التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

الأزهر مجمع البحوث الإسلامية التفسير الوسيط للقرآن الكريم تأليف لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإِسلامية بالأزهر الحزب الأول الطبعة الثالثة 1413هـ - 1992م مطبعة المصحف الشريف

بسم الله الرحمن الرحيم

تصدير

تصدير يسر الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية، أن تقدم لقراء الثقافة الإسلامية، كتاب: (التفسير الوسيط للقرآن الكريم) وهو ثمرة توصية لمس فيها المؤتمر الرابع للمجمع، حاجة المسلمين إلى وضع تفسير وسيط للقرآن الكريم، في أسلوب ميسر: يسهل للقارىء الوصول إلى معانيه. ولقد سارع المجمع - إثر صدور هذه التوصية - إِلى العمل على تنفيدها، مدركا خطورة الموضوع الذي يتصدى له، مستجيبا للهفة المسلمين إلى تفسير للقرآن الكريم: ييسر لهم الرجوع إليه- باعتباره أساس وجودهم، ومصدر شريعتهم- في وقت أخذوا يتلمسون فيه الطريق إلى ذاتهم، وبناء حضارتهم: على أساس راسخ، وبنيان متين. فعقد مجلس المجمع عدة جلسات للنظر في التخطيط؛ لتنفيذ هذا المشروع، ووافق على الخطة التي انتهى إليها، وعهد إلى بعض أعضائه بالإشراف على إِخراجه. وقد سار العمل في هذا المشروع على درجتين: أولاهما يتم فيها وضع التفسير، بتوزيع أجزاء القرآن على نخبة من العلماء الممتازين ليقوم بكتابة التفسير، وفقا للخطة العلمية التي أقرها المجلس. وثانيتهما: يتم فيها مراجعة ما كتب والتنسيق بينه، بحيث يظهر في أسلوب موحد واف بالمقصود. وقد اشترك في لجنة التنسيق من السادة أعضاء المجمع فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أحمد أبو زهرة، والأستاذ محمد خلف الله أحمد، والأستاذ الدكتور محمد مهدى علام. وانضم إليهم من السادة العلماء: 1 - فضيلة الأُستاذ الدكتور عبد العظيم الغباشى. 2 - السيد الأُستاذ على عبد العظيم. 3 - فضيلة الأُستاذ الدكتور محمد السيد ندا.

4 - فضيلة الأُستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي. 5 - فضيلة الأُستاذ الشيخ محمد سليم زيدان. 6 - فضيلة الأُستاذ الشيخ مصطفى محمد الحديدى الطير. كما اشترك في بعض المراحل فضيلة الأُستاذ الدكتور عبد الحسيب طه حميدة. واننا لنتوجه إلى الله العلى القدير، أن يمدهم بعونه وتوفيقه، ليكملوا أداء هذه الرسالة الجليلة، وأن يوفقهم إلى إتمامها، في الصورة التي يرضى عنها الله المؤمنون. كما نرجوه -سبحانه- أن يوفق الأمانة العامة إلى موالاة إصدار ما يتم من هذا التفسير. ولله الموفق، والهادى إلى الصواب. تحريرا فى 30 من ربيع الأول1393هـ 23 من أبريل 1973م الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية دكتور محمد الرحمن بيصار

مقدمة

مقدمة الحمد لله رب العالمين، بعث محمدا خاتما للمرسلين، وأَنزل عليه القرآن العظيم، بلسان عربى مبين، وجعله حجة باقية على الزمان، ونبراسا للهدى والعرفان، ففتح به قلوبا غلفا، وأسمع به آذانا صما، وبَصَّرَ به أعينا عميا. والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين: سيدنا ومولانا محمد صفوة خلق الله أجمعين: اختصه برسالته الخالدة، واصطفاه لدعوة الحق الباقية، وشرفه بالعلم والعرفان، وزينه بأكرم السجايا وأكمل الأَخلاق. ورضوان الله ورحمته وبركاته، على آله وأصحابه، ومن نهج نهجهم، واتبع سبيلهم من المؤمنين الصادقين إلى يوم الدين. أما بعد، فإن القرآن الكريم: كتاب الله الخالد، نزل به الروح الأمين، على أكمل البشر، وخاتم الرسل: سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، بعد ما اشتبه عليهم الضلال بالهدى، والجهل بالعرفان. وكان ذلك من رحمة الله بعباده، وعظيم رأفته بخلقه. وقد استطاع القرآن - ببلاغته وعظيم هداه - أن يلين قلوب العرب بعد عنادهم، ويروض جماحهم بعد شماسهم، فلانوا بعد صلابة، وانقادوا بعد شرود، واستجابوا بعد إباء، إذ انشرحت له صدورهم، وتفتحت له قلوبهم. ثم ما لبثوا أن انتقلوا من الضلالة إلى الرشاد، ومن البداوة إلى الحضارة، ومن الجهالة إلى العلم، ومن الفرقة والشقاق، إلى الأُلفة والاتحاد، ومن الضعف إلى القوة، ومن الهوان إلى العزة، وصدق الله إذ يقول: " {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. (¬1)} ويقول: { ... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... (¬2)}. ¬

_ (¬1) الجمعة: 2 (¬2) المنافقون: 8

وتحت راية هذا الذكر الحكيم: انتشر الإسلام في العالمين وسادت اللغة العربية كثيرا من لغات البلاد التي آمنت به، وازدهرت الحضارة الرفيعة في ربوعها، فإنه أباح لهم عمارتها والتمتع بطيباتها وزينتها، إلى جانب أنه حثهم على السمو الروحى عن طريق العلم والعمل الصالح، للفوز في دار الخلود. وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . .} (¬1) ويقول عز وجل: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}. (¬2) ويقول سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (¬3) وفي ظلال تمسكهم بهداه، استحقوا أن يكونوا خير أُمة أُخرجت للناس. وذلك لأنهم: يأْمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤْمنون باللهِ، ويسلكون سبيل الرشاد. ولما تراخى المسلمون في الاعتصام به: انتثر عقدهم، وذهبت ريحهم، وتفرق شملهم، فلا سبيل إلى استعادة أمجادهم وعزتهم وتوتهم، إلا بأَن يعودوا إلى التمسك حهذا الكتاب العظيم: وأن تخفق قلوبهم لتوجيهه، وتنقاد لإرشاده، في شئون الدنيا والدين. ومن أبرز صفات المؤمنين الصادقين، التجاوب العقلى والروحى، والعملي مع آي الذكر الحكيم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (¬4). وأن يتأثروا بعظاته على نحو ما يقوله سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .} (¬5) وأن يحذروا الفرقة بعد أن جمعهم الله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ... } (¬6). {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. . .} (¬7). وأن يأخذوا بأسباب القوة علماً وعملا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. . .} (¬8) ¬

_ (¬1) الأعرف: 32 (¬2) طه: 112 (¬3) الزلزلة: 8،7 (¬4) الأنفال: 2 (¬5) الزمر: 23 (¬6) النحل: 92 (¬7) آل عمران: 103 (¬8) الأنفال: 60

القرآن والتفسير

القرآن والتفسير القرآن هو المصدر الأول للعقيدة والشريعة الإسلامية، لهذا عني به علماءُ المسلمين منذ عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى الآن تلاوة وتدبرًا، ودراسة من جمع نواحيه: البلاغية والتشريعية، والاجتماعية والخُلقية والعلمية. وهو المعجزة الكبرى لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ودستور العفيدة والشريعة والاخلاق لأُمته. والقرآن الكريم في أعلى درجات البلاغة، بحيث لا تصل إِلى مثله قدرة البشر؛ ومع هذا فقد كان ميسر اللهم للعرب الذين نزل بلغتهم، وقلما كانوا يحتاجون إلى بيان مَقصد غامض فيه، فإذا جدَّ لهم ذلك سألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ببانه عملا بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (¬1) ومن ذلك أنه لما نزل في إباحة الفطر في ليالى رمضان قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (¬2). سأل عدى بن حاتم رسول الله عن الخيطين، فقال: هما بياض النهار، وسواد الليل. ولما اتسعت الفتوح الإسلامية، واختلط العرب بالأعاجم، فسدت عروبتهم بما شابها من لغات هؤُلاء الأعاجم، وأُترف المسلمون، فأصابتهم أمراض الترف، من ضعف في التدين، ثم اقتراف للمآثم وإشاعة للبدع. فخاف المصلحون من العلماء الأَعلام على كتاب ربهم أن يفسره من لا يحسن تفسيره، أو من يزيغ به عن معناه لغرض في نفسه، كبدعة يريد ترويجها، فألفوا التفاسير، ووضعوا قيودًا وشروطًا للمفسر، لا يصح تجاوزها، حتى يسلم كتاب الله من التأويلات الفاسدة، الناشئة عن الجهل، أو مرض القلوب. وأول المبينين هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد شرح من الآيات ما التبس فهمه على أصحابه، ثم تلاه بعض أصحابه، ثم تدفق الخبر من التابعين ومن يليهم، ممن آتاهم الله بسطة في العلم، ورسوخا في الإيمان. ¬

_ (¬1) النحل: 44 (¬2) البقرة: 187

ومن أبرز مفسري الصحابة: عبد الله بن عباس، فقد عُرِف- لدقة فهمه، وصدق حسه - بأَنه ترجمان القرآن، وأنه حبر الأُمة. روى البخاري عن دقة فهمه أَنه قال: "كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأَن بعضهم وجد فى نفسه، فقال: لِمَ يدخل هذا معنا، وإِن لنا ابناء مثله؟ فقال عمر: إِنه ممن علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخلهم معه، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله تعالى: {إذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ}؟ فقال بعضم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجَلُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أعلمه له، قال: إذا جاء نصر الله والفتح، فذلك علامة أجلك، فسبح بحمد، بك واستغفره إنه كان توابًا، فقال عمر: "لا أعلم إلا ما تقول". وقد كثرت الروايات عنه عناية بآرائه. وما يروى له من اختلاف في الرأى في المسألة الراحدة أحيانًا، فإن مرجعه إلى اختلاف الروايات قوة وضعفا، أو أنه بدا له فيها من الأدلة ما لم يبد له أولًا، فعدل إلى ما رآه راجحًا، وذلك حق الله على كل مجتهد. وقد عرف بالتفسير من الصحابة أيضًا: الخلفاءُ الأربعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأَبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم. ولم يتوقف أحد في قبول تفسير الصحابة وإنما الأمر في التابعين. وقد وقع الإجماع على وجوب تفسير القرآن بما صحت روايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أما ما روى عن الصحابة في تفسيره، فقد أخذ به الكثيرون: لسلامة عروبتهم ودقة فهمهم، واحتمال سماعهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن الأئمة من كان يأخذ في فهم الآية بما رجح عنده من أدلة الرجحان، وإن خالف به فهم الصحابي، ما دام لم ينسبه الصحابي إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكما اجتهد الصحابة في فهمه، يجتهد غيرهم من أثبات العلماء؛ أهل الاقتدار وسلامة الدين.

ولما جاء عصر التدوين، جمع بعض المفسرين الأقوال المأثورة في التفسير، عن الرسول والصحابة والتابعين، واقتصروا عليها. وجنح آخرون إلى إِضافة ما هداهم الله إلى فهمه في الذكر الحكيم مع المأْثور، ليكون القارىءُ على بينة مما قيل في تفسيره، فيختار ما رجح عنده مما قوى دليله. ومنهم من كانت عنايته بالأحكام الفقهية أعظم، كالقرطبى، والجصاص. ومنهم من كانت عنايته بوجوه الإعجاز فيه أبلغ كأبي بكر الباقلاني. ومنهم من كانت عنايته بالنحو أكثر كأبى حيان. ومنهم من فسره بحسب الآراء الفلسفية أو الطائفية. ومنهم من فسره وفق النظريات العلمية، وبالغ في ذلك مبالغة كبيرة، مع أن النظريات العلمية عرضة للتبديل والتغيير، فإذا فسر بما يظهر مع الأيام فساده، كان في ذلك خطورة على عصمته من الباطل، والله تعالى يقول: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (¬1). أما تفسيره بالحقائق العلمية الوطيدة، فلا مانع منه إِن كان بغير تكلف، بل بحسن نية. هذا، إلى أن سيلا جارفًا من الأساطير الإسرائيلية، والأقاصيص الخرافية، تطرق إلى بعض كتب التفسير التي ألفها أعلام العلماء، ونقلت عنهم من بعدهم بحسن نية. وأكبر الظن أن هذه الأساطير والخرافات، سرت إِلى كتب القوم من أعداءٍ الإسلام الذين عجزوا في وقت ازدهاره عن حربه علنًا، فنسخوا كتب أُولئك العلماء ودسوا فيها تلك الأكاذيب، بعد رحيلهم إِلى دار الخلود في غفلة عن عيون الرقباء، لتضعف الثقة بالقرآن وبعقليات المفسرين! وبذلك يتم لهم ما أَرادوا من حرب الإسلام عن طريق القلم، بدلا من حربه بالسيف. وهناك من المفسربن، من أوجزوا في التفسير، فبالغوا في الإيجاز حتى قل الانتفاع به. وهناك من أطنبوا فجاوزوا القصد، وضموا إلى تفسيرهم بعض المصطلحات الفنية التى لا يفهمها إلا المتخصصون، فعسرت الاستفادة منه. ¬

_ (¬1) فصلت: 42

لهذا كله، كان المثقفون المعاصرون - على اختلاف ثقافاتهم - في أشد الحاجة إلى تفسير وسيط: يخلو من الإسرائيليات والخرافات، ويبتعد عن الخلافات الطائفية، ويتجنب الجدل الفلسفي ما أمكن، ويتضمن الأحكام الفقهية التي يساعد عليها ظاهر النصوص في إيجاز، ويبتعد عن الصطلحات النحوية والبلاغية إلا ما دعت إِليه الضرورة، ولا يذْكُر من الأُمور العلمية والكونية إلا ما ثبت منها قطعًا، وما اتفق مع النص بلا تكلف، ويعرض لربط الآيات والسور بعضها مع بعض، ويبيّن أَسباب النزولِ، كل ذلك في لغة سهلة محببة إلى القارىء: تستدعى المتابعة، وتلتقى مع الرغبة في الاستفادة. وقد أدرك (مجمع البحوث الاسلامية) حاجة المسلمين في هذا العصر إلى مثل هذا التفسير؛ ليروى ظمأهم من معانى كتاب الله تعالى، فقرر إخراجه استجابة منه لتلك الدواعى الشريفة. فلذلك عهد إلى ثلاثة من أعضائه، بالإشراف على إخراج هذا التفسير، من حيز التفكير إلى حيز التنجيز. واستعان بمجموعة من العلماء الفضلاء الأثبات، للقيام بهذا التفسير، وانتظم من الجميع مؤْتمر عام تعددت جلساته. واستقر الرأى- أخيرًا- على النهج الذي ينبغى أن يمضى فيه المشروع، وتكونت لجان فرعية؛ كل لجنة مؤلفة من عالمين يقومان بالتأليف، وخصت كل لجنة بحزبٍ من أحزاب القرآن، فإن فرغت من تفسيره، أخذت سواه. وهكذا. واقتضت دقة العمل وتوحيد المنهج والأسلوب والروح، تأْليف لجنة لتنسيق ما يؤَلفه السادة الاعضاءُ، مكونة من أعضاء المجمع الثلاثة الذين تقرر إشرافهم على العمل، ومن لفيف من الخبراء الباحثين، حتى يخرج التفسير على نسق واحد محققًا الأمل المنشود. ولما كانت بعض آى الذكر الحكيم، تشير إلى نوع من الحقائق العلمية في ملكوت السموات والأرض، وعوالم الإنسان والحيوان والنبات، أو تقضى استيفاءَ بعض الأحداث التاريخية، أو الاستيثاق من بعض الآراء التي ينبغى أن تشرح الآيات بها، رأت اللجنة أن تستعين بالخبراء المختصين بتلك الشئون، عملا بقوله تعالى: " .... فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (¬1). ¬

_ (¬1) الأنبياء: 7

منهج هذا التفسير

منهج هذا التفسير 1 - تسبق السورةَ مقدمةٌ لها: تحوى أهم مقاصدها، حتى يلم القاريءُ بمجمل أغراضها، قبل أن يتناول فهم كل آية على حدتها. 2 - يُذْكَرُ نص الآية أو الآيات المترابطة، وتتبع كل آية برقمها في المصحف، مع التزام الرسم العثماني في كتابتها، ومراعاة العلامات والرموز التي اتفق عليها في الرسم العثماني. 3 - تُفَسَّر المفردات اللغوية بايجاز، مع التزام ما يتفق وظاهر معني اللفظ في الآية، وترك التفصيلات اللغوية التي لا تتصل بالمعنى القرآني المراد. 4 - تذكر أسباب النزول - إن وجدت - واستدعى التفسير ذكرها. 5 - يربط معنى الآية أو الآيات الكريمة بما سبقها؛ ليتضح التسلسل- البياني في السرد القرآنى بقدر الإمكان، مع البعد عن التكلف أو الإغراب. 6 - تتجنب الإسرائيليات والأخبار الخرافية. 7 - يترك التعرض للإشارات الصوفية، والخلافات الطائفية، والأساليب الجدلية. 8 - يذكر التفسير بعبارة واضحة سهلة، يستطيع فهمها المثقف العادى، ويجد من أسلوبها ما يرغبه في متابعة القراءة مع ذكر نص الآية المراد تفسيرها، قبل الشروع في التفسير، مسبوقة برقمها. 9 - تترك المصطلحات الفنية التي تعوق القارئ غير المتخصص عن متابعة القراءة، إلا إذا دعت الضرورة إليها لغرض التوضيح، وإبانة المعنى المراد. 10 - تذكر الأحكام الفقهية التي تظهر بوضوح من النص، وعند اختلاف الفقهاء في الحكم المستفاد منه، يذكر هذا الاختلاف لمصلحة القارئ ـ، ولا يتوسع فيه، وان أمكن التوفيق بين الآراء، يوفق بينها. 11 - إذا تكرر موضوع الآية في أكثر من سورة، شرح في كل موضع شرحًا كافيًا؛ ولكن التوسع في معناه، يترك إِلى النص الأوفى في الموضوع، ويشار إلى ذلك، للرجوع إليه عند الحاجة.

12 - إذا صحت وثبتت أمور كونية يمكن تفسير الآية بها، ذكرناها في تفسيرها، مستعينين بآراء الخبراء فيها. 13 - يقتصر في الكلام على أسماء الحروف التي استهلت بها بعض السور على أرجح الأَقوال، وكذا في الكلام على القضاء والقدر، ونحو ذلك. 14 - تُرَدَّ شبهات الملحدين في شرح الآيات التي أثاروها فيها. 15 - لا يتعرض لاختلاف القُرَّاء إلا إذا احتاج إليه تفسير الآية، بأن أفاد معنى آخر أو حكما ينبغى أن يعلم. 16 - يتناول الشرح الآية جملةً جملةً، وأحيانًا يكون التفسير وراء النص، متناولا لمشتملات الآية كلها، عندما يرى أن ذلك أوضح للقاريءٍ، وأيسر وأجمع للفكرة. 17 - عند الاستشهاد بآية أُخرى في الشرح، يذكر رقمها وسورتها، وعند الاستشهاد بالحديث النبوى الشريف، تذكر درجته أو مصدره من كتب السنة المعتمدة. 18 - عند الفراغ من شرح قصة قرآنية، يذكر الغرض من ذكرها. 19 - إذا وردت القصة القرآنية في أسفار العهد القديم أو الجديد، ولم تتعارض مع النص القرآنى أشرنا إلى ذلك إِن رأينا فيه فائدة، فإن خالفته، فالمعول عليه هو ما في القرآن الكريم، ولذا نغفل الإشارة إليها في أسفارهم. 20 - التزمت اللجنة القصد في التعبير، ما لم يقتض موضوع الآية البسط، فإنها تسلك سبيله لمصلحة القراءِ. هذا هو المنهج الذي صارت عليه اللجنة. وهي تقرر أنها انتفعت بجهود أعلام المفسرين القدامي والمعاصرين - جزاهم الله على ما قدموا خير الجزاء - كما أضافت ما وصل إليه العلم في شتى الميادين. وبعد: فإن اللجنة تتوجه إلى الله تعالى أن يجعل عملها خالصًا لوجهه الكربم، وأن يتقبل منها ما قامت به، وأن يعفو عما يكون منها من تقصير. والله الموفق للصواب. أعضاء اللجنة

سورة الفاتحة

سورة الفاتحة مقدمة هذه السورة الكريمة، نزلت بمكة قبل الهجرة، وهي سبع آيات، نزلت بتمامها، وسميت الفاتحة لأنها أول القرآن في ترتيب المصحف، فهى فاتحته. وهذه. السورة - مع قلة آياتها وإيجازها - تشتمل على مقاصد القرآن كله. فالقرآن نزل لتعريف الناس برب العالمين، وما يتصف به من صفات جليلة، ولحثهم على حمده وعبادته، وإثبات يوم الجزاء، وأن الملك له تعالى في هذا اليوم، وأنه يجب توحيده بالعبادة دون شريك، والاستعانة به تعالى في جميع الشئون، إذ لا يوجد شيء ولا يتم إلا بمعونته. ولهذا يطلب من العباد أن يستعينوا به في أمرهم كله، وأن يهديهم الطريق المستقيم، وأن يكفيهم شر طريق المغضوب عليهم والضالين، وقد اشتملت الفاتحة على هذا كله فى إيجاز، فلا غرابة في أن تسمى أُم الكتاب، وأن يفتتح بها القرآن الكريم، وأن تفرض في الصلاة. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}. لما كانت الفاتحة تتلى في كل ركعة في الصلاة، فإن استحضار معانيها في ذهن المصلي، أمر مطلوب، لأنه يثني بها على ربه ويناجيه، فلهذا قدمنا تفسيرها بمجمل مرقم لمعانيها فيما يلى:

1 - أَستعين متيمنا متبركا {بِسْمِ اللَّهِ} الذي لا معبود بحق سواه، {الرَّحْمَنِ} المنعم بجلائل النعم، {الرَّحِيمِ}: المنعم بدقائقها. 2 - الثناءُ كله لله تعالى، على ما أسداه. من النعم على عباده، وعلى ما اتصف به من صفات الكمال، لأنه منشيءُ العالمين، ومبلغهم كما لا تم، وحافظهم. 3 - (الرحَّمْن) واسع الرحمة لعباده جميعًا في الدنيا، إذ عمهم بنعمه فلم يحرم منها كافرا ولا فاسقا. (الرَّحْمن) واسع الرحمة لعباده المؤمنين في الآخرة، يقبل من محسنهم ويحسن ثوابه، ويعفو عن مسيئهم ويقبل متابه. 4 - مالك يوم الجزاء، فلا سلطان فيه لأحد سواه، في ظاهر الأمر وباطنه: يحاسب فيه عباده، فيعاقب من عصى، فلا يمتنع عليه بملك ولا جاه، ويثيب من أطاع، فيعطيه بغير حساب. 5 - نخصك - يا من هذه صفاتك العلية - بالعبادة، فلا نشرك فيها أحدًا سواك، فأنت وحدكَ المعبود ونخصك بالاستعانة، فأنت وحدك المعين. 6 - وفقنا يا رب، واهدنا الطريق المستقيم، الذي سنه كتابك العظيم، وبيَّنه رسولك الأَمين. 7 - (صراط الذين أنعمت عليهم): في الدنيا بالتوفيق إلى طاعتك، وفي الآخرة بحسن مثوبتك، لا صراط الذين غضبت عليهم لكفرهم، ولا الضالين الذين لم يهتدوا بهداك. التفسير (1) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن، لأنها وردت في سورة النمل " الآية (30). واختلف العلماء في مكانها من سور القرآن: فأَكثر علماء السلف، على أن البسملة آية من الفاتحة. ولذا تجب قراءتها مفتتحة بها في الصلاة، وبها تم آياتها السبع، كما أنها آية من كل سورة. وممن قال بذلك: قراءُ مكة، والكوفة وفقهاؤُهما، والشافعى وأصحابه.

ويؤيد مذهبهم: إثباتها في المصاحف أول كل سورة، ما عدا "التوبة". مع ما ورد من الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه: ولذلك لم يكتبوا "آمين" فى آخر الفاتحة؛ لأنها دعاءُ مطلوب بعدها، وليس منها. وذهب آخرون إلى انها آية من الفاتحة وحدها، وبه أخذ بعض الشافعية وحمزة، ونسب إلى الإِمام أحمد، وقد أقام الفخر على ذلك ست عشرة حجة منها نصوص من السنة: وقراءُ المدينة والبصرة والشام وفقهاؤُها، ومالك والأوزاعى- على أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من أي سورة أخرى، وإنما أثبتت في المصحف للتبرك بها والفصل بين السور. {بسْم اللهِ}: المراد بالاسم هنا: المسمى، وهو ذات الله تعالى، فإنه سبحانه هو المستعان به في كل أمر يؤْتى بالبسملة فيه. والدليل على ذلك أنه لما نزل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أول سورة الأعلى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اجعلوها في سجودكم" (¬1). وكان يقول في سجوده: "سبحان ربى الأعلى" ولم يقل: سبحان اسم ربي الأعلى. وقال الآلوسى: الأسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين، وهي عندهم أسماء مترادفة، كما قال الإِمام ابن فورك في كتابه الكبير فى الأَسماء والصفات، وأبو القاسم السهيلى في شرح الإرشاد، ثم قال: ومنه {سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأعلَى} إذًا التسبيح إنما يتوجه إلى الذات الأقدس. إلى آخر ما قال. ويمكن تقدير فعل محذوف تقديره: أبتدىءُ باسم الله، ويكون ذكر الاسم هنا على معناه المشهور. ولفظ الجلالة (الله). علم على الذات العلية، وهو الإله المعبود بحق، الذي يخلق عباده، يرزقهم، ويدبر شئونهم ويقتدر عليهم، وله ما في السموات وما في الأرض. {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: تذكير برحمته التي وسعت كل شىءٍ، وبذلك جمع الله لعباده في البسملة من أسمائه الشريفة، بين ما يقتضى الإجلال والتقديس والعبادة وهو لفظ الجلالة علم الذات، وبين ما يقتضى الأنس والأمل في الخير، وهو الرحمن الرحيم، ليأْنسوا بربهم، ولا يقنطوا من رحمة الله تعالى. ¬

_ (¬1) رواه أبو داود وأحمد.

وسيأتي الكلام على معناهما في الفاتحة. وينبغى أن يضمر القاريءُ في نفسه معانى ما جاءَت البسملة من أجله، كالقراءَة، والتبرك، والاستعانة ونحوها ... 2 - {الْحَمْدُ للهِ}: الحمد: هو الثناءُ على الجميل الذي يصدر عن المحمود باختياره، من نعمة أو غيرها. أما الشكر فهو مقابلة النعمة بالثناءِ على صاحبها بالقول، أو مقابلة نعمته بعمل يدل على الاعتراف بها: كآداب الجوارح، أو الشعور القلبى بفضل صاحبها. ولذلك يقول الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد شعبة من شعب الشكر الثلاث، ولكنه أَدل على إجلال المنعم وشكره من سائر الشعب؛ لخفاء الاعتقاد، وما في آداب الجوارح من الاحتمال فلذا جعل الحمد رأس الشكر والعمدة فيه. قال - صلى الله عليه وسلم - "الحمد رأْس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده" (¬1) وأل في الحمد للاستغراق، والمعنى: جميل الحامد لله تعالى. ولفظ الجلالة (الله) يشعر باستحقاقه تعالى وحده للحمد، كما يشعر به لفظ {رَبِّ} في قوله: {رَبِّ الْعاَلمينَ}: أي أنه تعالى مستحق للحمد؛ لألوهيته ولأنه رب العالمين، أى منشئهم ومبلغهم إلى كمالاتهم اللائقة بهم، وحافظهم حتى ينتهوا إلى غاياتهم. وكلمة: {الْعاَلَمِينَ} جمع عالَم، وهو ما سوى الله من جميع المخلوقات، فيشمل العاقل وغيره من الأجناس. وحكمة بدء الفاتحة بالحمد لله، الإِشارة إلى حصول النعم الإلهية التي أحاط الله بها عباده، وأن المصلي يحمده تعالى على ذلك. 3 - {الرَّحْمنِ الرَّحِيمَ}: أصل الرحمة في اللغة: رقة القلب وانعطافه بالشفقة. وهذا المعنى ينطبق على المخلوقات فإطلاقه على الله تعالى، إنما يكون باعتبار لازمه الذي يليق به تعالى، وهو التفضل والإحسان. ¬

_ (¬1) رواه الطبرانى وعبد الرزاق والبيهقى عن ابن عمرو، والحديث حسن، ورواه الديلمى بسند رجاله ثقات.

والرحمن الرحيم: صفتان لله - تعالى - وصيغة كلتيهما: تدل على الكثير وقد جمع ببن الرحمن والرحبم؛ لتأكيد كثرة رحمته جل وعلا. ويختص الوصف بالرحمن شرعا، باللُه -تعالى- بخلاف الرحيم، فيصح إطلاقه على المخلوقات. ومن ذلك قول الله تعالى في وصف النبي - صل الله عليه وسلم - { ... حَرِيصٌ عَلَيكُم بالمؤمنين رءُوفٌ رحيمٌ} (¬1) وقوله تعالى في وصف المؤمنين: { ... رُحَماءُ بَينَهم ... } (¬2). 4 - {مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ}: هذا هو رابع الأوصاف للفظ الجلالة: وصف أولا بكونه: {رَبِّ العاَلَمينَ}، وثانيا بقوله: {الرَّحْمَنِ}، وثالثا بقوله: {الرَّحِيمِ}، ورابعا بقوله: {مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ}. والمالك: من له التصرف الشامل فما يملك بدون منازع. والدين: هو الجزاءُ على الأَعمال. ومعنى: (مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ): المالك لكل ما في هذا اليوم من جنة ونار، وإنس، وجن، وحساب وجزاءٍ - من ثواب أو عقاب - وغير ذلك. وهذه الآية دالة على المعاد، ومجازاة كل مخلوق بما قدم من عمل، ولو لم يكن معاد للخلق يجازون فيه، لكان الموت هو نهاية الجميع. وبذلك يستوى المؤْمن والكافر، والبر والفاجر والمصلح والمفسد، وذلك أمر يتنافى مع العدالة الإلهية، ولا تسلم به المبادىءُ العقلية؟. لهذا اقتضت حكمة الله أن يكون للناس معاد، يجازون فيه بالثواب أو العقاب على ما قدموا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (¬3). ووصف الله بـ {رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لإظهار استحقاقه تعالى للحمد، وللإشعار - من طريق المفهوم - بأن من لم يتصف بتلك الصفات، لا يستحق أن يحْمد، فضلا عن أن يعبد! ¬

_ (¬1) التوبة: 128 (¬2) الفتح: 29 (¬3) فصلت: 46

5 - {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: من أول السورة إلى هنا، كان الأُسلوب للغيبة، ثم تغير هنا إلى الخطاب حتى آخرالسورة. وفوق ما يفيده تغير الأسلوب من التنبيه إلى موضوع الكلام، فإن فيه إشارة لطيفة إلى ترقي الحامد كلما أثنى على ربه، وأخلص في مناجاته، فينتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، وذلك حال المصلي الذي يقرأ الفاتحة، فإنه حين يدخل الصلاة، يكون قريب عهد بما كان يشغله من الشئون قبل الدخول فيها، فإذا أقبل على ربه بحمده له، وثنائه عليه، تاركا شواغله، انتقل إلى مقام الإحسان في عبادته، وهو أن يعبده الله كانه يراه على ما سنبينه. وهذا يقتضى أن ينتقل من الغيبة إلى موقف المخاطب لمولاه، فيقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. هذا، وتقديم ضمير المفعوك {إيَّاكَ}، في كل من الجملتين، للاهتمام، مع إفادة القصر، كأَنه قيل: إياك يا الله وحدك نعبد، واياك يا الله دون سواك نستعين. وفي ذلك إقرار له تعالى، بالأُلوهية والوحدانية. وقدمت جملة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على جملة: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، لأن المقصود الأوَّلي هو العبادة، ولما كان فعل الطاعة وتوفر الدواعى إلى فعلها، لا يتمان إلا بمعونة الله وتوفيقه، فلهذا يطلب العبد الاستعانة باللهِ عقب تخصيصه بالعبادة، إذ أن العبد لا حول له ولا قوة إلا باللهِ. والعبادة للمعبود هي الطاعة الخالصة له، المبنية على حبه، المؤَداة على وجهِ يشعر بمنتهى الخضوع له. ولكون العبادة بهذا المعنى، فلا تكون إلا لله وحده (¬1)، وهي أخص من الطاعة التى تتحقق في مطلق الامتثال، فكل عبادة طاعة، وليس كل طاعة عبادة، فأنت إذا امتثلت أمر والديك أو ولى أمرك، يقال لك: أنت أطعتهم، ولا يصح أن يقال: أنت عبدتهم، فالعبادة أعلى مقام في الطاعات، وهي المعراج الروحى الذي يصعد فيه العباد إلى درجة، ¬

_ (¬1) لأنه هو المستحق لأن يعبد دون سواه، لتفرده بكامل القدرة وعظيم السلطان، وجمع ألوان الإنعام، وجمع صفات الألوهية، فلذا يخصه قارئ الفاتحة بالعبادة فيقول: (إياك نعبد).

كأنهم فيها يشهدون الحق - سبحانه وتعالى - فإن لم يصلوا إلى ذلك، فليشعروا بأنه تعالى يراهم، وذلك هو مقام الإحسان الذي يشير إليه الحديث الشريف بقوله -عليه الصلاة والسلام- في تعريف الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (¬1) ". والعبادة: تشمل عمل القلوب، وعمل الجوارح. وتشمل فعل المأمور به، وترك المنهى عنه. فلا يتحقق معنى العبادة إلا بذلك كله. وفي الآية سؤَال وهو ان مقام العبودية يقتضى التواضع والذلة لله تعالى. فكان الظاهر أن يقول العبد.: إياك أعبد، وإياك استعين " بضمير المفرد الذي لا يعظم نفسه". والجواب: أن النون في (نَعْبُدُ)، و (نَسْتَعِينُ)، ليست للمتكم المعظم نفسه، ولكنها للمتكلم ومعه غيره من المؤمنين، فكلهم يعبد الله، ويستعين به وحده، فهذا إقرار من المصلي، وشهادة منه بان هذا هو شأن المؤمنين مع ربهم. وفي ذلك إدراج لعبادته واستعانته، ضمن عبادتهم واستعانتهم؛ رجاء القبول ببركة ذلك. ومن أجل هذا الملحظ -ولما سبق- طلبت الصلاة في جماعة. 6 - {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}: بعد أن يخص العبد ربه بالعبادة، والاستعانة مخاطبا له بقوله: {إياكَ نَعْبُدُ وَإياكَ نَسْتَعِين} يناجيه، وايصلب منه الهداية إلى الطريق المستقيم، فإن الله وحده هو المانح للخير، والهادى إلى الصرط القويم والهداية: هي البيان والإِرشاد، سواء اهتدى من ترشده أم لم يهتد، وقد يراد منها: خلق الاهتداءَ في القلب. وهي بهذا المعنى مختصة باللهِ -تعالى- إذ لا يقدر عليها سواه، ولما كانت من أشرف المطالب وأسناها. شرع الله لعباده أن يرجوها منه سبحانه بقولهم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} اما الصراط: فهو الطريق الذىَ يسلكه السائر إلى المقصود، وهو نوعان: حسي ومعنوي؛ فالطريق إلى منزلك حسي، والطريق إلى الله معنوي، وهو الطاعة. ووصف الطريق بالمستقيم؛ للاحتراز عن الطريق المنحرفة المعوجة، وهي طريق أَهل الضلال والفساد. ¬

_ (¬1) رواه الخمسة.

ومعروف، أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتى المبتدأ والمنتهى. وإذا كان المقصود للعباد في رحلة الحياة الدنيا، هو الوصول إلى الله تعالى: فإن أقرب الطرق إليه هو الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (¬1)}. ففى وصف الصراط بالمستقيم، إِشارة لطيفة إلى أن سبيل الله هي أقرب الطرق إلى مرضاته تعالى. وأَما غيرها فإما أنها لا توصل إلى الله أصلًا، وهي صراط المغضوب عليهم والضالين، وإما أنها توصل بعد محنة العقاب، وهي صراط العصاة المؤْمنين. 7 - {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ... } الآية {صِرَاطَ الَّذِينَ ... } إلخ بدل من الصراط المستقيم، مبين لمعناه، فإن الصراط المستقيم هو طريق من أنْعَمَ الله عليهم بالإيمان والإسلام، أي اهدنا صراط المؤمنين الذين أنعمت عليهم في الدنيا بحسن الطاعة، وفي الآخرة بحسن الثواب: {مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (¬2). {غَيْرِ المغَضْوُبِ عَلَيْهِمْ}، المغضوبُ عليهم: هم الذين خرجوا عن طاعة الله ورسوله، وأفسدوا دينهم بالكفر والمعاصى، فغضب الله عليهم، أي أَراد الانتقام منهم لذلك. {وَلا الضَّالَّين}. الضالون، هم الذين أَفسدوا عقيدتهم بالجهل بدين الله، فانحرفوا عن سواء السبيل. هذا، واشتهر بين المفسرين: أن المراد بالمغضوب عليهم: اليهود، لقول الله فيهم: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} (¬3) {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}. وأن المراد بالضالين: النصارى، لقول الله فيهم: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءالسَّبِيلِ} (¬4) ولأَن الرسول -صلى الله عليه وسم- فسرهما بذلك كما رواه عنه أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وحسنه. ¬

_ (¬1) الأنعام: 153 (¬2) النساء: 69 (¬3) المائدة:60 (¬4) المائدة: 77

والظاهر: أَن تفسير الرسول لهما باليهود والنصارى، لدخولهما في عموم معناهما، وقد شرحنا المراد منهما فما تقدم، وهو شامل لهاتين الطائفتين وغيرهما من أهل الكفر والضلال. وقاريء الفاتحة يختمها في الصلاة أو سوا ها بقوله "آمين" وليس منها. ولكنه مسنون وهو اسم فعل أمر معناه: استجِبْ. واعلم أن الفاتحة تسمى السبع المثافى، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}؛ (¬1) ولأنها تثني -أى تكرر- في الصلاة وغيرها. فحافظ أيها المؤْمن على تلاوتها في أذكارك، فهي كثيرة الخيرات، جمة البركات. ¬

_ (¬1) الحجر: 87

سورة البقرة

سورة البقرة مقاصدها: تشتمل هذه السورة على مقاصد عظيمة، منها ما يأتى: 1 - التنويه بشأن الكتاب العزيز، الذكرهو أصل التشريع السماوى، وأساس القانون الإسلامى. {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (3)}. 2 - بيان أحوال الناس من الدعوة الإسلامية، وهم فرق ثلاث: (1) فرقة المؤمنين الصادقين: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}. (ب) فرقة الكافرين المشركبن: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)}. (ج) فرقة المنافقين، وهم أضر أعداء الدِّين: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} وقد عني القرآن بأوصافهم وأحوالهم في ثلاث عشرة آية. 3 - تذكير الطوائف الثلاث، بنعمة الخلق لعلهم بعتبرون، فيستمسكوا بالعروة الوثقى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} 4 - توجيه التحدي لمن أنكر معجزة القرآن: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)}. 5 - بيان الدلايل الكونية المقرونة بالنعم الإلَهية، لإقناع الخلق بالبعث والمعاد: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}.

6 - عناية الله تعالى بخلافة البشر في الأرض، إذ جعل أول خليفة فيها آدم -عليه السلامِ- وخلقه وأبناءه ليعبده، ويعمروا إلأرض، كما قال جل شأنه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ... } الآيات (30) وما بعدها. 7 - القصص القرآن في فيما يتصل بنفع الإيمان، وضرر الكفر، وخداع المنافقين، وأثر ذلك في المجتمعات الق بعث الأنبياء لإصلاحها. 8 - عنايا القرآن بذكر قصص بني إسرائيل، لأنهم أَكثر الأُمم نعمًا، وأشدهم عصيانًا وكفرًا: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}. (40) 9 - قصة موسى -عليه السلام- مع بني إسرانيل في شأن البقرة الق سميت السورة باسمها: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... } الآية (67). 10 - قصص الرسل مع أممهم من بعد موسى، لبيان ما تحملوه في سبيل الدعوة إلى الله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ... } الآية (87). 11 - تبيين موقف أهل لكتاب الكفار - من المؤمنين حتى لا يتخذوهم أَولياءَ: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ... } الآية (109). 12 - العناية بقصة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- في بناء الكعبة بمكة؛ لأنها أول بيت وضع للناس في الأرض، وقدجعله الله مثابة للناس وأمنا. 13 - اختبار الناس بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة: { ... وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... } الآية (143). 14 - تصوير حال أهل الكفر والضلال، حين يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}. (167)

15 - بيان ما أحل الله للمؤْمنين، وما حرم عليهم في الأطعمة، ليقفوا عند حدود الله تعالى في مطاعمهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)}. 16 - بيان عبادة الصوم التي بها طهارة القلوب، وزكاة النفوس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ... (183)}، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... } الآية (185). 17 - الأمر بالجهاد، دفاعًا لا اعتداءً، مع مايراعي من الآداب عند القتال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ... } الآية (190)، { ... وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ الآية (191)، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ... الآية} (193) 18 - تطهير ذرية المؤمنين من الانتماء إلى الأمهات أو الآباء المشركين، {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ... الآية} (221) 19 - وضع حد للشقاق بين الزوجين والمحافظة على طهارة الأنساب، ببيان أَحكام الطلاق، والعدة للمطلقة، والمتوفى عنها زوجها {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ... } الآية (239) {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ... } الآية (228)، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... } الآية (234). 20 - بيان التفاضل بين الرسل على حسب درجاتهم عند الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ... } الآية (253) 21 - الحث على الإنفاق في سبيل الله: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)}. 22 - النهى عن الربا؛ لأنه من المعاملات التي لاتتفق مع المروءة الإسلامية، ولا الأُخوة الدينية ولا مع النظام المالى الإسلامي، الذي يحرم أكل أموال الناس بالباطل: {وَأحَل اللهُ البَبعَ وَحَرمَ

الرِّبَا .. } الآية (275)، {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ .. } الآية (276)؛ {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} الآية (279). 23 - الأمر بقيد الديون وتسجيلها في وثائق، حى لاتقع المشكلات في المعاملات المالية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... } (282). 24 - الإيمان بالله، وجميع الرسل والملائكة، والكتب دون تفرقة بينهم {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ... } الآية (285). هذه بعض المقاصد والأهداف من سورة البقرة. وهي مدنية. وآياتها ست وثمانون ومائتان. والمدني: ما نزل بعد الهجرة. {بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} المفردات: {الم} يقول السلف: إنها وأمثالها في فواتح السور من المتشابه، الذي استأثر الله بعلمه. ويقول غيرهم: إنها للتنبيه. وقيل غير ذلك. وسيأتى بيان مافيه. {لاَ رَيْبَ فِيهِ}: لا ينبغى أن يشك في صحته. {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}:إرشاد لهم

{يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}: يصدقرن بما غاب عن حسِّهم، مما أخبر عنه الكتاب الذي لاربب فيه. {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} يؤَدونها في أوقاتها، كاملة الأركان والشروط. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: ومما انعمنا عليهم يبذلون في سبيل الخير. {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}: أي أولئك الموصوفون بما تقدم، متمكنون من هدى ربهم. {وأولئك هم المُفْلِحُونَ}:أى بما يرجون، الناجون مما يكرهون. التفسير 1 - {الم}: افتتح الله بعض سور القرآن، بأَسماء بعض الحروف، وعددها ثمانيه وسبعون حرفا فى جملة السور. وهي تكرار لأربعة عشر حرفا في أوائل تسع وعشرين سورة، منها سورة البقرة هذه، وأولها: {الم}. وقد ذهب كثير من السلف، إلى أن معافى هذه الحروف وأغراضها، سر من الاسرار التي استأثر الله تعالى بعلمها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلم تأويل إِلا الله عز وجل. أما علماء الخلف، فقدحاولوا ببان المقصودمنها لأن القرآن جاء بلغة العرب ليفهموه، ومن أَحسن ما قيل في ذلك: إنها تشير إلى أَن القرآن، مكوَّن من كلمات أساسها هذه الحروف التي تنظمون منهَا -أيها العرب- كلامكم، ومع ذلك عجزتم عن أتأتوا بمثله، وفيكم الفصحاء والبلغاء. فإذا جاء به النبي الأُمى، فالله تعالى هو الذي أنزله إليه، ولم يأت به من عند نفسه، لأنه مثلكم في البلاغة وفي الفصاحة. فإذا كنتم عاجزين عن الإتيان بمثله، - وأَنتم أَئمة البلاغة، فهو مثلكم في ذلك العجز. فالقرآن فوق مقدرة البشر جميعًا. ومن أَحسن ماقيل أيضًا: إن المشركين كانو اتضافروا، على ألا يسمعوا القرآن: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .. } (¬1) فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدأ التلاوة بهذه الاحرف المنزلة، جاهرا بقراءته ليستمعوا إِلى القرآن الذي أعرضوا عنه. فهي- لغرابتها- أقوى في تنبيههم إلى استماعه من أن يقول لهم: استمعوا إليه. ¬

_ (¬1) فصلت: 26

2 - {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} {ذَلِك} إشارة للبعيد الحسِّي. وقد يستعمل للبعبد المعنوىٌ للتعظيم، كما فى قوله تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (¬1)}. وهي هنا إشارة إلى الكتاب؛ للإيذان ببعد منزلته علوًّا، أي ذلك الكتاب البعيد المدى في منزلته الرفيعة. {الكِتَابُ}: بمعنى المكتوب، وهو القرآن الذي نتلوه، الموعود به -صلى الله عليه وسلم- في قوله جل شأنه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (¬2)} فأل فيه للعهد، أي ذلك الكتاب الذي وعدنا بإلقائه عليك، ويجوز أَن تكون للكمال، والمعنى: ذلك الكتاب: الكامل، في بلاغته وإِعجازه وتشريعه. أو ذلك الكتاب، أما غيره فلا. {لاَ رَيْبَ فِيهِ}: لا شك فيه، أَى أنه ليس من شأنه أن يشك فيه، لنصوع حقائقه. وإلا فهناك من المنكرين المعارضين من شك وشكَّك، وارتاب وأراب، فلم يعتبر ريبهم فيه ريبا. لأنه نشأَ عن الرين والحجاب الذي ختم الله به على قلو بهم. قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ ... وينكر الفم طعم الماء من سقم {هُدًى لِّلْمُتقينَ} أي بيان وإرشاد لهم إلى ماينفعهما في دنياهم وأُخراهم، لما تضمنه القرآن من العقائد والَأحكام، والأخلاق التي لا غاية وراءَها. والمتقي: من يتقي عذاب الله ويصون نفسه منه، بترك السيئات وعمل الصالحات. وخص بهذا، لأنهم هم الذين ينتفعون بما في الكتاب من هداية إلى الصراط المستقيم، على حد قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} (¬3). وأيضًا قوله جل شأنه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} (¬4) ربما أنه مذكر للجميع وهاديهم ومنذرهم، فالتقييد بما ذكر، مراعاة لمحل الثمرة والفائدة أما غيرهم، فلم ينتفعون بالقرآن؛ لسُوء اختيارهم. 3 - {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}: ¬

_ (¬1) السجدة: 6 (¬2) المزمل: 5 (¬3) النازعات: 45 (¬4) آخر: ق

تَضَمَّنَتْ هذه الآية الصفة إلاُولى للمتَّقين الذين نزل القرآن هدى لهم. واعلم ان التكاليف الشرعية: اما ترك، واما فعل. وما يطلب تركه يدخل تحت عنوان المتقين. والفعل: اما قلبى: ويدخل تحت قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. وإِما من عمل الجوارح. وقد أَشار إلى البدني منها بقوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}، وتخصيصها بالذكر؛ لأنها رأس العبادة البدنية، ولأنهاتنهى عن الفحشاء والمنكر، لقوله تعالى: { ... إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... (¬1)}. وأَشار إلى المالي منها بقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. ووجه الترتيب في الآيتين: أن الترك من قبيل التخلية، وأن الأفعال من قبيل التحلية، والأولَى تسبق الثانية، ولهذا قدم وصفهم بالمتقين على غيره من الأوصاف، لأن التقوى من قبيل التحلية، فهي أشبه بإزالة الأدران والأوساخ قبل التحلية باللباس النظيف الجديد الذي تشبهه سائر صفات المتقين. ويلي هذا ما كان عن عمل القلوب، وهو الإيمان بالغيب، إذ هو أساس قبول العمل الصالح، ولهذا لم يقبل من الكفار عمل مهما كانت صورته طيبة، لأنه لم يقم على عقيدة صحيحة قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (¬2)}:ويلي ذلك العبادة البدنية التى ترجع فائدتها إلى فاعلها، وقد أشير إليها بقوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} ثم العبادة المالية المتعلقة بغير فاعلها المشار إليها بقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، أي على جهات البر. والإيمان بالغبب هو التصديق والإذعان القلبى به، والمراد بالغيب ما غاب عن الحس من شئون الدين وقام الدليل على ثبوته، فافه تعالى لا تدركه الأبصار، وما يتعلق بالملإِ الأعلى أو بأحوال يوم القيامة، من بعث وحثر وحساب، غيب - فالإيمان بذلك كله ايمان بالغيب، ولا يتحقق الإيمان بدونه، وهو أساس لفروع الإيمان، ولهذا قدمه عليها. جاء في تفسير ابن كثير جـ1ص 41 قال سعيد بن منصور، حدثنا أبر معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بت عمير، عن عبد الرحمن بت يزيد، قال: كنا عند عبدالله ¬

_ (¬1) العنكبوت: 45 (¬2) الفرقان: 23

ابن سعود جلوسا فذكرنا اصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وما سبقونا به، فقال عبدالله: إِن أمر محمد -صلى الله عليه وسلم- كان بَيِّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد. قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... } إلى قوله: { ... الْمُفْلِحُونَ}. وهكذا رواه ابن أبى حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه، من طرق عن الأعمش بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولها يخرجاه. وكلام ابن مسعود -رضي الله عنه- في هذا الأثر يشعر بان من لم يروا النبي -صلى إليه عليه وسلم- وآمنوا به، يعتبر إيمانهم برسالتِهِ إيمانا بالغيب، وأَن ذلك منقذ لهم. ومعنى {وَيُقِيمُونَ الصلَاةَ}: يؤَدُّونها في أوقاتها، كاملة الأَركان والسنن. ومن كلام أمير المومنين عمر- رضي الله عنه -: من حفظها- اى الصلاة- وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع. ومعنى قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: ومما أعطيناهم من فضلنا ينفقون. وإسناد الفعل {رَزَقْنَاهُمْ} إلى ضمير الله تعاك، إشارة إلى أن الله تعالى، جعلنا مستخلفين عنه فيما ننفق من الرزق الممنوح لنا، ولم تبين جهة الصرف لغرض التعميم، فينبغى ألا نبخل بمال الله على خلق الله المحتاجين، وألا نشح على كل عمل معد لمصلحة الإسلام والمسلمين. 4 - {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ... } الآية. هذه هي الصفة الثانية للمتقين، وفي وصفهم بالايمان بما أنزل على النبي وهو القرآن، وما أنزل من سائر الكتب على من قبله من الرسل- بيان أن الإسلام يقر الرسالات السماويِّة في حينها، ولا ينكرها، وانه لا يفرِّق بين أحدٍ من رسل الله، على عكس اليهود والنصارى. فاليهود ينكرون المسيحية والإسلام وكتابيهما، والمسيحيون ينكرون الإسلام وكتابه. وقوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}: أي ويؤْمنون كذلك بالدار الآخرة، وما فيها من بعث وحشر وثواب وعقاب، والعبارة فيها قصر اليقين بالآخرة على المؤْمنين، وفي

ذلك تعريض بإيمان أَهل الكتاب بها، فإنه غير مطابق، ولا صادر عن يقين، فاليقين: إنما يكون عن علم لا يعتريه شك قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} (¬1) وأهل الكتاب ليسوا كذلك. وسميت الدار الثانية بالآخرة؛ لتأخرها عن دار الدنيا. 5 - {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ... } الآية. اسم الإشارة في {أولئك} عائد على المتقين الموصوفين بالصفات السابقة، فتكون تلك الصفات كلها ملحوظة مع المشار إِليه، والتعببر بقوله: {عَلى هُدىً}: فيه إشارة إلى تمكن المتقين من الهدى، فكأنهم مستقرون عليه، وتنكير هدى لتعظيمه، وأكد هذا التعظيم بأنه صادر {مِّن رَّبِّهِمْ}: أي بتوفيقه: {قُلْ إنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى (¬2)} {وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: أي وأولئك الموصوفون بما تقدم هم -لا غيرهم- الفائزون عند الله بالسعادة الدائمة. وأصل الفلح: الشق في الأرض، وهو عمل الفلاح، والمؤمنون قد شقوا طريقهم إلى الله، فوصلوا وفازوا يمرضاة ربهم، وعظيم ثوابه. وتكرار اسم الإِشارة: {أوَلئكَ}، للتنويه بشأْن المتقين المتصفين بهذه الصفات. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}. المفردات: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} المراد بهم الذين جحدوا ما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأَصروا على ذلك. ¬

_ (¬1) الحجرات: 15 (¬2) البقرة: 120

{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}: أي أغلقها ومنعها عن قبول الهدى، بسبب إصرارهم على الكفر. والمقصود أنه تعالى لم يوفقهم إلى الإيمان بسبب عنادهم. {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}: أي غطاء، وهذا كناية عن عدم انتفاعهم بالآيات الكونية المرئية: الدالة على وحدانية الله تعالى، كما لا ينتفع الأعمى بالمرئيات لغيره. التفسير 6 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. بعد أن وصف الله المؤمنين الصادقين، في أربع آيات، صدرت بهن السورة، أتبعها وصف الكافرين، فخصهم بآيتين، لبيان حالهم ومآلهم. فهنا في هذه الآية: إخبار من الله تعالى عن قوم، علم الله أَزلا: أنهم لا يؤْمنون، وأن الإنذار وعدمه سواء عندهم، لأن ظلمة الكفر حجبتهم وتحجبهم عن نور الإيمان. وقد يقال: إذا علم الله أزلًا كفرهم باختيارهم السَّيِّىء، وأَخبر عنهم بأنهم لا يؤْمنون فما فائدة الإنذار، وتوجيه الدعوة إليهم؟ والجواب: أن الإنذار لإقامة الحجة عليهم، حتى لا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولتحقيق عموم الرسالة، وليثاب الرسول على توجيه الدعوة إليهم، وإن لم يستجيبوا. هذا والكفر نوعان: كفر إنكار لله قلبا ولسانا، ككفر فرعون. وكفر إباء وامتناع: وهو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه، أَو يغر بلسانه ويكفر بحقوقه ويأباها، ككفر إبليس، ومن على شاكلته من البشر، وكلاهما يؤَدئ إلى الخلود في النار. 7 - {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ... } الآية. الختم لغة: الاستيثاق على الشيءِ بوضع مادة تغطيه، حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخله ما هو خارخ عنه. والمادة التي يختم بها اسمها الختام بكسو الخاء، كما في قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} (¬1) والألة التي تستعمل في الختم اسمها الخاتَم بفتح التاء. ¬

_ (¬1) المطففين: 26

والمقصود من قوله تعالى: {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ .... } إلخ بيان السبب في إضرارهم على الكفر، وعدم اننفاعهم بإنذار الرسول صلى الله عليه وسلم. وليس المرادمن الختم على القلوب، والغشاوة على الأسماع والأبصار، المعنى الحقيقى لهما، إذ لا ختم في الحقيقة ولا غشاوة، بل المراد إنه تعالى تركهم وشانهم الذي اختاروه لأنفسهم من إِصرارهم على الكفر، وتركهم التذكر بقلوبهم وعقولهم، وصرفهم اشماعهم عن المواعظ وابصارهم عن آيات الله تعالى، فلم يلطف بهم ولم يهدهم، جزاءَ إصرارهم وسوء اختيارهم، كما يشير إليه قو له تعالى: { .. بَل طَبَع اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ (¬1) .. } وقوله: { ... كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (¬2)}. وقوله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (¬3)} ونقل ابن كثير عن ابن جرير الطبرى في تفسير الآية أنه قال: والحق عندي في ذلك ما صح في نظيره الخبرُ عن رسوال الله -صلى الله عليه وسلم- وساق ابن جريرهذا الخبر بسنده عن ابى هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونَزَع واسْتَعْتَبَ (¬4) صُقِل قلبُه (¬5) وإن زاد زادت حتى تعلُوَ قلبه، فذلك الرانُ الذي قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (¬6)}. قال ابن كثير: ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب اغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذالختم والطبع من قبل الله، فلا يكون للإيمان إليها مسلك؛ ولاللكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ... } الآية: انتهى باختصار. وخلاصة كلامه وكلامنا أن الكافر هو الذى تسبب في إظلام قلبه حتى انصرف عن الإيمان، وأن الرين هو ذلك الظلام المعنوي الذي حَجَبَ قلبه، بسبب انصر افه عن دواعى الإيمان، وان نسبة الختم إلى الله كناية عن تركه لهذا الظلام دون أَن يكشفه حتى يدخل الهدى في قلبه، بسبب إصراره. ¬

_ (¬1) النساء - من الآية: 155 (¬2) الأعراف - من الآية:101 (¬3) المطففين:14 (¬4) أى رجع عن ذنبه، وطلب رضا ربه. (¬5) أى جُلى قلبه وأصبح نظيفا من أثر الذنب. (¬6) روه ابن جرير والنسائى والترمذى وقال حسن صحيح.

