآية- إلى قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد «1» . نزول الآية (154) : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ: أخرج ابن راهويه عن الزبير قال: لقد رأيتني يوم أحد، حتى اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا ذقنه في صدره، فو الله، إني لأسمع كالحلم قول معتّب بن قشير: لو كان لنا من الأمر شيء، ما قتلنا هاهنا، فحفظتها فأنزل الله في ذلك: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً- إلى قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. ومعنى قوله: ما قُتِلْنا هاهُنا أي لو كان الاختيار إلينا لم نخرج، فلم
التفسير والبيان:
نقتل، لكنّا أخرجنا كرها. فرد الله عليهم: قُلْ: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ.. الآية، أي أن من قدّر عليه القتل قاده أجله إلى الخروج في مكان فقتل فيه، ولم ينجه قعوده في منزله لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة. التفسير والبيان: والله لقد وفي لكم ربكم وعده النصر على العدو حين أخذتم تقتلونهم قتلا ذريعا وتفتكون بهم فتكا بتأييد الله ومعونته ومشيئته وإرادته. صدقكم الله وعده، حتى إذا جبنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم في الرأي والعمل في تنفيذ أمر نبيكم بالثبات على جبل الرماة، فقال بعضكم: فيم وقوفنا وقد انهزم المشركون؟ وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم أبدا، ولم يثبت إلا عبد الله بن جبير مع نفر من أصحابه، لما حدث ذلك تأخر النصر وأحدقت الهزيمة بكم. وبعبارة أخرى: فلما واجهتموهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، ولما اختلفتم وحصل ما حصل من عصيان الرماة، وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة «1» . عن عروة بن الزبير قال: وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل فلما عصوا أمر الرسول، وتركوا مصافّهم. وترك الرّماة عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم ألا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ فصدق الله وعده، وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء «2» .
فألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم: أنهم رأوا مبادئ النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات، لا في الانهزام. ثم بين سبب التنازع فقال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا يعني الغنيمة، قال ابن مسعود: ما شعرنا أن أحدا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يريد الدنيا وعرضها، حتى كان يوم أحد. وهؤلاء هم الذين تركوا أماكنهم على الجبل طلبا للغنيمة. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم يخالفوا أمر نبيهم صلّى الله عليه وسلّم مع أميرهم عبد الله بن جبير، فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين، فقتلوه مع من بقي، رحمهم الله. والعتاب مع من انهزم، لا مع من ثبت، فإن من ثبت فاز بالثواب. ثم بعد أن استوليتم عليهم، ردكم عنهم بالانهزام، فعل هذا ليمتحن إيمانكم، ولقد عفا الله عنكم وغفر لكم ذلك الصنيع، بذلك الابتلاء الذي محا أثر الذنب من نفوسكم وتاب عليكم لما ندمتم على ما فرطتم به، والله ذو فضل على المؤمنين أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، وربما كان سبب العفو والفضل والرحمة كثيرة عدد العدو وعددهم، وقلة عدد المسلمين وعددهم. ثم ذكّر هم الله تعالى، فقال: اذكروا وقت أن صرفكم عنهم حين أصعدتم في الجبل أي ذهبتم منهزمين، وأنتم لا تلتفتون لأحد من الدهش والخوف والرعب، والحال أن الرسول قد خلفتموه وراء ظهوركم، يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، قائلا: «إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة» وقال ابن عباس وغيره: كان دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أي عباد الله ارجعوا» فالرسول يدعوكم في آخركم، جاء في البخاري: أخراكم: تأنيث آخركم. قال البراء بن عازب: جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم على الرّجّالة يوم أحد عبد الله بن جبير، وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم. ولم يبق مع النبي صلّى الله عليه وسلّم غير اثني عشر رجلا.
وكان جزاؤكم غمّا بغمّ، والغم الأول: إلحاق الهزيمة وحرمان الغنيمة والقتل بالصحابة، والغم الثاني الذي سبّب الغم الأول: هو ما حدث للنبي صلّى الله عليه وسلّم من ألم وضيق بسبب عصيانكم أمره، ومخالفتكم رأيه. وهذا أرجح الأقوال كما قال ابن جرير الطبري. وقد فعل بكم ذلك كله لتتمرنوا على الشدائد، وتتعودوا احتمال المكاره، فإنها تصقل الأمم والأفراد، ولئلا تحزنوا على ما فاتكم من المنافع والمغانم، ولا على ما أصابكم من المضارّ من عدوكم، كالجراح والقتل، والله خبير بأعمالكم، فمجازيكم عليها، إذ العمل سبب النجاح والظفر، وتكميل الإيمان والتحلي بالفضائل. وفي هذا ترغيب بالطاعة وزجر عن المعصية. ثم ذكر الله تعالى ما امتنّ به على عباده من بعد الغم الذي اعتراهم، وهو إنزال السكينة والأمن «1» وهو النعاس الذي غشيهم وغلبهم، وهم مشتملون السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، ليستردوا ما فقدوه من القوة، وما عرض لهم من الضعف، كما قال في سورة الأنفال في قصة بدر إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال 8/ 11] . قال أبو طلحة: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه «2» . وروى البخاري أيضا في التفسير عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس، ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه «3» . وكان النعاس يغشى طائفة من الناس- والطائفة: تطلق على الواحد
والجماعة-، وهم المهاجرون وعامة الأنصار الذين كانوا على بصيرة في إيمانهم، كما قال ابن عباس، أو هم أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل على الله، وهم الجازمون بأنّ الله سينصر رسوله، وينجز مأموله. وطائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم أي حملتهم على الهم، وملأ الخوف قلوبهم، لعدم ثقتهم بنصر الله، ولعدم إيمانهم بالرسول، وهم جماعة من المنافقين كعبد الله بن أبي ومعتّب بن قشير وأتباعهم، لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف، ولا يهتمون بأمر الرسول والدين، وهم كما أخبر الله: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظنوه إذ قالوا: لو كان محمد نبيا حقا ما تسلط عليه الكفار، وهو قول أهل الشرك بالله. وهذه الطائفة الثانية يسألون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هل لنا من الأمر والنصر والفتح نصيب؟ يعنون أنه ليس لهم من ذلك شيء لأنهم يعتقدون أن هذا ليس بحق. وهذا سبب خطئهم الفاحش، فإن نصر الله رسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالا، والمهم تمام الأمر والعاقبة. فرد الله تعالى عليهم: بأن كل أمر يجري فهو بحسب سنته تعالى في الخليقة، تلك السنة القائمة على ربط الأسباب بالمسببات، وأن الأمر والنصر كله لله، لا لغيره، وهو ناصر عباده المؤمنين كما وعدهم بقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة 58/ 21] وقوله: إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات 37/ 173] . وهؤلاء المنافقون يضمرون في أنفسهم العداوة والحقد، ويتساءلون في الظاهر سؤال المؤمنين المسترشدين: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ لكنهم يبطنون الإنكار والتكذيب والنفاق. ويقولون في أنفسهم أو لبعضهم بعضا منكرين لقولك لهم: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ
لِلَّهِ : لو كان الأمر كما قال محمد: إن الأمر كله لله ولأوليائه وإنهم الغالبون، لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فهم يربطون بين النبوة والنصر، وأنه لو كان محمد نبيا ما هزم، وفاتهم أن النصر من عند الله وتوفيقه، وأن الهزيمة بسبب مخالفات المسلمين. فرد الله عليهم بأن الآجال والأعمار بيد الله، وأن النصر من عند الله، وأن من كتب عليه القتل فلا بد أنه مقتول، فلو كان في بيته وانتهى أجله، لخرج إلى مكان مصرعه، والحذر لا يمنع القدر، والأمر كله بيد الله. وقد فعل الله ما فعل من إلحاق الهزيمة بالمسلمين في نهاية غزوة أحد، ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص والثبات، وليميز ما في القلوب من أمراض ووساوس الشيطان، والله عليم بذات الصدور أي بالأسرار والخفيات، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وإنما فعل هذا لينكشف حال الناس، وتظهر الحقائق، وتنجلي مواقف المؤمنين الصابرين والمنافقين المخادعين. وإن المؤمنين الذين انهزموا أو تركوا أماكنهم يوم التقاء الجمعين من المسلمين والمشركين في أحد، إنما أوقعهم الشيطان فريسة له في الزلل والخطأ، بسبب بعض ما كسبوا من ذنوبهم، ومعناه أن الذين انهزموا يرم أحد، كان السبب في توليهم الأدبار: أنهم كانوا أطاعوا الشيطان، فاقترفوا ذنوبا أدت بهم إلى منع التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وهذا يدل على أن الذنب يجز إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، وتكون لطفا فيها، كما قال الزمخشري «1» . وتكون المصائب والعقوبات ومنها الهزائم آثارا للأعمال السيئة، فإن من جزاء السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
فقه الحياة أو الأحكام:
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ أي عما كان من الفرار، ولم يؤاخذهم في الآخرة، وجعل عقوبتهم في الدنيا درسا وتربية وتمحيصا، وهذا يفتح أمامهم باب الأمل، ويدفع استيلاء اليأس على نفوسهم. إن الله غفور يغفر الذنوب جميعها صغيرها وكبيرها بعد التوبة والاعتراف بالتقصير، حليم لا يعجل بالعقوبة على الذنب، وإنما يترك فرصة للعبد لتصحيح أخطائه، ومعالجة تقصيره. فقه الحياة أو الأحكام: الناس في الماضي كالناس في الحاضر يعيشون في الأحلام والخيالات، فهم ينتظرون النصر منحة إلهية خالصة للمؤمنين، دون أن يقوموا بواجباتهم ويعملوا بما تقتضيه متطلبات الحروب مع العدو، فهم المكلفون من الخلق بالجهاد وحمل الأمانة، وإذا جاهدوا وصبروا وثبتوا، أيدتهم العناية الإلهية، وتحقق لهم النصر والفوز. والله صادق الوعد بنصر المؤمنين ما داموا على الحق ثابتين، وفي ميدان المعارك مجاهدين صابرين مطيعين متوحدين غير متفرقين، وأما الجبن والضعف والتفرق والنزاع والأطماع الدنيوية فهي سبب الخذلان والهزيمة المنكرة، وقد صدق الله وعده للمؤمنين في أحد، وأراهم الفتح في بداية المعركة حين صرع صاحب لواء المشركين وقتل معه سبعة نفر، فلما عصوا وخالفوا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالثبات على جبل الرماة، واشتغلوا بالغنيمة أعقبهم البلاء، وأدى بهم إلى الجراح والقتل، والهزيمة وفرار الناس من حول قائدهم النبي. وتغير وجه المعركة من نصر إليه هزيمة، فبعد أن استولى المسلمون على المشركين ردهم عنهم بالانهزام، لقوله تعالى: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وهذا دليل على أن المعصية مخلوقة لله تعالى.
ولكن من لطف الله بعباده الذين أخطئوا هذه المرة أن عفا عنهم، ولم يستأصلهم بالمعصية والمخالفة، والله ذو فضل دائم على المؤمنين بالعفو والمغفرة، قال ابن عباس: ما نصر النبي صلّى الله عليه وسلّم كما نصر يوم أحد، فأنكر الصحابة ذلك، فقال لهم: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول في أحد: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ والحسّ: القتل. ولم يكن فرار المسلمين في أحد مقبولا لأن القائد وهو النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يزال صامدا يقاتل في قلب المعركة، ويدعو الفارّين إلى العودة والكرّ، فلما لم يرجعوا جازاهم الله بالغم والحزن وهو القتل والجراح وعدم الظفر بالغنيمة، بسبب الغم والضيق الذي ملأ قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم لمخالفتهم إياه. وسمي الغم ثوابا كما سمي جزاء الذنب ذنبا. ولكن فضل الله ورحمته بالمؤمنين بعد هذا الغم ألقى عليهم النعاس أو النوم ليشعرهم بالأمن وليجددوا عزائمهم وترتاح نفوسهم من بعد هذه الهزيمة. أما المنافقون فظلوا في قلقهم واضطرابهم لا ينامون ولا يشعرون بالطمأنينة والأمن، ويقولون: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ استفهام معناه الجحد والإنكار، أي ما لنا شيء من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها، بدليل قولهم: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قال الزبير: أرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول معتّب بن قشير، والنعاس يغشاني يقول: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. وقيل: المعنى: يقول ليس لنا من الظّفر الذي وعدنا به محمد شيء. فرد الله تعالى عليهم: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي النصر بيد الله، ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء. والأجل والعمر بيد الله، وما من ميت إلا ويموت بأجله، سواء في الحرب وساحاتها، أم في المنازل والمضاجع وغرفها وحدائقها. وهكذا كان أهل غزوة أحد بعد انتهائها فريقين:
تحذير المؤمنين من أقوال المنافقين وترغيبهم في الجهاد وبيان فضله [سورة آل عمران (3) الآيات 156 إلى 158] :
1- فريق ذكروا ما أصابهم، فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم، وذكروا وعد الله بنصرهم، فاستغفروا لذنوبهم وآمنهم ربهم. 2- وفريق أذهلهم الخوف، حتى شغلوا عن كل ما سواه، إذ لم يثقوا بوعد الله ولم يؤمنوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وأما سبب انهزام المؤمنين يوم أحد فكان بتأثير الشيطان وإغوائه ووسوسته، وبما اقترفوا من ذنوب سابقة، فإنه ذكرهم خطايا سلفت منهم، فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا، ولكن الله بفضله ورحمته عفا عنهم ولم يعاجلهم بالعقوبة. قال القرطبي: ونظير هذه الآية توبة الله على آدم عليه السلام، وقوله عليه الصلاة والسلام: «فحجّ آدم موسى» أي غلبه بالحجة وذلك أن موسى عليه السلام أراد توبيخ آدم ولومه في إخراج نفسه وذرّيته من الجنة، بسبب أكله من الشجرة فقال له آدم: «أفتلومني على أمر قدّره الله تعالى عليّ قبل أن أخلق بأربعين سنة، تاب عليّ منه، ومن تاب عليه، فلا ذنب له، ومن لا ذنب له، لا يتوجّه عليه لوم» . وكذلك من عفا الله عنه. وإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك، وخبره صدق. وغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم على وجل وخوف ألا تقبل توبتهم، وإن قبلت فالخوف أغلب عليهم، إذ لا علم لهم بذلك «1» . تحذير المؤمنين من أقوال المنافقين وترغيبهم في الجهاد وبيان فضله [سورة آل عمران (3) : الآيات 156 الى 158] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
الإعراب:
الإعراب: إِذا ضَرَبُوا أتى بالفعل الماضي بعد إذا التي هي للاستقبال لأن إذا بمنزلة إن، و (إن) تنقل الفعل الماضي إلى معنى المستقبل. لِيَجْعَلَ لام العاقبة، ومعناه: لتصير عاقبتهم إلى أن يجعل الله جهاد المؤمنين وإصابة الغنيمة أو الفوز بالشهادة حسرة في قلوبهم، مثل آية: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص 28/ 8] . وَلَئِنْ مُتُّمْ يقرأ ميم مُتُّمْ بالضم والكسر، وهما لغتان. واللام في لَئِنْ: عوض عن القسم. وإنما لم تدخل نون التوكيد مع اللام على فعل تُحْشَرُونَ الذي هو جواب القسم مثل: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ [الإسراء 17/ 86] لأنه فصل بين اللام والفعل بالجار والمجرور. لَمَغْفِرَةٌ مبتدأ، وخبره: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. البلاغة: إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ استعارة، شبّه المسافر برا بالضارب السابح في البحر. المفردات اللغوية: كَالَّذِينَ كَفَرُوا هم المنافقون بزعامة عبد الله بن أبي وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي في شأنهم، والأخوة تشمل أخوة النسب والدين والمودة إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ سافروا في الأرض للتجارة والكسب.
المناسبة:
أَوْ كانُوا غُزًّى أي مقاتلين في الحرب، واحدهم غاز لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ القول في عاقبة أمرهم حَسْرَةً ندامة في قلوبهم. وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ فلا يمنع الموت قعود. المناسبة: حذر الله تعالى في الآية السابقة من وسوسة الشياطين التي أدت إلى الهزيمة يوم أحد، وحذر هنا من وسواس المنافقين أعوان الشياطين. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين ويحذرهم من مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الذي وضح بقولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم. يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن إخوانهم حين سافروا في البلاد للتجارة فماتوا، أو كانوا غزاة محاربين فقتلوا: لو كانوا باقين عندنا ما ماتوا وما قتلوا. لأن هذا جهل في الدين وضلال في الإيمان لأن الحياة والموت بيد الله، كما قال: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران 3/ 145] . والقضاء والقدر لا يجعلان الإنسان مجبورا على أفعاله لأن القضاء: معناه تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف وإحاطة بالشيء لا يقتضي الإلزام والقدر: وقوع الشيء بحسب العلم، وعلم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع، وإلا كان جهلا. والإنسان مختار في أعماله، لكنه ناقص القدرة والإرادة والعلم، وله حدود لا يتعداها، فقد يعزم على شيء أو يختار عملا، ولكنه لا يحيط علما بأسباب الموت. ومتى وقع الشيء علم أن وقوعه لا بد منه، وإذا كان الإنسان مؤمنا بمعونة الله وتأييده وأنه يوفقه إلى ما يجهل من أسباب سعادته، يكون مع أخذه بالأسباب أنشط في العمل وأبعد عن العثرات والفشل.
لا تكونوا كالذين كفروا الذين قالوا فيمن ماتوا أو قتلوا ما قالوا، ليكون عاقبة ذلك القول حسرة في قلوبهم على من فقدوا، تزيدهم ضعفا، وتورثهم ندما، فإذا كنتم مثلهم أصابكم من الحسرة مثل ما يصيبهم، وتضعفون عن القتال كضعفهم. فالله خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم. ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي بيده الخلق والإيجاد، وإليه يرجع الأمر والإعدام، ولا يحيى أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره. والله بما تعلمون بصير، أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم ظاهرها وباطنها، يعلم بما تكنّه النفوس وما تعتقده، وإن لم تعبر عنه. وفي هذا ترغيب للمؤمنين وتهديد للكافرين. والقتل في سبيل الله والموت أيضا وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجميع حطامها الفاني الذي يجمعونه. فما أجدر المؤمن أن يؤثر مغفرة الله التي تمحو الذنوب، ورحمته التي ترفع الدرجات على حظوظ الدنيا الفانية، فما هو خالد باق خير مما هو مؤقت فان. ثم حث سبحانه وتعالى على العمل في سبيل الله لأن المال إليه، فأخبر بأن كل من مات أو قتل، فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل، فيجزيه بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فبأي سبب كان هلاككم فإلى الله مرجعكم، وتحشرون، أي تجمعون إليه لا إلى غيره. وهذا حث على العمل وبث لروح التضحية والجهاد من أجل العقيدة ورفع لواء الإسلام والدفاع عن الأوطان، ووعد قاطع بأن من يقتل في سبيل الله فهو حي يرزق عند ربه، وله عند الناس أطيب الذكر والثناء الجميل.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: يحرص القرآن الكريم على بروز الشخصية الذاتية للمسلمين، وعلى تعهدهم بالرعاية والعناية، وإيجاد الموقف المتميز لهم أمام خصوم الدعوة الإسلامية، لذا حذرهم ونهاهم من أن يقولوا مثل قول المنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعثها النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى بئر معونة. فالحياة والموت بيد الله، والله واسع العلم نافذ البصر بأعمال الناس وخفاياهم، فمن الخطأ القول بأن الشخص لو كان في منزله أو بلده ما مات ولا قتل لأن القعود عن الجهاد لا يحفظ الحياة، وكذا التعرض لقتال الأعداء لا يسلب الحياة ولا يعجل بالموت. لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم لأنه ظهر نفاقهم. والله يقدر أن يحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله، فذلك تهديد للمؤمنين حتى لا يتشبهوا بالكفار في أقوالهم وأفعالهم. ثم أخبر الله تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خير من جميع الدنيا، ثم وعظ المؤمنين بقوله: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ أي لا تفرّوا من القتال ومما أمركم به، بل فرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مردّكم إليه، لا يملك لكم أحد ضرّا ولا نفعا غيره. والخلاصة: إن الآيات تضمنت تحذيرا أو تهديدا للمؤمنين، ووعدا، وحثا على العمل والجهاد. أما التحذير فهو من مشابهة الكافرين بأقوالهم وأفعالهم، وأما الوعد فهو أن ما ينتظره المؤمن المقاتل في سبيل الله من مغفرة الذنوب ورحمة الله التي ترفع الدرجة خير له من الدنيا وما فيها من لذات وشهوات. وأما الحث على العمل في سبيل الله وبث روح التضحية والجهاد فهو مفهوم
معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالرفق والعفو والمشاورة والوعد بالنصر [سورة آل عمران (3) الآيات 159 إلى 160] :
من المصير المنتظر لجميع الخلائق، وهو حشرهم إلى الله لا إلى غيره، فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى نفع من غيره، ولا يدفع ضرر أو عقاب من سواه. معاملة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه بالرفق والعفو والمشاورة والوعد بالنصر [سورة آل عمران (3) : الآيات 159 الى 160] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) الإعراب: فَبِما رَحْمَةٍ..: ما زائدة مؤكدة، والتقدير: فبرحمة من الله، وهي في موضع نصب لأن التقدير: لنت لهم برحمة من الله. يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ الهاء في: بعده إما عائدة على الله تعالى، أو عائدة على الخذلان، لدلالة قوله تعالى: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ كقولهم: من كذب كان شرّا له، أي كان الكذب شرا له. البلاغة: توجد مقابلة بين إِنْ يَنْصُرْكُمُ.. وإِنْ يَخْذُلْكُمْ. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ.. قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر.
لمفردات اللغوية:
لمفردات اللغوية: لِنْتَ لَهُمْ اللين: الرفق والتساهل في المعاملة، أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك. فَظًّا سيء الخلق، شرس الطباع غَلِيظَ الْقَلْبِ قاسيا جافيا لا يتأثر قلبه بشيء لَانْفَضُّوا تفرقوا من حولك فَاعْفُ تجاوز عما أتوه وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ذنبهم لأغفر لهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ تعرّف على آرائهم في سياسة الأمة في الحرب والسلم وشؤون الحياة الدنيوية تطييبا لقلوبهم، وليستن بك، وكان صلّى الله عليه وسلّم كثير المشاورة لهم فَإِذا عَزَمْتَ على إمضاء ما تريد بعد المشاورة فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به بعد المشاورة، والتوكل: الاعتماد على الله في كل أمر. المناسبة: المناسبة واضحة، فالآيات ما تزال تتحدث عن غزوة أحد وآثارها، فبعد أن عفا الله عما بدر من المسلمين في أحد، وحذرهم من التأثر بأقوال المنافقين، أعقبه بعفو القائد المصطفى الذي ساءه هذا الموقف وما أدى إليه من الجراح والآلام، فقد عاملهم بالرفق واللين والحلم، وخاطبهم باللطف وحسن المعاشرة، بل استشارهم في مستقبل الأحداث ومصالح الدنيا لما عرف عنه من سمو الأخلاق وحكمة القيادة، فهو رحمة للعالمين، ووصفه القرآن بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم 68/ 4] . التفسير والبيان: خاطب الله نبيه بعد خطاب المؤمنين، ممتنا عليه وعليهم فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره. فبرحمته تعالى وتوفيقه لك ولهم جعلك الله ليّن المعاملة، رفيق المعاشرة، لطيف اللفظ والكلام، في إرشادهم وقبول عذرهم فيما فرط منهم في غزوة أحد. وهذا إظهار لسمو القيادة، وحكمة الرئاسة، وأخلاق النبوة، وهي مثل قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم 68/ 4] وقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ
رَحِيمٌ [التوبة 9/ 128] . وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا حلم أحبّ إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه» . ولو كنت غليظ الكلام خشنا قاسي القلب جافّ الطبع في معاملتهم، لتفرقوا من حولك، وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم، تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: «إني أرى صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» وروى محمد بن إسماعيل الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض» «1» . وإذا كنت يا محمد بهذه الأخلاق فاعف عنهم، وتجاوز عما صدر منهم، واطلب لهم المغفرة من الله حتى يغفر لهم، وشاورهم في أمور السياسة العامة ومصالح الأمة في الحرب والسلم، وكل شؤون المصالح الدنيوية. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعلا يشاور أصحابه في الأمور كلها، تطييبا لقلوبهم، وليستن الناس بفعله، قال الحسن رضي الله عنه: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستنّ به من بعدهم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما ذكره الماوردي: «ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم» وقال أبو هريرة رضي الله عنه فيما رواه الترمذي: «لم يكن أحد أكثر مشاورة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» . - شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا
هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك، وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون. - وشاورهم أيضا أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم. - وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم. - وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك. - وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصدّيق: إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال. - وقال صلّى الله عليه وسلّم في قصة الإفك: «أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي «1» ورموهم، وايم الله، ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه إلا خيرا» . - واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها «2» . وللشورى فوائد كثيرة أهمها تقدير المستشارين، وإنضاج بحث الرأي المقترح بعد تقليب وجهات النظر، واتحاد الناس على مسعى واحد، واختيار الرأي الأصوب. جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المستشار مؤتمن» .
فإذا عزمت فتوكل على الله، أي إذا شاورتهم في الأمر، وعزمت عليه، فتوكل على الله فيه، إن الله يحب المتوكلين عليه الواثقين به، فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه الخير لهم. وليس معنى التوكل هو التواكل وإهمال الأسباب، وإنما هو حسن الاعتماد على الله والثقة به وتفويض النتائج إليه، بعد اتخاذ الأسباب. قال الرازي: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال، وإلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل، بل التوكل عليه أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعوّل بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحكمة. ففي الكسب والمعاش لا بد من السعي في الأرض، كما قال تعالى: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك 67/ 15] . وفي السياسة والحرب يجب الانتباه والحذر والإعداد المكافئ لقوى العدو: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء 4/ 71] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال 8/ 60] . ومن أجل الدنيا والآخرة لا بد من الصلاح والاستقامة والتزود بالتقوى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة 2/ 197] . وفي كل شيء يكون التوكل مقرونا بالسعي، روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه: «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا» وأخرج ابن حبان في صحيحة: «حديث الرجل الذي جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم وأراد أن يترك ناقته، وقال: أأعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اعقلها وتوكل» . ثم أعلن الله تعالى عن مصدر النصر في الحقيقة فأخبر أنه إن أراد الله أن ينصركم في أحد، كما نصركم في بدر، حين التزمتم الطاعة، وثبتم، واتكلتم على
فقه الحياة أو الأحكام:
توفيق الله ومعونته، فلا غالب لكم من الناس. وإن يرد خذلانكم وهزيمتكم ويمنعكم تأييده بما كسبت أيديكم من الفشل والتنازع وعصيان القائد فيما أمركم به، كما جرى يوم أحد، فلا يملك لكم أحد تحقيق النصر. وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وليثقوا به بعد اتخاذ الأسباب لأنه لا ناصر لهم سواه. وفي هذا ترغيب في التوكل على الله بعد المشاورة والاستعداد وعقد العزيمة الصادقة على فعل شيء مرغوب به شرعا. فقه الحياة أو الأحكام: إيراد هذه الأخلاق للنبي صلّى الله عليه وسلّم يقصد به الاقتداء به فيها لأنه الأسوة الحسنة للمؤمنين، وهو قائدهم وهاديهم بالقول والفعل والصفات. ودلت آية فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، وكان يجمع بين دواعي السمو كشرف النسب والحسب، وطهر النفس، والسخاء، وفصاحة البيان، وخاتم النبيين، وبين التواضع التام، فكان يرقع ثوبه ويخصف نعله ويجامل أهله والمستضعفين. قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب. هذا مالا خلاف فيه. وقد مدح الله المؤمنين بقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى 42/ 38] . ودل قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون، مع إمكان الوحي فإن الله أذن لرسوله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك. وهل الشورى ملزمة وواجبة على النبي صلّى الله عليه وسلّم أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ اختلف الفقهاء على قولين، والظاهر القول الأول لما روي الإمام أحمد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لأبي بكر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن العزم، فقال: «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم» .
عدالة النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم ومهامه في إصلاح أمته [سورة آل عمران (3) الآيات 161 إلى 164] :
وصفة المستشار- كما قال العلماء: إن كان في الأحكام أن يكون عالما ديّنا، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل. وصفة المستشار في أمور الدنيا: أن يكون عاقلا مجرّبا وادا في المستشير، روى أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه النسائي الحديث المتقدم عن أبي هريرة: «المستشار مؤتمن» . والعزم في الآية- كما بينا- هو إمضاء الأمر وتنفيذه بعد المشاورة. ولا بد فيه من التوكل على الله، والتوكل: الاعتماد على الله مع إظهار العجز. وقال قتادة: أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم. والنصر مرهون بتنفيذ الأوامر وإطاعة الله والقائد، والخذلان وهو ترك العون الإلهي منتظر عند العصيان والمخالفة، والمخذول: المتروك لا يعبأ به. فعليه توكلوا فإنه سبحانه إن يعنكم ويمنعكم من عدوكم لن تغلبوا، وإن يخذلكم ويترككم من معونته لا ينصركم أحد من بعد خذلانه إياكم. والتوكل على الله محقق لأمرين: أحدهما- محبة الله للعبد: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. الثاني- كفاية الرحمن للإنسان: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. عدالة النبي صلّى الله عليه وسلّم في قسمة الغنائم ومهامه في إصلاح أمته [سورة آل عمران (3) : الآيات 161 الى 164] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)
الإعراب:
الإعراب: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ: أَنْ يَغُلَّ: اسم كان، ولِنَبِيٍّ خبر كان، والمعنى: ما كان لنبي أن يخون. هُمْ دَرَجاتٌ أي هم ذوو درجات عند الله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. البلاغة: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي ما شأنه، ونفي الشأن أبلغ من نفي الفعل. أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ استعارة، جعل ما شرعه الله كدليل الهداية إلى رضوانه، وجعل العاصي كمن أمر أن يتبع شيئا فامتنع. بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ التنكير للتهويل أي بسخط لا يوصف. هُمْ دَرَجاتٌ على حذف مضاف أي ذوو درجات متفاوتة. المفردات اللغوية: أَنْ يَغُلَّ يخون في الغنيمة، فلا تظنوا به ذلك. أي ما كان من شأن أي نبي أن يغل: يأخذ شيئا من الغنيمة خفية لأن الله عصم أنبياءه من سفساف الأمور، فلا يقع منهم ما لا يليق يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ حاملا له على عنقه اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ أي أطاع ولم يغل كَمَنْ باءَ رجع بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ أي بغضب عظيم، لمعصيته وغلوله. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ المرجع هي
سبب النزول:
هُمْ دَرَجاتٌ أصحاب درجات عِنْدَ اللَّهِ أي مختلفو المنازل، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العقاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ أي يشاهد ويرى كل شيء. لَقَدْ مَنَّ أنعم وتفضل مِنْ أَنْفُسِهِمْ عربيا من جنسهم، ليفقهوا كلامه ويشرفوا به. وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الذنوب وأدران الوثنية والعقيدة الفاسدة الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ السنة النبوية مِنْ قَبْلُ أي قبل بعثته لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ضلال بيّن واضح لا ريب فيه. سبب النزول: أخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء، افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذها، فأنزل الله: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ. وقال الكلبي ومقاتل: إن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: من أخذ شيئا من مغنم فهو له، وألا يقسم الغنائم، كما لم يقسمها يوم بدر، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: «ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال لهم: بل ظننتم أنّا نغل ولا نقسم» «1» . التفسير والبيان: تتابع الآيات في بيان صفات النبي صلّى الله عليه وسلّم ومهامه في إصلاح أمته، فما كان من شأنه أن يخون، بل وما كان لنبي أن يخون لأن الله عصم أنبياءهم عما لا يليق بمقامهم لأن النبوة منزلة عالية تربأ بصاحبها عن فعل ما فيه دناءة وخسة، مما يدل على هول الاتهام والخطأ الصادر من المنافقين بنسبة الخيانة والغلول من المغنم للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو منه براء.
وكل من يخون فيأخذ شيئا من الغنائم خفية، يأتي به يوم القيامة حاملا إياه على عنقه، أي متحملا مسئولية فعله ووزر ما ارتكبه. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أيدته السنة النبوية، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطيبا، فذكر الغلول وعظمه، وعظم أمره ثم قال: ألا لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة «1» فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق «2» ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت «3» ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» وهذا كله من قبيل تمثيل الذنب وثقله وفضيحة صاحبه، وأنه يتحمل وزره يوم القيامة، كما جاء في آية أخرى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [الأنعام 6/ 31] . فأخذ أي شيء بغير حق يستوجب العقاب، كما قال تعالى حكاية عن لقمان:
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان 31/ 16] . ثم توفى كل نفس في الآخرة ما كسبت من خير أو شر، فينال الغالّ وغيره جزاء فعله دون ظلم، لا ينقص منه شيء، كما قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ: يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ، لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف 18/ 49] . ثم بين سبحانه نفي المساواة بين المحسن والمسيء، فأخبر أن من اتقى الله وعمل صالحا لا يستوي مع من عصى الله وعمل سوءا، أي فلا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحقّ به رضوان وجزيل ثوابه وأمن العذاب، ومن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير. وهذا مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً، لا يَسْتَوُونَ [السجدة 32/ 18] وقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص 38/ 28] . وإن لكل من أهل الخير وأهل الشر درجات ومنازل، يتفاوتون فيها، فللمتقين الطائعين درجات في الجنة، وللعصاة دركات في النار، فهم يتفاوتون في الجزاء بسبب تفاوت أعمالهم في الدنيا. فأعلى الدرجات درجة النبي المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وأسفل الدركات درك المنافقين: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء 4/ 145] والله تعالى بصير بأعمال العباد، فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم بدءا من تزكية نفوسهم إلى أرفع الدرجات، ومن إهمال التزكية إلى أسفل الدركات، كما قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس 91/ 9- 10] . وسيوفيهم جزاء
أعمالهم، لا يظلمهم خيرا، ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كل عامل بعمله. ثم بيّن تعالى ما امتن وتفضل به على الناس، فأرسل نبيه محمدا متصفا بأوصاف ومكلفا بمهام هي: - إنه عربي من ولد إسماعيل من جنس قومه، مما يدعوهم إلى الاهتداء به والثقة برسالته، فضلا عن أنهم شرفوا به، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف 43/ 44] وتخصيصهم بالذكر يقتضيهم مزيد الانتفاع به، وإن كان هو للناس كافة، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء 21/ 107] . - إنه يتلو عليهم آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته وعلمه وكمال أوصافه، كما أشار تعالى في آية: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [آل عمران 3/ 190] . - إنه يزكيهم ويطهرهم من زيف الوثنية وفساد العقيدة الجاهلية، كاعتقادهم بتأثير الأصنام والأحجار، وبدلالة الطير، وغير ذلك من الأوهام والخرافات، وينقلهم إلى معطيات العقل الصحيح والفكر الناضج، والمدنية والحضارة، وإقامة الدولة والإدارة والسياسة التي تفاخر العالم وتنافس المجتمع الدولي القائم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم. - إنه يعلمهم القرآن والسنة، فيصبح منهم العلماء والكتاب والحكماء والقادة وأساتذة العلوم والمعارف والثقافات المتنوعة، وإن كانوا من قبل هذا الرسول لفي غي وجهل ظاهر، إذ كانوا أمة أمية، فأصبحوا بنور الإسلام، وعلم القرآن، ومعرفة الحياة أمة متمدنة متحضرة نافست الأمم الأخرى وسبقتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
وهذا يومئ إلى أن معرفة القرآن والسنة كانت للعرب مفتاح النور والعلم وتعلم أصول الحياة الراقية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: 1- إن الأنبياء على درجة عالية من السمو والأخلاق، فما كان من شأن نبي أن يخون، أو يجور في القسمة، أو يأخذ شيئا من الغنائم بغير حق واضح، فما كان من حقكم أن تتهموا نبيكم بتهمة باطلة. روى الطبراني عن عمرو بن عوف حديثا: «لا إغلال ولا إسلال» أي لا خيانة ولا سرقة. ومن خان وبّخه الله سلفا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، ويعاقب على ذنبه، وجعل الله تعالى هذه العقوبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه. والغلول كبيرة من الكبائر بدليل هذه الآية وحديث أبي هريرة المتقدم: أنه يحمله على عنقه. وإذا غلّ الرجل في المغنم ووجد لديه، أخذ منه، وأدّب وعوقب بالتعزير. وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق: يحرق متاع الغالّ كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يحرق الشيء الذي غلّ، عملا بحديث رواه أبو داود والترمذي عن عمر: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ، فأحرقوا متاعه، واضربوه» لكن فيه صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يحتجّ به. وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والليث: لا يحرق متاعه، إذ لم يثبت ذلك في السنة النبوية.
وتجوز العقوبة في المال، بدليل أن عمر رضي الله عنه أراق لبنا شيب بماء، وإذا باع الذمي خمرا لمسلم أريقت على المسلم، وينزع الثمن من الذمي عقوبة له، لئلا يبيع الخمر من المسلمين. وأجمع العلماء على أن للغالّ أن يرد جميع ما غلّ إلى صاحب المقاسم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى الرد، وأنه إذا فعل ذلك فهي توبة له، وخروج عن ذنبه. فإن افترق العسكر دفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي في رأي مالك والأوزاعي. وفي تحريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر، فمن غصب شيئا منها أدّب اتفاقا. ومن الغلول: هدايا العمال أو الولاة، وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغالّ، بدليل حديث ابن اللتبية عند مسلم في صحيحة وأبي داود الذي فيه: «لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء، وإن كانت بقرة فلها خوار أو شاة تبعر «1» » وروى أبو داود عن بريدة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» . ومن الغلول: حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها. 2- من اتبع شرع الله بترك الغلول والصبر على الجهاد له في الجنة رتبة، وتتفاوت درجات الطائعين. ومن عصى الله بكفر أو غلول أو تولى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحرب، له في النار رتبة، وتتفاوت دركات العصاة. 3- إن بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم تدل على عظيم منّة الله تعالى، وخصائص النبي
بعض أخطاء المؤمنين في غزوة أحد وبعض قبائح المنافقين [سورة آل عمران (3) الآيات 165 إلى 168] :
ومهامه تقتضي مبادرة العرب خاصة والناس كافة إلى الإيمان برسالته واتباع شريعته، فهو من أقحاح العرب من بني إسماعيل، وهو معلّم الكتاب والحكمة، وهو مزكي النفوس ومطهرها من أدناس الجاهلية وأرجاسها في العقيدة والأخلاق ونظام الحياة. وليس أدل على فضله من تحول العرب بدعوته من الجاهلية الجهلاء إلى نور العلم والعرفان. بعض أخطاء المؤمنين في غزوة أحد وبعض قبائح المنافقين [سورة آل عمران (3) : الآيات 165 الى 168] أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) الإعراب: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ الَّذِينَ: إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين أو منصوب من ثلاثة أوجه: أن يكون وصفا للذين في قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا أو بدلا منهم، أو على تقدير: أعني.
البلاغة:
البلاغة: أَنَّى هذا استفهام إنكاري. يوجد طباق بين لِلْكُفْرِ ولِلْإِيمانِ. ويوجد جناس اشتقاق في قوله: أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ. المفردات اللغوية: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ: ما أصابهم بأحد من غلبة المشركين عليهم وقتل سبعين منهم أي من المسلمين قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها أي ما وقع لهم ببدر بقتل سبعين من المشركين، وأسر سبعين منهم. قُلْتُمْ متعجبين. أَنَّى أي من أين لنا هذا، وهو تركيب يفيد التعجب، أي كيف يكون لنا هذا الخذلان، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا؟ ويراد بهذه الجملة الاستفهام الإنكاري. قُلْ لهم. هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي من شؤم معصيتكم، لأنكم تركتم المركز فخذلتم. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه النصر، وقد جازاكم، بسبب مخالفتكم أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم. الْجَمْعانِ جمع المؤمنين، وجمع المشركين. فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي بإرادته الأزلية وقضائه السابق بارتباط الأسباب بمسبباتها. فَادْرَؤُا فادفعوا عن أنفسكم. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دفع المكاره بالحذر وأن القعود ينجي من الموت. سبب النزول: نزول الآية (165) : أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ ... : أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال: عوقبوا يوم أحد بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة (الخوذة) على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ الآية، إلى قوله: قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ قال: بأخذ الفداء. المناسبة: تستمر الآيات في بيان الأخطاء يوم أحد، ففي الآيات السابقة أبان سبحانه
التفسير والبيان:
نسبة المنافقين الخيانة والغلول من المغنم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم تبرئته من ذلك، وهذه الآيات تبين أخطاء الغزاة قبل هذه الوقعة وبعدها وتصوراتهم المنافية للواقع وأقوالهم وأفعالهم المغلوطة. التفسير والبيان: هذه الآية معطوفة على ما مضى من قصة أحد من قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ. ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذ كذا: أنى هذا، من أين هذا، وهو كقوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا [آل عمران 3/ 37] . والمعنى أنتم السبب فيما أصابكم لاختياركم الخروج من المدينة أو لتخليتكم المركز في جبل الرماة، وعن علي رضي الله عنه: لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم. والهمزة في قوله: أَوَلَمَّا للتقرير والتقريع، فلا ينبغي لكم أيها المنافقون والغزاة أن تعترضوا وتقولوا تعجبا: كيف ومن أين جرى علينا هذا أو من أين حدث لنا هذا المصاب؟ وهو ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم، كأنهم يظنون أن النصر دائما في جانب المسلمين مهما عصوا وخالفوا أوامر الله، مع أنهم أصابوا من المشركين في بدر ضعفي هذا العدد، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. ثم أجابهم سبحانه وتعالى عن تساؤلهم موبخا ومقرعا: إن ما وقع حدث بشؤم معصيتكم، وبسبب عصيانكم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أمركم ألا تبرحوا مكانكم، فعصيتم أيها الرماة. وكانت أوجه العصيان كثيرة: الخروج من المدينة وكان من رأي النبي صلّى الله عليه وسلّم البقاء فيها، وفشلكم وضعف رأيكم، وتنازعكم، وعصيانكم أوامر الرسول عليه
الصلاة والسلام بمفارقة المكان الذي طلب منكم الوقوف فيه لحماية ظهور المقاتلين. ومن المعلوم أن العقوبات نتائج لازمة للأعمال، وأن الله وعدكم النصر بشرط ترك المعصية واتباع أوامر الله والرسول صلّى الله عليه وسلّم: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد 47/ 7] . إن الله على كل شيء قدير، أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، فهو القادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم، وهو القادر على حجب النصر عنكم إن خالفتم وعصيتم، وذلك كله خاضع لقانون ربط الأسباب بالمسببات، وليس هناك شيء خارج عن القدرة الإلهية. ثم أشار الله تعالى معزيا ومسليا إلى أن كل ما أصابكم أيها المؤمنون يوم التقاء الجمعين: جمع المسلمين وجمع المشركين في أحد، فبإذن الله وإرادته وقضائه وقدره، وله الحكمة في ذلك، فما من شيء في الوجود إلا وهو خاضع لإرادته وحكمته. ومن مظاهر الحكمة: أن يظهر الله علمه بحال المؤمنين من قوة الإيمان وضعفه، والصبر والثبات وعدمه، فيعلم الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا، ويعلم المنافقين أصحاب عبد الله بن أبي بن سلول الذين رجعوا معه في الطريق، وكانوا ثلاثمائة رجل. هؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى القتال في سبيل الله، أو إلى الدفاع عن النفس والأهل والوطن، أجابوا: لو نعلم أنكم تلقون قتالا في غزوتكم لاتبعناكم وسرنا معكم، ولكننا نعلم أنكم لا تقاتلون. وهذا يدل على تأصل النفاق في قلوبهم، وأن غايتهم التلبيس والتدليس والاستهزاء وتعمية الحقائق، مع أن جمع المشركين في أحد وخروج المسلمين لمقابلتهم قرينة قاطعة على إرادة القتال. روي أن الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه الذين خرجوا من المدينة في جملة
الألف الذين خرج بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم رجعوا من الطريق، وهم ثلاثمائة ليخذلوا المسلمين ويوقعوا فيهم الهزيمة. إنهم بمقالتهم هذه: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا أقرب إلى الكفر يومئذ منهم إلى الإيمان، لظهور القرائن والأمارات برجوعهم وتصميمهم على إيقاع الهزيمة بالمسلمين، فإن من يتخاذل عن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأوطان عند هجوم الأعداء ليس من المؤمنين، لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات 49/ 15] . واستدلوا بآية هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان. إنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وهذا شأن المنافقين، ومنه قولهم: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ فإنهم- كما بينا- يعلمون أن جندا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، ويعلمون أنه كائن بينهم قتال لا محالة مما يدل على أنهم كاذبون في كل ما يقولون. ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ من الكفر والكيد للمسلمين، وهذا تهديد واضح وافتضاح علني أنه لا ينفعهم النفاق، فهو بضاعة مزجاة لأن الله أعلم بسرائرهم ونواياهم. ومن أقوالهم أيضا بعد القتال في أحد أنهم قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا في وقعة أحد: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، وفي هذا دلالة على أنهم نصحوهم بالتراجع. أخرج ابن جرير الطبري عن السّدّي قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ألف رجل، وقد وعدهم بالفتح إن
فقه الحياة أو الأحكام:
صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبيّ في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السّلمي يدعوهم، فقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا، فنعى الله عليهم ذلك بقوله: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ.... فرد الله تعالى قولهم: قل يا محمد لهم: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه. فقه الحياة أو الأحكام: تعقد الآية (165) مقارنة بين نتائج غزوتي بدر وأحد، محورها أن المسلمين أصيبوا إصابة شديدة يوم أحد بقتل سبعين منهم، مع أنهم يوم بدر أصابوا من المشركين ضعفي ذلك العدد، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، والأسير في حكم المقتول لأن الأسر يقتل أسيره للضرورة إن أراد، وقد هزموا المشركين يوم بدر، ويوم أحد أيضا في ابتداء المعركة، وقتلوا منهم في يومين قريبا من عشرين. ومن الخطأ قولهم: من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبي والوحي، وهم مشركون! والسبب أن هزيمتهم كانت بسبب من أنفسهم، وهو مخالفة الرماة، وما من قوم أطاعوا نبيهم في حرب إلا نصروا لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. ومصابهم يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة إنما هو بعلم الله وقضائه وقدره لحكمة في ذلك، وهي تربيتهم وتحذيرهم من المخالفة، وتمييز المؤمنين من المنافقين.
والإشارة بقوله: نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ إلى عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين انصرفوا معه عن نصرة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا ثلاثمائة، فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر بن عبد الله، فقال لهم: اتقوا الله ولا تتركوا نبيّكم، وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبيّ: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم. فلما يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء الله، فسيغني الله رسوله عنكم، ومضى مع النبي صلّى الله عليه وسلّم واستشهد رحمه الله تعالى. ودل قوله: أَوِ ادْفَعُوا على أن الدفاع عن الأوطان مثل القتال في سبيل الله، وعلى أن تكثير سواد المسلمين وإن لم يقاتلوا معهم، يكون دفعا وقمعا للعدو، فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدو. ويؤكده أن المرابط المستعد للقتال في ثغر إسلامي مدافع لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاء إليها العدو. وكان موقف المنافقين هذا سببا في ظهور أمرين: الأول- تبيان حالهم والكشف عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مسلمون، فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على الحقيقة: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ. الثاني- إظهار كذبهم وعدم استحيائهم في الإتيان بالمغالطات، فهم أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. ومن دلائل عدم إيمانهم أنهم قالوا لأجل إخوانهم- وهم الشهداء المقتولون من الخزرج، وهم إخوة نسب ومجاورة، لا إخوة دين-: لو قعدوا بالمدينة ما قتلوا.
منزلة الشهداء المجاهدين في سبيل الله [سورة آل عمران (3) الآيات 169 إلى 175] :
وكان الرد القرآني مفحما لهم: إن صدقتم مع أنكم قاعدون في المدينة، فادفعوا الموت عن أنفسكم، وهذا يدل على أن الحذر لا يمنع القدر، وأن المقتول يقتل بأجله، وما علم الله وأخبر به كائن لا محالة. قال أبو الليث السمرقندي: سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول: لما نزلت الآية: فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ: مات يومئذ سبعون نفسا من المنافقين. منزلة الشهداء المجاهدين في سبيل الله [سورة آل عمران (3) : الآيات 169 الى 175] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) الإعراب: فَرِحِينَ حال منصوب من ضمير يُرْزَقُونَ. أَلَّا خَوْفٌ بدل من بِالَّذِينَ.
البلاغة:
وَأَنَّ اللَّهَ قرئ بفتح أن وكسرها، فمن فتحها عطفها على قوله: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ومن كسرها جعلها مبتدأة مستأنفة الَّذِينَ اسْتَجابُوا مبتدأ، وخبره: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا. الَّذِينَ قالَ بدل من الَّذِينَ قبله، أو نعت. يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ تقديره: يخوفكم بأوليائه، فحذف المفعول الأول وهو «كم» والباء من المفعول الثاني، مثل قوله تعالى: لِيُنْذِرَ بَأْساً [الكهف 18/ 2] وتقديره: لينذركم ببأس شديد. البلاغة: يوجد إطناب في يَسْتَبْشِرُونَ وفي لَنْ يَضُرُّوا وفي اسم الجلالة في مواضع، ويوجد طباق في أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ. المفردات اللغوية: فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لأجل دينه. يُرْزَقُونَ يأكلون من ثمار الجنة. يَسْتَبْشِرُونَ يفرحون، الاستبشار: السرور الحاصل بالبشارة. بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ هم الذين بقوا في الدنيا من إخوانهم المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله. أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي يفرحون بألا خوف على الذين لم يلحقوا بهم. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة، المعنى يفرحون بأمنهم وفرحهم فَرِحِينَ مسرورين. بِنِعْمَةٍ ثواب. وَفَضْلٍ زيادة عليه. وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ بل يأجرهم. اسْتَجابُوا أجابوا وأطاعوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي أجابوا دعاءه بالخروج للقتال، لما أراد أبو سفيان، وأصحابه العود، وتواعدوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه سوق بدر العام المقبل من يوم أحد الْقَرْحُ الألم الشديد والجراح في يوم أحد. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بطاعته، والإحسان: إتقان العمل على أكمل وجه. وَاتَّقَوْا مخالفته. أَجْرٌ عَظِيمٌ هو الجنة. قالَ لَهُمُ النَّاسُ أي نعيم بن مسعود الأشجعي. إِنَّ النَّاسَ أبا سفيان وأصحابه. قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ الجموع ليستأصلوكم. فَاخْشَوْهُمْ ولا تأتوهم. فَزادَهُمْ ذلك القول. إِيماناً تصديقا بالله ويقينا. حَسْبُنَا اللَّهُ كافينا أمرهم. وَنِعْمَ الْوَكِيلُ المفوض إليه الأمر، وقد خرجوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، فوافوا سوق بدر، وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه، فلم يأتوا، وكان معهم تجارات فباعوا وربحوا. فَانْقَلَبُوا رجعوا بسرعة، أي من بدر. بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ بسلامة وربح. لَمْ
سبب النزول:
يَمْسَسْهُمْ من قتل أو جرح. إِنَّما ذلِكُمُ أي القائل لكم المثبط: إن الناس. الشَّيْطانُ المراد بالشيطان نعيم بن مسعود أو أبو سفيان. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف بمعنى: إن ذلكم قول الشيطان أي قول إبليس لعنه الله، وهو الأولى. يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ يخوفكم أنصاره من المشركين، وهم أبو سفيان وأصحابه. وَخافُونِ في ترك أمري. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حقا. سبب النزول: نزول الآية (169) : وَلا تَحْسَبَنَّ: روى أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا الآية وما بعدها، وروى الترمذي عن جابر نحوه. نزول الآية (172) : الَّذِينَ اسْتَجابُوا: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب بعد الذي كان منه يوم أحد، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب، وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك، فندب النبي صلّى الله عليه وسلّم الناس، لينطلقوا معه، فجاء الشيطان فخوف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبي عليه الناس أن يتبعوه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
تاريخ غزوة حمراء الأسد:
«إني ذاهب، وإن لم يتبعني أحد» فانتدب معه أبا بكر وعمر وعثمان وعليا والزبير وسعدا وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبا عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون من أحد، قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية. وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال، فأتوه، فلم يجدوا به أحدا، وتسوقوا فأنزل الله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ الآية. وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وجه عليا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فنزل هذه الآية. تاريخ غزوة حمراء الأسد: روي أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد، فبلغوا الرّوحاء (موضع بين مكة والمدينة) ندموا وهمّوا بالرجوع، حتى يستأصلوا من بقي من المؤمنين، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في إثر أبي سفيان وقال: لا يخرجنّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع جماعة من أصحابه، حتى بلغوا حمراء الأسد (موضع على ثمانية أميال من المدينة) وكان بأصحابه القراح (الجراح)
تاريخ غزوة بدر الصغرى:
فتحاملوا على أنفسهم، حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا إلى مكة مسرعين، فنزلت الآية. وتسمى هذه الغزوة غزوة حمراء الأسد، وهي تابعة لغزوة أحد. تاريخ غزوة بدر الصغرى: روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أن آية الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ نزلت في غزوة بدر الصغرى. وهي أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ذاك بيننا وبينك إن شاء الله ، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل (مجنّة) من ناحية (مرّ الظهران) فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان: إني وأعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج، فيزيدهم ذلك جرأة، فالحق بالمدينة فثبّطهم، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو. فأتى نعيم المدينة، فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم، ولم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا إليهم، وقد جمعوا لكم الجموع عند الموسم، فو الله لا يفلت منكم أحد، فكان لكلامه وقع شديد في نفوس قوم منهم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والذين نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي» فخرج ومعه سبعون راكبا يقولون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ حتى وافى بدرا
المناسبة:
الصغرى «بدر الموعد» فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان ، فلم يلق أحدا لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، وكان معه ألفا رجل، قسماه أهل مكة: «جيش السويق» وقالوا لهم: إنما خرجتم لتشربوا السويق. ووافي المسلمون سوق بدر، وكانت معهم نفقات وتجارات، فباعوا واشتروا أدما وزبيبا، فربحوا وأصابوا بالدرهم الدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. المناسبة: هذه الآيات متصلة بما قبلها، فبعد أن ذكر الله تثبيط المنافقين للراغبين في الجهاد، وقولهم: لو قعدوا في المدينة ما قتلوا: والرد عليهم بأن الموت يحدث بقضاء الله وقدره، أبان هنا منزلة الشهداء، حتى لا يتأثر أحد بأقوال المنافقين، وليكون ذلك حثا على الجهاد في سبيل الله. التفسير والبيان: الآية في شهداء أحد. يخبر الله تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في الدنيا، فإن أرواحهم حية مرزوقة في الدار الآخرة، والخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم أو لكل أحد، والمعنى: لا تحسبن أيها السامع لقول المنافقين المتقدم أن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا لا يجازون على أعمالهم التي قدموها، بل هم أحياء في عالم آخر، مقربون عند ربهم، ذوو زلفى، كقوله تعالى: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [فصلت 41/ 38] ، يرزقون مثلما يرزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون، وهو تأكيد لكونهم أحياء، ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله. فالعندية (عند الله) هنا عنديّة كرامة ومكانة وتشريف، وهي تقتضي
غاية القرب، لا عندية مكان ومسافة وقرب وحدود. والحياة التي أثبتها القرآن الكريم للشهداء حياة غيبية، لا ندرك حقيقتها، ونؤمن بها كما أخبر القرآن، وقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فيه حذف مضاف: تقديره: عند كرامة ربهم. وهؤلاء الشهداء مسرورون بما رأوه من نعيم مقيم وفضل كبير، وتفضيل على غيرهم، بسبب الشهادة، وهم مسرورون أيضا بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد في سبيل الله، وإنما هم على الطريق سائرون يقتفون أثر من تقدمهم من قوافل الشهداء، حينما رأوا ما أعد لهم من الجزاء الحسن، وهو الحياة الأبدية والنعيم الدائم الذي لا يكدره خوف من مكروه ولا حزن على ما فات. وهم يفرحون أيضا بما يتجدد لهم من الثواب على عملهم والرزق والفضل الإلهي الذي يؤتيهم الله من الجنة ونعيمها- والفضل في هذه الآية: هو النعيم المذكور- وأن الله يأجرهم، أي أنهم يستبشرون بنعمة من الله، ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين. وهذه الجملة بيان وتفسير لما تقدمها: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لأن من كان في نعمة الله وفضله لا يحزن أبدا، ومن كانت أعماله مدخرا ثوابها لا يخاف العاقبة. وذلك تحريض على الجهاد وترغيب في الاستشهاد. روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، في ظل العرش..» إلخ الحديث المتقدم. ثم وصفهم الله بحسن أعمالهم الذي هو سبب زيادة ثوابهم، فأخبر تعالى أن هؤلاء المجاهدين الذين استجابوا لدعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم بالذهاب للقاء أبي سفيان في
غزوة حمراء الأسد عقب غزوة أحد، بالرغم مما كانوا عليه من جراح وآلام أصابتهم يوم أحد، فلهم أجر عظيم يتناسب مع جهادهم وشجاعتهم. وأشار بقوله: مِنْهُمْ إلى أن من استجاب حظي بهذا الفضل والأجر، وأما الباقون فكانت لهم موانع وأعذار في أنفسهم أو أهليهم. ثم أشاد تعالى أيضا بمن شارك في غزوة بدر الصغرى في العام المقبل بعد أحد، بالرغم مما قال لهم الناس: أي نعيم بن مسعود الأشجعي الذي كان ما يزال مشركا: إن الناس أي أبا سفيان وأعوانه جمعوا لكم الجموع لقتالكم، فاخشوهم وخافوهم، ولا تخرجوا إليهم. فزادهم هذا القول إيمانا بالله وثقة بوعده، وثباتا على دينه، إذ إنهم خافوه، ولم يخافوا تلك الجموع، واعتمدوا على تأييد الله وعونه ونصره، بعد أن صدقت نياتهم، واشتدت عزائمهم للقاء المشركين مهما كانت النتائج، وذلك مثل قوله تعالى في وصف المؤمنين في غزوة الخندق (الأحزاب) : وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب 33/ 22] . وقالوا معبّرين عن صدق إيمانهم بالله: الله كافينا ما يهمنا من أمر الجموع، ونعم الوكيل الذي فوضنا أمورنا إليه، نعم المولى ونعم النصير. وهي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار «1» ، وقالها محمد صلّى الله عليه وسلّم حين قال أحد الناس: إن الناس (المشركين) قد جمعوا لكم فاخشوهم. ويستحب قولها عند الغم والمصيبة وإحاطة الداهية.
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» «1» . وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا اشتد غمّه، مسح بيده على رأسه ولحيته، ثم تنفس الصّعداء، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل» . ولما فوضوا أمورهم إلى الله واتكلوا عليه، عادوا بأربعة جزاءات: النعمة من الله، والفضل، وصرف السوء، واتباع ما يرضي الله فرضي عنهم، أي لما توكلوا على الله وخرجوا للقاء عدوهم، كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم بأس من أراد كيدهم، وربحوا في تجارتهم، ولم يصبهم قتل ولا أذى، واتصفوا بطاعة رسولهم ورضا ربهم الذي هو أساس النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، والله صاحب الفضل العظيم عليهم إذ تفضل عليهم بزيادة الإيمان، والتوفيق إلى الجهاد، والحفظ من السوء الذي يضمره لهم عدوهم. وفي هذا إشارة إلى خسارة القاعدين المتخلفين إذ حرموا ما حظي به غيرهم، وهو معنى قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ. روى البيهقي عن ابن عباس في قول الله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ قال: «النعمة: أنهم سلموا، والفضل: أن عيرا مرت في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فربح فيها مالا، فقسمه بين أصحابه» . وأخرج الطبري عن السدي قال: «أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين خرج في بدر الصغرى أصحابه دراهم، ابتاعوا بها في الموسم، فأصابوا ربحا كثيرا» . ثم قال تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ أي يخوفكم أولياءه،
فقه الحياة أو الأحكام:
ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة، فليس القول الذي قيل لكم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ إلا من الشيطان الذي يخوفكم أنصاره المشركين، ويوهمكم أنهم ذوو عدد كثير وأولو قوة وبأس شديد، فلا تخرجوا إليهم. ولكن عليكم أيها المؤمنون إذا سول لكم الشيطان أمرا وأوهمكم، فتوكلوا علي، والجؤوا إلي، فإني كافيكم وناصركم، كما قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إلى قوله: قُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر 39/ 36- 38] وقال: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة 58/ 21] وقال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج 22/ 40] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد 47/ 7] وقال أيضا: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر 40/ 51- 52] . فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية الشهداء: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا.. وما بعدها على ما يأتي: 1- إن من لم ينهزم أمام العدو، وصبر وثبت، وقاتل حتى قتل، له منزلة عالية عند الله، وهي منزلة الشهداء، وهي الكرامة والحياة عند الله. فهم أحياء في الجنة يرزقون، وأرواحهم حيّة كأرواح سائر المؤمنين، وإن ماتوا ودفنت أجسادهم في التراب. وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم. والذي عليه معظم المفسرين أن حياة الشهداء محققة، ولكنها من نوع خاص، فإما أن ترد إليهم أرواحهم في قبورهم فينعّمون، وإما أنهم يرزقون من
ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وقيل: إن هذا مجاز، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة. والصحيح من الأقوال: أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يرزقون في الجنة، ويأكلون ويتنعمون. 2- غسل الشهداء وتكفينهم والصلاة عليهم: للعلماء رأيان: قال الحنفية: يكفن الشهيد بثيابه، ويصلى عليه، ولا يغسل إذا كان مكلفا طاهرا، وأما الجنب والحائض والنفساء إذا استشهدوا، فيغسلون عند أبي حنيفة، كما يغسل الصبي والمجنون، وقال الصاحبان: لا يغسّلون. والدليل على عدم التكفين وعدم الغسل حديث جابر عند البخاري: «ادفنوهم بدمائهم» وفي رواية الشافعي وأحمد والبيهقي والنسائي: «زمّلوهم بدمائهم» يعني يوم أحد ولم يغسّلهم. وقد صلّى النبي صلّى الله عليه وسلّم على شهداء أحد اثنتين وسبعين صلاة. وقال الجمهور: لا يغسل الشهيد ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولكن تزال النجاسة الحاصلة من غير الدم لأنها ليست من أثر الشهادة بدليل حديث جابر المتفق عليه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» . وأجمع العلماء على أن الشهيد إذا حمل حيا، ولم يمت في المعترك، وعاش وأكل، فإنه يصلّى عليه، كما قد صنع بعمر رضي الله عنه. وأما من قتل مظلوما كقتيل الخوارج وقطاع الطرق وشبه ذلك، فقال أبو حنيفة والثوري: كل من قتل مظلوما لم يغسّل، ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد. وقال الجمهور: يغسل كجميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب. وأما إذا صبّح العدو قوما في منزلهم ولم يعلموا به فقتل منهم، فيغسلون ويكفنون ويصلى عليهم لأنهم لم يقتلوا في المعترك بين الصفين. 3- القتل في سبيل الله والشهادة فيه له ثواب عظيم عند الله، حتى إنه يكفّر
الذنوب، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين» «1» وهذا تنبيه على ما في معنى الدين من الحقوق الشخصية المتعلقة بالذمم، كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحة وغير ذلك من التّبعات، فإن كل هذا أولى ألا يغفر بالجهاد من الدّين، فإنه أشد، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات، حسبما وردت به السنة الثابتة، منها حديث مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي: من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار» . وفي حديث صحيح آخر رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نفس المؤمن معلّقة ما كان عليه دين» . والدّين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة- والله أعلم-: هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤدّه، أو ادّانه في سرف، أو في سفه، ومات ولم يوفّه. وأما من ادّان في حق واجب لفاقة وعسر، ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله لأن على السلطان فرضا أن يؤدّي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين، قال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: «من ترك دينا أو ضياعا (عيالا) فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالا فلورثته» . 4- الرزق في قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ هو الرزق المعروف في العادات، وهو المعنى الحقيقي للفظ. ومن قال: هي حياة الذكر، قال: يرزقون الثناء الجميل، وهو معنى مجازي.
5- قال السدي في آية وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ..: يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا. وقال قتادة وابن جريج والربيع وغيرهم: استبشارهم بأنهم يقولون: إخواننا الذين تركنا خلفنا في الدنيا، يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم، فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه، فيسرّون ويفرحون لهم بذلك. 6- الفضل في قوله تعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ.. لزيادة البيان، والفضل داخل في النعمة، وفيه دليل على اتساعها، وأنها ليست كنعم الدنيا. وقيل: جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد. روى الترمذي عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «للشهيد عند الله ست خصال «1» : يغفر له في أول دفعة «2» ، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار: الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وما تضمنه الحديث تفسير للنعمة والفضل. 7- أشارت آية: الَّذِينَ اسْتَجابُوا.. إلى أن الصحابة الذين تابعوا القتال ومطاردة أبي سفيان وجماعته في «حمراء الأسد» لإرهاب العدو، وكان عددهم سبعين رجلا، استحقوا المديح والثناء من الله تعالى لسببين: إطاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيما ندبهم إليه من الخروج معه، وتحاملهم على أنفسهم بالرغم مما فيهم من جراح وآلام شديدة مبرّحة أصابتهم في وقعة أحد.
8- أرشدت آية: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إلى أن المؤمن الصادق لا يكون جبانا، فالجبن لا يجتمع مع الإيمان لأن علته: الخوف من الموت والحرص على الحياة، وهما بعيدان عن المؤمن، وكان الصحابة الذين ذهبوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في العام التالي لأحد في بدر الصغرى مثلا عالية للشجاعة والتضحية والجرأة في سبيل الله. 9- ودلت هذه الآية أيضا على أن المؤمن يمكنه التخلص من عوامل الخوف، فيقول: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي كافينا الله. 10- قوله تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً أي فزادهم قول الناس إيمانا، أي تصديقا ويقينا في دينهم، وقوة وجرأة واستعدادا، يومئ إلى أن الإيمان يزيد بالأعمال الصالحة. ويرى العلماء في زيادة الإيمان ونقصه: أن أصل الإيمان وجوهره وهو التصديق شيء واحد، لا يدخل فيه زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال. وأما الزيادة والنقصان ففي متعلّقاته دون ذاته. والذي عليه الجمهور: أن الإيمان يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه، لحديث مسلم والترمذي: «الإيمان بضع وسبعون بابا، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» وهذه الزيادة في رواية مسلم فقط. 11- وآية فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يراد بها كما قال العلماء: لما فوضوا أمورهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم من الجزاء أربعة معان: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضا، فرضّاهم عنه، ورضي عنهم. 12- يشير قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ.. إلى أن الخوف يجب أن يكون من الله فقط، لا من الأعداء، وأن أولياء الله لا يخافون الشيطان إذا خوّفهم، وإنما يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين.
إزالة الحزن من قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد أحد ومناقشة الكفار والبخلاء وتمييز الخبيث من الطيب [سورة آل عمران (3) الآيات 176 إلى 180] :
فالإيمان الصادق يحمل صاحبه على الخوف من الله وحده، وقد مدح الله المؤمنين بالخوف، فقال: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل 16/ 50] . وفي سنن ابن ماجه عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت «1» السماء، وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصّعدات «2» تجأرون «3» إلى الله» قال أبو ذر: «والله لوددت أني كنت شجرة تعضد «4» » . إزالة الحزن من قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أحد ومناقشة الكفار والبخلاء وتمييز الخبيث من الطيب [سورة آل عمران (3) : الآيات 176 الى 180] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)
الإعراب:
الإعراب: وَلا يَحْزُنْكَ قرئ بفتح الياء وضمها، فمن قرأ بالفتح جعله من حزنه وهو فعل ثلاثي، ومن قرأ بالضم جعله من أحزنه، وهو فعل رباعي. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَحْسَبَنَّ: قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء كان الَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بأنه فاعل يَحْسَبَنَّ، وتقديره: ولا يحسبن الكافرون. والَّذِينَ اسم موصول، والهاء المحذوفة من نُمْلِي هي العائد إليه. وخَيْرٌ خبر أن، وأن وما عملت فيه سدت مسدّ المفعولين. ومن قرأ بالتاء كان الَّذِينَ المفعول الأول، وأَنَّما وما بعدها بدلا من الَّذِينَ وسدّ مسد المفعول الثاني، وما بمعنى الذي، وتكون ما ونملي مصدرا. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يَحْسَبَنَّ: قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء فموضع الَّذِينَ يَبْخَلُونَ رفع لأنه فاعل حسب، وحذف المفعول الأول لدلالة الكلام عليه. وهُوَ ضمير فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين. وخَيْراً مفعول ثاني منصوب. وتقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل خيرا لهم. ومن قرأ بالتاء فموضع الَّذِينَ يَبْخَلُونَ نصب لأنه مفعول أول على تقدير حذف مضاف تقديره: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون. وهُوَ فصل. وخَيْراً هو المفعول الثاني. البلاغة: يوجد استعارة في اشْتَرَوُا الْكُفْرَ وفي يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ وفي الْخَبِيثَ والطَّيِّبِ إذ يراد به المؤمن والمنافق. ويوجد طباق في الْكُفْرَ، بِالْإِيْمانِ المفردات اللغوية: وَلا يَحْزُنْكَ يكدرك ويؤلمك، من حزن بمعنى أحزن يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يبادرون
سبب النزول:
في نصرته، وهم أهل مكة أو المنافقون، أي لا تهتم لكفرهم. حَظًّا نصيبا من الثواب فِي الْآخِرَةِ في الجنة، فلذلك خذلهم. اشْتَرَوُا الْكُفْرَ أخذوا الكفر بدل الإيمان، كما يفعل المشتري بمبادلة المبيع بالثمن. نُمْلِي نمهل، والإملاء: الإمهال لَهُمْ بتطويل الأعمار وتأخيرهم. لِيَزْدادُوا إِثْماً بكثرة المعاصي أي لتكون عاقبتهم زيادة الإثم. وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ذو إهانة في الآخرة. يَمِيزَ أي يميّز ويفرز ويفصل الْخَبِيثَ المنافق مِنَ الطَّيِّبِ المؤمن، أي ليظهر الفارق الواضح بين المنافق والمؤمن بالتكاليف الشاقة، كما في يوم أحد. وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز. يَجْتَبِي يختار ويصطفي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على غيبه، كما أطلع النبي صلّى الله عليه وسلّم على حال المنافقين وَتَتَّقُوا النفاق آتاهُمُ أعطاهم من مال غيره سَيُطَوَّقُونَ أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق ما بَخِلُوا بِهِ أي بزكاته يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما ورد في الحديث. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يرثهما بعد فناء أهلهما والميراث: ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازيكم به. سبب النزول: نزول الآية (179) : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ: قال السدي: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبي: قال قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار، والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة، والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
سبب نزول الآية (180) :
وقال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن والمنافق، فأنزل الله تعالى هذه الآية «1» . سبب نزول الآية (180) : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ.. جمهور المفسرين على أنها أنزلت في مانعي الزكاة. وروى عطية عن ابن عباس أن الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم ونبوّته، وأراد بالبخل: كتمان العلم الذي آتاهم الله تعالى «2» . المناسبة: أدى انتصار المشركين في أحد وإصابة المؤمنين بشيء كثير من الأذى، إلى استغلال المنافقين تلك النتيجة، فصاروا يقولون: لو كان محمد نبيا ما قتل ولا هزم، وإنما هو طالب ملك، فتارة ينتصر وتارة ينهزم، وبادروا في نصرة الكفار وتثبيط المؤمنين عن القتال، فتألم النبي صلّى الله عليه وسلّم وحزن، فنزلت هذه الآيات تسري عنه وتزيل الحزن من نفسه، كما سرّى عنه حينما أعرض الكافرون عن الإيمان، وطعنوا في القرآن أو شخصه، في قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [يونس 10/ 65] وقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف 18/ 6] . التفسير والبيان: يخاطب الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم لشدة حرصه على الناس: لا يحزنك أيها الرسول مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق ومناصرة الكفر، كأبي سفيان وغيره من أهل مكة، واليهود والمنافقين.
إنهم لن يضروا أولياء الله وهم النبي وصحته شيئا من الضرر، وإنما يضرون أنفسهم، ويحاربون الله تعالى ويستعدونه عليهم والدائرة تكون عليهم، ويحرمون من ثواب الله تعالى في الآخرة، ولهم عذاب عظيم لا يعرف قدره، والله يعاقبهم على فعلهم لا يظلمهم، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وضلالهم ومناصرتهم ملة الكفر ومقاومة المؤمنين: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ. [فاطر 35/ 43] وهذا يدل على أنه لا يؤبه بهم ولا يخشى خطرهم. وهي مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ، لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، مِنَ الَّذِينَ قالُوا: آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة 5/ 41] . وهذا لا يقتصر عليهم، وإنما هو حكم عام مقرر يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان، لذا قال: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا، ولكن يضرون أنفسهم، ولهم عذاب مؤلم شديد الألم في الدنيا والآخرة. وهي تشبه آية أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون 23/ 55] وآية: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم 68/ 44] وآية: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة 9/ 85] . ثم بيّن تعالى استدراج الكافرين وإمهالهم لوقت معين، فأخبر أنه لا يحسبن هؤلاء الكفار أن إمهالنا لهم وإطالة أعمارهم خير لأنفسهم لأنهم لا يستغلون العمر في عمل الخير، وإنما يستغلونه في الشر، فتكون عاقبتهم ازدياد الإثم على الإثم، والمبالغة في الباطل والبهتان، ولهم عذاب مهين: ذو إهانة وإذلال لهم، أي إنما هو معدّ لهم. ولا يظنن الكفار أن إمهالنا يقصد به ازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما الإمهال
لهم هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان، لا لزيادة الإثم وللتعذيب، فيكون الإملاء خيرا لهم، ولكن علم الله سابقا أن بعضهم لن يعود إلى دائرة الحق والخير والرشاد، فهؤلاء لهم عذاب مهين. قال الزمخشري في قوله: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ: ما: هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة، دون الأولى. وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيرا لهم؟ فقيل: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً. فإن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضا لله تعالى في إملائه لهم؟ قلت: هو علة للإملاء، وما كل علة بغرض، فلو قلت: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، ليس شيء منها بغرض لك، وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسببا فيه. فإن قلت: كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء، كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟ قلت: لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثما، فكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه، على طريق المجاز «1» . والخلاصة: إن هذا الإمهال والتأخير ليس عناية من الله بهم، وإنما هو قد جرى على سنته في الخلق: بأن ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فإنما هو ثمرة عمله. ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يغتر الإنسان بهذا الإمهال، ويسترسل في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم، الذي يترتب عليه العذاب المهين «2» . ثم بيّن الله تعالى أن المحن والشدائد تظهر صدق الإيمان، وأنه لا بد من أن
يعقد شيئا من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، فلا يترك الناس على مثل حالتهم يوم أحد، حتى يميز المؤمن من المنافق، ويعرف المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد 47/ 31] . يقصد به أن يوم أحد كان اختبارا امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهتك به ستار المنافقين، فظهرت مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم. وقد يفكر بعض الناس أن تمييز المؤمن الصادق من المنافق يحدث بالوحي وبأن يطلع الله المؤمنين على الغيب، فأجاب الله تعالى: لم يكن من شأنه تعالى أن يطلع عامة الناس على الغيب، وإنما خلق الإنسان وقدر له أن يصل إلى مراده بعمله الكسبي الذي ترشد إليه الفطرة ويهدي إليه الدين وتدل عليه النبوة، فهو تعالى يختار من رسله من يشاء، ويطلعه على بعض المغيبات، كما قال سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن 72/ 26- 27] ثم يخبر الرسول بعض الناس بنفاق رجل وإخلاص آخر، فيكون مصدر ذلك الخبر هو اطلاع الله على كفر أناس وإيمانهم، لا أنه يطلعه على ما في القلوب اطلاع الله. ثم يترك الناس لتمييز المؤمن منهم والمنافق بواسطة الأسباب الكاشفة عن ذلك. لذا يجب عليكم الإيمان بالله والرسل ومنهم محمد صلّى الله عليه وسلّم، وإطاعة الله والرسول واتباعه فيما شرع لكم، والاعتقاد بأن الرسل لا يخبرون عن شيء إلا بما أخبرهم الله به من الغيوب. وهذا رد على الكافرين، قال السّدّي: قال الكافرون: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر، فنزلت.
وإن تؤمنوا بما جاؤوا به من أخبار الغيب، وتتقوا الله بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، فلكم ثواب عظيم لا يستطيع أحد تحديد مقداره. ويلاحظ أن القرآن يقرن دائما بين الإيمان والتقوى، كما يقرن بين الصلاة والزكاة، لتلازمهما والاعلام بأن الإيمان لا يكتمل إلا بهما، ويقرن أيضا بين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال. وبما أن الآيات السابقة كانت في الحث على الجهاد والتحريض على بذل النفس، أعقب ذلك الحث على بذل المال في الجهاد. فلا يظننّ أحد أن بخل البخلاء خير لهم بكنز المال وادخاره، وأن الجود والإنفاق يفقر، وإنما هو شر عظيم على الأمة والفرد في الدنيا والآخرة، والمراد بالبخل: حجب الزكاة المفروضة عن المستحقين، وعدم الصدقة عند رؤية حاجات المحتاجين. أما ضرر البخل في الدنيا فتعريض مال الغني للضياع والنهب والسرقة والأحقاد، وفي عصرنا وغيره ظهور الحملات الشنيعة على الأغنياء المترفين، وانتشار الأفكار والنظريات المسماة بالاشتراكية التي ظهرت لتقويض أركان الرأسمالية. وأما ضرره في الآخرة والدين: فهو ما أخبر عنه تعالى بأنهم سيلزمون وبال بخلهم وعاقبة شحهم إلزام الطوق في العنق، فلا يجدون مناصا ولا مهربا من توجيه اللوم والسؤال والعقاب على فعلهم. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته، مثّل له شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه- أي شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك» ثم تلا هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ.. إلى آخر الآية.
فقه الحياة أو الأحكام:
والحقيقة أن لله ما في السموات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فكيف يصح لقوم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيله. وهذا مثل قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد 57/ 7] فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله عز وجل، فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم، والله خبير بنياتكم وضمائركم وأعمالكم، لا تخفى عليه خافية منها، ويجازي كل نفس بما كسبت من خير أو سوء. فقه الحياة أو الأحكام: لا داعي للغم والحزن على مناصرة الكفار واليهود والمنافقين ألوان الكفر، فهم لن يضروا إلا أنفسهم، بتعريضها للعذاب الشديد، وبالإعلام عن سوء تصرفهم وسخف عقولهم وخطأ رأيهم، ولن يضروا بالتأكيد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن المطلوب منه هو الإبلاغ، والله مؤيده وناصره وحافظه وعاصمه من الناس. لكن قال القشيري: والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يفرط في الحزن على كفر قومه، فنهي عن ذلك، كما قال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر 35/ 8] وقال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف 18/ 6] . ولن يضروا الله شيئا أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا بكفرهم. وقد أكد تعالى هذا المعنى في كلتا الآيتين (176، 177) فهم سواء بادروا إلى نصرة الكفر، أو أخذوا الكفر بدلا عن الإيمان، لن يضروا الله شيئا قليلا ولا كثيرا، وإنما يضرّون أنفسهم بما أوجبوا لها من العذاب الأليم. والله تعالى لا يعجل أحدا بعقوبة على ذنب ولو كان الذنب كالكفر كبيرا، وإنما يمهله ويزيد في عمره ويوفر له رغد العيش ليتوب ويتمكن من العمل الصالح، فكأن شأن الإمهال وإطالة العمر أن يحقق الأثر المنشود وهو الإيمان
وطاعة الله والرسول وزيادة الحسنات، والإقلال من السيئات، ولكن الأمر في واقع الناس مفهوم خطأ، فاستمروا في غيهم وضلالهم وكفرهم، وتوهموا أن زيادة العمر ورغد العيش وإرجاء العذاب عنهم هو خير لهم، مع أنه شر مستطير وسبب لزيادة الإثم والذنب، واستحقاق العذاب الأليم جزاء وفاقا. لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين ويشككونهم في جدوى الإيمان والعمل الصالح أنهم يفعلون خيرا، فإن الله قادر على إهلاكهم، ولا يظنون أن ما أصابوه من ظفر يوم أحد كان خيرا لهم، وإنما كان ذلك سببا في زيادة عقوبتهم. قال ابن مسعود: ما من أحد برّ ولا فاجر إلا والموت خير له لأنه إن كان برّا فقد قال الله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [آل عمران 3/ 198] وإن كان فاجرا فقد قال الله: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً. وفي الشدائد والمحن اختبار مدى صدق الإيمان، فبها يتميز المؤمن والمنافق، وحينئذ ينكشف حال المنافقين فيحذرهم المسلمون، ويقدرون مدى ما لديهم من القوة الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها، بل إن المحنة توضح مدى إيمان المؤمن، فلا يغتر بالظواهر، ويقف على حقيقة حاله من ضعف في الاعتقاد، وفساد في الأخلاق، ومرض في النفس. والاطلاع على الغيب مقصور على الأنبياء والرسل، فهم أهل الكرامة والمرتبة العالية التي تؤهلهم لذلك الاطلاع، وما على الناس إلا أن يؤمنوا بما جاء به الرسل من أخبار الغيب، ويتقوا الله حق تقاته بامتثال المأمورات وترك المنهيات والمحظورات. ولا يشتغل الكفار بما لا يعنيهم من تعريفهم بمن يؤمن منهم ومن لا يؤمن، وعليهم الاشتغال بما يعنيهم وهو الإيمان أي التصديق واليقين لا التشوف إلى اطلاع الغيب، فإن آمنوا واتقوا لهم الجنة. ودلت آية وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ.. على ما يأتي:
1- لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم، بل هو شر لهم لأنهم ببخلهم يعرّضون أموالهم للضياع والتلف والسرقة وغيرها، ويضرون أمتهم لتقصيرهم بما يجب عليهم من التكافل الاجتماعي والتعاون على القضاء على ظاهرة الفقر، والفقر يضر بالأمة جمعاء، وحياة الأمم متوقفة على بذل النفس والمال. والفرق بين البخل والشح: أن الأول: هو الامتناع من إخراج ما حصل عندك، والثاني: الحرص على تحصيل ما ليس عندك. والصحيح أن الشح هو البخل مع حرص، لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» . 2- وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يدل على بقاء الله تعالى ودوام ملكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا مدّعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وهو ليس بميراث في الحقيقة، لأن الوارث في الحقيقة: هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل، والله سبحانه وتعالى مالك السموات والأرض وما بينهما. ونظير هذه الآية قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [مريم 19/ 40] والمعنى في الآيتين: أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا. 3- علم الله تعالى واسع ودقيق، فهو يعلم صغار الأشياء والأعمال وكبارها، ويعلم ما دقّ وخفي من الأعمال، بل يعلم السر وأخفى، فيجازي كل عامل بما عمل، ويكافئه بحسب نيته، كما جاء في الحديث المشهور عن عمر لدى الشيخين: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» .
بعض قبائح اليهود من نسبة الفقر إلى الله وتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم [سورة آل عمران (3) الآيات 181 إلى 184] :
بعض قبائح اليهود من نسبة الفقر إلى الله وتكذيبهم النبي صلّى الله عليه وسلّم [سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 184] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) الإعراب: سَنَكْتُبُ ما ما: مفعول به، وقَتْلَهُمُ: معطوف منصوب على ما والْأَنْبِياءَ منصوب بالمصدر المضاف وهو قَتْلَهُمُ، وقرئ سيكتب بالبناء للمجهول، وحينئذ تكون ما مرفوعا نائب فاعل. البلاغة: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ أكد اليهود نسبة الفقر إلى الله على سبيل المبالغة والإغراق في الكفر، ووصفوا أنفسهم بالغنى بجملة اسمية دون تأكيد للدلالة على أن الغنى وصف لازم لهم لا يحتاج لمؤكد. سَنَكْتُبُ ما قالُوا الله لا يكتب وإنما يأمر بالكتابة ملائكته، فأسند الفعل إليه من قبيل المجاز العقلي.
المفردات اللغوية:
قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وذكر الأيدي بالذات لكثرة تداول الأعمال بهن. تَأْكُلُهُ النَّارُ إسناد الأكل إلى النار من طريق الاستعارة لأن حقيقة الأكل تكون للإنسان والحيوان. يوجد طباق بين فَقِيرٌ وأَغْنِياءُ وجناس مغاير في قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا وفي كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ. وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ليست للمبالغة وإنما هي للنسب مثل عطار ونجار. المفردات اللغوية: سَنَكْتُبُ نأمر بكتب ما قالُوا أي نأمر بكتب أقوالهم في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه، والمراد: أننا سنعاقبهم عليه ذُوقُوا أصل الذوق: إدراك الطعم في الفم، ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات، وهو المراد هنا الْحَرِيقِ المحرق والمؤلم، والحريق: اسم للملتهبة من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة والمراد عذاب هو المحرق والمؤلم، وهو النار، فعذاب الحريق يراد به عذاب هو الحريق، أي سننتقم منهم عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا في التوراة وأوصانا به. بِقُرْبانٍ هو ما يتقرب به إلى الله من حيوان ونقد وغيرهما، أي فلا نؤمن لك حتى تأتينا به، والمراد من النار: النار التي تنزل من السماء. قُلْ لهم توبيخا بِالْبَيِّناتِ المعجزات الواضحة وَالزُّبُرِ جمع زبور وهو الكتاب، مثل صحف إبراهيم الْمُنِيرِ الواضح، وهو التوراة والإنجيل، أي إذا كذبك الناس فتكذيب الرسل أمر شائع فيمن قبلك، فاصبر كما صبروا. سبب النزول: نزول الآية (181) : لَقَدْ سَمِعَ: أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر بيت المدارس «1» ، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له (فنحاص) فقال له: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا، كما يزعم صاحبكم، فغضب أبو بكر، فضرب
المناسبة:
وجهه، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا محمد، انظر ما صنع صاحبك بي، فقال: يا أبا بكر، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، قال قولا عظيما، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فجحد فنحاص، فأنزل الله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت اليهود النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أنزل الله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فقالوا: يا محمد، افتقر ربك، يسأل عباده، فأنزل الله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ.. الآية. المناسبة: تناولت الآيات السابقة أحداث معركة أحد، وما صاحبها من مكائد المنافقين ودسائسهم ومحاولاتهم تثبيط عزائم المسلمين عن الجهاد. وبدأت هذه الآيات ببيان دسائس اليهود في محاربة المسلمين، ليحذرهم الله منها كما حذرهم من المنافقين. غير أن أفعال اليهود كبائر ومخازي لا تحتمل، مثل نسبتهم الفقر إلى الله، ونقضهم العهود، وقتلهم الأنبياء، وخيانة الأمانة. هذه الآيات تسجيل لبعض قبائح اليهود، فإنه تعالى سمع قولهم الشنيع وسيعاقبهم عليه أشد العقاب، وهو تهديد ووعيد على مقالتهم، وهي نسبة الفقر إلى الله والغنى إلى أنفسهم، ولكنه تعالى سيجازيهم على ذلك، إذ يلزم من كتابة الذنب وحفظه إنزال العقوبة عليه. ومن جرائمهم الشنيعة قتلهم الأنبياء قديما بغير حق ولا ذنب، ونسبة القتل إلى اليهود المعاصرين في زمن نبينا صلّى الله عليه وسلّم، مع أنه كان من أجدادهم لأنهم كانوا راضين عنه، مقرين بما ارتكبوا، متعاطفين مع بني جنسهم، مما يدل على أن
الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها في القضايا العامة، وأنها تؤخذ بجريرة وذنب أفرادها، إذا كانوا مقرين أفعالهم ولم ينكروها عليهم. لذا قال تعالى: وَنَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي النار، أي سيجازيهم الله على ذلك شر الجزاء، وإن هذا العذاب المحرق المؤلم بسبب أعمالكم في الدنيا وبما سلف من الذنوب كقتل الأنبياء، ووصف الله بالفقر، ومناصرة الكفر وغير ذلك. وأضيف العمل إلى الأيدي لأن أكثر أعمال الناس تكون بالأيدي، وللدلالة على أن العذاب بسبب عملهم الصادر منهم حقيقة، ولتوليهم الفعل ومباشرته، بل إنهم حاولوا قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم بإلقاء الجدار عليه في المدينة، وبدس السم في شاة في خيبر. وليس هذا العذاب في غير محله، وإنما هو في غاية العدل والحكمة لأن الله لا يظلم أحدا، ولأنه لا يعقل التسوية بين العاصي والطائع، وبين الكافر والمؤمن، كما قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الجاثية 45/ 21] . أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟ [القلم 68/ 35- 36] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص 38/ 28] . يقال لهم تلك المقالات: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ تقريعا وتوبيخا، وتحقيرا وتصغيرا، وتبيانا لبشاعة جرائمهم، وذلك إما في جهنم، أو عند الموت، أو عند الحساب، والقائل إما الله أو الملائكة. ثم يقول تعالى تكذيبا لليهود أيضا الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم ألا يؤمنوا لرسول، حتى يكون من معجزاته: أن من تصدق بصدقة من أمته أي قربان، فتقبلت منه: أن تنزل نار من السماء تأكلها.
والقربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك (إراقة دم من المواشي) وصدقة وعمل صالح. والقصد من زعمهم هذا عدم الإيمان برسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه لم يأت بما قالوه، ولو أتى به لآمنوا. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ومالك بن الصّيف، وفنحاص بن عازوراء في جماعة آخرين، أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا محمد، تزعم أنك رسول الله، وأنه تعالى أوحى إليك كتابا، وقد عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون للنار دويّ خفيف حين تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت الآية. ولكن ادعاء هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم، لذا ردّ الله تعالى موبخا لهم ومكذبا، بأن نزول النار معجزة، والمعجزة لتأييد الرسالة، وإثبات صدق النبي المبعوث، وقد جاءكم رسل كثيرون مثل زكريا ويحيى وغيرهما بالمعجزات أو بالبينات الواضحة الدالة على صدق نبوتهم، فلم كذبتموهم؟ ولم تصدقوهم، ولم قتلتموهم؟ إن كنتم صادقين أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. وقد نسب هذا الفعل لليهود الذين كانوا في عصر التنزيل القرآني، مع أن تلك الجرائم كانت من أسلافهم لأنهم كما بينا سابقا رضوان عما فعلوه، معتقدون أنهم على حق في ذلك، والأمة أو القبيلة عادة تتأثر بصنع بعض أفرادها، ويعيبها جرمه وانحرافه، لنسبته إلى تلك الجماعة. ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم أي معزّيا ومؤنسا له، ومخففا عليه سوء موقف اليهود وأمثالهم وهم قومه، وتكذيب الفريقين، فأخبر: إن كذبوك بعد أن جئتهم بالدلائل- والمعجزات، فقد كذّب رسل من قبلك، جاؤوا بمثل ما جئت به من البينات والمعجزات، والكتب ذات الأصل الإلهي كالصحف المنزلة
فقه الحياة أو الأحكام:
على المرسلين، والكتاب المنير أي الواضح الجلي وهو التوراة والإنجيل والزبور، فصبروا على الأذى والسخرية، والمخالفة والمعاندة. وهذا من طبيعة البشر في كل زمن، منهم من يصغي إلى الحق، ومنهم من يقاومه ويهزأ بصاحبه، فلا تعجب من مقاومة دعوتك، فإن نفوسهم لا تنشد الوصول إلى الحق، ولا تبغي الخير. فقه الحياة أو الأحكام: لم يرتكب شعب في الدنيا جرائم شنيعة مثل اليهود، ولم يقتصر إجرامهم على البشرية، وإنما تجاوز ذلك إلى الله والرسل، فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق ولا ذنب، لذا قرعهم الله تعالى في القرآن الكريم وهددهم وأنذرهم بعذاب النار على أفعالهم. والسلف والخلف منهم راضون بتلك الجرائم، لذا صحت نسبة الجريمة إلى المتأخرين منهم، وإضافتها إليهم مع أن القول السابق وقتل الأنبياء حدثا من أسلافهم، وكان بينهم نحو سبعمائة سنة. وهذا يدل على أن الرضا بالمعصية معصية، وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها- وقال مرة: فأنكرها- كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» . ومن جرائمهم: الكذب السافر على الله وافتراؤهم عليه أنه عهد إليهم وأنزل عليهم كتابا فيه: ألا يؤمنوا لرسول يزعم أنه من عند الله، حتى يأتيهم بقربان تأكله النار. ويكون هذا من قبيل المعجزة الدالة على صدقه. فرد الله تعالى عليهم أن معجزات النبي صلّى الله عليه وسلّم دليل قاطع في إبطال دعواهم، وكذلك معجزات عيسى، ومن علم صدقه وجب تصديقه. والقضية قضية مخالفة ومعاندة، وليست قضية قناعة وحجة وبرهان،
الموت مصير كل نفس والثواب يوم القيامة والابتلاء في الدنيا [سورة آل عمران (3) الآيات 185 إلى 186] :
فوضح الأمر وبان الطريق، والناس في الماضي والحاضر وكل زمان: منهم من يصغي إلى الحق ويستجيب لندائه، كما فعل الكثير من الناس ومنهم بعض اليهود الذين قبلوا بالإيمان بدعوة الإسلام والقرآن، ومنهم من يجهر بمقاومة الحق، ومناصرة الباطل، والإعراض عن دعوة الله الخيّرة المحققة لنفع البشرية وسعادتهم في الدنيا والآخرة. الموت مصير كل نفس والثواب يوم القيامة والابتلاء في الدنيا [سورة آل عمران (3) : الآيات 185 الى 186] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) الإعراب: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ مبتدأ وخبر، جملة تامة مفيدة. وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ: ما في إِنَّما كافة، ولا يجوز أن تكون بمعنى الذي لأنها لو كانت بمعنى الذي لوجب رفع أُجُورَكُمْ على أنه الفاعل، وتقديره: إن الذي توفّونه أجوركم. البلاغة: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ استعارة مثل قوله تَأْكُلُهُ النَّارُ لأن حقيقة الذوق تكون بحاسّة اللسان، كما أن حقيقة الأكل للإنسان والحيوان.
المفردات اللغوية:
زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فيه ما يسمى في علم البديع بالمقابلة. مَتاعُ الْغُرُورِ استعارة، شبه الدنيا بالمتاع الذي يغرر به المشتري ثم يظهر فساده، والمدلّس والمغرر هو الشيطان «1» . المفردات اللغوية: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي أن الموت مصير كل نفس ونهاية كل حي، ولا يبقى إلا وجهه الكريم تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ تعطون جزاء أعمالكم وافيا غير منقوص. ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها: أن كلكم تموتون، ولا بد لكم من الموت، ولا توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من قبوركم، والتوفية: تكميل الأجور، وما يكون قبل ذلك في القبر من روضة أو نعمة فبعض الأجور. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ نحّي عنها وأبعد، والزحزحة: التنحية والإبعاد. فَقَدْ فازَ نال غاية مطلوبة، وسعد ونجا أي تحقق له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله، والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي العيش فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ المتاع: ما يتمتع وينتفع به مما يباع ويشترى، والغرور: مصدر غره أي خدعه، والغرور: الخداع والغش، أي أن الدنيا مثل المتاع المشترى بسبب التغرير والغش والخداع ثم يتبين له فساده ورداءته. عن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها، فإنها متاع بلاغ. لَتُبْلَوُنَّ لتختبرن أي لتعاملن معاملة المختبر، لتظهر حالتكم على حقيقتها. فِي أَمْوالِكُمْ بإيجاب الزكاة المفروضة فيها والنفقة في سبيل الله، وبالجوائح والآفات وَأَنْفُسِكُمْ بالقتل والأسر والجراح والمخاوف والمصائب في سبيل الله وبالعبادات المفروضة، وبالأمراض وفقد الأحبة والأقارب. أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى الَّذِينَ أَشْرَكُوا هم مشركو العرب. أَذىً كَثِيراً كالسب والطعن في الدين والافتراء على الله والرسول والتشبيب بنسائكم. وَإِنْ تَصْبِرُوا على ذلك، والصبر: حبس النفس على ما تكره وكظم الغيظ ومقاومة الجزع والشدة بالتقوى والرضا وَتَتَّقُوا الله بامتثال الأمر واجتناب النهي، والتقوى: الابتعاد عن المعاصي والتزام المأمورات.
سبب النزول:
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي من معزومات الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. والمعنى: أن الصبر والتقوى من صواب التدبير، وقوة الإرادة، وكمال العقل والفكر، ومن الأمور المحتمة التي لا يجوز التساهل فيها. سبب النزول: نزول الآية: وَلَتَسْمَعُنَّ..: روى ابن أبي حاتم وابن المنذر بسند حسن عن ابن عباس أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وفنحاص من قوله السابق: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ. وذكر عبد الرزاق: أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي صلّى الله عليه وسلّم من الشعر، ويحرض عليه كفار قريش في شعره. المناسبة: كانت الآيات السابقة تسلية وتعزية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستمرت هذه الآيات في زيادة تسليته بأن كل ما تراه من عنادهم فهو منته إلى غاية، وكل آت قريب، فلا تضجر ولا تحزن، وإنهم سيجازون على أعمالهم يوم القيامة، فإن أمد الدنيا قريب، ويوم القيامة يوم الجزاء. وهي أيضا خطاب للمؤمنين ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا فاجأتهم بغتة، وهم مستعدون لتحملها، لم يرهقهم شيء، كما يرهق غير المؤمن فتضيق نفسه ويشمئز ويكره الحياة. التفسير والبيان: هذا إخبار عام من الله تعالى يعم جميع الخلائق بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن 55/ 26- 27] فكل الجن والإنس والملائكة وحملة العرش يموتون، والله وحده الحي القيوم الذي لا يموت، ينفرد بالديمومة والبقاء، فيكون آخرا كما كان أولا.
وفي الآية تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض وفي السماء حتى يموت، وتذوق كل نفس طعم مفارقة الروح البدن. ثم يوم القيامة توفى كل نفس بما عملت، من خير أو شر، وتعطى ثواب عملها الطيب كاملا غير منقوص، ويجازى المسيء الجزاء الأوفى، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال ذرة. وفي ذكر توفية الأجور على الطاعات والمعاصي إشارة إلى أن بعض الأجور من خير أو شر قد تصل إليهم في الدنيا أو في القبور، بدليل ما أخرجه الترمذي والطبراني مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» . فمن نحّي عن النار وأبعد عنها وأدخل الجنة، فقد فاز بالمقصد الأسمى والمطلوب الأعلى الكامل، ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتي إليه» . وهذا شامل للمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» . اقرؤوا إن شئتم: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ. فاللهم وفقنا لما ندرك به الفوز بالجنة والنجاة من النار. وما الحياة الدنيا التي نعيشها ونستمتع بها باللذات الجسدية من طعام وشراب والمعنوية من جاه ومنصب وسمو إلا كالمتاع المشترى بخداع وتغرير، ثم يتبين فساده ورداءته لأن صاحبها دائما مغرور مخدوع بها، أو لأنها حقيرة متروكة فانية زائلة، كما قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى [الأعلى 87/ 16- 17] وقال: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها،
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى [القصص 28/ 60] وفي الحديث: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» «1» . وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة، قال سعيد بن جبير: «إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ» «2» . فمن فضل الدنيا على الآخرة، كان كمن اشترى صفقة خاسرة، غشه فيها البائع ودلس عليه، ثم تبين له فسادها ورداءتها. ثم أراد تعالى بعد غزوة أحد توطين النفس وتربيتها على تحمل الأهوال والشدائد والمصائب، فخاطب النبي المصطفى صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين مخبرا إياهم: أن الدنيا دار ابتلاء واختبار في الأنفس والأموال ففي الأنفس: بالقتل والأسر والجراح وأنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال: بالإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات، وهي مثل قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة 2/ 155] . وأن المسلمين ونبيهم يسمعون ما يؤذيهم أذى كثيرا من اليهود والنصارى ومشركي العرب، والأذى قد يتناول الدين والقرآن والنبي صلّى الله عليه وسلّم. ولكن الله تعالى قال للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليا لهم عما ينالهم من الأذى من هؤلاء، وواصفا لهم العلاج الناجع وهو الصفح والصبر والعفو والتزام تقوى الله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، فإن تحقق منهم ذلك آتاهم أجرين من رحمته لأن الصبر والتقوى من معزومات الأمور، أي التي ينبغي أن يعزمها كل أحد.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى الحقائق التالية: 1- الدنيا فانية، والآخرة باقية، وكل شيء هالك إلى وجه الله الكريم، وكل حي سيموت، وأن الآخرة دار الجزاء والحساب، وأن السعادة كل السعادة، في الفوز بالجنة، والنجاة من النار. ويسن عند احتضار الميت تلقينه الشهادة دون إعادة لئلا يضجر، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة. ويستحب قراءة (يس) ذلك الوقت، لقوله عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا يس على موتاكم» «1» . وذكر الآجرّي من حديث أم الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هوّن عليه الموت» . ويغسل الميت إلا الشهيد ويكفّن ويصلى عليه ويدفن في التراب، ويسن الإسراع في المشي بالجنازة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الجماعة عن أبي هريرة: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدّمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم» . 2- إن إيفاء الأجور على الطاعات والعقاب على السيئات مقره يوم القيامة، فأجر المؤمن ثواب، وأجر الكافر عقاب. 3- الدنيا غرارة تغر المؤمن وتخدعه، فيظن طول البقاء وهي فانية. وهي أشبه بالمتاع الحقير الذي يتمتع وينتفع به كالفأس والقدر والدلو والقصعة، ثم يزول ولا يبقى ملكه. وهذا رأي أكثر المفسرين في قوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.
أخذ الميثاق على أهل الكتاب بالبيان للناس ومحبتهم المدح بغير موجب [سورة آل عمران (3) الآيات 187 إلى 189] :
4- لا اطمئنان إلى نعيم الدنيا ولا إلى إعراضها وفقدها، فالناس فيها في مرصد الاختبار والابتلاء في الأموال بالمصائب والأحداث، والإنفاق في سبيل الله، وسائر تكاليف الشرع، وفي الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحباب. وقد يتأذى المؤمن بطعن في قرآنه ودينه ونبيه، فعليه الصبر والاعتصام بالتقوى، والإعراض عن الطاعنين الكافرين، والثبات على العقيدة، وتحمل الشدائد والقتال في سبيل الله عند اللزوم، فقد ندب الله عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من معزوماتها التي ينبغي أن يعزمها كل أحد، وهي دليل على قوة الإرادة، ومضاء العزيمة، وعلو الهمة. قال القرطبي: عزم الأمور: شدها وصلابتها. والأظهر أن هذه الآية- كما ذكر القرطبي- ليست بمنسوخة، فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبدا، مندوب إليها، وكان عليه الصلاة والسلام مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم، ويصفح عن المنافقين «1» . أخذ الميثاق على أهل الكتاب بالبيان للناس ومحبتهم المدح بغير موجب [سورة آل عمران (3) : الآيات 187 الى 189] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)
الإعراب:
الإعراب: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هذه القراءة بالتاء، ويكون الَّذِينَ يَفْرَحُونَ منصوبا على أنه مفعول أول، وحذف المفعول الثاني لدلالة ما بعده عليه وهو قوله بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ويكون قوله: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بدلا من لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ والفاء زائدة، فلا تمنع البدل، وهذا على هذه القراءة وعلى قراءة من قرأ بالياء. ومن قرأ: (يحسبن) بالياء جعل الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في موضع رفع فاعل، والَّذِينَ: اسم موصول، ويَفْرَحُونَ: صلته، و «هم» من قوله: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ المفعول الأول. وبِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ: في موضع المفعول الثاني، وتقديره: فائزين. ومن قرأ الأول بالياء والثاني بالتاء فلا يجوز فيه البدل لاختلاف فاعليهما، ولكن يكون مفعولا الأول قد حذفا لدلالة مفعولي الثاني عليهما. البلاغة: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا توجد استعارة في النبذ والاشتراء، إذ شبه عدم التمسك بالميثاق بالشيء المنبوذ الملقى، وشبه العمل بالبديل باشتراء عوض قليل من أموال الدنيا، مقابل كتم آيات الله. وتوجد مقابلة بين لَتُبَيِّنُنَّهُ ووَ لا تَكْتُمُونَهُ. المفردات اللغوية: وَإِذْ اذكر إذ أخذ مِيثاقَ الميثاق: العهد المؤكد، وهو العهد المأخوذ عليهم في التوراة بواسطة الأنبياء. أُوتُوا الْكِتابَ هم اليهود والنصارى. لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار بما فيها خبر نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، حتى يعرفه الناس على وجهه الصحيح. وَلا تَكْتُمُونَهُ أي لا تخفون الكتاب. فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ طرحوا الميثاق ولم يعتدّوا به. وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أخذوا بدله من الدنيا عوضا حقيرا، بسبب رياستهم في العلم، فكتموه. فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ شراؤهم هذا.
سبب النزول نزول الآية (188) :
أَتَوْا بما فعلوا في إضلال الناس. أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا أن يحمدهم الناس بما لم يفعلوا من التمسك بالحق، وهم على ضلال. فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد. بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ أي بمنجاة من العذاب في الآخرة، بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم فيها. سبب النزول: نزول الآية (188) : لا تَحْسَبَنَّ: روى الشيخان وغيرهما من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذّبا، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، سألهم النبي صلّى الله عليه وسلّم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الغزو، تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت الآية: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الآية. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان، فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا؟ قال رافع: نزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم اعتذروا وقالوا: ما حسبنا عنكم إلا شغل، فلوددنا أنا معكم، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وكان مروان أنكر ذلك، فجزع رافع من ذلك، فقال
المناسبة:
لزيد بن ثابت: أنشدك بالله، هل تعلم ما أقول؟ قال: نعم. قال الحافظ ابن حجر: يجمع بين هذا وبين قول ابن عباس بأنه يمكن أن تكون نزلت في الفريقين معا. المناسبة: تحدثت سورة آل عمران عن أهل الكتاب، فناقشت النصارى، وحكت أفعالا غريبة عن اليهود ومطاعن في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، واستتبع ذلك بيان غزوتي أحد وبدر، وهنا ذكرت الآيات حالا عجيبة لليهود والنصارى وهي الطعن في الدين، مع أنهم أمروا ببيان ما في كتابهم (التوراة والإنجيل) من دلائل ناطقة بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وصدق رسالته. التفسير والبيان: هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وأن ينوهوا بذكره في الناس، فيكونوا على أهبة من أمره، فكتموا ذلك، وأخذوا عوضا زهيدا عنه، وفاتهم ما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم. وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» «1» . وبيان معنى الآية: اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد (الميثاق) على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بوساطة الأنبياء: أن يبينوا كتابهم للناس
ويظهروه من غير كتمان شيء منه، وألا تحريف أو تأويل لبعض نصوصه، وتبيانه للمؤمنين به لهدايتهم وإرشادهم، ولغير المؤمنين به لدعوتهم إليه. لكنهم نبذوا كتابهم وراء ظهورهم، وتركوا التوراة والإنجيل، وكان منهم فئة يحملونه دون فهم ولا وعي لما جاء فيه، وفئة أخرى حرّفوه وأولوه على غير وجهه الصحيح، واشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا، أي أخذوا عوضا عنه فائدة دنيوية حقيرة كالشهرة الزائفة، والرياسة الظاهرة، والمال الزائل، فكانوا في الحقيقة مغبونين في هذا البيع أو المبادلة، إذ تركوا الغالي الثمين في الدنيا والآخرة وهو الخير الذي وعدوا به، وأخذوا التافه الحقير، وهو الرشاوى والهبات والمنح المالية ليحافظوا على كيانهم ومراكزهم. فبئس الشيء المشترى من شرائهم لأنهم جعلوا الفاني بدلا من النعيم الدائم. وهذا يدل على وجوب نشر العلم وتعليمه للناس، قال علي كرّم الله وجهه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا. وقال الحسن البصري: لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه. ثم بيّن تعالى موقف المرائين المتكثرين من أهل الكتاب والمنافقين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلّة» وفي الصحيحين أيضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» . هذه حال أخرى من أحوال أهل الكتاب وغيرهم، ليحذر الله المؤمنين منها، فلا تظنن يا محمد أن الذين موّهوا الحقائق، وكتموا العلم الصحيح ودلّسوا عليك، وفرحوا بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ورأوا لأنفسهم شرفا فيه وفضلا يستحقون أن يحمدوا بأنهم حفّاظ الكتاب ومفسروه، ويشكروا على شيء بغير
فقه الحياة أو الأحكام:
موجب ولا داع للشكر، أو على أنهم أخبروك بالصدق عما سألتهم عنه، أو على ما فعل المنافقون في التخلف عن الغزو (الجهاد) وجاؤوا به من العذر، وكل ما فعلوا أنهم حولوا الحق والنور والهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وعامة الناس. فهؤلاء لا تظنن أنهم ناجون من العذاب، بل لهم عذاب أليم شديد الألم في الدنيا بالخذلان والخسف والزلزال والطوفان وغير ذلك من الجوائح والمصائب العامة المدمرة، وفي الآخرة بحشرهم في جهنم جزاء إفكهم وتحريفهم وتبديلهم وتغييرهم كتاب الله. وذلك كقوله تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود 11/ 102] . ثم كان قوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ احتجاجا على الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، وتكذيبا لهم، فقال للمؤمنين: ولا تحزنوا أيها المؤمنون على عمل أهل الكتاب وعلى ما فاتكم من نصر، ولا تضعفوا عن القيام بالواجب، وبينوا الحق ولا تكتموا منه شيئا، ولا تأخذوا عن حكم الله الصحيح عوضا مهما كثر، فإنه قليل، ولا تفرحوا على ما لم تعملوا، فإن الله يكفيكم همومكم وينصركم على أعدائكم، ويمدكم بالخير والفضل لأنه تعالى مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته، فإنه الأعظم والأقدر من كل شيء في هذا الوجود. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات توبيخا، وتحذيرا، واحتجاجا وتكذيبا. فهي توبيخ لأهل الكتاب الذين أمروا بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وبيان أمره، فكتموا نعته. ويفهم من هذه الآية واجبات ثلاثة: توضيح العلماء كتاب الله وإفهامه للناس وإظهار ما فيه من عظة وأسرار في الأحكام العامة والخاصة، وتبيين الدين للمسلمين حتى يفهموه على حقيقته ويعرفوا أنه طريق
توجيه النفوس نحو التفكر في خلق السموات والأرض وجزاء العاملين ذكورا وإناثا [سورة آل عمران (3) الآيات 190 إلى 195] :
الخلاص الوحيد من تخلف الأمة وضعفها وفسادها، وتوضيح أحكام الدين لغير المسلمين ودعوة الناس إلى صراط مستقيم حتى يهتدوا به. وهي أيضا تحذير من أفعال أهل الكتاب والمنافقين الذين يدلسون الحقائق، ويزيفون معاني الكتب المنزلة، ويتخلفون عن الجهاد بالأعذار الواهية. وهي كذلك احتجاج على اليهود الذين نسبوا الفقر إلى الله والغنى لأنفسهم، وتكذيب لهم، ورد قاطع بأن الله مالك السموات والأرض ومن فيهن، وله القدرة الباهرة على كل شيء، والسلطان النافذ في كل شيء. توجيه النفوس نحو التفكر في خلق السموات والأرض وجزاء العاملين ذكورا وإناثا [سورة آل عمران (3) : الآيات 190 الى 195] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)
الإعراب:
الإعراب: الَّذِينَ إما في موضع جر صفة لأولي الألباب، أو في موضع رفع مبتدأ، وخبره: رَبَّنا على تقدير: يقولون: ربنا، أو خبر مبتدأ محذوف، أو في موضع نصب على تقدير فعل محذوف قِياماً حال منصوب من ضمير يَذْكُرُونَ. وَعَلى جُنُوبِهِمْ حال من ضمير يَذْكُرُونَ. ويَتَفَكَّرُونَ: معطوف على يَذْكُرُونَ. باطِلًا مفعول لأجله. سُبْحانَكَ اسم مصدر منصوب انتصاب المصادر. يُنادِي جملة فعلية في موضع نصب لأنه صفة مُنادِياً. لِلْإِيمانِ اللام إما بمعنى إلى الإيمان، أو متعلق ب مُنادِياً أي سمعنا مناديا للإيمان ينادي. أَنْ آمِنُوا منصوب ب يُنادِي أي ينادي بأن آمنوا، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به. مَعَ الْأَبْرارِ أي أبرارا مع الأبرار، وهو جمع بارّ أو برّ. عَلى رُسُلِكَ أي على ألسنة رسلك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أَنِّي لا أُضِيعُ أي بأني، فحذف حرف الجر. فَالَّذِينَ هاجَرُوا مبتدأ، وخبره لَأُكَفِّرَنَّ. وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا: عطف على عطف. ثَواباً إما منصوب على المصدر المؤكد لما قبله، كأنه قال: لأثيبنهم ثوابا، أو منصوب على القطع بتعبير الكوفيين وهو الحال عند البصريين، أو منصوب على التمييز. والوجه الأول أوجه الأوجه. وَاللَّهُ مبتدأ، وحُسْنُ الثَّوابِ مبتدأ ثان، وعِنْدِ: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول وهو اسم الله تعالى. البلاغة: رَبَّنا كرر خمس مرات مبالغة في التضرع من قبيل الإطناب. وَما لِلظَّالِمِينَ وضع الظاهر موضع المضمر لتخصيص الخزي بهم. وهناك طباق في قوله السَّماواتِ وَالْأَرْضِ واللَّيْلِ
المفردات اللغوية:
وَالنَّهارِ وقِياماً وَقُعُوداً وذَكَرٍ أَوْ أُنْثى. وهناك إيجاز بالحذف في عَلى رُسُلِكَ أي على ألسنة رسلك، وفي قوله وَيَتَفَكَّرُونَ.. رَبَّنا أي قائلين ربنا. وفي الآيات جناس مغاير في قوله آمِنُوا.. فَآمَنَّا وفي عَمَلَ عامِلٍ وفي مُنادِياً يُنادِي. لَآياتٍ.. دخول اللام في خبر إن لزيادة التأكيد، والتنكير للتفخيم. المفردات اللغوية: إِنَّ فِي خَلْقِ الخلق: التقدير والترتيب الدال على النظام والإتقان. السَّماواتِ كل ما علاك مما تراه في الأعلى. وَالْأَرْضِ ما تعيش عليه، وهو بشكل كروي، كوكب دائر غير ثابت وخَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: إيجادهما من غير مثال سابق، ويشمل كل ما فيهما من العجائب. اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ تعاقبهما ومجيء كل منهما خلف الآخر، مع زيادة ونقصان بحسب الفصول والموقع الجغرافي من الكرة الأرضية. لَآياتٍ لأدلة على وجود الله وقدرته ووحدانيته. لِأُولِي الْأَلْبابِ لذوي العقول. وَعَلى جُنُوبِهِمْ مضطجعين، أي في كل حال. وعن ابن عباس: يصلون كذلك حسب الطاقة. وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليستدلوا به على قدرة صانعهما. رَبَّنا يقولون: ربنا. باطِلًا عبثا لا فائدة منه، بل دليلا على قدرتك. سُبْحانَكَ تنزيها لك عن العبث وعما لا يليق بك. أَخْزَيْتَهُ أهنته. وَما لِلظَّالِمِينَ الكافرين، وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم. مِنْ أَنْصارٍ من زائدة، أي مؤيدين يمنعونهم من عذاب الله تعالى. فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا استر معاصينا، واحدها ذنب: وهو مخالفة الأوامر والنواهي الشرعية. وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا غطّ إساءاتنا، أي الصغائر أو أنواع التقصير في حقوق العباد، فلا تظهرها بالعقاب عليها. وَتَوَفَّنا أمتنا أي اقبض أرواحنا. مَعَ الْأَبْرارِ في جملة الأخيار المحسنين أعمالهم وهم الأنبياء والصالحون. وَآتِنا أعطنا. عَلى رُسُلِكَ أي على ألسنة رسلك من الرحمة والفضل. ويلاحظ أن سؤال الناس تلك الأمور هو أن يجعلهم من مستحقيه، وتكرار: رَبَّنا مبالغة في التضرع. الْمِيعادَ الوعد بالبعث والجزاء.
سبب النزول:
فَاسْتَجابَ أجاب دعاءهم لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ أي لا أترك ثوابه. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضكم كائن من بعض أي الذكور من الإناث وبالعكس، والجملة مؤكدة لما قبلها، أي سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها. نزلت لما قالت أم سلمة: يا رسول الله، إني لا أسمع النساء في الهجرة بشيء. فَالَّذِينَ هاجَرُوا أي في مبدأ الإسلام من مكة إلى المدينة. فِي سَبِيلِي أي بسبب ديني وطاعتي وعبادتي. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أسترها بالمغفرة. ثَواباً مصدر مؤكد من معنى لأكفرن. مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فيه التفات عن التكلم. حُسْنُ الثَّوابِ الجزاء. سبب النزول: نزول الآية (190) : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ..: أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى به من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فأتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ.. فليتفكروا فيها. قال ابن كثير: وهذا مشكل، فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة «1» . نزول الآية (195) : فَاسْتَجابَ لَهُمْ: أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ. المناسبة: ختمت سورة آل عمران بهذه الآيات، بعد مجادلة الكفار والمنافقين
فضل هذه الآيات:
والمقصرين من المؤمنين وردّ الشبهات، لتوجيه الأنظار نحو ما يثبت وجود الله ووحدانيته وعظمته وكبرياءه. فضل هذه الآيات: ورد في فضل هذه الآيات أحاديث كثيرة منها: ما رواه ابن مردويه وعبد بن حميد عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غبا تزدد حبا، فقال ابن عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب ما رأيتيه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبكت، وقالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى مسّ جلده جلدي، ثم قال: «ذريني أتعبد لربي عز وجل» قالت: فقلت، والله، إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد ربك، فقام إلى القربة، فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بلّ لحيته، ثم سجد، فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه، فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» . قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرءوهن وهو يعقلهن «1» . التفسير والبيان: إن في إبداع السموات والأرض، الأولى في ارتفاعها واتساعها، والثانية في انخفاضها وكثافتها وصلاحيتها للحياة، وما فيها من نظام بديع وأفلاك وكواكب
ومجرّات، وبحار وجبال وأنهار، وزروع ونبات وأشجار مثمرة وغير مثمرة، ومعادن وثروات، وتعاقب الليل والنهار مع الطول والقصر والاعتدال على مدار العام وبحسب الفصول والموقع، لأدلة دالة على وجود الله وكمال قدرته وعظمته ووحدانيته، بشرط أن يكون من ذوي العقول التامة الناضجة التي تدرك الأشياء بحقائقها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ، وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف 12/ 105- 106] . ثم وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم يجمعون بين التذكر والتفكير، يذكرون الله في مختلف أحوالهم من قيام وقعود واضطجاع، لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم. ويتفكرون ويفهمون ما في السموات والأرض من أسرار ومنافع وحكم دالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه ورحمته. والتفكر يكون في مصنوعات الخالق لا في الخالق، لاستحالة الوصول إلى حقيقة ذاته وصفاته، أخرج الأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: «خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه، وهم يتفكرون، فقال: تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون الله قدره» . وقال الحسن البصري: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. ويقول المتفكرون الذاكرون: ربنا ما خلقت هذا الخلق عبثا ولا أوجدته باطلا زائلا، فأنت منزه عن الباطل والعبث، وكل خلقك حق مشتمل على فائدة وحكمة وقدرة، أي أن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر ونظر ودقق وتفكر يتوجه إلى الله تعالى متضرعا معلنا قناعته بحكمة الله العليا في خلق المخلوقات، فاجعل لنا وقاية وحاجزا من عذاب النار، وأجرنا من عذابها، ووفقنا للعمل الصالح
والاعتقاد الجازم الثابت الصحيح. ومعنى سُبْحانَ اللَّهِ: تنزيه الله عن السوء، كما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من حديث موسى بن طلحة. إن من أدخلته النار بعدلك وبسبب انحرافه وضلاله وخطئه، فقد أهنته وجعلته ذليلا لأن من يعصيك فأنت قاهره ومذلّه، وما للكافرين الظالمين أنفسهم بسبب جورهم وظلمهم أعوان ومؤيدون ينقذونهم من عذاب الله تعالى. فهو جزاء عادل لمحض الظلم وتجاوز الحدود، وإعلام بأن من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها. ربنا إننا سمعنا مناديا داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: آمنوا بربكم، فآمنا أي فاستجبنا له واتبعناه، أي أنهم مزجوا إيمانهم بالله وبقدرته، بالإيمان بكل ما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من شرائع وأحكام وآداب وأخلاق. ربنا فاستر ذنوبنا الكبائر، وسيئاتنا الصغائر، وأكرمنا بصحبة الأخيار الصالحين، المعدودين في جملتهم، العاملين بمثل أعمالهم، كما قال تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء 4/ 69] . رَبَّنا وَآتِنا: أعطنا ما وعدتنا من حسن الجزاء كالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة، على ألسنة رسلك، أو على الإيمان والتصديق برسلك. وفي هذا إشعار بتقصيرهم، والاعتماد على توفيق الله وعنايته. ولا تفضحنا أمام الناس يوم القيامة، إنك صادق الوعد ومنجزه على الإيمان والعمل الصالح، سواء في الدنيا بالتقدم والتفوق والسيادة، كما قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور 24/ 55] وفي الآخرة بالفوز بالجنة، كما قال: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [التوبة 9/ 72] .
فقه الحياة أو الأحكام:
فأجاب الله دعاءهم، لصدق إيمانهم، وجازى كل عامل بعمله، سواء أكان ذكرا أم أنثى، فالذكور والإناث متساوون في الحقوق والواجبات، وفي الجزاء على صالح الأعمال، ولا غرابة في ذلك فهم من أصل واحد، وكل واحد من الذكور والإناث من الآخر وبالعكس، فالرجل مولود من الأنثى، والأنثى مولودة من الرجل. وبعد أن ربط الله الجزاء بالعمل أوضح مظاهر العمل، منها الهجرة في مبدأ الإسلام من مكة إلى المدينة تأييدا لدعوة الإسلام ومؤازرة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ومنها الإخراج والطرد من الديار، ومنها الإيذاء في سبيل الله والقتال والقتل. فهؤلاء المحسنون أعمالهم يكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، أثابهم الله ثوابا من عنده جزاء العمل الصالح، وليس عند الله إلا حسن الثواب والجزاء وهو الجنة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: 1- على الإنسان النظر والتفكر والاستدلال بعجائب صنع السموات والأرض، فهي ترشده إلى الإيمان الصحيح، إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم قدير غني عن العالمين لأن الإيمان يجب أن يستند إلى دليل يقيني يدل على تحققه ووجوده، لا إلى التقليد أو محض الوراثة. 2- قال العلماء: يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويقرأ هذه الآيات العشر، اقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ثم يصلي فرض الصبح وسنته أو ما كتب له، فيجمع بين التفكر والعمل، وهو أفضل العمل. أخرج أبو نصر الوائلي السّجستاني الحافظ عن أبي هريرة أن
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. 3- المؤمن يلازم ذكر الله تعالى في كل أحواله، من قيام وقعود واضطجاع وغيرها، ليظل على صلة بربه، فقال سبحانه: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب 33/ 41] وقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة 2/ 152] . ويدل هذا على أن المصلي يصلي قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، كما ثبت لدى الأئمة الستة من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الصلاة فقال: صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» والقيام فرض على القادر في صلاة الفريضة، وتصح صلاة النافلة حال القعود وأجره نصف أجر القائم، والمضطجع نصف أجر القاعد، ورد في حديث عمران بن حصين في رواية: «صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد» . والذكر إما باللسان، وإما بالصلاة فرضها ونفلها. 4- ويضم إلى الذكر عبادة أخرى هي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته لزيادة التبصر، وتقوية الإيمان. 5- صيغ الدعاء في هذه الآيات تدل على الإيمان بالله والرسول، وعلى الثقة بوعد الله ومصاحبة الأبرار، وعلى كمال الطلب بمغفرة الذنوب وستر العيوب والبعد عن النار، فإن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وعدوا بذلك دون الخزي والعقاب. والدعاء على هذا النحو على جهة العبادة، والدعاء مخّ العبادة. وطلب النصر على العدو معجّلا لإعزاز الدين، روى أنس بن مالك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا، فهو منجزّ له رحمة، ومن وعده على ذنب عقابا فهو فيه بالخيار» . ومعنى الدعاء بإنجاز ما وعد الله: طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب
إنجاز الميعاد، أو هو من باب اللجوء إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم السلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع إليه. 6- تضمن وعد الله تعالى على صدق الإيمان وصلاح الأعمال أمورا ثلاثة: أ- محو السيئات ومغفرة الذنوب، لقوله تعالى: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ. ب- الظفر بجنان الخلد، لقوله تعالى: وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. ج- اقتران الثواب بالتكريم لقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. 7- الجزاء منوط بالعمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. 8- لا فرق بين الذكر والأنثى في العمل والثواب، فهما من جنس واحد، ومن نفس واحدة، وبعضهم من بعض في التكليف والأحكام والطاعة والنصرة ونحو ذلك، كقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة 9/ 71] . 9- تكرار النداء ب رَبَّنا خمس مرات للاستعطاف وإظهار فضل الله بالتربية والملك والإصلاح.
الكافرون والأتقياء ومؤمنو أهل الكتاب وجزاء كل [سورة آل عمران (3) الآيات 196 إلى 200] :
الكافرون والأتقياء ومؤمنو أهل الكتاب وجزاء كل [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 200] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) الإعراب: مَتاعٌ قَلِيلٌ خبر مبتدأ محذوف تقديره: تقلبهم متاع قليل، وحذف لدلالة ما تقدم وهو قوله: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ... تَجْرِي جملة فعلية في موضع رفع لأنها صفة لجنات، أو في موضع نصب على الحال من الضمير: لَهُمْ. خالِدِينَ منصوب على الحال من ضمير لَهُمْ نُزُلًا منصوب على المصدر، والكلام عليه بمنزلة الكلام السابق على قوله: ثَواباً. خاشِعِينَ حال من ضمير يُؤْمِنُ المرفوع أو من ضمير إِلَيْهِمْ المجرور، أو من ضمير لا يَشْتَرُونَ المرفوع، أي لا يشترون خاشعين. اصْبِرُوا وَصابِرُوا: لا يجوز أن تدغم هذه الواو الساكنة في الواو المفتوحة التي بعدها لأنها واو الضمير، وهي تنزل منزلة ألف التثنية. وجاز الإدغام في عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً لأن الواو متصل، وأما واو اصْبِرُوا وَصابِرُوا فهو منفصل. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفلحون: جملة فعلية في موضع رفع خبر: «لعل» .
البلاغة:
البلاغة: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ.. استعارة، أستعير التقلب للضرب في الأرض بقصد التجارة وجلب المكاسب. المفردات اللغوية: لا يَغُرَّنَّكَ لا يخدعنك ظاهرهم من غير امتحان تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا تصرفهم في التجارات والمكاسب في البلاد مَتاعٌ قَلِيلٌ أي شيء يتمتع به صاحبه تمتعا يسيرا في الدنيا، ثم يفنى ويزول، ووصف بالقلة لأنه قصير الأمد زائل، وكل زائل قليل مَأْواهُمْ مصيرهم جَهَنَّمُ اسم لدار الجزاء للكفار في الآخرة وَبِئْسَ الْمِهادُ الفراش هي، والْمِهادُ: المكان الممهد الموطأ كالفراش، والمراد به جهنم، وسميت مهادا تهكما نُزُلًا هو ما أعد للضيف من الزاد وغيره لِلْأَبْرارِ جمع بارّ وهو التقي المبالغ في التقوى والبر، أي ما عند الله من الثواب خير للصلحاء من متاع الدنيا. خاشِعِينَ خاضعين لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا لا يستبدلون بما عندهم في التوراة والإنجيل من بعثة النبي عوضا من الدنيا اصْبِرُوا احبسوا أنفسكم عن الجزع مما ينالها، وعلى امتثال التكاليف الدينية وَصابِرُوا اسبقوا الكفار في الصبر على شدائد الحرب، فلا يكونوا أشد صبرا منكم. وَرابِطُوا أي أقيموا في الثغور للجهاد، مترصدين لغزو العدو ومحصنين لها وَاتَّقُوا اللَّهَ أبعدوا أنفسكم عن غضب الله وسخطه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لتفلحوا أو راجين الفلاح: وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار والظفر بالأمل المقصود من العمل. سبب النزول: نزول الآية (196) : لا يَغُرَّنَّكَ: نزلت في مشركي مكة، فإنهم كانوا في رخاء ولين من العيش، وكانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت الآية. نزول الآية (199) : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ: روى النسائي عن أنس قال: لما جاء نعى النجاشي
نزول الآية (200) :
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: صلوا عليه، قالوا: يا رسول الله، نصلي على عبد حبشي، فأنزل الله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.. وكذلك قال جابر بن عبد الله وابن عباس وقتادة: نزلت في النجاشي. نزول الآية (200) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا: روى الحاكم في صحيحة: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي- مخاطبا داود بن صالح- هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا..؟ قال: قلت: لا، قال: إنه يا ابن أخي، لم يكن في زمان النبي صلّى الله عليه وسلّم ثغر يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة. المناسبة: لما وعد الله المؤمنين بالثواب العظيم، وكانوا في دنياهم فقراء، والكفار في نعيم ورخاء، ذكر تعالى في هذه الآية ما يسلّيهم ويصبرهم على تلك الشدة، عن طريق المقارنة بين نعيمي الدنيا والآخرة، فنعيم الدنيا فان زائل، ونعيم الآخرة خالد باق. التفسير والبيان: لا تنظر إلى ما عليه الكفار من الترف والنعمة والسرور، فإن هذا سيزول عنهم قريبا، ويصبحون مرتبطين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وتنقلهم في البلاد للكسب والتجارة مجرد متاع قليل، يتمتعون به فترة من الزمان، ثم تصير جهنم مستقرهم ومأواهم، وبئس المقر مقرهم في جهنم. وهذا كقوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ.. غافر 40/ 4] وقوله: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
لا يُفْلِحُونَ. مَتاعٌ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ، بِما كانُوا يَكْفُرُونَ [يونس 10/ 69- 70] وقوله: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [لقمان 31/ 24] وقوله: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [القصص 28/ 61] . وبعد أن ذكر حال الكفار في الدنيا وأن مآلهم إلى النار، ذكر حال المؤمنين المتقين: الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهيات، ولهم جنات النعيم، خالدين فيها أبدا، تكريما من عند الله، وما عند الله من الكرامة فوق ما تقدم خير وأفضل مما يتمتع به الذين كفروا من متاع قليل فان. وهذا كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [الكهف 18/ 107- 108] . روى ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما سمّوا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا، كذا لولدك عليك حق» . ثم أخبر الله تعالى عن طائفة من أهل الكتاب اهتدوا بالقرآن، كما اهتدوا بما عندهم من هدي الأنبياء، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي، وقد وصفهم الله بصفات ممتازة هي: 1- الإيمان بالله إيمانا صادقا تاما. 2- الإيمان تفصيلا بالقرآن المنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو الكتاب الإلهي الوحيد الباقي السالم من التحريف. 3- الإيمان إجمالا بما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل. 4- الخشوع لله وهو ثمرة الإيمان الصحيح، ومتى خشع القلب لله خشعت النفس كلها.
5- عدم اشتراء شيء من متاع الدنيا بآيات الله، أي يحافظون على الوحي كما هو دون كتم شيء منه من البشارة بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وصفته وبعثته وصفة أمته دون تحريف ولا تبديل. فهؤلاء المتصفون بهذه الصفات سواء كانوا هودا أو نصارى لهم الثواب الكامل على أعمالهم وطاعاتهم عند ربهم الذي رباهم بنعمه وهداهم إلى الحق، والله سريع الحساب فهو سريع الإحصاء، يحاسب الناس جميعا في وقت قصير حسابا لا خلل فيه ولا قصور، ولا مهرب ولا معقب على حكم الله. وهذا كقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنَّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القصص 28/ 52- 54] وقوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف 7/ 159] . هذه الصفات وجدت في بعض اليهود وهم قلة مثل عبد الله بن سلام وأمثاله من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا: إِنَّا نَصارى إلى قوله تعالى: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها [المائدة 5/ 85] . ثم ختم الله تعالى هذه السورة بوصية عامة للمؤمنين تؤهلهم لإجابة الدعاء والنصر في الدنيا والثواب في الآخرة، وتتضمن الوصية: - الصبر على التكاليف الدينية ومنها الصلوات الخمس، وعلى المصائب والشدائد من مرض وفقر وخوف. - المصابرة للأعداء أي مسابقتهم إلى تحمل الشدائد والمكاره، ومصابرة الأنفس والهوى.
فقه الحياة أو الأحكام:
- المرابطة في الثغور استعدادا للقاء العدو وفي المساجد، وفي مواطن الاستعداد للجهاد على الحدود القريبة للأعداء، روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتّان» أي الشيطان. - تقوى الإله والخوف منه والحذر من عذابه ومراقبته في السر والعلن وامتثال المأمورات واجتناب المحظورات. ولا شك أن من يلتزم بهذه الوصية يصل إلى الفلاح والفوز بالمأمول والنجاة والظفر في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي وهي وصايا تصلح خلاصة لما تضمنته سورة آل عمران: 1- عدم الاغترار بما عليه الكفار من سعة ورفاه ورغد عيش في الدنيا، فذلك كله إلى زوال وعذابهم قريب في نار جهنم، والباقي الخالد وهو نعيم الآخرة خير منه، والإنعام على الإنسان مع بقائه على كفره ومعاصيه استدراج، لا دليل الرضا عنه. 2- للأتقياء الطائعين جزاء حسن واف وهو الخلود في جنان الله الفسيحة، إكراما لهم. 3- إن إقدام بعض أهل الكتاب على الإيمان بالقرآن هو استمرار للإيمان بكتبهم السابقة، وهو خير لهم وأبقى.
4- الصبر على الطاعات، ومصابرة العدو والنفس والهوى، والمرابطة عند الثغور، وتقوى الله طريق الفوز والنصر في الدنيا على الأعداء، والنجاة من عذاب الله، والظفر بنعيم الآخرة.
سورة النساء:
بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء مدنية وهي مائة وست وسبعون آية، وهي السورة الرابعة من القرآن الكريم. مدنيتها: روى البخاري عن عائشة قال: «ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» . وبدأت حياتها مع النبي في شوال من السنة الأولى للهجرة. فضلها: روى الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الآية، وإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية، وإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ الآية. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وابن جرير الطبري عن ابن مسعود بعبارة مقاربة. مناسبتها لآل عمران: هناك أوجه شبه ووشائج صلة تربط بين السورتين أهمها:
لتسمية:
1- اختتام آل عمران بالأمر بالتقوى للمؤمنين، وافتتاح هذه السورة بذلك للناس جميعا. 2- نزول آية فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.. بمناسبة غزوة أحد، مع نزول ستين آية في الغزوة في آل عمران. 3- نزول آية وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ بمناسبة غزوة حمراء الأسد بعد نزول آيات الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ في تلك الغزوة في آل عمران (172- 175) . لتسمية: سميت «سورة النساء الكبرى» لكثرة ما فيها من أحكام تتعلق بالنساء، وسميت سورة الطلاق في مقابلها «سورة النساء القصرى» . ما اشتملت عليه السورة: تضمنت السورة الكلام عن أحكام الأسرة الصغرى- الخلية الاجتماعية الأولى، والأسرة الكبرى- المجتمع الإسلامي وعلاقته بالمجتمع الإنساني، فأبانت بنحو رائع وحدة الأصل والمنشأ الإنساني بكون الناس جميعا من نفس واحدة، ووضعت رقيبا على العلاقة الاجتماعية العامة بالأمر بتقوى الله في النفس والغير وفي السر والعلن. وتحدثت السورة بنحو مطول عن أحكام المرأة بنتا وزوجة، وأوضحت كمال أهلية المرأة واستقلالها بذمتها المالية عن الرجل ولو كان زوجا، وحقوقها الزوجية في الأسرة من مهر ونفقة وحسن عشرة وميراث من تركة أبيها أو زوجها، وأحكام الزواج وتقديس العلاقة الزوجية، ورابطة القرابة المحرمية والمصاهرة، وكيفية فض النزاع بين الزوجين والحرص على عقدة النكاح، وسبب
وحدة الأصل الإنساني ووحدة الزوجين ورابطة الأسرة [سورة النساء (4) آية 1] :
«قوامة الرجل» وأنها ليست سلطة استبدادية، وإنما هي غرم ومسئولية وتبعة ولتسيير شؤون هذه المؤسسة الصغيرة. ثم أوضحت السورة ميزان الروابط الاجتماعية وأنها قائمة على أساس التناصح والتكافل، والتراحم والتعاون، لتقوية بنية الأمة. وتكاملت أنماط وصور علاقة هذا المجتمع بالمجتمعات الأخرى، سواء مع الجماعات أو الدول، فحددت السورة قواعد الأخلاق والمعاملات الدولية، وبعض أحكام السلم والحرب، ونواحي محاجة أهل الكتاب ومناقشتهم، وما يستتبع ذلك من الحملة المركزة على المنافقين. وذلك كله من أجل إقامة المجتمع الفاضل في دار الإسلام وتطهيره من زيغ العقيدة وانحرافها عن «عقيدة التوحيد» العقلية الصافية إلى فكرة التثليث النصرانية المعقدة البعيدة عن حيّز الإقناع العقلي والاطمئنان النفسي، كما قال تعالى: وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ، إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء 4/ 171] . وحدة الأصل الإنساني ووحدة الزوجين ورابطة الأسرة [سورة النساء (4) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) الإعراب: وَالْأَرْحامَ: معطوف على اسم الله تعالى، وتقديره: واتقوا الله واتقوا الأرحام أن
البلاغة:
تقطعوها. ومن قرأه بالجر فقد قال الكوفيون: إنه معطوف على الهاء في بِهِ وأباه البصريون وقالوا: ولا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار لأن المضمر المجرور كالتنوين، ولا يعطف على التنوين. ومنهم من قال: إنه مجرور بباء مقدرة لدلالة الأولى عليها. البلاغة: يوجد طباق بين قوله: رِجالًا وَنِساءً ويوجد إيجاز في قوله: رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي ونساء كثيرات. المفردات اللغوية: النَّاسُ اسم للجنس البشري، واحده من غير لفظه: إنسان. اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي اتقوا عقابه بأن تطيعوه مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها حواء، من ضلع من أضلاعه اليسرى وَبَثَّ فرق ونشر مِنْهُما من آدم وحواء من طريق التناسل والتوالد رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرات تَسائَلُونَ أي تتساءلون، أي يسأل بعضكم بعضا بأن يقول: سألتك بالله أن تفعل كذا، وأسألك بالله، وأنشدك بالله وَالْأَرْحامَ جمع رحم، وهي هنا القرابة من جهة الأب أو الأم، أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، والمراد: خافوا حق إضاعة الأرحام. ومن قرأ بالجر عطفه على الضمير في بِهِ وكانوا يتناشدون بالرحم رَقِيباً أي مشرفا والمراد: حافظا لأعمالكم، فيجازيكم بها، وهو لا يزال متصفا بذلك، فهو الحفيظ المطلع العالم بكل شيء. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى الناس العقلاء بتقواه بامتثال الأوامر واجتناب المنهيات في كل ماله صلة بعبادته وحده لا شريك له وبحقوق العباد، ويؤكد الأمر بالتقوى بما يحمل على الامتثال، بذكر الربوبية المضافة إلى المخاطبين التي تربيهم بنعمه وتفيض عليهم من إحسانه، ثم ذكر لفظ الله في الأمر الثاني بالتقوى، لأن الله علم المهابة والجلالة، ثم التذكير بأنه خالقهم، والتنبيه على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، فهم من أصل واحد كلهم لآدم وآدم من تراب، وأنه خلق من تلك النفس زوجها وتناسل منهما البشر ذكورا وإناثا، وجعل من تلك الذرية رابطة الأسرة القائمة على الرحم وصلة الدم والقرابة مما يدعوهم إلى التراحم
والتعاون. وكل ذلك دليل على القدرة الإلهية الباهرة التي تستوجب التقوى، وتحذر من العقاب، كما أن نعمة القرابة تدعو إليها عرفانا بالوفاء وقياما بحق الشكر لأن القرابة دعم وصلة وتعاطف وود ومحبة تشعر الإنسان بالسعادة، وتجعله يحس بالقوة المعنوية في المجتمع، فيسر بسرور أسرته ويحزن بحزنها، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد والحاكم عن المسور: «فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها..» . وفي التذكير بالأصل الإنساني الواحد دلالة على وجوب التزام حدود الإنسانية، وأن الإنسان أخ الإنسان أحب أم كره، والأخوة تقتضي المسالمة والتعاون ونبذ المحاربة والخصومة والتقاطع. والمقصود بالنفس الواحدة في رأي جمهور العلماء: آدم عليه السلام الذي هو أبو البشر، وأنه ليس هناك سوى آدم واحد، أما من يدعي وجود أوادم قبله، فهو يصادم ظواهر القرآن الكريم. والمقصود بالزوج هو حواء، وقد خلقت من ضلع آدم الأيسر، وهو نائم، فاستيقظ، فرآها فأعجبته، وأنس إليها وأنست إليه، بدليل الحديث الصحيح عند الشيخين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج» . وذهب بعض العلماء كأبي مسلم الأصفهاني إلى أن المراد: أنه خلق من جنسها زوجها، فهما من جنس واحد، وطبيعة واحدة، وأي فائدة من خلقها من الضلع لأنه سبحانه وتعالى قادر على خلقها كآدم من التراب؟ واستدل بقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها [الروم 30/ 21] أي من جنسكم، مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة 62/ 2] أي من جنسهم، ومثل: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة 9/ 128] .
فقه الحياة أو الأحكام:
ويرد عليه بأن ذلك مخالف لما دل عليه الحديث الصحيح المتقدم، وتكون الحكمة هي إظهار قدرة الله على أن يخلق حيا من حي، لا على سبيل التوالد، كقدرته على أن يخلق حيا من جماد. ثم بين الله تعالى طريق تكاثر النوع الإنساني، فذكر أنه نشر وفرق من آدم وحواء نوعي جنس البشر وهما الذكور والإناث التي تفرع منهما الإنسان الذي سكن الأرض وعمرها. ثم أكد تعالى الأمر السابق بالتقوى من طريق سؤال الناس بعضهم بعضا بالله لقضاء حوائجهم، فذلك السؤال بالله يدل على الإيمان به وتعظيمه، فيقول: سألتك بالله أن تقضي هذه الحاجة، راجيا إجابة طلبه، فهذا القول من موجبات امتثال أوامر الله، ومن امتثل ذلك اتقى الله وحذر مخالفة أوامره واجتنب نواهيه. وكما يجب اتقاء الله يجب اتقاء قطع الأرحام، أي اتقوا الله الذي تتساءلون باسمه إيمانا به وتعظيما له، واتقوا الأرحام، أي صلوها بالود والإحسان ولا تقطعوها، فإن قطعها مما يجب أن يتقى. ثم ختم تعالى الآية بإعلامه أنه مطلع على كل شيء رقيب حفيظ لكل عمل وحال، فلا يشرع لنا إلا ما به حفظنا ومصلحتنا، وهو البصير بأحوالنا. وهذا في موضع التعليل للأمر بالتقوى ووجوب الامتثال. وهذه الخاتمة مثل قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة 58/ 6] . فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى أحكام كثيرة: 1- وجوب التزام التقوى التي هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات. وقد أكد تعالى الأمر بها حثا عليها، فعبّر أولا للترغيب بلفظ (الرب) الذي
يدل على التربية والعناية والإنعام والإحسان، ثم للترهيب بلفظ اللَّهَ الذي يدل على الهيبة والجلال، وهو مصداق قوله تعالى: يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً هذا بالإضافة لمؤكدات أخرى كالسؤال بالله على سبيل الاستعطاف مما يدل على الإيمان بالله وتعظيمه، وكرقابة الله واطلاعه على جميع أحوال الناس وأعمالهم، مما يقتضي الاتقاء والحذر من العصيان والمخالفة للأوامر والنواهي. 2- كون البشرية من أصل واحد ومنشأ واحد، أبوهم آدم وآدم من تراب، فهي النفس الواحدة، ووحدتها تقتضي جعل الأسرة الإنسانية متراحمة متعاونة متحابة غير متعادية ولا متخاصمة ولا متقاطعة. 3- المراد بالنفس الواحدة آدم أبو البشر عليه السلام، والنفس هنا هي الجسم والروح. وللجسم أو الجسد وظائف عضوية مادية، وللنفس وظائف روحية ومعنوية، وآثار محسوسة مثل العقل والحفظ والتذكير. واختلف العلماء المسلمون في حقيقة النفس أو الروح على رأيين: رأي يقول: إنها حالة تعرض للجسم ما دام حيا، والرأي الأشهر: أنها جسم نوراني علويّ خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في النبات، منفصل عن الجسم، متصل به في حال الحياة. وافتتاح السورة ب أَيُّهَا النَّاسُ بالرغم من أن السورة مدنية براعة استهلال لما في السورة من أحكام الزواج والمواريث والحقوق الزوجية، وأحكام المصاهرة والرضاع وغيرها من أحكام الرابطة الإنسانية. والغالب إذا كان الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ وكان الخطاب للكافرين فقط أو معهم غيرهم أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية، وإذا كان الخطاب للمؤمنين أعقب بذكر النعم. 4- المرأة جزء حقيقي من الرجل، منه خلقت، وإليه تعود، يأنس كل منهما بالآخر، ويألفه ويحن إليه، سواء أكانت المرأة أما أم أختا أم بنتا أم
زوجة، مما يوجب دوام التعاون بينهما في مسيرة الحياة، ويدل على تكامل الكون بوجود عنصري الذكورة والأنوثة، ويبرهن على أنهما مصدر بقاء النوع الإنساني، كما جاء في الآية: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً. 5- جواز المساءلة بالله تعالى، روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم: «من سألكم بالله فأعطوه» . 6- تعظيم رابطة القرابة وحق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها، سواء أكانت من جهة الأب أم من جهة الأم إذ قرن الله الأرحام باسمه تعالى، وحذر من قطيعة الرحم في آية أخرى هي: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [محمد 47/ 22] فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض. واتفق المسلمون على أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرّمة، وقد صح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأسماء، وقد سألته: «أأصل أمي» : «نعم صلي أمك» فأمرها بصلتها وهي كافرة مشركة. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: أما ترضين أني أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك» . والرحم هنا: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم كالأخت والخالة وغيره، كابن العم. وتدل الآية أيضا على جواز التساؤل بالأرحام، على قراءة إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة: «الأرحام» بالجر، وليس في ذلك حلف بغير الله لأن قول الرجل لصاحبه: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف والتأكيد، فهو ليس بيمين، فلا يكون من المنهي عنه في حديث الشيخين عنه صلّى الله عليه وسلّم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» .
إيتاء اليتامى أموالهم وتحريم أكلها [سورة النساء (4) آية 2] :
7- دل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً على مراقبة الله في السر والعلن، فهو إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر- وهم مجتابو النمار أي من عريهم وفقرهم- قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ حتى ختم الآية، ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر 59/ 18] ثم حضهم على الصدقة فقال: «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره» الحديث. وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود. إيتاء اليتامى أموالهم وتحريم أكلها [سورة النساء (4) : آية 2] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) البلاغة: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ مجاز مرسل باعتبار ما كان، أي أتوا الذين كانوا يتامى. وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ: الباء داخلة على المتروك، كما هو المقرر لغة، وفيهما طباق. المفردات اللغوية: الْيَتامى جمع يتيم: وهو من فقد أباه، وهو شرعا وعرفا مختص بمن كان دون البلوغ،
سبب النزول:
ويكون المراد: آتوا الصغار الذين لا أب لهم أَمْوالَهُمْ إذا بلغوا الْخَبِيثَ الحرام بِالطَّيِّبِ الحلال، أي لا تأخذوا بدل الطيب الحلال مالا حراما، كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم، وجعل الرديء من مالكم مكانه. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ أي لا تجعلوها مضمومة إليها إِنَّهُ أي أكلها كانَ حُوباً كَبِيراً إثما وذنبا عظيما. سبب النزول: قال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من يوق شح نفسه ورجع به هكذا، فإنه يحلّ داره، يعني جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله تعالى، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ثبت الأجر وبقي الوزر، فقالوا: يا رسول الله، قد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر، وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده «1» . التفسير والبيان: موضوع الآية: يأمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم. والخطاب للأوصياء ما دام المال بأيديهم واليتامى عندهم. وهذا شروع في بيان أحوال التقوى، وأولها الحفاظ على مال الأيتام الضعفاء، بعد تذكير الله بصلة الرحم والقرابة.
والمعنى: يا أيها الأوصياء على اليتامى، أعطوا الأيتام أموالهم بعد البلوغ كاملة غير منقوصة، وأنفقوا عليهم في حال أصغر من أموالهم، ولا تضموا شيئا منها إلى أموالكم، وعبر بالأكل عن سائر التصرفات المتلفة للأموال وسائر وجوه الانتفاع لأن معظم ما يقع من التصرفات لأجل الأكل. وقوله: إِلى بمعنى «مع» أو بمعناها الحقيقي أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل. فإنكم إن فعلتم ذلك استبدلتم بالحلال وهو مالكم المكتسب من فضل الله، الحرام وهو مال الأيتام، ويكون هذا الأكل ذنبا عظيما وإثما كبيرا. روي أنهم كانوا يضعون الشاة الهزيلة ويأخذون بدلها شاة سمينة، فنهوا عن ذلك. واليتيم: من مات أبوه مطلقا، ولكن خصص في الشرع والعرف كما بينت بالصغير، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما يرويه أبو داود عن علي رضي الله عنه-: «لا يتم بعد احتلام» . وليست الآية في إيتاء اليتامى أموالهم على ظاهرها، فلا يعطونها قبل البلوغ، ويكون إيتاء الأموال مجازا عن تركها سالمة من غير أن يتعرض لها بسوء، بدليل الآية الأخرى: وَابْتَلُوا الْيَتامى أي اختبروا صلاحيتهم لتسلم أموالهم عند البلوغ، فهذه الآية حث على تسليم المال فعلا عند حصول البلوغ والرشد، وأما الآية: وَآتُوا الْيَتامى فهي حث على حفظ أموال اليتامى لتسلم لهم عند بلوغهم ورشدهم. والأولى أن يكون الإيتاء مستعملا بمعناه الحقيقي وهو الإعطاء بالفعل، وتكون كلمة الْيَتامى مجازا باعتبار ما كان، وعبر باليتامى لقرب العهد بالصغر، وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم لأن اليتم ضعف، وهو يستدعي الرحمة والعفة، حتى كأن اسم اليتم باق بعد البلوغ، وهذا المعنى يسمى في أصول الفقه بإشارة النص.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: قال مجاهد: وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها، فنهوا عن ذلك، ثم نسخ بقوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة 2/ 220] . وليس المراد بالآية إيتاء اليتامى أموالهم في حال اليتم، وإلا تعرضت للضياع، وإنما يجب الدفع إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، عملا بالآية التالية: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء 4/ 6] . قال الجصاص الرازي الحنفي: أطلق الله تعالى في آية: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ إيجاب دفع المال من غير قرينة الرشد، ومتى وردت آيتان إحداهما خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم، والأخرى عامة غير مضمنة بقرينة، وأمكن استعمالهما على فائدتهما، لم يجز لنا الاقتصار بهما على فائدة إحداهما، وإسقاط فائدة الأخرى. ثم ذكر الجصاص رأي أبي حنيفة: وهو وجوب تسليم المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة على أي حال كان، فإذا بلغها ولم يؤنس منه رشد، وجب دفع المال إليه، لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد، لاتفاق أهل العلم على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه «1» . وقال أبو حنيفة: لما بلغ رشده صار يصلح أن يكون جدّا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتم؟! وهل ذلك إلا في غاية البعد؟
إباحة تعدد الزوجات إلى أربع ووجوب إيتاء المهر [سورة النساء (4) الآيات 3 إلى 4] :
ورد ابن العربي على ذلك الرأي فقال: الحكم بخمس وعشرين سنة لا وجه له، لا سيما وأبو حنيفة يرى المقدّرات لا تثبت قياسا، وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة نص ولا قول من جميع وجوهه، ولا يشهد له المعنى «1» . والخلاصة: دلت الآية على أمرين: 1- وجوب دفع أموال اليتامى لهم عند توافر الأهلية الملائمة لإدارة الأموال. 2- كل وجوه الانتفاع ومنها الأكل بمال اليتيم حرام ومن كبائر الذنوب العظيمة إلا عند الحاجة، عملا بالآية التالية: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء 4/ 6] . إباحة تعدد الزوجات إلى أربع ووجوب إيتاء المهر [سورة النساء (4) : الآيات 3 الى 4] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) الإعراب: فِي الْيَتامى أي في نكاح اليتامى، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ منصوب على البدل من ما للعدل والوصف، أي أن الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد، معدولة عن اثنين وثلاثة وأربعة، وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها، فمثنى
المفردات اللغوية:
تدل على اثنين اثنين، وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدل على أربعة أربعة. ويصح كونها منصوبا على الحال من فاعل طاب أو من مرجعه. فَواحِدَةً أي فانكحوا واحدة، وهو جواب الشرط في قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا وقرئ بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهي واحدة، أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فامرأة واحدة تقنع، والأول أولى. نِحْلَةً منصوب على المصدر نَفْساً منصوب على التمييز هَنِيئاً مَرِيئاً: حالان من هاء فَكُلُوهُ وهي تعود على شيء. والواو في فَكُلُوهُ تعود على الأولياء أو على الأزواج. المفردات اللغوية: تُقْسِطُوا تعدلوا ولم تظلموا، من أقسط: عدل، مثل قوله تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. وأما قسط: فمعناه جار، قال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً. ما طابَ لَكُمْ ما مال إليه القلب منهن. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ هذه ألفاظ عدد معدولة عن اثنتين اثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فيهن بالنفقة والقسم في المبيت والمعاملة فَواحِدَةً أي انكحوا واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ اقتصروا على ما ملكتم من الإماء، إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات. ذلِكَ أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسري أَدْنى أقرب إلى أَلَّا تَعْدِلُوا تجوروا، أي ذلك أقرب إلى عدم العول والجور. وَآتُوا أعطوا صَدُقاتِهِنَّ مهورهن، جمع صدقة نِحْلَةً عطية وهبة عن طيب نفس فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً تمييز محول عن الفاعل، أي طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق، فوهبنه لكم هَنِيئاً مَرِيئاً الهنيء: ما يستلذه الآكل، والمريء: ما تحسن عاقبته وهضمه وتغذيته، أي أنه محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة. سبب النزول: نزول الآية (3) : وَإِنْ خِفْتُمْ: روى الصحيحان والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عروة بن الزّبير أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن هذه الآية،
نزول الآية (4) :
فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، يشركها في مالها، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوّجها من غير أن يقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ما يعطى أترابها من الصداق، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع. وقال سعيد بن جبير وقتادة والرّبيع والضّحّاك والسّدّي: كانوا يتحرّجون عن أموال اليتامى ويترخّصون في النّساء، ويتزوّجون ما شاؤوا، فربّما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن اليتامى، فنزلت آية اليتامى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الآية، أنزل الله تعالى أيضا: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى يقول: كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهنّ، فلا تتزوّجوا أكثر ما يمكنكم القيام بحقهنّ لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز. وهذا قول ابن عبّاس في رواية الوالبي (علي بن ربيعة بن نضلة ثقة من كبار الثالثة) . نزول الآية (4) : وَآتُوا النِّساءَ: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوّج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، فأنزل: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً. التفسير والبيان: موضوع الآية يتحدد بحسب النزول فهو إما في التزوّج بالنساء غير اليتيمات، أي إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه. وإما في العدل بين النساء ومنع إلحاق الظلم بهنّ حالة التعدد، أي أنه لما نزلت آية: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ تحرج الأولياء من ولايتهم مع أنهم كانوا
لا يتحرّجون من ترك العدل في حقوق النساء، حيث كان تحت الرجل عشرة منهن، لا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى، فتحرجتم، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء، وقللوا عدد المنكوحات منهن لأن من تحرّج من ذنب، وهو مرتكب مثله، فهو غير متحرج. والمراد من الخوف: العلم، عبر بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا. أي إن علمتم وأحسستم من أنفسكم إلحاق الظلم باليتامى بعدم إعطائهن مهورهن، أو بأكل أموال الأيتام بالباطل، فعليكم ألا تتزوّجوا باليتيمة، وتزوّجوا بغيرها من النساء واحدة أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا، أو عليكم أن تعدلوا بين النساء حال التعدد، فلا تتزوجوا بأكثر من أربع لتتمكنوا من العدل والقسم بينهن، وتكون أحوال الرجال زمرا متنوعة، فمنهم من يتزوّج اثنتين، ومنهم من يتزوّج ثلاثا، ومنهم من يتزوّج أربعا، وعدد الأربع هو الحدّ الأقصى الذي يمكن معه العدل بين الزوجات. والأمر في قوله: فَانْكِحُوا للإباحة، مثل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة 2/ 187 وغيرها] ، وقيل: للوجوب أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لا وجوب أصل النكاح. وقوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ تدلّ كلّ كلمة منها على المكرر من نوعها، فمثنى تدلّ على اثنين اثنين، وثلاث تدلّ على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدلّ على أربعة أربعة، والمراد منها الإذن لكلّ من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور، متّفقين فيه أو مختلفين. ثمّ أكّد الله تعالى ضرورة التزام العدل بين الزوجات المتعددات، المفهوم من قوله وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا ... فذكر أنه إن خفتم ألا تعدلوا حال تعدّد الزوّجات،
فعليكم أن تلزموا الزوّاج بواحدة، فإن الذي يباح له التعدّد هو من يثق بنفسه بتحقيق العدل المأمور به صراحة في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء 4/ 129] . وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب، ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجا عدم جواز التعدّد بوجه ما. والخوف من عدم العدل يشمل حال الظنّ والشّك في ذلك. فإما أن تقتصروا على واحدة من الحرائر أو تقتصروا على الاستمتاع بما تشاؤون من الإماء (السّراري) بطريق التّسري لا بطريق النكاح لعدم وجوب العدل بينهن، وإنما المطلوب فقط حقّ الكفاية في نفقة المعيشة بحسب العرف. ذلك أي اختيار الواحدة أو التّسري أقرب إلى الوقوع في عدم الجور والظلم، فالمراد من قوله: أَلَّا تَعُولُوا ألا تجوروا. وحكي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه فسّر أَلَّا تَعُولُوا بألا تكثر عيالكم، نقل الكسائي والأصمعي والأزهري عن فصحاء العرب: عال يعول: إذا كثرت عياله. والخلاصة: إن البعد عن الجور سبب في تشريع الاقتصار على واحدة أو على التّسري، وفيه إشارة إلى اشتراط العدل بين الزوجات. والعدل المطلوب بين النساء هو العدل المادي أي القسم بينهن في المبيت، والتّسوية في نفقات المعيشة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. أما العدل المعنوي أو الأمر القلبي وهو الميل والحبّ فغير مطلوب لأنه ليس في وسع الإنسان ولا يدخل في حدود طاقته. لذا كان الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الذي كان يميل إلى عائشة أكثر من غيرها يقول فيما ذكرته السنن عن عائشة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك» أي من ميل القلب. وإذا خاف الشخص عدم العدل حرم عليه أن يتزوّج أكثر من واحدة. ثم خاطب الله الأزواج فأمرهم بإعطاء الزّوجات مهورهن عن طيب نفس دون تلكؤ، رمزا للمودّة التي تقوم بين الزّوجين، وعنوانا على المحبة وتكريم
فقه الحياة أو الأحكام:
المرأة. ذهب ابن عبّاس إلى أن الخطاب في هذه الآية: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ للأزواج، وكان الرجل يتزوّج بلا مهر، يقول: أرثك وترثينني، فتقول: نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إيتاء المهور. وقيل: الخطاب للأولياء، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرّجل إذا زوّج أيّما (وهي المرأة التي لا زوج لها) أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزلت: وَآتُوا النِّساءَ. فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئا من المهر من غير ضرار ولا خديعة، فكلوه هنيئا مريئا، أي يحلّ لكم ذلك ولا ذنب عليكم في أخذه، لا تخافون في الدّنيا مطالبة، ولا في الآخرة تبعة. وعبر بالأكل وأراد حلّ التصرّف فيه، وخصّ الأكل بالذّكر لأنه معظم وجوه التّصرفات المالية، كما في قوله تعالى المتقدم: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت آية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا على ما يأتي: 1- وجوب التزام العدل في كلّ شيء، سواء في الإشراف على أموال اليتامى، أو في الزّواج بهن، أو في أثناء تعدّد الزوجات من غير اليتيمات، قال ابن عبّاس وابن جبير وغيرهما: المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك خافوا في النّساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى، ولا يتحرّجون في النّساء. وقالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ قالت: وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ المراد منه هذه الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ والمعنى: وإن علمتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى اللاتي تلونهن، فانكحوا، ما مالت إليه نفوسكم من النّساء غيرهنّ. والمقصود النّهي عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل. 2- الآية على تأويل عائشة هذا تشهد لمن قال: إن لغير الأب والجدّ أن يزوّج الصغيرة أو يتزوّجها لأنها على هذا التأويل نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط لها في الصداق، وأقرب ولي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوّجها هو «ابن العم» . وعليه تكون الآية متضمنة جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره. وإذا جاز له أن يتزوّجها، فإما أن يلي هو النكاح بنفسه، وإما أن يزوّجه إياها أخوها مثلا. وأيّا ما كان فلغير الأب والجدّ أن يزوّج الصغيرة. وأما من قال من الأئمة: لا يزوج الصغيرة إلا الأب أو الجد، يحمل الآية على أحد التّأويلين الآخرين (عدم الإقساط في مهرها، أو التّحرّج في ولاية الأيتام) أو يحمل اليتامى على الكبار منهن، وعلى طريق المجاز المرسل باعتبار ما كان لقرب عهدهن باليتيم. 3- تعلّق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وقال: إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي المرأة مطلقة لا يتيمة، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطّها عن صداق مثلها لأنها تختار ذلك، فيجوز إجماعا. وذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ
وتستأمر، لقوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال: فِي يَتامَى النِّساءِ والمراد به هناك: اليتامى هنا، كما قالت عائشة رضي الله عنها، فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية، فلا تزوّج إلا بإذنها، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن لا تزوّج إلا بإذنها، كما رواه الدّارقطني عن ابن عمر، قال: زوّجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال قدامة: يا رسول الله، ابنة أخي، وأنا وصي أبيها، ولم أقصّر بها، زوّجتها من قد علمت فضله وقرابته. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها» فنزعت مني وزوّجها المغيرة بن شعبة. 4- دلّ تفسير عائشة للآية على وجوب صداق المثل إذا فسد تعيين الصداق ووقع الغبن في مقداره، لقولها: «بأدنى من سنّة صداقها» . 5- إذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها، جاز له أن يتزوّجها، ويكون هو النكاح والمنكح، على ما فسّرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور، أي أنه يمكن انعقاد الزواج بعاقد واحد. وقال زفر والشافعي: لا يجوز له أن يتزوّجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه وليّ لها غيره لأن الولاية شرط من شروط العقد، لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه البيهقي عن عمران وعن عائشة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب، أي لا بدّ من تعدد العاقد. 6- في الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع، وأنه لا يجوز التّزوج بأكثر من أربعة مجتمعات في عصمة رجل واحد لأن هذا العدد قد ذكر في مقام
التوسعة على المخاطبين، فلو كان وراء هذا العدد مباح، لاقتضى المقام ذكره. ولا يدلّ هذا العدد: مثنى وثلاث ورباع على إباحة تسع، وعضد ذلك بأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم نكح تسعا، وجمع بينهن في عصمته. ويرده إجماع الصحابة والتابعين على الاقتصار على أربع، ولم يخالف في ذلك أحد، وأخرج مالك في موطئه والنسائي والدّارقطني في سننهما أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لغيلان بن أميّة الثقفي، وقد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر منهن أربعا وفارق سائرهن» . 7- وتمسّك الإمام مالك وداود الظاهري والطبري بظاهر هذه الآية في مشروعية نكاح الأربع للأحرار والعبيد، على حدّ سواء، فالعبيد داخلون في الخطاب بقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ.. فيجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار، ولا يتوقّف نكاحهم على الإذن لأنهم يملكون الطلاق فيملكون النكاح. وذهب الحنفية والشافعية إلى أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، لما روى الليث عن الحكم قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين. قالوا: والخطاب في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ.. لا يتناول العبيد لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد لا يملك ذلك لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه ابن ماجه عن ابن عمر: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر» . ولأن قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لا يمكن أن يدخل فيه العبيد، لعدم الملك، وكذلك قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ.. لا يشمل العبيد لأن العبد لا يتملك، بل يكون الشيء الموهوب له لسيّده، فيكون الآكل السيّد لا العبد.
وما عقوبة الذي يتزوّج خامسة وعنده أربع؟ اختلف العلماء، فقال مالك والشافعي وأبو ثور: عليه الحدّ إن كان عالما. وقال الزّهري: يرجم إذا كان عالما، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد، ولها مهرها، ويفرّق بينهما ولا يجتمعان أبدا. وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك. وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك. وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) : يحدّ في ذات الزواج المحرّم ولا يحدّ في غير ذلك من النّكاح، مثل أن يتزوّج مجوسية أو خمسة في عقد، أو تزوّج متعة أو تزوّج بغير شهود، أو أمة تزوّجها بغير إذن مولاها. 7- الاقتصار على امرأة واحدة واجب عند خوف الظلم لأن معنى قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً: إن خفتم من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فمن خاف من ذلك، فليقتصر على واحدة أو على الجواري السّراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج. وأرشدت الآية: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ إلى ما يأتي: 1- وجوب المهر للزّوجة: إن الفروج لا تستباح إلا بصداق يلزم، سواء أسمي ذلك في العقد أم لم يسمّ. وإن الصداق ليس في مقابلة الانتفاع بالبضع لأن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركة بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزّوجة المهر، فكان ذلك عطية من الله ابتداء. وهذا مجمع عليه ولا خلاف فيه: ونظير الآية قوله: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء 4/ 25] أي أعطوهن مهورهن.
وأجمع العلماء أيضا على أنه لا حدّ لكثير المهر، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً. 2- التنازل عن المهر: يجوز للزوجة أن تعطي زوجها مهرها أو جزءا منه، سواء أكان مقبوضا معينا أم كان في الذمة، فشمل ذلك الهبة والإبراء. ولكن ينبغي للأزواج الاحتياط فيما أعطت نساؤهم، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: فَإِنْ طِبْنَ ولم يقل: فإن وهبن، إعلاما بأن المراعى في ذلك التنازل عن المهر طيبة به نفسها من غير إكراه مادي أو أدبي، أو سوء معاشرة، أو خديعة. ويدلّ عموم قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ على أن هبة المرأة صداقها لزوجها جائزة، سواء أكانت بكرا أم ثيّبا. وبه قال جمهور الفقهاء. ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها، وجعل ذلك للولي، مع أن الملك لها. واتّفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها، نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. وإن تنازلت المرأة عن شيء من صداقها بشرط عند عقد النّكاح ألّا يتزوّج عليها، ثمّ تزوّج عليها، فلا شيء لها في رواية ابن القاسم عن مالك لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه. وقال ابن عبد الحكم: إن خالف هذا الشرط، رجعت عليه بتمام صداق مثلها لأنه شرط عليه نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا، كان لها واجبا أخذه منه، فوجب عليه الوفاء، لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه الحاكم عن أنس وعائشة: المسلمون عند شروطهم» . 3- إباحة أخذ الزّوج المهر: يحلّ للزّوج أخذ ما وهبت زوجته بالشّرط السابق: «طيب النّفس» من غير أن يكون عليه تبعة في الدّنيا والآخرة.
الحكمة من تعدد الزوجات:
وليس المقصود من قوله: فَكُلُوهُ صورة الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان. وهو معنى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ليس المراد نفس الأكل إلّا أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتّع بالمال عبّر عن «التّصرفات» بالأكل. ونظيره قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة 62/ 9] إن صورة البيع غير مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النّكاح وغيره، ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى. 4- إيجاب المهر في الخلوة الصحيحة: احتجّ الجصاص «1» بقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة، ولو طلقت قبل الدخول (المساس) . ويلاحظ أن الآية عامة في كلّ النساء، سواء المخلو بها وغيرها إلّا أن قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ يدلّ على أنه لا يجب للمخلو بها إلّا نصف المهر، وهذه الآية خاصة، والخاص مقدم على العام. الحكمة من تعدد الزوجات: الوضع الطبيعي وهو الأشرف والأفضل أن يكون للرجل زوجة واحدة، لأن الغيرة مشتركة بين الزوج والزوجة، فكما أن الزوج يغار على زوجته، كذلك الزوجة تغار على زوجها. ولكن الإسلام أباح التعدّد لضرورة أو حاجة وقيّده بقيود: القدرة على الإنفاق، والعدل بين الزّوجات، والمعاشرة بالمعروف. والإباحة لأحوال استثنائية منها:
أسباب تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم:
1- عقم الزوجة: الرّجل بالفطرة يحبّ 7 نجاب الولد وأن تذهب ثروته ونتيجة جهوده لأولاده فإذا كانت المرأة عاقرا لا تلد، فأيهما أولى: الطلاق أم تعدد الزوجات؟ لا شك بأن الزواج من امرأة ثانية أخفّ ضررا على الزوجة الأولى بشرط صون كرامتها، وأداء حقوقها كاملة غير منقوصة. 2- كثرة النساء: إن المواليد من الإناث أكثر من الذكور في غالب البلاد، وقد تكثر النساء ويقل الرجال عقب أزمات الحروب، فيكون الأفضل تعدد الزوجات تحقيقا لعفاف المرأة وصونا لها عن ارتكاب الفاحشة، وتطهيرا للمجتمع من آثار الزنى وما يعقبه من انتشار الأمراض وكثرة المشردين واللقطاء. 3- الحالة الجنسية: قد تصاب المرأة بالبرود الجنسي ولا سيما عقب بلوغ سن اليأس أو قبله عند استئصال الرحم بسبب مرض. وقد يكون الرجل ذا قدرة جنسية زائدة أو شبق دائم مستمر، وهو لا يكتفي بامرأة واحدة، لعدم استجابتها أحيانا، أو لطروء الحيض عليها أسبوعا في كل شهر على الأقل، فيكون اللجوء للتزوج بزوجة ثانية حاجزا له عن الوقوع في الزنى الذي يضيّع الدّين والمال والصّحة، ويسيء إلى السّمعة. أما إساءة استعمال بعض المسلمين إباحة تعدّد الزوجات كالانتقام من الزوجة السابقة، أو لمجرّد الشّهوة، لا لهدف مما ذكر، فهو تصرّف شخصي لا يسيء إلى الأصول والمبادئ الإسلامية التي أباحت التعدّد مقيّدا بقيود معينة. وعلى كلّ حال، نادى كثير من فلاسفة الغرب بتعدّد الزّوجات، وهو لا شكّ أفضل بكثير من تعدّد العشيقات والمخادنات، وأما الطلاق فهو واقع في كلّ ديار الغرب لأسباب كثيرة بل تافهة يترفّع المسلمون عن مجاراتهم فيها. أسباب تعدّد زوجات النّبي صلّى الله عليه وسلّم: لم يعدد النّبي صلّى الله عليه وسلّم زوجاته إلى تسع بقصد شهواني أو لمتعة جنسية، واقتصر
على واحدة هي السيّدة خديجة أم المؤمنين إلى نهاية الكهولة وهي سنّ الرابعة والخمسين من عمره الشريف، وبعد هذه السّن تقل الرّغبة بالنّساء عادة، وكان أكثرهن ثيّبات لا أبكارا. وإنما كان تعدّد زوجاته لأغراض إنسانيّة واجتماعيّة وإسلاميّة، فقد يتزوّج امرأة بتزويج الله له كزينب بنت جحش لإبطال عادة التّبني، وقد يتزوّج امرأة لتعويضها عن زوجها الذي فقدته بسبب الهجرة أو الجهاد في سبيل الله، وقد يتزوّج من القبائل لتقوية رابطتهم بالإسلام، وربّما كان زواجه أحيانا بقصد نشر الإسلام بين القبائل العربية، فتكون مصاهرته لقبيلة مثل زواجه بجويرية بنت الحارث سببا في اعتناقها الإسلام، فدخل بنو المصطلق في الإسلام بسبب جويرية، وكان في هذا التعدّد فوائد كثيرة من أهمها تعليم نساء المسلمين الأحكام الخاصة بالنّساء أو الخاصة بين الزّوجين، وجعلهنّ قدوة في تطبيق الأحكام الإسلامية المتعلّقة بالأسرة وغيرها لأنه عليه الصلاة والسّلام القدوة الحسنة للمسلمين في أخلاقه ومعاشرته وسلوكه وعبادته ونحو ذلك. والخلاصة: إن تعدّد الزّوجات في الإسلام أمر تلجئ إليه الضرورة، أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة، وإصلاح مفاسده أولى من إلغائه، ولا يجرأ أحد على الإلغاء لأن النصوص الشرعية تدلّ صراحة على إباحته، وتعطيل النّص أو الخروج عليه أمر منكر حرام في شرع الله ودينه. والنّبي صلّى الله عليه وسلّم راعى الحكمة البالغة والمصلحة الإسلامية في اختيار كل زوجة من زوجاته، فأما خديجة فهي الزوجة الأولى التي رزق منها الأولاد، وذلك متّفق مع سنّة الفطرة. وأما سودة بنت زمعة، فلتعويضها عن زوجها بعد رجوعها من هجرة الحبشة الثانية، وهي من المهاجرات الأوليّات، فلو عادت إلى أهلها لعذّبوها وفتنوها عن دينها، وأما عائشة وحفصة فلإكرام صاحبيه ووزيريه:
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وأما زينب بنت جحش فلإبطال توابع عادة التّبنّي مثل تحريم التّزوج بزوجة المتبنّى. وأما جويرية بنت الحارث سيّد قومه بني المصطلق فمن أجل إعتاق الأسرى، وكان ذلك سببا في إسلام بني المصطلق. وأما زينت بنت خزيمة الملقبة أم المساكين فلتعويضها عن زوجها وهو عبد الله بن جحش الذي قتل في أحد، فلم يدعها أرملة تقاسي المتاعب والأحزان. وكذلك زواجه بأم سلمة (واسمها هند) كان لتعزيتها بفقد زوجها أبي سلمة، ولفضلها وجودة رأيها يوم الحديبية. وأما زواجه بأم حبيبة: رملة بنت أبي سفيان بن حرب فلتأليف قلوب قومها وإدخالهم في الإسلام، بعد أن هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة الهجرة الثانية، فتنصّر هناك، وثبتت هي على الإسلام. وأما زواجه بصفية بنت حيي بن أخطب سيّدة بني قريظة والنّضير من سبي خيبر، فمن أجل تحريرها من الأسر وإعتاقها. وأما ميمونة بنت الحارث الهلالية (وكان اسمها برّة) آخر أزواجه بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى، فلتشعب قرابتها في بني هاشم وبني مخزوم «1» .
الحجر على السفهاء والصغار ونحوهم وعدم تسليم المال إليهم إلا بالرشد [سورة النساء (4) الآيات 5 إلى 6] :
الحجر على السفهاء والصغار ونحوهم وعدم تسليم المال إليهم إلا بالرشد [سورة النساء (4) : الآيات 5 الى 6] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) الإعراب: الَّتِي إنما قال التي بلفظ المفرد ولم يقل: اللائي بلفظ الجمع لأنها جمع ما لا يعقل، مثل: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ [مريم 19/ 61] ومثل: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ [هود 11/ 101] . ولو كان جمع من يعقل (العقلاء) لقال: اللاتي مثل: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي وقد تجيء التي في جمع العقلاء، واللاتي في جمع غير العقلاء. إِسْرافاً وَبِداراً منصوبان لأنهما مفعولان لأجله، أو لأنهما مصدران في موضع الحال، أي: لا تأكلوها مسرفين مبادرين. أَنْ يَكْبَرُوا أن المصدرية وصلتها في موضع نصب ب (بدار) أي مبادرين كبرهم. وجملة وَلا تَأْكُلُوها معطوفة على جملة: وَابْتَلُوا الْيَتامى. وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي كفاك الله حسيبا، فالكاف المفعول محذوفة، والباء زائدة، والجار والمجرور في موضع رفع فاعل كفى، مثل: ما جاءني من أحد، والتقدير: كفى الله حسيبا. وحسيبا: منصوب على التمييز، أو منصوب على الحال. البلاغة: غَنِيًّا وفَقِيراً: طباق، ويوجد مقابلة بين وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ.. وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. ويوجد جناس مغاير في دَفَعْتُمْ فَادْفَعُوا وفي قُولُوا
المفردات اللغوية:
قَوْلًا. ويوجد أيضا إطناب في فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وقوله: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ. وأضاف تعالى أموال السفهاء إلى الأوصياء للحث على حفظها وعدم تضييعها لأن مال السفيه مال الأمة. المفردات اللغوية: السُّفَهاءَ جمع سفيه، وهو المبذر من الرجال والنساء والصبيان الذي ينفق ماله فيما لا ينبغي، ولا يحسن التصرف فيه. وأصل السفه: الاضطراب في العقل والسلوك. أَمْوالَكُمُ أي أموالهم التي في أيديكم، وأضيفت إلى الأوصياء للحث على حفظها كما يحفظون أموالهم. قِياماً مصدر (قام) أي تقوم بها أمور معاشكم وصلاح أودكم. وَارْزُقُوهُمْ فِيها أطعموهم منها. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا. والقول المعروف: ما تطيب به النفوس وتألفه. وَابْتَلُوا اختبروا. الْيَتامى أي اختبروهم قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم. حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ صاروا أهلا له بالاحتلام أو السن وهو استكمال خمس عشرة سنة عند الشافعي وأحمد. آنَسْتُمْ أبصرتم وتبينتم. رُشْداً أي صلاحا في التصرف في الأموال. والرشد عند الإمام الشافعي: صلاح الدين والمال. إِسْرافاً مجاوزة الحد في التصرف في المال. وَبِداراً مبادرة ومسارعة إلى الشيء، أي مبادرين إلى إنفاق الأموال قبل بلوغ الكبر. أَنْ يَكْبَرُوا يصبحوا راشدين فيلزمكم تسليم أموالهم إليهم. فَلْيَسْتَعْفِفْ أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع عن أكله. والعفة: ترك ما لا ينبغي من الشهوات. بِالْمَعْرُوفِ بقدر أجرة عمله. حَسِيباً رقيبا حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم. سبب النزول: نزول الآية (6) : وَابْتَلُوا الْيَتامى: نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه. وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحلّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
المناسبة: أمر الله تعالى فيما سبق بإيتاء اليتامى أموالهم وبإعطاء النساء مهورهن، وهنا شرط للإيتاء شرطين يشملان الأمرين معا وهما: عدم السفه، والاختبار محافظة على أموالهم. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى عن تمكين السفهاء المبذرين من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس طريق لتقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ويدل النهي على الحجر على السفهاء إما بسبب الصغر، وإما بسبب الجنون، وإما بسبب سوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وإما بسبب الفلس: وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا طلب الغرماء من الحاكم الحجر عليه، حجر عليه. واختلف العلماء في تعيين المخاطبين بالآية وفي المراد من السفهاء، على أقوال أشهرها: إن المخاطبين بمنع السفهاء أموالهم إما أولياء اليتامى، والسفهاء: هم اليتامى مطلقا أو المبذرون بالفعل أموالهم وإما مجموع الأمة، ويشمل النهي كل سفيه، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم: إن الخطاب لكل عاقل من الناس جميعا، وإن المراد من السفهاء: النساء والصغار. والمقصود النهي عن إيتاء المال لمن لا رشد له من هؤلاء، فيشمل الصبي والمجنون والمحجور عليه للتبذير. وتكون إضافة الأموال على الرأي الأول إلى ضمير الأولياء المخاطبين، مع أنها أموال اليتامى للمبالغة في حملهم على المحافظة عليها، بتنزيل أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لما بين الولي واليتيم من رابطة النسب.
وتكون إضافة الأموال على الرأي الثاني إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها. ومعنى قوله: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً: أن الأموال قوام الحياة، وسبب إصلاح المعاش، وانتظام الأمور، فبالمال تتقدم الأمم وتبني صرح الحضارة، وبالمال يسعد الفرد والجماعة، وبه أيضا يتحقق النصر على الأعداء. وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن احتاج إلى الناس. وعن سفيان، وكانت له بضاعة يتاجر بها، وقيل له: إنها تدنيك من الدنيا فقال: لئن أدنتني من الدنيا، لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا، إنكم في زمان إذا احتاج أحدكم، كان أوّل ما يأكل دينه «1» . وجعل الأموال وسيلة إصلاح شؤون الحياة يقتضي تثميرها وتشغيلها وتنميتها لا اكتنازها وادخارها، كما يقتضي إدارتها بحكمة والاقتصاد في الإنفاق منها، كما سنّ القرآن للمؤمنين بقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان 25/ 67] . وحث النبي صلّى الله عليه وسلّم على الاقتصاد، روى أحمد عن ابن مسعود: «ما عال من اقتصد» وروى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم» . ومعنى قوله: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ: اجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها، فتكون النفقة من ثمرتها وربحها، لا من أصل رأس المال، لئلا يأكله الإنفاق. وهذا مفهوم من جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة، فقال: فِيها ولم يقل: «منها» . ومعنى قوله: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً: أن يقول كل ولي للمولى عليه
كلاما طيبا تطيب به نفسه، ويعده وعدا حسنا، كأن يقول للصغير: المال مالك، وما أنا إلا وكيل أمين عليه، وإذا كبرت رددته إليك. وإذا كان سفيها وعظه ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة ذلك الفقر والحاجة إلى الناس. والقول المعروف: كل ما اطمأنت إليه النفس لحسنه شرعا، أو عقلا من قول أو عمل. وأما المنكر: فهو ما أنكرته النفس لقبحه شرعا أو عقلا. ثم بعد الأمر بإيتاء أموال اليتامى بيّن تعالى وقت الإيتاء ومقدماته، وهي الاختبار، فأمرنا أن نختبر اليتامى قبل الإيتاء، فإن بلغوا سن النكاح وهو بلوغ الحلم، كما قال تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ أي الوصول إلى حد البلوغ وهو حد التكليف والتزام الأحكام الشرعية، وذلك إمام بالاحتلام، أو مجيء الحيض عند الأنثى، أو بالسن وهو اكتمال خمس عشرة سنة في رأي الشافعي وأحمد، إذا بلغوا ذلك وأصبحوا راشدين أي يحسنون التصرف في أموالهم حفظا وإدارة وتنمية، فسلموهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء (الاختبار) حتى تأنسوا منهم الرشد، ورأى أبو حنيفة: أنه يدفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وإن لم يرشد، للآية المتقدمة: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ولأن من بلغ مبلغ الرجال واعتبر إيمانه وكفره، فمنع ماله عنه أشبه شيء بالظلم، وفيه إهدار لكرامته الإنسانية وآدميته. لكن ظاهر الآية أنه لا تدفع إليهم أموالهم، ولو بلغوا، ما لم يؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الجمهور. والاختبار في رأي أبي حنيفة والشافعي يكون قبل البلوغ بدليل الغاية: حَتَّى. وفي رأي مالك: يكون بعد البلوغ. ورتب أبو حنيفة على ذلك أن تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا، وذلك يقتضي صحة التصرف.
وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبي، فابن التاجر مثلا يختبر بالبيع والشراء إلى ما قبل إبرام العقد، وحينئذ يعقد الولي إن أراد. ولو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي لأن سبب منع ماله عنه يقتضي عدم صحة تصرفه. وأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه، ودفعه إليه متوقف على شرطين: بلوغه ثم رشده. والرشد عند الشافعي: صلاح الدين والمال. وعند الجمهور: صلاح المال فقط. ثم نهى الله تعالى الأولياء فقال: ولا تأكلوا أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية مبادرة ومسارعة قبل بلوغهم، أي مسابقين الكبر في السن التي بها يأخذون أموالهم منكم. أما من كان محتاجا مضطرا إلى الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوف أخذه قبل البلوغ، مقابل عمله وإشرافه: فإن كان غنيا غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته، فليعفّ عن الأكل من ماله، ومن كان فقيرا فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية من سد الجوعة، وستر العورة. ويؤيده ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم؟ فقال: «كل من مال يتيمكم غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا، ومن غير أن تقي مالك- أو قال- تفدي مالك بماله» . واستدل الجصاص «1» بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا على أن اليتيم إذا صار في حد الكبر، استحق المال إذا كان عاقلا، من غير شرط إيناس الرشد لأنه إنما شرط إيناس الرشد بعد البلوغ. واستدل بالآية
أيضا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى، إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه. وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة لأن مثله يكون جدّا، ومحال أن يكون جدا، ولا يكون في حد الكبار. وقال الشافعية: إن المراد من قوله: أَنْ يَكْبَرُوا أن يبلغوا راشدين عملا بقوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وعبر عن ذلك بالكبر لأن الغالب أن من بلغ حد الرجال، كان رشيدا. وتساءل العلماء، هل ما يأكله الولي من مال اليتيم يعد أجرة أو لا؟ يرى الحنفية أنه ليس بأجرة. وقال آخرون: إنه أجرة ولم يفرق بين الغني والفقير، كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ محمولا على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات. والقاعدة الفقهية تقتضي أن تكون هذه الأجرة مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا «1» . ثم بين الله تعالى طريقة الدفع وهي: فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء الأموال إلى اليتامى، فأشهدوا عليهم بقبضها، وبراءة ذمتكم منها لأن هذا الإشهاد- بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ ثم الرشد- أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة. وهذا الإشهاد عملا بظاهر الآية واجب عند المالكية والشافعية إذ أن تركه يؤدي إلى التخاصم والتقاضي، والأمر يقتضي الوجوب، وجعله الحنفية مندوبا،
فقه الحياة أو الأحكام:
وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادعى الرد على من ائتمنه صدّق بيمينه. وقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإن معناه: أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، وهذا مروي عن سعيد بن جبير. وهل يصدّق الوصي إذا ادعى أنه دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ، وهل يصدق فيما ينفقه حال الصغر؟ قال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق لأن الوصي غير مالك. وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: يصدق لأن الوصي أمين، والأمين يصدق بيمينه ما دام أمينا. ثم ختم تعالى الآية بتقرير رقابته على كل الأمور صغيرها وكبيرها، فذكر أنه كفى الله حسيبا أي رقيبا عليكم، يحاسبكم على ما تسرون وما تعلنون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ على ما يأتي: 1- النهي عن تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره، وحسن القيام عليه، حيث قد جعله الله تعالى سببا في إصلاح المعاش وانتظام الأمور. 2- وجوب الحجر على السفهاء المبذرين من وجهين: أحدهما- منعهم من أموالهم، وعدم جواز دفع أموالهم إليهم. والثاني- إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم وشراء أقواتهم وكسوتهم، ويؤكد ذلك قوله تعالى: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً [البقرة 2/ 282] فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف.
3- السفهاء إما اليتامى أو المبذرون بالفعل، وإما النساء والصبيان، والمعنى الجامع المروي عن أبي موسى الأشعري: كل من يستحق الحجر، وهو كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه، ويدخل فيه الصبي والمجنون والمحجور عليه للتبذير. واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه، فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم: إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب الإمام على يده. واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال جمهور الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلّم إليه بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد لأنه يمكن أن يتزوج لاثنتي عشرة سنة، وتحمل زوجته، ثم يولد له لستة أشهر، فيصير جدّا وأبا، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدّا. ويرده ما رواه الدارقطني عن عثمان أنه أجاز الحجر على الكبير وهو عبد الله بن جعفر الذي ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود ولد في الإسلام بها، وقدم مع أبيه على النبي صلّى الله عليه وسلّم عام خيبر، فسمع منه وحفظ عنه، وكانت خيبر سنة سبع من الهجرة. 4- دل قول الله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ على وجوب نفقة الولد على الوالد، والزوجة على زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من
اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلّقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني» قال المهلّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع. قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوّجن ويدخل بهن. فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها. وقال مالك: ولا نفقة لولد الولد على الجدّ. وقالت طائفة: ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض، ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال. وهذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لهند فيما رواه الأئمة عن عائشة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . 5- القول المعروف للمولى عليهم: وهو تليين الخطاب والوعد الجميل أو الحسن بأن ينصحهم الولي ويعظهم، ويقول لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. وأرشدت الآية: وَابْتَلُوا الْيَتامى إلى ما يأتي: 1- اختبار الأيتام وتدريبهم على حسن التصرف بالأموال قبل دفع أموالهم إليهم. والاختبار يكون قبل البلوغ في رأي أبي حنيفة والشافعي. وبعد البلوغ في رأي مالك. ومعنى الاختبار قيل فيه: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله،
والإهمال لذلك. فإذا توسم الخير فلا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نمّاه وحسّن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وقال الحسن ومجاهد وغيرهم: اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم. 2- إيناس الرشد بعد البلوغ، والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي الاحتلام والسن والإنبات، واثنان يختصان بالنساء، وهما الحيض والحبل، فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنهما بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث: فأما الإنبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما أخرجه مسلم- أجاز ابن عمر في الجهاد يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجزه يوم أحد لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يوجب عليه الحد. وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة وهي الأشهر: تسع عشرة سنة. وأما الإنبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي ومالك. والقول الآخر: لا بد من اجتماع الإنبات والبلوغ، قال أبو حنيفة: لا يثبت بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ. 3- الرشد: هو في رأي الحسن البصري وقتادة وغيرهما: صلاح في العقل والدين. وفي رأي ابن عباس والسّدّي والثوري: صلاح في العقل وحفظ المال. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم، وإن شاخ لا يزول الحجر عنه، وهو مذهب الجمهور.
وقال أبو حنيفة وزفر والنخعي: لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا، واحتجوا بحديث أنس أن حبّان بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته «1» ضعف، فقيل: يا رسول الله، احجر عليه: فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف، فاستدعاه النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: لا تبع، فقال: لا أصبر، فقال له: «فإذا بايعت فقل: لا خلابة «2» ، ولك الخيار ثلاثا» فلم يحجر عليه مع أنه كان يغبن، فثبت أن الحجر لا يجوز. ورد القرطبي بقوله: وهذا لا حجة لهم فيه لأنه مخصوص بذلك، فغيره بخلافه. وقال الشافعي: إن كان مفسدا لماله ودينه، أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه، والأظهر أنه إن كان مفسدا لدينه، مصلحا لماله، حجر عليه أيضا. 4- إن دفع المال للمحجور عليهم يكون بشرطين: إيناس الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليهم، بنص الآية، وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي، فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة، قال أبو حنيفة: لكونه جدا. ورد ابن العربي «3» بقوله: هذا ضعيف لأنه إذا كان جدا، ولم يكن ذا جدّ «4» ، فماذا ينفعه جدّ النسب، وجدّ البخت فائت؟! واختلف العلماء في دفع المال إلى المحجور عليه، هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟ فقالت فرقة: لا بد من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رشده ثم يدفع
إليه ماله. وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. وإذا سلّم المال إليه بوجود الرشد، ثم عاد إلى السفه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد إليه الحجر عند المالكية، وعند الشافعية في قول. وقال أبو حنيفة: لا يعود لأنه بالغ عاقل، بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ودليل الرأي الأول قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ وقوله عز وجل: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً [البقرة 2/ 282] . ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة وشراء وبيع، وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله، ويؤدي عنه أروش (تعويضات) الجنايات وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق. 5- نهى الله تعالى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، فلا يجوز لهم الإسراف والتبذير: وهو الإفراط ومجاوزة الحد. 6- أمر الله تعالى الغني بالإمساك عن أخذ شيء من مال اليتيم، وأباح للوصي أن يأكل من مال موليه بالمعروف. والأكل بالمعروف كما قال الحسن البصري: أن يأكل ما يسدّ جوعته، ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل. بدليل إجماع الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. 7- أمر الله تعالى بالإشهاد عند دفع المال تنبيها على التحصين وزوالا للتّهم. وهذا الإشهاد مستحب عند طائفة من العلماء فإن القول قول الوصي لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض عملا بظاهر الآية، وليس بأمين فيقبل قوله.
حقوق الورثة في التركة وحقوق المحتاجين والأيتام والقرابة غير الوارثين [سورة النساء (4) الآيات 7 إلى 10] :
8- كما أن على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه وتثميره، كذلك عليه حفظ الصبي في بدنه، فالمال يحفظه بضبطه، والبدن يحفظه بأدبه. روي أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إن في حجري يتيما أأكل من ماله؟ قال: «نعم غير متأثل «1» مالا، ولا واق مالك بماله» قال: يا رسول الله، أفأضربه؟ قال: «ما كنت ضاربا منه ولدك» «2» . 9- كفى الله حاسبا لأعمال الناس ومجازيا بها، وفي هذا وعيد لكل جاحد حق. حقوق الورثة في التّركة وحقوق المحتاجين والأيتام والقرابة غير الوارثين [سورة النساء (4) : الآيات 7 الى 10] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)
الإعراب:
الإعراب: نَصِيباً مَفْرُوضاً منصوب بفعل مقدر دلّ عليه الكلام لأن قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ معناه: جعل الله لهم نصيبا مفروضا. ويصح كونه حالا، وهو أولى من التقدير. فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ الهاء في مِنْهُ تعود إلى القسمة، وإن كانت القسمة مؤنثة لأنها بمعنى المقسوم، فلهذا عاد إليها الضمير بالتذكير، حملا على المعنى، وهذا كثير في كلام العرب. البلاغة: يوجد طباق بين قوله: قَلَّ وكَثُرَ. ويوجد إطناب في قوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ.. وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ. المفردات اللغوية: لِلرِّجالِ الأولاد والأقرباء. نَصِيبٌ حظ. مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ المتوفون. مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أي من المال. نَصِيباً مَفْرُوضاً أي جعله الله نصيبا مقطوعا بتسليمه إليهم. وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ للميراث. أُولُوا الْقُرْبى ذوو القرابة غير الوارثين. فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ شيئا قبل القسمة. وَقُولُوا لَهُمْ أيها الأولياء للورثة الصغار. قَوْلًا مَعْرُوفاً جميلا بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه، وأنه للصغار. وهذا الإعطاء ندب، وعن ابن عبّاس: واجب. وَلْيَخْشَ ليخف على اليتامى، الخشية: الخوف مع تعظيم المخوف حال الأمن. لَوْ تَرَكُوا أي قاربوا أن يتركوا. مِنْ خَلْفِهِمْ أي بعد موتهم. ذُرِّيَّةً ضِعافاً أولادا صغارا. خافُوا عَلَيْهِمْ الضياع. فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم. وَلْيَقُولُوا لمن حضرته الوفاة. سَدِيداً صوابا محكما، والمراد موافقا للدين «1» . ظُلْماً بغير حق. وَسَيَصْلَوْنَ سيحرقون، من أصلاه: أراد إحراقه، ومنه صلى اللحم: شواه، وصلى يده: أدفأها، واصطلى: استدفأ. سَعِيراً نارا مستعرة مشتعلة.
سبب النزول:
سبب النزول: نزول الآية (7) : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ: أخرج أبو الشيخ (أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصفهاني المولود سنة 274 هـ) وابن حبّان في كتاب الفرائض عن ابن عبّاس قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن الثابت، وترك ابنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه: خالد وعرفطة «1» ، وهما عصبة، فأخذا ميراثه كله، فأتت امرأته أم كحلة «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكرت له ذلك، فقال: ما أدري ما أقول، فنزلت: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عبّاس سببا آخر لنزول الآية مفاده أن الآية أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء أن يذكره بالوصية لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع، ولا يأمره بالتصدق من ماله، أو بالإعطاء منه في سبيل الله. نزول الآية (10) : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ: قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حرمة أكل أموال اليتامى وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا،
التفسير والبيان:
أكّد تحريم أكلها، وأوضح أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء، وقد كانوا في الجاهلية لا يورّثون النساء والأولاد الصغار، ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا، فأنزل الله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... التفسير والبيان: إذا كان لليتامى مال مما تركه الوالدان والأقربون، فهم فيه سواء، لا فرق بين الذكور والإناث، ولا فرق بين كونه كثيرا أو قليلا، فالجميع فيه سواء في حكم الله تعالى مهما قلّ المال، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية. ثم أكد تعالى هذا الحق للجميع بقوله: نَصِيباً مَفْرُوضاً للدلالة على أنه حق معين محتوم مقطوع به، ليس لأحد إنقاصه. ثم عالج القرآن الكريم ناحية نفسية وهي كراهية حضور الأقارب مجلس قسمة التركة، فقرر أنه إذا حضر قسمة التركة أحد من ذوي القربى للوارثين واليتامى والمساكين، فأعطوهم شيئا من المال ولو قليلا، وقولوا لهم قولا حسنا واعتذارا جميلا يهدئ النفوس، وينتزع الحقد والسخيمة، ويستأصل الحسد من النفس. والمراد بالقسمة: قسمة التركة بين الورثة، وأولو القربى: من لا يرثون لكونهم محجوبين أو لكونهم من ذوي الأرحام، والمأمور بهذا هو الولي أو اليتيم عند البلوغ وتسلم المال. والضمير في قوله: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يرجع إلى ما ترك الوالدان والأقربون، أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها، لا باعتبار
لفظها مثل قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [يوسف 12/ 76] أي السقاية. وذهب جمهور المفسرين منهم ابن عباس وسعيد بن جبير إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن الأمر بالإعطاء للوجوب، عملا بظاهر الأمر، وقد هجره الناس، كما هجروا الاستئذان عند دخول البيوت، والمخاطب بهذا الوارث الكبير وولي الصغير. وقال الحسن البصري والنّخعي: الأمر منصب على الأعيان المنقولة، وأما الأرضون فلا يعطون منها شيئا، وإنما يكتفى بالقول المعروف. وذهب فقهاء الأمصار إلى أن هذا الإعطاء مندوب طولب به الكبار من الورثة لأنه لو كان لهؤلاء حقّ معين لبيّنه الله تعالى كما بيّن سائر الحقوق، وحيث لم يبيّن علمنا أنه غير واجب. وأيضا لو كان واجبا لتوافرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين، ولو كان ذلك لنقل إلينا على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا، أنه ليس بواجب. وقال سعيد بن المسيب والضّحاك وابن عباس في رواية عطاء عنه: الآية منسوخة بآية المواريث: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ.. إلخ. وعلاجا لمرض نفسي آخر وهو تحامل النفس كثيرا على اليتيم والقسوة عليه، أمر الله الأولياء والأوصياء القائمين على اليتامى بالقول السديد لهم بأن يكلموهم كأولادهم بالأدب الحسن، والمناداة لهم بكلمة: يا ابني أو يا ولدي ونحو ذلك، وليتذكروا أنهم مقاربون أن يتركوا أولادهم من بعد موتهم، ويخافوا عليهم الإهمال والضياع، وليتقوا الله في اليتامى الذين يلونهم، فيعاملونهم بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم الضعاف بعد وفاتهم.
ويكون المقصود بالآية حث الأولياء على حفظ أموال اليتامى وإحسان القول إليهم، بتذكيرهم حال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعتبروا بها، وذلك من أقوى البواعث على العظة والاعتبار، فالإنسان كما يدين يدان، وهو مطالب بأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به. وتكون الآية مرتبطة بما قبلها لأن قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ في معنى الأمر للورثة، أي أعطوهم حقهم، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم. ثمّ أكّد الله تعالى الأوامر والنواهي السابقة وقررها وذكّر بالعقاب الشديد لمن يأخذ مال اليتيم ظلما بغير حق، وهو دخول النار وإحراقهم بها، وهي نار مستعرة شديدة الإحراق، وقودها الناس والحجارة، وقانا الله منها. وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها يقصد به إما ملء بطونهم نارا للنهاية، وإما للتأكيد والمبالغة، كما في قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران 3/ 167] ، والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج 22/ 46] ، والقلوب لا تكون إلا في الصدور، وقوله: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام 6/ 38] ، والطير لا يطير إلا بجناحين، الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، كما أن فيه تبشيعا لأكل مال اليتيم في حالة الظلم. وفي تقييد الأكل بحالة الظلم دلالة على مشروعية أخذ مال اليتيم بحق، كأجرة العمل، والقرض مثلا، وذلك لا يعدّ ظلما ولا الآكل الآخذ ظالما. والتعبير بالأكل يقصد به جميع وجوه الانتفاع والإتلاف والاستهلاك، ولكن عبّر به لأنه أهم حالات الانتفاع.
فقه الحياة أو الأحكام:
والتعبير بكلمة ناراً عند جمهور المفسرين على طريق المجاز المرسل، من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب لأن الإشارة في الآية إلى أكل واحد. وظاهر الآية أن الحكم عام لكل من يأكل ما اليتيم، سواء أكان مؤمنا أم كافرا. وإذا قيل بأن الآية نزلت في أهل الشرك فخصوص السبب لا يخصص، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وورد في بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية، تحرّز الناس من مخالطة اليتامى، حتى شق ذلك على اليتامى أنفسهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة 2/ 220] . فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ على ما يأتي: 1- قال المالكية: في هذه الآية فوائد ثلاث: إحداها- بيان علّة الميراث وهي القرابة. الثانية- عموم القرابة كيفما تصرّفت من قريب أو بعيد. الثالثة- إجمال النصيب المفروض، وذلك مبين في آية المواريث فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي «1» . 2- إثبات الحق المقرر في الميراث لكلّ من الرّجال والنّساء، إبطالا لعادة أهل الجاهلية الذين كانوا يورثون الرّجال، ويحرمون النساء والصغار، فالمراد من الرّجال في الآية: الذكور البالغون، والمقصود من الوالدين: الأب والأم بلا واسطة، ومن النساء: الإناث البالغات. ويكون معنى الآية: للذكور
البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم كإخوتهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن. فالإرث مشترك بين الرّجال والنّساء. وهذا القول فيه إبقاء للآية على ظاهرها، ويكون القصد من الآية إلغاء عادة الجاهلية. والتّنصيص على النساء اعتناء بشأنهن، وتقرير لأصالتهن في استحقاق الإرث، ومبالغة في إبطال حكم الجاهلية بتخصيص الإرث في الرّجال لأنهم المحاربون الغازون. وعمم بعض العلماء الحكم في الرّجال والنّساء، فجعل المراد من الرّجال: الذّكور مطلقا، سواء أكانوا كبارا أم صغارا، والمراد من النساء: الإناث مطلقا، ويكون المراد التّسوية بين الذّكور والإناث في أن لكلّ منهما حقّا فيما ترك الوالدان والأقربون. وهذا ما أميل إليه. 3- تدلّ الآية للحنفيّة القائلين بتوريث ذوي الأرحام لأن العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فوجب إثبات حق الإرث لهم المقرر بقوله تعالى: مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ. 4- حق الإرث ثابت في قليل التركة وكثيرها، وهو حق مشاع لجميع الورثة، لا يختص بعضهم بشيء من الأموال كالسيف والخاتم والمصحف واللباس البدني. ودلّ قوله تعالى أيضا: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ على إثبات حق الإرث للبنات، وأما مقدار الحق، فأبانته آيات المواريث الأخرى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء 4/ 11] . ولما نزلت آية: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أرسل النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى سويد وعرفجة ألا يفرّقا من مال أوس شيئا فإن الله جعل لبناته نصيبا، ولم يبيّن كم هو، حتى أنظر ما ينزل ربّنا. فنزلت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ..
إلى قوله تعالى: الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، فأرسل إليهما: «أن أعطيا أم كجّة الثّمن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال» . واستدلّ بعض المالكية والشافعية والحنفية بهذه الآية: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ على وجوب قسمة الشيء الصغير للقسمة كالحمام والبيت. ورأى ابن أبي ليلى وأبو ثور وابن القاسم: أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم: أن يباع ولا شفعة فيه لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد والبخاري عن جابر: «الشّفعة في كلّ ما لا يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» فجعل عليه الصلاة والسّلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلّق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. وهذا الرأي هو المعقول دفعا للضرر، قال ابن المنذر: وهو أصح القولين. وأرشدت آية: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ إلى الآتي: 1- كلّ من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون: يكرم ولا يحرم، إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ «1» . وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم درهم يسبق مائة ألف. فالآية على هذا القول محكمة، كما قال ابن عبّاس. وروي عن ابن عبّاس: أنها منسوخة، نسخها قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ.. [النساء 4/ 11] . وقال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث والوصية. قال القرطبي: والرأي الأول أصح فإنها مبيّنة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم.
2- إذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله، فقالت طائفة: يعطي ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى. وقيل: لا يعطي، بل يقول لمن حضر القسمة: ليس لي شيء من هذا المال، إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرّفته حقّكم، فهذا هو القول المعروف. وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء، فإن أوصى يصرف له ما أوصى. 3- القول المعروف مطلوب مع جميع الناس، ويتأكد طلبه مع الأقارب. وهو القول الجميل والاعتذار اللطيف. وأومأت آية: وَلْيَخْشَ إلى ما يأتي: 1- الآية تذكير بالمعاملة بالمثل مع أولاد الأوصياء، فهذا كما قال ابن عبّاس وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً. 2- القول السديد: وهو العدل والصواب من القول وهو مرغوب فيه في تربية اليتامى، فلا ينهرهم الولي ولا يستخف بهم. ودلّت آية: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ على ما يأتي: 1- تحريم أكل مال اليتامى ظلما، فقد دلّ الكتاب والسّنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر، قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها: «وأكل مال اليتيم» . ويفهم منه جواز الأكل بحق إن كان فقيرا، فيأكل بالمعروف، وله أخذ الأجرة على عمله. 2- عقاب آكل مال اليتيم ظلما هو دخول نار جهنم. 3- هذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفّر بالذنوب. والذي
آيات المواريث [سورة النساء (4) الآيات 11 إلى 12] :
يعتقده أهل السنة أن بعض العصاة يحترق في نار جهنم ويموت، بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون. والكلمة الأخيرة: إن اليتامى عاجزون ضعاف يستحقون كل عناية ورعاية لمصالحهم، وتربية لهم تعوضهم عن فقد أبيهم، لذا عني القرآن بشأنهم فأنزل الله فيهم تسع آيات متتابعات من أول سورة النساء إلى آخر الآية السابقة، قرر فيها جميعا الأمر بحفظ مال اليتيم ورعايته، وأكّد فيها النّهي عن أكل ماله وتضييع حقّه. كما أنه أنزل فيهم آيات أخرى متفرقة منها: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء 17/ 34] ، ومنها: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النساء 4/ 127] ، ومنها: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى 93/ 9] ، ومنها: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة 2/ 220] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى» . آيات المواريث [سورة النساء (4) : الآيات 11 الى 12] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)
الإعراب:
الإعراب: كُنَّ نِساءً كان واسمها وخبرها، وتقديره: إن كانت المتروكات نساء فوق اثنتين. وإنما ثبت للبنتين الثلثان بالسّنة، ودلالة النّص على أن الأختين لهما الثلثان في قوله تعالى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ إذ ليس هاهنا في الآية نصّ يدلّ على ذلك. وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً خبر كان الناقصة، وتقديره: فإن كان المتروك واحدة، وقرئ بالرفع على أنه فاعل كان التامة، وهي بمعنى: حدث ووقع. فَلِأُمِّهِ من ضمها فعلى الأصل، ومن كسرها فعلى الاتباع، كقولهم: المغيرة في المغيرة. آباؤُكُمْ مبتدأ، خبره: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ. نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نَفْعاً: تمييز، وفَرِيضَةً: منصوب على المصدر، وتقديره: فرض الله ذلك فريضة.
البلاغة:
وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً كانَ هنا تامة، ورَجُلٌ: فاعل، ويُورَثُ: جملة فعلية صفة رجل، وكَلالَةً: منصوب من أربعة أوجه: إما حال من ضمير يُورَثُ، وإما تمييز، والمراد بالكلالة في هذين الوجهين: الميت، وإما صفة مصدر محذوف تقديره: يورث وراثة كلالة، والمراد بالكلالة في هذا الوجه: المال، وإما خبر كان، والمراد بالكلالة في هذا الوجه اسم الورثة. وتقديره: ذا كلالة. غَيْرَ مُضَارٍّ حال من ضمير يوصى. وَصِيَّةٍ منصوب على المصدر. وقوله: وَلَهُ أَخٌ يعود على الرجل، وهذا في العطف بأو جائز. البلاغة: يوجد طباق في لفظ (الذكر) والْأُنْثَيَيْنِ، وفي آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ. ويوجد جناس اشتقاق في وَصِيَّةٍ يُوصِي، وهناك إطناب في مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ للتأكيد. وقوله: عَلِيمٌ حَلِيمٌ للمبالغة. المفردات اللغوية: يُوصِيكُمُ أي يأمركم الله ويفرض عليكم. والوصية: ما تعهد به إلى غيرك من العمل في المستقبل، أي أمر له حَظِّ نصيب. عَلِيماً بخلقه. حَكِيماً فيما دبّره لهم. كَلالَةً مصدر وهو الإعياء، ثم استعمل في القرابة البعيدة غير قرابة الأصول والفروع، وهو من لا والد له ولا ولد أي له قرابة فقط من الحواشي. عَلِيمٌ بما دبّره لخلقه من الفرائض. حَلِيمٌ بتأخير العقوبة عمن خالفه. سبب النزول: نزول الآية (11) : يُوصِيكُمُ اللَّهُ: أخرج الأئمة الستة عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النّبي صلّى الله عليه وسلّم لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي، فنزلت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن جابر قال: جاءت امرأة
المناسبة:
سعد بن الربيع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإنّ عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عمهما فقال: «أعط بنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك» . قالوا: وهذه أول تركة قسمت في الإسلام. قال الحافظ ابن حجر: تمسك بهذا من قال: إن الآية نزلت في قصة ابنتي سعد، ولم تنزل في قصة جابر، خصوصا أن جابرا لم يكن له يومئذ ولد، قال: والجواب أنها نزلت في الأمرين معا، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين، وآخرها وهو قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً في قصة جابر، ويكون مراد جابر بقوله: فنزلت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية. المناسبة: ذكر سبحانه وتعالى في الآية السابقة حكم ميراث القرابة إجمالا في قوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ثم فصّل في آيات المواريث أنصباء الورثة، فبيّن حقوق الأولاد (الفروع) وحقوق الآباء والأمهات (الأصول) ، وحقوق الزوجين، وحقوق الإخوة لأم، أما الإخوة لأب فحكمهم في آخر السورة. وكانت أسباب الإرث في الجاهلية ثلاثا: 1- النسب: للرجال المقاتلين، وليس للنساء والصغار شيء. 2- التّبني: يعطى الولد المتبنى مثل الولد الأصلي في الميراث.
التفسير والبيان والأحكام:
3- الحلف والعهد: بأن يقول الرجل لآخر: «دمي دمك وهدمي هدمك «1» ، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك» . فأقرّ الإسلام ما عدا التّبني الذي أبطله بقوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الأحزاب 33/ 4] . وأما التوارث بالنّسب فأقره بقوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ [النساء 4/ 33] ، وأما التوارث بالعهد فأجازه بقوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء 4/ 33] . وزاد الإسلام في مبدأ الأمر سببين آخرين هما الهجرة والمؤاخاة، ثم نسخ العمل بهما بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال 8/ 75] . واستقر العمل على أن أسباب الإرث ثلاثة: النسب، الزواج، الولاء، أي الإرث بسبب عتق السيد عبده أو أمته. التفسير والبيان والأحكام: حقوق الأولاد في الميراث: بدأ الله تعالى بالأولاد، لأنهم أحق بالعطف والعون لضعفهم، أما الأصول فقد يكون لهم حق واجب على غير المتوفى، أو لهم قدرة على الكسب. فقال: يعهد إليكم في ميراث أولادكم، بمعنى يأمركم ويفرض عليكم في شأن أولادكم من بعدكم أو في ميراثهم ما يستحقون من أموالكم، على أساس قاعدة: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي إذا مات الميت، وترك ذكورا وإناثا، فللذكر ضعف الأنثى لأن الرجل مطالب بالنفقة وبالعمل والتكسب وتحمل المشاق ودفع مهر زوجته، ولا تطالب المرأة بالإنفاق على أحد، سواء أكانت بنتا أم أختا أم أمّا أم زوجة أم عمة أم خالة، وإنما بعد الكبر أو البلوغ تنفق على نفسها إن لم تكن زوجة.
فإن كانت المتروكات نساء: بنات أو أخوات فوق اثنتين فلهما الثلثان مما ترك المتوفى، وإن كانت المتروكة واحدة ليس معها ذكر يعصبها فلها النصف. وقد وقع خلاف في ميراث البنتين إذا انفردتا عن أخ ذكر، فقال ابن عباس: حكمهما كالبنت الواحدة، لهما النصف، لظاهر الآية: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ. وقال الجمهور: البنتان كالأختين لهما الثلثان، قياسا لهما على الأختين اللتين قال الله فيهما: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ، ولأن البنت تأخذ مع أخيها الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها، ولأن ابن مسعود قضى في بنت وبنت ابن وأخت: بالسّدس لبنت الابن والنّصف للبنت تكملة الثلثين، فجعل لبنت الابن مع البنت الثلثين، فبالأحرى يكون للبنتين الثلثان. ويجوز أن يكون معنى قوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ: فإن كنّ نساء اثنتين فما فوق، مثل قوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال 8/ 12] أي اضربوا الأعناق فما فوقها. والخلاصة: إذا كان الأولاد ذكورا وإناثا فللذكر ضعف الأنثى. وإذا كان المولود أنثى واحدة كان لها النصف، وإذا كان هناك أنثيان فأكثر، كان لهن الثلثان في رأي الجمهور، وإذا انفرد الولد الذكر يأخذ التركة، وإذا كان معه أخ فأكثر اقتسموا التركة بالمساواة. وأولاد الابن وأولادهم مثل الأبناء، الأعلى يحجب الأدنى، فإن كان الأعلى أنثى كبنت وابن ابن، أخذت البنت النصف، والباقي لابن الابن. وإن كان ولد الولي أنثى كان للعليا النصف، وللسفلى السدس تكملة الثلثين. وإن كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، ولم يبق للبنت السفلى شيء إلا إذا عصبها ذكر في درجتها أو أسفل منها.
ميراث الوالدين:
ميراث الوالدين: لكل واحد من أبوي الميت السدس من التركة إن كان للولد الميت ولد ذكر أو أنثى، واحد أو جماعة، والباقي للأولاد على النحو السابق، فإن لم يكن له ولد أصلا وورثه أبواه فلأمه الثلث. والسبب في تساوي الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد: هو توفير احترامهما على السواء. وأما سبب كون نصيب الوالدين أقل من نصيب الأولاد فهو إما كبرهما وإما استغناؤهما، وإما لوجود من تجب عليهما نفقتهما من أولاد أحياء. وأما الأولاد فبحاجة إلى نفقات كثيرة إما بسبب الصغر، وإما بسبب الحاجة إلى الزواج وتحمل أعباء الحياة حال الكبر. فإن كان للميت مع وجود أبويه إخوة جماعة ذكورا أم إناثا، كان للأم السدس بدلا من الثلث، سواء أكانت الإخوة أشقاء أم لأب أم لأم. والاثنان من الإخوة كالثلاثة فأكثر لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدين قضوا بأن الأخوين والأختين يردان الأم من الثلث إلى السدس. أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه دخل على عثمان رضي الله عنهما، فقال: لم صار الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس، وإنما قال الله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان رضي الله عنه: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟ أي أن هناك إجماعا في الشرع على ذلك، ويؤيده أنه ورد في اللغة إطلاق الجمع على الاثنين، قال تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم 66/ 4] ، وقال: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص 38/ 21] ، ثم قال: خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ [ص 38/ 22] . والخلاصة: إن للأم الثلث إذا لم يكن معها فرع وارث أو اثنان فصاعدا من الإخوة أو الأخوات، ولها السدس مع الفرع الوارث أو العدد من الإخوة أو
تقديم الديون ثم الوصايا:
الأخوات. وللأب السدس مع الفرع الوارث، فإن كان الفرع بنتا أخذت النصف، وأخذ الأب بالفرض والتعصيب، وللأم ثلث الباقي إذا كان مع الأبوين أحد الزوجين، وهي المسألة العمرية أو الغراء، كما في زوج وأب وأم، أو زوجة وأب وأم، ففي الأولى: للزوج النصف، وللأب الباقي تعصيبا، وللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج وهو سهم من ستة، وفي الثانية: للزوجة الربع من 12 لعدم الفرع الوارث وللأب الباقي تعصيبا، وهو ستة، وللأم ثلث الباقي وهو ثلاثة أسهم. تقديم الديون ثم الوصايا: إن قسمة المواريث كلها بين الورثة مقدم عليه أولا إيفاء الديون المتعلقة بالتركة، وتنفيذ الوصايا، فالله تعالى يوصي ويأمر بقسمة المواريث على النحو الذي شرع من بعد وصية يوصى بها من الميت، ومن بعد دين تعلق بذمة الميت قبل موته. وقدمت الوصية على الدّين مع أن الواجب تقديم الدّين أولا في الوفاء، حثّا على تنفيذها واهتماما بشأنها ومنعا من جحودها، أما الدّين فمعلوم قوّته، قدم أو لم يقدم. ثم إن أَوْ هاهنا للإباحة، ولا تقتضي الترتيب. ودليل تقديم وفاء الدّين: ما رواه علي كرّم الله وجهه وأخرجه عنه جماعة كابن جرير الطبري: إنكم تقرؤون هذه الآية: من بعد وصية يوصى بها أو دين، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدّين قبل الوصية، فليس لأحد من الورثة ولا من الموصى لهم حق في التركة إلا بعد قضاء الدّين. ولو استغرق الدّين التركة، فليس لأحد شيء. ويقدم على الدّين والوصية والميراث نفقات تكفين الميت وتجهيزه ودفنه، تكريما لإنسانيته واحتراما لآدميته.
ميراث الزوجين:
وإنما يقدم الدّين على الوصية والميراث لأن ذمة الميت مرتهنة به، وأداء الدين أولى من فعل الخير الذي يتقرب به. وتقديم الوصية على الميراث في حدود ثلث التركة لأنه القدر المأذون بالإيصاء به في السّنة النّبوية فيما رواه الجماعة عن سعد: «الثلث والثلث كثير» . ثم أتى النّص القرآني بجملة معترضة للتنبيه على جهل المرء بعواقب الأمور، فبيّن تعالى أن هؤلاء الذين أوصاكم الله بهم وقدر أنصباءهم، هم آباؤكم وأبناؤكم، فلا تجوروا في القسمة ولا تحرموا البعض كما كان يفعل العرب في الجاهلية إذ لا تدرون بمن هو أقرب لكم نفعا. فرض الله ذلك فريضة محتمة، وإن الله يعلم بما يصلح خلقه، حكيم في تدبيره، يضع الأمور في موضعها الصحيح المناسب، ولا يشرع لكم إلّا ما فيه المنفعة لكم، وقسم الميراث بينكم على أساس من الحق والعدل والمصلحة، فالزموا قسمته ومنهجه، واحذروا حرمان أحد من الورثة كالنساء والضعفاء كما كان أهل الجاهلية يفعلون. ميراث الزوجين: للزوج نصف تركة الزوجة إن لم يكن لها ولد، سواء أكان منه أم من غيره، وسواء أكان ذكرا أم أنثى، واحدا أم أكثر، منها مباشرة أم من بنيها أم من بني بنيها، والباقي لأولادها، ولا يشترط الدخول بالزوجة وإنما يكفي مجرد العقد. فإن كان لها ولد فللزوج الربع، والباقي لأقاربها ذوي الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام- في رأي الحنفية- أو لبيت المال إن لم يكن وارث آخر. لكم ذلك في تركتهن من بعد وفاء الديون وتنفيذ الوصايا. وللزوجة ربع تركة الزوج إن لم يكن له ولد، ولها الثمن إن كان له ولد.
ميراث الكلالة:
فإن تعددت الزوجات اشتركن في الربع أو في الثمن من بعد الدين والوصية، كما سبق. ميراث الكلالة: جعل الله الورثة في هذه الآيات أقساما ثلاثة: قسم يتصل بالميت بغير واسطة وإنما برابطة الدم وهم الأولاد والوالدان، وقسم يتصل بالميت بغير واسطة وإنما بعقد الزوجية وهما الزوجان، وقسم يتصل بالميت بواسطة وهم الكلالة: وهي ما عدا الوالد والولد. ونظرا لقوة القسم الأول قدمه تعالى في البيان، ثم أتبعه بالقسم الثاني، ثم ذكر القسم الثالث، ولأن القسمين الأوليين لا يعرض لهما السقوط بحال، بخلاف القسم الثالث، فإنه قد يعرض له السقوط بالكلية. والراجح أن الكلالة: من عدا الوالد والولد، وهو تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أخرج ابن جرير عن الشعبي قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: إني رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا، فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء، إن الكلالة: ما خلا الوالد والولد. ويؤكد تفسيره: اشتقاق الكلمة، فهي مأخوذة من الضعف، والقرابة لا من جهة الولادة قرابة ضعيفة، وأما قرابة الولادة فهي قوية، فلا يطلق عليها كلالة. ثم إن الله تعالى حكم بتوريث الإخوة والأخوات عند عدم وجود الأب، فوجب ألا يكون الوالد من الكلالة. وحكم إرث الكلالة بحسب النص: أنه إذا وجد أخ أو أخت لأم فلكل واحد منهما السدس، فإن تعددوا فهم شركاء في الثلث، وهم فيه سواء لا تفاضل بين ذكورهم وإناثهم. والدليل على أن المراد بالأخ والأخت في آية الكلالة الإخوة لأم: قراءة
سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت من أم» ولأن الأخوين من العصبة سيأتي حكمهما في آخر سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [4/ 176] فالمراد منهما هنا الإخوة الأشقاء أو لأب، لهم المال كله إن انفردوا، ويأخذون الباقي بعد ذوي الفروض. ولأن الفرض هنا الثلث أو السدس وهو فرض الأم، فناسب أن يكون فرض الإخوة الذين يدلون بها هم الإخوة لأم. والخلاصة: للإخوة لأم حالتان: 1- إذا انفرد الأخ أو الأخت لأم فلكل واحد منهما السدس. 2- إذا تعدد الإخوة لأم اشتركوا في قسمة الثلث بالتساوي، ذكرهم مثل أنثاهم لأن مطلق التشريك يدلّ عليه. وهذه القسمة للإخوة لأم من بعد إيفاء الدّين وتنفيذ الوصية اللذين لا إضرار فيهما بالورثة والدائنين، والضرار في الدين والوصية له أحوال: أولا- أن يقرّ الشخص بدين لأجنبي يستغرق المال كله أو بعضه، بقصد إضرار الورثة، ويظهر قصد الضرر كثيرا في الكلالة (الحواشي) ، أما في الوالدين والأولاد والأزواج فهو نادر. ثانيا- أن يقرّ بأن الدين الذي كان له عند فلان قد استوفاه. ثالثا- أن يوصي بأكثر من الثلث، قال ابن عبّاس: الضرار في الوصية من الكبائر. رابعا- أن يوصي بالثلث لا بقصد القربة إلى الله، بل لإنقاص أنصباء الورثة.
أحكام أخرى من آيات المواريث:
يوصيكم الله ويأمركم بذلك ويعهد إليكم به عهدا للعمل به وتنفيذه، والله عليم حليم، عليم بمصالح عباده وبمضارهم وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحق، وبمقدار المستحق، حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فأضرّ في الوصية بالورثة أو بالدّائنين، أو حرم أحدا من النساء والأطفال حقه في الإرث. وفي هذه الخاتمة المؤثرة بمن أصغى إليها وفهمها: إشارة إلى أنه تعالى شرع المواريث على هذا النحو، وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة، فمن الواجب الإذعان لوصايا الله وفرائضه، والتزام منهجه وحدوده، فلا ينبغي الاعتداء وهضم الحقوق، أو التعديل في أنظمة الإرث كإعطاء المرأة مثل الرجل، كما في بعض الدّول الإسلامية أخذا بأعراف فاسدة لمصادمتها للنصوص القرآنية القطعية، أو محاكاة لأنظمة الغرب وقوانين البشر، زعما بأن ذلك عدل يقتضي المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، لكن لا عدل بعد عدل الله، ولا رحمة فوق رحمة الله، فإن افتتاح الآيات بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ دليل على أنه تعالى أرحم بالناس من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، ويؤيده الحديث الصحيح: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» . أحكام أخرى من آيات المواريث: 1- قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ بيان لما أجمل في قوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ فدل على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمّهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر، حتى إنها ثلث العلم، وروي نصف العلم، وهو أول علم ينزع من الناس وينسى. أخرج الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تعلموا الفرائض وعلّموه الناس، فإنه نصف العلم، وهو أول شيء ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي» .
2- قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ قال الشافعية: قول الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ حقيقة في أولاد الصّلب، فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز فإذا حلف أن لا ولد له، وله ولد ابن لم يحنث وإذا أوصى لولد فلان، لم يدخل فيه ولد ولده. وأبو حنيفة يقول: إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صلب. 3- ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمن منهم والكافر، فلما ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يرث المسلم الكافر» «1» علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، على ظاهر الحديث. ودلت الأحاديث على أن موانع الإرث هي ثلاث: قتل، واختلاف دين، ورقّ، لكن القتل الخطأ لا يمنع من الميراث عند الإمام مالك، ويمنع كالقتل العمد عند باقي الأئمة. ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي صلّى الله عليه وسلّم لقوله فيما رواه أحمد: «إنا لا نورث ما تركناه صدقة» . وقال النخعي: لا يرث الأسير، وقال أغلب أهل العلم: إنه يرث ما دام تعلم حياته على الإسلام لأن قوله تعالى: فِي أَوْلادِكُمْ دخل فيه الأسير في أيدي الكفار. 4- أصحاب الفرائض في الآيات يأخذون حقوقهم، والباقي للعصبات، لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الأئمة: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر» يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى وهي ستة: النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس. وقوله: لأولى: أي لأقرب.
فالنصف فرض خمسة: ابنة الصلب، وابنة الابن والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والزوج، إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه. والربع: فرض الزوج مع الحاجب وهو الولد: وفرض الزوجة والزوجات مع عدم الحاجب. والثمن: فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان: فرض أربع: البنتان فصاعدا، وبنات الابن، والأخوات الشقيقات، أو لأب، إذا انفردن عمن يحجبهن عنه. والثلث فرض صنفين الأم مع عدم الولد وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدا من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم، وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقى فذلك للأم في مسألة: زوج أو زوجة وأبوان، فللأم فيها ثلث ما يبقى. وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم، وكان ثلث ما يبقى أحظى له. والسدس فرض سبعة: الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، والجدة والجدات إذا اجتمعن، وبنات الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى. ويسقط ولد الأم مع الفرع الوارث والأصل الوارث المذكر. وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجد والجدات، فإنه مأخوذ من السنة، ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى للجدة بالسدس. 5- لا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، كما بينت. 6- لما قال تعالى: فِي أَوْلادِكُمْ يتناول كل ولد كان موجودا أو جنينا في بطن أمه، من الطبقة الأولى أو بعدها، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما تقدم.
7- قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ فرض الله تعالى للواحدة النصف بقوله: وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ولما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين الثلثين. وقيل: فَوْقَ زائدة أي كن نساء اثنتين، كقوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال 8/ 12] أي الأعناق فما فوقها. وأقوى حجة في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول. 8- إذا كان مع البنت بنت ابن فللبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين. سئل ابن مسعود عن ذلك فقال: لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. 9- إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى، فإن المال يوقف حتى يتبين ما تضع. فإن خرج ميتا لم يرث، وإن خرج حيا يرث ويورث. أما الخنثى وهو الذي له فرجان فأجمع العلماء على أنه يورّث من حيث يبول. 10- قوله تعالى وَلِأَبَوَيْهِ الأبوان: تثنية الأب والأبه، أو من قبيل التغليب عند العرب، كقولهم للأب والأم: أبوان، وللشمس والقمر: القمران، ولليل والنهار: الملوان، وكذلك العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. 11- للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم بإجماع العلماء، وأجمعوا على أن الأم تحجب أمها وأمّ الأب، وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أم الأم. ولا يرث في رأي مالك إلا جدّتان: أم الأم وأم الأب وأمهاتهما. ولا ترث الجدة أم أب الأم على حال. 12- قوله تعالى لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فرض تعالى لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد، فكان الذكر والأنثى فيه سواء.
13- قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حجب النقصان، سواء كان الإخوة أشقاء أو للأب أو للأم، ولا سهم لهم. 14- الدين مقدم على الوصية، بدليل ما روى الترمذي عن علي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدين قبل الوصية. وهذا مجمع عليه. وتمسك الشافعي بالآية في تقديم دين الزكاة والحج على الميراث، فقال: إن الرجل إذا فرّط في زكاته، وجب أخذ ذلك من رأس ماله لأنه حق من الحقوق، فيلزم أداؤه عنه بعد الموت لحقوق الآدميين، لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أديت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء، حتى لا يترك الورثة فقراء. 15- قوله تعالى: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً قيل: في الدنيا بالدعاء والصدقة، كما جاء في الأثر: «إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده» وفي الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: «إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث- فذكر- أو ولد صالح يدعو له» . وقيل: في الآخرة، فقد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه. وفي الجملة: إن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في الدنيا بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرر ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك في جميع الأقارب. 16- ليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم، وذلك في قوله تعالى: فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا.
17- الضرر والإضرار حرام وهو في الوصية من الكبائر، وكذا في الدين، قال تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ والإضرار راجع إلى الوصية والدين، أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد فإنه يرد إلا أن يجيزه الورثة لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها، كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف، فذلك لا يجوز. وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة. فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة منهم الحنفية: يبدأ بدين الصحة. وقالت طائفة منهم الشافعي: هما سواء إذا كان لغير وارث. قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار» . ومشهور مذهب مالك: أن الموصي لا يعد فعله مضارّة في ثلثه لأن ذلك حقه، فله التصرف فيه كيف شاء. 18- قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يعني عليم بأهل الميراث، حليم على أهل الجهل منكم.
حدود الله تعالى [سورة النساء (4) الآيات 13 إلى 14] :
حدود الله تعالى [سورة النساء (4) : الآيات 13 الى 14] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) الإعراب: خالِدِينَ فِيها حال من هاء يُدْخِلْهُ، والهاء تعود على مَنْ ومَنْ: تصلح للواحد والجماعة، وإنما جمع حملا على المعنى. خالِداً فِيها حال من هاء يُدْخِلْهُ، والهاء تعود على مَنْ. ووحّد خالِداً حملا على لفظ مَنْ وهم تارة يحملون على اللفظ وتارة على المعنى. البلاغة: يوجد طباق في وَمَنْ يُطِعِ.. وَمَنْ يَعْصِ. المفردات اللغوية: حُدُودُ اللَّهِ جمع حد، وهي هنا شرائع الله وأحكامه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها. وقد تطلق الحدود على المحارم التي منعها الله، ومنه سميت العقوبات المقدرة «حدودا» . مُهِينٌ ذو إهانة وذل. التفسير والبيان: أكد سبحانه وتعالى مضمون الإنذار السابق في قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
بهذه الآيات، منبها إلى أن تلك الأحكام المتقدمة من بيان أموال اليتامى وأحكام الأزواج وأحوال المواريث هي حدود الله أي فرائضه ومقاديره وأحكامه التي جعلها الله قانون الأسرة في شأن اليتامى والرابطة الزوجية وقسمة المواريث بين الورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه. هي حدود الله وأحكامه فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولا يصح لمسلم أن يتخطاها ومن يطع الله باتباع ما شرعه من الدين وأنزله على رسوله الكريم، ويطع الرسول باتباع ما بلّغ به عن ربه من أحكام وآيات، فطاعة الرسول طاعة لله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء 4/ 80] ، من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ونحن نؤمن بها ونعتقد أنها أرفع من كل نعيم في الدنيا، وأن الطائعين خالدون فيها، وذلك هو الفوز العظيم: وهو الظفر والفلاح الذي لا يماثله فوز في الدنيا. ومن يتعدّ حدود الله ويعص الله ورسوله ويتجاوز حرمات الله يدخله نارا وقودها الناس والحجارة، وهم خالدون فيها، ولهم عذاب مقترن بالإهانة والإذلال لأنه ضادّ الله في حكمه ولم يرض بما قسم الله وحكم. وفرق عظيم بين خلود أهل الجنة حيث يتمتعون بالنعيم الدائم والأنس مع بعضهم، وبين خلود أهل النار حيث يذوقون أشد العذاب مع إيحاش النفوس ونفرتها كما قال تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف 43/ 39] . وأما عصاة المؤمنين فيعذبون في النار بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون إلى الجنة، والعصيان الموجب للعذاب هو المقترن بتعمد المعصية والإصرار عليها، كما قال تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة 2/ 81] . أما المذنب الذي تورط في المعصية، ثم لام نفسه
فقه الحياة أو الأحكام:
وتاب، فهو من الناجين كما قال تعالى: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران 3/ 135] . فقه الحياة أو الأحكام: من رحمة الله العظمى بعباده أن بيّن لهم الحلال والحرام وأوضح الشرائع والأحكام، ورغّب وأرهب، وحذّر وأنذر، فمن أطاع أوامر الله والرسول واجتنب المعاصي والمنكرات فجزاؤه الجنة خالدا فيها أبدا. ومن عصى الله والرسول فإن أدى عصيانه إلى الكفر فهو خالد في النار أبدا، وأما إن ظل مؤمنا وارتكب الكبائر وتجاوز أوامر الله فيستحق عذاب النار لمدة ما، دون خلود ولا مكث. جزاء الفاحشة في مبدأ التشريع [سورة النساء (4) : الآيات 15 الى 16] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) الإعراب: وَالَّذانِ مبتدأ، وخبره: فَآذُوهُما.
البلاغة:
البلاغة: يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ مجاز عقلي، والمراد يتوفاهن الله أو ملائكته. ويوجد جناس مغاير في: «فَإِنْ تابا.. تَوَّاباً» . المفردات اللغوية: يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يفعلن الزنا. أَرْبَعَةً مِنْكُمْ من رجالكم المسلمين. فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بها فَأَمْسِكُوهُنَّ احبسوهن فِي الْبُيُوتِ امنعوهن من مخالطة الناس حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي يقبض أرواحهن ملك الموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا طريقا إلى الخروج منها. المناسبة: أبان سبحانه وتعالى سابقا حكم الرجال والنساء في الزواج والميراث، وحذر من تخطي حدود الله، ثم بيّن هنا حكم الحدود فيهن إذا ارتكبوا الفاحشة، أو الحرام أو الزنا لأن ذلك من أقبح المعاصي التي يتخطى بها حدود الله، ولئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف. التفسير والبيان: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت وثبت زناها بالبينة العادلة وهي أربعة شهود، حبست في بيت، فلا تمكّن من الخروج منه حتى تموت. وكانت عقوبة الرجال الشتم والتعيير باللسان والضرب بالنعال، وظل الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد للأبكار، والرجم للمحصنين والمحصنات. عقوبة الزانيات: معنى الآية: النساء اللاتي يأتين أي يفعلن الفاحشة: وهي الفعلة القبيحة، والمراد بها هنا الزنا، فأشهدوا على زناهن أربعة من الرجال، فإن شهدوا فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهن ملك الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به.
عقوبة الزناة:
وكان ذلك في مبدأ الأمر، ثم جعل الله لهن سبيلا: الجلد والرجم. أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور 24/ 2] فإن كانا محصنين رجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما. وأخرج مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولفظه: «خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» . واستقر رأي العلماء على أن الشطر الأخير من حديث عبادة منسوخ، وأن السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد، لصحة الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه رجم ولم يجلد ، فاستدلوا بما صح من فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم على قوله في حديث عبادة. عقوبة الزناة: معنى الآية: الرجلان الزانيان اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول مجاهد، أو الرجل والمرأة البكران اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول السدي وابن زيد، فآذوهما بالقول وعيروهما ووبخوهما على فعلهما إذا لم يتوبا، فإن تابا وأصلحا عملهما وغيّرا أحوالهما، ورجعا عن فعل الفاحشة وندما، فاتركوا إيذاءهما، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم علل الأمر بالإعراض عنهما بقوله: إن الله كان توابا على عباده، رحيما بهم. وليس المراد بالإعراض: الهجر، ولكن المتاركة احتقارا لهم بسبب المعصية المتقدمة. والخطاب هنا لأولي الأمر الحكام، والآية اشتملت على حكم الزانيات
الأحكام:
الثيبات، وحكم الزاني والزانية البكرين، ولم يذكر حكم الزاني الثيب، ولعله مقيس على المرأة الثيب. وهذا العقاب كان في مبدأ التشريع من قبيل التعزير المفوض أمره إلى الأمة في كيفيته ومقداره، ثم نسخ ذلك بآية النور: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [24/ 2] وبالأحاديث السابقة. ويرى أبو مسلم الأصفهاني الذي أنكر النسخ في القرآن: أن المراد بالآية الأولى المساحقات التي تحصل بين النساء، وبالثانية: اللوطيان، وعلى هذا فلا نسخ. الأحكام: هذه أولى عقوبات الزناة في الإسلام، وكان هذا في ابتداء الإسلام، كما قال عبادة بن الصامت والحسن البصري ومجاهد حتى نسخ بآية النور وبالرجم للثيب في الحديث. وهل كان السجن في البيت حدا أو توعدا بالحد؟ على قولين: أحدهما- أنه توعد بالحد. والثاني- أنه حد، قال ابن عباس والحسن البصري. وقال بعض العلماء: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بالإجماع. أما الاستشهاد على الزنا بأربعة رجال مسلمين عدول فحكمه باق لم ينسخ. أما كونهم من المسلمين الذكور فلقوله تعالى: مِنْكُمْ وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدّعي وسترا على العباد، وتحديد الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور 24/ 4] .
وهل يجتمع النفي مع الجلد؟ :
وأما اشتراط العدالة في الشهود، فلأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، والزنا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل. ولا يصح كونهم من أهل الذمة، وإن كان الحكم على ذمية. وهل يجتمع النفي مع الجلد؟ الذي عليه الجمهور أنه ينفى الزاني مع الجلد، لحديث عبادة المتقدم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وحديث العسيف وفيه: فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة وغرّبه عاما» «1» . وقال الحنفية: لا تغريب مع الجلد لأن النص الذي في القرآن إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ، فيلزم عليه نسخ النص القاطع بخبر الواحد. وقد غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرّب مسلما بعد هذا. قالوا: ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر بعد. والجواب: قولهم: الزيادة على النص نسخ، ليس بمسلّم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل، ثم إنهم زادوا الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح، على الماء. واشترطوا الفقر في ذوي القربى (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) في إعطائهم من خمس الغنيمة في آية: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال 8/ 41] . وأما حديث عمر وقوله: «لا أغرب بعده مسلما» فيعني في الخمر، لما أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ضرب وغرّب ، وأن أبا بكر ضرب وغرّب، وأن عمر ضرب وغرّب» .
حالة قبول التوبة ووقتها [سورة النساء (4) الآيات 17 إلى 18] :
والتغريب للذكر الحر، ولا تغرب المرأة في رأي المالكية لأنها إذا غرّبت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت بسببه وهو الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها، ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار. حالة قبول التوبة ووقتها [سورة النساء (4) : الآيات 17 الى 18] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) الإعراب: بِجَهالَةٍ حال. وَلَا الَّذِينَ مجرور بالعطف على قوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ وتقديره: وليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا الذين يموتون وهم كفار. المفردات اللغوية: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أي التوبة التي كتب على نفسه قبولها بفضله السُّوءَ العمل القبيح أو المعصية. بِجَهالَةٍ جاهلين إذا عصوا ربهم. والمراد بالجهالة: الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، وذلك يكون عند ثورة الشهوة أو الغضب، وكل من عصى الله فهو جاهل. أَعْتَدْنا هيأنا وأعددنا.
المناسبة:
المناسبة: أشار الله تعالى في الآية السابقة إلى أن توبة اللذين أتيا الفاحشة توجب ترك العقوبة والتعنيف وإزالة الإيذاء، فناسب أن يبين شروط قبول التوبة ووقتها. التفسير والبيان: إنما قبول التوبة والمغفرة متحقق على الله تفضلا وإحسانا للذين يتورّطون في ارتكاب المعصية، ويقعون فيها جاهلين لا يقدرون الآثار والنتائج والمخاطر، ولم يصرّوا على المعصية لأنهم فعلوها بدافع الهوى والشيطان، ثم تابوا قبل الغرغرة ولو بعد معاينة الملك يقبض الروح. وليس المقصود بالجهالة عدم العلم بالتحريم لأن كل مسلم مطالب بتعلم ما هو حرام شرعا، وإنما المراد تغلب الطيش والسفه على النفس عند ثورة الشهوة أو سورة الغضب. قال مجاهد وغيره: كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب. وذكر قتادة عن أبي العالية: أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة «1» . وقال عبد الرّزاق: أخبر معمر عن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. بدليل قوله تعالى: قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر 39/ 53] فليس المراد بالجهالة: أن يعمل السوء عالما به. ويؤكد ذلك ما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السّلام: أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [يوسف 12/ 33] ، وقال تعالى لنوح: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود 11/ 46] .
والسّبب في تسمية العاصي جاهلا وإن عصى عن علم: أنّ العاصي لربّه لو قدر ما معه من العلم بالثواب والعقاب، لما أقدم على المعصية، إذ هو لا يرتكبها إلا جاهلا بحقيقة الوعيد. هذا هو الشرط الأول: إيقاع المعصية عن جهالة، والشرط الثاني: أن يتوب الإنسان بعد الذنب بزمن قريب، والزمن القريب كما قال ابن عباس: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضّحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. ومن: للتبعيض، والمعنى: ثم يتوبون بعد وقت قريب. وسمي ما بين وقوع المعصية وبين حدوث الموت زمنا قريب، ففي أي جزء من هذا تاب فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. ثم أكّد تعالى مبدأ قبول التوبة بالشرطين المذكورين فقال: أولئك الذين فعلوا الذنب بجهالة، وتابوا بعد زمن قريب، يتوب الله عليهم لأنهم لم يصرّوا على ما فعلوا. وكان الله عليما بضعف الإنسان أمام الشهوة والغضب، حكيما في قبول توبة ذلك الضعيف. وبعد بيان حال من تقبل توبتهم، ذكر تعالى حال أضدادهم الذين لا تقبل توبتهم فقال: أوّلا- لا توبة للذين يعملون السيئات، حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن، فلا أمل في الإصلاح حينئذ، ولا فائدة من التوبة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر 40/ 85] ، وقوله حكاية عن فرعون لما أدركه الغرق: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ، وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
فقه الحياة أو الأحكام:
[يونس 10/ 90- 91] ، وقوله: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ، كَلَّا! إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [المؤمنون 23/ 99- 100] . ثانيا- لا توبة أيضا للذين يموتون وهم كفار. وهذا يحتمل وجهين: الأول- أن المراد بهم الذين قرب موتهم، بمعنى أن الإيمان لا يقبل من الكافر عند حضور الموت. الثاني- أن يكون المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر لا تقبل توبتهم. أولئك أي الفريقان السابقان أعتدنا أي هيأنا وأعددنا لهم عذابا مؤلما موجعا، جزاء لما كسبت أيديهم من السيئات، مع إصرارهم عليها حتى الممات. فقه الحياة أو الأحكام: اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين، لقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور 24/ 31] . وقوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قيل: هذه الآية عامّة لكلّ من عمل ذنبا. وقيل: لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر. وتصح التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائبا من أقام على ذنب، ولا فرق بين معصية ومعصية. هذا مذهب أهل السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها. وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المعتزلة، لأن من شرط الموجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق
ومالكهم، والمكلّف لهم، فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه، تعالى الله عن ذلك. لكن الله سبحانه قد أخبر في قرآنه أنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده- وهو الصادق في وعده- بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [الشورى 42/ 25] وقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [التوبة 9/ 104] وقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه 20/ 82] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والخلاصة: العقيدة أنه لا يجب على الله شيء عقلا، فأما النقل السمعي في القرآن فظاهره قبول توبة التائب. 2- التوبة تشمل كل أنواع السوء والمعاصي من كفر وغيره، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، كما تقدم، وأمور الدنيا كلها جهالة، سواء وقعت عمدا أو جهلا. 3- التوبة في أثناء زمن قريب قبل المرض والموت، وكل ما كان قبل الموت فهو قريب. قال المالكية: إنما صحت من العبد في هذا الوقت، لأن الرجاء باق، ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل. روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» قال: هذا حديث حسن غريب. ومعنى: «ما لم يغرغر» : ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. 4- نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين صنفان: الأول- من حضره الموت وصار في حين اليأس، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان، لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع، لأنها حال زوال التكليف.
معاملة النساء في الإسلام تحريم إرث النساء كرها والعضل عن الزواج وأخذ شيء من المهور كرها والمعاشرة بالمعروف [سورة النساء (4) الآيات 19 إلى 21] :
والثاني- الكفار الذين يموتون على كفرهم، فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع، فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه، وهذا على تفسير السيئات بما دون الكفر، أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات، ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة. معاملة النساء في الإسلام تحريم إرث النساء كرها والعضل عن الزواج وأخذ شيء من المهور كرها والمعاشرة بالمعروف [سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)
الإعراب:
الإعراب: أَنْ تَرِثُوا فاعل مرفوع لفعل (يحل) . كَرْهاً منصوب على المصدر في موضع الحال. لا تَعْضُلُوهُنَّ لا: إما نافية، والفعل منصوب بالعطف على أَنْ تَرِثُوا وتقديره: لا يحل لكم أن ترثوا وأن تعضلوا، وتكون لا تأكيدا للنفي غير عاملة. وإما ناهية، فيكون تَعْضُلُوهُنَّ مجزوما بلا. إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ في موضع نصب، لأنه استثناء منقطع. أَنْ تَكْرَهُوا أن وصلتها في موضع رفع بعسى، لأن معناه: قربت كراهتكم لشيء. أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً منصوب على المصدر في موضع الحال من واو. تَأْخُذُونَهُ وتقديره: تأخذونه مباهتين. إِثْماً مُبِيناً حال أيضا. البلاغة: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً استعارة تصريحية، استعار لفظ الميثاق للعقد الشرعي. ويوجد جناس ناقص في: فَإِنْ تابا ... تَوَّاباً وفي كَرِهْتُمُوهُنَّ ... أَنْ تَكْرَهُوا. وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً للمبالغة وتعظيم الشيء المعطى مهرا وأنه حق خالص للمرأة. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ استفهام للتوبيخ والإنكار. المفردات اللغوية: النِّساءَ أي ذاتهن. كَرْهاً أي مكرهين على ذلك، وهو فعل أهل الجاهلية، كانوا يرثون نساء أقربائهم، فإن شاؤوا تزوجوهن بلا صداق، وإن شاؤوا زوجوهن وأخذوا صداقهن أو عضلوهن حتى يفتدين بما ورثنه، أو يمتن، فيرثوهن، فنهوا عن ذلك. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم، بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضررا. مأخوذ من العضل: وهو التضييق والمنع والحبس ومنه الداء العضال: الشديد الذي لا نجاة منه. بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ الفاحشة: الفعلة الشنيعة القبيحة أي الزنى أو النشوز، والمبينة: بكسر الياء: أي هي بينة ظاهرة واضحة، أو بفتح الياء أي بينت، فحينئذ لكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي بالإجمال في القول والنفقة والمبيت. والمعروف: ما تألفه الطباع السليمة ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا المروءة. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فاصبروا.
سبب النزول نزول الآية (19) :
خَيْراً كَثِيراً لعله أن يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا. اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ بأن طلقتموها وأردتم أخذ بدلها. قِنْطاراً مالا كثيرا صداقا بُهْتاناً ظلما وكذبا يبهت المكذوب عليه. وَإِثْماً مُبِيناً حراما بينا. أَفْضى وصل. بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ أي وصل كل منهما بالآخر بالجماع المقرر للمهر، كنى الله تعالى عن الجماع بلفظ الإفضاء لتعليم المؤمنين الأدب الرفيع، قال ابن عباس: الإفضاء في هذه الآية الجماع، ولكن الله كريم يكني. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً عهدا. غَلِيظاً شديدا. فالميثاق الغليظ: العهد المؤكد الذي يربط الرجل بالمرأة بأقوى رباط وأحكمه، وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. سبب النزول: نزول الآية (19) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ: روى البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري بسند حسن عن أبي أمامة سهل بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة، جاء ابنه من غيرها أو قرابته من عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها وضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها. فلما توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري، وترك
التفسير والبيان:
امرأة: كبيشة بنت معن الأنصارية، فطرح ابن له من غيرها يقال له: حصن ثوبه عليها، فورث نكاحها ثم تركها، فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها لتفتدي منه بمالها، فاشتكت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال لها: اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. التفسير والبيان: كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحق، فقرر لها الله تعالى حقوقا في شؤون الزواج، ونهى عن الاعتداء عليها. الحق الأول- تحريم إرث ذات النساء: ليست المرأة متاعا يورث، فلا تورث زوجة المتوفى، ولا يحل لكم أيها المؤمنون تقليد أهل الجاهلية، فترثون المرأة كما ترثون الأموال والأمتعة، وتتصرفون فيها كما تشاؤون، وهن كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوجها، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء منعها الزواج. الحق الثاني- عضل المرأة: أي منعها من الزواج والتضييق عليها: ولا يحل لكم إرث النساء ولا التضييق عليهن حتى تفتدي المرأة نفسها منكم بالمال من ميراث أو صداق ونحو ذلك. أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي الشهود فيكتب ذلك عليها، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وكثيرا ما كانوا يضيقون عليهن ليفتدين منهم بالمال. والخطاب إلى الذين نهوا عن العضل إما الأزواج، وإما أولياء الميت الذين يرثون زوجته ويمنعونها من الزواج حتى تموت فيرثوها، وإما أولياء المرأة،
الحق الثالث - المعاشرة بالمعروف:
وهذا غير مقبول لأن أولياءها لم يؤتوها شيئا ثم يذهبوا ببعض ما آتوه لها. والمراد بقوله: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ألا تضاروهن في العشرة لتترك لكم ما أصدقتموها أو بعضه أو حقا من حقوقها عليكم، أو شيئا من ذلك على وجه القهر لها والإضرار. ثم استثنى الله تعالى حالا واحدة يجوز فيها العضل أي الحبس والتضييق وهي حالة إتيان الفاحشة المبينة كالزنى والسرقة والنشوز عن الطاعة، ونحو ذلك من الأمور الممقوتة شرعا وعرفا، ففي هذه الحال يجوز العضل لاسترداد ما أعطوه من صداق وغيره من المال لأن الإساءة من جانبها، واشتراط كون الفاحشة مبينة أي ظاهرة ثابتة إنما هو لمنع عضلها بمجرد سوء الظن والتّهمة بسبب غيرة الرجل الشديدة وتسرعه في الحكم على الزوجة البريئة، أو المرأة العفيفة، فيقع الرجل في الظلم حينئذ. الحق الثالث- المعاشرة بالمعروف: أي تطييب القول وتحسين الأفعال والهيئات والإنصاف بالنفقة والمبيت، فإن المرأة ذات عواطف ومشاعر وحساسية مرهفة، وهي تحب من الرجل مثل ما يحب هو منها، كما قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة 2/ 228] وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه ابن عساكر عن علي: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه صلّى الله عليه وسلّم أنّه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها يتودد إليها بذلك، ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلّى الله عليه وسلّم ، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
الحق الرابع - حق المرأة في كامل المهر:
حَسَنَةٌ [الأحزاب 33/ 21] وكان عليه الصلاة والسلام يقول فيما رواه ابن عمر في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . وأمره تعالى بقوله: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ للرد على ما كان في الجاهلية، إذ كان الرجال يسيئون عشرة النساء، فيغلظون لهن القول، ويضاروهن. فإن كرهتموهن لعيب في أخلاقهن أو قبح في خلقهن، أو لتقصير في عمل واجب عليهن كخدمة البيت، أو لميل منكم إلى غيرهن، فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن ولا بمفارقتهن، فربما يجعل الله فيهن خيرا كثيرا، فيجعل منهن زوجات رضيات يصلحن أحوالكم، أو يرزقكم منهن بأولاد نجباء صالحين، قال صلّى الله عليه وسلّم فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا، رضي منها آخر» المعنى: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها، فلا ينبغي له ذلك، بل يعفو ويصفح ويتغاضي عما يكره لما يحب. ولو تعقل الرجل الآية والحديث وعمل بهما شعر بالسعادة وأسعد الأسرة وتجنب كل ما قد يحدث من منازعات تؤدي إلى أبغض الحلال، وتوقع في الشقاء والخسران. الحق الرابع- حق المرأة في كامل المهر: الظلم قديم في الإنسان وفي طبعه، والرجل الظالم يعتمد على قوته عادة وعلى كون الطلاق بيده، وكان من ظلم الرجال للنساء، وأطماعهم أن الرجل إذا أراد تطليق امرأته، استرد ما دفعه لها من مهر، متذرعا بوسائل كثيرة ومضايقات متنوعة منها الرمي بالفاحشة، فنهى الله عن ذلك في آيتي: وَإِنْ أَرَدْتُمُ
اسْتِبْدالَ.. ووَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ.. وجعله بهتانا وإثما مبينا، ووبخهم وأنكر عليهم ذلك بعد الإفضاء إلى المرأة وأخذ الميثاق الغليظ منهم، فقال: وإذا أردتم استبدال زوج مكان زوج كرهتموها، فاصبروا وأحسنوا المفارقة، ولا تتهموها بالفاحشة الظاهرة، ولا تأخذوا شيئا من المهر الذي دفعتموه، ولو كان المدفوع قنطارا: مالا كثيرا ثم أنكر عليهم ذلك وبخهم بقوله: أ- أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً أي باهتين مبطلين ظالمين آثمين. ومناسبة البهتان: وهو افتراء الكذب إما بإطلاق البهتان على كل باطل محيّر في بطلانه، وإما لإلصاق تهمة الفاحشة بالمرأة وهو طعن بها وظلم، وإما لرميها بتهمة باطلة لأخذ المهر. ب- وكيف تأخذونه وتستحلون أخذ مهور النساء لا لذنب ولا لتقصير في التزام حدود الله، وقد حدث بينكم ما حدث من استمتاع أو جماع، أو إفضاء متبادل، وملابسة قد يتسبب منها إنجاب الولد، كيف تقطعون هذه الصلة، وتهتكون ستر المرأة، وتسيئون إلى سمعتها، ظلما وغضبا وطمعا في مالها، وأنتم أهل القدرة على العمل واكتساب الأموال. ج- وأخذن منكم ميثاقا غليظا أي عهدا مؤكدا والتزاما بحق الصحبة والمعاشرة بالمعروف. قال قتادة ومجاهد: هذا الميثاق: هو ما أخذ الله للنساء على الرجال بقوله: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة 2/ 229] . ووصفه الله بالغلظة لقوته وعظمته. وقالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ إن هذا الفعل قطع لصلة الود والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم 30/ 21] .
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: نهى الله الأولياء عن إرث النساء كرها، والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهنّ. وإبطال لعادة الجاهلية القبيحة بإطلاق حق التصرف بزوجة الميت لأوليائه، وجعلهم أحق بامرأته، وهذا مناف للكرامة الإنسانية وإخلال باحترام المرأة وجعلها متاعا يورث، وإساءة لزوجها السابق. كذلك نهى الله الأزواج وأولياء الميت عن عضل المرأة أي منعها من الزواج بمن تشاء، وحبسها والتضييق عليها، إلا في حال التلبس بفاحشة مبينة كالزنى والنشوز وغيرهما، بقصد أن يأخذوا بعض ما آتاه الزوج لها من مهر. أما في حال النشوز أو الزنى فيحل للرجل أخذ جميع المال الذي قدم مهرا للمرأة. ثم أمر الله بمعاشرة المرأة بالمعروف جميع الأزواج والأولياء، وإن كان المراد في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ بأن يوفيها حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول، لا فظّا ولا غليظا، ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة. والمقصود من هذا الأمر الإلهي بحسن صحبة النساء بعد الزواج توفير مناخ السعادة والهدوء والاستقرار وهناءة العيش، لكل من الزوجين، وهذا واجب ديانة على الزوج، ولا يلزمه في القضاء. وتأثير الواجب ديانة بما يذكر بمراقبة الله وخشيته والعرض عليه في الحساب أوقع في نفس المؤمن من حسبان حساب القضاء. واستدل المالكية بقوله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف «1» .
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزم إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خدمة نفسها، وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها. وفي حالة طروء كراهية للزوجة لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، يندب للرجل الصبر والاحتمال، فعسى أن تتبدل الأحوال وتحسن المرأة عشرة زوجها، ويرزقه الله منها أولادا صالحين. وبعد أن بيّن الله حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها حال الزنى أو النشوز مثلا، أتبعه بذكر الفراق الذي سببه الزوج، وأنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة، فليس له أن يطلب منها مالا. ودل قوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً على جواز المغالاة في المهور لأن الله تعالى لا يمثّل إلا بمباح، والقنطار: المال الكثير الوزن. وقد فهم الناس ذلك من الآية بدليل قصة عمر والمرأة: خطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله سبحانه وتعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً، فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً. فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي رواية: فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر! وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وترك الإنكار «1» . وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله
صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد عن ابن عباس: «من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتا في الجنة» ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة. وقد ورد في السنة وفعل الصحابة الإقلال من المهور، قال صلّى الله عليه وسلّم لابن أبي حدرد، وقد جاء يستعينه في مهره، فسأل عنه، فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرّة «1» أو جبل» . وأرشد صلّى الله عليه وسلّم إلى يسر المهور وعدم التعالي في أحاديث أخرى منها: ما رواه أحمد والحاكم والبيهقي عن عائشة: «إنّ من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها» . وأجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق لقوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً واختلفوا في أقله، وسيأتي عند قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ. والصحيح أن قوله تعالى: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً وقوله في سورة البقرة: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [2/ 229] محكم غير منسوخ، لا يتعارض مع جواز أخذ عوض الخلع الذي تبذله المرأة بطواعية ورضا نفس، وهو المنصوص عليه في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.. [البقرة 2/ 229] . قال أبو بكر الجصاص الرازي: ذكر الفراء أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول. فإذا كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة، فقد منعت الآية أن يأخذ منها شيئا بعد الخلوة والطلاق لأن قوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ قد أفاد الفرقة والطلاق. وسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع من الوطء والدخول «2» .
المحارم من النساء [سورة النساء (4) الآيات 22 إلى 23] :
يفهم منه أن الرازي استدل بهذه الآية (20) على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر لأن الله تعالى منع الزوج أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق، ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة. أما الفقهاء فاختلفوا في ذلك، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المهر يتقرر بالخلوة، وذهب الشافعية والمالكية إلى أنه يتقرر بالجماع، لا بالخلوة، لكن قرر المالكية المهر أيضا بإقامة الزوجة سنة في بيت الزوج بعد الزفاف بلا وطء لأن الإقامة المذكورة تقوم مقام الوقاع أو الوطء. والقائلون بأن المهر لا يتقرر بالخلوة رأوا أن هذه الآية مختصة بما بعد الجماع، بدليل قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وإفضاء بعضهم إلى بعض: هو الجماع. المحارم من النساء [سورة النساء (4) : الآيات 22 الى 23] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23)
الإعراب:
الإعراب: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ في موضع نصب لأنه استثناء منقطع، يقدر البصريون إلا بلكن ويقدره الكوفيون بسوى. وَساءَ سَبِيلًا سبيلا: تمييز منصوب. البلاغة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ فيه حذف مضاف، أي حرم الله عليكم نكاح الأمهات. اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ كناية عن الجماع، مثل قولهم: بنى بها أو عليها. تَنْكِحُوا ما نَكَحَ جناس ناقص. المفردات اللغوية: سَلَفَ مضى فاحِشَةً قبيحا وَمَقْتاً سببا للمقت من الله وهو أشد البغض، وكانوا يسمونه نكاح المقت وَساءَ بئس سَبِيلًا طريقا إلى ذلك. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أن تنكحوهن، وشملت الجدات من جهة الأب أو الأم وَرَبائِبُكُمُ جمع ربيبة: وهي بنت الزوجة من غيره اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي تربونهن في بيوتكم، وهي صفة موافقة للغالب من كون بنت الزوجة تعيش غالبا مع أمها في بيت زوج الأم، فلا مفهوم له، أي تحرم بنت الزوجة ولو لم تكن تتربى في بيت زوج الأم. دَخَلْتُمْ بِهِنَ أي جامعتموهن. فَلا جُناحَ أي لا إثم ولا تضييق في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن، ومن هنا استنبط العلماء قاعدة شرعية هي: «العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات» . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ أي تحرم زوجات الأبناء، بخلاف زوجات الأولاد بالتبني، فلكم نكاحهن.
سبب النزول نزول الآية (22) :
سبب النزول: نزول الآية (22) : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ: نزلت في حصن بن أبي قيس، تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وصفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه: فاختة بنت الأسود بن عبد المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه: مليكة بنت خارجة. قال أشعث بن سوار: توفي أبو قيس، وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدّك ولدا!! ولكني آتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أستأمره، فأتته فأخبرته، فأنزل الله تعالى هذه الآية «1» . وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. وذكر النضر بن شميل في كتاب (المثالب) أن حاجب بن زرارة من العرب تمجّس وتزوج ابنته، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة. المناسبة: بيّن الله تعالى سابقا حكم نكاح اليتامى، وعدد من يحل من النساء بشرط العدل والنفقة، وأوصى بحسن معاشرة الزوجات، وحذر من أخذ مهورهن ظلما بغير حق، ثم عقبه هنا بذكر النساء اللاتي لا يجوز التزوج بهن بسبب قرابة النسب أو المصاهرة أو الرضاع.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: اشتملت الآية على تحريم زوجة الأب، والأقارب بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع. أولا- النكاح المقت: حرم الله تعالى في آية: وَلا تَنْكِحُوا.. امرأة الأب لأنها تشبه الأم، ولأنه فعل قبيح شنيع لا تألفه الطباع السليمة، ولأنه مقت مبغوض مكروه عند ذوي العقول الراجحة، لذا سماه العرب: «النكاح المقت» ويسمى ولد الرجل من امرأة أبيه: «مقيتا» ، ولأنه بئس الطريق ذلك، كما قال تعالى: وَساءَ سَبِيلًا وهو معطوف على خبر كان بتقدير: مقولا فيه ذلك لأنه إنشاء لا خبر. والمراد بالنكاح في قوله: ما نَكَحَ: العقد، كما قال ابن عباس، روى ابن جرير الطبري والبيهقي عنه أنه قال: «كل امرأة تزوجها أبوك، دخل بها أو لم يدخل بها، فهي حرام» . والمراد بالآباء: ما يشمل الأجداد إجماعا. لكن نكاح ما مضى قبل نزول الآية لا مؤاخذة فيه، أي أن هذا النكاح يستحق فاعله العقاب إلّا ما قد سلف ومضى، فإنه لا ذنب فيه، ومعفو عنه. والاستثناء منقطع، والمعنى: لكن ما قد سلف فلا تثريب عليكم فيه. وما هنا عبارة عن النساء، فقد وقعت على العاقل، وقيل: إنها مصدرية، والمعنى: لا تنكحوا نكاحا مثل ما نكح آباؤكم من أنكحة الجاهلية الفاسدة. ثانيا- المحرمات بسبب قرابة النسب أو المصاهرة أو الرضاع: بيّن الله تعالى أنواع المحرمات من النساء، لمنافاتها ما في النكاح من الصلة المتبادلة بين الجنسين، وهي ستة أقسام:
1 - نكاح الأصول:
1- نكاح الأصول: أي الأمهات والجدات، لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ والمراد بالأم: ما يشمل الجدات. 2- نكاح الفروع: أي البنات وبنات الأولاد من الأبناء والبنات، لقوله تعالى: وَبَناتُكُمْ والمراد: بنات الصلب وبنات الأولاد، ممن كن سببا في ولادتهن. 3- نكاح الحواشي القريبة والبعيدة: القريبة: نكاح الأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم لقوله تعالى: وَأَخَواتُكُمْ. والبعيدة من جهة الأب والأم وهي نكاح العمات والخالات لقوله تعالى: وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وذلك يشمل أولاد الأجداد وإن علوا، وأولاد الجدات وإن علون. ومن القرابة البعيدة: الحواشي من جهة الإخوة، لقوله تعالى: وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ من جهة أحد الأبوين أو كليهما. وهذه الأنواع الثلاثة: ما يحرم من جهة النسب. 4- ما يحرم بسبب الرضاع: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب لقوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ، فكل أقارب الأم المرضع أقارب للرضيع، فالمرضعة تصبح أما للرضيع، وبنتها أخته، وزوجها أبوه، وأولادها إخوته. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما طلب إليه أن يتزوج ابنة عمه حمزة قال: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» وروى البخاري أيضا عن ابن عباس «أنه سئل
عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما بنتا والأخرى غلاما، أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ قال: لا، اللقاح واحد» . وظاهر الآية أن قليل الرضاع ككثيره، وهو رأي الحنفية والمالكية. وذهب جماعة إلى أن التحريم إنما يثبت بثلاث رضعات فأكثر لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم وغيره قال: «لا تحرّم المصّة والمصّتان ولا الإملاجة والإملاجتان» . وهو مروي عن الإمام أحمد. وذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد إلى أن التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات لما رواه مالك وغيره عن عائشة قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهن مما يقرأ من القرآن. ورد الحنفية على الحديث بأنه لا يجوز تخصيص آية التحريم هذه بخبر الواحد لأنها محكمة ظاهرة المعنى، بينة المراد. وأخرج أبو بكر الرازي عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقال: إن الناس يقولون: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، قال: قد كان ذاك، أما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم. ولا يحرم الرضاع إلا في سن الصغر وهو ضمن الحولين لقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وروى الدارقطني عن ابن عباس قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» . وهل لبن الفحل يحرّم أو لا؟ كأن يتزوج رجل امرأتين، فتلد منه، وترضع إحداهما صبية، والأخرى غلاما، فمن ذهب إلى أن لبن الفحل يحرم وهو مذهب أكثر الأئمة، حرم الصبية على الغلام لأنهما أخوان من الرضاع لأب. وهذا هو المنصوص عليه، لما ثبت في البخاري عن عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن على عائشة بعد أن نزل الحجاب، فقالت عائشة: والله
5 - ما يحرم بسبب المصاهرة:
لا آذن لأفلح حتى أسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، إنما أرضعتني المرأة! قالت عائشة: فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلت: يا رسول الله، إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن علي، فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال: إنه عمك، فليلج عليك. 5- ما يحرم بسبب المصاهرة: حرم الله بسبب المصاهرة ثلاثة أنواع تكريما لتلك الرابطة كتكريم رابطة النسب: الأول- أم الزوجة التي دخل بها الزوج أو عقد عليها، والجدة كالأم، لقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أي أمهات الزوجات. ولا يشترط في تحريم أم المرأة الدخول بالبنت، بل يكفي مجرد العقد. وهو رأي الجماهير. الثاني- الربيبة: وهي ابنة الزوجة من غيره، بشرط الدخول بأمها، وكذا يحرم أولاد أولادها، فإن لم يدخل بها لا يحرم عليه بناتها لقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي إن مجرد العقد على امرأة دون دخول لا يحرم عليه بناتها. وقال الحنفية: إن من زنى بامرأة يحرم عليه أصولها وفروعها، وكذا إذا لمسها بشهوة أو قبّلها أو نظر إلى فرجها بشهوة، أو لمس يد أم امرأته بشهوة. وتحرم عليه امرأته تحريما مؤبدا. وخالفهم باقي الأئمة وقالوا: الزنا لا يحرم أصول المزني بها ولا فروعها. الثالث- زوجة الابن وابن الابن: تحرم على الأب والجد لقوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ والحلائل جمع حليلة: وهي الزوجة.