ولو أنه صرف قواه الفكرية والحية إلى معرفة الحق لكشف الله عنه هذا الظلام، ولهدا. إلى الحق المبين. {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}: جملة مستأنفة لاتدخل في حكم الختم السابق. والغشاوة: هي الغطاء. والجملة: كناية عن عدم انتفاعهم بالاَيات الكونية المرئية. وبذلك اجتمع على الكفار عمى البصيرة، الق هي نور القلوب، وعمى البصر الذى هو نور الابصار، وانسداد السمع. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: ويشمل ما أعد للكافرين من عذاب الآخرة الدائم، وما يصيبهم في الدنيا على أيدى المؤمنين من الأسر والقتل. والعظيم ضد الحقير، كما أَن الكبير ضد الصغير. وقد وصف العذاب بلفظ (عظيم) منكرا، تهويلالما يصيبهم من أليم العذاب. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)}. المفردات {يُخَادِعُونَ اللَّهَ}: الخداع: أَن تظهر لغيرك خلاف ما تخفيه له من الشر ليحسن الظن بك، ولما كان المولى سبحانه، لا يخفى عليه سرهم ونجواهم، فلذا يكون الخداع هنا بحسب زعمهم؛ جهلًا منهم. {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}: أي وما يعو د ضرر خداعهم إلا عليهم.

{وَمَا يَشْعُرُونَ}: أَى وما يدرون أن ضرره عائد عليهم. {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} المراد منه هنا الشك والارتياب الذي نشأَ عنه النفاق. {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}: شكًا وارتيابا. والمراد: أنه خلّاهم وريبهم، فلم يسعفهم بالتوفيق، لسوء نيّاتهم، فتضاعف الريب في قلو بهم، وتعاظم أثرد من الننفاق. التفسير 8 - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} ْ: هذا شروع فى بيان صفات الطائفة الثالثة، وهم المنافقون، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون. وهم أسوأ واخبث من الكافرين الصرحاء. وقد ابتلى الله بهم كل مجتمع: في كل زمان ومكان. وفي الاحتراز عنهم وعن مكرهم صعوبة ومشقة؛ لأن مظهرهم لا يتفق مع مخبرهم. وقد ذكر القرآن فى شانهم هنا ثلاث عشرة آية متتالية - تبدا من هذه الآية - ليحدد أوصافهم وخداعهم، وضرب فيهم الأمثال التي تكشف عن حالهم، وعاقبة أَمرهم. وقد ظهر النفاق بالمدينة بعد غزوة بدر الكبرى، وسببه -كما قال ابن كثير- أن عبد الله ابن أبي سلول، كان سيد اللخزرج، ركان رئيسا لهم وللأوس قبل الإسلام، ثم رأَوا أن يجعلوه ملكا عليهم، فلما جاءَ الخبر اشلموا واشتغلوا عنه، فبقى في نفسه من الإسلام واهله شىء، فلما كانت وقعة بدر وظهرت شوكة المسلمين قال: هذا أمْرٌ قد تَوَجَّه، يريد بالامر: الملك، ويريد بتوجهه: زواله عنه وقد دفعه يأسه من تحقيق أمنيته، أن يدخل في الأسلام كما دخل قومه، ولكنه دخله مرائيا غير مخلص، ودخل معه آخرون من قومه وغيرهم على مشاكلته، كما حدث مثل ذلك من طائفة من أهل الكتاب، فمن ثمَّ وُجِدَ النفاق فئ أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، والنفاق مرض اجتماعى ينشأ عن الحقدوالضعف النفسى والطمع. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}: أي وبعض الناس جماعةٌ منافقون: يظهرون للمؤمنين أخهم جمعوا بين طرفين من الإيمان، أولهما الإيمان باللهِ، وثانيهما الإيمان باليوم الآخر: خداعا للمؤمنين، حتى يأمنوا جانبهم،

{وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}: أي وليسوا في الحقيقة مؤمنين؛ لعدم إيمانهم بالنبى صلى الله عليه وسلم؛ ولأن إيمانهم باللهِ واليوم الآخر غير صادق. وقد روعي لفظ (مَن)، مفردا في ضمير يقول. وروعى معناه جمعا في ضمائر {ءَامنَّا}، {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}. ونفي إيمانهم الذي ادعوه بالجملة الاسمية في قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} أَقوى، لأَنها تقتضى دوام النفي واستمراره، كما علم الله فيهم. 9 - : {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... }: الآية. هذه الآية كالتعليل لنفي الإِيمان عنهم، أي وما هم بمؤْمنين حقا؛ لأنهم يخادعون الله والمؤْمنين بما يقولون. والخدْع: ان توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكرره. أَما الخادعة فإنها في أصل معناها تقتضى أن يكون من الجانبين، ولكن قد يراد منها المبالغة في الخدع من جانب واحد، وهو المقصود هنا. ولذا قريءَ {يَخْدَعُون} على الأصل. وخداعهم الله -بحسب زعمهم- جهل منهم بالله، إذ لو عرفوه لعلموا أنه لايُخْدَعُ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن. وخداعهم للمؤْمنين غفلة منهم، فنفاقهم غير خاف على أحد منهم فقد فضحهم الله، وأظهر رسوله على نفاقهم، وفضحوا أنفسهم في غزوة أحد، {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} (¬1)، ولذا قال الله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. فإن من خادع من لا يُخْدَع فقد خدع نفسه، لانه يظهر لها بفعله انه يحقق لها أمنيتها من التقية والسلامة، مع أَنه يوردها به موارد العطب، ويجرعها كأس العذاب وأليم العقاب والحرمان من دار الثواب. ويجوز أن يكون المعنى: وما يعود ضرر خداعهم إلا على أنفسهم، فإنهم سيعذبون به في أخراهم، وسيفضحهم الله في الدنيا باطلاع نبيه على ما أضمروه. {وَمَا يَشْعُرُونَ}: أي وما يفطنون لهذه العاقبة، لتمادي غفلتهم، كالذي لا حس له ولا شعور. ¬

_ (¬1) محمد:30.

10 - {في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ... }: الآية. المرض في الأصل: خرو البدن عن اعتدال مزاجه وصحة أعضائه، فيتعرض البدن للآلام. ويطلق مجازا على شك القلوب رارتيابها. فمرض القلوب هنا، مراد به نرددها في العقيدة، وعدم وصولها إلى الحق، مع قيام الأدلة عليه، فلما عموا عن النور، زادهم الله مرضا. فالنفاقُ عرض ظاهرى لمرض قلبى هو: الشك والجبن. والمراد من زيادة المرض: نمو حال النفاق عندهم. ذلك ان المنافق يبتدىءُ فيكذب على الناس ويرائيهم، فإن استمر على ذلك، صار النفاق من أحواله الملازمة، على حد قوله تعالى: { ... مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ (¬1) ... }. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}: أي ولهم عقاب مؤْلم في الدنيا، بسبب ما يجره عليهم النفاق من مهانة واحتقار، وعذاب شديد عند الله في الآخرة. بكذبهم على الله والناس بقولهم: {آمَنَّا}. وقد يقال: إذا كان المنافقون أشد خبثا من الكفار، فلم لم يستحل النبي قتلهم؟ والجواب: انهم لما اظهرو االاسلام، عاملتهم الشريعة بهذا الظاهر، والله يتولى السرائر. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}. التفسير 11 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} قِى الآية بيان لعناد المنافقين، وإصرارهم على الفساد، كلما وجه إليهم الإرشاد من أيَ ناصح، ولهذا بق القول للمجهول، فقبل: {وإذا قِيلَ لَهُمْ لاتُفْسِدُوا في الْأرْضِ}. وإفسادهم ¬

_ (¬1) التوبة - من الآية: 101

في الأرض كان: باثارة الفتن بين المسلمين، وإفشائهم أسرار المسلمين للكفار ة وتحريض الجميع -مسلمين وكفارا- على الحروب. وقد كانت الأرض قبل مبعث النبي مليئة بالفساد وبالمعاصي، فلما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم - عمل على إزالة هذا الفساد، والقضاء على العصبيات الجاهلية. وبذلك تهيأت الأرض للصلاح باستقامة المجتمعات الصالحة عليها، فلما جاءَ المنافقون، وكان من آثارهم إحياء الفتن بين الناس- قيل لهم: {لاَ تُفْسِدُوا في الأرْضِ}، أى بعد إصلاحها بالتعاليم الإسلامية، فكان جواب النافقين مبنيا على مغالطة كاذبة. إذ قالوا: {إنمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}: أَى: نحن مقصورون على الأصلاح، ولا نعرف الإفساد، فكيف ننهى عنه مع أننا لم نفعله؟. وإنما قالوا ذلك، لأنهم صوروا الإفساد إصلاحا، لمرض قلوبهم، على حد قوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} (¬1). 12 - {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}: هذا هو الرد على دعواهم. وهو أَبلغ رد لما فيه من {ألاَ}، المنبهة و {إنَّ} المؤَكدة، وتعريف الخبر {الْمُفْسِدُونَ}. وتوسيط ضمير الفصل {هُم}. ونفى اليشعور والادراك عنهم لفساد عقولهم، فصاروا لا يميزون بين الخبيث والطيب، ولا يشعرون بالفروق ببن الفاسد والصالح. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)} التفسير 13 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ... }: الآية. نُصِحُوا في الآية السابقة بترك الإفساد، وهنا، نصحوا بتحقيق إيمان سليم من النفاق. ¬

_ (¬1) فاطر: 8

والمعنى: وإذا أُرشدوا، فقيل لهم: آمنوا باللهِ ورسوله- بقلوبكم- كما آمن الناس الكاملون المستجمعون لخصائص جنسهم ومزاياه، بحيث لايقترن إيمانكم بشىءً من شوائب النفاق. {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}؟ والاستفهام في كلامهم للإنكاروالنفى. والسفهاءُ: ناقصو العقل والرأي، أي لانؤمن كإِيمان المؤْمنين السفهاء، الذين لا عقل عندهم ولارأى. وهذا الرد قالوه فيما بينهم، لأنه كفر صريح، وهم يتظاهرون بالإيمان، وقد فضح الله سرهم هذا وأَظهره، ثم رد عليهم السفه كما سيأتى. وقال أبو السعود في قولهم: {كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} إنه رد في متهابلة الناصحين من المؤْمنين، فيه ضرب من النفاق، لأنه يحتمل الشر والخير - فهو في ظاهره- على معنى: نحن لا نؤْمن كما آمن السفهاء، بل نؤْمن كما آمن الناس كما أَمرتمونا أنتم، فلا تتهمونا بفساد الإِيمان، ولكنهم يقصدون في أنفسهم أن المسلمين سفهاء، وأنهم لذلك لايؤْمنون كما آمنوا. {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ}: رد الله عليهم السفه الذى اتهموا به المسلمين أُبلغ رد، واكد اتصافهم به، وأَنه مقصور عليهم، فصدر بلفظ {أَلاَ} التي هي للتنبيه، وأكده بلفظ {إنَّ}، وبالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، أَى إِنهم هم السفهاءُ، لاغيرهم ممن أرادوا وصفهم يالسفه من المؤْمنين. {وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} أنهم هم السفهاء وحدهها، أَما المؤْمنون فهم العقلاء العلماء. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} المفردات: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ}: أي انفردوا بمن بقى منهم على الكفر، أو برؤَساءِ- المنافقيق والقائلون: صغارهم. {إِنَّا مَعَكُمْ} أي كافرون مثلكم بمحمد.

{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}: أَى مستخفون بالمؤمنين، حينما تظهر الإيمان لهم. {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}: أي يجازيهم على استهزائهم. {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ}: أي يمهلهم في ضلالهم. {يَعْمَهُونَ}: يتحيرونَ. التفسير 14 - {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}: في هذه الآية تصوير لأحوال المنافقين في معاملتهم المؤْمنين والكفار، فإذا لقوا المؤْمنين قالوا آمنا؛ ليظهروا موافقتهم لهم، وإذا خلوا إلى شياطينهم الذين يلقنونهم الباطل - وهم من بقى منهم على الكفر، أو كبار المنافقين، والقائلون صغارهم- قالوا مطمئنين لهم: إنا معكم في الكفر باطنا، وتعللوالإظهار الإيمان للمؤْمنين بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي مستخفون بهم، إذ نعمل على خلاف ما نقول لهم. وقد صور الله نفاقهم في الآية أبدع تصوير، فعبّر عن ملاقاتهم للمؤْمنين بكلمة {لَقُوا} لأن لقاءَهم للمؤْمنين كانه مصادفة لا يحرصون عليه. وعبر عن ملاقاتهم لشياطينهم بكلمة {خَلَوْا} لأن الخلوة تطلب قصدا للادلاء بالأسرار، وذكر انهم كانوا عند لقاء المؤْمنين يقولون (آمنَّا) فعبروا بالفعل الماضي ليظهروا للمؤْمنين انهم معهم من زمان مضى، وعند لقائهم لشياطينهم يقولون: {إنَّا مَعَكُم} بالجملة الاسمية المفيدة للدوام، ويؤَكدونها بإنَّ، ويعللون إظهار إيمانهم بالاستهزاء بالمؤْمنين. فرد القرآن عليهم بقوله تعالى: 15 - {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}: ومعنى {اللهُ يَسْتَهْزِىٌ بِهِمْ}: ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم، لاستحالة المعنى الحقيقى على الله تعالى. سميت عقوبتهم باسم الذنب الذي صدر عنهم، للمشاكلة اللفظية، وهي ذكر الشئ بلفمل غيره لوقوعه في صحبته. ومما جاءَ على هذا النمط قوله تعالى: {وجَزَاء، سيِّئَةٍ سَيِّئَة مثْلُهَا ... } (¬1). ¬

_ (¬1) الشورى - من الآية: 40

فالجزاء ليس. سيئة، وإِنما عبر بها عنه للمشاكلة اللفظية، والمعنى مختلف. وقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} المدّ يأتى قى بمعنى الزيادة، ومنه قوله تعالى: { ... وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ... } (¬1) أو الإمهال والأملاء. والطغيان هنا، مجاوزة الحد في الضلال، والعَمَه: عمى القلب. ومن لوازمه: الحيرة والتردد. والعنى: ويزيدهم الله فى ضلالهم الشديد، أو يمهلهم فيه: يتحيرون ويتخبطون، لا يدرون أين يتوجهون بسبب طغيانهم المستمر. والمراد أنهم -بسبب كفرهم وعنادهم- سد الله عليهم طرق التوفيق، فازداوا رَينًا على قلوبهم، وطغيانا في تصرفاتهم. {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)} المفرداتَ: {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}: المراد به، استحبو االكفر على الإيمان. {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}: فما نالوا خيرًا من الكفر الذى جعلوه بدلامن الإيمان، فكانوا أشبه بالتجار الذين جهلوا أساليب التجارة، فجروا على أنفسهم الخسارة. {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}: إلى ما يوصلهم إلى الربح، لجهلهم. التفسير 16 - {ولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ... } الآية. اسم الإشارة يعود على المنافقين، مع ملاحظة صفاتهم المتقدمة. والأصل في الاشتراء: أن يكون في المبادلات الحسية، كاشتراء السلعة بثمنها، ثم استعملته العرب في المعاق، كاشتراء الضلالة بالهدى. ¬

_ (¬1) لقمان - من الآية: 27

والمراد: انهم استحبوا الكفر على الإيمان فليس الاستبدال حقيقة حتى يكون معاوضة، لأنهم لم يسبق لهم الإيمان حتى يبذلوه في مقابلة الكفر. والتعبير بلفظ {اشْتَرَوا} يؤْذن بأنهم قادرون على الإيمان بالفطرة، لو نظروا واعتبروا. والباء في قوله: {بِالْهُدَى} داخلة على المتروك. لأنهم اخذوا الضلالة وتركوا الهدى الذى كان فيهم بالفطرة، وتمكنوا منه بالأدلة الواضحة. {فَمَا رَبِحَت تَجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ترشيح وتقوية للمعنى المجازى؛ فإِنه لما استعمل لفظ. اشترىَ مجازا عن استبدل، أتبعه ما يشاكله تقوية له، وتمثيلا لما فاتهم من فوائد الهدى. بصورة خسران التجارة، الذي يتحاشاه كل أحد، للإشباع في التخسير والتحسير أىَ: فلم يربحوا، ولكن خسروا، وما كانوا مهتدين إلى الربح اجهلهم بطرق التجارة الرابحة، وعدم اهتدائهم إلى أساليبها وأسبابها. وكذلك هؤلاءِ المنافقون: كان رأْس مالهم الهدى، فاستبدلوا به الضلالة، فخسروا بذلك رأْس المال: وهو الهدى، وربحه وهو النجاة والفوز، {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} إلى طرق التجارة الرابحة في الدين. {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)}. التفسير 17 - {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} بعد أن بين الله في الآيات السابقة صفات المنافقين، عقبها بتمثيلهم فيها، زيادة في توضيحها وتقريرها.

ففى التمثيل إبراز المعنى الخفى في صووة الظاهر. وهو نوع من أساليب البلاغة تصور فيه المعقولات والمحسات، والمَثَلُ في أصل اللغة بمعنى الشبيه والنظير، كالمِثل والمثِيل، وقد يستعار للحال التي فيها غرابة كما في هذه الآية (¬1). والمراد من قوله: {الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} مَنْ سعى في تحصيل وقدِها- أَى لهبها وضوئها لتضيء له في الليلة المظْلمة. والأصل في كلمة {الَّذِى} أن من تستعمل في المفرد، وقد تستعمل في الجمع كما هنا، فهي بمعنى جماعة المستوقدين، ولذا قال سبحانه: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} بضمير الجمع، ومن أمثلته قوله تعالى: { ... وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ... } (¬2)، أي كجماعة الخائضين. ويجوز أن يراعي لفظه المفرد، فيعاد الضمير عليه مفردا كما في قوله تعالى {اسْتَوْقدَ} و {حَوْلَهُ} كما يجوز أن يراعي معناه، فيعاد الضمير عليه جمعا، كما في قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ}. وخلاصة المعنى: أن الله شبه حال هؤلاءِ المنافقين - وقد آتاهم ضربا من الهدى باستعداد الفطرة، ونطقوا بالشهادتين بألسنتهم، ثم أضاعوا ذلك ولم يتوصلوا به إلى نعيم الآخرة وسعادة الأبد فبقوا في حيرة واضطراب لإعراضهم عن الحق واستبطانهم للكفر:- شبه حالهم هذا- بمن أَوقد نارا لينتفع بنورها في الظلمة ليلا، فلما أضاءَت ما حيوله عن الامكنة، سرعان ما انطفات، وذهب الله بنورهم، قبقوا في مكانهم حائرين: لا يرون شيئًا فيما حولهم؛ لشدة الظلمة التي تحبط بهم من كل جانب. والتعبير بلفظ {أَضَاءَتْ} أبلغ من التعبير بأنارت، لأن الضوء مصدر النور، كما يعلم من قوله تعالى: هو {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ... } (¬3)، ومعلوم أن نور القمر مستمد من ضياء الشمس. وقوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}، معنا.: لم يُبق منه شيئًا. وإنما لم يقل: بضو ئهم كما يقتضيه الظاهر من كلمة {أضَاَءتْ} لئلا يتوهم أن الذي ذهب هو زيادة الضوء، مع بقاء أصل النور ¬

_ (¬1) وقد يراد منه القول السائرالمثل مضربه بمورده فى الغرابة، كما فى قواهم: "الصَّيف ضيَّعت اللبن" وما في الآية ليس، لا جماع المشبه والمشبه به، والمثل السائر ليس كذلك. (¬2) التوبة من الآية: 69 (¬3) يونس من الآية: 5

ولذا قال عقبه: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ}، أي تركهم في ظلمات لايرى فيهاشئ. وإسناد إذهاب النور إلى الله، للإيذان بأنه إنما ذهب بأمر سماوى. كالمطر والهواء أو المبالغة في إذهابه. 18 - {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}: ليس المراد: الاخبار بأنهم أُصيبوا بحقيقة الصمم والبكم والعمى، فقد كان لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأبصار تنظر. ولكنهم- لما حجبوا أسماعهم عن معرفة الحقائق كانوا بمثابة الصم الذين لا يسمعون. ولمّا لم ينطقوا بالحق مخلصين، كانوا بمثابة البكم الذين لا يتكلمون. ولمَّا لم يتعرَّفوا الحقائق ببصائرهم، كانوا كالعمى الذين لا يبصرون. ولا سبيل لعودتهم إلى الحق؛ لإعراضهم عن استعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله. ولهذا قال سبحانه: {فَهُمْ لَا يَرْجِعونَ} أَي لا يعودون إِلى الهدى، فقد أضاعوه، كما لا يعود إلى مقصده من بقى في ظلام لا يهتدى فيه إلى سبيل يوصله إليه. ومن هذا البيان اتضح أن في الكلام تمثيل حالهم - في تعطيلهم لفطرتهم المتمكنة من من الهدى، وعدم انتفاعهم بالاَيات والنذر، وعدم قطعهم بالحق - بحال. من فقد السمع والنطق والبصر، لتعطل مصادر النفع وعدم الانتفاع نى كل منهما. {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}. المفردات: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ}: الصيب: (¬1) بطلق على المطر المنهمر، وعل السحاب الكثيف، والسماء: كل ما علاك والمراد منها هنا: السحاب، فهو من معانيها. ¬

_ (¬1) بوزن فيعل، مأخوذ من الصوب، وهو النزول والانصباب.

{فِيهِ ظُلُمَاتٌ}: المراد بها الظلمات الناشئة من كثافة المطر وتتابعه وغمامه وظلمة الليل {وَرَعْدٌ}: الرعد، صوت مدوٍّ في الهواءِ، سببه التقاء سحابة كهرباؤها موجبة، بسحابة أخرى كهرباؤها سالبة، فتتحد الكهرباءُ فيهما، وعندها يسخن الهواءُ فيتمدد تمددا فجائيا، ينشأ عنه ضغط قوي، يعقبه تخلخل سريع فيجذب إليه تيارات هوائية أُخرى تحدث صوتا قويا هو الرعد، ويتم هذا في سرعة عجيبة. {وَبَرْقٌ}: البرق، لمعان ضوئي شديد، يظهر ويختفى سريعا. وسببه حدوث شرارة كهربائية ناشئة عن اتصال الكهرباء في سحابتين: إحداهما كهرباؤها سالبة، والأخرى كهرباؤها موجبة. والبرق والرعد متلازمان غالبا، ولكننا نرى البرق ثم نسمع بعده الرعد؛ لأن سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت أضعافا مضاعفة. {الصَّوَاعِق}: جمع صاعقة، وهي حرارة هائلة تصحب البرق والرعد أحيانا. وسببها اتصال كهربائيّ ناجم عن التفريغ الكهربائى الذئ يحدث بين الأرض والسحب المكهربة، فتحدث حرارة بالغة سريعة: تصهر ما بينهما، أو تحرقه اوتفتته ة تبعا لاختلاف مادته. وظواهر الرعد والبرق والصواعق، تحدث عند تكاثف السحب، واختلاف درجات الحرارة بين طبقات الهواء. {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}: أى لايفوتونه ولا ينجون من بطشه، كما لا ينجو الشخص مِمنْ أحاط به. {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}: أَي وإذا أظلم البرق عليهم ولم يضئ لهم، رقفوا ولم يمشوا. التفسير 19 - {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ... } الآية. في هذه الآية تمثيل آخر لحالة المنافقين؛ إذ مثلها بحال مطر غزير منهمر من السحاب، اشتمل على ظلمات كثيرة، كما اشتمل على رعد ربرق.

وقد كرر التمثيل، رعاية لتفننهم في فنون النفاق، وتنقلهم فيه من حال، إلى حال، وذلك جدير بأَن تعدد فيه الأمثال، وقد جىء بحرف العطف {أوْ} بين التمثيلين، لإفادة تساوى القصتين في ان يكونا مئلا لحالهم انفرادا أو اجتماعا، فـ {أوْ} هنا، مثلها في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. أي جالس أحدهما أوكليهما، فهما سواء في الإفادة. وكأن سائلا قال: كيف حالهم عند سماع الرعد؟. فأُجيب {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ}. والأَصابع مجاز عن الأنامل. فهو من باب التعبير عن الجزء باسم الكل، مبالغة، في إعراضهم عن قبول ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يحذرونه كما يحذر الخائف من الصواعق، فيسد أذنيه بأنامله حتى لا يسمعها؛ خشية أن يموت من شدة الصوت الذي يصحبها. {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}: انذار لهم بأنهم لن يفلتوا من عذابه، أي لا يفونونه، كما لا يفوت الشخص من أحاط به من جميع جهاته. 20 - {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ... } الآية. هذا كلام مستأنف لبيان حالهم عندما يرون البرق، كأن سائلا قال: وما حالهم عند البرقَ فأجيب: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أَي بذهبها {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} أَي مشوا فى ضوئه. وسرعان ما يزول الضوء، فيقولون في حيرتهم، وهذا معنى قوله: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}: أي وقفوا حائرين. {وَلَو شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمعِهِم} عند قصف الرعد {وَأبْصَارِهِمْ} عند وميض البرق، وإنما وحد السمع وجمع الابصار، لأن السمع في الأصل مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، كما قاله صاحب الإرشاد: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فهو الفاعل المختار، يقول للشىء كن فيكون.

الغرض من الاَبتين: {أَوْ كَصَيِّبٍ} إلى {قَدِيرٌ}، تمثيل حال المنافقين من الحيرة والتردد، بين مُضِيٍّ في الإسلام وإِحجام عنه، بحال من أمطرته السماء في ليلة مظلمة مع رعد قاصف وبرق خاطف فتحير بين إقدام حين يلمع البرق، وبيق إحجام حين يسمع الرعد ويشتد علبه الظلام، والمطر في كلتا الحالتين فوق رأسه ينهمر، فما أَروع هذا التمثيل. ويمكن جعله من باب التشيه المفرق فيشبه القرآن- الذي تعبدهم الله به وسائر ما آتاهم من المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية - بالصيب أي المطر الذي به حياة الأرض. ويشبه ما أحاط بهم من التردد والحيرة والشكوك بالظلمات، ويشبه وعد القرآن ووعيده بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، وتَصَامُّهم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أُذنيه عنها مع أنهم لاخلاص لهم منها، وهو معنى قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} و. اهتزازهم لما يلمع لهم من رُشدٍ يُدركونه، أو رفد تطمح إليه أَبصارهم بمشيهم في مكان ضوء البرق حين يضيءُ، وتحيرهم في الأمر وتوقفهم فيه حين تعرض لهم شبهة أو مصيبة - بتوقفهم إذا أظلم عليهم البرق. ونبه سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} على أنه تعالى جعل لهم السمع والأبصاو ليتوسلوا بها إِلى الهدى والفلاح. ولكنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة وأوْصدوها عن الفوائد ولآجلة، ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي آثروها لأنفسهم، وهي اضاعة فائدة السمع والبصر فإنه على ما يشاء قدير، ولكنه لم يفعل، لعلهم يعتبرون فيدركوا.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} المفردات: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: لكي تَقُوا أنفسكم وتحفظوها بعبادته من عقابه. {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}: مبسوطة ممهدة كالفراش. {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}: البناء هو المينى، بيتا كان أو قبة أوخباء. ومنه قولهم: بني الرجل على زوجته، إذا ضرب فوقها قبة. والمراد: أنه جعل السماءَ فوقهم كالقبة. {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} أَي وأنزل من السحاب ماء، فكل ما علاك، سماءٌ. {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}: أَي فلا تجعلوا لله شركاء لشبهونه في الاُلوهية. والند: الشبيه والنظير. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أَنهم لا يصلحون للألوهية والمشابهة لله في الخالقية وسواها، من الصفات اللائقة بالمعبود بحق "سُبْحَانَهُ وَتعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوا كَبِيرًا" (¬1). التفسير 21 - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... } الآية. بعد أَن ذكر الله طوائف المكلفين من المؤْمنين والكافرين والمنافقين - مع بيان صفات كل طائفة - أقبل عليهم جميعًا بالخطاب؛ هَزَّا لمشاعرهم وتنشيطًا لهم، قائلا لهم: ¬

_ (¬1) الإسراء:43

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي}، فكلمة {النَّاسُ} عامة، تشمل أمة الدعوة المكلفين: من آمن منهم ومن لم يؤْمن، من الموجودين في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم - ومن سيوجد بعدهم إلى يوم القيامة؛ لعموم الرسالة المحمدية. وقد دخلوا في الخطاب -وهم غير مخلوقين فى وقت الخطاب- تغليبا للموجودين على من سيوجدون، ويكون الأمر بقوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} بالنسبة للمؤمنين، بمعنى داوِموا على عبادته، وبالنسبة إلى غيرهم، بمعنى حصِّلوا العبادة وأنشئوها. والعباده المطلوبة؛ هي الطاعة المبنية على حبِّ المعبود، لا يشاركه فيها غيره؛ لأنه المستحق لها وحده؛ لانفراده بالخلق والربربية وكامل الإنعام، مع القدرة الشاملة وعظيم السلطان. وليست العبادة مقصورة على نحو الصلاة والصوم والزكاة،، بل تشمل كل عمل يعمل لنفع الناس والحيوانات، إذا أريد به وجه الله. فالعامل الذي يخلص في عمله لأبناءَ وطنه ويرجو به رضا الله يكون عابدا وعملُه عبادة. وإطعام الحيوانات والعناية بها امتثالا لأمر الله عبادة. وقد اقترن الأمر بالعبادة بذكر أرصاف المعبود، التي من شأنها أن نحملهم على عبادته، لتعدى أثرها لهم. فقوله: {رَبَّكُمُ} يفيد أَنه تعالى مربيهم رمتعهدهم بالتكميل المستمر. وقوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} تذكير لهم بأوَّلِ نِعَمه عليهم، وهي الخلق من العدم، لهم ولاَبائهم من قبلهم، ونعمة الآباو نعمة للأبناءٌ، إِذ لولا خلق آبائهم لما وجدوا.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: أي لتتقوا العذاب، الذى هو عاقبة المخالفين لأمر الله تعالى. 22 - {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ... } الآيه في هذه الآية، تعداد لنعم الخالق على الناس، وتذكير بأَفضاله عليهم، حيث خلق لهم الأرض، وصيرها لهم مبسوطة كالفواش، بحيث يقعدون عليها وينامون، ويزرعون ويحصدون، ويبنون عليها بيوتهم. وجعل {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} أَي تكوينا يشبه القبة فوقهم، وزينها بالكواكب والنجوم ليهتدوا بها {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} أَي من السحاب (مَاَءً)، وهو المطر الذي تحيا به الأرض والزرع والحيوان {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} تكرما وتفضلا، وخروج الثمار وأصولها بقدرة الله ومشيئته، ولكنه -تعالى- جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في اخراجها. كالنطفة للحيوان، بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها، على المادة المستخلصة منهما. {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: الفاء للتعقيب على ما سبق ذكره من النعم الجزيلة. والأنداد: الشركاء، جمعْ ند بمعنى النظير. المعنى: يتفرع على هذه النعم ويتسمبب عنها، ألا تتخذوا للمنعم بها شركاءَ تعبدونهم من دونه، وأنتم تعلمون أنهم لا يصلحون للأُلوهية. فهم لا يخلقون شيئا، ولا يملكون لأنفسهم- ولا لغيرهم- ضرًّا ولا نفعا، فلا عذر لمن عطل عقله، فسوى هذه الأصنام العاجزة بالإله القادر، الذي خلقه وأَنعم عليه، دون حجة سوى تقليد الآباء (¬1). والترتيب في هذه الآية عجيب، فقد رتب الأَمر بالعبادة، على صفة الربوبية لأَنها السبب في وجوب العبادة، ثم بين الربوبية بآثارها. وهي أنه خلقهم وخلق من قبلهم، وما يحتاجون إليه في معاشهم، من الأرض المقلة والسمَاَء المظلة، والثمرات التي منها المطاعم والملابس. ¬

_ (¬1) قد أحسن عمرو بن نفيل، موحد الجاهليين إذ قال: أرَبا وَاحِدًا أم الفَ رَبِّ ... أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعًا ... كذلك يفعل الرجل الخبير

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} المفردات {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ}: في شك. {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}: أي من القرآن الذي أنزلناه على - صلى الله عليه وسلم -. {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}: أي بسورة من مثل القرآن في بلاغنه وأَغراضه، أو بسورة من مثل عبدنا. {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ}: مَنْ يشهد لكم علىْ ما جئتم به، إن كان يصلح أن يكون مثلا ْلسورة من القرآن، أو لا يصلح. {مِنْ دُونِ}: أي من غير الله. {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: في دعواكم، أن محمدا اخترعه، ولم ينزله الله عليه. {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}: أي ما توقد به نار جهم؛ هو الناس الكافرون والحجارة التي جعلوها آلهة، وغيرها. التفسير 23 - {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. لما أمر الله- في الآيات السابقة- بعبادته وحده، ونهى عن اتخاذ إلأَنداد، أتبع ذلك ما يدل على أن القرآن الذي أنزله على محمد معجزة، وأنه من عند الله، إذ تحداهم أن

يأْتوا بسورة مثله إن كانوا صادقين في أن محمدا افتراه من عنده، فعجزوا أمام هذا التحدى مع أنهم أئمة البلاغة والفصاحة، فإذا عجزوا هُمْ فغيرهم أشد عجزا، وحيث كان محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلهم، وكان، فإنه يستحيل أن يكون القرآن- الذي فاق قدرة البشر من تأْليفه هو، فوجب أن يكرن من عند الله، أنزله الله عليه تأْييدا له، كما أيد المرسلين قبله بالمعجزات. واختصى النبي صلى الله عليه وسم بمعجزة القرآن، لأنه هو المناسب لإعجاز العرب البلغاء الفصحاء، ولأن العالم شَبَّ عن الطرق، ولأن رسالته باقية إلى آخر الزمان، وهذا يقتضى أن تكون شواهد معجزته باقية معها مقارنة لها في جميع الاجيال، فلذا كانت معجزته القرآن الكريم، الذي تقارنه شواهد إعجازه دائمًا. أما سائر المرسلين، فإن رسالة كل منهم كانت موقوتة بين رسولين، ومحصورة في محيط ضيق، فلهذا كانت معجزة كل منهم، مقصورة على زمان معين ومكان معين، وبين عدد محدود من الشهور. وإِعجاز القرآن كما يتجلى في بلاغته وفصاحته، يتجلى أيضًا فيما تضمنه من التشريعات الفائقة، والقصص الصادقة للأمم السابقة، والإشارة إلى الكونيات التي كشف العلم بعضها، ولا يزال جاهدا في كشف سواه، وبما اشتمل عليه من قواعد السلوك والأخلاق. وفي ذلك يقول. النبي - صلى الله عليه وسلم - "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أُعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" رواه الشيخان عن أبى هريرة، واللفظ لمسلم. وله- صلى الله عليه وسلم- من المعجزات غير القرآن، ما يفوق الحصر، فلله الحمد والمنة. وقد تحداهم الله هذا التحدى في مواضع عديدة من القرآن، مكيِّه ومَدَنيِّه، فمن مَدنيهِ هذه الآية، ومن مَكِّيِّهِ قوله تعالى فى سورة الإِسراء: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (¬1) وسبب تحديهم بهذه الآية وأمثالها: أنهم قالوا: "لَوْ نَشَاءُ لَقُلنا مِثلَ هَذَا (¬2) " ولمَّا نزل القرآن منجما حسَب الحوادث، لم يعجبهم هذا، وقالوا {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} (¬3) فجعلوا نزوله منجمًا حسب الوقائع، دليلًا على أنه ليس من عند الله. ¬

_ (¬1) الإسراء: 88 (¬2) الأنفال: 31 (¬3) الفرقان: 32

وقال بعضهم في أحاديثهم عنه: إنه اساطير الأَولين. وزعم آخرون: انه. سحر. تخبُّطٌ منهم ناشئ عن إصرارهم على الكفر. فهم يلتمسون العلل الباطلة لبقائهم على دينهم، ولحمل المؤمنين على ترك الإِسلام. فلا جرم ان تنزل هذه الآية لتحديهم فيما زعموه، حتى إِذا ما عجزوا، وجب اعترافهم بأن القرآن من عند الله، وأَن المنزل عليه هو نبى الله ورسوله. إذ المراد بعبدنا، هو النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - مأخوذ من معنى التعبد، وهو التذلل والخضوع لمالِكِه وخالقه. وإضافة عبد إلى ضميره تعالى، للتنويه بشأْن هذا النبي. والتعبير بكلمة {نَزَّلْناَ} المفيدة للتكرار دون {أَنزَلْنا} منظور فيه لحالة نزول القرآن مفرقا حسب الوقائع. وكان ذلك موضع اعتراضهم كما تقدم. وجواب الشرط قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}. والسورة: اسم لطائفة من آيأت القرآن، مأخوذة من سور الدينة، لأَنها محيطة بطائفة من القرآن إِحاطة سور المدينة بما فيها. والضمير في {مِثْلِهِ} عائد على القرآن. كما في قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} (¬1) أَي فأُتوا بسورة مماثلة لسُوَر القرآن فى البلاغة وحسن النظم، وتضمن مصالح الدنيا والآخرة. فإِن رجعنا ضمير (مِثْلِهِ) على النبي - صلى الله عليه وسلم - فالمعنى فأتوا بسورة صادرة ممن هو على حاله - صلى الله عليه وسلم- في اللغة، وكونه أُميًّا لم يخالط أَهل الكتاب. وجعل الضمير راجعا إلى القرآن أولى، لتطابق هذه الآية مثيلاتها فى القرآن، كقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} (¬2) ولأن الكلام في المنزل، لا فيمن نزل عليه. ومعنى قوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: أي؛ ادعوا أنصاركم الذين يشهدون أَموركم، ويقدرون الأمر في شئونكم؛ ليكون التحدى - في النهاية- للجميع؛ أو لكي يشهدوا بحال ما جئتم به. ¬

_ (¬1) يونس: 38 (¬2) الإسراء: 88

أو المراد بالشهداءِ، آلهتهم الذين يعبدونهم من. دون الله، فيكون الكلام للتبكيت لهم على اتخاذهم آلهة لا يفقهونا شيئًا. {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم إن القرآن ليس من عند الله، بل من صنع البشر كما زعمتم. وجواب {إن كُنتُمْ} مدلول عليه بقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ}. ومعنى آية التحدى هذه إِجمالا: إن كنتم- أيها الكفرة- صادقين في دعواكم: أَنه من كلام البشر- وأَنتم من البشر- فاتوا بسورة مثل هذا القرآن: في بلاغته وفصاحته، ومعناه وأَحكامه، وقد أُنزل القرآن عربيا، فهو من لغتكم، لا من لغة تجهلونها. والعربية مجال تنافسكم وتسابقكم فى المحافل العربية. ولو كان مقدورا لهم لفعلوا، ولأذاعوا به، وأَشاعوه، ولم يثبت شىء من ذلك عنهم. وبذلك ثبت عجزهم المطلق. وإذا عجزوا- وهم الفصحاء البلغاء- كان غيرهم أَعجز كما تقدم. 24 - {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا ... } الآية. إن الشرطية هناءَ مستعملة لليمين، وإن كَان غالب استعمالها للشك، و {لَنْ} في {وَلن تَفْعَلُوا} من الآية إِنما هو لنفي الفعل المستمر فى المستقبل، إِلى الأبد. وذلك من معجزات القرآن، إِذ لم يقع منهم أنهم أتوْا بسورة مثله. {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}: أي فارجعوا إلى الصواب، واتقوا عذاب النار التي اعدت وهيئت للكافرين، بتصديقكم أنه من عند الله. ووصف النار بأَن وقودها ناس وحجارة، مثل قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (¬1) ¬

_ (¬1) الأنبياء:98

فالناس الذين هم وقودها، هم الكفار، والحجارة حجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها: تجعل وقودا للنار معهم، إهانةً لهم ولِمَا كانوا يعبدون. والآية تبدى مِنَ التحذير، ما لا يستطيع عاقل تجاهله. وفيها دليل على أن النار مخلوقة موجوده، من قبل نزولها. {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)} المفردات: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا}: التبشير يطلق غالبا، على الإِخبار بالخبر السار. وقد يُطلق مجازًا يحزن كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (¬1)} والمراد هنا الأول. {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}: أَي كلما رزق أهل الجنة شيئًا من ثمارها، يقولون: هذا هو الذي وُعِدنا من قبل في الدنيا أن نرزقه في الآخرة، أَو هذا الذي رزقناه في الدنيا، لكونه مشابها له، حتى إذا تذوقوه أدركوا الفرق بين ثمار الدارَين. {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: أي مُنحوا ثمر الجنة، يشبه بعضه بعضا في الشكل، مع اختلاف الطعم، أو متشابها مع ثمار الدنيا. شكلا ليأْنسوا به، لكنه يفوقه طعما ومذاقا. {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}: أي زوجات مبرأَة من الدنس والعيب. ¬

_ (¬1) الانشقاق:24

التفسير 25 - {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... } الآية. هذه الآية بشارة وعِدَة للمؤمنين، مقابلة لما ذكر في الآية السابقة، من تحذير ووعيد للكفرين. وهكذا، يصرف الله الآيات وينوعا بين الترهيب والترغبب. ومعنى التبشيرة. المفهوم من قوله: {وَبَشِّرِ}: الإخبار بما يسر، وأطلق عليه ذلك، لظهور أثره على البشرة. رقد سيقت البشرى في هذه الآية لمن آمن وعمل صالحا من الناس، أي لمن جمعوا بين عمل القلب، وهو الإيمان والتوحيد الخالص، وعمل الجوارح، وهو الاستقامة والاستدامة للعمل الصالح. ويستدل بها على أن مفهوم الإِيمان لا يدخل فيه العمل الصالح، ولكنه لا بد منه لحسن الجزاء؛ فإن الإيمان وهو التصديق كالأساس، والعمل الصالح كالبنيان فوقه. ولا يكفى أساس من كير بنيان، كما لا يعيش بنيان بغير أساس؛ لأنه معرض للانهيار. وجمع {الصَّالِحَاتِ} للإِشارة إلى الإتيان بها بأَنواعها، دون اكتفاء ببعضها. فأركان الإِسْلام وما يتصل بها، متماسكة كما يفهم من حديث "بُنِىَ الإسلام على خمس: شهادة أَن لا إله إلاالله، وأَن محمدا رسول الله، واقام الصلاة، وإيتاء الزكإة، والحج، وصوم رمضان (¬1) " مجمع عليه. {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ}: أي وبشرهم بأن لهم جنات .... إِلى آخر الآية، والجنات: البساتين التي تتداخل وتتشابك فروعها، فهي تُجِنُّ أي تستر من دخل تحتها. وقوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أَي من تحت أشجارها. {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. في هذه الجملة وصف للجنات بان أشجارها تحمل ثمارا متشابهة يستمتع بطعامها أهل الجنة، كلما قطف أَحدهم ثمرة منها وجد مكانها من الغصن ثمرة مثلها، فيعجبون من ذلك ¬

_ (¬1) صحيح البخارى وغيره

ويقولون: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}،وقد بيَّنت السنَّة ذلك. فعن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أَخرى (¬1) ". وقد يقال في معناها: إن ثمر الجنة متشابه فى الصورة والشكل- مع ما كان في الدنيا، فإِذا رأوه قالوا: هذا الذي رزقناه من قبل في الدنيا-، فإذا ما طعموه، أحسوا فرقا شاسعا - في اللذة والطعم- بينه وبين ثمر الدنيا. وإنما جعل ثمر الجنة مشابها - في الصورة- لثمار الدنيا؛ لتميل النفسى إليه حين تراه، فإن الطباع تميل إلى ما تأْلف، ليتبين لها.- بعد تذوِقه- مزيته على ثمار الدنيا: في الطعم واللذة؛ فيقدروا فضل الله عليهم، وقيل في معناه غير ذلك. ئ {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}: ولأهل الجنة زوجات مطهرة مما يستقذر من نساءَ الدنيا، كالحيض ودنس الطبع، وسوءِ الخلق والأقذار. والتطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والافعال. والتعبير بقوله: {مُّطَهَّرَةٌ} يشعر بأَن مُطَهِّرا طَهَّرهن. وهو لا يكون إلا الله-سبحانه وتعالى- أذ خلقهن على هذا النمط من الطهر. والزوج في الأصل: اسم لما له قرين من جنسه يزاوجه ويثانيه. ويطلق أَيضًا، على الذكر وإلانثى. والقرينة هي التي تعين المراد، {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: الخلود في الأص {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)} [النساء: 57] ل؛ البقاء المديد، دام أو لم يدم، فإذا أُريد الدوام قيد بالتأْبيد نحو قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (¬2)} والمرادُ بالخلد هنا: الدوام قطعا، حملا للمطلق هنا على المقيد بالتأْبيد، فى آيأت أُخرى. فإن قيل: إن الأبدان مركبة من أجزاء متضادة في الكيفية، معرضة إلى الاستحالات المؤدية إلى الانحلال والتفكك. فكيف يمكن الدوام في الجنة؟ ¬

_ (¬1) رواه الطبرانى، والبزار، إلا أنه قال: أعيد في مكانها ثلاها، ورجال الطبرانى وأحد اسنادى البزار ثقات: مجمع الزوائد جـ10ص414 (¬2) التوبة:22

والجواب: أن ذلك في عالم الدنيا المعرض للفساد، أما الآخرة فالأمر -في تكوين الأجسام فيها- مختلف عنه في الدنيا، فالأجزاء فيها متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، ولا يعتريها التغير والتحلل. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)} المفردات {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا}: أي لا يترك ضرب مثل. وضربالمثل: استعماله فما ضرب له، أي: فيما ذكر له. {بَعُوضَة}: البعوضة واحدد البعوض، وهو ضرب من الذباب معروف، وهو من البعض، آى القطع. يقال: بعضه البعوض، عضه وآذاه. ولا يقال في غير البعوض. ذكره صاحب اللسان. {فَمَا فَوْقَهَا}: أي فالذي فوقها. والمراد بالفوقية: الزيادة في الحجم، كالذباب والعنكبوت، أو الزيادة في المعنى الذي أريد بالتمثيل، أعني: الحقارة والهوان. {بهذاَ مَثَلًا}: أرادوا بكلمة {هَذَا}: تحقير ما يشيرون يها إِليه، وهو البعوض والذباب ونحوهما، مما يضرب مثلا. {إِلَّا الْفَاسِقِينَ}: أي الخارجين عن طاعة الله. والفسق لغة: الخروج، ومنه: فسقت الرطبة عن قشرها، أي خرجت عنه. التفسير 26 - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا ... } الآية. روى عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما (أنَّ الله تعالى لما ضرب هذين المثلين - يعني قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} وقوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} الآيات الثلاث.

قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضربَ هذه الإمثال، فانزذ الذ تعالى هذه الآية إلى قوله: {هُمُ الْخَاسِرُونَ} (¬1). وعن قتادة لا ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركرن: ما بال العنكبوت والذباب يذكران، فانزل الله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. واذأ تإملنا سبب النزول الأول، عرفنا الرباط القوى بين الكلام السابق في الآيات الماضية، عن تردد المنافقين وحيرتهم وكفرهم القلبى، وبين هذه الآية والتي تليها، أمَّا ما توسط بين قصة المنافقين الماضية وبين هاتين الآيتين: {إنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِى ... } إلخ ... فهو مرتبط بقصتهم، فقد اشتمل على دعوتهم- ومن على شاكلتهم من الكافرين- إلى الإيمان الصادق بربهم، وبيان مقتضيات ربوبيته، كما اشتمل على بيان إعجاز القرآن الذي يدعوهم إلى ذلك، الأمر الذي يشهد بكونه من عند الله، ويستدعي إيمانهم به، كما تضمن الأثر المترتب على الكفر من الخلود في النار، والاثر المترتب على الإيمان من الخلود فى الجنة. وحقيقة الاستحياء مستحيلة على الة تعالى لأنه: انقباض النفس عن القبح، مخافة الذم ومعناه: وسط بين الجرأة على فعل القبيح من غير مبالاة، وبين الخجل وهو: إبعاد النفس عن الفعل مطلقا، وهذا من صفة الحوادث. وكل ما ورد من هذا القبيل في الكتاب والسنة، إِنما يراد منه لازمه اللائق بالله تعالى: وهو الترك والامتناع. ومعنى الآية: أن الله لا يمتنع من أن يضرب الأمثال، كيفما كانت {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} أي فوقها في الحجم كالذباب والعنكبوت وغيرهما، أو في المعنى، وإِن دق الممثَّل به وصغر عن البعوض فإن في ضرب المثل ابرازا للمعقول في صورة المشاهد المحس؛ ليساعد على الفهم. وقد شاعت الأمثال في الكتب الإلهيه، وعبارات الحكماء والبلغاء لذلك، فيمثل الحقير بالحقير، كما يمثل العظيم بالعظيم. ولا يقدح هذا التمثيل في عظمة من قاله. والقرآن الكريم. لم ينفرد بذكر أمثال هذه الحشرات. فقد ورد ذكرها في العهد القديم ¬

_ (¬1) الواحدى فى أسباب. الترول: 14، 15

أكثر من مرة. ومن ذلك ما جاءَ فى سفر يشوع إصحاح 24 الفقرة 12 - "وأُرسلت قدامكم الزنابير وطردتهم من أمامكم"- وتكرر ذلك في سفر الخروج 23 - 18 وسفر التثنية 7 - 30. ومن كلام العرب: "أَسْمَعُ من قُرادٍ، وأَطيَش من فَراشَةٍ". ولا شك أَن قدرة الله تتجلى في الذرة كما تتجلى في المجرة. وقد روعى في التعبير بكلمة: بعوضة، المبالغة في الرد على ما نطقوا به في معارضتهم؛ إذ المذكور في تمثيل القرآن. هو الذباب لا البعوض، والبعوض أصغر من الذباب. ثم بين الله حال المؤمنين والكافرين- إزاء هذا التمثيل- فقال جل شأنه: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا}. {الحَقٌ}: الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنْكارُهُ، أي: فأَما المؤْمنون، فيعلمون أن المثل هو الأمر الثابت {مِن رَّبِّهِمْ} الذي يضرب الأمثالَ بم ليعينهم على فهم المعافى الصحيحة. {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا}: كان الظاهر أن يقال: وأما الذين كفروا فلا يعلمون أنه الحق من ربهمِ، ليطابق مقابله، وهو قوله سابقا: {فَيَعْلَمُونَ} الخ ... ولكن عدل عنه إلى: {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} لحكاية ما قالوا، وهو مستلزم لجهلهم وعدم علمهم، وذلك أَبلغ؛ لأن قولهم هذا، كالبرهان على كمال جهلهم؛ ففيه نفى العلم مع إثبات دليله. والإشارة في قولهم: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} لتحقير المشار إليه الذي ضربه الله مثلا، وليس غرضهم بما قالوا الاستفهام عن الحكمة في ضرب الله الأمثال، بنحو العنكبوت والذباب والبغوض، بل غرضهم الأيذان بأَنها -من اللإناءة والحقارة- بحيث لا يليق أن يريد الله شيئًا من التمثيل بها. لهذا يستحيل صدور التمثيل بها عن الله تعالى { ... كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} (¬1). لهذا رد عليهم بقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} أي يضل بهذا المثل كثيرًا من الناس مثلهم، ممن ساء اختيارهم وأظلمت قلوبهم، ويهدى به كثيرًا منهم، ممن حسن اختيارهم واستنارت قلوبهم. فلا مانع من أَن يضربه مثلا ويريد ما يترتب على ضربه من الآثار، وهو التفكر والاهتداء، لقوله تعالى: { ... وَتِلْكَ الأمثاَلُ نَضْربُهاَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُنم يَتَفَكَّرُون} (¬2) ¬

_ (¬1) الكهف من الآية: 5 (¬2) الحشر من الآية: 21

والإضلال: خلق الضلال في العبد لسوء اختياره. والهداية: خلق الاهتداءِ فيه لحسن اختياره. والتعبير بصيغتى المضارع {يُضِلُّ} {وَيَهْدِى} لإفادة التجدد المستمر. وإنما قدم فعل الإضلال على فعل الهداية، ليكون أَول ما يقرع أسماعهم من المجواب أمرا يسوِءهم، ويفت في أعضادهم. ووصف كل من الفريقين بأَنه كثير، لا ينافى أن أهل الضلال أكثر عددا من أهل الهداية، قال تعالى في المؤمنين: { ... وَقَلِيلٌ ماهُمْ ... } (¬1)، { ... وَقَلِيلٌ مِّنْ عِباَدِىَ الشكُوُر} (¬2) وقوله تعالى: {وَماَ يُضِل بِهِ إلاَّ الْفَاسِقِينَ} من تمام الجوابة على استفهامهم، وهو يفيد إلصاق وصف الفسق بهم. والمراد به هنا: الخروج عن الدين. وإِضلال الله تعالى للفاسقين، لا يعفيهم من أن يتحملوا تبعته، لأن الإنسان إِذا سلك - باختياره الفاسد- طريق الكفر رالفساد، وسار فيه إلى أَقصى نهايته، غير مكترث بالتحذير منه- يتركه الله في ضلالته؛ لأنه سلك سبيلها وأَوغل فيه مختارا { ... وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (¬3). أَما من اتبع الهدى، ولبس لبوس التقوى، فإن الله تعالى يهديه، ويمكِّن له في هدايته. قال تعالى: { ... وَمَن يُؤْمِن الله يَهْدِ قَلْبَهُ ... } (¬4). {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}. المفردات: {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} النقض: فك التركيب، ويكون في الحسيات، كالحبل والبناء. ويسمتعمل في المعافى مجازا، ومنه: نقض العهد هنا. ¬

_ (¬1) ص من الآية: 24 (¬2) سبإ من الآية: 13 (¬3) فصلت من الآية: 46 (¬4) التغابن من الآية: 11

وعهد الله: ما أخذه على العباد من التوحيد والعمل بالشرائع. وميثاقه: توثيقهم العهد وإحكامهم اياه. التفسير 27 - {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ... } الآية. {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ}: صفة للفاسقين. وقد وصل {الذين} بثلاث صلات: {يَنقُضُونَ عَهْدَ الله}، {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ}، {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} وهي صفات في المعنى للفاسقين، فكأنه قيل: وما يضل به إلا الفاسقين الناقضين لعهد الله، القاطعين لما أمر الله به أن يوصل، الفسدين في الأرض. وقد جىء بها للذم، وتقرير ما هم عليه من الفسق. والنقض: حَلُّ المركب. وهو فى الأصل، يستعمل في الحسيات، كنقض الحبل مثلا، وهو فك طياته فيضعف من بعد قوة. واستعماله في إِبطال العهد -وهو أمر معنوي- تشبيها للعهد بالحبل في الارتباوط. لما فيه من ارتباط أحد كلامى المتعاهدين بالآخر. والميثاق: التوثيق والإحكام. والمعنى الأجمالى: وينقضون ما عاهدوا الله عليه، من بعد ما وثقوه بالقبول والالتزام، أَو من بعد ما وثقه الله بإِنزال الكتاب وإرسال الرسل وعهد الله الموثق عام لكل عهد مشروع، فيدخل تحته العهد المأخوذ بالعقل، وهو الحجة القائمة لله على عباده، الدالة على وجوده ووحدته وصددتى رسله. وبه أوِّل قو له تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ... (¬1)} ويشمل عهد الله أيضًا ميثاقه على النبيين: أن يبلغوا أممهم وجوب الإيمان بالرسول. ونصره إذا بعث مصدقا لما معهم. وهو المشار إليه بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ... } (¬2) كما يشمل توصية للنبيين بقوله: {شرَعَ لَكم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بهِ نُوحًا ... } إلى قوله: { ... أنْ أقِيمُوا الدّينَ ولَا تَتًفَرقُوا فِيهِ ... } (¬3). ¬

_ (¬1) الأعراف من الآية 173 (¬2) آل عمران من الآية:81 (¬3) الشورى من الآية:13

وميثاقه على الذين أوتوا الكتاب بمثل ذلك بقوله {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ... } (¬1) والعهد الذي يأخذه بعض الناس على بعض، المشار إليه بقوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ... } (¬2). وسواء أكان ذلك بين الأفراد، ام الجماعات من إلامة الواحدة، أَو بين الأُمم بعضها مع بعض. فلا يجوز نقض هذه العهود إِلا فيما جاز شرعًا. وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ... } (¬3) وسيأتى شرحها في سورتها. وقوله: {من بَعدِ مِيثَاقِهِ}:أَي من بعد توثيقه وتمامه بين المتعاهدين. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ}: هذه هي الصفة الثانية من صفات الفاسقين الخارجين على أمر اقه تعالى، أَي ويقطعون ما أَمر اللهُ بوصله من أمور الدين المختلفة. ويدخل تحت هذا الأمر: صلة الأرحام، وصله الأعمال بالأَقوال، وصلة الإِيمان بجميع الأنبياءَ، بحيث لا ينقطع هذا الإِيمان بواحد منهم بالكفر به. وكذلك صلة الأُخوة بين المؤْمنين، وصلات المؤْمنين بالمجتمع الإِنساني، وَوَصْلُ أُمور الدين بعضها ببعض، إذ التهاون في بعضها، يضعف من قوة الدين. فإِن بناءَ الإِسلام، قائم على أَركانه كلها، كالبيت يقوم على أَعمدته، وهدم ركن منها -أَو جزء من تكوينه- يؤَثر في الهيئة الكلية، كما يتأَثر البيت بهدم ركن من أَركانه أو جزء من تكوينه. وقوله تعالى: {وَيُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ} هو الصفة الثالثة للفاسقين. والإفساد في الأَرض، ضد إصلاحها، وقد صلحت بنشر دعوة الإِسلام، وضعُفَ ما كان فيها من فساد الجاهلية، فيكون من الإِفساد في - الأَرض: صدٌّ الناس عن الإيمان بالرسول -كما يفعله الكافرون- والعملُ على تهييج الحرب بين المؤمتين رغيرهم، كما يفعله المنافقون. ¬

_ (¬1) آل عمران من الآية: 187 (¬2) النحل من الآية: 91 (¬3) الأنفال من الآية: 58

وقوله تعالى: {أوَلئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} إشارة إلى الفاسقين المتصفين بهذه الصفات الذميمة: أي: أُولئك المتصفون بهذه الصفات المنكرة، هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم في ميدان الصالحات، إذ استبدلوا: النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح والعقاب بالثواب، والشقاوة بالسعادة، كما خسروا منازلهم في الجنات. {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} التفسير 28 - {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ... } الآية. بعد أن عدَّد الله قبائح الكافرين، توجه إليهم مخاطبا بالإنكار، بأُسلوب يقتضى التعجب من كفرهم، مع وجود النعم التى تقتضى الشكر، بدلا من الكفر! والإنكار على المخاطب، أبلغ من الإنكار على الغائب، لِمَا فيه من إحضاره إلى ساحة التعنيف مشافهة. والمعنى: على أي أساس قام كفركم باللهِ تعالى؟ والغرض من هذا الاستفهام نفى أن يكون لهم مستند سليم، يستند إليه كفرهم باللهِ تعالى، فليس لهم حجة سوى قولهم: { ... إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} (¬1) فإن آباءهم كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون. وقوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} إلخ، تعداد للنعم الرادعة عن الكفر، الباعثة على الإيمان، لتشديد الإنكار والتوبيخ على الكافرين. ومعنى الآية: كيف تكفرون باللهِ، والحال أَن له شئونا معكم. وشئونا في الكون، تقتضى اختصاص بالأُلوهية دون سواه، فقد كنتم أمواتا أَي مشبهين لهم، إذ كنتم عناصر ¬

_ (¬1) الزخرف: 23

وأغذية، فنطفا ومضغا، فأحياكم بنفخ الأرواح فيكم، ثم بعد احيائكم، هو الذي يميتكم عندانقضاء آجالكم، ثم بحييكم مرة أخرى -عند النفخة الثانية- حياة البعث، ثم إليه وحده تُرْجعُونَ للحساب والجزاء، ومن كان هذا شأْنه فلا يصح الكفر به أو إشراك غيره معه في العبادة!. وإنما اختلف العاطف في الآية -بالفاء وثم- لأن قوله: {فَأَحْيَاكُمْ} مراد منه الحياة ألأُولى بنفخ الروح، وهي حاصلة عقب كونهم أمواتا. فلذا عطف بالفاء التى هي للترتيب والتعقيب. أَما العطف بثم التي هي للترتيب والتراخى في قوله: {ثُم يمُيتُكُمْ} فلأن المراد بالموت هنا: خروج أَرواحهم بعد إنقضاء آجالهم، وهو متراخ فى الزمن عن بدء حياتهم. وقوله آخر الآية: {ثمَّ يُحْييكُمْ} المراد به: الإحياءُ للبعث، وهو متراخ فى الزمن كذلك، لأنه بعد إنقضاءِ فترة البرزخ في القبور. وقد يقال: الامتنان بهذه النعم ظاهر في الإحياء بعد العدم، فما وجه المنة بقوله: {ثُمَّ يمُيتُكُمْ} وهل في الموت امتنان؟ والجواب: أن الموت هو سبيل الحياة الأبدية بعد البعث. وما كان وسيلة للحياة الخالدة، يصح عده بين النعم. أن هم استجابوا إلى دعوة الحق. وقد يقال أيضًا: أن المخاطبين من الكفار، وهم لا يعترفون بالبعث والرجوع إلى الله، فكيف ينظم ما ينكرونه في سلك ما يعترفون به؟ والجواب: أن الله تعالى نزَّل إِنكارهم للبعث منزلة العدم، لقيام الدليل العقلي والنقلي على إمكانه وحدوثه، وأَن المقصود الأساسى تذكيرهم به ليحذروه، ولذا ختم الآية بقوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، أي: إليه وحده- لا إلى غيره- مرجعكم بعد هذه الأطوار؛ وسيحاسبكم حسابا عسيرا على كفركم به، على الرغم من ظهور آياته البينات.

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} المفردات: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: تعلقت إِرادته تعالى بتسوية السماءٍ، والسماء: هي كل ما سما وعلا فوق سطح الأرض، ويشمل أيضًا الغلاف الهوائي المحيط بالأرض. {فَسَوَّاهُنَّ}: أي جعلهن سَوِيَّاتٍ لانقص فيهن. التفسير 29 - {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ... } الآية. في الآية السابقة بيان لنعمة الخلق والأحياءَ بعد الموت. وفي هذه الآية: بيان قدرته على ما هو أعظم، وهو خلق الأرض والسماءِ وما فيهما من النعم التي يحتاج إليها العباد بعد خلقهم، لأن نعمة الخلق والإِحياء، لا تتم إلا بخلق ما يتوتف عليه بقاؤهم وعيشهم في الحياة الدنيا. ومن خلال هذه النعم، يكون النظر المفيد المؤَدى إلى توحيد الله -تعالى- وإخلاص العبادة له وحده. وقد جاءَت هذه الآية مقررة لما أفادته الآية التي قبلها من الإنكار على الكافرين إذ كفروا بمن هذه نعمه. وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا في الارضِ جَمِيعًا} معناه هو الذي أَبدع لأجلكم جميع ما فى الأرض لتنتفعوا به في شئون معاشكم استرزاقا، وفي شئون معادكم استدلالا، فكل ما على سطح الأرض من حيواكا وزرعها وأشجارها ومائها وهوائها، ومافيها من أجزائها ومعادنها وعناصرها وقواها المختلفة، ابدعها الله كلها لمنفعتنا دينا ودنيا، فتبارك الله أحسن الخالقين. وحيث أَبدعها لمنفعتنا، فعلينا أَن نستعملها فيما يرضي الله تعالى، ويحقق النفع لنا، ويدفع الشرَّ عَنا في الدنيا والآخرة.

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}: المراد من استوائه -تعالى- إلى ألسماء، إقباله عليها بإرادته ليخلقها بغير صارف يصرفه عن ذلك (¬1)، واستعماله في هذا المعنى معروف في لغة العرب ومنه قولهم: استوى إِليه كالسهم المرسل: يعنون بذلك انه قصده قصدا مستويا، من غير أن يصرفه عنه صارف آخر- وهذا التفسير هو الذي اختاره الفراء، َ وهو الذي نختاره، آما تفسيره بالصعود ونحود، فلا يليق وصف الله به لتنزهه عن صفات الحوادث. والمراد من السماء: الجنس الشامل للسموات السبع، ولذا قال: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} بضمير جمع الأناث. معنى تسويته -تعالى- للسموات السبع، أنه خلقهن من أول الأمر سَوِيَّات، أي مصونات من النقص والعيب (¬2). ومثل هذا قولهم: سبحان من كبر الفيل، أي خلقه من أَول الأمر كبيرا، وسيأتى الكلام على اْلسموات السبع. وظاهر قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} أن خلقه -سبحانه- للسموات خالية من العيب، متأَخر عن خلقه مافى الأرض جميعًا لناْ، لأنه عطف عليه بلفظ (ثُمَّ) وهي للترتيب والتراخى. ولكن هذا الظاهر مخالف لنص آخر يقتضى تقدم خلق السموات على دَحْوِ الأرض، فقد قال تعالى في سورة النازعات: {أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)}. فهذا النص يدل على أن الله بنْى السماء وانشأَها مرفوعة مسوَّاةً، وجعك ليلها مظلما، وأخرج فيها شمسها المضيئة. وبعد ذلك دحا الأرض، ورتب فيها منافعها، فأَخرج منها ماءَها ومرعاها، وأرساها بالجبال حتى لا تميد بنا، وجعل ذلك متاعا لنا ولأنعامنا. وهذا الذى قرَّرته سورة النازعات، هو الذق يقول به أصحاب النظريات العلمية الحديثة. ¬

_ (¬1) هذا المعنى يتفق وما ذكره صاحب القاموس لكلمة استوى فى بعض معانيها، إذا قال أو استوى إلى السماء: صمد أو عمد أو قعد أو أقبل عليها ... إلخ. والمعانى الثلاثة الأخير ة هي التي تناسب الآية، وقد اخترتا وهو إقباله تعالى بإردته عليها. (¬2) وليس المعنى أنه سبحانه خلقهن أولا غير سويات ثم سواهن.

السماوات السبع

وبما أن القرآن الكريم عودنا على أن لاتضارب بين نصوصه، فلدا يجب تأُويل آية البقرة التي يفيد ظاهرها تأَخر خلق السموات عن خلق مافى الأرض، ليتفق- مع الواقع الذي يفيده نص سورة النازعات، وهو تأخر دحو الأرض وخلق ما عليها، عن خلق السموات، وذلد بجعل {ثُمَّ} في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}: للعطف والترقى في الرتبة، لا للتراخي الزمنى، وكثيرا ما يستعمل لفظ {ثم} لذلك، تقول: النَّاس طبقهات، العامة ثم الخاصة، وتقول: الوزراء ثم رئيسهم ثم السلطان مُتَرَقِّيًا في ذلك من أدنى إلى أعلى. ولا شك أَن القصد والاتجاه بالإرادة إلى خلق السموات وتسويتهن، أعلى مرتبة من ترتيب منافع الأرض فكأن قال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} وكان منه قبل ذلك ما هو أعظم منه وهو أَنه قصد إلى السموات السَّبع فسواهن، أي خلقهن سويات قاليات من العيوب. السماوات السبع فسر المتقدمون السماوات السبع: بالأفلاك السبعة، والأفلاك جمع فَلَك بفتح اللام، وهو: مجرى النُّجوم- كما في القاموس. ونقل الآلوسي- عن أرباب الأرصاد أن الأفلاك تسعة، وهل هي إلا سماوات- كذا قالوا- ولهذا يرى بعض العلماء أن تخصيص العدد بالسبع لاينفى الزيادد عليه، ومِمَّن قال بذلك يالإمام الرازى، وقال السَّالِيكُونِي إنه الحق. وبعد أن سقنا ما رآه المتقدمون فى المراد من السموات وعددها، نقول: لعلهم يرون أن القرآن الكرأيم اقتصر كلى عدد السبع فى السموات لأن ذلك كان مفهوم العرب فيها، فعبَّر القرآن عن عددها كما يفهمون، حتى لايكذّبون الله ورسوله، ولذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن نخاطب الناس بما يعقلون، حتى لايكذبون الله ورسوله فيما يجهلون. واعلم أن المناظير البعيدة المدى، أثبتت أن في السموات ملايين المجرات، وكل مجرة تحتوى على ملايين المجموعات الشمسية، ولا يزال هذا الملكوت تبرز فيه مجرات جديدة، من عالم الغيب.

فهل كل هذه المجرات تجرى في سبعة أفلاك أو تسعة، كما يقتضبه كلام القدامى من الفلكيين- بحيث تجرى كل مجموعة ذات مستوى معين في فلك منها، أم أَنها تحتاج إلى أفلاك أكثر، فتكون السماوات أكثر مما ظنوا. لا شك أن العلم بالحقيقة مقصور على الله، وما يقوله الخلق عن ذلك عرضة للاهتزاز، ثم الانهيار، لأَن هذه الأجرام السماوية في أبعاد سحيقة، فلا نستطيع الاطمئنان إلى عندهم طبقاتها بسبع أو تسع أو غيرهما- وهم على ظهر الأرض- مهما كانت مناظير هم بعيدة المدى. والذي يظهر لنا من القرآن الكريم، أَن السموات السبع شىءٌ آخر غير النجوم والكواكب والأفلاك النى تجرى فيها، فقدقال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (¬1)}. فهذا النص يقتضى أن المجرات بنجومها وكواكبها، هي المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا- أي الأولى- وحيث كانت زينة لها فليست هي السماء الأولى ولا غيرها من السموات السبع، ألا ترى أَن عِقْد اللؤلؤ زينة لصدر الفتاة، وليس هو صدرَ الفتاة بل غيرَه. لهذا لم يكن عجبا ما قرأناه أخيرا، من أن بعض العلماء أثبت أن وراء المجرات عوالم عظيمة لم تتبينها المناظير بعد، والله تعالى أعلم بملكه وملكوته عن عباده. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: هذه الجملة مقررة لما قبلها من خلق السمنوات والأرض على النمط البديع، والمنطوي على الحكم الفائقة، والمصالح العظيمة، فإن علمه بجميع الأشياء، وبما يليق بكل واحد منها، يستدعي أن يخلق كل ما يخلقه على النمط البديع الحكيم. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)}. المفردات: {خَليفَةً}: الخليفة؛ من يخلف غيره وينوب عنه. فعيل بمعنى فاعل، والتاءُ للمبالغة. والمراد به آدم وبنوه. ¬

_ (¬1) الملك من الآية: 5

وللخليفة معنى آخر؛ هو الحاكم ومنه قوله تعالى في: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ... } (¬1) ويكون المعنى على هذا: أن الله سبحانه، خلق لآدم وذريته ما في الأرض جميعًا، وسخره له، وجعله حاكما عليها لينشر فيها العدل، بما هداه الله إِليه من العلم. {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}: أي يريقها والسفك مختص بالدم. {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}: نُبْعِدُ عنك ما لا يليق بك، اعتقادا أو قولًا وعملًا: متلبسين بحمدك، من سبح في الماء إِذا أَبعد فيه. {وَنُقَدِّسُ لَكَ}:ْ أي ننزهك عمَّا لا يليق بك، من أجل ذاتك. التفسير 30 - {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ... } الآية. القصة المذكورة في هذه الآية - من خلق آدم عليه السلام، وجعله خليفة في الأرض- تتصل بذكر النعم السابقة من الله تعالى على الناس. فإن خلق آدم وتكريمه، وتفضيله على الملائكة، وأَمرهم بالسجود له، كل ذلك: إِنعام من الله تعالى على أبيهم، ونعمة الآباء، نعمة على الأبناء. وهذا توجيه ربط الآية بما قبلها. وكلمة {أذْ} هنا: للظرفية في الماضي. أي: وا ذكر وقت أن قال ربك للملائكة. وتوجيه الأمر بالذكر إِلى الوقت- دون ماوقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة بالذات- للمبالغة في إيجاب ذكرها. والمقصود: تنبيه الكافرين إلى تذكر قصة خلق آدم عليه السلام؛ لينبَّهوا لبطلان ما هم فيه من الكفر بالرسول؛ وينتهوا عنه؛ فإن في هذه القصة من الغيبيات ما لا يعلمه إلا نبي موحى إليه من ربه. وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى درجة الكمال - مع إضافته إلى ضمير خطاب النبي عليه الصلاة والسلام- إِشارة إِلى مقام التشريف والتعظيم من الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام. ¬

_ (¬1) ص من الآية: 26

{لِلْمَلَائِكَةِ}: الملائكة جمع مَلَك. وهم: ذوات نورانية، خلِقو الطاعة الله فيما يأْمرهم به، لهم قدرة التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة. ولهذا كان الرسل يرونهم. وهذا مذهب أكثر المتكلمين. وقال الحكماءُ: هم جواهر مجردة. مخالفة للنفوس الناطقة بالحقيقة. ومعنى قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} إنى خالق في الأرض خليفة وهو آدم- عليه السلام- وخواص بنيه من البشروهم الرسل، وذلك إن كان المراد بالخلافة: الخلافة من جهة اللُّه -سبحانه- في إجراء أحكامه بين الناس، وسياسة خلقه؟ لقصر استعداد المستخلف عليهم، وعدم لياقتهم لقبول الفيض الإلهى، فتختص باَدم والخواص من بنيه، فإن أُريدت الخلافة ممن كان في الأرض قبل ذلك، فالخليفة هو آدم وذريته جميعًا، صالحهم وطالحهم. فقد خلفوا من سبقهم في عمارة الأرض. {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} هذا اسنئناف وقع جوابا عن سؤال تنساق! ليه الأذهان، كأَنه قيل: فماذا قالت الملاتكة بعد آن أخبرهم الله بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}؟ فقيل جوابا لهذا السؤال: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ... } إلخ. والمعنى: أنجعل فيها خليفةَ: مَن يفسد فيها؟ وقد عرفوا ذلك، إمّا قراءةً من اللوح المحفوظ الما سجل من مستقبل أعمالهم، وائا قياسًا لهم على من كان قبلهم، وهم الذين أَهلكهم الله وأحلهم محلهم، وائا من الغرائز التي سيخلقون بها، فإنها قد تدعو إلى الفساد. والاستفهام ظاهره تعجب الملائكة من أنه تعالى، سيجعل في الأرض مَن يفسد فيها، أو الاعتراض على ذلك وانكاره. ولكن هذا الظاهر كير مراد؛ لأن الملائكة كما قال تعالى: { ... عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (¬1) بل هو استفهام تعجب، قالو. استكشافًا لما خفِىَ عليهم من الحكم في خلق من بفسدون في الأرض، واستخبارًا عما يزيح شبهتهم، ويشدهم إلى معرفة ما فى آدم من الفضائل الق جعلته أهلا للخلافة هو وذريته، كسؤال المتعلم أستاذ. عما ينقدح في ذهنه؛ ليعلم الجواب فيستريح. ¬

_ (¬1) الأنبياء من الآيتين: 26، 27

فليس سؤَالهم اعتراضًا على الله، ولا شكًّا في اشتمال جعله خليفته فى الأرض على الحكم والمصالح. {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}: أي يقتل النفوس التي يحرم قتلها، والتعبير عنه بسفك الدماءِ، لأنه اقبح أنواع القتل. {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}: هذه الجملة مقررة للتعجب السابق، ومؤَكدة له، كأنه قيل: أتستخدم مَن شأن ذريته الفساد، مع وجود من هو مجتهد في طاعتك لا يعصيك أَبدا؟ والمقصود عرض أحقيتهم بالخلافة كما فهموا، والاستفسار عما رَجَّحَ بني آدم عليهم، مع ما يتوقع منهم من الفساد؛ ليعرفوا حكمته من الحكيم الخبير: الذي يضع كل شىء في موضعه. وقد نظرت الملائكة في سؤَالها إلى الغرائز الداعية إلى الفساد نى بني آدم، وغفلت عن "العقل" الذي يمسك بها، ويصر فها إِلى الخير وتَعَرُّف أحوال الكائنات والانتفاع بها، وغير ذلك مما يصلح به أمر الخلافة في الأرض، إلى جانب استدلاله حها على الصانع جل وعلا. ولا شك أن بني آدم- بكفاحهم لغرائزهم وشهواتهم، وصرفها ناحية الخير- يفضلون عوام الملائكة، لأنهم مخلوقون للطاعة، ولا شهوة فيهم. والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لايليق به؛ اعتقادا وقولا وعملًا، وكذلك تقديسه. والمعنى: ونحن ننزهك؛ متلبسين بحمدك على ما أنعمت علينا من فنون النعم، ونقدس لك تقديسا يليق بمقامك. وقيل: معنى نقدس لك؛ نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك. وكان جواب الله عليهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي إنى أعلم ما لا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه، ولا يضير استخلافه وذريته أن بعضهم مفسد سفاك للدماء، لأن الله أودع فيهم الصلاحية لعمارة الأرض، والخير غالب فيهم. على أن ما يقع من بعضهم من الشر هو ابتلاء من الله للجميع؛ ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وليثبت القائمين بإرشاد العصاة ثوابا عظيما: { ... وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (¬1) ¬

_ (¬1) الأنبياء من آية: 35

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} التفسير 31 - {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ... }:الآية. شروع في تفصيل الجواب الإِجمالى من الله للملائكة، ومعنى تعليم الله لآدم الاسماء كلها: أنه خلق فيه - بموجب استعداده- علمًا ضروريا تفصيليا، بأسماء جميع المسميات وأحوالها وخواصها اللائقة بكل منها، كأن يلقي فى روعه تفصيلا: أن هذا فرس، وشأنه كذا وكذا، وهذا بعير وحاله كيت وكيت. وكذا كل مادة وعنصر: عرف اسمه وخواصه وطريقة استعماله. والاسم:- باعتبار الاشتقاق- ما يكون علامة للشىء ودليلا يرفعه إلى الذهن، من الألفاظ والصفات والأفعال. ويستعمل- عرفا- في اللفظ الموضوع لمعنى؛ مفردا كان أو مركبا؛ مخبرا عنه أو خبرا، أَو رابطة بينهما. واصطلاحا فى المفرد الدال على معنى غير مقترن بالزمان. والمراد هنا الأول، أَو الثانى كما قاله العلامة أبو السعود. قال ابن عباس وغيره: علَّمه أَسماءَ جميع الأشياءِ حتى القصعة والقصيعة، والجفنة والمِخْلَب. {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ}: أي عرض المسميات المدلول عليها بالأسماء، وضمير جمع العقلاء لتغليبهم على غيرهم، وقد جاء في الحديث أنه عرضهم عليهم كأمثال الذر. عن ابن عباس- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم -عليه الصلاة والسلام- بمنان- يعني بعرفه- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها

فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا وقال: { ... أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... } إلى قوله: { ... بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (¬1) هذا حديث صحيح الإسناد (¬2) قال أبر السعود رحمه الله: ولعل الله -عز وجل- عرض عليه من أفراد نوع ما يصلح أن يكون نموذجًا: يتعرف منه أحوال البقية وأَحكامها. {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ}: أي قال-تبكيتًا لهم واظهارًا لعجزهم عن اقامة ماعلقوا به رجاءهم من أمر الخلافة- أخبرونى بأسماء هؤلاء فإن تدبير شئون هذاه المسميات موقوف على معرفنها وجميع خواصها وأحوالها، فمن لم يعرفها، لا يصلح للخلافة فيها وولاية أمرها. {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في زعمكم أَنكم أحقاء بالخلافة ممن أَستخلِفُه. 32 - {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ... }: الآية. قال الملائكة لربهم: {سُبْحَانَكَ} أي نسبحك وننزهك التنزيه اللائق بك، فلا يمكن أَن تخلو أفعالك من الحكم، ومن جملتها استخلاف آدم، وما سألنا إلا لنتعلم ونعرف الحكمة، وقد عرفناها بمرفة مزايا من استخلفته. {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} ونحن لم نتعلم ذلك، بل تعلمنا العلوم اللائقة بعالمنا كما علمتنا {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} بما ينبغى لكل شئ {الْحَكِيمُ} في تقديره وتدبيره. {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)} التفسير 33 - {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ .... }: الآية. بعد أن أقروا لله بعجزهم أراد -سبحانه- أن يبين لهم فضل آدم عليهم {قَالَ يَا آدَمُ ¬

_ (¬1) الاعراف من الآيتين: 172، 173 (¬2) (المستدرك جـ2 ص544).

أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}:أَخْبِرهم بأسماءَ هذه المسميات التي عجزوا عن معرفتها {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} وظهر فضله عليهم بالعلم. {قَالَ} الله لهم بعد ذلك: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} يقروا به جوابه السابق لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وفي هذا إلتقرير، تفصيل لما أجمل سابقا، وعتاب لهم على تركهم ما كان أَولى بهم، وهو أَن يتوقفوا: متزصدين أَن يبين اللهُ لهم ما لا يعلمون، بدلًا من توجيه السؤَال له- بهذه الصوره-. والهمزة في: {أَلَمْ أَقُلْ} للاستفهام الإِنكاري. وفيها معنى، النفي، دخلت على حرف النفي {لَمْ} فكان ذلك بمنزلة نفي النفي، فيفيد إِثباتًا وتقريرًا كما قلنا، فالمعنى قلت لكم: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. أَي أعلم ما فيهما من أَسرار لا تعلمونها {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} من قولكم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}، {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} في نفوسكم من أنكم أَفضل منهم وأولى بالخلافه، أو من أمتثالكم الذي أَضمرتموه في أَنفسكم. وفي هذه الآية إِشارة إِلى أَن الإنسان اعطىَ الاستعدادَ لِتَعرفِ الأشياء وإدراك نواميس الكون؛ ليسخرها له بمقتضى ما منحه اللهَ هن الأَسباب. وفيما تقدم من ألاَيات، دليل على شرف الإِنسان، وعلى فضل العلم، وأَنه في مقدمة العبادات، وأنه مناط الخلافة والنيابة عن الله في الأرض، وأَن ألحكمة أمر زائد على العلم، لأن الملائكة وصفوا الله تعالى بالحكمة بعد العلم، وإِلا لزم التكرار. وقد دلت الآية الاخيرة على أن الله سبحانه يعلم الأَشياءَ قبل حدوثها. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)} التفسير 34 - {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ .... } الآية. في هذه الآيَة، تذكير بنعمة أُخرى على أبينا آدم عليه السلام، ناطقة بالتعظيم لقدره،

والتنويه بشأْنه، حيث أمر الله الملائكة بالسجرد له. والآية معطوفة على ماقبلها، عطف القصة على القصة. فقد عطفت فيها قصة السجود على قصة الخلق، لتستكمل بها نعمه -تعالى- التي تفضل بها على خلقه. ومعنى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} أي واذكر لهم يا محمد، وقت قولنا للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} أي: عظموه اعترافا- بفضله، وأداءً لحق تعليمه لكم الأسماءَ، واعتذارا عما وقع منكم فى شأنه {فَسَجَدُوا} عطف على {قُلْنَا}، والفاءُ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال {إِلَّا إِبْلِيسَ} فإنه لم يسجد ولم يمتثل. وسيأْتى بيان امتناعه في الآية الكريمة. وظاهر استثنائه من الملائكة الذين سجدوا أنه منهم، ولكنه ليس كذلك، فإنه جِنَّىٌّ؛ لقوله تعالى في آية أُخرى عنه: { ... كَانَ مِنَ الْجِنِّ ... } (¬1)، ولأنه لو كان من الملائكة، لما امتنع عن امتثال أمر ربه، لأنهم { ... لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (¬2) ولهذا، يحمل استثناؤُة منهم على أنه لما كان بينهم، عابدا بعبادتهم، جعل منهم. فإن من طالت اقامته مع قوم واندمج فيهم، اعتبر منهم وان لم يكن من قبيلتهم. وعلى هذا التأويل، يعتبر استثناؤة متصلًا، ويجوز اعتبار الاستثناء منقطعا. ومعنى {أَبَى} امتنع اختيارا. {وَاسْتَكْبَرَ} طلب الكبرياءاستعلاءً وادعاءً، فإن الكبرياءَ حق الله وحده. ومعنى قوله: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} وصار من الكافرين بسبب عصيانه على حد قوله في شأن ابن نوح: { ... فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} (¬3) واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية- والتي في سورة الأعراف: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ... } (¬4) وكذا ما في سورة الإسراء. وطه والكهف- أن سجود الملائكة، إِنما ترتب على الأمر التنجيزى، الوارد بعد خلقة وتسويته ونفخ الروح فيه. ¬

_ (¬1) الكهف من الآية:50 (¬2) التحريم من الآية: 6 (¬3) هود من الآية: 43 (¬4) الأعراف من الآية:11

أَما ما جاءَ في سورالحِجر {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)} فهو إخبار منه تعال للملائكة. بأنه سيخلق آدم، ويكلفهم بالسجود له، إذا أتم تسويته ونفخ الروح فيه. فالأَمر بالسجود فيها معلق على تسويته ونفخ الروح فيه، فهم غير مكلفين بالسجود له، حتى يتم ذلك، فيؤْمروا بأَمر تنجيزى جديد، حمعًا بين هذه الآية والآيات إلاخرى التي نبهنا إليها. أَما قوله في سورة الحجر- عقب هذا الأَمر التعليقي،-: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} فمحمول على أنهم سجدوا له بعد تمام خلقه ونفخ الروح فيه، وأَمرهم بعد ذلك بالسجود تنجيزا، بعد أمره به تعليقًا .. وكذلك يفسر ما جاءَ سورة (ص). {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} المفردات: {اسْكُنْ}: أقم فيما تسكن فيه النفس وتطمئن. {الْجَنَّةَ}: البستان. {رَغَدًا}: واسعا. {الشَّجَرَةَ}: مجهولة النوع، وعِفم ذلك عند الله تعالى. التفسير 35 - : {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .... }: الآية. لما كفر إِبليس بعصيانه أَمْرَ ربه بالسجود لآدم، أَبعده الله عن الجنة بقوله: { ... اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ... } (¬1) وقال لآدم: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .... } (¬2) تكريما لهما. ¬

_ (¬1) الأعراف من الآية: 18 (¬2) الأعراف من الآية: 19

والسكن: الإقامة في مكان تسكن فيه النفس، أي تطمئن فيه. والجنة التي أمر بسكناها: هي دار الثواب، عند الجمهور، لأَنها كذلك في عرف نصوص الشريعة: وقيل هي جنة بأرض فلسطبن، أو بين فارس وكرمان أو في غيرهما، خلقها الله امتحانا لآدم عليه السلام، وحمل الإهباط منها على النقل منها إلى أرض أخرى، كما في قوله تعالى: { .... اهْبِطوا مِصْرًا .... } (¬1) لأن خلقه كان في الأرض بلا خلاف. ولم يذكر في قصته رفعه منها إلى السماء حيث جنة الجزاء. ولو وقع ذلك، لكان أولى بالذكر؛ ولأنها لو كانت دار الخلود، لما دخلها إبليس. ذكره أبر السعود والآلوسى، والله أعلم. ومعنى قوله: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}: أي تمتعا بالأَكل منها أكلا واسعا، في أَي مكان شئتماه من الجنة. ْوقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} نهي أُريد به أختبار آدم وحواء، وتعلق النهي بالقرب من الشجرة، للمبالغة في الإبعاد عن الشجرة نفسها، فإن انتفاء القرب يستلزم عدم الوقوع في الأكل وهو المقصودمن النهي. والمشار إليه بـ (هذه) يحتمل أن يكون شجرة بعينها، ويحتمل أن يكون جنسها. فتدخل فيه هي ومثيلاتها. وبين هذين الاحتمالين وقع التأويل من آدم بسبب الوسوسة. فالمظنون أنه تأَوّل النهي بأنه عن شجرة بعينها من الجنس، فَتَرَكَ المشارَ إلى شخصها وأكل عن جنسها؛ مع أن المقصود هو النهى عن الجنس، إذ لا فرق ببن شجرة منه وشجرة أُخرى. ونحن نمسك عن تعيين شخصها أو نوعها؛ لعدم وجود دليل لهذا التعيين. وكان الأكل منها سببا في اخراجهما من الجنة عقوبة على مخالفة النهى. {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}: المراد من ظلمهما ظلم أنفسهما، فإن مخالفة النهي، كانت سببا فىْ حرمانهما مما كانا فيه من نعيم الجنة. ¬

_ (¬1) البقرة من الآية: 61

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)}. المفردات: {فَأَزَلَّهُمَا}: أَوقعهما في الزلة. {عَنْهَا}: أي بسبب الأكل من الشجرة. ْ {مُسْتَقَرٌّ} موضع استقرار. {وَمَتَاعٌ}: تمتع وانتفاع. التفسير 36 - {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ... } الآية. أي جعلهما الشيطان يقعان في الزلة عن هذه الشجرة، أي: بسببها؛ لأَنهما خالفا النهى عن الأكل منها، فأَكلا استجابة لوسوسته. وقريءَ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا}: أي أبعدهما عن الجنة، فالضمير في هذه القراءة للجنة، وفي القراءة السابقة للشجرة. ويجوز أن ترجع القراءَ ة الأولى إلى الثانية، وذلك بأن يكون معنى {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا}: أبعدهما عن الجنة؛ فإن الإزلال يستعمل بمعنى الإبعاد. وقد يقال: كيف توصل إبليس إلى إزلالهما بالوسوسة وهما في الجنة، بعد أن قيل له: { ... قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (¬1)} فخرج منها فعلا. ومن عوقب بالإخراج من الجنة مطرودا لا يدخلها؟ - وأُجيب بأنه مُنِعَ من دخول الجنة تكريما ولم يمنع من الدخول وسوسة، للابتلاءِ. ¬

_ (¬1) الحجر من الآية: 34

وقيل: غير ذلك. والأَولى إحالة ذلك إلى الله تعالى، وكل تأْويل فى ذلك رجم بالغيب. وقد ترتب على هذه الزلة ما أشار الله إليه بقوله: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}: أي من النعيم الذي كانا فيه، بعد أن تم الابتلاءُ والوقوع في الزلة؛ ليتحقق ما كان مقدرا في علم الله تعالى ومرتبا على هذه الزلة، مِن هبوط آدم ليكون خليفة في الأرض، فصدر أمر الله بالهبوط إليهما، ومعنى قوله: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}: اهبطوا حال كون بعض أولادكما عدوًّا للآخر؛ بما ركزه الله فيهم من غرائز صالحة لاخير والشر، يسشغلها الشيطان فيوسوس لهم ويزين القبيح حسنا، فتندفع الغرائز نحو البغي والعدوان على الناس، إلا من اعتصم بالشرع وحكَّم العقل، فكان من المخلصين، كما قال تعالى: { ... وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (¬1)}. والضمير في {اهْبِطُوا} لآدم وحواه، بدليل ما جاء في لآية أخرى {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ... } (¬2) وضمير الجمع منظور فيه إلى ذرياتهما في ضمنهما، فكانهما الجنس كله، أولَهُمَا ولإبليس بعد ما دخل للوسوسة. وكان قد طرد منها قبل ذلك. أَما القول بأنه راجع إليهما، وأريد بالجمع ما فوق الواحد، فليس حسنا، فإن آدم لم يكن عدوًّا لحواء. {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}: أي لكم فيها استقرار أو موضع استقرار، {وَمَتَاعٌ}: أي تمتع بالعيش وانتفاع به {إِلَى حِينٍ}:- هو حين انتهاء آجالكم بالموت. واعلم أن النهى عن الأكل من الشجرة، ثم الأكل منها بإغواء إبليس، كان مقررا في العلمِ الأزلي، ولكن ترتيبه عليه في الوقوع، كان من ربط المسببات بأسبابها، ابتلاءً وتحقيقًا لمشيئة الله تعالى. ¬

_ (¬1) الحجر من الآ يتين: 40،39 (¬2) طه من الآية: 123

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} المفردات {فَتَلَقَّى آدَمُ}: أي استقبل. {كَلِمَاتٍ}: هي كلمات التربة التي ألهمه الله إِياها. {فَتَابَ عَلَيْهِ}: قَبِل توبته. التفسير 37 - {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ... }: الآية. أي ألقى الله في روع آدم؛ أن يتوسل إِليه بكلمات ألهمه إياها؛ ليتوب الله عليه، فاستقبلها بالأخذوالقبول. والعمل بها حينما تعلمها. {فَتَابَ عَلَيْهِ} التر بة. لغة الرجوع. والمعنى: رجع عليه بالرحمة، بأَن قبل توبته، وإ نما وحد الضمير في {عَلَيْهِ} مع أن حواءَ شريكة له في الذنب، بإجماع العلماء؛ لأن حواءَ تابعة له في الحكم إذ النساء شقائق الرجال في الأحكام. ولذا طوى ذكرهن في معظم الكتاب والسنة اكتفاء بذكر الرجاك بإزاء الأحكام. ثم ختم الآية بقوله: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. تعليلا لقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ}. وصف الله نفسه بأنه هو التواب أي: كثير قبول التربة. وهي صيغة مبالغة من التوب بمعنى الرجوع فإذا وصف به الله، كان بمعنى الرجوع عن العقاب إلى المغفرة وقبول التوبة. وإذا وصف به العبد، كان بمعنى الرجوع عن المعصية. {الرَّحِيمُ}: العظيم الرحمة. وبذلك فتح الله للعصاة طريق التربة إِذا عصوا، ليتوب عليهم كما تاب على أَبيهم آدم، لأنه -سبحانه- التواب الرحيم.

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)} التفسير 38 - {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ... }: الآية. كرر الأمر بالهبوط، إيذانا بأنه محتوم لا بد منه، وأن قبول التوبة لا يدفعه؛ ولأن الهبوط الأول مشوب با لعقاب، وإسكان دار البلاء، والعداوة وعدم الخلود، والثاني مشوب بالرحمة بإيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى}: شرط، جوابه جملة الشرط الثاني، وهي. قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} والمرادمن قوله: (هُدَايَ) كتُبُ الله وآياته ورسُله. والمعنى: فمن تبع هداى: أي بالإيمان والقول مع العمل الصالح، فلا خوف عليهم- في المستقبل- من لحوق مكروه، ولاهم يحزنون على فوت مطلوب، بل يستمرون على السرور والابتهاج. 39 - {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: هذ. الآية معطوفة على قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} كأَنه قيل: ومن لم يتبع هداى بل كفر باللهِ وكذب بآياته القرآنية والكونية .... وقوله: {أولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} بيان لجزاء من كفر باللهِ وكذب بآياته. ومعنى أصحاب النار: أهلها ومستحقوها {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: لا يخرجون منها- والجمع فيما تقدم باعتبار ذرية آدم وحواءَ.

الحكم المستنبطة من القصة

الحكم المستنبطة من القصة قضى الله أزلا أن آدم سيكون خليفته في أرضه، فلذا منحه العقل والقوى والغرائز المختلفة التي تجعله وذريته صالحين لهذه الخلافة. ومع أن تلك القوى التي منحها الله، ضرورية لعمارة الأرض والخلافة عن الله فيها، فهي قابلة لأن تستعمل في غير ما خلقت له من الخير، فكما أنها قابلة للصلاح وإلإصلاح، فهي قابلة للفساد والإفساد. وبما أن كثيرًا منهم- بسبب ذلك- سيقع في المعاصى، بارتكاب ما نهى الله عنه، فلذا أَراد الله أَن يعلمهم- عن طريق أبيهم آدم إذا وقعت منهم المعاصي- كيف يتوبون ويرجعون إِلى ربهم، حتى يتوب عليهم كما تاب على أبيهم. فلذا ابتلى آدم بالنهى عن الأكل من الشجرة فأخطأ، باغراه الشيطان ومساعدة غرائزه، فتلقى من ربه كلمات علَّمه بها: كيف يتوب ويرجع إلى ربه، فلما عمل بمقتضاها، تاب الله عليه. وكان ذلك لتعليم ذريته كيف يتوبون إذا عصوا. ويؤيد هذا أن الله لم يغضب على آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، بل كرمه وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وجعل له الأرض مستقرا، وجعل له ولذريته فيها معايش. هذا إلى ما توحي به الآيات الكريمة، من أن الله فضل الإنسان بالعلم، فكلما ازداد علمه كان جديرا بخلافة الله في أرضه، وحمل أمانته بين خلقه، كما توحي بالسئولية الإنسانية، وأن من أخطأ استحق العقاب، ومن أطاع استحق الثواب، ومن تاب تاب الله عليه، وأن الإنسان لا يحكم في أمر وهو جاهل به. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)}. المفردات: {إِسْرَائِيلَ}: هو يعقوب عليه السلام، جد بني إسرائيل. ْ {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي}: أدوا التكاليف التي عهدت بها إليكم وافية.