6 - ما يحرم بسبب عارض:
ويقال للرجل: حليل، لحلول الزوجين في مكان واحد وفراش واحد. ومثلها زوجة الابن من الرضاعة، للحديث المتقدم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . ويلاحظ أن قيد كون الربيبة في حجر الزوج خرج مخرج الغالب، لا أنه قيد في التحريم، والربيبة حرام على زوج أمها سواء كانت في حجره أو لم تكن في حجره. ولا تحرم زوجة الابن بالتبني لإبطاله وتحريمه في الإسلام، لقوله تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب 33/ 37] وقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب 33/ 5] . 6- ما يحرم بسبب عارض: وهو الجمع بين الأختين أو بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها، والضابط: كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكر، لحرم عليه نكاح الأخرى، بل تظل الحرمة قائمة لو طلق إحداهما حتى تنتهي عدتها. ويدل لذلك ما رواه الجماعة عن أبي هريرة قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» وفي رواية الترمذي وغيره: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» وهذا الحديث خصص عموم قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء 4/ 24] . ويؤكده ما أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن فيروز الديلمي أنه أدركه الإسلام وتحته أختان، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «طلق أيتهما شئت» . وأشار النبي صلّى الله عليه وسلّم في رواية ابن حبان وغيره: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» أي أن تحريم الجمع بين الأختين أو بين المرأة وقريباتها: لوجود الكراهة والبغضاء بين الضرائر عادة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا التحريم لا يشمل ما قد سلف قبل التحريم، فما مضى لا مؤاخذة فيه. إن الله كان وما يزال غفورا رحيما يغفر لكم ما قد سلف من آثار أعمالكم السيئة، ويغفر لكم ذنوبكم بالتوبة والإنابة، ويرحمكم بتشريع أحكام الزواج التي فيها الخير والمصلحة لكم وتوثيق الروابط بينكم. فقه الحياة أو الأحكام: وضح في أثناء التفسير كثير من الأحكام الشرعية، وأوجزها هنا مع الإشارة إلى أحكام أخرى. دلت الآية: وَلا تَنْكِحُوا على تحريم منكوحة الأب أو الجد، إلا ما قد سلف، والاستثناء منقطع، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه ولا إثم فيه، فهو كما وصف سبحانه: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا وهو دليل على أنه فعل في غاية من القبح، لذا سماه العرب نكاح المقت: وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. ويقال للولد إذا ولدته: المقتيّ. وأصل المقت: البغض. واختلف العلماء فيمن زنى بها الأب، أتحرم على ولده كما حرمت عليه زوجته، أم لا تحرم، فيكون الوطء الحرام غير ناشر للحرمة كالوطء الحلال. واختلفوا في الزنى بأم الزوجة، أيحرم الزوجة أم لا يحرمها؟ ذهب إلى الرأي الأول الحنفية والأوزاعي والثوري ومالك في رواية ابن القاسم عنه، وذهب إلى الثاني الليث والشافعي ومالك في رواية الموطأ عنه، وهو الراجح لدى المالكية. وسبب الخلاف: الاشتراك في لفظ النكاح، فهو يطلق على الوطء وعلى العقد، فمن قال: إن المراد به في الآية الوطء، حرم من وطئت ولو بزنا. ومن
إطلاقه على الوطء قوله تعالى: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة 2/ 230] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور 24/ 3] إذ لو كان العقد للزم الكذب، وقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ [النساء 4/ 6] وقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث ضعيف: «ناكح اليد ملعون» . ومن قال: المراد به العقد لم يحرم بالزنا. ومن إطلاقه على العقد قوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب 33/ 49] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور 24/ 32] وقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [النساء 4/ 3] وقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه ابن ماجه: «النكاح من سنتي» أي العقد، وقوله في الحديث الثابت: «أنا من نكاح ولست من سفاح» . فما الراجح أن تحمل عليه الآية أهو الوطء أم العقد؟ ذهب الحنفية: إلى أن الراجح أن يكون المراد بالنكاح في الآية الوطء لأن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، والحمل على الحقيقة أولى، حتى يقوم الدليل على الحمل على المجاز، وإذا كان المراد به الوطء، فلا فرق بين الوطء الحلال والوطء الحرام. والوطء آكد في إيجاب التحريم من العقد لأنا لم نجد وطئا مباحا إلا وهو موجب للتحريم كالوطء بملك اليمين ونكاح الشبهة، وقد وجدنا وطئا صحيحا لا يوجب التحريم وهو العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت، ولو وطئها حرمت، فعلمنا أن وجود الوطء علة لإيجاب التحريم، فكيفما وجد ينبغي أن يحرم، سواء كان مباحا أو محظورا. ورأى الشافعية: أن النكاح وإن كان مجازا في العقد، ولكنه اشتهر فيه، حتى صار حقيقة فيه، كالعقيقة كانت اسما لشعر المولود، ثم أطلقت على الشاة التي تذبح عند حلقة مجازا، واشتهر ذلك حتى صارت حقيقة فيها، تفهم منها عند الإطلاق. وقد عبر الله بجانب هذه المحرمات بما يفيد الزوجية كقوله:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ. ثم إنه كيف يجعل للزنا حرمة وهو فاحشة ومقت؟ ثم إن النسب لا يثبت بالزنا، فكذلك التحريم لا يثبت بالزنا. وهذا هو الراجح. ودلت آية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ... على تحريم سبع من النسب وهي: الأم ومثلها الجدات وان علون، والبنت ومثلها بنت الأولاد وإن سفلن، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت. وتحريم الأم من الآية لأن الأم حقيقة في الأم مباشرة، مجاز في الجدة، ويكون تحريم الجدات من الإجماع، وقال بعضهم: من الآية لأن الأم تطلق على الأم المباشرة والجدة من باب المشترك المعنوي. وأما البنت من الزنى فهل هي داخلة في قوله: وَبَناتُكُمْ؟ قال أبو حنيفة: إنها داخلة في الآية ولها حرمة البنت الشرعية لأنها متخلقة من مائه وبضعة منه، فحرمها عليه، فهو قد نظر إلى الحقيقة. وقال الشافعي: ليست داخلة في الآية، فلا تكون حراما، وليس لها حرمة البنت الشرعية لأن الشارع لم يعطها حكم البنتيه، فلم يورثها منها، ولم يبح الخلوة بها، ولم يجعل له عليها ولاية، وليس له أن يستلحقها به لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الجماعة عن أبي هريرة: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . ورجح بعض علماء العصر رأي أبي حنيفة قياسا على ولد الزنا، فإنه تحرم عليه أمه لأنه متخلق منها. ورأى آخرون ترجيح رأي المالكية والشافعية، حتى لا يجعل الزنى في مرتبة القرابة والمصاهرة والرضاع، والقاعدة الشرعية تقرر أن النقمة لا تكون طريقا إلى النعمة. ودلت الآية على تحريم ست بغير النسب وهم: الأم من الرضاع، والأخت من الرضاع، ومثلهما جميع أصول وفروع
المرضع. وأمهات الزوجات، والربائب المدخول بأمهن، وزوجات الأبناء، والجمع بين الأختين، ومثل الأخت: العمة والخالة وابنة الأخ وابنة الأخت. وأما زوجة الابن المتبنى فأحلها الإسلام، خلافا لما كان عليه العرب في الجاهلية، وتزوج النبي صلّى الله عليه وسلّم زينب بنت جحش زوج زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه عليه الصلاة والسلام ، عملا بقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب 33/ 37] وقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب 33/ 5] . وقد استنبط العلماء من قوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.. القاعدة الشرعية وهي: «العقد على البنات يحرّم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات» فأم المرأة تحرم بمجرد العقد على بنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. وأما الربيبة: وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد حتى يدخل بأمها، فإن طلق الأم قبل الدخول بها، جاز له أن يتزوج بنتها. ودل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ على أن تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه. وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات، فهو تحريم مؤبد دائم. والتحريم بالرضاع مثل التحريم بالنسب تماما، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتقدم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . ويجوز للمرأة أن يحج معها أخوها من الرضاعة، كما صرح الإمام مالك رحمه الله. وأجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء، سواء كان مع العقد وطء أو لم يكن لقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا
ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وقوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ. فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح لأن النكاح الفاسد إن كان متفقا على فساده لم يوجب حكما وكان وجوده كعدمه، وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما يتعلّق بالصحيح لاحتمال أن يكون نكاحا، فيدخل تحت مطلق اللفظ، والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلّب التحريم. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطأ بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه، وعلى أجداده وولد ولده. أما الوطء بالزنى فهو يحرم الأم والابنة وأنه بمنزلة الحلال في رأي الحنفية، بدليل قصة جريج، وقوله: «يا غلام، من أبوك؟ قال: فلان الراعي» فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرّم الوطء الحلال. وقال المالكية والشافعية: إن الزنى لا حكم له لأن الله تعالى قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وليست التي زنى بها من أمّهات نسائه، ولا ابنتها من ربائبه، روى الدارقطني عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح» . وأما اللائط: فقال مالك والشافعي والحنفية: لا يحرم النكاح باللواط. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها: أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة. واختلفوا إذا طلقها طلاقا بائنا لا يملك رجعتها، فقال الحنفية والحنابلة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلّق. وقال المالكية والشافعية: له أن ينكح أختها وأربعا سواها.
وإذا عقد المسلم على أختين في عقد واحد بطل نكاحها عند أبي حنيفة. ويخير بين الأختين في رأي مالك والشافعي، سواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما، أو جمع بينهما في عقدين. وأما النكاح القائم بين الأختين في الجاهلية فهو نكاح صحيح، ثم يخير بينهما إذا أسلم الزوج. والخلاصة: روى هشام بن عبد الله بن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرّمات كلّها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين: إحداهما- نكاح امرأة الأب. والثانية- الجمع بين الأختين. ألا ترى أنه قال: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ولم يذكر في سائر المحرمات: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. انتهى الجزء الرابع ولله الحمد
حرمة الزواج بالمتزوجات وإباحة الزواج بغير المحارم بشرط المهر [سورة النساء (4) آية 24] :
[الجزء الخامس] [تتمة سورة النساء] حرمة الزواج بالمتزوجات وإباحة الزواج بغير المحارم بشرط المهر [سورة النساء (4) : آية 24] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) الإعراب: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوب على المصدر بفعل دل عليه قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ لأن معناه: كتب ذلك كتابا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل. مثل قوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ [النمل 27/ 88] : منصوب على المصدر بما دل عليه الكلام قبله، وتقديره: صنع ذلك صنعا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل. وَأُحِلَّ لَكُمْ بالضم فعل ماضى مبني للمجهول، وما نائب الفاعل، وقرئ بفتح الهمزة على أنه مبني للمعلوم، وما مفعول به. وأَنْ تَبْتَغُوا إما منصوب على أنه بدل من ما إذا كانت في موضع نصب مفعول به، أو على أنه مفعول لأجله، أي لأن تبتغوا بأموالكم. وإما مرفوع على أنه بدل من ما على أنها نائب فاعل. مُحْصِنِينَ وغَيْرَ مُسافِحِينَ حال من ضمير تَبْتَغُوا. البلاغة: يوجد طباق بين مُحْصِنِينَ ومُسافِحِينَ. آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ: استعار لفظ الأجور للمهور لأن المهر يشبه الأجر في الصورة.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: وَالْمُحْصَناتُ أي حرمت عليكم ذوات الأزواج لأنهن دخلن في حصن الزوج وحمايته، ويطلق الإحصان في القرآن الكريم على أحد أربعة معان: 1- التزوج: كما في الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء 4/ 24] يقال: أحصن الرجل: إذا تزوج. 2- الإسلام: كما في الآية: فَإِذا أُحْصِنَّ أي أسلمن، يقال: أحصن: إذا أسلم. 3- العفة: كما في الآية: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [النساء 4/ 25] يقال: أحصن: إذا عف، وفي آية أخرى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور 24/ 4] . 4- الحرية: كما في الآية: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ [النساء 4/ 25] يقال: أحصن: إذا صار حرا، وفي الآية نفسها: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ وفي جميع ذلك: معنى المنع وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، فالرجل إذا تزوج، منع نفسه من الزنى، وإذا أسلم، منع نفسه من القتل، والعفيف يمنع نفسه من الفحش، وإذا عتق منع نفسه من الاستيلاء. وورد الإحصان في السنة بمعنى التزوج، قال صلّى الله عليه وسلّم: أحصنت؟ بمعنى تزوجت، قال: نعم. وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود عن علي: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» من أحصن منهم ومن لم يحصن. ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي المملوكات بالسبي في جهاد مشروع، فينفسخ نكاحهن من أزواجهن الكفار في دار الحرب، ويحل الاستمتاع بهن بعد استبراء الحامل بوضع حملها، وغير الحامل (الحائل) بحيضة ثم تطهر، واشترط الحنفية اختلاف الدار بينها وبين زوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي كتب الله تحريم ذلك عليكم وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي أبيح لكم من النساء سوى ما حرم عليكم أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا النساء بِأَمْوالِكُمْ بصداق، فالأموال: المهور مُحْصِنِينَ متزوجين أو متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ غير زانين، والمسافح: الزاني، وذلك لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم، فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. أُجُورَهُنَّ مهورهن، والأجر في الأصل: الجزاء في مقابلة شيء من عمل أو منفعة، والمهر في مقابل الاستمتاع المباح. فَرِيضَةً مفروضة ومقدرة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ لا حرج ولا إثم ولا تضييق فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أي اتفقتم أنتم وهن من حط بعض الفريضة أو كلها أو الزيادة عليها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه فيما يصلحهم حَكِيماً فيما دبره لهم.
سبب النزول:
سبب النزول: روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، ولهن أزواج، فسألنا النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بها فروجهن. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: نزلت يوم حنين، لما فتح الله حنينا، أصاب المسلمون نساء من نساء أهل الكتاب لهن أزواج، وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت: إن لي زوجا، فسئل صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فأنزلت: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. أما قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.. الآية، فنزل بسبب ما يأتي، أخرج ابن جرير الطبري عن عمرة بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة فنزلت: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ. المناسبة: هذه الآية ملحقة في مطلعها بالمحرمات من النساء بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها، في الآية السابقة. وناسب أن يذكر سبيل إباحة غير المحرمات من النساء بشرط المهر وبقصد التعفف لا الزنى. التفسير والبيان: قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ معطوف على أُمَّهاتُكُمْ في الآية السابقة، فهن من المحرمات. والمعنى: وحرم عليكم نكاح المتزوجات إلا المسبيات في جهاد
مشروع بيننا وبين الأعداء الكفار، دفاعا عن الدين، لا حرب استعمار واستغلال. فالآية تدل على تحريم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم إياهن هادم لنكاحهن السابق أو فاسخ له، إذا بقي أزواجهن الكفار في دار الحرب. والزواج بإحدى السبايا طريق لكفالة المسبية وصونها عن التبذل ببذل العرض أو البحث عن الرزق. وجيء بقيد مِنَ النِّساءِ لإفادة التعميم، فيشمل كل متزوجة. وقوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك (وهو تحريم ما حرم عليكم) كتابا وفرضه فرضا، وبعبارة أخرى: كتب عليكم تحريم هذه الأنواع كتابا مؤكدا، وفرضه فرضا ثابتا، موافقا للمصلحة دون شك ولا تغيير. وأحل الله ما وراء ذلكم مما هو عدا المحرمات المذكورات، فقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ معطوف على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ عند من قرأ وَأُحِلَّ بالبناء للمعلوم، أما على قراءة البناء للمجهول وَأُحِلَّ فهو معطوف على كتب المقدر المفهوم من قوله تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. أحل لكم ما وراء ذلكم لأجل أن تطلبوا النساء بأموالكم التي تدفعونها مهرا للزوجة، حالة كونكم أعفاء غير زناة، فلا تضيعوا أموالكم في الزنى، فتذهب أموالكم وتفتقروا. وأي امرأة من النساء اللواتي أحللن لكم تزوجتموها فأعطوها الأجر أي المهر وسمي المهر أجرا لأنه في مقابلة الاستمتاع، وهذا الحكم مفروض من الله فريضة، فقوله فَرِيضَةً إما حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو مصدر مؤكد أي
فقه الحياة أو الأحكام:
فرض الله ذلك فريضة لأن المهر يفرض ويعين في عقد الزواج، ويسمى ذلك إيتاء وإعطاء، كما في آية: وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وآية: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً أو أن المقصود الحث على إيفاء المهر الذي هو حق للزوجة بفرض الله وشرعه وحكمه المبرم، لا مجال للمساومة فيه أو التهرب منه. ولكن لا إثم ولا تضييق على الأزواج بالاتفاقات التي تحدث عقب الزواج، فلا مانع من التراضي على أن تحط المرأة عن الرجل المهر كله أو بعضه أو تهبه له، أو على الزيادة في مقدار المهر، فكل من النقص في المهر بعد تقديره أو تركه كله أو الزيادة فيه أمر مباح مشروع لأن المقصود بالزوجية أن تكون قائمة على أساس متين من المودة والمحبة، والتعاون والتعاطف، والله تعالى عليم بما فيه صلاح خلقه وبنواياهم، حكيم فيما دبره لهم من أحكام، فهو لا يشرع لهم تفضلا ورحمة منه إلا ما فيه خيرهم وصلاحهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على الأحكام السبعة التالية: الأول: تحريم الزواج بالمتزوجات من النساء، رعاية لحق الأزواج، ما دامت الزوجية قائمة فعلا أو في أثناء العدة، فإذا طلقن وانقضت عدتهن فهن لكم حلال، وأكد الله تعالى وجوب احترام مبدأ تحريم المحرمات بقوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي كتب الله عليكم ما قصه من التحريم، فهو عهد وميثاق، وهو أيضا إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. الثاني: إباحة المسبيات المملوكات بسبب السبي في الجهاد، أو بسبب الشراء لأن
الثالث:
السبي يؤدي إلى فسخ زواجهن السابق، ما دام أزواجهن كفارا في دار الحرب، واشترط الحنفية اختلاف الدار بين المسبية وزوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره لأن الزوج قد صار له عهد وعصمة لما يملكه، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها. ولا فرق في رأي المذاهب الأخرى بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين. ولا بد من استبراء المسبية بوضع الحمل إن كانت حاملا، وبحيضة إن كانت حائلا غير حامل، قال الحسن البصري: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستبرءون المسبيّة بحيضة وروى أبو داود وصححه الحاكم عن أبي سعيد الخدري حديثا في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» . والعلماء كافة رأوا استبراء المسبية بحيضة واحدة، سواء أكانت ذات زوج أم لا زوج لها. هذا.. ويلاحظ أن الإسلام لم يفرض السبي أو الاسترقاق، وإنما كان مشروعا لدى الأمم جميعها، أما إنه لم يحرمه فمن أجل المعاملة بالمثل لأن الرقيق كان عماد الحركة والحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولا يعقل أن يسترق العدو أسرانا ونحن لا نسترق أسراه. وكان الرق أحيانا من أجل توفير سبل المعيشة عند السيد، ويظهر هذا بنحو خاص بالنسبة للمرأة، إذ الغالب أن يكون زوجها قتل في الحرب، فمن مصلحتها أن تعيش في ظل من يعيلها وينفق عليها، ويعفها حتى لا تصبح أداة فساد أو عالة على المجتمع. الثالث: إباحة الزواج بجميع النساء الأجنبيات غير المحارم المذكورة في الآية:
الرابع:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [النساء 4/ 23] وما أضيف إليها في السنة النبوية كالجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، لما روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها ولا بين المرأة وخالتها» . وضابط حرمة الجمع عند العلماء: ما ذكر عن الشعبي قال: كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا، لم يجز له أن يتزوج الأخرى، فالجمع بينهما باطل. وعلة التحريم: هو ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة، مما يقع بين الضرائر من البغضاء والشرور بسبب الغيرة، قال ابن عباس: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوج الرجل المرأة على العمّة أو على الخالة، وقال: «إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» «1» . الرابع: أباح الله تعالى الاستمتاع بالنساء بعقد الزواج المشتمل على المهر، وهو المال المتقوم الذي يباح الانتفاع به شرعا، وهذا دليل على وجوب المهر، فإذا حصل الزواج بغير المال لم تقع الإباحة به لأنها على غير الشرط المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه. الخامس: دلّ قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على أن المهر يسمى أجرا، وأنه في مقابلة البضع (الاستمتاع) لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. والظاهر أن المعقود عليه: هو بدن المرأة، ومنفعة البضع، والحلّ لأن العقد يقتضي كل ذلك. واختلف العلماء في معنى الآية على قولين:
1- قال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فآتوهن مهورهن (أجورهن) فإذا جامعها مرة واحدة، وجب المهر كاملا إن كان مسمّى، أو مهر مثلها إن لم يسمّ. أما إذا كان النكاح فاسدا فيجب مهر المثل لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فإن دخل بها، فلها مهر مثلها بما استحلّ من فرجها» «1» . ولا يجوز في رأيهم أن تحمل الآية على جواز نكاح المتعة: (وهو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر) لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن نكاح المتعة وحرّمه ولأن الله تعالى قال: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [النساء 4/ 25] ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك. 2- وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، فقد كان مرخصا فيه في بدء الإسلام، أذن فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم مرة أو مرتين في الجهاد، لبعد المجاهدين عن نسائهم، وخوفا من الزنى، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين، وعلى أساس مبدأ العفو الذي لم يتعلق به تحريم في مبدأ الأمر، وذلك في غزوة أوطاس، وعام فتح مكة، ثم حرّمه النبي صلّى الله عليه وسلّم بعدئذ واستقر الأمر على التحريم، بدليل آية: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون 23/ 6/ 5] وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين. وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المتعة ، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت. وثبت في الصحيحين عن علي قال: «نهى رسول الله
وهل يحد من دخل بامرأة في نكاح المتعة؟ :
صلّى الله عليه وسلّم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» وفي لفظ آخر في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه أنه غزا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» . ونهى أيضا عنها عمر رضي الله عنه، ودلت الأحاديث الكثيرة على تحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، كما تقدم. بل إن نكاح المتعة على النحو الذي يجيزه الشيعة الإمامية بشروط كثيرة غير مطبّق الآن في الواقع لأن المتمتع لا يقصد بالمتعة الإحصان، وإنما يقصد السفاح، وهو لا يلتزم بتوابع الوطء، والمرأة لا تلتزم أيضا بالعدة. قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها. واتفقت المذاهب الأربعة ما عدا زفر على بطلانه. وقال زفر: الزواج صحيح وشرط التأقيت باطل. وهل يحد من دخل بامرأة في نكاح المتعة؟ قال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا يحد للشبهة وإنما يعزر ويعاقب لشبهة العقد. وقال المالكية في مشهور المذهب: يحد بالرجم. السادس: قوله تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعم المال وغيره من منافع الأعيان، وبه قال جمهور العلماء إلا أن أبا حنيفة قال: إذا تزوج على المنفعة فالنكاح جائز، وهو في حكم من لم يسمّ لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة.
السابع:
احتج الجمهور بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة، وفيه فقال: «اذهب فقد ملّكتكها بما معك من القرآن» . وفي رواية قال: «انطلق فقد زوجتكها فعلّمها من القرآن» «1» . وقد زوج شعيب عليه السلام ابنته من موسى عليه السلام على أن يرعى له غنما في صداقها. السابع: دل قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ على جواز الزيادة والنقصان في المهر، فهو سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة، والمراد إبراء المرأة عن المهر، أو توفية الرجل كل المهر إن طلّق قبل الدخول. شروط الزواج بالأمة وعقوبة فاحشتها [سورة النساء (4) : آية 25] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
الإعراب:
الإعراب: طَوْلًا الطول: مصدر: طلت القوم، أي علوتهم، وهو مفعول به لفعل: يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْكِحَ منصوب بطول انتصاب المفعول به. ولا يجوز نصبه ب يَسْتَطِعْ لأن المعنى يتغير، ويصير: ومن لم يستطع أن ينكح المحصنات طولا، أي للطول، فيصير الطول علة في عدم نكاح الحرائر، وهذا خلاف المعنى لأن الطول به يستطاع نكاح الحرائر، فبطل أن يكون منصوبا ب يَسْتَطِعْ فثبت أنه منصوب بالطول. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ابتداء وخبر. الْمُحْصَناتُ منصوب على الحال من الهاء والنون في وَآتُوهُنَّ وكذلك قوله تعالى: غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ. البلاغة: يوجد طباق في الْمُحْصَناتِ.. ومُسافِحاتٍ ويوجد جناس ناقص أو مغاير في الْمُحْصَناتِ.. فَإِذا أُحْصِنَّ. المفردات اللغوية: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الاستطاعة: كون الشيء في مقدورك طَوْلًا الطول: الغنى والفضل الزائد من مال أو قدرة على تحصيل المطلوب الْمُحْصَناتِ هنا: الحرائر. الْمُؤْمِناتِ هو جري على الغالب، فلا مفهوم له. فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ينكح. مِنْ فَتَياتِكُمُ إمائكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ أي اكتفوا بالظاهر واتركوا السرائر إلى الله، فإنه العالم بتفصيلها، وربّ أمة تفضل الحرة، وهذا تأنيس بنكاح الإماء. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أنتم وهن سواء في الدين، فلا تستنكفوا من نكاحهن. بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ مواليهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أعطوهن مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير مطل ولا نقص. الْمُحْصَناتِ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات جهرا أَخْدانٍ أخلاء يزنون بهن سرا. والأخدان جمع خدن: وهو الصاحب، ويطلق على الذكر والأنثى فَإِذا أُحْصِنَّ تزوجن بِفاحِشَةٍ زنى فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر الأبكار إذا زنين الْعَذابِ هو الحد المقدر شرعا وهو مائة جلدة، ونصفها وهو عقوبة الرقيق خمسون، ولا رجم عليهن لأنه لا يتنصف خَشِيَ خاف الْعَنَتَ الجهد والمشقة، والمراد هنا: الزنى، سمي به الزنى لأنه سبب المشقة بالحد في الدنيا والعقوبة في الاخرة مِنْكُمْ أي أن من لا يخاف الوقوع في الزنى من الأحرار، فلا يحل له نكاح الأمة، وكذا من استطاع طول حرة أي مهرها، في رأي الشافعي. وبشرط كون
المناسبة:
الأمة مؤمنة لقوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ فلا يحل نكاح الإماء الكافرات ولو عدم الرجل مهر الحرة وخاف الوقوع في الزنى. وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح المملوكات خَيْرٌ لَكُمْ لئلا يصير الولد رقيقا. المناسبة: هذه الآية تابعة لما قبلها، تبيّن حكم التّزوج بالإماء وحكم عقوبتهن عند ارتكاب الفاحشة، بعد أن بيّنت الآية المتقدّمة إباحة الزواج بكل النّساء الأجنبيّات غير المحرّمات، فلما بيّن الله من لا يحل من النّساء ومن يحلّ منهنّ، بيّن لنا هنا فيمن يحلّ أنه متى يحلّ، وعلى أي وجه يحلّ؟ التفسير والبيان: ومن لم يجد لديه زيادة في المال والسعة ليتمكن من الزواج بالحرائر، فله أن يتزوج بالإماء، وعبّر عنهنّ بالفتيات تكريما لهنّ وإرشادا لمناداة الأمة والعبد بلفظ الفتاة والفتى، روى البخاري أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يقولنّ أحدكم عبدي أمتي، ولا يقل المملوك: ربّي، ليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي، فإنكم المملوكون، والرّب: هو الله عزّ وجلّ» . والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وشأن الحرّة الإحصان، كما أن شأن الأمة البغاء، لذا قالت هند للنّبي صلّى الله عليه وسلّم على سبيل التعجب: أوتزني الحرّة؟ وظاهر الآية يدلّ على أن زواج الإماء مشروط بشروط ثلاثة: الأول- ألا يجد الزّوج صداق الحرّة. الثاني- أن يخشى العنت أي الوقوع في الزنى. الثالث- أن تكون الأمة المتزوّج بها مؤمنة غير كافرة.
ومهر الحرّة يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، فلكلّ شخص وبيئة ما يناسبهما عرفا، فقد يقدر الرجل على مهر الحرّة، ولكن النساء تنفر منه لسوء خلقه أو خلقه، وقد يعجز عن القيام بحقوق الحرّة من النفقة والمساواة بينها وبين غيرها، وليس للأمة مثل هذه الحقوق. وقدّر الحنفية المهر بربع دينار (ثلاثة دراهم) ، وقال بعضهم: عشرة دراهم. ولا أجد لهذا التحديد مستندا في الأدلة الشرعية، وإنما الثابت في السّنة أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لمن يريد الزواج: «التمس ولو خاتما من حديد» «1» . وتزوّج بعض الصحابة على تعليم امرأته شيئا من القرآن. وإنما اشترط التشرع هذه الشروط في نكاح الإماء تفاديا لما يشتمل عليه من أضرار، أهمها صيرورة الولد رقيقا لأن الولد يتبع الأم في الرّق والحرية، لذا قال الله تعالى في آخر الآية: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ. وذهب أبو حنيفة إلى جواز نكاح الأمة لمن لم يكن عنده حرّة، سواء أكان واجدا مهر الحرّة أم لا، وسواء أخشي العنت أم لا، وسواء أكانت الأمة مسلمة أم لا، عملا بالعمومات الكثيرة، كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء 4/ 3] ، وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [النور 24/ 32] ، وقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء 4/ 24] ، وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة 5/ 5] ، وجميع ذلك يتناول الإماء والكتابيّات. ولم يشرط فيه عدم الطّول ولا خوف العنت، وهذه الآية لا تصلح لتخصيص العمومات السابقة لأنها أولا تدلّ على الشروط بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة، وهما ليسا بحجة عند أبي حنيفة رحمه الله. وثانيا على تقدير الحجية يكون
مقتضى المفهومين عدم الإباحة إذا اختلّ الشرط أو عدمت الصفة، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة، فيجوز أن يكون المراد ثبوت الكراهة عند فقدان الشرط، كما يجوز ثبوت الحرمة، ولكن الكراهة أقلّ في مخالفة العمومات فتعينت. وأما قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ فليس بشرط، وإنما هو إرشاد للإصلاح لعموم مقتضى الآيات. وأجاب الشافعية: بأن هذه العمومات لا تعارض هذه الآية، إلا معارضة العام للخاص، والخاص مقدّم على العام. والحنفية خصصوا عموم الآيات فيمن لم يكن عنده حرّة، صونا للولد عن الإرقاق، وهذا المعنى يقتضي التخصيص أيضا بما إذا لم يكن لديه مهر الحرة، وخاف العنت. ثم إن الآية أباحت نكاح الأمة لضرورة من خشي العنت وفقد مهر الحرّة، بشرط كون الأمة مسلمة، وفيما عدا ذلك يرجع إلى الأصل وهو المنع من النكاح. وأما معنى قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فهو أنكم أيها المؤمنون مكلّفون بظواهر الأمور والله يتولى السرائر، فاعملوا على الظاهر في الإيمان، والإيمان الظاهر في الأمة كاف، ولا يشترط العلم بالإيمان يقينا إذ لا سبيل لكم إليه. وأنتم مع الإماء إما من جنس واحد وهو البشرية والرجوع إلى أصل واحد وهو آدم، وإما أنكم مشتركون مع الإماء في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل فلا تأنفوا نكاح الإماء عند الضرورة. وهذا رفع من شأن الإماء وتسوية بينهن وبين الحرائر. ثم أعاد الله تعالى الأمر بنكاح الإماء لزيادة الترغيب، وجعل نكاحهن مثل الحرائر بكونه بإذن أي رضا أهلهنّ، والأهل: المولى، أو المالك لهن لأن الإيمان رفع من قدرهن. واتفق الفقهاء على أن نكاح الأمة والعبد مشروط بإذن السيّد، لهذه الآية
ولحديث ابن عمر عند ابن ماجه: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر» . فإذا لم يتوافر الإذن، كان النكاح في رأي الشافعي باطلا غير صحيح، وموقوفا غير نافذ كعقد الفضولي في رأي الفقهاء الآخرين. والأمة كالحرة أيضا في وجوب المهر لها، لقوله تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي أدّوا إليهنّ مهورهنّ بالمعروف بينكم في حسن التعامل ومهر المثل وإذن الأهل. ومهر الأمة عند الجمهور (أكثر الأئمة) للسيّد لأنه وجب عوضا عن منافع البضع المملوكة للسيّد، وهو الذي أباحها للزوج بالنكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها، ولأن الرّقيق لا يملك شيئا أصلا لقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل 16/ 75] ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «العبد وما في يده لمولاه» . وقال الإمام مالك: المهر حق للزّوجة على الزّوج، ومهر الأمة لها، عملا بظاهر الآية. ورد الجمهور بأن المراد بالآية: وآتوهن مهورهن بإذن أهلهن، أو أن المراد: وآتوا أهلهن مهورهن. وإنما أضاف إيتاء المهور إليهن لتأكيد إيجاب المهر. لكن شرط استحقاق الإماء المهور أن يكنّ عفائف متزوجات منكن، لا مستأجرات للبغاء جهرا وهنّ المسافحات، ولا سرّا وهنّ متخذات الأخدان. وهكذا كان عرف الجاهلية في قسمة الزنى نوعين: علني وهو السّفاح، وسرّي وهو اتّخاذ الأخدان. وقد حرّم الله النّوعين بقوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأنعام 6/ 151] ، وقوله: قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف 7/ 33] . فالمراد بالمحصنات هنا: العفائف، والمرأة المسافحة: هي التي تؤاجر نفسها
مع أي رجل أرادها، والتي تتخذ الخدن: هي التي تتخذ صاحبا معينا. والسبب في اشتراط كون الأمة محصنة مصونة في السرّ والجهر إذا أراد الحرّ التزوّج بها: هو أن الزّنى كان غالبا في الجاهلية على الإماء، وكانوا يشترونهن للاكتساب ببغائهن، حتى إن عبد الله بن أبيّ كان يكره إماءه على البغاء بعد أن أسلمن، فنزل في ذلك: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً، لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [النور 24/ 33] . ثم أبان الله تعالى عقوبة الحدّ على الزّانية الأمة، فجعل عقوبتها نصف عقوبة الحرّة، وذلك بقوله: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ... أي أن الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزّواج، فحدّهنّ نصف حدّ الحرائر، وإذا كان حدّ الحرّة مائة جلدة بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فحدّ الأمة هو خمسون جلدة. هذا ما دلّ عليه القرآن، فلا رجم للإماء لأن الرّجم لا يتنصف، ودلّت السّنّة على حدّ الأمة غير المزوجة، روى الشيخان عن زيد بن خالد الجهني أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: «اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» . والسبب في تصدير الآية بقوله: فَإِذا أُحْصِنَّ هو دفع توهم أن التزوّج يزيد في حدهنّ، فهو قيد لم يجر مجرى الشرط، فلا مفهوم له. ثم ذكر الله تعالى بقوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ شرطا آخر لإباحة نكاح الإماء وهو الخوف من الزنى، وهذا ما أخذ به الشافعي رضي الله عنه، أما أبو حنيفة فلم يجعل ذلك شرطا، وإنما هو إرشاد للأصلح. ثم أوصى الله تعالى في نكاح الإماء بوصية أدبيّة خلقية عامة فقال: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي أن صبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهنّ، وإن أبيح
فقه الحياة أو الأحكام:
لكم ذلك للضرورة بشروط، لما فيه من أضرار: بتعريض الولد للرّق، ولأنهنّ ممتهنات مبتذلات، خرّاجات ولّاجات، وذلك ذلّ ومهانة يرثه الواد منهن، ولأن حقّ المولى في الإماء أقوى من حقّ الزّوجية، فله الحقّ باستخدامهنّ، والسفر بهنّ وبيعهنّ، وفي ذلك مشقّة عظيمة على الأزواج. جاء في مسند الدّيلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الحرائر: صلاح البيت، والإماء: هلاك البيت» ، وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا نكح العبد الحرّة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الأمة فقد أرقّ نصفه» . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي والله واسع المغفرة كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن، وفي ذلك تنفير عنه، ويغفر لمن صدرت منه هفوات كاحتقار الإماء المؤمنات، وهو واسع الرّحمة كثيرها إذ رخّص في نكاح الإماء وأبان أحكام الشريعة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى الأحكام التالية: 1- الترخيص بنكاح الإماء لمن لم يجد الطّول: وهو السّعة والغنى، والمراد هاهنا القدرة على المهر في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: إنّ من عنده حرّة فلا يجوز له نكاح الأمة، وإن عدم السّعة وخاف العنت لأنه طالب شهوة وعنده امرأة. وبه قال الطّبري واحتجّ له. واختلف العلماء فيما يجوز للحرّ الذي لا يجد الطّول ويخشى العنت، من نكاح الإماء، فقال مالك وأبو حنيفة والزّهري: له أن يتزوّج أربعا، وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق: ليس له أن ينكح من الإماء إلا واحدة لقوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة.
2- إيمان الأمة المتزوج بها: لقوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ أي من مملوكاتكم المؤمنات. وفيه إشارة إلى خطاب المملوك بالفتى، والمملوكة بالفتاة، وفي الحديث الصحيح: «لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي» . فلا يجوز التزوّج بالأمة الكتابية، وهو رأي الجمهور، وقال الحنفية: نكاح الأمة الكتابية جائز لأن قوله: الْمُؤْمِناتِ على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز غيرها، مثل قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء 4/ 3] فإن خاف ألا يعدل فتزوّج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ألا يتزوّج فكذلك هنا الأفضل ألا يتزوّج إلا مؤمنة، ولو تزوّج غير المؤمنة جاز، واحتجّوا بالقياس على الحرائر لأنه لما لم يمنع قوله: الْمُؤْمِناتِ في الحرائر في مطلع الآية من نكاح الكتابيات، فكذلك لا يمنع قوله: الْمُؤْمِناتِ في الإماء من نكاح الإماء الكتابيات. 3- سعة علم الله تعالى ورفع الحرج عن نكاح الإماء: دلّ قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ على أن الله عليم ببواطن الأمور، ولكم ظواهرها، وكلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من التزوّج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثة عهد بسباء، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك، ففي اللفظ إيماء على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر. ويؤكد ذلك قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أنتم من جنس واحد وإنكم بنو آدم، أو أنتم مؤمنون. والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وتعيّره وتسمّيه الهجين «1» ، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له.
4- نكاح الأمة والعبد بإذن السيد: دلّ قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ على أن نكاح الأمة مقيّد بإذن أربابهنّ المالكين ورضاهم، وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيّده لأن العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كلّه مستغرق بخدمة سيّده. لكن نكاح العبد بغير إذن سيّده موقوف عند المالكية والحنفية، فإن أجازه سيّده جاز، وأما الأمة فيفسخ نكاحها ولم يجز بإجازة السيّد لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح أصلا. وقال الشافعي والأوزاعي وداود الظاهري: يفسخ نكاح العبد بغير إذن سيّده لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته. 5- وجوب المهر: دلّ قوله تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على وجوب المهر في النكاح، وأنه للأمة، وهو مذهب مالك، لقوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ أي بالشرع والسّنّة، وهذا يقتضي أنهنّ أحقّ بمهورهنّ من السّادة. وقال الشافعي: الصداق للسيّد لأنه عوض فلا يكون للأمة لأن الزواج إجازة المنفعة في الرقبة، وإنما ذكرت الأمة لأن المهر وجب بسببها. 6- مقومات اختيار الأمة: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ أي عفائف غير زوان أي معلنات بالزنى، وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أصدقاء على الفاحشة. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنى، ولا تعيب اتّخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك، بقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأنعام 6/ 151] كما قال ابن عباس وغيره. 7- حدّ الأمة الزّانية: تحدّ الأمة إذا زنت خمسين جلدة، وهي نصف عقوبة الحرّة الزّانية البكر، سواء أكانت متزوجة أم غير متزوّجة. أما حدّ المتزوّجة فلقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النساء 4/ 25] وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور، فلا تحدّ كافرة
إذا زنت، وهو قول الشافعي فيما ذكر ابن المنذر. وقال آخرون: إحصانها التزوّج بحرّ، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوّج فلا حدّ عليها، وهو رأي سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة. وقالت فرقة: إحصانها التزوّج، إلا أن الحدّ واجب على الأمة المسلمة غير المتزوّجة بالسّنّة كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحدّ، كما قال الزّهري. فالمتزوّجة محدودة بالقرآن، والمسلمة غير المتزوّجة محدودة بالحديث. والسبب في الاكتفاء بجلد الأمة المتزوّجة (الثيّب) : أنّ الرّجم الواجب على المحصنات (الحرائر) لا يتبعّض. والفائدة في نقصان حدهنّ أنهنّ أضعف من الحرائر. وعقوبة العبد مثل عقوبة الأمة، إذ الذكورة والأنوثة لا تؤدي إلى التفرقة في أحكام الأرقاء. ففي الآية ذكر حدّ الإماء خاصة، ولم يذكر حدّ العبيد، ولكن حدّ العبيد والإماء سواء: خمسون جلدة في الزنى، وفي القذف. وفي شرب الخمر في رأي الجمهور غير الشافعية: أربعون. وعليه فإن الإماء يدخلن في قوله عليه الصّلاة والسّلام: «من أعتق شركا له في عبد قوّم عليه نصيب شريكه» «1» وهذا هو القياس في معنى الأصل، أو قياس المساواة. ومنه قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ [النور 24/ 4] يدخل فيه المحصنون قطعا. هذا.. وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزّانية ليس بواجب لازم على سيّدها، وإن اختاروا له ذلك، لقوله عليه الصّلاة والسّلام: «إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها، فليجلدها الحدّ ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحدّ ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبيّن زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» «2» .
أسباب الأحكام الشرعية السابقة [سورة النساء (4) الآيات 26 إلى 28] :
وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة، لقوله: «فليبعها» ، فعند تبدل الملاك تختلف عليها الأحوال. 8- الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة: دلّ قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ على أفضلية العزوبة وكراهية نكاح الأمة لأن زواج الأمة يفضي إلى إرقاق الولد «1» ، ومغالبة النفس وكبح جماحها والصبر على مكارم الأخلاق أولى من معاشرة الإماء. قال عمر رضي الله عنه: «أيّما حرّ تزوّج بأمة فقد أرقّ نصفه» يعني يصيّر ولده رقيقا. وقد سبق ذكر الأحاديث في ذلك. وهذا يدلّ على أن العزل حقّ المرأة لأنه لو كان حقّا للرجل لكان له أن يتزوّج ويعزل، فينقطع خوف إرقاق الولد في الغالب، وبه قال مالك «2» . أسباب الأحكام الشرعية السابقة [سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 28] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28)
الإعراب:
الإعراب: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ دخول اللام على المفعول المتأخر عن فعله المتعدي ضعيف أو ممتنع، وقد خرجه النحاة على مذاهب: فمذهب سيبويه وجمهور البصريين: أن مفعول يُرِيدُ محذوف، واللام للتعليل. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بمصدر، على حد «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» والتقدير: إرادة الله كائنة للتبيين. وذهب الكوفيون: أنها اللام الناصبة للفعل، وأنها تقوم مقام «أن» في فعل الإرادة والأمر، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. وفي التنزيل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [الصف 61/ 8] ، وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام 6/ 71] . وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً منصوب على الحال. المفردات اللغوية: سُنَنَ طرائق، جمع سنة: وهي الطريقة والشريعة. الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم. وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته. أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يسهل عليكم أحكام الشرع. وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً عاجزا عن مخالفة نفسه وهواه. المناسبة: ذكر الله تعالى في هذه الآيات علل الأحكام السابقة المتعلقة بالبيوت والزواج وحكمها التي من أجلها شرعت، كما هو الشأن في القرآن، لتطمئن النفوس، وتعلم الفائدة من تلك الأحكام، وتقبل عليها ببواعث ذاتية، ونفس رضية منشرحة لما تقوم به لأنها تحقق السعادة في الدّنيا والآخرة. التفسير والبيان: يريد الله بإنزال هذه الآيات أن يبيّن لكم التكاليف والأحكام الشرعية، ويميز فيها الحلال من الحرام، والحسن من القبيح، ويرشد إلى ما فيه المصلحة، ويهديكم إلى طرائق ومناهج الأنبياء والصالحين المتقدمين، لتقتفوا آثارهم،
وتسيروا سيرتهم، فالشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة باختلاف الأحوال والأزمان، إلا أنها متفقة في مراعاة المصالح. ويريد الله أيضا أن يقبل توبتكم من الإثم والمحارم، أو يرشدكم إلى ما يمنع من المعاصي، أو إلى ما يكفّرها ويسترها ويذهب أثرها. والمختار عند المحققين أن الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين، بل لطائفة معينة قد تاب الله عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في الآيات السابقة، وتابوا بالفعل لأنه لو كان عامّا لعارضه حالات أناس لم يتوافر عندهم المراد وهو التوبة. والله ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم ما شرع لكم وما سار عليه من قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرّهم، وهو حكيم في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، يراعي الحكمة والمصلحة، ولا يكلّف بما فيه مشقة وضرر. ثم أكد الله تعالى إرادته قبول التوبة وتطهيركم وتزكية نفوسكم، وقارن بين تلك الإرادة المقترنة بالرحمة وبين إرادة الذين يتبعون الشهوات وهم الفسقة المنهمكون في المعاصي أو الزناة، وقيل: اليهود والنصارى أو المجوس الذين كانوا يحلّون الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، فإنهم يريدون أن تميلوا مع أهوائهم ميلا عظيما، أي تنحرفوا معهم عن الحقّ إلى الباطل. ويريد الله بهذه الأحكام والتكاليف والشرائع والأوامر والنواهي التخفيف عنكم، فأباح لكم نكاح الإماء عند الضرورة، كما قال مجاهد وطاوس، وهذا مثل قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف 7/ 157] ، وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة 2/ 185] ، وقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
فقه الحياة أو الأحكام:
[الحجّ 22/ 78] ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت بالحنيفية السمحة» «1» ، لأنه تعالى وإن حرم علينا بعض النساء، فقد أباح لنا أكثر النساء، وهكذا الحلال أكثر من الحرام في كل شيء. وأبان الله تعالى سبب التخفيف وهو: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً أي يستميله الهوى والشهوة، لا سيما في أمر النساء، ويستثيره الخوف والحزن، فهو عاجز عن مقاومة الأهواء، وتحمل مشاق الطاعات، لذا خفف الله عنه التكاليف، ورخّص له بعض الأحكام. ومن آفات الفسق تأثر أهل بيت الإنسان بالفسق والفجور لأنه قدوة لهم، روى الطبراني عن جابر حديثا هو: «عفّوا تعفّ نساؤكم، وبرّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم» . فقه الحياة أو الأحكام: أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعدّ هذه الآيات الثلاث: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ إلى قوله: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً. والرابعة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء 4/ 31] . والخامسة: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء 4/ 40] . والسادسة: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء 4/ 110] . والسابعة: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] . والثامنة: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [النساء 4/ 152] . دلّت الآيات الثلاثة على ما يأتي:
تحريم أكل المال بالباطل ومنع الاعتداء وإباحة التعامل بالتراضي [سورة النساء (4) الآيات 29 إلى 30] :
1- سعة فضل الله ورحمته: إذ أنه تعالى يبيّن لخلقه أمر دينهم ومصالح دنياهم، وما يحل لهم وما يحرم عليهم. وهو دليل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، كقوله سبحانه: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام 6/ 38] . 2- ارتباط الماضي بالحاضر والمستقبل: إن منهج الاستقامة في العالم واحد، فهو سبحانه أراد أن يبيّن لخلقه طرق الذين من قبلهم من أهل الحق وأهل الباطل. 3- التجاوز عن الذنوب: فهو تعالى يريد توبة العباد، أي يقبلها، فيتجاوز عن الذنوب. 4- التخفيف في جميع أحكام الشرع: يريد الله في تشريعه التخفيف عن الناس. وهذا على الصحيح في جميع أحكام الشرع، وليس في نكاح الإماء فقط. 5- ضعف الإنسان: أي أن هواه يستميله، وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف، فاحتاج إلى التخفيف. ومن أبرز مظاهر ضعفه: أنه لا يصبر عن النساء. وكان عبادة بن الصامت وسعيد بن المسيّب رغم تقدّم السّنّ يخشيان على أنفسهما من فتنة النساء. تحريم أكل المال بالباطل ومنع الاعتداء وإباحة التعامل بالتراضي [سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 30] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)
الإعراب:
الإعراب: تِجارَةً خبر تكون الناقصة، واسمها مضمر فيها وتقديره: إلّا أن تكون التجارة تجارة. وأن تكون: في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وعلى قراءة الرفع: فاعل تكون التامة، ولا تفتقر إلى خبر. عُدْواناً وَظُلْماً منصوبان على المصدر في موضع الحال، كأنه قيل: ومن يفعل ذلك متعديا وظالما. المفردات اللغوية: لا تَأْكُلُوا أي لا تأخذوا، وعبّر عن الأخذ بالأكل لأنه المقصود المهم. بِالْباطِلِ بالحرام في الشرع كالرّبا والقمار والغصب. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ أي لكن أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن طيب نفس، فلكم أن تأكلوها. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضا، أو لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها، أيّا كان في الدّنيا أو في الآخرة بقرينة. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً في منعه لكم من ذلك. عُدْواناً تعديا على غيره مع القصد، وتجاوزا مفرطا للحلال. وَظُلْماً هو تجاوز الحق بالفعل، وهو تأكيد نُصْلِيهِ ناراً ندخله ونحرقه بالنار. يَسِيراً هيّنا. المناسبة: ذكر الله تعالى هنا قاعدة التعامل العام في الأموال، بعد أن بيّن أحكام بعض المعاملات: وهي معاملة اليتامى، وإعطاء شيء من أموال اليتامى إلى أقاربهم إذا حضروا القسمة، ووجوب دفع مهور النساء. والسبب واضح وهو أن المال قرين الرّوح، والاعتداء عليه يورث العداوة، بل قد يجرّ إلى الجرائم، لذا أوجب الله تعالى تداوله بطريق التراضي لا بطريق الظلم والاعتداء.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: ينهى الله تعالى كل واحد من المؤمنين عن أكل مال غيره بالباطل، وعن أكل مال نفسه بالباطل لأن قوله تعالى: أَمْوالَكُمْ يقع على مال نفسه ومال غيره، فكل الأموال هي للأمة، وأكل مال نفسه بالباطل: إنفاقه في المعاصي، وأكل مال غيره بالباطل أي بأنواع المكاسب غير المشروعة كالرّبا والقمار والغصب والبخس، فالباطل: ما يخالف الشرع. وقال ابن عباس والحسن البصري: هو أن يأكل بغير عوض، فالباطل: ما يؤخذ بغير عوض. ويشمل الأكل بالباطل: كل ما يؤخذ عوضا عن العقود الفاسدة أو الباطلة، كبيع ما لا يملك، وثمن المأكول الفاسد غير المنتفع به كالجوز والبيض والبطيخ، وثمن ما لا قيمة له ولا ينتفع به كالقردة والخنازير والذباب والزنابير والميتة والخمر وأجر النائحة وآلة اللهو. فمن باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه، كان ثمنه حراما خبيثا وعليه ردّه. وإذا لم يجز أكل المال بالباطل وهو غير المشروع والمأخوذ من عين أو منفعة ظلما من غير مقابل، فيجوز أخذه بالتراضي الذي يقرّه الشرع، لذا قال الله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ أي ولكن كلوا الأموال بالتجارة القائمة على التراضي ضمن حدود الشرع، والتجارة تشمل عقود المعاوضات المقصود بها الربح، وخصّها بالذّكر من بين أسباب الملك لكونها أغلب وقوعا في الحياة العملية، ولأنها من أطيب وأشرف المكاسب، وأخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أطيب الكسب: كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا» .
وليس كلّ تراض معترفا به شرعا، وإنما يجب أن يكون التراضي ضمن حدود الشرع، فالرّبا المأخوذ عن بيع فيه تفاضل أو بسبب قرض جرّ نفعا، والقمار والرّهان وإن تراضى عليه الطّرفان حرام لا يحلّ شرعا. وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ معناه في الظاهر النهي عن قتل المؤمن نفسه في حال غضب أو ضجر (وهو الانتحار) ، كقوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة-: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا» . ولكن اتفق جمهور المفسرين على أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضا، وإنما قال: أَنْفُسَكُمْ مبالغة في الزّجر، كما قال في الأموال: أَمْوالَكُمْ. جاء في الحديث: «المؤمنون كالنفس الواحدة» «1» . ولا مانع أن تكون الآية نهيا عن قتل الإنسان نفسه وعن قتل الآخرين، وعن كلّ ما يؤدي إلى الموت كتناول المخدرات والسموم الضارة والمجازفة في المهالك. والسبب في إيراد هذه الآية هنا في مجال الكلام عن المعاملات المالية: أنه لما كان المال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها وبه صلاحها، حسن الجمع بين التوصية بحفظ المال والتوصية بحفظ النفس. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل للنهي السابق، أي إنما ينهاكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس لأنه لم يزل بكم رحيما. ومما يدلّ على حرمة المجازفة بالنفس في المهالك قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة 2/ 195] ، وما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال:
فقه الحياة أو الأحكام:
لما بعثني النّبي صلّى الله عليه وسلّم عام ذات السلاسل، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم، يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الآية، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يقل شيئا. ففهم عمرو رضي الله عنه أن الآية تتناول بعمومها مثل حالته، وأقرّه النّبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك. ثم ذكر الله تعالى عقوبة قاتل الأنفس، وهي أن من يفعل ذلك المحرم- وهو قتل النفس لأن الضمير المشار إليه يعود إلى أقرب مذكور- حال كونه معتديا ظالما، عاقبه الله على جرمه في الآخرة، بإدخاله نارا شديدة الإحراق، وذلك الإدخال هيّن سهل على الله، لا يمنعه منه مانع. وقد بيّنت أن العدوان: هو الإفراط في مجاوزة الحدّ، وأن الظلم: هو الجور ومجاوزة الحدّ أو وضع الشيء في غير موضعه. وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على الأحكام الشرعية الآتية: 1- تحريم أكل الأموال بالباطل أي بغير حق، وهو كل ما يخالف الشرع أو يؤخذ بغير عوض. وله أحوال كثيرة. وعبّر بكلمة أَمْوالَكُمْ للإشارة إلى أن مال الفرد هو مال الأمة، مع احترام الحيازة والملكية الخاصة وإباحة التصرف بالمملوك بحرية تامة، ما لم يكن هناك ضرر بالأمة أو بالمصلحة العامة.
وكذلك مال الأمة هو مال الفرد، فعليه المحافظة على الأموال العامة كما يحافظ الشخص على أمواله الخاصة. وهذا يومئ إلى وجوب التكافل الاجتماعي بين الفرد والأمة، وبين الشخص والمجتمع، فعلى الأمة ممثلة بالدولة إشباع حاجة الفرد عند الضرورة، وعلى الفرد دعم الأمة بالإنفاق في سبيل الله والجهاد والمصالح العامة، لتتمكن الأمة من الدفاع عن مصالح الأفراد، وحماية البلاد والأموال والأشخاص. ولكن ليس للمحتاج أن يأخذ شيئا من أموال الآخرين إلا بإذنهم، صونا للأموال، ومنعا للفساد والفوضى، ومنعا لانتشار البطالة وشيوع روح الكسل بين الأشخاص. 2- إباحة جميع أنواع التجارات (أي عقود المعاوضات التي يقصد بها الربح) بشرط التراضي بين العاقدين. وذلك يشمل البيع والعطاء، فكل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله بِالْباطِلِ أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير ونحوهما، وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصدقة وهبة التبرع. روى ابن جرير الطبري عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما» «1» . ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، الذي قال به الشافعي وأحمد والليث وغيرهم، لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي لفظ البخاري: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» يعني أن الآية مخصوصة بالحديث.
ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، وحسبما يتبيّن فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها في مشهور مذهب مالك رحمه الله. ومن التراضي الضمني: بيع المعاطاة مطلقا فهو صحيح في رأي الجمهور غير الشافعي. وأما الحنفية والمالكية فلم يقولوا بمشروعية خيار المجلس لأن الآية تقتضي حلّ التّصرف في المبيع بوقوع البيع عن تراض، سواء أتفرق المتبايعان أم لم يتفرّقا، فإن الذي يسمّى تجارة في عقد البيع إنما هو الإيجاب والقبول، وليس التفرق والاجتماع من التجارة في شيء. وخصص من التجارات أشياء إما بالقرآن وإما بالسنّة، فالخمر والميتة والخنزير وسائر المحرّمات في الكتاب لا يجوز الاتّجار فيها لأن إطلاق لفظ التحريم يقتضي أن سائر وجوه الانتفاع محرمة، ولأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعل النّهي عن الشّحوم نهيا عن أكل ثمنها، ففي الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها» . ونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن بيع المنابذة والملامسة وبيع الحصاة وبيع العبد الآبق، وبيع الغرر، وبيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان ، ونحوها من البيوع المجهولة أو المعقودة على غرر. كلّ ذلك مخصوص من ظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ. 3- الترغيب في التجارة: أباحت الآية التجارة ورغّبت فيها، لشدة حاجة الناس إليها، بدليل أن مدار حلّها على تراضي المتبايعين، أما الغش والكذب والتدليس فيها فهي محرّمة.
وفي الآية إيماء إلى أن جميع ما في الدّنيا من التجارة وما في معناها من قبيل الباطل الزائل الذي لا ثبات له ولا بقاء، فلا ينبغي أن يشغل العاقل بها عن الاستعداد للآخرة، لقوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور 24/ 37] ، وروى الدارقطني عن ابن عمر من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النّبيين والصّدّيقين والشهداء يوم القيامة» . وفي الآية أيضا إشارة إلى أن معظم التجارات مشتملة على الأكل بالباطل للطمع في أخذ الأرباح الفاحشة، ولزخرفة البضاعة بمختلف الأساليب، ولاقترانها بالأيمان الكاذبة غالبا، لذا فإنها تحتاج إلى المسامحة والصدقة، قال عليه الصلاة والسلام- فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن قيس بن أبي غرزة-: «يا معشر التجار، إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب، فشوّبوه بالصدقة» ويلاحظ أن الأكل من غير إذن من المشتريات في الأسواق قبل تمام الشراء لا يحل، وفيه شبهة، فربما لا يتم الشراء. والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة، فذلك جائز. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا. قال ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله: والأول أصح، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الأمة الزانية: «فليبعها ولو بضفير» أي بحبل، وقوله عليه السلام لعمر: «لا تبتعه- يعني الفرس- ولو أعطاكه بدرهم واحد» وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة إلا البخاري عن جابر: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» وليس فيه تفصيل بين القليل والكثير من ثلث وغيره. 4- التراضي أساس العقود: لقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
جزاء اجتناب الكبائر [سورة النساء (4) آية 31] :
مِنْكُمْ أي عن رضى، فلا يصح العقد بالإكراه أو الإجبار. 5- تحريم قتل النفس (الانتحار) وتحريم قتل أنفس الآخرين، أجمع أهل التأويل على أن المراد بآية وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ النهي أن يقتل بعض الناس بعضا. ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل، في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي. 6- عقوبة القتل وأكل المال بالباطل: دلت آية: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ.. على تحريم قتل النفس لأنه أقرب مذكور، وربما دل على تحريم كل ما سبق من أكل المال بالباطل وقتل النفس لأن النهي عنهما جاء عقبهما، ثم ورد الوعيد بحسب النهي. وقيل: هو عام على كل ما نهي عنه من القضايا، من أول السورة إلى قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ. وقال الطبري: ذلِكَ عائد على ما نهي عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [الآية 19] لأن كل ما نهي عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ.. فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً. جزاء اجتناب الكبائر [سورة النساء (4) : آية 31] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31)
الإعراب:
الإعراب: مُدْخَلًا مصدر أدخل، ومن قرأ بالفتح جعله مصدر دخل. ويجوز أن يكون مُدْخَلًا اسم المكان المدخول، والمراد به هاهنا الجنة. المفردات اللغوية: تَجْتَنِبُوا تتركوا الشيء جانبا، واجتناب الشيء: تركه والابتعاد عنه، كأنه ترك جانبه وناحيته كَبائِرَ جمع كبيرة: وهي المعصية العظيمة: وهي التي ورد عليها وعيد أو حد في القرآن أو السنة كالقتل والزنى والسرقة، وهي سبعون كبيرة كما في كتاب الكبائر للذهبي، وعن ابن عباس: هي إلى السبعمائة نُكَفِّرْ نغفر ونمح سَيِّئاتِكُمْ صغائركم، وغفرانها ومحوها بالطاعات مُدْخَلًا كَرِيماً بضم الميم: إدخالا، وبفتحها: موضعا أو مكانا كريما أي طيبا وهو الجنة. المناسبة: نهى الله سبحانه وتعالى فيما سبق عن أكل أموال الناس بالباطل وعن قتل النفس بغير حق، وتوعد على ذلك بنار جهنم، ثم نهى في هذه الآية نهيا عاما عن كل كبيرة، ووعد الممتثل بالجنة. التفسير والبيان: إن اجتنبتم وابتعدتم عن كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفّرنا عنكم صغائر الذنوب، وأدخلناكم الجنة. ما المقصود بالكبائر والصغائر؟ اتفق جمهور العلماء على أن الذنوب نوعان: كبائر وصغائر. والكبائر: هي كل معصية اقترنت بالوعيد الشديد أو أوجبت الحد. وقيل: إنها سبع لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم،
فقه الحياة أو الأحكام:
والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . ورويت روايات أخرى تجعل من الكبائر عقوق الوالدين، وشهادة الزور لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، وليس ذلك للحصر. وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب. وروى سعيد بن جبير أنه قال: إلى السبعمائة أقرب. أما الصغائر أو السيئات: فهي التي لم تقترن بوعيد شديد أو بحدّ، كالنظر إلى المرأة الأجنبية والقبلة. وتصبح الصغائر مع الإصرار والاستهتار كبائر، فتطفيف الكيل والميزان، والهمز واللمز (الطعن في كرامات الناس) لمن أصرّ عليه، كبيرة. واجتناب الكبائر يكفّر الصغائر بشرطين: أولا- إذا كان الاجتناب مع القدرة والإرادة، كمن يأبى معاشرة امرأة دعته إلى نفسها، خوفا من الله، لا لشيء آخر. وثانيا- مع إقامة الفرائض، روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» فمن اجتنب ترك الصلاة واجتنب الكبائر، كفرت سيئاته الصغائر، فدل الحديث على أن ترك إقامة الصلاة من الكبائر. ويمكن تكفير المعاصي التي تحدث عن جهل أو لظرف طارئ كثورة أو غضب بالندم والتوبة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن في الذنوب كبائر وصغائر، وعلى هذا جمهور الفقهاء والمفسرين.
ودلت أيضا على أن الله تعالى يغفر الصغائر كاللمسة والنظرة باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض، كما بينت في تفسير الآية. عن قتادة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا» . ورأى الأصوليون: أنه لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرّجاء، وكون المشيئة الإلهية ثابتة. والكبيرة كما قال ابن عباس: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر: ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ. وقال طاوس: قيل لابن عباس كما تقدم: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. ومن أمثلة الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن ادعى لله ولدا أو صاحبة، وقتل النفس بغير الحق، والزنى، واللواطة، والقمار، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبا، والقذف، وأكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمدا، وسب أصحابه،
النهي عن التمني (الحسد) وسؤال الله تعالى من فضله [سورة النساء (4) آية 32] :
وشهادة الزور، وسب الإنسان أبويه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة. قال ابن مسعود: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إليّ من الدنيا جميعا: قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ الآية. وقوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها الآية. وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الآية. النهي عن التمني (الحسد) وسؤال الله تعالى من فضله [سورة النساء (4) : آية 32] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) الإعراب: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ مفعوله محذوف لإفادة العموم، أي واسألوا الله ما شئتم من إحسانه الزائد وإنعامه المتكاثر.
البلاغة:
البلاغة: يوجد إطناب في قوله: نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا.. ونَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ. مِمَّا اكْتَسَبُوا فيه استعارة تبعية، شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم له بالاكتساب، واشتق من لفظ الاكتساب: اكتسبوا. وهذا على رأي ابن عباس أن المراد بذلك الميراث. المفردات اللغوية: وَلا تَتَمَنَّوْا التمني: طلب حصول الأمر المرغوب فيه، مما يعلم أو يظن أنه لا يكون. ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ حظ مِمَّا اكْتَسَبُوا بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن. مِنْ فَضْلِهِ أي إحسانه ونعمه، فإذا سألتم ما احتجتم إليه يعطكم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ومنه محل الفضل وسؤالكم. سبب النزول: روى الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لها نصف الميراث، فأنزل الله: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ. وأنزل فيها: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت امرأة النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله: وَلا تَتَمَنَّوْا الآية. المناسبة: ينهى الله المؤمنين عن بعض أفعال القلوب وهو الحسد، ليطهر باطنهم، بعد أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وهما من أفعال الجوارح الظاهرة، ليطهر ظاهرهم. ولما فضل الله الرجال في الميراث، جاءت هذه الآية
التفسير والبيان:
تنهى عن تمني ما خص الله به كلا من الجنسين لأنه سبب للحسد والبغضاء. التفسير والبيان: ينهى الله المؤمنين عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض، قال الله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى 42/ 27] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له، علما بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يجوز له أن يحسد أخاه على حظه. وظاهر الآية يدل على أنه ليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر من المال والجاه وكل ما فيه تنافس، فإن التفاضل قسمة صادرة من حكيم خبير كما قال الله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزخرف 42/ 32] . قال ابن عباس: لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلأن من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإن ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله، أي أن الحسد ممنوع والغبطة جائزة. فعلى كل إنسان أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره لأن الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه. وقدر بعضهم محذوفا في الكلام فقال: ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به بعضكم على بعض لأنه ليس المقصود طلب زوال النعمة عن الغير، وإنما هو طلب نعمة خاصة أن تكون له. وعلى هذا يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، فليس للإنسان أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ولا ولدا مثل ولده، بل يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.
والتأويل الأول أولى لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يتمنّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله» . وفي الجملة: ينهى الله تعالى كل إنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره، بل الواجب عليه أن يعمل ما في جهده ويجد ويجتهد، وحينئذ يكون التفاضل بالأعمال الكسبية، ولكل من الرجال والنساء ثمرة مكاسبهم، والله تعالى جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له، وما كان خاصا بالرجال من الأعمال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن فيه الرجال. أي أن الثواب على العمل بحسب ما يتناسب مع طبيعة كل من الرجل والمرأة. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة. ثم أراد الله تعالى توجيه الأنظار إلى مصدر الفضل والإحسان والإنعام، فقال: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أي أسألوا الله ما شئتم من الإحسان والإنعام، فإنه تعالى يعطيكموه إن شاء، وخزائنه ملأى لا تنفد، فلا تتمنوا نصيب غيركم، ولا تحسدوا أحدا، ولا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض لأن التمني لا يجدي شيئا. روى الترمذي وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سلوا الله من فضله، فإن الله يجب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج» وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من لم يسأل الله يغضب عليه» . ومعنى قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أنه تعالى عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وبمن يستحق الآخرة فيقيّضه
فقه الحياة أو الأحكام:
لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه. ولذلك فضل بعض الناس على بعض بحسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم. والتفاوت يشمل الناحية الجسدية (الخلقية) والناحية الأدبية كالعلم والجاه مثلا. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: 1- نهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني، لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل. والمراد النهي عن الحسد: وهو تمني زوال نعمة الغير، وصيرورتها إليه أو لا تصير إليه. أما الغبطة: وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه، وإن لم يتمن زوال حاله، فهي جائزة في رأي الجمهور، وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث البخاري وغيره: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» فمعنى قوله: «لا حسد» أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا المعنى، حيث بوّب لهذا الحديث «باب الاغتباط في العلم والحكمة» . قال المهلّب: بيّن الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنّيه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها، أما التمني في الأعمال الصالحة فذلك جائز. والخلاصة: التمني مقرون عادة بالكسل، ولا يتمنى إلا ضعيف الهمة، وضعيف الإيمان. والتمني المنهي عنه في الآية: هو الحسد: وهو أن يتمنى الشخص حال الآخر من دين أو دنيا، على أن يذهب ما عند الآخر، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أولا، وهو الذي ذمّه الله تعالى بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء 4/ 54] . 2- المساواة بين الرجال والنساء في ثمرات الأعمال: للرجال ثواب وعقاب
إعطاء كل وارث حقه من التركة [سورة النساء (4) آية 33] :
وحق في الميراث، وللنساء مثل ذلك، فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها، كما للرجال، ولها الحق أيضا في الميراث مثل الرجال على قول ابن عباس، فإنه قال: المراد بالاكتساب هو الميراث، بمعنى الإصابة. 3- الأمر بالسؤال لله تعالى واجب: إن سؤال الله من فضله في الدين والدنيا أمر واجب شرعا، لقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وللحديث المتقدم: «سلوا الله من فضله» . قال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي. إعطاء كل وارث حقه من التركة [سورة النساء (4) : آية 33] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) الإعراب: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ تقديره: ولكل أحد جعلنا موالي، فحذف المضاف إليه، وهو في تقدير الإثبات، ولولا ذلك لكان مبنيا كما بني: «قبل وبعد» لما اقتطعا عن الإضافة. وقيل: التقدير: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي وارثا له. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ جملة مستقلة عن سابقتها مؤلفة من مبتدأ وخبر. وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. المفردات اللغوية: مَوالِيَ عصبة أو ورثة يعطون، وهو جمع مولى: وهو من يحق له الاستيلاء على التركة مِمَّا تَرَكَ أي مما ترك المورث لورثته من المال. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ أي الحلفاء الذين
سبب النزول:
عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث، فآتوهم الآن حظوظهم من الميراث وهو السدس. وقيل: المراد بهم الأزواج. وعلى القول الأول يكون الحكم منسوخا بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال 8/ 75] . شَهِيداً مطلعا. سبب النزول: قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ أخرج أبو داود في سننه عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع، وكانت مقيمة في حجر أبي بكر، فقرأت: «والذين عاقدت أيمانكم» فقالت: لا، ولكن وَالَّذِينَ عَقَدَتْ وإنما نزلت في أبي بكر وابنه حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر ألا يورثه، فلما أسلم أمر أن يؤتيه نصيبه. وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ: قال سعيد بن المسيب: نزلت هذه الآية: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورّثونهم، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، ورد الله تعالى الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، ومنع تعالى أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبا في الوصية. المناسبة: هذه الآية متعلقة بالمال، الذي نهى الله فيما سبق عن أكله بالباطل، وعن التمني أو الحسد فيه، والآية السابقة قررت قاعدة عامة في حيازة الثروة وهي الكسب، وهذه الآية قررت نوعا آخر من الحيازة وهو الإرث. التفسير والبيان: ولكل من الرجال والنساء جعلنا موالي، أي ورثة أو عصبة يأخذون مما ترك الوالدان والأقربون من ميراثهم له. والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم قبل الإسلام بقول: «ترثني
وأرثك» فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك بآية: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وكان التوارث أيضا بعد الهجرة بسبب المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بينهم، ثم نسخ ذلك بآية: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. أي أن التوارث بالحلف والولاء، وبالمؤاخاة، أصبح منسوخا، واعلموا أن الله كان ولا يزال مطلعا على كل شيء تفعلونه، فيجازيكم عليه يوم القيامة، والله شهد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يحب الوفاء. آراء المفسرين في تأويل: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ: اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية على أقوال أربعة هي ما يلي: 1- ولكل إنسان موروث جعلنا وارثا من المال الذي ترك. وبه تم الكلام. وأما قوله تعالى: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ فهو جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون. 2- ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين. والجار والمجرور في قوله مِمَّا تَرَكَ متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه، ومِمَّا بمعنى «من» والكلام جملة واحدة. 3- ولكل قوم جعلناهم ورّاثا نصيب مما تركه والدوهم وأقربوهم. فيكون في الكلام مبتدأ محذوف. ويكون قوله: مِمَّا تَرَكَ صفة للمبتدأ، وقوله: لِكُلٍّ خبره، والكلام جملة واحدة.
4- ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون، جعلنا ورّاثا يلونه ويحوزونه. وعليه يكون لِكُلٍّ متعلقا بجعلنا، ومما ترك: صفة المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضا. وهذا هو المختار. آراء المفسرين في تأويل: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ: الراجح أن هذه جملة مستقلة عن سابقتها وتأويلها على وجوه هي ما يلي: 1- المراد بالذين عقدت: «الحلفاء» وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب من الميراث ثم نسخ. أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك «1» ، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، ثم نسخ بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال 8/ 75] . 2- المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ بآية الأنفال. 3- المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، وتكون المؤاخاة سببا في التوارث، ثم نسخ ذلك بآية الأنفال. 4- المراد بهم- في رأي أبي مسلم الأصفهاني- الأزواج، والنكاح يسمى عقدا. 5- المراد بهم- في رأي الجبائي- الحلفاء، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ معطوف على الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي ولكل شيء مما ترك الوالدان
فقه الحياة أو الأحكام:
والأقربون والذين عقدت أيمانكم موالي أي وارثا، فآتوا الموالي نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف. 6- المراد بهم الحلفاء يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة والوصية، أي لهم حق في الوصية لا في الميراث، وهو مروي عن ابن عباس «1» . والظاهر هو الرأي الأول وما في معناه. فقه الحياة أو الأحكام: أبانت الآية أن لكل إنسان ورثة وموالي، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث، ولا يتمنّ مال غيره. وأوضحت أيضا وجوب الوفاء بالعقد أو العهد، فعلى الذين كانوا متحالفين في الجاهلية على التوارث أن يوفوا بالتزامهم، ويعطوا الحليف نصيبه من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك، والناسخ في رأي جمهور السلف لقوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ هو قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وهناك قول آخر عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله عز وجل الذين تبنّوا غير أبنائهم في الجاهلية، وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى ذوي الرّحم والعصبة. وذكر الطبري والبخاري عن ابن عباس: أن قوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ محكم غير منسوخ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة والوصية وما أشبه ذلك. أما الميراث فقد ذهب. والخلاصة: تقسم التركة بين الورثة على النحو الذي بينه الله تعالى في سورة
النساء (11، 12، 176) وهم الأقارب من ذوي الفروض والعصبات وهم الأصول والفروع والحواشي والأزواج، أما غيرهم فقد زال حكم توريثهم، ولا مانع من الإيصاء لهم بشيء من المال، سواء أكانوا حلفاء في الجاهلية، أم إخوة متآخين بعد الهجرة، أم أبناء بالتبني (أدعياء) . واحتج الحنفية بآية وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ على توريث مولى الموالاة، فهي تدل على النصيب الثابت له المسمى في عقد المحالفة. وقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ لم ينسخ هذا الحكم، وإنما أولو الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة، فالميراث للحليف الذي حالفه الشخص وجعله وارثا له. واحتجوا أيضا بما روي عن تميم الداري أنه قال: «يا رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: هو أولى الناس بمحياه ومماته» أي أولاهم بميراثه. وقال الجمهور: ميراث مولى الموالاة للمسلمين. وهو: من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده، ثم مات ولا وارث له غيره، لأن دلالة الآية على أن الحليف يرث متوقف على ثلاثة أمور: أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء، وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث، وأن تكون الآية محكمة غير منسوخة، والمفسرون مختلفون في كل ذلك كما تقدم. وحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث فإنه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته، ومع ذلك فهو معارض بما أخرجه مسلم والنسائي عن جبير بن مطعم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» «1» . فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة أوجه فالأولى الرجوع إلى ما قاله السلف كابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من أن الآية منسوخة بآية الأنفال.
قوامة الرجال على النساء وطرق تسوية النزاع بين الزوجين [سورة النساء (4) الآيات 34 إلى 35] :
قوامة الرجال على النساء وطرق تسوية النزاع بين الزوجين [سورة النساء (4) : الآيات 34 الى 35] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) الإعراب: بِما حَفِظَ اللَّهُ: ما: إما مصدرية وتقديره: بحفظ الله لهن، وإما بمعنى الذي، أي الشيء الذي حفظ الله. وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ قيل: معناه: من أجل تخلفهن عن المضاجعة معكم، كما تقول: هجرته في الله. أي: من أجل الله، فلا يكون فِي الْمَضاجِعِ ظرفا للهجران، لأنهن يردن ذلك. ولا يمتنع أن يكون ظرفا له، لأن النشوز يكون بترك المضاجعة وغيرها. وقال الزمخشري: «في المضاجع» : في المراقد أي التي لا تداخلوهن تحت اللحف، أو هي كناية عن الجماع. وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع، وقيل: لا تبايتوهن في بيوتهن التي يبتن فيها. البلاغة: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ كناية عن الجماع. الرِّجالُ قَوَّامُونَ صيغة مبالغة، ومجيء الجملة الاسمية لإفادة الدوام والاستمرار. يوجد جناس اشتقاق في حافِظاتٌ.. بِما حَفِظَ. ويوجد إطناب في حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يقومون بأمرهن ويحافظون عليهن ويتسلطون عليهن بحق، ويؤدبونهن ويأخذون على أيديهن، أي أن القوامة تعني الرئاسة وتسيير شؤون الأسرة والمنزل، وليس من لوازمها التسلط بالباطل. بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك. قانِتاتٌ مطيعات للأزواج حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي يحفظن ما يغيب ويستتر من أمور الزوجية، فيحفظن فروجهن، وما يقال في الخلوة بالمرأة. تَخافُونَ تظنون نُشُوزَهُنَّ عصيانهن لكم وترفعهن على الزوج، بظهور أمارة أو قرينة. وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز. وَاضْرِبُوهُنَّ ضربا غير مبرّح إن لم يرجعن بالهجران فَلا تَبْغُوا تطلبوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا طريقا إلى ضربهن ظلما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن. وَإِنْ خِفْتُمْ علمتم. شِقاقَ نزاع وخصام أو خلاف، كأن كلّا منهما في شقّ وجانب. بَيْنِهِما بين الزوجين. فَابْعَثُوا إليهما برضاهما. حَكَماً رجلا عدلا محكما. مِنْ أَهْلِهِ أقاربه. وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها أقاربها. ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه، وتوكل هي حكمها في الفرقة. إِنْ يُرِيدا أي الحكمان. بَيْنِهِما بين الزوجين، أي يقدرهما الله على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق. عَلِيماً بكل شيء. خَبِيراً ببواطن الأمور وظواهرها. سبب النزول: الرِّجالُ قَوَّامُونَ: أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: جاءت امرأة إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: القصاص، فأنزل الله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الآية ، فرجعت بغير قصاص. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعد بن الرّبيع، وكان من النّقباء (نقباء
المناسبة:
الأنصار) وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي هريرة، وهما من الأنصار، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: لتقتصّ من زوجها، وانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: ارجعوا، هذا جبريل عليه السّلام أتاني، وأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير، ورفع القصاص. المناسبة: ذكر الله تعالى هنا سبب تفضيل الرجال على النساء، بعد أن بيّن نصيب كلّ واحد في الميراث، ونهى عن تمني الرّجال والنّساء ما فضل الله به بعضهم على بعض. التفسير والبيان: الرّجل قيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجّت، وهو القائم عليها بالحماية والرعاية، فعليه الجهاد دونها، وله من الميراث ضعف نصيبها، لأنه هو المكلّف بالنّفقة عليها. وسبب القوامة أمران: الأول- وجود مقوّمات جسدية خلقية: وهو أنه كامل الخلقة، قوي الإدراك، قوي العقل، معتدل العاطفة، سليم البنية، فكان الرجل مفضلا على المرأة في العقل والرأي والعزم والقوة، لذا خصّ الرّجال بالرّسالة والنّبوة والإمامة الكبرى والقضاء وإقامة الشعائر كالأذان والإقامة والخطبة والجمعة والجهاد، وجعل الطلاق بيدهم، وأباح لهم تعدد الزوجات، وخصهم بالشهادة في الجنايات والحدود، وزيادة النصيب في الميراث، والتعصيب.
الأولى - الصالحات:
الثاني- وجوب الإنفاق على الزوجة والقريبة، وإلزامه بالمهر على أنه رمز لتكريم المرأة. وفيما عدا ذلك يتساوى الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وهذا من محاسن الإسلام، قال الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة 2/ 228] أي في إدارة البيت والإشراف على شؤون الأسرة، والإرشاد والمراقبة، وذلك كله غرم يتناسب مع قدرات الرّجل على تحمل المسؤوليات وأعباء الحياة. وأما المرأة فلها ذمة مالية مستقلة وحرية تامة في أموالها. ثم أبان الله تعالى حالتي النساء في الحياة الزوجية: إما طائعة وإما ناشزة. الأولى- الصالحات: وهنّ القانتات الطائعات ربّهن وأزواجهنّ، الحافظات حال الغيبة أنفسهنّ وعفتهنّ ومال أزواجهنّ وأولادهن وحال الخلوة مع الزوج، وفي حضور الزوج أحفظ. وقوله: بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بسبب أمر الله بحفظه، فالله أمرهنّ أن يطعن أزواجهنّ ويحفظنهم في مقابلة ما حفظه الله لهنّ من حقوق قبل الأزواج من مهر ونفقة ومعاشرة بالمعروف، أي أن هذا بذاك. وقد وعدهنّ الله الثواب العظيم على حفظ الغيب، وأوعدهنّ بالعقاب الشديد على التفريط به. أخرج البيهقي وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خير النساء: امرأة إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها، ثم قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى قوله تعالى: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ» . وفي الحديث الصحيح عند أحمد والشيخين عن أبي هريرة: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» .
الثانية - الناشزات:
الثانية- الناشزات: وهنّ اللاتي تظنون أو تعلمون منهنّ التّرفع عن حدود الزوجية وحقوقها وواجباتها، وهؤلاء يتبع الزوج معهنّ المراحل الأربع التالية: 1- الوعظ والإرشاد إذا أثّر في نفوسهنّ: بأن يقول الرّجل للزّوجة: اتّقي الله، فإن لي عليك حقّا، وارجعي عمّا أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك بما يناسبها من تخويف بالله، وتهديد بعقاب الله، وتحذير من سوء العاقبة والمصير والحرمان من نعمة الحياة الزوجية السعيدة. وهذا إنذار وتذكير قد يردها عما عليه من نشوز. 2- الهجر والإعراض في المضجع (المرقد) : وهو كناية عن ترك الجماع، أو عدم المبيت معها في فراش واحد، ولا يحلّ هجر الكلام أكثر من ثلاثة أيام. وهذا أشد شيء في إيحاش المرأة وجعلها تتبصّر في أمرها وتفكّر في فعلها. قال ابن عباس: إذا أطاعته في المضجع، فليس له أن يضربها. 3- الضرب غير المبرّح: أي المؤذي إيذاء شديدا كالضّرب الخفيف باليد على الكتف ثلاث مرات، أو بالسواك أو بعود خفيف لأن المقصود منه الصلاح لا غير. أخرج الجصاص عن جابر بن عبد الله عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال: «اتّقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وإن لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهنّ ضربا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» . وروى ابن جرير الطّبري نحوه.
وروى ابن جريج عن عطاء قال: الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه. ومثله عن ابن عباس. وقال قتادة: ضربا غير شائن «1» . وإذا تجاوز الرجل المشروع فأدى الضرب إلى الهلاك وجب الضمان، كما يجب على المعلم الضمان في ضربه غلامه لتعلم القرآن والأدب. وينبغي ألا يوالي الرّجل الضرب في محل واحد، وأن يتّقي الوجه، فإنه مجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف لأن المقصود هو الزّجر والتأديب لا الإيلام والإيذاء، كما يفعل بعض الجهلة. ومع أن الضرب مباح فإن العلماء اتّفقوا على أن تركه أفضل. أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصّدّيق رضي الله عنه قالت: كان الرّجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكونهنّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخلى بينهم وبين ضربهنّ، ثم قال: ولن يضرب خياركم. وقال عمر رضي الله عنه: ولا تجدون أولئكم خياركم. فدلّ الحديث والأثر على أن الأولى ترك الضرب، بدليل الأمر القرآني بالإحسان في المعاملة: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة 2/ 229] ، ويؤيده حديث آخر: «أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم؟!» . فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا، أي إذا تحققت طاعتهنّ حينئذ فلا تطلبوا سبيلا آخر إلى التعدي عليهنّ ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيره، أو فلا تظلموهنّ بطريق آخر فيه تعذيب وإيذاء. إن الله كان وما يزال عليّا كبيرا، أي أنه تعالى قاهر كبير قدير ينتصف لهنّ ويستوفي حقهنّ، فلا تغترّوا بقوّتكم أو علوّكم أو درجتكم. وهذا تهديد للأزواج على
وهل العقوبات السابقة مشروعة على الترتيب أو لا؟ :
ظلم النساء. وقيل: المقصود منه حثّ الأزواج على قبول توبة النساء، فإذا كان المتعالي المتكبّر يقبل توبة العاصي، فأنتم أولى بأن تقبلوا توبة المرأة. وهل العقوبات السابقة مشروعة على الترتيب أو لا؟ يرى بعضهم أن هذه العقوبات مشروعة في مجموعها، دون ترتيب بينها لأن الواو لا تقتضي الترتيب. وذهب آخرون إلى أن ظاهر اللفظ، وإن دلّ على مطلق الجمع، فإن فحوى الآية يدلّ على الترتيب لأن الواو داخلة على جزاءات متفاوتة في القوة، متدرجة من الضعيف إلى القوي، إلى الأقوى: الوعظ، فالهجران، فالضرب، وذلك جار مجرى التصريح بالتزام التدرّج. وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. 4- التحكيم: خاطب الله الحكام والزوجين وأقاربهما في هذه المرحلة، فقال: إن علمتم بوجود الخلاف أو النزاع والعداوة بين الزوجين فابعثوا حكمين: أحدهما من أهله، والآخر من أهلها، للسعي في إصلاح ذات بينهما بعد استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، ومعرفة سبب الخلاف، ومتى صدقت الإرادة وأخلص الحكمان النّيّة والنّصح لوجه الله، فالله يوفقهما بمهمتهما ويهدي إلى الخير، ويحقق الوفاق والتفاهم والعودة إلى التوادد والتراحم والألفة بين الزوجين ويبارك وساطتهما. فمعنى قوله: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً أي الحكمان، ويُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما أي الزوجين. إن الله كان وما يزال عليما خبيرا: يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين، كما قال: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال 8/ 63] .
وهل الأمر في قوله تعالى: فَابْعَثُوا للوجوب أو للندب والاستحباب؟ قال الشافعي: الأمر للوجوب لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة والمتأكدة على القاضي، وهو ظاهر الأمر. أما كون الحكمين من أقارب الزوجين فهو على وجه الاستحباب، ويجوز كونهما من الأجانب لأن مهمتهما وهي استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين وإجراء الصلح بينهما والشهادة على الظالم منهما، تتحقق بالأجنبي، كما تتحقق بالقريب، لكن الأولى كونهما من أهل الزوجين، حفاظا على أسرار الحياة الزوجية، ومنعا من التشهير بالسمعة، ولأن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشدّ حرصا على الإصلاح، وأبعد عن الميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى اطمئنان النفس إليهم. وأما مهمة الحكمين: فهي في رأي الإمام مالك والشعبي وهو رأي علي وابن عباس الجمع والتفريق بين الزوجين، وإلزامهما بذلك بدون إذنهما، يفعلان ما فيه المصلحة من تطليق أو افتداء المرأة بشيء من مالها. ولا يملكان أكثر من طلقة واحدة بائنة. قال ابن العربي في قوله تعالى: حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها: هذا نصّ من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان «1» . ورأى الشافعية والحنابلة: أنه ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وكيلان للزوجين. وقال الحنفية: يرفع الحكمان ما يريدانه إلى القاضي، وهو الذي يطلّق طلاقا بائنا، بناء على تقريرهما، فليس للحكمين التفريق إلا أن يفوضا فيه. ويكون رأي الحنفية كالشافعية والحنابلة.
فقه الحياة أو الأحكام:
وليس في الآية ما يرجّح أحد الرّأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرّأيين، فالرّأي الأول يدلّ عليه تسمية كلّ منهما حكما والحكم هو الحاكم، والحاكم متمكن من الحكم. والرأي الثاني يدلّ عليه أنه تعالى لم يفوّض إليهما إلا الإصلاح، وما عدا ذلك غير مفوض إليهما. وبما أن المسألة اجتهادية فالقياس يقتضي ترجيح الرّأي الثاني لأن الزوجين غير مجبرين على شيء من طلاق أو افتداء قبل التحكيم، فلا يجبرهما الحكم على شيء بعد التّحكيم، ويكون كلّ من إيقاع الرّجل الطّلاق، وبذل المال من الزوجة منوطا برضاهما. فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم شيء إلا ما اتّفقا عليه. ويجوز للزوجين تحكيم شخص واحد، وينفذ حكمه لرضاهما مسبقا به. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على ما يلي: 1- إثبات القوامة في الأسرة للرجل، وتفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف. 2- العجز عن النفقة يسقط القوامة للرجل، ويمنح المرأة الحق في فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله الزواج، للآية: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. وفي قوله تعالى هذا أيضا دلالة واضحة على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يفسخ لقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة 2/ 280] . 3- للزوج الحق في تأديب زوجته ومنعها من الخروج، وعلى الزوجة بقوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ طاعة الزوج في غير معصية
الله، والقيام بحقّه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج، وفي الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها» . 4- للزوج حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه لأن الله تعالى جعله قواما عليها- بصيغة المبالغة، والقوّام: الناظر على الشيء الحافظ له. وبهذا أخذ المالكية. 5- وجوب النفقة على الزوج لزوجته. 6- مشروعية وسائل تسوية النزاع بين الزوجين: وهي الوعظ والإرشاد، ثم الهجر في المضاجع (عدم المبيت في فراش الزوجية) ، ثم الضرب غير المبرّح (غير المؤذي: وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين عضوا، كاللّكزة ونحوها) ثم التحكيم بإرسال حكمين إما من الأقارب وإما من الأجانب. ولم يذكر الله تعالى إلا الإصلاح في مهمة الحكمين: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً ولم يذكر التفريق إشارة إلى الحرص على الإصلاح دون التفريق المؤدي إلى خراب البيوت. 7- الامتناع عن الظلم: دلّ قوله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ أي تركوا النشوز فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا على تحريم ظلم الرجل للمرأة، أي لا تجنوا عليهنّ بقول أو فعل، وهو نهي عن ظلمهنّ بعد التزام أدبهنّ. 8- تواضع الرجل ولينه: دلّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً على إرشاد الأزواج إلى خفض الجناح ولين الجانب أي إن كنتم تقدرون عليهنّ فتذكروا قدرة الله، فقدرته فوق كل قدرة، وهو بالمرصاد لكلّ أحد يستعلي على امرأته ويذلّها أو يهينها بغير حقّ. ويلاحظ أن الله عزّ وجلّ لم يأمر في شيء بالضرب صراحة إلا هنا وفي الحدود الشديدة، فجعل معصية المرأة من الكبائر، وولّى الأزواج صلاحية
أخلاق القرآن عبادة الله وحده والإحسان للوالدين والأقارب والجيران والتحذير من الإنفاق رياء [سورة النساء (4) الآيات 36 إلى 39] :
التأديب دون الأئمة والحكام، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بيّنات، ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء. أخلاق القرآن عبادة الله وحده والإحسان للوالدين والأقارب والجيران والتحذير من الإنفاق رياء [سورة النساء (4) : الآيات 36 الى 39] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) الإعراب: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ في موضع نصب على البدل من مِنْ في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ.
البلاغة:
رِئاءَ النَّاسِ إما أنه منصوب مفعول لأجله تقديره: لرئاء الناس، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به فنصبه، وإما أنه منصوب لأنه مصدر في موضع الحال من الَّذِينَ غير داخلة في صلته. البلاغة: يوجد إطناب في قوله: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ. مُخْتالًا فَخُوراً تعريض بذم الكبر المؤدي إلى احتقار الناس. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً فيه الحذف، وتقدير المحذوف: أحسنوا إلى الوالدين إحسانا. المفردات اللغوية: وَاعْبُدُوا اللَّهَ العبادة: الخضوع لله والاستسلام له سرّا وعلنا، باطنا وظاهرا مع الإخلاص. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي أحسنوا لهما، والإحسان للوالدين: البرّ بهما بخدمتهما وتحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما عند الحاجة وبقدر الاستطاعة، ولين الجانب والكلام معهما. وَبِذِي الْقُرْبى صاحب القرابة من أخ وعمّ وخال وأولادهم. وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى الجار القريب الجوار أو النسب. وَالْجارِ الْجُنُبِ: هو البعيد عنك في الجوار أو النسب. وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ: الرفيق في السفر أو الصناعة، وكل صاحب ولو وقتا قصيرا. وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره: المسافر أو الضيف. ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء (الأرقاء) . مُخْتالًا هو ذو الخيلاء والكبر. فَخُوراً هو الذي يتفاخر على الناس بتعداد محاسنه تعاظما وتعاليا. أَعْتَدْنا هيأنا وأعددنا. مُهِيناً ذا إهانة وذلّ. رِئاءَ النَّاسِ أي للمراءاة والسمعة. وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كالمنافقين وأهل مكة. قَرِيناً صاحبا وخليلا يعمل بأمره كهؤلاء. فَساءَ بئس. وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا ... المعنى أيّ ضرر عليهم في الإيمان والإنفاق، والاستفهام للإنكار، ولو: مصدرية، أي لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه. سبب نزول الآية (37) : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، فأنزل الله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ الآية. وروي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود
المناسبة:
كانوا يأتون أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يزهّدونهم في نفقة أموالهم في الدين، ويخوفونهم الفقر، ويقولون لهم: لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ. وقال أكثر المفسرين: نزلت في اليهود كتموا صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم ولم يبيّنوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم. وقال الكلبي: هم اليهود بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم ونعته في كتابهم. وقال مجاهد: الآيات الثلاث إلى قوله: عَلِيماً نزلت في اليهود. وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، فأنزل الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ. المناسبة: الآيات السابقة من أول السورة في تنظيم روابط الأسرة، كاختبار اليتامى، والحجر على السفهاء، وكيفية معاملة النساء بالإحسان مع رقابة الله، وناسب هنا التذكير ببعض الحقوق العامة وتقوية رابطة القرابة والجوار والصداقة وترشيد الإنفاق بأن يكون بإخلاص لله تعالى لا رياء وسمعة. وقد صدّر هذا الإرشاد بالأمر بعبادة الله لأنها الأساس. التفسير والبيان: بعد أن أرشد الله تعالى الزوجين إلى المعاملة الحسنة وأمر الحكام بإزالة أسباب الخصومة، أرشد الناس جميعا إلى بعض خصال الخير والإحسان، ودلّهم على أنواع من الأخلاق الحسنة في معاملة بعضهم بعضا، وهي ثلاثة عشر نوعا بين مأمور به ومنهي عنه.
1- عبادة الله وحده: العبادة: المبالغة في الخضوع لله تعالى، وذلك بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، سواء في أفعال القلوب أو أفعال الجوارح (الأعضاء) فإنه هو الخالق الرّازق المنعم المتفضّل على خلقه، لذا كان هو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته. 2- عدم الشرك به شيئا: والإشراك ضدّ التوحيد، وهو عطف خاص على عام. ويذكر هذان الأمران عادة معا، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه: «هل تدري ما حق الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: أن لا يعذبهم» . وقدم في هذه الآية ما يتعلق بحقه تعالى لأمرين: الأول- العبادة والإخلاص أساس الدين، وبدونه لا يقبل الله من العبد عملا ما. الثاني- الإيماء إلى أهمية الأمور الآتية بعدها، وإن تعلقت بحقوق العباد. والإشراك أنواع مختلفة: منها: ما ذكره الله تعالى عن مشركي العرب من عبادة الأصنام باتخاذهم وسطاء إلى الله فقال: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، قُلْ: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس 10/ 18] وقوله حكاية عنهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر 39/ 3] . ومنها: ما ذكره الله عن النصارى من أنهم عبدوا المسيح عليه السلام،
فقال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة 9/ 31] . 3- الإحسان إلى الوالدين: قرن الله تعالى الأمر ببر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع كثيرة من القرآن، كهذه الآية، وآية: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء 17/ 23] وآية: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان 31/ 14] . وبر الوالدين: طاعتهما في معروف والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما والبعد عن كل ما يؤذيهما لأنهما السبب الظاهر في وجود الأولاد، وتربيتهم بالرحمة والإخلاص. قال ابن العربي: بر الوالدين ركن من أركان الدين في المفروضات، وبرهما يكون في الأقوال والأعمال، أما في الأقوال فكما قال الله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [الإسراء 17/ 23] فإن لهما حق الرحم المطلقة، وحق القرابة الخاصة «1» . 4- الإحسان إلى القرابة: وهو صلة الرحم كالأخ والأخت والعم والخال وأبنائهم، وذلك بمودتهم ومواساتهم، على نحو ما ذكر في أول السورة: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [الآية 1] . وذلك يؤدي إلى ترابط الأسرة وتقوية معنوياتها وتساندها، فيقوى المجتمع، وتتقدم الدولة. 5- الإحسان إلى اليتامى: وصى الله تعالى بهذا في أول السورة وفي غيرها لأن اليتيم فقد الناصر والمعين وهو الأب. قال ابن عباس: يرفق بهم ويربيهم، وإن كان وصيا فليبالغ في حفظ أموالهم.
6- الإحسان إلى المساكين: وهم المحتاجون الذين لا يجدون ما يكفيهم، والإحسان إليهم بالتصدق عليهم أو بردهم ردا جميلا، كما قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى 93/ 10] . وهذا يحقق مبدأ التكافل الاجتماعي في الإسلام. 7- الإحسان إلى الجار ذي القربى: وهو القريب في المكان أو بالنسب أو بالدين. والإحسان إلى الجيران يحقق مبدأ التعاون والتواصل والتوادد والشعور بالسعادة. 8- الإحسان إلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره أو لم يكن ذا قرابة. وقد حث الإسلام على الإحسان في معاملة الجار ولو غير مسلم، فقد عاد النبي صلّى الله عليه وسلّم ابن جاره اليهودي ، وذبح ابن عمر شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول فيما رواه البيهقي عن عائشة: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» وأخرج الشيخان أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . وتحديد الجوار متروك إلى العرف، وحدده الحسن البصري بأربعين جارا من كل جانب من الجوانب الأربعة. وإكرام الجار له مظاهر عديدة منها مواساته إن كان فقيرا، ومنها حسن العشرة وكف الأذى عنه، ومنها إرسال الهدايا إليه، ودعوته إلى الطعام، وزيارته وعيادته ونحو ذلك. قال ابن العربي: حرمة الجار عظيمة في الجاهلية والإسلام، معقولة، مشروعة مروءة وديانة «1» . ومن الإحسان إلى الجار الحديث الصحيح في الموطأ: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» .
9- الإحسان إلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق بنحو مؤقت، كالتعلم والسفر والصناعة، والجلوس في مسجد أو مجلس. وقيل عن علي: إنه الزوجة أو المرأة. 10- الإحسان إلى ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع عن ماله، أو الضيف. والإحسان إليه بمساعدته للوصول إلى بلده أو غرضه. 11- الإحسان إلى ما ملكت أيمانكم: أي الأرقاء من العبيد والإماء. وقد أوصى النبي صلّى الله عليه وسلّم بهم في مرض موته، في آخر وصاياه، أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: «كانت عامة وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين حضره الموت: الصلاة وما ملكت أيمانكم» . وروى الشيخان عنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» والإحسان إليهم يكون أيضا بإعتاقهم أو بمساعدتهم على تحرير رقابهم. 12، 13- تحريم الاختيال والتفاخر: المختال: هو المتكبر الذي تظهر آثار الكبر في حركاته وأفعاله. والفخور: المتكبر الذي تظهر آثار الكبر في أقواله. والمختال الفخور مبغوض عند الله لاحتقاره حقوق الناس وتشبهه بصفات الإله، وهو لا يعبد الله حقا إذ لا خشوع عنده، ولا يحسن إلى الوالدين والأقارب والجيران والأصدقاء. ومعنى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً أي أنه يعاقبه على خيلائه وفخره. وقد نهى الله تعالى عن الكبر والخيلاء في آية أخرى هي: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا [الإسراء 17/ 37] . وليس من الكبر: الوقار في غير غلظة، وعزة النفس مع الأدب، وتحسين
البيت والمركوب والهيئة واللباس، بدليل ما روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة. فقال صلّى الله عليه وسلّم: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس «1» » . ثم بيّن الله تعالى أوصاف المختال الفخور بقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي أنه تعالى يذم الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين والجيران ونحوهم، ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضا، ويكتمون أفضال الله عليهم، فالبخيل جحود لنعمة الله ولا تظهر عليه آثارها في مأكل أو ملبس أو إعطاء وبذل، كما قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات 100/ 6- 7] أي شهيد بحاله وشمائله. وذم النبي صلّى الله عليه وسلّم أيضا البخل فقال: «وأي داء أدوأ من البخل؟» وقال فيما رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمرو: «إياكم والشح، فإنه هلك من كان قبلكم بالبخل، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» . ولكل هذه الخصال القبيحة في البخلاء توعدهم الله بالعقوبة بقوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ ... عَذاباً أَلِيماً أي وهيأنا لهؤلاء بكبرهم وبخلهم وعدم شكرهم عذابا يهينهم ويذلهم، إنه عذاب جامع بين الألم والذل، جزاء على فعلهم، وسماهم الله كفارا إشعارا بأن هذه أخلاق الكفار لا المؤمنين ولأن الكفر: هو الستر
والتغطية، والبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها فهو كافر لنعمة الله عليه. وفي الحديث الذي رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمرو: «إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» وفي الدعاء النبوي: «واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا» . وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم وكتمانهم إياها، ولهذا قال تعالى: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. وعلى كل حال: أهل الفخر والخيلاء فريقان: فريق يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم، وهم من سبق، وفريق آخر ذكرهم القرآن بعدئذ وهم الذين ينفقون أموالهم مرائين الناس، أي يقصدون رؤية الناس لهم فيعظمونهم ويحمدونهم. وبعد أن ذكر الله الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ذكر الباذلين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون به وجه الله، فيبذلون المال لا شكرا لله على نعمه، ولا اعترافا لعباده بحق. هؤلاء الذين قال الله عنهم: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ [النساء 4/ 38] . جاء في الحديث الثابت: «الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار: وهم العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت، إنما أردت أن يقال: جواد، فقد قيل» أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا، وهو الذي أردت بفعلك. وهؤلاء المراءون لا يؤمنون حقا بالله ولا باليوم الآخر، أي إنما حملهم على صنيعهم القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الصحيح: الشيطان، فإنه
فقه الحياة أو الأحكام:
سوّل لهم وأملى لهم وحسّن لهم القبائح، ولأن المؤمن الحق لا ينفق رياء بل الله، ويعمل للباقي الدائم وهو يوم القيامة، وهؤلاء قرناء الشيطان الذي يوحي إليهم، ويعدهم بالفقر لو أنفقوا، ويأمرهم بالفحشاء والمنكر، ومن يكن الشيطان له قرينا، فبئس هذا القرين، أي أن الذي حملهم على ما فعلوا وسوسة الشيطان وهو بئس الصاحب والمعلم، فحالهم في الشر كحال الشيطان. وفي هذا إيماء إلى ضرورة البعد عن قرين السوء، واختيار القرين الصالح. وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ والمعنى: وأي ضرر يلحقهم لو آمنوا حقيقة بالله، وعملوا لليوم الآخر الذي فيه الجزاء المحقق للخلود والسعادة، وأنفقوا مما رزقهم الله ابتغاء رضوانه وامتثالا لأمره. وهذا الأسلوب للتعجب من حالهم إذ أنهم لو أخلصوا العمل وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص، والإيمان بالله رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا فيما يحبه الله ويرضاه، لما فاتهم ما يطلبون من منافع الدنيا والآخرة معا. وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً أي هو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وخبير بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه للخير، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم، فيتخلى عنه، وسيجازي كل امرئ بما قدم وعمل، ولن ينسى عمل العاملين المخلصين، وما على المؤمن إلا أن يجعل عمله خالصا لله، فهو الذي يراه ويتقبل منه، ويحاسبه على عمله. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات دستور التعامل بين الناس وربهم، وبين بعضهم بعضا. وهي من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وهي مقررة في جميع الكتب
السماوية، ولو لم يكن كذلك لعرف حكمها من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب. وهي مفتتحة بأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص في عبادته، وهي أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره، قال الله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف 18/ 110] . وتنهى الآية عن ضد التوحيد وهو الشرك، وهو كما قال العلماء مراتب ثلاثة وكلها محرمة منكرة. الأولى- اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك الأعظم شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] . الثانية- اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل: وهو القول بأن موجودا غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلها، كالقدرية مجوس هذه الأمة. وقد تبرأ منهم ابن عمر. الثالثة- الإشراك في العبادة وهو الرياء: وهو أن يفعل العبد شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره. وهو الذي حرمته الآيات والأحاديث، وهو مبطل للأعمال، وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي. روى ابن ماجه عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحدا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» .
وأمرت الآيات بالإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران الأقارب والأباعد، والأصحاب لوقت ما كرفيق الأسفار وجليس المجلس والصلاة، والمسافرين، والأرقاء المماليك، وقد سبق الكلام تفصيلا عنهم. ونهت الآيات عن التكبر والخيلاء والتفاخر والتعاظم، والمختال: هو ذو الخيلاء المتكبر، والفخور: الذي يعدد مناقبه كبرا، والفخر: البذخ «1» والتطاول. وخص الله تعالى هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة والترفع من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم. وذكر الله تعالى صفات المتكبرين المختالين، ومن أشنعها البخل وأمر الناس بالبخل، والبخل المذموم في الشرع: هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه، وهو مثل قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ الآية [آل عمران 3/ 180] . والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره اليهود فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم، والله لا يحب المختال الفخور أي يعاقبه، وأكّد ذلك بأنه تعالى أعد له عذابا مهينا. ويرى القرطبي أنه تعالى توعد المؤمنين الباخلين بعدم المحبة، وتوعد الكافرين عذابا مهينا «2» . والفريق الثاني من أهل الفخر هم الذين ينفقون أموالهم رياء، قال الجمهور: نزلت في المنافقين، لقوله تعالى: رِئاءَ النَّاسِ والرئاء من النفاق. ونفقة الرئاء لا تجزئ، لقوله تعالى: قُلْ: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [التوبة 9/ 53] .
الترغيب في امتثال الأوامر والتحذير من المخالفة والعصيان [سورة النساء (4) الآيات 40 إلى 42] :
ثم وجّه الحق سبحانه وتعالى المنفقين رياء إلى ما هو الأصلح لهم وهو الإيمان الحق بالله (أي التصديق بواجب الوجود) واليوم الآخر، والإنفاق لوجه الله، فالله عليم بكل شيء، خبير بأحوال الناس، وسيجازي كل امرئ بما قدم وعمل. الترغيب في امتثال الأوامر والتحذير من المخالفة والعصيان [سورة النساء (4) : الآيات 40 الى 42] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) الإعراب: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً بالنصب خبر تكن الناقصة، وتقديره: وإن تكن الذرة حسنة، وقرئ بالرفع على أنها فاعل تكن التامة. وأصل (تك) : تكون بالرفع، إلا أنه حذفت الضمة للجزم، فبقيت النون ساكنة والواو ساكنة، فاجتمع ساكنان، وهما لا يجتمعان، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكان حذف الواو أولى لأنها حرف معتل، والنون حرف صحيح، فبقي «تكن» فحذفت النون لكثرة الاستعمال. شَهِيداً حال منصوب من الضمير في بِكَ وهو الكاف، والتقدير: جئنا بك شهيدا على هؤلاء. يَوْمَئِذٍ في موضع نصب والعامل فيه يَوَدُّ وكذلك: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ في موضع نصب ب يَوَدُّ أيضا وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً إما معطوف على تُسَوَّى فيكون داخلا في التمني، أي ودوا تسوية الأرض وكتمان الحديث من الله تعالى، وإما أن تكون الواو فيه واو الحال، والجملة حالية.
البلاغة:
البلاغة: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا السؤال عن المعلوم لتقريع السامع وتوبيخه. المفردات اللغوية: لا يَظْلِمُ الظلم: النقص وتجاوز الحد، أي لا ينقص أحدا من حسناته ولا يزيد في سيئاته. مِثْقالَ أصله المقدار الذي له ثقل مهما قل، ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره (المثقال العجمي: 80، 4 غم) والمراد به هنا وزن ذَرَّةٍ أصغر ما يدرك من الأجسام، والذرة في العلم الحديث: الجزء الذي لا يتجزأ، ومن الذرات: الهباء: وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من نافذة. يُضاعِفْها من عشر إلى أكثر من سبعمائة. مِنْ لَدُنْهُ من عنده. بِشَهِيدٍ هو نبي الأمة. لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي لو أن تتسوى بهم الأرض بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم الهول، كما في آية أخرى: يَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً . وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً مما عملوه، وفي وقت آخر يكذبون ويقولون: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ والحديث: الكلام. المناسبة: موضوع هذه الآيات الترغيب من الله تعالى في امتثال المأمورات والتحذير من المنهيات الواردة في الآيات السابقة، ونظيرها قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة 99/ 7- 8] . التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء 21/ 47] وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان 31/ 16] .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «فيقول الله عز وجل: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار» وفي لفظ: «أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار» فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ... الآية. ومعنى الآية: أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله شيئا مهما قل، ولا يعاقب أحدا على شيء مهما كان بغير حق لأن الظلم نقص، والله تعالى متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقص. فمن اقترف سيئة بعد أن زوده الله بالعقل والتقدير والميزان، كان هو الظالم لنفسه: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت 41/ 46] . ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله ولو مثقال ذرة، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، أما السيئة فلا تضاعف، ويجزى بمثلها فقط، كما في آية أخرى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام 6/ 160] . وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً أي إنه تعالى لا يكتفي بمضاعفة حسنات المحسن، بل يعطيه أجرا من غير مقابل له من الأعمال، فهو واسع الفضل كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة، نسأل الله الرضا والجنة. وإذا كان هذا هو نظام الثواب، فيتعجب الخالق من بعض الناس قائلا: فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشاهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله تعالى: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة 5/ 117] . وجئنا بك يا محمد على هؤلاء المكذبين شهيدا. عن ابن
فقه الحياة أو الأحكام:
مسعود «أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بلغ قوله: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً، فبكى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: حسبنا» . وهذه الشهادة معناها: عرض أعمال الأمم على أنبيائهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة 2/ 143] أي إن هذه الأمة بحسن سيرتها وكونها خاتمة أمم الوحي تكون شهيدة على الأمم السابقة، وحجة عليها في انحرافها عن هدي المرسلين، والرسول صلّى الله عليه وسلّم بسيرته واستقامته يكون حجة على من ترك سننه. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول أي يتمنون لو يدفنون، فتسوى بهم الأرض، كما تسوى بالموتى، وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، كما قال تعالى: يَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [النبأ 78/ 40] . وهم لا يقدرون على كتمان كلام عن الله لأن جوارحهم تشهد عليهم، وقيل: الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض، وأنهم لا يكتمون الله حديثا، ولا يكذبون في قولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام 6/ 23] لأنهم إذا قالوا ذلك، وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عندئذ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر عليهم يتمنون الدفن تحت التراب. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: 1- اتصاف الله بكل كمال، وتنزهه عن كل نقصان: فلا يبخس الناس ولا بنقصهم من ثواب أعمالهم وزن ذرة، بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها، والمراد من
الكلام: أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً [يونس 10/ 44] . وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها» . 2- مضاعفة ثواب الحسنات ومنح الأجر العظيم وهو الجنة. روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي حسنة، وتلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً. قال عبيدة: قال أبو هريرة: وإذا قال الله أَجْراً عَظِيماً فمن الذي يقدّر قدره! وقد عرفنا أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس. 3- التعجيب الإلهي من أفعال الكفار يوم الحساب: هذا التعجيب حافز على فعل المأمورات، وإنذار على التقصير في فعل الحسنات والخيرات. 4- تمني الكفار أن يكونوا ترابا عند مصادمتهم بأعمالهم المنكرة، وتمنيهم أنهم لم يكتموا الله حديثا، لظهور كذبهم، ولأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. سئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثا.
تحريم الصلاة حال السكر وكون التيمم عند فقد الماء [سورة النساء (4) آية 43] :
تحريم الصلاة حال السكر وكون التيمم عند فقد الماء [سورة النساء (4) : آية 43] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43) الإعراب: وَأَنْتُمْ سُكارى الواو واو الحال، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر في موضع نصب على الحال بفعل: تَقْرَبُوا أي لا تقربوها في هذه الحالة. والدليل على أن الواو هاهنا واو الحال قوله تعالى: وَلا جُنُباً أي ولا تصلوا جنبا إلا عابري سبيل، استثناه من قوله: «جنبا» . والمراد بعابري سبيل: المسافرين لأنه يجوز للجنب أن يتيمم في السفر عند عدم الماء. وقيل: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، ولا تقربوا منها جنبا إلا عابري سبيل، فيجوز للجنب العبور في المساجد عند الحاجة. المفردات اللغوية: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ لا تصلوا. وَأَنْتُمْ سُكارى جمع سكران وهو من شرب الخمر جُنُباً من أصابته الجنابة بالجماع أو إنزال المني. والجنب: يطلق على المفرد وغيره. إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ مجتازي طريق أي مسافرين. وقيل: المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة، أي المساجد إلا عبورها من غير مكث. مِنَ الْغائِطِ المكان المنخفض من الأرض كالوادي، والمراد المكان المعد لقضاء الحاجة، وأهل البادية وبعض القرى يقضون حوائجهم في المنخفضات للستر عن أعين الناس. والقصد من قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط: أي أحدث. أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ كناية عن الجماع في رأي
سبب النزول:
ابن عباس، وفي رأي ابن عمر والشافعي: بمعنى اللمس وهو الجس باليد، وألحق به الجس بباقي البشرة. فَلَمْ تَجِدُوا ماءً تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش في غير حال المرض. فَتَيَمَّمُوا اقصدوا. صَعِيداً طَيِّباً ترابا طاهرا فاضربوا به ضربتين. والصعيد: وجه الأرض. عَفُوًّا ذا عفو وهو محو السيئة وجعلها كأن لم تكن. غَفُوراً ذا مغفرة، والمغفرة: ستر الذنب بعدم الحساب عليه. سبب النزول: نزول آية: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ: روى أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: «قل: يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون» فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. وروى ابن جرير عن علي أن الإمام كان يومئذ عبد الرحمن، وأن الصلاة صلاة المغرب، وكان ذلك قبل أن تحرّم الخمر. نزول آية: فَتَيَمَّمُوا: أخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: وَلا جُنُباً في المسافر تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي. وأخرج ابن مردويه عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحّل ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، فخشيت أن أغتسل بالماء البارد، فأموت أو أمرض، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى الآية كلها. وروى البخاري ومسلم من حديث مالك عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع
المناسبة:
عقد لي، فأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء ... فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا وجعل الله فيه للمسلمين فرجا. قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته «1» . والظاهر أن صدر الآية نزل في حادثة الخمر، وعجزها في حادثة السفر، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع. المناسبة: لما نهى الله سبحانه فيما مضى عن الشرك، ورغب في امتثال الأمر واجتناب النهي، نهى هنا عن الصلاة التي هي عبادة لله وحده لا شريك له في حال السكر وحال الجنابة، والخطاب موجه للمؤمنين قبل السكر ليجتنبوه، وذلك حتى يكون الإنسان في صلاته كامل القوى العقلية، وطاهرا من الأنجاس أو الأرجاس والأخباث المادية والمعنوية. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان مواضعها التي هي المساجد للجنب إلا أن يكون مجتازا المسجد من باب إلى باب من غير مكث. وقد كان هذا قبل تحريم الخمر. وقد أثر النهي، وفهم الصحابة أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال السكر، فكانوا يمتنعون من شرب المسكر إلى ما بعد صلاة العشاء، فإذا صلوا العشاء شربوا، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا،
فنزلت آية المائدة: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة 5/ 90] فتركوا الشراب كله. ومعنى الآية: يا أيها المؤمنون لا تصلّوا حال السكر حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة. وقد كان هذا تمهيدا لتحريم السكر تحريما باتا، وكان نزول الآية في المرحلة الثالثة من مراحل التدرج في تشريع تحريم الخمر. واتفق أكثر المفسرين على أن الصلاة باقية على معناها الحقيقي، والمعنى إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا، ولا تصلوا وأنتم سكارى ولا وأنتم جنب إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا. ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تشويقا إلى بيان الحكم عند فقد الماء. ويدل لهذا الرأي قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ أي لا تقربوا نفس الصلاة لأن فيها قراءة من آي القرآن ودعاء وأذكارا، وكلها تتطلب الوعي والإدراك واستكمال القوى العقلية. وذهب الشافعي وابن عباس وابن مسعود والحسن البصري إلى أن الكلام على حذف مضاف وهو مجاز شائع، والمراد: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، بدليل تفسير وَصَلَواتٌ [الحج 22/ 40] بأنها كما قال ابن عباس كنائس اليهود، وإلا لم يصح الاستثناء في قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وحتى لا يكون هناك تكرار بين قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد. وقد ترتب على هذا اختلافهم في حكم اجتياز الجنب المسجد، فعلى الرأي الثاني: يجوز له العبور دون أن يمكث، ويحرم عليه دخول المسجد في غير حال العبور. وعلى الرأي الأول: لا تدل الآية على حرمة دخول الجنب المسجد، وإنما يستدل عليها بمثل ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن
المسجد» ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا، رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد، وقال: «وجهوا هذه البيوت، فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» ولم يستثن صلّى الله عليه وسلّم في آخر عمره إلا خوخة (كوّة أو باب صغير) أبي بكر رضي الله عنه. ثم نهى الله تعالى فقال: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي ولا تقربوا الصلاة حال الجنابة إلا إذا كنتم عابري سبيل أي مجتازي الطريق. حَتَّى تَغْتَسِلُوا أي لا تقربوا الصلاة جنبا إلى أن تغتسلوا، والغسل: أن يعم الماء جميع الجسد. ثم ذكر الله تعالى في هذه الآية وآية المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة 5/ 6] أسبابا أربعة للتيمم وهي: المرض، والسفر، والحدث (المجيء إلى الغائط) وملامسة النساء. فإذا توافر أحد هذه الأسباب، فاقصدوا صعيدا طيبا أي وجها ظاهرا من الأرض، طاهرا غير نجس، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه إلى المرافق عند الجمهور، وإلى الرسغين عند مالك، ثم صلّوا. هذه رخصة التيمم لأصحاب الأعذار، وسبب هذا الترخيص والتيسير هو أن الله عفوّ غفور، أي ذو عفو ومغفرة أي ستر للذنوب، أي لم يزل كائنا يقبل العفو وهو السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته فلا يعاقب. ويلاحظ أن قيد عدم وجود الماء راجع إلى قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء 4/ 43] فتكون الأعذار ثلاثة: السفر والمرض وفقد الماء في الحضر، أما الحدث فأمر مفروغ منه، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء، والسفر وحده عذر كاف في التيمم، وجد الماء أو لم يوجد.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآية أحكاما عديدة هي: 1- حرمة الصلاة حال السكر من الخمر وغيره، وذلك قبل تحريم الخمر تحريما باتا قاطعا، فقد كان شرب المسكر مباحا في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر. 2- السبب في تحريم المسكر في الصلاة هو إدراك معاني التلاوة والأدعية والأذكار الموجودة في الصلاة، وهذا معنى قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط، والسكران لا يعلم ما يقول. وأراد بعض المفسرين أن يفهم من هذه الآية وجوب القراءة في الصلاة لأنها تنهى عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلم المصلي ما يقول، فلا بد من أن يكون الذي يقول شيئا يمنع منه السكر، ولا شيء سوى القراءة. ولكن وجوب القراءة في الصلاة له دليل آخر غير هذا، ومعنى النهي هنا: لا تصلوا حتى تكونوا على درجة من العلم والفهم تمكنكم من مناجاة الله والوقوف بين يدي ملك الملوك. واستنبط عثمان رضي الله عنه من الآية: أن السكران لا يلزم طلاقه. وهو مروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول الليث وجماعة من الشافعية، واختاره الطحاوي قائلا: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس معتوه بالوسواس. وقال الجمهور: طلاق السكران نافذ، وأفعاله وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي، واستثنى أبو حنيفة الردة، فإنه إذا ارتد لا تبين منه امرأته إلا استحسانا.
3- تحرم الصلاة حال الجنابة بإنزال مني أو جماع. ويجب الغسل بالتقاء الختانين، لما أخرجه مسلم عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل» وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل» زاد مسلم: «وإن لم ينزل» . وأجمع التابعون ومن بعدهم على الأخذ بحديث: «إذا التقى الختانان ... » . 4- لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم لأن الغالب في الماء أنه لا يعدم في الحضر فالحاضر يغتسل لوجود الماء، والمسافر يتيمم إذا لم يجده، ولا يدخل المسافر الجنب المسجد إلا بعد أن يتيمم في رأي الحنفية. ورخص الإمامان مالك والشافعي في دخول الجنب المسجد لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الأئمة الستة عن أبي هريرة: «إن المؤمن لا ينجس» ويؤيده أن الصحابة الذين كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، إذا أجنب أحدهم اضطر إلى المرور في المسجد. وقال أحمد وإسحاق في الجنب: إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد، عملا بما كان يفعله بعض الصحابة. ويمنع الجنب عند المالكية وغيرهم من قراءة القرآن غالبا إلا الآيات اليسيرة للتعوذ، لما أخرجه ابن ماجه عن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن» . 5- نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة إلا بعد الاغتسال، والاغتسال: معنى معقول يعبر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول. ولا بد أن يتدلك الجنب في اغتساله في المشهور من مذهب مالك لأن هذا هو المعقول من لفظ الغسل
لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال، ومن لم يمرّ يديه فلم يفعل غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان العربي غاسلا، بل يسمونه صابّا للماء ومنغمسا فيه، ويؤكده الأثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» «1» وإنقاؤه: لا يكون إلا بتتبعه. قال ابن العربي: «حتى تغتسلوا» اقتضى هذا عموم إمرار الماء على البدن كله باتفاق، وهذا لا يتأتى إلا بالدلك. وقال الجمهور: يجزئ الجنب صبّ الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعمّ، وإن لم يتدلك، على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبي صلّى الله عليه وسلّم، رواهما الأئمة، وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يفيض الماء على جسده. وهل يخلل الجنب لحيته؟ روايتان عن مالك: رواية ابن القاسم عنه: ليس عليه ذلك ، وقال ابن عبد الحكم: ذلك هو أحب إلينا لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يخلل شعره في غسل الجنابة. وأوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق في الغسل، لقوله تعالى: حَتَّى تَغْتَسِلُوا ولأنهما من جملة الوجه، وحكمهما حكم ظاهر الوجه كالخد والجبين، فمن تركهما وصلّى، أعاد كمن ترك لمعة «2» ، ومن تركهما في وضوئه فلا إعادة عليه. وأضاف الحنابلة: هما فرض أيضا في الوضوء لقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله من الجنابة. وقال مالك والشافعي: ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء لأنهما باطنان كداخل الجسد لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم فعل المضمضة ولم يأمر بها ، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل.
وأما قدر الماء الذي يغتسل به: فروى مالك عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة. والفرق ثلاثة آصع، والصاع 2751 غم. وعن أنس قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع «1» إلى خمسة أمداد ، والمد 675 غم، والصاع أربعة أمداد. وهذه الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء من غير كيل ولا وزن، يأخذ منه الإنسان بقدر ما يكفي، ولا يكثر منه، فإن الإكثار منه سرف، والسّرف مذموم. 6- إباحة التيمم لفقد الماء، أو للمرض، أو للسفر، لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.. [النساء 4/ 43] ويؤيده آية: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج 22/ 78] وآية: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء 4/ 29] وتيمم عمرو بن العاص لما خاف أن يهلك من شدة البرد، ولم يأمره صلّى الله عليه وسلّم بغسل ولا إعادة. والمرض الذي يباح له التيمم على الصحيح من قول الشافعي: هو الذي يخاف فيه فوت الروح، أو فوات بعض الأعضاء لو استعمل الماء، أو خاف طول المرض. والسفر المبيح للتيمم: هو الطويل أو القصير عند عدم الماء، ولا يشترط أن يكون مما تقصر فيه الصلاة في رأي الجمهور. وقال قوم: لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة. وذهب المالكية وأبو حنيفة ومحمد إلى أن التيمم في الحضر والسفر جائز. وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. فإن عدم الماء في الحضر مع خوف فوات الوقت، تيمم الصحيح والسقيم وصلّى ثم أعاد. وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف الوقت.
ودليل جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوات الصلاة إن ذهب إلى الماء: القرآن: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أي أن المقيم إذا عدم الماء تيمم. والسنة: وهو ما رواه البخاري عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصّمة الأنصاري قال: أقبل النبي صلّى الله عليه وسلّم من نحو «بئر جمل «1» » فلقيه رجل، فسلّم عليه، فلم يردّ عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام. وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ «بئر» . 7- هل الحدث يبيح التيمم في الحضر؟ قيل: إنه يبيح لآية أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ: و «أو» بمعنى الواو، أي إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا، فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحديث، لا المرض والسفر، فدل على جواز التيمم في الحضر، كما تقدم بيانه. قال القرطبي: والصحيح في «أو» أنها على بابها عند أهل النظر، أي أنها للتخيير، فلأو معناها، وللواو معناها، وهناك حذف، والمعنى: وإن كنتم مرضى مرضا لا تقدرون فيه على مسّ الماء أو على سفر، ولم تجدوا ماء، واحتجتم إلى الماء «2» . وقوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ كنى بذلك عن التغوط وهو الحدث الأصغر. 8- ملامسة النساء: كناية عن الجماع «3» في رأي الحنفية، فالجنب يتيمم، واللامس بيده لا ينقض وضوءه، بدليل ما رواه الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. والمراد بها عند الشافعي: لمس بشرة المرأة باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد، فمن لمس بشرة امرأة
نقض طهره، ويتيمم إن فقد الماء. وقال مالك وأحمد وإسحاق: الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذّ، فإذا لمسها بغير شهوة فلا وضوء، وهو مقتضى الآية. وأما حديث عائشة فهو مرسل. وتكون الآية مبينة حكمين: الحدث والجنابة عند عدم الماء، وسبب الحدث: المجيء من الغائط، وسبب الجنابة: الملامسة. ولا مانع من حمل اللفظ «الملامسة» على الجماع واللمس، وإفادة الحكمين. 9- إن طلب الماء للمسافر شرط في صحة التيمم عند مالك والشافعي وأحمد، وليس بشرط عند أبي حنيفة. والمقصود بوجود الماء: أن يجد منه ما يكفيه لطهارته، فإن وجد أقل من كفايته تيمم ولم يستعمل ما وجد منه، وهذا قول أكثر العلماء. وأجاز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير كماء الباقلاء وماء الورد، لقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فقال: هذا نفي في نكرة، فيعم لغة، فيكون مفيدا جواز الوضوء بالماء المتغير وغير المتغير لإطلاق اسم الماء عليه. وأجمع العلماء على أن الوضوء والاغتسال لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ عند عدم الماء. والماء الذي يبيح عدمه التيمم: هو الطاهر المطهر الباقي على أوصاف خلقته. 10- قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا: يدل على مشروعية التيمم، وهو من خصائص هذه الأمة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» «1» الحديث. والتيمم
شرعا: مسح الوجه واليدين بالتراب، لقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أي اقصدوا. ويلزم التيمم كل مكلف لزمته الصلاة إذا عدم الماء، ودخل وقت الصلاة. وقال أبو حنيفة وصاحباه والمزني صاحب الشافعي: يجوز قبله لأن طلب الماء عندهم ليس بشرط قياسا على النافلة، فلما جاز التيمم للنافلة دون طلب الماء، جاز أيضا للفريضة، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذرّ عند أبي داود والنسائي والترمذي: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج» . فسمى عليه السلام الصعيد وضوءا كما يسمى الماء، فحكمه إذن حكم الماء. ودليل المالكية والشافعية والحنابلة قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ولا يقال: لم يجد الماء إلا لمن طلب ولم يجد. وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا الحدث، وأن المتيمم لهما إذا وجد الماء، عاد جنبا كما كان أو محدثا لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذرّ: «إذا وجدت الماء فأمسّه جلدك» . وأجمعوا على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وعليه استعمال الماء. والجمهور على أن من تيمم وصلّى وفرغ من صلاته، وقد كان اجتهد في طلبه الماء، ولم يكن في رحله: أن صلاته تامة لأنه أدى فرضه كما أمر، فغير جائز أن توجب عليه الإعادة بغير حجة، لما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» .
واختلف العلماء إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة فقال مالك والشافعي: ليس عليه قطع الصلاة واستعمال الماء، وليتمّ صلاته، وليتوضأ لما يستقبل لقوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ وقد اتفق الجميع على جواز الدخول في الصلاة بالتيمم عند عدم الماء، ومن شرع في صوم عن كفارة ظهار أو قتل، ثم وجد رقبة لا يلغى صومه ولا يعود إلى الرقبة. وقال أبو حنيفة وأحمد والمزني: يقطع ويتوضأ ويستأنف الصلاة لوجود الماء. وحجتهم أن التيمم لما بطل بوجود الماء قبل الصلاة، فكذلك يبطل ما بقي منها، وإذا بطل بعضها بطل كلها لإجماع العلماء على أن المعتدة بالشهور لا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض أنها تستقبل عدتها بالحيض، ومثل ذلك الذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة. واختلفوا: هل يصلّى بالتيمم صلوات أو يلزم التيمم لكل صلاة فرض ونفل؟ فقال مالك والشافعي: لكل فريضة لأن عليه أن يبتغي الماء لكل صلاة، فمن ابتغى الماء فلم يجده فإنه يتيمم. وقال أبو حنيفة وداود الظاهري: يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث لأنه طاهر، ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه. وهل يجوز التيمم قبل دخول الوقت؟ الشافعي ومالك: لا يجوزانه لأنه لما قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ظهر منه تعلق أجزاء التيمم بالحاجة، ولا حاجة قبل الوقت، وعلى هذا فلا يصلّي الشخص فرضين بتيمم واحد. وأجاز أبو حنيفة التيمم قبل دخول الوقت لأن طلب الماء عنده ليس بشرط. 11- الصعيد الطيب: الصعيد: وجه الأرض، كان عليه تراب أو لم يكن. والطيب: الطاهر وقيل: الحلال. وبناء عليه قال مالك وأبو حنيفة: يتيمم بوجه الأرض كله، ترابا كان أو رملا أو حجارة أو معدنا أو سبخة.
وقال الشافعي وأبو يوسف: الصعيد: التراب المنبت، وهو الطيب، قال تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف 7/ 58] فلا يجوز التيمم عندهما على غيره. قال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي غبار. واشترط الشافعي: أن يعلق التراب باليد، ويتيمم به نقلا إلى أعضاء التيمم، كالماء ينقل إلى أعضاء الوضوء. وأجمع العلماء على أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر منقول إلى العضو الممسوح لا مغصوب، وعلى أنه لا يتيمم على الذهب الصّرف والفضة والياقوت والزّمرّد والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات. واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجازه مالك وغيره، ومنعه الشافعي وغيره. ويجوز عند مالك التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، وفي المدونة والمبسوط جواز التيمم على الثلج، وفي غيرهما منعه. والجمهور على منع التيمم على العود، وجمهور المالكية أجازوا التيمم على التراب المنقول من طين أو غيره، وعند المالكية قولان في التيمم على ما طبخ كالجص والاجرّ، وعلى الجدار، قال القرطبي: والصحيح الجواز على الجدار، لحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصّمّة الأنصاري الذي أخرجه البخاري، قال: أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نحو بئر جمل (موضع قرب المدينة) فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يردّ عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام. وهو دليل على صحة التيمم بغير التراب كما يقول مالك ومن وافقه. وقال الثوري وأحمد: يجوز التيمم بغبار اللّبد. وأجاز أبو حنيفة التيمم بالكحل والزّرنيخ والنّورة والجص والجوهر المسحوق. 12- كيفية التيمم: دل قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ على أن محل التيمم: الوجه واليدان، وقوله مِنْهُ يدل في رأي الشافعي على
أعمال اليهود وتصرفاتهم [سورة النساء (4) الآيات 44 إلى 46] :
أنه لا بد من نقل التراب إلى محل التيمم، ولا يشترط المالكية النقل، بدليل تيممه عليه الصلاة والسلام على الجدار. وقال الجمهور: يبدأ بالوجه ثم اليدين لقوله تعالى: بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ. وقال الحنفية والشافعية: يبلغ بالتيمم في اليدين إلى المرفقين، قياسا على الوضوء، وبدليل رواية التيمم إلى المرفقين عن جابر وابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان، لحديث عمار بالتيمم إلى الكوعين: وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود أمره بالتيمم للوجه والكفين. وذهب الحنفية والشافعية إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجة، وضربة لليدين لحديث ابن عمر «1» في ذلك. ورأى المالكية والحنابلة أن الفريضة: الضربة الأولى، أي وضع اليد على الصعيد، وأما الضربة الثانية فهي سنة. أعمال اليهود وتصرفاتهم [سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 46] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)
الإعراب:
الإعراب: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو أُوتُوا ومثله وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا. مِنَ الَّذِينَ تتعلق مِنَ إما على أنها تفسير لقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا.. أو تتعلق بمحذوف، وتقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون. وقوم: مبتدأ، ويحرفون: جملة صفة المبتدأ، وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وخبره: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مقدم عليه. أو تتعلق بقوله: نَصِيراً على حد قوله: فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا. غَيْرَ مُسْمَعٍ حال من ضمير: واسمع، أي لا سمعت، ويظهرون أنهم يريدون: واسمع غير مسمع مكروها. وقيل: إنهم يريدون: واسمع غير مسمع، أي غير مجاب. لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً منصوبان على المصدر، وتقديره: يلوون بألسنتهم ليّا، ويطعنون طعنا. وألسنتهم: جمع لسان، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، ويجمع على ألسنة وألسن، فمن جمعه على ألسنة جعله مذكرا، ومن جمعه على ألسن جعله مؤنثا. وَلَوْ أَنَّهُمْ.. لو: حرف يمتنع له الشيء لامتناع غيره، كقولك: لو جئتني لأكرمتك، فيكون عدم الإكرام لعدم المجيء. وأنهم: في موضع رفع بفعل مقدر، تقديره: ولو وقع قولهم: سمعنا وأطعنا، فإن لَوْ يقع بعدها الفعل ولا يقع بعدها المبتدأ. إِلَّا قَلِيلًا منصوب لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: إيمانا قليلا. البلاغة: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ: استعارة، وكذا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ استعارة لأن أصل اللي: فتل الحبل، فاستعير للكلام الذي قصد به غير ظاهره. أَلَمْ تَرَ استفهام للتعجب.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: أَلَمْ تَرَ ألم تنظر أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ حظا أو جزءا من التوراة وهم اليهود أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ تخطئوا الطريق الحق أو القويم لتكونوا مثلهم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ منكم، فيخبركم بهم لتجتنبوهم وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا حافظا لكم منهم يتولى شؤونكم نَصِيراً مانعا لكم من كيدهم، أو معينا يدفع شرهم عنكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا هم اليهود يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ يغيرون الكلام الذي أنزل الله في التوراة من نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم عن مواضعه التي وضع عليها. غَيْرَ مُسْمَعٍ حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت، ويجوز أن يريدوا: غير مجاب قولك. وَراعِنا أصلها: راقبنا وانظرنا نكلمك، والمراد بها أنها كلمة سب بلغتهم وهي «راعينا» أو من الرعونة والطيش، وقد نهي عن خطابه بها لَيًّا تحريفا بألسنتهم وطعنا وفتلا بها. طَعْناً فِي الدِّينِ قدحا فيه وذما بالإسلام وَانْظُرْنا انظر إلينا وَأَقْوَمَ أعدل وأسدّ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم عن رحمته إِلَّا قَلِيلًا أي إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به. سبب النزول نزلت في يهود المدينة، قال ابن إسحاق: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ.... وقال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف- أحد أحبار اليهود- في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد، ليحالفوا قريشا على غدر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزل كعب على أبي سفيان، ونزلت اليهود في دور قريش ... فقال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء (الناقة
المناسبة:
الضخمة السنام) ، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني (الأسير) ، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه، فأنزل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ... يعني كعبا وأصحابه، الآية «1» . المناسبة: بعد أن أرشد الله تعالى إلى جزيل الثواب بامتثال الأحكام الشرعية، وحذر المخالف بشديد العقاب، من خلال الترغيب والترهيب، ذكر حال بعض أهل الكتاب الذين تركوا بعض أحكام دينهم، وحرّفوا كتابهم، واشتروا الضلالة بالهدى، لينبه المؤمنين إلى وجوب التزام ما أمروا به، ويحذرهم من إيقاع العقاب عليهم بترك أحكام دينهم، مثل العقاب الذي استحقه أولئك اليهود في الآخرة حينما يتمنون أن يدفنوا في التراب، ويزج بهم في نار جهنم. التفسير والبيان: ألم تنظر يا محمد إلى الذين أعطوا جزءا من التوراة (الكتاب الإلهي) ثم يستبدلون الضلالة بالهدي، ويؤثرون الكفر على الإيمان، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من الأحكام كالكذب وإيذاء الناس وأكل الربا، ومن العلم عن الأنبياء السابقين في صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ليشتروا بما اصطنعوه من الطقوس والرسوم الدينية ثمنا قليلا من حطام الدنيا، ويريدون أن تضلوا معهم الطريق المستقيم، فتكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع، والله أعلم بأعدائكم أيها المؤمنون، ويحذركم منهم، وكفى بالله وليا: حافظا لكم منهم ويتولى شؤونكم، وحصنا لمن لجأ إليه، وكفى
بالله نصيرا لمن استنصره، ومعينا يدفع شرهم عنكم، فهو سبحانه الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلاحكم، وهو الذي ينصركم على أعدائكم بتوفيقكم لصالح العمل والهداية لأسباب النصر من التعاون وإعداد وسائل القوة الحربية، فلا تطلبوا الولاية من غيره، ولا النصرة من سواه. وأما الذي يعملون به من التوراة: فهو ما أضاعوه ونسوه، وما تركوا العمل به من الأحكام الباقية لديهم. ثم بيّن الله تعالى المراد بأولئك الذين أوتوا الكتاب بقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي اليهود، ومِنَ هنا لبيان الجنس كقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج 22/ 30] وهم قوم يحرفون الكلم الذي أنزله الله في التوراة عن مواضعه الأصلية، إما بأن يحملوه على غير معناه الذي وضع له، كتأويل البشارات الواردة في النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وتأويل ما ورد في المسيح وحمله على شخص آخر، لا يزالون ينتظرونه إلى اليوم، وإما بنقل كلمة أو جملة من الكتاب ووضعها فيه في موضع آخر، فقد خلطوا ما أثر عن موسى عليه السلام بما كتب بعده بزمن طويل، كما خلطوا كلام غيره من أنبيائهم بكلام آخر دوّنه واضعو التوراة الحالية، بدلا عن التوراة المفقودة باعترافهم. وكانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم، ومنشأ ذلك أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة بعد فقد النسخة الأصلية التي كتبها موسى عليه السلام، وأرادوا أن يؤلفوا بينها، فخلطوا فيها بالزيادة والتكرار، كما أثبت المؤرخون الباحثون الثقات، مثل الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه «إظهار الحق» . ويقول هؤلاء اليهود للنبي صلّى الله عليه وسلّم: سمعنا قولك وعصينا أمرك، قال مجاهد: إنهم قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: سمعنا قولك، ولكن لا نطيعك. وكانوا يقولون أيضا
حسدا وحقدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ يدعون عليه بقولهم: لا أسمعك الله، أو غير مسمع دعاؤك، أو غير مقبول منك، بدلا من أن يقولوا أدبا: «لا سمعت مكروها» . وكانوا يقولون كذلك: راعِنا اسم فاعل من الرعونة أي الطيش والحمق، أو هي «راعينا» كلمة سب وطعن عندهم، بدلا من أن تستعمل بمعنى: أنظرنا وتمهل علينا. وقد نهى الله المؤمنين أن يستعملوا هذه الكلمة بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا: راعِنا، وَقُولُوا: انْظُرْنا [البقرة 2/ 104] . هذه جرائم ثلاث ارتكبوها مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إما في مجلسه أو بعيدا عنه، بدافع الحسد والحقد، أو الاستهزاء والسخرية، يستعملون كلاما محتملا معنيين، وهم يريدون به الشتيمة والإهانة، لا التوقير والاحترام والتكريم، ليا بألسنتهم وفتلا بها وصرفا للكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر والسب، وطعنا في الإسلام وقدحا فيه، فيوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعِنا وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهذا منتهى الوقاحة والجرأة على الباطل. ومن تحريف لسانهم تحيتهم بقولهم: «السام- الموت- عليكم» يوهمون بفتل اللسان أنهم يقولون: «السلام عليكم» فيجيبهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «وعليكم» أي كل أحد يموت. قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفّظونهم ما يخاطبون به المسلمين، مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير «1» . ثم وجّه الحق تعالى إلى الخطاب الأمثل فذكر: ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، واسمع منا ما نقول وانظرنا، أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل حتى نتفهم
فقه الحياة أو الأحكام:
عنك ما تقول، لكان ذلك خيرا لهم وأصوب مما قالوه، لما فيه من الفائدة والأدب. ثم بيّن الله تعالى عاقبة تصرفاتهم النابية وهو الطرد من رحمة الله وعدم التوفيق للخير أبدا، فذكر أنه تعالى لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، والكفر يمنع عادة من التفكر والأدب في الخطاب، وهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يؤبه به، وقلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة عنه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وإذا لم يكن هناك إيمان، لم يبق أمل في صلاح عمل، ولا رقي عقل، ولا طهارة نفس. فقه الحياة أو الأحكام: الآيات تعجب وتوبيخ وتقريع ليهود المدينة وما والاها، ولكل من سلك سلوكهم، وسار على منهجهم، وسبب ذلك تصرفاتهم الشائنة، ومواقفهم المستهجنة التي جمعت ألوانا من الجرائم والمنكرات. فهم اشتروا الضلالة بالهدى، وأرادوا إضلال المسلمين عن طريق الحق والمنهج القويم، وأعلنوا عداوتهم للإسلام والمسلمين، فلا تستصحبوهم فإنهم الأعداء الألداء. وهم يحرفون الكلام الإلهي عن مواضعه الصحيحة، ويؤولونه تأويلا باطلا، أو يخلطونه بكتابات البشر المغلوطة أو المشوهة أو المنفرة، فإن توراتهم الحالية تمس سمو الذات الإلهية، وتشوه سمعة أنبيائهم وتطعن فيهم، وهي مشحونة بالأحقاد والبغضاء على الشعوب الأخرى غير اليهودية، وتدعو إلى تدمير المدن وتخريب الحضارة وإتلاف الثروات الحيوانية والزراعية والصناعية. ويعلنون وقاحتهم في خطاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وحب الاستهزاء والسخرية منه، فيقولون: «سمعنا قولك وعصينا أمرك» ، واسمع لا سمعت، وهم يظهرون أنهم
أمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن وتهديدهم باللعنة [سورة النساء (4) آية 47] :
يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى. وقال الحسن البصري ومجاهد: معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. ويقولون: راعنا من الرعونة والحمق. وقوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ يدل على أنهم يلوون ألسنتهم عن الحق، أي يميلونها إلى ما في قلوبهم، ويطعنون في الدين، بقولهم لأصحابهم: لو كان نبيا لدرى أننا نسبّه، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك، فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ولو خاطبوه بما يقتضيه الأدب واللياقة في الكلام، لكان ذلك أقوم أي أصوب لهم في الرأي، والحقيقة أنهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان. أمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن وتهديدهم باللعنة [سورة النساء (4) : آية 47] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) الإعراب: كَما لَعَنَّا الكاف في كَما في موضع نصب، لأنها صفة لمصدر محذوف، وتقديره: لعنا مثل لعننا أصحاب السبت.
البلاغة:
البلاغة: نَطْمِسَ وُجُوهاً استعارة، شبه مسخ الوجوه بالصحيفة المطموسة التي أشكلت حروفها وغمضت سطورها. يوجد طباق بين وُجُوهاً ... أَدْبارِها. ويوجد جناس اشتقاق في نَلْعَنَهُمْ.. لَعَنَّا. المفردات اللغوية: أُوتُوا الْكِتابَ التوراة نَطْمِسَ الطمس: الإزالة، والمراد به هنا: محو آثار الإنسانية بإزالة ما في الوجوه من العين والأنف والحاجب، وترددت الكلمة في القرآن، مثل: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [يونس 10/ 88] أي أزلها وأهلكها، ومثل: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ [يس 36/ 66] إما بإزالة نورها، وإما بمحو حدقتها وُجُوهاً جمع وجه: وهو الوجه المعروف، وطمسها: هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، أو المراد: ألا نبقي لها سمعا ولا بصرا ولا أنفا. وقال ابن عباس: وطمسها: أن تعمى. وقد يطلق الوجه على اتجاه النفس: وهو ما تتوجه إليه من المقاصد، كما قال تعالى: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [آل عمران 3/ 20] . وقال: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ [لقمان 31/ 22] . وقال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [الروم 30/ 30] . فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الأدبار: جمع دبر، وهو الخلف والقفا. والرد على الأدبار: جعلها كالأقفاء لوحا واحدا. ويستعمل الرد على الأدبار إما في الحسيات وهو الهزيمة أو الفرار في القتال، وإما في المعنويات: وهو الرجوع إلى الوراء أي العودة إلى الكفر، كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ [محمد 47/ 25] . أَوْ نَلْعَنَهُمْ أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت قردة وخنازير، وقيل: أو نهلكهم، كما أهلكنا أصحاب السبت. سبب النزول: أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رؤساء من أحبار اليهود، منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم: «يا معشر يهود، اتقوا الله، وأسلموا، فو الله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق» فقالوا:
التفسير والبيان:
ما نعرف ذلك يا محمد، وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر، فأنزل الله عز وجل فيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا.. الآية. التفسير والبيان: الآية متصلة بما قبلها، واردة لفتح باب الأمل أمام أهل الكتاب بعد أن اشتروا الضلالة بالهدى بتحريفهم بعض الكتاب وإضاعة بعضه الآخر، وهي تلزمهم العمل بما عرفوا والإيمان بالقرآن، لأن إيمانهم بالتوراة يستدعي الإيمان بما يصدقها. يأمر الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالإيمان بما نزل على رسوله صلّى الله عليه وسلّم من القرآن المجيد الذي جاء مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية في أصولها الأولى الصحيحة، وليس لما آلت إليه في صورتها الحالية، من تقرير التوحيد ورفض الشرك وترك الفواحش الظاهرة والباطنة، وتصديق الاخبار التي بأيديهم من البشارات بالنبي محمد، وتلك هي أصول الدين وغاياته الأساسية. خاطبهم القرآن بأنهم أوتوا الكتاب، مع أنهم ضيعوا جزءا منه، وأحرقوا جزءا آخر، مما يدعو إلى إيمانهم بالقرآن، ويسجل عليهم تقصيرهم واستحقاقهم العقاب. ومما يدعوهم إلى الإيمان أن الأديان السماوية كلها متفقة في الأصول العامة، كالتوحيد، ونبذ الشرك، والتحلي بكريم الأخلاق، والبعد عن الفواحش والمنكرات. وأكد القرآن الكريم نبوة داود وسليمان وموسى وعيسى وإبراهيم ونوح وغيرهم عليهم السلام، فكيف لا يؤمن أتباع أولئك الأنبياء بالقرآن وبرسالة محمد؟ مع أنه جاء مصدقا لما معهم، وموافقا لملة إبراهيم القائمة على التوحيد.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقل لهم يا محمد: آمنوا بما نزّلنا، فكل الكتب المنزلة ذات مصدر واحد، ولها غاية واحدة. ثم هددهم إن لم يفعلوا بطمس الوجوه والرد على الأدبار، فتجعل على هيئة أدبارها وهي الأقفاء، مطموسة مثلها، عديمة الإبصار، أو بالهلاك أو المسخ كما أهلك أصحاب السبت من اليهود، أو مسخهم قردة وخنازير. وأصحاب السبت: يعني الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد بحواجز أقاموها يوم الجمعة، فإذا حدث المد ثم الجزر. تبقى الأسماك في الأحواض المقامة على الشواطئ. وكان أمر الله مفعولا، أي أن أمره التكويني وهو قوله: كُنْ فَيَكُونُ بإيقاع شيء ما نافذ لا محالة، فإذا أمر أمرا فإنه لا يخالف ولا يمانع. فاحذروا وعيده، وخافوا عقابه، ويراد بالأمر: المأمور، فالمعنى: أنه متى أراده أوجده. قال ابن عباس: يريد: لا رادّ لحكمه، ولا ناقض لأمره. ولا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا. وقد تحقق الوعيد في معاصري الوحي بإذلال بني النضير وإجلائهم، وإهلاك بني قريظة، وهو معنى الطمس والارتداد على الأدبار على أنها أمور حسية. فقه الحياة أو الأحكام: اختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية، هل هو حقيقة، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق؟ قولان: روي عن أبي بن كعب أنه قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده. والمراد به التمثيل، وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة.
ما يغفره الله تعالى وما لا يغفره [سورة النساء (4) آية 48] :
وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء، أي يذهب الله بالأنف والشفاه والأعين والحواجب، وهذا معناه عند أهل اللغة. وروي عن ابن عباس وعطية العوفي: أن الطّمس: أن تزال العينان خاصّة وتردّ في القفا، فيكون ذلك ردّا على الدّبر ويمشي القهقرى. فإذا آمن هؤلاء ومن اتّبعهم، رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرّد: الوعيد باق منتظر، وقال: لا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة. ما يغفره الله تعالى وما لا يغفره [سورة النساء (4) : آية 48] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) المفردات اللغوية: وَيَغْفِرُ المغفرة: ستر الذنب، والمغفور له: أن يدخله الله الجنة بلا عذاب، ومن شاء عذّبه من المؤمنين بذنوبه، ثم يدخله الجنة. افْتَرى اختلق واعتمل وارتكب. إِثْماً عَظِيماً ذنبا كبيرا. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال: يصلّي ويوحّد الله، قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل ذلك منه، فأبى عليه، فأتى النّبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقال: وجدته شحيحا
المناسبة:
على دينه، فنزلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. المناسبة: بعد أن أوعد الله أهل الكتاب وهددهم على الكفر إن لم يؤمنوا، وأعلن أن الوعيد نافذ المفعول، بيّن هنا أن هذا الوعيد على الكفر أو الشرك، فأما سائر الذنوب فقابلة للغفران. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، والمراد بالشرك هنا مطلق الكفر الشامل لكفر اليهود وغيرهم، ويغفر ما دون ذلك من الذنوب لمن يشاء من عباده. ومن أشرك بالله فقد ارتكب ذنبا كبيرا. قال الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة، ففي مشيئة الله تعالى: إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال بعضهم: قد بيّن الله تعالى ذلك بقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. والظاهر لدي هو قول الطبري. وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ... : اخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال: لما نزل قوله تعالى: قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر 39/ 53] ، قام النّبي صلّى الله عليه وسلّم على المنبر، فتلاها على الناس، فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله، فسكت، ثم قام إليه فقال: يا رسول الله، والشرك بالله تعالى، فسكت مرّتين أو ثلاثا، فنزلت هذه الآية. أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «1» . فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية على عظم جريمة الشرك، وأنه لا مغفرة له، وعلى فضل الله ورحمته بإمكان مغفرة بقية الذنوب لمن يشاء من عباده. والشرك بالله قسمان: 1- شرك في الألوهية: وهو اتّخاذ شريك مع الله تعالى، وله سلطة وتدبير في الكون. 2- وشرك في الربوبية: وهو جعل سلطة التشريع وتبيان أحكام الحلال والحرام لله ولغيره من البشر بغير الوحي، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة 9/ 31] ، وقد فسّر النّبي صلّى الله عليه وسلّم اتّخاذهم أربابا بطاعتهم واتّباعهم في أحكام الحلال والحرام. وفي الآية إيماء إلى اتّصاف أهل الكتاب بالشرك بتأليه العزير والمسيح، وبجعل الأحبار والرهبان أصحاب السلطة في التحليل والتحريم. والسبب في شناعة الشرك: أنه كذب محض وافتراء صريح، وأنه وكر الخرافات والأباطيل، ومنه تنشأ سائر الجرائم التي تهدم حياة الأفراد ونظام الجماعات، ويتنافى مع رقي العقول، وطهارة النفوس، وصفاء الأرواح، ويحجب نور الإيمان الصحيح عن النفاذ إلى القلب. أما التوحيد ففيه عزّة النفس، وتحرير الإنسان من العبودية لأحد من البشر أو لشيء في الكون، والسمو بالذات البشرية إلى عبادة الله والاتّكال عليه
نماذج أخرى من أعمال أهل الكتاب والجزاء عليها [سورة النساء (4) الآيات 49 إلى 55] :
والإخلاص له، وفي ذلك كله راحة النفس، واطمئنان القلب، وصفاء الروح، وتنوير البصيرة، والظفر بعون الله ونصره، والاستجابة لنداء الفطرة، والاعتماد على مصدر الخير الحقيقي، والثقة التامة بمن بيده إنقاذ العبد ونجاته من مخاطر الدنيا ومضارها، والتخلص من أوزار المعصية في الآخرة. ومن وسائل المغفرة المتروكة للبشر والمقيدة بالمشيئة الإلهية أيضا: الدعاء مع الإيمان والإخلاص والاستقامة وحسن الظّنّ بالله تعالى، وفعل الحسنات، لقوله عزّ وجلّ: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود 11/ 114] ، والتوبة الصادقة النّصوح التي حثّ عليها القرآن بعد التّفريط وارتكاب الذّنب جهلا. نماذج أخرى من أعمال أهل الكتاب والجزاء عليها [سورة النساء (4) : الآيات 49 الى 55] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55)
البلاغة:
البلاغة: أَلَمْ تَرَ استفهام يراد به التّعجب. انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ تعجب بلفظ الأمر، وعبر بفعل المضارع يَفْتَرُونَ عن الماضي للدلالة على الدوام والاستمرار. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ وأَمْ يَحْسُدُونَ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ مجاز مرسل في كلمة النَّاسَ يراد بها محمد صلّى الله عليه وسلّم، من باب إطلاق العام على الخاص. فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً تعريض بشدة بخلهم. ويوجد جناس اشتقاق في يُؤْتُونَ ... آتاهُمُ. المفردات اللغوية: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يمدحونها وهم اليهود الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وهو استفهام تعجبي أي ليس الأمر بتزكيتهم أنفسهم، قال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم 53/ 32] ، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي يطهر من يريد بالإيمان وَلا يُظْلَمُونَ ينقصون من أعمالهم، والظلم: النقص وتجاوز الحد، فله جانبان: سلبي وإيجابي. فَتِيلًا قدر قشرة النواة، والأدقّ: هو ما يكون في شق نواة التمر مثل الخيط. وبه يضرب المثل في الشيء الحقير، كما يضرب بمثقال الذرة. وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً أي ذنبا واضحا، والمراد به تعظيم الذّنب وذمّه. وقد يطلق الإثم على ما كان ضارّا. بِالْجِبْتِ الرديء الذي لا خير فيه، والمراد به هنا الأصنام وما يتبعها من الأوهام والخرافات. وَالطَّاغُوتِ مصدر بمعنى الطغيان والجبروت، ويطلق على كل ما يعبد من دون الله، وعلى الشيطان. والجبت والطاغوت: صنمان لقريش. نَقِيراً أي شيئا تافها قدر النقرة في ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة، ويضرب بها المثل في القلة والحقارة، وهم لا يؤتون الناس نقيرا لفرط بخلهم.
سبب النزول:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ بل أيحسدون النّبي صلّى الله عليه وسلّم، والحسد: تمنّي زوال نعمة الغير. عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من النّبوة، والعلم، والكرامة في الدّين والدّنيا، ويقولون: لو كان نبيّا لاشتغل عن النّساء. وَالْحِكْمَةَ العلم بالأسرار المودعة في أحكام الشريعة. مُلْكاً عَظِيماً ما كان لأنبياء بني إسرائيل كداود وسليمان عليهما السّلام. صَدَّ عَنْهُ أعرض عنه. سَعِيراً نارا مسعرة أي موقدة، والمراد عذابا شديدا لمن لا يؤمن. سبب النزول: نزول الآية (49) : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ. وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك وغيرهم. وقال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأطفالهم وقالوا: يا محمد، هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، فقالوا: والذي نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفّر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفّر عنا بالنهار، فهذا الذي زكّوا به أنفسهم. وقال الحسن البصري وقتادة: نزلت هذه الآية وهي قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ في اليهود والنصارى حين قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة 5/ 18] ، وقالوا أيضا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة 2/ 111] . نزول الآية (51) : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا: أخرج أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا المنصبر المنبتر
نزول الآية (54) :
من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير، فنزلت فيهم: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر 108/ 3] ، ونزلت: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ إلى قوله: نَصِيراً [آل عمران 3/ 23] . وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حييّ بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والرّبيع بن أبي الحقيق، وأبو عمارة، وهوذة بن قيس، وكان سائرهم من بني النّضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، أهل العلم بالكتب الأولى، فاسألوهم، أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه، وممن اتبعه، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ إلى قوله: مُلْكاً عَظِيماً. نزول الآية (54) : أَمْ يَحْسُدُونَ..: أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع، وله تسع نسوة، وليس همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا، فأنزل الله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ الآية. التفسير والبيان: ألم تنظر إلى حال الذين يمدحون أنفسهم، ويدّعون ما ليس فيهم، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله المختار، ولا تمسّهم النار مهما فعلوا إلا أياما معدودات، ولن يدخل الجنّة إلا من كان هودا أو نصارى، وإن
أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وكذلك آباؤنا يشفعون لنا ويزكوننا، لكرامتهم على الله، والتّزكية: التطهير والتبرية من الذنب. وقد ردّ الله دعواهم بأنه لا قيمة لتزكيتهم أنفسهم، فإن التزكية تكون بالعمل الصالح، لا بالادّعاء، والله هو الذي يزكي من يشاء من عباده بتوفيقه للعمل الصالح، وهدايته إلى العقيدة الصحيحة، والآداب الفاضلة. ولا ينقص الله المزكين أنفسهم شيئا من جزاء عملهم. ثم أكّد الله تعالى التعجب من حالهم بقوله: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي انظر كيف يكذبون على الله بتزكيتهم أنفسهم، وزعمهم أن لهم امتيازا على غيرهم. وكفى بهذا الكذب والافتراء والتزكية للنفس إثما ظاهرا، فالله لا يخصّ شعبا بمعاملة خاصة أو امتياز، وكل ذلك غرور وأمنيات مزعومة، وجهل فاضح. وانظر أيضا حال بعض أهل الكتاب الذين يجاملون المشركين، ويؤمنون بالأصنام والأوثان، وينصرون المشركين على المؤمنين بأنبيائهم وكتبهم، ويقولون: إن المشركين أرشد طريقة في الدّين من المؤمنين الذين صدقوا برسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فهم حرموا هداية العقل والفطرة، وهدموا أساس دينهم، وتجاوزوا الحقّ، وأعلنوا الظلم، حينما نصروا الشرك والوثنية وتكذيب الله ورسوله على مبدأ التدين الصحيح والتصديق بالإله الحق. وعاقبتهم أنهم مطرودون من رحمة الله وفضله، ومن يبعده الله من رحمته فلن يجد له نصيرا ينصره أبدا. ثم وبّخهم الله على البخل والطمع في الملك آخر الزمان، فذكر أنه لا حظ لهم من الملك، لظلمهم وطغيانهم وبخلهم، وحبّهم أنفسهم دون غيرهم، فهم مطبوعون
على حبّ الذّات وحبّ المادّة والغرور الكاذب والشّح، فلا يعطون الناس مقدار النقير (النقرة في ظهر النواة) والملك يحتاج إلى الترفع عن كل ذلك، وإلى كسب الأعوان بالبذل والسخاء، وقضاء حوائج الآخرين، والسمو عن الماديات، وحبّ الناس. ثم وبّخهم الله تعالى على الحسد الذي هو أسوأ من البخل، فهم يتمنون أن يكون الخير كله بأيديهم، ويريدون قصر فضل الله عليهم، ولا يحبّون أن يكون لأمة فضل مما لهم، فهم جماعة يحبون ذواتهم (أنانيّون) حاقدون حاسدون. لذا حسدوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم على ما آتاه الله من فضل النّبوة والعلم، وزعامة الدولة ورئاسة الحكم، وكثرة الأعوان والأنصار. ثم بيّن الله تعالى ما يدفع ذلك الحسد، ويقلل من أهمية الأشياء التي حسدوا عليها محمدا، فهم إن يحسدوه على ما أوتي، فقد أخطئوا إذ له نظائر وأمثال كثيرة وهي أنه تعالى آتى مثل هذا لآل إبراهيم، والعرب منهم لأنهم من ذرية ولده إسماعيل، وآتاهم الله الكتاب الإلهي المشتمل على تشريع الأحكام، والحكمة التي هي فهم أسرار التشريع، والملك العظيم في أبنائه وذريته. وفي هذا إشارة إلى أنه سيكون للمسلمين بزعامة نبيّهم ملك عظيم، بالإضافة إلى النّبوة والقرآن والحكمة، وقد بدأت تباشير القوة في المدينة شيئا فشيئا. والخلاصة: إن اليهود قوم مغرورون مخدوعون يظنون أن فضل الله مقصور عليهم، ورحمته لا تتعداهم، ولا يستحقها غيرهم، وهم واهمون سطحيون يحسبون أن ملك الدنيا بأيديهم، وحاسدون العرب على ظهور نبي آخر الزمان فيهم، وعلى ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة. وأولئك الأنبياء المتقدمون كإبراهيم وذريته بالرغم من اختصاصهم بالنّبوة وإيتائهم الملك، لم تؤمن أممهم جميعا برسالتهم، بل منهم من آمن بهم، ومنهم من
فقه الحياة أو الأحكام:
أعرض وظلّ على كفره، فلا تعجب يا محمد من موقف قومك، فهذه حال الأمم مع أنبيائهم. وفي هذا تسلية للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، ليشتد صبره على أذى قومه، ولا ييأس من إيمانهم. وفي رأي القرطبي: أن الضمير في قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم. وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أعرض فلم يؤمن به. وقيل: الضمير راجع إلى إبراهيم، وقيل: يرجع إلى الكتاب. وإن لم يصبهم عذاب في الدنيا، فكفاهم عذاب جهنم في النار المسعّرة الشديدة اللظى، وبئس المصير، ولكن ذلك بسبب اتّباعهم الباطل وإعراضهم عن الحق. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: 1- المنع من تزكية الإنسان نفسه: فإن المزكّي نفسه بلسانه يغضّ من قدر نفسه، ولا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له، وقد نهى الله صراحة عن ذلك بقوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم 53/ 32] . وكذلك نهى النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، جاء في صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمّيت ابنتي برّة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن هذا الاسم، وسمّيت برّة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزكّوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البرّ منكم» فقالوا: بم نسمّيها؟ فقال: «سمّوها زينب» . وكذلك نهى النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن الإفراط في مدح الرجل بما ليس فيه، فيدخله بسببه الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمله ذلك على تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل. ثبت في البخاري من حديث أبي بكرة أنّ رجلا ذكر عند النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فأثنى عليه رجل خيرا، فقال
النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «ويحك قطعت عنق صاحبك- يقوله مرارا- إن كان أحدكم مادحا لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكّي على الله أحدا» . وفي حديث آخر: «قطعتم ظهر الرجل» حين وصفوه بما ليس فيه. وعلى هذا تأوّل العلماء قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة: «احثوا التراب في وجوه المدّاحين» : أن المراد بهم المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يفتنون به الممدوح. أما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود، ليكون منه ترغيبا له في أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمدّاح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النّيّات، وقال الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة 2/ 220] . وقد مدح صلّى الله عليه وسلّم في الشعر والخطب والمخاطبة، ولم يحث في وجوه المدّاحين التراب، ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل وكمدح العباس وحسّان له في شعرهما، ومدح كعب بن زهير. ومدح هو أيضا أصحابه فقال: «إنكم لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع» . وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم في صحيح الحديث: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله» فمعناه لا تصفوني بما ليس فيّ من الصفات، تلتمسون بذلك مدحي، كما وصف النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله، فكفروا بذلك وضلّوا.
وهذا يقتضي أن المبالغ بالمدح آثم. 2- ترفع الله عن الظلم: لقوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا والفتيل: الخيط الذي في شقّ نواة التمرة. وقيل: القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة. وهو كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، ومثله قوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء 4/ 124] وهي النكتة التي في ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة. 3- افتراء اليهود الكذب على الله: في قولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة 5/ 18] ، وقيل: تزكيتهم لأنفسهم، وروي أنهم قالوا: ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. ومن المتفق عليه أن المراد بالآية: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ: اليهود. والافتراء: الاختلاق. 4- الخلط في عقيدة اليهود: بالرغم من أن اليهود يؤمنون بالإله وعندهم كتاب سماوي، يؤمنون أيضا بالجبت والطاغوت أي بالأصنام والأوثان. وهذا ما أعلنه بعض عظمائهم: كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، بدليل: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النساء 4/ 60] ويقولون لكفار قريش: أنتم أهدى سبيلا من الذين آمنوا بمحمد، كما تقدّم في سبب النزول. 5- زوال الملك والسلطة عن اليهود: أنكر الله تعالى وجود السلطة والملك على اليهود في ذلك الزمان، فقال: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ؟ أي ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا أحدا منه شيئا، لبخلهم وحسدهم. 6- البخل والحسد أسوأ أخلاق اليهود: أخبر الله تعالى عن اليهود بهاتين الصفتين الذميمتين وهما البخل والحسد: الأول في قوله سبحانه: فَإِذاً لا يُؤْتُونَ
النَّاسَ نَقِيراً أي يمنعون الحقوق، وهو خبر من الله عزّ وجلّ بما يعلمه منهم. والنقير: النكتة في ظهر النواة. وأخبر عزّ وجلّ أيضا عنهم أنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، والمراد بالناس في رأي ابن عباس ومجاهد وغيرهما: النّبي صلّى الله عليه وسلّم، حسدوه على النّبوة، كما حسدوا أصحابه على الإيمان به. وقال قتادة: الناس: العرب، حسدتهم اليهود على النّبوة. وقال الضّحّاك: حسدت اليهود قريشا لأن النّبوة فيهم. والأقوال كلها متقاربة. والحسد مذموم، وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، كما رواه ابن ماجه عن أنس عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم. 7- نعم الله وأفضاله على آل إبراهيم: أخبر الله تعالى أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيما. قال همام بن الحارث: أيّدوا بالملائكة. وقيل عن ابن عباس: يعني ملك سليمان، وكان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان أكثر من ذلك. واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء. والمراد تكذيب اليهود والرّدّ عليهم في قولهم: لو كان نبيّا ما رغب في كثرة النّساء، ولشغلته النّبوة عن ذلك فأخبر تعالى بما كان لداود وسليمان يوبّخهم، فأقرّت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألف امرأة؟!» ، قالوا: نعم، ثلاثمائة مهريّة، وسبعمائة سرّية «1» ، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألف عند رجل، ومائة عند رجل أكثر أو تسع نسوة؟» فسكتوا.
عقاب الكافرين وثواب المؤمنين [سورة النساء (4) الآيات 56 إلى 57] :
عقاب الكافرين وثواب المؤمنين [سورة النساء (4) : الآيات 56 الى 57] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57) الإعراب: خالِدِينَ حال منصوب من ضمير سَنُدْخِلُهُمْ. أَبَداً ظرف زمان منصوب. لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مبتدأ وخبر، والجملة حالية، أو استئنافية. البلاغة: يوجد طباق بين آمَنُوا ... وكَفَرُوا. ويوجد جناس اشتقاق في ظِلًّا ظَلِيلًا. لِيَذُوقُوا الْعَذابَ استعارة، أستعير لفظ الذوق الذي يكون باللسان، إلى الألم الذي يصيب الإنسان، وله صفة الدوام وعدم الانقطاع. المفردات اللغوية: كَفَرُوا أنكروا وغفلوا عن النظر في آيات الله، وشككوا فيها مع العلم بصحّتها. بِآياتِنا أي بالأدلّة التي ترشد أن هذا الدّين حق، ومن أجلّها القرآن. نُصْلِيهِمْ نشويهم أو ندخلهم. نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ احترقت وتلاشت. بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بأن تعاد إلى حالها الأولى غير محترقة. لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ليقاسوا شدّته. عَزِيزاً غالبا قادرا لا يعجزه شيء. حَكِيماً في خلقه، يضع الشيء في موضعه المناسب، أو
المناسبة:
هو المدبّر للأشياء على وفق الحكمة والصواب. مُطَهَّرَةٌ من العيوب والأدناس الحسية كالحيض والمعنوية. خالِدِينَ دائمين. ظِلًّا ظَلِيلًا ظلّا وارفا دائما لا تنسخه شمس ولا يصحبه حرّ ولا برد، وهو ظلّ الجنّة. وهذه صيغة مبالغة وتأكيد، مثل قولهم: ليل أليل. وقد يعبر بالظل عن العزة والنعمة والرفاهية، فيقال: «السلطان ظل الله في أرضه» . المناسبة: هذا جزاء الفريقين: المؤمنين والكفار، الذين أشارت إليهم الآية السابقة بأن بعض الناس صدّق بالأنبياء، وبعضهم الآخر أعرض عن اتّباع الحق. التفسير والبيان: إن الذين كفروا بآياتنا المنزلة على أنبيائنا، وبخاصة القرآن الذي هو خاتم الكتب الإلهية وأكملها وأبينها، سوف نحرقهم بالنار، ثم أخبر الله تعالى عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها أي كلما احترقت جلودهم، حتى لم تعد صالحة لنقل الإحساس بالألم إلى الدماغ في مركز الشعور، بدّلناهم جلودا أخرى حيّة تشعر بالألم وتحسّ بالعذاب، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تبدّل جلودهم كلّ يوم سبع مرات» . والسبب هو أن يذوقوا العذاب، أي يدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للعزيز: أعزّك الله، أي أدامك على عزك وزادك فيه، وهذا مثل قوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [الإسراء 17/ 97] . ثم أكّد الله تعالى علّة العقاب وبيّن مدى القدرة عليه، فذكر أنه تعالى عزيز قادر لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، حكيم لا يعذب إلا بعدل، ولا يعاقب إلا على وفق الحكمة. ومن مقتضيات العدل: أن الكفر والمعاصي سبب للعذاب أو العقاب، وأن الإيمان والعمل الصالح سبب للنعيم والجنة، فلكل عمل ما يناسبه، لذا قرن ثواب المؤمن بجزاء الكافر، لإظهار الفرق بينهما.
فقه الحياة أو الأحكام:
والذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا صالح الأعمال، سيدخلهم ربّهم سريعا جنّات تجري من تحتها الأنهار، يتمتعون فيها بالنعيم الدائم، وهم خالدون فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا، فلا ملل ولا سأم ولا ضجر، جزاء لعملهم الصالح، إذ لا يكفي الإيمان وحده بغير العمل الصالح. ولهم أزواج بريئات من العيوب الجسدية والخلقية أو الطباع الرّدية، فليس فيهنّ ما يعكر المزاج، أو يكدر الصّفو. ونجعلهم في مكان ممتع ظليل لا حرّ فيه ولا برد، وتلك نعمة كاملة، ورفاهية تامة. ويلاحظ الفرق بين التعبير عن جزاء الكافرين بسوف وعن ثواب المؤمنين بالسين، ليفيد تحقق الثواب بسرعة ويقين، ويبيّن بعد العقاب المنتظر للكافرين لأنهم في أهوال المحشر ربّما كانوا في عذاب أشد من عذاب النّار. فقه الحياة أو الأحكام: هاتان الآيتان تعقدان مقارنة واضحة بين مصير الفريقين: فريق الكافرين وفريق المؤمنين. أما الكافرون: فعذابهم محقق، والعذاب: هو تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. فإن قيل: كيف جاز أن يعذب جلدا لم يعصه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما العذاب للجملة الحساسة وهي التي عصت، لا للجلد، والألم واقع على النفوس لأنها هي التي تحس وتعرف، فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس. ولو أراد الجلود لقال: ليذقن العذاب. وتبديل الجلود: أن تأكله النار كل يوم سبع مرات، كما قال مقاتل. أو سبعين مرة كما قال الحسن البصري، أو سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا، فعادوا كما كانوا.
منهاج الحكم الإسلامي أداء الأمانات والحقوق إلى أهلها والحكم بالعدل وإطاعة الله والرسول وولاة الأمور [سورة النساء (4) الآيات 58 إلى 59] :
والله قادر على ذلك العذاب لا يعجزه شيء ولا يفوته، حكيم في تدبيره شؤون خلقه وفي إيعاده عباده. وأما المؤمنون: فثوابهم محقق أيضا ومقطوع به يقينا، له مظاهر عديدة، منها التمتع بجنان الخلد، والتزوج بالحور العين، والاستظلال بظلّ كثيف لا شمس فيه، ولا يدخله ما يدخل ظلّ الدّنيا من الحرّ والسّموم «1» ونحو ذلك. منهاج الحكم الإسلامي أداء الأمانات والحقوق إلى أهلها والحكم بالعدل وإطاعة الله والرسول وولاة الأمور [سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 59] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) الإعراب: أَنْ تُؤَدُّوا وأَنْ تَحْكُمُوا في موضع نصب لأن التقدير: بأن تؤدوا وبأن تحكموا، فلما حذف حرف الجر، اتصل الفعل به، فاستحق النصب.
البلاغة:
البلاغة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ إيراد الأمر بصيغة الإخبار وتأكيده ب إِنَّ للتفخيم وتأكيد وجوب العناية والامتثال وتكرار الاسم الجليل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لغرس المهابة في النفس. المفردات اللغوية: الْأَماناتِ جمع أمانة: وهي ما يؤتمن الشخص عليه، وفي عرف الناس: هي كل ما أخذته بإذن صاحبه. وتعمّ جميع الحقوق المتعلّقة بالذّمة، لله أو للناس أو لنفسه، ويسمى حافظها أمينا وحفيظا ووفيّا، ومن لا يحفظها ولا يؤدّيها خائنا. بِالْعَدْلِ إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب طريق. نِعِمَّا فيه إدغام ميم «نعم» في «ما» النكرة الموصوفة أي نعم الشيء يَعِظُكُمْ بِهِ تأدية الأمانة والحكم بالعدل. تَأْوِيلًا مآلا وعاقبة. سبب النزول: نزول الآية (58) : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ: عن ابن عباس قال: لما فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة، دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال: أرني المفتاح، فأتاه به، فلما بسط يده إليه، قام العباس، فقال: بأبي أنت وأمي، اجمعه لي مع السقاية، فكفّ عثمان يده، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هات المفتاح يا عثمان، فقال: هاك بأمانة الله، فقام ففتح الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل بردّ المفتاح، فدعا عثمان بن طلحة، فأعطاه المفتاح، ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها حتى فرغ من الآية. وأخرج شعبة في تفسيره عن حجاج عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في عثمان بن طلحة، أخذ منه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مفتاح الكعبة، فدخل به البيت يوم الفتح، فخرج، وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فناوله المفتاح. قال:
نزول الآية (59) :
وقال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكعبة، وهو يتلو هذه الآية، فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك ، قلت: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة. نزول الآية (59) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا..: روى البخاري عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن حذافة بن قيس، إذ بعثه النّبي صلّى الله عليه وسلّم في سرية. قال الداودي: هذا وهم يعني الافتراء على ابن عباس، فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب، فأوقد نارا، وقال: اقتحموا، فامتنع بعض، وهمّ بعض أن يفعل، قال: فإن كانت الآية نزلت قبل، فكيف يخصّ عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره، وإن كانت نزلت بعد، فإنما قيل لهم: «إنما الطاعة في المعروف» وما قيل لهم: لم لم تطيعوه؟ وأجاب الحافظ ابن حجر بأن المقصود من قصته: فإن تنازعتم في شيء، فإنهم تنازعوا في امتثال الأمر بالطاعة والتوقف، فرارا من النار، فتناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الرد إلى الله والرسول. المناسبة: لما ذكر الله تعالى ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ذكر بعض تلك الأعمال وأجلّها وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وإطاعة الله والرسول وأولي الأمر. التفسير والبيان: إن السبب الخاص الذي نزلت آية أداء الأمانات من أجله لا يخصص عموم اللفظ، وإنما العبرة عادة في كل آي القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي
أمر عام بأداء الأمانات إلى أهلها لكل مسلم في كل أمانة في ذمته أو تحت يده، ويتناول كل ما يؤتمن عليه الإنسان، سواء أكان ذلك في حق نفسه، أم في حق غيره من العباد، أم في حق ربه. فرعاية الأمانة في حقوق الله: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واستعمال مشاعره وأعضائه فيما يقربه من ربه. ذكر أبو نعيم في الحلية حديثا مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلها» أو قال: «كل شيء إلا الأمانة» والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. وقال جمع من الصحابة (ابن مسعود والبراء بن عازب وابن عباس وأبي بن كعب) : الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع. وقال ابن عباس: لم يرخص الله لمعسر ولا موسر أن يمسك الأمانة. وقال ابن عمر: خلق الله فرج الإنسان، وقال: هذا أمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها. ورعاية الأمانة في حق النفس: ألا يفعل الإنسان إلا ما ينفعه في الدين والدنيا والآخرة، وأ لا يقدم على عمل يضره في آخرته أو دنياه، ويتوقى أسباب المرض، ويعمل بقواعد علم الصحة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» وقوله في الحديث الصحيح: «إن لنفسك عليك حقا» . ورعاية الأمانة في حق الآخرين: رد الودائع والعواري، وعدم الغش في المعاملات، والجهاد والنصيحة، وعدم إفشاء أسرار الناس وعيوبهم. ووردت آيات وأحاديث كثيرة في حفظ الأمانة، منها قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الأحزاب 33/ 72] . ومنها: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ
راعُونَ [المؤمنون 23/ 8] ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال 8/ 27] . وقال صلّى الله عليه وسلّم- فيما يرويه أحمد وابن حبان عن أنس-: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» وقال أيضا فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . وأداء الأمانات واجب، ولا سيما عند طلبها من صاحبها، ومن لم يؤدها في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال فيما رواه أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجمّاء من القرناء» . وإذا هلكت الأمانة أو ضاعت أو سرقت، فإن كان ذلك بتعد أو تقصير أو إهمال ضمنت، وإلا فلا تضمن. وبعد استقرار الأمانات يأتي دور الحكم بالعدل بين الناس، لذا أمر الله تعالى به، فالأمانة هي أساس الحكم الإسلامي، والعدل هو الأساس الثاني، والمخاطب بالأمرين هم جمهور الأمة. والعدل: أساس الملك، وأمر تقتضيه الحضارة والعمران والتقدم، وتشيد به كل العقول، وأصل من أصول الحكم في الإسلام، ولا بد للمجتمع منه حتى يأخذ الضعيف حقه، ولا يبغي القوي على الضعيف، ويستتب الأمن والنظام، وأجمعت الشرائع السماوية على وجوب إقامة العدل، فعلى الحاكم وأتباعه من الولاة والموظفين والقضاة التزام العدل، حتى تصل الحقوق لأهلها، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالعدل، منها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل 16/ 90] ومنها: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
[الأنعام 6/ 152] ومنها: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة 5/ 8] ومنها: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ، شُهَداءَ بِالْقِسْطِ [المائدة 5/ 8] وأمر الله به داود: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص 38/ 26] . وروى أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزال هذه الأمة بخير، ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت» . وندد الله تعالى بالظلم والظالمين في آيات عديدة منها: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم 14/ 42] ومنها: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات 37/ 22] . ومن أخطر أنواع الظلم: الحكم بغير ما أنزل الله، وظلم الحكام: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل 27/ 52] وظلم القضاة. وتحاشي الظلم من القاضي يكون بفهم الدعوى أولا، ثم عدم التحيز إلى أحد الخصمين، ومعرفة حكم الله، وتولية الأكفاء. وفي قوله تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ إشارة إلى أنه لا بد من إقامة حاكم يحكم بين الناس بالحق. ثم بيّن الله تعالى فائدة الأمر بالعدل وأداء الأمانة، فقال: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم الشيء الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف يرجع إلى المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً يبصر ما يحدث منكم من أداء الأمانة وخيانتها، ويسمع ما يكون من حكمكم بين الناس، فيحاسبكم ويجازيكم، فهو أعلم بالمسموعات والمبصرات. ثم أمر الله تعالى بما يدعو إلى أداء الأمانة والتزام العدل وهو الأساس الثالث للحكم الإسلامي، وهو إطاعة الله بتنفيذ أحكامه، وإطاعة الرسول المبيّن حكم ربه، وإطاعة ولاة الأمور.
ومن هم أولو الأمر؟ ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم الحكام أو أمراء السرايا. وذهب آخرون إلى أنهم العلماء الذين يبينون للناس الأحكام الشرعية. وذهب الشيعة الإمامية إلى أنهم الأئمة المعصومون. والظاهر إرادة الجميع، فتجب طاعة الحكام والولاة في السياسة وقيادة الجيوش وإدارة البلاد، وتجب إطاعة العلماء في بيان أحكام الشرع، وتعليم الناس الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ابن العربي: والصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعا، أما الأمراء فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم. وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق، وجوابهم لازم، وامتثال فتواهم واجب «1» . ويرى الفخر الرازي أن المراد من أولي الأمر: أهل الحل والعقد، ليستدل بالآية على حجية الإجماع الصادر من العلماء. فإن حدث تنازع واختلاف بينكم وبين أولي الأمر منكم في شيء من أمور الدين، ولم يوجد نص في القرآن ولا في السنة، يرد الأمر المتنازع فيه إلى القواعد العامة المقررة في القرآن والسنة، فيؤخذ بما يوافقهما، ويرد ما يخالفهما، وهذا ما يسمى في علم أصول الفقه بالقياس. وقد أقر النبي صلّى الله عليه وسلّم العمل بالقياس، فحينما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيا قال له: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة نبي الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله وسنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب رسول الله على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله» .
فقه الحياة أو الأحكام:
وأشعر قوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أن المتنازع فيه مما لا نص فيه، وإلا كان واجب الطاعة، غير محل للنزاع. وردوا الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فإن المؤمن لا يقدم شيئا على حكم الله، كما أنه يقصد الآخرة ورضوان الله أكثر من حرصه على الدنيا. وهذا وعيد من الله لكل من حاد عن طاعة الله ورسوله، والرد إليهما عند الاختلاف، وهو في معنى قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء 4/ 65] وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني» . ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا إشارة إلى ما أمروا به من طاعة الله ورسوله والرد إليهما عند التنازع، وذلك أحسن تأويلا أي مآلا وعاقبة. فقه الحياة أو الأحكام: آية الأمانة والعدل من أمهات آيات الأحكام التي تضمنت جميع الدين والشرع. والأظهر أن الآية خطاب عام لجميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في الأقضية. وهي تدل على أساسين من أسس الحكم في الإسلام، ويتبع الأفراد الحكام: الأول- أداء الأمانات إلى أهلها. أما الوديعة فلا يلزم أداؤها حتى تطلب. وأما اللقطة فتعرّف سنة ثم تستهلك وتضمن إن جاء صاحبها، والأفضل أن يتصدق بها. وأما المأجور والعارية فيلزم ردهما إلى صاحبهما بعد انقضاء عمله، قبل أن يطلبهما، وأما الرهن فلا يلزم فيه أداء حتى يؤدى إلى الدائن دينه.
الثاني- الحكم بالعدل بين الناس. والخطاب في الحكمين كما أوضحت للولاة والأمراء والحكام، ويدخل معهم جميع الخلق. قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو: «إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا» وقال أيضا: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته» «1» . فجعل النبي في هذه الأحاديث الصحيحة كلّ هؤلاء رعاة وحكّاما على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم لأنه إذا أفتى، حكم وقضى، وفصل بين الحلال والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدى، وحكم يقضى. والله تعالى سميع وبصير، يسمع ويرى، كما قال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه 20/ 46] يسمع الأحكام الصادرة فيجازي بها، ويبصر وقائع أداء الأمانات وخيانتها، فيحاسب عليها. ولما أمر الله الولاة والحكام بأداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل، أمر الرعية بطاعته عز وجل أولا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثا، لكن تجب طاعة الأمراء أو السلطان فيما فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية. روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، وجب على المسلمين أن يطيعوه لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته.
وكذلك تجب طاعة أهل القرآن والعلم أي الفقهاء والعلماء في الدين. وقال ابن كيسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس. والأصح الرأي الأول لأن أصل الأمر من العلماء والحكم إليهم. والعقل وإن كان مؤيدا للدين وعمادا للدنيا، فلا يتفق مع ظاهر اللفظ. فإن حدث التنازع بين الأمة وبين الأمراء، رد الحكم إلى كتاب الله، أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلّى الله عليه وسلّم، وذلك نظير قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء 4/ 83] وقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور 24/ 63] ومدعاة ذلك: الإيمان بالله وباليوم الآخر، وعاقبة الرجوع إلى القرآن والسنة ومآله أو مرجعه هو خير من التنازع. واستنبط العلماء من هذه الآية أن مصادر التشريع الأصلية أربعة وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس لأن الأحكام إما منصوصة في كتاب أو سنة، وذلك قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ والسنة: هي ما أثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من قول أو فعل أو تقرير، وإما مجمع عليها من أهل الحل والعقد من الأمة بعد استنادهم إلى دليل شرعي اعتمدوا عليه، وذلك قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها، وهذه سبيلها الاجتهاد والقياس: وهو عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد العامة في الكتاب والسنة، وذلك قوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وأما المصادر التبعية الأخرى كالاستحسان الذي يقول به الحنفية، والمصالح المرسلة التي يقول بها المالكية، والاستصحاب الذي يقول به الشافعية، فهي في الحقيقة راجعة إلى المصادر الأربعة الأصلية.
مزاعم المنافقين ومواقفهم [سورة النساء (4) الآيات 60 إلى 63] :
مزاعم المنافقين ومواقفهم [سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 63] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) الإعراب: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً صدودا: منصوب انتصاب المصادر، وهو اسم أقيم مقام المصدر، والمصدر في الحقيقة: هو الصدّ. البلاغة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ استفهام يراد به التعجب. ويوجد جناس مغاير في يُضِلَّهُمْ ضَلالًا وفي قُلْ لَهُمْ ... قَوْلًا وفي يَصُدُّونَ.. صُدُوداً. المفردات اللغوية: يَزْعُمُونَ الزعم: القول حقا كان أو باطلا، ثم كثر استعماله في الكذب. الطَّاغُوتِ
سبب النزول نزول الآية (60) :
الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف. ضَلالًا بَعِيداً إعراضا عن قبول الحق. صُدُوداً إعراضا متعمدا عن قبول حكمك. إِحْساناً أي في المعاملة بين الخصوم. وَتَوْفِيقاً أي تسوية بينهم وبين خصومهم بالصلح. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اصرف وجهك عنهم. وَعِظْهُمْ ذكرهم بالخير بنحو ترق له قلوبهم. قَوْلًا بَلِيغاً كلاما مؤثرا في نفوسهم. سبب النزول: نزول الآية (60) : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه أناس من أسلم، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا إلى قوله: إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعوهم إلى الكهان: حكام الجاهلية، فأنزل الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ الآية. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال إلى النبي لأنه علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة، فنزلت. وقال الكلبي عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت، فأبى اليهودي إلا أن
المناسبة:
يخاصمه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاختصما إليه، فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لليهودي، فلما خرجا من عنده، لزمه المنافق، وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب. فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمنا أنا وهذا إلى محمد، فقضى عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك، وتعلق بي، فجئت إليك معه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل عمر وأخذ السيف فاشتمل عليه، ثم خرج إليهما، وضرب به المنافق حتى برد (مات) وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق «1» . والخلاصة: اختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي. المناسبة: بعد الأمر الإلهي السابق بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر، كشف الله عن موقف المنافقين الذين لا يطيعون الرسول، ولا يرضون بحكمه، بل يريدون حكم غيره كالكاهن أبي برزة الأسلمي أو الطاغية كعب بن الأشرف. التفسير والبيان: هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب النزول. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا.
انظر إلى أمر فئة زعموا الإيمان بالنبي محمد وبالأنبياء قبله وبما أنزل إليهم من الكتب، وشأن الإيمان الصحيح بكتب الله ورسله العمل بما شرعه الله على ألسنة الرسل، فإذا تخطوا ذلك كانوا غير مؤمنين في الواقع. هؤلاء المنافقون إذ لم يقبلوا التحاكم إلى النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وتحاكموا إلى الطاغوت والضلال من الكهنة كأبي برزة الأسلمي، أو اليهود مثل كعب بن الأشرف الذي سمي طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة النبي صلّى الله عليه وسلّم والتأليب عليه والبعد عن الحق، مع أنهم أمروا في القرآن أن يكفروا بالطاغوت ويجتنبوه، إنهم إذ لم يقبلوا ذلك، دل على عدم إيمانهم، فألسنتهم تدعي الإيمان بالله وبما أنزله على رسوله، وأفعالهم تدل على الكفر بهما، وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم حكمه، وهذا دليل الخروج عن الإسلام. ومن أوامر القرآن بالكفر بالطاغوت قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 16/ 36] وقوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ، وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [البقرة 2/ 256] . وهم بفعلهم ذلك كانوا تلامذة الشيطان، ويريد الشيطان أن يضلهم ويبعدهم عن الحق مسافة بعيدة، حتى لا يهتدوا إلى طريق الحق أصلا. والدليل على ذلك أنه إذا قيل لأولئك الزاعمين الإيمان: تعالوا نحتكم إلى ما أنزل الله في القرآن وإلى الرسول، فهو الصراط القويم، رأيت هؤلاء المنافقين يعرضون عنك يا محمد وعن دعوتك، ويرغبون عن حكمك، بكل إصرار وعناد وتعمد للصدود. وهذه الآية مؤكدة لما سبق من تحاكمهم إلى الطاغوت وأصحاب الأهواء والجهلة، فمن أعرض عن حكم الله متعمدا، كان منافقا بلا شك. وكيف يكون حال هؤلاء المنافقين إذا أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله وعن التحاكم إليك، ووقعوا في مصاب أو عقوبة بسبب ذنوبهم وما قدمت
أيديهم من الكفر والمعاصي والمواقف المفضوحة، ثم اضطروا إلى الرجوع إليك لكشف ما حل بهم من المصائب، فلا يقدرون على الإعراض والفرار منها، ثم جاؤوك- وهو معطوف على يَصُدُّونَ- يزعمون كاذبين أنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانا في المعاملة، وتوفيقا بينهم وبين خصومهم بالصلح، أو اعتذروا إليك وحلفوا: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا بصحة ذلك التحاكم، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يُسارِعُونَ فِيهِمْ، يَقُولُونَ: نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ [المائدة 5/ 52] . وهذا وعيد شديد على ما فعلوا، وأنهم يندمون حين لا ينفع الندم. ونظير ذلك: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى [التوبة 9/ 107] . هذا النوع من الناس وهم المنافقون الله يعلم ما في قلوبهم، وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، وهو عالم بظواهرهم وبواطنهم، فأعرض عنهم أي لا تأبه بهم ولا تعنفهم على ما في قلوبهم، وعظهم أي وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، وأنصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم. وقوله: أُولئِكَ ... يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ أسلوب يستعمل فيما يعظم من خير أو شر، فمقدار ما في قلوبهم من كفر وحقد ومكر وكيد بلغ حدا لا يحيط به إلا من يعلم السر وأخفى. وقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَعِظْهُمْ، وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً يدل على كيفية معاملتهم بثلاثة أحوال: الإعراض عنهم، والنصح والتذكير بالخير لترق قلوبهم، والقول البليغ المؤثر في النفس بالترغيب تارة وبتخويفهم بالقتل إن ظهر منهم النفاق تارة أخرى.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: 1- من ردّ شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول فهو كافر خارج عن الإسلام، لذا حكم الصحابة بردّة مانعي الزكاة. وكذا كل من اتهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الحكم فهو كافر. ودلت القصة في سبب النزول على تحاكم اليهودي مع المسلم عند حاكم الإسلام. 2- الواجب على المسلمين تنفيذ الحكم المنصوص عليه في القرآن أو السنة النبوية الثابتة، ورد كل ما يعارضهما من فتاوى وأقضية وأحكام، وأما ما لا حكم فيه بالوحي، فيعمل برأي المجتهدين المستنبط من قواعد الشريعة العامة، المتفق مع المصلحة العامة. 3- من أعرض عن حكم الله عمدا أو حكم رسوله، كان منافقا لا صلة له بالإسلام، وكان نزول الآيات تأييدا لفعل عمر الذي نزل جبريل في شأنه، فقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمّي الفاروق. 4- سيندم المنافقون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون ولا يقبل عذرهم. 5- لا يحسد المنافقون على موقفهم المخزي إذ أنهم مفضوح أمرهم من قبل الله الذي لا تخفى عليه خافية، لذا قال الله تعالى مكذبا لهم: أُولئِكَ ... يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ قال الزجّاج: معناه: قد علم الله أنهم منافقون. والفائدة لنا: اعلموا أنهم منافقون. 6- وسائل إمكان إصلاح المنافقين ثلاث: أ- الإعراض عنهم وعن عقابهم وعن قبول اعتذارهم وعن تلقيهم بالبشاشة والتكريم.
فرضية طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم [سورة النساء (4) الآيات 64 إلى 65] :
ب- الوعظ والتخويف والنصح والإرشاد إلى الخير على نحو يبعثهم على التأمل فيما يوعظون به، وتلين قلوبهم لسماعه. ج- الزجر بأبلغ الزجر بالقول المؤثر البليغ في السر والعلن عن طريق التوعد بالقتل والاستئصال إن استمروا في نفاقهم، وإخبارهم بأن ما يضمرونه من نفاق غير خاف على من يعلم السر وأخفى، وأنهم كالكفار، بل أشد منهم كفرا، وعقابهم في الدرك الأسفل من النار. فرضية طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم [سورة النساء (4) : الآيات 64 الى 65] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) الإعراب: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ تقديره: فلا يؤمنون، وربك لا يؤمنون، فأخبر أولا وكرره بالقسم ثانيا، فاستغنى بذكر الفعل في الثاني عن ذكره في الأول. البلاغة: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ فيه التفات عن الخطاب: «واستغفرت لهم» إلى الغيبة:
المفردات اللغوية:
وَاسْتَغْفَرَ تعظيما لشأن الرسول واستغفاره وتفخيما لهما وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان. وهناك جناس مغاير في وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ استعارة لأنه استعار ما تشابك من الشجر وهو أمر محسوس إلى التنازع أو الاختلاف القائم بينهم وهو معنى معقول. المفردات اللغوية: بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره، لا ليعصى، وإذن الله: إعلامه بالوحي. إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بتحاكمهم إلى الطاغوت وغير ذلك من ألوان الظلم جاؤُكَ تائبين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي طلبوا مغفرته وندموا على ما فعلوا وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ أي دعا الله أن يغفر لهم، فيه التفات عن الخطاب تفحيما لشأنه تَوَّاباً عليهم رَحِيماً بهم. يُحَكِّمُوكَ يجعلوك حكما ويفوضوا الأمر إليك شَجَرَ اختلط الأمر فيه واختلف حَرَجاً ضيقا أو شكا قَضَيْتَ حكمت به وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ينقادوا ويذعنوا من غير معارضة. سبب النزول: نزول الآية (65) : فَلا وَرَبِّكَ: أخرج الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرّة «1» ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن «2» كان ابن عمتك! فتلون وجهه، ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (ما رفع حول المزرعة كالجدار) ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعب للزبير حقه، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير: ما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
المناسبة:
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: فَلا وَرَبِّكَ الآية، قالت: أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. المناسبة: كانت الآيات السابقة تنديدا بموقف المنافقين الذين أعرضوا عن التحاكم إلى الرسول وآثروا عليه التحاكم إلى الطاغوت، وهنا أراد الله تعالى تقرير مبدأ عام وهو فرضية طاعة الرسول بل وكل رسول مرسل. التفسير والبيان: وما أرسلنا من رسول إلا وقد فرضنا طاعته على من أرسله إليهم، وتلك الطاعة مفروضة بأمر الله وإذنه، وعليهم أن يتبعوه لأنه مؤد عن الله، فطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله. والمراد بقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ أي بسبب إذن الله في طاعته، ويجوز أن يراد: بتيسير الله وتوفيقه في طاعته، قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني، والمراد لا يطيعه إلا من وفقته لذلك، كقوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران 3/ 152] أي عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم. ثم يرشد الله تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم، ولهذا قال: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي لعلموه توابا، أي لتاب عليهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
وفي هذا إيماء إلى أن من يبادر إلى التوبة الصحيحة تقبل توبته بشروطها المقررة شرعا، بأن تكون عقب الذنب مباشرة، والعزم على اجتناب الذنب، وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص لله في ذلك. أما مجرد الاستغفار باللسان دون شعور صادق من القلب بألم المعصية فلا يفيد. وقد سمى الله سبحانه ترك طاعة الرسول ظلما للأنفس، أي إفسادا لها. ثم أكد الله تعالى وجوب طاعة الرسول بقسم عظيم نفى فيه الإيمان عمن لم يقبل قبولا تاما مع الرضا القلبي حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم. فأقسم تعالى بربوبيته لرسوله بأن الذين رغبوا عن التحاكم إليك من المنافقين لا يؤمنون إيمانا حقا إلا بتوافر ثلاث صفات: 1- أن يحكّموا الرسول في قضايا المنازعات التي يختلفون فيها، فلا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول صلّى الله عليه وسلّم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا. 2- ألا يجدوا حرجا أي ضيقا وشكا فيما يحكم به: بأن تذعن نفوسهم لقضائه وحكمه، مع الرضا التام، والقبول المطلق، وعدم الامتعاض. 3- الانقياد التام والتسليم الكلي للحكم في الظاهر والباطن، من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. ويدخل هذا في مرحلة التنفيذ، فقد يرى الشخص أن الحكم حق، لكنه يتهرب من تنفيذه. ورد في الحديث الصحيح: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» . فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على ما يأتي: 1- وجوب الطاعة التامة لأوامر الرسول ونواهيه وأقضيته وأحكامه.
2- الاستغفار من الذنب والتوبة الصادقة مع شرائطها طريق محو الذنوب وتكفير الخطايا. 3- استغفار الرسول لبعض المذنبين شفاعة مستجابة من الله تعالى. 4- الرضوخ التام لأقضية الرسول واعتقاد عدالتها وأحقيتها مع الانصياع للحكم القضائي في التنفيذ شرط جوهري لصحة إيمان المؤمنين. وأمارة ذلك: تحكيمه في الخلافات، وعدم التبرم بحكمه، والانقياد التام لقضائه. 5- عصمة النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الخطأ في الأحكام القضائية كعصمته في تبليغ الوحي الإلهي، فهو لا يحكم إلا بالحق بحسب الظاهر له، لا بحسب الواقع، والله يتولى السرائر. 6- المراد بهذه الآية كما قال مجاهد وغيره: من تقدم ذكره في الآية السابقة ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت، وفيهم نزلت. قال الطبري: قوله: فَلا ردّ على من تقدم ذكره، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله: وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وأما على رأي من قال: نزلت في الزبير مع الأنصاري في خصومة في سقي بستان، فلا يوصف الأنصاري بالوصف المقرر آنفا وهو: كل من اتهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الحكم فهو كافر، لأن الأنصاري زلّ زلّة، فأعرض عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأقال عثرته، لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة، وليست لأحد بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكل من لم يرض بحكم الحاكم بعده، فهو عاص آثم «1» . ويلاحظ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى للزبير بالحق لأن الأعلى يسقي قبل الأسفل، ولكنه قال له أولا: «اسق يا زبير» لقربه من الماء «ثم أرسل الماء إلى
حب الوطن والتزام أوامر الله والرسول [سورة النساء (4) الآيات 66 إلى 68] :
جارك» ومعناه: تساهل في حقك، ولا تستوفه، وعجّل في إرسال الماء إلى جارك، فحضّه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا، لم يرض بذلك وغضب لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلا، فنطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال: «آن كان ابن عمتك؟» بمد همزة «أن» المفتوحة على جهة الإنكار، أي أتحكم له عليّ لأجل أنه قرابتك؟ فعند ذلك تلوّن وجه النبي صلّى الله عليه وسلّم غضبا عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له «1» . وصفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل: أن يدخل صاحب الأعلى جميع الماء في بستانه، ويسقي به، حتى إذا بلغ الماء من قاعة الحائط (البستان) إلى الكعبين (الجذور) من القائم فيه، أغلق مدخل الماء، وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك، حتى يبلغ السيل إلى أقصى الحوائط. ويؤيده ما روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه بلغه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في سيل مهزور ومذينب «2» : «يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل» «3» . حب الوطن والتزام أوامر الله والرسول [سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68)
الإعراب:
الإعراب: أَنِ اقْتُلُوا أن مفسرة ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قليل: مرفوع على البدل من الواو في فَعَلُوهُ وتقديره: ما فعله إلا قليل منهم. وقرئ بالنصب على الأصل في الاستثناء، والأصل في الاستثناء: النصب. وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً منصوب لأنه مفعول ثان لهديناهم، يقال: هديته الطريق هداية، وهديت في الدين هدى. وفعل في المصادر قليل. المفردات اللغوية: كَتَبْنا فرضنا عليهم اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما كتبنا على بني إسرائيل ما فَعَلُوهُ أي المكتوب عليهم ما يُوعَظُونَ بِهِ من الأوامر والنواهي المقرونة بذكر حكمها تَثْبِيتاً تقوية وجعله ثابتا راسخا وَإِذاً لو ثبتوا مِنْ لَدُنَّا من عندنا أَجْراً عَظِيماً هو الجنة. سبب النزول: نزول وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ: تفاخر ثابت بن قيس بن شمّاس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. المناسبة: بعد أن أوضح الله تعالى أن الإيمان لا يتم إلا بتحكيم الرسول فيما شجر بينهم، ذكر هنا تقصير كثير من الناس في ذلك لضعف إيمانهم.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بالامتناع عما هم عليه من المناهي، لما فعلوه لأن طباعهم الرديئة ميّالة إلى مخالفة الأمر. وهذا من علمه تعالى بما لم يكن أو كيف يكون ما كان. ولو أن الله تعالى فرض على الناس أن يقتلوا أنفسهم، كما أمر بني إسرائيل بذلك ليتوبوا من عبادة العجل، فكان قتل النفس (الانتحار) طريق التوبة، أو لو فرضنا عليهم أن يخرجوا من أوطانهم، ويهاجروا في سبيل الله إلى بلاد أخرى، ما فعل المأمور به من قتل النفس وهجر الوطن إلا نفر قليل منهم. ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الأوامر والنواهي المقترنة بأسبابها وعللها أو حكمها، وبالوعد والوعيد، لكان ذلك خيرا لهم وأحسن، وأشد تثبيتا لهم في الدين وأرسخ. ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به، لمنحناهم من عندنا أجرا عظيما وهو الجنة التي وصفها النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله فيما رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري: «في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» ، ولهديناهم إلى الطريق المستقيم في الدنيا والآخرة وهو العمل المؤدي إلى السعادة الدنيوية والأخروية معا. قه الحياة أو الأحكام: تتطلب إطاعة الأوامر الإلهية إيمانا راسخا كالجبال الراسيات، والطاعة: حمل النفس على فعل ما تكره، لا على ما تحب، ولا يفعل ذلك إلا فئة قليلة من الناس، ولو فعلوا المأمور به وتركوا ما ينهون عنه لكان لهم خيرا في الدنيا والآخرة، ودليلا على الثبات على الحق، وسببا لاستحقاق الثواب العظيم في
الآخرة لأن الجنة حفّت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، كما ثبت في الحديث. وحينما نزلت هذه الآية أبدى نفر من المسلمين استعداده لتنفيذ الأمر الإلهي. قال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» قال ابن وهب: قال مالك: القائل ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذكر أبو الليث السمرقندي: أن القائل منهم عمّار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي» . وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: لما نزلت: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ.. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم» أي ابن مسعود. وقال شريح بن عبيد: لما تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ.. أشار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده هذه إلى عبد الله بن رواحة، فقال: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» يعني ابن رواحة. وفي قوله: أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ إيماء إلى حب الوطن وتعلق الناس به، وجعله قرين قتل النفس، وصعوبة الهجرة من الأوطان.
جزاء طاعة الله والرسول [سورة النساء (4) الآيات 69 إلى 70] :
جزاء طاعة الله والرسول [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) الإعراب: رَفِيقاً منصوب بأحد وجهين: أحدهما- أن يكون منصوبا على التمييز، ويراد به هاهنا الجمع، فوحّد كما وحّد في نحو: عشرون رجلا، وقد يقام الواحد المنكور مقام جنسه. والثاني- أنه منصوب على الحال. المفردات اللغوية: وَالصِّدِّيقِينَ جمع صدّيق: وهو الصادق في قوله واعتقاده، كأبي بكر الصديق وغيره من أفاضل الصحابة: أصحاب الأنبياء، لمبالغتهم في الصدق والتصديق، قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [مريم 19/ 56] . وَالشُّهَداءِ جمع شهيد: وهو الذي يشهد بصحة الدين بالحجة والبرهان، ويقاتل في سبيله بالسيف والسنان. والشهداء: القتلى في سبيل الله. وَالصَّالِحِينَ جمع صالح: وهو من صلحت نفسه، وغلبت حسناته سيئاته. وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً رفقاء في الجنة، بأن يتمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرها. جعلني الله ووالدي وأحبائي معهم. سبب النزول: أخرج الطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني
المناسبة:
إذا دخلت الجنة، خشيت أن لا أراك، فلم يرد النبي صلّى الله عليه وسلّم شيئا، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ.. الآية. قال الكلبي: نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، خوف عدم رؤيته صلّى الله عليه وسلّم بعد الموت، فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: قال أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قدّمت لرفعت فوقنا، ولم نرك، فأنزل الله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن عكرمة قال: أتى فتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا نبي الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك، فإنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنت معي في الجنة إن شاء الله. المناسبة: توّج الله تعالى الآيات السابقة الآمرة بطاعة الله والرسول ببيان جزاء الطاعة، الذي هو الأمل الأسمى الذي تطمح إليه النفوس. التفسير والبيان: من عمل بما أمره الله به ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقا لأصحاب الدرجات العليا وهم صفوة الله من عباده، وهم أربع مراتب: الأنبياء، ثم الصدّيقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين
فقه الحياة أو الأحكام:
صلحت سرائرهم وعلانيتهم، واللفظ يعم كل صالح وشهيد، فالمطيع يكون مع هؤلاء في دار واحدة ونعيم واحد، يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدرجة، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء، وكل واحد فيها راض بحاله. ثم أثنى الله تعالى عليهم فقال: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً أي أن الأصناف الأربعة يكونون رفقاء له من شدة محبتهم إياه وسرورهم برؤيته. ورفيقا بمعنى المرافق والمراد به الجمع وهو رفقاء، فكأن المعنى: وحسن كل واحد منهم رفيقا، مثل: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج 22/ 5] أي نخرج كل واحد منكم طفلا. ويؤيد الآية: ما رواه الطبراني مرفوعا: «من أحب قوما، حشره الله معهم» وما أخرجه الشيخان عن أنس: «المرء مع من أحب» والمحبة تقتضي الطاعة، كما قال الله تعالى: قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.. [آل عمران 3/ 31] . هذا الجزاء لمن يطيع الله والرسول هو الفضل الإلهي العظيم، والله أعلم بمن يستحقه، فهو أعلم بمن اتقى، وكفى به سبحانه عليما بالأتقياء المطيعين، وبالعصاة المنحرفين، وبالمنافقين المرائين. والآية إخبار من الله تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم، بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه. فليحذر المنافقون المصير المشؤوم إن لم يصلحوا حالهم، وليهنأ المؤمنون الطائعون الصادقون بفضل الله ونعمته، وليفرحوا بما أثابهم به. فقه الحياة أو الأحكام: لمّا ذكر الله تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه، لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله.
قواعد القتال في الإسلام [سورة النساء (4) الآيات 71 إلى 76] :
وهذه الآية تفسير لقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة 1/ 6- 7] وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته: «اللهم الرفيق الأعلى» . وفي البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من نبي يمرض إلا خيّر بين الدنيا والآخرة» كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحّة «1» شديدة، فسمعته يقول: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين» فعلمت أنه خيّر. قال القرطبي: في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، ثم ثنّى بالصديقين، ولم يجعل بينهما واسطة. وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصديق رضي الله عنه صدّيقا، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق، وأنه ثاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لم يجز أن يتقدم بعده أحد «2» . قواعد القتال في الإسلام [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 76] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76)
الإعراب:
الإعراب: ثُباتٍ حال من واو فَانْفِرُوا الأولى. جَمِيعاً حال من واو فَانْفِرُوا الثانية، وكل واحد من الفعلين هو العامل في الحال الذي يليه. لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ اللام في لَمَنْ لام الابتداء التي تدخل مع «إن» وهي هنا داخلة على اسم «إن» . واللام في لَيُبَطِّئَنَّ: هي اللام الواقعة في جواب القسم، وهو هنا محذوف وتقديره: لمن والله ليبطئن. ولام القسم في صلة «من» . يا لَيْتَنِي المنادي محذوف وتقديره: يا هذا ليتني، مثل: «ألا يا اسجدوا لله» أي يا هؤلاء اسجدوا. وحذف المنادي كثير في كلامهم. فَأَفُوزَ منصوب بأن مضمرة بعد التمني، وتقديره: فأن أفوز. وقرئ بالرفع على تقدير: فأنا أفوز. كَأَنْ مخففة واسمها محذوف، أي كأنه. مَوَدَّةٌ اسم يكن، وبينكم وبينه: خبرها المقدم على اسمها. ولا يجوز أن تكون التامة لأن الكلام لا يتم معناه بدون «بينكم وبينه» فهو الخبر، وتتم به الفائدة. وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ ما: مبتدأ، ولكم: خبره، ولا تقاتلون حال من الكاف واللام في «لكم» وتقديره: أي شيء استقر لكم غير مقاتلين، مثل: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النساء 4/ 88] . وَالْمُسْتَضْعَفِينَ: معطوف على اسم الله تعالى. وقيل: على سبيل. الظَّالِمِ
البلاغة:
أَهْلُها الظالم صفة للقرية، وجاز وصف القرية وإن لم يكن الظلم لها لعود الضمير العائد إليها من «أهلها» . وأهلها: فاعل الظالم. البلاغة: يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ استعارة، استعار لفظ الشراء للمبادلة، أي يبيعون الفانية بالباقية. كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اعتراض بين القول ومقوله وهو: يا ليتني. ويوجد مقابلة في قوله: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ استفهام توبيخ، أي لا مانع لكم من القتال. المفردات اللغوية: خُذُوا حِذْرَكُمْ أي احترزوا وتيقّظوا من عدوّكم، والحذر والحذر بمعنى واحد، كالمثل والمثل: وهو التيقّظ والاستعداد. فَانْفِرُوا انهضوا إلى قتاله. ومصدره: النفر: وهو الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء، كالنزوع عن الشيء وإلى الشيء. ثُباتٍ متفرقين واحدها ثبة: وهي الجماعة، أي اخرجوا جماعة تلو جماعة. لَيُبَطِّئَنَّ ليتأخرن عن القتال، كعبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وجعله من المسلمين من حيث الظاهر. والتبطؤ: يطلق على الإبطاء وعلى الحمل على البطء: وهو التأخر في السير عن الانبعاث للجهاد وغيره. مُصِيبَةٌ ما يصيب الإنسان من قتل أو هزيمة أو غيرهما. شَهِيداً حاضرا معهم. الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ كفتح وغنيمة. مَوَدَّةٌ معرفة وصداقة. فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً آخذ حظّا وافرا من الغنيمة. فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه، وسبيل الله: تأييد الحق ونصرته، بإعلاء كلمة الله ونشر دعوته. الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي يبيعونها ويأخذون بدلها نعيم الآخرة وثوابها. فَيُقْتَلْ يستشهد. أَوْ يَغْلِبْ يظفر بعدوه. أَجْراً عَظِيماً ثوابا جزيلا. وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لا مانع لكم من القتال. وَالْمُسْتَضْعَفِينَ أي في تخليص المستضعفين. وَالْوِلْدانِ الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي منهم. الْقَرْيَةِ مكة. الظَّالِمِ أَهْلُها بالكفر. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا من عندك من يتولى أمورنا. نَصِيراً يمنعنا منهم. وقد استجاب دعاءهم، فيسّر لبعضهم الخروج، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة، وولّى صلّى الله عليه وسلّم عتاب بن أسيد، فأنصف مظلومهم من ظالمهم.
المناسبة:
الطَّاغُوتِ الشيطان أو الطغيان: وهو مجاوزة الحق والعدل والخير إلى الباطل والظلم والشّر، والطاغوت يذكّر ويؤنّث. أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أنصار دينه، تغلبوهم لقوتكم بالله. إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أي إن كيد الشيطان بالمؤمنين كان واهيا لا يقاوم كيد الله بالكافرين. وكيد الشيطان: السعي في الفساد بالحيلة. المناسبة: لما حذر الله تعالى من المنافقين وأمر بطاعة الله والرسول، أمر هنا أهل الطاعة بالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ورفع شأن دينه، وأمر بالاستعداد حذرا من مباغتة الكفار، ثم بيّن حال المنافقين المثبطين العزائم عن الجهاد، وهذا انتقال من الميدان الداخلي إلى المجال الخارجي، انتقال من السياسة الاجتماعية في التعامل إلى السياسة الحربية. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوّهم، وهذا يستلزم التأهّب لهم بإعداد الأسلحة وإعداد الجيش المقاتل. ويرسم الله تعالى سياسة الحرب ويضع قواعد القتال المؤدية إلى النصر والفوز الساحق. يا أيها المؤمنون التزموا الحذر، واحترسوا من الأعداء، واستعدوا لردّ العدوان، فإنكم معرّضون لشنّ معارك كثيرة طاحنة، وهذا أمر دائم يتكيّف بحسب تطور وسائل الحرب وقواعد القتال على ممر العصور. قال أبو بكر لخالد بن الوليد في حرب اليمامة: حاربهم بمثل ما يحاربونك به، السيف بالسيف، والرمح بالرمح. وهكذا بحسب المعروف بين الأمم من وسائل الحرب البرية والبحرية والجوية. ولا يصح للمؤمن أن يخشى اقتحام المعارك لأن أجل الإنسان لا يتأخر ساعة ولا يتقدم، وعلى المؤمنين اتّخاذ ما يمكنهم من أسباب القوة، غير محتجّين
بقدر، ولا يائسين من حدوث نكسة ما، أما ما روى الحاكم عن عائشة «لا يغني حذر من قدر» فلا يتناقض مع أخذ الحذر لأن الحذر داخل في القدر إذ القدر: هو جريان الأمور على وفق السّببية أي أن المسببات تأتي عادة على قدر الأسباب، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بالقدر. فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أي فانهضوا للقتال جماعة إثر جماعة، فصائل وفرقا وسرايا، أو انهضوا جميعا متعاضدين كلكم حسبما ترون من قوة العدو وحاله. وهذا يعني كون الأمة على استعداد دائم للجهاد، وهذا نظير قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال 8/ 60] . لكن بعضا منكم في ساحة الجبهة الداخلية قد يتخلف عن الجهاد، وقد يعرقل مسيرة المجاهدين، وقد يعوق أو يسعى لتثبيط العزائم عن الجهاد، وهؤلاء هم المنافقون وضعاف الإيمان والجبناء. أما المنافقون فلا يرغبون في القتال لأنهم لا يحبون الإسلام وأهله، وأما الجبناء وضعاف الإيمان فيترددون في المشاركة بالجهاد خورا وضعفا وجبنا. وهؤلاء يصطادون في الماء العكر ويستغلون النتائج والوقائع، فإن أصابتكم مصيبة كقتل أو هزيمة، فرحوا فرحا شديدا بنجاة أنفسهم، وحمدوا الله على أن لم يكن أحدهم حاضرا في المعركة، يعدون ذلك من نعم الله عليهم، ولم يدروا ما فاتهم من الأجر في الصبر، أو الشهادة إن قتلوا. وإن أصابكم فضل من الله، أي نصر وظفر وغنيمة قالوا- وكأنهم ليسوا من أهل دينكم-: يا ليتنا اشتركنا في القتال لنحظى بسهم من الغنيمة. وهم في الحالين ضعاف العقول، قاصرو النظر، ضعاف الإيمان جبناء، لذا وبّخهم الله تعالى وقرّعهم بعبارة لطيفة تدلّ على انقطاع صلتهم بالمسلمين وهي:
كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ. وهذا فيه استثارة للتأمل والتفكير في نفس السامع إذ يدعو صاحبه إلى النظر في حقيقة حاله وعيوب نفسه. ثم انتقل الله تعالى ببيانه من وصف حال الضعفاء إلى بيان مركز الأقوياء، ومن دائرة الهبوط في دائرة التخلف عن القيام بالواجب إلى الصعود إلى مرتبة يمكن فيها تطهير النفوس من ذلك الذنب العظيم: ذنب التقاعس عن القتال. فحرض عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة أو غيرها من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من القيام بها. فليقاتل في سبيل الله ولإعلاء كلمته ولنصرة دينه- دين الحق والتوحيد، والعدل والكرامة، والقوة والمدنية: من يبيع دنياه الفانية بالآخرة الباقية، حتى يحقق علو كلمة الله، فيجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم. ثم رغّب الله تعالى في القتال بعد الأمر به ببيان الثواب عليه، فمن يقاتل في سبيل الله، فيغلبه عدوه، أو يغلب هو العدو، فإن الله سيؤتيه ثوابا عظيما هو الجنة والأجر الحسن. وهذا يدلّ على شرف الجهاد والمجاهدة، وقد عانى المسلمون أشدّ البلاء من الكفار في مكة قبل الفتح، مثلما حدث لبلال وصهيب وعمار وأسرته. ثم زاد الترغيب في الجهاد بنفي الأعذار، فأي عذر لكم يمنعكم عن القتال في سبيل الله لإحلال التوحيد محل الشرك، والخير محل الشّر، والعدل والرّحمة في موضع الظلم والقسوة، وعن إنقاذ المستضعفين إخوانكم في الدّين رجالا ونساء وصبية الذين منعهم كفار قريش من الهجرة وفتنوهم عن دينهم. والتحدث عن هؤلاء يثير النخوة ويهزّ الأريحية ويوقظ الشعور بالواجب والتفاني من أجل رفع الظلم عن الضعفاء.
إن هؤلاء المستضعفين فقدوا النصير والمعين، وهم يقولون من شدّة الألم والعذاب: ربّنا أخرجنا من تلك القرية «مكة» التي كفر أهلها وظلموا العباد، واجعل لنا من عندك وليّا يلي أمورنا، ويستنقذنا، ويحمي نفوسنا وأعراضنا، واجعل لنا من عندك نصيرا يمنعنا من الظلم، وينصرنا عليهم، ويساعدنا على الهجرة، فليس أمامنا إلا بابك الكريم يا الله. ثم عقد الحق سبحانه وتعالى مقارنة بين أهداف الجهاد عند المسلمين وأغراض القتال عند المشركين. وهي أن المؤمنين يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله- كلمة الحق والتوحيد والعدل وإنصاف الشعوب، لا من أجل الاستعمار والاستغلال، والتعدي والظلم، وسلب الملكيات ونهب الثروات، كما هو حاصل الآن وأما الكافرون فهم يقاتلون لأغراض وهمية، أو مادية دنيئة، أو شهوانية ذاتية، فهم إنما يرضون وسوسة الشيطان، وإعلاء الوثنية، ومناصرة الكفر، أو يطمعون في الحصول على الغنائم، أو للتفاخر والاعتزاز وإرضاء النفس بمجرد الشعور بالانتصار والغلبة، وتحقيق السمعة والشهرة أمام القبائل العربية. ولكن المصير المحتوم هو تغلّب الحق على الباطل في النهاية لأن الحق قوي ثابت وجنده أعزّ وأمنع، والباطل ضعيف مهزوم، وجنده أضعف وأخوف، والحق يعلو ولا يعلى عليه، لذا أمر الله تعالى بقوله بما معناه: فقاتلوا أيها المؤمنون أولياء أو نصراء الشيطان الذين أوهمهم ووسوس لهم أن في الظلم والتدمير شرفا وإعلاء مكانة، ولا تغرنكم قوتهم وأعدادهم وأسلحتهم، فإن كيد الشيطان وتدبيره أو وسوسته كان ضعيفا لا تأثير له عند ذوي العقول الناضجة، والأفكار السامية. وأما أنتم فوليكم الرحمن وناصركم ومدبر أموركم ما نصرتموه، وجند الله هم الغالبون، وحزب الله هم المفلحون.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات تبيّن المواقف الثابتة للأمة الإسلامية في علاقاتها الخارجية أثناء الحرب. فهي أولا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم بالاستعداد للجهاد، وأخذ الحذر الدائم، وأمر لهم بجهاد الأعداء والنضال في سبيل الله، وحماية الشرع، وديار الإسلام، وتخليص المستضعفين، ومطالبتهم ألا يقتحموا عدوهم على جهالة حتى يستطلعوا ما عندهم من قوى وعدد وعدد، ويعلموا كيف يردّون عليهم، فذلك أثبت لهم، لذا قال لهم: خُذُوا حِذْرَكُمْ وهو تعليم لأسلوب مباشرة الحروب. ولا ينافي أخذ الحذر التوكل على الله، بل هو مقام عين التوكل لأن التوكل ليس معناه ترك الأسباب، وإنما هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، واتّباع سنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في السّعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو، وإعداد أسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله المعتادة. قال سهل: من قال: إن التّوكل يكون بترك السبب، فقد طعن في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأن الله عزّ وجلّ يقول: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [الأنفال 8/ 69] ، فالغنيمة: اكتساب. وقال تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال 8/ 12] ، فهذا عمل. وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تعالى يحبّ العبد المؤمن المحترف» «1» . وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرضون على السرية «2» .
وليس في الآية دليل على أن الحذر يتعارض مع القدر، أو يمنع من القدر شيئا ولكنّا مطالبون بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة، وورد في الحديث: «اعقلها وتوكل» «1» والقدر جار على ما قضى الله، ويفعل الله ما يشاء، ويكون أخذ الحذر من القدر، كما أوضحت في تفسير الآيات. ودلّت الآيات ثانيا على قاعدة من قواعد الحرب أو سياسة من سياسات المعركة وخطتها وهي النهوض لقتال العدو إذا دعا الإمام الناس إلى النفر، أي للخروج إلى قتال العدو إما جماعة إثر جماعة، أو الزّج بطاقة الجيش الكثيف كله في قلب المعركة، على وفق ما يرى القائد الحربي من مصلحة، معتمدا على استطلاع أحوال العدو واستعداداته واستحكاماته، واحتمالات تطور المعركة. ويقال للقوم الذين ينفرون: النفير. وبناء على هذا، فليست الآية منسوخة ولا معارضة لقوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [التوبة 9/ 41] ، وقوله: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ [التوبة 9/ 39] ، وقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة 9/ 122] لأن كل آية يعمل بها بحسب الظرف الحربي الملائم لها، فإحداها في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعيين الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها. وترشد الآيات ثالثا إلى أن في الأمة في كل زمان فئة المثبطين أو المبطئين وهم المنافقون، والتبطئة والإبطاء: التأخر، وديدنهم القعود عن القتال ويقعدون غيرهم معهم. فهم من جنس الأمة ودخلائها وممن يظهر الإيمان للجماعة، ويتظاهر بالإخلاص في رسالتها. وهم جماعة انتهازيون: إن حققت الجماعة فتحا ونصرا وأحرزت غنيمة، يقول المنافق الواحد منهم: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما، كأنه مقطوع الصلة والمودة بالأمة ولم يعاقد على الجهاد.
وإن أصيبت الأمة بمصيبة من قتل وهزيمة، فرح وقال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا أي حاضرا. فهؤلاء المنافقون يجب الحذر منهم أشدّ الحذر، وهم مروجو الإشاعات المغرضة: إشاعة الضعف والهزيمة وعدم تكافؤ القوى في عصرنا الحاضر. وأكدت الآيات رابعا أمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله، أولئك المؤمنون الذين يبيعون الحياة الدّنيا بالآخرة، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله عزّ وجلّ مقابل الحصول على ثواب الآخرة. وثواب الآخرة لمن قتل أو غلب العدو عظيم جدا لا يخضع لتصور إنسان. وظاهر قوله تعالى: فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما، أي إن كلّ من قاتل في سبيل الله، سواء قتل (استشهد) أو غلب العدو، فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، فللشهيد أجر، وللغانم أجر، بدليل ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر وغنيمة» . ومعنى الجملة الأخيرة: يقتضي أن من لم يستشهد من المجاهدين له أحد الأمرين: إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر. وهذا كله بالنسبة للمجاهد الذي أخلص النيّة في الجهاد. أما إن نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فإن أصاب الغنيمة تعجل ثلثي أجره من الآخرة، ويبقى له الثلث، وإن لم يصب غنيمة تمّ له أجره. وهذا مستفاد من حديث آخر عن عبد الله بن عمرو «1» .
وخامسا- بيّنت الآية بعض أحوال مشروعية القتال مع الحضّ على الجهاد وهي ما يلي: 1- القتال في سبيل الله: يفسره الحديث النّبوي الذي رواه الجماعة عن أبي موسى: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» أي أنه قاتل لإعلاء كلمة الدّين وإظهاره، ورفع راية الإسلام المتضمنة توحيد الله، وإقرار العدل والحقّ، والدعوة إلى فضائل الأخلاق، وعبادة الله الواحد القهّار وتعظيمه لا تعظيم أحد من البشر. 2- استنقاذ الضعفاء المؤمنين من عباد الله من براثن العدو: وهذا واجب وإن كان في ذلك تلف النفوس. ويكون تخليص الأسارى واجبا على جماعة المسلمين إما بالقتل وإما بالأموال، وهو أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجمع أموالهم. وهذا لا خلاف فيه لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد والبخاري عن أبي موسى: «فكّوا العاني» أي الأسير. وكذلك قال العلماء: عليهم أن يواسوهم، فإن المواساة دون المفاداة. ومن أمثلة المستضعفين في التاريخ: من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله عليه الصّلاة والسّلام: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين» ، وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين. وما أمتع تلك المقارنة في أهداف القتال: المؤمنون يقاتلون في سبيل طاعة الله، ومن أجل نشر دينه وأحكام شرعه فهو ناصرهم ووليهم، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت (الشيطان وما يمثله من ظلم وخرافة وكهانة ودعوة إلى عبادة الأصنام والأوثان) فلا ولي لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى
أحوال الناس حين فرضية القتال [سورة النساء (4) الآيات 77 إلى 79] :
جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه، فالله هو صاحب القدرة الحقيقية المحققة للنصر، والشيطان ليس له إلا قدرة وهمية. قال جابر بن عبد الله، وقد سئل عن أعداد الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها: كانت في جهينة واحدة، وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة. وقال أبو إسحاق: الدليل على أنه (أي الطاغوت) : الشيطان قوله عزّ وجلّ: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أي إن مكره ومكر من اتبعه واه ضعيف التأثير. أحوال الناس حين فرضية القتال [سورة النساء (4) : الآيات 77 الى 79] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَأَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)
الإعراب:
الإعراب: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ فريق: مبتدأ، وحسن الابتداء به لأنه وصفه بمنهم. فتخصص، فحسن أن يكون مبتدأ، ويخشون: خبر المبتدأ. كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً الكاف في موضع نصب لأنها صفة مصدر محذوف وتقديره: يخشون الناس خشية كخشية الله، أي: مثل خشية الله. أو أشدّ: منصوب معطوف على الكاف، أو حال. أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ أين: ظرف مكان فيه معنى الشرط والاستفهام، ودخلت «ما» ليتمكن الشرط ويحسن. وتكونوا: فعل الشرط مجزوم بأينما، وأينما: متعلق بتكونوا، ويدرككم: مجزوم لأنه جواب الشرط. ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ما: في موضع رفع مبتدأ، بمعنى الذي، وأصابك: صلته، وفَمِنَ اللَّهِ خبر المبتدأ، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ لما في «ما» من الإبهام، فأشبهت الشرطية التي تقتضي الفاء. وليست هاهنا شرطية لأنها نزلت في شيء بعينه وهو الخصب والجدب، وهما المراد بالحسنة والسيئة، ولهذا قال: ما أصابك، ولم يقل: ما أصبت، والشرط لا يكون إلا مبهما. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا رسولا: مصدر مؤكد بمعنى إرسالا، أو حال مؤكدة. البلاغة: يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ تشبيه مرسل مجمل. فَمالِ هؤُلاءِ استفهام يراد به التعجب من فرط جهلهم. المفردات اللغوية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ هم جماعة من الصحابة، قيل لهم: امنعوا أيديكم عن قتال الكفار، لما طلبوه بمكة، لأذى الكفار لهم. كُتِبَ عَلَيْهِمُ فرض القتال عليهم وأمروا به. يَخْشَوْنَ يخافون. النَّاسَ الكفار أي عذابهم بالقتل. كَخَشْيَةِ اللَّهِ أي كخوفهم من بأس الله وعذابه. أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا القريبة. مَتاعُ الدُّنْيا ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها وبلذاتها. قَلِيلٌ سريع الزوال. وَالْآخِرَةُ الجنة. لِمَنِ اتَّقى أي جعل لنفسه وقاية من عقاب الله، بترك معصيته. وَلا تُظْلَمُونَ تنقصون من أعمالكم فَتِيلًا هو الخيط البسيط الذي يكون في شقّ النواة، وهو مثل في القلّة والبساطة.
سبب النزول نزول الآية (77) :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ أي في أي مكان كنتم يلحقكم الموت. بُرُوجٍ جمع برج وهو القصر أو الحصن. مُشَيَّدَةٍ عالية مرتفعة، وقيل: مطليّة بالشّيد: وهو الجصّ (الجبس) وقد يراد بالبروج المشيدة: القلاع أو الحصون المتينة التي يحتمي فيها الجند من العدو. حَسَنَةٌ شيء حسن عند صاحبه كالخصب والسعة والظفر بالغنيمة. سَيِّئَةٌ ما تسوء صاحبها كالشدة والبلاء والجدب والهزيمة والجرح والقتل. يَفْقَهُونَ حَدِيثاً يفهمون كلاما يلقى إليهم، أي لا يقاربون أن يفهموا، ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه. سبب النزول: نزول الآية (77) : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ قال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوّله الله إلى المدينة، أمره بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ. قال الحسن البصري: هي في المؤمنين، وقال مجاهد: هي في اليهود، وقيل: هي في المنافقين، والمعنى: يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله. وأما قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ الآية [78] فروي عن ابن عباس أنه قال: لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أحد، قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: بعد أن أمر الله بالاستعداد للقتال وأخذ الحذر، وذكر حال المبطئين، وأمر بالقتال في سبيله ومن أجل إنقاذ الضعفاء، ذكر هنا حال جماعة كانوا يريدون
التفسير والبيان:
قتال المشركين في مكة، فلما فرض عليهم القتال، كرهه المنافقون والضعفاء، فوبّخهم الله على ذلك الموقف المتناقض. التفسير والبيان: كان المؤمنون في مكة مأمورين بالصلاة والزكاة ومواساة الفقراء، وبالصفح والعفو عن المشركين، وكانوا يودّون الإذن لهم بالقتال ليثأروا من أعدائهم، ولم يكن الحال مناسبا لذاك لأسباب كثيرة منها: قلّة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم في بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلهذا لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار. ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودّونه جزع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا، فقصّ الله علينا قصّتهم. ألم تنظر إلى أولئك الذين قيل لهم في مكة في ابتداء الإسلام: التزموا السلم وامنعوا أيديكم وأنفسكم عن الحروب الجاهلية، وأدّوا الصلاة بخشوع مقوّمة تامة الأركان، وأدّوا الزكاة التي تؤدي إلى التراحم بين الخلق، وكانوا في الجاهلية يشنون الحروب لأتفه الأسباب، وتطفح قلوبهم بالأحقاد، ولكن حين فرض عليهم القتال في المدينة، كرهه جماعة وهم المنافقون والضعفاء، وخافوا أن يقاتلهم الكفار ويقتلوهم، كخوفهم من إنزال عذاب الله وبأسه بهم، بل أشدّ خوفا من الله تعالى. وحكى الله تعالى قولهم لشدة هلعهم وخوفهم من القتال وقالوا: ربّنا لم فرضت علينا القتال، لولا تركتنا نموت موتا طبيعيّا، ولو بعد أجل قريب، ولولا أخرت فرض القتال إلى مدّة أخرى، فإن في القتال سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيم النساء. وهذا كقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: نُزِّلَتْ سُورَةٌ، فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ [محمد 47/ 20] .
ثم أمر الله نبيّه بردّ شبهتهم قائلا قُلْ: مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ.. أي: إن طلبكم التأخير وقعودكم عن القتال خشية الموت ناشئ من الرغبة في متاع الدّنيا ولذّاتها، مع أن كلّ ما يتمتع به في الدّنيا زائل وقليل بالنسبة إلى متاع الآخرة، وآخرة المتّقي خير من دنياه لأن نعيم الدّنيا محدود فان، ومتاع الآخرة كثير باق لا كدر فيه ولا تعب، ولا يناله إلا من اتّقى الله، فامتثل ما أمره الله به، واجتنب ما نهى الله عنه، وستحاسبون على كلّ شيء. ولا تنقصون شيئا مهما قلّ كالفتيل (ما يكون في شقّ نواة التمر كالخيط) من أعمالكم، بل توفونها أتمّ الجزاء. وهذا تسلية لهم عن الدّنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد. وإن الموت أمر محتم لا مفرّ منه، وأنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد ولو كان في قصر محصن منيع مرتفع مشيد، فملك الموت لا تحجزه حواجز ولا تعوقه عوائق، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 3/ 185] ، وقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن 55/ 26] ، وقوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء 21/ 34] . وإذا كان الموت مصير الخلائق جميعهم، وفي أجل محدود لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فلا خشية من الجهاد، فسواء جاهد الإنسان أو لم يجاهد، فإن له أجلا محتوما ومقاما مقسوما، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: «لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء» . وكم من محارب نجا، وقاعد على فراشه عن الحرب مات حتف أنفه. ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يتعجب منه بسبب مقالة أولئك المنافقين، فإذا أصابتهم حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك،
قالوا: هذه من عند الله ومن فضله وإحسانه، لا دخل لأحد فيها، وإذا أصابتهم سيئة من هزيمة أو قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت الأولاد أو النتاج أو غير ذلك، قالوا: هذه من قبلك يا محمد، وبسبب اتّباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال الله تعالى عن قوم فرعون: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف 7/ 131] ، وكما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ الآية [الحج 22/ 11] . وهكذا قال اليهود والمنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا، وهم كارهون له في حقيقة الأمر، حتى إنه إذا أصابهم شرّ أسندوه إلى اتّباعهم للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، وتشاءموا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وقالوا: «هذه من عندك» أي أنه بتركنا ديننا واتّباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء. فردّ الله عليهم بأن هذا زعم باطل منهم، وكلّ من عند الله، أي الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، بحسب سنّة الله في ربط المسببات بالأسباب. فماذا أصاب هؤلاء القوم في عقولهم، وما لهم لا يفهمون حقيقة ما يلقى إليهم من حديث وما يلقونه من كلام؟ وما الذي دهاهم في عقولهم حتى وصلوا إلى هذا الفهم السقيم؟ فقد ربطت الأسباب بمسبباتها، وإن كان الله خالقا لكلّ شيء. ثم خاطب الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بالخطاب جنس الإنسان ليحصل على الجواب: ما أصابك من حسنة فمن الله، أي من فضل الله ورحمته ولطفه وتوفيقه حتى تسلك سبيل النجاة والخير وما أصابك من سيئة فمن نفسك، أي من قبلك ومن عملك أنت لأنك لم تسلك سبيل العقل والحكمة والاسترشاد بقواعد الهداية الإلهية وبمعطيات العلم والتجربة، حتى قالوا: إن المرض بسببك،
فقه الحياة أو الأحكام:
والحقيقة أن الأمراض الوراثية بسبب الإنسان وسلوكه الطرق غير الصحيحة!! وذلك كما قال الله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى 42/ 30] . وأما أنت يا محمد فرسول من عندنا أرسلناك للناس، تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وكفى بالله شهيدا على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادا، وما عليك إلا البلاغ، والخير والشّر من عند الله خلقا وإيجادا، والشّر من العبد كسبا واختيارا. والخلاصة: هناك شيئان: 1- كل شيء من عند الله: أي أنه خالق الأشياء وواضع النظم والسّنن للوصول إليها بسعي الإنسان وكسبه. 2- ما يصيب الإنسان من السّوء والشّر: يكون بتقصير منه في معرفة السّنن والأسباب. ولا تعارض بين قوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي كلّ من الحسنة والسّيئة، وبين قوله: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ لأن الآية الأولى تعني كون الأشياء كلها من الله خلقا وإيجادا، والثانية تسبّبا وكسبا بسبب الذنوب، أو التقصير في فهم النظم والقواعد العامة. فقه الحياة أو الأحكام: الراجح لدي أن آية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ.. واردة في جماعة من اليهود والمنافقين وضعفاء الإيمان إذ لم يعرف في تاريخ الصحابة أنهم اعترضوا على نزول الوحي بحكم من الأحكام التشريعية، ويدلّ له سياق الآية:
وَقالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ، أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ. ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم، يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآخرة خيرا من المقام في الدّنيا، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم. أما ما رواه النسائي والحاكم في سبب النزول فيحتاج إلى تحقق ونظر، ويستبعد أن يكون عبد الرّحمن بن عوف المبشّر بالجنّة ممن يقول القول المتقدّم. ومما أرشدت إليه الآية ما يأتي: 1- الدّنيا وما فيها من متع ولذات وشهوات قليلة فانية محدودة، والآخرة بما فيها من نعيم مقيم وخلود في الجنان خير لمن اتّقى المعاصي. قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «مثلي ومثل الدّنيا كراكب قال قيلولة «1» تحت شجرة ثم راح وتركها» . 2- الموت أمر محتم لا يتأخر عمن انتهى أجله، سواء أكان في الحصون المحصنة في الأراضي المبنية، أم في ساحات المعركة، وموت خالد بن الوليد على فراشه أكبر عبرة. وبعبارة أخرى: الآجال متى انقضت لا بدّ من مفارقة الرّوح الجسد، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به. 3- اتّخاذ البلاد وبناؤها وتشييد العمارات للمعيشة فيها وحفظ الأموال والنّفوس هي سنّة الله في عباده. وهو من أكبر الأسباب وأعظمها، وقد أمرنا بها، واتّخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدّة وزيادة في التّمنع، وذلك أبلغ ردّ على قول من يقول: التّوكل ترك الأسباب. 4- قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ
طاعة الرسول طاعة لله وتدبر القرآن وكونه من عند الله [سورة النساء (4) الآيات 80 إلى 82] :
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ: نزلت هذه الآية في رأي المفسّرين وعلماء التأويل كابن عباس وغيره في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. 5- الشدّة والرّخاء والظفر والهزيمة من عند الله، أي بقضاء الله وقدره، ومن خلقه وإيجاده. 6- ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتّساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم، أي من أجل ذنوبكم، وقع ذلك بكم، كما قال الحسن البصري والسّدّي وغيرهما. والجهّال هم الذين أخطئوا في فهم آية: قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ على أن الحسنة والسيئة من الله دون خلقه، ومصدر الخطأ أنهم فسّروا السّيئة بالمعصية، وليست كذلك، فإن المراد بالسّيئة شيء معين وهو القحط والجدب ونحوه. ولأنه لو كان المراد بالحسنة فعل المحسن وبالسيئة فعل المسيء، لكان يقول: ما أصبت من حسنة، وما أصبت من سيئة لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما، لا بفعل غيره. 7- النّبي صلّى الله عليه وسلّم ذو رسالة سماوية إلهية موحى إليه بها، وكفى بالله شهيدا على صدق رسالة نبيّه وأنه صادق. طاعة الرسول طاعة لله وتدبّر القرآن وكونه من عند الله [سورة النساء (4) : الآيات 80 الى 82] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)
الإعراب:
الإعراب: وَيَقُولُونَ طاعَةٌ طاعة: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أمرنا طاعة. بَيَّتَ طائِفَةٌ ذكّر الفعل لتقدّمه ولأن تأنيث الفاعل غير حقيقي، أي أن تأنيث الطائفة مجازي غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج. البلاغة: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ استفهام يراد به الإنكار. المفردات اللغوية: تَوَلَّى أعرض عن طاعته. حَفِيظاً حافظا لأعمالهم، بل نذيرا، وإلينا أمرهم. فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. طاعَةٌ أي يقول المنافقون: أمرنا طاعة لك. بَرَزُوا خرجوا. بَيَّتَ طائِفَةٌ أضمرت طائفة، أو دبرت جماعة منهم ليلا رأيا غير الذي قالوه لك، أو زوّرت وسوّت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة لأنهم أضمروا الرّدّ لا القبول، والعصيان لا الطاعة، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون. وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ يأمر بكتب ما يبيّتون في صحائفهم، ليجازوا عليه. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ بالصفح. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به، فإنه كافيك. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا مفوضا إليه. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يتأملون القرآن وينظرون ما فيه من المعاني البديعة، فمعنى تدبّر القرآن: تأمل معانيه والتّبصر بما فيه. اخْتِلافاً كَثِيراً تناقضا في معانيه، وتباينا في نظمه وبلاغته، فكان بعضه بالغا حدّ الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب
سبب النزول:
وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالّا على معنى صحيح، وبعضه دالّا على معنى فاسد غير ملتئم. سبب النزول: روى مقاتل أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: «من أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله» فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك، وقد نهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربّا كما اتّخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية. المناسبة: أكّد الله تعالى هنا ما سبق من الأمر بطاعة الله والرسول، وأوضح أن طاعة الرسول تعود في النهاية لله تعالى، وكشف مراوغة المنافقين. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن عبده ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» . معنى الآية: من أطاع الرسول فقد أطاع الله لأنه الآمر والناهي في الحقيقة، والرسول مبلّغ للأمر والنّهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي لمن بلّغ عنه، وهو الله عزّ وجلّ. أما ما يأمر به الرّسول من الأمور الدّنيوية، كتأبير النخل (تلقيحه بطلع الذكور) وأكل الزيت والادّهان به، وكيل الطعام من قمح وغيره عند طحنه
وعجنه، فهو مجرّد اجتهاد برأيه، لا تجب طاعته فيه. وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا شكّوا في الأمر، أهو وحي من عند الله أم اجتهاد من الرّسول؟ سألوه، فإن كان وحيا أطاعوه بلا تردّد، وإن كان رأيا من عنده، ذكروا رأيا آخر وأشاروا بما هو أولى، كما حدث في غزوتي بدر وأحد، وربما رجع إلى رأيهم. ومن أعرض عن طاعتك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء، وليس لك أن تكرهه على ما تريد، إن عليك إلا البلاغ، لست عليهم بمسيطر، والخسران لاحق به، كما جاء في الحديث الصحيح: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فإنه لا يضر إلا نفسه» . ثم أخبر الله تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، فيقولون: أمرنا طاعة لك، أو أمرك طاعة أي أمرك مطاع، نفاقا وانقيادا ظاهرا، فإذا خرجوا من مكانك وتواروا عنك، دبروا ليلا فيما بينهم رأيا غير ما أظهروه لك. روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس أنه قال: هم ناس يقولون عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وإذا برزوا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعاتبهم الله على ذلك. والله يعلم ما يبيتون، ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذين هم موكلون بالعباد. والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك. فأعرض عنهم، أي اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم ولا تهتم بمؤامراتهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضا. وتوكل على الله أي فوض الأمر
إليه، وثق به في جميع أمورك، فإن الله كافيك شرهم، وكفى به وليا وناصرا ومعينا لمن توكل عليه وأناب إليه. ثم يأمرهم الله تعالى بتدبر القرآن وتفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، فهو الكفيل بتصحيح خطتهم ومنهجهم، ويخبرهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد 47/ 24] ثم قال: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ [النساء 4/ 82] أي لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقول جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، أي اضطرابا وتضادا كثيرا، وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله. ومظاهر الاختلاف المفترضة إما في نظمه وإما في معانيه. أما في نظمه وبلاغته: فقد يكون بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه. وأما في معانيه: فقد يكون بعضه صحيح المعنى وبعضه فاسدا سقيما. وقد يخبر عن الغيب وقصص السابقين بما يوافق الواقع وبما يخالفه، وقد يصيب في تصوير حقائق الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمم، وقد يجانب الصواب. وقد يأتي بحقائق العقيدة وأسس الأحكام التشريعية، وأحكم القواعد العامة، وقد تكون مفندة. أما ترتيبه فبالرغم من نزوله منجما مفرقا بحسب الوقائع والمناسبات على مدى ثلاث وعشرين سنة فهو في غاية الإبداع والإحكام، إذ كان النبي صلّى الله عليه وسلّم عند نزول آية أو آيات أو سورة يأمر بما يوحي إليه بأن توضع كل آية في محلها من سورة كذا، وهو يحفظه حفظا ثابتا لا ينمحي من ذاكرته: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى 87/ 6] .
فقه الحياة أو الأحكام:
كل هذه الألوان من الاختلافات والاحتمالات لا نجدها في القرآن الكريم، مما يدل قطعا على أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو قد أعجز ببلاغته وفصاحته وجزالته البلغاء والفصحاء، وصور الحقائق تصويرا تاما بلا اختلاف ولا تناقض، وأخبر عن الماضي السحيق خبرا صدقا موافقا للواقع، وتحدث عن الحاضر ومكنونات الأنفس والضمائر بما يبهر ويعجب ويخرس الألسنة الناقدة، وأنبأ عن بعض الأمور في المستقبل، فجاء الحدث مطابقا لما أنبأ عنه، ووضع أصول العقيدة، والتشريع في القضايا العامة والخاصة، وسياسة الأمم والحكم بما لم يسبق إليه، وبما تطابق مع أحدث وأصح ما توصلت إليه البشرية بعد مخاضات طويلة في مجال النظريات والفلسفات. وصوّر لنا عالم الغيب ومشاهد القيامة بصور مرئية محسوسة كأننا نشاهدها وننجذب إليها وترتسم صورها في أذهاننا دون أن تفارقها لشدة وقعها، وبراعة تصويرها، وصدق حكايتها وواقعيتها: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر 39/ 23] . ولو أنصف المسلمون أنفسهم ما اتخذوا هذا القرآن مهجورا، ولو تدبروا ما فيه وفهموا ما رسمه لهم من طريق الحياة السوية، لما انحدروا إلى ما هم عليه الآن، فهو مرشد الهداية، ونور الأمة، وصراط الله المستقيم، ومفتاح السعادة، وطريق تحقق المصلحة، وبناء الأمة وتحضرها، قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء 17/ 9] . فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي:
1- وجوب طاعة الرسول، وأن طاعته طاعة لله تعالى. 2- المعرض عن طاعة الرسول متبع هواه، منقاد لشهواته، مضيع لصلحته، يقود نفسه إلى الهاوية في الدنيا ونار جهنم في الآخرة. 3- مراوغة المنافقين مكشوفة، فهم يقولون عند النبي صلّى الله عليه وسلّم: أمرنا طاعة، أو نطيع طاعة، أو أمرك طاعة، ثم يظهرون بسرعة نقيض ما يقولون. وهذا موقف يأباه صغار الناس وجهالهم وسفهاؤهم، فقولهم ذلك أمام النبي ليس بنافع لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، والعبرة بالنتائج، فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها فعلا. ولم يحصد هؤلاء المنافقون من موقفهم هذا أي شيء، وإنما هو على العكس كان سبب افتضاح شأنهم في الدنيا أمام الناس، وسبب دمارهم وإهلاكهم في الآخرة لأن الله تعالى يثبته في صحائف أعمالهم، ليجازيهم عليه. لذا لا داعي للاهتمام بشأنهم، وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالإعراض عنهم، وتفويض أمره إلى الله تعالى والتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، فهو نعم المولى ونعم الوكيل. 4- وجوب تدبر القرآن لمعرفة معانيه، هذا أمر مفروض على كل مسلم، ولا تكفيه التلاوة من غير تأمل ونظر في معانيه وأهدافه. وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال، وإبطال التقليد في العقائد وأصول الدين. كما أن فيه دليلا على إثبات القياس. 5- ليس المراد من قوله اخْتِلافاً كَثِيراً اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظ الأمثال والدلالات، ومقادير السور والآيات، وإنما أراد اختلاف التناقض والتفاوت في المستوى البلاغي والنظم المعجز، وفي المعاني والأفكار، وفي الأخبار والمغيبات، وفي أصول تنظيم الحياة.
إذاعة الأخبار من غير اعتماد على مصدر صحيح [سورة النساء (4) آية 83] :
إذاعة الأخبار من غير اعتماد على مصدر صحيح [سورة النساء (4) : آية 83] وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) الإعراب: إِلَّا قَلِيلًا في هذا الاستثناء ستة أوجه ذكرها ابن الأنباري: 1/ 262 وهي: 1- أن يكون استثناء من قوله تعالى: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ. 2- أن يكون استثناء من واو يَسْتَنْبِطُونَهُ. 3- أن يكون استثناء من واو أَذاعُوا بِهِ أي أذاعوا بالخبر. 4- أن يكون استثناء من هاء بِهِ. 5- أن يكون استثناء من الهاء والميم في جاءَهُمْ. 6- أن يكون استثناء من الكاف والميم في عَلَيْكُمْ. وقيل: إلا قليلا: منصوب لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: إلا اتباعا قليلا، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقال الزمخشري: إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليلا. المفردات اللغوية: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ عن سرايا النبي صلّى الله عليه وسلّم بما حصل لهم مِنَ الْأَمْنِ النصر. أَوِ الْخَوْفِ بالهزيمة. أَذاعُوا بِهِ أفشوه وأشاعوه بين الناس. وَلَوْ رَدُّوهُ أي أرجعوا الخبر. أُولِي الْأَمْرِ أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة، أي لو سكتوا عنه حتى يخبروا به. لَعَلِمَهُ لعرفوا: هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا؟ يَسْتَنْبِطُونَهُ استنبط الماء: استخرجه من البئر، والمراد هنا: ما يستخرجه الرجل العالم بفضل عقله وعلمه من الأفكار والأحكام وحلول القضايا. وهم المذيعون منهم من الرسول وأولي
سبب النزول:
الأمر. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام. وَرَحْمَتُهُ لكم بالقرآن. لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيما يأمركم به من الفواحش. سبب النزول: روى مسلم عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلّى الله عليه وسلّم نساءه، دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ، أَذاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. قال ابن جرير الطبري: إن هذه الآية نزلت في الطائفة التي كانت تبيّت غير ما يقول لها الرسول أو تقول له. اه. وذكر السيوطي: نزلت الآية في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك، فتضعف قلوب المؤمنين، ويتأذى النبي صلّى الله عليه وسلّم. والظاهر لدي ما يقوله السيوطي فإن إشاعة الأخبار وترويج الإشاعات إما أن تكون من المنافقين أعداء الأمة بقصد سيء، وإما أن تكون من ضعاف الإيمان وعوام الناس الجهلة بقصد حسن. وربما كان موقف عمر أحد أسباب النزول. قال الزمخشري: هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال، ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلّى الله عليه وسلم من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة «1» .
المناسبة:
المناسبة: مناسبة الآية واضحة بالنسبة لما قبلها، فإنه تعالى أمر بتدبر القرآن ووعيه والتثبت من فهمه، وذلك مدعاة للتعلم بضرورة التثبت في كل شؤون الحياة، كنقل الأخبار وغيرها. التفسير والبيان: هذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا تكون صحيحة. روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» . وفي الصحيح: «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين» وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن قيل وقال» أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين. وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجل: زعموا» . معنى الآية: قد يبلغ الخبر عن أحوال الأمن (السلم) والخوف (الحرب) من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلى إذاعته ونشره وترويجه بين الناس، وهذا أمر منكر يضر بالمصلحة العامة. لذا يجب أن يترك الحديث في الشؤون العامة الى قائد المسلمين وهو الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو إلى أولي الأمر وهم أهل الرأي والحل والعقد ورجال الشورى في الأمة، فهم أولى الناس وأدراهم بالكلام فيها، فهم الذين يتمكنون من استنباط الأخبار الصحيحة، واستخراج ما يلزم تدبيره وقوله بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. أما التحدث بكل ما نسمع، ونقل الأخبار من غير تثبت، ففيه ضرر واضح
فقه الحياة أو الأحكام:
بالدولة، لذا فإن كل الدول المعاصرة تفرض رقابة على الأخبار في الصحف والإذاعة وغيرها، حتى لا تشوه المواقف وتستغل عقول الناس، سواء في السلم أو في الحرب. ثم امتنّ الله تعالى على صادقي الإيمان فعصمهم من الانزلاق في تلك التيارات، فذكر: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم إذ هداكم ووفقكم لطاعة الله والرسول، وأرشدكم إلى الرجوع إلى المصدر العلمي الصحيح وهو الرسول وأولو الأمر من الأمة، لاتبعتم وساوس الشيطان، أو لبقيتم على الكفر- كما قال الزمخشري- إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليلا. وهي نظير قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور 24/ 21] . فقه الحياة أو الأحكام: وجّهت الآية النصائح والإرشادات التالية: 1- وجوب التثبت من الأخبار قبل روايتها وحكايتها، وضرورة الرقابة العامة على الأخبار المعلنة، حفاظا على أسرار الأمة ووحدتها، والعمل على إبقائها قوية متماسكة متعاضدة، لا تتأثر بالدعايات الكاذبة والإشاعات المغرضة. 2- أهل العلم والخبرة والقادة هم أولى الناس بالتحدث عن القضايا أو الشؤون العامة، وهم أيضا أهل الاجتهاد في الدين. 3- الانزلاق في وساوس الشيطان كثير شائع لولا فضل الله ورحمته. 4- قال الجصاص الرازي: في الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته صلّى الله عليه وسلّم. وهذا لا محالة فيما لا نص فيه لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه، فثبت
التحريض على الجهاد [سورة النساء (4) آية 84] :
بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص، قد كلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه. فقد حوت هذه الآية معاني منها: أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه، بل مدلول عليه. ومنها: أن على العلماء استنباطه، والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص. ومنها أن العامي عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ومنها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد كان مكلفا باستنباط الأحكام والاستدلال عليها بدلائلها لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر. ثم قال: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولم يخص أولي الأمر بذلك دون الرسول، وفي ذلك دليل على أن للجميع الاستنباط والتوصل إلى معرفة الحكم بالاستدلال «1» . التحريض على الجهاد [سورة النساء (4) : آية 84] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) المفردات اللغوية: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ لا تهتم بتخلفهم عنك، وقاتل ولو وحدك، فإنك موعود بالنصر. وَحَرِّضِ حثهم على القتال ورغبهم فيه. بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي شدتهم وقوتهم. وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا تعذيبا ومعاقبة بما فيه عبرة ونكال لغيرهم. المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة تثبيطهم (شغلهم) عن القتال وإظهارهم
التفسير والبيان:
الطاعة وإضمارهم خلافها، قال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عبده ورسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم بأن يباشر القتال بنفسه، وأما من نكل عنه فليتركه. فقاتل يا محمد في سبيل الله إن أفردوك وتركوك وحدك إن أردت الظفر على الأعداء، لا تكلف غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك، لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك، كما ينصرك وحولك الألوف. أما غيرك الذين يقولون: لم كتبت علينا القتال، ويبيتون غير ما يعلنون أمامك من الطاعة، فاتركهم وشأنهم، والله مجازيهم على أعمالهم. وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب، لا التعنيف بهم، عسى الله- هنا بمعنى الخبر والوعد ووعد الله لا يخلف- أن يرد عنك بأس أي شدة وقوة الذين كفروا وهم قريش، والله أشد بأسا- قوة- من قريش، وأشد تنكيلا: تعذيبا ومعاقبة وهو قادر عليهم في الدنيا والآخرة لكفرهم وجرأتهم على الحق. وقد تحقق هذا الوعد الإلهي، فكفّ بأس الكافرين، وذلك أن أبا سفيان بعد موقعة أحد كان قد طلب اللقاء في بدر في العام المقبل، فأجابه النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى مطلبه، فحينما حل موعد بدر الصغرى في السنة الثالثة لغزوة أحد، صمم النبي صلّى الله عليه وسلّم على الخروج، وقال: «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي» فخرج ومعه سبعون فقط، وتحقق لهم النصر لأن أبا سفيان بدا له وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب، فرجع من الطريق، وصرفه الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك، فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد، والمعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك لأنه وعده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وسلّم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصرة. وهي تدل على أنه صلّى الله عليه وسلّم أمر بقتال المشركين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وإن كان وحده، كما أنها تدل على اتصاف النبي صلّى الله عليه وسلّم بشجاعة لا نظير لها، وقد ثبت وحده في أحد وحنين وكان الأبطال يتقون به، قال علي كرم الله وجهه: «كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه» . واشتملت الآية على حض المؤمنين على الجهاد والقتال، ودلت على وعد من الله بنصر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتحقق هذا الوعد، كما أوضحت، ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام، فمتى وجد ولو لحظة مثلا، فقد صدق الوعد، فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب 33/ 25] . وكذلك انتصر المؤمنون على المشركين في الحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطن بهم المسلمون، فخرجوا فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [الفتح 48/ 24] . وألقى الله الرعب في قلوب الأحزاب يوم الخندق، وانصرفوا من غير قتل ولا قتال، كما قال تعالى: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب 33/ 25] . وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم. وقبل كثير من
الشفاعة الحسنة ورد التحية وإثبات البعث والتوحيد [سورة النساء (4) الآيات 85 إلى 87] :
اليهود والنصارى الانضمام لدار الإسلام ودفع الجزية، وترك بعضهم ديارهم دون قتال، فكفّ الله بأسهم عن المؤمنين. الشفاعة الحسنة ورد التحية وإثبات البعث والتوحيد [سورة النساء (4) : الآيات 85 الى 87] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) الإعراب: لَيَجْمَعَنَّكُمْ: اللام موطئة للقسم، فقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر، وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ قسم، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم. المفردات اللغوية: مَنْ يَشْفَعْ يتوسط في أمر لقضائه، بأن ينضم إلى آخر ناصرا له في طلبه نَصِيبٌ حظ من الأجر كِفْلٌ نصيب مكفول من الوزر مُقِيتاً حافظا ومقتدرا، فيجازي كل أحد بما عمل. بِتَحِيَّةٍ مصدر حيّاه بأن قال له: حيّاك الله أو سلام عليكم، والتحية في الأصل: الدعاء بالحياة، ثم صار اسما لكل دعاء بالخير في الصباح أو المساء، وجعل الشرع تحية المسلمين: «السلام عليكم» إشارة إلى أن شعار الإسلام: السلام والأمان والمحبة حَسِيباً محاسبا على العمل، فيجازي عليه، وقد يراد به المكافئ لا رَيْبَ فِيهِ لا شك فيه وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أي لا أحد أصدق قولا من الله.
المناسبة:
المناسبة: لما أمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال، بين هنا أنهم حين أطاعوك أصابهم خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيبا تؤجر عليه، لما بذلت في ترغيبهم بالجهاد من جهود. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. التفسير والبيان: من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير، كان له نصيب منه بانتصار الحق على الباطل وما يتبعه من شرف وغنيمة في الدنيا، وبما يحظى به من الثواب في الآخرة. ومن يسعى في سيئة يكون عليه وزر مما ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اشفعوا- أي في الخير- تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» «1» . فالشفاعة نوعان: حسنة وسيئة، أما الشفاعة الحسنة: فهي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم لأنها في معنى الشفاعة إلى الله. وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك» «2» فذلك النصيب. والدعوة على المسلم بضد ذلك.
والشفاعة السيئة: ما كانت بخلاف ذلك. والشائع الآن الوساطات والشفاعات السيئة المصحوبة بالمادة والرشاوى، لتضييع الحقوق، والاستيلاء على مال الغير. عن مسروق أنه شفع شفاعة، فأهدى إليه المشفوع له جارية، فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها «1» . وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً أي حفيظا شهيدا، وقيل: مقتدرا، أو محاسبا، فهو تعالى مطلع عالم بأغراض الشفعاء، مجاز كل واحد بحسب مقصده، وقادر على جزائه بما يستحق لأن الجزاء في سنته مرتبط بالعمل. ثم علّم الله الناس التحية وآدابها، وهي كالشفاعة الحسنة من أسباب التواصل والتقارب بين الناس، وعدت من التحية. وأصل التحية: الدعاء بالحياة، والتحيات لله: أي الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها عنه لله تعالى، والصحيح أن التحية هاهنا: السلام، لقوله تعالى: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة 58/ 8] . فإذا سلم عليكم المسلم فالواجب الرد عليه بأفضل مما سلم، أو الرد عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال الشخص: السلام عليكم، أجاب المسلّم عليه إما بقوله: وعليكم السلام، أو وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد: «وبركاته» كان أفضل، وفي كل كلمة عشر حسنات. والأولى أن يكون الرد ببشاشة وسرور وحسن استقبال. روى ابن جرير عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وعليك
السلام ورحمة الله وبركاته» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: «وعليك» فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، فقال: «إنك لم تدع لنا شيئا» قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها فرددناها عليك» . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها، وهذا تأكيد لإشاعة السلام ووجوب رد التحية على من سلّم. روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» . ثم بيّن الله تعالى أنهم مجزيون على التحية والجهاد وأعمال الخير والشفاعة، فقرر أن المرجع والمصير إلى الله الواحد الأحد، وأن البعث والجزاء في الدار الآخرة ثابت. وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات التوحيد وإخباره تعالى بتفرده بالألوهية لجميع المخلوقات بقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. وإثبات البعث والجزاء في الآخرة بالقسم الذي أقسمه: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ «1» لا رَيْبَ فِيهِ أي أنه سيجمع الأولين والآخرين في الموت وتحت الأرض ثم يبعثهم في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. وقد نزلت في الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه. وقوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً معناه: لا أحد أصدق منه عز
فقه الحياة أو الأحكام:
وجل في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه إذ كلامه تعالى عن علم محيط بسائر الكائنات، كما قال: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه 20/ 52] . فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات آدابا وأحكاما مهمة هي: 1- إباحة الشفاعة الحسنة، أي الموصلة إلى الحق، غير المقترنة بالرشوة، وتحريم الشفاعة السيئة، أي التي فيها التعاون على الباطل أو الإثم والعدوان، أو المسقطة لحد من حدود الله، أو المضيعة لحق من الحقوق، أو المصحوبة بالرشوة. والحسنة فيما استحسنه الشرع ورضيه أي في البر والطاعة، والسيئة فيما كرهه الشرع أو حرمه أي في المعاصي. 2- الترغيب في التحية والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وعن النخعي: «السلام سنة، والرد فريضة» وكلما كان الرد أفضل كان الثواب أكثر، فالسلام وحده من المسلّم والمجيب له من الأجر عشر حسنات، وضم الرحمة إليه: له عشرون حسنة، وضم: «وبركاته» له ثلاثون حسنة كما روى النسائي عن عمران بن حصين. وعن ابن عباس: «الرد واجب، وما من رجل يمر على قوم مسلمين، فيسلم عليهم ولا يردون عليه، إلا نزع عنهم روح القدس، وردت عليه الملائكة» وروى ابن جرير عن ابن عباس أيضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيا، فإن الله يقول: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [النساء 4/ 86] . ومن قال لخصمه: السلام عليكم، فقد أمنه على نفسه. والسنة أن يسلم القادم، والراكب- لعلو مرتبته- على الماشي، والماشي على
القاعد لوقاره وسكونه، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير مراعاة لشرف الجمع وأكثريتهم. ولا يسلم الرجل على المرأة الأجنبية، ويسلم على زوجته. جاء في الصحيحين أنه «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» . وروي «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرّ بصبيان فسلم عليهم» وروى الترمذي: «أنه مر بنسوة فأومأ بيده بالتسليم» وفي الصحيحين: «إن أفضل الإسلام وخيره: إطعام الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» وروى الحاكم من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أفشوا السلام تسلموا» وأجاز المالكية التسليم على النساء إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزعة شيطان أو خائنة عين، ومنعه الحنفية إذا لم يكن منهن ذوات محرم، وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام، فلا يسلم عليهن. والصحيح مذهب المالكية لما ثبت في البخاري من تسليم الصحابة في المدينة على عجوز. وذكر السيوطي: أنه ثبت في السنة أنه لا يجب الرد على الكافر والمبتدع والفاسق وعلى قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل، بل يكره في غير الأخير، ويقال للكافر: وعليك. ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إذا سلم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» «1» أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون: السام عليكم. وروي: «لا تبتدئ اليهودي بالسلام، وإن بدأ فقل: وعليك» وهذا مذهب الجمهور. ولا يرد السلام في الخطبة، وقراءة القرآن جهرا، ورواية الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان والإقامة. ولا يسلّم على المصلي، فإن سلّم عليه فهو بالخيار: إن شاء ردّ بالإشارة بإصبعه، وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد.
وعن أبي يوسف: لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغنّي، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذر في حمام أو غيره. وذكر الطحاوي: أن المستحب رد السلام على طهارة، وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أنه تيمم لرد السلام» . وعن أبي حنيفة: لا تجهر بالرد يعني الجهر الكثير. وأجاز الحسن البصري أن تقول للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة الله، فإنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلّم عليه: وعليك السلام ورحمة الله، فقيل له في ذلك؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم، وروي ذلك عن النخعي. والخلاصة: يجوز بدء السلام ورده على غير المسلمين عند بعض الأئمة. والسنة في السلام والجواب الجهر، ولا تكفي الإشارة بالإصبع والكف عند الشافعي. وعند المالكية: تكفي إذا كان على بعد. 3- الله على كل شيء مقيت (شهيد أو مقتدر) وحسيب (أي رقيب وحفيظ ومحاسب على الأعمال) ولا أحد أصدق من الله حديثا في خبره ووعده ووعيده وحديثه. 4- إثبات التوحيد وتفرد الله بالألوهية والربوبية لجميع المخلوقات، وإثبات البعث والجزاء في الدار الآخرة. 5- القرآن كلام الله لأنه وحي منه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أما كلام غير الله وغير النبي فمحتمل للصدق والكذب عمدا أو سهوا أو جهلا.
أوصاف المنافقين ومراوغتهم ومحاولتهم تكفير المسلمين وكيفية معاملتهم [سورة النساء (4) الآيات 88 إلى 91] :
أوصاف المنافقين ومراوغتهم ومحاولتهم تكفير المسلمين وكيفية معاملتهم [سورة النساء (4) : الآيات 88 الى 91] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) الإعراب: فِئَتَيْنِ منصوب على الحال من الكاف والميم في لَكُمْ أي ما لكم في المنافقين مختلفين؟
البلاغة:
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ استثناء من الهاء والميم في وَاقْتُلُوهُمْ وهو استثناء موجب. حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ جملة فعلية: إما في موضع جر، صفة لمجرور وهو إِلى قَوْمٍ وإما في موضع نصب لأنها صفة لقوم مقدر تقديره: أو جاءوكم قوما حصرت صدورهم. والفعل الماضي إذا وقع صفة لمحذوف جاز أن يقع حالا بالإجماع. لَسَلَّطَهُمْ اللام جواب لَوْ واللام في «لقاتلوكم» : تأكيد لجواب لَوْ في لَسَلَّطَهُمْ لأنها حوذيت بها، وإلا فالمعنى: فسلطهم عليكم فيقاتلوكم، فزيدت للمحاذاة والازدواج: وهي اللام التي تأتي في إثر جواب «لو» ثم تقترن بها لام أخرى، يقصد بها التأكيد. البلاغة: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ وقوله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا: استفهام بمعنى الإنكار. أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ: فيه طباق. تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا: جناس مغاير. المفردات اللغوية: فِئَتَيْنِ فرقتين أو جماعتين أَرْكَسَهُمْ ردهم إلى الكفر والقتال. والمراد هنا تحولهم إلى الغدر والقتال، بعد أن أظهروا الولاء للمسلمين. أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي تعدوهم من جملة المهتدين. سَبِيلًا طريقا إلى الهدى. وَدُّوا تمنوا وَلِيًّا نصيرا ومعينا يَصِلُونَ يتصلون بهم أو يلجأون إليهم مِيثاقٌ عهد، كما عاهد النبي صلّى الله عليه وسلّم هلال بن عويمر الأسلمي حَصِرَتْ ضاقت عن قتالكم وقتال قومهم السَّلَمَ الصلح أو السلام والاستسلام، أي انقادوا سَبِيلًا طريقا بالأخذ والقتل. سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ بإظهار الإيمان عندكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ بالكفر إذا رجعوا إليهم، وهم أسد وغطفان الْفِتْنَةِ الشرك أُرْكِسُوا فِيها وقعوا أشد وقوع فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ بترك قتالكم فَخُذُوهُمْ بالأسر ثَقِفْتُمُوهُمْ وجدتموهم سُلْطاناً مُبِيناً برهانا بينا أو حجة واضحة على قتلهم وسبيهم لغدرهم.