{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} أعطكم ثوابى الذي عاهدتكم عليه وافيًا. والعهد: الوصية. والوعد: المَؤثِق. {فَارْهَبُونِ}: فخافون. التفسير 40 - {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ... } الآية. بعد أن عدد الله نعمه العامة في الآيات السابقة، شرع يبين نعمه الخاصة ببنى إسرائيل، وهم أكثر الأُمم نعمة وأشدهم عصيانًا وكفرًا، مع أَنهم أهل كتاب، وكانت الطاعة أجدر بهم. وإسرائيل: لقب يعقوب -عليه السلام-وهى كلمة عبرية، مركبة من جزءين: اسرا، ومعناها: عهد، أو صفوةْ، وإيل معناها: الله. {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي تذكروها بالشكر، ولا تكفروها بالمعاصي. وستجد- بعد هذه الآية- ألوانا من الخطاب لبنى إسرائيل، تذكيبرًا بنعم الله عليهم مجملة أو مفصلة، وتوبيخا لهم على آثام ارتكبوها. والخطاب- في كل ذلك- موجه إِلى المعاصرين منهم للنبى صلى الله عليه وسلم، مع أن بعض هذه النعم كانت على آبائهم، كالانجاء من الغرق، واغراق فرعون وجنوده، وبعض هذه المعاصى كانت من هؤُلاءَ الآباء أيضًا، كاتخاذ عجل السامري إِلها- لهم وقولهم لموسى سمعنا وعصينا. وإنما ذُكِّر المعاصرون منهم بنعم الآباءِ، لأن أثرها واصل إليهم، وفضلها عائد عليهم. وانما وبخوا على معاصيهم، لأنهم يعتزون بالانتساب إليهم. ومن اعتز بآثم فهو آثم مثله. فكأنما فعل فِعْلَهُ، ولأن عار إِثم الآباءِ يلحق الذرية، ما داموا على سنتهم في الضلال. فكأنهم فيه شركاء، ولأن المراد من نحو قوله تعالى ص للمعاصرين: { ... ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ... } (¬1) بيان أن ارتكاب الكبائر أَمر كامن في جنسهم، فلا غرابة فى كفرهم بما جاءهم ¬

_ (¬1) البقرة- من الآية: 92

به محمد صلى الله عليه وسلم، كما أشار إليه قوله تعالى: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} (¬1). {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي}: أَي افعلوا ما عهدت إليكم بفعله من الإيمان والطاعة والعمل الصالح، وَأَدُّوه وافيًا {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي}: با لإِثابة وحسن الجزاء. فالعهد الأول: {بِعَهْدِي} مضاف إلى الفاعل، فإنه تعالى عد إليهم بالايمان والعمل الصالح: بإِرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة. والعهد الثاني {بِعَهْدِكُمْ} مضاف إلى المفعول، أي بعهدى إياكم، فإنه سبحانه، وَعَدَهم الثواب على حسناتهم. وعاهدهم على ذلك. {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} إياى وحدى ارهبونى. والرهبة: خوف مصحوب بالتحرز. والفاء تشير إلى معنى الشرطَ، أي: إن كنتم ترهبون أحدًا فارهبونى، وأَلا تنقضوا عهودكم معي. والآية متضمنة للوعد والوعيد، ودالة على وجوب الشكر والوفاءِ بالعهد، وألا يخاف المؤْمن إلا الله تعالى. وفي ذكر قصة بني إسرائيل- بعد قصة خلق آدم- تصوير لتسلط إبليس اللعين على بعض ذريِة آدم وتأثرهم بوسوسته، مع مزيد فضل الله عليهم، وأنهم لم يحذروه مع ما صنعه بجدهم من الإغواء، وما عرف عنه من العداوة له ولأولاده! {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)}. ¬

_ (¬1) الصافات-الآيتان:70،69

المفردات: {بِمَا أَنْزَلْتُ}: أي بالقرآن الذى أَنزلته. {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}: من التوراة. {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}: لا تجعلوا بدلا من الإيمان بآياتى، منافع الدنيا، فإنها قليلة. {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} ولا تخلطوه به. التفسير 41 - {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... } الآية. بعد أَن أموهم الله بالوفاء بالعهود، أَمرهم بالايمان بالقرآن الذى أنزل على محمد صلى الله علمِه وسلم. فإنه من الوفاء بالعهد الذي أخذ عليهم. ومعنى كون القرآن مصدقًا للتوراة التي معهم: أنه يدعو إلى ما تدعو إليه من الإيمان باللهِ وتوحيده، والعدل بين الناس. والنهى عن المعاصى. كما أن فيه ما فيها من قصص المرسلين، والعمل ليوم الدين، وغير ذلك من الأصول. وما بينهما من المخالفات في الفروع، فهو سبب اختلاف العصور. وليست هذه مخالفة في الحقيقة، بل هي موافقة من حيث إن كلا منهما حق في عصره، متضمن لِلحِكَم التي يدور عليها التشريع. وليس في التوراة دليل على أبدية أحكامها الشرعية. ولا يصح أن يكون فيها ذلك؛ لاختلاف العصور المقتضى لتغييرها. فالإيمان بالقرآن المنزل على النبي محمد - صلى الله عليه سلم- لا يتنافى مع ما أُنزل إلى اليهود، فضلا عن أنه واجب عليهم، إذ هو مما عهد الله به إلى جميع النبيين. قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (¬1) ... } ¬

_ (¬1) آل عمران - من الآية: 81

ويجوز أن يكون تصديقه للتوراة، أنه نازل حسبما نعت فيها. ومعنى قوله: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} لا تكونوا أول المبادرين بالكفر به مع علمكم بصدقه من كتابكم. فإن قيل: إِن مشركى العرب سبقوهم إلى الكفر بالقرآن والنبى. فالجواب أن المراد، التعريض، كأنه قيل لهم: ينبغى أن تكونوا أول المومنين به؛ لما عرفتموه من صفاته في كتابكم، فأنتم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم، وكنتم تبشرون به، وتستفتحون عل أعدائكم. ويمكن أن يجاب بأن المعنى: ولا تكونوا أول كافر به من أَهل الكتاب، فإنهم سبقوا المسيحيين في الكفر به. ووقوع {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} خبرًا عن ضمير الجمع في قوله {وَلَا تَكُونُوا} بتأويل: أول فريق كافر به. {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} الآيات: حى الدلائل التي أيد الله بها نببه عليه الصلاة والسلام، وأعظمها القرآن، والثمن القليل: هو ما كان رؤَساؤُهم من رجال الدين يحرصون عليه من الرياسة والمنافع المالية. وإنما وصف الثمن بالقلة لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير، فإن مَنْ جَانَبَ عزة الحق، خسر عقله، وخسر منزلة الرضا عند ربه، وآثر ما يفنى على ما يبقى، وما اعظمها من خسارة! {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}: أي لا تتقوا غضب رؤَساثكم ومرؤوسيكم بدوامكم على الكفر، ولكن إياى وحدى فاتقون: بالإيمان واتباع الحق، والإعراض عن متاع الدنيا. 42 - {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أي لا تخلطوا الحق الذي علمتموه، بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه، حتى يشتبه أَولهما بالآخر، أَو: لا تجعلوا الحق ملتبسًا على أتباعكم وخفيا عليهم، بسبب الباطل الذي تكتمونه في أثنائه، أو تذكرونه في تأْويله. {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}: معطوف على تلبسوا، داخل معه تحت النهى السابق، أي: لا تجمعوا بين الجريمتين؛ لبس الحق بالباطل وكتمانه، فكل منهما كبيرة في الجرائم.

{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أي والحال أنكم عالمون بالحق، وليس لكم عذر بالجهل. وما أَقبح صدور الذنب ممن يزتكبه وهو عالم! {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} المفردات: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}: اجعلوها قائمة باستكمال متطلباتها. {وَآتُوا الزَّكَاةَ}: أعطوها لمستضيها. {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}: صلُّوا في جماعة. التفسير 43 - {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}: بعد أن دعاهم الله إِلى الإيمان بما أنزل على محمد، أمرهم بالأعمال الصالحة، فإن الإيمان كالأَساس، والعمل الصالح كالبناء عليه. وذكر في الآدة عملين من الأعمال الصالحة: أولهما: الصلاة؛ وهي عنوان العبادة البدنية، ومعراج الأرواح للمناجين ربهم. وهي عماد الدين. والثاني: الزكاة؛ وهن العبادة المالية، وهي أَثر من أجل آثار الإيمان، تعالج مرض الشح والبخل في النفس، وتعتبر من أهم عوامل الإصلاح الاجتماعى، وعنوان الشفقة من أَغنياء المؤْمنين على إخوانهم الفقراء والمساكين. واقتصر عليهما لأهميتهما بين أركان الإسلام. و"أل" في (الصَّلَاة) و (الزَّكاَة) للعهد. والمعهود صلاة المسلمين وزكاتهم. أمرالله بهما اليهود- بعد أمرهم بالإيمان وعدم كتمان الحق- ليجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي صلوا مع المصلين جماعة، فإنها تفضل صلاة الفذ بسبع وعشربن درجة، لِماَ فيها من اجتماع النفوس وتآلف القلوب.

والتعبير عن الصلاة بالركوع: احتراز عن صلاة اليهود التي لا ركوع فيها، وهو من إطلاق الجزء على الكل، ويصح أن يكون المعنى: واخضعوا مع الخاضعين، فإن من معانى الركوع: الخضوع، قال الشاعر: لا تحقرن. الضعيف علَّك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)}. المفردات: {بِالْبِرِّ}: بالتوسع في الخير. {الْكِتَابَ}: التوراة. {لَكَبِيرَةٌ}: لثقيلة {الْخَاشِعِينَ}: الخاضعين. {يَظُنُّونَ}: يعتقدون {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} في الآخِرة لنيل ثوابه التفسير 44 - {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ... } الآية. هذا توبيخ من الله لبني إسرائيل، وتعجب من شأنهم، والخطاب فيه- وان كان خاصا بهم فهو عام من حيث المعنى: يرادبه توبيخ كل واعظ يأمر بالخير ولا يأْتمر، ويزجر عن

الشر ولا ينزجر. والبر: يتناول جميع أصناف الخير، فيشمل عبادة الله، والإحسان للاقارب والغرباء، وغير ذلك. والخطاب لعلماء اليهود، فإنهم كانوا يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه. ومن ذلك أنهم كانوا يأْمرون بالصدقة ولا يتصدقون. {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}: النسيان؛ السهو الحادث بعد العلم، والمراد به هنا: الترك؛ لأَن أحدا لا ينسى نفسه، بل يحرمها من البرويتركها، كما يتْرك الشئ المنسى، مبالغة في الغفلة وعدم المبالاة بما ينبفى أَن يفعله في حقها. {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} تقرءون التوراة وتدرسونها. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: هذا استنكار واستهجان لعدم تعقلهم؛ إذ نصحوا سواهم وتركوا أنفسهم. والعقل في الأصل: المنع والإمساك. سمى به النور الروحى، الذي به تدرك العلوم الضرورية والنظرية، لأنه يمسك النفس؛ ويمنعها عن تعاطى ما يقبح، ويعقلها على ما يحسن. ومعنى الآية: لا ينبغى لكم يا بني إِسرائيل. أن تامروا الناس بخصالْ الخير. وتتركوا أنفسكم فلا تزكوها بصفات البر، وأَنتم تتلون كتاب التوراة: التي توجب البر على النفس وعلى الناس، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) قبح صنيعم شرعا لمخالفته ما تتلونه في التوراة، وعقلا؛ لأن تطويع النفس للبر والخير يجب عقلا أن يسبق تطويع الناس لهما، فإن الناس لا يأخذون كرائم الأخلاق، ولا يعملون بها إلا إذا رأوا الدعاة إليها يعملون بها قبل غيرهم. 45 - {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ... } الآية. لما أمرهم الله سبحانه وتعالى بترك الضلال والإضلال، والتزام الشرائع- وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من مخالفة الطبع، وحب الرياسة والجاه والمال - طلب منهم أَن يستعينوا بالصبر والصلاة، فإنهما كفيلان بتذليل الصعاب وإزاله العقبات التي تعترض في سبيل الهدى والبرالمأْمور بهما. والصبر: ضبط النفس والسيطرة عليها، بحيث تحتمل ما تكره انتظارًا للفرج، وتمننع عن لذائذها وشهواتها إن لم تكن من حقها.

وهو صفة الصالحين، فهم لا يقنطون من رحمة الله. إِذا مسهم البلاء، ولا يندفعون في المعصية، ولا يطغون إذا مستهم النعماء. قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)} (¬1). والصبر: دعامة كل عمل صالح، ومعين على اجتياز المصاعب. وقد أمر الله تعالى بالاستعانة بالصبر فى كل الأُمور؛ بأن نصبر على مشقة الطاعات، وصعوبة البعد عن الشهوات وعن اللذات الآثمة، وعلى مكاره الشدائد والمحن، امنثالا لأمر الله في الأُولى، وصبرا على بلائه فى الأُخرى. كما أَمر بالاستعانة بالصلاة، لما فيها من العبادة النفسية والبدنية وإظهار الخشوع لله. وكل ذلك يزكى النفس ويقويها على احمال التكالف والشدائد. ولذا حث الله نبيه وأمته عليها بقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} (¬2) وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة. ويحتمل أن المراد بالصلاة: معناها اللغوى؛ وهو الدعاءُ، فإنه من خير ما يستعان به. والخطاب موجه إلى اليهود بعد دعوتهم إلى الإيمان والعمل الصالح.، ليجمعوا- إِلى. الإيمان المطلوب- هذه العبادات. فكأَنه قيل: ولا تكتموا الحق- وهو نبوة محمد- فأعلنوه وآمنوا به؛ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصلوا مع المصلين من المسلمين، بعد ايمانكم، ولا تأَمروا الناس بالبر على حين تهملون أنفسكم. وأول خصال البر والخير هو الإيمان، واستعينوا بالصبر والصلاة على الأمر كله. وللخطاب مفة العموم فى الحكم لجميع المسلمين أيضًا، كما سيأْتى. {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}: الضمير في {إنَّهاَ} عائد إلى الصلاة، أي وإن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين الخاضعين بقلوبهم لله، أو عائد إلى جميع الأُمور؛ التي أمر بها بنو إسرائيل، والتي نهوا عنها، في قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} الآيات. ¬

_ (¬1) هود. (¬2) طه من الآية: 132

ومعنى كونها كبيبرة: أنها صعبة {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}: وهم المتواضعون الخاضعون بقلوبهم. وإنما لم تثقل عليهم لأنهم يرونها حقًّا لله، ويتوقعون حسن الجزاء عليها، فتهون عليهم. ولذا قيل: مَن عَرَف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أَيقن بالخلف، جاد بالعطية. والخشوع: حالة فى النفس، تستتبع في القلب التسليم لأحكام الله، وفي الجوارح السكون والتواضع على الوجه اللائق. والخشوع المتكلف- بالتباكي وطأْطأَة الرأس- مذموم شرعا. فهو من الرياء، يفعله الجهال؛ لِيُرَوا بعين البر والإجلال. ولهذا قال عمر لشاب نكس رأسه: "يا هذا، ارفع رأسك" فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب. 46 - {الَّذِينَ يَظُنُّونَ ... } الإَلة. الظن هنا: بمعنى العلم والتيقن، ومنه قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} (¬1) وقيل: الظن بمعناه المعروف، وهو إدراك الطرف الراجح، على أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت، لأنهم يلقون بعده ربهم، ويكون المراد: ونها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون الموت في كل لحظة، ويعلمون ما وراءه من البعث والحساب، فهؤُلاء لا يكون الصبر على الطاعة وعلى ترك المعاصى كبيرة على نفوسهم، كما لا تكون الصلاة ثقيلة على نفوسهم أيضًا، حذرا من العقاب- بعد البعث- على معصية الله. ويجوز أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثوابه، وذلك مظنون فالزاهد العابد، لا يقطع بكونه ملاقيا ثواب الله. بل يظن ذلك، ليحمله هذا الظن على كمال الخشوع. والأول أولى؛ لقوله تعالى عقبه: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}: أي ويعلمون أنهم إلى ربهم راجعون للحساب والجزاء، فإن الإيمان بالبعث وما وراءه، لا ينفع فيه الظن، بمعناه المعروف، إذ لا بد فيه من القطع واليقين، الذى هو العلم. وهذه الآيات الثلاث - وإن نزلت في علماء بني إسرائيل - فالحكم فيها عام، يشترك فيه علماءُ الإسلام، ورجال جميع الديانات السماوية من قبل. فهو مبدأ مقرر فيها، فَمَن ¬

_ (¬1) الحاقة الآية:20

أمرَ بالبر، ينبغى له أن يسبق من يدعوه إِليه، فلا ينسى نفسه ويذكر الناس، وعليه أن يستعين بالصبر والصلاة على قهر النفس وتطويعها للبر، وعل تحمل مشاق الحياة ومتاعبها، فإنهما يمنحان النفسى قوة الاحمّال، ويسهلان لها صعاب الأُمور. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)}. المفردات: {نِعْمَتِيَ}: المراد بها؛ جميع مما انعم الله به عليهم. {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}: أي على عالمى زمانهم، قبل أن يضلوا، وتنسخ شريعتهم بما بعدها. {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}: أي لا تقضى عنها شيئًا من الحقوق. {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}: أي ترد شفاعة من يشفع لها، لو فرض أنها وجدت شفيعًا. {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله لهم. التفسير في هاتين الآيتين، يذكر الله تعالى، بني إسرائيل بنعمه التي انعمها عليهم، ويطلب منهم أن يقوا أنفسهم ويحموها من العقاب، بالايمان والعمل الصالح. ويخبرهم: أنهم إن جاءُوا بشفاعة شفيع، فلن تقبل منهم، أو أعْطَوْا فديةً فلن تؤْخذ منهم، أو حاولوا الخلاص بالقهر، فلن يتمكنوا منه. فلا منجاة من عذاب الله لمن يستحقه. وفيما يلي تفصيل ذلك:

47 - {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ... } الآية. كرر نداءهم وتذكيرهم بنعمته عليهم؛ للتوكيد وربط ما بعده - من الوعيد الشديد- بتجاهلها، {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}: أي فضلت آباءكم الذين كانوا قبل نسخ شريعتكم. وإنما وجَّه الخطاب- بالتفضيل- إلى المعاصرين للنبى- صلى الله عليه وسلم- باعتبار أن نعمة الآباء نعمة عليهم. والمراد بالعالين: سائر الوجودين في وقت التفضيل. وتفضيلهم عليهم، إنما كان بما منحهم الله. من النعم؛ المشار إليها بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ... } (¬1). ْولأنهم كانوا وقتئذ، أصحاب دين سماوي، وغيرهم كانوا يعبدون الأَوثان. فلذا، فضلوا غيرهم. ولا يفهم من الآية تفضيلهم على النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- وامته. بل هو -عليه السلام- وأُمته أَفضل مننهم. قال تعالى. موجها كلامه لأُمة محمد: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... } (¬2) 48 - {وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... } الآية. المراد: من اتقاء اليوم، اتقاء ما يحصل فيه من العقاب والشدائد، بالإيمان والعمل الصالح. {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}: أي لا تقضى نفس عن نفس شيئًا من الحقوق في هذا اليوم. فالحقوق منوطة بأصحابها التزامًا وقضاء. تقول: جزى عني- هذا الأمر، أي قضاه عنى. وقرأ أبو السماك {لَا تَجْزِي} من أجزأ عنه، إذا أغنى. أي لا تغنى نفس عن نفس شيئًا، من الإغناء، ولا تجديها نفعًا. ¬

_ (¬1) المائدة عن الآية: 20 (¬2) آل عمران من الآية:110

وفي الآية من التهويل والإيذان بانقطاع المطامع ما لا يخفى. {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}: الضمير في {مِنْهَا} للنفس الثانية، وهي الكافرة؛ لأَنها أقرب مذكور، وليوافق قوله بعد: {وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} ولأنه المتبادر من قوله: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أَي أن النفس الكافرة، لو استأذنت ربها في شفاعة شفيع، فإنه لا يجيبها إلى رغبتها. وقد استدل المعتزلة - بعموم الآية- على أنه لا شفاْعة لأهل الكبائر. وهو مردود بما ورد في الكتاب والسنة من قبول الشفاعة بإذن الله تعالى، قال الله تعالى: { ... مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ... } (¬1) وقال تعالى: { ... وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (¬2) إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبتت الشفاعة للمؤْمنين المقصرين نصُّا، فيما رواه البخاري عن النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث قال: "أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة، من قال: لا إلَه إلا الله، خالصًا مخلصًا من قَلْبِهِ" وفي رواية: "مِن نَفْسِه". وفيما رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن جابر، والطبراق عن ابن عباس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي"إلى غير ذلك من الأحاديث. وقد وردت أحاديث الشفاعة مطولة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري. وفي باب الإيمان في صحيح مسلم وغيرهما. فالمراد من قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} اليهود، فإن الخطاب معهم لردهم عما يعتقدونه من شفاعة آبائهم الأَنبياء لهم. ومثلهم في حكمهم: جميع الكفار من النصارى والوثنيين ومن لا عقيدة لهم. وإنما يقبل الله الشفاعة للمؤْمنين المقصرين. رحمة بهم بسبب إيمانهم الذي خلطوه بعمل صالح وآخر سيئ. وهؤُلاء قد وعدهم الله بالغفران إن تابوا. قال تعالى: { ... خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ... } (¬3). ¬

_ (¬1) يونس من الآية: 3 (¬2) الأنبياء من الآية: 28 (¬3) التوبة الآية: 102

والشفعاءُ الذين تقبل شفاعتهم بإذن الله، هم: الأنبياءُ والملائكة والصالحون. {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}: أي فدية، كما قال ابن عباس. قال الآلوسي: وأصل العدل -بفتح العين- ما يساوى الشيءَ قيمة وقدرًا. وإن لم يكن من جنسه- وبكسرها- المساوى في الجنس والجرم. انتهى. سميت به الفدبة؛ لأَنها تساوى المفدى وتجزىءُ عنه. ومعنى الآية: أن النفس الكافرة إِن جاءت بشفاعة شفيع، لم تقبل منها، ولو أَعطت فدية لم تؤخذ منها. {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}: النصر؛ العون، فالمعنى: ولا هم يعانون بالقوة حق يفلتوا من العقاب، فهم ونصراُّوهم مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى. وقد سدت الآية عليهم - بما تقدم - طرق الإفلات من العقاب، إذ دلت على أنهم لا ينجون منه يشفاعة شفبع لهم، ولا بفداء يقدمونه، ولا بنصير يحمبهم ويخلصهم من العذاب بقوته وجاهه. {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)} المفردات: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}: بوقعون بكم العذاب السيِّءَ. {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}: يبفونهن أَحياءَ. {بَلَاءٌ}:اختبار، أو مشقة ومحنة. {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ}: فصلناه.

التفسير 49 - {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}: أي واذكروا نعمتى، وقت إنجائكم من عدوكم فرعون، فى عهد موسى عليه السلام. والحقيقة أَن الإنجاء منه كان لآباء المخاطبين بهذا التذكير، وهم من كانوا في عهد نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- من اليهود ولكنهم- لما نجوا منه بإنجاه آبائهم- اعتبر إنجاء آبائهم نعمة عليهم. فلهذا ذكرهم الله بها. وآل فرعون: أهله. والمراد: نجيناكم من فرعون وآله، وهم من ينسبون إِليه والمراد: رعيته، ويطلق على من يؤُول إليك؛ في قرابة أو رأى أو مذهب، فألفه بدل من الواو كما قال يونس: ويخص- في غالب الاستعمال- بالإضافة إلى من له خطر وشان، ولا يضاف إلى مؤَنث، فلا يقال آل عَزَّةَ مثلا، وقد يضاف إلى من لا خطر له كآل الكوفة وقد لا يضاف، نحو: هم خير آل. وفرعون: لقب لمن ملك مصر، ككسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وخاقان لملك الترك، وتُبَّع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة. ويرجح بعض الباحثين: أَن فرعون موسى هو منفتاح بن رمسيس الثاني، ارتكازا على بعض عبارات مأْثورة عثر عليها في لوحة في "تل العمارنة" حديثًا. {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} بمعنى: يبغونكم العذاب ويطلبونه لكم. من: سامه خسفا. إذ أولاه ظلما. وسوء العذاب: سيئه. وأفظعه. وهو من اضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي يُذيقونكم العذاب السيِّيء الفظيع، وهو ما في قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} فهو بدل من {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} و {يُذَبِّحُونَ} - بالتشديد- على التكثير. فقد كان فرعون يذبح الأطفال الذكور، ويبقى البنات، كما كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه، والتجمع لإفساد أمره. وقيل في سبب ذلك: إن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل، ففعل ما فعل، وكان أمر الله قدرا مقدورا، وكان- هو ورعيته- إلى جانب ذلك يستخدمونهم في الأعمال الشاقة المهينة.

{وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}: أي يستبقون بناتكم- يا بني إسرائيل- أحياءَ لخدمتهم. {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ}: الإثارة راجعة إلى العذبيح والاستحياء، أو إلى الانجاءِ أو إلى الجميع، فإن البلاء: الاختبار. وهو يكون بالضار لبصبروا، وبالسار ليشكررا، وبهما جمبعا ليشكروا على السار وبصبروا عل الضار. ولا نخلو اختباراته تعالى وبلاؤُه. لعباد. من حِكَم. {مِنْ رَبِّكُمْ}: أي من مالك أموركم. الذي يبلوكم بالشر والخير فتنة وامتحانا؛ ليثيب من شَكر على السراء. ويحرم الثواب من لم يصبر على الضراء. والإشارة إلى المخاطبين في عهد محمد- صلى الله عليه وسلم- لأن ما أصاب آباءهم، فكأنما أصابهم، {عَظِيمٌ}: صفة، وتنكير {بَلَاءٌ عَظِيمٌ}: للتفخيم. 50 - {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ ... } الآية. هذ. نعمة أخرى غير ما تقدم {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ}: فَصَدنا بين مياهه، حتى صارت فيه مسالك لكم. والباءُ في {بِكُمْ} بمعنى اللام، أي فرقنا لأجلكم البحر لكي ننجبكم من فرعون وقومه، وتلك نعمة كبرى، تقتضى منهم مزيد الشكر عليها؛ بالإيمانْ والعمل الصالح. وقيل: الباء للملابسة أي فرقنا البحر حال كونه ملتبسا بكم. والبحر كما قيل: هو بحر القلزم، ويطلق على الذى ماؤُه ملح والذي ماؤه عذب، ومنه قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} (¬1). {فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} في الكلام مُقَدرٌ: يدل عليه ما عرف من القصة في نواحى القرآن. وحذف ما يعلم جائز وبليغ. والتقدير: واذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده، فأنجيناكم من الغرق، ومن إدراك فرعون وآله لكم، ومما تكرهون، إذ أخرجناكم منه سالمين، وأغرقنا أعداءكم: فرعون وآ له- من القواد والجنود الذين تبعوكم {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}: أي تنظرون جميع ما مر، وفي ذلك تقرير {للنعمة} عليهم، والخطاب لمعاصري النبي - صلى الله عليه وسلم - باعتبارأنهم أبناءُ مَنْ صنع الله بهم هذ. النعمة الكبرى. ¬

_ (¬1) الرحمن الآية:19

وهذه الواقعة، من الآيات الملجئة إلى العلم؛ بوجود الصانع الحكيم، وتصديق موسى، عليه السلام، ولكنهم كفروها إِذ عبدوا العجل بعدها-، وقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ... } (¬1) وغير ذلك من سيئاضهم فلا كر، بة في أن يكفر معاصروهم للنبى محمد - صلى الله عليه وسلم - برسالته ومعجزاته. فالجحود فيهم فرض قديم. {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)}. المفردات: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ْ أعطيناه موعدا أن ننزل التوراة عليه بعد أربعين ليلة. {اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ}: أي جعلتموه إلها. {مِنْ بَعْدِهِ}: أي من بعد موسى. والقصود: من بعد مضيه لتلقي التوراة. {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ}: أي حين تبتم. {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: من بعد الاتخاذ. التفسير 51 - {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ... } الآية. في هذه الآية: إِنعام آخر على بني إسرائيل، بعد ما جاوزوا البحر. فقد وعد الله موسى -عليه السلام- أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة، وقَبِلَ موسى، فالمواعدة- على هذا- من الجانبين. فهي هن الله وعد، ومن موسى عليه السلام، قبول. على حد قول الطبيب: عالجت ألمريض، فالعالجة من الطبيب فعل ومن المريض قبول. ¬

_ (¬1) البقرة - من الآية: 55

ويجوز أَن تكون المفاعلة على غير بابها، فتكون المواعدة بمعنى الوعد من جانب واحد، وذلك مأْلوف في كلام العرب مثل: عاقبت اللص وشاهدت الحديقة، فتكون. المواعدة من الله خاصة لموسى، إذ هي بمعنى: وعدنا موسى. وتدل له قراءة أبى عمرو {وَاعَدْنَا}. ويجوز أن يكون واعدنا بمعنى: وافينا، أي: وافيناه بالتوراة بعد أربعين ليلة. وموسى: اسم أعجمى لكليم الله، الذي بعثه لبنى إِسرائيل، وهو منهم. وتعبير الله عن ميقاته بقوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} إما لأن افتتاح الميقات كان من الليل، أو لأن الأشهر القمرية تربئ بالهلال، والهلال يرى ليلًا. وأكثر توقيتات القرآن بالليل. {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ}: أي صنعتموه من ذهب على شكل العجل، أَو جعلتموه إلها. وعلى المعنى الأول: يتعدى إلى مفعول واحد وهوْ العجل. وعلى الثاني: يتعدى إلى مفعولين والثاني محذوف تقديره "إلها" وهو المقصود. فكلهم عبدوه-، إلا هارون وقلة معه، أو إلا هارون والسبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام في ميقات ريه. والعرب. تذم أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها. والعجل: ولد البقرة الصغير. وقد رأى السامري- عند بني إسرائيل- رغبة جامعة، في عبادة العجل، كما كانوا يفعلون بمصر في عهل الفراعنة، إذ كانوا يعبدون معهم العجل (أبيس) فانخذ من الْحُليِّ تمثالا على صورة العجل، وجسمه ووضعه في مستقبل الريح، فإذا دخلته أحدثث صوتا كخوار العجل، فعبدوه الهذا. وفى الآية تسرية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لماكان يشاهد من جحودهم؛ لنبوته وللكتاب الذي أنزل عليه، وإيذان بان عليه أن يصبر كما صبر موسى في هذه الواقعة، فإن بني إسرائيل- بعد أَن خلصهم الله من فرعون، وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت- اغتروا بتك الشبهة الواهنة التي لا تقتضى أُلوهية العجل، فعبدوه. ثم إن موسى- إذاكان قد صبر على ذلك- فلأن يصبز محمد- صلى. الله عليه وسم- على أَذى قومه أولى؛ لأنه سيد أولي العزم.

{وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}:أي في إشراككم، إذ وضبتم العبادة في غير موضعها، وعرضتم أَنفسكم بذلك لعقاب الله. والظلم لغة: وضع الشىء فى غير موضعه ومجاوزة الحد. والجملة حال أو تذييل، لإفادة أنهم قوم عادتهم الظلم، وقد أكد تمكن الظلم منهم، بالجملة الاسمية المفيدة للاستمرار. وفي الآية تنبيه إلى أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم، لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم بتعريضها للعفاب. 52 - {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ... } الآية. العفو لغة: المحو والإزالة. والمراد به هنا: غفران ذنبهم، وشركهم بعبادة العجل، بعد توبتهم منه. والتعبيربلفظ {ثُمَّ} للإيذان بالتفاوت الكبير بين إشراكهم القبيح، وبين لطفه تعالى؛ بالعفو عنهم لما تابوا. والمعنى: ثم محونا عنكم عقوبتكم على اتخاذكم العجل إلهاْ، بعد توبتكم منه. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: لعل هنا للتعليل، أي: لكي تشكروا نعمة عفوه تعالى، بالاستمرار على طاعته، والعدول عن معصيته. {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)}. المفردات {إذْ}: ظرف للوقت الماضي. {آتَيْنَا}: أعطينا. {الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} أي التوراة الجامعة ببن كونها كتابا، وكونها فارقة ببن الحق والباطل.

التفسير 53 - {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: هذا هو الإنعام الرابع على بني إسرائيل. والمراد بالكتاب والفرقان: التوراة، فهي جامعة بين كونهاِ كتابا سماويا وفارقة بين الحق والباطل، والعطف لتغاير العنوان، وذلك على حد قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفُزقَانَ وَضِيَاء وَذكْرًا ... } (¬1). أو المراد بالكتاب: التوراة. وبالفرقان: معجزات موسى عليه السلام، لأَنها فرقت بين الحق والباطل، أو النصر على فرعون وقومه بإغراقهم. فهو فارق بينهم وبين بني إسرائيل، كما سمى يوم بدر: يوم الفرقان. والمعنى: ولقد آتينا موسى التوراة وما يفَرِّق بين الحق والباطل، لكي يهتدي بذلك بنو إسرائيل إلى الحق، ويرجعوا عما هم فيه. من ضلالة. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)} المفردات {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ}: أي بعبادة تمثال العجل. {بَارِئِكُمْ}: خالقكم. {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}: فاصنعوا بها ما يشبه القتل، وهو الحسرة والندم واللوم الشديد. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}: فقبل توبتكم. ¬

_ (¬1) الأنبياء - من الآية: 48

مباحث الآية

التفسير 54 - {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}: بين الله في هذه الاَية؛ طريقة توبة اليهود عن عبادة العجل، إلتى استعقبت العفو عنهم. والمعنى: واذكر يا محمد، لمعاصريك من اليهود، فضل الله عليهم، إذ أَمر نبيه موسى فقال لآبائهم: يا قوم، انكم ظلمتم أنفسكم، إِذ عرضتموها لعقاب الله باتخاذكم العجل إلها، فعبدتم تمثالا؛ نقربا إليه، مع أَنه- كأصله- مخلوق الله، ولا قدرة له على شئ في نفسه ولا غيره، فتوبوا إلى الله الذي خلقكم وسواكم في أحسن تقويم، فَأَهلِكُوا أنفسكم بالندم على هذه الجريمة، والإقبال على الطاعة له تعالى. ذلكم خير لكم عند خالقكم في الآخرة، لما فيه من عظيم الثواب والبعد عن شديد العقاب .. إنه- تعالى- هو الذى يقبل التوبة كثيرًا عن عباده، البليغ الرحمة بهم. مباحث الآية 1 - {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}: البارىءُ؛ هو الذي خلق الخلق بريئًا من التفاوت. قال الله تعالى: { ... مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ... } (¬1) فقد خلق الاعضاءَ متناسبة متميزا بعضها عن بعض، في الصورة والوظائف، وجعل كل عضو بقوم بوظانفه العجيبة على الوجه الأَكمل -دون عناءِ- في تعاون مع سائر الأعضاه، كما جعل الناس متمايزين في الصورة. حتى بعرف بعضهم بعضا. فلا ترى أحدًا بشبه الآخرمماما في صورته. إلى غير ذلك عن سباب الكمال في الخلق. وصدق الله تعالى إذيقول في سورة (التين): {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ¬

_ (¬1) الملك - من الآية: 3

وفي ذكر: الباريءِ في هذا المقام، تقريع لهم بما كان منهم؛ من ترك عبادة الله الذي برأهم بلطيف حكمته، إلى عبادة ما لا يقدر على شيءٍ، وهو مثل في الغباوة والبلادة .. والفاءُ هنا. تفيد تسبب الأمر بالتوبة على اتخاذهم العجل. 2 - {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}: المتبادر من القتل، إزهاق الروح، فإن كانت توبتهم هي القتل، فالمراد بقوله تعالى: {فَتُوبُوا}: اعزموا على التوبة، هذا إذا كانت الفاءُ للتعقيب. فإن كانت تفسيرية. فالتوبة على أصل معناها، والقتل تفسير لها، كما قيل في قوله تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ... (¬1)}. وإن كانت توبتهم هي الندم المعبر عنه بالقتل مبالغة، فعطف القنل على التوبة للتفسير، ولا إشكال فيه. وكثير عن المفسرين- سلفًا وخلفًا- على أَن القتل حقيقي. قال سفيان بن عيينة: كانت- توبة بني إسرائيل القتل. وقال الزهري: لما قيل لهم: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} قاموا صفين. وقتل بعضهم بعضًا حتى قيل لهم: كفوا، فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي اهـ. ورُوِىَ: أنه أَمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده. قيل: كانت جملة القتلى سبعين أَلفا. وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشِّفَارُ من أيديهم. ونظرًا لأنه لم يأْت نص يعول عليه في السنة، يقتضى أَن القتل حقيقي-، فقد جنح بعض العلماءِ إلى أن المراد بالآية: اجعلو اأنفسكم كالمقتوله: بمزيد الغم والندم والإذلال. وقدورد استعمال القتل في غير حقيقته في اللغة والسنة. ومما وردفى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأَخير منها". أَي أبطلوا دعوته كمن مات- اهـ من لسان العرب. وقد صدَر أبو السعود والبيضاوى تفسيرالآية بهذا المعنى المجازى، فقال كلاهما: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}: إتماما لتوبتكم بالبخع (¬2) أوقطع الشهوات اهـ. ¬

_ (¬1) الأعراف - من الآية: 136 (¬2) البخع: قتل النفس غمّا 10هـ من القاموس.

ومن الحكم: من لم يعذب نفسه لم يَنعمها، ومن لم يُقتلها لم يُحْيها. ذكره البيضاوى في تفسير الآية. وأنكر القاضى عبد الجبار، أن يكون الله تعالى قد أمر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم، إذ الأمر لمصلحة المكلف، وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة. وقرأ قتادة {فَأَقِيلُوا أَنْفُسَكُمْ}: بالياءِ بدل التاء. والمعنى: إن أنفسكم تورطت في هذا الذنب العظيم، وفعلت ما يهلكها، فأقيلوها وارفعوها من هذه الورطة؛ بالتوبة والتزام الطاعة. وهذه القراءَة تزكى المعنى الثاني لقتل النفس المطلوب منهم. 3 - {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} جملة معترضة: للتحريض على التوبة. يعني أن قتلهم لأنفسهم - بالندم على عبادة العجل- خير لهم من بقائهم على عبادته، لما يترتب عليه من العذاب والهلاك الدائم. وكرر كلمة الباريءِ، اعتناءً بالحث على التسليم لما أمَرَ به، وتَلَقى ما يرد من قبله بالقبول والامتثال. 4 - {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} إِن كان خطابا من الله لهم، فهو معطوف على محذوف، وكأنه قال: ففعلتم ما أَمركم به، فتاب عليكم بارئكم. وإِن كان كلام موسى، فهو جواب شرط تقدبره: إن فعلتم ما أمرتم به. فقد تاب عليكم. وإنما لم يقل: فتاب عليهم، ليعود الضمير على القوم أَسلافهم، لأن هذه نعمة أريد بها تذكير المخاطبين في عهده صلى الله عليه وسلم. لا أسلافهم. فالنعمة على الآباءِ نعمة على الذرية. {إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)}. المفردات: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ}:"لن"؛ لنفي الفعل في المستقبل، ولا تفيد تأكيدًا ولاتأبيدًا، خلافًا للزمخشري، حكاه صاحب القاموس. والإيمان: التصديق الجازم.

{جَهْرَةً}: هي في الأصل مصدر جهرت بالقول، استعيرت للمعاينة، لتشابههما في الوضوح والانكشاف. {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ}: هي نار جاءتهم من ناحية السماء فأحرقتهم. ومن معانيها: الموت وكل عذاب مهلك. التفسير 55 - {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}: أضفى الله تعالى على بني إسرائيل الآلاءَ السابقة، وقابلوها بالكفر، حتى عيدوا العجل. ودعاهم إلى التوبة: بالندم وكف نفوسهم عن أهوائها وشهواتها، فلما تابوا قبل توبتهم. ومع كثرة البينات المتوالية التي قدمها موسى بإذن من الله تعالى، تفننوا في الطلب، وحسبوا أن الله تعالى في مكان وله حيز، بحيث يمكن أن يروه جهرة في الدنيا، فقالوا لن نؤْمن لك حق نرى الله جهرة: أي معاينة. فالآية سبقت؛ لبيان تعنتهم في طلب الآيات، وتأثرهم بما فاله سيدهم فرعون مصر لهامان: { ... يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (¬1)}. وفي ذلك عبرة وتسلية للنبى صلى الله عليه وسلم، فيما يلقاه من تعنتهم. والمعنى: واذكروا أيها اليهود المعاصرون للنبى صلى الله عليه وسلم، إذ قال أجدادكم لموسى عليه السلام: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ... } أي لن نسلم لك - مصدقين مذعنين راضين مطمئنين- {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}: أَي حتى نراه مشاهدة وعيانا. أو الجهرة صفة لخطابهم، كما روى عن ابن عباس. ¬

_ (¬1) غافر- من الآية 36 والآية 37

والمعنى على الرأْي الثاني: واذ قلتم- جهرة وعلانية غير مبالين- يا موسى، لن نؤْمن من أجل قولك، حتى نرى الله بأَعيننا. {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ}: استولت عليكم وأهلكتكم، لفرط عنادكم وطلبكم المستحيل. والصاعقة: الموت، أو نار سفطت عليهم من السماء. {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}: أي تنظرون اليها، وهي نصيبكم وتباشر اهلاككم. 56 - {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ... } الآية. {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} بالصاعقة، وكان ذلك بدعاءَ موسى عليه السلام، ومناشدته ربه بعد أن أفاق. والموت هنا، ظاهر في مفارفة الررح الجسد بقرينة ذكر البعث معه. وقال بعض العلماءَ: كان موتهم غشيانا رهمودا، لا موتا حقيقيا. كما فى قوله تعالى: { ... وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ (¬1) ... }. والمراد من البعث على هذا، إعادة النشاط والصحو لهم. وقال آخر: موتهم؛ هوجهلهم الذي كانوا فيه. وبعثهم: تعلمهم أحكام التوراة؛ ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ... } (¬2) وقول الشاعر: وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يُظَنُّ من الأحياء وهو عديم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: أي لكي تشكروا نعمته تعالى ببعثكم بعد الموت، أو جميع نعمه بعد ما كفرتموها. والمراد من شكرهم- له تعالى: ما يعم قيامهم بما كلفوا به، وتركهم لما نهوا عنه قبل موتهم بالصاعقة، فإن الله- بعد موتهم- بعئهم لييشكروه تعالى: بالعمل بما شرعه لهم قبل صعقهم، حتى تغفر لهم جرائمهم. فلفظ الشكر: يتناول جميع الطاعات، لقوله تعالى: { ... اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكرًا ... } (¬3). ¬

_ (¬1) إبراهيم - من الآية: 17 (¬2) الأنعام - من الآية: 122 (¬3) سبأ- من الآية:13

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)}. المفردات: {الْغَمَامَ}: السحاب. واحده غمامة، كسحابة. سمى به: لأنه يغم وجه السماء، أي يستره. {الْمَنَّ}: المشهرر، أنه الترنجبين. وهو شىءٌ يشبه الصمغ: حلو مَشوب بحموضة. {وَالسَّلْوَى}: "طائر يشبه السمانى، أَو هو السماني بعينها. التفسير 57 - {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: هذه الآية تتضمن الإنعام السابع على بني إسرائيل، وهي معطوفة على {بَعَثْنَاكُمْ} مؤْذنة بأن الإظلال بالغمام، كان بعد البعث، ولم يكن قبل الصعق، فإنهما جميعًا معطوفان بلفظ {ثُمَّ} على ما قبلهما، وهو أخذتكم الصاعقة، و {ثُمَّ}: تفيد الترتيب على ما سبقها. والمعنى: وجعلنا الغمام يظلكم، بعدالبعث، ويرد عنكم حر الشمس في التيه. {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} المن هو- كما سبق- صمغة حلوة فيها بعض الحموضة، وكان ينزل عليهم كالندى، من الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل: هو ما مَنَّ الله به عليهم من غير تعب ولا زرع. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث رواه مسلم: "الكمأَة من المَنِّ الذي أنزل الله على بني إِسرائيل" أي: بعض المن. والكمأة: نبات معروف. والسلوى: هي السماني أو طائر صغير يشبهها. وكانت تأتيهم بُكْرَةً وعشية فبخناروق سِمَانَها ويَدَعُون غيرها.

{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}: المراد من طببات الأرزاق: مستلذاتها وفي الكلام قول مقدر. أي: وقلنا لهم: كلوا. {وَمَا ظَلَمُونَا} بتركهم لشكرنا، وإقبالهم عل معصيتنا، واقتراحهم أدنى الأرزاق وهو الفوم والعدس والبصل، بدلًا من خيرها وهو المن والسلوى {لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: أي ولكن كانوا لا يظلمون سوى أنفسهم، بتعريضها للعقاب والحرمان، دون أن يعود شىءً من ظلمهم وآثاره على الله، والتعببر بجملة {كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: يشير إلى أن الظلم لأنفسهم كان خلُقًا قديما فيهم، وأنهم مستمرون عليه. {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)}. المفردات {الْقَرْيَةَ}: المدينة من قريتُ إذا جمعت، سميت بذلك لأَنها تجمع الناس، وقبل: القرية: مسكن القلة من الناس. والمدينة: مسكن الكثرة منهم. والمشهور عن ابن عباس وغيره: أنها بيت المقدس. {رَغَدًا}: واسعا هنيئا. {حِطَّةٌ}: أي حطٌ لذنوبنا وغفرانٌ لها. {رِجْزًا}: أي عذابا، وراؤه مثلثة. لغة. التفسير 58 - {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ... } الآية

الظاهر أن الأمر كان على لسان موسى، وهو كالأوامر السابقة واللاحقة. والقرية على المشهور: هي بيت المقدس أو أربحا، ولكنالم نجددليلا يؤيد هذا القول المشهو ر، والأمر للإباحة، بدليل عطف {فَكُلُوا مِنْهَا} عليه، فإن الأمر بالأكل للإباحة، وهو غير الأمر المذكور في قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ... } (¬1)، فإنه للإيجاب. بدليل عطف النهي عليه في قوله: {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}، فإن النهي فيه للتحريم وقد عوقبوا علي مخالفته بأن يتيهوا أربعين عاما، وأَمر الإباحة هنا مؤخر عن أمر التكليف في قوله: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ}. {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا}: أي فكلوا منها في أي مكان شئتم أكلا واسعًا: لا يقتصر على سد الجوع، وهذه نعمة كبرى، أنعم الله بها عليهم، بعد خروجهم من التيه: حيث أمرهم أن يدخلوا قرية ذات زروع وثمار، وأباح لهم أن يأكلوا من طيباتها - حيث شاءُوا - كلا واسعًا هنيئًا، بعد أن كانوا حيارى في التيه: مقصورين فيه على لون واحد من الطعام. وقد أمرهم الله أَن يدخلوها من بابها فقال: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} متطامنين خاشعين: شكرًا لله تعالى على إخراجكم من التيه، والإنعام عليكم بالاسترزاق في هذ. القرية. كما أَمرهم أن يسألوه تعالى: العفو عن ذنوبهم الماضية فقال لهم: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} أي حِطةٌ منك با الله لخطايانا وغفرانٌ لذنوبنا. ووعدهم الله أن يستجيب دعاءهم واستغفارهم عن خطاياهم فقال: {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}: نستر لكم سيئاتكم السابقة، فلا نعاقبكم طيها {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}: ثوابًا على إحسانهم، فوق غفران خطاياهم، ولكن هؤُلاء المنكرين للنعم لم يستجيبوا {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} بما أمروا به وهو قولهم: حطَّةٌ، المفيد لطلب حط ذنوبهم وغفر انها {قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ليس فيه خضوع واستغفار لذنوبهم، إعراضا وعنادًا منهم لربهم {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: أي فأنزلنا عليهم- لظلمهم- عذابًا من السماءَ، بسبب ما استمروا عليه من الفسق المتجدد، والخروج عن الطاعة آنا فآنا. وظاهر قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} أنهم لم يشتركوا جميعًا في تبديل ماقيل لهم، بل الذين بدلوا هم الذين ظلموا. ¬

_ (¬1) المائدة - من الآية: 21

وعلى هذا فإن النص يفيد: أن مَن دخل القرية قسمان: قسم أطاع ولم يبدل، وقسم عصى وبدل. فبدلًا من أن يدخلوا خاضعين خائفين متواضعين، دخلوا مستكبرين. وبدلًا من أن يستغفروا ويطلبوا حط الذنوب وغفرانها، لم يعترفوا بذنوبهم ولم يستغفروا الله منها، بل قالوا ما يخالف ذلك، استهزاءً بما كلفوا به، فاستحقوا أن ينزل الله عليهم من السماء رجزًا أي عذبا، بسبب فسقهم وفساد سرهم وعلانيتهم. ويصح أن يكون التبديل وقع منهم جمبعًا، وأن المعنى: فبدلوا- جميعًا- قو لا غير الدى قيل لهم، لظلمهم. {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)}. المفردات. {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى}: طلب السُّقيا من الله. {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ}: المراد بالعصا هنا، آية موسى، وهي المسئول عنها بقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} والمراد بالحجر: وليس حجرًا بعينه. {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا}: أي فخرجت منه بقوة بعد انصداعه هذه العيون. {كُلُّ أُنَاسٍ}: أناس؛ جمع لا واحد له من لفظه، وتخذف همزته مع أل. والمراد بهم: السبط من أولاد يعقوب؛ أي كل سبط. {مَشْرَبَهُمْ}: أي موضع شربهم. {وَلَا تَعْثَوْا}: العثو عند بعض المحققين؛ مجاوزة الحد مطلقا، فسادًا أو غيره، ثم غلب في الفساد

التفسير 60 - {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ... } الآيه. كلمة {إِذِ} تكررت خمس عشرة مرة، والقصص الخاصة ببنى إسرئيل. وهي في اللغة: لمطق الظرفية في الزمن الماضي.: هي على تقدير: اذكر: والمراد من ذكر الوقت فيها: تذكر ما وقع فيه من النعم والحوادث، لعل ذاك يفيدهم العبرة، ويهيئُ نقوسهم للتوبة والاستجابة لأَمر الله. ولم يعن القرآن بالترتيب الزمنى فى ذكر قصصهم، لأنه ليس له دخل فى تصحيح عقائدهم وأعمالهم. والذي له دخل في ذلك، هو تذكر النعم التي انعم الله بها عليهم، والعقوبات والحوادث التي حلت بهم في أي زمان، فإِن لهم- في تذكر ذلك- أعظم العبر، التي يجب أن تردهم إلى رشدهم، وتكفهم عن التمادي في طغيانهم. وقد سبقت هذه الآيه، لبيان حال من أحوال بني إسرائيل في هجرتهم. وكانوا قد أصابهم في التيه عطش شديد، فاسنغاث موسى بربه، وطلب منه أن يسقى قومه حتى لا يموتوا عطشا وذلك قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ}: أي دعا ربه، أن يهيىء لهم وسائل السقيا والري. {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ}: أجاب الله موسى عليه السلام فى طلب السقيا، ودله على الطريقة التي تحقق رغبتهم، وتكون معجزة له أَمام قومه فقال له: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ}، فضرب موسى الحجر {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} بعدد الأسباط: وهم ذرية يعقوب من أولاده الاثنى عشر. والمراد بعصا موسى: العصا التي ضرب بها البحر فانفلق، وكان كل فرق كالطود العظم. وهي معجزته الكبرى. والمراد بالحجر: أَي حجر، كما قال الحسن: ضربه فانفجر منه الماء، وهذا أَبلغ في الإِعجاز وأبين في القدرة. والمراد من انفجار تلك العيون من الحجر، خروج الماء الغزير- بقوة- من اثنى عشر مكانا، في الحجر الذي ضربه موسى عليه السلام بعصاه. ونلك نعمة كبرى، من نعم الله عل بني إسرائيل.

وقد يقال: إن الله قادر على أن يمنحهم الماء بدون ضرب الحجر. بالعصا، فلماذا لم يفعل؟. والجواب: أن الله تعالى، أراد أن يبين لهم كرامة نبيهم موسى على الله تعالى، ويؤَكد لهم نبوته: بإجراءِ تلك المعجزة على يديه، بمجرد ضربه الحجر بعصاه، حتى يقو ى إيمانهم بنبوته، التي يتشككون فيها من آن لآخر. وقد مرَّ قريبا أنهم قالوا له: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} كما أن فيها تثبيت إيمانهم باللهِ، لأنه إيمات يتزلزل هن آن لآخر. فقد مرَّ قريبًا: أنهم أشرِبوا في قلوبهم حبَّ عبادة العجل، مع عظيم آيات الله التي مرت بهم، والتي من شأنها أن تصرفهم عن الكفر به. ومن أقواها: شقه البحر لهم، وعبورهم إلى سيناء - في طرق يابسة- بين حوائط من ماء. {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}: أي قد علم كل ناس من الأسباط، محل شربهم من تلك العيون. فقد خصص لكل سبط منهم عين، حتى لا يحدث خلاف بينهم على الماء، فهم أهل خلاف وشقاق. {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} أي قلنا لهم: كلوا المن والسلوى، واشربوا من رزق الله الذي تفضل به، فجمع لكم بين النعمتين المتلازمتين، بحيث تحصلون عليهما في يسر وسهولة، وذلك من أجلّ النعم وأعظمها. وقوله: {مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ}: إشارة إلى أن الأكل والشرب نعمة متمحضة من جانب الله تعالى، لا دخل لعملهم في الحصول عليها. ثم عقب الأمر بالأكل، والشرب بالنهى عن الفساد، فقال: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} فإن من شأن النعمة أن تستحثهم على الطاعة والاستجابة للمنعم سبحانه، في نهيه لهم عن الإفساد في الأرض، فقد هيأ لهم ما يكفهم عنه. والعثو: الإفساد. فقوله بعد ذلك: {مُفْسِدِينَ} حال مؤكدة، لأن المعنى وأحد لكل من العثو والافساد، ولكن لو نظرنا إلى أصل معنى العثو وهو: مجاوزة الحد مطلقا، فسادا أو غيره، يكون التعبير بلفظ {مُفْسِدِينَ} لتعيين المراد من العثو.