سبب النزول:
سبب النزول: نزول الآية (88) : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ: روى الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ. وروى ابن جرير عن ابن عباس أنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فاختلف المسلمون في شأنهم وتشاجروا، فنزلت الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعد بن معاذ بن عبادة قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس، فقال: من لي بمن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني؟ فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة، فقال: يا ابن معاذ: طاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولقد عرفت ما هو منك فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا بن عبادة منافق وتحب المنافقين فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا يا أيها الناس، فإن فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يأمرنا فننفذ أمره، فأنزل الله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ الآية. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة وحماها، فأركسوا خرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة حسنة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فأنزل الله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ الآية ، لكن
سبب نزول الآية (90) :
في إسناده تدليس وانقطاع، أي لا يصح الاعتماد على هذه الرواية. سبب نزول الآية (90) : إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن البصري أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر النبي صلّى الله عليه وسلّم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، إنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا، ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيد خالد، فقال: اذهب معه، فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، وأنزل الله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أيضا عن مجاهد أنها نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وكان بينه وبين المسلمين عهد، وقصده ناس من قومه، فكره أن يقاتل المسلمين، وكره أن يقاتل قومه. المناسبة: هذه الآيات استمرار في بيان أحوال المنافقين ومواقفهم المخزية، وهي إنكار على المؤمنين في اختلافهم في شأن المنافقين على رأيين، وتقسيمهم فئتين، مع أن كفرهم واضح، فيجب القطع بكفرهم وقتالهم. وقد كانت الآيات السابقة: 60- 63، و64- 68، و72- 73، والآيات اللاحقة 142- 143 كلها في مناقشة أعمال المنافقين والتنديد بها وإنكارها.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: يخاطب الله المؤمنين مستنكرا عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين، مع قيام الأدلة عليه، فما لكم اختلفتم في شأنهم فئتين: فئة تزكيهم وتشهد لهم بالخير، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر؟ والحال أنهم كافرون، صرفهم الله عن الحق وأوقعهم في الضلال، بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول، واتباعهم الباطل، ومعاداتهم المسلمين وبغضهم والتآمر عليهم، وعدم هجرتهم من مكة إلى المدينة، فكأنهم نكسوا على رءوسهم، وصاروا يمشون على وجوههم، لفساد فطرتهم، كما قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ [الملك 67/ 22] . ومعنى قوله: أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بسبب ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ.. أي هل تريدون إعادتهم إلى هداية الإسلام مع أنهم ضالون بأنفسهم؟ ومن يكون ضالا عن طريق الحق، فلن تجد له طريقا للعودة إليه، أي لا طريق لهم إلا الهدى ولا مخلص لهم إليه لأن سبيل الحق واضح وهو التزام منهج الفطرة، وهداية العقل الرشيد، والتفكير المجرد غير المتحيز في الخير والشر، والنافع والضار، والحق والباطل. ثم ذكر الله تعالى موقفا غريبا لهم وهو أنهم يتمنون الضلالة لكم، لتستووا أنتم وإياهم فيها، ليقضى على الإسلام كله، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم، وتماديهم في الكفر، حيث لا يكتفون بضلالهم وكفرهم وغوايتهم، بل يتأملون إضلال غيرهم. لذا حذر الله المؤمنين من مكائدهم وسعاياتهم هذه، فلا تتخذوا منهم أنصارا يساعدونكم على المشركين الوثنيين، حتى يدل الدليل الواضح على إيمانهم
الأول:
ويهاجروا إلى المدينة ويتعاونوا بصدق معكم في قضاياكم، فهذا دليل الصدق في الإيمان. فإن أعرضوا عن الإيمان الظاهر بالهجرة في سبيل الله، ولزموا أماكنهم خارج المدينة، فخذوهم واقتلوهم أنى وجدتموهم في أي مكان وزمان، في الحل أو في الحرم، ولا توالوهم أو تولوهم شيئا من مهام أموركم، ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك. ثم استثنى الله من هؤلاء أحد صنفين: الأول: الذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين ويلجأون إلى أهل عهدكم بمهادنة أو عقد ذمة، فينضمون إليهم في عهدهم، فاجعلوا حكمهم كحكم المعاهدين. وهذا موافق لما جاء في صلح الحديبية في صحيح البخاري: «من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم، دخل فيه» . قال أبو بكر الرازي: إذا عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار، فلا محالة يدخل فيه من كان في حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء، بعد أن يكون في حيزهم ومن أهل نصرتهم وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في العهد ما لم يشرط، ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين، فهو داخل فيهم إذا عقد العهد على ذلك، كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش «1» . الثاني: المحايدين: الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم وأبغضوا أن
يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم، وهم بتعبير العصر: المحايدون، فهم لا يقاتلون المسلمين بمقتضى العهد، ولا يقاتلون قومهم، حفاظا على أصل الرابطة العرقية أو الجنسية معهم، فهم قومهم، وهم بذلك معذورون. وكلا الفريقين يعاملون بقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة 2/ 190] . وكان من رحمة الله ولطفه بكم أن سالموكم وكفّ بأس هذين الفريقين عنكم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم بأن يلهمهم القتال فيقاتلوكم. فإن اعتزلكم هؤلاء وأمثالهم فلم يقاتلوكم، وألقوا إليكم المسالمة، فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك. وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال، وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره. قال الزمخشري: فقرر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم. ثم بيّن الله تعالى حكم جماعة أخرى موافقة في الظاهر للفئة السابقة، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي صلّى الله عليه وسلّم ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم (النساء والصبيان) ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليكونوا في أمان من المسلمين، وهم في الباطن مع الكفار «1» ، كما قال تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة 2/ 14] وقال هاهنا: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها أي كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين، أركسوا فيها، أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وانهمكوا فيها، وكانوا شرا فيها من كل عدو، كما قال
فقه الحياة أو الأحكام:
الزمخشري «1» ، وقال السدي: الفتنة هاهنا الشرك، أي كلما دعوا إلى الشرك تحولوا إليه أقبح تحول، فهم قد مردوا على النفاق. حكى ابن جرير: أنها نزلت في قوم هم بنو أسد وغطفان، وقيل: غيرهم. وحكمهم أنه إن لم يعتزلوكم، ويسالموكم، ويقفوا على الحياد، ويكفوا أيديهم عن القتال مع المشركين، فخذوهم أسراء، واقتلوهم حيث لقيتموهم، وأولئكم جعلنا لكم عليهم حجة واضحة، أو برهانا بيّنا واضحا على قتالهم، لظهور عداوتهم. وهذا كله تأكيد لحرص الإسلام على السلم والأمن والعهد والصلح، قال الرازي: قال الأكثرون: وهذا يدل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا، وطلبوا الصلح منا، وكفوا أيديهم عن قتالنا، لم يجز لنا قتالهم وقتلهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أحكام كثيرة هي: 1- وضوح موقف الإسلام من المنافقين: وهو الحكم عليهم بالكفر وجواز قتلهم، فلا يصح الانقسام في الحكم عليهم فرقتين مختلفتين، ما دامت أدلة كفرهم واضحة للعيان. والمنافقون الذين نزلت الآية في شأنهم: هم عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا كما تقدم في «آل عمران» وقال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة. قال الضحاك: وقالوا: إن ظهر محمد فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين: قوم يتولّونهم، وقوم يتبرءون منهم فقال الله عز وجل: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ؟
2- تمنيهم أن يكونوا مع المسلمين في الكفر والنفاق على سواء: فأمر الله تعالى بالبراءة منهم، فقال: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا وقال أيضا: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال 8/ 72] . والهجرة أنواع: منها- الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانت هذه واجبة أول الإسلام، حتى قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: «لا هجرة بعد فتح مكة» . ومنها- هجرة المنافقين مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغزوات. وهجرة من أسلم في دار الحرب، فإنها واجبة. وهجرة المسلم ما حرّم الله عليه كما قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عمرو: «والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه» أو: «من هجر ما حرم الله عليه» . وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم، فلا يكلّمون ولا يخالطون حتى يتوبوا كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم مع كعب بن مالك وصاحبيه. 3- أسر المنافقين وقتلهم: قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ أي إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي وجدتموهم في مختلف الأماكن من حلّ وحرم. 4- تحريم قتال وقتل المنضمين إلى المعاهدين الذين تعاهدوا مع المسلمين، وكذا المحايدين الذين وقفوا على الحياد، فلم يقاتلوا المسلمين ولم يقاتلوا قومهم. 5- دلت الآية إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ على مشروعية الموادعة (الهدنة) بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين.
6- لله أن يفعل ما يشاء، ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. وتسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين: هو بأن يقدرهم على ذلك ويقوّيهم، إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارا، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد 47/ 31] وإما تمحيصا للذنوب، كما قال تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران 3/ 141] . 7- مسالمة الانتهازيين الذين يظهرون الإيمان، ولكنهم مستعدون للعودة إلى الشرك وهم المذكورون في قوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ... الآية. قال قتادة: نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلّى الله عليه وسلّم ليأمنوا عنده وعند قومهم. وقال مجاهد: هي في قوم من أهل مكة. وقال السدّي: نزلت في نعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين. وقال الحسن البصري: هذا في قوم من المنافقين. وقيل: نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة، فأسلموا، ثم رجعوا إلى ديارهم، فأظهروا الكفر. وانتهازيتهم واضحة في قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ومعنى أُرْكِسُوا: انتكسوا عن عهدهم الذي عاهدوا، وقيل: إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه.
جزاء القتل الخطأ والقتل العمد [سورة النساء (4) الآيات 92 إلى 93] :
جزاء القتل الخطأ والقتل العمد [سورة النساء (4) : الآيات 92 الى 93] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) الإعراب: أَنْ يَقْتُلَ أن المصدرية وصلتها اسم كان المرفوع ولِمُؤْمِنٍ خبرها مقدم على الاسم. إِلَّا خَطَأً استثناء منقطع، ومثله قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا. وانتصاب خطأ: إما لأنه مفعول لأجله، أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو لأنه صفة لمصدر محذوف أي قتلا خطأ، أو حال. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ تحرير: مبتدأ، وخبره محذوف وتقديره: فعليه تحرير رقبة ودية مسلّمة، وكذلك فَصِيامُ شَهْرَيْنِ أي فعليه صيام شهرين. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ توبة: منصوب على المصدر بفعله المقدر، وإن شئت على المفعول لأجله.
البلاغة:
البلاغة: أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً: إطناب. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مجاز مرسل في رَقَبَةٍ من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. المفردات اللغوية: خَطَأً أي مخطئا في قتله بغير قصد للقتل وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة، فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي عتق مملوك مُؤْمِنَةٍ أي عليه نفس مؤمنة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي مؤداة إلى ورثة المقتول، والدية: مال يدفع لأهل القتيل عوضا عنه أَنْ يَصَّدَّقُوا أن يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها. مِيثاقٌ عهد كأهل الذمة أو الأمان أو الصلح فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة بأن فقدها أو فقد ثمنها مُتَتابِعَيْنِ شهرين قمريين لا يتخللهما فطر إلا لعذر شرعي. ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ تطهيرا لأنفسكم ولأما لجرحكم عَلِيماً بخلقه حَكِيماً فيما دبره لهم. سبب النزول: نزول الآية (92) : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ: أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عيّاش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج الحارث مهاجرا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلقيه عيّاش بالحرّة، فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره فنزلت: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً الآية. نزول الآية (93) : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً: أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن عكرمة أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي صلّى الله عليه وسلّم
المناسبة:
الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح. قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أحكام قتال المنافقين، والذين يعاهدون المسلمين على السلم ثم يغدرون بهم ويعينون أعداءهم، ذكر هنا حكم قتل من لا يحل قتله عمدا أو خطأ، سواء كان من المؤمنين أو المعاهدين والذميين. التفسير والبيان: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بأي وجه، إلا إذا وقع القتل خطأ، أي ما كان لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والقتل الخطأ: هو الذي يحدث من غير قصد الفعل أو الشخص أو إزهاق الروح غالبا لأن القتل جريمة عظمي ومن الكبائر أو السبع الموبقات، قال تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة 5/ 32] . وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وهذه الخصال الثلاث ليس لأحد من الرعية أن يفعل شيئا منها، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه. وأخرج بن ماجه عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أعان على قتل مسلم مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة، مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» . وأخرج البيهقي عن البراء بن عازب أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مؤمن» .
وسبب العقوبة على القتل الخطأ: أنه لا يخلو من تفريط وتهاون وتقصير، مما شأنه العقاب عليه. وعقوبة القتل الخطأ شيئان: تحرير رقبة مؤمنة أي عتق نفس مملوكة، ودية مدفوعة إلى أهل القتيل. أما الواجب الأول وهو تحرير الرقبة فهو كفارة لما ارتكب من الذنب العظيم، وإن كان خطأ. ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة. والذي عليه الجمهور: أنه متى كان العبد مسلما صح عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيرا أو كبيرا. قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم. قال: «أتشهدين أني رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: «نعم» قال: «أعتقها» وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره. وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنّسائي عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أين الله؟» ، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» ، قالت: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» . وأما الواجب الثاني وهو الدّية: فتجب عوضا عما فات أهل القتيل من قتيلهم، وهي كما ثبت في السّنّة مائة من الإبل، ودية المرأة نصف دية الرجل لأن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أعظم من المنفعة التي تفوت بفقدها. أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن عمرو بن حزم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى أهل اليمن كتابا جاء فيه: «إن من اعتبط- قتل بغير سبب شرعي- مؤمنا قتلا عن بيّنة، فإنه قود
- قصاص يجب عليه- إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدّية مائة من الإبل.. ثم قال: وعلى أهل الذهب ألف دينار» أي أن جنس الدّية بحسب رأس المال الشائع عند أهلها، فعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الفضة عشرة آلاف درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم عند الجمهور، وعلى أهل الإبل مائة، وقال الشافعي: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورق (الفضة) إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت. وإنما تجب دية الإبل أخماسا، كما روى الإمام أحمد وأصحاب السّنن عن ابن مسعود، قال: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة وعشرين حقّة» . وهذا مذهب أحمد ومالك والشافعي، وكذا عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل مكان ابن اللبون: ابن مخاض «1» . وأما دية شبه العمد في رأي الحنفية فهي مثلثة: أربعون خلفة (حامل) وثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة «2» . ومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد ولده. وأما ديّة العمد فما اتّفق عليه عند أبي حنيفة ومالك في المشهور من قوله. وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد. ودية الخطأ على العاقلة، وهي عند علماء الحجاز: قرابة القاتل من جهة أبيه، وهم عصبته لأن الناس تعاقلوا في زمن النّبي صلّى الله عليه وسلّم وفي زمن أبي بكر، ولم يكن هناك ديوان. وعند الحنفية: العاقلة: هم أهل ديوان القاتل، على النحو الذي نظمه
عمر بن الخطاب. فإن عجزت العاقلة أخذت الدّية من بيت المال العام (وزارة المالية) . فإن قيل: كيف تتحمل العاقلة الدية وتؤخذ بجريرة القاتل، والله يقول: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164] ، ويقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البزار عن ابن مسعود: «لا يؤخذ الرّجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» وقال لأبي رمثة وابنه فيما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي رمثة: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» . فالجواب: أن هذا ليس من باب تحميل الشخص وزر غيره لأن الدّية على القاتل ابتداء، وتحمل العاقلة إياها من باب المعاونة، كما يتعاون هو في دية قاتل آخر، وكما تتعاون القبيلة في النصرة فترد الغارات، تتعاون بمالها، فيدي بعضها عن بعض. وقد دلّت الأحاديث على أن العاقلة (العصبة من جهة الأب) تحمل الدّية، روى الشيخان عن أبي هريرة: أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى، فألقت جنينا ميتا، فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على عاقلة الضاربة بالغرّة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندي من لا شرب ولا ... أكل ولا صاح ولا استهلّ ومثل ذلك يطلّ فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: هذا من سجع الجاهلية. وورد أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها. ولا خلاف بين العلماء في أن الجنين إذا خرج حيّا فيه الكفارة مع الدّية،
واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا، فقال مالك: فيه الغرّة والكفارة، وقال أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرّة ولا كفارة. واختلفوا في ميراث الغرّة عن الجنين فقال مالك والشافعي: الغرّة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى لأنها ديّة. وقال الحنفية: الغرّة للأم وحدها لأنها جناية جني عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية. وذهب أبو بكر الأصمّ وجمهور الخوارج إلى أن الدّية على القاتل، لا على العاقلة لأن قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ [النساء 4/ 92] ، يقتضي أن من يجب عليه هو القاتل، وكذلك في الدّية. ونظرا لاختلاف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وانهيار روابط القبيلة وفقد العصبية القبلية، واعتماد كل امرئ على نفسه دون قبيلته، كما في الوقت الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج، وهذا ما نصّ عليه متأخرو الحنفية كما أبان ابن عابدين. وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا معناه: أن الدّية تجب لأهل المقتول إلا أن يعفوا عنها ويتنازلوا عنها فلا تجب لأنها إنما وجبت جبرا لخاطرهم وتطييبا لنفوسهم، حتى لا تقع عداوة ولا بغضاء بينهم وبين القاتل، وتعويضا عما فاتهم من المنفعة بقتله، فإذا عفوا فقد طابت نفوسهم، وسمّى الله هذا العفو تصدقا ترغيبا فيه. فإن كان المقتول من الأعداء أهل الحرب وهو مؤمن كالحارث بن يزيد من قريش أعداء النّبي صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنون في حرب معهم، ولم يعلم المسلمون إيمانه لأنه لم يهاجر، وقد قتله عياش حين هاجر وهو لم يعلم بذلك، كما تقدم، ومثله
كل من آمن في دار الحرب ولم يعلم المسلمون بإيمانه حين قتله، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة فقط. وأما إن كان المقتول من قوم معاهدين للمسلمين على السلم، كأهل الذّمّة أو الهدنة، فلهم دية قتيلهم. والواجب في قتل المعاهد المؤمن أو الكافر دية كاملة وتحرير رقبة مؤمنة أيضا. وهذا رأي أبي حنيفة، لظاهر الآية في أهل الميثاق، وهم المعاهدون وأهل الذّمة، ولأنه يسوّى في القصاص بين المسلم والذّمّي، فيسوّى بينهما في الدّية. وقال مالك: دية المعاهدين نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، لما روى أحمد والترمذي أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «عقل- دية- الكافر نصف دية المسلم» ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: كانت الدّيات على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين ، قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذّمّة لم يرفع فيها شيئا. وقد روى أهل السّنن الأربعة عنه صلّى الله عليه وسلّم: «إن دية المعاهد نصف دية المسلم» . وروي عن أحمد: أن ديته كدية المسلم إن قتل عمدا، وإلا فنصف ديته. وقال الشافعي: ديته ثلث دية المسلم في الخطأ والعمد لأنه أقل ما قيل في المسألة، ولأن عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم. وتأخذ الدّية ورثة المقتول، وهي كميراث، يقضى منها الدّين، وتنفذ منها الوصايا، وتقسم على الورثة، روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج، فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدّية للعصبة الذين يعقلون عنه،
القتل العمد:
فشهد بعض الصحابة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها، فقضى عمر بذلك. فمن لم يملك الرقبة ولا ثمنها أو لم يجد رقيقا كما في عصرنا (وهذا من أهداف الإسلام) فعليه صيام شهرين متتابعين قمريين، لا يقطعهما إفطار من غير عذر شرعي، وإلا استأنف الصوم من جديد. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ أي شرعها الله لكم قبولا منه ورحمة لتطهير نفوسكم من آثار التقصير وقلّة الاحتراز والتّحري، مما أدى إلى القتل خطأ. وكان الله عليما بأحوال النفوس وما يطهرها، وقد علم أن القاتل خطأ لم يتعمد، فلذلك لم يؤاخذه بالقصاص، حكيما فيما شرعه، فإن فرض الدّية تعويضا لهم في غاية الحكمة والمصلحة. القتل العمد: أما من قتل مؤمنا عمدا فجزاؤه على قتله عذاب جهنم خالدا فيها أي باقيا فيها، وغضب الله عليه أي انتقم منه لما ارتكبه من هذا الجرم الخطير، وأخزاه ولعنه أي أبعده عن رحمته، وهيأ له عذابا عظيما. وهل تقبل توبة القاتل عمدا؟ يرى ابن عباس وجماعة آخرون من الصحابة والتابعين «1» : أنه لا توبة لقاتل العمد، للأحاديث الكثيرة التي تدلّ على عظم هذه الجريمة، كما تقدّم عن ابن عمر والبراء بن عازب. ويختلف هذا عن التائب من الشرك- وقد كان قاتلا زانيا- فإنه تقبل توبته لأنه لم يكن يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور، فله شبه عذر، وترغيبا له في الإسلام. أما المؤمن العالم بحرمة القتل فلا عذر له.
ويرى الجمهور أنه تقبل توبة القاتل عمدا، لقوله تعالى: قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر 39/ 53] ، وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، فكل من تاب تاب الله عليه. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] وهذه عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون قبول التوبة في هذه الأمة بطريق الأولى والأحرى لأن الله وضع عنّا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبيّنا بالحنيفية السمحة. ولأن الكفر أعظم من القتل، والتوبة عنه تقبل، فتقبل عن القتل بالأولى، ثم إن آية الفرقان تدلّ على قبول توبته وهي قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً، إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الآيات 68- 70] . فأما الآية الكريمة: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً.. فقال أبو هريرة وجماعة من السّلف: هذا جزاؤه إن جازاه. وعليه يحمل كل وعيد على ذنب، وقد يكون له أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قول أصحاب الموازنة، أي وزن الحسنات والسيئات. وعلى قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس بمخلد أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل، لا الدوام، وقد تواترت الأحاديث عن
فقه الحياة أو الأحكام:
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه: «يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان» . ويرى بعضهم (عكرمة وابن جريج) أن حكم الآية إنما هو لمن استحلّ القتل، فإنما فسّر متعمدا، أي مستحلّا، فجزاؤه حينئذ جهنم خالدا فيها أبدا. واختار الرازي في الجواب: أن هذه الآية قد خصصت في موضعين: أحدهما- القتل العمد إذا لم يكن عدوانا كقتل القصاص. والثاني- القتل الذي تاب عنه. وإذا دخلها التخصيص في هذين، فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] . فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: 1- شأن الإيمان الامتناع النهائي عن قتل النفس، لا عمدا ولا خطأ لأنه اعتداء على صنع الخالق، وجريمة عظيمة، ومنكر قبيح. 2- أجمع العلماء على أن قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، وكذلك أيضا قوله عليه الصّلاة والسّلام: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» «1» أريد به الأحرار خاصة. 3- فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة كالرقبة التي
أوجبها الله في كفارة الظهار. وهناك اختلافات في شأن إعتاق الرّقبة لا داعي لذكرها في عصرنا الآن. 4- الواجب الثاني في القتل الخطأ هو الدّية: وهي ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه. والمسلّمة: المدفوعة المؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدّية، وإنما في الآية إيجاب الدّية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السّنّة، وقد بيّنت ذلك. 5- دلّ قوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا على جواز العفو عن الدّية، والتّصدّق: الإعطاء والمراد: إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول مما أوجب الله لهم من الدّية على عاقلة القاتل. أما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلّص آخر لعبادة ربّه. وإنما تسقط الدّية التي هي حقّ لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا يتحملها أحد عنه. 6- فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ: موضوعها المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار، ففي المشهور من قول مالك، وقول أبي حنيفة: إن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة، فلا دية له، وإنما كفارته تحرير الرقبة لأن أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها، ولأن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية لقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال 8/ 72] . فإن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب، ففيه الدّية لبيت المال والكفارة «1» .
وقال الشافعي والأوزاعي والثوري وأبو ثور: الوجه في سقوط الدّية: أن الأولياء كفار فقط، فلا تدفع ديته سواء قتل في ديار الحرب أو في ديار الإسلام. ولو وجبت الدّية لوجبت لبيت المال على بيت المال، فلا تجب الدّية في هذا الموضع، وإن جرى القتل في بلاد الإسلام. ويؤيد هذا الحكم ما جاء في صحيح مسلم من قتل أسامة رجلا من جهينة قال: لا إله إلا الله، خوفا من السلاح في تقديره، قال له النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولا دية. 7- وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ: هذا في الذّمّي والمعاهد يقتل، فتجب الدّية والكفارة، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي. 8- أجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل لأن لها نصف الميراث، وشهادتها نصف شهادة الرجل. وهذا ثابت بالسّنّة لا بالقرآن. أما القتل العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء، لقوله عزّ وجلّ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْحُرُّ بِالْحُرِّ كما تقدم في سورة البقرة. واختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما: فقال شريح والنخعي وأحمد وإسحاق: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفل الأعلى. وقال مالك في رجلين جرّ أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا: على عاقلة الذي جبذه الدّية. وقال بعض أصحاب الشافعي: يضمن نصف الدّية لأنه مات من فعله، ومن سقوط الساقط عليه. أما في حال التصادم: فقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا: دية المصدوم على عاقلة الصادم، ودية الصادم هدر. وقال في الفارسين إذا
اصطدما فماتا: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه. وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته. وذلك يقال أيضا في تصادم السفينتين، أو السيارتين اليوم. 9- إن دية أهل الكتاب فيها اختلاف: فقال المالكية وأحمد: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النّصف من ذلك، لحديث عمرو بن شعيب المتقدّم. وقال الحنفية: الدّيات كلها سواء، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذّمي لقوله تعالى: فَدِيَةٌ وذلك يقتضي الدّية كاملة كدية المسلم «1» ، ويؤيده أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه ابن عباس- جعل دية يهود بني قريظة والنضير سواء، دية كاملة. لكنه حديث عن ابن عباس ضعيف جدا. وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم لأنه أقل ما قيل في ذلك، كما أوضحت، والذّمة بريئة إلا بيقين أو حجّة. 10- صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرّقبة ولا اتّسع ماله لشرائها، فلو أفطر يوما بلا عذر استأنف. وهذا قول الجمهور. فإن وجد عذر كالحيض، أو مرض، لم يستأنف في رأي مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه: يستأنف في المرض. 11- ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد، فقال مالك: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، وأما شبه العمد فلا نعرفه.
وأثبت فقهاء الأمصار وجمهور أئمة المذاهب شبه العمد بما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد: ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» لكنه حديث مضطرب عند المحدثين. ذكر ابن عبد البرّ أنه لا يثبت من جهة الإسناد. واختلف القائلون بشبه العمد في تحديده وبيان ما هو عمد على أقوال ثلاثة: الأوّل- قال أبو حنيفة: العمد: ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد «1» . الثاني- قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله. الثالث- قال الشافعي: ما كان عمدا في الضرب، خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل. وأما الخطأ فما كان خطأ فيهما جميعا، وأما العمد: فما كان عمدا فيهما جميعا. ويعتمد الفقهاء في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل لأن نيّة القاتل لا اطلاع لنا عليها، فأقيمت الآلة مقام النيّة. وكان الأولى هو البحث عن ظروف القتل وقرائن الأحوال لتعلم نيّة القاتل أهو عمد أم مخطئ. واختلفوا في الدّية المغلظة على القتل شبه العمد: فقال عطاء والشافعي ومالك في المشهور عنه، فيما يقول فيه بشبه العمد، وهو قتل الوالد ولده: هي ثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة «2» .
الحرص على السلام والتثبت في الأحكام [سورة النساء (4) آية 94] :
وقال أبو حنيفة: هي مربّعة: ربع بنات لبون، وربع حقاق، وربع جذاع، وربع بنات مخاض. ودية شبه العمد عند الحنفية والشافعية والحنابلة على العاقلة (القرابة من جهة الأب) . ولا تحمل العاقلة دية العمد، وإنها في مال الجاني. وهل تجب الكفارة في القتل العمد؟ أجمعوا على وجوب الكفارة على القاتل خطأ، واختلفوا في وجوبها على قاتل العمد، فلم يوجبها الجمهور لأنه لا قياس في الكفارات، واقتصر النّص القرآني على الكفارة في القتل الخطأ جبرا للذنب غير المقصود «1» . وأوجبها الشافعي في العمد وفي شبه العمد وفي الخطأ لأن الذنب في القتل العمد أعظم من القتل الخطأ، فكانت الكفارة في العمد أحرى وأولى، والعامد أحوج إليها لتكفير الخطيئة. وإذا اشترك جماعة في القتل الخطأ، وجبت الكفارة على كلّ واحد منهم باتّفاق المذاهب الأربعة. الحرص على السّلام والتّثبّت في الأحكام [سورة النساء (4) : آية 94] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94)
الإعراب:
الإعراب: تَبْتَغُونَ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في تَقُولُوا أي: لا تقولوا ذلك مبتغين. البلاغة: إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ استعارتان: استعار الضرب للسعي في جهاد الأعداء، واستعار السبيل لدين الله. المفردات اللغوية: ضَرَبْتُمْ في الأرض: سافرتم للتجارة، وفي سبيل الله: سافرتم للجهاد فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لجهاد الأعداء. فَتَبَيَّنُوا وفي قراءة: فتثبّتوا، والمراد تحققوا من الأمر ولا تتسرعوا في الحكم. السَّلامَ أي التّحية، أو الاستسلام والانقياد بقوله كلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام. عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي متاعها الفاني من الغنيمة. مَغانِمُ كَثِيرَةٌ أي أرزاق ونعم كثيرة تغنيكم عن قتل شخص لماله. كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد النطق بالشهادة. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاشتهار بالإيمان والاستقامة. فَتَبَيَّنُوا أن تقتلوا مؤمنا، وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فعل بكم. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم به. سبب النزول: 1- روى البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو يسوق غنما له، فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعمدوا إليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ الآية. 2- وأخرج البزار من وجه آخر عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
سريّة فيها المقداد، فلما أتوا القوم، وجدهم قد تفرّقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «كيف لك بلا إله إلا الله غدا؟» وأنزل الله هذه الآية. 3- وأخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: بعثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلّم بن جثّامة، فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلّم علينا، فحمل عليه محلّم، فقتله، فلما قدمنا على النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية. وأخرج ابن جرير من حديث ابن عمر نحوه. 4- وروى الثعلبي عن ابن عباس أن اسم المقتول مرداس بن نهيك الغطفاني من أهل فدك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السّريّة غالب بن فضالة الليثي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلما لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، فلما رجعوا نزلت الآية. ولا مانع من تعدد أسباب النزول، سواء بعد إعلان صاحب الغنم التحية الإسلامية (كما في رقم 1، 3) أو اتّقاء للسلاح في الحرب، وكان القاتل المقداد (رقم 2) أو محلّم (رقم 3) أو أسامة (رقم 4) ، وكان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يقرأ الآية على أصحاب كل واقعة. قال القرطبي: الذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنّف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البرّ: أن القاتل محلّم بن جثّامة، والمقتول عامر بن الأضبط.
المناسبة:
المناسبة: هذا بيان نوع من أنواع القتل الخطأ الذي كان يحصل في الماضي بسبب قيام حالة الحرب أو الحرب نفسها مع المشركين، وفيه تسرّع بالحكم بعدم الإسلام على الرجل، بعد أن بيّن الله تعالى في الآية السابقة حكم نوعي القتل: الخطأ والعمد. وذكر القرطبي أن هذه الآية متصلة بذكر القتل والجهاد في الآيات السابقة. التفسير والبيان: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله إذا سرتم لجهاد الأعداء، ورأيتم من تشكّون أهو مسلم أم كافر، مسالم أم محارب، فتمهّلوا في الحكم عليه، وتبيّنوا حقيقة أمره، أهو مؤمن لتحيته لكم بالسّلام أو نطقه بالشهادتين، ولا تعجلوا بقتله، ولا تقولوا لمن استسلم ولم يقاتلكم وأظهر أنه مسلم: إنك لست مؤمنا، فأنتم مأمورون بالعمل بالظاهر، والله أعلم بأمره. تبتغون بذلك الحصول على متاع الحياة الدّنيا ومغانمها الفانية الزائلة، فعند الله أرزاق كثيرة ونعم وأفضال لا تحصى، وعنده خزائن السموات والأرض، فالتمسوها بطاعته، فهي خير لكم، ولا يصح منكم ولا يليق بكم أن تفعلوا هذا الفعل، وتتسرّعوا في الحكم على ما في قلوب الناس، وتتهموهم بالمصانعة والتّقية، والخوف من السيف. على أنكم نسيتم حالكم، فكنتم هكذا من قبل، آمنتم سرّا، وكنتم تخفون إيمانكم من المشركين، ثم أظهرتم الإسلام علنا، وهذا حال من قتلتموه، كان يسرّ إيمانه ويخفيه من قومه، وكما قال تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال 8/ 26] ، فمنّ الله عليكم أي فصرتم آمنين مطمئنين وفي عداد المؤمنين، ومنّ الله عليكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان، وبإعزاز دينه وتقوية
فقه الحياة أو الأحكام:
شوكة الإسلام، وبقبول توبة المتسرع في القتل، فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل. قال الزمخشري في تفسير كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ: أول ما دخلتم في الإسلام، سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم، من غير انتظار الاطّلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم «1» . ثم أكّد الله تعالى وجوب التّبيّن، فأمر أن يكونوا على بيّنة من الأمر الذي يقدمون عليه بأدلّة ظاهرة وقرائن كافية، وألا يأخذوا بالظن السريع، وإنما عليهم التدبّر، حتى يظهر الأمر، فإن الحكم بالإيمان يكفي فيه مجرد ظاهر الحال، أما القتل فلا بدّ فيه من غلبة الظّنّ الراجح على البقاء على حال الكفر، وعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في الكفّ عن القتل والقتال. إن الله تعالى خبير بأعمالكم، مطّلع على أحوالكم، ونيّاتكم ومقاصدكم، وسيجازيكم عليها، وهذا تهديد ووعيد وتحذير من تكرار التّورّط في مثل هذا الخطأ، فلا تتهافتوا في القتل، وكونوا محترزين محتاطين في ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآية محصور في ضرورة التّثبّت في الأحكام وعدم التّسرّع في أمر القتل، لخطورته، وأنه يكتفى في الحكم على الشخص بالإسلام بالنّطق بالشهادتين في الظاهر، دون حاجة للكشف عما في القلب واستبطان الحقيقة والواقع، فذلك ليس من شأن البشر، وإنما أمر القلوب متروك لعلّام الغيوب، وهذا مناسب للرّواية التالية:
المشهور في سبب نزول هذه الآية ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال: بعثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سريّة، فصبّحنا الحرقات «1» من جهينة، فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أقال: لا إله إلا الله، وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟!» . «2» وروي عن أسامة أنه قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: «أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولا دية. أما الفقهاء فقالوا: إذا قتله في هذه الحالة قتل به، وإنما لم يقتل أسامة لأنه كان في صدر الإسلام، وتأوّل أنه قالها متعوّذا وخوفا من السلاح، وإن العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه عاصم كيفما قالها، فقال عليه الصّلاة والسّلام في الحديث المتواتر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» ، ولذلك قال لأسامة: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!» أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب، وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه. والمراد من الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس» هم مشركو العرب دون اليهود والنصارى فإنهم يقولون: لا إله إلا الله، فلا بدّ فيهم من إعلان الاعتراف بنبوّة النّبي صلّى الله عليه وسلّم. وفي هذا من الفقه حكم عظيم: وهو أن الأحكام تناط بالمظانّ والظواهر، لا على القطع واطّلاع السرائر «3» .
وإذا فسّر قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ: لَسْتَ مُؤْمِناً بالتّحية، فلا مانع أيضا لأن سلامه بتحيّة الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والتّرك. فإن قال: سلام عليكم، فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا لأنه موضع إشكال. ولا يكفي في رأي مالك أن يقول: أنا مسلم أو أنا مؤمن، أو أن يصلّي، حتى يتكلّم بالكلمة العاصمة التي علّق النّبي صلّى الله عليه وسلّم الحكم بها عليه في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» «1» . أي أن الكلمة الفاصلة بعد التحية بالسّلام أو برؤيته يصلي هو أن يقول: لا إله إلا الله. وهذا في شأن إنهاء الحرب ومنع القتل والقتال، فيكتفى بالحكم بالظاهر، وليس في قضية أن الإيمان هو الإقرار فقط، كما حاول بعضهم الاستدلال بالآية، وإنما حقيقة الإيمان: التّصديق بالقلب، بدليل أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول: «لا إله إلا الله» وليسوا بمؤمنين. وفي الآية نصّ صريح على أن هدف المؤمنين من الجهاد كما شرع الله هو إعلاء كلمة الله تعالى، لا من أجل التّوصل إلى المغانم الحربية أو العروض الدّنيوية أو المكاسب المادية، فإن الله وعد بالرّزق والمغانم الكثيرة من طرق أخرى حلال دون ارتكاب محظور، فلا تتهافتوا.
التفاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد [سورة النساء (4) الآيات 95 إلى 96] :
التفاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد [سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96) الإعراب: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ غير: بدل مرفوع من الْقاعِدُونَ أو وصف لهم لأنهم غير معينين، فجاز أن يوصفوا بغير. وقرئ بالجر على أنه بدل من الْمُؤْمِنِينَ أو وصف لهم، وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال من الْقاعِدِينَ. وَكُلًّا وَعَدَ.. كلا: منصوب بوعد، وكذلك الحسنى: منصوب به لأن وَعَدَ يتعدى إلى مفعولين، تقول وعدت زيدا خيرا وشرا، وقال تعالى: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحج 22/ 72] . أَجْراً إما منصوب بفضّل، أو منصوب على المصدر. دَرَجاتٍ مِنْهُ منصوب على البدل من أَجْراً وتقديره: أجر درجات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً مصدران منصوبان بفعلين مقدرين، والتقدير: وغفر لهم مغفرة، ورحمهم رحمة. البلاغة: إطناب في قوله: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ.. وقوله: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ ... المفردات اللغوية: الضَّرَرِ المرض والعلة التي تمنع صاحبها من الجهاد كالعمى والعرج والزمانة ونحوها. دَرَجَةً فضيلة، لاستوائهما في النية، وزيادة المجاهدين بمباشرة القتال. الْحُسْنى الجنة.
سبب النزول:
دَرَجاتٍ مِنْهُ منازل بعضها فوق بعض من الكرامة للمجاهدين على القاعدين غَفُوراً لأوليائه رَحِيماً بأهل طاعته. سبب النزول: روى البخاري عن البراء قال: لما نزلت لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ادع فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله» وخلف النبي صلّى الله عليه وسلّم ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله: أنا ضرير فنزلت مكانها: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ ... وروى الترمذي نحوه من حديث ابن عباس وفيه: قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان. هذا بيان سبب إضافة غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. وقال السيوطي: قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ نزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا، فقتلوا يوم بدر مع الكفار، وكان نزولها في غزوة بدر. المناسبة: هذه الآية تبين فضيلة الجهاد وتمييز المجاهدين عن القاعدين، بعد أن عاتب الله المؤمنين على ما صدر منهم من القتل الخطأ لمن نطق بالشهادة. التفسير والبيان: لا يتساوى القاعدون من المؤمنين عن الجهاد، كقعود جماعة عن بدر، والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم التي يبذلونها في سبيل مرضاة الله بمنع عدوان الطغاة، وإقرار الحق والدفاع عنه، كجهاد الخارجين إلى بدر في مبدأ الإسلام بعد الهجرة. لكن استثنى سبحانه وتعالى من التكليف بفريضة الجهاد أصحاب الأعذار
وهم أولو الضرر أي المرض ونحوه من العمى والعرج، فأصبح ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فلا لوم ولا عتاب لهم لتوافر نياتهم الطيبة بالجهاد عند القدرة، روى البخاري وأحمد وأبو داود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عند دخوله المدينة بعد غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله: وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم بالمدينة، حبسهم العذر» . ثم أخبر الله تعالى عن فضيلة المجاهدين على غير أولي الضرر القاعدين عن الجهاد: وهي أن الله رفع المجاهدين درجة لا يعرف قدرها: في الدنيا بالظفر والنصر والسمعة الحسنة والغنيمة، وفي الآخرة بمنزلة عالية في الجنة، وأجر عظيم أو جزيل. ووعد الله كلا ممن جاهد وقعد عن الجهاد لعذر أو عجز مع تمني الجهاد: الحسنى وهي الجنة والجزاء الجزيل، لكمال إيمان الفريقين وإخلاص نيته وعمله. قال ابن كثير: وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض كفاية «1» . ثم أخبر سبحانه عما فضل به المجاهدين بإطلاق على القاعدين من غير أولي الضرر من الدرجات، وهو الأجر العظيم. وذلك الأجر العظيم هو الدرجات العالية أي المنازل الرفيعة في غرف الجنان العاليات، التي يصعب في تقدير الناس في الدنيا حصرها وعدها، كما قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء 17/ 21] والتفاضل في الدرجات مبني على مدى قوة الإيمان، وإيثار رضا
فقه الحياة أو الأحكام:
الله على الراحة والنعيم، وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من رمى بسهم فله أجره درجة» فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: «أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام» «1» . والأجر أيضا مغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة والبركات وهي ما يخصهم به الرحمن زيادة على المغفرة من فضله وإحسانه، إحسانا منه وتكريما، وكان شأن الله وصفته الدائمة الملازمة له المغفرة لمن يستحقها، والرحمة لمن يستوجبها عقلا، ولكنها متروكة للفضل الإلهي. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على ما يأتي: 1- لا تساوي بداهة وطبعا وشرعا بين القاعدين عن الجهاد من غير أولي الضرر (أصحاب الأعذار من زمانة وعرج وعمى ونحوها) وبين المجاهدين الذين يبذلون أنفسهم وأموالهم رخيصة في سبيل مرضاة الله. ومعنى الآية: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء مع المجاهدين. قال العلماء: أهل الضرر: هم أهل الأعذار إذ قد أضرّت بهم العاهة حتى منعتهم الجهاد. وقد دل الحديث المتقدم: «إن بالمدينة رجالا» على أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي. فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويا، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على
الفعل. وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. قال القرطبي: والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك: «إن بالمدينة رجالا» «1» . 2- تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من أهل التطوع لأن أهل الديوان لما كانوا متملّكين بالعطاء، ويصرّفون في الشدائد، وتروّعهم البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف (الغزو في الصيف) الكبار ونحوها. 3- احتج بعضهم أيضا بهذه الآية على أن الغنى أفضل من الفقر لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وعلى كل للعلماء آراء ثلاثة في هذه المسألة: فذهب قوم إلى تفضيل الغني لأن الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز. وهذا أولى لقولهم: الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر لأن الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها أي مخالطتها والانخراط في شهواتها. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين: بأن يخرج عن حدّ الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم من مذمة الحالين. 4- فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ثم قال: دَرَجاتٍ مِنْهُ.. فقال قوم: التفضيل بالدرجة، ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل: فضل الله المجاهدين على القاعدين أصحاب الأعذار بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات.
هجرة المستضعفين [سورة النساء (4) الآيات 97 إلى 100] :
وقيل: إن معنى درجة: علوّ، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ، فهذا معنى درجة أي في الدنيا، ودرجات يعني في الجنة، والدرجات: منازل بعضها أعلى من بعض. هجرة المستضعفين [سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 100] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) الإعراب: ظالِمِي حال منصوب من الهاء والميم في تَوَفَّاهُمُ وأصله: ظالمين أنفسهم، فحذفت النون للإضافة. فِيمَ كُنْتُمْ فيم: جار ومجرور في موضع نصب خبر كنتم. و «ما» هنا: استفهامية، ولهذا حذفت الألف منها لدخول حرف الجر عليها لأن «ما» إذا دخل عليها حرف الجر حذفت ألفها تخفيفا لكثرة الاستعمال، وليفرق بينها وبين «ما» التي بمعنى الذي، ليميز بين الخبر
البلاغة:
والاستفهام. ولم يحذفوا الألف من «ما» في الخبر إلا في موضع واحد وهو: ادع بم شئت، أي بالذي شئت. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مستثنى منصوب من قوله تعالى: الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ وهو استثناء من موجب، فلهذا وجب فيه النصب. البلاغة: قالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ وأَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً: استفهام يراد به التوبيخ والتقريع. ويوجد جناس مغاير في يَعْفُوَ ... عَفُوًّا وفي يُهاجِرْ ... مُهاجِراً. تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ فيه إطلاق الجمع على الواحد لأن المراد به ملك الموت، وذلك بقصد تفخيم شأنه. المفردات اللغوية: تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي قبضت أرواحهم حين الموت ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالمقام مع الكفار وترك الهجرة قالُوا لهم موبخين: فِيمَ كُنْتُمْ أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟ مُسْتَضْعَفِينَ عاجزين عن إقامة الدين مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ مسكنهم حِيلَةً لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا طريقا إلى أرض الهجرة مُراغَماً مهاجرا أي مكانا للهجرة ومأوى يجد فيه الخير، فيرغم بذلك أنوف من أذلوه وَقَعَ ثبت ووجب. سبب النزول: نزول الآية (97) : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ: روى البخاري عن ابن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل المدينة
سبب نزول الآية (100) :
قد أسلموا، وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين، فأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ الآية، فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم، وأنه لا عذر لهم، فخرجوا، فلحق بهم المشركون، ففتنوهم فرجعوا فنزلت: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنَّا بِاللَّهِ، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [العنكبوت 29/ 10] فكتب إليهم المسلمون بذلك، فتحزنوا، فنزلت: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا [النحل 16/ 110] الآية، فكتبوا إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. سبب نزول الآية (100) : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ: أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا فقال لأهله: احملوني، فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزل الوحي: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً الآية. ويقال: كان جندب بن ضمرة من بني ليث من المستضعفين بمكة، وكان مريضا، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة، قال: أخرجوني، فهيئ له فراش، ثم وضع عليه، وخرج به، فمات في الطريق بالتنعيم «1» ، فأنزل الله فيه: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً الآية «2» . المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة تفضيل المجاهدين في سبيل الله على
التفسير والبيان:
القاعدين من غير عذر، ذكر هنا حال قوم لم يهاجروا في سبيل الله، لاستضعاف الكفار لهم، مع أنهم ليسوا ضعفاء في الحق والواقع، فلا عذر لهم في ترك واجب الهجرة من مكة إلى المدينة حينما كان واجبا في صدر الإسلام، بسبب شدة أذى الكفار للمسلمين، وإلجائهم إلى الهجرة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهاجر بعض المسلمين، وقعد بعضهم في مكة حبا لوطنه، وكان بعضهم مستضعفا عجز عن الهجرة لمرض أو كبر أو جهل بالطريق، وبعضهم هاجر ومات في الطريق. التفسير والبيان: إن الذين تتوفاهم الملائكة حين انتهاء آجالهم حالة كونهم ظالمي أنفسهم بترك الهجرة، ورضاهم الإقامة في دار الشرك، تقول لهم (أي للمتوفين) الملائكة توبيخا لهم وتقريعا: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ أي إنهم لم يكونوا في شيء منه، لقدرتهم على الهجرة ولم يهاجروا. وهؤلاء كانوا ناسا من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. فقالوا معتذرين عما وبخوا به بغير العذر الحقيقي: كنا مستضعفين ومستذلين في مكة، فلم نقدر على إقامة الدين وواجباته، وهذه حجة واهية لم تقبلها الملائكة، فردوا عليهم المعذرة قائلين: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ المراد أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة شعائر
دينه، أو علم أنه في غير بلده يكون أقوم بحق الله وأدوم على العبادة، حقت عليه المهاجرة. فإن كان يستطيع إقامة شعائر دينه كالمقيمين في عصرنا في أوربا وأمريكا، فلا تجب الهجرة عليهم، وإنما تسن، ويكره مقامهم في دار الكفر. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الأرض، استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام. اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني، فاجعلها سببا في خاتمة الخير، ودرك المرجوّ من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك بجوارك في دار كرامتك، يا واسع المغفرة» «1» . فإن أولئك المقصرين عن القيام بالهجرة مسكنهم جهنم، لتركهم ما كان مفروضا عليهم لأن الهجرة كانت واجبة في صدر الإسلام. وقبحت جهنم مصيرا لهم لأن كل ما فيها يسوءهم. ثم استثنى الله تعالى من أهل الوعيد: المستضعفين حقيقة الذين لا يجدون لديهم قدرة على الخروج لفقرهم أو عجزهم أو هرمهم مثل عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام «2» ، ومن النساء أم الفضل والدة ابن عباس، ومن الولدان (وهم المراهقون الذين قاربوا البلوغ) ابن عباس المذكور وغيره. فهؤلاء لا يجدون قدرة على الهجرة إما للعجز كمرض أو زمانة، وإما للفقر، ولا يهتدون طريقا للجهل بمسالك الأرض، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من
المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلا. والحقيقة أن الولدان لا يكونون إلا عاجزين عن الهجرة. فهؤلاء يرجى أن يعفو الله عنهم، ولا يؤاخذهم بترك الهجرة والإقامة في دار الشرك. وفي هذا إيماء إلى أن ترك الهجرة ذنب كبير. وكان شأن الله تعالى العفو عن الذنوب، والمغفرة بستر العيوب في الآخرة. وتساءل الزمخشري: لم قيل: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ بكلمة الإطماع؟ ثم أجاب قائلا: للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى إن المضطر البيّن الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف بغيره؟ «1» . ثم رغب الله تعالى في الهجرة تنشيطا للمستضعفين فذكر: أن من يهاجر في سبيل الله، أي بقصد مرضاته وإقامة دينه كما يجب، يجد في أرض الله الواسعة مراغما كثيرا أي مهاجرا (مكانا للهجرة) وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أي يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم: الذل والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام وهو التراب. ويجد مأوى فيه الخير والسعة، عدا النجاة من الذل والاضطهاد. فالمراغم الكثير: يعني المتزحزح عما يكره. والسعة: الرزق. وفي هذا وعد من الله للمهاجرين بتسهيل سبل العيش لهم وإرغام أعدائهم والنصر عليهم، وهو كله للترغيب في الهجرة. ثم وعد الله تعالى من يخرج من منزله بنية الهجرة تاركا الوطن والأهل والمال، ثم يموت في أثناء الطريق قبل الوصول إلى المدينة، وعده بالأجر العظيم والثواب عند الله على الهجرة أي وجب ثوابه عليه ووقع، وعلم الله كيف يثيبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
وكان شأن الله الغفران دائما لهؤلاء المهاجرين، وإسباغ الرحمة الشاملة لهم بعطفه وإحسانه وفضله. ويؤكد هذا المعنى الحديث المشهور في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . وما أعظم الفرق بين هذا الوعد الصريح الأكيد من الله، وبين الوعد بالمغفرة لتاركي الهجرة لضعف أو عجز بأنه محل رجاء وطمع عند الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: المراد بهذه الآية في الأصح كما ذكر القرطبي: جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلّى الله عليه وسلّم الإيمان به، فلما هاجر النبي صلّى الله عليه وسلّم أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر، خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية. وبخ الله تعالى هؤلاء المتقاعسين عن الهجرة، وأرشدهم إلى أنهم كانوا متمكنين قادرين على الهجرة والابتعاد عمن كان يستضعفهم، وأنه لم يقبل عذرهم بكونهم مستضعفين حقيقة. وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. أما المستضعفون حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان، كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام الذين دعا لهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالنجاة، فهؤلاء يرجى لهم من الله العفو والمغفرة.
ومن مات في أثناء الطريق إلى المدينة، فأجره حق ثابت عند الله، لصدق عزيمته، وإخلاص نيته. وكانت أسباب الهجرة إلى المدينة في صدر الإسلام كثيرة منها: 1- التمكين من إقامة شعائر الدين والبعد عن الاضطهاد الديني، فعلى كل مضطهد البحث عن مكان يأمن فيه، وإلا ارتكب إثما كبيرا. 2- التمكن من تعلم أمور الدين والتفقه في أحكامه، فعلى كل مسلم يقيم في بلد ليس فيه علماء يعلّمون أحكام الدين أن يهاجر إلى بلد يتلقى فيه العلوم الدينية. 3- الإعداد لإقامة دولة الإسلام ونشر الدعوة الإسلامية في أنحاء الأرض، والدفاع عنها وعن الدعاة إلى الله. وظلت هذه الأسباب واضحة قائمة إلى فتح مكة، حتى إذا فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الصحابة في البلاد يعلمون الناس أحكام دينهم، وقويت شوكة الإسلام، وتطهرت الجزيرة العربية من رجس الشرك والوثنية، زال حكم وجوب الهجرة، روى أحمد والشيخان عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . ويلاحظ أنه إذا وجدت الدواعي للهجرة وتوافر أحد الأسباب المتقدمة، وجبت الهجرة في أي عصر وزمان. ويحسن أن أذكر أقسام الهجرة كما أوضحها ابن العربي فقال: الهجرة تنقسم إلى ستة أقسام: الأول- الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضا في أيام النبي صلّى الله عليه وسلّم مع غيرها من أنواعها. وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، التي
انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث كان، فإن بقي في دار الحرب عصى، ويختلف في حاله كما تقدم بيانه. الثاني- الخروج من أرض البدعة: قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: لا يحلّ لأحد أن يقيم ببلد يسبّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم تقدر على تغييره فزل عنه، قال الله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام 6/ 68] . الثالث- الخروج عن أرض غلب عليها الحرام: فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم. الرابع- الفرار من الإذاية في البدن: وذلك فضل من الله عز وجل أرخص فيه، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه، والفرار بنفسه ليخلّصها عن ذلك المحذور. الخامس- خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النّزهة. وقد أذن النبي صلّى الله عليه وسلّم للرّعاء حين استوخموا المدينة أن يتنزهوا إلى المسرح، فيكونوا فيه حتى يصحّوا. وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون، فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، بيد أني رأيت علماءنا قالوا: هو مكروه. السادس- الفرار خوف الإذاية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله أو آكد «1» .
قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف [سورة النساء (4) الآيات 101 إلى 103] :
قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف [سورة النساء (4) : الآيات 101 الى 103] وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) الإعراب: كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً إنما قال: عدوا بلفظ المفرد، وإن كان ما قبله جمعا لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: كانوا لكم ذوي عداوة، وهذا كقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ. قِياماً وَقُعُوداً منصوبان على الحال من واو فَاذْكُرُوا. وكذلك قوله: وَعَلى جُنُوبِكُمْ في موضع نصب على الحال لأنه في موضع: مضطجعين.
البلاغة:
البلاغة: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فيه إطلاق العام وإرادة الخاص لأن المراد بها صلاة الخوف. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً فيه إطناب بتكرار لفظ الصلاة، تنبيها على فضلها. المفردات اللغوية: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سافرتم فيها جُناحٌ تضييق، وهذا يدل للشافعي أن القصر رخصة لا واجب أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ تتركوا شيئا منها بأن تصلوا الصلاة الرباعية ركعتين فقط يَفْتِنَكُمُ يؤذوكم بالقتل أو غيره أو ينالوكم بمكروه الَّذِينَ كَفَرُوا بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له. وبينت السنة أن المراد بالسفر: الطويل وهو أربعة برد وهي مرحلتان تقدر ب (89 كم) عَدُوًّا مُبِيناً بيّني العداوة. فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ إقامة الصلاة: الذكر الذي يدعى به للدخول في الصلاة. وهذا جري على عادة القرآن في الخطاب، فلا مفهوم له. أَسْلِحَتَهُمْ جمع سلاح: وهو كل ما يقاتل به من الأسلحة القديمة كالسيف والخنجر والسهم، والأسلحة الحديثة كالبندقية والمسدس والمدفع ونحوها. قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ أديتموها فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ائتوا بها مقوّمة تامة الأركان والشروط كِتاباً مَوْقُوتاً فرضا ثابتا محددا بوقت معلوم لا بد من أدائها فيه. سبب النزول: نزول الآية (101) : وَإِذا ضَرَبْتُمْ: أخرج ابن جرير الطبري عن علي قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلّى الله عليه وسلّم، فصلّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله بين
نزول الآية (102) :
الصلاتين: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله: عَذاباً مُهِيناً فنزلت صلاة الخوف. نزول الآية (102) : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ: أخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي والدارقطني عن أبي عيّاش الزرقيّ «1» قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا النبي صلّى الله عليه وسلّم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم قال: ثم قالوا: تأتي الآن عليهم صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ وذكر الحديث. وهذا كان سبب إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه. وروى الترمذي نحوه عن أبي هريرة، وابن جرير نحوه عن جابر بن عبد الله وابن عباس. نزول الآية: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ..: أخرج البخاري عن ابن عباس قال: نزلت: إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى في عبد الرحمن بن عوف حينما كان جريحا. المناسبة: لا يزال الكلام في الجهاد والهجرة، والجهاد يستلزم السفر، فبيّن الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر، ولا بعذر الجهاد وقتال العدو. وكانت الآيات في إثبات مشروعية القصر بالسفر، وصلاة الخوف في الجهاد.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: وإذا سرتم في الأرض وسافرتم فيها، فليس عليكم تضييق ولا إثم في قصر الصلاة الرباعية، إذا خفتم فتنة الكافرين لكم بالقتل أو الأسر أو غيرهما، أو خفتم من قطاع الطريق، وذلك بأن يتخذ أعداؤكم الاشتغال بالصلاة فرصة لتغلبهم عليكم، فلا تمكنوهم من هذا، بل اقصروا من الصلاة. ويصح أن يكون المراد: إن خفتم أن يفتنكم الكافرون في حال الركوع والسجود حيث لا ترون حركاتهم، فصلوا راجلين أو راكبين. ثم أكد تعالى تحذيرنا من الأعداء فذكر: إن الكافرين لكم أعداء واضحة عداوتهم، فهم ذوو عداوة بينة، فاحذروهم أن يوقعوا بكم، ويغلبوكم، فلا تتركوا لهم فرصة لتحقيق أغراضهم. وعملا بظاهر الآية: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ قال بعضهم: المراد هنا القصر في صلاة الخوف المذكور في الآية الأولى، والمبيّن في الآية التي بعدها وفي سورة البقرة بقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [239] . قال الشافعي: القصر في غير الخوف بالسّنة، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسّنة، ومن صلّى أربعا فلا شيء عليه، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السّنة. ورأى آخرون: أن قوله: إِنْ خِفْتُمْ خرج الكلام على الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر فيما رواه مسلم: ما لنا نقصر وقد أمنّا؟ قال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» . ثم إن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان فإنه لو لم يضرب في الأرض ولم يوجد السّفر، بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا، فتجوز صلاة الخوف، فلا يعتبر وجود الشّرطين.
ودلّ سبب النزول المتقدم عن علي على مشروعية القصر للمسافر، قال القرطبي: فإن صحّ هذا الخبر فليس لأحد معه مقال، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن. وقد روي عن ابن عباس أيضا مثله، قال: إن قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ نزلت في الصلاة في السفر، ثم نزل: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا في الخوف بعدها بعام. فالآية على هذا تضمنت قضيتين وحكمين، فقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ.. يراد به في السفر وتمّ الكلام، ثم ابتدأ فريضة أخرى، فقدّم الشرط، والتقدير: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، والواو زائدة، والجواب: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ. وقوله: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً اعتراض «1» . وقوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل «2» ، وإلى التخيير ذهب الشافعي، وروي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أتمّ في السفر، وعن عائشة رضي الله عنها فيما رواه الدارقطني: «اعتمرت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي: قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت؟ فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ» . وكان عثمان رضي الله عنه يتمّ ويقصر. وعند أبي حنيفة رحمه الله: القصر في السفر عزيمة غير رخصة، لا يجوز غيره. بدليل قول عمر رضي الله عنه: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيّكم» ، وقول عائشة رضي الله عنها فيما رواه أحمد: «أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرّت في السفر، وزيدت في الحضر» .
ولأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم التزم القصر في أسفاره كلها، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا خرج مسافرا، صلّى ركعتين حتى يرجع. وروي عن عمران بن حصين: حججت مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فكان يصلّي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وقال لأهل مكة: صلّوا أربعا فإنّا قوم سفر. وقال ابن عمر فيما رواه الشيخان: صحبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في السفر، فلم يزد على ركعتين ، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر، فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب 33/ 21] ، وقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف 7/ 158] ، ولو كان مراد الله التّخيير بين القصر والإتمام، لبيّن ذلك كما بيّنه في الصوم. وأما ما ورد عن عثمان فقد اعتذر عنه بأنه قد تأهل (أقام) فقال: إنّما أتممت لأني تأهلت بهذا البلد، وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من تأهّل ببلد فهو من أهله» . وأجاب الزمخشري عن آية فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا بقوله: كأنهم ألفوا الإتمام، فكانوا مظنّة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه «1» . واختلف العلماء في المراد بالقصر هنا، أهو القصر في عدد ركعات الصلاة أم هو القصر من هيئتها «2» ؟ فقال جماعة: إن القصر قصر عدد الركعات، لما روى مسلم عن يعلى بن
أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب، كيف نقصر وقد أمنّا؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» . وهذا يدلّ كما أوضحت على أن المراد بالقصر في الآية القصر في عدد الركعات. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. لكن قال القاضي ابن العربي في كتابه القبس: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذا الحديث مردود بالإجماع. وأيضا فإن القصر: أن تقتصر من الشيء على بعضه، والقصر في الصفة تغيير لا إتيان بالبعض لأنه جعل الإيماء بدل الرّكوع والسّجود مثلا. وأيضا فإن «من» في قوله: «من الصلاة» للتبعيض، وهو يدلّ على الاقتصار على بعض الركعات. وقال آخرون كالجصاص: إن المراد بقصر الصلاة في الآية قصر الصفة والهيئة، دون نقصان أعداد الرّكعات، أي بترك الرّكوع والسّجود والإيماء، وبترك القيام إلى الرّكوع لأن الآية في صلاة السفر، لابتدائها بقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ولأن قول عمر المتقدم: «صلاة السفر ركعتان ... » إلخ يدلّ على أن صلاة السفر، سواء أكانت صلاة أمن أم خوف تمام غير قصر، فيكون معنى القصر في الآية قصر الصفة، لا قصر عدد الركعات. أما السفر المبيح للقصر ففيه خلاف على آراء أهمها ما يأتي: 1- قال الحنفية: من الكوفة إلى المدائن وهي مسيرة ثلاثة أيام. ويروى عنهم: يومان وأكثر الثالث. ودليل الحنفية: قوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد عن عوف بن مالك الأشجعي، فيما معناه: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام» .
صلاة الخوف:
وورد في السّنّة منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم. فدلّ هذا على أن ما دون الثلاث ليس سفرا، بل هو في حكم الإقامة. 2- وقال مالك والشافعي: أربعة برد، كل بريد أربعة فراسخ لما روى الدارقطني عن ابن عباس أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان» . والفرسخ (5544 م) . صلاة الخوف: ثم بيّن الله تعالى كيفية صلاة الخوف ومجملها في القرآن ما يأتي: وإذا كنت يا محمد أو من يقوم مقامك من الأئمة في جماعة المؤمنين، وأردت أن تقيم بهم الصلاة وناديتهم بالأذان والإقامة فاقسم الجيش طائفتين: تصلّي طائفة معك الرّكعة الأولى بجماعة، ومعهم أسلحتهم حتى يستعدّوا عقب الصلاة لمجابهة العدوّ الذي قد يباغتهم، فإذا سجدوا حرستكم الطائفة الأخرى من خلفكم لأن المصلّي أشدّ ما يكون حاجة للحراسة حين السجود، لعدم رؤيته العدوّ. ثم تتمّ الطائفة الأولى الرّكعة الثانية وحدها، وأنت واقف في أول الرّكعة الثانية. ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلّي معك أيضا ركعة هي الثانية لك، كما صلّت الطائفة الأولى، وعليها أن تأخذ حذرها وأسلحتها في الصلاة، كما فعل الذين من قبلهم. والحكمة في الأمر بالحذر للطائفة الثانية أن العدو قلّما يتنبّه لصلاة الطائفة الأولى، فإذا سجدوا فربّما باغتهم. ثم تنتظر الطائفة الثانية في جلوس التّشهد الأخير، حتى تقوم هي، وتصلّي الرّكعة الثانية، ثم تسلّم بها. وعلى هذا تحظى الطائفة الأولى بالتّكبير مع الإمام، والثانية بالتّسليم معه. ثم بيّن الله تعالى علّة الأمر بأخذ الحذر والسلاح في الصلاة، وهي أن الكفار
يودّون ويتمنّون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم بسبب انشغالكم بالصلاة، فينقضّون عليكم ويميلون ميلة واحدة أو حملة واحدة بالقتل والنّهب، والله يريد لكم الفوز والنصر، فيحذركم ويأمركم بالاستعداد الدائم. ثم أبان الأعذار التي يشقّ معها حمل السلاح، فذكر: ولا إثم عليكم في وضع أسلحتكم إذا أصابكم أذى من مطر أو مرض أو عذر، ولكن مع أخذ الحذر والاستعداد للعدوّ لأن العدوّ ينتظر أي فرصة من الضعف، ويراقب تحركاتكم، فاحذروه ولا تغفلوا عنه. إن الله أعدّ للكافرين عذابا شديد الإهانة في الدّنيا والآخرة. أما في الدّنيا فهو تغلّب المسلمين عليهم، وأما في الآخرة فهو العذاب الخالد في نار جهنم، وهذا وعيد للكفار بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم، لكن الحذر مطلوب من المؤمنين أخذا بسنّة الله في إتباع المسببات الأسباب، حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانبا. وقد روى الجماعة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حثمة عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم يوم ذات الرقاع: «أن طائفة صفت مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وطائفة وجاه العدوّ (أي جهته) فصلّى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدوّ. وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الرّكعة الثانية التي بقيت من صلاته، فأتمّوا فسلّم بهم» . فإذا أدّيتم الصلاة أي صلاة الخوف على هذه الصورة، فاذكروا الله تعالى في أنفسكم، بتذكّر نعمه ووعده بنصر من ينصرونه في الدّنيا ونيل الثواب في الآخرة. وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء، فذكر الله مما يقوي القلب، ويعلي الهمّة، وبالثبات والصبر يتحقق النصر، كما قال تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال 8/ 45] .
فقه الحياة أو الأحكام:
فإذا اطمأننتم بانتهاء الحرب والإقامة في بلادكم بعد السفر، فأقيموا الصلاة كالمعتاد تامة الأركان والشروط لأن الصلاة عماد الدّين. والسبب في فرضية الصلاة حتى في وقت الخوف: أن الصلاة مفروضة فرضا ثابتا في أوقات معلومة، فلا يصحّ تركها أبدا حتى في الحروب وساعة الخوف، كما قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة 2/ 239] . فقه الحياة أو الأحكام: الآيات في مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر، وكيفية صلاة الخوف. فآية وَإِذا ضَرَبْتُمْ واضحة الدّلالة- بغضّ النّظر عن الاختلاف الفقهي- على حكم القصر في السفر. أما العلماء فاختلفوا في حكم القصر، كما سبق بيانه، فقال جماعة منهم الحنفية: إنه فرض لحديث عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين» لكن قال القرطبي: ولا حجّة فيه لمخالفتها له، فإنها كانت تتمّ في السفر، وذلك يوهنه، وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر: صلاة المسافر خلف المقيم، أي أنه إذا اقتدى المسافر بالمقيم أتمّ صلاته بالإجماع. وقال آخرون منهم عمر وابن عباس وجبير بن مطعم: «إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» . ومشهور مذهب المالكية: أن القصر سنة، وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه رخصة يخير فيها المسافر بين القصر والإتمام، وهو الظاهر من قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ. وأيهما أفضل؟ الصحيح في مذهب مالك التّخيير للمسافر بين الإتمام والقصر، وأما مالك رحمه الله فيستحب له القصر، ويرى عليه الإعادة في الوقت إن أتمّ، والقصر أفضل من الإتمام مطلقا
عند الحنابلة لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم داوم عليه. وهو عند الشافعية أفضل من الإتمام إذا وجد في نفسه كراهة القصر، أو إذا بلغ ثلاث مراحل عند الحنفية تقدر ب 96 كم، اتّباعا للسّنة، وخروجا من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة. والسفر المبيح للقصر: هو السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالبا، وهو عند الحنفية بمقدار ثلاثة أيام تقدر ب 96 كم، عملا بقول عثمان وابن مسعود وحذيفة، وبالأدلّة السابقة. وعند الجمهور: بمقدار ثمانية وأربعين ميلا هاشمية أو مرحلتين وهما سير يومين بلا ليلة معتدلين أو ليلتين بلا يوم معتدلتين، أو أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا لأن ابن عمر وابن عباس كانا يفطران ويقصران في أربعة برد، تقدر ب 89 كم. وأجمع الناس على جواز القصر في الجهاد والحج والعمرة ونحوها من صلة رحم وإحياء نفس، واختلفوا فيما سوى ذلك. فالجمهور: على جواز القصر في السفر المباح كالتّجارة ونحوها لقول ابن مسعود: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد، ولا قصر في سفر المعصية، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما. وأباح أبو حنيفة والأوزاعي القصر في جميع ذلك، فيصحّ القصر ولو لعاص بسفره. واختلفوا متى يقصر المسافر؟ فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض. وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا، فصلّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال
عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى. ويكون معنى الآية على هذا: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض. وعلى المسافر أن ينوي القصر من حين الإحرام، فإن افتتح الصلاة بنيّة القصر، ثم عزم على المقام في أثناء صلاته، جعلها نافلة. واختلف العلماء في مدّة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتمّ: فقال مالك والشافعي وأحمد: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتمّ، إلا أن الإمام أحمد قال: إذا نوى الإقامة مدة تتسع لإحدى وعشرين فريضة قصر. وقال الحنفية: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتمّ، وإن كان أقل قصر، عملا بقول ابن عمر وابن عباس. والمسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى وطنه، أو ينزل وطنا له، وإن بقي سنين. أما صلاة الخوف المذكورة في القرآن فيحتاج إليها، والمسلمون مستدبرون القبلة، ووجه العدو القبلة، وهذا موافق لصلاة النّبي صلّى الله عليه وسلّم بذات الرقاع. أما صلاته عليه الصّلاة والسّلام بعسفان والموضع الآخر المروي عن ابن عمر فالمسلمون كانوا في قبالة القبلة. واختلفت الرّوايات في السّنة النبويّة في هيئة صلاة الخوف، واختلف العلماء لاختلافها، فذكر ابن القصّار أنه صلّى الله عليه وسلّم صلاها في عشرة مواضع. قال ابن العربي: روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صلّى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة «1» . وقال الإمام أحمد: لا أعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهي كلها
صحاح ثابتة، فعلى أي حديث منها صلّى المصلّي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله «1» . وأذكر هنا أقوال الفقهاء بصفتها نموذجا عمليا مطبّقا بين المسلمين، ويمكن تأويل الآية بما يوافق هذه الأقوال: 1- ذهب أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إلى الكيفية التالية لصلاة الخوف وهي: أن يقسم الإمام القوم طائفتين: تقوم طائفة مع الإمام، وطائفة إزاء العدوّ، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدوّ، فيصلّي بهم الإمام ركعة وسجدتين ويسلّم هو، ولم يسلّموا لأنهم مسبوقون، وإنما يذهبون مشاة للحراسة في وجه العدو، ثم تجيء الطائفة الأولى إلى مكانها الأول، أو تصلي في مكانها تقليلا للمشي، فتتمم صلاتها وحدها بغير قراءة لأنهم في حكم اللاحقين، ثم تشهدوا، وسلموا، وعادوا لحراسة العدوّ. ثم تأتي الطائفة الثانية، فتتمم صلاتها بقراءة سورة مع الفاتحة لأنهم لم يدخلوا مع الإمام في أول الصلاة، فاعتبروا في حكم السابقين. وهذه الكيفية مروية عن الزهري عن سالم عن أبيه: وهي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أولئك، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة أخرى ثم سلّم، ثم قام هؤلاء، فقضوا ركعتهم، وهؤلاء فقضوا ركعتهم. وروي مثله أيضا عن نافع، وابن عمر في حديث متفق عليه، وابن عباس. 2- قال عبد الرّحمن بن أبي ليلى: إذا كان العدوّ بينهم وبين القبلة، جعل
الناس طائفتين، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا، ويسجد الإمام والصف الأول، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو، فإذا قاموا من السجود سجد الصف الآخر، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا، وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، فيصلي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك. وإذا كان العدوّ في دبر القبلة، قام الإمام ومعه صف مستقبل القبلة والصف الآخر يستقبل العدو، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو، ثم يجيء الآخرون، فيسجدون، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية، فيركعون جميعا، ويسجد الصف الذي معه، ثم ينقلبون إلى وجه العدوّ، ويجيء الآخرون، فيسجدون معه، ويفرغون، ثم يسلم الإمام وهم جميعا. وهذه الكيفية رواها ابن عباس في صلاة النّبي صلّى الله عليه وسلّم بعسفان، ورواها أيضا أحمد ومسلم وابن ماجه من حديث جابر. وقد اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدوّ في جهة القبلة. 3- قال مالك رضي الله عنه: يتقدم الإمام بطائفة، وطائفة بإزاء العدوّ، فيصلّي بالتي معه ركعة وسجدتين، ويقوم قائما، وتتم الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى، ثم يتشهدون ويسلّمون، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلّ، فيقومون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعة وسجدتين، ثم يتشهدون ويسلّم، ويقومون فيتمّون لأنفسهم الرّكعة التي بقيت. وهذه كيفية صلاة النّبي صلّى الله عليه وسلّم في غزوة ذات الرّقاع، رواها الجماعة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حثمة، وهي التي قال عنها أحمد: وأما حديث سهل فأنا أختاره.
صلاة الخوف في المغرب:
وقد اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدوّ في غير جهة القبلة. لكن الفرق بين مالك وبين هؤلاء أنهم قالوا: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلّم معهم. صلاة الخوف في المغرب: اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف في المغرب: فقال الحنفية والمالكية والشافعية: يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة، غير أن المالكية والشافعية يقولون: إن الإمام ينتظر قائما حتى تتم الطائفة الأولى لنفسها، وتجيء الثانية، لكن لا يسلم الإمام في رأي الشافعية، كما تقدم «1» . الصلاة حال اشتباك القتال: اختلف الفقهاء أيضا في صلاة الخوف عند التحام الحرب وشدّة القتال، وخيف خروج الوقت: فقال الحنفية: لا صلاة حال اشتباك القتال، فإن قاتلوا فيها، فسدت صلاتهم، ويؤخرون الصلاة. وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء: يصلي المجاهد كيفما أمكن لقول ابن عمر: فإن كان خوف أكثر من ذلك، فيصلي راكبا أو قائما، يومئ إيماء. قال مالك في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها، أي أن الصلاة تكون بالإيماء إذا لم يقدر على الرّكوع والسجود. وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب والطعن، فسدت صلاته. والأدلّة من غير الآية «2» .
صلاة الطالب والمطلوب:
صلاة الطالب والمطلوب: واختلفوا أيضا في صلاة الطالب والمطلوب: فقال مالك وجماعة من أصحابه: هما سواء، كلّ واحد منهما يصلّي على دابته. وقال الأوزاعي والشافعي وفقهاء الحديث: لا يصلّي الطالب إلا بالأرض. وقال القرطبي: وهو الصحيح لأن الطلب تطوّع، والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلّى بالأرض حيثما أمكن ذلك، ولا يصلّيها راكب إلا خائف شديد خوفه، وليس كذلك الطالب. العسكر إذا رأوا سوادا فظنوه عدوّا فصلّوا صلاة الخوف، ثم بان لهم أنه غير شيء: اختلفوا أيضا في ذلك: قال بعض المالكية وأبو حنيفة: يعيدون الصلاة لأنه تبيّن لهم الخطأ فعادوا إلى الصواب كحكم الحاكم. وقال بعض آخر من المالكية، وهو أظهر قولي الشافعي: لا إعادة عليهم لأنهم عملوا على اجتهادهم، فجاز لهم، كما لو أخطئوا القبلة، وهذا أولى لأنهم فعلوا ما أمروا به. أخذ الحذر وحمل السلاح: تأمر الآيتان: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ووَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ بالحذر وأخذ السلاح، لئلا ينال العدوّ أمله ويدرك فرصته. والسلاح: ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب. وهل حمل السلاح في الصلاة مندوب أو واجب؟ قال أبو حنيفة: لا يحملون الأسلحة لأنه لو وجب عليهم حملها لبطلت الصلاة بتركها. وردّ عليه: بأنه لم يجب حملها لأجل الصلاة، وإنما وجب عليهم قوة لهم ونظرا لمصلحتهم. وقال ابن عبد البرّ: أكثر أهل العلم يستحبّون للمصلّي أخذ سلاحه إذا صلّى
في الخوف، ويحملون قوله: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ على النّدب لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه، فكان الأمر به ندبا. وقال ابن العربي المالكي والشافعي والظاهرية: أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب لأمر الله به، إلا لمن كان به أذى من مطر، فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه. وعلى كلّ حال: إن لم يجب فيستحب للاحتياط، كما قال القرطبي. هذا.. وقوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا أي إذا سجدوا ركعة القضاء، وهم الطائفة المصلّية فلينصرفوا، دلّ على أنّ السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة، مثل قوله عليه الصّلاة والسّلام: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين» «1» أي فليصلّ ركعتين. وقوله تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بيّن وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح. وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أولى بأخذ الحذر لأن العدوّ لا يؤخّر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة وأيضا يقول العدوّ: قد أثقلهم السلاح وكلّوا. وفي هذه الآية دليل على تعاطي الأسباب، واتّخاذ وسائل النجاة وما يوصل إلى السلامة. ثم أمر الله تعالى بشيئين: ذكر الله، وأداء الصلاة في أوقات معلومة. أما ذكر الله تعالى فأبان سبحانه أنه متى فرغتم أيها المؤمنون من صلاة الخوف، فاذكروا الله في مختلف أحوالكم، حال القيام وحال القعود، وحال الاضطجاع على الجنوب، وذكره تعالى يكون في أنفسكم بتذكر وعده بنصر من
ينصرونه في الدّنيا ونيل الثواب في الآخرة، وبألسنتكم بالحمد والتكبير والتهليل والدّعاء بالنّصر، فالذكر يكون بالقلب واللسان، أما الذكر بالقلب: فهو التّفكر في عظمة الله وجلاله وقدرته وفيما في خلقه وصنعه من الدّلائل عليه وعلى حكمه وجميل صنعه. وأما الذكر باللسان فهو بالتعظيم والتّسبيح والتّقديس. وهذا الذكر المأمور به في رأي الجمهور إنما هو إثر صلاة الخوف، والذكر يكون مع التعظيم والخشوع، والحكمة فيه ربط المؤمنين المجاهدين بالله تعالى في كل الأحوال حتى يعتمدوا في جهادهم على الله تعالى، ويكون طلب النصر والظفر منه، فإنه الذي بيده النصر، وهو القادر على كل شيء، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال 8/ 45] . والذكر كما طلب الله تعالى يكون دائما وبكثرة لأنه أداة الفلاح إذ هو وسيلة الخشية، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة واجتنبت المعصية، وذلك هو الفوز والسعادة. روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً: أنه كان يقول: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء، ثم عذرهم إن عنّ ما يمنعهم من أدائها من العذر، إلا الذكر، فإن الله لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم بالليل والنهار، في البّر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، والصّحة والسّر والعلانية، وعلى كلّ حال. وأما فرضية الصلاة بنحو دائم: فإن الله تعالى أبان أنه إذا أقمتم، وهو مقابل لقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه قصر الصلاة وقصر صفتها وهيئتها، فأدّوا الصلاة على وجهها الأكمل تامّة الأركان والعدد والهيئة، إن الصلاة مفروضة عليكم في وقت معين، أي إنها مفروضة
الحث على القتال بعدم التفكير في الآلام وانتظار إحدى الحسنيين [سورة النساء (4) آية 104] :
مؤقتة، لا يجوز تجاوز أوقاتها المعلومة، بل لا بدّ من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا. وبيّنت السّنّة النّبوية أحوال القصر والجمع تقديما وتأخيرا في السفر تخفيفا ورخصة وتيسيرا على المسافر. والسبب في جعل الصلوات الخمس مفروضة بأوقات معينة: أن تكون مذكرة للمؤمن بربّه في الليل والنهار، وفي أوقات دورية، لئلا تحمله الغفلة على الشّر أو التّقصير في الخير. الحث على القتال بعدم التفكير في الآلام وانتظار إحدى الحسنيين [سورة النساء (4) : آية 104] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) المفردات اللغوية: وَلا تَهِنُوا لا تضعفوا. فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ في طلب القوم، وهم الكفار، لتقاتلوهم. يَأْلَمُونَ تجدون ألم الجراح فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ أي مثلكم ولا يجبنون عن قتالكم. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بكل شيء «حكيما» في صنعه. سبب النزول: قيل: نزلت في حرب أحد، حيث أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وقد أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة ، كما تقدم في «آل عمران» .
المناسبة:
المناسبة: الآيات السابقة في بيان كيفية الصلاة في أثناء المعركة، وقد نبهت إلى شدة عداوة الكفار وانتظار هم الفرصة المواتية لضرب المسلمين، ونبهت أيضا إلى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون من أخذ الحذر أثناء الصلاة. وهنا ينهى الله تعالى عن الضعف في القتال لأن الألم في الحروب وإن كان مشتركا بين الفريقين، فإن المؤمن يمتاز بما له من الرجاء عند ربه، بأنه ينتظر إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الجنة والثواب، فهذه الآية عود إلى بعث المؤمنين وحثهم على القتال بأسلوب إقناعي مستمد من الواقع. التفسير والبيان: ولا تضعفوا في قتال الأعداء ولا تتواكلوا، واستعدوا لقتالهم دائما بعد الفراغ من الصلاة، ولا تترددوا في خوض المعارك الفاصلة مع الأعداء بحجة ما يصيبكم من آلام القتل والجرح، فذلك أمر مشترك بين كل فريقين متحاربين لأنهم بشر مثلكم يتألمون ويصبرون، فما لكم لا تصبرون وأنتم أولى بالصبر؟! والحقيقة أنه لا يوجد لقتالهم هدف مقبول لأنهم على الباطل، والباطل في النهاية زائل، وأنتم على حق، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم، وليس لهم ثواب ولا ثمرة عائدة إليهم من قتالهم والله ضمن لكم الجنة، وليس عندهم ملجأ يستمدون منه النصر إلا الأصنام وهي لا تضر ولا تنفع، وأنتم بعبادتكم الله وحده تلجؤون إليه في طلب النصر والرحمة، وهو الذي بيده مفاتيح السموات والأرض، وبقدرته ومشيئته يتحقق النصر. وإنكم ترجون من الله ما لا يرجون من ظهور الدين الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل ونعيم الجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
والله تعالى وعدكم إحدى الحسنيين: النصر أو الجنة بالشهادة إذا أخلصتم النية، ونصرتم دين الله، ودافعتم عن حرماته. أما فاقد الأمل، اليائس من الآخرة، فإنه يكون عادة جبانا ضعيف العزيمة فاتر الهمة، يقاتل فقط تنفيذا للأوامر أو للعصبية، والعنصرية، والنزعة الجامحة في التفوق والسيادة على الأمم. وكان الله عليما حكيما، عليما بحالكم، حكيما فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فلا يكلفكم شيئا إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى علمه وحكمته. فقه الحياة أو الأحكام: نظير هذه الآية: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران 3/ 140] ، وكلتا الآيتين تحضّان على القتال، والصبر في ميدان المعركة، والثبات أمام الأعداء، وتجنب الاستضعاف والتراخي وفتور الهمة والعزيمة. وفيهما إقناع بأدلة واقعية، فإن الحرب دمار وخراب وتقتيل وجراح وخسارة مال للفريقين المتحاربين، فإن كان المؤمنون يتألمون مما أصابهم من الجراح، فأعداؤهم يتألمون أيضا مما يصيبهم. ولكن للمؤمنين مزية: وهي أنهم يرجون النصر وثواب الله، وغيرهم لا يرجونه لأن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئا، فينبغي أن تكونوا أرغب منهم في القتال. والله تعالى عليم بكل الأشياء وأحوال عباده المؤمنين، فلا يشرع لهم إلا ما فيه الحكمة البالغة والمصلحة المؤكدة، والنفع الثابت الدائم.
القضاء بالحق والعدل المطلق [سورة النساء (4) الآيات 105 إلى 113] :
القضاء بالحق والعدل المطلق [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 113] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)
الإعراب:
الإعراب: بِالْحَقِّ حال مؤكدة من الكاف في إِلَيْكَ. بِما أَراكَ اللَّهُ أي أراكه الله، فالكاف المفعول الأول، والهاء المحذوفة: المفعول الثاني لأن «أرى» هنا تتعدى إلى مفعولين لأنها قلبية اعتقادية. ولا يجوز أن تكون «أرى» بمعنى «أعلم» لأن «أعلم يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وليس في الآية إلا مفعولان: الكاف والهاء. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها: للتنبيه في أنتم وأولاء، وهما مبتدأ وخبر. ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً لم يقل: بهما لأن معنى قوله: ومن يكسب خطيئة أو إثما: ومن يكسب أحد هذين الشيئين، ثم يرم به لأن «أو» لأحد الشيئين. البلاغة: يوجد جناس مغاير في يَخْتانُونَ .. خَوَّاناً وفي خَصِيماً.. اسْتَغْفِرِ وفي يَسْتَغْفِرِ .. غَفُوراً. ويوجد طباق السلب في يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ. المفردات اللغوية: بِما أَراكَ بما عرّفك وأوحى به إليك لِلْخائِنِينَ الذين يخونون الناس وأنفسهم بالسرقة وارتكاب المعاصي واتهام الآخرين بها. خَصِيماً مخاصما ومدافعا عنهم. وَلا تُجادِلْ الجدال: أشد أنواع المخاصمة. يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ يخونونها بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم. خَوَّاناً كثير الخيانة. أَثِيماً مبالغا في ارتكاب الإثم. يَسْتَخْفُونَ يستترون من الناس حياء وخوفا. يُبَيِّتُونَ يضمرون ويدبرون. ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ من عزمهم على الحلف على نفي السرقة ورمي اليهودي بها. مُحِيطاً عالما بكل شيء، أي شاملا علمه الأشياء كلها. جادَلْتُمْ خاصمتم. وَكِيلًا مدافعا محاميا يتولى أمرهم ويذب عنهم، أي لا أحد يفعل ذلك. سُوءاً ذنبا يسوء به غيره. أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ يعمل ذنبا قاصرا عليه. ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ منه أي يتب، والاستغفار: طلب المغفرة من الله مع الندم على الذنب والتوبة منه. إِثْماً ذنبا فإنما يكسبه على نفسه لأن وباله عليها ولا يضر غيره. خَطِيئَةً ذنبا صغيرا، والفرق بين الخطيئة والإثم: أن الخطيئة هي الذنب المتعمد أو غير المتعمد، أو الذنب الصغير. والإثم: الذنب المتعمد الملحوظ فيه أنه ذنب، أو أنه الذنب الكبير.
سبب النزول:
يَرْمِ بِهِ ينسبه إليه ويقذفه به. احْتَمَلَ تحمل أي كلف نفسه أن تحمل. بُهْتاناً البهتان: افتراء الكذب على غيرك، مما يجعله يتحير عند سماعه ويصطدم بما يبهته. لَهَمَّتْ أضمرت. أَنْ يُضِلُّوكَ أن يصرفوك عن القضاء بالحق بتلبيسه عليك. وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ لأن وبال إضلالهم عليهم. ومن: زائدة. سبب النزول: روى الترمذي والحاكم وابن جرير عن قتادة بن النعمان: أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق، وكان رجلا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر، سرق درعا لعمه كان وديعة عنده، وقد خبأها في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا الدرع عند طعمة، فلم يجدوها، وحلف بالله: ما أخذها وما له به من علم، فساروا في أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوها، فقال: دفعها إليّ طعمة، وشهد له ناس من اليهود بذلك، ولكن طعمة أنكر ذلك، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي فهمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يفعل وكان هواه معهم، وأن يعاقب اليهودي فنزلت. وهذا قول جماعة من المفسرين «1» . وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، وسقط عليه حائط في سرقة، فمات. المناسبة: هذه الآيات استمرار في تحذير المؤمنين من المنافقين، والاستعداد لمجاهدتهم، ومن أخطر حالات الحذر: القضاء بين الناس، فعلى المؤمنين القضاء بالحق والعدل دون محاباة أحد.
التفسير والبيان:
وقال العلماء: إن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول إلصاق تهمة السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، بدليل قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ. التفسير والبيان: أمر الله تعالى رسوله أن يقضي بين الناس بالحق والعدل دون محاباة أحد، ولا إلحاق ظلم بأحد ولو كان غير مسلم، فقال له: إنا أنزلنا إليك هذا القرآن بالحق في خبره وطلبه وحكمه بتحقيق الحق وبيانه، لأجل أن تحكم بين الناس بما أوحى إليك وأعلمك من الأحكام، فتقضي بالوحي إن وجد، أو تقضي بالاجتهاد إن لم يوجد وحي صريح فاحكم بين الناس بشريعة الله، ولا تكن لمن خان نفسه مخاصما ومدافعا تدافع عنه، وترد من طالبه بالحق، أي لا تتهاون في تحري الحق تأثرا بقوة جدل خصم في الخصومة. وفي هذا دلالة- كما ذكر علماء الأصول- على أنه كان للنبي صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم بالاجتهاد، بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها» . وفي رواية الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مواريث بينهما قد درست «1» ، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق
أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها، انتظاما في عنقه يوم القيامة» فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما، ثم استهما، ثم ليحلل كل منكم صاحبه» . وفي رواية أبي داود من حديث أسامة بن زيد زيادة هي: «إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه» . ومن أجاز الاجتهاد للنبي صلّى الله عليه وسلّم وهم الجمهور يقول: يجوز عليه الخطأ، لكنه لا يقر على الخطأ، بدليل هذه الحادثة، وحادثة قبول الفداء من أسارى بدر. واللام في قوله: لِلْخائِنِينَ للتعليل، أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لما يستعدونك عليه. والخائنون: هم طعمة وقومه. واستغفر الله مما هممت به في أمر طعمة وبراءته التي لم تتثبت في شأنها، وعقاب اليهودي. والأمر بالاستغفار في هذا ونحوه لا يقدح في عصمة الأنبياء لأنه لم يكن منه إلا الهم، والهم لا يوصف بأنه ذنب، بل إن ذلك من قبيل «حسنات الأبرار سيئات المقربين» وما أمره بالاستغفار إلا لزيادة الثواب، وإرشاده وإرشاد أمته إلى وجوب التثبت في القضاء. والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يحكم في هذه القضية قبل نزول الآيات، ولم يعمل بغير ما يعتقد أنه حق، وإنما أحسن الظن بدفاع قوم طعمة، فبيّن الله تعالى له حقيقة الأمر، خلافا لما ظنه من غلبة الصدق على المسلم وغلبة الكذب على اليهودي. ثم رغب الله تعالى قوم طعمة وغيرهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
أي إنه تعالى كثير المغفرة لمن استغفره، واسع الرحمة لمن استرحمه. ولا تجادل يا محمد عن هؤلاء الذين يخونون أنفسهم بتعديهم على حقوق الغير، وسمى خيانة غيرهم خيانة لأنفسهم لأن ضررها عائد إليهم، أي لا تدافع عن هؤلاء الخونة، ولا تساعدهم عند التخاصم. إن الله يبغض كثير الخيانة معتاد الإثم أي ارتكاب الذنب واجتراح السيئة، ويحب أي يثيب أهل الأمانة والاستقامة. وجاء الكلام بصيغة المبالغة، لعلم الله بإفراط طعمة في الخيانة وركوب المآثم. وعبر بقوله: لِلْخائِنِينَ ويَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ مع أن السارق طعمة وحده لوجهين: أحدهما- أن بني ظفر قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم. والثاني- أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه «1» . ثم بيّن الله تعالى أحوال الخائنين وخصالهم المنكرة، فقال: إن شأن هؤلاء الخائنين أنهم يستترون من الناس عند ارتكاب الجريمة إما حياء وإما خوفا، ولا يستترون ولا يستحيون من الله عالم الغيب والشهادة، الذي هو معهم أي عالم بهم مطلع عليهم، لا يخفى عليه خاف من سرهم، إذ يدبرون ويزورون ما لا يرضى الله من القول، وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد اليهودي، ليسرق دونه، ويحلف بالبراءة. وكان الله محيطا بأعمالهم، حافظا لها، فلا أمل في نجاتهم من عقابه. قال الزمخشري: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء، والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة «2» .
ثم حذر الله المؤمنين من معاونة الخونة أو التعاطف معهم فقال: يا من جادلتم عن الخوانين، وحاولتم تبرئتهم في الدنيا، من يجادل الله عنهم يوم القيامة، حين يكون الحاكم هو الله تعالى المحيط بأعمالهم وأحوالهم، ومن يجرأ أن يكون عنهم وكيلا بالخصومة (محاميا) ؟ فعلى المؤمنين مراقبة الله والاستعداد للجواب في ذلك الموقف الرهيب أمام الله تعالى: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار 82/ 19] . وبعبارة أخرى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن يخاصم عنهم في الآخرة، إذا أخذهم الله بعذابه، ومن هو المستعد أن يكون عنهم وكيلا أي حافظا ومحاميا من بأس الله وانتقامه؟ وفي هذا توبيخ وتقريع لمن أرادوا مساعدة طعمة على اليهودي، وفيه دلالة أيضا على أن حكم الحاكم ينفذ في الظاهر فقط، لا في الباطن، أي لا يحل للمحكوم له الحرام، ولا يجيز له أن يأخذ شيئا علم أنه لا حق له فيه. ثم رغب الله تعالى في التوبة فقال: ومن يعمل ذنبا قبيحا يسوء به غيره، أو يظلم نفسه بمعصية كالحلف الكاذب، ثم يطلب من الله المغفرة على ذنبه، يجد الله غفورا للذنوب، رحيما بأهل العيوب، تفضلا منه وإحسانا. وفي ذلك ترغيب لطعمة وقومه بالتوبة والاستغفار، وبيان للمخرج من الذنب، وتحذير لأعداء الحق الذين يحاولون طمس الحقائق وهدم صرح العدل. ثم حذر الله تعالى من ارتكاب الذنوب والمعاصي بنحو عام فقال: ومن يرتكب ما يوجب الإثم من المعاصي، فإن إجرامه وعمله وبال على نفسه وضرر على شخصه، لا يتعدى إلى غيره لأنه هو الذي يعاقب على فعله. وكان الله تعالى وما يزال واسع العلم بأفعال الناس، فشرع لهم ما يمنعهم عن تجاوز شرائعه، وهو أيضا عظيم الحكمة بتشريعه العقاب لمرتكب الإثم.
ومن عظائم الجرائم أن يفعل الإنسان ذنبا خطأ بلا قصد أو مع علمه بأنه ذنب، ثم يتهم به شخصا بريئا، فهذا هو البهتان أي افتراء الكذب، ويكون مرتكبا جريمتين: كسبه الإثم الذي يجعله آثما، ورميه البريء الذي يصفه بأنه باهت. ثم أبان الله تعالى حمايته لنبيه فقال: ولولا فضل الله عليك ورحمته أي عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم، لهمت طائفة من بني ظفر أن يصرفوك عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل، مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم. أي لولا فضل الله عليك بالنبوة، والتأييد بالعصمة، ورحمته لك، ببيان حقيقة الواقع، لهمت طائفة منهم أن يصرفوك عن الحكم العادل، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، إذ جاءك الوحي ببيان الحق. وهم في الحقيقة بانحرافهم عن طريق الحق والاستقامة لا يضلون إلا أنفسهم لأن الوزر عليهم فقط ووباله ملحق بهم، وهم لا يضرونك شيئا لأنك عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك، والله يعصمك من الناس ومن اتباع الهوى في الحكم بينهم ومن كل مكروه. والله أنزل عليك الكتاب أي القرآن، والحكمة أي فقه مقاصد الشريعة وفهم أسرارها، وعلمك من الكتاب والشريعة، وإفهام الحقائق ما لم تكن تعلم قبل ذلك من خفيات الأمور، وضمائر القلوب، وأمور الدين والشريعة. وكان فضل الله عليك عظيما إذ أرسلك للناس كافة، وجعلك خاتم النبيين، وشهيدا عليهم يوم القيامة، وعصمك من الناس، وجعل أمتك أمة وسطا عدولا، فاشكر الله على ذلك، ولتشكر أمتك تلك النعم، حتى تكون خير أمة أخرجت للناس، وقدوة حسنة للآخرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات طائفة من الأحكام: 1- تفويض الحكم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ليقضي بين الناس بالحق والعدل حسبما علّمه الله وأوحى إليه، سواء بالنص الصريح أو بالاجتهاد والرأي المعتمد على أصول التشريع. 2- تأنيب طعمة بن أبيرق ومن آزره من قومه، وكانوا ثلاثة إخوة: بشر وبشير ومبشّر، وأسير بن عروة ابن عمّ لهم لأنهم تعاونوا معه على الباطل لتبرئته من تهمة السرقة: سرقة أدراع وطعام من رفاعة بن زيد في الليل، ومحاولة إلصاق التهمة بيهودي اسمه: زيد بن السمين. 3- القانون الذي يحكم به: هو بِما أَراكَ اللَّهُ معناه على قوانين الشرع إما بوحي ونصّ، أو بنظر جار على سنن الوحي. وهذا أصل في القياس، وهو يدل على جواز الاجتهاد للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وعلى أنه في رأي القرطبي إذا رأى شيئا أصاب لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة فأما أحدنا إذا رأى شيئا فلا قطع فيما رآه. 4- دل قوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً على أن النيابة أو الوكالة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز، فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محقّ، وقد نهى الله عز وجل في هذه الآية رسوله عن معاضدة أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة. 5- قال العلماء: لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم، ليحموهم ويدافعوا عنهم فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفيهم نزل قوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً وقوله: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ .
والخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين، بدليل ما ذكر بعده: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره، فدل على أن القصد لغيره. 6- قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ دل على أن الأنبياء صلوات الله عليهم قد يؤمرون بالاستغفار مما ليس ذنبا، كالهمّ بتقديم الدفوع عن بني أبيرق ومعاقبة اليهودي بقطع يده، وهو دفاع وعمل بالظاهر لاعتقاده براءتهم. وهذا من قبيل «حسنات الأبرار سيئات المقربين» . وقيل: الأمر بالاستغفار للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل، وقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله، على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب. وقيل: الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب 33/ 1] ، فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ [يونس 10/ 94] . 7- قوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ نهي صريح عن الدفاع عن الخونة، أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم. والمجادلة: المخاصمة. والله لا يرضى عن الخائن أو الخوّان- الذي هو من صيغ المبالغة لعظم قدر تلك الخيانة. 8- الإنسان قاصر النظر، محدود التفكير، سطحي المواقف: فتراه إذا حاول ارتكاب ذنب يستتر ويستحي من الناس، ولا يستتر ولا يستحي من الله، والله أحق أن نخشاه وأن نستحي منه لأن المصير إليه، وبيده وحده الجزاء. 9- الحقائق تنكشف بنحو واضح قاطع يوم القيامة في عالم الحساب بين
يدي الله: فإذا جادل الوكيل بالخصومة (المحامي) لتبرئة المتهم في الحياة الدنيا، فمن الذي يستطيع المرافعة والدفاع والجدال عن أهل الباطل يوم القيامة؟ وهو استفهام معناه الإنكار والتوبيخ. ومن يكون وكيلا عليهم، أي قائما بتدبير أمورهم؟ فالله تعالى قائم بتدبير خلقه، ولا أحد لهم يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار. 10- باب التوبة للعصاة والمذنبين مفتوح: لقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً قال ابن عباس: عرض الله التوبة على بني أبيرق بهذه الآية. 11- وبال الذنب وعاقبته على المذنب نفسه: لقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً - أي ذنبا- فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ أي عاقبته عائدة عليه، وضرره راجع إليه لأنه المتضرر في الحقيقة في الدنيا بالتعرض للمصائب، وفي الآخرة لعذاب جهنم. والكسب: ما يجرّ به الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا. ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا. 11- البهتان جريمة عظمي: وهو إلقاء التهمة واختلاق الكذب على البريء، أو هو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء. قال تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فيه تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات. وقد قال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت 29/ 13] . قال الطبري: إنما فرق بين الخطيئة والإثم: أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد.
حالات النجوى الخيرة وعقاب معاداة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين (الإجماع) [سورة النساء (4) الآيات 114 إلى 115] :
12- إن محاولة إضلال النبي تبوء بالفشل: لعصمة الله إياه، ولفضله عليه ورحمته به، قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ - بأن نبهك على الحق، أو بالنبوة والعصمة- لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ عن الحق لأنهم سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها باليهودي، ولا يفعل هذا إلا منافق كما أوضحت، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إياه. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله راجع عليهم وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ لأنك معصوم. 13- أنزل الله على نبيه القرآن، والحكمة: القضاء بالوحي وفهم أسرار الشريعة وعلمه ما لم يكن يعلم من الشرائع والأحكام. حالات النجوى الخيّرة وعقاب معاداة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين (الإجماع) [سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 115] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) الإعراب: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ: إن جعلت النجوى بمعنى المناجاة، كان
المفردات اللغوية:
مَنْ أَمَرَ في وضع نصب على الاستثناء المنقطع، وإن جعلت بمعنى الجماعة الذين يتناجون كان مِنْ في موضع جر على البدل من الهاء والميم في نَجْواهُمْ وهو بدل بعض من كل. المفردات اللغوية: نَجْواهُمْ النجوى: المسارّة بالحديث أو السر بين اثنين، أي لا خير في كثير من نجوى الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون إلا نجوى من أمر بصدقة أو معروف (عمل بر) أو إصلاح بين الناس. ويصح كونه جمع نجي بمعنى جماعة المتناجين، أي المتسارّين أَوْ مَعْرُوفٍ ما يقره الشرع والعقل الصحيح وتتلقاه النفوس بالقبول ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ اللَّهِ لا غيره من أمور الدنيا. وَمَنْ يُشاقِقِ يعادي ويخالف، كأن كل واحد من المتعاديين يكون في شق. سبب النزول: نزلت في تناجي أهل طعمة بن أبيرق ليلا بالفساد وتعاونهم على الشر وإلصاق تهمة السرقة باليهودي. وروي أن طعمة لما حكم عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقطع، هرب إلى مكة، وارتد عن الإسلام، ومات مشركا، فنزلت الآية: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ... الآية. المناسبة: موضوع الآيتين متصل بما قبلهما وهو أمر الذين يختانون أنفسهم، ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهم طعمة بن أبيرق ومساعدوه الذين تآمروا في السر لإيقاع البريء بالسرقة، فبيّن الله تعالى هنا أن كل حديث سري أو تدبير خفي أو مناجاة لا خير فيه إلا ما كان بقصد التعاون أو الأمر بالمعروف أو الإصلاح، ثم ذكر الله تعالى أن مخالفة أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم واتباع غير سبيل جماعة المؤمنين جرم عظيم يستوجب دخول نار جهنم.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: لا خير في كثير من كلام الناس وتناجيهم كجماعة طعمة إلا إذا كان التناجي في أحد أمور ثلاث: 1- الأمر بالصدقة لإعانة المحتاج ومواساة الفقير والمسكين. 2- الأمر بالمعروف: وهو ما تعارف عليه الشرع من كل ما فيه مصلحة عامة أو خير عام. 3- الإصلاح بين الناس في خصوماتهم ومنازعاتهم. وذلك كما جاء في حديث رواه ابن مردويه والترمذي وابن ماجه عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا ذكر الله عز وجل، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» وروى الإمام أحمد عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا أو يقول خيرا» وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها» . وروى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين» وروى أبو بكر البزار والبيهقي عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأبي أيوب: «ألا أدلك على تجارة؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا» . وإنما قال: فِي كَثِيرٍ لأن من النجوى ما يكون في المباحات والمصالح الخاصة من زراعة وتجارة وصناعة وغيرها، فلا توصف بالشر، ولا هي مقصودة من الخير. وإنما المراد بالنجوى الكثير المنفي عنها صفة الخير هي النجوى في شؤون الناس.
والله تعالى جعل النجوى مظنة الإثم والشر غالبا، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة 58/ 9] . وثبت عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فيما يرويه مالك والشيخان: «إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد، فإن ذلك يحزنه» وهو ضرر، والضرر لا يحل بإجماع. والسبب في اتصاف النجوى بالشر كثيرا: أن العادة جرت بحب إظهار الخير، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر، وتتم المؤامرات سرا، قال صلّى الله عليه وسلّم: «الإثم: ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس» «1» . وخيرية الأمور الثلاثة المذكورة في الآية إنما تكون في السر لا في الجهر لقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة 2/ 271] . ثم ذكر الله تعالى الثواب المقرر على فعل تلك الأعمال الثلاثة فذكر: ومن يفعل هذه الأعمال الثلاثة، بقصد إرضاء الله وطاعة أمره، مخلصا في ذلك، محتسبا ثواب فعله عند الله عز وجل، فإن الله سيؤتيه ثوابا جزيلا كثيرا واسعا. وبعد هذا الوعد بالخير والجزاء الحسن على أحوال النجوى الخيّرة أوعد الله الذين يتناجون بالشر ويدبرون المكائد للناس ويعلنون اعتزالهم عن الجماعة ومعاداتهم الرسول، فقال: ومن يخالف الرسول ويعاديه، ويسلك غير طريق
فقه الحياة أو الأحكام:
الشريعة التي جاء بها النبي صلّى الله عليه وسلّم بارتداده عن الإسلام، وإظهار عداوته لرسول الهداية وسنته، ويتبع سبيلا غير سبيل جماعة المؤمنين، يوله الله ما تولى، أي يجعله واليا لها وسائرا على طريقها، ومستحسنا لها استدراجا له، وتاركا له يتخبّط في مهاوي الضلالة، كما قال تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم 68/ 44] وقال: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف 61/ 5] وقال: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام 6/ 110] . ويجعل الله النار مصيره في الآخرة، وساء المصير مصيره لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات 37/ 22] وقال: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً [الكهف 18/ 53] . وفي هذا إشارة واضحة إلى أن من يتجه بنفسه في طريقة أو وجهة يتوجه إليها ويرضاها لنفسه، يتركه الله وشأنه، ويكون عقابه أمرا منتظرا وعادلا لاختياره طريق الشر، وبعده عن منهج الاستقامة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على ما يأتي: 1- لا خير في كثير من نجوى الناس سرا، أو من كلام الجماعة المنفردة أو كلام الاثنين، سواء كان ذلك سرا أو جهرا إلا نجوى ثلاثة: من أمر بصدقة، ففيها عون الفقير والمسكين والمحتاج الذي لا يطلع على حاجته إلا القليل من الناس. ومن أمر بالمعروف، والمعروف: لفظ يعم أعمال البرّ كلّها، قال صلّى الله عليه وسلّم: «كل معروف صدقة، وإن من المعروف: أن تلقى أخاك بوجه طلق» «1» وقال
أيضا: «المعروف كاسمه، وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله» ومن أمر بإصلاح بين الناس، والإصلاح عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع الاختلاف فيه بين الناس، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى. فأما من طلب الرياء والترؤس، فلا ينال الثواب. كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «ردّ الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورّث بينهم الضغائن» . وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. وهذه الآية نظير قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات 49/ 9] الآية، وقوله: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء 4/ 128] وقوله عن الحكمين: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما [النساء 4/ 35] . 2- إن معاداة الرسول ومخالفته وترك الإسلام أو الردة عنه، ومخالفة طريق المسلمين تحجب عن مرتكبها عناية الله ورعايته، وتجعله يتخبط في دياجير الظلام والضلال، وتجعله مقودا بنفسه وهواه، وتوجب له الدخول في نار جهنم، وساءت مصيرا يصير إليه هذا المنحرف. ونظير هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ [المجادلة 58/ 20] يعني أن يصير في حد غير حد الرسول وهو مباينته في الاعتقاد والديانة. 3- قال العلماء وعلى رأسهم الإمام الشافعي: في قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.. دليل على صحة القول بالإجماع، أي اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي لأنه تعالى قرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة الرسول فيما ذكر له من الوعيد، فدل على صحة إجماع الأمة، لإلحاقه
الشرك وعاقبته والشيطان وشروره وجزاء الإيمان والعمل الصالح [سورة النساء (4) الآيات 116 إلى 122] :
الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين «1» . 4- قوله: نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى إخبار عن براءة الله منه، وأنه يكله إلى ما تولى من الأوثان والأديان الباطلة، واعتضد به، ولا يتولى الله نصره ومعونته «2» . 5- قوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى تغليظ في الزجر عنه، وتقبيح لحاله وتبيين للوعيد فيه إذ كان معاندا بعد ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق الرسول صلّى الله عليه وسلّم «3» . الشرك وعاقبته والشيطان وشروره وجزاء الإيمان والعمل الصالح [سورة النساء (4) : الآيات 116 الى 122] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122)
الإعراب:
الإعراب: أُولئِكَ مبتدأ. مَأْواهُمْ مبتدأ ثان. جَهَنَّمُ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خير الأول. البلاغة يوجد جناس مغاير في ضَلَّ ... ضَلالًا وفي خَسِرَ ... خُسْراناً. المفردات اللغوية: إِنْ يَدْعُونَ إن نافية بمعنى ما أي ما يعبد المشركون أو يتوجهون ويطلبون المعونة، وهذا نوع من العبادة إِلَّا إِناثاً أصناما مؤنثة كاللات والعزى ومناة. وَإِنْ يَدْعُونَ ما يعبدون بعبادتها إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً متمرنا على الخبث، خارجا عن الطاعة، لطاعتهم له فيها وهو إبليس، والشيطان: هو الخبيث المؤذي من الجن والإنس. والمراد من قوله: مَرِيداً أنه مرن على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة، فالمريد: العاتي المتمرد. لَعَنَهُ اللَّهُ أبعده عن رحمته وطرده مع السخط والإهانة. لَأَتَّخِذَنَّ لأجعلن لي. نَصِيباً حظا. مَفْرُوضاً مقطوعا أو معينا ثابتا أدعوهم إلى طاعتي. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق بالوسوسة ولأدفعنهم إلى الضلال والفساد. وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ألقي في قلوبهم طول الحياة أن لا بعث ولا حساب، وأزين لهم الأماني الباطلة. فَلَيُبَتِّكُنَّ يقطعن آذان الأنعام لأجل تمييزها وتخصيصها للآلهة. فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ دينه بالكفر، وإحلال ما حرم وتحريم ما أحل. وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا يتولاه ويطيعه. مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره. خُسْراناً مُبِيناً بينا، لمصيره إلى النار المؤبدة عليه.
المناسبة:
يَعِدُهُمْ طول العمر وَيُمَنِّيهِمْ نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء. وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ بذلك إِلَّا غُرُوراً باطلا. مَحِيصاً مهربا ومخلصا ومعدلا بذلك. المناسبة: الآية الأولى متصلة بما قبلها في قصة طعمة الذي ارتد، فإنه لو لم يرتد لم يكن محروما من رحمة الله، فإن كل ذنب قابل للمغفرة إلا ذنب الشرك. قال العلماء عن آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء 4/ 115] وعن آية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبيرق السارق، لما حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقطع، وهرب إلى مكة وارتد. قال سعيد بن جبير: لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة، فلحقه المشركون فقتلوه فأنزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إلى قوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. وقال الضحاك: قدم نفر من قريش المدينة، وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ والمشاقة: المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين «1» . وأما الآيات التي بعدها فمناسبة لما قبلها، ففي هذه الآيات عقد الله تعالى مقارنة بين جريمة الشرك وخطرها، وأعمال الشيطان ولعنته وعقابه، والإيمان والعمل الصالح وجزائهما لأن الشيطان يدعو إلى الشرك وعبادة الأوثان، وفي مواجهة ذلك صرح الإيمان الراسخ الذي لا يتأثر أهله بنزعات الشياطين في أصل الاعتقاد، وإن تأثروا أحيانا بها في بعض أعمال الشر، وهذا تحذير وترغيب.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: إن الله لا يغفر الشرك بالله أصلا، ولا لمن يشرك به أحدا سواه، ولكنه قد يغفر ما دون الشرك من الذنوب، فلا يعذبهم عليه، ومن يشرك بالله شيئا، فقد ضل وبعد عن سبيل الرشاد ضلالا بعيدا في مهاوي الغواية، وسلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة وفاتته السعادة فيهما لأن الشرك ضلال يفسد العقل، ويكدّر صفاء الروح، ويكون المشرك عبدا للأوهام والخرافات. فالشرك: هو منتهى فساد الروح وضلال العقول، ووكر الخرافات والأباطيل، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة 2/ 165] . وقد تقدم إيراد هذه الآية، وأعيدت هنا تأكيدا لاقتلاع آثار الشرك من النفوس المريضة، ودحض الشرك وهدم طقوسه من مقاصد الإسلام الأساسية، فهو الواجهة المضادة أصلا لعقيدة الإسلام: عقيدة التوحيد. ولا عيب في هذا التكرار للتأكد من غرس الإيمان بالله، والتحذير من مغبة الشرك وخطره وخروجه عن أساس الفطرة ومقتضيات العقل السليم. روى الترمذي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ثم قال الترمذي: هذا حسن غريب. ومغفرة ما دون الشرك من الذنوب بسبب بقاء نور الإيمان، وهو مشروط بمشيئة الله، فهو يغفر لمن يشاء من عباده، كما يغفر بالتوبة والإنابة إليه، فذلك سبيل محو الذنوب. وأما أولئك المشركون فهم لا يعبدون أو لا يتوجهون بقضاء حوائجهم إلا إلى
الأموات أو الموتى التي لا تضر ولا تنفع، أو إلى الأصنام الإناث «1» كاللات والعزى ومناة، فقد كان لكل قبيلة صنم يسمونه: أنثى بني فلان، أو إلى الملائكة الذين يقول عنهم المشركون بنات الله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف 43/ 19] . وهم في الواقع ما يعبدون إلا شيطانا عاتيا مرد على الإيذاء وتمرن على الخبائث إذ هو الذي أمرهم بعبادتها، فكانت طاعتهم له عبادة. لَعَنَهُ اللَّهُ أي طرده وأبعده من رحمته وفضله مع الذل والهوان، فإنه داعية الشر والفساد والباطل بما يوسوس في صدر الإنسان. ومن غلو الشيطان ودعوته إلى الفساد أنه أقسم: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي لأجعلن تلامذة لي جزءا معينا مقدرا معلوما من الناس، مثل قوله تعالى حكاية عنه: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر 15/ 39- 40] . ولأضلّنهم، أي أصرفنهم عن الحق، وعن الاعتقاد الصحيح. ولأمنينّهم، أي أزين لهم اللذات وترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغريهم من أنفسهم. ولآمرنهن بالضلال فليقطّعن آذان الأنعام، أي تشقيقها ووسمها وجعلها متميزة خالصة للأصنام، كالبحيرة التي يتركون الحمل عليها، والسائبة الناقة التي يسيبونها للأصنام إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضعيف، والوصيلة التي ولدت جديا وعناقا، فيقولون: وصلت
أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، ولا تشرب لبنها النساء، وكان للرجال، وجرت مجرى السائبة. ولآمرنّهم فليغيرن خلق الله بخصي الدواب، والوشم في الوجه ونحوهما مما فيه تشوية الفطرة وتغييرها عما فطرت عليه، ثبت في الصحيح عند أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله عز وجل» ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو في كتاب الله عز وجل، يعني قوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر 59/ 7] . وقال جماعة من المفسرين: تغيير خلق الله معناه دين الله عز وجل، كقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم 30/ 30] وكما ثبت في الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصرانه، أو يمجّسانه، كما تولد البهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء» «1» . ومن يتخذ الشيطان وليا يتولى أمره وإماما يقتدي به، فقد خسر خسرانا ظاهرا في الدنيا والآخرة، بل إنه خسرهما في الواقع، وتلك خسارة لا جبر لها، ولا استدراك لفائتها، وأي خسران أعظم من ترك هدي القرآن واتباع أساليب الشيطان؟! الشيطان يعد أولياءه الباطل، ويمنيهم بما هو كاذب، يعدهم بالفقر والمرض والتخلف عن ركب التقدم إذا أنفقوا شيئا من أموالهم في سبيل الله، ويعدهم الغنى والثروة بالقمار مثلا، ويمنيهم بأنهم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك.
وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أي باطلا يغترون به، فيزين لهم النفع في بعض الأشياء كالزنى والقمار وشرب الخمر، وهي مشتملة على كثير من المضار والشرور والآلام، كما قال تعالى مخبرا عن إبليس يوم القيامة: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ، وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم 14/ 22] . أولئك المستحسنون لما وعدهم الشيطان ومنّاهم مصيرهم ومآلهم جهنم يوم القيامة، ولا يجدون عنها مهربا يفرون إليه، أي ليس لهم مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص، يتهافتون فيها تهافت الفراش على النار. ثم ذكر الله تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم من الكرامة التامة فقال: والذين آمنوا: صدقوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر ورضوا بقضائه، وعملوا الصالحات، أي الأعمال الطيبة وما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات، سيدخلهم الله جنات تجري من تحتها الأنهار بما اشتملت عليه من ألوان النعيم المقيم، ويصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، وهم ماكثون مقيمون فيها على الدوام، بلا زوال ولا انتقال، وذلك هو الفوز العظيم الأسمى الذي تطمح إليه النفوس. وهو وعد حق لا شك فيه، أي هذا وعد من الله، ووعد الله واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله «حقا» فهو القادر على كل شيء، وهو الواسع الكرم والرحمة والفضل، وأما وعد الشيطان فهو غرور من القول وزور. ثم قال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أي لا أحد أصدق منه قولا، أي خبرا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في خطبته فيما رواه الترمذي وغيره: «إن أصدق
فقه الحياة أو الأحكام:
الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» . فقه الحياة أو الأحكام: في الآيات دلالة على ما يأتي: 1- قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ رد على الخوارج حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد ذكرت حديثا عن علي أن هذه الآية أحب آي القرآن لديه. وأجمع المالكية وغيرهم من أهل السنة على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب، فإنه إن عذب بالنار، فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال الضحاك: إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. 2- وصف الله الأصنام بالإناث إيماء إلى الضعف، فقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً نزل في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام، وهي إناث كاللات والعزّى ومناة، وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، فخرج الكلام مخرج التعجب لأن الأنثى من كل جنس أخسه، فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا، فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: إِلَّا إِناثاً مواتا لأن الموات لا روح له، كالخشبة والحجر. وقيل: إِلَّا إِناثاً ملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله.
3- إطاعة الشيطان عبادة له: فقوله تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً يريد إبليس لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم، فقد عبدوه. ونظيره في المعنى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة 9/ 31] أي أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. 4- اللعنة على إبليس: هي في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، ولعنة الله على إبليس على التعيين جائزة، وكذلك على سائر الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل، فيجوز لعن الكفار جملة من غير تعيين، جزاء على الكفر وإظهار قبح كفرهم، ويجوز أيضا لعن الظالمين، لقوله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود 11/ 18] ويجوز إجماعا لعن العاصي مطلقا لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده» وهذا كله دون تعيين. 5- تلامذة الشيطان هم الكفرة والعصاة، فهؤلاء الذين يستخلصهم الشيطان بغوايته، ويضلهم بإضلاله. وفي الخبر: «من كل ألف واحد لله، والباقي للشيطان» وبعث النار الذي أخبر عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم في صحيح مسلم: هو نصيب الشيطان. 6- وسائل الشيطان: هي الإضلال (الصرف عن طريق الهدى) وزرع التمنيات الباطلة طوال الحياة بإمهال الخير والتوبة، والمعرفة مع الإصرار على المعصية، وتقطيع آذان الأنعام وجعل علامات عليها للأصنام، وتغيير أصل الخلقة تغييرا حسيا كالخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان ونحو ذلك مما فيه تعذيب الحيوان، أو تغييرا معنويا كتغيير الاعتقاد، والتحريم والتحليل بالطغيان. أخرج مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» .
ولما كان هذا التغيير من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه أبو داود عن علي في الأضاحي- «أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحّي بعوراء ولا مقابلة، ولا مدابرة ولا خرقاء، ولا شرقاء» «1» فلم يجز مالك والشافعي وجماعة الفقهاء الأضحية بمقطوعة الأذن أو جلّ الأذن، أو السكاء: وهي التي خلقت بلا أذن. وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من العلماء إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره، وأجاز الجمهور أن يضحى بالخصي. وأما الخصاء في الآدمي فحرام، لما فيه من ألم عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو مثلة نهى عنها النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومؤد إلى قطع النسل المأمور به في قوله عليه السلام فيما رواه عبد الرزاق عن سعيد بن أبي هلال مرسلا: «تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة» . والوسم والإشعار في الحيوان من أجل تمييزها عن غيرها مستثنى من نهيه عليه السلام عن شريطة الشيطان. والوسم: الكي بالنار، ثبت في صحيح مسلم عن أنس قال: «رأيت في يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الميسم وهو يسم إبل الصدقة والفيء وغير ذلك، حتى يعرف كل مال، فيؤدى في حقه، ولا يتجاوز به إلى غيره» . والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه لأنه مقر الحسن والجمال، ولأن به يقوّم الحيوان، ولما روى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه» . ومن حالات التغيير الممنوعة حديث ابن مسعود المتقدم في الواشمة
والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة. فهو نص في تحريم الوشم: وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل أو بالنئور (دخان الشحم) فيخضر. وهو نص أيضا في تحريم وصل الشعر. 7- إطاعة الشيطان خسارة: لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي يطيعه ويدع أمر الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً أي نقص نفسه وغبنها بأن أعطى الشيطان حق الله تعالى فيه، وتركه من أجله. 8- وعود الشيطان وأمنياته كاذبة وخديعة: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً المعنى يعدهم أباطيله وترّهاته من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير، وكل ذلك خديعة وتغرير. قال ابن عرفة: الغرور: ما رأيت له ظاهرا تحبّه، وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور لأنه يحمل على محابّ النفس، ووراء ذلك ما يسوء. 9- عقاب الطائعين للشيطان جهنم: أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ملجأ. 10- ثواب المؤمنين العاملين الصالحات والخيرات: جنات الخلد التي تجري من تحتها الأنهار، وذلك يرمز لكل ألوان النعيم المقيم، وأصناف المشتهيات، وطمأنينة النفس، وراحة البال، والسعادة الأبدية. ومن أصدق من الله قيلا أي لا أحد أصدق قولا ووعدا من الله تعالى.
استحقاق الجنة ليس بالأماني والعبرة في الجزاء بالعمل شرا أو خيرا [سورة النساء (4) الآيات 123 إلى 126] :
استحقاق الجنة ليس بالأماني والعبرة في الجزاء بالعمل شرا أو خيرا [سورة النساء (4) : الآيات 123 الى 126] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) الإعراب: وَهُوَ مُحْسِنٌ مبتدأ وخبر في موضع الحال. البلاغة: أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ استعارة، استعار الوجه للقصد والجهة. ويوجد جناس مغاير في أَحْسَنُ.. مُحْسِنٌ. المفردات اللغوية: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ليس الأمر منوطا بالأماني، بل بالعمل الصالح. والأماني جمع أمنية: وهي تمني الشيء المحبوب مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن، كما
سبب النزول نزول الآية (123) :
ورد في الحديث. مِنْ دُونِ اللَّهِ من غيره وَلِيًّا يتولى أمره ويحفظه ويدفع العقاب عنه وَلا نَصِيراً ينصره، ويمنعه منه وينقذه مما يحل به. وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً النقير والنقرة: النكتة التي تكون في ظهر النواة، ويضرب بها المثل في القلة أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي انقاد وأخلص عمله وَهُوَ مُحْسِنٌ عامل للحسنات تارك للسيئات وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ديانته الموافقة لملة الإسلام. حَنِيفاً مائلا عن الزيغ والضلال، أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين الحق القيم. خَلِيلًا صفيا خالص المحبة له وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا مُحِيطاً أي عالما بالأشياء مع القدرة عليها، ولم يزل متصفا بذلك. سبب النزول: نزول الآية (123) : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: إنا لا نبعث، فأنزل الله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. وأخرج ابن جرير الطبري عن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، فأنزل الله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. وأخرج الطبري أيضا عن مسروق قال: لما نزلت: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ قال أهل الكتاب: وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ. المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة دور الشيطان في إلقاء الأماني الكاذبة، وكان لهذا تأثير في نفوس أهل الكتاب وبعض ضعاف الإيمان من المسلمين، ناسب بيان أثر الأماني، وفضل العمل وجزائه.
التفسير والبيان:
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّي قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى، فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا. وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فأنزل الله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ الآية فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان الأخرى. وذكر مثله عن قتادة. التفسير والبيان: ليس الأمر منوطا بالأماني منكم أيها المسلمون، ولا أنتم أهل الكتاب، ولكن الجزاء منوط بالعمل، فليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله عز وجل واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفا: «ليس الإيمان التمني، لكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل» وقال الحسن: «إن قوما غرّتهم المغفرة، فخرجوا من الدنيا وهم مملوؤون بالذنوب، ولو صدقوا لأحسنوا العمل» . فمن يعمل سوءا يلق جزاءه لأن الجزاء أثر للعمل، مثل قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة 99/ 8] ، روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن زهير قال: أخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فكل سوء عملنا جزينا به فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب- تتعب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء- الشدة؟» قال: بلى، قال: «فهو مما تجزون به» .
وروى سعيد بن منصور وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: لما نزلت: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها» . هذا الحديث وأمثاله يدل على أن الأمراض والبلايا والمصائب في الدنيا، وهمومها ومخاوفها، يكفر الله بها الخطايا. ومن يعمل السوء لا يجد له غير الله وليا يتولى أمره ويدفع الجزاء عنه، ولا نصيرا ينصره وينقذه مما يحلّ به، وإنما المدار على الإيمان والأعمال، لا على الأماني والأحلام. وفي مقابل ذلك ومن أجل المقارنة والعدل: من يعمل صالحا يصلح به نفسه، سواء كان العامل ذكرا أو أنثى، وهو صادق الإيمان، فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر، يدخلون الجنة، ولا يظلمون شيئا من أجور الأعمال، ولو كان العمل تافها قليلا جدا كالنقير. فسبيل الجنة والسعادة هو العمل الصالح مع الإيمان، وطريق النار هو العمل السيء، ولا ينفع الافتخار بالانتساب إلى ملة أو فئة أو نبي، من غير اتباع لشرع الله ودينه. ثم أردف الله تعالى بذكر درجات الكمال فقال: لا أحد أحسن دينا ممن أسلم قلبه مخلصا لله وحده، ولم يتجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، وجعل نفسه سالمة لله لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه، وقد عبر عن توجه القلب والقصد بإسلام الوجه لأن الوجه مرآة لما في القلب، وهو مع هذا الإخلاص القلبي والإيمان الذاتي الكامل، محسن للعمل أي عامل للحسنات، تارك للسيئات، متصف بفضائل الأخلاق والخصال، ومتبع ملة إبراهيم في حنيفيته بالميل عن الشرك
والتبرؤ من الوثنية وأهلها، ملتزم الدين الحق وهو دين الإسلام، كما قال تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف 43/ 26- 27] وقال: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة 2/ 135] . وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا جملة اعتراضية مجاز، مفادها أن الله اصطفى إبراهيم واختصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، ومن كانت له هذه المنزلة من الزلفى عند الله بأن اتخذه خليلا، كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته. أي أن الله امتن على إبراهيم بسلامة الفطرة والاعتقاد، وقوة العقل وصفاء الروح، وكمال المعرفة بالله، وشدة العزيمة وعلو الهمة في محاربة الوثنية والشرك، حتى صار من أولي العزم، فهو خليل الرحمن، عدو الشيطان. ثم ذكر الله تعالى ما هو العلة والدافع على الطاعة فقال: جميع ما في السموات والأرض ملك الله وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادّ لما قضى، ولا معقّب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته، وعلمه محيط مع القدرة كل شيء، ونافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ومن كان عالما بأعمال عباده فهو مجازيهم على خيرها وشرها، فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها. فهذه الآية متصلة بذكر العمال الصالحين والطالحين، والمعنى: أن له ملك السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم، فهو تعالى مستحق التوجه إليه في كل شيء، حتى من إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء، لما يتصف به من القدرة الشاملة على الكون وإنجاز ما وعد وأوعد.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي من التوجيهات والأحكام: 1- لا تعلق لأحد بالآمال والتمنيات، وإنما الجزاء منوط بالعمل. فمن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد. وأهل الصلاح وليهم وناصرهم هو الله، وأهل الضلال والفساد وليهم الشيطان، والشيطان أعجز من أن يدفع عن نفسه عذاب الله، فكيف يدفعه عمن غررهم في الحياة الدنيا؟! وليس للمشركين ولي يتولى أمورهم ولا ناصر ينصرهم، أي أن الآية إن حملت على الكافر فليس له غدا ولي ولا نصير، وإن حملت على المؤمن فليس له ولي ولا نصير من دون الله. 2- لا تقبل الأعمال الحسنة من غير إيمان: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ.. الآية، فالإيمان شرط أساسي إذ هو قاعدة البناء الديني لأن المشركين قاموا بخدمة الكعبة، وإطعام الحجيج وقرى الضيف، وأهل الكتاب لهم سبق، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ولكن لم ينفع الجميع عملهم الصالح من غير إيمان، عملا بمقتضى هذه الآية. 3- تفضيل دين الإسلام على سائر الأديان لقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ.. الآية. ومعنى أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أخلص دينه لله، وخضع له، وتوجه إليه بالعبادة. ورأى بعضهم أن معنى وَهُوَ مُحْسِنٌ أي موحد، فلا يدخل فيه أهل الكتاب لأنهم تركوا الإيمان بمحمد عليه السلام. والملة: الدين. والحنيف: المسلم. 4- إبراهيم خليل الله: قال الزمخشري «1» : مجاز عن اصطفائه واختصاصه
بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله. والخليل: المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك ويسايرك في طريقك، أو يسد خللك كما تسد خلله. قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب، فلا تدع فيه خللا إلا ملأته. وقيل: هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم كان محبا لله وكان محبوبا لله. وقيل: معناه الاختصاص، أي اختص إبراهيم في وقته للرسالة. وعلى كل حال، ليس في اتخاذ الله إبراهيم خليلا شيء من المقاربة في حقيقة الذات والصفات. وسبب اتخاذه خليلا إما لإطعامه الطعام أو لأنه التزم أن يكون خادما للرب حتى يموت، وعن القاسم بن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإنه لم يكن نبي إلا له خليل، ألا وإن خليلي أبو بكر» «1» . 5- الله مالك السموات والأرض وخالقهما. ومعنى الآية وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هنا أنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالّته، ولا للتكثير به والاعتضاد، وكيف وله ما في السموات وما في الأرض، وإنما أكرمه لامتثاله لأمره. 6- سعة علم الله: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً أي أحاط علمه بكل الأشياء.
رعاية اليتامى والصلح بين الزوجين بسبب النشوز والعدل بين النساء [سورة النساء (4) الآيات 127 إلى 130] :
رعاية اليتامى والصلح بين الزوجين بسبب النشوز والعدل بين النساء [سورة النساء (4) : الآيات 127 الى 130] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) الإعراب: ما يُتْلى في موضع رفع لأنه معطوف على اسم الله تعالى، أي الله يفتيكم والمتلو. ولا يجوز أن يكون معطوفا على ضمير فِيهِنَّ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور، وأجازه الكوفيون. والأولى أن تكون «ما» اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: والذي يتلى عليكم في القرآن كذلك، أي يفتيكم فيهن أيضا. فِي الْكِتابِ صلة يتلى، وكذلك: فِي
البلاغة:
يَتامَى النِّساءِ . اللَّاتِي في موضع جر صفة ليتامى ولا تُؤْتُونَهُنَّ إلى قوله: أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ: في صلة اللاتي. وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ: مجرور لأنه معطوف على يَتامَى النِّساءِ، وكذلك قوله: وَأَنْ تَقُومُوا في موضع جر عطفا على الْمُسْتَضْعَفِينَ. والتقدير: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين، وأن تقوموا لليتامى بالقسط وَإِنِ امْرَأَةٌ مرفوع بفعل يفسره: خافت أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً: صلحا: منصوب على المصدر على تقدير: فيصلح الأمر صلحا. البلاغة: يوجد جناس مغاير في يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً.. وَالصُّلْحُ وفي تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ. فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ تشبيه مرسل مجمل. المفردات اللغوية: وَيَسْتَفْتُونَكَ يطلبون منك الفتيا فِي النِّساءِ في شأن النساء وميراثهن يُفْتِيكُمْ يبين لكم ما أشكل عليكم ما كُتِبَ لَهُنَّ أي فرض لهن من ميراث وصداق وَأَنْ تَقُومُوا أي تعنوا عناية خاصة بهن بِالْقِسْطِ بالعدل في الميراث والمهر فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً فيجازيكم به خافَتْ مِنْ بَعْلِها توقعت من زوجها ما تكره نُشُوزاً ترفعا وتكبرا عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها أَوْ إِعْراضاً عنها بوجهه أي ميلا وانحرافا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً في القسم والنفقة، بأن تترك له شيئا، طلبا لبقاء الصحبة، فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفرقة والنشوز والإعراض وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ شدة البخل أي إن الشح حاضر لها لا يغيب عنها، أي جبلت مطبوعة عليه، فكأنها حاضرته لا تغيب عنه، المعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها، والرجل لا يكاد يسمح لها بنفسه إذا أحب غيرها. وَإِنْ تُحْسِنُوا عشرة النساء وَتَتَّقُوا الجور عليهن فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم به أَنْ تَعْدِلُوا تسووا بَيْنَ النِّساءِ في المحبة ولو حرصتم على ذلك فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى التي تحبونها في القسم والنفقة فَتَذَرُوها أي تتركوا الممال عنها كَالْمُعَلَّقَةِ التي ليست مطلقة ولا هي ذات زوج أو بعل. وَإِنْ تُصْلِحُوا بالعدل بالقسم وَتَتَّقُوا الجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما في قلبكم من الميل رَحِيماً بكم في ذلك. مِنْ سَعَتِهِ أي فضله وغناه بأن يرزقها زوجا غيره ويرزقه غيرها وَكانَ اللَّهُ واسِعاً لخلقه في الفضل حَكِيماً فيما دبره لهم.
سبب النزول:
سبب النزول: نزول الآية (127) : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ: روى البخاري عن عائشة في هذه الآية قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في مالها حتى في العذق (النخلة بحملها) فيرغب عن أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا، فيشركه في مالها، فيعضلها (يمنعها عن الزواج) فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: كان لجابر بنت عم دميمة، ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت. سبب نزول الآية (128) : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ: روى الترمذي عن ابن عباس أنها نزلت بسبب سودة بنت زمعة، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: لا تطلّقني وأمسكني، واجعل يومي منك لعائشة، ففعل، فنزلت: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً فما اصطلحا عليه فهو جائز. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود والحاكم عن عائشة مثل ذلك. وروى ابن عيينة وسعيد بن منصور عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رافع بن خديج كانت تحته خولة ابنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إما كبرا وإما غيره، فأراد أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما شئت، فجرت السنة بذلك، ونزلت: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ. وله شاهد موصول أخرجه الحاكم من طريق ابن المسيب عن رافع بن خديج. وروى البخاري والحاكم عن عائشة رضي الله عنها: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ
المناسبة:
بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلّ، فنزلت هذه الآية. المناسبة: اشتملت السورة على موضوعين عامين: كان أولهما في أحكام النساء واليتامى والقرابة والإرث والمصاهرة، ثم أبانت بدءا من قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا أسس الدين، وأحوال أهل الكتاب والمنافقين، والقتال. ثم عاد الكلام هنا إلى أحكام النساء واليتامى الضعفاء، وتوطيد دعائم الرابطة الزوجية بالإصلاح، وبالعدل بين الزوجات حال التعدد. التفسير والبيان: ويستفتونك يا محمد في شأن النساء وحقوقهن الشاملة للميراث وحقوق الزواج، أي المالية والزوجية، كالعدل في المعاملة، والعشرة الطيبة وعلاج حالة النشوز. قل: الله يفتيكم فيهن ويبين لكم ما أشكل من أمورهن، وكذلك يوضح لكم أحكاما أخرى في المتلو عليكم في القرآن من أول السورة، كأحكام معاملة النساء اليتامى في المواريث، وإيتاء أموال الأيتام بقوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [النساء 4/ 2] والتحرج من الزواج باليتيمات: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ.. [النساء 4/ 3] . فقد جرت عادتكم القبيحة ألا تعطوهن ما كتب (فرض) لهن من الإرث إذا كان في أيديكم، لولايتكم عليهن، وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن والتمتع بأموالهن. ويحتمل: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوّجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها، فأنت أحق بها. هذا مع العلم أنه كان الرجل منهم يضم اليتيمة
ومالها إلى نفسه، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيدفنها. والمستضعفين: معطوف على يتامى النساء، أي وما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد الذين لا تعطونهم حقهم في الميراث المنصوص عليه في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ وقد كانوا في الجاهلية إنما يورّثون الرجال القوامين بالأمور دون الأطفال والنساء. ويصح في حال العطف على يتامى النساء أن يكون العامل هو يفتيكم بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. والخلاصة: إن الله يذكّر بحق الضعيفين: المرأة والطفل اليتيم، سواء بالآيات السابقة ليتدبروا معناها ويعملوا بما فيها، لتغافلهم عنها، أو بالإفتاء المجدد فيهما عدا المذكور سابقا. وَأَنْ تَقُومُوا أي والله يفتيكم أيضا بأن تعاملوا اليتامى بالعدل، وأن تعنوا بشؤونهم عناية خاصة. ويجوز كما ذكر الزمخشري أن يكون قوله وَأَنْ تَقُومُوا منصوبا بفعل مقدر وهو: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأمة في أن ينظروا لهم، ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يدعوا أحدا يظلمهم أو يهضم حقوقهم. وما تفعلوا من خير قليل أو كثير لليتامى والضعفاء والنساء، فإن الله به عليم، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء. وهذا تهييج على فعل الخيرات وامتثال الأوامر، وأن الله عز وجل عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه. ثم أخبر الله تعالى عن طرق علاج الخلاف بين الزوجين، وذكر أحوالا ثلاثة: حال نفور الرجل عن المرأة، وحال اتفاقه معها، وحال فراقه لها.
فالحالة الأولى:
فالحالة الأولى: ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غيرها من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها شيئا من مالها له، ولا عليه في قبوله منها. والخوف هنا مستعمل في حقيقته بشرط ظهور أمارات تدل عليه. ومعنى الآية في هذه الحالة: إن توقعت المرأة من زوجها نشوزا وترفعا عليها بأمارات وقرائن، كأن منعها نفسه ونفقته ولم يعاملها بالود والرحمة، أو آذاها بسبّ أو ضرب ونحو ذلك، أو أعرض عنها بأن أحجم عن محادثتها ومؤانستها لسوء في الطبع والخلق، أو لطعن في السن، أو دمامة أو ملال لها أو طموح إلى غيرها، ففي هذه الأحوال لا بأس من اللجوء إلى الإصلاح بينهما، بالتنازل عن بعض حقوقها أو كل حقوقها، لتبقى في عصمته، أو تمنحه شيئا من مالها ليطلقها وهو عوض الخلع: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ. ولكن ليذكر الزوجان دائما ما أقامه الله بينهما من عاطفة الود والرحمة كما قال: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم 30/ 21] . وقد ذكرت في أسباب النزول أكثر من حالة لبعض النسوة في صدر الإسلام، تنازلت الزوجة عن حقها في القسم لضرتها، أو اكتفت بالمبيت كل شهرين، على أن تبقى لديه ولا يطلقها. والحالة الثانية: وهي حالة الاتفاق بين الزوجين المعبر عنه بالصلح: أي أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية. ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق، قال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفراق
والتسريح، أو من النشوز والإعراض، وسوء العشرة، أو هو خير من الخصومة في كل شيء، حفاظا على الرابطة الزوجية، ومنعا من هدم كيان الأسرة وإلحاق الضرر بالأولاد، ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله «1» ، وكل ذلك يوجب العودة إلى المعاشرة بالمعروف والمعاملة بالعدل. وهذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ. أي لقد استطرد القرآن إلى بيان طبيعة في النفوس: وهي الحرص على البخل، فالنساء حريصات على حقوقهن في القسم والنفقة وحسن العشرة، وعلى الزوج أيضا، وعلى حقها المالي في المهر ونفقة العدة، وكذا الرجال حريصون على أموالهم أيضا وعلى كراهة تهديم الأسرة، فيكون التسامح والتصالح خيرا للطرفين، ما دام بهذا الطبع، والصلح عند المشاحة خير من الفراق. ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها، كما روي أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي، وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح، فهو أحب إلي، فأقرها «2» . ومن حالات الصلح أن تهب له بعض المهر أو كله، أو النفقة، فإن لم تفعل، فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها. وإن تحسنوا البقاء مع نسائكم وإن كرهتموهن، وتصبروا على ما تكرهون،
مراعاة لحق الصحبة، وتحسنوا المعاشرة فيما بينكم وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا عليما لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم ويثيبكم عليه. كان عمران بن حطّان الخارجي من أدمّ بني آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوما، ثم تابعت: الحمد لله، فقال: ما لك؟ قالت: حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين «1» . ثم بين الله تعالى أن تمام العدل وكماله وغايته في معاملة النساء محال، فخفف الله التكليف بالعدل التام، وطالب الرجال بقدر الاستطاعة، فقال: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ لأن العدل في المعاملة يشمل أمورا مادية وغير مادية، أما المادية فهي كالمبيت والنفقة والكسوة، وأما غير المادية فهي كالحب والميل وغير ذلك مما يرجع إلى الشعور النفسي، وأحاسيس النفس يصعب كبحها. فكلف الله ما يستطيعه الرجال وهو العدل المادي، ورفع عنهم الحرج فيما لا يستطيعونه من الحب والاشتهاء وأحوال الجبلّة البشرية، كما هو الشأن في سائر التكاليف، فإن الحب والبغض ونحوهما لسنا مكلفين به. ولكن الله جعل التكليف بالمستطاع في معاملة النساء مشروطا بأن يبذلوا ما فيه ولوسعهم وطاقتهم لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم، وما ربك بظلام للعبيد.
والحالة الثالثة:
وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول فيما رواه أصحاب السنن الأربع عن عائشة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني المحبة لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور، فتمنعوها قسمتها من غير رضا منها، يعني أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة، فلا تفرطوا فيه، وإن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه نوع من التوبيخ، فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية. فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أي فتبقى هذه الأخرى أو المرأة المرغوب عنها كالمعلّقة، لا هي مطلقة ولا هي متزوجة، بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها وحفظ حقوقها. روى الإمام أحمد وأهل السنن وأبو داود الطيالسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة، وأحد شقّيه ساقط» . وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا.. أي وإن أصلحتم أموركم وقسمتم بالعدل، وتبتم عن الميل والجور، واتقيتم الله في المستقبل في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل في الماضي إلى بعض النساء دون بعض، وكان شأن الله دائما المغفرة للمقصرين والرحمة بعباده التائبين الراجعين إليه. والحالة الثالثة: وهي حالة الفراق: أخبر الله تعالى أنه إذا تفرّق الزّوجان لاستعصاء الحلول والعلاج والتوفيق والمصالحة بينهما، فإن الله يغني الرّجل عنها، ويغنيها عنه، بأن يعوّضه الله من هو خير له منها، ويعوّضها عنه بمن هو خير لها منه، وكان الله واسع الفضل، عظيم المنّ، حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: الاستفتاء في الدّين أمر مطلوب شرعا لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل 16/ 43] ، والآية (127) نزلت للجواب عن الاستفتاء فيما يجب للنساء وما يجب عليهنّ مطلقا، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل عن أحكام كثيرة تتعلّق بالنّساء، سواء في الميراث وغير ذلك. والمراد بقوله: ما كُتِبَ لَهُنَّ أي ما فرض لهنّ من الميراث أو الصّداق أو النّكاح وما يعم ذلك كله وغيره. وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ: معناه أنهم كانوا يسألون عن أحوال كثيرة، فما كان منها غير مبيّن الحكم قبل نزول هذه الآية، ذكر أن الله يفتيهم فيه. وما كان منها مبيّن الحكم في الآيات المتقدّمة مثل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى (الآية 3) أحالهم فيه إلى تلك الآيات، وذكر أنها تفتيهم فيما عنه يسألون. وقد جعل دلالة الكتاب على الأحكام إفتاء من الكتاب، إذ يصح القول: إن كتاب الله بيّن كذا، وإن كتاب الله أفتى بكذا. واحتجّ بعض الحنفية بقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ على أنه يجوز لغير الأب والجدّ تزويج الصغيرة لأن الله ذكر الرغبة في نكاحها، فاقتضى جوازه. وقال الشافعية: إن الله ذكر في هذه الآية ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذّم، فلا دلالة فيها على ذلك، على أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحهنّ فعله في حال الصّغر. والخلاصة: إن الآية ترغّب في الإحسان ليتامى النساء بالميراث والصداق والنكاح وغير ذلك، كما ترغب وتأمر بالإحسان إلى الولدان الضعفاء الصغار،
ردّا على ما كان عليه أهل الجاهلية، إذ كانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء، وتأمر أيضا بمعاملة اليتامى بالعدل. وختمت الآية بما يؤكد الأوامر السابقة، فأعلنت: وما تفعلوه من خير يتعلق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم، فإن الله يجازيكم عليه، ولا يضيع عنده منه شيء. ومن الأحكام التي أخبر الله تعالى أنه يفتيهم بها في النساء: علاج حالة النشوز أو الإعراض من الرجل عن زوجته، والإعراض: الانصراف عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، مثل أن يقلل محادثتها أو مؤانستها لكبر سنّ أو دمامة أو عيب خلقي أو ملال. والإعراض أخفّ من النّشوز. والعلاج بالصّلح بأن تترك له المرأة يومها، كما فعلت سودة رضي الله عنها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو تضع عنه بعض ما يجب له من نفقة أو كسوة أو تهب له شيئا من مهرها، أو تعطيه مالا لتستعطفه وتستديم المقام معه. ولا يكون أخذ الرجل شيئا من مال الزوجة بالصلح أكلا بالباطل أو أخذا بالإكراه إذا كان هناك عذر حقيقي مما تقدّم، دون اتّخاذ الأعذار ذريعة أو حيلة لأخذ المال، فإن لم يكن هناك مسوغ مقبول شرعا، ولكنه تظاهر بالنشوز والإعراض، كان أخذ المال حراما. والسبب في أنه تعالى أجاز للرجل أخذ شيء من مال المرأة حال النشوز الحاصل منه، وجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها، فقال: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء 4/ 34] : السبب أن الله تعالى جعل للرجال درجة القوامة على النساء، فليس للمرؤوس معاقبة رئيسه، وأن الله فضّل الرجال على النساء في العقل والدين وتحمل التكاليف الشاقة، والتفضيل يقتضي ألا يكون نشوز الرجل إلا لسبب قاهر، أما المرأة لغلبة عواطفها عليها ونقصان عقلها ودينها
فيكثر منها النشوز لأتفه الأسباب، ثم إن للرجل حقّ مفارقة المرأة بالطلاق دون العكس، فلا يكون لها سبيل عليه إذا بدت منه أمارات الفرقة وعلامات الكراهية. ودلّ قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ على أن أنواع الصّلح كلها مباحة في هذه المسألة بإعطاء أحدهما للآخر مالا، أو بتنازل المرأة عن حقّها في المبيت مطلقا أو لمدة معينة أو لفترة طويلة. بل إن الآية تدلّ على جواز الصّلح في غير أحوال النزاع بين الزوجين إلا ما خصّه الدّليل، وهو يدلّ على جواز الصّلح عن إنكار والصّلح من المجهول، كما قال الجصاص «1» لأن وقوع الجملة اعتراضا وجريانها مجرى الأمثال، مما يرجّح كون اللفظ عاما. وقال القرطبي أيضا: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظ عام مطلق يقتضي أن الصّلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق. ويدخل في هذا المعنى الصّلح بين الرّجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك «2» . وأخبر الله تعالى بقوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ بأن الشّحّ في كلّ أحد، وأن الإنسان لا بدّ أن يشحّ بحكم خلقته وجبلّته، حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره. والشّح إذا أدّى إلى منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة. ودلّ قوله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا وهو خطاب للأزواج على أن للزوج أن يشحّ ولا يحسن، أي إن تحسنوا وتتّقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهنّ مع كراهيتكم لصحبتهنّ واتّقاء ظلمهنّ فهو أفضل لكم. أما العدل المرفوع من دائرة التكاليف فهو الذي لا يخضع لسلطة الإنسان
وإرادته، وإنما يكون من أمور الجبلّة البشرية التي لم يكلّفنا الله عزّ وجلّ بشيء منها كالحبّ والكراهية، فهذا غير مستطاع، وهو داخل في تمام العدل وكماله، وهو الذي أخبر تعالى عنه أنه محال، قال أئمة التفسير من السّلف الصالح كابن عباس وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم: إن العدل الذي أخبر الله عنه أنه غير مستطاع: هو التّسوية بين الزوجات في الحبّ القلبي وميل الطباع، ومعلوم أن ذلك غير مقدور. فالعدل المقصود في هذه الآية هو العدل في المحبّة القلبية فقط، وإلا لتعارضت الآية مع الآية السابقة: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى.... وأما العدل المأمور به الذي جعل شرطا في جواز تعدد الزوجات أو الجمع بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف، ويملكه، مثل التسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر عليه. ويترتب عليه أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لا تملك، وكانت عائشة رضي الله عنها كما تقدّم أحبّ نسائه إليه صلّى الله عليه وسلّم. وأخذ منه أنه لا تجب التسوية بينهن في الوطء لأنه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلّب القلوب. ولكن لا يصح اتّخاذ الميل سببا للظلم، لقوله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة، بل الزموا التسوية في القسم والنفقة، لأن هذا مما يستطاع. وينبغي صون كرامة المرأة واحترام شخصيتها وعدم إلجائها إلى الانحراف، لقوله تعالى: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أي لا هي مطلّقة ولا ذات زوج. وهذا تشبيه بالشيء المعلّق من شيء لأنه لا على الأرض استقرّ، ولا على ما علّق عليه انحمل.
لله حقيقة الملك في الكون وكمال القدرة والمشيئة وثواب الدنيا والآخرة للمجاهد [سورة النساء (4) الآيات 131 إلى 134] :
وبعد أن رغّب الله في الصلح بين الزوجين وحثّ عليه، ذكر في قوله: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ جواز الفرقة إذا لم يكن منها بدّ، وطيّب الله خاطر كلّ من الزوجين، ووعد كلّ واحد منهما بأنه سيغنيه عن الآخر، إذا كان القصد من الفرقة هو التّخوّف من ترك حقوق الله التي أوجبها، فليحسنا الظنّ بالله، فقد يقيض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسّع عليها. وروي عن جعفر بن محمد أن رجلا شكا إليه الفقر، فأمره بالنّكاح، فذهب الرجل وتزوّج، ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر، فأمره بالطّلاق فسئل عن هذه الآية فقال: أمرته بالنّكاح لعله من أهل هذه الآية: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور 24/ 32] ، فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت: فلعله من أهل هذه الآية: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ «1» . ثم ختم الله الآية بأنه كان وما يزال غنيّا كافيا للخلق، حكيما متقنا في أفعاله وأحكامه. وهذا نصّ صريح على أن الله هو مصدر الرزق والغنى والسعة، وأنه متكفّل بأرزاق العباد، وأن حكمته سامية عالية في كلّ شيء خلقا وإبداعا، وتشريعا وحكما، وتصرّفا وجزاء. لله حقيقة الملك في الكون وكمال القدرة والمشيئة وثواب الدّنيا والآخرة للمجاهد [سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 134] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134)
الإعراب:
الإعراب: مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإياكم: ضمير منفصل منصوب عطفا على الَّذِينَ وهو مفعول وصينا، والتقدير: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب وإياكم بأن اتّقوا الله. وحذف حرف الجر من أَنِ. أو تكون أَنِ المفسّرة لأن التوصية في معنى القول. المفردات اللغوية: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي أمرنا اليهود والنصارى في كتبهم، والكتاب: اسم جنس يتناول الكتب السماوية. وَإِيَّاكُمْ يا أهل القرآن. اتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه. وَإِنْ تَكْفُرُوا وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا بما وصيتم به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا فلا يضرّه كفركم. وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن خلقه وعن عبادتهم. حَمِيداً محمودا في صنعه بهم، سواء حمده الناس أو لم يحمدوه. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كرر الجملة تأكيدا لتقرير موجب التقوى وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا قيّما حافظا شهيدا بأن ما فيهما له. المناسبة: لما أمر الله تعالى بالعدل والإحسان إلى اليتامى والضعفاء، أوضح أنه ما أمر بهذه الأفعال لحاجته إلى أعمال العباد لأن كلّ ما في السموات والأرض ملكه،
التفسير والبيان:
فهو غنيّ عنهم وقادر على إغنائهم، ولكن ليحمل العباد على أعمال الخير والبرّ. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما، وأن جميع ما فيهما لله ملكا وخلقا وإيجادا وتصريفا وعبيدا، له الحكم المطلق. ولقد أمرنا من قبلكم من اليهود والنصارى وغيرهم بما أمرناكم، ووصيناهم بما وصيناكم به من تقوى الله عزّ وجلّ بعبادته وحده لا شريك له، وإقامة سننه وشريعته. وإن تكفروا نعم الله وإحسانه، فإن الله مالك الملك لا يضرّه كفركم وعصيانكم، كما لا ينفعه شكركم وتقواكم، وقد أوصى بهما لرحمته، لا لحاجته. وقوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا عطف على اتَّقُوا لأن المعنى أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله الملك، والمعنى- كما قال الزمخشري «1» -: إن لله الخلق كله، وهو خالقهم ومالكهم، والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحقّه أن يكون مطاعا في خلقه غير معصيّ، يتّقون عقابه، ويرجون ثوابه، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة ووصيناكم أن اتّقوا الله، يعني أنها وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، لستم بها مخصوصين لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة، وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحّده ويعبده ويتّقيه. وكان الله بذاته غنيّا عن خلقه وعن كل شيء وعن عبادتهم جميعا، مستحقّا لأن يحمد بذاته وكمال صفاته لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منهم، قال الله
سبحانه: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذّاريات 51/ 57- 58] . ثمّ كرر القول للتأكيد: ولله ما في السموات وما في الأرض خلقا وملكا يتصرّف فيهما كيف شاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، وكفى بالله وكيلا، أي قيّما وحافظا وكفيلا لأمور العباد في أرزاقهم وسائر شؤونهم. قال الزمخشري: تكرير قوله: ما في السموات وما في الأرض: تقرير لما هو موجب تقواه، ليتّقوه فيطيعوه ولا يعصوه لأن الخشية والتّقوى أصل الخير كله «1» . ثم هدّد تهديدا عامّا صريحا فقال: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين، أي إن يرد إفناءكم وإيجاد قوم آخرين بدلا عنكم، فهو قادر على ذلك لأن كل شيء في السموات والأرض تحت قبضته وخاضع لسلطانه، وكان الله على ذلك من الإعدام والإيجاد بليغ القدرة، لا يمتنع عليه شيء أراده. وهذا غضب على المشركين الذين كانوا يؤذون النّبي صلّى الله عليه وسلّم ويقاومون دعوته، وتخويف وبيان لاقتداره على الإذهاب والتّبديل إذا عصيتموه، كما قال: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد 47/ 38] ، قال بعض السّلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره. وقال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم 14/ 19- 20] أي وما هو عليه بممتنع. ثم قال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ... أي من كان بسعيه وعمله
فقه الحياة أو الأحكام:
وجهاده يريد ثواب الدّنيا أي نعيمها بالمال والجاه ونحوهما، فعند الله ثواب الدّنيا والآخرة، كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة، فما له يطلبها فقط وهي خسيسة، بل عليه أن يطلب خيري الدّنيا والآخرة، فيأخذ الغنيمة وينال الجنة إن جاهد لله خالصا، والمعنى: فعند الله ثواب الدّنيا والآخرة له إن أراده، فعليه أن يرجو ثوابهما معا. وفي هذا إيماء إلى أن الدين يهدي أهله لسعادتي الدّنيا والآخرة، وأن تلك الهداية من فضله تعالى ورحمته، ولو استقام المسلمون على أوامر ربّهم وهدي دستورهم لظلّوا سادة العالم. وهي نظير قوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة 2/ 200- 202] ، وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى 42/ 20] ، وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ- إلى قوله- انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [الإسراء 17/ 18- 21] . ثم ختم الله الآية بقوله: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً أي كان الله وما يزال سميعا لأقوال عباده، بصيرا بكل قصد وعمل، فعليهم أن يراقبوه في الأقوال والأفعال. فقه الحياة أو الأحكام: المستفاد من هذه الآيات هو معرفة ثوابت الأخبار الدائمة في الوحي الإلهي منذ بدء الخليقة، وفي كل ملة ودين، ولكل العاملين والمجاهدين في سبيل الله، وهي ما يأتي: 1- لله ملك السموات والأرض ملكا وخلقا وتصرفا وسلطانا.
2- الأمر بالتقوى بامتثال الأوامر الإلهية واجتناب النواهي عام لجميع الأمم. قال بعض العارفين عن آية وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ..: هذه الآية هي رحى آي القرآن لأن جميعه يدور عليها. 3- الله تعالى لا تضره معصية العباد وكفرهم، ولا تنفعه طاعتهم وإيمانهم. ولقد كرر قوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ في الآية (131) مرتين، ثم في الآية (132) : إما تأكيدا، ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه، وأنه غني عن العالمين، أو كرره لفوائد: فأخبر أولا أن الله تعالى يغني كلا من سعته (رزقه) لأن له ما في السموات وما في الأرض، فلا تنفد خزائنه. ثم قال ثانيا: أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى، وإن تكفروا فإنه غني عنكم لأن له ما في السموات وما في الأرض. ثم أعلم ثالثا بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا لأن له ما في السموات وما في الأرض. وقال: ما فِي السَّماواتِ ولم يقل: من في السموات لأنه ذهب به مذهب الجنس، وفي السموات والأرض من يعقل ومن لا يعقل. والخلاصة: كان التكرار لترسيخ الاعتقاد بأن كل شيء من سعة الله، وللإعلان عن غنى الله المطلق فلا يتضرر بكفر العباد، ولبيان قيام الله بحفظ خلقه وتدبيره إياهم. 4- لله المشيئة المطلقة والقدرة الكاملة في إذهاب المشركين والمنافقين وكل العصاة، والإتيان بآخرين هم أطوع لله من الموجودين. وفي الآية: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة، فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه، ولا ينصح الناس، من أن يذهبه ويأتي بغيره. والقدرة صفة أزلية لله تعالى، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى
العدل في القضاء والشهادة بحق والإيمان بالله والرسول والكتب السماوية [سورة النساء (4) الآيات 135 إلى 136] :
معلوماته، والماضي في قوله مثلا: وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً والمستقبل في صفاته بمعنى واحد. وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه حديث في ذاته وصفاته. والقدرة: هي التي يكون بها الفعل، ولا يجوز وجود العجز معها. 5- من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة، آتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلبا للدنيا آتاه بما كتب له في الدنيا، وليس له في الآخرة من ثواب لأنه عمل لغير الله تعالى، كما قال سبحانه: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى 42/ 20] . وقال: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود 11/ 16] وهذا على أن يكون المراد بالآية: المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري «1» . والحق كما ذكر ابن كثير: أن الآية عامة ومعناها ظاهر، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة «2» . العدل في القضاء والشهادة بحق والإيمان بالله والرسول والكتب السماوية [سورة النساء (4) : الآيات 135 الى 136] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)
الإعراب:
الإعراب: شُهَداءَ منصوب إما لأنه صفة قوامين، أو حال من ضمير قوامين. إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما: إنما قال: بهما، ولم يقل: به لأن أَوِ لأحد الشيئين لأربعة وجوه: الأول- أنه محمول على المعنى، والمعنى: إن يكن الخصمان غنيين أو فقيرين فالله أولى بهما. الثاني- أنه لما كان المعنى: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير، رد الضمير إليهما. الثالث- إنما رد الضمير إليهما لأنه لم يقصد غنيا بعينه ولا فقيرا بعينه. الرابع- أن أَوِ بمعنى الواو، والواو لإيجاب الجمع بين الشيئين أو الأشياء، فلهذا قال: أولى بهما. وأو بمعنى الواو في مذهب الأخفش والكوفيين. أَنْ تَعْدِلُوا أن: في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لئلا تعدلوا، أو تكون في موضع نصب على تقدير: كراهة أن تعدلوا، كقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء 4/ 176] أي لئلا تضلوا. وَإِنْ تَلْوُوا بواوين: أصله تلويوا على وزن تفعلوا، من لويت، فنقلت الضمة من الياء إلى ما قبلها، فبقيت الياء ساكنة، وواو الجمع ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فبقي: تلووا ووزنه تفعوا. البلاغة: قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ مبالغة أي مبالغين في إقامة العدل. غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً طباق. آمَنُوا آمِنُوا جناس ناقص لتغير الشكل. ضَلَّ ضَلالًا جناس مغاير.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ صيغة مبالغة أي قائمين بالعدل على أتم وجه شُهَداءَ لِلَّهِ أي شاهدين بالحق لوجه الله وحده وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ولو كانت الشهادة على أنفسكم، فاشهدوا بالحق عليها، بأن تقروا به ولا تكتموه فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما منكم وأعلم بمصالحهما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه، أو الفقير رحمة به. أَنْ تَعْدِلُوا أن لا تعدلوا أي تميلوا عن الحق وَإِنْ تَلْوُوا تحرفوا ألسنتكم بالشهادة. وفي قراءة بحذف الواو الأولى تخفيفا أَوْ تُعْرِضُوا عن أدائها أي لا تؤدوها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم به. سبب النزول: نزول الآية (135) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ: أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما نزلت هذه الآية في النبي صلّى الله عليه وسلّم اختصم إليه رجلان: غني وفقير، وكان صلّى الله عليه وسلّم مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير. المناسبة: هذا أمر عام بالقسط بين الناس، جاء عقب الأمر بالقسط في اليتامى والنساء في آية الاستفتاء لأن قوام المجتمع لا يكون إلا بالعدل، وحفظ النظام ودوام الملك لا يتم إلا به، فالعدل أساس الملك الدائم. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يقوموا بالعدل، فلا تأخذهم في الله لومة لائم، وأن يتعاونوا ويتعاضدوا فيه. يا أيها المؤمنون كونوا مبالغين بإقامة العدل، والعدل عام شامل الحكم بين الناس من الحكام، والعمل في أي مجال، وفي الأسرة، فيسوي الحاكم أو الوالي أو الموظف بين الناس في الأحكام والمجالس وقضاء
الحوائج، كما يسوي كل صاحب عمل بين عماله، وكما يسوي الرجل بين زوجاته وأولاده في المعاملة والهبة. وكونوا شاهدين بالحق لله، بأن تتحروا الحق الذي يرضي الله، وتؤدوا الشهادة ابتغاء وجه الله، لتكون الشهادة صحيحة عادلة حقا من غير مراعاة أحد ولا محاباة. اشهدوا بالحق المجرد ولو كانت الشهادة على أنفسكم، وعاد ضررها عليكم، بأن تقروا بالحق ولا تكتمونه، ومن أقر على نفسه بحق فقد شهد عليها لأن الشهادة إظهار الحق. واشهدوا بالحق أيضا ولو كانت الشهادة على الوالدين والأقارب وعاد ضررها عليهم لأن بر الوالدين وصلة الأقارب لا تكون بالشهادة لغير الله، بل البر والصلة والطاعة في الحق والمعروف. ولا تراعوا غنيا لغناه، أو ترحموا فقيرا لفقره، بل اتركوا الأمر لله، فالله يتولى أمرهما، وأولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما. ولا تتبعوا الهوى لئلا تعدلوا عن الحق إلى الباطل، إذ في الهوى الزلل، أو فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال، كما قال الله تعالى: «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة 5/ 8] . وإن تلووا ألسنتكم أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، والليّ: هو التحريف وتعمد الكذب، قال تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ [آل عمران 3/ 78] أو تعرضوا عن أداء الشهادة، والإعراض: هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة 2/ 283] وقال النبي
فيما رواه مسلم عن زيد بن خالد الجهني صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أخبركم بخير الشهداء: هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها. وإن تلووا أو تعرضوا فالله خبير بأعمالكم، وسيجازيكم بذلك. وعبر بالخبير ولم يعبر بالعليم لأن الخبرة العلم بدقائق الأمور وخفاياها، والشهادة يكثر فيها الغش والاحتيال واللف والدوران. فليحذر المخالفون. ثم أمر الله بالإيمان به وبرسوله وبالكتب التي أنزلها، فإن كان هذا خطابا للمؤمنين فمعناه اثبتوا على ذلك وداوموا واستمروا عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة 1/ 6] أي بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه، وكما قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [الحديد 57/ 28] . وهذا رأي ابن كثير والقرطبي «1» . وقوله: وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ يعني القرآن، وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة. وإن كان الخطاب لمؤمني أهل الكتاب فيراد به الأمر بالإيمان بالنبي محمد وبالقرآن، كالأنبياء السابقين والكتب المنزلة قبل القرآن. فقد روي أن هذا خطاب لمؤمني اليهود. قال ابن عباس وكذا الكلبي: «إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام، وأسد وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلام ابن أخت عبد الله بن سلام، ويامين بن يامين، إذ أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بل آمنوا بالله ورسوله وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله، فقالوا: لا نفعل، فنزلت، قال: فآمنوا كلهم» «2» .
فقه الحياة أو الأحكام:
وقال في القرآن: نَزَّلَ لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة، ولهذا قال تعالى: وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ. ثم توعد الله من كفر بعد الأمر بالإيمان فذكر: ومن يكفر بالله أو بملائكته أو ببعض كتبه أو رسله، أو اليوم الآخر، فقد ضل أي خرج عن طريق الهدى والحق، وبعد عن المطلوب كل البعد. ومن فرّق بين كتب الله ورسله، فآمن ببعض وكفر ببعض كاليهود والنصارى فلا يعتد بإيمانه ولا يعترف به لأن الكفر بكتاب أو برسول كفر بالكل، ولو آمن إيمانا صحيحا بنبيه وكتابه كما كفر بمحمد المبشر به عندهم. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات أصول الحكم أو القضاء بين الناس على أساس من العدل، وأداء الشهادة بالحق، وأصول التدين والإيمان الصحيح بالتصديق بجميع أنبياء الله ورسله الكرام، دون تفرقة بين أحد من رسل الله. أما الآية الأولى فهي آمرة أمرا صريحا قاطعا بشيئين: الأول- المبالغة في إقامة العدل والتعاون فيه دون تهيب ولا انحراف ولا تردد في القضاء به إذ بالعدل قامت السموات والأرض. ولقد كان السلف الصالح مضرب المثل في التزام شريعة العدل في كل الأقضية حتى مع الأعداء، ولو كان المسلمون هم المقضي عليهم، ولهم في ذلك روائع الأمثال والقصص، منها: أن عبد الله بن رواحة، لما بعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه، وبغضي
لكم، على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. الثاني- أداء الشهادة بالحق ولو على النفس أو الوالدين أو الأقربين لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، ولأنه أحق أن يتبع، ولأن الاستعلاء على مصالح النفس ومراعاة حظوظها هو أمارة الإيمان الصحيح بالله، ولأن بر الوالدين وصلة الأرحام والأقارب إنما يكونان ضمن دائرة الحق والمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فالشهادة ينبغي أن تكون خالصة لله أي لذات الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه، فيقر الإنسان بالحق لأهله، فذلك قيامه بالشهادة على نفسه، وبهذا أدب الله عز وجل المؤمنين، كما قال ابن عباس: أمروا أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم. ولا حاجة لمراعاة غني أو فقير، فالله وحده يتولى أمورهما، وهو أولى بكل واحد منهما. واتباع الهوى مرد أي مهلك، قال الله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى، فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص 38/ 26] فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، قال الشعبي: أخذ الله عز وجل على الحكّام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. وإن التحريف في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين، وعدم قول الحق فيها، والإعراض عن أداء الحق فيها، والظلم في القضاء، كل ذلك مدعاة إلى الجزاء والعقاب الشديد، كما وضح من التهديد المذكور في ختام الآية: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي فمجازيكم بذلك. ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة، وكل إنسان مأمور بأن يعدل. وفي الحديث: «ليّ الواجد
يحلّ عرضه وعقوبته» «1» واللي: المطل، والواجد: الغني المليء، وعرضه: شكايته، وعقوبته: حبسه. وذكر الفقهاء بعض الأمور المتعلقة بالشهادة للوالدين أو على الوالدين فقالوا: لا خلاف في أن شهادة الولد على الوالدين (الأب والأم) ماضية ومقبولة، ولا يمنع ذلك من برّهما، بل من برّهما أن يشهد عليهما، ويخلصهما من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم 66/ 6] . وأما الشهادة للوالدين أو شهادتهما للأولاد ففيها خلاف: قال الزهري: كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في ذلك قول الله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، شُهَداءَ لِلَّهِ فلم يكن أحد يتّهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتّهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وابن حنبل وأبي حنيفة وأصحابه. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، وبه قال إسحاق والمزني. وأجاز الشافعي شهادة الزوجين بعضهما لبعض لأنهما أجنبيان، وإنما بينهما عقد الزوجية، وهو معرّض للزوال، والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص، فبقي ما عدا المخصوص على الأصل. وأجيب بأن الزوجية توجب الحنان والمواصلة والألفة والمحبة، وتتواصل منافع الأملاك بين الزوجين، فالتهمة قوية ظاهرة. وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن «رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ردّ شهادة الخائن والخائنة، وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت،
صفات المنافقين وجزاؤهم ومواقفهم من المؤمنين [سورة النساء (4) الآيات 137 إلى 141] :
وأجازها لغيرهم» قال الخطابي: ذو الغمر: هو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فترد شهادته عليه للتهمة. والقانع: هو المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في حوائجهم مثل الأجير أو الوكيل ونحوه. ومعنى رد الشهادة: التهمة في جر المنفعة إلى نفسه، وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعا، فشهادته مردودة. والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه لأنه يجرّ به النفع، لما جبل عليه من حبه والميل إليه. وممن ترد شهادته عند مالك: البدوي على القرويّ، لما روى أبو داود والدارقطني عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» . وأما الآية الثانية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا فالظاهر أنها نزلت في جميع المؤمنين، والمعنى: يا أيها الذين صدّقوا أقيموا على تصديقكم واثبتوا عليه، وصدقوا بالقرآن وبكل كتاب أنزل على النبيين. وقيل: إنه خطاب للمنافقين والمعنى على هذا: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله. وقيل: المراد المشركون والمعنى: يا أيها الذين آمنوا باللات والعزّى والطاغوت آمنوا بالله، أي صدّقوا بالله وبكتبه. وقيل: نزلت فيمن آمن بمن تقدم محمدا صلّى الله عليه وسلّم من الأنبياء عليهم السلام. صفات المنافقين وجزاؤهم ومواقفهم من المؤمنين [سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 141] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)
الإعراب:
الإعراب: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ بدل أو نعت المنافقين. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً: إنما قال: جميعا بالتذكير، ولم يقل جمعاء بالتأنيث لأن العزة في معنى العز. وجَمِيعاً حال منصوب، والتقدير: فإن العزة لله تعالى كائنة في حال اجتماعهما. الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بدل من الذي قبله. أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ أن: مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه، وهي مع الفعل في تأويل المصدر مفعول: نزل، على من قرأها بالفتح، وفي موضع نائب فاعل على قراءة من قرأ نزّل بضم النون والتشديد. إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ أي أمثالهم، وقد يأتي مثل أيضا للاثنين والجماعة، كما يأتي للواحد، قال الله تعالى: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا. البلاغة: آمَنُوا ... كَفَرُوا طباق
المفردات اللغوية:
جامِعُ.. جَمِيعاً جناس اشتقاق. بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ أسلوب تهكمي، لاستعمال لفظ البشارة مكان الإنذار تهكما. أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ استفهام إنكاري، قصد منه التقريع والتوبيخ. المفردات اللغوية: بَشِّرِ يا محمد أي أنذر، واستعمل البشارة مكان الإنذار تهكما عَذاباً أَلِيماً مؤلما هو عذاب النار أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أولياء جمع ولي: وهو الناصر والمعين، واتخذوهم أولياء لما يتوهمون فيهم من القوة. أَيَبْتَغُونَ يطلبون، أي لا يجدونها عندهم. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً في الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ القرآن آياتِ اللَّهِ القرآن فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ أي مع الكافرين والمستهزئين. حَتَّى يَخُوضُوا يتحدثوا بحديث آخر. يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ينتظرون بكم الدوائر، أي ينتظرون وقوع أمر بكم. فَتْحٌ ظفر وغنيمة أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الدين والجهاد، فأعطونا من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نصيب من الظفر عليكم أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ نستول عليكم ونقدر على أخذكم وقتلكم، فأبقينا عليكم، والمراد: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم، فأبقينا عليكم. وَنَمْنَعْكُمْ وأ لم نمنعكم من المؤمنين أن يظفروا بكم بتخذيلهم ومراسلتكم بأخبارهم، فلنا عليكم المنّة. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وبينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن يدخلكم الجنة، ويدخلهم النار. وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا طريقا بالاستئصال في الدنيا، قال ابن كثير: وذلك بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة «1» ، كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [غافر 40/ 51] . المناسبة: لما أمر الله في الآية السابقة بالإيمان بالله والرسول والكتب المنزلة، ناسب أن يذكر صنفين خارجين عن الإيمان: الصنف الأول- وهم الذين آمنوا في الظاهر نفاقا ثم عادوا إلى الكفر وماتوا على ضلالهم، فلا توبة لهم بعد الموت ولا يغفر الله
التفسير والبيان:
لهم. والصنف الثاني- وهم جماعة المنافقين الذين بقوا متظاهرين بالإسلام وتعاطفوا مع الكفار، وهؤلاء لهم عذاب مؤلم في نار جهنم. التفسير والبيان: إن هؤلاء الذين أعلنوا إيمانهم، ثم عادوا إلى الكفر، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم تغالوا وتمادوا في الكفر، ثم ماتوا على كفرهم، فلا مغفرة لهم، ولن يهتدوا إلى الخير. أي إن الذين تكرر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، وفقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان، ولم يحاولوا الثبات على الهداية، لن يظفروا أبدا بمغفرة الله ورحمته وإحسانه ورضوانه، ولن يهتدوا بعد هذا التردد إلى الجنة وما فيها من خير وفلاح وسعادة، إذ لم تحدث منهم توبة في حال الحياة، وظلوا على كفرهم وطغيانهم ومعاداتهم للإسلام حتى الموت. بشر أي أنذر يا محمد المنافقين من هؤلاء وغيرهم الذين كانوا يميلون مع الكفرة ويوالونهم بالعذاب المؤلم الذي لا يعرف قدره في نار جهنم. ومن صفاتهم أنهم كانوا يتخذون الكافرين أولياء وأنصارا وأعوانا، ويتجاوزون ولاية المؤمنين ويتركونها، ظنا منهم أن الغلبة ستكون للكافرين، ولم يدروا أن العاقبة للمتقين لأن الله معهم. ثم أنكر الله عليهم ووبخهم فذكر أنهم إن كانوا بذلك يطلبون العزة أي القوة والمنعة عند هؤلاء، فقد أخطئوا لأن العزة لله في الدنيا والآخرة، وهو يؤتيها من يشاء، والمراد أن العزة تكون في النهاية لأولياء الله الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون 63/ 8] قال ابن عباس: يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ يريد بني قينقاع، فإن ابن أبيّ كان يواليهم.
ثم نهى الله المؤمنين جميعا سواء كانوا صادقي الإيمان أو متظاهرين به وهم المنافقون عن الجلوس في مجالس الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله، فلا تسمعوا لهؤلاء ولا تقعدوا معهم حتى يتكلموا في حديث آخر، فإنكم إن قعدتم معهم، كنتم شركاء لهم في الكفر لرضاكم بكلامهم. وهذا مثل قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام 6/ 68] وسبب النهي أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم، فيستهزءون به، فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه. وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم، كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة، وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم إذا مثل الأحبار في الكفر. وفي هذا إيماء إلى أن الساكت عن المنكر شريك في الإثم. ثم أوضح الله تعالى عاقبة الجميع، فقرر أن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين جميعا في جهنم، يعني القاعدين والمقعود معهم، فإنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا، سيجتمعون في العقاب يوم القيامة لأن من رضي بالشيء حكمه حكم المرتكب له تماما. ثم بيّن الله تعالى بعض أحوال المنافقين: وهي أنهم ينتظرون ما يحدث للمؤمنين من خير أو شر. فإن كان للمؤمنين نصر من الله وفتح أو غنيمة، قالوا زاعمين: إنا كنا معكم مؤيدين ومظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة، وشاركونا في القسمة المستحقة لنا. وإن كان للكافرين نصيب من الظفر، كما حصل يوم أحد، قالوا لهم: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم، فأبقينا عليكم، وكنا عونا لكم على المؤمنين نمنعهم
فقه الحياة أو الأحكام:
عنكم بأن ثبّطناهم عنكم، وألقينا في قلوبهم الرعب والخوف، فأحجموا عن قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيبا لنا مما أصبتم. والسبب في تسمية ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا: هو تعظيم شأن المسلمين، وتخسيس حظ الكافرين لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دني، ولمظة من الدنيا يصيبونها، كما قال الزمخشري «1» . ثم حسم الله الموقف بين المؤمنين والمنافقين فقال: فالله يحكم بينكم أيها المؤمنون الصادقون والمنافقون الكاذبون، يوم القيامة، فيجازي كلا على عمله، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المنافقين النار. ثم قطع الله تعالى أي أمل يتعلق به الواهمون المنافقون فقال: ولن يمكّن الله الكافرين من استئصال شأفة المؤمنين بالكلية ما داموا متمسكين بشرع الله ودينه، وإن حصل لهم ظفر أحيانا فهو نصر موقوت لأن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم 30/ 47] إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد 47/ 7] . فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: 1- إذا آمن الكافر غفر له كفره السابق، فإذا رجع فكفر، لم يغفر له الكفر الأول، لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال أناس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أمّا من أحسن منكم في الإسلام، فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية
والإسلام» وفي رواية: «ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» والإساءة هنا بمعنى الكفر إذ لا يصح أن يراد هنا ارتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله، إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلى حين موته، وذلك باطل بالإجماع «1» . 2- في هذه الآية وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا رد على أهل القدر فإن الله تعالى بيّن أنه لا يهدي الكافرين طريق خير، ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا. 3- تضمنت الآية أيضا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا حكم المرتدين، وأن الردة تحبط الأعمال. 4- العذاب الأليم مستحق للمنافقين لا محالة بإخبار الله تعالى، وخبر الله لا يتغير. 5- قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ.. فيه دليل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق لأنه لا يتولى الكفار. وتضمنت الآية المنع من موالاة الكفار، وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلّى الله عليه وسلّم يقاتل معه، فقال له: «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك» . «2» 6- العزة أي الغلبة والقوة الحقيقية التامة لله عز وجل. 7- يحرم الجلوس في مجالس الكفرة الذين يستهزئون بآيات الله (القرآن)
والخطاب في قوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ.. عام لجميع من أظهر الإيمان من محقّ ومنافق لأنه إذا أظهر الإيمان، فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله. وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن. ودل قوله تعالى: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ- أي غير الكفر- إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله عز وجل: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم، حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى. 8- موقف المنافقين موقف ضعيف يستدعي العجب والسخرية والطرد من الجانبين: فإنهم كانوا يطمعون في غنائم المسلمين متذرعين بأنهم مظاهرون لهم ومؤيدون جهادهم. وكذلك كانوا يطمعون في غنائم الكفار متذرعين بأنهم دافعوا عنهم وخذلوا عنهم المسلمين، حتى هابهم المسلمون. والآية: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ.. تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين، ولهذا قالوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟. وتدل على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمة، ولذا طالبوها وقالوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ ويحتمل أن يريدوا بقولهم: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ الامتنان على المسلمين، أي كنا نعلمكم بأخبارهم، وكنا أنصارا لكم «1» .
9- قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ذكر ابن العربي وتابعه القرطبي «1» في تأويله خمسة أوجه: منها: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن تتواصوا بالباطل، ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدوّ من قبلكم. قال ابن العربي: وهذا نفيس جدا. ومنها: أن المراد بالسبيل الحجة. ومنها: أن هذا يوم القيامة وقد رجحه الطبري، وضعفه ابن العربي لعدم فائدة الخبر فيه. ومنها- الذي رجحته وهو أن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما جاء في صحيح مسلم عن ثوبان عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال « ... ودعوت ربي ألّا يسلّط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم» أي ساحتهم. قال الجصاص في قوله: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا: ويحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج لأن عقد النكاح يثبت عليها للزوج سبيلا في إمساكها في بيته، وتأديبها، ومنعها من الخروج، وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح، كما قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ فاقتضى قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ ... وقوع الفرقة بردة الزوج، وزوال سبيله عليها لأنه ما دام النكاح باقيا، فحقوقه ثابتة، وسبيله باق عليها «2» .
مواقف أخرى للمنافقين وعقابهم والنهي عن موالاة الكافرين [سورة النساء (4) الآيات 142 إلى 147] :
مواقف أخرى للمنافقين وعقابهم والنهي عن موالاة الكافرين [سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 147] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147) الإعراب: كُسالى جمع كسلان، وهو حال منصوب من واو قامُوا وكذلك قوله: يُراؤُنَ .. وَلا يَذْكُرُونَ. مُذَبْذَبِينَ منصوب من وجهين: أحدهما- أن يكون منصوبا على الذم بفعل مقدر، تقديره: أذم مذبذبين. والثاني- أن يكون منصوبا على الحال من واو يَذْكُرُونَ. ما يَفْعَلُ ما: فيها وجهان: أحدهما- أن تكون استفهامية في موضع نصب ب يَفْعَلُ وتقديره: أيّ شيء يفعل بعذابكم؟ والثاني- أن تكون «ما» نفيا، فلا يكون لها موضع من الإعراب. قال ابن الأنباري: والوجه الأول أوجه الوجهين، وحذف الياء من يُؤْتِ في المصحف تخفيفا.
البلاغة:
البلاغة: في يُخادِعُونَ .. خادِعُهُمْ وفي شَكَرْتُمْ.. شاكِراً جناس اشتقاق. وقوله: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ؟ استفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم ما دمتم شكرتم نعم الله وآمنتم به. المفردات اللغوية: يُخادِعُونَ اللَّهَ بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر، فيدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية. من الخداع: وهو إيهام غيرك خلاف حقيقة الشيء. وَهُوَ خادِعُهُمْ مجازيهم على خداعهم، فيفتضحون في الدنيا باطلاع الله نبيه على ما أبطنوه، ويعاقبون في الآخرة. كُسالى جمع كسلان وهو المتثاقل المتباطئ. يُراؤُنَ النَّاسَ بصلاتهم، أي يقصدون بعملهم الظهور للناس ليحمدوهم عليه، وهم في داخلهم غير مقتنعين بما يعملون. وَلا يَذْكُرُونَ أي ولا يصلون. إِلَّا قَلِيلًا أي رياء. مُذَبْذَبِينَ مترددين. بَيْنَ ذلِكَ بين الكفر والإيمان. لا إِلى هؤُلاءِ لا منسوبين إلى الكفار. وَلا إِلى هؤُلاءِ ولا إلى المؤمنين. سَبِيلًا طريقا إلى الهدى. سُلْطاناً مُبِيناً حجة قوية ظاهرة أو برهانا بيّنا على نفاقكم. الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ الدرك: المكان، والأسفل من النار: هو قعرها. وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً مانعا من العذاب. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من النفاق. وَأَصْلَحُوا عملهم. وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ووثقوا بالله. وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ من الرياء. أَجْراً عَظِيماً في الآخرة وهو الجنة. وَكانَ اللَّهُ شاكِراً لأعمال المؤمنين بالإثابة عليها. عَلِيماً بخلقه. المناسبة: الآيات مكملة لما سبقها في تبيان صفات المنافقين وأحوالهم ومواقفهم. التفسير والبيان: إن المنافقين لجهلهم، وسذاجتهم، وقلة علمهم وعقلهم ومرضهم النفسي، وسوء تقديرهم يلجأون إلى الخداع، فيفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، كما تقدم في أول سورة البقرة: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية [9] ولا شك بأن الله لا يخادع فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكنهم
يظنون أن أمرهم كما راج عند الناس، وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده كما قال تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ الآية [المجادلة 58/ 18] . وَهُوَ خادِعُهُمْ أي مجازيهم على خداعهم، وسمي ذلك مخادعة مشاكلة للفظ الأول، مثل وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [الأنفال 8/ 30] . أو وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع، حيث تركهم تطبق عليهم أحكام الشريعة في الظاهر، معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في الدنيا العاجلة من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم. وقد يخذلهم في الآخرة أمام الناس، فيعطون على الصراط نورا، كما يعطى المؤمنون، ثم يطفأ نورهم، كما قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ- إلى قوله- وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد 57/ 13- 15] . وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس: «من سمّع سمّع الله به، ومن رأيا رأيا الله به» قال ابن عباس: خداعه تعالى لهم أن يعطيهم نورا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم، وبقوا في ظلمة، ودليله قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ، ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة 2/ 17] . وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى أي متباطئين متثاقلين إذ لا إيمان يدفعهم إليها، ولا نية لهم فيها، ولا يعقلون معناها. هذه صفة ظواهرهم. ثم ذكر الله تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: يُراؤُنَ النَّاسَ بها،
أي لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يريدون أن يراهم الناس تقية لهم ومصانعة، ويقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء وصلاة الصبح، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا..» الحديث. وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا أي في صلاتهم لا يخشون، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وإنهم في الواقع لا يصلون إلا قليلا، فإذا لم يرهم أحد لم يصلوا. وهم أيضا مذبذبون مضطربون متحيرون بين الإيمان والكفر، فليسوا مع المؤمنين حقيقة، ولا مع الكافرين حقيقة، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعصف به الشك، فتارة يميل إلى المؤمنين، وتارة يميل إلى الكافرين كاليهود، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا الآية [20] فإذا ظهرت الغلبة لأحدهما ادعوا أنهم منه. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي ومن صرفه عن طريق الهدى، بسبب أعماله ومواقفه وأخلاقه، فلن تجد له سبيلا (طريقا) إلى الخير والسداد يسلكه. ثم حذّر الله المؤمنين أن يفعلوا فعل المنافقين وأن يوالوا الكافرين، فقال: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي لا تتخذوهم نصراء وأعوانا تصاحبونهم وتصافونهم، وتناصحونهم وتصادقونهم، وتسرون إليهم المودة، وتفشون أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ
مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 3/ 28] أي يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، وقال أيضا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [المائدة 5/ 51] . أما تولي الذميين الوظائف العامة في الدولة الإسلامية، فليس بمحظور، فإنهم اشتغلوا في عصر الصحابة في الدواوين، وكان أبو إسحاق الصابي وزيرا في الدولة العباسية. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي أتريدون أن تجعلوا لله على أعمالكم حجة بينة في استحقاق العقاب إذا اتخذتموهم أولياء، يعني أن موالاة الكافرين دليل على النفاق، ولا يصدر هذا إلا من منافق. ثم ذكر الله تعالى عقوبة المنافقين الشهيرة: وهي إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ أي إن مكانهم في الطبقة السفلى من النار، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. قال المفسرون: النار سبع دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وقد يسمى بعضها باسم بعض. وأما الجنة فهي درجات، بعضها أعلى من بعض. والسبب في أن عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر: هو أنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. وهذا العذاب لن يجدوا أحدا ينقذهم منه أو يخففه عنهم: وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً. ثم ذكر الله تعالى طريق الإصلاح وهو فتح باب التوبة عن النفاق، وشرط الله تعالى لقبول توبة المنافقين توبة صحيحة أربعة شروط في قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا، وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، وتلك الشروط هي
الندم على الفعل السابق، والإصلاح أي الاجتهاد في فعل الأعمال الصالحة التي تغسل أدران النفاق، والاعتصام بالله أي الثقة به والتمسك بكتابه والاهتداء بهدي نبيه المصطفى، وبقصد مرضاة الله، كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً [النساء 4/ 175] والإخلاص لله بأن يدعوه العباد وحده، ويتجهوا إليه اتجاها خالصا، لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه، ولا يلجأون إلى أحد سواه لكشف ضر أو جلب نفع، كما قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة 1/ 5] . هذه شروط قبول توبة المنافق، أما الكافر فشرط توبته فقط هو الانتهاء عن الكفر كما قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال 8/ 38] . والمنافق: هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. والكافر: من أعلن الكفر صراحة. أولئك التائبون هم مع المؤمنين أي أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين، وفي زمرتهم يوم القيامة. وسوف يعطي الله المؤمنين أجرا عظيما لا يعرف قدره، فيشاركونهم فيه كما قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة 32/ 17] . ثم بين الله تعالى سبب تعذيبهم وهو كفرهم بأنعم الله فقال مستفهما استفهاما إنكاريا: ماذا يريد الله بعذابكم أيها الناس؟ إنه يعذبكم لا من أجل الانتقام والثأر، ولا من أجل دفع ضر وجلب خير لأن الله غني عن كل الناس، وهو الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، ولكنه أيضا عادل حكيم، لا يسوي بين الصالح والطالح، فالكافر والمنافق والعاصي لم يشكروا الله تعالى على نعمه، ولم يؤدوا واجبهم في الإيمان الحق بالله تعالى، ولم يصرفوا نعم الله في الخير. ولو
فقه الحياة أو الأحكام:
شكروا الله بأن أصلحوا العمل، وآمنوا بالله حقا، لاستحقوا الثواب الجزيل المعدّ لأمثالهم، فالله شاكر يجازي من شكر ويثيب من أطاع، عليم بخلقه، لا تخفى عليه خافية، فمن آمن بربه وقام بواجبه بشكر نعمه، علم به وجازاه على ذلك أوفر الجزاء كما قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم 14/ 7] فهو الكريم المعطاء الذي يجزي القليل بالكثير، واليسير بالعظيم، ويضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، فاللهم اجعلنا من المؤمنين الشاكرين الصابرين، المخلصين الأبرار، الذين رضيت عنهم في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى طائفة مهمة من الأحكام: 1- النفاق والرياء أمران قائمان في كل أمة وزمان: والنفاق إبطان الكفر وإظهار الإسلام، والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله. 2- يعتمد المنافق كالثعلب على المكر والخداع، وسرعان ما يتكشف أمره للناس، ولا يخفى على الله من فعله شيء منذ بدء نفاقه، فالمنافقون يخادعون الله لقلة علمهم وعقلهم، والله خادعهم- على سبيل المشاكلة اللفظية- أي أن الخداع من الله هو مجازاتهم على خداعهم أولياءه ورسله. 3- تطبق على المنافق في الدنيا أحكام الشريعة في الظاهر، وفي الآخرة قال الحسن: يعطى كل إنسان من مؤمن ومنافق نورا يوم القيامة، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا فإذا جاءوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق، فذلك قولهم: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد 57/ 13] . 4- من أوصاف المنافقين الصلاة رياء: أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون
متثاقلون، لا يرجون ثوابا ولا يعتقدون على تركها عقابا. وفي صحيح الحديث المتقدم: «إن أثقل صلاة على المنافقين: العتمة والصبح» والعتمة: العشاء، لا يصلونها بسبب تعب النهار، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم، ولولا السيف ما قاموا. ثم وصفهم الله بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف، وقال صلّى الله عليه وسلّم ذامّا لمن أخّر الصلاة: «تلك صلاة المنافقين- ثلاثا- يجلس أحدهم يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان- أو على قرني الشيطان- قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» رواه مالك وغيره. وصفهم بقلة الذكر لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة لأن الله تعالى لا يقبله. وقيل: لعدم الإخلاص فيه. 5- من صلّى كصلاة المنافقين وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، وخرج من مقتضى قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [23/ 1- 2] . اللهم إلا أن يكون له عذر، فيقتصر على الفرض حسبما علّم النبي صلّى الله عليه وسلّم الأعرابي حين رآه أخل بالصلاة، فقال له- فيما رواه الأئمة-: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» وقال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عبادة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» . وقال فيما رواه الترمذي: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» وبناء عليه قال أكثر العلماء: الطمأنينة فرض لهذا الحديث. ورأى أبو حنيفة أنها ليست بفرض، وإنما هي واجب لثبوتها بخبر آحاد.
6- قال ابن العربي: إن من صلّى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها، فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز الإمامة، فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج وإنما الرياء المعصية: أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الأكل، فهذه نية لا تجزئ وعليه الإعادة «1» . 7- المنافق مذبذب قلق مضطرب: والمذبذب: المتردد بين أمرين، والذبذبة: الاضطراب. والمنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرّحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى» . 8- تحرم موالاة الكافرين دون المؤمنين: والمراد كما قال ابن كثير: مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. والآيات الناهية عن ولاية الكافرين كثيرة. 9- عقاب المنافق في الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية لغلظ كفره، وكثرة غوائله، وتمكّنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابه بمنه وكرمه «2» . 10- توبة المنافق مقبولة بشروط هي: أن يصلح قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله ملجأ ومعاذا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس بتائب.
11- تعذيب المنافقين وغيرهم لا مصلحة فيه لله تعالى، كما نصت الآية التي تقول: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. ولكن العذاب تقتضيه الحكمة والعدل. قال مكحول من التابعين: أربع من كنّ فيه كنّ له، وثلاث من كنّ فيه كنّ عليه، فالأربع اللاتي له: الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء 4/ 147] . وقال الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال 8/ 33] . وقال الله سبحانه: قُلْ: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي، دُعاؤُكُمْ [الفرقان 25/ 77] . وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر والبغي والنكث قال الله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر 35/ 43] . وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس 10/ 23] . وقال تعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ [الفتح 48/ 10] . 12- الله يشكر عباده على طاعتهم. ومعنى يشكرهم: يثيبهم، فيقبل العمل القليل، ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته. انتهى الجزء الخامس ولله الحمد
الجهر بالسوء والعفو عنه وإبداء الخير وإخفاؤه [سورة النساء (4) الآيات 148 إلى 149] :
[الجزء السادس] [تتمة سورة النساء] الجهر بالسوء والعفو عنه وإبداء الخير وإخفاؤه [سورة النساء (4) : الآيات 148 الى 149] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) الإعراب: بِالسُّوءِ في موضع نصب: لأنه يتعلق بالجهر، وإعمال المصدر الذي فيه الألف واللام قليل، وليس في التنزيل إعماله إلا في هذا الموضع، ولم يعمل في اللفظ وإنما عمل في الموضع. إِلَّا مَنْ ظُلِمَ: من: في موضع نصب، لأن الاستثناء منقطع. البلاغة: تُبْدُوا.. أَوْ تُخْفُوهُ طباق. المفردات اللغوية: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي لا يحب من أحد ذلك بمعنى أنه يعاقبه عليه، والجهر: الإعلان إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أي فلا يؤاخذه بالجهر به، بأن يخبر عن ظلم ظالمة، ويدعو عليه. وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لما يقال عَلِيماً بما يفعل. سبب النزول: أخرج هناد بن السري عن مجاهد قال: أنزلت لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ في رجل أضاف رجلا بالمدينة، فأساء قراه، فتحول عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، فرخص له أن يثني عليه بما أولاه، أي نزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو. وهذا مروي أيضا عن ابن جريج.
المناسبة:
المناسبة: الآيتان متصلتان بما قبلهما في الكلام عن المنافقين وكفار أهل الكتاب، فبعد أن حذر الله المؤمنين من عيوبهم وأعمالهم وصفاتهم وأوضح أنهم في الدرك الأسفل من النار، أبان حكم الجهر بالسوء من القول وإبداء الخير وإخفائه، حتى لا يفهم المؤمنين مشروعية الجهر بالسوء من القول على الإطلاق، وفي ذلك إشاعة الفواحش والعيوب، وإضرار الأمة، وإنما المشروعية مقيدة في حال الظلم، كما أن الإسرار بالخير والجهر به سواء. التفسير والبيان: يعاقب الله تعالى المجاهر بسوء القول، أي بذكر عيوب الناس وتعداد سيئاتهم، لأنه يؤدي إلى إثارة العداوة، والكراهة والبغضاء، ويزرع الأحقاد في النفوس، ويسيء أيضا إلى السامعين، فيجرئهم على اقتراف المنكر، وتقليد المسيء، ويوقعهم في الإثم، لأن سماع السوء كعمل السوء. وكذلك الإسرار بسوء القول محرّم ومعاقب عليه، إلا أن الآية نصت على حالة الجهر، لأن ضرره أشد، وفساده أعم وأخطر، لذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور 24/ 19] . ثم استثنى الله تعالى حالة يجوز فيها إعلان السوء من القول: وهي حالة الشكوى من ظلم الظالم لحاكم أو قاض أو غيره ممن يرجى منه رفع ظلامته وإغاثته ومساعدته في إزالة الظلم. والشكوى على الظالم أمر مطلوب شرعا، إذ لا يحب الله لعباده أن يسكتوا على الظلم، أو أن يخضعوا للضيم أو أن يقبلوا المهانة ويسكتوا على الذل، روى الإمام أحمد: «إن لصاحب الحق مقالا» . وهذا من قبيل ارتكاب أخف الضررين ودفع أعظم الشرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
وكل من حالتي جواز الجهر بالسوء من القول وعدم الجواز في ظل رقابة دقيقة من الله تعالى، فهو سميع لكل ما يقال، مطلع على البواعث والنيات المؤدية للأقوال، عليم بكل ما يصدر عن الخلق من أفعال وتصرفات، فيثيب المحق، ويعاقب المبطل، ويعين على دفع الظلم، ويجازي كل ظالم على ظلمه. وإبداء الخير من قول أو فعل، أو إخفاؤه، أو العفو عمن أساء يجازي الله تعالى عليه خيرا، بل يرغب فيه، فالله تعالى يحبّ فعل الخير، ويعفو عن السّيئات، وهو مع ذلك قادر تمام القدرة على معاقبة المسيء، والتّخلّق بأخلاق الله تعالى أمر حسن مرغّب فيه. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على ما يأتي: 1- الجهر بالسوء من القول بإشاعة عيوب الناس أمر منكر يعاقب الله تعالى عليه. 2- يباح للمظلوم اللجوء إلى القضاء والشكوى لرفع الظلم ووصف فعل الظالم، كما أنه يجوز الدّعاء على الظالم، ودعوة المظلوم مستجابة، روى الحاكم عن ابن عمر: «اتّقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة» وروى الطبراني والضياء عن خزيمة بن ثابت: «اتّقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين» . وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له. وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعنّي عليه، واستخرج حقّي منه. والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمة، ولكن
مع اقتصاد إن كان مؤمنا، كما قال الحسن في رواية أخرى عنه. لكن لا يجوز مقابلة الشتم أو القذف بمثله، وإنما يلجأ إلى القضاء. 3- استدلّ من أوجب الضيافة بهذه الآية، قالوا: لأن الظلم ممنوع منه، فدلّ على وجوبها. وهو قول الليث بن سعد. وذهب الجمهور إلى أن الضيافة من مكارم الأخلاق. 4- الاعتدال في طلب الحقّ أمر مطلوب شرعا، لأن قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحدّ في الانتصار. 5- التعاون في إزالة الظلم من أصول الإسلام، قال عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه الطبراني عن النعمان بن بشير، وهو ضعيف: «خذوا على أيدي سفهائكم» وقال فيما رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تجزه عن الظلم فإن ذلك نصره» . 6- إبداء الخير حسن لمن عمر قلبه بالإيمان والإخلاص، أو قصد ترغيب الناس وحضّهم على فعل الخير. وإخفاء الخير أفضل إن خيف شيء من الرياء المحبط للأجر والثواب. وهذا بيان وجه الأفضلية، أما الأصل الذي نصّت عليه الآية لإحراز الثواب على فعل الخير غير المصحوب بالرياء: فهو أن إبداء الخير وإخفاءه سواء. 7- العفو عن المسيء مندوب إليه ومرغّب فيه، لأن العفو من صفة الله تعالى، مع القدرة على الانتقام. روى ابن المبارك عن الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي ربّ العالمين يوم القيامة نودي: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدّنيا، يصدق هذا الحديث قوله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. [الشورى 42/ 40] وروى أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة أن
الكفر والإيمان وجزاء كل [سورة النساء (4) الآيات 150 إلى 152] :
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» . الكفر والإيمان وجزاء كلّ [سورة النساء (4) : الآيات 150 الى 152] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152) الإعراب: حَقًّا مصدر مؤكّد لمضمون الجملة قبله. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ للكافرين يقوم مقام المفعول الثاني لأعتدنا. البلاغة: نُؤْمِنُ ... وَنَكْفُرُ طباق. المفردات اللغوية: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ من الرّسل. وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ منهم. وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ الكفر والإيمان. سَبِيلًا طريقا يذهبون إليه. وَأَعْتَدْنا هيأنا وأعددنا. عَذاباً مُهِيناً ذا إهانة وهو عذاب النار. أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم. وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للطائعين. رَحِيماً بأهل طاعته.
المناسبة:
المناسبة: بعد أن حذّر الله تعالى من مصاحبة الكفار ومصادقتهم ومناصحتهم، وندّد بخصال المنافقين، ونبّه المؤمنين إلى ما يباح إعلانه من سوء القول، أوضح سبب كفر أهل الكتاب، من طريق بيان ركني الإيمان وهما: الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع الرّسل دون تفرقة بين رسول وآخر، فمن آمن ببعض الرّسل وكفر ببعض آخر، فهو من الكافرين الذين استحقّوا العقاب في نار جهنم. أي أنه تعالى لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب: اليهود والنصارى. التفسير والبيان: يتوعّد الله تعالى في هذه الآيات الكافرين به وبرسله، من اليهود والنصارى، حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء، وكفروا ببعض، تعصّبا وتمسّكا بالموروث، واعتصاما بالأهواء والشهوات، فاليهود آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدا عليهما الصّلاة والسّلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلّى الله عليه وسلّم. فمن كفر بنبيّ من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، لأن الإيمان بسائر الأنبياء واجب، فمن ردّ نبوّة نبيّ للحسد أو العصبيّة أو التّشهي، تبيّن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبيّة. ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي في الإيمان وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي طريقا ومسلكا وسطا بين الإيمان والكفر، ودينا مبتدعا بين الإسلام واليهودية، هؤلاء أخبر تعالى عنهم فقال: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا أي كفرهم محقّق لا محالة بمن ادّعوا الإيمان به، لأنه ليس شرعيّا، إذ لو كانوا مؤمنين به
لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه، والله تعالى أعدّ وهيّأ لكلّ كافر مطلقا بالدّين، أو لمن كفر بسبب إيمانه ببعض الرّسل وعدم إيمانه برسل آخرين، أعدّ للكافرين عذابا فيه ذلّ وإهانة لهم، جزاء كفرهم. وبه يتبيّن أن الكفر بالرّسل نوعان: كفر بجميع الرّسل، وكفر ببعض الرّسل، وأصحاب الكفر الأول لا يؤمنون بأحد من الأنبياء، لإنكارهم النّبوات، وأهل الكفر الثاني يؤمنون ببعض الأنبياء ولا يؤمنون ببعض آخر، مثل اليهود الذين يؤمنون بموسى عليه السلام ويكفرون بعيسى ومحمد عليهما السّلام، والنصارى الذين يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم. والفريقان سواء في استحقاق العذاب، لأن الإيمان بالله ورسله لا يتجزأ، فمن آمن حقيقة بالله، آمن بجميع رسله الذين أرسلهم لهداية الناس، فهو مصدر الإرسال، والرّسل سفراء بين الله وخلقه، فلا يتصور إيمان بالله وكفر ببعض رسله. وحينئذ لا يقبل إيمان بموسى وكفر بعيسى، وإيمان بجميع الرّسل وكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، فهو مذكور في كتبهم، ومبشّر به عندهم، ومصدّق لما معهم، والقرآن مهيمن على ما سبقه من الكتب السماوية، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو سبحانه القائل: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة 5/ 48] . ثم قرن الله تعالى بالفريقين السابقين الكلام عن فريق ثالث: وهم المسلمون، للمقارنة والعظة والعبرة، وهم الذين آمنوا بالله وجميع رسله، فإنهم يؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله تعالى، وبكلّ نبيّ بعثه الله، كما قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... [البقرة 2/ 285] . هؤلاء أعدّ الله لهم الجزاء الجزيل، والثواب الجليل: أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ
فقه الحياة أو الأحكام:
أُجُورَهُمْ على ما آمنوا بالله ورسله وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي غفورا لذنوبهم إن كان لبعضهم ذنوب، رحيما بهم يعاملهم بالإحسان ويضاعف حسناتهم، كما أنه تعالى رحيم بجميع عباده حيث أرسل لهم الرّسل لهدايتهم، وبيان المنهج الأسلم، والطريق المستقيم الأفضل. فقه الحياة أو الأحكام: الإيمان والكفر ضدّان لا يجتمعان، والإيمان لا يتجزّأ، وجزاء الكفر واحد، وإن تعددت أشكاله، فمن أنكر الأديان والنّبوّات، ومن ألحد فلم يؤمن بوجود الله ووحدانيته، ومن كفر بجميع الرّسل، أو آمن ببعضهم وكفر ببعضهم الآخر، فهو كافر، ويكون أهل الكتاب من اليهود والنصارى من الكفار، لأنهم كفروا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، والآية بيّنت أن الكفر به، كفر بالكلّ، لأنه ما من نبيّ إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبجميع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ونصّ سبحانه على أنّ التفريق بين الله ورسله كفر، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرّسل، فإذا جحدوا الرّسل، ردّوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، وكأن ردّ الشرائع كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر. ونصّ سبحانه أيضا على أن الإيمان ببعض الرّسل والكفر ببعض كفر بالكلّ. واتّخاذ طريق وسط بين الإيمان والكفر أو دين مبتدع بين الإسلام واليهودية مرفوض في شرعة القرآن. وأكّد تعالى أن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به عزّ وجلّ، وكفروا بكلّ رسول مبشّر بذلك الرّسول، فلذلك صاروا الكافرين حقّا.
مواقف اليهود المتعنتة [سورة النساء (4) الآيات 153 إلى 159] :
وجزاء الكفر ما صرحت به الآية: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً أي أعتدنا وهيأنا لجميع أصناف الكفار عذابا مذلّا. أما المسلمون وهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأمته، الذين صدقوا بوجود الله ووحدانيته، وآمنوا بجميع الرّسل، فلم يفرّقوا بين أحد منهم، فسوف يؤتيهم الله ثواب أعمالهم، والله غفور للعصاة منهم، رحيم بالعباد فلا يعجل لهم العذاب، وإنما يترك لهم فرصة للتوبة والإنابة، ويهديهم بالقرآن والرّسل والعقل والحواس والتّجارب المتكرّرة والأحداث التي توقظ مشاعر الإيمان، يهديهم صراطا مستقيما. مواقف اليهود المتعنتة [سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 159] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159)
الإعراب:
الإعراب: جَهْرَةً نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة. لا تَعْدُوا فيه ثلاث قراءات: لا تعدوا: بسكون العين مع تخفيف الدّال، وبسكون العين مع تشديد الدّال، وبفتح العين مع تشديد الدّال. والقراءة الثانية ضعيفة في القياس، لما أدت إليه من الاجتماع بين الساكنين على غير حدّه. فَبِما نَقْضِهِمْ ما: زائدة للتوكيد، وهو رأي الأكثرين، والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي لعنّاهم بسبب نقضهم. بُهْتاناً منصوب بالمصدر على حدّ قولهم: قلت شعرا وخطبة، لأن القول يعمل فيما كان من جنسه. عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عيسى: منصوب على البدل. وفي نصب ابن مريم وجهان: إما على الوصف أو على البدل. إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ منصوب، لأنه استثناء منقطع من غير الجنس أي لكن، ويجوز رفعه على البدل من محل إعراب من عِلْمٍ ومحله الرفع، لأن تقديره: ما لهم به علم، مثل: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف 7/ 59 ومواضع أخرى] وتقديره: ما لكم إله غيره. يَقِيناً إما منصوب على الحال من واو قَتَلُوهُ أي متيقنين، أو على الحال من هاء قَتَلُوهُ أي ما قتلوه متيقنا بل مشكوكا فيه، أو لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: وما قتلوه قتلا متيقنا. والهاء في قتلوه يجوز أن تكون لعيسى كما في قوله: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ويجوز أن تكون الهاء للعلم، والمعنى: وما قتلوه علمهم به يقينا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إن هنا للنفي، ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمنن به أي بعيسى. وأما هاء قَبْلَ مَوْتِهِ ففيه وجهان: أن يكون المراد به كل واحد من الكفار من أهل الكتاب وغيرهم لظهور الحقيقة له عند موته، أو تكون الهاء لعيسى لأنه ينزل في آخر الزمان إلى الأرض، فيؤمن به من كان مكذبا له من اليهود وغيرهم، وهذا الوجه مخالف لظاهر الآية، والوجه الأول أصح.
البلاغة:
البلاغة: عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وصفوه بالرسالة على سبيل التهكم والاستهزاء لأنهم لا يؤمنون برسالته. فَبِما نَقْضِهِمْ زيادة الحرف للتأكيد، أي فبنقضهم. وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ مجاز مرسل حيث أطلق الكل وأريد البعض. وكذلك في قوله: وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ مجاز مرسل لأنهم كفروا بالقرآن والإنجيل دون غيرهما قُلُوبُنا غُلْفٌ استعارة، استعار الغلاف لعدم الفهم. وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ مجاز مرسل حيث أطلق الكل وأريد البعض. المفردات اللغوية: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أي اليهود إنزال كتاب جملة واحدة من السماء، كما أنزل على موسى تعنتا. فَقَدْ سَأَلُوا أي آباؤهم. جَهْرَةً أي رؤية جهرة عيانا. الصَّاعِقَةُ النار النازلة من السماء التي أدت بهم إلى الموت عقابا على التعنت في السؤال والظلم. الْبَيِّناتُ المعجزات الدّالة على وحدانية الله، والدلائل الواضحة على نبوّة موسى كفلق البحر واليد البيضاء والعصا. فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ولم نستأصلهم. وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً تسلّطا بيّنا ظاهرا عليهم، حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة، فأطاعوه. الطُّورَ الجبل الذي كانوا مقيمين أسفله، رفعه فوقهم ليخافوا فيقبلوا الميثاق. بِمِيثاقِهِمْ بسبب أخذ الميثاق عليهم، فلا ينقضوه. ادْخُلُوا الْبابَ باب القرية. سُجَّداً سجود انحناء، أي خاضعين متذللين. لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ لا تتجاوزوا ما أبيح لكم ولا تنتهكوا حرمة السبت باحتيال اصطياد الحيتان فيه. غُلْفٌ جمع غلاف، أي مغطاة بأغطية تجعلها لا تعي ما تقول. طَبَعَ ختم عليها بالخاتم بسبب كفرهم، فلا تعي وعظا. فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. بُهْتاناً كذبا مفترى يبهت صاحبه ويدهشه، حيث رموا السيدة مريم بالزنى. إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أي في زعمهم، فبمجموع ذلك عذبناهم. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من
المناسبة:
اليهود إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح حتى نصدقك، فأنزل الله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ إلى قوله: بُهْتاناً عَظِيماً فجثى رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئا، فأنزل الله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. وروي أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وغيرهما قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن كنت نبيّا صادقا، فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى به موسى، فنزلت. وقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به. ومن المعلوم عند المفسّرين أن اليهود سألت محمدا صلّى الله عليه وسلّم أن يصعد إلى السماء، وهم يرونه، فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدّعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة تعنّتا له صلّى الله عليه وسلّم، فأعلم الله عزّ وجلّ أن آباءهم قد عنتوا موسى عليه السّلام بأكبر وأعظم من هذا، فقالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أي عيانا. وهذا إنما قالوه على سبيل التّعنّت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة الإسراء: وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [17/ 90] . المناسبة: الآيات مرتبطة بما قبلها، فموضوعها أهل الكتاب، وكانت الآيات السابقة تبيانا لكفرهم إذ قالوا: نؤمن ببعض الرّسل ونكفر ببعض، وهذه الآيات تدلّ على تعنّتهم وتصلّبهم ومطالبتهم بأشياء على سبيل العناد والإلحاد. التفسير والبيان: يطلب منك أهل الكتاب من اليهود أن تنزل عليهم كتابا مكتوبا بخطّ
سماوي يشهد أنك رسول الله إليهم. وهذا دليل على جهلهم بحقيقة الدّين ومعنى النّبوّة والرّسالة، وعدم إدراكهم معنى المشيئة الإلهية والحكمة الرّبّانية: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام 6/ 7] ، وسبب الجهل أنهم لا يميزون بين الآيات الصحيحة التي يؤيد الله بها رسله وبين الشعوذة وحيل السحرة المثيرة للدهشة والعجب. وسؤالهم ذلك ليس بنيّة حسنة، فهو لا من أجل الإقناع وطلب الحجّة والبرهان بصدق ويقين، وإنما هو من قبيل التعنّت والتّعجيز والإحراج. قال الحسن البصري: لو سألوه ذلك استرشادا لأعطاهم ما سألوا. ولا تعجب يا محمد من سؤالهم، فقد سألوا موسى أعظم من هذا، فقالوا: أرنا الله رؤية جهرة عيانا، بلا حواجز ولا حجب، وذلك دليل على الجهل بالله تعالى إذ هم ظنّوا أن الله جسم محدود تدركه الأبصار. ونسب السؤال إلى اليهود المعاصرين للنّبوّة، مع أن السؤال من آبائهم لأنهم ورثتهم المقلّدون لهم الرّاضون بفعلهم، وهو مظهر من مظاهر تكافل الأمة الواحدة حال الرّضا بفعل بعض أفرادها. وكان عقابهم على هذا الطلب المصحوب بالتعجيز والمراوغة نزول الصاعقة التي أماتتهم، ثم أحياهم الله. والصواعق: شرارات كهربائية تنشأ بسبب اصطكاك الأجرام السماوية. والإحياء مفسّر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة 2/ 55- 56] .
وبعد الإحياء اتّخذوا العجل إلها من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة، والأدلّة القاهرة على يد موسى عليه السّلام في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوّهم فرعون وجميع جنوده في اليمّ، فما جاوزوه إلا يسيرا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ. وذكر تعالى قصة اتّخاذهم العجل في سورة الأعراف الآية (152) ، وفي سورة طه (88) بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله عزّ وجلّ، ولما رجع إليهم تابوا مما صنعوا، فقتل بعضهم بعضا، قتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، ثم أحياهم الله عزّ وجلّ، فعفا عنهم حين تابوا، وآتى الله موسى سلطانا مبينا، أي سلطة ظاهرة وحجّة قويّة بيّنة واضحة، كالعصا وفلق البحر واليد البيضاء. وسمّيت سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجّة، وهي قاهرة القلوب، بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها. وكانت توبتهم بقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم: كفّوا، فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحيّ، كما قال تعالى في سورة البقرة: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة 2/ 54] . وكان من عجائب أحوالهم وأساليب تأديبهم أن الله تعالى رفع فوقهم جبل الطور، كأنه ظلّة، وقد كانوا في واديه، وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وأبوا إطاعة ما جاء به موسى عليه السّلام، فكان عقابهم بسبب ميثاقهم الذي أخذه الله عليهم أن يعملوا بما أنزل إليهم بقوّة وإخلاص. ثم ألزموا بالطاعة فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [الأعراف 7/ 171] .
وأمروا أن يدخلوا باب القرية أي بيت المقدس سجّدا أي خاضعين متذللين، وهم يقولون: حطّة، أي اللهم حطّ عنّا ذنوبنا في تركنا الجهاد، ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة. وأوصاهم الله تعالى بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعا لهم، فقال لهم على لسان داود عليه السّلام: لا تعدوا في السبت، أي لا تتجاوزوا حدود الله فيه بالعمل الدّنيوي، فخالفوا واحتالوا بحيلتهم المعروفة باصطياد الحيتان فيه: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة 2/ 65] . وأخذ الله منهم ميثاقا غليظا، أي عهدا مؤكّدا شديدا على الأخذ بالتوراة بجدّ وقوّة، والعمل بها، وعدم كتمان البشارة بعيسى ومحمد عليهما الصّلاة والسّلام، فخالفوا وعصوا وتحايلوا على ارتكاب ما حرّم الله عزّ وجلّ، كما ورد في سورة الأعراف: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف 7/ 163] . ثم ذكر تعالى بعد هذا الميثاق أسباب ما حلّ بهم من عقاب وغضب الله، مما يعدّ أقبح المخالفات: وهي نقض الميثاق الذي أخذه الله عليهم، فأحلّوا حرامه، وحرّموا حلاله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ أي فبسبب نقض اليهود الميثاق، وكفرهم بآيات الله الدّالة على صدق أنبيائه، وقتلهم الأنبياء كزكريا ويحيى عليهما السّلام بغير ذنب، وقولهم: قلوبنا مغلفة بغلاف، فلا يصل إليها شيء مما تدعو إليه: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ [فصلت 41/ 5] فردّ الله عليهم بأن ذلك
ليس هو الواقع، وإنما ختم الله عليها بسبب كفرهم بعيسى ومحمد عليهما السّلام، فلا يصل إليها نور الهداية كالنّقود المسكوكة لا تقبل نقشا آخر، فهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا من بعضهم مثل عبد الله بن سلام وأصحابه. وكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل واتهام مريم البتول العذراء بالفاحشة، ورميهم لها برجل صالح فيهم هو يوسف النجار، وهذا بهتان عظيم وكذب مفترى يدهش البريء، وزعمهم أنهم قتلوا عيسى ابن مريم، ووصفوه بأنه رسول الله تهكما واستهزاء بدعوته، ووصفه القرآن بأنه: ابن مريم للرد على النصارى القائلين بأنه ابن الله. ورد الله عليهم: والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه كما ادعوا، ولكن ألقى الله الشبه على رجل آخر فصلبوه، وما قتلوه يقينا أي متيقنين أنه عيسى ذاته بعينه لأن الجند الذين قتلوه وصلبوه ما كانوا يعرفونه، والمعروف في الأناجيل أن الذي أسلمه إلى الجند هو يهوذا الأسخريوطي. وإن اختلفوا في صلب المسيح، أهو المصلوب أم غيره؟ لفي شك وتردد من حقيقة أمره، وليس لهم علم يقيني مقطوع به، وإنما هم يتبعون الظن والقرائن والأمارات غير المؤدية إلى الحق. وإنما أنجاه الله من أيدي اليهود ورفعه إليه، كما قال تعالى في سورة آل عمران: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران 3/ 55] قال ابن عباس: إني متوفيك أي مميتك. وقال وهب: أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه. وقال ابن جرير: توفيه هو رفعه «1» ، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام 6/ 60] وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر 39/ 42] . قال الحسن البصري: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
لليهود: «إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» أي أن المشهور بين المفسرين أن الله تعالى رفع عيسى بروحه وجسده إلى السماء، وقال الرازي: المراد رافعك إلى محل كرامتي، وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم، ومثله قوله تعالى عن إبراهيم: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الصافات 37/ 99] وإنما ذهب إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم من العراق إلى الشام، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم، وتدل الآية وَرافِعُكَ إِلَيَّ على أن الرفعة بالدرجة والمنقبة، لا بالمكان والجهة، كما أن الفوقية في قوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [آل عمران 3/ 55] ليست بالمكان، بل بالدرجة والرفعة «1» . ثم دلل سبحانه وتعالى على قدرته على حماية عيسى من الصلب وإنقاذه من اليهود والروم الظالمين ورفعه إليه بقوله: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً أي إن الله عزيز لا يغلب، حكيم في صنعه وفي جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها. ويجازي كل عامل بعمله، ومن جزائه لليهود في الدنيا ما أحل بهم من الذلة والمسكنة والتشريد في الأرض. هذه عقيدتنا في صلب المسيح ورفعه مستقاة من أوثق مصدر في الوجود وهو القرآن الكريم كلام الله، المنقول إلينا بالتواتر، فلا مجال لتصديق روايات أخرى لم تثبت صحتها، بل إن ما فيها من تناقض واختلاف كثير يدل على الشك فيها ثم القطع بأنها ليست محل ثقة. ثم إن القول بعدم الصلب أكرم وأفضل لكرامة عيسى عليه السلام، وأما القول بأنه صلب ليجعل نفسه فداء للبشرية والعالم، وليكفر عن خطيئة آدم عليه السلام وخطايا أبنائه، فهو من أوهام المسيحية، ومن القصص الروائية في الأناجيل التي دونتها أيدي البشر لأن الله تعالى أناط التخلص من الخطيئة
بالتوبة، وقد تاب آدم عليه السلام وأنهى المشكلة وتقبل الله توبته: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة 2/ 37] ولا يقبل عاقل قضية الفداء وإباحة ارتكاب المعاصي لأتباع المسيح لأن المسيح صلب تكفيرا لخطاياهم. ثم حسم تعالى القول في شأن المسيح، فأبان أن كل أحد من أهل الكتاب عند ما يدركه الموت ينكشف له الحق في أمر عيسى، فيؤمن به إيمانا صحيحا حقا لا انحراف فيه، فيعلم اليهودي أنه رسول صادق غير كذاب، ويعلم النصراني أنه بشر ليس بإله ولا ابنا للإله. وقوله تعالى: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، ونحوه: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات 37/ 164] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها. [مريم 19/ 71] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى وبأنه عبد الله ورسوله، يعني إذا عاين الموت قبل أن تزهق روحه، حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف «1» ، ولأن كل أحد ينجلي له ما كان جاهلا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له إذا كان قد شاهد الملك «2» . ويوم القيامة يشهد عيسى على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه «ابن الله» فتظهر حقيقة حاله، كما قال تعالى عنه: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة 5/ 117] أي يشهد للمؤمنين منهم بالإيمان وعلى الكافر بالكفر لأن كل نبي شهيد على أمته كما قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء 4/ 41]
فقه الحياة أو الأحكام:
عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء 4/ 41] قال قتادة عن آية وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر بعبودية الله عز وجل. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: 1- أخلاق اليهود وطباعهم وعرة صعبة غريبة، فهم لا يذعنون للحق، وإنما يجادلون فيه، وينحازون عنه إلى المطالبة بأمور على سبيل التعجيز والإلحاد والعناد والمراوغة والتعنت. فقد سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم إنزال كتاب مكتوب من السماء دفعة واحدة إلى فلان وفلان يؤيد ما يدعيه ويصدقه فيما يقول، تعنتا، كما أتى به موسى. وطلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى رؤية جهرة عيانا. واتخذوا العجل إلها بالرغم من الأدلة القاطعة التي أيد الله تعالى بها موسى عليه السلام من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها، التي تدل على أنه لا معبود إلا الله عز وجل. 2- لا يخضع اليهود إلا للمادة، لذا ألزمهم الله تعالى إطاعة التوراة وإطاعة موسى برفع الجبل فوقهم كأنه ظلة، لتخويفهم. 3- إنهم محتالون مخادعون ماكرون، فقد أمرهم الله باحترام يوم السبت وعدم العمل فيه، فاحتالوا على صيد السمك بوضع حواجز على سواحل البحار يوم الجمعة، يبقى فيها السمك الآتي بالمد البحري، حينما ينحسر عنه بالجزر. 4- إنهم ينقضون العهود ويخالفون المواثيق، فقد أخذ الله عليهم العهد
المؤكد على العمل بالتوراة، ثم نقضوا الميثاق، وخالفوا مقتضى العهد بجرأة نادرة. 5- استحقوا غضب الله عليهم وتسلط الروم الظلمة عليهم بأسباب كثيرة هي نقض الميثاق، والكفر بآيات الله وعدم الاعتراف برسالتي عيسى ومحمد عليهما السلام، وقتل الأنبياء بغير حق ولا ذنب، وتحدي الأمر الإلهي بقولهم: قلوبنا غلف لا ينفذ إليها الخير والهدى الإلهي، وكفرهم بعيسى والإنجيل، وقذف السيدة مريم بالزنى ورميهم لها بيوسف النجار، وهو البهتان العظيم، وادعاؤهم قتل المسيح عيسى ابن مريم. 6- الثابت المؤكد بإخبار الله الصادق القاطع أنهم لم يقتلوا عيسى ولم يصلبوه، بل حماه الله منهم، وخلصه من مكرهم وكيدهم، ورفعه الله إليه إما رفعا حقيقيا بالروح والجسد إلى السماء، كما قال الأكثرون لأن الله متعال عن المكان، وإما رفع منزلة وتفخيم وتعظيم كما قال الرازي. 7- ما من أحد من اليهود والنصارى إلا ويدرك قبل موته حقيقة عيسى عليه السلام، ويؤمن به إيمانا حقيقيا في وقت لا ينفعه الإيمان، إذا عاين الملك لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت، فاليهودي يقرّ في ذلك الوقت بأنه رسول الله، والنصراني يقر بأنه كان رسول الله. وهذا معلوم بالأحاديث أيضا، روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته، وإن الكافر إذا حضر (حضره الموت) بشر بعذاب الله وعقوبته» . وروى ابن مردويه عن ابن عباس: «ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار» . 8- سيفاجأ النصارى يوم القيامة بشهادة عيسى المتضمنة تكذيب من كذبه،
عاقبة ظلم اليهود وأخذهم الربا وثواب المؤمنين منهم [سورة النساء (4) الآيات 160 إلى 162] :
وتصديق من صدقه، وبراءته من ادعاء النصارى أنه ابن الله، وإقراره بأنه عبد الله ورسوله، ودعوته إلى عبادة الله تعالى ربه وربهم، ومراقبته لهم أثناء حياته، واعتذاره عن انحرافهم بعد وفاته. عاقبة ظلم اليهود وأخذهم الربا وثواب المؤمنين منهم [سورة النساء (4) : الآيات 160 الى 162] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) الإعراب: وَبِصَدِّهِمْ.. كَثِيراً كَثِيراً: منصوب لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: صدا كثيرا. وَالْمُقِيمِينَ يجوز فيه النصب والجر، أما النصب فهو على المدح بتقدير أعني وأمدح. وأما الجر فيجوز من ثلاثة أوجه: أن يكون معطوفا على بِما وتقديره: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة من الأنبياء، أو أن يكون معطوفا على الكاف في إِلَيْكَ وتقديره: بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، أو أن يكون معطوفا على كاف قَبْلِكَ وتقديره: من قبلك وقبل المقيمين الصلاة من أمتك. والعطف على الكاف في إِلَيْكَ وقَبْلِكَ على رأي الكوفيين ولا يجوز ذلك عند البصريين. وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ مرفوع من خمسة أوجه: إما مبتدأ وخبره: أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ، وإما
البلاغة:
خبر مبتدأ محذوف وتقديره: وهم المؤتون، وإما معطوف على ضمير الْمُقِيمِينَ وإما معطوف على ضمير يُؤْمِنُونَ وإما معطوف على قوله: الرَّاسِخُونَ. البلاغة: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ استعارة، استعار الرسوخ للثبوت في العلم والتمكن فيه أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً فيه التفات من الغيبة إذ الأصل: سيؤتيهم، إلى الخطاب، وتنكير الأجر للتفخيم. المفردات اللغوية: فَبِظُلْمٍ أي فبسبب ظلم هادُوا هم اليهود الذين تابوا بعد عبادة العجل حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ هي التي في قوله تعالى: حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ.. [الأنعام 6/ 146] الآية وَبِصَدِّهِمْ أي منعهم الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه كَثِيراً صدا كثيرا. وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ في التوراة وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشاوى في القضاء أَلِيماً مؤلما الرَّاسِخُونَ الثابتون في العلم المتقنون له وَالْمُؤْمِنُونَ المهاجرون والأنصار أَجْراً عَظِيماً هو الجنة. المناسبة: الآيات استمرار في الكلام عن اليهود، فبعد أن عدد الله تعالى قبائحهم وأفعالهم التي أدت إلى غضب الله، ذكر تعالى هنا نوع العقاب الذي عاقبهم الله به في الدنيا وهو تحريم بعض الطيبات، وفي الآخرة وهو العذاب المؤلم. أما المؤمنون الصالحون منهم فلهم الأجر العظيم وهو الجنة. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوا من الذنوب العظيمة، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم لعلهم يرجعون، كما قال تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
[آل عمران 3/ 93] ، والمراد أن جميع الأطعمة كانت حلالا لهم من قبل أن تنزل التوراة، ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها. ثم إنه تعالى حرّم أشياء كثيرة في التوراة، كما قال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا، أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الأنعام 6/ 146] أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون التحريم بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولذا قال: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي فبسبب ظلمهم، وصدهم الناس وصد أنفسهم عن اتباع الحق، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم البشارة بالنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهذه سجية لهم اتصفوا بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدا عليهما السلام. وبسبب أخذهم الربا الذي نهاهم الله عنه على ألسنة أنبيائهم، فإنهم احتالوا عليه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال الناس بالباطل بالرشوة والخيانة ونحوهما من غير مقابل، كما قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة 5/ 42] والسحت: الكسب الحرام. وكان جزاؤهم الأخروي إعداد عذاب مؤلم لهم في نار جهنم ولكل كافر أمثالهم. ويلاحظ أن تحريم الطيبات كان عاما، أما العذاب الأخروي فكان للمصرّين منهم على الكفر، الذين ماتوا عليه كافرين، لذا استدرك سبحانه فقال فيما معناه: أما الراسخون في العلم النافع الثابتون فيه المطلعون على حقائق الدين، الذين يؤمنون إيمانا صادقا بالله وبما أنزل إليك، وما أنزل على من قبلك من الرسل كموسى وعيسى، ولا يفرقون بين أحد منهم، والمؤمنون إيمانا حقيقيا
فقه الحياة أو الأحكام:
بالله واليوم الآخر أي بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، والمؤدون زكاة أموالهم للمستحقين، والمطيعون أوامر ربهم، وأخص منهم مقيمي الصلاة الذين يؤدونها على أتم وجه، مستوفية أركانها وشروطها. وتخصيص المدح لإقامة الصلاة لأنها تستدعي إيتاء الزكاة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتزكي النفس، وتهوّن على النفس إيتاء المال لمستحقه، كما قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج 70/ 19- 22] . هؤلاء الموصوفون بما تقدم، سيؤتيهم ربهم أجرا عظيما هو الجنة، لا يدرك حقيقته إلا الله. روى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن الآية لكِنِ الرَّاسِخُونَ.. أنزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد حين فارقوا يهود وأسلموا، أي دخلوا في الإسلام وصدقوا بما أرسل الله به محمدا صلّى الله عليه وسلّم. فقه الحياة أو الأحكام: ذكر سبحانه وتعالى أسباب استحقاق اليهود العذاب الأليم في نار جهنم وتحريم بعض الطيبات في عالم الدنيا: وهي الظلم، وقدّم على التحريم إذ هو الذي قصد الإخبار عنه بأنه سبب التحريم، وصد أنفسهم وغيرهم عن اتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وعبادة العجل وغير ذلك مما ذكر. وهذا يؤيد مذهب الجمهور غير الحنفية القائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قال ابن العربي «1» : لا خلاف في مذهب مالك في أن الكفار مخاطبون
(بمعنى أنهم مطالبون بأن يؤمنوا، وأن يؤدوا الفرائض الشرعية بعد الإيمان) وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنهم نهوا عن الربا وأكل المال بالباطل، فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن، وأنهم دخلوا في الخطاب، فبها ونعمت، وإن كان ذلك خبرا عما أنزل الله عز وجل على موسى في التوراة، وأنهم بدّلوا وحرّفوا وعصوا وخالفوا، فهل تجوز لنا معاملتهم، والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم، أم لا؟. فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز، وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم، واقتحامهم ما حرّم الله سبحانه عليهم، فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة، قال الله تعالى: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة 5/ 5] وهذا نص في مخاطبتهم بفروع الشريعة، وقد عامل النبي صلّى الله عليه وسلّم اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله. ثم استثنى مؤمني أهل الكتاب لأن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلّها، ولم تكن حرّمت بظلمنا، فنزل: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ والراسخ: هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه. هؤلاء المؤمنون من الكتابيين مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ونظراؤهما والمؤمنون من المهاجرين والأنصار أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومقيمو الصلاة، ومؤدو الزكاة، سيعطيهم الله ثوابا عظيما لا يقدر وصفه إلا الله وهو الجنة. وأشارت الآيات إلى أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق، والإعراض عن الدين الحق، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ
وحدة الوحي للرسل وحكمة إرسالهم [سورة النساء (4) الآيات 163 إلى 166] :
الَّذِينَ هادُوا وأما الإعراض عن الدين الحق، فإليه الإشارة بقوله: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً. ومظاهر الظلم كثيرة وهي أكل الربا، وأخذ أموال الناس بالباطل بطريق الرشوة والاحتيال والغش ونحوها، وسماع الكذب، وأكل السحت، وهذه الذنوب الأربعة هي الموجبة لتشديد العقاب عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فهو تحريم الطيبات عليهم، وأما في الآخرة فهو العذاب المؤلم في نار جهنم. وحدة الوحي للرسل وحكمة إرسالهم [سورة النساء (4) : الآيات 163 الى 166] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) الإعراب: تَكْلِيماً مصدر كلّم، وفي ذكر هذا المصدر تأكيد للفعل ودليل على أنه كلمه حقيقة لا مجازا لأن الفعل المجازي لا يؤكد بالمصدر. رُسُلًا منصوب من ثلاثة أوجه: إما منصوب على المدح بفعل مقدر وتقديره: وأمدح رسلا مبشرين. أو منصوب على البدل من قوله تعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ أو منصوب على
البلاغة:
الحال من أحد المنصوبين قبله وهما: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ ... وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ والوجه الأول هو الأولى، وهو أن يعنى بالرسل جميع من تقدم ذكره، فينتصب على المدح بتقدير فعل. واللام في لِئَلَّا متعلق إما بقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وإما بفعل مقدر يشار به إلى جميع ما تقدم، وتقديره: فعلنا ذلك لئلا يكون للناس. أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ الباء للحال، أي: أنزله معلوما، كما تقول: خرج زيد بسلاحه، أي خرج متسلحا. البلاغة: كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ تخصيصه بالذكر للتشريف، وقوله: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ لإظهار فضلهم، والتشبيه مرسل مفصل. يَشْهَدُونَ.. وشَهِيداً جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي أنزلنا إليك كتابا بواسطة جبريل عليه السلام، والوحي: إعلام في خفاء «1» . وقال الزجاج: الإيحاء: الاعلام على سبيل الخفاء. ويأتي في اللغة على معان منها: 1- الإشارة: مثل قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم 19/ 11] أي أشار إليهم. 2- الإلهام: مثل قوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي [المائدة 5/ 111] وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص 28/ 7] . 3- الإلهام غريزة: مثل قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [النحل 16/ 68] . 4- الاعلام في خفاء: مثل قوله تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً «2» [الأنعام 6/ 112] . الْأَسْباطِ جمع سبط: وهو ولد الولد، والمراد بالأسباط هنا: أولاد يعقوب لصلبه أو أولاد أولاده.
سبب النزول:
زَبُوراً هو الكتاب المنزل على داود عليه السلام. والزبور في اللغة بالضم مصدر: هو المزبور بمعنى المكتوب، وبالفتح: اسم للكتاب المؤتى. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. مُبَشِّرِينَ بالثواب من آمن وَمُنْذِرِينَ بالعقاب من كفر. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه لا يغلب حَكِيماً في صنعه. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ يبين نبوتك بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن المعجز أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي عالما به أو وفيه علمه. سبب النزول: نزول الآية (163) : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عدي بن زيد: ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء من بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية. فهي قد نزلت في قوم من اليهود- منهم سكين وعديّ بن زيد- قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى، فكذبهم الله. نزول الآية (166) : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال لهم: إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ... المناسبة: تستمر الآيات في مناقشة أهل الكتاب وبيان ألوان عنادهم، فهم كما سبق لا يؤمنون بكل الرسل، ويتطلبون أشياء صعبة من الرسل، سواء من موسى أو
التفسير والبيان:
محمد عليهما السلام، وهنا تذكر الآيات في ختام محاجتهم أن الوحي جنس واحد لا يختلف بين الرسل، فلو صدقوا الإيمان بموسى أو غيره، لآمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، فلم يفرقون بين نبي ونبي؟ فالكلام متصل بقوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ فأعلم تعالى أن أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم كأمر من تقدمه من الأنبياء. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فهو ليس بدعا من الرسل، ولو آمنوا بالرسل حقيقة لآمنوا بالنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، فالوحي جنس واحد لم يتغير، وفي كتبهم البشارة به ووصفه. والوحي: إعلام من الله نبيا أو رسولا كلاما أو معنى بطريقة تفيده العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به. أو هو كما قال الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد: عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة. ونموذج الوحي واحد: إلى نوح وبدأ به لأنه أقدم الأنبياء وأول نبي شرعت على لسانه الشرائع، ثم إلى من بعده من النبيين: وهم إبراهيم أبو الأنبياء وخليل الله، وإسماعيل ابنه الأكبر وأبو العرب وجد المصطفى عليه الصلاة والسلام ومات بمكة، وإسحاق وهو ابن إبراهيم وأبو يعقوب المسمى إسرائيل، وإليه تنسب اليهود ومات بالشام، ثم لوط وإبراهيم عمه، ثم يعقوب، ثم الأسباط أولاد يعقوب العشرة، وحفيداه ابنا يوسف، فيصبح مجموعهم اثني عشر سبطا، والأسباط في بني إسرائيل من نسل إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل. ثم إلى موسى وهارون وأيوب وداود وسليمان بن داود ويونس، وقدم عيسى ابن مريم على هؤلاء لأن اليهود طعنوا به، والواو لا تقتضي الترتيب، وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر لشرفهم وكرامتهم على الله.
وآتى الله داود زبورا، والزبور: هو الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام. وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ. وكان داود عليه السلام حسن الصوت فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع إليه الإنس والجنّ والطير والوحش لحسن صوته، وكان متواضعا يأكل من عمل يده، وكان يصنع الدروع «1» . وأرسلناك يا محمد كما أرسلنا رسلا غير هؤلاء، منهم من قصصنا عليك قبل تنزيل هذه السورة، ذكروا في السور المكية، كما قال تعالى في سورة الأنعام عن إبراهيم: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ [6/ 84- 86] . ومجموع الأنبياء الذين نص القرآن على أسمائهم خمسة وعشرون، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلّى الله عليه وسلّم. وأجمع السور لقصص الأنبياء: هود والشعراء. وهناك رسل آخرون لم نقصصهم عليك، لم يذكروا في القرآن لأن أممهم مجهولة، وفي ذكر غيرهم فائدة أجدى، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 16/ 36] وقال تعالى أيضا: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر 35/ 24] .
والقصد من إيراد قصص الأنبياء العظة والتثبيت والذكرى كما قال تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى.. [يوسف 12/ 111] وقال سبحانه أيضا: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود 11/ 120] . والمشهور في عدد الأنبياء والمرسلين حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه رحمه الله في تفسيره، حيث قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: «ثلثمائة وثلاثة عشر، جمّ غفير» قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: «آدم» قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: نعم خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلا» ثم قال: «يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم، وشيث، ونوح، وأخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل: موسى، وآخرهم عيسى، وأول النبيين: آدم وآخرهم نبيك» ورواه أيضا أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه (الأنواع والتقاسيم) وقد وسمه بالصحة «1» . ثم ذكر الله تعالى مزية لموسى عليه السلام وهي أنه كليم الله خصه الله بهذه المزية لأن قومه هم المقصودون بالحديث: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً أي تكليما صحيحا حقيقيا بلا واسطة، والتكليم للأنبياء يسمى وحيا، كما قال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى 42/ 51] والحكمة في الحجاب: توجيه الاهتمام والانتباه إلى شيء واحد، والرسول الذي يوحي بإذن الله ما يشاء:
هو جبريل ملك الوحي، المعبر عنه بالروح الأمين. وليس لنا أن نبحث عن كيفية الحديث وهل كان مشافهة أو لا؟ فالله أعلم بذلك. ثم ذكر تعالى الحكمة من إرسال الرسل وهي إقامة الحجة على الناس، وتبيان طريق الهداية الأسلم إذ لو لم يرسلوا لاحتج البشر بجهلهم ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا: رَبَّناأَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [طه 20/ 134] وقال عز وجل: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء 17/ 15] فكان إرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يبقى لمعتذر عذر. ومهمة الرسل: أنهم يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب. وكان الله عزيزا لا يغلبه أحد، حكيما في صنعه وجميع أفعاله، فلا يبقى لأحد اعتراض. ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين» وفي لفظ آخر: «من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه» . ولما تضمنت الآية المتقدمة: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ إثبات نبوته صلّى الله عليه وسلّم، والرد على من أنكر ذلك من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ فهو استدراك لما علم من السياق من إنكار اليهود والمشركين وغيرهم نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعدم شهادتهم برسالته، ومضمونه أن الله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم، الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ
فقه الحياة أو الأحكام:
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت 41/ 42] وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك. ثم أكد تعالى شهادته بقوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة 2/ 255] . والملائكة يشهدون بذلك أيضا، أي بصدق ما جاءك وأوحي إليك، وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى بذلك وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على ما شهد به لك، حيث أقام الدليل، وأوضح السبيل، فشهادته أصدق وأوقع: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام 6/ 19] . فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن الوحي جنس واحد، فمن آمن بالنبوات أو آمن بنبي، وجب عليه الإيمان بباقي الأنبياء. وأول الأنبياء الذي أتى بتشريع هو نوح، وقيل: إدريس أول نبي بعثه الله في الأرض، ثم انقطعت الرسل، حتى بعث الله نوحا، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيا واتخذه خليلا، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم، ثم إسحاق بن إبراهيم، ثم لوط ابن أخي إبراهيم، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم شعيب بن يوبب، ثم هود بن عبد الله، ثم صالح بن أسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب، ثم الخضر وهو خضرون، ثم
داود بن إيشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى، ثم إلياس، ثم ذو الكفل، واسمه: عويدنا من سبط يهوذا بن يعقوب، ثم موسى ثم عيسى، ثم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليهم صلوات الله وسلامه. وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى ألف وسبعمائة سنة، وليسا من سبط واحد. وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا صلّى الله عليه وسلّم وشرفه، حيث قدمه في الذكر بقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ على بقية الأنبياء. والكتب المنزلة على الأنبياء أربعة هي: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وقرآن محمد عليهم السلام. وموسى هو كليم الله. والأنبياء آلاف كثيرة والرسل مئات كما سبق، منهم من ذكر اسمه وقصته في القرآن وهم خمسة وعشرون نبيا، ومنهم من لم يذكر. ومهمة الرسل التبشير والإنذار، والحكمة من إرسالهم هداية الناس إلى الحق والخير والصراط المستقيم. والله تعالى وملائكته شهدوا بصدق رسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، والله يعلم أنه أهل لإنزال القرآن عليه، ودلت الآية: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ على أنه تعالى عالم بكل علم، وكفى الله شاهدا.
ضلال الكافرين وجزاؤهم ودعوة الناس إلى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم [سورة النساء (4) الآيات 167 إلى 170] :
ضلال الكافرين وجزاؤهم ودعوة الناس إلى الإيمان بالرسول صلّى الله عليه وسلّم [سورة النساء (4) : الآيات 167 الى 170] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) الإعراب: خالِدِينَ فِيها منصوب على الحال، والعامل فيها: يهديهم، ومعناه: ما يهديهم إلا طريق جهنم في حال خلودهم. بِالْحَقِّ أي مصحوبا بالحق وهو القرآن، وقيل: الباء للتعدية، أي جاءكم ومعه الحق فهو في موضع الحال. فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ. خيرا: إما منصوب بفعل مقدر دل عليه فَآمِنُوا فهو يدل على إخراجهم من أمر وإدخالهم فيما هو خير لهم، فكأنه قال: ائتوا خيرا لكم. وكذلك قوله تعالى فيما بعد: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أو منصوب لأنه صفة لمصدر محذوف وتقديره: فآمنوا إيمانا خيرا لكم أو منصوب لأنه خبر (يكن) المقدرة، وتقديره: فآمنوا يكن خيرا لكم. المفردات اللغوية: وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي منعوهم من دين الإسلام بكتمهم نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهم اليهود قَدْ ضَلُّوا لم يهتدوا إلى الحق كَفَرُوا بالله وَظَلَمُوا نبيه بكتمان نعته إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ أي الطريق المؤدي إليها يَسِيراً هينا يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ محمد صلّى الله عليه وسلّم خَيْراً لَكُمْ أي آمنوا به واقصدوا خيرا لكم مما أنتم فيه فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا، فلا يضره كفركم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في صنعه بهم.
المناسبة:
المناسبة: أثبت الحق تعالى في الآيات السابقة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بشهادته له بما أنزل عليه، ثم أنذر في هذه الآيات من يكفر به، وقد ذكر فيها صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم، وهي أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن، وصدوا غيرهم عن سبيل الله. التفسير والبيان: إن الذين كفروا بالله وبرسوله وبالقرآن، وصدوا غيرهم عن دين الإسلام واتباع النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم والاقتداء به، بإلقاء الشبهات في قلوبهم، نحو قولهم: لو كان رسولا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء، كما نزلت التوراة على موسى، وقولهم: إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود.. هؤلاء وهم اليهود قد ضلوا ضلالا بعيدا أي خرجوا عن الحق والصواب وبعدوا عنه بعدا عظيما شاسعا. ثم أعلن الله تعالى حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، وهو أنه لا يغفر لهم، ولا يهديهم طريقا إلى الخير، ولا يوفقهم بعدئذ إلى صواب، وليس من شأنه أن يوصلهم إلا إلى الجزاء على أعمالهم وهو طريق جهنم. وقوله: إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ استثناء منقطع، فهي طريق الكافرين الظالمين. ومصيرهم في جهنم هو الخلود فيها، أي البقاء فيها على حال واحدة لا تغيير فيها ولا فناء، وهو خلود أبدي، والأبد: الزمن الممتد، والله أعلم باستمراره بما يتناسب مع أعمالهم، وكان ذلك الجزاء سهلا على الله دون غيره لأنه القادر على كل شيء، الواحد القهار، يفعل بما تقتضيه الحكمة والعدل. وفي هذا تحقير لشأنهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
وبعد أن أجاب تعالى عن شبهة اليهود، وفنّد حجتهم، وبيّن فساد طريقتهم، خاطب جميع الناس خطابا يأمرهم فيه الانصياع لدعوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، والإيمان برسالته. فهذا الرسول قد جاءكم بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله عز وجل، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن الإيمان خيرا لكم لأنه يزكيكم ويطهركم من الأدناس والأرجاس، ويرشدكم لما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، والحق الذي أتى به من ربه: هو القرآن المعجز، والدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره. ثم هدد الحق تعالى وأنذر أنه إن تكفروا فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم وقادر على عقابكم، ولا يتضرر بكفرانكم، فإن له جميع ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، أي جميع ما في الكون مملوك لله، وهو الذي خلقهم، وكلهم عبيد له خاضعون لحكمه، كما قال تعالى: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم 14/ 8] وقال هاهنا: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ولا يخفى عليه شيء من أعمال عباده حَكِيماً في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ولا يضيع عمل عامل منهم، ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، لقوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص 38/ 28] . فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: 1- اليهود وغيرهم ممن كفر بالإسلام بعيدون عن الحق والصواب جدا لأنهم كفروا بالله وبرسوله وبالقرآن، ومع ذلك منعوا الناس من الإسلام.
المسيح عيسى ابن مريم في القرآن [سورة النساء (4) الآيات 171 إلى 173] :
2- عقاب الكافرين الظالمين: الخلود في نار جهنم، وعدم المغفرة لهم، وإبعادهم عن طريق الهداية الربانية بظلمهم وبكفرهم وعنادهم، فهم ظلموا محمدا بكتمان نعته، وظلموا أنفسهم إذ كفروا، وظلموا الناس إذ كتموهم ومنعوهم عن دين الإسلام. وقوله تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ هو فيمن يموت على كفره ولم يتب. 3- دعوة الإسلام هي دعوة الحق من الله، فهي الدين الحق المشتملة على شهادة أن لا إله إلا الله، المؤيدة بالقرآن المعجز، الداعية إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإعراض عما سواه، والعقل يدل على أن هذا هو الحق، مما يدل على أن محمدا جاء بالحق من ربه. المسيح عيسى ابن مريم في القرآن [سورة النساء (4) : الآيات 171 الى 173] يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173)
الإعراب:
الإعراب: وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ: ثلاثة: خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة. سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ أن المصدرية وصلتها: في موضع نصب لحذف حرف الجر وتقديره: سبحانه عن أن يكون له والد، ومن أن يكون له ولد. وكذلك قوله تعالى: نْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: من أن يكون عبدا لله. البلاغة: يا أَهْلَ الْكِتابِ أطلق العام وأريد به الخاص وهم النصارى بدليل قوله بعده: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ وهو قول النصارى. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ فيه قصر موصوف على صفة. وَرُوحٌ مِنْهُ: نْ : كما تأتي للتبعيض تأتي لابتداء الغاية، كما هنا، مثل قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية 45/ 13] . المفردات اللغوية: يا أَهْلَ الْكِتابِ أي الإنجيل والمراد بهم هنا النصارى لا تَغْلُوا لا تتجاوزوا الحد بالتفريط أو الإفراط إِلَّا الْحَقَّ أي إلا القول الحق من تنزيهه عن الشريك والولد وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ المراد أنه حدث بكلمة لكِنْ التكوينية، لا بمادة أخرى كغيره من الناس، وأوصلها الله إلى مريم. وَرُوحٌ مِنْهُ أي ذو روح من الله تعالى أي وجد بنفخ من روح الله وهو جبريل، وأضيف إليه تعالى تشريفا له، وليس كما زعمتم: ابن الله، أو إلها معه، أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه. وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ أي ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الله وعيسى وأمه انْتَهُوا عن ذلك خَيْراً وأتوا خيرا لكم منه وهو التوحيد سُبْحانَهُ تنزيها له عن الولد. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا، والملكية تنافي البنوة. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا شهيدا على ذلك. ْ يَسْتَنْكِفَ يتكبر ويأنف يَسْتَكْبِرْ يجعل نفسه كبيرة غرورا منه وإعجابا بها فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يزيدهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
المناسبة:
ولا خطر على قلب بشر عَذاباً أَلِيماً مؤلما هو عذاب النار مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يدفعه عنهم وَلا نَصِيراً يمنعهم منه. المناسبة: لما أجاب تعالى عن شبهات اليهود وألزمهم الطريق الأقوم، أردف ذلك بمحاجة النصارى، وألزمهم الرأي الحق في عيسى ابن مريم. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، فإن النصارى تجاوزوا الحد في عيسى حتى ألّهوه، فنقلوه من منزلة النبوة إلى اتخاذه إلها من دون الله، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلا. وكذلك اليهود غلوا في تحقير عيسى وإهانته وكفروا به. والمطلوب هو التوسط بين الأمرين، فلا إفراط بتعظيم عيسى وتقديسه، ولا تفريط بتحقيره. يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا حدود الله بالزيادة أو النقص في الدين، ولا تعتقدوا إلا بالحق الثابت بنص ديني متواتر أو برهان عقلي قاطع، وإياكم ما زعمتم من دعوى الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تكفروا بعيسى وتبهتوا أمه، وتحتقروه وتهينوه، كما فعلت اليهود، ولا تتغالوا في تعظيم عيسى وتقديسه، حتى تجعلوه إلها أو ابن الله، كما زعمت النصارى. إنما المسيح عيسى ابن مريم البتول الطاهرة القديسة، رسول الله إلى بني إسرائيل، أمرهم بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك والتثليث، وحثهم على التقوى، وزهّدهم في الدنيا، وبشرهم بخاتم النبيين والمرسلين، كما حكى القرآن عنه: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف 61/ 6] .
وهو مكون بكلمة لكِنْ التكوينية من غير أب: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس 36/ 82] إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 47] . فكما أن الله قادر على أن يخلق بشرا من غير أب ولا أم وهو آدم عليه السلام، أو من غير أم وإنما من أب فقط وهو حواء، أو بسبب ظاهر معتاد من أب وأم، قادر على أن يخلق إنسانا من غير أب وهو عيسى عليه السلام: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 59] وأخبر الله تعالى عن بشرية عيسى وعبوديته لله تعالى فقال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [الزخرف 43/ 59] والمادة أو الطبيعة بنفسها مخلوقة عاجزة عن خلق غيرها، فإن الأصل الأول للأشياء المخلوقة كلها هو الله تعالى. وهو مؤيد أيضا بروح كائنة من الله تعالى، لا جزءا ولا بعضا منه، كما فهم المسيحيون، وإلا لكان كل بشر مخلوق بنفخ الروح من الله من طريق الملك بعضا من الله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ أي من الله [الجاثية 45/ 13] . وتأييده بالروح الأمين ثابت بقوله تعالى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة 2/ 87، 253] ووصف الله المؤمنين أيضا بتأييدهم بروح من الله فقال: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة 58/ 22] . قال مجاهد: رُوحٌ مِنْهُ أي ورسول منه، أي أنه مخلوق من روح مخلوقة. وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ [الأعراف 7/ 73] وفي قوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج 22/ 26] وكما روي في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره» أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ونمط واحد. وإذا كان الخلق الحقيقي لله تعالى لعيسى وغيره، فآمنوا بالله الواحد الأحد، وصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن
عيسى عبد الله ورسوله، وآمنوا إيمانا لائقا بكل الرسل دون تفرقة وهو أنهم عبيد الله لهم مهام فوضهم الله بها، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الأب والابن والروح القدس، أو الله ثلاثة أقانيم كل منها عين الآخر، وكل منها إله كامل، ومجموعها إله واحد، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ففي هذا ترك للتوحيد الخالص الذي جاءت به المسيحية في أصلها الصحيح، وهو المبدأ الذي دعا إليه عيسى ومن قبله إبراهيم وسائر الأنبياء، ولا يعقل الجمع بين التثليث والتوحيد، فهو تناقض ترفضه بداءة العقول، لذا ندد الله تعالى بالقائلين بالتثليث فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ [المائدة 5/ 73] وقال في آخر المائدة: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [5/ 116] وقال في أول المائدة: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [7/ 17] . انْتَهُوا أيها النصارى عن القول بالتثليث، وقولوا قولا آخر يكن خيرا لكم منه وهو التوحيد الخالص الذي دعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين ومنهم عيسى. إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ بالذات، منزه عن التعدد، ليس له أجزاء أو أقانيم، ولا هو مركب من أجزاء، سبحانه، أي أنه منزه عن أن يكون له ولد أو شريك، كما قلتم في المسيح: إنه ابنه أو هو عينه، فإن أردتم الابن الحقيقي فهذا محال على الله تعالى لأنه يقتضي كونه أبا أو زوجا، وإن أردتم الابن المجازي فلا يختص ذلك بعيسى. ليس لله ولد حقيقة، بل له كل ما في السموات وما في الأرض، أي الجميع ملكه وخلقه وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، والمسيح من جملة مخلوقاته، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد لأن الملكية تنافي البنوة، كما قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا
آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم 19/ 93] وقال: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ [الأنعام 6/ 101] . وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي شهيدا على ذلك، وقال الرازي: والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات، وفي حفظ المحدثات، فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر «1» . ْ يَسْتَنْكِفَ ، أي لن يتكبر أو يأنف المسيح عن عبادة الله وحده، أو عن أن يكون عبدا لله، لعلمه بعظمة الله وما يستحقه من العبودية والشكر، وكذلك الملائكة المقربون لن يترفعوا عن أن يكون أحدهم عبدا لله. ومن يستنكف أو يترفع عن عبادته تعالى وحده، ويدعي الإشراك أو التثليث، فسيحشرهم إليه جميعا للجزاء، ويجازيهم ويحاسبهم على أعمالهم، أي فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا حيف. فأما المؤمنون بالله الذين يعملون الأعمال الصالحة، فيعطيهم أجورهم وثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، أي يعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه. وأما الذين استنكفوا وتكبروا أي امتنعوا من طاعة الله وعبادته فيعذبهم عذابا مؤلما في الدنيا والآخرة حسبما يستحقون، ولا يجدون لهم من غير الله تعالى وليا يلي أمورهم ويدبر مصالحهم، ولا مناصرا ينصرهم من بأس الله ويرفع عنهم العذاب، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر 40/ 60] أي صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: في الآيات دلالات على أحكام جوهرية في العقيدة هي: 1- التغالي في الأمور ممنوع شرعا، فقد تغالى اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وتغالى النصارى فيه حتى جعلوه ربا، وأول عبارة في الإنجيل هي: «هذا كتاب إلهنا وربنا يسوع المسيح» فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر، ولذا ورد في صحيح البخاري عنه عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني «1» كما أطرت النصارى عيسى، وقولوا: عبد الله ورسوله» . 2- قوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ فيه إشارة إلى ثلاثة أحكام: الأول- قوله: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ دل على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا. الثاني- لم يذكر الله عزّ وجلّ امرأة وسمّاها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة: هي ترسيخ صفة العبودية لها، ومجاراة عادة العرب في ذكر الإماء بأسمائهن، أما الحرائر فكانوا يصونون أسماءهنّ عن الذكر والتصريح بها، لئلا تبتذل أسماؤهنّ. الثالث- اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب، فإذا تكرر اسمه منسوبا للأم استشعرت القلوب نفي الأب عنه، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود وقذفهم لها بالزنى. 3- كان لعيسى أربعة أسماء: المسيح، وعيسى، وكلمة، وروح. والمراد بالكلمة: أنه وجد بكلمة لكِنْ التكوينية، فكان بشرا من غير أب. والمراد
بقوله وَرُوحٌ مِنْهُ: أنه وجد بنفخة جبريل عليه السّلام، ويسمى النفخ في كلام العرب روحا فإن الروح والريح متقاربان، والنفخ ريح يخرج من الروح. والمراد من قوله مِنْهُ التشريف والتفضيل، لا أنه جزء أو بعض من الله، فكلّ الخلائق من روح الله، كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة. ويقال: هذا روح من الله أي من خلقه. وقد وقع النصارى في الخطأ والضلال حينما قالوا: عيسى جزء من الله لأنه روح من الله. 4- الإيمان بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسلة، وبأن الرّسل ومنهم عيسى عبيد لله: هو الواجب الذي لا محيد عنه، وهو الحق الذي تقبله العقول الرشيدة، فلا يصح جعل عيسى إلها. 5- يحرم القول بتعدد الآلهة أو بأن الآلهة ثلاثة، قال ابن عباس: يريد بالتثليث: الله تعالى وصاحبته وابنه. والنصارى مجمعون على التثليث ويقولون: إن الله جوهر واحد، وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كلّ أقنوم إلها، ويعنون بالأقانيم: الوجود والحياة والعلم. والسائد أنهم يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب: الوجود، وبالروح: الحياة، وبالابن: المسيح. ومحصول كلامهم كما تقدّم يؤول إلى القول بأن عيسى إله، بسبب ما كان يظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وذلك خارج عن مقدور البشر، فيكون المقتدر عليها متصفا بالألوهية. وليس أدلّ على إسقاط صفة الألوهية عنه: أنه لو كان إلها لخلص نفسه من أعدائه، ودفع شرّهم، ولم يمكّنهم من صلبه، كما يزعمون. 6- الانتهاء عن القول بالتثليث هو الخير المحض، وهو الصواب لأن الله إله واحد، منزّه عن أن يكون له ولد، بل له ما في السموات وما في الأرض، والملكية
دعوة الناس إلى الإيمان بالنور المبين (القرآن) [سورة النساء (4) الآيات 174 إلى 175] :
تنافي البنوة، فلا شريك له، وعيسى ومريم من جملة ما في السموات وما في الأرض، وما فيهما مخلوق، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق. 7- لن يترفع المسيح ولن يأنف ولن يحتشم من أن يكون عبدا لله، وكذلك الملائكة المقرّبون من رحمة الله ورضاه لن يترفعوا عن عبوديتهم لله. ومن يأنف عن عبادة الله ويستكبر فلا يلتزم بفعل العبادة أو الطاعة، فإن الله سيجمع الخلائق إلى المحشر، ويجازي كلّا بما يستحق. فالمؤمنون العاملون الصالحات لهم ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص، ويزيدهم الله من فضله ورحمته وإحسانه. والمستنكفون المتكبرون يعذبون عذابا مؤلما، دون أن يجدوا لهم وليّا يلي أمورهم، أو نصيرا ينصرهم. 8- استدلّ بعضهم بقوله: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ على تفضيل الملائكة على البشر، وأنهم أعظم من المسيح خلقا وأفعالا. وردّ عليهم بأن الآية في معرض تفضيل الملائكة في عظم الخلق والقدرة على الأعمال العظيمة، فهم أقدر على الامتناع من عبادة الله من المسيح، ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. دعوة الناس إلى الإيمان بالنور المبين (القرآن) [سورة النساء (4) : الآيات 174 الى 175] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175)
الإعراب:
الإعراب: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً: صراطا: إما منصوب بتقدير فعل، وتقديره: يعرفهم صراطا، ودل يَهْدِيهِمْ على المحذوف أو منصوب على أنه مفعول ثان ليهدي، وتقديره: ويهديهم صراطا مستقيما إلى ثوابه. المفردات اللغوية: بُرْهانٌ حجة من ربكم عليكم، وهو النبي صلّى الله عليه وسلّم نُوراً مُبِيناً وهو القرآن صِراطاً طريقا مُسْتَقِيماً سويا وهو دين الإسلام. المناسبة: أقامت الآيات السابقة الحجة على المنافقين والمشركين واليهود والنصارى، وأثبتت نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكان ذلك مقدمة لهاتين الآيتين اللتين وجهت فيهما الدعوة إلى الناس كافة لاتباع دعوة الإسلام. التفسير والبيان: يا أيها الناس، قد جاءكم برهان ساطع ودليل قاطع من ربكم، يبين لكم حقيقة الإيمان بالله وأنظمة المجتمع الصالحة لحياة أفضل، وهو النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، النبي العربي الأمي الأمين، الذي نشأ بينكم في الجاهلية، ولكنه لم يتلوث بمفاسدها وأدرانها، وإنما تعهده ربه بالتربية والعناية والإعداد لحمل الرسالة، فكان المثل الأعلى في سلوكه وخلقه وسيرته وقيادته، وكان برهانا عمليا عظيما على صدق رسالته: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام 6/ 124] . وأنزلنا إليكم مع هذا البرهان نورا مبينا أي ضياء واضحا على الحق، وهو القرآن الكريم الذي جاء لتصحيح العقيدة والنظام، فقرر التوحيد الخالص، وحارب الوثنية والشرك، وأبان زيف اليهودية والنصرانية المحرفة الحالية،
فقه الحياة أو الأحكام:
وأرسى معالم الهداية وأوضح طريق العبادة الصحيحة لله تعالى، ووضع أسس الأخلاق وأنظمة الحياة الرشيدة في السياسة والحرب والسلم والاقتصاد والاجتماع وعلوم الكون، فكان ذلك أيضا بالإضافة إلى السيرة الذاتية للنبي برهانا على كون هذا الدين هو دين الحق الذي لا معدل عنه ولا مثيل له. وترتب عليه أن الذين آمنوا بالله، وتمسكوا واعتصموا بالقرآن أو الإسلام، واتبعوا نوره، فيدخلهم الله في رحمته، ويعمهم بفضله في الدنيا والآخرة، أي يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ورفعا بالقرآن، قال ابن عباس: الرحمة: الجنة، والفضل: ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر «1» . ويهديهم طريقا قويما يوصلهم إلى إحراز السعادة في الدنيا بالعزة والكرامة واتباع طريق السلامة في الاعتقاد والعمل، وفي الآخرة بالجنة والرضوان، أي يوفقهم إلى ذلك، ولا توفيق ولا هداية خاصة بغير الاعتصام بالقرآن المجيد واتباع سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام. روى الترمذي عن علي بن أبي طالب مرفوعا: «القرآن: صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين» . فقه الحياة أو الأحكام: البرهان العظيم من الله لعباده هو محمد صلّى الله عليه وسلّم، وسمي برهانا لأن معه البرهان وهو المعجزة أو الحجة، فإن المعجزات حجته صلّى الله عليه وسلّم. والنور المبين: هو القرآن الكريم، وسمي نورا لأن به تتبين الأحكام، ويهتدى به من الضلالة، فهو نور مبين أي واضح بيّن. فمن آمن بالله واعتصم بالقرآن عن معاصيه، والعصمة: الامتناع، فاز بالجنة
والرضوان، وحظي بالفضل الإلهي العظيم في الدنيا والآخرة. ودل قوله تعالى: وَفَضْلٍ على أنه تعالى يتفضل على عباده بثوابه من غير مقابل إذ لو كان في مقابلة العمل لما كان فضلا. قال الرازي: الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم، وأما الهداية فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس والكبرياء في الأرواح البشرية، وهذا هو السعادة الروحانية. وأخر ذكرها عن القسمين الأولين تنبيها على أن البهجة الروحانية أشرف من اللذات الجسمانية «1» . والهداية في القرآن نوعان: هداية عامة وهداية خاصة. أما الهداية العامة: فهي كما في قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 90/ 10] أي طريقي السعادة والشقاوة، والخير والشر، وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة، وهداية العقل، وهداية الدين. وأما الهداية الخاصة: فهي مثل: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام 6/ 90] ومثل اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة 1/ 6] . هذه الهداية ليست الدلالة العامة كما سبق، وإنما هي الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة. ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل، كان محتاجا إلى المعونة الخاصة، فأمرنا الله بطلبها منه في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
ميراث الكلالة أو ميراث الإخوة والأخوات لأب وأم أو لأب [سورة النساء (4) آية 176] :
ميراث الكلالة أو ميراث الإخوة والأخوات لأب وأم أو لأب [سورة النساء (4) : آية 176] يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) الإعراب: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ محله الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد. فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ: إنما قال: اثْنَتَيْنِ ولم يقتصر على قوله: كانَتَا لأنها تفيد التثنية العددية لوجهين: أحدهما- أنه لو اقتصر على قوله: كانتا ولم يقل اثنتين لاحتمل أن يريد بهما الصغيرتين أو الكبيرتين، فلما قال: اثنتين أفاد العدد مجردا عن الصغر والكبر، فكأنه قال: فإن كانتا صغيرتين أو كبيرتين، فقام اثْنَتَيْنِ مقام هذين الوصفين. والثاني- أن يكون محمولا على المعنى، وتقديره: فإن كان ممّن يرث اثنتين، فبنى الضمير على معنى (من) وهذا قول الأخفش، والوجه الأول أوجه. أَنْ تَضِلُّوا تقديره: كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وهو مفعول لأجله. وقيل: تقديره: لئلا تضلوا، فحذف (اللام ولا) من الكلام لأن فيما أبقى دليلا على ما ألقى. والوجه الأول أوجه. المفردات اللغوية: الْكَلالَةِ: من لا والد له ولا ولد، والآية في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة هَلَكَ: مات أَنْ تَضِلُّوا ألا تضلوا.
سبب النزول:
سبب النزول: روى النسائي عن جابر قال: اشتكيت، فدخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلث؟ قال: أحسن، قلت: بالشطر؟ قال: أحسن، ثم خرج، ثم دخل علي، قال: لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيّن ما لأخواتك وهو الثلثان، فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيّ: يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. قال الحافظ ابن حجر: هذه قصة أخرى لجابر غير التي تقدمت في أول السورة، أي في الآية (11) . وفي رواية: اشتكيت فدخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعندي سبع أخوات. وأخرج ابن مردويه عن عمر أنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم، كيف يورث الكلالة؟ فأنزل الله: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. وروى أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله قال: «دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صبّ علي فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الميراث، يريد هذه الآية» . وروى الشيخان عن البراء: أنها آخر آية نزلت، أي من الفرائض. قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما- في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها، وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها. والآية الأولى تسمى آية الشتاء، والآية الثانية تسمى آية الصيف.
المناسبة:
المناسبة: قال الرازي: اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال، وختم آخرها بذلك، ليكون الآخر مشاكلا للأول، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين «1» . التفسير والبيان: أجمع العلماء على أن هذه الآية في ميراث الإخوة من الأب والأم (الأشقاء) أو من الأب. وأما الإخوة والأخوات لأم ففيهم نزلت الآية السابقة في صدر السورة وهي: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ، وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [12] . روي أن أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبة له: ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض، فأولها- في الولد والوالد، وثانيها- في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام «2» . يطلب منك أيها النبي الفتيا فيمن يورث كلالة، كجابر بن عبد الله، ليس له والد ولا ولد، وله أخوات من العصبة، لم يفرض لهم شيء من التركة قبل، وإنما فرض للإخوة لأم: السدس للواحد، والثلث لاثنين فأكثر. والكلالة: مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. وهي اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث: فهو من سوى الوالد
والولد، قال أبو بكر: الكلالة: ما عدا الوالد والولد. وإن وقع على المورث: فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد. إن هلك امرؤ غير ذي ولد، وله أخت شقيقة أو لأب، فلها نصف التركة. وقد أشكل حكم الكلالة على عمر فقال فيما ثبت في الصحيحين: «ثلاث وددت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد والكلالة وباب من أبواب الربا» أي ما أنزل أواخر سورة البقرة من آيات الربا. وأخرج ابن ماجه في سننه بلفظ: «الكلالة والربا والخلافة» . والمراد بالولد هنا: ما يشمل الذكر والأنثى لأن الكلام في الكلالة: وهو من ليس له ولد أصلا، لا ذكر ولا أنثى، وليس له والد أيضا. واقتصر على ذكر الولد لظهور الأمر. والمقصود بالأخت هنا: الأخت الشقيقة أو لأب، أما الأخت لأم فقد بين الله حكمها في أول السورة بالإجماع كما تقدم. وتستحق الأخت النصف إن كان للميت بنت، فإن كان له ابن فلا شيء لها، أما ظاهر الآية وهو أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد (ذكرا أو أنثى) فليس مرادا. ويشترط أيضا لاستحقاقها النصف ألا يكون للميت والد، وظاهر الآية أنها تستحق النصف إذا لم يكن للميت ولد غير مراد أيضا لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع «1» . ثم قال تعالى: وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ يعني أن الأخ يرث تركة أخته جميعها بالتعصيب إذا لم يكن للأخت ولد ولا والد يحجبه عن الإرث. والمقصود بالأخ هنا: الأخ الشقيق أو لأب، أما الأخ لأم فلا يستغرق الميراث، وإنما فرضه السدس.
فقه الحياة أو الأحكام:
فإن كان الوارث أختين فأكثر، والمراد بالأخت: الشقيقة أو لأب، وليس المراد بها الأخت لأم، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الكلالة. والاثنتان فأكثر سواء لأن أخوات جابر كن سبعا. وإن كان من يرث إخوة ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظ الأنثيين. أما الإخوة لأم فهم شركاء في الثلث. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أمور دينكم وجميع الأحكام من حلال وحرام كراهة أن تضلوا، أو عند الكوفيين لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان في قسمة التركات وغيرها، وعلى التأويل الأول حذف المضاف عند البصريين وهو: كراهة أَنْ تَضِلُّوا كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف 12/ 82] والتأويل الثاني كحديث ابن عمر الثابت: «لا يدعونّ أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة» «1» والمعنى: لئلا يوافق من الله إجابة. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي أن ما شرعه لكم من الأحكام فيه الخير والمصلحة لكم، وهو صادر عن علم واسع لله، فيكون بيانه حقا وتعريفه صدقا. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت الآية في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة أربع حالات: الأولى- أن يموت امرؤ وترثه أخت واحدة: فلها النصف فرضا، والباقي للعصبة إن كانوا، وإلا فيعود الباقي لها بالرد. وكذلك ترث الأخت من أختها النصف. الثانية- العكس وهو أن تموت امرأة ويرثها أخ واحد، فله جميع التركة. وكذلك يرث الأخ جميع تركة أخيه.
الثالثة- أن يكون الوارث للأخ أو الأخت أختان فأكثر، فلهما الثلثان، وقد أجمع العلماء على أن الأكثر من أختين كالأختين لأن الأكثر من بنتين لا يزدن عن الثلثين، فبالأولى لا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين، كما تقدم. الرابعة- أن يكون ورثة الأخ أو الأخت عددا من الإخوة والأخوات، فللذكر مثل حظ الأنثيين. لكن إن اجتمع إخوة أشقاء وإخوة لأب، قدم الأشقاء لأن الإخوة لأب يحجبون بالإخوة الأشقاء. أما إذا كان إخوة الميت الكلالة عددا من الإخوة الذكور فإنهم يرثون جميع التركة. وجمهور الصحابة والتابعين غير ابن عباس وداود الظاهري يجعلون الأخوات عصبة مع البنات، وإن لم يكن معهن أخ. أما ابن عباس وداود فلا يجعلون الأخوات عصبة مع البنات، لظاهر قول الله تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَهُ أُخْتٌ، فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ولم يورثوا الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد، قالوا: ومعلوم أن الابنة من الولد، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها.
سورة المائدة:
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة مدنية وهي مائة وعشرون آية، وهي السورة الخامسة من القرآن الكريم. تسميتها: تسمى هذه السورة سورة المائدة لاشتمالها على قصة نزول المائدة من السماء بعد أن طلبها الحواريون من عيسى عليه السلام، لتدل على صدق نبوته، وتكون لهم عيدا. وتسمى أيضا سورة العقود، وسورة المنقذة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «سورة المائدة تدعى في ملكوت الله: المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب» . تاريخ نزولها: هي سورة مدنية نزلت بعد الهجرة ولو في مكة بعد الانصراف من الحديبية، وثبت في الصحيحين عن عمر: «أن قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع» . وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: «يا أيها الناس، إن سورة المائدة آخر ما نزل، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها» وروى أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر قال: «آخر سورة نزلت: المائدة والفتح» وروى أحمد والنسائي والحاكم وصححه، والبيهقي عن عائشة قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه» .