{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)} المفردات: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}: الهمزة لإنكار طمع المومنين في إِيمان اليهود بعد ما علموا حالهم، أي استنكاره واستبعاده منهم، والفاءُ عطفت ما بعدها على مقدر، والتقدير: "أتحسبون قلوبهم صالحة للإيمان بعد ما علمتموه من حالهم، أفتصمعون أن يؤمنوا لكم"، والمراد نهيهم عن الطمع في ايمانهم بعد علمهم بحالهم. {فَرِيقٌ مِنْهُمْ}: جماعة منهم. {كَلَامَ اللَّهِ}: المراد به: التوراة. {فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}: بين لكم خاصة، أو حكم وقضى عليكم {لِيُحَاجُّوكُمْ}: ليخاصموكم ويقيموا عليكم الحجة. {عِنْدَ رَبِّكُمْ}: أي في كتاب رببهم وشرعه، كما تقول هو عند الله كذا، أي في كتابه وشرعه. التفسير كان النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون معه، شديدى الحرص على إيمان اليهود، طامعين في دخولهم في لأنهم أهل كتاب، ولأنهم كانوا من: قبل يستفتحون ويستنصرون على إلاوس- والخزرج بالنبي الذي قرب زمانه، وذكرت أوصافه في كتابهم،

لكنهم- عندما جاءهم ما عرفوا- كفروا به؛ لما أنطوت عليهَ نفوسهم من الخبث، وسوء السريرة، ولما جبلوا عليه من سوء السيرة؛ ولهذا حكى الله فيما مضى مساوئهم، ونعى عليهم جناياتهم، وذكر أن قلوبهم قاسية، كالحجارة أو أشد قسوة، ورتب على ذلك إقناط المؤمنين من ايمانهم، ونهيه لهم عن الطمع فيه فقال: 75 - {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... } الآية. أي لا تطمعوا في ايمان اليهود مستجيبين لكم. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}: وهم الأحبار والرهبان. {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}: أي يسمعون التوراة، ثم يتعمدون تحريف ما فيها، مما لا يوافق أَغراضهم، ولا يتمشى مع أهوائهم، من بعد ما فهموها، فَقُدَماؤُهُمْ حرفوها بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، كما قاله مجاهد. ومعاصروهم للنبى- صلى الله عليه وسلم- حرفوها بتغيير نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبديل آية الرجم، وغير ذلك، حتى يحتفظوا لأنفسهم بالزعامة الدينية: يفعلون ذلك {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}: أي فهموه حق الفهم، دون أن تكون لهم شبهة فيما حرفوه، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مبطلون كاذبون. أَو معناه: وهم يذكرون من غير نسيان، فهم - في جريمتهم هذه - عامدون مصرون. وإِذا كان أمرهم كذلك، فلا تطمعوا في إِيمانهم، فلا يؤمن من. ضاعت أمانته، وخبثت سريرته، واجترأَ على كلام الله بالتحريف مع العمد والإصرار. فجملة {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: حال مؤَكدة لاستهجان قبح ما اجترأوا عليه من التحريف. والتعبير باللام في قوله {لَكُمْ}: لتضمين الكلام معنى الاستجابة فكأنه قيل: أفتطمعرن أَن يؤمنوا مستجيبين لكم. ثم عقب الله اتصافهم بالخيانة العلمية، باتصافهم بالنفاق في الإيمان فقال: 76 - {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ... } الآية. أي ومن صفاتهم التي تدعو إلى اليأْس من ايمانهم: أنهم منافقون، فقد كان بعضهم إِذا لقوا الذين آمنوا، نافقوهم، وأظهرواْ أنهم مؤمنون برسول الله وما أنزك عليه، وأَخبروهم أته - صلى الله عليه وسلم - مبشَّر به في التوراة.

{وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ}. أي وإذا فرغ وخلا بعض اليهود - وهم الذين لم يظهروا النفاق - إلى بعض آخر- وهم المنافقون منهم- بعدما سمعوهم يحدثون المؤمنيين ببعض ما كتموه من التوراة {قَالُوا} -لائمين لإخوانهم المنافقيين منكرين عليهم: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}: أتخبرون المؤمنين بما فتح الله عليكم من أبواب العلم التي كتمناها عنهم كالبشارة بالنبي وعلاماته، وأخذ ألميثاق على أنبيائهم بالأيمان به، وتبليغ أُممهم أَن يؤمنوأ به وأن ينصروه إن أدركوه، - أتحدثونهم بذلك- {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} - أي ليقيموا عليكم به الحجة في كتاب ربكم وشرعه؟ وقيل المراد بقوله: {عِنْدَ رَبِّكُمْ} يوم القيامة، أي ليحاجوكم به يوم القيامة توبيخًا لكم، وزبادة في فضيحتكم على رءُوس الأشهاد؟ وهذا الرأى غير مقبول، فإنهم عالمون بأنهم محجوجون بما في كتابهم يوم القيامة: حدثوا به أو أخفَوه، فلا وجه لتوبيخ اخوانهم على اظهاره للمؤمنين. إِذاكان أن المراد بقوله {عِنْدَ رَبِّكُمْ} يوم القيامة. روى عن ابن عباس أن ناسا منهم أَسلموا. ثم نافقوا. فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذب به آباؤُهم، فقالت لهم اليهود: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، أي بما حكم به عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أَكرم على الله منكم؟ نقله القرطبى، وقدمه على ما سواه من الآراء. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} خطر هذا الفعل علينا وعليكم؟ والتعبير بالفتح فى قولهها: {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} الإيذان بأَنه سر مكتوم، وباب مغلق فى وجه غيرهم، فلاينبغى أن يطلع عليه سواهم. ثم وبخهم الله -تعالى- وجهّلهم، وأنكر عليهم هذا التلوُّن والنفاق في الدين فقال: 77 - {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}؟ أَي أَيلومونهم على التحدث: بما فتح الله عليهم، مخافة أَن تقوم عليهم الحجة، ولا يعلمون أن الله- سبحانه وتعالي-محيط بما يسرونه من أقوالهم عن الؤمنين، ومايعلنونه

من النفاق، فلا تخفى عليه خمافية من أمرهم، وأنه مطْلع رسوله- صلى الله عليه وسلم- بالوحى عل كيدهم فتحصل المحاجة، كما حدث في آية الرجم، وتحريم بعض المحرمات عليهم؛ فأي فائدة في اللوم والعتاب؟ فليرتدعوا عن ذلك وينزجروا، ويدخلوا في الإيمان بقلوبهم. والاستفهام في (أوَ لَا يَعْلَمُونَ): إنكاري: مؤْذن بشناعة نفاق المنافقين منهم، وقبح اللوم من أصحابهم لهم، على اطلاع المؤمنين على صفة الرسول وغيرها في التوراة، مع علمهم أن الله يعلم سرهم ونجواهم. {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)} المفردات: {أُمِّيُّونَ}: جمع أُمي، وهو الذي لأ يقرأ ولا، يكتب، منسوب إِلى الأم، إِيذانا بأنه- في الخلو عن العلم والكتابة- كما ولدته أُمه. {أَمَانِيَّ}: جمع: أُمنية، وهي في الأصل، ما يقدره الإِنسان في نفسه، مأْخوذة من مَنَى، إذا قَدَّر. والمراد بها هنا الأَكاذيب التي أَخذوها عن شَياطينهم المحرفين للتوراة، كما قاله ابن عباس ومجاهد. {فَوَيْلٌ لَهُمْ}: الويل في الأصل، مصدر لا فعل له من لفظه، مثل ويح، والمعنى هلاك لهم وشدة عذاب. وهى كلة دعاءٍ.

التفسير بعد أن بين الله -سبحانه- جنايات اليهود في ماضيهم وحاضرهم، وفي جملتها تحريفهم لكتاب الله التوراة، من بعد ما عقلوه، عقَّب ذلك بذكر فريق جاهل منهم: تأَثر بتحريف أحبارهم، وضل بإضلالهم، وهم الأُميون فقال: 78 - {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ... } الآية. ْأي ومن هؤُلاء اليهود، عوام جهلة: لا يعرفون القراءَة ولا الكتابة، فلا يقرءُون التوراة، لا يتحققون مما فيها. ومدى علمهم بها أماني مدسوسة وأكاذيب باطلة، تلقوها عن رؤسائهم وأحبارهم، وعملوا بها تقليدًا لهم. ومن هذه الأُمنيات والأكاذيب: أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأَن الله -سبحانه وتعالى- يعفو عنهم ويرحمهم، وإن كفروا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وأن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأن النار لا تمسهم إلا أَياما معدودات، وأنهم صفوة الإنسانية، وشعب الله المختار لعمارة الأرض، وأَنهم أبناءُ الله وأخباوه، وأَن السيطرة على الناس لهم، وغير ذلك من الأماني التي تمنوها، فهؤُلاءِ- ضلوا، تبعًا لأضاليل أَحبارهم. والاستثناءُ في قوله {إِلَّا أَمَانِيَّ}: منقطع عن الكتاب وليس. متصلا به؛ لأَن أمانيهم الكاذبة المذكورة، لا توجد في كتابهم، فهي من اختراع أَحبارهم. فإلا بمعنى: لكن، أي: لكن يعتقدون أَماني فارغة: لا أصل ولا حقيقة لها. {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}: أي وما هم إلا قوم يظنون، المراد من الظن هنا، الكذب أو التوهم، أَي: وما هم إلا قوم يكذبون أَو يتوهمون هذا، فلا علم عندهم بما يقولون، ولا دليل عليه، فأنى يرجى منهم الإيمان بالرسول وهم على هذه الاوهام، مغرورون بتلك الأماني! ثم أنذر الله -سبحانه- الأَحبار المحرفين للحق بالهلاك، فقال: 79 - {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... } الآية.

أي هلاك عظيم لهؤلاء الذين يحرفون كتاب الله، وهو التوراة، إذ يكتبونها بأيديهم، ويدسون فيها أكاذيبهم، وما يحفظ عليهم رياستهم وجاههم، موهمين العوام أنها من عند الله، ليحملوهم على اعتقادها، والتعلق بالأماني - التي زيفوها في التوراة: يبتغون بهذا الفعل ثمنًا قليلًا، هو: الاحتفاظ بالرياسة، وأكل أموال الناس بالباطل. وهم بهذا يرتكبون. أكبر جريمة، وهي: افتراءُ الكذب على الله، ويختارون الباطل وينبذون الحق، فيكونون بذلك: كمن يبيع شيئا نفيسًا غالى القيمة. بثمن تافه! وسبب ذلك: أنه لما ضعف أمر علمائهم في أمتهم، عمدوا إلى أمور تصرف الناس إليهم وألحقوها بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: هذا من عند الله ليقبلوه عنهم، فتتأكد رياستهم. وكان مما أحدثوا فيها أن قالوا: {لَيْسَ عَلَيْنَا في الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (¬1): يعنون بالأُميين: العرب، ويعنون بأنهم ليس عليهم في الأُميين سبيل: أن ما أخذوا من أموالهم فهو حل لهم، ومنه قولهم: لا يضرنا ذنب، فنحن أبناءُ الله وأحباؤُه، وأن النار لن تمسنا إلا أياما معدودات. إلى غير ذلك مما كذبهم الله فيه فقال: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}: من تحريف كلام الله، وتبديله، وسوء تأْويله {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} بالباطل من جاء ورياسة ومال. وتكرير الويل هنا؛ لتأْكيد الوعيد، وتعليله صراحة بالتزوير في الحق، وبكسبهم الحرام، بعد الإشعار به في صدر الآية {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}. وإنما قيد الكتابة با لأيدي، مع أنها لا تكون إلا بها، لتحقيق مباشرفهم ما حرفوه، زيادة في تقبيح أَفعالهم، ولتأكيد القصد إلى التحريف، ليشتروا به ثمناَ قليلًا. ولأن الأيدى جوارح تقع بها أكثر الجنايات. وقدم الكتابة وأَخر: يكسبون؛ لأن الكتابة مقدمة، وإلكسب مترتب عليها، فالكتابة سبب، والكسب مسبب عنها. ¬

_ (¬1) آل عمران 75

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} المفردات: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ}: لن تصيبنا، والمس: اتصال أحد الشميئين بآخر واصابته له. {أَيَّامًا مَعْدُودَةً}: يضبطها العد، فهي إذن قليلة {بَلَى}: حرف جواب كنعم، إلا أنها لا تقع إلا جوابًا لنفي متقدم، سواءً أدخله استفهام أَم لا، وتفيد إثبات ما بعدها. {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ}: الخطيئة: السيئة التي استمكنت من النفس، وحملتها على تجنب الصواب عمدًا، وإِحاطتها به: شمولها له واستيلاؤُها على جميع تصرفاته، كما يحيط الثوب بلابسه. التفسير اليهود أهل غرور وزعم باطل، فهم يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، ولذا عطف القرآن على ما سبق، ضربًا آخر من ضروب غرورهم، وافترائهم الكدب على الله وهم يعلمون، فقال: 80 - {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ... } الآية. إدًعى هؤلاء اليهود أن النار لا تمسهم في الآخرة ولا تصيبهم إلا أياما قليلة يضبطها العد. مثل اهذا الكلام الذي قالوه؛ لا يجوز قوله أو اعتقاد مدلوله، إلا بعهد من الله -

تعالى - مالك يوم الدين، الذي يقضى فيه بدخول الجنة والنار، ولا معقب لحكمه. ولذا أمر الله نبيه أن يرد عليهم موبخًا ومبكتًا بقوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا}. بأن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة؟! والاستفهام في {أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا} للإنكار والنفى، أي: لسنتم على .. عهد من الله بما تدعون. أما قوله تعالى: {فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ} فهو جواب شرط مقدر، أي إن صح أن لكم عهدا عنده -تعالى- بما قلتم، فلن يخلف الله عهده. وإِظهار لفظ الجلالة في موضع الإضمار؛ للإشعار بعلة الحكم. فإن عدم الخلف في العهد من أَحكام إلأُلوهية. ثم أكد توبيخهم على ما افترَوه على الله فقال: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي بل أتقولون على الله ما لا دليل لكم عليه، فأنتم تفترون على الله الكذب {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} (¬1). وإنما وبّخهم على قولهم على الله ما لا يعلمون وقوعه- مع أن ما أسندوه إليه يعلمون أنه لم يقع- للمبالغة في التوبيخ والنكير. فان التوببخ على الادنى مستلزم للتوبيخ على الأعلى بالطريق الأولى. ثم أبطل الله دعواهم على وجه أعم وأشمل، لهم ولسائر الكفرة بقوله: 81 - {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي بلى: تصيبكم النار فيصهر بها ما في بطونكم والجلود، أنتم وغيركم ممن سار سيرتكم، وأحاطت به خطيئته مثلكم، وتلازمكم وإِياهم النار خالدين فيها، لأَن القانون الإلهى العادل، الذي شرعه رب العالمين: أن من كفر بالله، وعمل السيئات، واستولت عليه الخطايا حتى صار لا يخلو منها، فأُولئك أصحاب النار، أي الملازمون لها في الآخرة. هم فيها خالدون لا يبرحونها. ¬

_ (¬1) الزمر:60.

وقد دل قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} على أنه لم يبق جانب من قلبه ولسانه وجوارحه إلا اشتملت عليه سيئته وخطيئته، واستولت عليه. وهذا لا يتحقق إِلا فى الكافر. ولذلك فسر علماءُ السلف: السيئة والخطيئة في الآية بالكفر. وقد روى ذلكَ عن ابن عباس وأبى هريرة، ومجاهد وعطاءٍ وغيرهم. ويشهد لهذا: أن الجزاءَ عليهما هو الخلود في النار، كما نص عليه قوله تعالي: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. كما آذن به تعقيب هذه الآية بثواب المؤمنين في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وبهذا التأْويل. لا يحتج بالآية على خلود أصحاب الكبيرة في النار. وفى الآية تحذير شديد. من ارتكاب السيئات، فانها تؤدى إلى التمادى فيها، فلا يبالي صاحبها بالكفر، فعلى من يرتكب سيئة أَن يبادر بالتوبة منها، فإن من لم يبادر بها، أَحاطت الخطيئة بقلبه، فاصبح مظلمًا لا ينفذ إليه النور، فيكفر، والعياذ بالله تعالى. قال - صلى الله عليه وسلم - "إن العبد إذا أذنب ذنبًا نُكِتَتْ في قلبه نُكْتةً سوداءُ. فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلوَ قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله -تعالى- في القرآن: "كلا بَلْ (¬1) رَانَ عَلَى قُلوبِهِمْ ما كَانُوا يَكْسِبُونَ" (¬2). وفي هذه الحالة تحيط به الخطايا، كأنه محبوس فيها لايجد لنفسه منها مخرجا. وجريا على سنة القرآن في ذكر الوعيد مقرونا بالوعد، ترهيبا وترغيبا، أردف ذلك الوعيد ببيان في جزاءِ المؤمنين الصادقين في الإيمان، ليظهر الفرق بين الاشقياءِ والسعداءِ، فقال سبحانه: 82 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. أَي والذين جمعوا بين الإيمان الصحبح، ومايترتب عليه من أَعمال صالحة؛ أولئك هم أصحاب الجنة الجديرون بدخولها، بحسب وعدالله وفضله. هم فيها خالدون: منعمون بكل ما يشتهون. ¬

_ (¬1) السين للسكتة فى التلاوة وسط الكلام. (¬2) سورة المطففين: الآية 14؛ والحديث رواه أحمد والترمذى والحاكم والنسائى وغيرهم.

وترتيب الإثابة بالجنة على الإيمان والعمل الصالح: يؤذن بأن العمل الصالح، لا بد منه للحصول محل هذا الثواب، فهو الدليل على صدق الإيمان وقوته، وحياته، فكما أَن أغصان الشجرة وثمارها، دليل على حياة الشجرة وقوتها، فكذلك العمل الصالح، دليل - على حياة الإيمان وقوته. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)} المفردات: {مِيثَاقَ}: الميثاق: العهد المؤَكد. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}: أي وتحسنون بالوالدين إحسانا مطلقا بلا حدود. {وَالْمَسَاكِينِ}: الذين أذلتهم الحاجة وأسكنتهم. {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}: أي قولوا لهم قولًا حسنا، وهو ما تطيب به النفوس. ومنه الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، في غير عنف ولا خشرنة. التفسير شروع في ذكر بعض القبائح التي ورثها اليهود المعاصرون للرسول عن أَسلافهم، ممَّا يجعل الإيمان مستبعدًا منهم، ويحمل المؤمنين على ألا يطمعوا فيه. وذلك أَنهم تولَّوا مدبرين عما أخذ عليهم العهد به من الفضائل. ومن كانوا كذلك، فلا ينبغى أَن يطمع المؤمنون في إيمانهم. 83 - {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... } الآية. أي واذكروا أيها المومنون، وقت أن أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وعاهدناهم عهدًا مُؤكدا في التوراة: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} أَي وقلنا لهم فى العهد: لا تعبد ون إلا الله،

والمقصود منه: نهيهم عن عبادتهم لغيره تعالى، فهو نفى بمعنى النهى، أي لا تعبدوا غيره تعالى، وهذا نظير قولك لشخص: تذهب إلى فلان وتقول له كذا، فهو بمعنى: اذهب إليه وقل له كذا، وهو أبلغ من صريح النهى، لما فيه من الإيذان بأنه ينبغى أن يسارع المنهى إلى الامتثال، حتى يخبر عنه بأنه امتثل فعلا، وانصَ عما نهى عنه. والميثاق - بالتوحيد وغيره من العقائد وأمهات الشرائع والأخلاق - مأخوذ على جميع الأمم، كما أُخذ على بني إسرائيل، فلا خلاف بينها إلا في فروع الشرائع.، فإنها تختلف تبعًا للزمان والأَجيال؛ رعاية لمصلحة البشر، بحسب التطور الإنسانى. والمراد من أَخذ الله الميثاق عليهم بالأُمور الآتية: توصيتهم بالعمل بها توصية مؤكدة في التوراة التي أنزلها على موسى -عليه السلامِ- {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}: وأَخذ الله عليهم العهد أَيضًا: بأَن يحسنوا إلى الوالدين وهذا الإحسان المأْمور به عامّ: يدخل فيه جميع مايجب لها من أنواع الرعاية والعناية، وقد قرن الله -سبحانه وتعالى- الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته؛ لما الوالدين من الفضل الكبير على الولد؛ لأنهما بَذَلاَ الكثير من العنابة الصادقة في تربيته والقيام بشئونه، أيام أن كان ضعيفًا عاجزَا، وكفلاه حتى قدر على الاستقلال، والقيام، بشئون نفسه، مع الحنان العظيم، لا يبغيان من وراء ذلك أَية مصلحة تعود عليهما، فهما أحق بالعناية والرعاية، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان. وتنكير الإحسان في قوله: {إِحسَانًا}؛ للإيذان بتعميمه، وإِبلاغه، إلى أَقصى مداه. {وَذِي الْقُرْبَى}: أي وأوصيناهم بالإحسان كذلك إلى ذوى القربى، وهم: مَن تكون بينهم وبين الإنسان صلة قرابة من جهة الأب أو إلاَّم، والإحسان إليهم هو: القيام بما يحتاجون إليه بقدر الطاقة، وذلك تقوية للروابط بين الأقارب ولأن من لا خير فيه لذوي قرابته فلا خير يرجى منه لغيرهم. {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}: أي وأخذ عليهم الميثاق أيضًا: بالإحسان إلى اليتامى والمساكين.

واليتامى هم: الذين مات آباؤهم وهم في دون البلوغ، فهم لهذا في أَمس الحاجة إلى الإحسان، ويكون: بالكلمة الطيبة، والتوجيه الرشيد، والرعاية الحانية، والمعونة بالمال؛ إن احتاجوا إليها. وفي القرآن والسنة كثير من الوصايا باليتامى؛ ليجدوا من المسلمين الكرماءِ العاملين؛ بدينهم، ما يعوضهم، عن فقد آبائهم، ولأن الإحسان إِليهم والرحمة بهم، حماية للمجتمع؛ حتى لا يكونوا عنصر شرٍّ وإفساد فيه. ومن أهل الحاجة الذين أَوصاهم الله بالإحسان إليهم أَيضًا: المساكين الذين لا يقدرون على الكسب، أَو لا يكفيهم ما يكسبونه، ففي العناية بهم تعاون وتكافل، وإِقامة للمجتمع على أسس من التوادّ والتراحم. {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}: ومن جملة الميثاق الذي أخذ عليهم: أن يقولوا للناس قولًا حسنا، كالنصيحة لهم، والأَمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، مع التزام الحكمة والموعظة الحسنة ولين الجانب، والمخاطبة بما تطيب به نفوسهم؛ وعدم الإساءَة إليهم بالقول والخشونة؛ فإن الفظاظة والغلظة لا تليق بأَهل الشرائع السماوية. وقد اشتمل المثاق على وجوب إِفراد الله -تعالى- بالعبادة والتوحيد، وهو الأَهم. ولذلك قدم الأمر بهءلى سواه، ثم عطف عليه الأمر بالإحسان إلى العباد فى معاملتهم. ولمَّا كانوا متفاوتين. فى ذلك، بدأ بأحقهم وهما الوالدان، ثم أَتبعهما ذوي القربى؛ رعاية لحق القرابة، ثم اليتامى لضعفهم، ثم المساكين سدًا لحاجتهم، ثم سائرالناس، بما هو مقدورلكل أحد، وهو الإحسان بالقول، بأن يلقوهم بالطيب من القول ويجتنبوا إيذاءَهم. فهذا النوع من الإحسان سهل هين على النفوس: يقدر عليه كل إنسان، ويستطيع أداءَه في كل حال، فلا عذر لتاركه. ومن هذا نرى: أن هذا العهد قد اشتمل- بالإجمال- على أهم المقاصد للشرائع السماوية. فهى تكون أَولا: داعية إلى تطهير العقول والقلوب من رجس الوثينة، وإخلاص العبادة لله وحده وتكون -ثانيا: لإصلاح المجتمع، وأول إصلاحه: رعاية الأَقارب والضعفاء - واليهود لا يفعلون ذلك.

ومما أخذ الله به الميثاق على اليهود، وفرضه عليهم في كتابهم، ما حكاه بقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وإقامة الصلاه: أداؤُها تامة مستوفية الشرائط والأَركان. وإيتاءُ الزكاة: إعطاؤُها لمستحقيها. والصلاة التى أُمر بنو إسرائيل بإقامتها، والزكاة التى أُمروا بإتيانها هما: الصلاة والزكاة المشروعتان في ديانتهم. وقد ذكر ذلك كله , ليعقب عليه: أنهم أعرضوا عما أخذ عليهم الميثاق بأدائه، كما سيجيءُ؛ حتى يعلم المؤمنون أَن نقض اليهود لمواثيق الله مرض قديم فيهم، فلا ينبغى للمؤمنين. أَن يطمعوا في إيمانهم. ومع أن اقامة الصلاة وإِبتاء الزكاة؛ داخلان في عبادة الله التي أخذ بها الميثاق على بني إسرائيل، فإنه-تعالى- أَفردهما بالذكر- بعد الإحسان إلى الوالدبن والأقربين وأَصحاب الحاجات- لعظم شأْن- هاتين العبادتين, ولما للصلاةْ من الأثر اكبير في تربية النفس، والنهي عن الفحشاء والمنكر، والخشوع لعظمة الله، ولما في الزكاة من تخفيف ويلات الفقر والبؤْس عن المحتاجين، وحسن الصلة بالمجتمع عن طريق الإحسان. إليه. هذا هو الميثاق الذي أَخذه الله على بني إسرائيل في التوراة، فماذا كان من شأْنهم؟ هل التزموا العمل بهذا الميثاق؟ إنهم لم يلتزموه، وكانت حالهم كما قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}: فقد أفصحت الآية عما كان من أكثرهم- بعد أَخذ الميثاق عليهم، بما فيه خيرهم وسعادتهم- وهو أنهم تولوا عن العمل به، وهم معرضون غير مكترثين بما يترتب على اعراضهم .. أَما القليلون منهم فإنهم التزموا العمل بالميثاق، وحافظوا على تنفيذه، وهم المخلصون في إيمانهم من أسلافهم- قبل أن تنسخ شريعتهم بالإسلام- ومن آمن منهم بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وحافظ على هذا الميثاق الموجود في سائر الأديان، كعبد الله بن سلام, وزيد بت سعنة. وقوله: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} لتأكيد توليهم، أَي ثم توليتم وأَعرضتم عن تنفيذ هذا الميثاق، وأَنتم قوم عادتكم التولي والإعراض عن المواثيق، وهي عادة ورثتموها عن آبائكم، ويؤخذ كونه عادة لهم من الجملة الإسمية الدالة على الثبوت. {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}.

وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب للحاضرين من اليهود فى قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} , لأَنهم خلف لهؤلاء السابقين، في السير على نهجهم فى نقض العهود وعدم احترام المواثيق, فكأَنهم هم، فلذا خوطوا بتوليهم وإِعراضهم. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)} المفردات: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}: تريقونها، بأن يقتل بعضكم بعضًا. ْ {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ}: أصله تتظاهرون، فحذفت إحدت التاءَين تخفيفا، أَي تتعاونون عليهم. {بِالْإِثْمِ}: هو الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم والملام. {وَالْعُدْوَانِ}: هو التجاوز في الظلم. {أُسَارَى}: جمع أسير، بمعنى مأْسور، وهو من يؤخذ على سبيل القهر والغلبة. {تُفَادُوهُمْ}: تنقذهم بدفع الفداء، وهو ما بدفع في فك الأَسير.

{خِزْيٌ}: هوان. {يُرَدُّونَ}: يرجعون. {اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ}: آثروا متاعها على نعيم الآخرة. التفسير ذكر الله بني إسرائيل فى الآية السابقة , بأَهم الأَوامر التي أَخذوا العهد عليهم بالإتيان بها، وأنهم لم يأتمررا بها. ونقضوا الميثاق الذى واثقهم به. وهنا، ذكَّرهم بأهم المنهيات, التى أخذ الميثاق عليهم في التوراة: بأَن ينتهوا عنها، فلم ينتهوا. على سياق الالتفاف إلى الخطاب الذي ختمت به الآية السابقة. فإن الميثاق بذلك - وإن كان على أسلافهم- غير أن المعاصرين منهم للدعودة الإِسلامية. يزعمون تمسكهم بالتوراة، وأنهم عاملون بها. فلذا خوطبوا بأنهم خالفوا ما أخذ عليهم فيها من المواثيق كما صنع أسلافهم. وذلك لإلزامهم بما يزعمون تمسكهم به. وقدم توبيخهم على ترك امتثال الأوامر ,على التوبيخ على عدم اجتناب النهيات؛ لأَن الأوامر هي الاصل فى التكاليف الشرعية. كل نهى عن فعل، أمر بضده. فالنهي عن الزنى, أمر بالعفة , وهكذا , فالأَمر هو الأساس. والنهي تابع له. 84 - {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أخذ الله عليهم الميثاق بأ إلاَّ يسفك بعضهم دم بعض.: عبر عنه بقوله: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}:إشعار بأن دم كل فرد من أفراد الأُمة ,كأنه دم الآخر. فإذا سفكه فكأنه سفك دم نفسه. وكذلك واثقهم ألا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، كما بينه بقوله: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}: يدخل فى معنى الإِخراج من الديار المنهى عنه: أن يتصدى الرجل لايذاء جاره، حتى يلجئه إِلى الخروج من داره.

ومن الإخراج: أن يكونوا سببا فيه، كما حدث من اليهود في خيانتهم لعهودهم مع المسلمين، إذ كانت خيانتهم لهم، سببا في إخراجهم من ديارهم حول المدينة عقايا لهم. {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}:ثم أنتم -أيها المعاصرون للنبى - صلى الله عليه وسلم - قد أقررتم بهذا الميثاق، واعترفتم بلزوم العمل بمقتضاه، وأنتم تشهدون على أنفسكم باعترافكم به، ولزوم العمل بمفتضاه، وذلك مثل قولك: أقر فلان بكذا شاهدًا على نفسه. أو المعنى: وأنتم تشهدون اليوم على أسلافكم: أنهم أقروا بهذا الميثاق. وسواءٌ أكان المعنى هذا، أم ذاك، فإنه يقتضى أَن يعمل اليهود المعاصرون للرسول، بالميثاق الذي أخذه الله على اليهود في كتابهم، حيث إنهم معترفون به، زاعمون أنهم متمسكون بالتوراة. وهذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون وما يعترفون به، لا من باب أن التوراة لا يزالون مكلفين باتباعها، فقد نسخت بالقرآن. وقد تضمن هذا الميثاق أربعة أمور تعتبر أساسا لمجتمع فاضل، يسوده السلامِ والطمأنينة، والعدالة والمودة والرحمة: ألا يسفك بعضهم دم بعض، وألا يخرجه من داره، وألا يتظاهر عليه بالإثم والعدوان، وأن يفتديه إذا أُسر. ولكنهم لم يعملوا بهذا الميثاق، كما تحدثت به الآية الكريمة، إذ تقول: 85 - {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ ... } الآية. وقوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ}: خطاب خاص باليهود المعاصرين للرسول، فيه توبيخ شديد لهم واستنكار واستبعادٌ قوىّ. لما ارتكبوه بعد إقرارهم الميثاق، وشهادتهم عليه. و {أَنْتُمْ}: مبتدأ، و {هَؤُلَاءِ}: خبره. ومناط الإفادة اختلاف الصفات، وإن اتحدت الذات، إِذ المعنى: ثم أنتم- بعد ذلك الميثاق والإقرار والشهادة- هؤُلاءِ] المشاهدون الناقضون المتناقضون، كما تعرب عنه الجمل الآتية: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ... } إلخ، فإنها بيان للخبر، وتفصيل لأحوالهم المدرجة تحت إسم الإشارة ضمنا ة كأنهم قالوا: كيف نحن؛ فقيل: تقتلون أنفسكم، وذلك يشبه قولك: أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا وكذا.

وقال الفراءُ: هؤلاءِ، هنا: اسم موصول بمعنى، الذين وما بعد. صلة. {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}: أي تتعاونون عليهم قتلا وإخراجا آثمين فى حقهم, معتدين ظالمين فيما تصنعونه بهم. {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ}: أي وأنتم مع قتل بعضكم بعضا، وإخراج بعضكم بعضا من ديارهم , إذا وجدتم الذين أخرجتموهم من ديارهم، أسرى في أيدى غيركم من الأعداءِ؛ تسعون لفكهم. وتبذلون عوضا لإطلاقهم، وهذا من التناقض العجيب، حيث استحللتم اخراجهم وتعريضهم للأسر. {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}: فكيف تخرجونهم من ديارهم ,وتستحلُّون ذلك ,وهوحرام عليكم في التوراة , وإذا صاروا في الأسر بإخراجكم لهم فاديتموهم؟ أَليس هذا نقضا للميثاق. في جانب، وعملا في جانب آخر؟ فلماذا لم تتبعوا حكمها فى النهي عن إخراجهم، رقد اتبعتموه في افتدائهم؟ فقد جاءَ فيها أنه -تعالى.- أَخذ عليهم الميثاق: ألا يقتل بعضهم بعضا، أو يخرجه من داره، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرا ئيل، فاشتروه واعتقوه. وكان اليهود من بني قريظة وبنى النضير يقيمون بالمدينة، ويحالف الأولون الأوس، والآخرون الخزرج، فكانت الحرب وإذا قامت في الجاهلية بين الأَوس والخزرج، انضم إلى كل فريق منهما حليفه من اليهود، وقتل بعض اليهود بعضا، أَو أخرجوهم من ديارهم ,وبعد الحرب: يفدى كل فريق منهم، أسرى الفريق الآخر عند حلفائهم، فعيرتهم العرب، وقالت: كيف تقاتلونهم، ثم تفدرنهم؟ فيقولون: أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، ولكن نستحيى أن نذل خلفاءنا؛ فذمَّهم الله على تناقضهم فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ}، فتفدون أسراكم، {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم؟ إذ لو كانوا يؤمنون به كله لما تناقضوا في العمل به. والاستفهام للإنكار والتوبيخ, على والتفريق بين أحكام الله التي أخذ عليهم العهد بالعمل بما في التوراة.

ومناط التوبيخ والإنكار، هو كفرهم ببعضها مع إيمانهم ببعضها الآخر، وسمى عصيانهم بالقتل والإخراج من الديار كفرا، إبرازا لشناعة ما ارتكبوه، بتنزيله منزلة الكفر بأحكام التوراة. لذا توعدهم الله، تعالى- عل عصيانهم بنقضهم الميثاق النزل منزلة الكفر- بالخزي العاجل في الحياة الدنيا، والعذاب في الآخرة. فقال تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ}: فالإشارة في قوله {ذَلِكَ}: راجعة إلى القتل والإخراج من الديار: الذين نقضوا بهما عهد الله بغيا وكفرا. والمراد بالخزي في الحياة الدنيا, الذل والهوان مع الفضيحة بين الناس، إذ كانت العرب تعيرهم بقتلهم لذويهم، مع أنهم يفادون أسراهم، ثم ما تلا ذلك من قتل بنى قريظة وإجلاء بني النضير إلى أذرعات وأريحاء من الشام، وفي ذلك أعظم الخزى. وتنكيير الخزي لتهويله. ووعيدهم بالعقاب على مخالفتهم التوراة مع أنها نسخت بالقرآن: أَما لأن ما فعلوه بقومهم، كان قبل البعثة. وهم كانوا حينئذ، مكلفين بالتوراة، أو لأن القرآن لا يقر الظلم، كما لم تقره التوراة. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}: أَي أن هذا الخزى الذي نزل بهم في الدنيا، لا يكفر عنهم سيئاتهم، وإنما يصيرون الى أشد أنواع العذاب يوم القيامة. والمراد من قوله: {يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}: أنهم يعاقبون به وينتهون إليه. وبهذا التفسير لا يقال: إن الرد إلى أشد العذاب يقتضى أنهم كانوا فيه قبل ذلك. والتعبير بقوله {يُرَدُّونَ} بضمير الغيبة، للإيدان بعموم هذه العقوبة لمن يكون على هذا الكفر، وأَنها لا تختص بالمخاطبين من قبل، كما أن تحويل الكلام من أُسلوب الخطاب السابق إلى الغيبة هنا، يؤْذن بالإعراض عن خطابهم؛ لعظيم جرمهم. {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: وليس الله بساهٍ عن أعمالهم القبيحة، التي من جملتها هذا المنكر، بل هوعالم ومحيط بها، ومجازيهم عليها.

قد عاد الاقرآن إلى أسلوب الخطاب ف قوله لليهود: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. بعد أسلوب الغيبة المؤْذن بالإعراض في قوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}. للمبالغة فى التهديد والوعيد. ثم أكد الله عليهم الوعيد الشديد , مبينا السبب الذي من اجله استحقوه بقوله: 86 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ... } الآية. أَي آثروا متا عها من نحو الرياسة والمال ,وكل ما ينتفعون به من حظوظ عاجلة: آثروه على نعيم الآخرة. فأَعرضوا عنها, وتركرا شرح الله. مع علمهم أن متاع الدنيا قليل. وأَن الآخرة خير للمتقين. والإِشارة إِلى المذكورين بأَوصافهم، فيها بيان أن تلك الأوصاف هي السبب فيما توعدهم الله به. وليس فيما صنعوا شراءُ وبيع على الحقيقة ,ولكنهم لما جعلوا حظوظهم من نعيم الآخرة المقيم ,بدلا لما تمتعوابه في الحياة الدنيا الفانية. شبهت حالهم هذه بحال من يشترى شيئًا هينا، ب بثمن خطير عظيم، من حيث عدم تكافؤ قيمة البدل والمبدل منه فى كل. فإنهم لما كفروا ببعض أحكام التوراة، كان ثمنهم على هذا الكفر مرضاة حلفائهم، وبعض المنافع الدنيوية التافهة- على رأى- أو بقاء رياستهم الدينية فى قومهم - على رأى آخر- وكلا هما متاع الحياة الدنيا الذي لايساوى سيئًا بجانب نعيم الآخرة المقيم. {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}: أىَ كل هؤلاء الذين تقدم ذكرهم- وقد آثروا متاع الدنيا عوضًا عن نعيم الآخرة- لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة، ولا يُقطع عنهم، ثم لا يجدونا نص هيرا يدفع عنهم- بقوته أو بشفاعته- ما وقعوا فيه من أشد العذاب، لأن أعمالهم قد سدت عليهم جميع أبواب الرحمة، فهم في العذاب الشديد خالدون.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)} المفردات: {الْكِتَابَ}: التوراة. {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} أي: بعثناهم على أَثره إليهم يقال: قفاه به أي: أَتبهه إياه وأَرسله على أثره {الْبَيِّنَاتِ} الآيات الواضحة الدالة على نبوته. {وَأَيَّدْنَاهُ}: قويناه, من آد الرجل إذا اشتد وقوى. {بِرُوحِ الْقُدُسِ}: القدس: الطهاة. وروح القدس: هو جبربل -عليه السلام- أَي الروح المطهر. {غُلْفٌ}: جمع أَغلف أي: مغشاة بأغلفة مانعة من وصول الهدى إليها {يَسْتَفْتِحُونَ}: يستنصرون من الاستفتاح، وهو طلب الفتح والنصرة. {فَلَعْنَةُ اللَّهِ} اللعنة: الإبعاد والطرد من مواقع رحمة الله. التفسير 87 - {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ... } الآية. ْهذا تذكير من الله لبنى إسرائيل، بضرب من النعم التي أنعم بها عليهم، فقابلوها بالكفر والعصيان. وهي أن الله -سبحانه وتعالى- أَرسل موسى -عليه السلام- إليهم، وآتاهم التوراة فيها هدى ونور لهدايتهم.

{وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ}:وأتبعناه بالرسل تترى -ومن هؤلاءِ الرسل: يوشع وداود وسليمان، وعزير وإلياس واليسع، ويونس وزكريا ويحيى- عليهم السلام- فلم يكن لبني إسرائيل عذر يعتذرون به عن مخالفة هؤلاء الأنبياء. وكثرة الرسل فيهم ليست لأنهم شعب الله المختار، أو أنهم أَبناء الله واحباؤه كما يزعمون، بل لغلظة قلوبهم، وصعوبة انقيادهم. وليتوالي تفسير التوراة لهم بما تلاها من أسفار رسل بني إسرئيل، ولطول الفترة بين موسى وعيسى - عليهما السلام -، فقدكانت خمسا وعشرين وتسعمائة وألف سنه. على ماقيل. {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ}: وأرسل الله إليهم في أعقاب أولئك الرسل عيسى ابن مريم، وأعطاه الآيات الواضحة الدالة على نبوته. كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. والإخبار ببعض المغيبات. وكذلك آيات الإنجيل، وإضافة عيسى إلى أُمه، للرد على اليهود الذين زعموا أن له والدا. وقالوا فيه فى أُمه ما قالوا, فأساءوا إلى الحق المؤيد بالمعجزات. {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}:أي قواه الله تعالى -بجبريل الأمين الذى يؤيد الله به أنبياءَه. وإطلاق روح القدس على جبريل فى الإسلام شائع. ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} (¬1) وقوله - صلى الله عليه وسلم - لحسان: "قل وروح القدس معك" (¬2).وقال له مرة أُخرى:"وجبريل معك" (¬3).وكان حظه معهم كحظ من سبقه من الرسل. وإنما خص عيسى -عليه السلام -بالذكرمن بين أنبياءِ بني إسرائيل؛ لكونه صاحب كتاب نسخ بعض أَحكام شريعة موسى -عليه السلام-. ¬

_ (¬1) النحل:102. (¬2) قال عمر لحسان: أنشدك الله. أسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أجب عنى، اللهم أيده بروح القدس" قال: (اللهم نعم) رواه مسلم عن أبي هريرة. (¬3) عن البراء- رضي الله عنه قال: سمعت ر سول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان ابن ثابت "أهجهم أو هاجهم. وجبريل معك" رواه مسلم.

وقوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ}:من أولئكم الرسل {بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ}: من الحق المبين {اسْتَكْبَرْتُمْ}: على الاستجابة له {فَفَرِيقًا}:منهم {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}: غير مكتفين بتكذيبهم. والاستفهام للانكار والتوبيخ على موالاة تكذيب الرسل وقتل بعضهم. وفي الآية التفات من الغيبة في قوله تعالى: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}، إلى الخطاب في قوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ ... } والآية لتشديد النكير عليهم، والإِيذان بأن المعاصرين للرسول منهم على نهج أَسلافهم، من التكذيب والفجور. فقد كذبوا محمدا- صلى الله عليه وسلم- وحاولوا قتله. ولقد ذكرت الآية الكريمة أن السبب في ضلالهم هو: الاستكبار والاستعلاءُ. فهذا الاستكبار جعل هواهم هو المتحكم فيهم، فلا يتبعون إلا ما يناسب هوهم، حتى جعلوه إلهم فأداهم ذلك إلى أن يكذّ بوا النبيين أويقتلوهم، إن تمكثوا من قتلهم. وعبر فى جانب القتل بالفعل المضارع فقال {تَقْتُلُونَ} ولم يقل: قتلتم، كما قال كذبتم، استحضار لصورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله كأنه ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أَبلغ، واستفظاعه لها أَعظم. وعقب الله هذه الجنايات بأُخرى: حكاها عنهم بأُسلوب الغيبة -إ عراضًا عنهم - فقال سبحانه. 88 - {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ... } الآية. أَصر اليهود على العناد والكفر ,وعدم الاستماع إلى ما يد عوهم إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - معللين عدم إيمانهم، بأَن قلوبهم, مغشاة بأَغطية لا ينفذ منها إلى قلوبهم ماجاءَ به - صلوات الله عليه- حتى تفقهه عقولهم، على حد قول ومشركي مكة {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} (¬1) يعنون أَن ¬

_ (¬1) فصلت: 5.

قلوبهم ليس فيها استعداد لقبول ماجاءَ به النبى - صلى الله عليه وسلم - وقد كذبوا، فانه دين الفطرة، فلو تركوا فطرتهم - كما خلقت عليه- لقبلته وآمنت به، ولكنهم أساءُوا الاختيار، ففسدت فطرتهم. ولهذا رد الله تعالى عليهم بقوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}. و (بل) هنا للإضراب الإبطالى ,ورد ما يقولون ,أَي: ليس الأمر كما زعموا ,بل ابعدهم الله عن رحمته، بأَن خذلهم وتركهم وشأنهم، بسبب إصرارهم على الكفر، لسوءَ اختيارهم الذي أبطلوا به استعدادهم الفطرى لقبول الهدى، فاستحقوا بذلك أن يحرمهم الله من لطفه ورحمته. {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬1) ثم ختم الآية بالنتيجة فقال: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} الفاء في {فَقَلِيلًا} افادت ترتب ما بعدها- وهو قلة إِيمانهم- على ما قبلها، وهو لعن الله لهم. وقليلا صفة لمحذوف، و (ما)؛ صلة لتأْكيد القلة، وليست نافية. أَي: فإيمانا قليلًا يؤْمنون. والمقصود من القلة العدم، أَي. لا يؤْمنون أصلا، لأَن الإيمان الشرعى لا يتجزأُ فإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض الآخر. لا يعتبر إيمان بل كفرا، واستعمال القِلَّة بمعنى العدم معروف في لغة العرب، يقولون: هذا شىء قلما ينفع , يريدون أَنه لا ينفع أصلا. 89 - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ... } الآية. وهذا نوع آخر من ضلالات اليهود الذين كانوا في عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - وهوأنه لما جاءَهم كتاب منزل من الله- وهو القرآن مصدق للتوراة التى معهم, في التوحيد وأصول الدين، وموافق لها فما يختص ببعث النبي - صلى الله عليه وسلم - {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}:وكانوا - قبل مجيئة - يستنصرون على اعدائهم من الشركين، بالنبي المبعوث فى آخر الزمان، قائلين: اللهم أنصرنا عليهم ¬

_ (¬1) آل عمران:117.

بالنبي الذي نجد نعته في التوراة. ويقولون لهم: قد أطل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا. فنقتلكم به قتل عاد وإرم. {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}: تكرير للشرط الأول فى قوله {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ} مع تغيير الأُسلوب , وذلك لطول العهد بسبب توسط الجملة الحالية: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} -أي: فلما جاءَهم الكتاب الذي عرفوا أنه من عند الله كفروا به. وإيراد الموصول {مَا عَرَفُوا} دون الاكتفاء بالإضمار بأن يقال لهم: فلما جاءَهم أَي الكتاب إنما جاء ليبان كمال مكابرتهم. فإن معرفتهم لما جاءَهم. من دواعي الإيمان لا الكفر. وقوله {كَفَرُوا} جواب {لمَّا} الأْولى عند المبرد. وقال أبو البقاء هو جواب الأولى والثانيه معًا. وقيل إِن المراد بلفظ {مَا عَرَفُوا} هو النبي - صلى الله عليه وسلم - واستعمال {ما} فيمن يعلم كثير، كقوله تعالى {والسَّماَءِ وَماَ بَنَاهَا} (¬1) يعنى ومن بناها. وعلى هذا تكون جملة {كَفَرُوا بِهِ} جوابا عن {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} أما جواب {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ}: فمقَّدرٌ وتقديره: كذبوه. وقد دل عليه جواب الثانية. والمعنى عليه: فلما جاءَ هم الرسول- صلى الله عليه وسلم-الذي عرفوا صفاته ونبوته من التوراة: معرفة لا يخالجها ريب، حسدوه، لأنه من العرب أولاد إسماعيل، وملأ الحسد قلوبهم غيظا، {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}: الفاءُ لترتيب ما بعدها -من اللعن- على ما قبلها من الكفر، أًى: فلعنة الله عليهم وطرده لهم من حمته وتوفيقه، بسبب كفرهم بما عرفرا أنه الحق، وإصرارهم عليه، وإنما، قال {عَلَى الْكَافِرِينَ} ولم يقل عليهم ليشعر بأن سبب حلول اللعنة بهم هو كفرهم {وَعَلَى} تفيد استعلاءَ اللعنة عليهم وشمولها لهم. ¬

_ (¬1) الشمس: 5.

{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} المفردات {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا}:بئس فعل يستعمل لإفادة الذم، والمعنى: بئس شيئًا اشتروابه أنفسهم أن يكفروا. واشتروا هنا، تستعمل للشراء والبيع. قال فى الصحاح: شرى الشيء يشريه شرى وشراء إذاباعه وإذا اشتراه أيضا وهو من الأضداد، وهو هنا بمعنى: باعوا. {بَغْيًا}،البغي الفساد، من قولهم: بغى الجرح أي فسد. والمراد منه هنا: الحسد، لأنه من فساد النفس. {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}: أي رجعو ابغضب فوق غضب، يقال: باءَ بإثمه يبوء بمعنى: رجع يرجع. {مُهِينٌ}: مذل من الهوان، وهوالذلة. التفسير 90 - {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ... } الآية. اليهود كانوا ينتظرون بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم بيانه، فلما جاءَهم حسدوه، واستبدلوا بالإيمان الذي هيأ الله لهم أسبابه ليسعدوا .. استبدلوا به الكفر الذي يؤدى بهم إلى الشفاءِ الدائم، وآثروه عليه، فكان اختيار الكفر على الإيمان، بمنزلة بيع أنفسهم بالكفرإلى النار.

ولما كانت الخسارة في ذلك الاستبدال عظمة. قال سبحانه: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي بئسما باعوها به {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}.فالكفر هو الثمن الذي باعوا به أنفسهم، والمشترى الشيطان، أوجهنم، وكل ذلك من باب التصوير والتمثيل، لتهويل سوءِ ما اختاروه وتقبيح أمره. {بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}:بسبب بغيهم وحسدهم أن ينزل الله الوحي على من يختار هـ من عباده، وهو محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فقد حسدوه على النبوة، لما لم يكن من بني إسرائيل، بل كان من ولد إسماعيل أخى جدهم إسحاق. وكان ذلك منهم حبا في الرياسة , وتعصبا لنبى جدهم إسرئيل، دون نظرإلى الحق، يريدون أن يقصروا فضل الله عليهم ,ولا يرضون عما أعطى الله غيرهم من فضله. {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}:فرجعوا -بسبب حسدهم- بغضب من الله فوق غضب منه، أي استحقوا غضبا عظيما من الله، بكفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وحسدهم له على فضل الله عليه. وقيل الغضب الأول اكفرهم بمحمد. الثاني لكفرهم بعيسى من قبله، فكان غضبا على غضب، بسبب كفر منهم بعد كفر، وقيل غير ذلك. {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}: ولهؤلاءِ الذين عرفوا نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وكفروا بها، عذاب مهين مذل. جزاء كفرهم واستكبارهم. وهذا العذاب مطلق يشمل عذاب الدنيا وعذب الآخرة، وقال: {وَلِلْكَافِرِينَ} ولم يقل لهم: تعليلا للوعيد بوصف الكفر. 91 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ... الآية. أي وإذا دعوا الإيمان والتصديق بما أَنزل الله على نبيه محمَّد أَنكروا وعارضوا، وقالو مستكبرين: إنهم ى يؤْمنون إ لابما أُنزل على أَنبيائهِم، زاعمين أنه لا حق إلا عندهم.