مناسبتها لما قبلها:
مناسبتها لما قبلها: هناك أوجه تشابه بينها وبين سورة النساء، لاشتمال كل منهما على عدة عهود وعقود وأحكام ومناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، ففي سورة النساء الكلام على عقود الزواج والأمان والحلف والمعاهدة، والوصايا والودائع والوكالات والإجارات، وابتدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود. ومهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمتها سورة المائدة بنحو قاطع، وتضمنت السورتان مناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في عقائدهم ومواقفهم من الرسالة المحمدية. ما اشتملت عليه: اشتملت سورة المائدة على أحكام تشريعية وثلاث قصص. أما الأحكام: فهي بيان أحكام العقود ونكاح الكتابيات والوصية عند الموت، والمطعومات من ذبائح وصيود، وصيد الإحرام وجزائه، والطهارة من وضوء وغسل وتيمم، وتحريم الخمر والميسر وجزاء الردة، وحد السرقة وحد الحرابة (قطع الطريق) وكفارة اليمين، وشريعة الجاهلية بتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وحكم تارك العمل بما أنزل الله، ونحو ذلك في أثناء مناقشة ومجادلة النصارى واليهود والمشركين والمنافقين. قال العلماء: فيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها وهي: الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ، وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وتمام الطهور: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ، لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله: عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ وما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وقوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية.
وذكر القرطبي فريضة تاسعة عشرة وهي قوله عز وجل: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ: ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة، أما ما جاء في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات. وفي الجملة انفردت سورة المائدة ببيان أصول مهمة في الإسلام هي: 1- إكمال الدين، وأن دين الله واحد، وإن اختلفت شرائع الأنبياء ومناهجهم. 2- بيان عموم بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأمره بالتبليغ العام، وانحصار مهمته بالتبليغ فقط. 3- أوجب الله على المؤمنين إصلاح نفوسهم، وأنه لا يضرهم إن استقاموا ضلال غيرهم، وطريق الإصلاح الوفاء بالعقود، وتحريم الاعتداء على الآخرين، والتعاون على البر والتقوى وتحريم التعاون على الإثم والعدوان، وتحريم موالاة الكفار، ووجوب الشهادة بالعدل، والحكم بالقسط والمساواة بين المسلمين وغيرهم. 4- بيان أحكام المطعومات، وتحريم الخمر والميسر (القمار) والأنصاب والأزلام. 5- تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله وحده، وأن النافع في ذلك اليوم الصدق. وأما القصص الثلاث الواردة للعبرة والعظة فهي: الأولى- قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام إذ قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. والثانية- قصة ابني آدم، حيث قتل قابيل هابيل، وهي أول جريمة في الأرض. والثالثة- قصة المائدة التي كانت معجزة خارقة لعيسى عليه السلام أمام صحبه الحواريين.
فضلها:
فضلها: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أنزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سورة المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها. الوفاء بالعقود ومنع الاعتداء والتعاون على الخير وتعظيم شعائر الله [سورة المائدة (5) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) الإعراب: إِلَّا ما يُتْلى.. ما: إما منصوب على الاستثناء من بَهِيمَةُ أو مرفوع على أنه صفة بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ كما تقول: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير ما يتلى، فإذا أقيمت إلا وما بعدها مقام غَيْرَ رفعت ما بعد إلا. والوجه الأول أوجه. غَيْرَ مُحِلِّي غير: منصوب على الحال إما من الكاف واللام في لَكُمْ والعامل فيه: أحلت وإما من ضمير أَوْفُوا والعامل فيه: أَوْفُوا.
البلاغة:
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير الفاعل في مُحِلِّي. وَلَا الْقَلائِدَ: أي ذوات القلائد، وهي جمع قلادة: وهي ما قلّد البعير من لحاء الشجر وغيره يَبْتَغُونَ: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير: آمِّينَ أي لا يحلّوا من قصد البيت الحرام مبتغين فضلا من ربهم. ولا يجوز أن يكون صفة لآمّين لأنه قد نصب البيت، واسم الفاعل إذا وصف لم يعمل لأنه يخرج بالوصف عن شبه الفعل، والفعل لا يوصف. أَنْ صَدُّوكُمْ أن مصدرية في موضع نصب لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن، فحذف اللام فاتصل الفعل به. وأَنْ تَعْتَدُوا منصوب بيجرمنكم. البلاغة: شَعائِرَ اللَّهِ: استعارة، استعار الشعيرة وهي العلامة للمتعبدات التي تعبد الله بها العباد من الحلال والحرام. وَلَا الْقَلائِدَ أي ذوات القلائد، وهي عطف خاص على عام. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ فيه ما يسمى بالمقابلة في علم البديع. المفردات اللغوية: أَوْفُوا أتموا الشيء وافيا كاملا لا نقص فيه بِالْعُقُودِ أي العهود المؤكدة الموثقة التي بينكم وبين الله والناس، أي ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره. فهي تشمل عقود الشرع فيما أحل وحرّم وفرض، وعقود الناس بعضهم مع بعض في البيع والشراء والزواج وغير ذلك بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ البهيمة: هي ما لا عقل لها، وخصها العرف بذوات الأربع من حيوان البر والبحر. والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم، وما يلحق بها من الجاموس والمعز والظباء. وأحلت لكم بهيمة الأنعام أكلا بعد الذبح إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ تحريمه في آية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ. وَأَنْتُمْ حُرُمٌ محرمون بالحج أو العمرة. والحرم: جمع حرام. شَعائِرَ جمع شعيرة، أي معالم دينه وخصت بمناسك الحج، وقوله لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ أي بالصيد في الإحرام الشَّهْرَ الْحَرامَ أي بالقتال فيه وَلَا الْهَدْيَ ما يهدى إلى الحرم من الأنعام، بذبحه فيه للفقراء، وهو من النسك. الْقَلائِدَ جمع قلادة وهي ما يعلق في العنق، والقلادة: هي ما كان يقلد به من شجر الحرم ليأمن، أي فلا تتعرضوا لها ولا لأصحابها. وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ: ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام، بأن تقاتلوهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا رزقا أو
سبب النزول:
ربحا من ربهم بالتجارة وَرِضْواناً منه بقصده، بزعمهم الفاسد أي يقصدون التوصل إلى رضا من الله يحول بينهم وبين عقوبته في الدنيا، وهذا منسوخ بآية براءة، قال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ. وَإِذا حَلَلْتُمْ من الإحرام فَاصْطادُوا أمر إباحة لا أمر إيجاب وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يحملنكم ولا يكسبنكم شَنَآنُ بغض قوم، لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، أن تعتدوا عليهم بالقتل وغيره. الْبِرِّ هو كلمة جامعة للخير، تشمل كل ما أمر به الشرع واطمأن إليه القلب وَالتَّقْوى هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات الْإِثْمِ المعصية والذنب، وهو كل ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس الْعُدْوانِ التعدي في حدود الله وَاتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن خالفه. سبب النزول: نزول لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة، قال: قدم الحطم بن هند البكري المدينة في عير له يحمل طعاما فباعه، ثم دخل على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فبايعه وأسلم، فلما ولى خارجا، نظر إليه، فقال لمن عنده: لقد دخل علي بوجه فاجر، وولى بقفا غادر، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له يحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم تهيأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار، ليقتعوه «1» في عيره، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الآية، فانتهى القوم، وأخرج عن السدي نحوه. نزول قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ: أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم: نصد هؤلاء، كما صدوا أصحابنا، فأنزل الله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ الآية.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: نادى الله المؤمنين بوصف الإيمان ليحثهم على امتثال ما يكلفهم به، فإن شأن المؤمنين الانقياد لما يكلفون به من ربهم. يا من اتصفتم بالإيمان ونبذتم كل ما يدعو إليه الشيطان أوفوا بالعقود أي العهود التي عقدتموها بينكم وبين الله أو بينكم وبين الناس، وهي التكاليف التي ألزمكم الله بها والتزمتموها، مما أحل الله وحرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض وأحكام الحلال والحرام. ومن هذه التكاليف: ما يعقده الناس بعضهم مع بعض من عقود المعاملات. وهذه العقود ستة هي: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون عند شروطهم» «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» «1» . فيجب الوفاء بالعقود والعهود بحسب الشروط المتفق عليها إذا لم تصادم الشرع، فلا يجب الوفاء بالتعاقد على المحرمات، مثل حلف الجاهلية على الباطل، كحلفهم على التناصر والميراث، بأن يقول شخص لآخر إذا حالفه: دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك. ثم فصّل الله تعالى عقوده على الناس في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه، ومهد للنهي عن بعض محرمات الإحرام ببيان نعمه التي تحملنا على الوفاء بالعقود، ومن أعظم النعم إحلال بهيمة الأنعام أكلا من طريق الذبح الشرعي، والأنعام: هي الإبل والبقر والضأن والمعز وأمثالها كالظباء وبقر الوحش. والبهيمة في الأصل: كل حي لا يميز، فهي تشمل الأنعام وغيرها، سواء أكانت من ذوات الأربع أم لا. ثم قيدها بالأنعام، والإضافة للبيان، أي بهيمة
هي الأنعام. فلا تشمل غير الأنعام، سواء أكانت من ذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير، أم من غيرها كالسباع من أسد ونمر وذئب ونحوها من كل ما له ناب، أو له مخلب من الطيور كالنسر والعقاب والغراب والصقر. ولا بد من إضمار فعل يناسب الكلام لأن الإحلال لا يتعلق إلا بالأفعال، وهذا الفعل مأخوذ من الانتفاع، ويكون المراد من قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ: أحل لكم الانتفاع ببهيمة الأنعام، وهو يشمل الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها، وذلك مثل تقدير فعل في قوله تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ [النحل 16/ 5] أي لتنتفعوا بها في الدفء وغيره. ثم استثنى الله تعالى من الأنعام محرمات عشر، فقال: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي يستثني من حل بهيمة الأنعام ما يتلى عليكم من المحرمات العشر الآتية، حالة كونكم غير محلي الصيد في الإحرام، فيحرم الصيد في أثناء الإحرام بالحج أو العمرة، وفي الحرم المكي والمدني ولو في غير حالة الإحرام. والحرم: جمع حرام وهو المحرم بحج أو عمرة. ودلت السنة على تحريم صيد الحرمين. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ من الأحكام ويعلم أنه حكمة ومصلحة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ... أي يا أيها المؤمنون، لا تحلوا شعائر الله، أي مناسك الحج، وإحلال الشعائر: استباحتها والتهاون بحرمتها والإخلال بأحكامها، والحيلولة بينها وبين المتنسكين بها، فلا تتعدوا حدود الله. ولا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب، فلا تقاتلوا المشركين فيها، ولا تبدلوها بغيرها كما كان العرب يفعلون في الجاهلية من عملية النسيء، أي تأخير حرمة شهر حرام إلى غيره، ولا تحدثوا في أشهر الحج ما تصدون به الناس عن الحج. وَلَا الْهَدْيَ أي ولا تعترضوا الهدي
المهدي للحرم بالغصب أو الأخذ أو المنع من بلوغ محله حتى لا يصل إلى الكعبة. وسمي الشهر حراما لتحريم القتال فيه. وقد نسخ هذا الحكم بآية براءة كما تقدم بيانه وهي قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [9/ 5] ، والهدي: ما يتقرب به المرء من النعم ليذبح في الحرم. وَلَا الْقَلائِدَ من الأنعام، لا تنتهكوا أيضا حرمتها، والمراد بها ذوات القلائد وهي جمع قلادة: وهي ما قلد به الهدي مما يعلق في عنق البعير أو غيره من نعل أو عروة مزادة أو جلد أو قشر شجر أو غيره، ليعلم أنه هدي فلا يتعرض له. وخصت بالبيان مع شمول الهدي لها تشريفا لها واعتناء وزيادة توصية بها لأنها أشرف الهدي. وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أي ولا تعترضوا ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام، يطلبون من الله الفضل (الرزق والثواب) والرضوان (الرضا، أي أن يرضى عنهم) أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيما لهم، واستنكارا أن يتعرض لمثلهم لأن من دخل البيت الحرام كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه. والمقصود من الحفاظ على حرمة الأمور المتقدمة أن يكون الناس في زمان الحج ومكانه في أمان واطمئنان، فلا يتعرض الحاج للخوف والقلق، حتى يأمن على نفسه وماله. وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، وأنتم في غير أرض الحرم، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد، فاصطادوا كما تشاؤون، ولا إثم عليكم في الصيد وأكله. وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبا رده واجبا، وإن كان مستحبا فمستحب، أو مباحا فمباح.
فقه الحياة أو الأحكام:
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ.. أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد، وذلك عام الحديبية، على أن تتعدوا حكم الله، فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد «1» . وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ: وهو كل خير أمر به الشرع أو نهى عنه من المنكرات، أو اطمأن إليه القلب، ولا تتعاونوا على الإثم وهو الذنب والمعصية: وهي كل ما منعه الشرع، أو حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس. ولا تتعاونوا على التعدي على حقوق الغير. والإثم والعدوان يشمل كل الجرائم التي يأثم فاعلها، ومجاوزة حدود الله بالاعتداء على القوم. واتقوا الله بفعل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه. إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصى وخالف. وإظهار اسم الجلالة هنا في موضع الإضمار لإدخال الروعة والخوف وتربية المهابة في القلوب. وهذا من جوامع الكلم الشامل لكل خير وشر ومعروف ومنكر مع رقابة الله في السر والعلن. فقه الحياة أو الأحكام: هاتان الآيتان تضمنت أصول الإسلام في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، وفيهما من الفصاحة وكثرة المعاني مع قلة الألفاظ ما لا يخفى على أحد. والآية الأولى تضمنت خمسة أحكام: 1- الأمر بالوفاء بالعقود التي يتعاقد بها الناس، ووجوب الوفاء بالتكاليف
الإسلامية، فيلزم دفع أثمان المبيعات ومهور النساء ونفقاتهن، والمحافظة على الوديعة والعارية والعين المرهونة وردها إلى أصحابها سالمة، وحفظ مال المستأمن ونفسه، وصون حرمة المعاهد وأسرته وماله. وقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وأثبت الشافعي وأحمد هذا الخيار للمتعاقدين ما داما في مجلس العقد، فلهما الإمضاء والفسخ، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي لفظ آخر للبخاري: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» وهذا صريح في إثبات خيار المجلس عقب عقد البيع، ما دام المتعاقدان في المجلس، وليس هذا منافيا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. أما النذر الواجب الوفاء به فهو نذر الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والقيام ونحوها، وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع الأمة. 2- تحليل بهيمة الأنعام بالأكل من طريق الذبح الشرعي. 3- استثناء المحرمات الآتية بعد في الآية (3) ونحوها، وكذا الثابت في السنة مثل نهيه عليه الصلاة والسلام عن «كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن عباس. 4- استثناء حالة الإحرام فيما يصاد. ومثله صيد الحرمين. 5- إباحة الصيد لمن ليس بمحرم في غير الحرمين. ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب، فالله يحكم على وفق مشيئته وحسبما يرى من الحكمة
والمصلحة: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ يشرّع ما يشاء كما يشاء. ودلت الآية الثانية على تحريم التعرض لمناسك الحج، وتجاوز حدود الله فيما شرع، فلا يجوز التعدي على معالم دينه. وتلك المعالم هي شعائر الله أي البدن التي تهدى للحرم، وإشعارها: أن يجزّ شيء من سنامها حتى يسيل منه الدم، فيعلم أنها هدي. وقال عطاء: شعائر الله: جميع ما أمر الله به ونهى عنه. وقال الحسن البصري: دين الله كله، كقوله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ، فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج 22/ 32] أي دين الله. وقد أجاز الجمهور الإشعار، ويكون- في رأي الشافعي وأحمد وأبي ثور- في الجانب الأيمن لما ثبت عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن. وقال مالك: يكون في الجانب الأيسر. وقال مجاهد: من أي الجانبين شاء. ومنعه أبو حنيفة، وقال: إنه تعذيب للحيوان أي أنه مكروه كما صرح الحنفية، والحديث يؤوّل بأن الإشعار يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك. وقال الصاحبان: ليس بمكروه ولا سنة، بل هو مباح. ومن المعالم: حرمة الشهر الحرام وهي أربعة: واحد فرد وثلاثة سرد، وهي «ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب» فلا تستحل للقتال ولا للغارة ولا تبدّل، فإن استبدالها استحلال، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسيء. ثم نسخ تحريم القتال فيها بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ والمراد بها الأشهر التي حرم الله قتالهم فيها وضربها أجلا لهم يسيحون فيها في الأرض، ويفكرون في أمر الإسلام، وليس المراد بها أشهر الحج أو الأشهر الحرم بالمعنى السابق.
ومن المعالم: الهدي والقلائد، فلا تحلوا النعم التي يتقرب بها إلى الله تعالى لتذبح في الحرم. وإحلالها: هو التعرض لها وسلبها أو الانتفاع بها في غير ما سيقت له من التقرب إليه تعالى. والهدي: ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة. وهو في رأي الجمهور عام في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات. وأخذ العلماء من ذلك عدم جواز الأكل من الهدايا التي تقدم للذبح في الحرم، إلا هدي التطوع والقران والتمتع، فإنه يجوز الأكل منها لصاحبها وللأغنياء لأنه دم نسك يقدم شكرا لله تعالى على ما أنعم به من التوفيق للعبادة، فيجوز الأكل منه، ولأنه قد صح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أكل من هدي القران والتمتع، وحسا من المرقة ، فيبقى غيرها على عدم الجواز لأنها دم مخالفات وعقوبات وكفارات، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها. والقلائد: المراد بها الهدايا التي تقلد، وهي التي كانت للتطوع أو النذر أو القران أو التمتع. أما الهدايا التي تجب بسبب الجنايات فلا تقلد. وهي على حذف مضاف، أي لا تحلوا ذوات القلائد: وهي كل ما علّق على أسنمة الهدايا وأعناقها، علامة أنها لله سبحانه. والتقليد أي وضع القلادة سنة إبراهيمية أقرها الإسلام، وهي عند الشافعي وأحمد سنة في البقر والغنم، قالت عائشة رضي الله عنها: أهدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرة إلى البيت غنما فقلّدها «1» . وأنكره مالك والحنفية، وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بلغ لكنهم ردوه لتفرد الأسود به عن عائشة. واتفقوا فيمن قلّد بدنة على نية الإحرام، وساقها: أنه يصير محرما، قال الله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ إلى أن قال: فَاصْطادُوا ولم يذكر الإحرام، لكن لما ذكر التقليد عرف أنه بمنزلة الإحرام.
فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه، لم يكن محرما، وهو مذهب الجمهور لحديث البخاري عن عائشة قالت: «أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيديّ: ثم قلدها بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي» . وقال الحنفية: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وهو- فيما رواه البخاري- رأي ابن عباس. ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلّد أو أشعر لأنه قد وجب. وإن مات موجبه لم يورث عنه ويذبح في الحرم، بخلاف الأضحية فإنها لا تجب إلا بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول فإن أوجبها بالقول قبل الذبح، فقال: «جعلت هذه الشاة أضحية» تعينت. وعليه إن تلفت ثم وجدها أن يذبحها. وقال الشافعي: لا بدل عليه إذا ضلّت أو سرقت، إنما الإبدال في الواجب. ولا تحلوا قوما قاصدين إلى البيت الحرام، أي لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبد والقربة. وهذا كله منسوخ بآية السيف: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة 9/ 5] وقوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة 9/ 28] فلا يمكّن المشرك من الحج، ولا يؤمّن في الأشهر الحرم، وإن أهدى وقلّد وحج. ودل قوله تعالى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً على جواز ابتغاء الفضل أي الأرباح في التجارة. ودل قوله عز وجل: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا على إباحة صيد غير الحرم بعد الانتهاء من أعمال الحج، فهو أمر إباحة بإجماع الناس، لرفع ما كان محظورا بالإحرام. وقال المالكية: الأمر على أصله من الوجوب، وإنما فهمت الإباحة
المطعومات المحرمات وإكمال الدين والضرورة [سورة المائدة (5) آية 3] :
من النظر إلى المعنى، والإجماع، لا من صيغة الأمر. وخص الصيد بالذكر لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيرا كبيرهم وصغيرهم. وأرشد قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إلى حرمة الاعتداء بالباطل لأن المعنى: لا يحملنكم بغض قوم أن تتعدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن أبي هريرة: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» . ودل قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ ... على وجوب التعاون بين الناس على البر والتقوى، والانتهاء عما نهى الله عنه، وحرمة التعاون على المعاصي والذنوب، ويؤكده حديث «الدال على الخير كفاعله» رواه الطبراني عن سهل بن سعد وعن ابن مسعود، وهو صحيح. المطعومات المحرمات وإكمال الدين والضرورة [سورة المائدة (5) : آية 3] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) الإعراب: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا.. أن المصدرية مع صلتها: في موضع رفع بالعطف على قوله تعالى: الْمَيْتَةُ وتقديره: حرم عليكم الميتة والاستقسام بالأزلام: وهو قسمهم الجزور في الجاهلية عشرة أقسام.
المفردات اللغوية:
فَمَنِ اضْطُرَّ في موضع رفع بالابتداء، وهي شرطية، والجواب: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ.. وهو خبر المبتدأ، ومعه ضمير محذوف، وتقديره: فإن الله غفور رحيم. المفردات اللغوية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أي أكلها وَالدَّمُ أي المسفوح وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ بأن ذبح على اسم غيره وَالْمُنْخَنِقَةُ الميتة خنقا وَالْمَوْقُوذَةُ المقتولة ضربا وَالْمُتَرَدِّيَةُ الساقطة من علو إلى أسفل فماتت وَالنَّطِيحَةُ المقتولة بنطح أخرى لها إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي على اسم النصب وهي الأصنام وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا تطلبوا القسم والحكم بالأزلام، جمع زلم (بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام) : قدح (بكسر القاف) صغير لا ريش فيه ولا نصل، وكانت سبعة عند سادن الكعبة، عليها أعلام، وكانوا يحكمونها، فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا ذلِكُمْ فِسْقٌ خروج عن الطاعة. الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أحكامه وفرائضه، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين وَرَضِيتُ اخترت فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة فاضطر إلى أكل شيء مما حرم عليه، فأكله غَيْرَ مُتَجانِفٍ مائل لِإِثْمٍ معصية فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له ما أكل رَحِيمٌ به في إباحته له، بخلاف المائل لإثم، أي الملتبس كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل. سبب النزول حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أخرج ابن منده في كتاب الصحابة من طريق عبد الله بن جبلة بن حبان بن حجر عن أبيه عن جده: حبان قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة، فأنزل تحريم الميتة، فأكفأت القدر. التفسير والبيان: يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات، التي أشير إلى شيء منها بقوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [الحج 22/ 30] . والمحرم إجمالا أربعة
1 - الميتة:
أنواع ذكرت في سورتي البقرة والنحل: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل 16/ 115] ، وهي عشرة أنواع ذكرت تفصيلا هنا: 1- الميتة: وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير فعل فاعل، من ذكاة أو اصطياد، ويراد بها شرعا: ما مات دون تذكية (ذبح شرعي) . وقد حرمت لخبثها ولما فيها من الضرر ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها إما بسبب المرض أو بسبب احتباس الدم فيها، فإن ذكيت ذهب الدم الضار منها، على أن الطباع السليمة تعافها وتنفر منها وتأنف من أكلها، فهي ضارة للدين وللبدن، لذا حرمها الله عز وجل. فيحرم أكلها اتفاقا، وأما شعرها وعظمها فقال الحنفية: طاهران يجوز استعمالهما، وقال الشافعي: نجسان لا يجوز استعمالهما. ويستثني من الميتة نوعان: السمك والجراد، لما رواه أحمد والدارقطني والبيهقي وابن ماجه من قوله صلّى الله عليه وسلّم عن ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال» ولما رواه مالك في موطئه والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . 2- الدم: أي الدم المسفوح، أي المائع الذي يسفح ويراق من الحيوان لا المتجمد كالكبد والطحال وما يبقى في اللحم بعد الذبح عادة، بدليل قوله تعالى في آية
3 - لحم الخنزير:
أخرى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [الأنعام 6/ 145] . وسئل ابن عباس عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: «إنما حرم عليكم الدم المسفوح» أي السائل من الحيوان عند التذكية، قليلا كان أو كثيرا. وسبب تحريم الدم المسفوح: أنه مباءة الجراثيم والسموم، وأنه مستقذر طبعا، ويعسر هضمه، ومن فضلات الجسم الضارة كالبراز، وأن فصائل الدم مختلفة، ولا تناسب فصيلة غيرها، فهو قذر يضر الأجسام. ولا عبرة بما كان العرب في الجاهلية يفعلونه من أكل الدم المختلط بالشعر وهو المسمى بالعلهز، وحشو الأمعاء بالدم ثم شيّه وأكله. 3- لحم الخنزير: وهو يشمل جميع أجزائه حتى الشحم والجلد، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود الأهم، وقد نفر الشرع من الانتفاع بجميع أجزاء الخنزير في قوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام 6/ 145] وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه مسلم في صحيحة عن بريدة بن الخصيب الأسلمي-: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه» فإنه تنفير من مجرد اللمس، فيكون التهديد على أكله والتغذي به أشد. وفي الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلي بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام» . وقد أجاز قوم استعمال شعر الخنزير في الخرز للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا حاجة اليوم إليه لتقدم الصناعة. وسبب تحريم لحم الخنزير: ما فيه من الضرر والقذر لملازمته القاذورات، واحتوائه غالبا على الديدان كالدودة الوحيدة والشعرة الحلزونية، ولعسر هضمه
4 - ما أهل به لغير الله:
لكثرة شحم أليافه العضلية ومواده الدهنية، كما أن له طباعا سيئة مثل فقدان الغيرة على أنثاه، والطباع تنتقل مع اللحم والأكل. وإذا كانت الحظائر الحديثة ترعى صحيا تربية الخنازير، ويشرف الأطباء على فحص اللحم، فإن هذا لا يتيسر لكل الناس، كما أن الأضرار المعنوية لا يمكن تجنبها، وعلى كل حال يلتزم المسلم بالتحريم مطلقا، سواء توافرت علة المنع في الوقت الحاضر أو لا لأن المعوّل عليه شرعا رعاية مصالح الناس قاطبة لا أفراد معينين. 4- ما أهلّ به لغير الله: أي ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله، ومعنى أهل: رفع الصوت لغير الله عند ذبحه، سواء اقتصر على ذكر غير الله، كالقول عند الذبح: باسم المسيح أو باسم فلان، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف، كالقول: باسم الله واسم فلان، فإن ذكر كلام بغير العطف مثل باسم الله، المسيح نبي الله، أو باسم الله، محمد رسول الله، فقال الحنفية: تحل الذبيحة، ويعتبر ذكر غير الله كلاما مبتدءا، ولكن يكره الوصل صورة. وسبب التحريم: تعظيم غير الله، ومشاركة الكفار في عبادة غير الله، والتقرب لآلهتهم بالذبائح، وقد كان أهل الجاهلية يرفعون أصواتهم عند الذبح أمام الأصنام قائلين: باسم اللات والعزى، أو باسم هبل. لذا حرم الإسلام ذلك لأن الله تعالى أوجب أن تذبح الحيوانات على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن المقرر شرعا، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية عمدا أو نسيانا كما سيأتي في سورة الأنعام.
5 - المنخنقة:
5- المنخنقة: وهي التي تموت بالخنق إما قصدا وإما صدفة بأن انخنقت بوثاقها أو بشبكة أو بغيرها. فهي ميتة لم تذك ذكاة شرعية، وضررها ضرر الميتة، وخصها القرآن بالذكر بالرغم من دخولها تحت تعبير: الميتة، لئلا يظن أنها ماتت بسبب أو بفعل فاعل يشبه التذكية، ولم تمت حتف أنفها، والمهم هو التذكية الشرعية ولم تحدث. 6- الموقوذة: هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالخشب أو الحجر أو الحصاة حتى تموت بلا ذكاة شرعية سواء رميت باليد أو بالمقلاع ونحوهما، فهي ميتة، وكانوا يأكلونها في الجاهلية. والوقذ حرام في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان وليس معه ذكاة، روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي يعلى: شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» . أما المقتول بالمحدد كالنار والرصاص المستعمل الآن في البنادق فيؤكل شرعا، لما رواه أحمد والشيخان أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال: «إذا رميت بالمعراض «1» فخزق «2» فكله، وإن أصاب بعرضه- أي بغير طرفه المحدد- فإنما هو وقيذ فلا تأكله» ففرق بين ما أصابه بالسهم، أو بالمزراق (الرمح) ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه (بغير طرفه المحدد) فجعله وقيذا، لم يحله، وهذا مجمع عليه بين الفقهاء. واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين هما
7 - المتردية:
قولان للشافعي رحمه الله: «أحدهما» - لا يحل كما في السهم لأن كلا منهما ميت بغير جرح، فهو وقيذ «والثاني» - أنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكر. 7- المتردية: هي التي تقع من شاهق أو مكان عال كجبل أو سطح، أو تهوي في بئر، فتموت بذلك، فلا تحل كالميتة لا يحل أكلها بدون تذكية، فإن عقرت في البئر في أي مكان حلت للضرورة. 8- النطيحة: أي المنطوحة، وهي التي نطحتها غيرها فماتت، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم. وحكمها كالميتة حرام لا تؤكل شرعا. 9- ما أكل السبع: وهي التي تقتل بسبب اعتداء حيوان مفترس كالأسد والذئب والنمر والفهد ونحوها، فتموت بسبب أكله بعضها أو جرحه لها، فلا يحل أكلها بالإجماع وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، وكان بعض عرب الجاهلية يأكلون ما بقي من السباع، ولكن الطباع السليمة تأنف ذلك. ويلاحظ أن في الكلام إضمارا، أي وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع قد فني. ثم استثنى تعالى المذبوح شرعا من جميع ما تقدم من المحرمات غير الميتة والدم والخنزير أي ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، فقال: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه على النحو الشرعي، وذلك يعود على قوله تعالى: وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ وكذا ما أهل لغير الله به، فما أدرك حيا منها فذبح
أكل، والحياة تعرف بأن يطرف بعينه أو يحرك ذنبه. قال علي كرم الله وجهه: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا، فكلها. والصحيح من قول مالك وهو المذكور في الموطأ أنه إن كان ذبح البهيمة ونفسها يجري وهي تضطرب فليأكل. أما الميتة والدم ولحم الخنزير فلا تحل أصلا، ولو بذكاة. والخلاصة: إن غلب على الظن أن الحيوان يعيش مع ما أصابه، كانت الذكاة محللة له، أما إن غلب على الظن أنه يهلك بما حصل، فاختلفوا: فقال الحنفية، والشافعية في مشهور المذهب: تعمل فيه الذكاة، ما دام فيه أمارة على الحياة، من تحريك عين أو ذنب أو رجل. وقال قوم منهم مالك في وجه عنه: لا تعمل فيه الذكاة. ومنشأ الاختلاف: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمن رأى وهم الجمهور أنه متصل أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما قبل الاستثناء حرام، وما بعده خرج منه، فيكون حلالا. ويؤيد كون الاستثناء متصلا إجماع العلماء على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش، ولا يجعل الاستثناء منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له. ومن رأى أن الاستثناء منقطع، رأى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة، وكأنه قال: ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال لأن التحريم إنما يتعلق بهذه الحيوانات بعد الموت، وهي بعد الموت لا تذكى، فيكون الاستثناء منقطعا. وأجيب عن ذلك بأن الاستثناء متصل باعتبار ظاهر الحلال، فإن ظاهر هذه الحيوانات أنها تموت بما أصيبت به، فتكون حراما بحسب الظاهر، إلا ما أدرك حيا وذكي، فإنه يكون حلالا.
10 - ما ذبح على النصب:
10- ما ذبح على النّصب: النصب حجارة كانت حول الكعبة، عددها ثلثمائة وستون حجرا منصوبا، كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها، تقربا للأصنام التي يعظمونها، ويلطخون بها ما أقبل من البيت، كأنهم يثبتون بذلك كون الذبح وقع قربة، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (الحجارة) . وليست النصب هي الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة، والأوثان حجارة منقوشة. فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي ذبحت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح، اجتنابا للشرك الذي حرمه الله ورسوله. وأضاف القرآن محرمات أخرى هي: الاستقسام بالأزلام: أي محاولة معرفة ما قسم له، أو قدر في الأمر من خير أو شر. والأزلام جمع زلم: وهي قطعة من خشب على هيئة السهم الذي لا نصل فيه وهو الذي يجرح الصيد. ولهذه العملية معنيان: معنى روحي عبادي أو اعتقادي، والآخر مادي. أما المعنى الروحي العبادي: فهو يشبه عادة التطير، كان أحدهم إذا أراد أن يقدم على عمل أو سفر، ذهب إلى الكعبة، فاستشار الأزلام الموجودة عند الآلهة، وقد كان عند هبل المنصوب على بئر سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه، مما أشكل عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه. قال ابن جرير الطبري: الأزلام عبارة عن قداح ثلاثة كتب على أحدها: «افعل» وعلى الآخر: «لا تفعل» وأغفل الثالث. فإذا أجالها (حركها) فطلع سهم الأمر فعل، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد «1» . ويفعل ذلك إذا
أراد سفرا أو غزوا أو زواجا أو بيعا أو نحو ذلك. وأما المعنى المادي فهو اليانصيب اليوم الذي هو نوع من القمار، وهو قداح الميسر، وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل. وكانت تستعمل الأزلام بمثابة نوع من أنواع اللعب بالميسر في الجاهلية، كانوا يشترون جزورا نسيئة، وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه 28 قسما أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد باسم رجل، فاز صاحب الأقداح ذوات الأنصباء، وغرم من خرج له الغفل. فأنواع الأزلام ثلاثة: الأول- نوع مع الشخص وعدده ثلاثة: مكتوب على واحد: افعل، والثاني لا تفعل، والثالث غفل. والنوع الثاني- سبعة قداح واحدها قدح، وكانت عند هبل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل. والنوع الثالث- قداح الميسر وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل. وكلا المعنيين نوع من الخرافة والوهم، والتخلف العقلي الذي يعوق تقدم الأمة ويدعو إلى السير على غير هدى ولا بصيرة. ومثل ذلك معرفة الحظ بواسطة المسبحة أو المصحف، أو أوراق الشدّة أو الودع أو الفنجان، فكل ذلك حرام منكر شرعا، لا يجوز اللجوء إليه. وقد شرع الإسلام بديلا شرعا هو صلاة الاستخارة ركعتين ثم الدعاء المأثور عقب الصلاة، وتسمية الأمر المستخار له، وانتظار النتيجة من انشراح الصدر أو انقباضه، وتكرار الصلاة مرات إذا لم ينكشف الحال. وحديث الاستخارة رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلّمنا الاستخارة، كما يعلمنا سورة من القرآن، فيقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم
ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه) شر لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» قال: ويسمي حاجته. ذلِكُمْ فِسْقٌ أي كل المحرمات المذكورة فسق وخروج عن منهج الدّين، ورغبة عن شرع الله إلى معصيته، وتجاوز للمألوف من الحكمة والمعقول. ولما حذّر الله المؤمنين من تعاطي المحرّمات المذكورة، حرّضهم على التمسك بما شرعه لهم، وبشرهم بالغلبة بما يقوي عزيمتهم ويشجعهم، فنزل يوم عرفة عام حجة الوداع: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ.. إلخ الآية، اليوم: هو يوم عرفة عام حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة، وكان يوم جمعة، وهو يوم نزول هذه الآية، يئس الكفار من إبطال دينكم والتغلب عليكم، والرجوع إلى دينهم كفارا، ويئس الشيطان أن يعبد في أرضكم. روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في هذه الآية فقال: يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم: وهو عبادة الأوثان أبدا. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم» . فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ أي فلا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أي اتّقوني، أنصركم عليهم وأؤيدكم، وأجعلكم فوقهم في الدّنيا والآخرة.
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... اليوم أكملت لكم دينكم وهو الإسلام، فأبنت لكم حلاله وحرامه وجميع الأحكام التي تحتاجون إليها، فصار كل شيء واضحا لا لبس فيه ولا غموض، كاملا غير منقوص. وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي أي منّتي، فلم يحجّ معكم مشرك أبدا، وفتحت مكة، وتحقق الوعد، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحقق لكم النصر. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً مرضيا هو محل احتكام ومحاكمة الخلائق عليه يوم القيامة: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران 3/ 85] . هذه بشارات ثلاث تحققت بهذه الآية، مكث بعدها النّبي صلّى الله عليه وسلّم واحدا وثمانين ليلة ثم قبض وتوفّاه الله. قرأ ابن عباس هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ ... فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتّخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. وروى مسلم والأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال: وأي آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعرفة في يوم جمعة. وليس المراد بإكمال الدّين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد أن الأحكام صارت غير قابلة للنسخ، وأصبحت مؤبدة صالحة لكل زمان ومكان، والمراد بالإكمال: إتمامه في نفسه وفي ظهوره، أما إتمامه في نفسه فباشتماله على الفرائض والحلال والحرام، والتنصيص على أصول العقائد وأسس التشريع وقوانين الاجتهاد، مثل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص 112/ 1] ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ
فقه الحياة أو الأحكام:
شَيْءٌ [الشورى 42/ 11] ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الأنعام 6/ 73 ومواضع أخرى] ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل 16/ 90] ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل 16/ 91] ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران 3/ 159] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى 42/ 40] ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164 ومواضع أخرى] ، وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [المائدة 5/ 2] . وأما إتمامه في ظهوره: فبإعلاء كلمته وتفوقه على كل الأديان، وتوافقه مع المصالح العامة، وانسجامه مع التطور، ووسطيته وتوازن المصالح الخاصة والعامة فيه. ثم نصّ الله تعالى على حالة الضرورة التي هي استثناء من الأحكام العامة، فذكر أن المحرمات السابقة حرام على جميع المسلمين في كلّ الأحوال، إلا المضطر، الذي حمل قهرا على تناول شيء من الحرام، أو الضار، فمن اضطر في حال مجاعة إلى أكل شيء مما ذكر من المحرمات، غير متجانف لإثم أي غير مائل إلى حرام لذاته، ولا راغب في التمتع بما يوجب الإثم، فله أن يتناول شيئا منها ليدفع الضرورة والضرر وبقدر الضرورة، لا للتلذذ ولا لتجاوز الحدود التي يحتاج إليها لسدّ الرّمق، فإن الله غفور لمثله يغفر لمتناول الحرام، رحيم بخلقه حيث أباح لهم ما يدفع الضرر بما هو محرّم. وقوله تعالى: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ بمنزلة قوله في سورة البقرة: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [2/ 173] . فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى الأحكام الآتية: 1- تحريم الميتة وما في حكمها (المنخنقة، والموقوذة، والمتردية،
والنطيحة، وما أكل السبع منه، والمذبوحة على النصب: حجارة حول الكعبة، وما أهل لغير الله به: ذكر اسم غير الله عليه) . 2- حرمة الدّم ولحم الخنزير. 3- إباحة البهيمة المذكاة، والتي أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت وهي المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع منه وما أهل لغير الله به. 4- إباحة المحرمات المذكورة عند الاضطرار إليها لدفع الضرر. 5- الضرورة مقيّدة بقيدين: الأول- أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط. والثاني- ألا يتجاوز ما يسدّ الرّمق لأن الضرورة تقدر بقدرها. فإن قصد التّلذذ، أو تجاوز مقدار الضرورة وقع في الحرام. والتذكية (الذبح الشرعي) تعمل في البهيمة الصحيحة والمريضة، فيجوز تذكية المريضة ولو أشرفت على الموت إذا كان فيها بقية حياة. ويرى الجمهور أن ذكاة الأم تؤثر في الجنين لما أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعلي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» ، وفي رواية أخرى: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه، أشعر أو لم يشعر» . ويرى أبو حنيفة: أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا، لم يحل أكله لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين. وأجمعوا على أن الجنين إذا خرج حيّا أن ذكاة أمّه ليست بذكاة له. وآلة الذكاة عند الجمهور: كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم، فهو من آلات الذكاة ما خلا السّنّ والعظم، وعلى هذا تواترت الآثار. والسّن والظفر المنهي عنهما في التذكية: هما غير المنزوعين لأن ذلك يصير خنقا فأما المنزوعان فإذا
فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما. وحرم قوم (إبراهيم النخعي والحسن البصري والليث بن سعد والشافعي) السّن والظفر والعظم على كل حال منزوعة أو غير منزوعة. أما المقطوع فمختلف فيه: قال مالك: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين. وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمري، ولا يحتاج إلى الودجين لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت. ومالك وغيره كأبي حنيفة اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال- وهو اللحم- من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج، وعليه يدلّ حديث رافع بن خديج في قوله المتفق على صحته فيما رواه الجماعة: «ما أنهر الدّم» وهذا الرأي أوجه. واختلفوا فيما إذا كان الذبح فوق الغلصمة (جوزة الحلق) وبقيت مع البدن، فقال الشافعي: تؤكل لأن المقصود قد حصل. وقال مالك: لا تؤكل. واختلفوا أيضا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع على الفور، وأكمل الذكاة فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، والأول أصح لأنه جرحها ثم ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها. والمستحب أن يكون الذابح ممن ترضي حاله ويطيق الذبح، سواء كان ذكرا أو أنثى، بالغا أو غير بالغ، مسلما أو كتابيّا، لكن ذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي. وما استوحش من الإنسي أو وقع في البئر، لا تكون ذكاته إلا بين الحلق واللّبة، على سنة الذبح، في رأي المالكية. وأجاز أبو حنيفة والشافعي ذبحه أو طعنة في أي مكان من الجسم، لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الجماعة عن رافع بن خديج:
المطعومات الحلال والزواج بالكتابيات [سورة المائدة (5) الآيات 4 إلى 5] :
«إن لهذه الإبل أوابد «1» كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء، فافعلوا به هكذا- وفي رواية- فكلوه» . ويطلب الإحسان في الذّبح، للحديث المتقدم عن أبي يعلى فيما رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء» قال المالكية: إحسان الذبح في البهائم: الرّفق بها فلا يصرعها بعنف ولا يجرّها من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نيّة الإباحة، والقربة، وتوجيهها إلى القبلة، والإجهاز «2» ، وقطع الودجين والحلقوم، وإراحتها وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله بالمنّة، والشكر له بالنعمة، بأنه سخّر لنا ما لو شاء لسلّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرّمه علينا. والاستقسام بالأزلام بأنواعه المختلفة حرام، وإذا قصد به طلب القسم والنصيب فهو من أكل المال بالباطل. قال مجاهد: الأزلام: هي كعاب «3» فارس والرّوم التي يتقامرون بها. المطعومات الحلال والزّواج بالكتابيّات [سورة المائدة (5) : الآيات 4 الى 5] يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5)
الإعراب:
الإعراب: وَما عَلَّمْتُمْ مرفوع نائب فاعل عطفا على الطَّيِّباتُ لفعل أُحِلَّ. مُكَلِّبِينَ منصوب على الحال من التاء والميم في عَلَّمْتُمْ. مُحْصِنِينَ حال من ضمير آتَيْتُمُوهُنَّ المرفوع. ومثله غَيْرَ مُسافِحِينَ. ومثله: وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وهو معطوف على غَيْرَ مُسافِحِينَ لا على مُحْصِنِينَ لدخول لا معه تأكيدا للنفي المتقدم، ولا نفي مع مُحْصِنِينَ. ويجوز أن يجعل غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وصفا لمحصنين أو حالا من الضمير فيه. وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ فِي الْآخِرَةِ: يتعلق بفعل مقدر، دلّ عليه قوله تعالى: مِنَ الْخاسِرِينَ وتقديره: وهو خاسر في الآخرة. وإنما وجب هذا التقدير لأن الألف واللام في الْخاسِرِينَ بمعنى الذين، وما وقع في صلة الذين لا يعمل فيما قبلها، فإن جعلت الألف واللام لا بمعنى الذين جاز أن يكون الْخاسِرِينَ عاملا فيه. البلاغة: وَطَعامُ الَّذِينَ.. أطلق العام وأراد به الخاص وهو الذبائح. مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ بينهما طباق لأن الإحصان هنا العفّة، والسفاح: الزنى. المفردات اللغوية: يَسْئَلُونَكَ يا محمد ماذا أُحِلَّ لَهُمْ من الطعام. الطَّيِّباتُ المستلذات التي هي من غير الخبائث، وهي كلّ ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنّة أو قياس مجتهد. الْجَوارِحِ الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين، واحدها جارحة، من الجرح بمعنى الكسب، قال تعالى: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الأنعام 6/ 60] أي ما كسبتم. مُكَلِّبِينَ من التكليب، وهو تعليم الكلاب وإرسالها على الصيد، ثم استعمل في تعليم الجوارح مطلقا، فالمكلّب: مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها بأنواع الحيل وطرق التأديب والتثقيف. تُعَلِّمُونَهُنَّ تؤدبونهن. مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من آداب الصيد. فَكُلُوا
سبب النزول:
مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ بأن قتلن، إن لم يأكلن منه، بخلاف غير المعلمة فلا يحلّ صيدها، وعلامة المعلّمة: أن تسترسل إذا أرسلت، وتنزجر إذا زجرت، وتمسك الصيد ولا تأكل منه، وأقلّ ما يعرف به ذلك ثلاث مرات، فإن أكلت منه، فليس مما أمسكن على صاحبها، فلا يحلّ أكله، كما في حديث الصحيحين، وفي هذا الحديث: أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلّم من الجوارح وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ عند إرساله. وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي ذبائح اليهود والنصارى. أُحِلَّ حلال. وَالْمُحْصَناتُ هنا الحرائر، وقيل: العفيفات عن الزنى. أُجُورَهُنَّ مهورهنّ. مُحْصِنِينَ أعفاء عن الزنى. غَيْرَ مُسافِحِينَ معلنين بالزنى بهنّ أو مجاهرين بالزنى. مُتَّخِذِي أَخْدانٍ مسرّين بالزنى، والخدن: الصديق ذكرا أو أنثى. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي يرتدّ. فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الصالح قبل ذلك، فلا يعتدّ به ولا يثاب عليه، والمعنى: بطل ثواب عمله. مِنَ الْخاسِرِينَ إذا مات عليه. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري من طريق الشعبي: أن عدي بن حاتم الطائي قال: أتى رجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول له حتى نزلت هذه الآية: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل ذريح تصيد البقر والحمير والظباء، وقد حرّم الله الميتة، فماذا يحلّ لنا منها؟ فنزلت: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي: «أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة، جاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله الآية، فقرأها» .
المناسبة:
المناسبة: لما ذكر تعالى ما حرّمه في الآية المتقدّمة من الخبائث الضارّة لمتناولها، إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة، قال بعدها: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وهي مثل الآية المذكورة في سورة الأعراف في صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم: أنه وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [7/ 157] . التفسير والبيان: يسألك المؤمنون يا محمد، ماذا أحلّ الله لهم من الطعام واللحوم؟ قل: أحلّ لكم الطيبات، أي ما تستطيبه النفوس السليمة الفطرة، وهي غير الخبائث، وأحلّ لكم صيد الجوارح (الكواسب) المعلّمة. أما الطيّبات: فهي ما عدا المنصوص على تحريمه في القرآن وهي المحرّمات العشر المتقدّمة، وما أضيف إليها في السّنة النّبوية، روى أحمد ومسلم وأصحاب السّنن عن ابن عباس: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع، وكلّ ذي مخلب من الطّير» . ورووا أيضا عن أبي ثعلبة الخشني: «كلّ ذي ناب من السّباع فأكله حرام» . فأصبح أن ما لم يرد به نص نوعان: حلال طيب، وحرام خبيث. والعبرة في الاستطابة والاستخباث: ذوق العرب في الحجاز. والسبع عند أبي حنيفة: كل ما أكل اللحم. وعند الشافعي: ما يعدو على الناس والحيوان. وبناء عليه: كلّ أنواع حيوان البحر حلال طيب، سواء أكل العشب أو أكل اللحم. وحيوان البرّ يصاد منه ما يؤكل ما عدا سباع الوحش والطير. ولا يحلّ أكل ما يعيش في البرّ والبحر كالضفدع والتمساح والثعبان والسلحفاة، للاستخباث وسمّ الثعبان.
ويحلّ لكم ما علمتم من الجوارح، أي يحلّ لكم اقتناء تلك الحيوانات المعلّمة وبيعها وهبتها، ويحلّ لكم صيودها، لقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وقوله: مُكَلِّبِينَ أي حال كونكم معلّمين ومؤدبين، فهو حال من فاعل عَلَّمْتُمْ، وقوله: تُعَلِّمُونَهُنَّ حال من فاعل علمتم أو من الضمير في مُكَلِّبِينَ أي حال كونكم تعلمونهن مما علمكم الله. ويفهم منه أنه لا بدّ في التعليم من أمور ثلاثة: 1- أن تكون الجوارح معلّمة. 2- وأن يكون من يعلّمها ماهرا في التّعليم مدرّبا فيه. 3- وأن يعلم الجوارح مما علمه الله، بأن تقصد الصيد بإرسال صاحبها، وأن تنزجر بزجره، وأن تمسك الصيد ولا تأكل منه إذا كان المعلّم كلبا، وأن يعود الكلب إلى صاحبه متى دعاه إذا كان طيرا مثل البازي. ويعرف تعليم الكلب بترك الأكل ثلاثا، ويعرف تعليم البازي بالرجوع إلى صاحبه إذا دعاه، والفرق بينهما أن تعليم الكلب يكون بترك ما يألفه ويعتاده، وعادة الكلب السّلب والنّهب، فإذا ترك الأكل ثلاثا عرف أنه تعلّم، وعادة البازي النّفرة، فإذا دعاه صاحبه فعاد إليه، عرف أنه تعلّم. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ أي فكلوا من الصيد ما تمسكه الجوارح عليكم دون أن تأكل منه، فإن أكلت منه فلا يحلّ أكل الفاضل عنه في رأي الجمهور لحديث عدي بن حاتم عند أحمد والشيخين أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أرسلت كلابك المعلّمة، وذكرت اسم الله، فكل مما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» وفي رواية: «إذا أرسلت كلبك المعلّم فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيّا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة» .
واذكروا اسم الله على الكلب عند إرساله، ويؤيده حديث عدي بن حاتم المتقدم: «إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك» ، والتّسمية: واجبة عند الجمهور، مستحبة عند الشافعي. واتّقوا الله في هذه الحدود، أي احذروا مخالفة أمره فيما أرشدكم إليه، واتّخذوا وقاية من عذابه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. إن الله سريع الحساب، أي يحاسبكم على أعمالكم من غير توان ولا تهاون، ولا يضيع شيئا من أعمالكم، بل تحاسبون عليها وتجازون في الدّنيا والآخرة، وهو يحاسب الناس كلهم يوم القيامة في وقت واحد، فيكون حسابه سريعا. ومناسبة ذلك لما قبله أنه لما ذكر المحرّمات والمحللات وأبان الحلال والحرام، نبّه إلى أنه تعالى سيحاسب العاملين على أعمالهم من غير إمهال متى جاء يوم الحساب. روي أنه يحاسب الناس جميعا في مقدار نصف يوم. اليوم أحل لكم تفضلا من الله الطّيبات: وهي ما يستطاب ويشتهي عند أهل النفوس الكريمة. وأحل لكم طعام الكتابيين أي ذبائحهم عند الجمهور، لا الخبز والفاكهة ولا جميع المطعومات لأن الذبائح هي التي تصير طعاما بفعلهم، وأما بقية المطعومات فهي مباحة لجميع الناس، فلا وجه لتخصيصها بهم. وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى الذين أنزل الله على أنبيائهم التوراة والإنجيل. فلا تحلّ ذبائح المشركين عبدة الأصنام والأوثان. روى ابن جرير عن أبي الدّرداء وابن زيد أنهما سئلا عمّا ذبحوه للكنائس فأفتيا بأكله، قال ابن زيد: أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئا. وقال أبو الدّرداء- وقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها: جرجيس، أهدوه لنا، أنأكل منه؟ - «اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلّ لنا، وطعامنا حلّ لهم» وأمره بأكله.
ولا تحلّ ذبائح المجوس ولا التّزوج بنسائهم، لما روي في السّنة. وطعامكم حلّ لهم أي وذبائحكم حلّ لأهل الكتاب، فلكم إطعامهم منه أو بيعهم منه. وإنما قال ذلك للتّنبيه على أن الحكم مختلف في الذّبائح والمناكحة، فإن إباحة الذّبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها من جانب واحد، والفرق واضح وهو أن إباحة الطعام من الجانبين لا تستلزم محظورا، أما لو أبيح لأهل الكتاب التّزوّج بالمسلمات، لكان لهم ولاية شرعية على زوجاتهنّ، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيّا. وأحلّ لكم أيها المؤمنون التّزوّج بالحرائر المؤمنات والكتابيّات من اليهود والنصارى، سواء كنّ ذميّات أو حربيّات، إذا آتيتموهنّ أجورهنّ أي مهورهنّ. وتقييد الحلّ بإتيان المهور لتأكيد الوجوب، لا لاشتراطه في الحلّ، وتخصيص ذكر الحرائر للحثّ على ما هو الاولى منهنّ، لا لان من عداهنّ لا يحلّ، إذ نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتّفاق، وكذا يصح عند أبي حنيفة. أحلّ لكم الزّواج بالحرائر حالة كونكم أعفاء عن الزّنى متعففين بالزّواج بهنّ غير مسافحين أي مرتكبين الفاحشة مجاهرين بها، وغير متخذي أخدان أي مسرّين إتيان الفاحشة، أي أن المباح هو الزّواج بالحرائر العفيفات عن الزّنى، بشرط إتيان مهورهنّ بقصد الإحصان والإعفاف، لا سفح الماء عن طريق الزّنى العلني، ولا عن طريق الزّنى السّرّي وهو اتّخاذ الأخدان. ثم حذّر الله تعالى من المخالفات ورغب فيما تقدّم من أحكام الحلال، فقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أي ومن ينكر شرائع الإسلام وتكاليفه، ويجحد أصول الإيمان وفروعه، فقد أبطل ثواب عمله وخاب في الدّنيا والآخرة، أما في الدّنيا فباعتبار ضياع أعماله وعدم الإفادة منها، وفي الآخرة بالخسارة والهلاك في نار جهنم.
فقه الحياة أو الأحكام:
وقد أطلق الإيمان وأراد المؤمن به مجازا وهو الشرائع والتكاليف، وقيل: المراد: ومن يكفر بربّ الإيمان، فهو مجاز بالحذف. والمقصود من هذه الآية: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ ... تعظيم شأن ما أحلّ الله وما حرّمه، والتّشديد على المخالف. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ على ما يأتي: 1- إباحة الطيبات أي المطعومات التي تستطيبها الأنفس الكريمة دون الخبائث التي حرمتها الشريعة. 2- إباحة الصيد بالجوارح من سباع البهائم والطير، بشرط كونها معلّمة، وكون معلّمها مؤدّبا ماهرا، وكونه يعلمها مما علمه الله بأن ينشلى إذا أشلي (أغري) ، ويجيب إذا دعي، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر، وأن لا يأكل من صيده الذي صاده. فإن انخرم شرط من هذه الشروط وقع الخلاف. 3- حل ما جرحته الجوارح وقتلته، وأدركه الصائد ميتا، لإطلاق قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ أي حبس عليكم، ولم يأكل مما صاد، فإن أكل الكلب ونحوه لم يؤكل عند الجمهور ما بقي، لأنه أمسك على نفسه، ولم يمسك على صاحبه. ولم يشترطوا ذلك في الطيور، بل يؤكل ما أكلت منه. وأباح المالكية أكل ما بقي من الصيد وإن كان بضعة، وإن أكل الجارح منه، سواء كان كلبا أو فهدا أو طيرا. فلو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع (جرح) لم يؤكل، لأنه مات خنقا، فأشبه أن يذبح بسكين كالّة، فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه وجمهور العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل. وكره الشعبي والثوري أكل ذلك الصيد. فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر، فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد
آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، فلا يؤكل، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي بن حاتم عند أحمد والشيخين: «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل» وفي رواية: «فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» . فإن اشترك صائدان بإرسال كلبين كان الصيد شركة بينهما. وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم، فتردى من جبل أو غرق في ماء، أو غاب عن الصائد ثلاثة أيام، فمات وهو لا يراه، لقوله صلّى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في الحديث المتفق عليه عند أحمد والشيخين: «وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري، الماء قتله أو سهمك» وروى أبو داود في حديث أبي ثعلبة الخشني: «فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل» وزاد: «فكله بعد ثلاث ما لم ينتن» . وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي الصيد بكلاب اليهودي والنصراني إذا كان الصائد مسلما. وجمهور الأمة غير مالك على جواز صيد الصائد من أهل الكتاب. 4- جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد بدليل قوله تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ، يؤيده ما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان» . 5- ودلت الآية: وَما عَلَّمْتُمْ.. أيضا على أن العالم أفضل من الجاهل، لأن الكلب إذا علّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب. ويزداد فضل العالم إذا عمل بما علم، لقول علي رضي الله عنه «لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه» . 6- وجوب تسمية الله عند الإرسال، لقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو رأي الجمهور غير الشافعي، ويؤيده قوله صلّى الله عليه وسلم في حديث عدي المتقدم: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل» . أما عند إدراكه حيا فتجب
التسمية عند ذكاته. وقال الشافعي: إنها مستحبة. ويستفاد من آية الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ما يأتي: 1- إباحة طيبات الرزق: وهي ما تستطيبه الأنفس الكريمة. 2- إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى) . ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالفاكهة والبرّ، يجوز أكله، إذ لا يضر فيه تملك أحد. أما ما يحتاج إلى عمل أو صنع كخبز الدقيق وعصر الزيت ونحوه، والتذكية التي تحتاج إلى الدين والنية، فرخص الله تعالى فيه، تألفا لأهل الذمة، وترغيبا لهم في الإسلام، حتى وإن قال النصراني عند الذبح: باسم المسيح، واليهودي قال: باسم عزير، لأنهم يذبحون على الملّة. والجمهور على أن الذكاة عاملة في حلّ الذبيحة، ماحل له منها وما حرم عليه، لأنه مذكّى. وقال جماعة من أهل العلم: إنما حلّ لنا من ذبيحتهم ما حلّ لهم، لأن ما لا يحلّ لهم لا تعمل فيه تذكيتهم، فلا تحل الشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب. وقصرت لفظ الطعام على البعض، وحمله الجمهور على العموم في جميع ما يؤكل. والعلماء مجمعون إلا من شذ منهم على أن ذبائح الكفار لا تؤكل ولا يتزوج منهم، لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء. ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى، لأنهم لا يتوقّون النجاسات ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجّست، فتغسل. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله،
فرضية الوضوء والغسل من الجنابة والتيمم وذكر نعمة الله [سورة المائدة (5) الآيات 6 إلى 7] :
إنا بأرض قوم من أهل كتاب، نأكل في آنيتهم، وأرض صيد، أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلّم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلّم، فأخبرني ما الذي يحلّ لنا من ذلك؟ قال: «أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها» . 3- إباحة إطعام أهل الكتاب من ذبائح المسلمين، فإذا اشتروا منا اللحم، يحل لهم اللحم، ويحل لنا ثمن المأخوذ منهم. 4- مشروعية نكاح المحصنات المؤمنات والمحصنات الكتابيات. والمحصنات: الحرائر في قول مجاهد والجمهور، والعفيفات العاقلات في قول ابن عباس. 5- بطلان ثواب الأعمال إذا كان العامل جاحدا أحكام الله وشرائعه، كافرا بأصول الإيمان وفروعه، لقوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي بما أنزل على محمد، أو يجحد الإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أي بطل ولغا ثواب عمله، ولم يعد لعمله فائدة أخروية. فرضية الوضوء والغسل من الجنابة والتيمم وذكر نعمة الله [سورة المائدة (5) : الآيات 6 الى 7] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7)
الاعراب:
الاعراب: وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب عطف على أَيْدِيَكُمْ والتقدير: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم. وقرئ بالجر عطفا على بِرُؤُسِكُمْ وقدّر ما يوجب الغسل كأنه قال: وأرجلكم غسلا. قال أبو زيد الأنصاري من رواة الحديث الثقات ومن أهل اللغة، وكان من أهل العدل والتشيع توفي سنة 215 هـ: المسح خفيف الغسل، فبينت السنة أن المراد بالمسح في الرجل هو الغسل. البلاغة: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فعبّر عن إرادة الفعل بالفعل، وأقام المسبّب مقام السبب للملابسة بينهما كما ذكر الزمخشري. وفي الآية إيجاز بالحذف أيضا، أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. المفردات اللغوية: إِذا قُمْتُمْ أي أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون. وُجُوهَكُمْ جمع وجه: وهو ما تقع به المواجهة، وحده طولا: ما بين أعلى منبت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين أو أسفل الذقن، وعرضا: ما بين الأذنين. الْمَرافِقِ جمع مرفق وهو مفصل الساعد أو الذراع من الأعلى والعضد من الأسفل. وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ الباء للإلصاق، أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء، وهو اسم جنس فيكفي فيه عند الشافعي: أقل ما يصدق عليه وهو مسح بعض الشعر. الْكَعْبَيْنِ هما العظمان الناتئان عند اتصال الساق بالقدم من الجانبين. جُنُباً أصابتكم جنابة بجماع أو إنزال مني. فَاطَّهَّرُوا فاغتسلوا. سبب النزول: روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون بالمدينة، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل، فثنى رأسه في حجري راقدا، وأقبل أبو بكر، فلكز فيّ لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة،
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء، فلم يوجد، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وكان ذلك في غزوة المريسيع. فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر. وروى الطبراني عن عائشة قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، أخرجت مع رسول الله في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: بنيّة في كل سفر تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة. ذكر السيوطي بعد هذا تنبيهين هما بإيجاز: الأول- هل المراد بآية التيمم آية المائدة هذه (6) أو آية النساء ونصهما واحد: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ، فَلَمْ تَجِدُوا ماءً، فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [الآية 43] ؟ الذي مال البخاري إليه: أنها آية المائدة، قال السيوطي: وهو الصواب للتصريح بها في الطريق المذكور في رواية البخاري عن عائشة. علما بأن الواحدي أورد هذا الحديث في أسباب النزول عند ذكر آية النساء أيضا. الثاني- دل حديث البخاري على أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول هذه الآية، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، والثابت في السيرة أنه صلّى الله عليه وسلم لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء. قال ابن عبد البر: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به، ليكون فرضه متلوا بالتنزيل. وقال غيره: يحتمل أن يكون أول الآية نزل مقدما مع فرض الوضوء، ثم نزلت بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة. قال السيوطي: الأول أصوب فإن فرض الوضوء كان مع فرض الصلاة بمكة، والآية مدنية.
المناسبة:
المناسبة: هناك عهدان بين العبد وربه: عهد الربوبية، وعهد الطاعة، وبعد أن وفي تعالى للعبد بالعهد الأول، فبين له الحلال والحرام في الطعام والزواج، طلب من العباد الوفاء بالعهد الثاني، وهو عهد الطاعة، وأعظم الطاعة بعد الإيمان الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فذكر فرائض الوضوء، ثم ذكّرنا بوجوب الوفاء بالعهد والميثاق وهو السمع والطاعة لله ولرسوله. روى أبو داود الطيالسي وأحمد والبيهقي عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور» . وبعبارة أخرى: للإنسان شهوات فطرية تنحصر في المطعومات والمناكحات، له الحق في التمتع بها بنظام، وعليه واجبات يلزمه أداؤها. وبعد أن بيّن تعالى للإنسان ما أحله له وما حرمه عليه من المطاعم والمناكح، شرع في بيان ما يجب عليه أداؤه لله تعالى، شكرا له على ما أنعم به عليه، فمضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذكر من إتمام النعمة ومنها رخصة التيمم. التفسير والبيان: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون- وهذا القيد ثبت في السنة النبوية- فعليكم بالوضوء، إذ لا يقبل الله صلاة بغير طهور، فإذا كان مريد الصلاة محدثا وجب عليه الوضوء، وإذا كان متوضئا فهو مندوب، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه رزين: «الوضوء على الوضوء نور على نور» . روى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» وروى البخاري وأصحاب السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء
الفرض الأول - غسل الوجه:
واحد ما لم نحدث» وفي مسند أحمد أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة غالبا، فلما كان يوم الفتح- فتح مكة- توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، أمام الناس، لبيان جواز ذلك. وفرائض الوضوء في الآية أربعة هي غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والمسح بالرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين. والغسل: إسالة الماء على الشيء لإزالة ما عليه من الوسخ ونحوه. والمسح: إصابة الشيء الممسوح بالبلل. الفرض الأول- غسل الوجه: وهو من أعلى منابت شعر الرأس إلى أسفل الذقن، وما بين الأذنين عرضا. ومن له لحية خفيفة يجب عليه غسل ظاهر الشعر والبشرة التي تحته، وصاحب اللحية الكثة يخللها، ولا يجب إيصال الماء إلى العين. أما المضمضة والاستنشاق فثبت حكمهما بالسنة. والفرض الثاني- غسل اليدين إلى المرفقين: واليد في الوضوء: من رؤوس الأصابع إلى المرفق: وهو أعلى الذراع وأسفل العضد. وإلى في قوله تعالى إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها فقط. وأما دخول الغاية في الحكم أو خروجها عنه فيعرف بالدليل الخارجي، ففي قوله تعالى: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء 17/ 1] ما بعد إلى داخل في حكم ما قبلها، لأنه لا يتحقق معنى الإسراء إلا بدخول الأقصى والتعبد فيه، كبدء الإسراء من المسجد الحرام. وفي قوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة 2/ 280] وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة 2/ 187] ما بعد إِلَى غير داخل في حكم ما قبلها،
والفرض الثالث - المسح بالرأس:
لأن الإعسار في الآية الأولى علة الإنظار (التأخير) وبالميسرة تزول العلة، فيطالب بالدين، ولا داعي للإنظار معها، ولأنه في الآية الثانية لو دخل الليل في حكم الصيام للزم الوصال، وهو غير مشروع في حقنا. وقوله تعالى: إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فقال الجمهور بوجوب غسل المرافق والكعبين، احتياطا في العبادات، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والفرض الثالث- المسح بالرأس: وفي مقدار المسح خلاف، فقال الشافعي: يكفي أقل ما يطلق عليه اسم المسح، ولو شعرة في حد الرأس. وقال مالك وأحمد: يجب مسح كل الرأس أخذا بالاحتياط. وقال أبو حنيفة: الواجب مسح ربع الرأس، لأن المسح إنما يكون باليد، ومحلها يقدر في الغالب بالربع، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على ناصيته. لكن ثبت في السنة ما يؤيد أيضا مذاهب الأئمة الآخرين. والأظهر أن الباء للإلصاق، وقيل للتبعيض، والحق أن هذا مجمل يرجع في بيانه إلى السنة. وقد قال المالكية والحنابلة: الباء هنا زائدة، لأن التركيب يدل على وجوب مسح كل الرأس، فيمسح الكل احتياطا. وقال الحنفية والشافعية: الباء هنا للتبعيض، كما في قولنا: مسحت يدي بالحائط أي مسحت اليد ببعض الحائط، فيحمل قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ على بعض الرأس عملا بدلالة حرف الباء، لكن الحنفية قدروا البعض بثلاث أصابع أو بربع الرأس. والشافعية قدروه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح. والجمهور على أن المسحة الواحدة تجزئ. وقال الشافعي: يمسح رأسه ثلاثا، والأحاديث تدل على تكرار أفعال الوضوء ثلاثا، أما المسح فلم يذكروا فيه
والفرض الرابع - غسل الرجلين إلى الكعبين:
عددا. والمسح عند الجمهور يبدأ بمقدم الرأس ثم يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه. والفرض الرابع- غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم من الجانبين، أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. فالواجب غسل الرجلين بدليل فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحابته والتابعين، وعليه انعقد إجماع الأمة. ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» . وروي عن علي ومعاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثله. وروى مسلم من حديث أبي هريرة: أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى، حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتوضأ. وروى مسلم عن أبي هريرة أيضا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلا لم يغسل عقبه، فقال: «ويل للأعقاب من النار» .
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: تخلّف عنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفرة فأدركنا، وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا. وصح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وجرى العمل على التثليث. هذا كله على قراءة النصب: وَأَرْجُلَكُمْ. وأما قراءة الجر: وَأَرْجُلَكُمْ فمحمولة على الجوار، كما في قوله تعالى في سورة هود: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود 11/ 26] بجر ميم أَلِيمٍ لمجاورة يَوْمٍ المجرور إذ كان حقه أن يقال: «أليما» . وفائدة الجر للجوار هنا في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ: التنبيه على أنه ينبغي الاقتصاد في صب الماء على الأرجل، وخص الأرجل بذلك لأنها مظنة الإسراف لما يعلق بها من الأدران. ويجوز المسح على الخفين بدلا عن غسل الرجلين بعد لبسهما على طهارة بدءا من الحديث الطارئ، للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام، وقد ثبتت مشروعيته بالسنة المتواترة، قال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يمسح على الخفين. وقال الحافظ ابن حجر: قد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وأقوى الأحاديث حجة فيه حديث جرير، فقد روى أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي: أنه- أي جرير- بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بال ثم توضأ ومسح على خفيه. وأضاف الجمهور غير الحنفية لفرائض الوضوء فرض النية، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث الشيخين عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات» . وأضاف الشافعية والحنابلة وجوب الترتيب لأنه يبدأ بغسل الوجه عند القيام إلى الصلاة لأنه مأمور به
بفاء التعقيب المقتضية للترتيب، ويرتب ما بعده بحسب الآية وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الدارقطني عن جابر: «ابدؤوا بما بدأ الله به» . وتوسط مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين يدل على الترتيب. وأضاف المالكية والحنابلة وجوب الموالاة لمواظبته صلّى الله عليه وسلّم على الولاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متواليا، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء. وأوجب المالكية أيضا الدلك بباطن الكف، لا بظاهر اليد لأن الغسل المأمور به في آية الوضوء فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لا يتحقق معناه إلا بالدلك، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلا، إلا إذا صاحبه الإمرار بشيء آخر على الجسم، وهو معنى الدلك. وأوجب الحنابلة المضمضة والاستنشاق لما روى أبو داود وغيره: «إذا توضأت فمضمض» وروى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: «إذا توضأت فانتثر» وروى الشيخان عن أبي هريرة: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» . وأوجب الحنابلة كذلك التسمية في بدء الوضوء لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» . وللوضوء سنن كثيرة معروفة في كتب الحديث والفقه. وينتقض الوضوء بأسباب منها: خروج شيء من أحد السبيلين، والنوم على هيئة لا تتمكن مقعدته من الأرض، ولمس بشرة الرجل المرأة وبالعكس لدى الشافعية، وفي حال الشهوة فقط لدى المالكية والحنابلة، ولا ينقض التلامس عند الحنفية، ومسّ فرج الآدمي بباطن الكف في رأي الجمهور غير الحنفية لحديث رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) : «من مس ذكره، فلا يصلي حتى يتوضأ» . أما الحنفية فاستدلوا بحديث آخر رواه الخمسة أيضا والدارقطني
مرفوعا: «الرجل يمس ذكره، أعليه وضوء؟» فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما هو بضعة منك، أو مضغة منك» . فرضية الغسل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا: أي فاغسلوا بالماء أبدانكم جميعا لأن الأمر بالتطهير لما لم يتعلق بعضو مخصوص، كان أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن. وإنما حملت الطهارة على التطهر بالماء لأن الماء هو الأصل فيها، كما يدل قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال 8/ 11] . والجنب: لفظ يستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. والجنابة: معنى شرعي يستلزم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يغتسل الجنب. وسبب الجنابة اثنان: الأول- نزول المني: لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم: «إنما الماء من الماء» أي إنما يجب استعمال الماء للغسل من أجل الماء الحادث باحتلام أو جماع أي المني. الثاني- التقاء الختانين: لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه عن عائشة وابن عمرو: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» . ويجب الاغتسال أيضا بعد انقطاع دم الحيض والنفاس لقوله تعالى في الحيض: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة 2/ 222] وللإجماع على أن النفاس كالحيض. وحكمة الوضوء والغسل: النظافة وبعث النشاط ليقف العبد بين يدي ربه حاضر القلب صافي الروح، والغسل من الجنابة لإزالة ما يعتري الجسم من استرخاء وفتور. وبعد أن بيّن الله تعالى وجوب استعمال الماء في الوضوء والغسل عند إرادة
الصلاة، والوضوء مرة أو أكثر في اليوم، والغسل مرة أو أكثر في الأسبوع، بيّن أن وجوب استعمال الماء مقيد بأمرين: الأول- وجود الماء، والثاني- القدرة على استعماله من غير ضرر. فإن كان مريد الصلاة مريضا أو مسافرا لم يجد الماء، فرخص الشرع له في التيمم من الحدث الأصغر والأكبر. وهذا ما أوضحته الآية: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ.... أي إن كنتم مرضى بمرض يشق معه استعمال الماء أو يضر كالحمّى ونحوها، والمرض الجلدي كالجدريّ والجرب ونحوهما من القروح والجروح، أو كنتم في سفر طويل أو قصير، ولم تجدوا ماء، فتيمموا، والمراد بالسفر: السير خارج العمران، وهو غير سفر القصر. وعبر بالسفر عن عدم الماء لأن السفر يغلب فيه عدم وجود الماء. وكذا إن أحدثتم الحدث الأصغر المعبر عنه بالمجيء إلى الغائط، والغائط في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط. وكل ما يخرج من السبيلين ملحق بقضاء الحاجة. وأو هذه بمعنى الواو. وكذلك إن حدثت ملامسة أي مباشرة مشتركة بين الرجال والنساء، وهذا هو الحدث الأكبر، أي الجماع، كما تأول الآية علي وابن عباس وغيرهما، وكانوا لا يوجبون الوضوء على من مسّ امرأة باليد. وتأول عمر وابن مسعود الآية بالمس باليد، وكانا يوجبان الوضوء على من مس امرأة باليد، والراجح هو القول الأول. والخلاصة: إذا كنتم على حال من الأحوال الأربعة المتقدمة (المرض والسفر والحدث الأصغر والأكبر) ولم تجدوا ماء، أي فقدتم الماء، أو كنتم محتاجين له، فاقصدوا (تيمموا) ترابا أو مكانا من وجه الأرض طاهرا لا نجاسة فيه، فاضربوا بأيديكم عليه وامسحوا وجوهكم وأيديكم، ومسح اليد يكون إلى المرفق في رأي
الحنفية والشافعية، كما في الوضوء، والتيمم بدل عن الوضوء، ولما روى الدارقطني عن ابن عمر، وهو موقوف أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» . ولا بد من استيعاب الوجه واليدين بالتيمم لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولأن التيمم يدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل واجب، فيكون البدل كذلك، ما لم يقم دليل على خلافه. وفقد الماء المانع من التيمم يتصور في رأي المالكية: بعدم وجود الماء وجودا حكميا، بمعنى أن الشخص لا يتمكن شرعا من استعماله من غير ضرر. ويتصور في رأي الحنفية بعدم الوجود الحسي، بمعنى أنه لا يتمكن تمكنا حسيا من استعماله من غير ضرر. وينبني على هذا الخلاف: أن من وجد الماء وهو في الصلاة يكملها ولا يقطعها عند المالكية لأنه لا يتمكن شرعا من استعماله من غير إبطال الصلاة، وهو لا يجوز له إبطالها، وأما عند الحنفية فيبطل تيممه فتبطل الصلاة، ويجب استعمال الماء. والمراد: لم تجدوا ماء كافيا للوضوء أو الغسل، فلو وجد الشخص ماء كافيا لبعض الوضوء أو الغسل، يتيمم عند الحنفية والمالكية، ولا يستعمل الماء في شيء من أعضائه، وعند الشافعية والحنابلة: يستعمل الماء في بعض الأعضاء، ثم يتيمم لأنه لا يعد فاقدا للماء مع وجود هذا القدر. والمراد بالصعيد: هو التراب، على القول الظاهر المختار. واختلف الفقهاء في لزوم إيصال التراب إلى الوجه واليدين وعدمه، فقال الحنفية والمالكية: لا يلزم، وقال الشافعية: يلزم. وسبب الاختلاف الاشتراك في معنى الباء، فإنها ترد للتبعيض، وترد للابتداء وتمييز الجنس، فرجح الشافعية
حملها على التبعيض قياسا للتيمم على الوضوء، ويجب في الوضوء استعمال بعض الماء، فيجب استعمال بعض التراب في التيمم. ورجح الحنفية والمالكية حملها على الابتداء وتمييز الجنس لأن المتيمم ينفض يديه ليتناثر التراب، فيمسح وجهه ويديه من غير تلويث، ولما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام تيمم على حائط بضربتين: للوجه واليدين ، والظاهر أنه لا يعلق على يديه شيء من التراب. ثم ذكر تعالى حكمة مشروعية التيمم وهي التيسير على الناس ودفع الحرج عنهم، فأبان أنه تعالى ما يريد ليجعل عليكم فيما شرعه من أحكام الوضوء والغسل والتيمم في هذه الآية وغيرها حرجا أي أدنى ضيق وأقل مشقة لأنه تعالى غني عنكم، رحيم بكم، فلا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والنفع لكم، ولكن يريد ليطهركم من الدنس والرجس المادي بإزالة الأقذار، والرجس المعنوي بطرد الكسل والفتور الحاصل عقب الجنابة، وبعث النشاط، لتكون النفس صافية مرتاحة في مناجاة ربها، ويريد أيضا أن يتم نعمته عليكم بالجمع بين طهارة الأبدان وطهارة الأرواح، وتبيان طريق العبادة الأفضل، لتؤدوا الشكر الواجب عليكم، ولتداوموا شكر النعم التي أنعمها الله عليكم. ثم ذكّر تعالى بالمناسبة بالنعم الكثيرة التي أنعم بها علينا، فاذكروا أيها المؤمنون نعمة الله بتوفيقكم للإسلام وتشريع هذا الدين العظيم، وإرساله إليكم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليكم من العهد والميثاق الذي عاهدكم به حين بايعتموه عند إسلامكم على السمع والطاعة في المنشط والمكره (المحبة والكره) والعسر واليسر، وعلى متابعته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، وتلك هي بيعة العقبة وبيعة الرضوان وغيرهما. واذكروا أيضا ميثاقه الذي أخذه عليكم وأنتم في عالم الذر على الإيمان بالله
فقه الحياة أو الأحكام:
والرسول، إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي سمعنا النداء للإيمان وأطعنا الداعي وقبلنا دعوته والتزمنا بالعمل بها، كما قال تعالى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ، وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد 57/ 8] . وَاتَّقُوا اللَّهَ في كل شيء وفي كل حال، ولا تنقضوا العهد والميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بخفيات الأمور الكامنة في الصدور المستقرة فيها استقرارا، ويعلم أيضا جليات الأمور، فلا يخفى على الله شيء أظهره الإنسان أو أضمره من الوفاء بالميثاق أو عدم الوفاء، وما تنطوي عليه نفسه من الإخلاص أو الرياء. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من آية الوضوء والتيمم ما يأتي: 1- الطهارة شرط لصحة الصلاة لأنه تعالى أوجب الطهارة بالماء عند إرادة الصلاة، وأوجب التيمم عند فقدان الماء، فدل على أن المأمور به أداء الصلاة مع الطهارة، وأن أداء الصلاة بدون الطهارة لا يحقق المطلوب أو أداء المأمور به. والأذنان من الرأس عند الجمهور غير الشافعي، لكن يمسحان مع الرأس بماء واحد في رأي الثوري وأبي حنيفة، ويجدد لهما الماء في رأي مالك والشافعي وأحمد. ومذهب الجمهور على أن الفرض في الرّجلين الغسل دون المسح، وهو الثابت من فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، واللازم من قوله في غير حديث. ودلت الآية وَأَرْجُلَكُمْ على قراءة الجر أو الخفض على مشروعية المسح على الرّجلين إذا كان عليهما خفان. وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من
الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن البصري: حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسح على الخفين. 2- التيمم بدل عن الوضوء في الحدث الأصغر باتفاق. وأما كونه بدلا عن الغسل في الحدث الأكبر فهو محل خلاف بين السلف، فقال علي وابن عباس وأكثر الفقهاء: إنه بدل عنه أيضا، فيجوز التيمم لرفع الحدث الأكبر. وقال عمر وابن مسعود: إنه ليس بدلا عن الغسل، فلا يجوز له التيمم لرفع الحدث الأكبر. وإذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت، لم يتيمم عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا وهذا واجد، فقد عدم شرط صحة التيمم، فلا يتيمم. وأجاز مالك التيمم في مثل ذلك لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء. 3- الطهارة لا تجب إلا عند الحدث لأنها تضمنت أن التيمم بدل عن الوضوء والغسل، وقد أوجبه الله على مريد الصلاة متى جاء من الغائط أو لامس النساء، ولم يجد الماء. ودلت الأحاديث على أن الريح والمذي والودي ينقض الوضوء كالبول والغائط. 4- استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة لأنه قال: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ولم يذكر الاستنجاء، وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك في رواية أشهب عنه. وقال ابن وهب عن مالك: تجب إزالتها في التذكر والنسيان. وهو قول الشافعي، والصحيح رواية ابن وهب لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيحين أخبر في صاحبي القبرين: أن عذاب أحدهما «لأنه لا يستبرئ من
بوله» ولا يعذب إلا على ترك واجب. وقال أبو حنيفة: تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي «1» - يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال- قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه. ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلّدين وهو أحد قولي مالك. وأجاز جماعة من الصحابة (علي وأبو مسعود والبراء وأنس وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث) المسح على الجوربين. ويؤخذ من آية وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ما يأتي: 1- وجوب تذكر نعم الله التي يتمتع بها الإنسان. 2- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق التي يؤدي تنفيذها إلى خير الجماعة. 3- وجوب تقوى الله فيما أمر به ونهى عنه. والمراد من الآية: هو العهد والميثاق الذي جرى للصحابة مع النبي صلّى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما جرى في ليلة العقبة وتحت الشجرة. 4- الإسلام دين اليسر والسماحة لأنه قائم بنص القرآن على مبدأ رفع الحرج.
الشهادة بالقسط والحكم بالعدل ووعد المؤمنين ووعيد الكافرين والتذكير بنعمة الله [سورة المائدة (5) الآيات 8 إلى 11] :
الشهادة بالقسط والحكم بالعدل ووعد المؤمنين ووعيد الكافرين والتذكير بنعمة الله [سورة المائدة (5) : الآيات 8 الى 11] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) الإعراب: اعْدِلُوا هُوَ.. هو: كناية عن العدل وهو المصدر، لدلالة اعْدِلُوا عليه، كقول الشاعر: إذا نهي السفيه جرى عليه، أي إلى السفيه، وقوله تعالى: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ [النور 24/ 28] . والتقوى: مؤنثة، والألف فيها للتأنيث كالألف في سكرى وعطشى. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ.. وعد: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما. وهاهنا لم يذكر إلا مفعولا واحدا وهو الَّذِينَ وحذف المفعول الآخر، ثم فسّره بقوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
البلاغة:
البلاغة: أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ: بسط الأيدي كناية عن البطش والفتك، وكف الأيدي كناية عن المنع والحبس. المفردات اللغوية: قَوَّامِينَ قائمين به حق القيام لِلَّهِ بحقوقه شُهَداءَ بِالْقِسْطِ بالعدل وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ولا يحملنكم ويكسبنكم شَنَآنُ بغض وعداوة قَوْمٍ أي الكفار اعْدِلُوا في العدو والولي هُوَ أي العدل خَبِيرٌ عالم بالأشياء علما دقيقا مضبوطا مؤيدا بالاختبار بِما تَعْمَلُونَ أي فيجازيكم به وَأَجْرٌ عَظِيمٌ هو الجنة الْجَحِيمِ النار العظيمة وهي دار العذاب إِذْ هَمَّ قَوْمٌ قريش أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يمدوها إليكم بالبطش والفتك بكم فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ حجبهم وعصمكم مما أرادوا بكم وَاتَّقُوا اللَّهَ تجنبوا عقابه وسخطه بترك معاصيه. سبب النزول: نزول الآية (8) : قيل: نزلت هذه الآية في يهود بني النضير حين ائتمروا على الفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأوحى الله إليه بذلك، ونجا من كيدهم، فأرسل عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالرحيل من جوار المدينة، فامتنعوا وتحصنوا بحصونهم، فخرج عليه الصلاة والسلام إليهم بجمع من أصحابه، وحاصرهم ست ليال، اشتد الأمر فيها عليهم، فسألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يكتفي منهم بالجلاء، وأن يكف عن دمائهم، وأن يكون لهم ما حملت الإبل، وكان البعض من المؤمنين يرى لو يمثل النبي صلّى الله عليه وسلّم بهم، ويكثر من الفتك فيهم، فنزلت الآية لنهيهم عن الإفراط في المعاملة بالتمثيل والتشويه، فقبل النبي عليه الصلاة والسلام من اليهود ما اقترحوه. وقيل: نزلت في المشركين الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام عام الحديبية، كأنه تعالى أعاد النهي هنا ليخفف من حدة المسلمين ورغبتهم في الفتك
نزول الآية (11) :
بالمشركين بأي نوع من أنواع الفتك. نزول الآية (11) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة ويزيد بن أبي زياد، واللفظ له: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج ومعه أبو بكر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف حتى دخلوا على كعب بن الأشرف ويهود بني النضير يستعينهم في عقل (دية) أصابه، فقالوا: نعم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس فقال حيي بن أخطب لأصحابه: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون شرا أبدا، فجاءوا إلى رحى عظيمة، ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم، حتى جاءه جبريل، فأقامه من ثمة، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ الآية. وأخرج نحوه عن عبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمير بن قتادة ومجاهد وعبد الله بن كثير وأبي مالك. وأخرج عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو ببطن نخل، في الغزوة السابعة (غزوة ذات الرقاع) ، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، فأرسلوا إليه الأعرابي- يعني الذي جاءه وهو نائم- في بعض المنازل، فأخذ سلاحه وقال: من يحول بيني وبينك؟ فقال له: الله، فشام السيف (أغمده) ولم يعاقبه. وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق الحسن عن جابر بن عبد الله أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: أقتل لكم محمدا، فأقبل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمد، أأنظر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم، فأخذه فاستله، وجعل يهزه ويهم به، فيكبته الله تعالى، فقال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: لا، قال: أما تخافني والسيف في
المناسبة:
يدي؟ قال: لا، يمنعني الله منك، ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله الآية. قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادّكار ما سبق. المناسبة: لما ذكّر الله تعالى المؤمنين في الآية السابقة بما يوجب عليهم الانقياد لأوامره ونواهيه، طالبهم هنا بالانقياد لتكاليفه المتعلقة به أو بعباده. التفسير والبيان: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالحق لله عز وجل، لا لأجل الناس والسمعة، أي بالإخلاص لله في كل ما تعملون من أمر دينكم ودنياكم. شهداء بالحق والعدل بلا محاباة ولا جور، سواء للمشهود له أو عليه، أي أدوا الشهادة بالعدل لأن العدل هو ميزان الحقوق، إذ متى وقع الجور في أمة انتشرت المفاسد فيما بينها، كما قال تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [النساء 4/ 135] والشهادة: الإخبار بالواقعة وإظهار الحق أمام الحاكم ليحكم به. ولا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في معاملتكم مع كل أحد، صديقا كان أو عدوا. وعدلكم أقرب للتقوى من تركه، أي العدل في معاملة الأعداء أقرب إلى اتقاء المعاصي على الوجه العام. وقوله: أَقْرَبُ لِلتَّقْوى من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، أي ليس للمفاضلة بين شيئين، فهو ليس على بابه، كما في قوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان 25/ 24] .
واتقوا الله، أي اتخذوا وقاية من عذابه، في جميع أعمالكم، فإن الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ثم أوضح جزاء الفريقين: الفريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات التي يصلح بها أمر الناس في أنفسهم ومع غيرهم، ومن أهمها العدل، وجزاؤهم مغفرة لذنوبهم أي ستر لها، وأجر عظيم وهو الجنة ومضاعفة الثواب على الإيمان والعمل الصالح، فضلا من الله ورحمة. والفريق المقابل الآخر وهو الذين كفروا بالله ورسله، سواء كفروا بالجميع أو بالبعض، وكذبوا بآيات الله الكونية التي أقامها الله في الأنفس والأكوان للدلالة على وحدانيته وكماله وقدرته، وآياته المنزلة على رسله فيما يبلغون عنه، وجزاؤهم أنهم أصحاب النار العظيمة الملازمون لها، لفساد أنفسهم وسوء أعمالهم، وهذا من عدل الله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا جور فيه. ثم ذكّر الله تعالى المؤمنين بنعمة الله عليهم، بدفع الشر والمكروه عن نبيهم، ورد كيد الأعداء عنهم، على كثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين وقلتهم، بعد أن هموا وعزموا على البطش بكم، ولكن الله أيد رسوله ونصر دينه وأتم نوره ولو كره الكافرون. وحادثة المحاربي (من قبيلة محارب) المتقدمة مثيرة للانتباه والاهتمام، وقد رويت بروايات كثيرة عدا ما ذكر في سبب النزول. وهناك رواية أخرى يحسن ذكرها، روى الحاكم عن جابر قال: «قام على رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: من يمنعك؟ قال: الله، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال: من يمنعك؟ قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلّى سبيله، فجاء إلى
فقه الحياة أو الأحكام:
قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس» . وقد حدثت حادثة الأعرابي هذا في غزوة ذات الرقاع، واسم الرجل: غورث بن الحارث. والتذكير بنعم الله التي لا تعد ولا تحصى يستتبع التزام التقوى، لذا أمر تعالى بالتقوى وبالتوكل على الله، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي اتخذوا من تقوى الله عدة تنفعكم وتحميكم من عذاب الله، وتوكلوا على الله حق التوكل، فمن توكل على الله- بعد اتخاذ الأسباب- كفاه الله ما أهمه وحفظه من شر الناس وعصمه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: 1- وجوب القيام لله تعالى بإخلاص بكل التكاليف التي كلفنا بها. 2- نفاذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى، ونفاذ شهادته عليه لأنه تعالى أمر بقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ بالعدل وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له، لما كان لأمره بالعدل فيه وجه. 3- إن كفر الكافر لا يمنع من العدل في معاملته، وفي الآية الآمرة بالعدل والتقوى دلالة أيضا على أن يقتصر في المحاربة على المستحق للقتال، وأن المثلة بالأعداء غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وآذونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لإيقاع الغم والحزن بهم. 4- وجوب أداء الشهادات على وجهها من غير محاباة ولا ظلم. فهذه الآية وآية النساء المتقدمة [4/ 135] تعالج داء خطيرا من أكبر الكبائر وهو كتمان الشهادة وشهادة الزور. 5- وجوب العدل في معاملة الناس قاطبة، سواء كانوا أعداء أو أصدقاء لقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ.. الآية.
نقض اليهود والنصارى الميثاق [سورة المائدة (5) الآيات 12 إلى 14] :
6- عرفان الجميل ووجوب تذكر نعمة الله على المؤمنين في رد كيد الأعداء عنهم وعن نبيهم عليه الصلاة والسلام. 7- وجوب تقوى الله بنحو عام في كل أحوال الإنسان، ووجوب التوكل على الله بعد اتخاذ الأسباب، لإحراز السعادة الدنيوية والأخروية. 8- جزاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات والأفعال الخيرة لأنفسهم وإخوانهم: هو المغفرة لذنوبهم والظفر بالخلود في الجنان. وجزاء الكافرين بالله ورسله المكذبين بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته: هو ملازمة نار الجحيم، وهي بئس المأوى وبئس المصير. وكل من الجزاءين مؤكد الحصول، لافتتاحه بوعد الله، ووعد الله أقوى لأن الإله قادر على جميع المقدورات، عالم بجميع المعلومات، غني عن كل الحاجات. 9- آية أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار لأن هذا القول يفيد الحصر، والمصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: أصحاب الصحراء، أي الملازمون لها. نقض اليهود والنصارى الميثاق [سورة المائدة (5) : الآيات 12 الى 14] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14)
الإعراب:
الإعراب: لَئِنْ لام قسم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من (أصحاب القلوب) . وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ: خائِنَةٍ: إما صفة لموصوف محذوف، وتقديره: على فرقة خائنة، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. أو تكون خائِنَةٍ بمعنى خيانة لأن فاعلة تأتي مصدرا، كالخالصة بمعنى الإخلاص: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ وكالطاغية بمعنى الطغيان: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ والكاذبة بمعنى الكذب: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أي كذب، والعافية والعاقبة وغير ذلك. إِلَّا قَلِيلًا استثناء من الهاء والميم في مِنْهُمْ. وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ: من تتعلق بأخذنا، كما في قوله: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ معناه: أخذنا ميثاقا من بني إسرائيل اليهود. البلاغة: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ فيه التفات عن الغيبة: «وبعث» إلى المتكلم، اعتناء بشأنه.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: وَبَعَثْنا أقمنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم، والنقيب: كبير القوم الذي يعنى بشؤونهم وهو الضامن إِنِّي مَعَكُمْ بالعون والنصرة وَعَزَّرْتُمُوهُمْ نصرتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بالإنفاق في سبيله ببذل المال فوق الواجب، والقرض الحسن: ما كان عن طيب نفس بَعْدَ ذلِكَ بعد الميثاق فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أخطأ طريق الحق، والسواء في الأصل: الوسط، وسَواءَ السَّبِيلِ: وسطه. لَعَنَّاهُمْ طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا قاسِيَةً شديدة جامدة لا تلين لقبول الحق والخير والإيمان يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ التحريف: إمالة الشيء عن موضعه إلى جانب آخر، فاليهود يحرفون الكلام الذي في التوراة من نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم وغيره عن مواضعه التي وضعه الله عليها، أي يبدلونه. وَنَسُوا تركوا حَظًّا نصيبا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أمروا به في التوراة من اتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم. وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وتطلع: تظهر عَلى خائِنَةٍ أي خيانة مِنْهُمْ بنقض العهد وغيره إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ممن أسلم. وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّا نَصارى: متعلق بقوله: أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ أي أخذنا الميثاق من النصارى، كما أخذناه من بني إسرائيل اليهود فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ في الإنجيل من الإيمان وغيره، ونقضوا الميثاق فَأَغْرَيْنا أوقعنا بينهم العداوة والبغضاء بتفرقهم واختلاف أهوائهم، فكل فرقة تكفّر الأخرى وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ في الآخرة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ فيجازيهم عليه. المناسبة: موضوع الآيات كالتي قبلها تذكير بالمواثيق، فبعد أن ذكّرنا الله بميثاقه على السمع والطاعة للنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأمرنا بالوفاء بالعهد، من إحلال الحلال وتحريم الحرام، وذكّرنا بنعمه الداعية للوفاء، بيّن لنا في هذه الآيات أخذ الميثاق على اليهود والنصارى، وما كان من نقضهم له، وعقابهم على ذلك في الدنيا والآخرة، ليتعظ المسلمون بمن تقدمهم من الأمم. التفسير والبيان: لقد أخذ الله العهد والميثاق على بني إسرائيل بواسطة نبيهم موسى ليعملن
بالتوراة التي فيها شريعتهم التي اختارها لهم، وليقبلنها بجد ونشاط: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة 2/ 63 و93] ولا يزال هذا العهد في التوراة الحالية، وأمرناه أن يختار اثني عشر نقيبا منهم، يتولون أمور الأسباط (كالقبائل في العرب) ويرعونهم، والنقباء: زعماء أو عرفاء أسباطهم الاثني عشر، والنقيب: كبير القوم، القائم بأمورهم الذي ينقّب عنها، وعن مصالحهم فيها، وبعثهم: إرسالهم لمقاتلة الجبارين في بيت المقدس. وتاريخ ذلك كما روى ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أنه لما نجا بنو إسرائيل من فرعون وصحبه، أمرهم الله بالسير إلى بيت المقدس، التي كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني جعلتها لكم وطنا، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، ولما توجه موسى عليه السلام لقتال الجبابرة، أمره الله أن يختار اثني عشر نقيبا منهم، ويأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا بتنفيذ ما أمروا به ففعل، فلما دنا من الأرض المقدسة بعث النقباء يستطلعون الأخبار، فرأوا أجساما قوية، وشوكة وقوة، فهابوهم ورجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا، وقد كان موسى نهاهم عن ذلك، فنقضوا العهد إلا نقيبين، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ «1» [المائدة 5/ 23] . وَقالَ اللَّهُ: إِنِّي مَعَكُمْ أي وقال الله لموسى الذي بلغ الوحي إلى بني إسرائيل: إني معكم، أي ناصركم وحافظكم ومعينكم، ومطلع عليكم، ومجازيكم على أعمالكم. وعاهدهم الله بالعهد الإلهي الشامل ومضمونه: لئن أقمتم الصلاة، وأديتموها على الوجه الأكمل، وأعطيتم زكاة أموالكم التي تزكو بها نفوسكم وتطهر، وآمنتم
برسلي التي سترسل لكم بعد موسى، أي صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وعزرتموهم: أي نصرتموهم وآزرتموهم على الحق ومنعتموهم من الأعداء، وأقرضتم الله قرضا حسنا أي أنفقتم في سبيله وابتغاء مرضاته، زيادة على ما أوجبه الله عليكم بالزكاة، لئن فعلتم كل هذا، لأكفرن عنكم سيئاتكم، أي أستر ذنوبكم وأمحوها ولا أؤاخذكم بها، ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار، أي أدفع عنكم المحذور واحصل لكم المقصود. فمن جحد منكم شيئا مما أمرته به، وخالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده، فقد أخطأ الطريق الواضح المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لكم، وعدل عن الهدى إلى الضلال. ثم بيّن تعالى أنهم نقضوا هذا العهد، فجازاهم على فعلهم فقال: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً أي فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم، أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى ورحمة الله، وأنزلنا عليهم المقت والغضب والسخط، وجعلنا قلوبهم غليظة قاسية شديدة، لا تقبل الحق، ولا تتعظ بموعظة: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة 2/ 7] . يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي فسدت أفهامهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وبدلوه وغيروه أي أن التحريف نوعان: تحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير والزيادة والنقص. وتحريف المعاني بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له.
وقد أخبر الله عن تحريفهم وتأويلاتهم في مواضع كثيرة منها: وَيَقُولُونَ: سَمِعْنا وَعَصَيْنا، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَراعِنا، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [النساء 4/ 46] . ومن المعروف تاريخيا وباعتراف اليهود والنصارى أنفسهم: أن التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام وكتبها وأمر بحفظها وكانت نسخة واحدة، قد فقدت باتفاق المؤرخين من اليهود والنصارى عند سبي البابليين لهم وإغارتهم عليهم، ولم يكن عندهم غيرها، ولم يحفظوها، بسبب إحراق البابليين هيكلهم وتخريب عاصمتهم وسبي أحيائهم. أما الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى التي فيها أخبار عن موته وحياته، وأنه لم يقم بعده أحد مثله، فإنها كتبت بعده بزمن طويل، وبعد بضعة قرون، كتبها عزرا الكاهن بما بقي عند شيوخهم الذين بقوا بعد الأسر والقتل، وبعد أن أذن لبني إسرائيل بالعودة إلى بلادهم. وكذلك الإنجيل كتب باعتراف النصارى بعد عيسى بحوالي قرن فأكثر. وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي وتركوا العمل به، رغبة عنه، ونسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم قال ابن عباس: نسوا الكتاب أي طائفة من أصل الكتاب، وتركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وقال الحسن البصري: تركوا عرا دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها، وقال غيره: تركوا العمل، فصاروا إلى حال رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة. وهذا كله لتظل معجزة القرآن الدالة على صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم باقية دائمة، فقد أخبر عن ذلك بعد عدة قرون من موت موسى عليه السلام. وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ يعني مكرهم وغدرهم وخيانتهم لك
ولأصحابك، قال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والخائنة: الخيانة كالقائلة بمعنى القيلولة والخاطئة بمعنى الخطيئة. وقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، والعرب تزيد الهاء في آخر المذكر، كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة «1» . قال الطبري: والصواب من القول أن الله عنى بهذه الآية يهود بني النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه إذ أتاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستعينهم في دية العامريين، فأطلعه الله على ما قد هموا به» . إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ أي ما تزال تطلع على خياناتهم المتكررة الصادرة منهم إلا قليلا منهم وهو من آمن وحسن إيمانه، كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلموا، فلا تخف منهم خيانة. فاعف عما بدر منهم، واصفح عمن أساء منهم، وعاملهم بالإحسان، إن الله يحب المحسنين الذين أحسنوا العفو والصفح عن المسيء، ويثيبهم على إحسانهم، وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: «ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه» وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم «3» . وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم عامل طوائف اليهود الثلاث حول المدينة (وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة) أحسن معاملة في بدء الأمر وأثنائه ونهايته، ففي البداية بعد الهجرة إلى المدينة عقد معهم صلحا معروفا هو وثيقة المدينة، ووادعهم وعاهدهم على المسالمة وألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوا له، وأنهم آمنون
على أنفسهم وأموالهم، ويتمتعون بالحرية الكاملة. وفي أثناء الحياة القائمة على التعايش السلمي نقضوا العهد وخانوا النبي وانضموا إلى معسكر قريش واشتركوا مع العرب في حرب المسلمين، فاكتفى النبي صلّى الله عليه وسلّم بطردهم من جواره. وفي نهاية الأمر لم يعاقب النبي اليهود على خيانتهم وغدرهم، ولكنه أوصى بإجلائهم من جزيرة العرب ومنها الحجاز. ثم ذكر الله تعالى ميثاقه مع النصارى، فقال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّا نَصارى.. أي وكذلك أخذنا العهد والميثاق على النصارى على متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى الناس، ففعلوا كما فعل اليهود، بدلوا دينهم، وخالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، لهذا قال تعالى: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنا.. أي تركوا العمل بأصول دينهم رغبة عنه، فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، فإن طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون متباغضين متعادين، يكفّر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا. وسينبئهم الله يوم القيامة بما صنعوا في الدنيا، وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى ما نسبوه إلى الرب عز وجل من اتخاذ الصاحبة والولد والشريك، ويجازيهم على ذلك بقدر ما يستحقون حتما في الآخرة. والمعروف تاريخيا حتى عند النصارى أنفسهم كما أوضحت أن المسيح لم يكتب مواعظه وتعاليمه، ثم توفي، ولم يكن هناك إنجيل مكتوب، وقد اضطهد اليهود أتباعه وشردوهم وقتلوا أكثرهم، وعلى التخصيص الحواريين الذين كانوا صيادين. وعند ما دخل قسطنطين الملك في الديانة المسيحية، وهدأت الحملة ضد النصارى، أخذوا يكتبون الأناجيل، وهي كثيرة ومختلفة ومتباينة، ولم تظهر
فقه الحياة أو الأحكام:
الأناجيل الأربعة المتداولة إلى الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح عند ما صار للنصارى دولة بتنصر الملك قسطنطين الروماني، والذي من عهده دخلت النصرانية في عهد جديد من الوثنية والفلسفة الإغريقية. هذه الأناجيل المسماة (العهد الجديد) مع كونها مجهولة الأصل والتاريخ وكونها متناقضة متعارضة، أقيم فيها الدين المسيحي على أساس كتب اليهود التي تسمى (العهد العتيق أو القديم) التي لا أصل ثابتا لها كما عرف. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: 1- الإخبار عن نقض اليهود المواثيق، وأن جزاء النقض اللعنة والطرد من رحمة الله تعالى. 2- الاعلام بأن اليهود يحرفون كلام الله المنزل في التوراة، إما تحريف ألفاظ وإما تحريف معان، كما أوضحت. 3- إيثار العفو والصفح على العقاب والمحاربة والقتل والإيذاء. 4- اتخاذ النقباء دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى معرفته من حاجاته الدينية والدنيوية. وتأيد ذلك بالسنة النبوية في الإسلام قال صلّى الله عليه وسلّم لهوازن: «ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» . 5- ودل اتخاذ النقباء أيضا على جواز اتخاذ الجاسوس. 6- إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالله والرسل والإنفاق في سبيل الله سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب ودخول الجنة. فمن انحرف عن ذلك
فقد أخطأ طريق الحق والخير، وعدل عن الهدى إلى الضلال. 7- الإخبار عن النصارى أيضا أنهم نقضوا العهد والميثاق، وأهملوا ما أمرهم به كتابهم ودينهم من أوامر، وما نهاهم عنه من نواه، ولم يؤمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم الذي بشر به الإنجيل والتوراة من قبله، وقد هددهم الله وأوعدهم بالجزاء السيء على ما صنعوا. والخلاصة: إن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله. ويحسن في النهاية إيراد التساؤلات الثلاثة التي أوردها الرازي في الآية وهي «1» : السؤال الأول- لم أخّر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليه؟ الجواب- أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل. والسؤال الثاني- ما معنى التعزير؟ الجواب- قال الزجاج: العزر في اللغة: الرد، وتأويل عزرت فلانا، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه، ولهذا قال الأكثرون: معنى قوله وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي نصرتموهم وذلك لأن من نصر إنسانا فقد ردّ عنه أعداءه.
مقاصد القرآن [سورة المائدة (5) الآيات 15 إلى 16] :
ولو كان التعزير هو التوقير، لكان قوله: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح 48/ 9] تكرارا. والسؤال الثالث- قوله: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟ الجواب- المراد: بإيتاء الزكاة الواجبات، وبهذا الإقراض: الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها. مقاصد القرآن [سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 16] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) الإعراب: يُبَيِّنُ لَكُمْ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من رَسُولُنا. وتقديره: قد جاءكم رسولنا مبينا لكم. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ جملة فعلية في موضع رفع لأنها صفة لكتاب، ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من الْكِتابِ لأنه قد وصف بمبين. البلاغة: وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ فيه استعارة، استعار الظلمات للكفر والنور للإيمان.
المفردات اللغوية:
المفردات اللغوية: تُخْفُونَ تكتمون مِنَ الْكِتابِ التوراة والإنجيل، كإخفاء آية الرجم وصفة النبي صلّى الله عليه وسلّم وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ من ذلك، فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ هو النبي صلّى الله عليه وسلّم وَكِتابٌ مُبِينٌ قرآن بيّن ظاهر يَهْدِي بِهِ أي بالكتاب سُبُلَ السَّلامِ طرق السلامة الظُّلُماتِ الكفر النُّورِ الإيمان بِإِذْنِهِ بإرادته صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: دين الإسلام. سبب النزول: يا أَهْلَ الْكِتابِ..: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: إن نبي الله صلّى الله عليه وسلّم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، والمواثيق التي أخذت عليهم، حتى أخذه أفكل: رعدة من الخوف، فقال: لما كثر فينا جلدنا مائة، وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: يا أَهْلَ الْكِتابِ إلى قوله صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «1» . المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن اليهود والنصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم. وهذا من دلائل نبوته صلّى الله عليه وسلّم، وهو من معجزات القرآن المتعددة في نواحيه. التفسير والبيان: يا أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ووحد الكتاب لأنه خرج مخرج الجنس، قد جاءكم رسولنا محمد صلّى الله عليه وسلّم بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل ووصف الرسول هنا بصفتين:
الأولى- أنه يبين لهم كثيرا مما يخفون، قال ابن عباس: «أخفوا صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأخفوا أمر الرجم، وعفا عن كثير مما أخفوه، فلم يفضحهم ببيانه» . ثم إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بيّن ذلك لهم، وهذا معجز لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم، كان ذلك إخبارا عن الغيب، فيكون معجزا. الصفة الثانية- ويعفو عن كثير، أي لا يظهر كثيرا مما تكتمونه أنتم، وإنما لم. يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين. وهذا يدعوهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا، ولقد كان بيان القرآن لما كتموه سببا في إسلام كثير من أحبارهم. فالصفة الأولى: أنه يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، والصفة الثانية: أنه يسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة في بيانه. روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ فكان الرجم مما أخفوه. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه أي الشيخان: البخاري ومسلم. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم بأنه كتاب واضح، وأن محمدا صلّى الله عليه وسلّم نور، أو الإسلام نور، فالمراد بالنور محمد، وبالكتاب القرآن، وقيل: إن المراد بالنور الإسلام، وبالكتاب القرآن. والقرآن بيّن في نفسه، مبيّن لما يحتاج إليه الناس لهدايتهم. ثم قال تعالى فيما معناه: يهدي بالكتاب من أراد اتباع الدين الذي يرضي الله تعالى، يهديهم طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، وينجيهم من المهالك بإذنه، أي بتوفيقه، فيخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويرشدهم إلى أوضح الطرق، وهو الدين الحق لأن الحق واحد لذاته، وطريقه
فقه الحياة أو الأحكام:
مستقيم واحد، أما الباطل فله شعاب كثيرة وكلها معوجة. أي أنه تعالى ذكر للقرآن ثلاث فوائد أو مقاصد: 1- إن المتبع لما يرضي الله يهديه إلى الطريق المؤدي إلى النجاة والسلامة من الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة باتباع الإسلام لأنه دين الحق والعدل والإخلاص والمساواة. 2- إنه يخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والشرك والوثنية والوهم والخرافة إلى نور التوحيد الخالص. 3- إنه يهدي إلى الطريق الموصل إلى الهدف الصحيح من الدين، وإلى خيري الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم نور كشف زيف أهل الأديان الأخرى، فهو يبين لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) ما يخفونه من كتبهم، من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة، فإنهم كانوا يخفونها. وهو يعفو عن كثير أي يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. فهو مترفع عما لا فائدة فيه. والقرآن الكريم يبين الأحكام وما رضيه الله من طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمّنة من كل مخافة، وهي الجنة، ويخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات بتوفيقه وإرادته، ويرشد إلى الدين الحق.
الرد على معتقدات اليهود والنصارى [سورة المائدة (5) الآيات 17 إلى 19] :
الرد على معتقدات اليهود والنصارى [سورة المائدة (5) : الآيات 17 الى 19] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) الإعراب: أَنْ تَقُولُوا: أن وصلتها في تأويل المصدر في موضع نصب على أنه مفعول لأجله. البلاغة: يَغْفِرُ.. وَيُعَذِّبُ فيه طباق. المفردات اللغوية: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ حيث جعلوه إلها، وهم اليعقوبية: فرقة من النصارى، وساد مذهبهم بعدئذ بين جميع المسيحيين فَمَنْ يَمْلِكُ أي يدفع ويمنع مِنَ اللَّهِ من عذاب الله شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي
سبب نزول:
لا أحد يملك ذلك، ولو كان المسيح إلها لقدر عليه. ويهلك: يميت ويعدم فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ سكون وهدوء من الرسل، أي انقطاع الوحي وعدم ظهور الرسل مدة من الزمن. سبب نزول الآية (18) : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى..: روى ابن إسحاق وابن جرير الطبري وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابن أبيّ، ونعمان بن قصي، وبحريّ بن عمرو، وشاس بن عدي من اليهود، فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوّفنا يا محمد؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ إلى آخر الآية «1» . سبب نزول الآية (19) : يا أَهْلَ الْكِتابِ: روى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهود إلى الإسلام، فرغّبهم فيه وحذّرهم، فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود، اتقوا الله، فو الله لتعلمن أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريمة ووهب بن يهودا: إنا ما قلنا لكم هذا، وما أنزل من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل الله بشيرا ولا نذيرا بعده، فأنزل الله الآية «2» . المناسبة: بعد أن أقام الله الحجة على أهل الكتاب عامة، وأوضح أنهم مقصرون
التفسير والبيان:
معرضون عن الحق بعدم إيمانهم برسالة الإسلام، بيّن ما كفر به النصارى بنحو خاص. التفسير والبيان: كانت فرقة اليعقوبية من النصارى هي القائلة بألوهية المسيح عليه السلام، ثم ساد مذهبهم بين طوائف المسيحيين الثلاث المشهورة وهي الكاثوليك والأرثوذكس، والبروتستانت الذين نشأ مذهبهم منذ أربعة قرون على يد الراهب المصلح (مارتن لوثر) الذي خلص المسيحيين من كثير من التقاليد والخرافات، وانتشر مذهبه في أمريكا وإنجلترا وألمانيا، ولكنه ظل قائلا بالتثليث ويعد الموحد غير مسيحي، ولكن يؤول الأمر في النهاية إلى وصف المسيح بأنه الرب والإله، كما هو مكتوب على أول صفحة في الإنجيل: (كتاب العهد الجديد لربنا ومخلصنا يسوع المسيح) . فجميع فرق النصارى اليوم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم وإن المسيح هو الله، وعمدتهم عبارة في إنجيل يوحنا وهي: (في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت عند الله، والله هو الكلمة) والكلمة في تفسيرهم هي المسيح. وهذا ما وصفهم به القرآن بأنهم يؤلهون المسيح، لذا فقد كفر القائلون بأن الله هو المسيح، ورد الله هذا الزعم الباطل، فقال: يا أيها النبي قل لهؤلاء النصارى: من يقدر على رفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه، بل عن سائر الخلق جميعا، إن أراد أن يهلكهم؟ لا أحد يقدر على هذا، فالله قادر على إهلاك الناس قاطبة، لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه، ولا سلطان لأحد فوق مشيئته وإرادته. وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمه الهلاك، فكيف يكون هو الله؟! الله في الحقيقة هو صاحب الملك المطلق والتصرف الشامل في السموات
والأرض وما بينهما من عالمي الإنس والجن، وجميع الموجودات ملكه وخلقه. والله هو الذي يخلق الأشياء من العدم حسبما يشاء، وعلى وفق حكمته وإرادته، فقد يخلق من تراب من غير أب ولا أم مثل خلق أبينا آدم عليه السلام وخلق أصول أنواع الحيوان، وقد يخلق من أب فقط دون أم كخلق حواء، وقد يخلق من أم بلا أب مثل خلق عيسى عليه السلام. وهذا رد على شبهة النصارى الذين زعموا أن المسيح بشر وإله، له طبيعة بشرية وطبيعة ناسوتية إلهية وهي الغالبة، لكونه خلق على نحو غير معتاد من أم فقط، ولأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وصدرت عنه أعمال عجيبة لا تصدر من بشر. وهي في الحقيقة معجزات خارقة للعادة يجريها الله على يد الأنبياء قاطبة، وهي تحدث بإذن الله ومحض إرادته، لتكون دليلا مؤيدا على صدق النبوات، وصدور تلك المزايا من عيسى وغيره لا تجعل المخلوق خالقا لأنها بمشيئة الخالق. فقد أيد الله موسى عليه السلام بالعصا واليد البيضاء لأن السحر كان سائدا في عصره، وأيد الله عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لأن الطب كان متقدما في زمنه، وأيد الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم بمعجزات كثيرة كانشقاق القمر، وكانت معجزته الخالدة القرآن في أرقى مستوى من البلاغة والفصاحة لأنه بعث بين العرب الذين امتازوا بفصاحة القول نثرا وخطابة وشعرا، فليس إحياء عيسى للموتى- وكان ذلك في حوادث فردية معدودة- سببا للتأليه، فقد أقر بأنه عبد الله ورسوله، وأنه يحيي الموتى بإذن الله، أي بتوفيقه وإرادته وحكمته. والله هو القادر على كل شيء، وهو خالق كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ثم رد الله تعالى على ادعاء اليهود والنصارى القائلين: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن
كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: (أنت ابني بكري) وقال عيسى في الإنجيل للنصارى: (إني ذاهب إلى أبي وأبيكم) يعني ربي وربكم، وجاء في إنجيل متّى في وعظ المسيح على الجبل واصفا الملائكة والمؤمنين الصالحين: (طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون) وقال بولس في رسالته إلى أهل رومية: (لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله) فابن الله في كتبهم بمعنى حبيب الله، وحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، ورد عليهم عقلاؤهم الذين أسلموا بأن هذا يطلق على التشريف والإكرام. ومن المعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما أدعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لدى الله، وحظوتهم عنده، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. فرد الله عليهم عن طريق نبيه: قل لهم: إذا كان الأمر كما زعمتم، فلم يعذبكم الله بذنوبكم في الدنيا، كتخريب الوثنيين مسجدكم الأكبر وبلدكم بيت المقدس، وإزالة ملككم من الأرض، وفي الآخرة التي أعد لكم فيها نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ والأب لا يعذب ابنه، والحبيب لا يعذب حبيبه، فلستم إذن أبناء الله ولا أحباؤه، بل أنتم بشر من جملة ما خلق، ولا يحابي أحدا من عباده، وإنما يغفر لمن يشاء ممن يستحق المغفرة وهم أهل الطاعة، ويعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، وهم العصاة، وهو فعال لما يريد، لا معقّب لحكمه، وهو سريع الحساب، فارجعوا عن غروركم بأنفسكم وسلفكم وكتبكم، فهذا لا ينفعكم، وإنما الذي ينفعكم الإيمان الصحيح، ومنه الإيمان برسالة الإسلام، وصالح الأعمال. والله المالك المطلق والمتصرف المطلق في السموات والأرض وما بينهما، وجميع المخلوقات عبيد له، وهم ملكه وتحت قهره وسلطانه: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ
وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم 19/ 93] وإنما قال: وَما بَيْنَهُما بعد ذكر السموات والأرض، ولم يقل: بينهن، إشارة إلى الصنفين والنوعين. وإليه المصير أي إلى الله تعالى المرجع والمآب، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور، وهذا إنذار لهم بأنه سيعذبهم في الآخرة على كفرهم ودعاويهم الباطلة. وقد كرر تعالى جملة: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ للرد على كل من النصارى الذين ادعوا ألوهية المسيح، والله مالكه وقادر على إهلاكه، وعلى اليهود والنصارى أيضا، لبيان قدرته على المغفرة لمن يشاء وتعذيب من يشاء وإبطال دعاويهم الزلفى والحظوة عند الله، فإن ميزان القربى من الله هو الإيمان والعمل الصالح، لا الوراثة ولا الامتياز العنصري أو الجنسي، فليس صحيحا أن اليهود شعب الله المختار، وليس لشعب مزية على آخر. ثم خاطب الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المصدق لما معهم والمعقب لجميعهم، وهو الذي بشّرتم به في كتبكم، وأخبركم به أنبياؤكم، جاءكم يبين لكم على فترة من الرسل، أي على انقطاع منهم وطول عهد بالوحي، وبعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، يبين لكم ما أنتم بحاجة إليه من أحكام دينكم ودنياكم من عقائد أفسدتها الوثنية، وأخلاق أفسدها الإفراط في المادية، وعبادات أفرغتم محتواها وصارت مجرد طقوس لا معنى لها ولا روح فيها، ويبين لكم أيضا ما أشكل عليكم من أمر دينكم. ومن المعلوم أن بين آدم ونوح عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة، وبين ميلاد عيسى والنبي صلّى الله عليه وسلّم خمسمائة وتسع وستون سنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أَنْ تَقُولُوا: ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ أي لئلا تحتجوا وتقولوا، يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يبشر من أطاعه بالجنة وهو من آمن بالله وعمل بما أمر به وانتهى عما نهى عنه. وينذر من عصاه وخالف أمر الله بالنار، يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال الطبري: معناه: إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني «1» . ومن دلائل قدرة الله نصر نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم وإعلاء كلمته في الدنيا، وعلو منزلته في الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية الأولى: لَقَدْ كَفَرَ ... كفر النصارى بقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، أي يدينون له. وأعلمهم الله أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أمه، ولم يتمكن من دفع الموت عنها، فلو أهلكه هو أيضا، فمن يدفعه عن ذلك أو يرده؟! والمسيح وأمه مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للألوهية، وإنما الله هو مالك السموات والأرض وما بينهما من النوعين والصنفين، يخلق ما يشاء كخلق عيسى من أم بلا أب آية لعباده، والله قادر على كل شيء. وأبطلت الآية الثانية: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى دعاوى اليهود والنصارى معزتهم وحظوتهم عند الله، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، فإن صح ما يزعمون فلم أنزل العذاب بهم في الدنيا من هزيمة وتخريب وتدمير ديارهم وتشريدهم، وأعد لهم عذاب جهنم لكفرهم ومعاصيهم، فليسوا إذن أبناء الله وأحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرّون بعذاب العصاة منكم،
تذكير موسى قومه بنعمة الله ومطالبتهم بدخول الأرض المقدسة وموقفهم الرافض [سورة المائدة (5) الآيات 20 إلى 26] :
فذلك دليل على كذبكم. وإنما هم في الحقيقة كسائر البشر يحاسبهم على الطاعة والمعصية. وأوضحت الآية الثالثة: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا مهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم في تبيان أمر النجاة والسعادة الأبدية، وإناطتها بالإيمان والعمل الصالح، فالجنة لمن أطاع الله ورسوله، والنار لمن عصى الله ورسوله، وفي تقرير أحكام الحياة وقوانين المجتمع لئلا أو كراهية أن تقولوا: ما جاءنا من مبشر ولا منذر. وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلّى الله عليه وسلّم خمسمائة وتسع وستون سنة. تذكير موسى قومه بنعمة الله ومطالبتهم بدخول الأرض المقدسة وموقفهم الرافض [سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26)
الإعراب:
الإعراب: أَنْبِياءَ ممنوع من الصرف لأن فيه ألف التأنيث. خاسِرِينَ منصوب على الحال من واو فَتَنْقَلِبُوا وهو العامل في الحال. قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ.. مِنَ الَّذِينَ: في موضع رفع صفة رَجُلانِ وكذلك قوله تعالى: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا جملة فعلية في موضع رفع صفة رَجُلانِ. أَبَداً ما دامُوا فِيها أبدا: منصوب ظرف زمان. وما في ما دامُوا ظرفية زمانية مصدرية، وتقديره: لن ندخلها أبدا مدة دوامهم فيها. وما دامُوا: في موضع نصب على البدل من قوله تعالى: أَبَداً وهو بدل بعض من كل. إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي: أَخِي إما منصوب عطفا على نَفْسِي، أو عطفا على اسم رَجُلانِ ويحذف خبره لدلالة الأول عليه وتقديره: وإن أخي لا يملك إلا نفسه وإما مرفوع بالابتداء عطفا على موضع (إن وما عملت فيه) ويضمر الخبر كالأول أو معطوف على ضمير أَمْلِكُ وحسن العطف على الضمير المرفوع لوجود الفصل بين المتعاطفين. أَرْبَعِينَ سَنَةً ظرف منصوب، ويتعلق بيتيهون فيكون التحريم مؤبدا، أو يتعلق بمحرّمة فلا يكون التحريم مؤبدا، وجملة يَتِيهُونَ حالية من الهاء والميم في عَلَيْهِمْ. البلاغة: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً تشبيه بليغ، أي كالملوك في رغد العيش والطمأنينة، فحذف أداة الشبه ووجه الشبه. أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا جملة اعتراضية لبيان مدى فضل الله على الصالحين. المفردات اللغوية: جَعَلَ فِيكُمْ منكم. مُلُوكاً أحرارا تملكون أنفسكم وأموالكم وأهلكم بعد أن كنتم في أيدي القبط، وصرتم أصحاب خدم وحشم.
المناسبة:
ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك. الْمُقَدَّسَةَ المطهرة. كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أمركم بدخولها وهي الشام. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ تتراجعوا وتنهزموا خوف العدو. خاسِرِينَ في سعيكم. جَبَّارِينَ جمع جبار: وهو الرجل الطويل القوي المتكبر. قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ قال لهم رجلان يخافون مخالفة أمر الله، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثني عشر الذين بعثهم موسى عليه السلام لكشف أحوال الجبابرة. أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالعصمة، فكتما ما اطلعا عليه من حالهم إلا عن موسى، بخلاف بقية النقباء، فأفشوا، فجبن القوم. ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ باب القرية، ولا تخشوهم، فإنهم أجساد بلا قلوب. فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ قالا ذلك تيقنا بنصر الله وإنجاز وعده. قاعِدُونَ عن القتال. قالَ أي موسى حينئذ. رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وإلا أَخِي ولا أملك غيرهما، فأجبرهم على الطاعة. فَافْرُقْ فافصل. فَإِنَّها أي الأرض المقدسة. مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أن يدخلوها. يَتِيهُونَ يتحيرون. فَلا تَأْسَ تحزن. المناسبة: الواو في قوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ واو عطف، وهو متصل بقوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى عليه السلام نعم الله تعالى، وأمرهم بمحاربة الجبارين، فخالفوا في القول في الميثاق، وخالفوه في محاربة الجبارين. أي بعد أن أقام الله الدليل على صحة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وناقش أهل الكتاب في ذلك، ذكر موقفين من مواقف اليهود يدلان على عنادهم، أولهما: جحود نعم الله الكثيرة عليهم، وثانيهما: عصيانهم أوامر موسى بدخول أرض فلسطين ومحاربة الجبارين، ليكون ذلك مواساة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعريفا له أن صدودهم عن الحق خلق متأصل فيهم.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن كليمه موسى بن عمران عليه السلام حينما ذكّر قومه بنعم الله عليهم في جمعه لهم بين خيري الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريق الاستقامة. فقال: واذكر يا محمد لبني إسرائيل وسائر الناس الذين تبلغهم دعوتك حين قال موسى لقومه بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه: تذكروا نعما ثلاثا: 1- تذكروا نعمة الله عليكم بتتابع الأنبياء فيكم من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، حتى ختموا بعيسى عليه السلام، ثم أوحى الله إلى خاتم النبيين من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وبنو إسرائيل من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكان جميع أنبيائهم من بعد موسى يحكمون بالتوراة. ومن المعلوم: أن النبوة: هي الإخبار ببعض الأمور الغيبية التي تقع في المستقبل بوحي أو إلهام من الله عز وجل. والخلاصة: أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء. 2- وجعلكم ملوكا، أي أحرارا بعد أن كنتم مملوكين في أيدي القبط، فأنقذكم الله، فسمى إنقاذكم ملكا. وقيل: الملك: هو من له مسكن وخادم، وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق. والخلاصة: أنهم أحرار عندهم ما يكفيهم من زوجة وخادم ودار، بدليل ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا» وروى أبو داود أيضا عن زيد بن أسلم: «من كان له بيت وخادم فهو ملك» وعرف اليوم يؤيد هذا، فيقال للمخدوم المالك مسكنه الهانئ في معيشته: «ملك زمانه» . 3- وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين: عالمي زمانهم، من فلق البحر،
وإغراق العدو، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الأمور العظام. ثم أمرهم موسى بدخول فلسطين ومجاهدة الأعداء فقال لهم: يا قوم الأرض المقدسة (الطاهرة) : أرض بيت المقدس، أو فلسطين، للسكنى لا للملك لأن بيت المقدس مقر الأنبياء ومسكن المؤمنين الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي قسمها لكم وسماها، فقد وعد الله إبراهيم بحق السكنى في تلك البلاد المقدسة، لا أنها ملك لهم لأن هذا مخالف للواقع، فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنه لا بد أن يعود لهم ذلك الملك ليس بصحيح لأن الله قال بعدئذ: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ قال ابن عباس: كانت هبة، ثم حرمها عليهم بشؤمهم وعصيانهم. ولأن قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مشروط بقيد الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أي لا تتراجعوا وتدبروا من خوف الجبابرة، ولا تنكلوا عن الجهاد، فتصبحوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة. وقيل: المراد لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى عليه السلام، وإلى الوثنية والفساد في الأرض. قال النقباء الذين أرسلهم موسى عليه السلام للتجسس في الأرض المقدسة: إن فيها قوما جبارين أي طوالا عتاة يجبرون الناس على ما أرادوا. وكانوا من الكنعانيين، وإنا لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها، فإن خرجوا منها فإنا داخلون فيها. وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف 7/ 40] .
وهذا دليل آخر على امتناعهم عن الدخول، وعدم أحقيتهم بشيء من تراب فلسطين الطاهرة. قال رجلان من النقباء الذين يخافون الله تعالى- وقد أنعم الله عليهما بالهداية والإيمان والطاعة والتوفيق لما يرضيه، والثقة بعون الله تعالى، والاعتماد على نصرة الله، وهما الرجلان الصالحان من قوم موسى: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا- قالا: ادخلوا عليهم باب المدينة، فإذا فعلتم ذلك نصركم الله، وأيدكم بجنده، وكنتم الغالبين. وإن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، والتوكل على الله صفة المؤمنين. ومع هذا كرر اليهود الرفض وأصروا على العناد والتمرد، ولم تنفعهم عظة الرجلين الصالحين شيئا، وقالوا يا موسى: لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، وأبدا: تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، وقولهم: ما دامُوا فِيها بيان للأبد، فاذهب أنت وربك الذي أمرك بالجهاد والخروج من مصر والإتيان إلى هنا، فقاتلا الجبارين، إنا هاهنا قاعدون عن الجهاد منتظرون. وهذا قول في غاية التنكر لموسى عليه السلام، والبعد عن الأدب معه. فقال موسى غاضبا حزينا باثا شكواه إلى الله وحسرته، معتذرا من عصيان قومه: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي أي لا يطيعني أحد منهم، فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون. وفي هذا إيماء إلى أنه لم يكن على ثقة من ثبات يوشع وكالب حال وجود العدد القليل، فاقض وافصل بيني وبين هؤلاء الفاسقين الخارجين عن طاعتك، فتحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون.
وهذا في معنى الدعاء عليهم. ولذلك وصل به قوله: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ على وجه التسبيب. ويصح أن يكون المعنى: فباعد بيننا وبينهم، وخلصنا من صحبتهم كقوله تعالى: وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم 66/ 11] . قال الله تعالى لما دعا عليهم موسى عليه السلام حين نكلوا عن الجهاد: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أي إن الأرض المقدسة محرم عليهم دخولها قدر مدة أربعين سنة، فتاهوا في صحراء مقفرة أي ساروا فيها متحيرين لا يهتدون طريقا، والتيه: المفازة أو البيداء أو البرية التي يتاه فيها، لا يدرون أين مصيرهم. روي أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ (وقال ابن عباس: وهي تسعة فراسخ) يسيرون في كل يوم جادّين، حتى إذا سئموا وأمسوا، إذا هم في الموضع الذي ابتدؤوا منه، يسيرون ليلا، وقد يسيرون نهارا، وكان يطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء لهم، ويظللهم الغمام من حر الشمس نهارا، وينزل عليهم المن والسلوى، حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين. قيل: وكانوا ستمائة ألف، ومات هارون في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة، وكان رحمة لهما وعذابا لأولئك، وسأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فأدناه. ونبئ يوشع بعد سن الأربعين، وأمر بقتال الجبارين، فسار بمن بقي، وقاتلهم، وكان يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم. روى أحمد في مسنده حديثا: «إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع، ليالي سار إلى بيت المقدس» . وتتمة كلام الله تسلية لموسى عنهم: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي فلا تحزن على القوم المتمردين فيما حكمت عليهم به، فإنهم مستحقون لذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
وتساءل الزمخشري وغيره: كيف يوفق بين قوله فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ وبين قوله الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وأجابوا بوجهين: أحدهما- أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلما أبوا الجهاد قيل: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ. والثاني- أن يراد فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، فإذا مضت الأربعون، كان ما كتب «1» . فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت هذه القصة تقريع اليهود وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمر به كل منهما من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مقاتلة الأعداء، مع أن معهم موسى كليم الله يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، بالرغم مما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من إغراقه مع جنوده في اليم، وهم ينظرون، لتقر به أعينهم. وإذا كان أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه، فكذلك أحفادهم تمردوا على محمد عليه السلام، وهو تسلية له. وهذا يدل على قبح طبائع اليهود وإمعانهم في مخالفة أوامر الله، بالرغم من تذكير موسى لهم بنعم الله الكثيرة عليهم وأهمها ثلاث: 1- بعث كثير من الأنبياء في بني إسرائيل. 2- وجعلهم ملوكا: أي يملكون أمرهم لا يغلبهم فيه غالب، بعد أن كانوا مملوكين لفرعون مقهورين، فأنقذهم الله وأغرق عدوهم.
3- وإعطاؤهم ما لم يعط أحد من عالمي زمانهم. وقد أمرهم موسى بمجاهدة الأعداء من الكنعانيين الجبارين في فلسطين، وبدخول الأرض المقدسة (المطهرة أو المباركة) فتمردوا وأبوا الدخول، بالرغم من تبشير الرجلين الصالحين من النقباء (يوشع وكالب) لهم بالنصر والغلبة والفتح، وقالا: ولا يهولنكم عظم أجسامهم، فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة. وتمادوا بعناد وإفراط على الله، فرفضوا الدخول إلى الأرض المقدسة وقالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وهذا منهم كفر لأنهم شكّوا في رسالة موسى. فدعا موسى عليه السلام عليهم، وطلب فصل القضاء بينه وبينهم. فاستجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة، ومات هارون وموسى في التيه. روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» قال: فرد الله إليه عينه وقال: «ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة» قال: «أي رب ثم مه» قال: «ثم الموت» قال: «فالآن» فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فلو كنت ثمّ، لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» . وفعل موسى مع الملك لأنه لم يعرفه، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه، يريد نفسه، فدافع عن نفسه، فلطم عينه، ففقأها. وكان العقاب الإلهي لبني إسرائيل المتمردين عن الطاعة هو تصفيتهم وتجديد بنية الشعب، وظهور جيل جديد من الشباب يتحملون المسؤولية، وكانوا أهلا للجهاد ومقاومة الجبارين، وجعلهم أئمة وارثين.