يريدون بذلك أن يتحكموا في وحي الله وفضله، {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ} (¬1) وصيغة الدعوة في قوله تعالى: {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} تحتوى على حكمة في التعبير، إذ لم يقل بما أنزل الله على محمَّد. فإنها تؤذن بوجوب الإيمان بما أنزل الله تعالى، من حيث إنه هوالذي أنزله، فليس لهم، أن يقترحوا الرسول المنزل عليه ,ويختاروه بأنفسهم ,فالأمر ليس لهم ,ولكنهم -للجاجتهم في التعصب- يكفرون بغير ما عندهم ,ولا يؤمنون إلابما يجيءُ عن طريقهم. {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ}، أي: ويكفرون بما عداه، مع أن ما دُعوا إليه هو احق الثابت المويد بالآيات والبراهين، حال كونه مصدقا لما عندهم، ومن كفر بما صدق كتاب فقد كفر بكتابه الذي يدعى الإيمان به. وقد أفحمهم الله بالحجة التي تدحض قولهما بقوله لرسوله محمَّد- صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي قل لهم مبكتا مفحما: إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم كما تزعمون، فَلمَ قتلتم أَنبياءَ الله الذين جاءُوا بما أُنزل عليكم؟. وإنما قال {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} بدلا من "فلم قتلتم".استحضارا لصورة هذا الجرم الفظيع مبالغة في التقريع والتشنيع. والخطاب للموجودين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما فعل آباؤُهم، لرضاهم به، فإن من رضي بالمعصية، فكأَنه فاعل لها. وان كان غائبا عنها. وقد يقال إن هذا من باب قولك كل جازا لأهل قبيلة: أَنتم قتلتم فلانا إذا كان القاتل آباءهم. والمراد: أن الأمر فيكم من قديم على الكفر بكتابكم، لا على الإيمان به، فدعواكم التمسك بكتابكم، منقوضة: خلفا عن سلف. ¬

_ (¬1) الأنعام (124)

{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)}. المفردات: {الْعِجْلَ}:هو ما صنعه لهم السامري من الحلى. تمثالا على صورة العجل. {الطُّورَ}:هو الجبل ,المعروف في شبه جزيرة سيناءَ. {وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}:داخل قلوبهم مخالط بحب عبادة العجل. التفسير 92 - {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}. ْأي ولقد أرسلنا إليهم موسى بالاَيات الواضحة، الدلة على صدقه - عليه السلام - في دعوته، وهي: العصا واليد، والسنون، ونقص الأموال والأَنفس والثمرات، الطوفان، والجراد والقمل، والضفادع والدم، وفلق البحر، وغير ذلك: (راجع الأعراف 130، 131 والآية 50 من سورة البقرة) وليس منها التوراة. فإن الآية ناطقة بأنهم عبدوا العجل بعد مجيء الآيات. والتوراة جاءَتهم بعد أن عبدوا العجل ,وموسى غائب عنهم لتلقيها من ربه، وقد غلط من عد التوراة منها. والمعنى لقد أرسلنا إليكم موسى بهذه الآيات البينات، ولكنكم كفرتم بالله وأَشركتم به، فعبدتم تمثالا للعجل صنعه السامري من حليكم، بعد مجىء موسى بهذه الآيات من ربه، وانتهزتم لذلك فرصة غيابه عنكم لتلقى ألواح التورة ,وقد فعلتم ذلك وأنتم ظالمون بالإشراك

بدل التوحيد الذي تقتضيه البينات التي جاءكم بها. وأى ظلم أعظم من هذا {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (¬1). والتعبير بالجملة الاسمية: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} فيه دلالة على ثبات الظلم واستقرار. فيهم، وأنه شأْن من شئونهم. ولقد سبق التبكيت باتخاذهم العجل في قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} وأعيد هنا بعبارة أُخرى في سياق آخر، وهو أن الآيات البينات الدالة على النبوة والوحدانية. لم تزدهم إلا إيغالا في الشرك وانهماكما في الوثنية {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ}: أي ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء موسى بالبينات على رسالته. وصحة ما دعاكم إليه من: توحيد الله بالعبادة. والتعبير بقوله {مِنْ بَعْدِهِ} يفيد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ. فإنه بعد بلوغ الدعوة، قامت الحجة عليهم. وخاطب الحاضرين لأنهم يسيرون على نهج أسلافهم ويعتزون بانتمائهم إليهم فيهم في الكفر جميعًا سواء. 93 - {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ... } الآية. واذكروا يا بني إسرائيل إذ أَخذ الله العهد المؤكد عليكم بأن تعبدوه -سبحانه وحده- ولا تشركوا به شيئًا , وإن تعملوا بشرعه. وكان أخذه الميثاق: عليكم , في موقف كله رهبة وخشوع: بيان لقدرة الله تعالى. على عقاب من لم يمتثل، إذ رفع فوقكم جبل الطور كأَنه ظلة، تظلكم ,وظننتم أنه سيقع عليكم، وطلب منكم حينئذ، أن تَأْخذوا ما آتاكم الله من الشرع بقوة: بأن تسمعوه سماع تدبر وفهم وقبول. وتعملوا بما جاءَكم فيه من التكاليف بحزم وعزم. ولكنكم لم تلبثوا أن نقضتم العهد. بمجرد أن زال عنكم هذا الموقف ¬

_ (¬1) لقمان:13.

{قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْتَا}: أي كانت حالهم في المخالفة مثل حال من قالوا: سمعنا قولك، وعصينا أمرك. {وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} ... واختلط حب عبادة العجل بقلوبهم, تقليدا لساداتهم من الفراعنة: الذين كانوا يعبدونه ويقدسونه، ولم ينتفعوا بتحرير الله لهم من ذل العبودية والقتل، بشق البحر لهم وإنجائهم. لهذا انتهزوا فرصة ذهاب موسى - عليه السلام -ألواح التوراة، فأرضوا حبهم لمعبودهم القديم، وعبدوا صنما على شكل العجل: صنعه لهم موسى السامري من حليهم، (انظر آية 148 من سورة الأعراف، وآية 18 وما بعدها من سورة ط). والكلام على تقدير مضافين، أَي: وأشربوا حب عبادة العجل، وجاءَ النظم بدون المضافين للمبالغة، كأن الذكرًاشربوه هو ذات العجلي، والإشراب إفعال من الشراب. ومن عادة العرب أنهم إِذا عبروا عن مخامرة حب أو بعض، استعاروا لهما اسم الشراب، وآثروه. على الطعام, لأنه يتغلغل في جميع الاعضاه أسرع وأَقوى منه. {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، قل لهم يا محمَّد: بئس الذي يأْمركم به إيمان المزعوم بالتوراة: من الأعمال التي تقترفونها، كعبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق. وقولكم {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}، وإضافة الإيمان إليهم في قوله: {إِيْمَانُكم}. للإيذان بأنه ليس بإيمان حقيقة، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {إنْ كنْتُم مؤْمِنِينَ} فإنه قدح في دعوأحم لإيمان بما أنزلى عليهم عن التوراة. وإبطال لهذه الدعوى. وتقرير الإبطال: إِن كنتمّ -فيما اقترفتموه عن الشرك والمعاصي- مؤمنين بها، عاملين بما فيها كما ادعيتم، بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ إيمانكم المزعوم بها، إذ أن الإيمان الصادق بهلالا يأمركم بما اقترفتموه من الشرك والمعاصى، فليس فيها إباحة شىء من ذلك. وهذا برهان على عدم إِيمانكم بها.

{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} المفردات: {يُعَمَّرُ}:يطول عمره. {بِمُزَحْزِحِهِ}:بمبعده. التفسير 94 - {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. ما أكثر دعاوى اليهود الكاذبة!: ادعوا الإيمان بما أُنزل عليهم، فبينت الآيات السابقة فساد ادعائهم: بعبادتهم العجل واقترافهم كبائر الإثم. وادعوا دعاوى أخرى منها: أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا، فهي خالصة لهم دون غيرهم، فأبطل الله دعواهم بهذه الآية. والمعنى: قل لهم يا محمَّد: إن كانت لكم جنة الدار الآخرة عند الله، وفي حكمه وكتابه خالصة لكم، وخاصة بكم من دون الناس جميعًا كما زعمتم:- إذ قلتم لن يدخلها إلامن كان هودا- فتمنوا الموت الدى يروصلكم إلى ذلك النعيم الخالص لكم، الخاص بكم. إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ في دعواكم. فإن النفس تستعجل خبرها. 95 - {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... } الآية ولن يَتمنوا الموت أَبدا، بسبب ما ارتكبوه من الآثام، لشدة خوفهم من العاقبة, لأنهم

يعرفون أنهم عاصون، مقترفون للذنوب التي يستحقون عيها العقوبة في الدار الآخرة، ولذلك يستأجلون ولا يستعجلون. وعبر عن أنفسهم بأيديهم؛ لأن معظم الأعمال تتم بالأيدى، ونفى تمنيهم الموت بلن المفيدة لتأكيده، لأَنه ظاهر من حالهم، فإنهم أحرص الناس على الحياة وجمع المال، والانغماس الشهوات والملذات، ومن كَان كذلك، لا يتمنى أن يموت. وهم في هذا الزعم- بأن الدار الآخرة خالصة لهم- ظالمون، كما، أنهم ظالمون في كل أمورهم، ولهذا هددهم الله وتوعدهم على ظلمهم، فقال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أي: عليم بهم، وبما صدر عنهم من فنون الظلم، من السفر وسائر المعاصي المفضية إلى أشد العذاب، وعليم بأنهم لن يتمنوا الموت لظلمهم، كما أَنه عليم بسائر أحوالهم. وكان التعبير {بِالظالِمِينَ} دون {بِهِمْ}. للإِيذان بأن السبب في حرمانهم من الدار الآخرة، أنهم ظالمون في أمرهم كله، وان كل من كان على شاكلتهم في الظلم والمعاصي، فهو مهدد بالعقاب، كما هددوا به. 96 - {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ... } الآية. في هذا والذي قبله، إبطال لزعمهم، وبيان لحقيقة حالهم: من الإخلاد إِلى حياة الدنيا، فهم أشد الناس حرصا عليها، وعلى التمسك بأهدابها. ولو كانوا يؤمنون حقيقة بأن الدار الآخرة لهم- كما زعموا بالسنتهم- لتمنوا الموت، وما كانوا أحرص الناس على حياة. وتنكير (حياة) للإطلاق: أي أحرص الناس على آية حياة، وإن كانت ذليلة، فهي عندهم خبر من الموت، كيفما كانت. {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا}: أي وهم أشد حرصا على الحياة من الذين: أشركوا ,ولم يؤمنوا بالله، ولا باليوم الآخر. وخصوا بالذكر بعد اندراجهم في الناس، لأنهم لا يؤمنون بحياة أخرى بعد هذه الحياة، ويقولون: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (¬1). فجيءَ بهم لتأكيد حرص اليهود على الحياة الدنيا. ¬

_ (¬1) المؤمنين: 37.

وفي هذا توبيخ عنيف لليهود، لأنهم إذا زاد حرصهم على الحياة - وهم أهل كتاب، يؤمنون بالآخرة - على حرص الناس جميعًا، حتى الذين لا يعرفون إِلا الحياة الدنيا، ولا يصدقون ببعث ولا نشور -كانوا- جديرين بأعظم التوبيخ. وقوله: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} معطوف على ما قبله بحسب المعنى، كأنه قيل: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا. فقوله (أحْرَصَ النَّاسِ) فيه كلمة (من) مقدرة بعد أحرص. وإِلى هذا ذهب عبد القاهر، وأَبوعلى وغيرها، فقد قالوا إن أفعل إذا أُضيف وأُريد منه الزيادة على، ما أُضيف إليه، كانت إِضافته لفظية بتقدير: مِنْ {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}: أَي بلغ من: مدة غلوهم في الحرص على الحياة، أن الواحد منهم، يتمنى أن يعيش السنين الكثيرة، ولو تجاوزت الحد الذي يبلغه الإنسان في العادة. فكلمة (أَلفَ سَنَة) كناية عن المدة الطويلة، التي يود أن يحياها. وليس المراد خصوص العدد؛ لأَن العرب تذكر الأَلف، وتريد الكثرة. وإنما يودون البقاء في الدنيا, لأنهم يرون أَنها- على ما فيها منغصات - خير من الآخرة لما يتوقعون من سخط الله، وتعذيبه لهم على ما أسلفوا من كفر وعصيان، وذلك خير شاهد على أَنهم لا يعتقدون ما يقولون: من أَن نعيم الدار الآخرة خالص لهم. {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} وما ذلك التعمير لو تم، بنافعه ولامبعده من عذاب الله المحتوم, لأنه لا بد له من الموت والعرض على الله، ليجازى على ما قدم في دنياه. والتعبير بالجملة الإسمية، للدلالة على دوام بقائهم في النار، وعدم تزحزحهم عنها. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي واعُد عالم بأعمالهم ومحيط بها، علم من ببصر ويرى، ولا تخفى عليه خافية من أمرهم، ومجازيهم عليها، بما أعده لهم من العقاب. وفي هذا تهديد ووعيد لهم. وعبر بالمضارع {يَعْمَلُونَ} بدلا من الصدر؛ لتصوير عملهم بأَنه كان يتجدد آنا بعد آن.

{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} المفردات {عَدُوًّا}: العدو ضد الصديق. ويطلق على الواحد والجمع. {جِبْرِيلَ}: أمين الوحى بين الله -تعالى- ورسله، وهو روح القدس. {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}: أي مؤَيدا ما تقدمه من الكتب السماوية، التي نزلت على من سبق نبينا من الرسل. التفسير 97 - {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ... } الآية. سبب نزولها: أَن اليهود قالوا للنبي -صلى الله طيه وسلم- إنه ليس نبي من الأنبياء؛ إلا ويأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة والوحي. فمن صاحبك حتى نتابعك؟ فقال: جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا: لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة. تابعناك، فأنزل الله الآية، إلى قوله: {لِلْكَافِرِينَ} أخرجه الترمذي. رُوىَ أن عمر جلس ألى بعضهم وسألهم عن جيريل -عليه السلام- فقالوا: ذاك هو عدونا، يطلع محمدًاعلى أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعداب. وميكائيل يجيء بالخصب والسلام , فرد عليه عمر: بأن من كان عدوا لأحدهما، فهو عدو للآخر، وعن كان عدوا لهما، كان عدوا لله -سبحانه- فلما رجع عمر، وجد جبريل عليه السلام، قد سبقه بالوحي، فقال- صلى الله عليه وسلم - "لقد وافقت ربك يا عمر"

المعنى: من قبائح اليهود، قولهم ئ جبريل - عليه السلام - هو عدونا، وأرادوا من هذا القول: أَنهم لا يؤمنون بوحى يجىء به عدوهم. فهم لا يؤمنون بالنبي- صلى الله عليه وسلم - من أَجل أن جبريل هو الذي ينزل عليه بالوحي. فأمر الله نبيه- صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليه بما معناه: قل لهم يامحمد: من كان عدوًّا لجبريل لأنه جاءك بالقرآن فهو عدو لله، فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك , بإذن الله مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية، وهدى ورحمة، وبشرى للمؤمنين، ولم يأت به إليك من عند نفسه. ومن عادى ملكا جاءك من عند الله بكتاب هذا شأنه، فإنه عدو لله الذي أرسله. وجعل القلب محل التنزيل, لأنه موضع العلم والعقل وتلقى المعارف ومعنى قوله: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، أنه مؤيد ماسبقه من الكتب السماوية، ومنها التوراة في أصول العقائد والأحكام والأخلاق، وإِذا كان كذلك، لا يصح أَن يعادى من جاء به، ولا من أنزل عليه {وَهُدى وَبُشرَى للْمُؤمِنِينَ}، أي وهاديا إلى سبل السعادة والفلاح، وبشرى للمؤمنين بالجنة، والنعيم المقيم. وفي وصفه بهد وبشرى -وهما مصدران- فيه توكيد لكونه هاديا ومبشرا وقوله {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} تعليل لجواب الشرط المقدر. قائم مقامه، والتقدير: من كان عدوا لجبريل، كان عدوا لله، فإنه نزَّله على قلبك. وخص المؤمنين بالذكر: لأنَّه -بالنسبة إِليهم- هدى وبشرى. أما غيرهم من المصرِّين على الكفر. فهو عليهم عمى، ولهم نذير بأشد العذاب. 98 - {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} أَي من كان عدوا لله بمخالفة أَمره عنادا، والخروج عن طاعته مكابرة، وءدوا لملائكته برفضه الحق الذي جاءُوا به من عنده -تعالى- لرسله، وعدوا لرسله بتكذيبهم، وعدوا لجبريل وميكائيل خاصة، من كان عدوا لهؤلاء- وعداوتهم كفر- عاداه الله، فإن الله عدو للكفرين- ومن عاداه الله باءَ بالعذب المهين. وجميع الملائكة، مع أنهم عادوا جبريل -وحده - لأن معاداة أَحدهم معاداة لسائرهم، وَجَمَعَ الرسل، مع أنهم عادوا محمدا، لأن معادة أحد الرسل معاداة للجميع - وميكال هو ميكائيل،

وبالثانية قرأَ حمزة والكسائى وابن عامر وغيرهم، وبالأُولى قرأ أبو عمرو وحفص وهي لغة أهل الحجاز. وإفراد جبريل وميكائيل بالذكر- مع دخولهما في الملائكة - لإظهار فضلهما, وللتنبيه على أن عداوة جبريل تعتبر عدواة لميكائيل، فلا وجه لادعائهم حب ميكائيل وكراهة جبريل, لأن بغض أي ملك, فى حكم بعض الجميع. وقال في الآية {عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} ... ولم يقل عدوله أَو لهم؛ للإِيذان بأن عداوة من ذكر في الآية كفر، وأن الله عاداهم لكفرهم. {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} المفردات: {آيَاتٍ}: المراد بها آيات القرآن. {بَيِّنَاتٍ}: واضحة الدلالة على معانيها. {الْفَاسِقُونَ}: الخارجون عن الحق إلى الباطل والفساد. {نَبَذَهُ}: طرحه وألقاه، من النبذ وهو إلقاء الشىء وطرحه؛ لعدم الاعتداد به. التفسير 99 - {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ... } الآية. ولقد أنزلنا إليك آياَت القرآن حُجَجَاعلى نبوتك، بما اشتملت عليه من وجوه الإعجاز للبشر، واضحات الدلالة على معانيها وكونها من عند الله؛ ولذلك كانت أحق وأولى بالقبول والاذعان.

واسهلال العبارة بقوله: {وَلَقَدْ} لمزيد تحقيق ما اشتملت عليه الاية الكريمة {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ}: لا يكفر بهذه الآيات البينات إلا الفاسقون، أَي المتمردون في الكفر، الخارجون عن حدوده، فإن من ليس على تلك الصفة من الكفر، لا يجترئُ على الكفر بمثل هذه الآيات الواضحات. قال الحسن: إذا استعمل الفاسقين نوع من المعاصي؛ وقع على أَعظم أفراده من كفر أوغيره. من أشد هؤُلاءَ الفاسقين فسقا: اليهود، إذ أنهم كفروا بالآيات البينات، مع تأكدهم من صدق من جاء بها، عنادًا لمن ظهر الحق على يديه، وحَسَدًا له، فإنهم يعرفونه ْكما يعرفون أبناءَهم. 100 - {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} ... الآية. من عادة اليهود: أن ينقضوا العهود والمواثيق؛ ولا يفون بها. ومن ذلك: أَنهم كانوا على نية الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث. ولهذا كانوا يستفتحون ويستنصرون به إِذا حاربوا المشركين قبل أَن يبعث، فيسألون رَبهم النصر، ببركة النبي المنعوت بصفاته في التوراة، ويقولون لهم: قد أَطل زمان ني سنقتلكم نحن معه قتل عاد وإرم، كما سبق بيانه. والاستفهام في {أَوَ كلُمَا}: للإِنكار والتوبيخ والتعجيب من شأنهم، و {كُلَّمَا} لإفادة تكرارهم لنبذ العهود، والواو قبلها للعطف على مقدر يستدعيه المقام. والتقدير: أكفروا بهذه الآيات، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم، ومن جملة ذلك: عهدهم ووعدهم بالإيمان بك يا محمَّد إذا بعثت! وعبر عن نقضهم للعهد، بالنبذ، ليشير إلى أَنهم تركوه مستهينين به, لأن النبذ يكون للشيء الذي لا يعتد به. وإِسناد النبذ إلى فريق منهم، يؤذن بأن منهم من لم ينبذه. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، أَي: بل أَكثر اليهود لا يؤمنون بالتوراة، إِلى جانب أن أَكثرهم ينقضون العهد فايمانهم بالتوراة، لا يجاوز حناجرهم, ولوآمنوا بها حقا, لسارعوا إلى الإيمان بك يا محمد، فأنت منعوت بأوصافكِ فيها.

101 - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ... } الآية. الرسول: هو محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بأنه جاءهم من عند الله فيه تعظيم له. فإن عظمة المرسِل تقتضى عظمة رسوله. وفيه إلى- جانب ذلك- مبالغة في استنكار كفرهم به، أي: ولا جاءَهم رسول عظيم من عند الله: مصدق لما معهم من التوراة، من حيث إنه جاءَ على الوصف الذي وصف به فيها، كما أن كتابه الذي جاءَ به موافق لما فيها، من قواعد التوحيد وأصول الدين والأخلاق، وأخبار إلأُمم. {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. أي ولما جاءَهم محمَّد- صلى الله عليه وسم - مصدقا لما معهم فما تقدم، نبذ فريق من اليهود الذين أوتوا التوراة، كتاب الله وهو القرآن، إذ كفروا بالرسول الذي جاءَ به، وأعرضوا عما جاء في التوراة مبشرابه- صلى الله عليه وسم- كأَنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو أن محمدا رسول الله، والواقع أنهم يعلمونه علمًا يقينيا, ولكنهم نبذوه مكابرة وعنادا وجريا على سنتهم في نبذ العهود. فإنه قد أخذ عليهم العهد في التوراة أنه: إذا جاءهم هذا الرسول المنعوت، يؤمنون به وينصرونه، فنقضوا هذا العهد بكفرهم به. وإنما شبههم بمن لا يعلمون, لأَن رفض الحق من شيمة الجهلاء، وهم بنبذهم الحق، مع علمهم به- يشبهون الجهلاء الذين لا علم عندهم. وفي الآية تصوير بيانى حكيم، حيث شبه حال التاركين للعمل بالكتاب المهملين له، بحال من يرى شيئا وراءَ ظهره، نابذًا له وكارها. وإضافة كتاب إلى (الله)، فيها إظهارلبشاعة جرمهم، حيث طرحوا أعز كتاب وراء ظهورهم. وقصرُ نَبد الكتاب - وهو القرآن - على بعضهم، يؤذن بأن بعضا آخر لم ينبذه، كعبد الله بن سلام, وزيد بن سعنة من أحبار اليهود، وغيرهما ممن أكرمهم الله بالإِيمان الصادق برسول الله والقرآن المجيد. ويرى بعض المفسرين: أن المراد بكتاب الله الذي نبذوه: التوراة. قال السدي: لما جاءَهم محمَّد- صلى الله عليه وسلم - عارضوه بالتوراة، فاتفقت التوراة والقرآن, فنبذوا التوراة وأخلوا بكتاب آصف, وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن.

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} المفردات: {وَاتَّبَعُوا}:تخبر وتحدث أَو تقول. {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}: على عهد ملكه وفي زمانه. {السِّحْرَ}: إخراج الباطل في صورة الحق، وهو- في الأصل- مصدرسحر يسحر- بفتح الحاء فيهما - إِذا أبدى ما يدق ويخفى، ويستعمل فيما لطف وخفى سببه والمراد هنا: أمر غريب يشبه الخارق المعجز وليس بالخارق، إذ يجرى فيه التعلم كالذى حصل من سحرة فرعون، حيث أظهروا لموسى حبالهم وعصيهم أَنهاتسعى, وليس ذلك من باب قلب الحقائق، بل هو تخييل. وسيأتى لذلك مزيد بيان في المعنى. {بِبَابِلَ}: بلدة قديمة، كانت بالعراق ينسب إليها السحر. {هَارُوتَ وَمَارُوتَ}: اسمان للملكين اللذين أنزل عليهما علم السحر، وسيأتى بيانِ المراد منهما. {فِتْنَةٌ}: ابتلاء واختبار

{اشْتَرَاهُ}: استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله. {خَلَاقٍ}: نصيب فى الخير. {لَمَثُوبَةٌ}: لأجر وثواب. التفسير 102 - {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ... } الآية. أخبر الله -سبحانه وتعالى - فى الآية السابقة: أَن اليهود الذين أوتوا التوراة: لما جاءهم رسول من عند الله؛ نبذوا كتاب الله وهو لقرآن، وكفروا به- صلى الله عليه وسم- مع أنه مصدق للكتاب الذي معهم. لكونه مطابقا للأوصاف الموجودة فيه. ثم عطف على هذه الجريمة -وهي نبذهم لكتاب الله- جريمة أُخرى، هي: اتباعهم الشياطين بمزاولة السحر بدل العمل بكتاب الله. والمعنى: أن اليهود - لما جاءهم الرسول بالقرآن- نبذوه، واشتغلوا بالسحر الذي كان عليه آباؤهم من قبل. فالمراد مما تتلوه الشاطبن: كتب السحر، التي كانت تقرؤها الشياطين: أي المتمردون من الإنس والجن. وتتلوا: حكاية للحال الماضية، أَي ما كانت تتلوه الشياطين على عهد ملك سليمان، والمراد باتباعهم إياها: استمرار اتباعهم لها واشتغالهم بها، فقد كانوا متبعين لها قبل مجي الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وقد كانت الشياطين في عهد سليمان تلقن كهان اليهود، وتتلوا عليهم قواعد السحر، وتخبرهم كذبا: أن ملك سليمان وسلطانه على الإِنس, والجن، والطير والريح، لم يقم إِلا على تلك القواعد، فكافوا يدونونها من الجن في كتب لديهم: توارثها الخلف عن السلف، حتى وصلت إلى اليهود بالمدينة , فكانوا يشتغلون بما فيها قبل مبعث النبي- صلى الله عليه وسم - ولما بعث، رفضوا كتاب الله الذي جاء به، وفضلوا عليه الاستمرار في مزاولة السحر الذي

يحرمه، مع أَن الديانة اليهودية قامت على إبطال السحر، الذي جاء به سحرة فرعون وحملتهم على الإيمان بالله، وقررت أن الساحر لا يفلح حيث أَتى. ولما كان السحر يؤدي إلى الكفر. كما سيأتى، وكان اتهام الشياطين واليهود لسليمان بمزاولته يشينه، نفاه الله عنه بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}: فأكذبهم الله -سبحانه وتعالى- بهذا، ونزه سليمان - عليه السلام - عن عمل السحر الذي نسبه إليه أُولئك الشياطين، وتبعهم في ذلك اليهود الذين من شيمتهم تلويث الأنبياء, كما نلمسه في أسفار العهد القديم. وفي الآية دليل على أَن من يستخدم السحر ويؤمن به؛ يكون من الكافرين؛ لأَن قوله تعال: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}: حجة على أن السحر: ضرب من ضروب الكفر. وقد أطلق القول بكفر من يزاوله: العلامة التفتازانى. ْولكن الشيخ أَبا منصور ذهب إِلى أن إطلاق القول بأن السحر كفر خطأ , وأَنه يجب التفصيل فيه، فإن كان فيه رد ما لزم من شروط الإيمان فهو كفر، وإلا فلا. وعلى هذا، فالمراد من السحر الذي هوكفر: ما كان بالتقرب إلى الشيطان بالسجود له أَو لصنم أو غيره، أَو بالرُّقَى بعبارات فيها شرك بالله -تعالى- أَو نحو ذلك مما ينافى أصول العقيدة الإِسلامية؛ كاعتقاد الساحر أن ما يستعين به في سحره- مثل الجن والنجوم- لها قدرة ذاتية على النفع والضر. وعقاب السحر الذي هو كفر: قتل الذكور وحبس الإناث وضربهن ما لم تقع منهم توبة وأما ما ليس بكفر - وفيه إِهلاك النفس- ففيه- حكم قطاع الطريق، ويستوى فيه الذكور والإِناث، وتقبل توبة صاحبه إِذا تاب. هذا رأى بعض الفقهاء. والمشهور عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن الساحر يقتل مطلقا إذا علم أنه ساحر، سواء أَكان ذكرا أَم أنثى. وتقبل توبته إِذا تاب. ومذهب مالك - رضي الله عنه - كما نقله القرطبي: أَن المسلم إِذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا، فإنه يقتل، ولا يستتاب، ولا تقبل توبته.

ومن أَراد معرفة مذاهب العلماء وآرائهم في السحر وأحكامه، فليرجع إلى المطولات. وأما الشعوذة وما يجرى مجراها، مما فيه إظهار أمور عجيبة باستعمال آلات هندسية أو خفة يد، أو الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، فإنها ليست من السحر، وإطلاق السحر عليهامن قبيل التجوز، أو لما فيها من الدقة كما ذكره الآلوسي. {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ} أي: أَتبع اليهود ما كانت تقرؤُه الشياطين على الكهنة من أبواب السحر من عهد ملك سليمان، زاعمين أن سلطانه قام عليه، واتبعوا أيضًا، ما أنزل على الملكين: هاروت وماروت ببابل، وذلك أَن بابل كانت مدينة بالعراق يسكنها الصابئون الذين يعبدون الكواكب، وكان منهم أُناس يزاولون السحر، ويدعون الناس إِلى الكفر؛ وتقديس الكواكب والشياطين، ويسيطرون عليهم بالسحر؛ ليحملوهم عل عبادتها. ومن رحمة الله - تعالى - أنه جعل من نواميسه ألا يذر الشر وحده يسيطرعلى عباده، فلذا سخر رجلين صالحين - اسمهما هاروت وماروت- لنحذير الناس، فكانا لصلاحهما- يشبهان الملائكة، فلذا أطلق الله عليهما الملكين. ولما كان لكل شيءٍ آفة من جنسه، فلذا ألقى الله في قلبيهما علم السحر، فكانا يعلمان الناس السحر لكي يتخلصوا بتعلمه من سيطرة السحرة من الصابئة، ويتقوا شرورهم، وكانا يمزجان التعليم بالتحذير، فيقولان لمن يعلمانه: إنما نحن فتنة، أي امتحان من الله -تعالى- لعباده لينظر: أينتفعون بسحرنا في اتقاءِ الشر وجلب الخير، أم يسيئون استخدامه في الإضرار بالناس، وإفساد العقائد؟، فهو سلاح ذو حدين، فكما ينفع, يضر ويفسد العقيدة. وفي ذلك يقول الله - تعالى -: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. والمقصود من إنزال السحر على هذين الرجلين المشبهين للملائكة: إلقاؤه في قلبيهما وتَعْليمهماَ إياه. وكل العلوم والمعارف تنزل على القلوب من عند الله - تعالى-:

وقيل: انهما ملكان، وإن السحرة قد كثروا في ذلك العهد، واخترعرا فنونا غريبة من السحر: يموهون على الناس بها، وربما زعموا أَنهم أنبياءَ، فبعث الله - تعالى - هذين الملكين ليعلما الناس وجوه السحر حتى يمكنوهم من التمييز بينه وبين المعجزة، فيحذروا الكذابين، ولا ينخدعوا بسحرهم. وما قلنا من أن الملكين: رجلان صالحان شبها بالملائكة لصلاحهما، هو الرأى الحق، وتؤيده قراءَة (الملكين) بكسر اللام. أما من أخذ اللفظ على ظاهره، وقال: إنهما من الملائكة بعثهما الله لتحذير الناس من السحر، فقد جانبه الصواب؛ لأن سنة اقه أن يجعل رسله من البشر لا من الملائكة. ولهذا لما طلبت قريش أن ينزل الله لهم ملكا، رد عليهم بقوله {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} (¬1). وقد دلت الآية على: أن تعلم السحر كله غير حظور، وإنما المحظور منه ما يؤَدى بصاحبه إلى الكفر، باعتقاد فاعلية الشيطان، والكواكب، وألوهيتها، أَو السجود لها أو لصنم أو غير ذلك مما ينافى الإيمان. فالمقصود من قوله {فَلاَ تكْفُرْ}: أي لا تكفر بما يخالف شروط الإيمان من قول أو عمل أَو اعتقاد. {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ذكر الله في هذا الجزء من الآية، لونا من ألوان السحر، الذي كان يعلمه الملكان لأهل بابل، وهو السحر الذي يكون من أثره إزالة الألفة بين الزوجين، واحداث العداوة أو البغضاء بينهما، إلى أن يتفرقا. واختصه بالذكر؛ لأنه من الصور التي تظهر فيها مفسدة السحر بأشد ما يكون. فلهذا آثر إِبرازها ليعلم الناس منها مدى ما يصل إليه السحر من الإضرار بالمجتمع؛ فإن إفساد الأسرة افساد للمجتمع؛ لما فيه من تشريد الأولاد الذين هم أَساسه. ويتسع الشر إذا أريد بالمرءِ وزوجه: الإنسان ومن يزاوجة وبقارنه، فينضم إلى الإنسان وزوجته كل قرينين بينهما إلفة كالأخوين والشريكين والصالحين، ومن هذا المعنى. قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} (¬2). ¬

_ (¬1) الأنعام: 8 و 9. (¬2) الصافات: 22.

{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}: أَي وما يضر السحرة بهذا السحر أَحدا كائنا من كان، إلا بعلم الله وإِرادته؛ فهم إِذن لا يستطيعون أَن يحدثوا بسحرهم ضررا دون ارادة الله، ودفع بهذا توهم أن يكون ضارًّا بذاته، بل بِإذن الله - تعالى - ربطا للمسببات بالأسباب. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ}: ويتعلمون من السحر ما يضرهم ولا ينفعهم لأَنهم يقصدون بتعلمه الشر والإضرار بالناس. وقصدُ المعصية يعتبر معصية يعاقب الله- تعالى- عليها يوم القيامة. أو لأن العلم يدعو إلى العمل ويجر إليه، ولا سيما الشر الذي هو هوى النفس ومطلبها. والتصريح بقوله: {وَلَا يَنْفَعُهُمْ} بعد إثبات ضرره؛ للإيذان بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضر، بل هو ضرر محض. وظاهر هذه الفقرة من الآية يُقَوِّى رأى القائلين بحرمة تعلمه مطلقا. {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}: ولقد علم هؤلاءِ اليهود الذين نبذوا: كتاب الله، واتبعوا السحر: أَن من استبدل السحر بكتاب الله وآثره على شرعه -سبحانه- ليس له أىُّ حظ من الجنة، ولا أي نصيب من الخير يوم القيامة؛ لأنه لم يكن له إيمان ولا عمل صالح يكافأ عليه. {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. {شَرَوْا} أي باعوا، وهي من الأضداد، ومما جاءت به بمعنى البيع أيضًا قوله تعالى {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} (¬1) أي باعوه بثمن قليل. والعلم هنا منزل منزلة اللازم، غير منظور فيه إلى مفعول، أيَ لوكان عندهم علم وعقل. والمعنى: ولبئس هذ الذي باعوا به حظ أَنفسهم من الخير، وهو تعلم السحر والعمل به. ولو كان عندهم علم وعقل، لأدركوا أَن هذا السحر ضار، مفسد للنفس والعقل والناس، ولامتنعوا عن تعلمه والعمل به. وإنما نفي عنهم العلم، لأن العالم إِذا لم يجر على موجب علمه، ينزل منزلة الجاهل وينفي عنه العلم كما ينفي عن الجاهل. 103 - {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أَي: ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السِّحْرَ ويؤثرونه على ما أنزل الله، أو أنهم آمنوا بالنبي - صلى ¬

_ (¬1) يوسف: 20.

الله عليه وسم- وبما أنزل عليه من القرآن الذي فيه هدايتهم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لأُثيبوا على ذلك، وثواب الله خير لهم من السحر. ولو كانوا من أولي العلم الذين ينتفعون بما يعلمون، لم يفعلوا ذلك، ولكنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فكفروا وعصوا، فكانوا من الخاسرين. وفي النظم الكريم: تنكير مثوبة ليبين فضلها باى قدر، فقليل من ثواب الله - تعالى - في الآخرة خير من نعيم الدنيا الفانية. مهما كثروعظم، فكيف وثواب الله - تعالى - كثير دائم: وفي ذلك: ترغيب في طاعة الله، وترهيب من المخالفة التي تجر إِلى عقابه تعالى. واستنبط بعض العلمان من الآية: أَن مَنْ تعلم السحر لا ليعمل به، ولكن ليتقى ضرر، أو علمه غيره لهذا الغرض، ة لا حرمة عليه، فإن القرآن الكريم ذكر عن الملكين انهما كانا يعلمان- الناس السحر، ولم يعقب حكاية ما فعلاه بالنهى عنه. وهذا يقتضى إباحة تعلمه، للتمييز بين السحر وببن المعجزة والكرامة. ولاتقاء ضرره. ولا ننسى ما بيناه من الخلاف في حكم تعلمه وتعليمه. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}. المفردات: {رَاعِنَا}: أي انتظرنا وتأَنَّ بنا حتى نفهم كلامك. وأصله من المراعاة، وهي المبالغة في الرعى. وهو الحفظ والتدبير. وتدارك المصالح. {انْظُرْنَا}: انتظرنا وتأَنَّ بنا. {مَا يَوَدُّ}: الود: محبة الشىء وتمني وقوعه.

التفسير 104 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... } الآية. هذا نداء من الله -سبحانه وتعالى- للمؤمنين، صدرت به الآية لأهمبة الأدب الذي دعت إلى الأخذ به؛ لأن نداء المؤمنين بوصفهم، يذكرهم بأَن الإيمان يقتضى من صاحبه: أن يتلقي أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة. {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}: كان المسلمون- إذا ألقى الرسول عليهم شيئاً من العلم- يقولون: راعنا يا رسول الله، يريدون منها: انتظرنا وتأن بنا؛ حتى نفهم كلامك ونحفظه. وهذه كلمة لا شئ فيهما من سوء الأدب، إلا أن اليهود حينما سمعوهم يقولون ذلك، صاروا يخاطبون الرسول بها، محرفين لها عن معناها الذي أراده المسلمون، إذ أَرادوا سبه بنسبته إلى الرعن، وهو الحمق أو الاستهزاء به باللغة العبرانية. فقد كانوا يتسابون فيما بينهم بكلمة {راعنا} العبرانية فاستعملوها مقلدين - في اللفظ- ما ينطق به المؤمنون مع سوه النية، على دأبهم دائما في تحريف الكلم عن معناه، كما حكى القرآن عنهم ذلك في سورة النساء بقوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} (¬1). وكان سعد بن عبادة يعرف لغتهم، فلما سمعهم يقولون ذلك، قال لهم: عليكم لعنة الله، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبى - صلى الله عليه وسلم - لأضربن عنقه فقالوا: أو لستم تقولونها؟ فأنزل الله الآية: نهيا للمؤمنين عن مخاطبة الرسول- صلى الله عليه وسلم - بهذه اللفظة: لألسنة اليهود، حتى لا يتخذوها ذريعة لسب النبي صل الله عليه وسلم - وإيذائه والاستهزاء به؛ فإن معناها في لغتهم كما قيل: اسمع لا سمعت، وأمرهم أن يقولوا له بدلا عنها {انْظُرْنَا}: انتظرنا وتأنَّ بنا؛ حتى نحفظ ¬

_ (¬1) الآية: 46.

وتفهم ما تقول؛ فإنها تؤَدى المعنى الذي يقصدونه بقولهم: {رَاعنِا} ولا يمكن اليهوه أن يحرفوها إلى سبه - عليه السلام - والاستهزاء به. وفي هذا تنبيه إلى أدب كريم، وهو: أن الإنسان يتجنب في مخاطبته - صلى الله عليه وسم- الأَلفاظ التى توهم جفاء أوتنقصنا. وإلى جانب ذلك، هو نهج قويم للخلق الإسلامي والإنساني. {وَاسْمَعُوا}: أيها المؤمنون قوله - صلى الله عليه وسلم - سماع قبول وامتثال، مع وعى قلبي، حتى تحفظوا ما يلقيه عليكم، ولا يفوتكم منه شئ. {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: ولهؤلاء اليهود الذين كفروا برسالة محمَّد، وحرفوا الكلام عن مواضعه وآذوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - واسنهزأوا به، عذاب موجع فى نار جهنم. وفي التعبير بقوله {وَلِلْكَافِرِينَ}: بيان لأن ما صدر عنهم من سوء الأدب في خطاب الرسول- صلى الله علبه وسلم - هو أثر من آثار الكفر، وأنهم استحقوا هذا العذاب المقصور عليهم بسبب كفرهم. 105 - {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... } لآية. لا يحب الكافرون من اليهود والنصارى، ولا المشركرن: أن ينزل الله عليكم -أيها المؤمنون-: شيئًا من الخير، وذلك لعداوتهم وحسدهم لكم، فهم لا يحبون لكم الخير. وأَعظم الخيرات هو القرآن الكريم؛ لأنه الهداية العظمى إلى الصراط المستقيم. وقد جمع. الله به شملكم، وأخرجكم به من الظلمات إلى النور، فكيف لا يحرق الحسد أكبادهم على إنعام الله عليكم بهده النعمة: وكذلك المشركون: يرون قى نتابع نزول القرآن، قوة للإسلام وتثبيتا: لدعائمه وأركانه. وهم يكرهون ذلك ويودون أن تدور الدائرة على المسلمين , ويستكثرون أَن يكون نزول القرآن على محمد -صلى

الله عليه وسلم- من بينهم {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}: (¬1) وخص بعض العلماء الخير هنا، بالوحي. مراعاة للمقام. فهو الذي من أَجله كره أَهل الكتب والمشركون النبي والمؤمنين. وَيَسْتَدلون لذلك بقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} أَي: والله يختص بنبوته من يشاء ممن أعدهم وهيأهم لها. فكانوا جديرين بها. ولهذا اختص بها محمد - صلى الله عليه وسلم - من بين الناس؛ لتمام أهليته لذلك. وصدق الله تعالى إذ يقول: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (¬2). وقد فسرها عَلي رضي الله عنه بذلك، فهي الخير الذي بكرهه هؤلاء للنبى - صلى الله عليه وسلم -، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}: فلا حرج على فضله تعالى، أَن يمنح النبوة من يشاء ممن هو أهل لها، فكيف يسحدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ومن حسد أحدًا على فضل الله، فهو ساخط على حكم الله: معترض على قضائه، ولا يضر الحاسد بحسده إلا نفسه. وفي إِسناد الرحمة والفضل إِلى اسم الذات. بيان أنهما حقه - تعالى - لذاته، فليس لأحد من عبيده، أدنى تأثير في منحهما ولا في منعهما. {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)} المفردات: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: النسخ لغة: المحو والإبطال، والمراد هنا بالآية: الجملة القرآنية ذات الحكم الكامل. والمراد بنسخها: بيان انتهاءِ التعبد بها. وقيل المراد بها: الشريعة، على حد قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ}. (¬3) ¬

_ (¬1) الزخرف: 32,31 (¬2) الأنعام: 124. (¬3) الزمر: 71.

وسبب النزول

والمراد. من نسخها على هذا: تغييرها بشريعة أخرى تأتى بعدها, أَو: الآية المعجزة. ونسخها: الإتيان بآية أخرى غيرها. وسيأتي بيان ذلك. {أَوْ نُنسِهَا}:نُبحْ لكم تركها. من نسي: بمعنى ترك، دخلت علية الهمزة للتعدية. قال أَبو على وغيره من أَئمة اللغة: هذا متجه؛ لأَنه بمعنى: نجعلك تتركها. وقريء نَنْسَأْهَا -بفتح النون مهموزا، من نسأه: إذا أخره أَي: نؤَخر نزولها عليكم {وَليّ}: من يلي أمرك أو يملكك. كالمولى {نصير}: معين. التفسير 106 - {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. الربط: جاءَ في الآية السابقة ما يفيد: أَن أهل الكتاب والمشركين، لا يودون أن ينزل الله على المسلمين- فى شخص الرسول- خيرا. أي: وحيا منه. وكمان ذلك حسدًا منهم. فاليهود كانوا يريدون الرسالة فيهم دون العرب؛ لانهم نشأوا في مهابط الوحي، والعرب أميون. والمشركون كانوا يريدونها لرجل من القريتين عظيم، وقد أفحمهم الله بأَن هذا ليس من شأنهم، فالله يختص برحمته- أَي بنبوته- من يشاء والله ذو الفضل العظيم. لهذا ناسب أَن يذكر الله عقب ذلك حكمًا من أَحكام الوحى الذي اختص به رسوله - عليه السلام -، وهو النسخ: تقريرا له، وردا على الطاعنين في النسخ، الكارهين لنزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - وذلك قوله سبحانه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... } وسبب النزول: أن اليهود قالوا - بعد تحويل القبلة من ببت المقدس إلى الكعبة - إن محمدا يأْمر أصحابه بشئ ثم يناهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من عند محمَّد. ولهذا ينافض بعضه بعضا. قالوا ذلك: إنكارا للنسخ وكراهة للتحويل، إذ كانوا يأنسون بموافقته لهم في القبلة.

فلهذا نزلت الآية للرد عليهم - كما نزل لذلك قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} (¬1) {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} والمعنى: أيُّ شيءٍ من الآيات والاحكام: ننهى التعبد به، أو تجعلكم تتركونه؛ نأتي بأفضل منه: مثوبة أو نفعًا أَو خفة على المكلفين. أَو نأتى بمثله في ذلك. فإن تنزيل الآيات المشتملة على الأحكام الشرعية، يكون وففًا للحِكَم والمصالح؛ وذلك يختلف باختلاف الأحوال. قرب حُكْم تقتضيه الحكمة في حال؛ تقتضى نقيضه في حال أخرى، فلو لم يجز النسخ، لا ختل ما بين الحكمة والأَحكام عن النظام. وهذا الحكم غير مختص بالآية الواحدة كاملة. بل هو جارٍ فيما فوقها وما دونها. وتخصيصها بالذكر، باعتبار الغالب. ثم ختم الله الآية بهذا التقرير: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}: الخطاب فيه لكل من لدبه علم وعقل. الاستفهام للتقرير. والمراد بهذا التقرير: الاستشهاد بعلم المخاطب، بأنه تعالى؛ {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}: على قدرته على النسخ؛ والإتيان بما هو خير من المنسوخ أو مثله، أي أنك تعلم أَن الله على كل شىء قدير، فتدرك - بمقتضي علمك هذا قدرته تعالى على نسخ الآيات، والإتيان بخير منها، أو مثلها لمصلحة عباده. وتعريف النسخ شرعا: إزالة حكم شرعى سبق، بخطاب ورد متأخرا، كما قال القاضيان: عبد الوهاب وأبو بكر. وزاد الأَخير: لولاه لكان السابق ثابتا. ومن أراد معرفة الفرق بينه وبين التقييد والتخصيص، وأحوال النسخ وأمثلته، وهل يجوز نسخ القرآن بالسنة أولًا؟ فعليه أَن يرجع إِلى المطولات: ق التفسير وكتب الأصول. ونسخ الأحكام للمصلحة، موجود في جميع الديانات. ففي صحيح مسلم: "لم تكن نبُوَّة قط إلا تناسخت" أي تحولت من حال إلى حال بالنسبة إلى المكلفين- ذكره القرطبي في المسأَلة الثالثة من مباحث الآية. ¬

_ (¬1) النحل: 101

وأنكرته طوائف من اليهود، زاعمين أَن ذلك من البداء، وهو مستحيل على الله، وقد كذبوا؛ فإن النسخ: النقل من حكم إلى حكم، لضرب من المصلحة. ولا خلاف بين العقلاء، في أن شرائع الرسل قصد بها مصالح الخلق: الدنيوية والأخووية. وأَما البداء، فهو: ترك ما عزم عليه أولا والعدول عنه، كقولك لشخص: امض إِلى فلان، ثم يبدو لك نقض الرأي الأول فتقول: لا تمض. أو تقول: له: إزرع كذا. ثم يبدو لك خلافه فتقول له: لا تزرعه، بل ازرع كذا لشئ آخر، على سببل التناقض والتقلب في الرأي وهذا محال على الله - تعالى - لكمال علمه وحكمته، جائز الخلق لنقصانهم. فكل حكم له تعالى صالح، وله حكمة فى وقته: منسوخًا كان أو ناسخًا، وليس في أَحكامه تعالى بداء. رأى آخر فى النسخ ذكرنا- فيما تقدم- رأى جمهور العلماء سلفا وخلفا في معنى النسخ فى الآية الكريمة، وحكمته. وخلاصته أنه: إزالة حكم شرعى سابق، بخطاب ورد متأخرا عنه، وأن كلا من المنسوخ والناسخ لمصلحة العباد في حينه. ومن العلماء طائفة لا يقولون بنسخ الأَحكام، فرارا من البداء المستحيل على الله، فإِن تغيير الأحكام في الشريعة الواحدة، شأن من لا يعلم المصلحة كما ينبغى العلم، حينما شرع. فلما علمها، عدل عما شرعه أَولا، وذلك لا يليق بالله - تعالى - العليم الحكيم. ويقولون: إن الآية الكريمة، ليست دليلًا على ما يقوله الجمهور في معناها، بل إن السياق يدل على خلافه، فإِن الآية قبلها تدل على أَن أَهل الكتاب يكرهون نزول الخير: أي الوحي من الله على المسلمين. وإنما كرهوا ذلك لأنهم كانوا يريدون بقاءَ النبوة في بني إسرائيل، وأَن تظل التوراة شريعة الناس: لا تنسخ، فهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. فأخبرهم الله- تعالى- بأنه يختص برحمته- أَي نبونه وشريعته- من يشاء، لأن أمرها ليس لهم، بل لله وحده {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. فلا يحق لهم أَن يحتكروا فضله عليهم. َ

وعقَّب. ذلك، بما يدل على أن نسخ شريعتهم بالشريعة الإسلامية ليس بدعًا، بالنسبة إلى شأنه وإلى مع سائر الشرائع، فقال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} أَي: ما نغير من شريعة من الشرائع العلومة للناس: كالتوراة والإِنجيل والزبور، أو نجعلها منسية دارسة لا علم للناس بها - كالشرائع المجهولة لنا، النازلة على بعض من قصهم الله علينا من الأَنبياء ومن لم يقصصهم علينا، نأْت بشريعَة هَة خير منها أَو مثلها، حسبما ينبغى لحال الأْمة التي شرعت لها. وقد اقتضت الحكمة نسخ شريعتكم أيها اليهود، بشريعة الإِسلام، التي هي خير للأُمة التي كلفت بها، من شريعتكم , فلماذا تكرهون نزول الوحي على سواكم ناسخا لشريعتكم، وتلك سنة الله فى جميع الشرائع؟ ويؤول أصحاب هذا الرأي الآيات التي ظاهرها التعارض والنسخ، بحيث يبعدونها عن دائرة النسخ بمعنى تغيير الحكم. وقد اتضح مما سبق بيانه، أن المراد بالأية عند أَصحاب هذا الرأي: الشريعة , وقد أطلقت عليها, لأَنها علامه يهتدى بها الناس في معاشهم ومعادهم. وذلك يتفق مع المعنى اللغوى لكلمة الآية فإنها بمعنى العلامة. رأى ثالث النسخ ومن الباحثين من قال المراد: بالآية، المعجزة، وبنسخها, تغييرها. وعنده أَنها نزلت للرد على من اقترح أن يأتى محمَّد بمعجزة ,كمجزة موسى، كما يؤذن به قوله تعالى {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ}. والمقصود من الاَية الكريمة على هذا الرأي: بيان أن معجزة النبي- صلى الله عليه وسلم - جاءَت من نوع آخر غير معجزات من سبقه وهى محققة لنبوته، ولذا ختم الآية بقوله {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي وإِذا كان الله كل كل شئ قدير، فلا يفترح عليه تعالى آيات بعينها، فلكل نبي آياته. ولكل عصر ما يلائمه، وقد أيد محمدا - صلى الله عليه وسلم - بما هو كاف من المعجزأت أعظم الكفاية.

ومن أرد مزيدا من البيان فليرجع إِلى المطولات للموازنة بين تلك الآراء. والله الموفق. 107 - {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... } الآية. لما قرر في الآية الله السابقة: أَنه تعالى على كل شئ قدير , ذكر هنا ما هوكالدليل على ذلك, وهو أَنه تعالى: له ملك السمؤات والأَرض، واستشهد على ذلك بعلم كل ذي علم فقال {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} كما فعل هناك. فالخطاب فيه لكل من يعلم. والعلم بذلك قدر مشترك بين المسلمين وأَهل الكتاب والمشركين. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (¬1)}. وفي شمول الخطاب للمعاندين، أَبلغ ود عليهم. فهو إلزام لهم بما يعلمونه. ولكون التعميم مرادًا، ختمت الآية بقوله: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} والهمزة في: {أَلَم تعْلَمْ} للإِنكار والنفي، دخلت النفي. ونفى النفي إثبات. والمعنى: أنك أَيها المخاطب، تعلم علمًا يقينيا: أنه تعالى، له ملك السنوات والأرض ومن كان كذلك، فهو على كل شئِ قدير. وإِذا ثبتت قدرتة على كل له شيءٍ بما ثبت له من ملك السموات والأرض- فهو صاحب الأمر في خلقه. فله نسخ الآية بخير منها أَو مثلها: تدرجا في الحكم، وتطويرًا له، حسب تطور حاجة البشر ومصلحتهم؛ فإِن رب الخليقة ومالك الكون، من شأْنه أن يرعى مصاحة عباده. {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}: معطوف على الخبر، دأخل معه في حيز المعلوم للمخاطب. و {دُونِ} بمعنى: غير. والولى: من يلي الاَّ مر أَو يملكه، والنصر: المعين، وجمع بينهما؛ لأَن المالك أَو ولى الأمر، قد لا يستطيع النصر, والنصر قد يكون أَجنبيا غير مالك, فأفادت الآية أَنه تعالى، اتصف با لوصفين جميعا: الملك والنصر. والمراد: وما لكم من غير الله مالك ولا معين. فلذا يرعى مصالحكم في التشريع وغيره. وأَتى بصيغة: فعيل في: {ولى} و {نصير} لأَنها أبلغ من فاعل، ولأن وليا أكثر استعمالا من من والٍ. ¬

_ (¬1) لقمان: 25.

وجيءَ بهذه الفقرة، إشارة إلى أن الراجب على العاقل أن يتجه بكليته إلى من له ملك السموات والأرض، لا إلى غيره، ممن لا يستطيع دفع ضر أو جلب نفع لنفسه. {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)} المفردات: {أَمْ تُرِيدُونَ}:أَم هنا منقطعة. بمعنى بل، وهمزة الإنكار، أي: بل أتريدون. {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ}: أي يجعل الكفر في موضع الإيمان من نفسه {سَوَاءَ السَّبِيلِ}: السببل: الطريق، وإضافة سواء إليه، من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الطريق المستوى. التفسير 108 - {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ... } الآية. سبب نزول الآية: اختلف المفسرون في سبب نزولها. والراجح: أنها نزلت في شأْن اليهود حين قالوا: يا محمَّد، اتتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة جملة، وخاطبهم بذلك - بعد رد طعنهم في النسخ- تهديدا لهم. واخنار هذا الإمام الرازى. وقال: إنه الأصح، لأن الحديث - من أول قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} (¬1) إلى هذه الآية - حكاية عن اليهود ومحاجة معهم؛ ولأنه جرى ذكرهم قبل ذلك دون غيرهم. وعبر بالمضارع عل هذا في قوله: {أنْ تَسْألوا} مع أنهم سألوا قيل ذلك إحضارا للصورة لغرابتها، فقد جهلوا أن تنزيل القرآن، كان على حسب الوقائع، وذلك يقتضى إنزاله عل دفعات، فلا وجه لطلب إنزاله جملة. وقيل: إنها نزلت في المؤمنين: توصية لهم بالثقة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وترك الاقتراح عليه، بعد أن رد طعن اليهود في النسخ. ¬

_ (¬1) الآية -40 - من هذه السورة,

على حد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (¬1). ولذا، نزل بعدها قوله سبحانه: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ... }. والخطاب - على السبب الأول- لليهود. وإضافق الرسول إليهم باعتبار الواقع، وإن خالف اعتقادهم. وعلى السبب الثاني، يكون الخطاب للمؤمنين، وعلى هذا يكون المعنى:- لا نكونوا أيها المؤمنون- فيما أنزل عليكم من القرآن- مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينات، واقتراح غيرها، فتضلوا وتكفروا. يعني: أن شأْنكم- وأنتم مؤمنون- ألا تتجهوا لإرادة ذلك. وإضافقالرسول إليهم- على هذا- باعتبار الواقع والاعتقاد. {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}: المعنى: ومن يَخْتَرِ الكفرَ لنفسه، في مقابل الإيمان وبدلا عنه. فقد عدل عن الطريق السوى الموصل إلى أسمى الغايات. {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)} المفردات: {وَدَّ}: تمنى وأحب. {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا}: العفو: ترك العقوبة على الذنب. والصفح: ترك اللوم علية وهو أبلغ من العفو، إذ قد يعفو ولا يصفح. ¬

_ (¬1) المائدة: 101

سبب النزول

{حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ}: بإِذنه في القتال. {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ}: تجدوا ثوابه عنده. {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أي: أَدُّوها -بأركارنها وشروطها وهيئاتها- في أوقاتها. وأصله: أفعل من قام الحقُّ: ظهر وثبت أي أظهِروها على النحو الذي يرتضيه الشرع (بَصِيرٌ): عليم. التفسير 109 - {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ... } الآية سبب النزول: روى الواحدي عن ابن عباس: أن طائفة من كبار اليهود قالوا للمسلمين - بعد وقعة أحد - ألم تروا إلى ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق لما هزمتم، فارجعوا إلي ديننا فهو خير لكم فنزلت: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ... } المعنى: تمنى كثير من اليهود - أَهل الكتاب - أن يُرجعوكم - أيها المسلمون من بعد إيمانكم- كفارا: حسدًا لكم. نابعا من أَصل نفوسهم وأَعماق قلوبهم. {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}: من بعد ما اتضح لهم الحق الذي أنتم عليه , بما جاء عنه -أي عن الحق- من النعوت في كتابهم، وبما ظهر لهم من الآيات التي أَيد الله بها رسوله، فلذلك ينتهزون الفرص لتنفيركم من دينكم - حتى ترتدوا عنه فلا تبالوا بهم. {فَاعْفُوا}: عنهم ولا تعاقبوهم. (وَاصْفَحُوا): ولا تلوموهم. (حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِامْرِه). أي: بإذنه في قتالهم. {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فينتقم منهم حين يجيء أو ان الانتقام. وحسبهم -الآن- أن يأْكل الحسد قلوبهم.

وقد أَنزل الله بعد ذلك الإذن بقتالهم، في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (¬1)، كما أَذن بإجلائهم. وفي التعبير بقوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ... } الخ، للذان بأن منهم من لم يتمن ارتداد المؤمنين عن الإيمان, وهم الذين آمنوا من اليهود، كزيد بن سعنة وعبد الله ابن سلام. 110 - {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... } الآية. بعد أن أَمر الله المؤمنين بمداراة أهل الكتاب- بالصبر على حسدهم وعلى ثمنيهم ارتدادهم عن الإيمان, وبالعفو والصفح عنهم؛ حتى يأْذن الله بأن ينتقموا منهم- أمرهم باللجوءِ إليه تعالى بالعبادة، تكميلا لأنفسهم واشتغالا بها عنهم، وتوسلا بها لنصره لهم فقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أي: أدوها كاملة الأركان والشروط، مستوفية لهيئات. {وَآتُوا الزَّكَاةَ} أي: أعطوها لمستحقيها من الأصناف الثمانية المجتمعة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (¬2). {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} مهما كان نوعه {تَجِدُوهُ} أي: تجدوا ثوابه يوم القيامة {عِندَ اللهِ} تعالى: فيما أعده في جنته للمحسنين. وقد أعد لهم ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفي قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ}، إِيذان بأن الخير الذي تعطيه لأخيك المسلم كأنما تقدمه لنفسك؛ لأن المجتمع الإسلاى كالجسد الواحد. {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: فلا يضيع عنده عمل العاملين. ¬

_ (¬1) التوبة: 29. (¬2) التوبة: 60.

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} المفردات: {هُودًا}: جمع هائد، كعُوذ جمع عائذ. ومعنى الهائد في الأصل: التائب. والمقصود هنا بالهود: اليهود. {أَوْ نَصَارَى}: يعنون المسيحيين، جمع نصران ونصوانة، سموا بذلك نسبة إلى بلدة الناصرة التي كان ينزل بها عيسى، أو لأَنهم أجابوا عيسى إِلى نصره لما قال لهم: من أنصارى إلى الله؟. {أَمَانِيُّهُمْ} الأمانيَّ: جمع أمنية- بتشديد الياء- وهي: تقدير شى، في النفس وتصويره. فيها. ولما كان أكثر. عن تخمين، صار الكذب فيه أكثر. فأ كثر التمني: تصور ما لا حقيقة له. {بُرْهَانَكُمْ}: حجتكم. {بَلَى}: حرف جواب , وهي هنا نفي لقولهم. {أَسْلَمَ وَجْهَهُ}: أخلص توجهه وقصده، أو أخلص نفسه، وعبر عنها بالوجه، لأنه أَشرف الأعضاء ومجمع المشاعر، ومظهر آثار الإخلاص. التفسير 111 - {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ... } الآية. بعد أن حكى الله عن أهل الكتاب: أن كثيرا منهم يتمنون أن يردوا المسلمين إلى الكفر، أتبعه بأكذوبة أخرى من أكاذببهم وهي قول اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كمان يهوديا وفول النصارى: لن بدخلها إلا من كان نصرانيا. بعنون بذلك: أن المسلمين لن يدخلوها، تنفيرًا المسلمين من دينهم. وإثارة للفتنة بينهم؛ لأنهم كما تقدم. يودون ردتهم.

وجمع بي كلام الفريقين فى التظم الكريم: للإيجاز، وثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله؛ لأن العداوة بين القريقين معلومة. ولقد رد الله فريتهم هذه مشيرا إليها بكل بقولة: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي تلك أوهامهم الكاذبة التي لا أَساس لها. والأماني تطلق على ما يتمنى دون أَن يكون له سبب. فلذا أُريد منها -هنا- الأكاذيب مجازا. وجمعت مع أُنها أُمنية واحدة، لتعدد أَصحابها، أو لأَنها مشتملة على أَماني ثلاث: أُمنية اليهود دخول الجنة وحدهم، وأُمنية النصارى كذلك، وأُمنيتهم جميعا أَلا يدخلها المسلمون. ثم أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم مبكتا: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أَي: أَحضروا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيما زعمتموه، فإن كل دعوى لا دليل عليها باطلة. و"إن" تستعمل لفرض ما لا يتوقع حصوله أحيانا، كما هنا. ثم نفى سبحانه ما زعموه صريحا بعد أَن عرَّض بكذبه، وأثبت عكس ما يقولون فقال: 112 - {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ... } الآية. أي: بل يدخل الجنة: من أَخلص نفسه وذاته لله، فآمن به ونزهه - تعالى- عن الولد {وَهُوَ مُحْسِنٌ}: في جميع أعماله التي منها الإسلام. {فَلَهُ أَجْرُه} اللائق به {عِنْدَ رَبِّهِ}: المنعم المتفضل المربي في دار كرامته، كما وعده سبحانه. {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الدارين من لحوق مكروه. (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) على فوت مطلوب. فأمرهم كله أَمان واستبشار. أَما أَنتم -يأهل الكتاب- فلم تسلموا وجوهكم لله ولم تحسنوا، إذ كفرتم برسوله وكتابه، فلا حق لكم في جنته. وسوف تكونون في خوف داثم وحزن مقيم، وجعل الوجه كناية عن النفس؛ لأنه ترجمان عما تنطوى عليه من عقائد وأخلاق وصفات. فهو مظهر مشاعرها. قال القرطبي: والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء. ويصح أن يكون الوجه في الآية: المقصد. اهـ.

سبب النزول

وسمي الثواب أجرًا، للإيذان بكمال استحقاقه عنده تعالى، كما يستحق العامل أجره على عمله. وإضافة الأجر إليهم للإيذان بأنه أَجر يليق بهم وبإحسانهم. وعبر عن الثواب في الجنة بقوله: {عِنْدَ رَبِّهِ}، لتكريمهم بإضافتهم إلى الرَّب. والإيذان بتحقيق ما وعدهم به فإن شأن الرب - سبحانه - أن يحقق لعباده ما وعدهم به. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)} المفردات: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}: المراد بهم عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلاءِ. {مِثْلَ قَوْلِهِمْ}: بأن قالوا عن أهل كل دين آخر: ليسوا على شيءٍ. التفسير 113 - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ... } الآية. سبب النزول: نزلت لما قدم وفد نجران -المسيحي- على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَتاهم أحبار اليهود، فتناظروا وارتفعت أصواتهم، وقال كل فريق منهم للآخرين: لستم على شيء. الربط: بعد أن بين الله - تعالى - أن اليهود يتلاقون مع النصارى في كراهيتهم لغيرهم وادعاءِ لك منهم أنهم الذي يدخلون الجنة دون غيرهم - شرع هنا يبين تضليل كليهما للآخر فقال:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ} معتد به في أمر الدين. {وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} كذلك. ثم الله مدى جهلهم وعنادهم جميعًا، بحكاية حالهم فقال: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} السماوي، ومن كان تاليًا للكتاب السماوي، فشأنه أن يعترف بما في كتاب سماوي مثله من الحق، وألا يقول لأهله: لستم على شيء. فاليهود يقرءُون في كتابهم: ما يقتضى صحة رسالة عيسى وصدق ما جاء به، والنصارى يقرءون في كتابهم - الإنجيل - أن موسى نبي، وأن التوراة من عند الله، إذ الكتب السماوية متصادقة، فقولهم هذا: دليل الجهل والعناد. {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} أي: مثل ذلك القول قاله الذي لا علم لهم أصلًا، وهم المشركون وأمثالهم من المعطلة والجهلاءِ، فلا تيأس يا محمد لما يقولون عن الإسلام {فَاللَّهُ} وحده {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فهو الذي يعلم الدين الحق {فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} في شأن الدين، فيقضي بأن دين كل منهما، كان على الحق في زمانه: قبل أن يبدل، وقبل أن ينسخ بما بعده، ويعاقب كلا بما يستحق من عقاب على افترائه. وفي التعبير بعلى - في قول بعضهم لبعض: لستم {عَلَى شَيْءٍ} المفيدة للاستعلاء والتمكن، وتنكير (شَيْءٍ) المفيد للتحقير - كمال المبالغة في تضليل كل فريق منهما للآخر. وفي التعبير بقوله: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} إيذان بأن تلك المقالة لا تصدر عن شخص متصف بالعلم، بل هي مما يقول الجاهلون، فإن شأن أهل العلم أن يقروا بالحق لأهله، وفي هذا توبيخ عظيم لكلا الفريقين، حيث نظموا في سلك لا يعلم أصلا، وحذف المحكوم به على كل فريق، تهويلًا لشأْنه.

سبب النزول

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)} المفردات: {وَمَنْ أَظْلَمُ} من: استفهام إنكاري، بمعنى النفي. والمعنى: لا أحد أظلم. {مَسَاجِدَ اللَّهِ}: المراد بها جميع مساجد الله، وأماكن عبادته، فالآية قاعدة عامة، وإن كان سبب النزول خاصًا كما سيأتي: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ}: هوان وذلة. التفسير 114 - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... } الآية الربط: ندَّد الله - سبحانه - فيما سبق، باليهود والنصارى، لتضليل بعضهم بعضًا وفي هذه الآية، بَيَّن أن من يعطل الشَّعائر في بيوت العبادة، يُعاقب. وقد دخل في ذلك: أهل الكتاب المذكورون، كما أن فيها نفيًا لزعمهم: أنهم أهل الجنة المختصون بها. سبب النزول: نزلت في المشركين لأنهم منعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية من دخول المسجد الحرام. وعلى أي حال، فالمراد من المساجد: دور عبادة الله جميعًا، لأن العبرة بعموم اللفظ. وهذا يدل على أن الإسلام يحترم دور العبادة في الديانات السماوية السابقة له. المعنى: لا أحد أظلم ممن منع الناس من ذكر الله في دور العبادة: فردًا كان المانع أو جماعة،

وسعى في خرابها بإلقاءِ القاذورات فيها، أو إغلاقها، أو الحيلولة دون دخول العابدين فيها، وتعطيل شعائرها الدينية بأي وجه من الوجوه. وإنما وقع المنع على المساجد - مع أن الممنوع هم الناس - لأن طرح الأذى والتخريب ونحوهما، متعلق بالمساجد لا بالناس. وظاهر الآية يفيد: أنه لا يوجد أظلم منه. ولكن المراد: نفي وجود من يساويه في الظلم أيضًا، كما يدل عليه العرف. فإذا قيل في معرض المدح مثلًا، من أكرم من فلان؟ فمعناه عرفًا: أنه لا يوجد أكرم منه ولا من يساويه. {أُولَئِكَ}: المانعون المخربون للمساجد. {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} أي: ما كان ينبغي لهم دخولها إلا خاشعين خاضعين، بدلًا من الاجتراء على تخريبها أو تعطيلها. {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: لأولئك المانعين المخربين هوان وذلة في الحياة الدنيا، أي: أن هذا الحكم يبقى إلى يوم القيامة، ولهم في الآخرة عقاب في النار عظيم لا يقادر قدره. وإذا كان المراد من مساجد الله، مساجد المسلمين خاصة، وأن الآية نزلت في أعدائهم الكافرين، فمعنى الآية: لا أظلم من الكافرين الذين منعوا ذكر الله في مساجد المسلمين، بتخريب أو غيره، أولئك الكافرون، ما كان يحق لهم أن يدخلوها إلا خائفين من بطش المؤمنين بهم، فكيف يستقيم أن يستولوا عليها، ويمنعوا المؤمنين منها. والخزي الذي لهم في الدنيا: بقتل مشركيهم، وضرب الجزية على أهل الذمة منهم. وحبسهم، ونحو ذلك. ويقتضي حمل الآية على هذا المعنى: أن على المؤمنين أن يرهبوا الكافرين أعداء الله، ويكونوا في قوة ومنعة حتى يحموا بيوته، ويمنعوا أولئك الأعداء من تخريبها وتعطيلها. واستنبطوا منها تحريم دخولهم فيها، وهذا رأي المالكية. وعليه يجعل قوله تعالى: {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}: كناية عن النهي عن تمكينهم من دخولها، ليتفق ذلك مع قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (¬1) ¬

_ (¬1) التوبة: 28.

والمساجد يجب تطهيرها من النجاسات، ولذا يمنع الجنب والحائض والنفساءُ من دخولها. ولكن الحنفية يجيزون دخولهم فيها بإذن المسلمين، فإن الآية تفيد دخولهم بخشية وخضوع، ولأن وفد ثقيف قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزلهم في المسجد. وعلى فرض أن الآية تفيد النهي، فهو محمول على كراهة التنزيه لا التحريم. أو على دخول الحرم بقصد الحج لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فتح مكة قال للمشركين: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ومن دخل الكعبة فهو آمن". وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره. وقال: الحديث منسوخ بالآية. ذكره الآلوسي. {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} المفردات: {الْمَشْرِقُ}: موضع الشروق. {وَالْمَغْرِبُ}: موضع الغروب. والمراد بهما هنا: هما وما بينهما من الجهات والأماكن. {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي: فهناك جهته. أي: قبلته التي أمر عباده أن يتجهوا إليها، فالوجه والجهة شيء واحد. {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي: يوسع على عبادة في التشريع. أو واسع العلم. محيط بما تستطيعون عمله، فلا يكلفكم ما يشق عليكم. التفسير. 115 - {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ... } الآية. قال ابن عمر نزلت في المسافر: يتنقل حيثما توجهت به راحلته، خرّج مسلم عنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي - وهو مقبل من مكة إلى المدينة - على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} نقله القرطبي.

لا يمنع السبب المذكور، من ارتباط الآية بما قبلها: فإن الآية السابقة أفادت: أن بعض الظالمين قد يمنعون المصلين من الصلاة في مساجد الله، وهذه الآية أباحت الصلاة في أي مكان غير المساجد الممنوعة، على أن يتجهوا إلى جهة الله، أي قبلته التي شرعها، كما تضمنت إباحة صلاة النافلة للمسافر على الراحلة ونحوها، متجهًا إلى مقصده فهو قبلته، وهو الذي استفيد أيضًا من سبب النزول. ولله وحده الأرض كلها: مشرقًا ومغربًا وما بينهما، ففي أي مكان، وجهتم وجوهكم نحو القبلة التي أمر الله عبادة بالاتجاه إليها: للعبادة والدعاء والذكر، فهناك - حيث توجهتم - جهة الله أي قبلته التي أُمرتم بالتوجه إليها. فإن مُنعتم عن الصلاة إليها في مسجد أو مكان، فاستقبلوها - في فروضكم ونوافلكم - في مسجد أو مكان آخر. فإن إمكان الاتجاه إليها غير مختص بمسجد دون مسجد، أو مكان دون مكان. ومن كان راكبًا على دابة ولا يمكنه أن ينزل عنها، لخوف - على نفسه أو ماله - من ضرر يلحقه بالانقطاع عن القافلة، أو كان بحيث لو نزل عنها لا يمكنه العودة إلى ركوبها، أو نحو ذلك، فإنه يصلي الفرض في هذه الأحوال على الدابة، إلى أي جهة يمكنه الاتجاه إليها، وتسقط عنه أركان الصلاة التي لا يستطيع فعلها على الصفة المطلوبة، ولا إعادة عليه (1). وحكم السيارة والقطار والطيارة حكم الدابة أيضًا. وقيل: المراد: بوجه الله: ذاته. وهذا كناية عن عمله - تعالى - بعبادتهم في أي مكان. قال أصحاب هذا الرأي: إن الآية نزلت لتنزيهه - تعالى - عن أن يكون في حيز وجهة، توطئة لتحويل القبلة إلى الكعبة. والمعنى عليه: ولله المشرق والمغرب، فلا يختص ملكه وعلمه بمكان دون مكان، فأينما تولوا وجوهكم في الصلاة والدعاءِ، فهناك - حيث اتجهتم - سلطان الله وعلمه بعبادتكم، فلن تضيع عليكم. ثم ختم الآية بهذا التذييل: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}: يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم بما ليس في وسعهم {عَلِيمٌ}: بمصالحهم وبما يعملون في مختلف أماكنهم.

{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)} المفردات: {سُبْحَانَهُ}: تنزيها وتبرئة لله لائقة به مما قالوا. {قَانِتُونَ}: منقادون خاضعون. التفسير 116 - {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ... } الآية. بعد أن بين الله - سبحانه - شيئًا من مآثم اليهود وضلالهم، وأشار إلى تعصبهم الذي أرداهم، ووقوع النصارى فيما وقع فيه اليهود: حيث اتَّهَمَ بعضهم بعضًا بأنهم ليسوا على شيء، تكلم في شأن النصارى واليهود. ومن جاراهم في نسبة الولد لله من المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله. جاء الإسلام بتوحيد الخالق وتنزيهه عن الولد، بين أهل كتاب ومشركين: يزعمون أن لله ولدًا، فاليهود يزعمون أن عزيرًا ابن الله، والنصارى يزعمون مثل ذلك لعيسى، والمشركون يزعمون مثله للملائكة، فيقولون إنها بنات الله. وقد أنزل الله - تعالى - هذه الآية الكريمة لتبرئته - تعالى - عما يزعمون، وضمنها الدليل على ذلك في قوله: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. وقد تضمن الدليل: أنه لا يصح أن يكون لله ولد، لأنه مالك السموات والأرض، ومن يدعونه ولدًا ليس كذلك، ولابد أن يشبه الولد أباه. ولأنه مملوك لله ومخلوق له، فهو من جملة السماء والأرض التي يختص بملكها الله، والمملوك لا يكون ولدًا، وأن الولد يُحتاج إليه ليعين أباه، ويرثه بعد موته، والله غير محتاج إلى معونة لخضوع الكل له - تعالى - وانقيادهم لإرادته، كما أنه حي لا يموت، فلا حاجة له إلى ولد يرثه بعد موته. فخضوع الكائنات لربها، واحتياجها إليه باقٍ لا ينتهي، فكيف يموت حتى يرثه ولده: تعالى الله عما يقولون.

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)} المفردات: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: مبدعهما ومخترعهما على غير مثال سابق. من بدعه بمعنى أنشأه واخترعه. وكما يأتي فعيل بمعنى مفعول، يأتي بِمَعْنَى فاعل، كما هنا. ونظيره: السميع بمعنى الْمُسْمِعُ، في قول الشاعر: "أمن ريحانة الداعي السميع" وكل من أنشأَ ما لم يسبق إليه يُقال له: مبدع، ومنه أصحاب البدع. {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا}: أي شاءَ إيجاد شيء. {كُنْ فَيَكُونُ}: نفذه في حينه بيسر وسهولة. التفسير 117 - {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... } الآية. هذه حجة أخرى لإبطال دعوى الولادة لله - تعالى - وتقريرها: أنه تعالى مبدع لكل ما سواه، فاعل على الإطلاق، وهذا أمر لا ينازِعُ فيه صاحب كتاب ولا مشرك. وبما أن من زعموه ولدًا لله - تعالى - داخل ضمن من أبدعه واخترعه من السموات والأرض، فلهذا، لا يصح أن يكون ولدًا له سُبْحَانَه، لأن الولد ينشأُ عن التوالد لا الخلق. وأشار إلى حجة أخرى في قوله: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. ومن زعموه ولذا، ليس له هذه القدرة والسرعة في التكوين، فكيف يكون ولدًا لله، والولد على سنة أبيه! وليس المراد بقوله: {كُنْ فَيَكُونُ} حقيقة الأمر والامتثال، لأنه تعالى يخلق المعدوم، والمعدوم لا يؤمر، بل المراد تمثيل سهولة تَأَتِّي المقدورات وفق مشيئة الله - تعالى - وتصوير حدوثها: بانفعال المأْمور وطاعته للآمر القوي المطاع. تقريبًا للأذهان

والأمر عنده تعالى أيسر من ذلك، فالخلق عنده لا يتوقف على أن يأمر بـ (كنْ)، بل يتوقف على الإرادة والمشيئة، فإذا أراد شيئًا كان كما أراد في حينه ومكانه. {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)} التفسير 118 - {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ... } الآية. بعد أن حكى الله - سبحانه - عن الكافرين اعتقادهم أن لله ولدًا، حكى هنا تعنتهم، وطعنهم في نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. اختلف المفسرون في المراد من: {الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} فقال ابن عباس: هم اليهود. وقال مجاهد: هم النصارى. وأكثر أهل التفسير على أنهم مشركوا العرب. لقوله حكاية عنهم: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} (¬1). وعبر عنهم بالذين لا يعلمون، استهجانًا لذكرهم، لقبح ما صدر عنهم، ولأن ما يحكي عنهم لا يصدر إلا عن الجهلاء. وفي التعبير بالفعل: {لَا يَعْلَمُونَ} تيئيس من علمهم، فهم لن يتجدد لهم علم - مع تجدد الآيات والعبر والعظات - لغباوتهم. {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} أي: هلَّا يكلمنا الله بغير واسطة: آمرًا وناهيًا، أو مصدقًا على نبوتك. {أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ}: المراد من الآية: ما اقترحوه من جعل "الصفا" ذهبًا. ورُقِيِّه في السماء وغيرهما مما حكاه الله عنهم بقوله: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} (¬2). وهذا منهم غاية في الجحود والإنكار، لاستهانتهم بما أنزله الله عليهم من آيات، وبما أيده به من معجزات. ¬

_ (¬1) الأنبياء:5 (¬2) الإسراء: 90

ثم سرَّى الله عن نبيه، فقال: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} - أي - مثل ذلك القول السقيم، قال الذين كانوا قبلهم من الأمم السابقة، أو من اليهود والنصارى، إذ قالوا: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (¬1)} وقالوا: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (¬2)} وقالوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ (¬3)} وقالوا: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ (¬4)}. {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: تشابهت قلوب السابقين مع قلوب اللاحقين في الكفر، والإعراض عن الحق، والعناد، والمكابرة. والمعنى: أن تشابه أقوالهم نابع من تشابه قلوبهم. {قدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي: يطلبون اليقين، وهو العلم الذي لا يخالطه شك، وذلك بالنظر والاستدلال. ولم يتعرض للرد على طلبهم تكليم الله، لظهور بطلانه. {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)} المفردات: (بشيرًا ونذيرًا) أي: مخبرًا لمن آمنوا بما يسرهم من الثواب، ومنذرًا لمن كفروا بما يحزنهم من العقاب. (الجحيم): النار، إذا شب وقودها واضطرمت. التفسير 119 - {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ ... } الآية. هذه الآية تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبيان لمهمته، كي يتوجه إليها بكلِّيَّتِهِ، ولا يلتفت إلى معارضيه من أهل الكتاب والمشركين، بعد ما سجل تعنتهم. إنا أرسلناك أيها الرسول، بالدين الحق، المؤيد بالبراهين، إلى أهل الأرض جميعًا {بَشِيرًا} أي: مبشرًا من آمن بصلاح الحال وحسن المآل {وَنَذِيرًا}: ومنذرًا من كفر بعذاب الجحيم، ليختاروا ما أحبو لأنفسهم. ولست مجبرًا لهم على الإيمان، فلا عليك إن أصرُّوا ¬

_ (¬1) النساء:153 (¬2) البقرة: 61 (¬3) المائدة:113 (¬4) الأعراف:138

وكابروا: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} فيقال لك: لماذا لم يؤمنوا؟ ولن يُنسب إليك تقصير، بعد ما بلغتهم رسالة ربك. وفي التعبير عن الكافرين بأنهم أصحاب الجحيم: استهجان لذكرهم، وإيذان بعقابهم بالجحيم، وأنهم ملازمون لهذا العقاب، لما تفيده الجملة الإسمية من الاستمرار والدوام. {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)} المفردات: (لئن): مكونة من لام القسم وإن الشرطية. التفسير 120 - {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ... } الآية. أراد الله سبحانه: أن يبين لرسوله غاية أعدائه من اقتراح الآيات، ويحذره منهم، فقال ما معناه: إن اليهود والنصارى يقترحون الآيات تعجيزًا، لا طلبًا للهداية، فلو أتيتهم يا محمد، بكل ما يسألون، فلن يرضوا عنك، ولن تنال رضاهم، حتى تتبع دينهم الزائف المنحرف، قل لهم يا محمد: إن هدى الله الذي أنزله إليك، هو الهدى الذي يجب اتباعه والاهتداء به، إذ لا هادي غيره، لأن غيره ليس من عند الله، ونقسم: لئن اتبعت يا محمد، ديانتهم الباطلة الناشئة عن الهوى - بعد الذي جاءك من الوحي المقتضى للعلم بالحق - مالك من جهة الله وليُّ يواليك ولا نصير يعينك. والغرض من توجيه الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ... } الآية:

هو إقناط اليهود والنصارى من إمكان تخلِّيه عن دعوته، وليس المراد تحذيره حقيقةً من اتباع أهوائهم بعد ما جاءَه من الحق، فإن ذلك لا يُتصور حصوله منه. وقوله: {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ} الآية: جواب القسم في قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ} أغنت عن جواب الشرط، على القاعدة المعروفة، وهي: أن القسم والشرط إذا اجتمعا يكون الجواب للمتقدم، ولذا خلت الجملة عن الفاء. ويجوز أن يكون التحذير للأمة المحمدية، مخاطبة به في شخص الرسول الكريم، وهو بهذا الوجه قائم دائم للمسلمين أجمعين إلى يوم القيامة. {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)} التفسير 121 - {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ... } الآية. الذين تفضلنا عليهم بإعطائهم الكتاب من أحبار اليهود حالة كونهم يقرأونه حق قراءته فلا يحرفونه، بل يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويحرمون حرامه ويصدقون كل بشاراته، أولئك يتمتعون حقًا بنعمة الإيمان بكتابهم، ولذلك أسلموا. أما الذين كفروا به، بأن حرفوه وأساءُوا تأوليه، وجحدوا بشارته، فأُولئك هم - وحدهم - الخاسرون دون سواهم. ولذلك لم يسلموا كما أسلم الأولون. ولا وجه لتخصيص الآية بمن أسلم من أهل الكتاب كما جنح إليه بعض المفسرين، فقد تضمنت من كفر منهم في آخرها. وقد حمل بعض المفسرين: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والكتاب على القرآن. وهذا الحمل خطأ، فإنَّ عُرْفَ القرآن: على أن أهل الكتاب هم: اليهود والنصارى. ولم يذكر المسلمون فيه. إلا بعنوان المسلمين والمؤمنين. كما أن السياق واللحاق، في بني إسرائيل فلا وجه لما قاله هؤلاء المفسرون.

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)} المفردات: {إِسْرَائِيلَ} هو: يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، عليهم السلام. {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}: تذكروا ما أنعمت به عليكم، من: الإنجاء من بطش الفراعنة، وإنزال التوراة، وغير ذلك. والمقصود من أمرهم بتذكرها: أن يشكروها بالإيمان، بما يجب الإيمان به. {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أي: على عالمي زمانهم. {وَاتَّقُوا يَوْمًا}: المراد باليوم: يوم القيامة، وباتقائه: التحفظ من عقابه. {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أي: لا تحمل عنها شيئًا من جزاء عملها. {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي: لا يُقبل منها فداء. التفسير 122 - {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ... } الآية. بعد أن نفى الله ما افتراه أهل الكتاب والمشركون من أن لله ولدًا، وأيد نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي أنكروها، ذكَّرَ بني إسرائيل بنعمه عليهم، وحذَّرهم من كفرها. وقد سبق التذكير بهذه النعم في الآيتين 47، و48 من هذه السورة، ولكنه كرر تذكيرهم بها هنا، تأكيدًا لوجوب شكرها بالإيمان، وليرتب عليها الوعيد الشديد. يا أبناء النبي إسرائيل، تذكروا ما أنعمنا به من النعم على آبائكم حتى شملتكم، ومنها أنَّي فضلتكم على عالمي زمانكم، بما آتاكم الله من التوراة دونهم. ومن حَقَّ تذكركم لهذه النعم وتقديركم لها: أن تشكروها.

ومن شكرها: أن تؤمنوا برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي بشرت بها التوراة، التي فضلْتكم بها على الوثنيين والمعطلين المعاصرين لكم، فقد انتهى العمل بالتوراة. 123 - {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ... } الآية. أي: واتقوا بإيمانكم بمحمد عقاب يوم: لا تحمل فيه نفس مؤمنة عن نفس كافرة شيئًا من الجزاءِ، {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}: أي فداء، مهما عظم، لَوْ وَجَدَتْهُ. {وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} إذ لا شفاعة لكافر {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} من أحد، إذ لا غالب للقهار - جل جلاله (¬1) - واليوم المذكور هو يوم القيامة، وإنما خوطب اليهود في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - بما في الآيتين، لأن ما أُنعم به على آبائهم، هو نعمة عليهم. ولكي يأمرهم بوقاية أنفسهم من العقاب: أمرهم بالإيمان بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - شكرًا لهذه النعم. وفي خطابهم منسوبين إلى جدهم - إسرائيل - عليه السلام - إشعار لهم بأن ذرية الرسول الصالح: الذي أمرهم ألا يموتوا إلا وهم مسلمون، يجب عليهم امتثال ما يأمرهم به رسول الإسلام، الذي هو دين جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام. والتعرض لنفي الفداء والشفاعة والنصرة في هذا اليوم، لأَنها هي الأمور التي اعتادها بنو آدم في تخليصهم إذا وقعوا في شدة. {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)} المفردات: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ}: اختبره ببعض التكاليف. {بِكَلِمَاتٍ}: هي ما كلفه الله به من التكاليف، التي سنتحدث عنها في المعنى. {إِمَامًا}: قدوة للناس. ¬

_ (¬1) راجع تفسير الآية (48) من سورة البقرة في موضع الشفاعة.

{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}: أي واجعل من أبنائي أئمة. {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}: العهد هنا: الإمامة والنبوة. وينال: بمعنى يدرك، أو يصيب. وعهدي: فاعل، والظالمين: مفعول. التفسير لما ذكر فيما تقدم اشتراك أهل الكتاب، وعبدة الأصنام في جعلهم ولدًا لله، وفَنَّدَ هذه الدعوى الكاذبة، ودعا بني إسرائيل إلى أن يتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا، أتبع ذلك ذكر ما كان عليه إبراهيم - عليه السلام - من عقائد مخالفة لما قالوا، موافقة لما دعاهم إليه رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-. والغرض من ذكر ذلك توبيخهم على ما هم عليه مما يخالف ما كان عليه إبراهيم، مع ادعائهم الانتساب إليه، وسيرهم على ملته. 124 - {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ... } الآية. الابتلاء: الامتحان. وهو عند الخلق لاستجلاء ما خفي علمه لديهم. والمراد به - في حق الخالق - تكليفُ العبد ببعض التكاليف. وأُطلق عليه الابتلاء - مع أنه تعالى لا يخفى عليه -شيء - لما فيه من إظهار أعمال العبد التي كانت خفية قبل أن يفعلها، كما يحدث في الامتحان. والكلمات هي: الواجبات التي كلفه الله بها، ولما كان التكليف بها يكون بكلمات، أُطلقت عليها مجازًا. قال ابن العربي: تسمية الشيء بمقدمته أحد قِسْميِ المجاز. والمراد بها التكاليف: ما كلفه الله به من شرعه. ومنها ما سيأتي مما حكاه الله في شأنه، وقد أبرزه من بين تكاليفه، لاتصاله بموضوع المحاجة مع أهل الكتاب والمشركين وجماعها الإسلام. والمراد من قوله {فَأَتَمَّهُنَّ} أنه وَفَّى بتلك التكاليف جميعًا. روى عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلى الله أحدًا بهن فقام بها كلها، إلا إبراهيم: ابتلى بالإسلام فأَتمه، فكتب الله له البراءة، فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (¬1)}. ¬

_ (¬1) النجم: 37.

وقد بين الله هنا: أنه تعالى كافأَه على هذا الإتمام، بأن جعله للناس - عامة - إمامًا يؤتم به، وقدوة يُقتدى به في جميع العصور والأجيال والمل لمن بعده. بخلاف كل نبي، فإمامته خاصة بأُمته، ولهذا جيءَ به موعظة وزجرًا لأهل الكتاب والمشركين: الزاعمين أنهم يسيرون على منهاجه. ولما بشر إبراهيم بهذه المكافأة، طلب إبراهيم مثلها لبعض ذريته فقال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} أي واجعل بعض ذريتي إمامًا للناس، وهو كعطف التلقين، كما يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا، فتكون الجملة دعائية - فرد الله عليه قائلًا: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي: لا يدرك عهدي بالنبوة الظالمين العصاة، ولا يصيبهم، لأن الأنبياء معصومون من المعاصي. وإطلاق الظالمين على العصاة، لأنهم ظلموا بمعاصيهم أنفسهم وغيرهم. وقد حصلت بركة دعوته هذه لعدد من بنيه الصالحين، جعلهم الله أنبياء، وهذه القراءة: نصبت الظالمين مفعولًا لينال، و (عَهْدِي) فيها مرفوع محلًا على الفاعلية، أي لا يصيب عهدي - بالنبوة - الظالمين. وقرأ قتادة والأعمش: (الظَّالِمُونَ) بالرفع فاعلًا لينال، وعهدي حينئذ مفعول. والمراد من القراءتين واحد، إذ الفعل تصح نسبته إلى كل من العهد والظالمين، على الفاعلية أو المفعولية، فإن مانالك فقد نلته. {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)} المفردات: {الْبَيْتَ}: المراد به الكعبة. {مَثَابَةً لِلنَّاسِ}: مرجعًا لهم للعبادة. من ثاب بمعنى: رجع.

{مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ}: هو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت. {مُصَلًّى}: مكان صلاة. {وَعَهِدْنَا}: أي أمرنا أمرًا مؤكدًا. {طَهِّرَا بَيْتِيَ}: نظفاه من كل ما لا يليق من الأوثان، وجميع الخبائث. {وَالْعَاكِفِينَ}: أي المعتكفين في المسجد، أي: الملازمين له زمنًا ما. {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}: الركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد، والمراد بهما المصلون. التفسير 125 - {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ... } الآية. أي واذكر يا محمد وقت أن أمرنا بأَن تصير الكعبة المعظمة مرجعًا للحجاج: يرجعون إليه بعد أن يتفرقوا عنه، أو موضع ثواب يُثاب الناس بالحج إليه، والاعتمار فيه. (وَأَمنًا) أي موضع أمن، والمقصود من جعل البيت مكان أمن: أن الحج إليه، يجعل الحاج مطمئنًا إلى رحمة الله، فإنه مكفر لكثير من الذنوب، وأن من لاذ به، كان آمنًا من ظالميه، لغلظ عقوبة الاعتداء فيه وفي الحرم الذي حوله، تشريفًا وتكريمًا له. ولقد سرى هذا الأمن إلى حيوانه غير المستأنس، فيحرم صيده فيه، ولذا أُطلق الأمن في الآية ولم يُقيد. وتكريمًا لإبراهيم - عليه السلام - أمر الله تعالى أن يتخذ الناس - عند الحجر الذي قام عليه لبناء البيت - موضع صلاة لركعتي الطواف وسواهما. والأمر استحباب. ثم أمر سبحانه إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - أن يطهرا هذا البيت - وما حوله - من كل ما لا يليق بعبادة الله وحده فيه، وفي مقدمته الأوثان، حتى تكون العبادة خالصة لله، وقد حفّ بالعابد: الطهر والنظافة من الأوساخ الحسية والمعنوية: كالضوضاء، وأدران القلوب، وهكذا يجب أن يكون الأمر في دور العبادة في شريعتنا، فالحكم ممتد إلينا من عهد إبراهيم عليه السلام. وقد تقرر بالسُّنة إلى جانب ما ورد هنا، وإنما خص البيت بالحكم، لمناسبة الحديث عن شئونه. وقد أمر بتطهيره - على هذا النحو - من أجل الطائفين به للنسك من أهل الحرم، أو الوافدين عليه من بقاع الأرض، ومثلهم الزائرون.

فالتطهير عام من أجل الجميع. وكما أمره بتطهيره مما ذكر للطائفين، أشرك معهم في هذا الحكم: المعتكفين فيه عن الناس لعبادة ربهم، والمصلين الذين عناهم سبحانه بقوله: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}. وإنما عبر عن المصلين بالركع السجود، لأن أبرز معاني الطاعة والخضوع لله في الصلاة، يتجسم في الركوع والسجود. ولم يستجب أهل الكتاب والمشركون لهذا الأمر {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} لكفرهم فإن أهل الكتاب لا يصلون إلى البيت الحرام، الذي بناه جدهم إبراهيم، وصرف وجوه الناس إليه، وحملهم على أداء النسك حوله، والمشركون لوثوه بالأوثان والذبائح حولها، وهذا ما يَدَّعون الانتساب إليه، فأين دعواهم هذه مما يعملون؟ أما محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو الذي أحيا شريعة جده وحافظ عليها كما أمر. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)} التفسير 126 - {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ... } الآية. مازال الحديث متصلًا، فبعد أن تكلم إبراهيم وتكلم عن البيت الذي بناه، شرع يتكلم عن مكَّة: بلد البيت وموطن ولده إسماعيل، وموضع نسكهما. والمعنى: واذكر وقت أن قال إبراهيم - وقد أنزل ولده الرضيع وأمه بوادٍ غير ذي زرع - يا رب اجعل هذا المكان المقفر: الذي لا شجر فيه ولا زرع ولا ماء، اجعله {بَلَدًا آمِنًا} بأن تحوله من هذا الإقفار إلى بلد آهل بساكنيه، ذي أمن، فلا يُعتدى على قاطنيه، وقد كانت مكة حرمًا آمنًا قبل إبراهيم - عليه السلام -. فقد روى مسلم عن ابن عباس مرفوعًا "أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض" الحديث، ودعاء إبراهيم لإظهار تلك الحرمة وتجديدها.

{وَارْزُقْ أَهْلَهُ} الذي يسكنونه {مِنَ الثَّمَرَاتِ} المختلفة، بأن تجعل بقربه قرى تثمرها، أو أن تُيَسّر جلبها إليهم من الأقطار الشاسعة، وخص دعوته بالمؤمنين منهم بقوله: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) إظهارًا لشرف الإيمان وخطره، واهتمامًا بشأن أهله، ومراعاة لحسن الأدب، وإيذانًا بأنهم هم المستحقون لهذا الرزق، دون من كفر من أهل الكتاب والمشركين {قَالَ} الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ} منهم {فَأُمَتِّعُهُ} زمانًا {قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} وألجئه إليه يوم القيامة فلا يستطيع الفكاك منه جزاء له على كفره. والواو في {وَمَنْ كَفَرَ} عطف على جملة من كلام الله على جملة) من كلام إبراهيم - عليه السلام - وهي {مَنْ آمَنَ} عطف تلقين، للإيجاز في القول. وقد أرشدت الآية: إلى أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن، وإن كان المؤمن أهلًا لكل خير. فرزق الكافر لاستدراجه، ولو حرم الله الكافرين من التوسعة في الرزق في الدنيا وخص بها المؤمنين، لانساقوا إلى الإيمان قسرًا. وقد قضت حكمته - سبحانه - أن يكون الإيمان اختياريًا، حتى يتجه إليه الإنسان عن طريق النظر في آيات الله، التي يبصرها قوم ويعمى عنها آخرون. ووصف التمتع بالقلة، لأن مدة الدنيا قليلة بالنسبة إلى الآخرة، ولتعرض متعها إلى الزوال كل لحظة. {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)} المفردات: {يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ}: القواعد: الأسس، جمع قاعدة، ورفعها: البناءُ عليها.

{أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}: جماعة مستسلمة ومنقادة لك بالإيمان والعمل الصالح، أو المراد بها: أُمة دينها الإسلام، وهي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}: متعبداتنا في الحج. {رَسُولًا مِنْهُمْ}: أي من أنفسهم، ولم يبعث من ذريتهما فيهم غير محمد - صلى الله عليه وسلم -. {الْكِتَابَ}: القرآن. {وَالْحِكْمَةَ}: وضع الأُمور في مواضعها. {وَيُزَكِّيهِمْ}: ويطهرهم من دنس الشرك والمعاصي. {الْعَزِيزُ}: الغالب الذي لا يُقهر. {الْحَكِيمُ}: الذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة. التفسير 127 - {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} واذكر يا محمد أيضًا حين بنى إبراهيم فوق أُسس الكعبة، ورفعها هو وإسماعيل ابنه، وهما يقولان داعيين: ربنا تقبل منا بناء هذا البيت: الذي سيكون قبلة ومطافًا لعبادك، إنك أنت وحدك دون سواك السميع دائمًا لأقوالنا، العليم في كل حين بخفايا نياتنا. 128 - يا ربنا وأضف إلى تفضيلك بتقبل طاعتنا في بناء الكعبة منا، تفضلك بأن تجعلنا منقادين دائمًا لك: لا نخالف أمرك، ولا نعصي نهيك، بحيث يكون قياد قلوبنا بيدك وحدك. ياربنا وأضف إلى ما تفضلت به: أن تجعل بعض ذريتنا جماعة مستسلمة ومنقادة لك، في إيمانها وطاعتها، لا للهوى والشيطان. وعرِّفنا يا ربنا أماكن حجنا ومذابح هدينا، واقبل توبتنا وتوبة ذريتنا، إنك أنت - لا سواك - مانح التوبة، والمتفضل بقبولها وإن عَظُمَ الذنب وتعدد، وأنت كثير الرحمة، عظيم الإحسان.

فإن قيل: إن الأنبياء لا يعصون ربهم، فما وجه طلب إبراهيم وإسماعيل من ربهما أن يتوب عليهما؟ أي يقبل توبتهما: فالجواب: أن ذلك محمول على هضم النفس، أو على أن يتوب عليهما مما خالفا به الأَوْلى، أو فعلاه سهوًا أو أفراد ذرياتهما. 129 - {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. يا ربنا، وأتمَّ على ذريتنا نعمتك: بأَن تبعث فيهم رسولًا منهم، لا من غيرهم. يتحدث بلغتهم ويقرأُ عليهم آياتك البينات، ويعلمهم معاني القرآن وأسراره، ويعلمهم الحكمة. أي وضع الأمور في مواضعها، ويطهرهم من دنس الشرك وقبيح العادات، إنك أنت يا رب - لا سواك - العزيز: الغالب الذي لا يُقهر، الحكيم: المدبر عن حكمة وإتقان. تفصيلات لبعض ما تقدم: لم نشأْ أن نقطع على القاريء اتصال المعنى الإجمالي بشيء من التفصيلات وقد رأينا أن نأْتي بما يلزم منها فيما يلي. في نداء إبراهيم وإسماعيل لله - سبحانه - بعنوان الربوبية لهما إذ يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} مظهر من مظاهر الخضوع والإجلال له - سبحانه - وقد أكد رجاءَهما في تقبله - تعالى - لدعائهما بقولهما: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فإن من كان هذا شأنه يتفضل بقبول عملنا الذي علم أننا أخلصناه لوجهه. وبما أنهما مسلمان مخلصان له تعالى، يكون قولهما: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مراد منه: أَدِم علينا نعمة هذا الإسلام لك: بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك دائمًا. فالمسلم لا يطلب أن يُجعل مسلمًا، بل أن يدوم على إسلامه، والمقصود من الإسلام فيما قالا: الخضوع والاستسلام إلى الله - تعالى - بتوحيده، ونفي الشركاء والأولاد والزوجات عنه - تعالى - وغير ذلك من أمهات الفضائل: التي اشتركت فيها جميع الأديان، إلى جانب ما اختصا به في شريعتهما. وما من شريعة إلا كان الغرض منها الإسلام لله أي الخضوع له فيما شرعه. فالإسلام بهذا المعنى: هو دين الأنبياء جميعًا، وعليه قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (¬1)}. ¬

_ (¬1) آل عمران: 67.