قصة قابيل وهابيل وأول جريمة قتل في الدنيا [سورة المائدة (5) الآيات 27 إلى 32] :
قصة قابيل وهابيل وأول جريمة قتل في الدنيا [سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 32] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) الإعراب: إِنِّي أُرِيدُ.. أصله: إنني بثلاث نونات، فحذفت الثانية لأنه أقل تغييرا من حذف الأولى والثالثة. أَوْ فَسادٍ.. مجرور بالعطف على: نَفْسٍ. وقرئ: فسادا: بالنصب على المصدر. البلاغة: قَتَلَ.. وأَحْيَا بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
وَمَنْ أَحْياها فيه استعارة، والمراد استبقاها لأن إحياء النفس حقيقة من مقدورات الله وحده. لَئِنْ بَسَطْتَ.. ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ بينهما طباق السلب. المفردات اللغوية: وَاتْلُ أي اقرأ يا محمد عَلَيْهِمْ على قومك نَبَأَ خبر ابْنَيْ آدَمَ هابيل وقابيل بِالْحَقِّ متعلق باتل إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ما يتقرب به إلى الله تعالى من الذبائح وغيرها، وهو مصدر في الأصل، يستوي فيه الواحد وغيره، وقربانهما: كبش لهابيل وزرع لقابيل فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل، بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وهو قابيل، فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ اللام لام القسم، أي لئن مددت يدك إلي لتقتلني. تَبُوءَ ترجع بعقاب يعادل الإثم، وباء بالنعمة وباء بالذنب: التزم وأقر فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ زينت وشجعت مِنَ الْخاسِرِينَ بقتله، ولم يدر ما يصنع به لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله على ظهره يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت معه، حتى واراه يُوارِي يستر سَوْأَةَ أَخِيهِ ما يسوء ظهوره وهو العورة والمراد الجثة. يا وَيْلَتى الويلة: الفضيحة والبلية، أي وا فضيحتاه، والويل: حلول الشر. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ بسبب ذلك الذي فعله قابيل بِالْبَيِّناتِ الآيات الواضحة أَنَّهُ أي الشأن بِغَيْرِ ... فَسادٍ فِي الْأَرْضِ أي بغير فساد أتاه من كفر أو زنى أو قطع طريق أو نحوه أَحْياها امتنع عن قتلها لَمُسْرِفُونَ مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك، والإسراف البعد عن حد الاعتدال. المناسبة: أورد الله تعالى هذه القصة لبيان تأثير الحسد والحقد وحب الذات، وأن ذلك يؤدي إلى المخاطر والمهالك والقبائح، فقضى على رابطة الأخوة التي تجمع بين الأخوين، وأدى إلى سفك الدماء. وأمثلة ذلك كثيرة، فبعد أن ذكر تعالى حسد اليهود للنبي صلّى الله عليه وسلّم، حتى هموا أن يقتلوه مع صحابته، ذكر هنا قصة ابني آدم، حسدا من الأخ على أخيه، فوجه اتصال الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى
التفسير والبيان:
على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن سوء عاقبة الحسد في قصة ابني آدم وهما قابيل وهابيل، كيف قتل الأول أخاه، بغيا عليه، وحسدا له فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بالمغفرة ودخول الجنة، وخاب القاتل وخسر في الدارين، فقال: اقرأ يا محمد، واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة حفدة القردة والخنازير، من اليهود وأمثالهم خبر ابني آدم، وهما قابيل وهابيل، في رأي جماعة من السلف والخلف، اقرأ واتل ذلك عليهم بالحق، أي بالبيان الصحيح الواقعي الواضح الذي لا كذب ولا وهم ولا زيادة ولا نقصان فيه، كما قال تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران 3/ 62] وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف 18/ 13] وقال: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ [مريم 19/ 34] . وسبب القصة: أن الله تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، فكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فيزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا بتقريب قربان، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل. اتل عليهم حين قربا قربانا، فتقبل الله من هابيل قربانه وهو الكبش السمين لتقواه وإخلاصه، ولم يتقبل من قابيل قربانه وهو زرع قليل من سنبل القمح، لقلة التقوى والإخلاص. وكيف كان القبول؟ روي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما أن أحدهما كان صاحب حرث
وزرع، فقرّب شرّ ما عنده وأردأه، غير طيبة به نفسه، وكان الآخر صاحب غنم، وقرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة به نفسه. وذكر بعضهم أن القربان المقبول كانت تجيء النار من السماء لتأكله، ولا تأكل غير المقبول. فصعد الأخوان مع أبيهم آدم الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلس الثلاثة، وهم ينظرون إلى القربان، فبعث الله نارا، حتى إذا كانت فوقهما، دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل. فقال قابيل: يا هابيل، تقبّل قربانك، وردّ علي قرباني، لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين، أي الذين يخافون عقاب الله باجتناب الشرك وسائر المعاصي كالرياء والشح واتباع الأهواء، قال تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران 3/ 92] وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا» . فلما قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله، كيف يجزيك بعملك؟ فقتله وطرحه في حفرة من الأرض، وحثا عليه التراب. وقال هابيل الرجل الصالح: إن مددت إلي يدك لتقتلني، لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنت وأنا سواء في الخطيئة، ثم بيّن علة امتناعه عن القتل: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أي إني أخشى عقاب الله وعذابه من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب لأن الاعتداء على الأرواح من أكبر الجرائم. وفي هذا التصريح بعدم الإقدام على جريمة القتل، فلا ينطبق عليه الوضع الوارد في الحديث الذي رواه أحمد والشيخان وغيرهم من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل! فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» .
ثم تابع هابيل المقتول عظته البالغة المؤثرة المذكرة بعذاب الآخرة، لعلها تمنع أخاه من قتله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي إني أريد بالابتعاد عن مقابلة الجريمة بمثلها أن تتحمل إثمي وإثمك، وتلتزم بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي، وهذا رأي أكثر العلماء. وحينئذ تكون بما حملت من الإثمين من أهل النار في الآخرة، والنار جزاء كل ظالم، قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبي موسى الأشعري: «كن كخيري ابني آدم» . يتبين من هذا أنه نفّره وحذره من القتل بثلاث مواعظ: الخوف من الله، تحمل الإثمين: إثم القتل وإثم نفسه، كونه من أصحاب النار ومن الظالمين. ثم أخبر تعالى أن هذه المواعظ كلها لم ينزجر بها، فحسّنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه، فقتله، فأصبح من جملة الذين خسروا أنفسهم من الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من جريمة القتل هذه؟! ثم حار القاتل وضاقت به الدنيا ولم يدر كيف يفعل بجثة أخيه، فاستفاد من تجربة غيره وهو الغراب، مما دل على جهله وسذاجته وقلة معرفته. فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له حفرة، ثم حثا عليه التراب، فلما رآه قال: وا فضيحتي، وهذا اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟! أي هل بلغ عجزي وضعفي وقلة معرفتي أن كنت دون الغراب علما وتصرفا؟ فدفن أخاه، ووارى جثته، وأصبح نادما على ما فعل، وهذا شأن كل مخطئ، يرتكب المعصية، ثم يندم عليها. إلا أنه لم تقبل توبته، بالرغم من المبدأ المعروف في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الندم توبة» «1» لأنه لم يندم ولم يتب من المعصية، وإنما كان ندمه على قتل أخيه
لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته «1» ، لذا كان من الذين سنوا سنة سيئة، عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل- نصيب- من دمها لأنه أول من سنّ القتل» . ومن نتائج هذا القتل، وبسبب هذا الجرم الفظيع، والفعل القبيح الذي فعله أحد الأخوين بالآخر ظلما وعدوانا تقرر تشريع القصاص، وفرض حكمه على بني إسرائيل لأن التوراة أول كتاب حرّم فيه القتل، وذلك الحكم: أن من قتل نفسا بغير نفس أي بغير سبب موجب للقصاص الذي شرعه الله تعالى بقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها- أي في التوراة- أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.. الآية [المائدة 5/ 45] ، أو قتل بغير سبب فساد في الأرض بالإخلال بالأمن والطمأنينة، كقطاع الطرق وعصابات اللصوص، فاستحل القتل بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعا لأنه لا فرق عند الله بين نفس ونفس، والعدوان على نفس عدوان على المجتمع البشري كله، لذا قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً، فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [النساء 4/ 93] . ومن أحياها أي حرم قتلها، وامتنع من القتل، فكأنما أحيا الناس جميعا، بتوفير الأمن والطمأنينة لهم، وإزالة القلق والهلع من نفوسهم. وهذا دليل على أن نفس الإنسان ليست ملكه، وإنما هي ملك للمجتمع الذي يعيش فيه، فمن اعتدى على نفس ولو بالانتحار، استحق العذاب الشديد يوم القيامة، ومن أحيا نفسا بأي سبب كان، فكأنما أحيا الخلق كلهم. ثم وجه الله تعالى تقريعا وتوبيخا لبني إسرائيل على ارتكابهم المحارم بعد
فقه الحياة أو الأحكام:
علمهم بها، وإسرافهم في القتل، وغلظة نفوسهم في الماضي وفي عهد النبوة، مثل فعل بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع من اليهود حول المدينة، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج في حروب الجاهلية، ويقاتلون مع المشركين في حروبهم ضد المسلمين بعد الهجرة. ومضمون التوبيخ: أن رسل الله الكرام جاءوهم بالبينات، أي بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة الدالة على الأحكام المقررة عليهم، المستهدفة تهذيب نفوسهم وتطهير أخلاقهم، ومع ذلك كان الكثيرون منهم مسرفين في القتل وفي ارتكاب جرائم البغي والعدوان. وهذا وإن كان صادرا من أسلاف اليهود في الماضي، فهو منسوب أيضا إلى الأمة بكاملها لرضا الخلف عن فعل السلف، فكانت الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها كالجسد الواحد. فقه الحياة أو الأحكام: العبرة في قصة ابني آدم أن الحسد كان سبب أول جريمة قتل في البشر، وأنه هو أسّ المفاسد والمعايب والرذائل في المجتمع، فالأمة المتحاسدة متمزقة متعادية متباغضة، لا تجتمع على خير، ولا تلتقي على فضيلة، ولا تتعاون على برّ وصلاح وتقدم، مما يؤدي إلى الضعف والذل والهوان وعبودية أفرادها لمن سواهم. والمستفاد من الآية أنه إن همّ اليهود بالفتك بمحمد، فليس ذلك جديدا عليهم، فقد قتلوا الأنبياء قبله، وقتل قابيل هابيل، والشر قديم، والتذكير بهذه القصة مفيد لأنها قصة صدق، وليست حديثا موضوعا من نسج الخيال، وفيها تبكيت لمن خالف الإسلام، وتسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم. وجمهور المفسرين على أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، وهما قابيل وهابيل وكان قربان قابيل حزمة من سنبل لأنه كان صاحب زرع، واختارها من أردإ زرعه، بل إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها وكان قربان هابيل كبشا
لأنه كان صاحب غنم، أخذه من أجود غنمه، فتقبّل قربانه، قال القرطبي: فرفع إلى الجنة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام، قاله سعيد بن جبير وغيره. وسبب القصة: التنازع على الزواج من أخت قابيل توأمته المولودة معه، فقد كان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته توأمته، فولدت حواء مع قابيل أختا جميلة واسمها «إقليمياء» ومع هابيل أختا ليست كذلك، واسمها «ليوذا» فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على تقديم القربان «1» . وكانت النتيجة قبول قربان هابيل لصلاحه بدليل قوله لأخيه: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة فمن اتقاه وهو موحّد فأعماله المصدّقة لنيته مقبولة وأما المتقى الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة. وكان استسلام هابيل لتهديد أخيه قابيل بالقتل معتمدا على أسس ثلاثة: الخوف الحقيقي من الله تعالى، والخشية من تحمل إثمين: إثم قتله وإثم فعل المقتول الذي عمله قبل القتل، والابتعاد عن أن يكون من أصحاب النار ومن الظالمين. وهذه المبادئ من أصول المواعظ التي تنفر من الإقدام على جريمة القتل وغيرها. ودل قوله: فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. واستدل بعضهم بهذا القول على أن قابيل كان كافرا لأن لفظ أَصْحابِ النَّارِ إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن.
قال القرطبي: وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى مِنْ أَصْحابِ النَّارِ مدة كونك فيها «1» . وإقدام قابيل على القتل جعله من الخاسرين في الدنيا والآخرة، وتضمنت الآية بيان حال الحاسد، حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة، وأمسّهم به رحما، وأولاهم بالحنو عليه. ودلت الآية: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً على الاستفادة من تجارب الآخرين. وبالرغم من أن قابيل أصبح من النادمين، فلم يكن ندمه جاعلا له من التائبين لأن ندمه لم يكن على القتل وإنما على حمل أخيه على ظهره سنة، أو لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه أبواه وإخوته، أو لأجل ترك أخيه بالعراء استخفافا به بعد قتله، فلما رأى فعل الغراب بدفن الغراب الآخر ندم على قساوة قلبه «2» . ودلت آية: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ.. على تشريع القصاص في حق القاتل على بني إسرائيل. وقوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما ذكر في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام وهو القتل العمد العدوان، ومنها قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ومنها قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ. وتخصيص بني إسرائيل بالذكر، وإن كان القتل حراما والقصاص عاما في جميع الأديان والملل لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء، فهم مع علمهم بشناعة القتل أقدموا على قتل الأنبياء
حد الحرابة أو حكم قطاع الطرق [سورة المائدة (5) الآيات 33 إلى 34] :
والرسل، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى. وكان تخصيص بني إسرائيل مناسبا أيضا لما عزموا عليه من الفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبأكابر أصحابه «1» . والقتل حرام في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس ظلما وتعديا. وقوله: أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ هو الشرك، وقيل: قطع طريق. وقتل نفس بمثابة قتل جميع الناس، وإحياؤها بمثابة إحياء جميع الناس. ودلت الآية أيضا على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة لأنه تعالى قال: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا أي أن تشريع تلك الأحكام معلل بتلك المعاني. حد الحرابة أو حكم قطاع الطرق [سورة المائدة (5) : الآيات 33 الى 34] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)
الإعراب:
الإعراب: إِنَّما جَزاءُ ... : ما: من إنما كافة. وجَزاءُ الَّذِينَ: مبتدأ مرفوع، وخبره: أَنْ يُقَتَّلُوا. فَساداً منصوب على المصدر في موضع الحال. وأَوْ في قوله: أَوْ يُصَلَّبُوا وما بعده للتخيير في رأي بعضهم أي أن الحكم فيه للإمام على اجتهاده، أو للتنويع في رأي آخر. إِلَّا الَّذِينَ ... الَّذِينَ: مستثنى منصوب: لأنه استثناء من موجب، وهو الَّذِينَ يُحارِبُونَ وهم المعاقبون عقاب قطع الطريق خاصة. البلاغة: يُحارِبُونَ اللَّهَ مجاز على حذف مضاف أي يحاربون عباد الله لأن الله لا يحارب ولا يغالب. المفردات اللغوية: يُحارِبُونَ أي يحاربون المسلمين وغيرهم في دار الإسلام، من المحاربة، وهي مأخوذة من الحرب ضد السلم والأمن على النفس والمال. وأصل معنى كلمة الحرب: التعدي وسلب المال. فَساداً الفساد: ضد الصلاح، والمراد بالفساد هنا قطع الطريق بتخويف المارّة والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض أَنْ يُقَتَّلُوا التقتيل: المبالغة في القتل لإرهاب المفسدين أَوْ يُصَلَّبُوا التصليب: المبالغة في الصلب، والصلب في رأي الشافعي وأحمد: يكون بعد القتل ثلاثة أيام، بأن يربط على خشبة ونحوها منتصب القامة ممدود اليدين. أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أي أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى. أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ومعناه عند المالكية: أن ينقلوا إلى بلد آخر من بلاد الإسلام إذا كانوا مسلمين، فإن كانوا كفارا جاز نفيهم إلى بلد إسلامي أو بلد من بلاد أهل الحرب. والنفي عند الحنابلة: أن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلد. وعند الحنفية والشافعية معناه: الحبس. وحرف أَوْ للتنويع وترتيب الأحوال عند الجمهور، فالقتل لمن قتل فقط، والصلب لمن قتل وأخذ المال، والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل، والنفي لمن أخاف فقط، كما قال ابن عباس. وأَوْ عند المالكية للتخيير، يتخير الإمام فيهم ما يناسب. خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ذل وفضيحة عَذابٌ عَظِيمٌ هو عذاب النار إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من المحاربين وقطاع الطرق مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أي من قبل التمكن من عقابهم فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم ما أتوه رَحِيمٌ بهم. والتعبير بالمغفرة والرحمة للدلالة على أن التوبة لا تسقط
سبب النزول:
إلا حقوق الله وحدوده، دون حقوق الآدميين، كما ذكر السيوطي، فإذا قتل قاطع الطريق أحدا، وأخذ المال وتاب، يقتل ويقطع ولا يصلب، وهو أصح قولي الشافعي، ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا، وهو أصح قوليه أيضا. سبب النزول: نزلت هذه الآية في قطّاع الطرق، لا في المشركين ولا في المرتدين، كما قيل بكل فإن كلا منهما إذا تاب، قبلت توبته، سواء أكانت التوبة قبل القدرة عليهم أم بعدها، أما قطاع الطريق فيسقط عنهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم. روى البخاري ومسلم عن أنس: أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة «1» ، فأمر لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بزود من الإبل «2» وراع، وأمرهم أن يخرجوا إلى الصحراء، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة، كفروا بعد إسلام، وقتلوا الراعي- وفي رواية: مثّلوا به، واستاقوا الزود من الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبعث في طلبهم، فأتوا فأمر بهم، فسملوا أعينهم «3» ، وقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتركوا حتى ماتوا، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد على أنه لا يعينه ولا يعين عليه، وأنه إن مرّ به أحد من المسلمين، أو مرّ عليه من يقصد النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يتعرض له بسوء، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم من بني هلال، وكان هلال غائبا، فقطعوا عليهم الطريق، وقتلوا منهم، وأخذوا أموالهم.
المناسبة:
وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا الطريق على المسلمين. ولا مانع من تعدد سبب النزول، وهي تتناول كل من اتصف بصفة المحاربة، سواء أكان كافرا أم مسلما، فإن كانت الآية قد نزلت في الكفار، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى خطورة جريمة القتل وأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، وما رتب عليه من تشريع القصاص، ذكر هنا عقاب المحاربين الذين يفسدون في الأرض ويرتكبون القتل غالبا، حتى لا يجرأ أحد على المحاربة. التفسير والبيان: هذه آية المحاربة وهي المضادة والمخالفة الشاملة لجريمة الكفر وقطع الطريق وإخافة السبيل والإفساد في الأرض، وبما أن هذه الجريمة تمس أمن المجتمع كله وتهز كيانه وتنشر الرعب والقلق والخوف في أوساط الناس الآمنين، شدد الله تعالى في عقوبة المحاربين: وهم الذين لهم قوة ومنعة وشوكة، ويتعرضون للمارة من المسلمين أو أهل الذمة، ويعتدون على الأرواح والأموال والأعراض. وعقابهم أو جزاؤهم على سبيل الترتيب والتوزيع على حسب جناياتهم، وتكون أَوْ للتنويع، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخذ المال فقط قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالا، نفي من الأرض. وهذا رأي أكثر العلماء وأئمة المذاهب. وقال المالكية: الآية تدل على التخيير بين الجزاءات، عملا بما تقتضيه أَوْ فيخير الإمام بين تطبيق إحدى هذه العقوبات حسبما يرى من المصلحة،
وإن لم يأخذ المحاربون مالا ولم يقتلوا نفسا، أي أن الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم إما بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي، عملا بظاهر الآية. وقصر الإمام أبو حنيفة التخيير على محارب خاص وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، فيخير الإمام بين هذه العقوبات الأربع: إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء صلبه فقط، وإن شاء قتله فقط، ولا يفرد القطع في هذه الحالة، بل لا بد من انضمام القتل أو الصلب إليه لأن الجناية قتل وأخذ مال، وقال الصاحبان في هذه الحالة: يصلب ويقتل ولا يقطع. واتفق الإمام مع صاحبيه على أن المحاربين إذا قتلوا فقط يقتلون، وإذا أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا الطريق فقط ينفون من الأرض. دليل المالكية: أن كلمة أَوْ موضوعة للتخيير، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، فيعمل بحقيقة هذا الحرف، ما لم يقم دليل على خلافه، ولم يوجد، فيبقى التخيير. ودليل الجمهور: 1- أن العقل يقضي أن يكون الجزاء مناسبا للجناية، زيادة ونقصا، بدليل إجماع الأمة على أن قطاع الطريق إذا أخذوا المال وقتلوا، لا يكون جزاؤهم النفي فقط. 2- أن التخيير يعمل به إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد، أما إذا اختلف السبب، فإنه لا يعمل بظاهر التخيير، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه. وذلك مثل قوله تعالى: قُلْنا: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف 18/ 86] والمعنى: إما أن تعذب من جحد وظلم، وإما
أن تحسن إلى من آمن وعمل صالحا، فليس المراد التخيير لأن اختلاف السبب يؤدي إلى اختلاف الحكم لكل نوع. ودليل أبي حنيفة: أن الآية لا يمكن صرفها إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب، فإما أن تحمل على ترتيب الأحكام ويضمر في كل حكم ما يناسبه من الجنايات، وفيه إلغاء حرف التخيير، وإما أن يعمل بظاهر التخيير بين الجزاءات الثلاثة، وذلك في محارب خاص لا في مطلق المحارب، والمحارب الخاص: هو الذي قتل وأخذ المال، وهذا هو الأقرب والأولى لأن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير وبما هو المعقول. وسمي فعل المحاربين محاربة لله ورسوله للتهويل والتشنيع، وبيان خطورة هذه الجريمة على الحق والعدل الذي أنزله الله على رسوله، كما قال تعالى في أكلة الربا: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة 2/ 279] فليست محاربة الله على سبيل الحقيقة لأن الله منزه عن الكون في جهة ومكان، والمحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين متواجهين، وإنما هذا مجاز عن المخالفة وإغضاب الله، أو المعنى يحاربون أولياء الله ورسوله، فيكون نظير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب 33/ 57] . ويشترط في المحاربين ثلاثة شروط: 1- أن يكون لهم قوة وشوكة ومنعة، ليمتازوا عن السرّاق، وأن يعتدوا على المارة بسلاح أو غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها، سواء أكانوا جماعة أم واحدا، وسواء أخذوا المال من مسلم أم من ذمي. 2- أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، وأن يكون في رأي أبي حنيفة خارج المصر بين حدود البلاد أو في الصحراء لأنه يمكن للمعتدى عليه في داخل المصر الاستغاثة بالآخرين. ولم يفرق الجمهور بين داخل المصر وخارجه، فيمكن
حدوث جريمة المحاربة فيهما على حد سواء، وقد أثبت الواقع صحة هذا الرأي لأن عصابات المجرمين يتعرضون للناس بعد منتصف الليل في الشوارع العامة، وفي الأحياء السكنية. 3- أن يأخذوا المال مجاهرة، فإن أخذوه خفية فهم سرّاق، يعاقبون بحد السرقة وهو قطع اليد فقط. وإن اختطفوا شخصا وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وإن استلبوا شيئا من قافلة أو اغتصبوه لا يحدون حد السرقة ولا حد الحرابة. والسعي في الأرض بالفساد: هو إخافة الطريق بحمل السلاح وإزعاج الناس، سواء صحبه قتل وأخذ مال أو لا. أما عقوبات المحاربين فهي في الآية دنيوية وأخروية. والعقوبات الدنيوية أربعة: 1- التقتيل حدا من غير صلب إن قتلوا فقط، ولا يسقط القتل بعفو الأولياء، والتعبير بصيغة التفعيل لما في القتل هنا من الزيادة باعتبار أنه محتوم لا يسقط، ولو عفا الأولياء. فيجب على الحاكم إنزال هذه العقوبة بالمحاربين، ولا يملك العفو عنها أو إسقاطها، وعلى المسلمين التعاون معه على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين. 2- القتل مع الصلب: إن قتلوا وأخذوا المال. 3- قطع اليد والرجل من خلاف أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إن أخذوا المال، لا غير. 4- النفي من الأرض إن أخافوا الطريق فقط، ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا.
والصلب: يكون على خشبة تغرز في الأرض، بأن يربط جميع الشخص بها، بعد وضع قدميه على خشبة عريضة من الأسفل، وتربط يداه على خشبة عريضة من الأعلى. ويحدث في الأصح من مذهب الحنفية والراجح لدى المالكية في حال الحياة لمدة ثلاثة أيام، ثم يطعن بحربة ويقتل لأن الصلب عقوبة مشروعة تغليظا، وإنما يعاقب الحي، أما الميت فليس من أهل العقوبة، وليس صلبه من قبيل المثلة المنهي عنها لأن المثلة قطع بعض الأعضاء. وقال الشافعية والحنابلة: الصلب يكون بعد القتل لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا، وفي صلبه حيا تعذيب له وتمثيل به، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن المثلة وعن تعذيب الحيوان (أي ما له روح) فقال فيما رواه الجماعة عن شداد بن أوس: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» والغرض من صلبه بعد قتله هو التنكيل به، وزجر غيره ليشتهر أمره. وأما النفي: فمعناه عند الحنفية الحبس لأن فيه نفيا عن وجه الأرض التي يحيا فيها الناس عادة بحرية وطمأنينة. وأما التغريب ففيه إضرار ببلد آخر، وتعريض للكفر، وتمكين له من الهرب إلى دار الحرب. ورأى المالكية أن النفي هو إخراجه من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر بينهما مسافة القصر (89 كم) ويسجن فيه، إلى أن تظهر توبته. فيكون رأي الجمهور بالنفي هو الحبس. وذهب الحنابلة إلى أن النفي: أن يشردوا، فلا يتركون يأوون إلى بلد، عملا بما روي عن الحسن والزهري. وأما عقوبة المحاربين الأخروية: فهي المذكورة في قوله تعالى: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي ذلك العقاب المذكور هو ذل لهم وفضيحة في الدنيا، لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وليكونوا عبرة لغيرهم، ولهم
في الآخرة عذاب عظيم جدا بسبب ما ارتكبوا من جريمة هزت أركان المجتمع، وأدت إلى تعطيل التجارة. ثم استثنى الله تعالى من العقاب التائبين فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أي أن من تاب قبل أن يقع في قبضة السلطة، أو قبل أن يتمكن الحاكم من القبض عليه، فيسقط عنه العقاب، إذا كانت التوبة صادقة خالصة لله عز وجل، لا تحايلا وتهربا من العقوبة لأن الهدف قد تحقق وهو ترك الإفساد ومحاربة أولياء الله ورسوله، بدليل قوله تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي أن الله غفور لذنوبهم، رحيم بهم بإسقاط العقوبة عنهم لأنه لا تهمة حينئذ، وتكون التوبة نافعة. وهذه التوبة تسقط ما هو من حقوق الله تعالى فقط وهو الحد، أما حقوق العباد من القصاص وضمان الأموال فتبقى، ويكون للأولياء الحق في المطالبة بالقصاص من القاتل، واسترداد المال المأخوذ، وولي القتيل مخير بين القصاص والدية والعفو، ولا تصح التوبة إلا برد الأموال المسلوبة إلى أصحابها، وإذا أعفاه الحاكم من حق مالي وجب ضمانه من بيت المال (خزانة الدولة) . ومن تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه لأنه متهم بالكذب في توبته والتصنع فيها إذا نالته يد الإمام. أما الشرّاب والزناة والسرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت آية المحاربة حكمين: حكم عقاب المحاربين، وحكم التائبين. أما عقوبتهم في الدنيا: فهي القتل، والصلب، وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والنفي من الأرض أي الحبس أو الإبعاد من بلده إلى بلد آخر بينهما على الأقل مسافة قصر الصلاة المقدرة بحوالي 89 كم. ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل. ونصت الآية على عقوبة أخروية: وهي استحقاق العذاب في نار جهنم، لعظم الجريمة، واقتصر على وصف عقوبة الدنيا بالخزي أي الذل والفضيحة مع أن لهم فيها عذابا أيضا، وعلى وصف عقوبة الآخرة بالعذاب العظيم مع أن لهم فيها خزيا أيضا لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في الآخرة أشد من خزيها. ويؤخذ من الجمع بين العقوبتين المذكورتين للمحاربين: أن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة، فالحدود زواجر لا جوابر كما هو صريح الآية، وهذا مذهب الحنفية. وقال الجمهور: الحدود جوابر أيضا، أي أنها تجبر الذنوب وتكفرها، لما رواه مسلم في صحيحة عن عبادة بن الصامت: «من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك، فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه» . وأما حكم التائبين قبل القدرة عليهم: فهو حكم سائر المجرمين العاديين، فمن قتل يقتل أي يقتص منه، ومن جرح يجرح، أو يغرم الأرش (التعويض المالي المقدر شرعا) ومن سرق تقطع يده، ومن سلب مالا رده، ويجوز العفو حينئذ لأولياء الدم عنهم.
التقوى والجهاد أساس الفلاح في الآخرة والدنيا كلها لا تصلح فداء للكفار [سورة المائدة (5) الآيات 35 إلى 37] :
التقوى والجهاد أساس الفلاح في الآخرة والدنيا كلها لا تصلح فداء للكفار [سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 37] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37) البلاغة: لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ أي ليجعلوه فدية لأنفسهم، قال الزمخشري: 1/ 458: وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه. وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» . المفردات اللغوية: اتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوا أوامره وتجتنبوا نواهيه وَابْتَغُوا اطلبوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ما يتوسل به إلى رضوان الله أو يقربكم إليه من طاعته، فالوسيلة: القربة التي ينبغي أن يطلب بها، وتطلق أيضا على أعلى منزلة أو درجة في الجنة. وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لإعلاء دينه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفوزون لَوْ أَنَّ لَهُمْ لو ثبت يُرِيدُونَ يتمنون عَذابٌ مُقِيمٌ دائم.
المناسبة:
المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى حسد اليهود ومكرهم وهمّهم الفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقتلهم الأنبياء، وفند ادعاءهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه، أمر المؤمنين بالتقوى والتقرب إليه بصالح الأعمال، ولا يتكلوا على مثل مزاعم أهل الكتاب، وهو المقصود الأصلي من مهام القرآن. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته، كان المراد بها الكف عن المحارم وترك المنهيات. فيا أيها المؤمنون اتقوا سخط الله وعقابه بامتثال أمره واجتناب نهيه، واطلبوا إليه القربة التي ينبغي أن يطلب بها، وهي التي توصلكم إلى مرضاته والقرب منه والظفر بمثوبته في الجنة. والوسيلة درجة في الجنة، روى أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة» فالوسيلة أعلى منزلة في الجنة: وهي منزلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. ولما أمر تعالى المؤمنين بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم، فقال: وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ والجهاد من الجهد: وهو المشقة والتعب، وسبيل الله: هي طريق الحق والخير والفضيلة والحرية للأمة، والجهاد في سبيل الله
يشمل جهاد النفس بكفها عن أهوائها، وحملها على العدل في جميع الأحوال، وجهاد الأعداء الذين يقاومون دعوة الإسلام. ورغبهم الله تعالى بما أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة، فقال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي إن جاهدتم وتقربتم إلى الله بطاعته، حققتم الفوز والفلاح وسعادة الدنيا والآخرة، والمسلم مطالب دائما بالجهاد بمختلف أنواعه لأن فعل الحسنات وترك السيئات شاق على النفس. وبعد أن أمر الله المؤمنين بالتقوى وتزكية النفس، أخبر بما أعده لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.. أي إن الذين جحدوا ربوبية ربهم وجحدوا آياته الدالة على وجوده ووحدانيته، وكذبوا رسله، وعبدوا غيره من صنم أو وثن أو عجل أو بشر، وماتوا على هذه الحال من غير توبة، لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبا، بل ومثله أو ضعفه معه، ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه، ما تقبّل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه، ولا محيص له ولا مناص، ولهذا قال: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي موجع مؤلم لهم، بسبب ما جنته نفوسهم، كما أن الفلاح والسعادة بسبب الطاعة والاستقامة النابعة من النفس الإنسانية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس 91/ 9- 10] . ثم وصف الله تعالى العذاب بأنه دائم وأن أهل النار مقيمون فيها على الدوام: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ.. أي يتمنون الخروج مما هم فيه من شدة العذاب، وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها، كما قال تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [الحج 22/ 22] فمعنى قوله: مُقِيمٌ أنه دائم ثابت لا يزول ولا يحول. روى البخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك قال: قال
فقه الحياة أو الأحكام:
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا؟ قال: فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تعالى: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك، فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار» . فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى أن الناس صنفان: صنف المؤمنين الطائعين، وهؤلاء هم المفلحون الناجون في الدنيا والآخرة، وصنف الكافرين الجاحدين ألوهية الله وربوبيته ووحدانيته، والمكذبين رسله، وهؤلاء هم الخاسرون في الحقيقة في الدنيا والآخرة، وإقامتهم دائمة في نار جهنم. وهذا هو الفارق بين الإسلام وغيره من الأديان، فاليهود يعتمدون على أمنيات كاذبة ومزاعم باطلة أنهم أبناء الله وأحباؤه، وشعب الله المختار، والنصارى يعتقدون أن المسيح فداء لهم بنفسه من الخطيئة والمعصية. أما المسلمون فيعتمدون على أن أساس الفلاح والنجاة في الآخرة: هو تزكية النفس بالفضائل، والعمل الصالح. والخلود ثابت للفريقين، فالمؤمنون مخلدون في الجنة، والكافرون مخلدون في النار. قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، إنكم يا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم تقولون: إن قوما يخرجون من النار، والله تعالى يقول: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها فقال جابر: إنكم تجعلون العامّ خاصا، والخاص عامّا، إنما هذا في الكفار خاصة فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها، فإذا هي في الكفار خاصة «1» .
قال الرازي عن آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: هذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان: منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر. والمقام الأول: هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله: وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته. والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ والفلاح: اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب «1» . أما قوله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ فقد استدل به بعض الناس على مشروعية الاستغاثة أو التوسل بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد. وتحقيق القول في التوسل ما يأتي معتمدا على تفسير الألوسي «2» : أولا- التوسل بمعنى التقرب إلى الله بطاعته وفعل ما يرضيه، وهو المراد بالآية: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: هو أساس الدين وفرض الإسلام. وعلى هذا يحمل توسل أهل الصخرة الثلاثة، فإنهم توسلوا إلى الله عز وجل بصالح الأعمال، أي طلبوا الفرج بصلاح أعمالهم، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولم يتوسلوا بذوات الأشخاص. ثانيا- التوسل بالمخلوق والاستغاثة به بمعنى طلب الدعاء منه، لا شك في
جوازه إن كان المطلوب منه حيا، فقد صح أنه صلّى الله عليه وسلّم قال لعمر رضي الله عنه لما استأذنه في العمرة: «لا تنسانا يا أخي من دعائك» وأمره أيضا أن يطلب من أويس القرني رحمه الله أن يستغفر له، وأمر أمته صلّى الله عليه وسلّم بطلب الوسيلة له كما تقدم: «فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة» . وثبت أن عمر رضي الله عنه قال في الاستسقاء: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا، توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» أي بدعائه وشفاعته، لا بذاته وشخصه. وأما إذا كان المطلوب منه الدعاء ميتا أو غائبا فغير جائز، قال الألوسي: فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة، فقد صح أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» . ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم- وهم أحرص الخلق على خير- أنه طلب من ميت شيئا. ثالثا- القسم على الله تعالى بأحد من خلقه، مثل أن يقال: اللهم إني أقسم عليك، أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي. وقد أجاز العز بن عبد السلام ذلك في النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه سيد ولد آدم، ولم يجز أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء، والملائكة، والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، ودليله ما رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: ادع الله
تعالى أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك صلّى الله عليه وسلّم نبي الرحمة، يا رسول الله، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفّعه فيّ» ونقل عن أحمد مثل ذلك. والحق ألا دلالة في الحديث على التوسل بذات النبي صلّى الله عليه وسلّم وشخصه، وإنما توسل بدعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم وشفاعته. ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه، وهو رأي ابن تيمية رحمه الله. والحديث المذكور على حذف مضاف أي بدعاء وشفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقد جعل الدعاء وسيلة، وهو جائز، بل مندوب، والدليل على هذا التقدير قوله في آخر الحديث: «اللهم فشفعه في» بل في أوله أيضا ما يدل على ذلك. وليس في الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة، ليس فيها التوسل بالذات المكرمة صلّى الله عليه وسلّم، ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤول بتقدير مضاف، أو نحوه. قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. وكره العلماء الدعاء بحق خلقك لأنه لا حق للخلق على الخالق. والخلاصة: إن الدعاء لله تعالى يكون مباشرة، وبلا واسطة إذ لا يحتاج الله إلى الوسطاء بالنص القرآني القطعي الدلالة وهو قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر 40/ 60] وقوله: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [البقرة 2/ 186] . وقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة 1/ 5] .
حد السرقة [سورة المائدة (5) الآيات 38 إلى 40] :
وروى الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلّى الله عليه وسلّم قال له: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» وهذا الحديث بعد الآيات نص واضح يعيّن أو يوجب الاستعانة بالله تعالى وحده، دون سواه. وأما الآيتان (36- 37) فذكرتا نوعين من الوعيد: الأول- استحالة قبول الفداء من الكفار يوم القيامة، وثبوت استحقاقهم العذاب الأليم. والثاني- تمنيهم الخروج من عذاب النار، وإلزامهم بالعذاب المقيم أي الدائم الثابت الذي لا يزول ولا يحول. فكلما رفعهم لهب النار إلى أعلى جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردوهم إلى أسفلها. واستدل بعضهم بهذه الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال: «لا إله إلا الله» على سبيل الإخلاص لأنه تعالى جعل الإقامة الدائمة في النار من تهديدات الكفار وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد، ولولا أن هذا المعنى مختص بالكفار، وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى «1» . حد السرقة [سورة المائدة (5) : الآيات 38 الى 40] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)
الإعراب:
الإعراب: وَالسَّارِقُ مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما- أن يكون خبره مقدرا، وتقديره: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، هذا مذهب سيبويه. والثاني- مذهب الأخفش والمبرد والكوفيين: أن الخبر: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ودخلت الفاء في الخبر لأنه لم يرد سارقا بعينه، وإنما أراد: كل من سرق فاقطعوا: وهو يتضمن معنى الشرط والجزاء، فتدخل الفاء في خبر المبتدأ. وإنما قال: أَيْدِيَهُما بالجمع لأنه يريد أيمانهما، وهي قراءة شاذة. وكل ما في البدن منه عضو واحد يثنى بلفظ الجمع، وليس للإنسان إلا يمين واحدة، فنزل منزلة ما ليس في البدن منه إلا عضو واحد، مثل قوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم 66/ 4] . ويجوز تثنيته بلفظ المثنى مثل: رأيت وجهيهما، ويجوز أيضا بلفظ المفرد مثل: رأيت وجههما. جَزاءً بِما كَسَبا: جزاء: إما منصوب نصب المصادر والعامل فيه معنى الكلام المتقدم، فكأنه قال: جازوهما جزاء، وإما منصوب لأنه مفعول لأجله، والتقدير: فاقطعوا أيديهما لأجل الجزاء. نَكالًا بدل من قوله: جزاء. المفردات اللغوية: وَالسَّارِقُ من يأخذ المال خفية من حرز مثله فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما محل القطع من الرسغ، والذي يقطع به هو ربع دينار فصاعدا عند الجمهور غير الحنفية نَكالًا مِنَ اللَّهِ عقوبة لهما تمنع الناس من ارتكاب السرقة وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره حَكِيمٌ في خلقه. فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ رجع عن السرقة وَأَصْلَحَ عمله فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي أن التوبة تسقط حق الله، ولا تسقط حق الآدمي العبد بالقطع ورد المال. لكن بينت السنة أنه إن عفا عنه المسروق منه قبل الرفع إلى الإمام، سقط القطع، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي يوسف، وكذا يسقط الحد بهبة المسروق إلى السارق بعد الرفع إلى الإمام في رأي أبي حنيفة ومحمد. سبب النزول: نزلت هذه الآية في طعمة بن أبيرق حين سرق درع جار له يدعى قتادة بن
المناسبة:
النعمان في جراب دقيق به خرق، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي، فتناثر الدقيق من بيت قتادة إلى بيت زيد، فلما تنبه قتادة للسرقة، التمسها عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، ثم تنبهوا إلى الدقيق المتناثر، فتبعوه، حتى وصل إلى بيت زيد فأخذوها منه، فقال: دفعها إلي طعمة، وشهد ناس من اليهود بذلك، وهمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يجادل عن طعمة لأن الدرع وجد عند غيره، فنزل قوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ الآية المتقدمة، ثم نزلت هذه الآية لبيان حكم السرقة «1» . وأخرج أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله، فقطعت يدها اليمنى، فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فأنزل الله في سورة المائدة: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «2» . المناسبة: هناك تناسب واضح بين حكم السرقة وحكم الحرابة، فالحرابة كما يقول الحنفية: سرقة كبري، والأخرى: سرقة صغرى، فبعد أن بيّن الله تعالى عقوبة المحاربين الذين يفسدون في الأرض، وأمر الناس بتقوى الله حتى يبتعدوا عن الحرام والمعاصي، ذكر عقوبة اللصوص الذين يأخذون المال خفية، ومن أنواع عقاب المحاربين في آية الحرابة: قطع الأيدي والأرجل من خلاف، وعقاب السرقة: قطع اليد. التفسير والبيان: يأمر تعالى ولاة الأمور ويحكم بقطع يد السارق والسارقة، فمن سرق من
رجل أو امرأة، تقطع يده من الرسغ، ويبدأ بقطع اليد اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، ثم يعزر ويحبس لما رواه الدارقطني من أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده، ثم إذا عاد فاقطعوا رجله اليسرى» وهذا رأي المالكية والشافعية. وقال الحنفية والحنابلة: لا يقطع أصلا بعد اليد اليمنى والرجل اليسرى. وصرح القرآن بحكم السارقة لحدوث السرقة كثيرا من النساء كالرجال، مما يقتضي الزجر، وإن كان الغالب في تشريع الأحكام إدراج النساء في حكم الرجال. والسرقة: أخذ المال خفية من حرز المثل، والحرز نوعان: حرز بنفسه: وهو المكان كالدار والصندوق، وحرز بغيره وهو الحافظ: كالأماكن العامة المحروسة بحارس، والمتاع الذي يوجد صاحبه عنده. والحرز: هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس. ولا تقطع يد السارق إلا إذا كان بالغا عاقلا، كما هو الشأن في المطالبة بجميع التكاليف الشرعية ومنها عقوبات الحدود، لا فرق فيها بين الجماعة والفرد، وألا تكون هناك شبهة كالسرقة من المحارم والضيف من المضيف، لحديث رواه ابن عدي عن ابن عباس: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وأن يؤخذ المال من الحرز إما بنفسه أو بالحافظ، لما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الثمر المعلّق فقال: «.. ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع» . وأن يكون المسروق بالغا مقدار النصاب الشرعي. وللفقهاء رأيان أو ثلاثة في تقدير نصاب السرقة، فقال الحسن البصري
وداود الظاهري: يجب القطع بسرقة القليل والكثير لظاهر الآية، وللحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الجمل فتقطع يده» . وقال الجمهور: تقطع يد السارق في ربع دينار أو ثلاثة دراهم فصاعدا لما رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن (الجماعة) من حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» ولما في الصحيحين عن ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قطع في مجنّ- ترس- ثمنه ثلاثة دارهم» وهذا قول الخلفاء الراشدين الأربعة. ورأى الحنفية: أن نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، فلا قطع فيما دون عشرة دراهم، لما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا قطع فيما دون عشرة دراهم» . ولولا أن هذا الحديث ضعيف لأمكن ترجيح مذهب الحنفية من قبيل الاحتياط، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولأن ثمن المجنّ الذي قطع النبي صلّى الله عليه وسلّم بسرقته مختلف في تقديره، فقدر بثلاثة دراهم أو بأربعة أو بخمسة أو بعشرة دراهم، والأخذ بالأكثر في باب الحدود أولى، درءا للشبهة. وتثبت السرقة إما بالإقرار أو بالبينة (شاهدين) ويسقط الحد بالعفو عن السارق أو التوبة قبل رفع الأمر إلى الإمام الحاكم، وبملك المسروق بالهبة وغيرها، ولو بعد رفع الأمر إلى الحاكم في مذهب أبي حنيفة ومحمد. وبشرط كون الملك قبل رفع الأمر إلى القضاء في مذهب الجمهور، لما رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس: أن لصا سرق رداء صفوان بن أمية من تحت رأسه، حينما كان متوسدا عليه حين نام في المسجد، فاستيقظ صفوان واستاق اللص إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فهلا قبل أن تأتيني به» .
ويجب رد المسروق بعينه إن كان قائما، وبقيمته إن كان مستهلكا عند الشافعية والحنفية لما رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم عن سمرة: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . ولا يجب ردّ القيمة حال الاستهلاك عند الحنفية إذ لا يجتمع حد وضمان، لما أخرجه النسائي عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد» لكنه حديث مرسل. وتوسط المالكية فقالوا: إن كان السارق موسرا عند الحد، وجب عليه القطع والغرم، تغليظا عليه، وإن كان معسرا لم يتبع بقيمته، ويجب القطع فقط، ويسقط الغرم، تخفيفا عنه، بسبب عذره بالفاقة والحاجة. ثم علل سبحانه وتعالى حكم حد السرقة، فقال: جَزاءً بِما كَسَبا، نَكالًا مِنَ اللَّهِ أي أن قطع يد السارق والسارقة جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيء، نكالا أي إهانة وتحقيرا ومنعا من العودة للسرقة، وعبرة لغيرهما. وهذه العقوبة وإن نفر منها بعض الناس، لكنها العقوبة المناسبة التي هي الأشد تأثيرا ومنعا للسرقة، وتوفيرا لأمن الناس على أموالهم وأنفسهم، ولا يدرك أحد ما للسرقة من مخاطر نفسية وعصبية، وما لها من أثر في إحداث القلق والرعب في النفوس، لا سيما في الليالي الظلماء، إلا من تعرض للسرقة، فهي فضلا عن كونها خسارة ماحقة، تجعل الشخص معدوما يائسا بائسا يحتاج إلى الاقتراض ليؤمن قوته وقوت أسرته، ويتمنى أن يعثر على السارق ليقضي عليه، هي مثيرة للقلق والهلع، فيصبح الحي الذي تعرض لسرقة فأكثر مهددا كله بالأخطار، فلا يكاد ينام إنسان وهو مطمئن، وإذا اقتحم اللص منزلا في الليل أو في النهار، أوقع السكان في الذعر، وربما حدث القتل وإطلاق النار، وفي ذلك ضرر وأذى لا يمكن حصر حدوده أو التنبؤ بنتائجه، فكم من إنسان شاب شعره، وكم من امرأة وطفل فقدا أعصابهما، وكم من مخاوف أقضت مضاجع الناس في بيوتهم، حتى إن القتل لا يكاد في رأيي يعادل السرقة أحيانا لأنه حادث فردي ينتهي أثره
فورا بالنسبة لغير أسرة القتيل، وهو ينحصر بما يكون من علاقة خاصة بين القاتل والمقتول، أما السرقة فإن تأثيرها جماعي ودائم، تبعد بنحو دائم أصحاب الأموال والمتاجر والمزارع والمصانع من الطمأنينة والثقة، وتهدد ثرواتهم بالضياع والخسارة. ثم أكد الله تعالى ضرورة حد السارق فقال: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي غالب في تنفيذ أوامره، يمضيها كيف يشاء، قوي في انتقامه من السّراق، حكيم في صنعه وتشريعه، لا يشرع إلا ما فيه المصلحة والحكمة، ويضع الحدود والعقوبات بما يراه الأنسب والأقطع لدابر الجريمة، واستئصال شأفة المجرمين، وزجر أمثالهم من التفكير في مثل جريمتهم، وكأنه يقول: لا تتساهلوا في شأن السراق واشتدوا في تطبيق حدهم، ففي ذلك الخير كله وعينه، وإن كره الحاقدون وانتقد الجاهلون. ثم بيّن الله تعالى حكم التائبين الذين ندموا على ما فعلوا وأصلحوا أحوالهم فقال: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ.. أي فمن تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله، ورجع عن السرقة، ورد أموال الناس أو بدلها إليهم، وأصلح نفسه وزكاها بأعمال التقوى والبر، وكانت توبته بنية صادقة مع العزم على ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة. وأما القطع فلا تسقطه التوبة عند جمهور الفقهاء، وتسقطه في رأي الحنابلة، وهو الأولى لأن ذكر الغفور الرحيم يدل على سقوط العقوبة وهي القطع. وأكد الله تعالى عدالة حد السرقة وأنه جاء على وفق الحكمة والعدل والرحمة فقال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ.. أي ألم تعلم أيها الرسول وكل مبلّغ حكم الله أن الله هو المالك لجميع من في السموات والأرض، وهو المدبر له، والحاكم فيه الذي
فقه الحياة أو الأحكام:
لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد، ولا يفعل إلا ما فيه الحكمة والعدل والرحمة، حتى يتوافر الأمن للفرد والجماعة، وتطمئن النفوس على أموالها، لتنصرف إلى أعمالها وهي آمنة على البيت والأهل وأماكن العمل، ومن حكمته: أنه وضع العقاب للمحاربين المفسدين في الأرض واللصوص المهددين حرمة المال وحرية الإنسان، وأنه يغفر للتائبين من الفريقين، إذا صدقوا في التوبة وأصلحوا أعمالهم لأن الهدف ليس هو العقاب لذاته، وإنما تحقيق الصلاح ونشر الأمن وإشاعة الطمأنينة، ومن حكمته وعدله أنه يعذب العصاة تربية وزجرا لهم ولأمثالهم وتأمينا لمصالح العباد، ومن رحمته: أنه يرحم التائبين ويسقط عنهم العقاب، وهو القادر على كل شيء من التعذيب والرحمة، والله أرحم بعباده من أنفسهم، وأشد من رحمة الأم بولدها، فهذا العقاب للحرابة والسرقة لمصلحتهم ومصلحة إخوانهم في المجتمع، فليس لأحد أن يتباكى على يد أثيم أو يشفق على يد عضو في المجتمع لأن هذا العضو فاسد ضار يهدم ويخرب وليس فيه أمل بخير إذا لم يصلح حاله. فقه الحياة أو الأحكام: العقاب دواء المنحرف الذي لا علاج له بغير التأديب، وليس من العدل ولا من الرحمة والحكمة والمصلحة أن تسود الجريمة في المجتمع، ويعيش الناس في فوضى واضطراب، وقلق واشمئزاز. وتشريع الإله في كل الخير لمن أراد السعادة لنفسه ولأمته، وليس أدل على فشل التشريعات الجزائية الوضعية من أن الجريمة في بلادها تزداد وتكثر، ويتفنن المجرمون في أنواع الجريمة، لعدم توافر العقاب الزاجر الفعال الذي يستأصل الجريمة أو يقلل من وجودها. والبلاد التي يطبق فيها التشريع الجنائي الإسلامي مثل واضح بارز في العالم
لانتشار الأمن والطمأنينة على الأنفس والأموال، ولا يظنن أحد أن هذه البلاد ملأى بالمشوهين ومقطوعي الأيدي والأرجل، وإنما تطبيق الحدود نادر تقريبا، لأنه لا يطبق حد إلا إذا توافرت شروط كثيرة، تتجاوز العشرة، مما أدى إلى تضييق الحد بسبب الشبهة وانتفاء شرط من الشروط أو الضوابط، ولا تقطع أكثر من يد أو يدين في بلاد سكانها نحو عشرة ملايين. ففي السرقة مثلا لا يجب القطع إلا بجمع أوصاف في السارق، وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفته. أما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف: وهي البلوغ والعقل، وأن يكون غير مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولاية، فلا قطع بين السيد والعبد بأخذ أحدهما مال الآخر. والسرقة من السارق توجب القطع عند المالكية، كالسرقة من الغاصب لأنّ حرمة المالك باقية عليه لم تنقطع عنه. وقال الشافعي: لا يقطع لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز. وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف: وهي النصاب كما تقدم بيانه، وأن يكون مما يتموّل ويتملك ويحل بيعه. أما ما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع أحد بسرقته باتفاق حاشا الحر الصغير عند الإمام مالك وابن القاسم. وقيل: لا قطع بسرقته، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة لأنه ليس بمال. ورد المالكية: هو من أعظم المال ولم يقطع السارق في المال لعينه، وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد. وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا، فقال أشهب: يقطع سارق المأذون في اتخاذه، وكذا سارق لحم
الأضحية أو جلدها إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم، وقال ابن القاسم: لا يقطع سارق الكلب، وهو مذهب المالكية، فلا يقطع من سرق كلبا ولو معلّما أو للحراسة لأنه نهى صلّى الله عليه وسلّم عن بيعه. وأما آلات الملاهي فيقطع إن كان يبقى منها بعد إفساد صورتها وإذهاب منفعتها المقصودة ربع دينار فأكثر. وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها، يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة، وكذلك الصليب من الذهب أو الفضة. والوصف الثالث: ألا يكون للسارق فيه ملك، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره، ولا شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال لأن للسارق فيه نصيبا، وتقطع يد السارق من بيت المال في رأي الإمام مالك لعموم لفظ السرقة. والوصف الرابع: أن يكون مما تصح سرقته كالمال والعبد الصغير لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الكبير فلا قطع فيه. وأما ما يعتبر في المسروق منه: فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق، وجملة القول فيه: أن كل شيء له مكان معروف، فمكانه حرزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه، فالدور والمنازل حرز لما فيها، غاب عنها أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئا، في رأي المالكية. ومن سرق من المغانم بعد تعين الحقوق بالقسمة فعليه القطع، ومن أخذ منها شيئا قبل القسمة فوق حقه قطع، وإلا لم يقطع. والقبر والمسجد حرز، فيقطع النباش عند الأكثر، وقال أبو حنيفة:
لا قطع عليه لأنه سرق من غير حرز مالا معرضا للتلف لا مالك له لأن الميت لا يملك. وظهور الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع، سواء كان معه أهله، أم سرقت بليل أو نهار. وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها والسيارات في الشوارع حرز لها، سواء كان معها أهلها أم لا. والسفينة حرز لما فيها، سواء كانت سائبة أو مربوطة، فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة، وإن كانت مربوطة فهي محرزة. وإن كان معها أحد فهي محرزة بالحافظ، كالدابة بباب المسجد أو في السوق ليست محرزة إلا أن يكون معها حافظ. ومن ربطها بفناء المسجد أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه، فإنه حرز لها. ولا خلاف في أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن فيها كل رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ، وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يدخل بها بيته، ولا خرج بها من الدار. ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه عن جابر: «أنت ومالك لأبيك» ويقطع الولد في رأي جمهور المالكية في سرقة مال الأبوين لأنه لا شبهة له فيه. وقال الحنفية وابن وهب وأشهب من المالكية: لا يقطع لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة. وقال مالك: لا يقطع الجد لأنه أب. وقال أبو حنيفة وأبو ثور: لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يقطع من سرق من هؤلاء.
وأما سارق المصحف فيقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد، وهو رأي الشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وابن القاسم. وقال أبو حنيفة: لا يقطع من سرق مصحفا. وأما الطرار (النشال) فقال مالك والأوزاعي والشافعي: يقطع. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق: إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمّه فطرّها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكمّ، فأدخل يده فسرقها قطع. وأما إقامة الحدود في السفر وفي دار الحرب: فقال مالك والليث بن سعد: تقام الحدود في أرض الحرب، ولا فرق بين دار الحرب والإسلام لعموم القرآن وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: إذا غزا الجند أرض الحرب، وعليهم أمير، فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه، فيقيم الحدود في عسكره، لحديث جنادة بن أبي أمية عند الترمذي قال: «كنا مع بسر بن أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له: مصدر قد سرق بختية «1» ، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو» ولولا ذلك لقطعته. واتفق العلماء على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فحصل لكل واحد منهم نصاب، فيقطع الكل. أما إذا كان المسروق كله نصابا، فلا يقطع أحد في رأي أبي حنيفة والشافعي لأن كل واحد منهم لم يسرق نصابا. وقال المالكية: إن كان لكل واحد قدرة على حمله بانفراده، لا يقطع أحد، وإن احتاجوا في إخراجه إلى تعاون بعضهم، فيقطعون جميعا.
وقال الحنابلة: يقطعون جميعا، لضرورة حفظ المال. وإن اشترك اثنان في نقب وتعاونا فيه، قطعا عند المالكية والحنابلة، وإن انفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة، وقال أبو حنيفة: إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع وإلا فلا قطع. وقال الشافعي: لا قطع على من نقب ولم يسرق، وأما من سرق من نقب غيره، فإنه سرق من حرز مهتوك الحرمة. ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز، فأدخل الآخر يده فأخذه، فعليه القطع عند الجمهور، ولا قطع عليه عند أبي حنيفة. وإن أخطأ الحاكم فقطع يد السارق اليسرى بدل اليمنى، لا يزاد عليه، استحسانا، في قول أكثر العلماء. وإذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا، فقال مالك يقتل ويدخل القطع فيه. وقال الشافعي: يقطع ويقتل لأنهما حقان لمستحقين، فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه، وهذا هو الصحيح، كما اختار ابن العربي والقرطبي. والحكمة في البدء بالسارق قبل السارقة في هذه الآية، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني: هو أن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، فبدأ بما تكون الدواعي منه أكثر على ارتكاب الجرم. والمستفاد من قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: هو أنه لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة حتى يقول قائل: نحن أبناء الله وأحباؤه، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد أي يرتكب الجرم. وقد سبق مثل هذه الجملة في الرد على مزاعم اليهود والنصارى.
مسارعة المنافقين واليهود إلى الكفر وموقف اليهود من أحكام التوراة [سورة المائدة (5) الآيات 41 إلى 43] :
مسارعة المنافقين واليهود إلى الكفر وموقف اليهود من أحكام التوراة [سورة المائدة (5) : الآيات 41 الى 43] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) الإعراب: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ إما مبتدأ وخبره: مِنَ الَّذِينَ هادُوا أو صفة لموصوف محذوف تقديره: فريق سماعون، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم سماعون للكذب. وقد تزاد اللام في المفعول، كقوله تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف 7/ 154] . وقوله: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف 12/ 43] .
البلاغة:
لَمْ يَأْتُوكَ: جملة فعلية في موضع جر صفة لقوم. ويُحَرِّفُونَ: جملة فعلية حال من ضمير سَمَّاعُونَ. والتقدير: يسمعون مقدّرين للتحريف. ويجوز أن تكون الجملة في موضع رفع لأنه صفة لموصوف محذوف في موضع رفع بالابتداء وتقديره: وفريق يحرفون، وهو عطف على سَمَّاعُونَ وخبره: مِنَ الَّذِينَ هادُوا. وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ الواو للحال من التحكيم، والعامل ما في الاستفهام من التعجب فِيها حُكْمُ اللَّهِ فِيها: إما متعلق بخبر مقدم، وإما ألا يكون له محل، وتكون الجملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، وإما أنه حال من التوراة. البلاغة: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ خوطب بلفظ الرسالة للتشريف والتكريم. يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ آثر فِي على كلمة «إلى» للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر. سَمَّاعُونَ.. صيغة مبالغة، أي مبالغون مكثرون في سماع الكذب. خِزْيٌ تنكيره لتفخيم الأمر. وكرر قوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ لزيادة التقرير والتأكيد. فِي الدُّنْيا.. والْآخِرَةِ بينهما طباق. وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ تعجب من تحكيمهم النبي صلّى الله عليه وسلّم وهم لا يؤمنون به ولا بكتابه. وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ الإشارة بالبعيد لبعد درجتهم في العتو والمكابرة. المفردات اللغوية: لا يَحْزُنْكَ لا يؤلمك فعل هؤلاء الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه بسرعة، أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة مِنَ الَّذِينَ للبيان بِأَفْواهِهِمْ قالوا بألسنتهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وهم المنافقون سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ الذي أقرته أحبارهم، سماع قبول لِقَوْمٍ لأجل قوم آخَرِينَ من اليهود لَمْ يَأْتُوكَ وهم أهل خيبر يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ الذي في التوراة كآية الرجم مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ التي وضعه الله عليها أي يبدلونه إِنْ أُوتِيتُمْ هذا الحكم المحرف أي الجلد أي أفتاكم به محمد فاقبلوه وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ أفتاكم بخلافه فِتْنَتَهُ اختباره وإضلاله. خِزْيٌ ذل بالفضيحة والصغار لِلسُّحْتِ للكسب الحرام كالرشوة وثمن الكلب والخمر والخنزير، وسمي المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات والبركات أي يذهبها فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة 5/ 49]
سبب النزول:
فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا مع مسلم، وهو أصح قولي الشافعي، فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب القضاء بينهم بِالْقِسْطِ بالعدل الْمُقْسِطِينَ العادلين في الحكم، أي يثيبهم. فِيها حُكْمُ اللَّهِ بالرجم، والمراد من قوله: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ استفهام تعجيب أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق، بل ما هو أهون عليهم ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ يعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ التحكيم. سبب النزول: نزول الآية يا أَيُّهَا الرَّسُولُ..: روى أحمد وأبو داود عن ابن عباس قال: أنزلها الله في طائفتين من اليهود، قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا فاصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقا «1» ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة، فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك، حتى قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان ذلك في حيين قط؟ دينهما واحد، ونسبتهما واحدة، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض، إنا أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وخوفا وفرقا، فأما إذ قدم محمد، فلا نعطيكم فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينهما، فأرسلوا إليه ناسا من المنافقين ليختبروا رأيه، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ الآية. أي أن الآية نزلت في بني قريظة والنضير، فتحاكموا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فحكم بالتسوية بين القرظي والنضيري. وقيل: إنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى بني قريظة، فخانه، حين أشار إليهم أنه الذّبح «2» .
وقيل: إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم قال القرطبي: وهذا أصح الأقوال «1» . والقصة ما يأتي: روى الأئمة: مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن البراء بن عازب قال: مرّ النبي صلّى الله عليه وسلّم بيهودي محمّما «2» مجلودا، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: اللهم لا، ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، وأمر به فرجم، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ. وأخرج أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عمر قال: «إن اليهود أتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نسخّم وجوههما ويخزيان، قال: كذبتم إن فيها الرجم: فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فجاءوا بالتوراة، وجاؤوا بقارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا، فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك فرفع يده، فإذا هي تلوح (أي آية الرجم) فقالوا: يا محمد، إن فيها الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرجما، فلقد يجأ عليها (ينحني) يقيها الحجارة بنفسه» .
نزول الآية (42) :
نزول الآية (42) : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ: نزلت هذه الآية في اليهود، كان الحاكم منهم إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة، سمع كلامه، وعول عليه، ولا يلتفت لخصمه، فكان يأكل السحت، ويسمع الكذب، وكان الفقراء منهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية، ويسمعون منهم الأكاذيب لترويج اليهودية والطعن على الإسلام، فالفقراء كانوا يأكلون السحت الذي يأخذونه منهم، ويسمعون الكذب، فهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. وقيل: سماعون للكذب الذي كانوا ينسبونه إلى التوراة أكالون للربا، كما قال تعالى: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء 4/ 161] . المناسبة: لما بيّن الله تعالى بعض التكاليف والشرائع، وأعرض عنها بعض الناس متسارعين إلى الكفر، صبّر الله رسوله على تحمل ذلك، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك، فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ ... وقد خاطب تعالى نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ في مواضع كثيرة، وما خاطبه بقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ إلا في موضعين: أحدهما- هاهنا، والثاني- يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة 5/ 67] وهذا خطاب تشريف وتعظيم. التفسير والبيان: نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل: وهم المنافقون واليهود.
فقال: يا أيها الرسول: وهو خطاب تشريف وتعظيم وتعليم للمؤمنين أن يخاطبوه بوصفه، كما قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور 24/ 63] فأصبحوا ينادونه بقولهم: «يا رسول الله» بعد أن كانوا ينادونه «يا محمد» . لا يحزنك أي لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في إظهار الكفر، والانحياز إلى جانب الأعداء، كلما سنحت لهم الفرصة، فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرهم. وليس المراد النهي عن الحزن ذاته لأنه أمر طبعي جبلّي لا اختيار للإنسان فيه ولا تكليف به، وإنما المراد النهي عن لوازمه من مقدمات ونتائج من تعظيم شأن الحزن، وتعاطي أسبابه. ثم بين من هؤلاء، وهم الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، واليهود أعداء الإسلام وأهله الذين يصغون لسماع الكذب من أحبارهم، سواء فيما يتعلق بالنبي صلّى الله عليه وسلّم أو بأحكام دينهم، والكل سماعون لأقوام آخرين من اليهود الذين لا يأتون مجلسك يا محمد، فهم جواسيس ليبلغوهم ما سمعوا منه، ومعنى قوله: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ.. أي لأجل قوم. وأولئك اليهود يحرفون كلام التوراة من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه، أي يحرفونه إما تحريفا لفظيا بإبدال كلمة بكلمة أو بالزيادة فيه والنقص منه، وإما تحريفا معنويا بحمل اللفظ على غير معناه الحقيقي، وتأويله بمعنى آخر، وتبديله عن إصرار وعلم بالحقائق. وهم يقولون لمن أرسلوهم إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليسألوه عن حكم الزانيين المحصنين: إن أفتاكم بالتسخيم (أو التحميم) والجلد، فاقبلوا منه وارضوا به، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا قبوله ولا ترضوا به.
والحال أنه من يرد الله اختباره في دينه، فيظهر الاختبار كفره وضلالته، فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه، ولن تملك له أيها الرسول من الله شيئا يمنع ذلك، ولن تستطيع هدايته وإرشاده إلى الحق. فهؤلاء المنافقون واليهود قد أظهر الاختبار مقدار فسادهم لأنهم يقبلون الكذب، ويحرفون أحكام دينهم، اتباعا لأهوائهم، فلا تحزن عليهم، ولا تطمع بعد هذا بإيمانهم. أولئك الذين اختبرهم الله هذا الاختبار لم يرد الله بعدئذ تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق لأن من دأب على الباطل، وأمعن في السوء والشر، لم يبق فيه أمل للخير، ولم يعد له سبيل للنور ورؤية الحق. وجزاء الفريقين من اليهود والمنافقين الخزي في الدنيا، والعذاب العظيم الهول الشديد الوقع في الآخرة، أما خزي المنافقين في الدنيا فهو افتضاح أمرهم وظهور كذبهم للنبي وخوفهم من القتل، وأما خزي اليهود فهو أيضا فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص كتابهم في إيجاب الرجم على الزناة المحصنين. ثم كرر تعالى وصفهم للتأكيد وتقرير المعنى، وهو كثرة سماعهم للكذب، وكثرة أكلهم للسحت، أي المال الحرام من أخذ الرشوة، واستباحة أجر البغي (الزانية) وعسب الفحل (أجرة ضرابه) وثمن الخمر والميتة وحلوان الكاهن، والاستئجار في المعاصي، كما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد. ويرجع أصل ذلك إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة، ويعيّر به الإنسان «1» . ثم خيّر الله تعالى رسوله بالحكم بين اليهود والإعراض عن الحكم، فقال فيما معناه: فإن جاؤوك متحاكمين إليك، فأنت بالخيار بين الحكم أو القضاء بينهم،
والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم وعلمائهم. وهذا التخيير خاص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم دون أهل الذمة، فأهل الذمة يجب الحكم بينهم إذا تحاكموا إلينا لأن من عقد معهم عقد الذمة التزموا أحكام الإسلام في الجرائم والمعاملات، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإنهم يقرون عليه، ولا يرجم الزناة المحصنون في رأي أبي حنيفة ومالك لأن الإسلام من شروط الرجم، ويرجمون في رأي الشافعي وأحمد عملا بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم رجم اليهوديين اللذين زنيا، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان. وبهذا يوفق بين هذه الآية وآية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (الآية 49 الآتية) وهو رأي الشافعية. وقيل: نسخت الآية الأولى بالثانية، وهو قول ابن عباس والحسن البصري ومجاهد وعكرمة. وإن تعرض عن الحكم بينهم فلن يلحقك شيء من ضررهم وعداوتهم، فالله حافظك وعاصمك من الناس. والغرض من هذه الجملة بيان حال الأمرين اللذين خير فيهما عليه الصلاة والسلام، وكانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد بدل الرجم، فإذا أعرض عنهم اغتاظوا وربما حاولوا أذاه، فبين تعالى أنه لا تضره عداوتهم له. وإن حكمت بينهم، فاحكم بالعدل الذي أمرت به، إن الله يحب العادلين، والعدل شرعة القرآن والإسلام، سواء بين المسلمين، أو مع الأعداء. وكيف يحكّمونك في قضية مثل الزانيين؟ وعندهم التوراة فيها شريعتهم وحكم الله، ثم يتولون ويعرضون عن حكمك بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين أبدا، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون. هذه الآية تعجب من تحكيمهم، لعدولهم عن حكم كتابهم، ورجوعهم إلى حكم من يعتقدونه مبطلا، وإعراضهم عن حكمه بعد تحكيمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن اليهود حكّمت النبي صلّى الله عليه وسلّم، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة، واستند في ذلك إلى قول ابن صوريا، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان. فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام: فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب ونحوها من مسائل الجنايات، حكم بينهم، ومنعهم منه بلا خلاف. وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي لقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وهو نص في التخيير. غير أن مالكا رأى أن الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام. وقال الشافعي: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم على كل حال لقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة 5/ 49] . ودلت الآية على أن التحكيم جائز، قال مالك: إذا حكّم رجل رجلا فحكمه ماض، وإن رفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يكون جورا. وقال سحنون: يمضيه إن رآه صوابا. قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان. والضابط أن كل حق اختصم الخصمان به جاز التحكيم فيه، ونفذ تحكيم المحكم به «1» . وقال الشافعي: التحكيم جائز، وهو غير لازم، وإنما هو فتوى لأنه لا يقدم آحاد الناس على الولاة والحكام، ولا يأخذ آحاد الناس الولاية من أيديهم. وظاهر الآية دل على أن المحكّم ينفذ حكمه فيما حكم فيه، فإن اليهود حكموا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونفذ حكمه فيهم.
وعقاب المحرّفين: خزي في الدنيا بفضيحتهم حين أنكروا الرجم، وإذلالهم وعذاب عظيم جدا في الآخرة. ودلت الآية: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ على كثرة سماع اليهود الكذب وكثرة أكلهم المال الحرام، كالرشوة في الحكم وحلوان الكاهن (أي ما يعطى على الكهانة) ومهر البغي وغير ذلك مما ذكر. والرشوة حرام في كل شيء، وهي قد تكون في الحكم أو التقاضي، وهي محرمة على الراشي والمرتشي، قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما» «1» لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه، كان فاسقا لقبوله الرشوة على أن يحكم له بما يريده، وإن حكم بالباطل، كان فاسقا لأخذه الرشوة وحكمه بالباطل. وقد تكون الرشوة في غير الحكم أو القضاء، مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه، فهذه الرشوة محرمة على آخذها، غير محرمة على معطيها، كما قال الحسن: «لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه» . وحينما كان ابن مسعود بالحبشة رشا دينارين وقال: «إنما الإثم على القابض، دون الدافع» . وأرشدت الآية: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ... إلى التخيير في الحكم بين المعاهدين أهل الموادعة، لا أهل الذمة، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قدم المدينة وادع اليهود، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا. فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟. قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي، واختلفوا في الذميين.
والنبي صلّى الله عليه وسلّم حكم بينهم بشريعة موسى عليه السلام، ولكن كان ذلك قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأي محكّم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية. ويلاحظ أن أقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به. والجمهور على رد شهادة الذمي لأنه ليس من أهلها، فلا تقبل على مسلم ولا كافر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد مسلم. فإن قيل: فقد حكم عليه الصلاة والسلام بشهادتهم ورجم الزانيين، فالجواب: أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل، إلزاما للحجة عليهم، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذا لا حاكما. وأوضحت الآية مثلما ذكر في آيات أخرى أن بعض اليهود لا كلهم يحرفون كلام التوراة على غير حقيقته، أي يتأولونه على غير تأويله، بعد أن فهموه وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل، وبيّن أحكامه، مثل جعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين، تغييرا لحكم الله عز وجل. ودلت آية: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة، على أن الضلال بمشيئة الله تعالى، وأن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن، وأنه لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم، كما طهرت قلوب المؤمنين ثوابا لهم «1» .
فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن الآية محكمة وثابتة في سائر الأحكام غير منسوخة، وأن الحاكم مخير، وهي مخصوصة في المعاهدين الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك. أما أهل الذمة فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، لكن في رأي مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن لا يحد الذميون حد الزنى. ورأى الشافعي وأبو يوسف: أنهم يحدون إن أتوا راضين بحكمنا. وذهب أبو حنيفة والنخعي وعمر بن عبد العزيز إلى أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وأن على الحاكم أن يحكم بين أهل الذمة. وهو رأي ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة. قال مجاهد: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان: قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [المائدة 5/ 2] نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة 9/ 5] . قال الرازي: احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا، ما لم ينسخ، وهو ضعيف، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه، لكن الشرع نهى عن النظر فيها، بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم» .
التوراة هدى ونور وتشريع القصاص فيها وإلزام النصارى بالحكم بها [سورة المائدة (5) الآيات 44 إلى 47] :
التوراة هدى ونور وتشريع القصاص فيها وإلزام النصارى بالحكم بها [سورة المائدة (5) : الآيات 44 الى 47] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) الإعراب: النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا: لِلَّذِينَ صفة للنبيين على سبيل المدح، لا بمعنى الصفة التي تدخل للفرق بين الموصوف وغيره لأنه لا يحتمل أن يكون النَّبِيُّونَ غير مسلمين.
البلاغة:
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ منصوب بالعطف على اسم أَنَّ وهو النفس. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره بِالْعَيْنِ أو معطوف على الضمير المرفوع في قوله: بِالنَّفْسِ أي النفس مقتولة بالنفس. وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ منصوب عطفا على المنصوب بأن، كأنه قال: وأن الجروح قصاص. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره قِصاصٌ. فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ الضمير راجع إلى القصاص فَهُوَ أي التصدق. مُصَدِّقاً الأول حال من عيسى، وَمُصَدِّقاً الثاني حال من الْإِنْجِيلَ. فِيهِ هُدىً وَنُورٌ رفع بالظرف لأنه وقع حالا، فارتفع ما بعده ارتفاع الفاعل بفعله. وَلْيَحْكُمْ اللام لام الأمر، ويجزم بها الفعل. ومن قرأ بكسر اللام وفتح الميم فاللام فيه لام كي، والفعل بعدها منصوب بتقدير (أن) . البلاغة: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ خطاب لعلماء اليهود بطريق الالتفات عن الغيبة: (فلا يخشوا) إلى الخطاب. المفردات اللغوية: التَّوْراةِ الكتاب الذي أنزل على موسى فِيها هُدىً من الضلالة ببيان الأحكام والتكاليف وَنُورٌ بيان لأصول توحيد الله وأمور النبوة والمعاد يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ من بني إسرائيل. الَّذِينَ أَسْلَمُوا انقادوا لله لِلَّذِينَ هادُوا اليهود الرَّبَّانِيُّونَ هم العلماء الحكماء البصراء بأمور الناس والحياة، المنسوبون إلى الرب وهو الخالق المدبر لأمر الملك، الذي يربي الناس بالعلم. وَالْأَحْبارُ الفقهاء المتقون الصالحون، جمع حبر: وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه بِمَا اسْتُحْفِظُوا بما طلب إليهم حفظه من كتاب الله أن يبدلوه شُهَداءَ رقباء وحفاظ وشاهدون أنه حق. فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم والرجم وغيرهما وَاخْشَوْنِ في كتمانه وَلا تَشْتَرُوا تستبدلوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا تأخذونه على كتمانها وَكَتَبْنا فرضنا عَلَيْهِمْ فِيها في التوراة وهو القصاص، وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ أي بالقصاص، بأن مكن من نفسه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ
سبب النزول:
هُمُ الْكافِرُونَ به، وهو القصاص وغيره الظَّالِمُونَ المبالغون في الظلم والجور لمخالفة شرع الله الْفاسِقُونَ الخارجون من الإيمان وطاعة الله، المتجاوزون أحكام الدين. وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ جعلنا عيسى يقفو أثرهم ويتبعهم، كما قال: وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ [البقرة 2/ 87] . سبب النزول: نزلت آية: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ في اليهود الذين بدلوا حكم التوراة في الرجم، فجعلوا مكانه كما تقدم الجلد والتسخيم. روى مسلم عن البراء بن عازب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه رجم يهوديا ويهودية، ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ قال: نزلت كلها في الكفار «1» . المناسبة: بعد أن ندد تعالى باليهود الذين أعرضوا عن حكم التوراة بالرجم، وطلبهم الحكم الأخف والأسهل من النبي صلّى الله عليه وسلّم، ذكر ما تضمنته التوراة من هداية بني إسرائيل وبيان أحكام الدين. ففي هذه الآية نبّه الله اليهود الذين أنكروا ما تضمن كتابهم من رجم الزاني والقصاص من القاتل المعتدي، ووبخهم على مخالفة الأحبار المتقدمين والأنبياء المبعوثين إليهم. التفسير والبيان: إنا أنزلنا التوراة على موسى الكليم، مشتملة على الهدى: بيان الأحكام والتكاليف، والنور: أصول الاعتقاد من توحيد الله وأمور النبوة والآخرة،
أنزلناها شرعا وقانونا يحكم بها النبيون الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين، الذين بعثهم الله بعد موسى في بني إسرائيل حتى عيسى عليهم السلام. قال ابن الأنباري: الذين أسلموا: صفة للنبيين على معنى المدح، لا على معنى الصفة التي تميز الموصوف عن غيره لأنه لا يحتمل أن يكون النَّبِيُّونَ غير مسلمين. وهذا رد على اليهود والنصارى وتقرير أن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية ولا بالنصرانية كما زعموا، بل كانوا مسلمين لله منقادين لأحكامه. للذين هادوا: أي يحكم النبيون بالتوراة لأجل اليهود وفيما بينهم، فهي شريعة خاصة بهم لا عامة، وكان داود وسليمان وعيسى يحكمون بها. ويحكم بها الربانيون والأحبار وهم الصالحون من ولد هارون، والمقصود بالأولين: العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم ومصالحهم، والأحبار: هم العلماء المتقون الصالحون «1» ، يحكمون بالتوراة في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء، أو مع وجودهم بإذنهم، بسبب ما استحفظوا من كتاب الله، أي بسبب ما استودعوا من علمه، وقد أخذ الله العهد على العلماء حفظ كتابه من جهتين: أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، وألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. قال الطبري: والربانيون: جمع ربّاني وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم. والأحبار: هم العلماء جمع حبر: وهو العالم المحكم للشيء «2» . وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ أي وكان العلماء الصالحون على كتاب الله شهودا
ورقباء يحمونه من التغيير والتحريف، وشاهدون أنه الحق من ربهم، مثل عبد الله بن سلام الذي شهد بحكم الرجم في التوراة، وكتمان صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم والبشارة به. ثم خاطب الله رؤساء اليهود المعاصرين لزمن الوحي القرآني الذين كتموا وبدلوا، بعد أن أقام عليهم شهودا من أنفسهم فقال: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ أي وإذا الحال كما ذكر، فلا تخافوا الناس أيها الأحبار المعاصرون، فتكتموا الحق، من صفة النبي والبشارة به، طمعا في نفع دنيوي عاجل، وخافوا الله فلا تحرفوا كتابي، خوفا من الناس والرؤساء، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم. ولما كان الخوف أشد تأثيرا من الطمع قدم الله ذكره فقال: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ. ثم ذكر أمر الطمع والرغبة في النفع، فقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي ولا تستبدلوا بآياتي وأحكامي منفعة عاجلة حقيرة تأخذونها من الناس من رشوة أو طمع في مال أو جاه أو رياسة كاذبة أو رضا الآخرين، فمتاع الدنيا قليل، والرشوة التي تأخذونها سحت حرام لا بقاء لها، فلا تضيعوا بها الدين والثواب الدائم، إذ كيف تأخذون القليل الزائل بالكثير الدائم؟! وكل من لم يحكم بغير ما أنزل الله، مثل جعل الجلد والتحميم بدلا من الرجم، وكتمان صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم وتأويلها على غيره، وقضائهم في بعض القتلى بدية كاملة وفي بعضهم بنصف دية، وتركهم القصاص، فأولئك هم الكافرون الذين ستروا الحق، الظالمون الجائرون، الفاسقون الخارجون عن حدود الله، تلك أوصافهم، وصفهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة، وتمردوا بأن حكموا بغيرها، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب. فهذا وعيد شديد المقصود منه تهديد اليهود الذين
حرفوا التوراة في الزاني المحصن والاقتصاص من القاتل المعتدي، فأصبحوا كافرين غير مؤمنين لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن. أخرج ابن جرير الطبري عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.. إلخ ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار «1» . قال الرازي: وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم نقل عن عكرمة: قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية. ثم قال الرازي: وهذا هو الجواب الصحيح، والله أعلم «2» . والخلاصة: أن التكفير هو لمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله، وأنكر بالقلب حكم الله، وجحد باللسان، فهذا هو الكافر. أما من لم يحكم بما أنزل الله، وهو مخطئ ومذنب، فهو مقصر فاسق، مؤاخذ على رضاه الحكم بغير ما أنزل الله. ولما جعل اليهود دية النضيري أكثر من دية القرظي، ومنعوا أن يقتل به أي يقتص منه، مخالفين حكم التوراة وحكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين سألوه، نزلت هذه الآية لبيان تشريع القصاص: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها ... أي فرضنا في التوراة التماثل والمساواة في القصاص، فتقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويجدع الأنف بالأنف، وتقطع الأذن بالأذن، ويقلع السن بالسن، ويجري القصاص في الجروح، أي يعتبر فيها المساواة بقدر الاستطاعة. فالآية تدل على جريان القصاص في كل ما ذكر، وقد أخذ أبو حنيفة: أن
المسلم يقتل بالذمي. وقال الجمهور: لا يقتل المسلم بالذمي، لأن الآية شرع من قبلنا، وهو ليس شرعا لنا في رأي الشافعية، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو: «لا يقتل مسلم بكافر» . والمراد من قوله: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ استيفاء ما يماثل فعل الجاني منه، دون تعد عليه، فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى، وإن رضي المقتص منه. وذلك حال التعمد، أما في حال الخطأ ففي العين الواحدة نصف الدية، وفي العينين دية كاملة. وإذا فقأ الأعور عين الصحيح، فعليه القصاص عند أبي حنيفة والشافعي أخذا بعموم قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ قال ابن العربي: والأخذ بعموم القرآن أولى، فإنه أسلم عند الله تعالى. وقال مالك: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة (دية عين الأعور) لأن الأدلة لما تعارضت خير المجني عليه. وقال أحمد: لا قود عليه وعليه الدية كاملة لأن في القصاص من الأعور أخذ جميع البصر ببعضه، وذلك ليس بمساواة. وكذلك يقتص من الأنف والأذن والسن إذا كانت الجناية عمدا، كالقصاص من سائر الأعضاء. أما اللسان: فقال أكثر أهل العلم: فيه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه من ثمانية وعشرين حرفا، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية. ولسان الأخرس فيه حكومة عدل. وأما الجروح فكل ما تمكن المساواة فيه من الأطراف كالقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلا: وهي التي توضح العظم أي تكشفه، فإن لم يمكن القصاص كرض في لحم أو كسر في عظم كعظم الصدر ففيه حكومة عدل أي تعويض يقدره القاضي. بمعرفة الخبراء.
هذا كله في حال التعدي والعمد، أما في حال الخطأ فتجب الدية أو بعضها أو التعويض المقدر قضاء. ثم أشار الله تعالى إلى العامل الإنساني وهو العفو والصفح والتسامح، فقال: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ أي تصدق بحقه في القصاص وعفا عن الجاني، فالتصدق كفارة له، يكفر الله بها ذنوبه ويعفو عنه: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة 2/ 237] . وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من تصدق بشيء من جسده أعطي بقدر ما تصدق» وهو حديث حسن. ومن أعرض عما أنزل الله من القصاص القائم على العدل والمساواة بين الأشخاص، فهو من الظالمين الجائرين الذين يظلمون أنفسهم وغيرهم، ويتعدون حدود الله، ويضعون الشيء في غير موضعه. وهنا تساؤل: أي فائدة في ذكر الظلم بعد الكفر، والكفر أعظم من الظلم، والظلم أخف منه؟ والجواب: أن الكفر تقصير في حق الخالق سبحانه، والظلم تقصير في حق النفس «1» . ثم بين تعالى أن التوراة شريعة أنبياء بني إسرائيل، فقال: وأتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فهو آخر نبي لليهود، مصدقا للتوراة التي تقدمته قولا وعملا أي مقرا بأنه كتاب من عند الله وأنه كان حقا واجب العمل به، يعمل بها فيما لم يغاير الإنجيل، قال عيسى عليه السلام: «ما جئت لأنقض الناموس (شريعة التوراة) ولكن لأكمل أو لأتمم» أي لأزيد عليها بعض الأحكام والمواعظ.
لذا قال تعالى آمرا النصارى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [المائدة 5/ 47] وقال هنا: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ أي وأعطيناه الإنجيل فيه الهداية للأحكام العملية والضياء لأصول العقيدة، كالتوحيد ونبذ الشرك والوثنية، والإنجيل كالقرآن مصدق للتوراة، والله جعل الإنجيل هاديا وواعظا المتقين، لأنهم الذين ينتفعون به. ويلاحظ أن تكرار جملة وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لمعنيين مختلفين، الأول: أن المسيح يصدق التوراة، والثاني: أن الإنجيل يصدق التوراة. وأما تكرار كلمة هُدىً فالمراد بها أولا: بيان الأحكام والشرائع والتكاليف، والنور: بيان التوحيد والنبوة والمعاد، وأما المقصود بها ثانيا: فهو أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فهو سبب لاهتداء الناس إلى رسالة الإسلام لاشتماله على البشارة بمجيء محمد صلّى الله عليه وسلّم النبي الأخير «البارقليط» الأعظم. وأما كون الإنجيل مختصا بعظة المتقين فلاشتماله على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة، وإنما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله تعالى عن القرآن هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «1» [2 لبقرة 2/ 2] . وبعد بيان خصائص الإنجيل أمر تعالى بالعمل به فقال: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ أي وقلنا: ليعمل النصارى بالأحكام التي أنزلها الله فيه، كما قال تعالى في أهل التوراة: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها. والمقصود من الأمر بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن: هو زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره، مثلما فعل اليهود بإخفاء أحكام التوراة.
فقه الحياة أو الأحكام:
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون أي المتمردون الخارجون عن حكم الله وشرعه. وأوصاف الكافرون، الظالمون، الفاسقون هل هي واحدة أو متعددة؟ جعل بعضهم هذه الثلاثة صفات لموصوف واحد، وخصصها ابن عباس في أهل الكتاب (اليهود والنصارى) . والأولى أن يقال: من جحد حكم الله وأنكره فهو الكافر، ومن لم يحكم به وهو مقر تارك فهو الظالم الفاسق. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: 1- التوراة الأصلية فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون (أنبياء بني إسرائيل) والربانيون والأحبار، والربانيون: العلماء الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم. والأحبار: العلماء المتقنون الذين يحكمون الشيء فهما ودراية، ويبينونه للناس بيانا حسنا. 2- الإنجيل الأصلي فيه هدى ونور ومصدق للتوراة وهدى وموعظة للمتقين. 3- القصد من الإشارة بالتوراة والإنجيل هو زجر اليهود والنصارى عن التحريف والتبديل، والتحذير من التفريط بالأحكام المقررة فيهما، وبيان التقائهما مع القرآن في الأصول والأحكام الأساسية، مما يوجب الإيمان بالقرآن وبالنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وبرسالته التي ختمت بها الرسالات السماوية. 4- تشريع القصاص كما هو ثابت في شريعة موسى ثابت مقرر في شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو حنيفة والشافعية: إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل، فعل به ذلك لأن الله تعالى قال: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال المالكية: إن قصد به المثلة فعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته، قتل بالسيف. 5- احتج الجمهور غير الشافعية بآية: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ على أن شرع من قبلنا شرع لازم لنا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا لأن الله تعالى يقول: فِيها هُدىً وَنُورٌ والمراد بيان أصول الشرع وفروعه، ولو كان كتاب التوراة منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية، لما كان فيه هدى ونور. 6- استدل الخوارج بقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ على قولهم: كل من عصى الله فهو كافر، فقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله. ورد جمهور أهل السنة بأن هذه الآية إنما تتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له. 7- في قوله: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ترغيب في العفو والصفح والتسامح لما فيه من كظم الغيظ، والحفاظ على النفس الإنسانية قدر الإمكان، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا كما أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. 8- من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. واختار ابن جرير الطبري أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب «1» .
الحكم بشريعة القرآن [سورة المائدة (5) الآيات 48 إلى 50] :
الحكم بشريعة القرآن [سورة المائدة (5) : الآيات 48 الى 50] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) الإعراب: مُصَدِّقاً ومُهَيْمِناً منصوبان على الحال من الْكِتابَ. وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ معطوف على قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وتقديره: أنزلنا إليك بالحق وبأن احكم بينهم. أَنْ يَفْتِنُوكَ في موضع نصب على البدل من الهاء والميم في وَاحْذَرْهُمْ وتقديره: واحذر أن يفتنوك، وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله. وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عطف على قوله: فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ. وإنما كسر أَنِ لدخول اللام في الخبر، كقوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [المنافقون 63/ 1] فكسر أَنِ في هذه المواضع لدخول اللام في الخبر لأنها في تقدير التقديم، فعلقت الفعل عن العمل.
البلاغة:
البلاغة: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي بادروا فعل الخيرات، وفيه استعارة حيث شبههم بالمتسابقين على ظهور الخيل لأن كل واحد ينافس صاحبه في السبق لبلوغ الغاية المقصودة. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ استفهام إنكاري. المفردات اللغوية: وَمُهَيْمِناً رقيبا وحافظا لما تقدمه من سائر الكتب وشاهدا عليها وشاهدا لها بالصحة والثبات مِنَ الْكِتابِ بمعنى الكتب فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك عَمَّا جاءَكَ حائدا عما جاءك مِنْكُمْ أيها الأمم شِرْعَةً شريعة وهي ما شرعه الله لعباده من الدين ونظامه وأحكامه وَمِنْهاجاً طريقا واضحا مستمرا يسير عليه الناس في الدين، قيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ: ولكن أراد ليختبركم فيما ألزمكم به من الشرائع المختلفة بحسب كل عصر، ليرى هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة، أم تتبعون الشبه وتفرّطون في العمل؟! فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ بادروا وسارعوا إليها إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين، ويجزي كلا منكم بعمله. أَنْ يَفْتِنُوكَ لئلا يضلوك عنه أو يميلوا بك من الحق إلى الباطل فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أي يعاقبهم في الدنيا بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع بعض ذنوبهم موضع ذلك، وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها. وهذا الإبهام لتعظيم التولي عن حكم الله وإسرافهم في ارتكابه. لَفاسِقُونَ لمتمردون في الكفر معتدون فيه، يعني أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر يَبْغُونَ يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا. لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اللام للبيان، أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه.
سبب النزول:
سبب النزول: نزول الآية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ.. [49] : روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فجاءوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك، فأبى ذلك، وأنزل الله فيهم: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ إلى قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟ فيه كما قال الزمخشري وجهان: أحدهما- أن بني قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى، وروي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: القتلى سواء، فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك، فنزلت. والثاني- أن يكون تعييرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل لا تصدر عن كتاب، ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى. وعن الحسن: هو عام في كل من يبغي غير حكم الله. والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، والإنجيل الذي أنزله على عيسى كلمته، وذكر ما فيهما من هدى ونور، وأمر باتباعهما حيث كانا
التفسير والبيان:
سائغي الاتباع، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، وأبان منزلته من الكتب المتقدمة قبله، وأن الحكمة اقتضت تعدد الشرائع والمناهج لهداية البشر بحسب الأحوال والأزمان. التفسير والبيان: وأنزلنا إليك أيها النبي القرآن الكريم الذي أكملنا به الدين، مشتملا على الحق والصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت 41/ 42] مصدقا ومؤيدا للكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل، المتضمنة ذكره ومدحه وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأن تلك الكتب من عند الله، وأن موسى وعيسى رسولان من عند الله، لم يفتريا على الله كذبا، وإنما أنتم وآباؤكم حرفتم ونسيتم كثيرا مما أوتيتم. والقرآن جاء أيضا مهيمنا، أي حاكما على ما قبله من الكتب، وشاهدا عليها بما نزل فيها، وشاهدا لها بالصحة والثبات في أصلها، ومبينا حقيقة أمرها، وما طرأ عليها من نسيان وتحريف وتبديل. قال ابن عباس وابن جريج وآخرون: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ: القرآن أمين مؤتمن على ما تقدمه من الكتب، فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر: إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا «1» . وإذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته، فاحكم يا محمد وكذا كل حاكم، بين أهل الكتاب وبين الناس قاطبة، احكم بما أنزل الله إليك فيه من الأحكام، دون ما أنزله إليهم إذ شريعتك ناسخة لشريعتهم. احكم بما في هذا الكتاب العظيم وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من
الأنبياء ولم ينسخ في شرعك، ولا تتبع أهواءهم أي آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولا تنصرف ولا تمل ولا تعدل عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء، وما أحدثوا من تحريف وتبديل لحكم الرجم والقصاص في القتلى والبشارة بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وغيرها. ثم استأنف الله تعالى الكلام، فقال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً أي لكل أمة من الأمم جعلنا شريعة أوجبنا عليهم إقامة أحكامها، ومنهاجا وطريقا واضحا فرضنا عليهم سلوكه، حسبما تقتضي أحوال المجتمعات وطبائع البشر واستعداداتهم وتطور الأزمان، وإن كانت تلك الشرائع متفقة في أصول الدين وهي توحيد الله وعبادته وحده، وفي أصول الأخلاق والفضائل. قال الألوسي عن آية: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً: استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب من معاصريه صلّى الله عليه وسلّم على الانقياد لحكمه عليه الصلاة والسلام بما أنزل الله تعالى إليه من الحق، ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره مما في كتابهم، وإنما الذي كلفوا العمل به: من مضى قبل النسخ. والخطاب- كما قال جماعة من المفسرين- للناس كافة، الموجودين والماضين بطريق التغليب. فلكل أمة من الأمم الباقية والخالية وضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة، لا تكاد أمة تتخطى شرعتها والأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام، شرعتهم: ما في التوراة والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث أحمد عليهما السلام، شرعتهم: ما في الإنجيل وجميع أمم أهل الأرض من مبعث محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى يوم القيامة، شرعتهم الوحيدة المقبولة عند الله: ما في القرآن، ليس إلا، فآمنوا به واعملوا بما فيه «1» لأن محمدا خاتم النبيين، وهو رسول إلى الناس كافة، وشريعته أكمل الشرائع وأوفاها، وقرآنه هو الكتاب
الوحيد الباقي للبشرية دون تغيير ولا تبديل، وثابت ثبوتا قطعيا يقينيا لا شك ولا ريب فيه. والشرعة أو الشريعة عرفا: هي الأحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل وينسخ اللاحق منها السابق. والدين: هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء. ثم خاطب الله تعالى جميع الأمم، وأخبر عن قدرته الفائقة أنه لو شاء لجعل الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة إذ لا تصلح شريعة واحدة لكل الأزمان والشعوب، بسبب تفاوتهم في الرقي والنضج العقلي، فلما تقاربت البشرية شرع لها شريعة واحدة، وأن الهدف من تشريعه شرائع مختلفة: هو اختبار عباده فيما شرع لهم، لينظر الطائع فيثيبه، والعاصي بما فعله أو عزم عليه فيعاقبه. ثم ندب الله تعالى الناس إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي ابتدروها وتسابقوا نحو الطاعات، وتنافسوا في طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخا لما قبله، وصدقوا تصديقا يقينيا بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، وذلك كله لخيركم وصلاحكم، ولإحراز الفضل والرضا الإلهي، فإلى الله معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة، فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان. ثم أكد الله تعالى ما تقدم من الأمر بالحكم بما أنزل الله، فقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.. أي ألزمناك الحكم بالمنزل عليك، ولا تتبع أهواء المعاندين، واحذر أعداءك اليهود أن يضلوك عن الحق، ويدلسوه عليك فيما يخبرونك من أمور، فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة. ومعنى: عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ: عن كل ما أنزل الله إليك، والبعض يستعمل بمعنى الكل. وقال ابن
العربي: والصحيح أن بَعْضِ على حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم. فإن أعرضوا عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله، فلا تبال بهم، واعلم أن ذلك كائن عن قدرة الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى، بسبب ما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، ويريد الله أن يعذبهم في الدنيا قبل الآخرة ببعض ذنوبهم، وهو التولي والإعراض عن حكم الله وشرعه، وعما تحكم به، وقد تحقق ذلك العذاب بسبب غدر اليهود، فأجلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بني النضير عن المدينة، وقتل بني قريظة. أما بقية ذنوبهم الكثيرة فيعاقبون عليها بعذاب أليم في الدار الآخرة، وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أي متمردون في الكفر، مخالفون للحق وحائدون عنه، وخارجون عن حدود الشرع والدين والعقل. وفي هذا مواساة وتسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم على عدم قبولهم الحق الذي جاء به. ثم ندد الله تعالى باليهود الذين يريدون التمييز بين القتلى بحسب نوع القبيلة، ويريدون تحكيم أهواء الجاهلية، مع أنهم أهل كتاب، فوجه هذا الاستفهام الإنكاري لهم ولأمثالهم بقوله: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله، وهو الحق والعدل والصواب، تم يطلبون حكم الجاهلية القائم على الجور والظلم والهوى، فهذا توبيخ وتعجب من حالهم، وإنكار على كل من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، إلى ما سواه من الآراء والأهواء، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات التي يضعونها بآرائهم المعوجة وأهوائهم الطائشة. هذا الخطاب في الآية وهذا الاستفهام والتعجب والإنكار إنما هو موجه لقوم يوقنون بحقيقة الدين، ويذعنون لشرع الله، ويدركون أنه لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه.
فقه الحياة أو الأحكام:
وفسره القرطبي فقال: لا أحد أحسن من الله حكما (نصب على البيان والتمييز) عند قوم يوقنون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: 1- هناك جسور التقاء واضحة بين القرآن وما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل لأن هذه الكتب وصفت كلها بأنها هدى ونور، ونواحي الالتقاء هي في أصول الاعتقاد كتوحيد الإله وربوبيته وإثبات النبوة والمعاد، وفي أصول الأحكام التشريعيه كعبادة الله تعالى والصوم والصلاة والزكاة، وأصول الأخلاق والفضائل كالأمانة والصدق وتحريم الزنى والسرقة وجرائم العرض، وذلك كله في التوراة والإنجيل الأصليين المنزلين على موسى وعيسى. إلا أن القرآن وإن جاء مصدقا ومؤيدا لتلك الكتب في أصول الشرع والدين المذكورة، إلا أنه حاكم عليها ومهيمن على ما جاء فيها، فلا يعمل بحكم فيهما عارض القرآن. 2- إذا ترافع أهل الذمة إلينا وجب الحكم بينهم بشريعة الإسلام، لا بشرع سابق، للآية: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قيل: هذا نسخ للتخيير السابق في قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة 5/ 42] وهذا رأي الجمهور. وقال الشافعية: لا تعارض بين الآيتين، ولا حاجة للنسخ لأن الآية الأولى في المعاهدين، والثانية في الذميين. 3- النبي صلّى الله عليه وسلّم وكل مسلم منهي ومحرم عليه أن يترك الحكم بما بيّن الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام. 4- الله قادر على توحيد الشعوب والأمم والجماعات وجعلهم على ملة
واحدة، وعقيدة واحدة، وشريعة واحدة، فكانوا على الحق. ولكن الحكمة الإلهية اقتضت جعل الشرائع مختلفة للاختبار. 5- المبادرة إلى الطاعات والتنافس في فعل الخيرات سمة الأتقياء الصالحين، ودل قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها، إلا في الصلاة في أول الوقت، فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل عليه. وفيه دليل أيضا على أن الصوم في السفر أولى من الفطر. 6- في قوله تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ دليل على جواز النسيان على النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه قال: أَنْ يَفْتِنُوكَ وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. 7- إن إباء حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم والإعراض عنه سبب للمصائب في الدنيا لأن الله تعالى قال في اليهود: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أي يعذبهم بالجلاء والقتل وفرض الجزية. وإنما قال بِبَعْضِ لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. 8- كان العرب في الجاهلية يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع، وكان اليهود يفعلون مثلهم، فيقيمون الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء، لذا أنكر الله عليهم بقوله: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ. ومن أفعال الجاهلية تفضيل بعض الأولاد على بعض في الهبة أو العطية، فإن فعل لم ينفذ وفسخ، وهو قول الحنابلة والظاهرية لقوله عليه الصلاة والسلام لبشير في حديث النعمان الآتي تخريجه: «ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم، فقال: «أكلّهم وهبت له مثل هذا؟» فقال: لا، قال: «فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور» وفي رواية: «وإني لا أشهد إلا على حق» قالوا: وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث
موالاة اليهود والنصارى [سورة المائدة (5) الآيات 51 إلى 53] :
آخر: «أشهد على هذا غيري» ليس إذنا في الشهادة، وإنما هو زجر عنها لأنه عليه الصلاة والسلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه. وفعل أبي بكر لا يعارض قول النبي صلّى الله عليه وسلّم. أما القول بأن الأصل حرية الإنسان في التصرف في ماله مطلقا فلا يعارض الحديث، لذا قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» . وأجاز ذلك مالك وأصحاب الرأي والشافعي والثوري والليث لفعل أبي بكر الصديق في نحلة عائشة دون سائر ولده، وبقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه النسائي عن النعمان بن بشير: أن أباه بشير بن سعد جاء بابنه النعمان فقال: يا رسول الله، إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أكل بنيك نحلت؟» قال: لا، قال: «فأرجعه» وفي رواية: «فأشهد على هذا غيري» . 9- لا أحد أعدل من الله، ولا أحسن حكما من حكم الله تعالى. موالاة اليهود والنصارى [سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 53] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53)
الإعراب:
الإعراب: يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي: في إغوائهم وإفسادهم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أَنْ يَأْتِيَ في موضع نصب لأنه خبر عسى. وفَيُصْبِحُوا عطف عليه. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مرفوع على الاستئناف. ومن نصبه إما عطف على المعنى، كأنه قدّر تقديم أَنْ بعد فَعَسَى وعطف عليه، وتصير الجملة: «عسى أن يأتي الله بالفتح» وهي في معنى المذكور في الآية أو أنه معطوف على بِالْفَتْحِ وهو مصدر في تقدير «أن يفتح» ولما عطف على اسم، افتقر إلى تقدير (أن) أو معطوف على فَيُصْبِحُوا وهو وجه بعيد لكنه جائز. فَعَسَى اللَّهُ: عسى من الله واجب لأن ذلك من الكريم بمنزلة الوعد، لتعلق النفس به. المفردات اللغوية: أَوْلِياءَ نصراء وحلفاء توالونهم وتوادونهم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ لاتحادهم في الكفر فَإِنَّهُ مِنْهُمْ من جملتهم إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ بموالاتهم الكفار فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي أن إيمانهم ضعيف معتل غير صحيح، بسبب الشك والنفاق يُسارِعُونَ في موالاتهم يَقُولُونَ معتذرين عنها دائِرَةٌ يدور بها الدهر علينا من مصيبة، كجدب أو هزيمة وغلبة بِالْفَتْحِ بالنصر لنبيه بإظهار دينه وفتح البلاد وغير ذلك أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يفتضح المنافقين فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من الشك وموالاة الكفار نادمين. حَبِطَتْ بطلت أعمالهم الصالحة فَأَصْبَحُوا صاروا خاسِرِينَ الدنيا بالفضيحة، والآخرة بالعقاب الأليم. سبب النزول: أخرج ابن إسحاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي بن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وكان أحد بني عوف من الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فحالفهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتبرأ
من حلف الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت القصة في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآية. وفي رواية أخرى عن عطية بن سعد قال: «جاء عبادة بن الصامت من بني الخزرج إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من اليهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولّى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من موالاة مواليّ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعبد الله بن أبي: «يا أبا الحباب، أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة فهو لك دونه» قال: إذن أقبل، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى.. إلى قوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. وذكر في السيرة: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قدم المدينة كان الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه أحدا ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم. وقسم حاربوه وعادوه. وقسم وقفوا محايدين، لم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، وكانوا في الحقيقة والباطن معادين له وهم (المنافقون) . وقد عامل كل فريق بما أمره الله به، فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتاب أمان، وكانوا طوائف ثلاثة حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، فحاربه بنو قينقاع بعد بدر، ونقض بنو النضير العهد بعد ذلك بستة أشهر، ثم نقض بنو قريظة العهد لما خرج إلى غزوة الخندق، وكانوا من أشد اليهود عداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد حارب كل فئة ونصره الله عليها، وكان نصارى العرب والروم حربا عليه كاليهود.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: مضمون الآيات أن الله تعالى ينهى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يواليهم. أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا توالوا اليهود والنصارى أعداء الإسلام، أي لا تتخذوهم أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، ولا تسروا إليهم بأسراركم، ولا تطمئنوا إلى صداقتهم ومحبتهم أو مودتهم، إذ لن يخلصوا لكم، وبعضهم أولياء بعض، أي إن اليهود بعضهم أنصار بعض، والنصارى بعضهم أنصار بعض، وقد نقض اليهود عهودهم، والكل متفق على معاداتكم وبغضكم. ثم توعد من يواليهم فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي ومن ينصرهم أو يعينهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم أي من جملتهم وكأنه مثلهم، وليس من صف المؤمنين الصادقين. وهذا تغليظ من الله وتشديد على المنافقين الذين يتصادقون مع اليهود والنصارى المخالفين في الدين لأن موالاتهم تستدعي الرضا بدينهم. وهذا يومئ إلى أن العلاقات والمحالفات بين المسلمين وغيرهم لمصالح دنيوية غير منهي عنها في الآية. وسبب هذا الوعيد: أن من يوالي هؤلاء في شؤون الدين وقضاياه ومقتضيات الدعوة ونشاطها، فينصرهم أو يستنصرهم بهم، فهو ظالم لنفسه بوضعه الولاية في غير موضعها، والله لا يهديه إلى خير أو حق بسبب موالاة الكفر. وواقع الأمر أن المنافقين الذين في قلوبهم شك وريب ونفاق يسارعون فيهم، أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، وهم عبد الله بن أبي وجماعته المنافقون.
وسبب موالاة هؤلاء المنافقين لأعداء الإسلام: أنهم يتأولون في مودتهم أنهم يخشون انتصار الكافرين على المسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. وهذا شأن المنافقين المستضعفين في كل زمان ومكان، يتخذون صداقات ومودات عند زعماء الكفر لتأييدهم ودعمهم أثناء الأزمات، وقد أثبت الواقع تخليهم عنهم وقت المحنة الشديدة وبيع صداقتهم بثمن بخس، وقد رأينا في عصرنا كيف تتخلى أمريكا مثلا عن رئيس دولة ما عاش كل عهده حليفا لها، ومنفذا لمآربها، وسائرا في مخططاتها، فهي التي تستخدمه وتستهلكه، ثم تتخلى عنه وقت المحنة والأزمة، فخاب كل من استعان بغير الله وبغير أهل دينه. لذا رد الله على مزاعم وتأويلات هؤلاء: بأنه لعل الله يأتي بالفتح والنصر والفصل بين المؤمنين والكافرين كما حدث في فتح مكة وغيره، أو يأتي بأمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل في شأن هؤلاء الكافرين، كإلقاء الرعب في قلوب يهود بني النضير، ونحو ذلك من وقائع إدالة المؤمنين أي نصرهم على الكافرين، فيصبح المنافقون الذين والوا اليهود والنصارى نادمين على ما كان منهم، مما لم يفدهم شيئا، وإنما كان ذلك عين السوء والمفسدة، فإنهم فضحوا أمام المؤمنين بعد أن كانوا مستورين. قال المفسرون: فَعَسَى: من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له «1» . وبه يتبين أن المقصود بالفتح: تحقيق الفتوح في مكة وغيرها من بلاد العرب وإجلاء اليهود من الحجاز وخيبر وغيرها. وأما الأمر من عند الله فهو تدبير شيء خفي للأعداء، كإجلاء اليهود من موطنهم، أو قهرهم مثل قهر بني قريظة، أو إلقاء الرعب في قلوبهم كما حدث لبني النضير، أو إخضاع اليهود والنصارى لأحكام الإسلام وسلطة الدولة الإسلامية بفرض الجزية عليهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
وحينئذ تتبدد تأويلات المنافقين، ويظهر كذبهم وافتراؤهم، لذا قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا.. أي يقول بعض المؤمنين لبعض أو لليهود تعجبا واستهجانا وشماتة: أهؤلاء الذين أقسموا بالله: إنهم معكم وإنهم مناصروكم على أعدائكم اليهود، ثم انكشفوا على حقيقتهم، وتبينت عداوتهم، كما قال تعالى: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ: إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ، وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التوبة 9/ 56] أي أنهم جماعة خائفون يظهرون الإسلام تقيّة أو مناورة أو سياسة، لا حقيقة. وأردف المؤمنون القول: هؤلاء المنافقون بطلت أعمالهم التي يؤدونها نفاقا من صلاة وصيام وحج وجهاد، فخسروا بذلك الدنيا والأجر والثواب في الآخرة. والمفسرون اختلفوا في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي: أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه، وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث، وقال الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآيات. وقال عكرمة فيما رواه ابن جرير: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بني قريظة، فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير، وكما ذكر في سبب النزول. فقه الحياة أو الأحكام: تدل الآيات على ما يأتي: 1- قطع الموالاة والمودة شرعا بين المؤمنين وبين الكافرين في أمور الدين
وقضاياه الكبرى الأساسية. ولا مانع من وجود علاقات لمصالح دنيوية تقتضيها الضرورة، بدليل ما قال الطبري في قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ: يعني ومن يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم، فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وأسخطه، وصار حكمه حكمه «1» . ودل قوله: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أن حكمه حكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد. وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة، وقد قال تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود 11/ 113] وقال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران 3/ 28] وقال سبحانه: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران 3/ 118] . وأعلن تعالى فصل الموالي للكفار عن جماعة المؤمنين، فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم، أي من أصحابهم. 2- إن مخاوف المنافقين التي أدت بهم إلى موالاة الكفار تتبدد أمام تدبير الله وتأييده ونصره، وتدمير الأعداء، وإحباط مخططاتهم، وإذلالهم. 3- ظهور حقيقة المنافقين في مرأى المؤمنين، فيتعجبون من شأنهم، قائلين لبعضهم: أهؤلاء الذين ادعوا نصرتنا بالأيمان المغلظة؟ أو قائلين لليهود على
المرتدون ومعاداتهم المسلمين [سورة المائدة (5) الآيات 54 إلى 56] :
جهة التوبيخ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد؟ فالآية تحتمل قول المؤمنين لبعضهم، أو لليهود. المرتدون ومعاداتهم المسلمين [سورة المائدة (5) : الآيات 54 الى 56] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56) الإعراب: مَنْ يَرْتَدَّ: من: شرطية، ويرتدّ: مجزوم بها. يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ في موضع جر صفة لقوم، وكذلك قوله تعالى أَذِلَّةٍ.. وأَعِزَّةٍ وكذلك يُجاهِدُونَ وصف لهم. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال منهم. وَهُمْ راكِعُونَ: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير يُؤْتُونَ. ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على الصَّلاةَ والواو ليست للحال، فلا يكون لها موضع من الإعراب. البلاغة: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ بينهما طباق. لَوْمَةَ لائِمٍ التنكير في الكلمتين للمبالغة. المفردات اللغوية: مَنْ يَرْتَدَّ يرجع عن الإسلام، والردة: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر أو إلى غير دين،
سبب النزول:
أو ترك ركن من أركان الإسلام كالزكاة جهارا وعنادا. يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ يثيبهم، ويخلصون له العمل ويطيعونه في كل أمر ونهي. أَذِلَّةٍ جمع ذليل أي عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع، من الذل وهو الحنو والعطف. أَعِزَّةٍ أشداء متعالين عليهم. لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ أي أنهم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين كإنكار منكر، أو أمر بمعروف أو مجاهدة في سبيل الله، لا يأبهون لقول قائل ولا اعتراض معترض ولا لوم لائم يلومهم وينتقدهم، خلافا للمنافقين الذين يخافون لوم الكفار. ذلِكَ المذكور من الأوصاف فضل الله. وَاللَّهُ واسِعٌ كثير الفضل. عَلِيمٌ بمن هو أهله. إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ أي إنما ناصركم ومعينكم على طريق الأصالة والحقيقة هو الله. وأما ولاية من عداه فهي على سبيل التبع والظاهر. وَهُمْ راكِعُونَ خاشعون وخاضعون. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي يعينهم وينصرهم. فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ الحزب: الجماعة المجتمعة على أمر واتجاه خاص، وحزب الله: أتباعه، والغالبون: المنتصرون لنصر الله إياهم. سبب النزول: نزلت هذه الآيات فيمن ارتد من القبائل في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهم ثلاث: 1- بنو مدلج ورئيسهم الأسود العنسي الذي تنبأ باليمن، وكان كاهنا، وقتل على يد فيروز الديلمي. 2- وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب الذي تنبأ في اليمامة، وأرسل كتابا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، يذكر فيه أنه شريك له، وأن الأرض قسمان فكتب له النبي صلّى الله عليه وسلّم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. قاتله أبو بكر رضي الله عنه، وقتله وحشي الذي قتل حمزة، وكان يقول: قتلت في جاهليتي خير الناس، وفي إسلامي شر الناس. 3- وبنو أسد بزعامة طليحة بن خويلد، ارتد أيام النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقاتله أبو بكر في خلافته، ففر إلى الشام وأسلم وحسن إسلامه.
وارتدت سبع قبائل في عهد أبي بكر وهم: 1- غطفان بزعامة قرّة بن سلمة. 2- فزارة قوم عيينة بن حصن. 3- بنو سليم قوم الفجاءة عبد يا ليل. 4- بنو يربوع قوم مالك بن نويرة. 5- بعض قبيلة بني تميم، بزعامة سجاح بنت المنذر، الكاهنة زوجة مسيلمة. 6- كندة قوم الأشعث بن قيس. 7- بنو بكر بن وائل الحطم بن زيد. وارتد في عهد عمر جبلة بن الأيهم الغساني، الذي تنصر ولحق بالشام لأنه كان يطوف حول الكعبة، فوطئ إزاره رجل من فزارة، فلطمه جبلة، فهشم أنفه، فشكاه الفزاري إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فحكم إما بالعفو أو القصاص، فقال جبلة: أتقتص مني وأنا ملك، وهو سوقة، فقال عمر: الإسلام سوى بينكما، ثم استمهل إلى غد، فهرب. فصار مجموع من ارتد إحدى عشرة فئة أو فرقة «1» . وأما الذين أتى الله بقوم يحبهم ويحبونه: فهم أبو بكر وأصحابه، وقيل: هم قوم من أهل اليمن، وقيل: هم رهط أبي موسى الأشعري، ورجح الطبري أن الآية نزلت في قوم أبي موسى من أهل اليمن، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قرأ هذه الآية قال: هم قوم أبي موسى «2» .
سبب نزول إنما وليكم الله:
سبب نزول: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ: ذكرت روايات يقوي بعضها بعضا أنها نزلت في علي بن أبي طالب الذي سأله سائل وهو راكع في تطوع، فتصدق عليه بخاتمه. وأثبت الرازي أن هذه الآية مختصة بأبي بكر «1» . وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... إعلام من الله عباده جميعا الذين تبرؤوا من اليهود وحلفهم رضا بولاية الله ورسوله والمؤمنين «2» . المناسبة: بعد أن نهى الله تعالى عن موالاة الكافرين، وبيّن أن الذين يبادرون إلى توليهم مرتدون، ذكر استغناءه عن أهل الردة، واعتماده على صادقي الإيمان الذين يحبهم ويؤثرون حبه من إقامة الحق والعدل على سائر ما يحبون من مال ومتاع وولد. التفسير والبيان: موضوع الآيات بيان قدرة الله العظيمة على استبداله بالمرتدين من هو خير لدينه وإقامة شريعته، وهو من كان أصلب دينا وأشد منعة وأقوم سبيلا، كما قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد 47/ 38] وقال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [النساء 4/ 133] وقال عز وجل: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي بممتنع ولا صعب [إبراهيم 14/ 19- 20] .
يا أيها المؤمنون من يرجع عن الحق إلى الباطل، فيترك دينه في المستقبل فسوف يأتي الله بقوم بديل عنهم وصفهم القرآن بست صفات: 1- يحبهم الله تعالى: أي يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم. 2- ويحبون الله تعالى: باتباع أمره واجتناب نهيه، وإطاعته وابتغاء مرضاته، والبعد عما يوجب سخطه وعقابه. 3، 4- أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين: أي عاطفين على المؤمنين متواضعين لهم، أشداء متعالين على الكافرين المعادين لهم، وهما نحو قوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح 48/ 29] وقوله عز وجل في عزة الإيمان: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون 63/ 8] . 5- يجاهدون في سبيل الله: أي يقاتلون من أجل رفعة كلمة الله ودينه، وسبيل الله: هو طريق الحق والخير والفضيلة والتوحيد المؤدي إلى مرضاة الله، والدفاع عن الوطن والأهل والديار. 6- لا يخافون لومة لائم: لا يخشون لوم أحد واعتراضه ونقده لصلابتهم في دينهم، ولأنهم يعملون لإحقاق الحق وإبطال الباطل، على نقيض المنافقين الذين يخافون لوم حلفائهم اليهود. ثم قال تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ أي ذلك المذكور من الصفات التي وصف بها القوم: وهي المحبة والذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة، هو من فضل الله يعطيه من يشاء، ويوفق إليه من يريد، والله واسع، أي ذو سعة فيما يملك ويعطي كثير الأفضال، عليم بمن هو أهلها، فهو تعالى واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك، ممن يحرم منه.
فقه الحياة أو الأحكام:
وبعد أن نهى الله عن موالاة الكافرين، أمر بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، فقال: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي ليس اليهود بأوليائكم وأنصاركم، وإنما وليكم وناصركم بحق هو الله ومعه رسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة، أي يؤدونها كاملة تامة الأركان والشروط، ويؤتون الزكاة أي يعطونها بإخلاص وطيب نفس لمن يستحقها، وهم خاضعون لأوامر الله، بلا تململ ولا تضجر ولا رياء. ومن يناصر دين الله بالإيمان به والتوكل عليه، ويؤازر رسول الله والمؤمنين دون أعدائهم، فإنه هو الفائز الناجي، وهو الذي يحقق النصر والغلبة، وعندها يتحقق نصر حزب الله وغلبتهم أي جماعة المؤمنين، ويكون المؤمنون هم الغالبون لأنهم حزب الله، كما قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ إلى قوله: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة 58/ 21- 22] فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور فيهما. فقه الحياة أو الأحكام: 1- تضمنت الآيات وعيدا لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإخبارا غيبيا أنه سيرتد قوم من الناس. كما تضمنت أيضا وعدا من الله لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه، ولا يرتد. فلما قبض الله نبيه صلّى الله عليه وسلّم ارتد قوم من أهل القبائل، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده «1» .
روى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية، وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس. قالوا: نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا، فكلّم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها. فقال: لا والله، لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه، فبعث الله عصابة (جماعة) مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون (وهي الزكاة) صغرة (أذلاء مهينين) أقمياء (ذليلين ضعفاء) . فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطّة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يقروا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال، ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال «1» . والخلاصة: إن هذا من إعجاز القرآن والنبي صلّى الله عليه وسلّم إذ أخبر عن ارتداد العرب، ولم يكن ذلك في عهده، وكان ذلك غيبا، ووقع ما أخبر به بعد مدة، وأهل الردة- كما بينت- كانوا بعد موته صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثا «2» ، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها قالوا: نصوم ونصلي ولا
نزكي فقاتل الصدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش، فقاتلهم وسباهم، على ما هو مشهور من أخبارهم. 2- أصح ما قيل في نزول قوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أنها نزلت في الأشعريين ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن «1» . وروى الحاكم في المستدرك بإسناده: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أشار إلى أبي موسى الأشعري، لما نزلت هذه الآية فقال: «هم قوم هذا» . 3- المؤمنون أذلة على بعضهم، رحماء فيما بينهم، يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم، أعزة على الكافرين أشداء عليهم. قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته. 4- دل قوله: يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقوله: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ بخلاف المنافقين: على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو وليّ لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة. 5- الله ولي الذين آمنوا، وقال تعالى هنا: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وقال في رواية أخرى وكما ذكر في سبب النزول عن مجاهد والسدي: نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
النهي عن موالاة الكفار وأسبابه [سورة المائدة (5) الآيات 57 إلى 63] :
والأصح أن الآية عامة في جميع المؤمنين لأن الَّذِينَ لجماعة، ومن عمومياتها ما يأتي: قال جابر بن عبد الله: قال عبد الله بن سلام للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إن قومنا من قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية ، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. وأولياء الله: هم الموصوفون بالآية لا غيرهم: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخشعون لله تعالى. والمراد: يأتون بصلاة الفرض في أوقاتها بجميع حقوقها، ويؤدون الزكاة المفروضة بطيب نفس. 6- من فوض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من حزب الله، وحزب الله: جند الله وأنصاره والمنفذون أوامره، والمجتنبون نواهيه. وإذا توافرت هذه الصفات كانوا هم الغالبين: إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات 77/ 173] . النهي عن موالاة الكفار وأسبابه [سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 63] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62) يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63)
الإعراب:
الإعراب: وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ: الْكُفَّارَ معطوف بالنصب على الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ. وقرئ بالجر عطفا على الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ. أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ في موضع نصب بتنقمون. وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ.. ما في الموضعين بمعنى «الذي» في موضع جر بالعطف على اسم الله تعالى. وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ عطف على بِاللَّهِ وتقديره: آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون. مَثُوبَةً تمييز منصوب، والعامل فيه بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ. مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ: إما مجرور بدلا من بِشَرٍّ بدل الشيء من الشيء وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مع حذف مضاف وتقديره: «هو لعن من لعنه الله» فحذف المبتدأ وإما منصوب على الذم بتقدير فعل وتقديره: أذكر أو أذمّ من لعنه الله. وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ معطوف على لَعَنَهُ وكذلك وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ولم يأت بضمير جمع في عَبَدَ حملا على لفظ مِنْ. مَكاناً منصوب على التمييز. وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ في موضع نصب على الحال. وكذلك خَرَجُوا بِهِ أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. والباء باء الحال كقولهم: خرج زيد بسلاحه، أي متسلحا.
البلاغة:
البلاغة: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ للحث والإثارة. هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ هذا من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس فقد جعلوا التمسك بالإيمان موجبا للإنكار. لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ من باب التهكم، حيث استعملت المثوبة في العقوبة. شَرٌّ مَكاناً نسب الشر للمكان وهو لأهله مبالغة في الذم. المفردات اللغوية: هُزُواً مهزوءا به وسخرية. وَلَعِباً مِنَ لبيان الجنس، واللعب: ضد الجد. وَالْكُفَّارَ المشركين. وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك موالاتهم. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ صادقين في إيمانكم. وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي والذين إذا دعوتم إلى الصلاة بالأذان والإقامة. اتَّخَذُوها الصلاة. هُزُواً وَلَعِباً بأن يستهزءوا بها ويتضاحكوا. ذلِكَ الاتخاذ. بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم. هَلْ تَنْقِمُونَ تنكرون وتعيبون بالقول أو بالفعل. المعنى ما تنكرون إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبوله، المعبر عنه بالفسق اللازم عنه، وليس هذا مما ينكر عقلا وعرفا. مَثُوبَةً ثوابا وجزاء، من ثاب إليه إذا رجع، والجزاء يرجع إلى صاحبه. الطَّاغُوتَ: كل ما عبد من دون الله، كالشيطان والأصنام، وعبادة الطاغوت مجاز عن طاعته. وروعي في قوله مِنْهُمُ معنى «من» وفيما قبله لفظها وهم اليهود. أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً لأن مأواهم النار. وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ طريق الحق، وأصل السواء: الوسط. وذكر بِشَرٍّ ... وأَضَلُّ في مقابلة قول اليهود الذين قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر عيسى: لا نعلم شرا من دينكم. وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ عطف على آمَنَّا. وَإِذا جاؤُكُمْ منافقو اليهود. وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ أي دخلوا إليكم متلبسين بالكفر. وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا من عندكم متلبسين به، ولم يؤمنوا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ أي يكتمونه من النفاق. وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي اليهود. يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ يقعون في الكذب. وَالْعُدْوانِ الظلم. وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ المال الحرام الدنيء كالرشوة في القضاء والربا وغير ذلك. عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ الكذب.
سبب النزول نزول الآية (57) :
لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ أي يصنعونه من ترك النهي عن ذلك كله. سبب النزول: نزول الآية (57) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري الأصفهاني (274 هـ) عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجل من المسلمين يوادهما، فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ إلى قوله: بِما كانُوا يَكْتُمُونَ. وبه قال: أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وغازي بن عمرو، فسألوه: فمن نؤمن به من الرسل؟ قال: أؤمن بالله: وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ، وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى، وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا بمن آمن به، فأنزل الله فيهم: قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ، هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ الآية. وفي رواية: فلما ذكر عيسى، قالوا: لا نعلم دينا شرا من دينكم. وفي رواية عن ابن عباس: أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا. المناسبة: نهى الله تعالى في الآيات السابقة عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء (حلفاء وأنصارا) من دونه لأن بعضهم أولياء بعض، ثم كرر النهي هنا للتأكيد عن اتخاذ الكفار عامة أولياء، لإيذائهم المؤمنين ومقاومتهم دينهم.
التفسير والبيان:
التفسير والبيان: موضوع هذه الآيات التنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من أهل الكتاب والمشركين الذين يهزؤون بشرائع الإسلام المطهرة، ويتخذونها نوعا من اللعب. يا أيها المؤمنون لا تتخذوا الكفار من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين الذين يهزؤون بدينكم، ويتخذون شعائره وشرائعه لونا من اللعب، لا تتخذوهم أولياء أي حلفاء وأنصارا، فإن الهازئ بالشيء معاند له وساخر به وغير مؤمن به وعدوّ له ولأهله، وإن تظاهروا بالمودة، كما قال تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة 2/ 14] . واتقوا الله وخافوا عذابه ووعيده أيها المؤمنون إن كنتم صادقي الإيمان تحترمون أحكامه وتلتزمون حدوده، أو كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا. وكذلك إذا ناديتم إلى الصلاة بالأذان، اتخذوها أيضا هزوا ولعبا لأنهم لا يعقلون معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر حتى لا يسمع التأذين. ثم ناقشهم الحق تعالى فقال: قل يا محمد لهؤلاء أهل الكتاب الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا: هل تنكرون أو تعيبون علينا إلا إيماننا الثابت الراسخ بالله ورسله، وإيماننا بما أنزل إلينا وبما أنزل من الكتب قبل على الرسل، وما هذا بعيب ولا مذمة؟ فيكون الاستثناء منقطعا، كما في قوله تعالى: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج 85/ 8] وقوله: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة 9/ 74] .
ولأن أكثركم فاسقون، أي متمردون خارجون عن حقيقة الدين، وليس لكم من الدين إلا التعصب والمظاهر والتقاليد الجوفاء. وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ معطوف على آمَنَّا بمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين الحكم عليكم بتمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم، حيث دخلنا في دين الإسلام، وأنتم خارجون منه. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون. ويمكن عطفه على المجرور، أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وبأن أكثركم فاسقون. وعبر بالأكثر لأن بعض أهل الكتاب ما يزالون متمسكين بأصول الدين من توحيد الإله وعبادته، والتزام الحق والعدل، وحب الخير. ثم أجابهم تعالى عن استهزائهم بقوله: قل لهم يا محمد، هل أنبئكم أي أخبركم أيها المستهزئون بديننا الذين تقولون: «لا نعلم شرا من دينكم» وأعلمكم بما هو شر من أهل ذلك، أو من دين من لعنه الله، بتقدير مضاف محذوف قبل كلمة ذلِكَ. واستدعى ذلك سؤالا آخر منهم عن الذي هو شر: ما هو؟ فأجاب تعالى: والذي هو شر من ذلك: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أي هل أخبركم بشر مما تقولون وتظنونه بنا هو جزاء من لعنه الله. كقوله تعالى: قُلْ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ: النَّارُ [الحج 22/ 772] . وفي هذا انتقال من تبكيت لهم بإقامة الحجة على هزئهم ولعبهم إلى ما هو أشد منه تبكيتا وتشنيعا عليهم، وهو التذكير بسوء حال أسلافهم مع أنبيائهم، وما كان من جزاء الله لهم على فسقهم.
ومن لعنه الله، أي أبعده وطرده من رحمته، واللعنة تلزم الغضب الإلهي، وهو يستلزم اللعنة إذ هي منتهى المؤاخذة لمن غضب الله عليه. وغضب عليه، أي غضبا لا يرضى عنه أبدا. وجعل منهم القردة والخنازير غضبا منه عليهم وسخطا، فعجل لهم الخزي والنكال في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى المتقدم: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ، فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة 2/ 65] وقوله فيما يأتي: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [الأعراف 7/ 166] والجمهور على أنهم مسخوا حقيقة، فكانوا قردة وخنازير وانقرضوا، والقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى، وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبابهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. والدليل على انقراضهم ما رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله؟ فقال: «إن الله لم يهلك قوما- أو قال: لم يمسخ قوما- فيجعل لهم نسلا ولا عقبا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك» . ونقل الطبري عن مجاهد وغيره في قوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي أذلة صاغرين «1» . وعبد الطاغوت، أي جعل منهم من صير الطاغوت معبودا من دون الله، والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، كالأصنام والشيطان والعجل، فكانت عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فصارت عبادتهم له عبادة للشيطان. أولئك المتصفون بما ذكر من المخازي والمعايب شر مكانا مما تظنون بنا إذ لا مكان لهم في الآخرة إلا النار، وهم أضل عن قصد الطريق الوسط المعتدل وهو
الحق الذي لا يعلوه شيء. والتعبير بكلمتي بِشَرٍّ ... وأَضَلُّ ليس للمفاضلة لأن هذا الدين خير محض وإنما هذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر، من قبيل المشاكلة للفظهم والمجاراة لهم في اعتقادهم، كقوله عز وجل: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان 25/ 24] . ثم بيّن الله تعالى حال المنافقين، فقال: وَإِذا جاؤُكُمْ.. أي إذا جاء منافقو اليهود قالوا: آمنا بالرسول وبما أنزل عليه، والحال أنهم مستصحبون للكفر مقيمون عليه في قلوبهم، فإذا دخلوا عندك يا محمد أو عليكم أو خرجوا من عندكم فحالهم سواء، لم يتحولوا عن كفرهم، وهذه صفة معروفة للمنافقين منهم: أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ودأبهم الخداع والمكر، كما قال تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ [البقرة 2/ 76] . وهم جميعا أغبياء لأن الله أعلم بما كانوا يكتمون، أي عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن تظاهروا للناس بخلاف الحقيقة، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، ولم يختلف وضعهم من الكيد والمكر والخبث والكذب والخيانة حين دخولهم على النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلى المؤمنين وحين خروجهم: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [المائدة 5/ 41] . فهم بهذا شذاذ لأن من كان يجالس الرسول صلّى الله عليه وسلّم بوعي وأدب، سرعان ما يقذف الله في قلبه نور الإيمان، ولربما كان يقصد قتله إذا رآه وسمع كلامه. ثم أضاف القرآن من أوصافهم شرا مما ذكر، فقال تعالى: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ ... أي وترى أيها النبي كثيرا من هؤلاء اليهود المستهزئين بدينك يبادرون إلى ارتكاب الإثم والظلم والمعاصي والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل،
فقه الحياة أو الأحكام:
لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم، فما أقبح أعمالهم وأسوأ أفعالهم! ثم حض الله تعالى علماءهم على النهي عن قول الإثم وأكل السحت فقال: يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ.. قال البيضاوي: هذا للحض، فإنإذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض، أي هلا كان ينهاهم الربانيون (وهم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم) والأحبار (هم العلماء فقط) «1» عن تعاطي ذلك؟ لبئس ما كانوا يصنعون من تركهم ذلك ورضاهم بالمنكر، كأنهم جعلوا أكثر إثما من مرتكبي المنكرات لأن كل عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه، كما قال الزمخشري «2» . وقال القرطبي: والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة «3» . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي أشد آية في القرآن، أي ليس في القرآن ما هو أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، أي أنها حجة على العلماء إذا قصروا في الهداية والإرشاد، وتركوا النهي عن الشرور والآثام التي تفسد نظام الحياة للفرد والمجتمع. فقه الحياة أو الأحكام: الآية تأكيد صريح لما سبق من قطع الموالاة مع الكفار عامة لأنهم يستهزءون بشرائع الإسلام وأحكامه، وبخاصة وقت النداء أي الأذان للصلاة. قال الكلبي: كان إذا أذن المؤذن، وقام المسلمون إلى الصلاة، قالت اليهود:
قد قاموا لا قاموا، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا، وقالوا في حق الأذان: لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم، فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت، وما أسمجه من أمر. وعن مشروعية الأذان قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة، وإنما كانوا ينادون: «الصلاة جامعة» فلما هاجر النبي صلّى الله عليه وسلّم وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وبقي «الصلاة جامعة» للأمر يعرض كصلاة الجنازة وصلاة العيد وصلاة الكسوفين. وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أهمه أمر الأذان حتى أريه عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم. وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء. ثم أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بلالا فأذّن بالصلاة أذان الناس اليوم. وزاد بلال في الصبح: «الصلاة خير من النوم» فأقرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والأذان من شعائر الإسلام، وهو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا بعث سرية قال لهم: «إذا سمعتم الأذان فأمسكوا وكفّوا، وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا- أو قال: فشنوا الغارة» . لذا قال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. وقال مالك: إنما يجب الأذان في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس، ثم اختلف أصحابه على قولين: أحدهما- سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر ونحوه من القرى. والثاني- هو فرض على الكفاية. وحكى الطبري عن مالك قال: إن ترك أهل مصر الأذان عامدين، أعادوا الصلاة. واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته، وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة، أي فهما سنة مؤكدة.
واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول، عملا بحديث أبي محذورة. وكذلك اتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان، وذلك رجوع المؤذن إذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين» رجّع فمدّ من صوته جهده. وقال الحنفية: الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى، والتكبير عندهم في أول الأذان وأول الإقامة: «الله أكبر» أربع مرات، ولا ترجيع عندهم في الأذان، عملا بما رآه في المنام عبد الله بن زيد وفي حديثه: «فأذن مثنى وأقام مثنى» . ورأى الإمام أحمد أنه يجوز تربيع التكبير أو تثنيته في أول الأذان، ويجوز الترجيع وعدمه، ويجوز تثنية الإقامة وإفرادها، إلا قوله: «قد قامت الصلاة» فإن ذلك مرتان على كل حال، كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جميع ذلك، وعمل به أصحابه. واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح: وهو قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، فقال المالكية والشافعية: يسن ذلك مرتين في أذان صلاة الفجر، لحديث أبي محذورة فيما رواه الخمسة (أحمد وأهل السنن) ، ولا يسن ذلك عند الحنفية والحنابلة. وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر، فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد، لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الشيخان عن ابن عمر وعائشة: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» وقال الحنفية: لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمالك بن الحويرث وصاحبه فيما
أخرجه الجماعة السبعة عن مالك: «إذا حضرت الصلاة فأذّنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما» وقياسا على سائر الصلوات. وأجاز مالك وأبو حنيفة وأصحابهما أن يؤذن المؤذن ويقيم غيره لأن بلالا أذن وأقام عبد الله بن زيد. وقال الشافعي: من أذن فهو يقيم، لحديث زياد بن الحارث الصّدائي: «إن أخا صداء أذّن ومن أذّن فهو يقيم» . ويترسّل المؤذن في أذانه، ولا يطرّب به كما يفعله كثير من الجهال. ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين، وإن أتمه جاز، وهذا مذهب المالكية لحديث الجماعة عن أبي سعيد الخدري: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن» . ويستحب عند الجمهور أن يقول السامع مثلما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» لحديث عمر في صحيح مسلم. ودل قوله تعالى: قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا على توبيخ أهل الكتاب على تعيير المسلمين بشيء لا محل لإنكاره أو ذمه أو تعييبه. وأرشد قوله تعالى: يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ.. إلى النعي على العلماء توانيهم في القيام بواجبهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد وبخ الله علماء ا