وهذا يفيد: أن الإسلام الذي يدين به، هو ما ليس فيه الشرك الذي تردى فيه اليهود والنصارى والوثنيون. ويجب أن يُعرف أن دين إبراهيم، ليس مطابقًا للإسلام في فروع الشريعة، بل في أُصولها وأُصول العقائد. فإن كل دين، جاءت فيه فروع تناسب الأمة التي كلفت بها. وقد كان دين إبراهيم يسيرًا في شرائعه وأحكامه، إذ جاءَ في صحائف، ولم يأت في كتاب كبير، كالإسلام واليهودية والنصرانية. وقد امتاز الإسلام بأنه تناول كل فروع الحياة، وأعطاها الأحكام المناسبة لها، فكان - لذلك - صالحًا لكل زمان ومكان. وقد طلب إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - من ربهما أن يجعل من ذريتهما جماعة مسلمة له - تعالى - ولم يعمما الذرية، لما وقر في نفسيهما، من أن بعضهم سيكونون كفارًا، لما عرفاه من طبائع البشر، وسيرهم على هواهم، وتنكرهم لشرائع رسلهم. وخصَّا ذريتهما بالدعاءِ، لأنهم أحق بالشفقة، والدعاء لهم بالصلاح مطلوب شرعًا. ومعنى {وَتُبْ عَلَيْنَا}: وفقنا للتوبة أو تقبل توبتنا. والتوبة في حق الأنبياء تكون من ترك ما هو الأولى، أو من خطأ في الاجتهاد. وعلى هذا نحمل التوبة التي يسأل الأَنبياءُ والمرسلون قبولها. ولعل في ذكر هذه الجملة هنا بعد قوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} إرشادًا إلى أن تلك المواضع، أمكنه التخلص من الذنوب، وطلب التوبة مما فات منها. والغرض من قولهما: {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} التوسل إلى قبول توبتهما، بما عُرف من شأنه - تعالى - وهو: أنه كثير التوبة على عباده، رحيم بهم. وقد واصل إبراهيم وإسماعيل دعواتهما فقالا: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ} أي في ذريتهما {رَسُولًا مِنْهُمْ} وقد استجاب الله دعاءهما فبعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم -. والرسول - في عرف المتكلمين - إنسان ذكر، حُر، أُوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه. فإن لم يؤمر بتبليغه كان نبيًا فقط، وليس برسول. وسأل إبراهيم وإسماعيل أن يكون الرسول من الأُمة ليكون أَدعى إلى الاستجابة، لمعرفتهم بحاله - في نشأته - وبلسانه. وسرُ الجمع بين الأمور الأربعة الواردة في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

أن تلاوة الآيات وحفظها بألفاظها كما نزلت، والتعرف على بلاغتها، وروعة أساليبها ووجوه إعجازها - كل هذا - داعٍ إلى تفهم معانيها وتعقل مراميها. فإذا جمع الإنسان بين التلاوة والفهم، كان أحرى وأجدر بتقبل الحكمة النبوية التي ظهرت في حياة الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - قولًا وعملًا. فإذا ما ارتقى إلى هذه الدرجة، زاد خيره وعم نفعه وطهر قلبه، وخلص لمولاه، ونظفت جوارحه مما يُغضب الله. على أن الآية قد استوفت منابع الدين أُصولًا وفروعًا. فكل رأي لا يستند إلى الكتاب أو السنة - أو إلى أصل مستمد منهما على وجه معقول - فهو ردٌّ على صاحبه. {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)} المفردات: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}: من اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي، ويرغب: يتعدى للمكروه بعن كما هنا، فإنهم يكرهون ملته، أي لا أحد ينصرف عنها لكراهته إياها، ويتعدى للمحبوب بفي، يُقال رغب في كذا: أي أحبه: والملة في الأصل: الطريقة، وغلب إطلاقها على الدين. {سَفِهَ نَفْسَهُ}: امتهنها واستخف بها مثل سفَّه - بفتح الفاء المشددة - وأصل السفه الخفة، فمن رغب عما يرغب فيه - وهو ملة إبراهيم - فقد بالغ في امتهان نفسه وإهانتها، والاستخفاف بها. وقيل: إن سفه مضمن معنى الجهل، أي فقد جهل نفسه أي: لم يفكر فيما ينفعها. {اصْطَفَيْنَاهُ}: اخترناه للرسالة من بين سائر الخلق. التفسير 130 - {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)} لا أحد يزهد في دين إبراهيم إلا شخص امتهن نفسه واحتقرها، لأنه دين التوحيد الخالص

{وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}: ولقد اخترناه في الدنيا لرسالتنا من بين الخلق، وإنه في الآخرة لفي عداد الصالحين: المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، المستحقين للفوز بأكرم الدرجات. جاءت هذه الآية: تبين ضلال اليهود والنصارى والمشركين، في صدهم عن الإسلام ومحاربة محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن الآيات السابقة سيقت لبيان أن إبراهيم الذي يفخر مشركوا العرب بانتسابهم إليه، وتفخر اليهود والنصارى بأنهم من بني إسرائيل الذي هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إنما كانت شريعته على نمط الإسلام من: التوحيد، والعقائد وأُصول الأحكام. وهؤلاء وأولئك بصدهم عن الإسلام، ومحاربتهم له قد رغبوا عن ملة إبراهيم إلى الشرك، وادعاء الولدية له تعالى، فاستحقوا أن يقول الله فيهم: إنهم سفهوا أنفسهم، واحتقروها حيث وضعوها في بؤرة الردة عن دينه الحق، إلى الوثنية والشرك، ووصف الله بما لا يليق به، بدل أن يرفعوها إلى قمة الإسلام: دين إبراهيم الذي يدعون انتسابهم إليه، والله هو الذي جمع له كرامتي الدنيا والآخرة، فكان حريًا أن يسيروا على منهاجه. {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)} التفسير 131 - {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ... } المراد بالإسلام هنا أتم وجوهه من إخلاص التوحيد لله، وكمال الإنقياد لأوامره واجتناب نواهيه، في كل حال. {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}: بادر إبراهيم إلى الامتثال، لكمال استقامته التي رفعته عند الله إلى المنزلة العليا، وقال: أسلمت لرب العالمين، ولم يقل: أسلمت لك،

ليذكر الله بما يدل على عظم شأنه، ويشير إلى أن من كان ربًا للعالمين: لا يليق بأحد منهم، إلا أن يتلقى أمره بالخضوع وحسن الطاعة. فهو إشارة إلى سبب الإخلاص لله. 132 - {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ... } التوصية: إرشاد الغير إلى ما فيه صلاح وقربة، ووصى أبلغ من أوصى لما فيها من معنى التكثير، والضمير في (بِهَا) يعود على {مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}: أي وصى إبراهيم بنيه باتباعها. ودلت هذه الآية، على أن إبراهيم يجمع إلى كمال استقامته، العمل على تكميل غيره، وأن أحق من يسدي إليه النصح: البنون {وَيَعْقُوبُ} معطوف على إبراهيم، أي وصى يعقوب أبناءَه اتباعًا لوصية جده إبراهيم قائلًا: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} وهو الإسلام. وفي نداء الأبناء بلفظ البنوة المشعر بمكانتهم في قلب الداعي، وفي تأكيد الجملة بإنَّ واسميتها، وفي التعبير بلفظ الجلالة، وإسناد الاصطفاء إلى ضميره، وفي اختيار مادة اصطفى ما يفيد تأكيد: أن دين الإسلام هو خير دين. {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. تفيد هذه الجملة: نهيه لهم عن أن يموتوا إلا وهم مسلمون، وبما أن الموت ليس في استطاعة أحد دفعه حتى ينهى المرء عنه، فلذا يكون الغرض نهيهم عن التدين بدين غير الإسلام حتى لا يدركهم الموت وهم به كافرون. {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)} المفردات: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} أم بمعنى: بل الانتقالية وهمزة الإنكار. أي: بل أكنتم. {شُهَدَاءَ}: جمع شهيد بمعنى شاهد: أي حاضر.

{إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ}: وقت حضور علاماته ليعقوب. {تِلْكَ أُمَّةٌ}: تلك جماعة. والإشارة راجعة إلى الأنبياء الثلاثة. {قَدْ خَلَتْ}: مضت. التفسير 133 - {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ... } الآية. بعد توبيخ المخالفين لملة إبراهيم، بقوله تعالى: "ومن يرغب ... " الآية. وبعد بيان أن هذه الملة هي التي وصى بها إبراهيم ويعقوب أبناءهما - جاءت هاتان الآيتان، لإنكاره افتراءٍ أهل الكتاب على يعقوب، أنه كان على ما هم عليه من التدين، وبيان أن انتسابهم إلى آباء صالحين، لا يغني عنهم فتيلًا. والخطاب لأهل الكتاب من اليهود الذين زعموا: أن يعقوب أوصاهم - حينما أشرف على الموت - بالبقاء على يهوديتهم المحرفة، القائلة: بأن لله ولدًا، وأنه شريك لأبيه. وحضور الموت: حصوله، والمراد: حضور علاماته، والإشراف عليه، لأن الميت فعلًا لا يستطيع أن يوصي من حضره. وأم بمعنى: بل والهمزة، وبل للإضراب الانتقالي، من توبيخهم على رغبتهم عن ملة إبراهيم: إلى توبيخهم على افترائهم على يعقوب - عليهما السلام - والهمزة لإنكار مشاهدتهم يعقوبَ عند احتضاره، أي: بل ما كنتم حاضرين عند مشارفة الموت له، حتى تقولوا ما قلتم. {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي}: وجه يعقوب الوصية لبنيه في صورة سؤال، لبيان شدة اهتمامه بأمرهم، وليطلب بسؤاله جوابًا منهم: يعبر عن رسوخ إيمانهم، وعقدهم النية على أن يخصوا الإله الحق بعبادتهم والاستفهام بـ (مَا) في قول يعقوب لبنيه: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي}: لأَنها تستعمل عند إبهام المسئول عنه لغرض، كما هنا، حيث أراد ألا برشدهم إلى الجواب، حتى ينبع هو من عقولهم دون إيحاء، كما تُستعمل في السؤَال عن المجهول، وإن دخل فيه العاقل والعالم، فإن سُئل عن عاقل بعينه استعملت مَنْ الخاصة به. أما غالب استعمالها - أي ما - ففي السؤَال عن غير العاقل، وقد تستعمل في السؤال عن وصف العاقل، كقولك ما زيد؟ أطبيب أم فقيه؟ ويجوز أن يكون السؤال عن العبادة التي يتعبدون بها.

{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا}. كان يكفي في جوابهم أن يقولوا نعبد الله، ولكنهم أطنبوا وأسهبوا: اغتباطًا وتمسكًا بالحق، وإيذانًا بأنه عقيدة مشتركة بين الأنبياء الثلاثة كما هو عقيدته، وليس أمرًا مخترعًا، بل هو حقيقة الاتباع لإبراهيم وذريته، وذكروا إسماعيل - عم يعقوب - في جملة آبائه تجوزًا، وقدموه على أبيهم إسحاق لأنه أسَنُّ منه، وذكروا {إِلَهًا وَاحِدًا}: للتأكيد، وللتلذذ بالإقرار بالوحدانية، وأكدوا أيضًا، واستمتعوا بقولهم: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي: مستمرون في عبادته، والتمسك بدين الإسلام. 134 - {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ... } {تِلْكَ}: إشارة إلى إبراهيم وأبنائه الأنبياء، وأُنثت لتأنيث الخبر وهو (أُمَّةٌ). (خَلَتْ): مضت وانقضت. والأُمَّة: الجماعة يجمعهم أمر واحد، نحو الموطن أو اللغة. {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ}، الكسب: العمل لإصابة ما فيه نفع. لفظ مقدر يقتضيه المعنى - والتقدير: لها جزاءُ ما كسبت، ولكم جزاءُ ما كسبتم. وحاصل المعنى: تلك جماعة من الأنبياء لها جزاءُ ما كسبت من التوحيد والإسلام لله، ولكم جزاءُ ما كسبتم من الكفر والمعاصي. {وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: لا يقع لكم سؤال عن أعمالهم. بل عن أعمالكم أنفسكم. فلا تنفعكم أعمالهم الصالحة وأنتم على نقيضها، وإن كنتم من ذرياتهم، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه. فاستقيموا على الإسلام الذي دعاكم إليه رسوله محمد. كما استقام أنبياؤكم عليه، فإن أباكم إبراهيم وَصَّى به بنيه فقال: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)} المفردات: {حَنِيفًا}: مائلًا عن الباطل إلى الحق، ومن الحنف بمعنى: الميل، أو مستقيمًا من الحنف بمعنى: الاستقامة، فهو يستعمل في المعنى وضده. {الْأَسْبَاطِ}: جمع سبط هو: ولد الولد، من السبط وهو التتابع، وكان ليعقوب إثنا عشر ولدًا خرجت من كل منهم ذريات كثيرة، أُطلق على ذرية كل واحد: منهم سبط، بالنسبة لجدهم يعقوب. فالأسباط في بني إسرائيل، قبائل يهودية، تنتمي إلى أصل واحد، كالقبائل العربية، وكانوا اثنتي عشر قبيلة، كما قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا (¬1)}. {بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} أحد: اسم موضوع لمن يصلح للخطاب، يستوي فيه المذكر والمؤنث. مفردًا كان أو مثنى أو جمعًا، ولذا صح دخول (بَيْنَ) عليه (¬2). {فِي شِقَاقٍ}: الشقاق: الخلاف أو العداوة، وكل تصح إرادته هنا. {صِبْغَةَ اللَّهِ}: الصبغة في الأصل: الحالة التي يكون عليها الصبغ، وهو تلوين الشيء بلون مَا. ¬

_ (¬1) الأعراف: 160. (¬2) ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أحلت الغنائم لأحد سواد الرأس غيركم".

وأُطلقت في الآية على الإيمان، لأنه يتداخل في القلوب تداخل الصبغ في المصبوغ ويظهر أثره على المؤمن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب، ويُقال: تصبغ فلان في الدين، إذا أحسن دينه. التفسير 135 - {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)} بعد أن بين الله - سبحانه وتعالى - ضلال اليهود والنصارى - في أنفسهم - بقوله حكاية عنهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} (¬1) بين هنا إضلالهم لغيرهم، بقولهم: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} ثم أتبع ذلك الرد عليهم، وفيما يلي بيان ذلك. {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا}. حكت لنا هذه الجملة، دعوة كل من اليهود والنصارى للمؤمنين، إلى اتباع دينهم، وزعمهم أنه الحق دون غيره. وليس المعنى أن كلا الفريقين قالوا ذلك على وجه التخيير، بل المعنى: أن اليهود قالوا لهم: كونوا هودًا تهتدوا، والنصارى قالوا لهم: كونوا نصارى تهتدوا. ويساعد على إفادة هذا المعنى - باللفظ الموجز - ما هو معروف من أن كل فريق منهما يدعي أن ديانة الآخر باطلة. {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - و {بَلْ}: إبطال لما ادعاه كل من الفريقين. و (مِلَّة): منصوب بفعل مقدر تقديره: نتبع. و {حَنِيفًا}: حال من إبراهيم ملازمة له. والمعنى قل يا محمد: بل نتبع ملة إبراهيم مستقيمًا دائمًا على الحق. وهذا يشير إلى أن اليهودية والنصرانية - بعد تحريفهما - غير مستقيمتين، وأن ملة إبراهيم - وهي الإسلام الذي نحن عليه - أولى بالاتباع من الملل المعوجة. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} نفي عن إبراهيم أن يكون مشركًا، وعرض بإشراك جميع الكافرين: الذين يفخرون بانتسابهم إلى إبراهيم، ويدعون أنهم على ملته. فكفار العرب عبدوا الأصنام واقترفوا كثيرًا من النقائص. ¬

_ (¬1) الآية 111 - من هذه السورة

واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وغير ذلك من القبائح. فكأنه يقول لهم: بل أنتم المشركون. 136 - {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ... } الآية. الخطاب للأمة الإسلامية جمعاء، والإيمان بالله تصديق جازم بما اختص به - سبحانه - من صفات الكمال: تصديقًا قائمًا على النظر في أسرار الكون، والانتباه إلى ما يلقاه الإنسان في حياته، من رعاية الله ولطفه، وغير ذلك من عظائم خلقه وحكمته. {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}: وآمنا بالقرآن الذي أنزله الله إلينا، لنعمل بما كلفنا الله فيه. {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} المراد بما أُنزل إليهم: الصحف التي أنزلها الله إلى إبراهيم، المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} (¬1) وصح نسبه إنزالها إلى الأنبياء الثلاثة من بعده، ثم الأَسباط، مع أنها أُنزلت على إبراهيم خاصة، لأنهم مأمورون باتباعها، والتعبد بما فيها والدعوة إليها. {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى}: وآمنَّا بما أُعطي موسى وهو التوراة، وبما أُعطي عيسى وهو الإنجيل. وعطف عيسى على موسى دون تكرير الفعل، لأن عيسى جاءَ مصدقًا لما في التوراة، عاملًا بما فيها، مع نسخ أحكام يسيرة منها، كما قال تعالى: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (¬2)}، فكأن ما أُوتيه النبيان شيءٌ واحد. {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} وآمنا بما أُعطي النبيون جميعًا من عند ربهم، وهذا تعميم بعد تخصيص، وتخصيص المنزل إلى إبراهيم ومن تبعه، لأن من دخلوا في هذه المحاجة من اليهود والنصارى والمشركين، يدعون الانتساب إليه. وتخصيص موسى وعيسى لما مر قريبًا: من أن اليهود والنصارى، دعوا المسلمين إلى اتباع اليهودية أو المسيحية، وترك الإسلام. وقدم الإيمان بالله، لأن ما بعده متوقف عليه. وقدم: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} لأن الإيمان به واجب على وجه التفصيل، والإيمان ببقية الكتب يكفي على وجه الإجمال، ولأنه مصدق للكتب السابقة ومُهيمن عليها. ¬

_ (¬1) الأعلى: 18، 19. (¬2) آل عمران: 5

{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} التفرقة: جعل الشيء مفارقًا للآخر، وأحد هنا بمعنى: جماعة، لأن بَيْنَ لا تدخل إلى على متعدد. والمعنى: لا نفرَّق بين جماعة من النبيين، فنؤمن ببعض، ونكفر ببعض، كما فعل اليهود. وقيل: إن في الكلام معطوفًا مقدرًا لظهوره، أي لا نفرق بين أحد منهم، وبين غيره كما في قول النابغة: فما كان بين الخير لو جاء سالمًا ... أبو حجر إلا في ليال قلائل أي بين الخير وبيني. وهذا التعبير أبلغ من قولك: لا نفرق بينهم، لما فيه من الدلالة - صراحة - على عدم التفريق بين كل فرد منهم وبين من عاداه، كائنًا من كان. وفيه تعريض باليهود إذ آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد. وتعريض بالنصارى، لكفرهم بمحمد - صلوات الله وسلامه عليه -. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}: وقولوا - أيضًا - ونحن لله مسلمون خاضعون بالطاعة. ومن جمال التعبير: أن هذه الآية، ابتدأت بالإيمان الذي هو فعل القلب، واختتمت بالإسلام الذي هو فعل الجوارح. 137 - {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ... } الآية. الفاءُ في قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا} لترتب ما بعدها على ما قبلها، وسيأتي نظم هذا الترتيب في ذكر المعنى. وظاهر الآية مشكل، لأنه يقتضي أن يكون لله مثل، ولو آمنوا بهذا المثل لاهتدوا، وذلك لا يصحن فالله - تعالى - منزه عن المثل، فلا اهتداءَ إلا بالإيمان به وحده. ولهذا ذهب المفسرون في تأويلها عدة مذاهب، نذكر منها رأيين: (أحدهما) أن (مِثْلَ) صلة جاءت لمجرد التوكيد، ولم يُقصد معناها وهي (المثلية)، كما هي في قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ (¬1)} أي عليه - وأُيَّد بقراءة ابن مسعود ¬

_ (¬1) الأحقاف: 10.

وابن عباس {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} بحذف كلمة (مثل). (والرأي الثاني) - وهو الذي نختاره - أن: (مثل) ليست صلة (أي ليست زائدة للتوكيد) وأن الباء في قوله (بِمِثْل) للاستعانة، وأن المعنى: فإن دخلوا في الإيمان بوساطة شهادة مثل الشهادة التي ثبت لكم الإيمان بموجبها، فقد اهتدوا، والمراد بهذه الشهادة: ما مر في الآية قبلها. وحاصل معنى الآيتين على هذا التأويل: قولوا، أيها المؤمنون: آمنا بالله وما أُنزل إلينا في القرآن، وما أُنزل إلى إبراهيم وذرياته من الأنبياء، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مخلصون. فإن ترتب على هذا البيان الشامل لما عند أهل الكتاب وما عندكم: أنهم دخلوا في الإيمان - بسبب اعتراف وشهادة مثل الشهادة التي ثبت لكم الإيمان بموجبها - فقد اهتدوا إلى الحق. {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي: وإن أعرضوا عن الدخول في الإيمان بهذا الاعتراف، وفرقوا بين الرسل، فآمنوا ببعض، ولم يخلصوا لله - فما هم إلا غارقون في خلاف وعداوة، وليسوا طلاب حق. وسُمى الخلاف شقاقًا لأن أحد المختلفين يأْخذ في شق غير شق صاحبه: صورة أو معنى. {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ}: يكفي من الكفاية بمعنى الوقاية. والمعنى: فسيقيك الله شرهم، أو بمعنى الإغناء، والمعنى: فسيغنيك الله عن مقاومتهم وتصدير الفعل بالسين دون سوف، للإشعار بأن ظهوره عليهم سيتم في زمن قريب من نزول الآية. وقد أنجز الله وعده بتفريق كلمتهم، وقتل بني قريظة وإجلاءِ بني النضير، وغير ذلك مما حاق بباقي اليهود، وكل ذلك بفضل الله.

{وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إيراد وصفي: {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} بعد وعد الله نبيه بالنصر في قوله: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} إنما يشعر: بأنه محيط بمكرهم ومحبطه، فلن يأخذوا رسوله على غرة. 138 - {صِبْغَةَ اللَّهِ ... } الآية. صِبْغَةَ مصدر مؤكد لفعل من معناه وهو قوله السابق: {آمَنَّا بِاللَّهِ} وكأنهم قالوا: صبغنا الله صبغته. والصبغة: الحالة التي يكون عليها الصبغ، عبر بها عن الإيمان على الوجه الذي مضى في الآيات، لأنه يظهر أثره على المؤمن، ظهور لون الصبغ على المصبوغ، ويتداخل في قلوبهم، تداخله في نسيج الثوب. فالكلام من الصور البلاغية على سبيل الاستعارة. ويجوز أن تكون فيه مشاكلة تقديرية لما يصنعه النصارى، من صبغهم أولادهم بماءٍ أصفر يسمونه المعمودية، يزعمون أنه يطهر المولود. والمراد من الآية على هذا: أن دين الله الإسلام، هو الذي يطهر من الآثام دون سواه. و (مَنْ) في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} للاستفهام الإنكاري، فهي بمعنى النفي. والتفضيل في المعنى جار بين صبغة الله وصبغة غيره، لا بينه - تعالى - وبين غيره في الصبغة، والمعنى: لا صبغة أحسن من صبغة الله، أي لا دين أحسن من دين الله، الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وكما أنه لا دين أحسن من دينه، فلا دين يساويه في الحسن أيضًا. فإنه لا يوجد حسن في غيره من الأديان، بعد أن تجاوزت الحق في شأنه وشأن رسوله كما مر في الآيات. وهذا الأسلوب - وإن كان في ظاهره نفي الدين الأحسن من دين الله - فإنه في الاستعمال العربي، نفي لما يساويه في الحسن أيضًا، فأَفعل التفضيل فيه على غير بابه. {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} أي: ونحن - لله الذي أعطانا هذه النعمة - عابدون، شكرًا له عليها وعلى سائر نعمه.

{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)} المفردات: {أَتُحَاجُّونَنَا}: أتجادلوننا. فصيغة المفاعلة اعتبارية، فكأن كلًا من المتجادلين يأتي بحجة يدحض بها قول خصمه. {وَالْأَسْبَاطِ}: هم أولاد يعقوب. والمراد بهم هنا، أنبياؤهم. {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ}: أي وما الله بساه، بل هو عالم. التفسير 139 - الخطاب بقل للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد من المحاجة في الله: المجادلة في دينه. ذلك أن اليهود والنصارى: يدَّعون أن الدين الحق هو دينهم، وأن الجنة لن يدخلها سواهم، كما تقدم قريبًا، والاستفهام هنا للإنكار. {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} الرب: الخالق المربي لعباده بنعمه. والمعنى: لا وجه لتفضيلكم أنفسكم علينا، فنحن - وأنتم في العبودية لله - سواءٌ، فكيف تحرموننا من فضله؟

{وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أي: ولنا أعمالنا الحسنة، ولكم أعمالكم السيئة، كما يُستفاد ذلك من التعقيب بقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} والإخلاص: هو أن يقصد بالعمل وجه الله وحده. وهؤلاء لم يخلصوا أعمالهم لله. فقد عبدوا عُزيرًا وعيسى - عليهما السلام - فأَنَّى لهم دخول الجنة بأعمال أشركوا فيها: ولم تصف أعمال المسلمين بالحسن، وأعمال سواهم بالسوء، تجنبًا لنفور المخاطبين، واكتفاء بالتعريض اللطيف: الذي توحي به جملة {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ}. 140 - {َمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ... } الآية. أم: منقطعة، بمعنى بل وهمزة الإنكار، والآية مسوقة لإنكار قول اليهود: إن الأنبياء السابقين كانوا على دينهم وقول النصارى: إنهم كانوا نصارى مثلهم، أي: لا يقل أحد منكم هذا القول الباطل، وقد أمر الله فيها نبيه أن ينكر عليهم ويُبَكِّتَهم فيقول: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}: فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وأعلم: أفعل تفضيل، والتفضيل على سبيل الاستهزاء، إذ المقصود أنهم لا علم عندهم، والمعنى: أن ما زعمتوه هو على خلاف ما يعلمه الله: فأنتم تقولون: إنهم كانوا على يهوديتكم أو نصرانيتكم، والله يقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ (¬1)} فكيف يكون على دينكم وأنتم بعده؟ والحق أنه كان حنيفًا مسلمًا، أي: على المباديء التي أقرها الإسلام، وأهمها: التوحيد، وعدم اتخاذ الولد. ولذا صح أن يقول الله في شأنه {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (¬2)}. ¬

_ (¬1) آل عمران: 65 (¬2) آل عمران: 67

أي إن إبراهيم، لم يكن على طريقة اليهود والنصارى، في زعمهم: أن لله ولدًا، وغير ذلك من أكاذيبهم. ولمي كن على طريقة من أشرك بالله، بل كان حنيفًا مائلًا عن الباطل إلى سنة الإسلام من التوحيد ونظافة العقيدة، وأَبناؤُه الذين ذكرتموهم كانوا على دين أبيهم، فهل أنتم أعلم بديانتهم من الله؟ الله هو الذي يعلم. أما أنتم فتجادلون بالباطل. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ}. الشهادة: هي شهادة الله: أن إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا. وقد شهد الله بذلك في كتابي اليهود والنصارى - التوراة والإنجيل - وهم يعلمون ذلك وقد كتموا الشهادة بذلك في جدلهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وادعى كل من الطائفتين: أنه كان على دينه، فأنكر الله عليهم كتمان الحق الذي شهد به الله، فقال ما معناه: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة ثابتة عنده في كتابه، منزلة من الله، حين زعم أن إبراهيم كان على دينه. مع ما فيه من شرك بالله. واتخاذ ولد له سبحانه، والحق أنه لم يكن كذلك بل كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين. وكما أنه لا أظلم ممن ادعى ذلك، فكذلك لا يساويه أحد في الظلم. ويجوز أن تكون هذه الشهادة هي ما جاء عنه في القرآن: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ... } الآية. والمعنى: أن محمدًا أدى شهادة عنده - في القرآن من الله - عن إبراهيم بأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا، ولم يكن يسعه كتمانها فإنه لا أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، فلماذا كتمتموها ولم تؤَدوها كما أداها محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ وعلى كل، ففي عموم الآية تعريض بكتمانهم شهادته تعالى بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم، وسائر شهاداته. {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: الغافل: هو الذي لا يفطن للأمور. مأخوذ من قولهم: أرض غفل، أي: لا عَلَمَ بها، ولا أثر عمارة. والغفلة: السهو والإهمال.

والحكمة في اختيار طريق نفي الغفلة لإثبات عدم الترك: أن نفي نقيص الصفة أبلغ في إثباتها من الإثبات نفسه، لأنه يستلزم إثبات الصفة إلى جانب نفي النقيض، لأن في المقام للتهديد والوعيد. والمعنى: أن الله مُحصٍ أعمالكم، محيط بها، لا تخفى عليه خافية. ولن يترك أُموركم دون عقوبة، وبخاصة إذا كانت بالغة السوء، ككتمان ما أنزل الله. 141 - {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأمة المشار إليها في الآية: إبراهيم وأبناؤه الرسل وقد وردت هذه الآية آنفًا: في ختام دحض مزاعم ومفتريات أهل الكتاب، وتكررت هنا، للمبالغة في تحذيرهم من تركهم لدين الإسلام الذي كُلفوا به، وادعائهم أنهم على دين آبائهم الأنبياء. وكأن الآية تقول لهم: إن أمامكم دينًا دُعيتم إلى اتباعه، واقترنت دعوته بالحجة الواضحة. فانظروا في دلائل صحته وسمو حكمته، ولا تردوه بمجرد دعوى: أن آباءكم الأنبياء السابقين، كانوا على ما أنتم عليه الآن، فإن دعواكم هذه لا تفيد، ولو فرضنا تَسْلِيمَهَا لكم، فإن الشرائع تختلف باختلاف الأمم، فتلك أُمة مضت. لها عملها وفق شريعتها، وهذه أُمة أخرى: لها عملها حسب شريعتها، ولا تُسأَلون عن أعمال آبائكم وشريعتهم، بل عن أعمالكم أنتم، وفق شريعتكم التي شرعها الله لكم. وهي الإسلام، فلا تتمسكوا بشريعة كانت لمن قبلكم، بل تمسكوا بشريعة الإسلام التي نسخها، وقام الدليل على صحتها، وقد تعبدكم الله بها.

{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} المفردات: {السُّفَهَاءُ}: خفاف العقول، أو الجهلاء. {مَا وَلَّاهُمْ}: ما صرفهم. {صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: طريق قويم، لا عوج فيه. والمراد به هنا: طريق الحق. التفسير 142 - {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ... } الآية. روى البخاري في صحيحه، عن البراء: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أول ما قدم المدينة، صلى إلى بيت القدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلَّى أول صلاة صلاها (¬1) صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلَّى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون (¬2)، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ مكة، فداروا كما قِبَلَ البيت". وفي رواية ابن إسحاق، وغيره، عنه، زيادة: فأنزل الله - تعالى -: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ... } الآية. ذهب الإمام الزمخشري وغيره من المفسرين، إلى أن الله - سبحانه - أخبر بما سيقوله السفهاءُ قبل وقوعه، ليكون وقعه خفيفًا على قلوب المسلمين عند حدوثه، لأن مفاجأة المكروه ¬

_ (¬1) أي جهة البيت، كما سيأتي. (¬2) أي في العصر.

أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد (¬1) قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأَردُّ لشغبه - وفي هذا أيضًا - إعجاز قرآني، للإخبار بالغيب قبل وقوعه. وذهب القرطبي وغيره: إلى أن الفعل: {سَيَقُولُ}، بمعنى: قال، وأن الآية الكريمة أوردت الماضي بصيغة المستقبل، دلالة على استمرار ذلك القول وتجدده. والسفهاءُ المتسائلون عن تحويل القبلة هم اليهود، كما ذكر ابن عباس، أو المشركون كما ذكر الحسن، أو المنافقون، كما ذكر السُّدِّيّ .. قال الراغب: ولا تنافي بين أقوالهم، فكلٌّ قد عابوا، وكلٌّ سفهاء. وقد تناولت الآيات السابقة: أن أهل الكتاب سفهوا على ملة إبراهيم - عليه السلام - فإنهم علموا الحق، وكتموه {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} (¬2) وجاءت هذه الآية الكريمة، لتذكر لونًا آخر من ألوان سفههم، وسَفَهِ من ماثلهم من المشركين والمنافقين. والتعبير بقوله {السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} للإيذان بأنهم انفردوا من بين الناس بالحمق والجهل. أما غيرهم من المؤمنين فقد كملهم الله بالعقل، فاطمأنوا لحكمة الله في تحويل القبلة. مضمون الآية: أن الله - تعالى - سيستجيب لكم، ويوليكم قبلة ترضونها، وهي البيت الحرام، وسيقول السفهاء حينئذ: ما الذي جعل المسلمين يتجهون إلى البيت الحرام، وينصرفون عن بيت المقدس؟ وقد لَقَّن الله رسوله الإجابة على ذلك، بأن الله - تعالى - ليس محدودًا بمكان أو زمان فقال: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}: ومن كان له المشرق والمغرب، فله الأرض كلها. فكل مكان منها مشرق عند قوم، مغرب عند آخرين، وإذا كانت الأرض كلها لله، فله - سبحانه - أن يختار منها ما يشاء، ليكون قبلة لكم، تتجهون إليها في العبادة. ¬

_ (¬1) العتيد: المهيأ والمعد. (¬2) البقرة: 140.

إن قيل: ما الحكمة في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، مع أن الله يقول: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ويقول: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فلماذا لم تبق إلى بيت المقدس عملًا بالآيتين المذكورتين. فكما ينطبقان على الكعبة، ينطبقان على بيت المقدس وسواهما؟ فالجواب من نواح ثلاث: الأولى: أن الحكمة فيه مذكورة في الآية التالية، في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ... } الآية، وسيأتي بيانها. والثانية: أن الكعبة كانت قبلة لإبراهيم - عليه السلام - والنبي والمؤمنون أولى الناس باتباعه. قال تعالى: ِ {إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... } الآية (¬1). والثالثة: أن في التحويل إليها تأليفًا لقلوب قريش ومشركي العرب: الذين يقدسون الكعبة، ويسوؤهم الانصراف عنها. {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: أي يرشد مَن يشاءُ إرشاده إلى طريق مستقيم يوصل إلى سعادة الدارين. وقد هدانا إليه أولًا، حينما أمرنا باستقبال بيت المقدس: قبلة النبيين، ثم هدانا إليه آخرًا، حينما أمرنا باستقبال الكعبة، قبلة أبينا إبراهيم، وفي كلٍّ خير ورشاد. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)} ¬

_ (¬1) آل عمران: 68.

المفرادات: {وَسَطًا}: خيارًا عدولًا. فقد روى الترمذي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر في قوله تعالى: {أُمَّةً وَسَطًا} قال: الوسط: العدل. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي التنزيل: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} (¬1): أي أَعْدَلهُم وخيرُهم. والصلاة الوسطى هي: الفضلى. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} العقب: مؤَخر الرجل، ومعنى (ينقلب على عقبيه): يرجع إلى الخلف، والمقصود أنه يرتد عن دينه. التفسير 143 - {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... } الآية. هذا خطاب من الله للمؤمنين، لتشريفهم بوصفهم بالعدالة، ليكونوا شهداء على الناس، بعدما وصف الكفار والمنافقين بالسفه والاستهزاء على تحويل القبلة. وبضدها تتميز الأشياء. أي وكما هديناكم أيها المؤمنون إلى صراط مستقيم، بتوليتكم القبلة التي ترضونها، جعلناكم عدولًا أخيارًا، تضُمّون إلى الإيمان والعلم والعمل، فكنتم - بذلك - خير أُمة أُخرجت للناس. {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} بأن الرسل بلغوهم عن الله، ونصحوهم، ولم تَعُدْ لهم حجة على الله بعد مجيء الرسل، وإنما يشهدون بذلك وهم لم يروا شيئًا، لأنهم يشهدون اعتمادًا على شهادة القرآن، والقرآن كلام الله، فهم يشهدون بشهادة الله تعالى. {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}: بأن ما قلتموه هو الحق، لأن المصدر واحد للجميع، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وفي هذا المعنى يروي البخاري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُدعَى نوح - عليه السلام - يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك ¬

_ (¬1) القلم:28.

يارب، فيقول: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأُمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلَّغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... } الآية. وقد جاءَ في رواية أحمد وغيره: أنه - تعالى - يستشهد أمة محمد على تبليغ سائر الأنبياء لأُممهم، ولا تقتصر شهادتهم على نوح: الذي ورد إفراده بالشهادة في رواية البخاري المذكورة. (وعلَى) في قوله: {عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} بمعنى اللام، كما قاله القرطبي، أي ويكون الرسول لكم شهيدًا، أو للمشاكلة بين قوله: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} وقوله: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. ثم تحول الخطاب للأمة - من قوله - تعالى - لهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... } الآية - إلى خطاب الرسول، بقوله - تعالى -: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}. للإيذان بأن خطابه خطاب لهم، وأنه كان معهم فيما كانوا فيه من استقبال بيت المقدس: لم ينفرد عنهم. والمعنى: وما جعلنا قبلتك الأولى - بيت المقدس - ثم حولناك عنها، إلى البيت الحرام، إلا لنميز من يتبعك - في كلتيهما - ممن ينصرف عن اتباعك، فإن اتباع الرسول - ولو كان فيما تكرهه النفس - من آثار الإيمان والتسليم لمن هو أعلم بالحكمة، وهو الله - تعالى - فالحكمة في تحويل القبلة: تمييز الصادق في الإيمان عن غيره. وقد ظهر أثر ذلك بارتداء بعض أهل الكتاب الذين أسلموا عن الإيمان، بعد تحويل القبلة إلى الكعبة، وجعلوا يرجفون مع بعضهم قائلين: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}. والله - سبحانه - يعلم ما كان وما يكون. فالمراد بالعلم هنا: التمييز بالاتباع الفعلي.

والارتداد على العقبين، هو: الرجوع إلى الخلف، وهو تمثيل للارتداد عن الإسلام ومخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما في كليهما من أسوءِ حالات العود والارتداد. {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... } الآية. أي وإن كانت التولية إلى الكعبة لكبيرة، أي ثقيلة الوقع على النفوس، لما في مخالفة المألوف من مشقة. ولكن الأمر يسيرٌ على من هداهم لله، لأن القضية عندهم، قضية طاعة الله ورسوله، وليست الاستمساك بعادة مألوفة، أو تفضيل جهة على غيرها من الجهات. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (¬1). {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}: جاء في حديث رواه البخاري عن البراء بن عازب، قوله: وكان الذي مات على القبلة - قبل أن تحول إلى البيت - رجالا قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم! فأنزل الله - عزل وجل - قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. وأَخرج الترمذي عن ابن عباس قال: لما وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله: كيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم يضلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله - تعالى -: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والمعنى: وما كان الله ليُضيع صلاتكم إلى بيت المقدس قبل نسخ التوجه إليه، بل سيثيبكم عليها، لأَنها كانت - حينئذ - إلى قبلة مشروعة. وإذا لم ننظر إلى سبب النزول، كان المعنى: وما صح ولا استقام: أن الله - سبحانه - يُضيع إيمانكم وثباتكم على طاعة الله ورسوله، في الاتجاه - أولا - إلى بيت المقدس، ثم في الاتجاه - ثانيا - إلى البيت الحرام. {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}: تعليل للجملة السابقة، مؤكد بإن واللام، يعني: أن الله - سبحانه - يشمل الناس برأفته ورحمته، وبخاصة عباده المؤمنين الطائعين، فلهذا لا يضيع إيمانهم. ¬

_ (¬1) الأحزاب: 36.

والرأفة: نوع من الرحمة، تختص بدفع المكروه، وتخفيف النكبات والعقوبات. أما الرحمة: فتشمل هذا وغيره من أنواع التفضل والإنعام، وتعمُّ كلتاهما الإنسان والحيوان. ولما كان دفع الضرر مقدمًا على جلب النفع، فلهذا سبق هنا ذكر الرأفة، كما ورد في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً .... } (¬1). {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)} المفردات: {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}: تردد وجهك، وتطلعك إلى السماء. {شَطْرَ}: جهة، وناحية. {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ}: في أي مكان وُجدتم. {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}: أي فلنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا إذا صيَّرته واليًا له، أو لنحولنَّك إليها. {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}: أي فاصرفه نحوه. التفسير 144 - {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ... } الآية. المعنى: قد رأيناك تتجه بوجهك إلى السماء دائمًا، تصرفه في أرجائها، مرددًا بصرك في ضراعةٍ، ورجاء تطلعًا للوحي، بتحويل القبلة إلى الكعبة. ¬

_ (¬1) الحديد: 27.

و (قَدْ) هنا للتحقيق، وعبر بالمضارع: (نَرَى): استحضارًا للصورة الماضية، أو إيذانًا بتعدد الرؤية، حسب تجدد تقلب وجهه - صلى الله عليه وسلم -. {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}: استجبنا لرجائك، فلنحولنَّك إلى القبلة التي تحبُّها وهي الكعبة. والتأكيد باللام والنون، يفيد أنَّ هذا الوعد الكريم لابد من حصوله. وارتضاء النبي للقبلة: حُبّه لها، لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله وحكمته. والتعبير عن الوعد بتحويل القبلة بهذا الأسلوب، فيه من تكريم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا غاية وراءه. وقد عقب الوعد بالتنجيز، فقال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}: أي فاصرفه نحوه لوجود الكعبة فيه. والمراد بالحرام: المحرَّم، لأن القتال فيه محرم. والتعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام: إشارةٌ إلى أنَّ الواجب هو مراعاة الجهة. روى ابن ماجة، والحاكم والدارقطني، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة". وروى البيهقي، أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "البيت قبلة المسجد. والمسجد قبلة لأهل الحرم. والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أُمتي). {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}: توجيه الأمر للأمة بعد توجيهه للنبي - صَلَّى الله عليه وسلم - لئلا يلتبس الحكم على المسلمين، فيظنوا أنَّ الأمر خاص به وحده - عليه السلام - أي وفي أي مكانٍ من الأرض وجدتم، فاصرفوا وجوهكم في الصلاة نحو المسجد الحرام. وفي الآية إشعار بانتشار الإسلام في بقاع الأرض، وأن المسلمين سيفتح الله عليهم البلاد، وأن عليهم - حيثما كانوا - أن يتجهوا في صلاتهم نحو المسجد الحرام. {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}: المقصود بالذين أُتوا الكتاب هنا: الذين اعترضوا وشنعوا على المؤمنين حينما انصرفوا عن استقبال بيت

المقدس قبلتهم إلى استقبال الكعبة، كما مرَّ في سبب النزول، وهم الذين نزل فيهم الوعيد الآتي. والمعنى: وإن الذين أُتوا الكتاب، وأّثاروا الفتنة في شأن تحويل القبلة، ليعلمون يقينًا أّنَّ تحويلَها هو الحق من ربهم، وأنه منزل من الله، فما بالهم يثيرون الفتنة بشأنه؟ فهم يعلمون من كتبهم: أَنَّ لكل دين قِبْلةً، وأنك صادق لا تنطق إلا بالحق الذي يصدر عن ربهم. وكما يعلم اليهود ذلك من كتابهم، يعلمه النصارى من كتابهم أيضًا. والآية مؤَكدة بعدة مؤَكدات، هي: إنَّ وأَنَّ واللام، وذكر الحق ونسبته إلى الرب - سبحانه - لتقرير أنه وحي من الله. {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}: أي أن الله لا يخفى عليه ما يدبره أهلُ الكتاب، من الكيد للإسلام، وسيحاسبهم عليه حسابًا عسيرًا، لأنهم يعلمون الحق، ويكتمون ما يعلمون هذا، وفي قراءَةٍ (تَعْمَلُونَ). والخطاب للمسلمين الذين يستمعون إلى أقوالهم ويتأثرون بها، فيكون - على كلا المعنيين - إنذارًا من الله للمحرِّفين والمنحرفين. ومن هذا يُسْتَنْبَط: أَنَّ الإصغاءَ للأَراجيفِ والشائعاتِ الضارة، لا يحل للمسلمين. {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)} المفردات: {آيَةٍ}: الآية: المعجزة، أو الدليل القطعي.

التفسير 145 - {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ... } الآية. المقصود من أهل الكتاب هنا: من شنع في أمر القبلة، وهم اليهود سكان المدينة وأَضرابهم، وكذا من لم يشنع، وهم النصارى إذ لم يشتركوا معهم في الفتنة، لأنهم لم يكونوا من سكان المدينة، لا وقت التحويل ولا بعده، فهم جميعًا لا يتبعون قبلة الرسول ولو جاءَهم بكل آية. والتعبير عنهم جميعًا بأَهل الكتاب تلميحًا بلومهم، وإيذانًا بأَنه ينبغي لهم - وهم أهلُ كتابٍ سماوي - أن يعملوا بنصوصهِ، ولا يحرِّفوها أو يسيئوا تأويلها. واللام في "ولئن": للتوكيد. والمعنى: ولئن جئت يا محمد أهل الكتاب بكل حجة دالة على مشروعية التحويل، ما استجابوا لك، فلا تعلق آمالك باجتذابهم إليك، لأن ترك اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بحجة، بل هو مكابرة وعناد، على الرغم من علمهم بأنك على الحق. {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}: ولست أنت بمتبع قبلتهم بعدما جاءّك من الوحي، لأنك على الحق المبين، وهو حسم لأطماعهم في يذلك، ولن يتبع بعضهم قبلة بعض، فلا اليهود متجهون إلى قبلة النصارى، وهي المشرق، ولا النصارى متجهون إلى بيت المقدس، قبلة اليهود، مع أن المسيحية امتداد لليهودية، لتمسك كل فريق بقبلته، فكيف يعيبون على المسلمين انفرادهم عنهم بالقبلة، وهي حق من عند الله؟! {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}. المعنى: ولئن اتبعت اليهود يا محمد في شان القبلة وغيرها، من بعد ما جاءَك من وحي الله المفيد للعلم واليقين، فإنك حينئذ من الظالمين، بترك علم الله إلى هوى هؤلاءُ المبطلين. والخطاب وإن كان للنبي - عليه الصلاة والسلام - فهو لأُمته عامة، تحذيرًا لهم، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (¬1)، وما أجدر المسلمين أن ¬

_ (¬1) ص: 26.

يتدبروا هذه الآية الكريمة. فقد أصبح الهوى عند معظم الناس الآن إلها معبودًا، حتى قاد بعضهم إلى سوء استخدام العلم، فأمسى يهدد الإنسانية ومدنيتها وحضارتها بالفناء والانتهاء. فهؤلاء أضلهم الله على علم، على حد قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} (¬1). {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)} المفردات: (الممترين): الشاكِّين. التفسير 146 - {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ... } الآية. الذي عليه جمهور المفسرين: أن الهاء في {يَعْرِفُونَ} مراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - وكنى به عنه - عليه السلام - تفخيمًا لشأنه وإشعارًا بأَنه في غير حاجة إلى تعريف، لأنه عُرف في كتبهم بالنبيّ الأُمي، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ (¬2)}. كما عُرف فيها بصفات أُخرى تحققت فيه. وذَكَرَ الأبناء لأنهم ألص بآبائهم، فهم وآباؤُهم أكثر خبرة ودراية بهم، واستيثاقًا من نسبهم بحكم الفطرة. ¬

_ (¬1) الجاثية: 23. (¬2) الأعراف: 157.

فالآية تقرر: أن أَهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - يعرفون أَن محمدًا رسول الله، معرفة حقيقية، كمعرفة الآباء بالأبناء. قال عمر لعبد الله بن سلام، وكان من أحبار اليهود قبل إسلامه: "أتعرف محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كما تعرف ابنك؟. قال: نعم، وأكثر. لقد بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته، فعرفته. أما ابني فلا أدري ما كان من أمر أُمه. فقبَّل عمر رأسه". {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: فالبشارة به - صلى الله عليه وسلم - كانت موجودة بوضوح في التوراة والإنجيل. وعلماء اليهود والنصارى يعرفونها حقًا، ولكنهم ينكرونها لمرض نفوسهم، إلا من عصمه الله منهم فآمن. ونحن نعلم أنهم حرفوا الكتابين، وقاموا بطمس ما يتعلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لتبقى فيهم السلطة الدينية. ولكن إنجيل "برنابا" سلم من أيديهم، وظل قرونًا مدفونًا في خزائنهم، حتى عثر عليه أخيرًا في مكتبة الفاتيكان بروما، وتسرب إلى العالم، فارتاعوا، لأنه يفضح أكاذيبهم، فأعلنت الكنيسة أنها لا تعترف به إنجيلًا، مع أنه من أقدم أناجيلهم وأقربها إلى الصحة، لأنه كُتب في القرن الأول الميلادي، ونصوصه ناطقة صريحة بأوصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهداف رسالته. وقد جاء في الإصحاح الثاني والسبعين منه على لسان المسيح - عليه السلام -: "إنني قد أَتيت لأُهيئَ الطريق لرسول الله الذي سيأتي بقوة عظيمة على الفُجَّار، ويبيد عبادة الأصنام من العالم". ثم قال: "وسينتقم من الذين يقولون: إني أكبر من إنسان .. وسيجيءُ بحقٍّ أَجلْى من سائر الأنبياء .. وسيمتدُّ دينه، ويعمّ العالم". وجاء في الإصحاح السابع والستين منه: "تعزيتي هي في مجيء الرسول الذي سيبيد كل رأي كاذب فيّ، وسيمتد دينه، ويعم العالم بأسره .. ولا نهاية لدينه، لأن الله سيحفظه صحيحًا". وفي الإصحاح العشرين بعد المائتين: "يظن كل شخص أني صُلبْتُ، لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول الله، فإذا جاءَ في الدنيا، ينبه كل مؤْمن إلى هذا الغلط، وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس".

والأناجيل التي يعترفون بها، والتوراة التي بين أيدينا الآن، بقيت فيها إشارات عدة (¬1) ترمز إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد عني بها كثير من الباحثين، وفي طليعتهم العلامة: رحمة الله الهندي، في كتابه: "إظهار الحق". فارجع إليه إن شئت. وذكرت الآية الذين يكتمون الحق وهم يعلمونه، ويستلزم هذا أن هناك فريقًا آخر، يعلم الحق ويعلنه ويؤْمن به ويؤَيده. ومن هذا الفريق: الصحابي الجليل عبد الله بن سلام، الذي كان من أحبار اليهود وأسلم، ونزل فيه قول الله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} (¬2). ومن أحبار اليهود والنصارى الذين عرفوا الصفات النبوية فآمنوا: زيد بن سعنة وتميم الداري، والجارود بن عبد الله، وإدريس بن سمعان. ولإسلام كل من هؤُلاء قصة لا يتسع المقام لذكرها، وإسلامهم جميعًا يستند إلى صفات الرسول في التوراة والإنجيل. 147 - {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}. الامتراءُ: إما بمعنى الجدل أو بمعنى الشك، فإن كان بمعنى الجدل، فالغرض من الآية وصفُ أهل الكتاب بأنهم قوم عادتهم الجدل، دون أن يهدفوا إلى الحق، وأمر الرسول بمجانبتهم وألاَّ يجاريهم في جدلهم. والمعنى في هذا: الحق نزل عليك يا محمد من ربك، وهؤلاء قوم عادتهم الجدل بدون طائل، فاتركهم ولا تكونن من المجادلين مع قوم هذا خلقهم، فلا فائدة تُرجى ممن عميت قلوبهم. وإن كان الامتراءُ بمعنى الشك: فالخطاب فيه لكل مكلفٍ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتصور منه الشك ولا يليق به، فإنه لم يقم بدعوته إلا على بينة من ربه {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ} " {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (¬3). ¬

_ (¬1) من أمثلة هذه الإشارات: سفر التثنية: 18/ 18، 23/ 2. والمزامير إصحاح: 45 حيث أورد في صفحة 17 مطابقة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنجيل متى 4/ 17، 6/ 10، 13/ 24، وإنجيل يوحنا (راجع تفسير المنار جـ 9 ص 240 - 283). (¬2) الأحقاف: 10 (¬3) أوائل سورة النجم.

والشاك لا يستطيع أن يمضي فيما يشك فيه، فضلًا عن أنه يلاقي الصعاب في سبيله، ولا يستطيع أن يقول ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن هذا الأمرَ، ما تركته حتى يُظهرَه الله، أو أَهْلِكَ دونه". والمعنى على هذا: الحق نزل عليك يا محمد من ربك، فلا تكونن أيها المكلف، من الشاكين في ذلك، ودع ما يقوله الأَفَّاكون من أهل الكتاب، واكتسب المعارف التي تعصمك منه. {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)} المفردات: {وِجْهَةٌ}: جهة. {مُوَلِّيهَا}: متجه إليها. {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}: فاطلبوا السبق إليها. التفسير 148 - {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ... } الآية. ولكل فرد أو قوم، جهة وقبلة هو موليها وَجْههُ في الخيرات وغيرها. وكثير من الشعوب يتسابقون في سبيل دنياهم، دون رقابة من الضمير الديني، حتى كادت المدينة الحديثة تدمر العالم تدميرًا، أما أنتم - معشر المسلمين - فعليكم أن تتجهوا إلى الخير النافع في الدنيا والآخرة، لكم ولغيركم، وأن تسبِقوا سواكم إليه، فهذا صراط الله المستقيم، فاتبعوه {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. (¬1) ¬

_ (¬1) الأنعام: 153.

وهكذا يقرر الإسلام الرقابة الدينية على التصرفات البشرية، حتى لا ينحرف الناس عن جادة الصواب. {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: هذا تحذير من الانحراف في الاستباق في الحياة الدنيا، يعني أن الله - تعالى - مالك أمركم جميعًا وإليه مرجعكم، فأينما كنتم فوق الأرض، أو في بطنها، أو بين طبقات الفضاء يأت بكم الله إليه جميعًا، بأن يقبضَ أرواحكم، ويحشركم إلى حسابه وجزائه: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} (¬1). فقدوته عظيمة، وعلمه محيط بكل شيءِ. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)} التفسير 149 - {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } الآية. ناقشت الآية السابقة السفهاء من الناس، الذين أشاعوا الأَراجيف عند تحويل القبلة، وأفحمتهم بالدليل القاطع، وأَثبتت أن أهل الكتاب - وهم أصحاب الثقافة الدينية في ذلك العصر - يعرفون أن الحق في استقبال الكعبة، كما يعرفون أبناءَهم، ولكنهم ينكرونه مع أنه قبلة جدهم إبراهيم الذي يُشَرِّفون أنفسهم بالانتساب إليه. ¬

_ (¬1) العنكبوت: 22.

وقد عقب الله ذلك بأمر الرسول بالاتجاه في صلاته إلى البيت الحرام، سواءٌ أكان بالمدينة، أم كان خارجها، تعميمًا لاستقبالها في أي مكان. وأَمرُ الرسول أمر لأُمّتِه. فهو إمامهم {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي: وإن الاتجاه إلى المسجد الحرام في أي مكان، لهو الأَمر الثابت الموافق للحكمة، المنزل عليك من ربك: الذي وَالاَكَ بفضْلهِ وإحسانه. فلا تعْدِل عن استقبال القبلة التي شرعها لك، فإنه مُطَّلع على عملك، وعلى أعمال عباده جميعًا، فيجازيهم حسبما عملوا. وفي نسبة إلى (ربك): إيذان بصدقه - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءَ به وأنه - تعالى - يحفظه من مؤَامرات أعدائه، ويعاقبهم عليها. وختم الآية بقوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. لوعد المطيع، ووعيد العاصي. 150 - {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ... } الآية. أمر الله رسوله بالتوجه إلى المسجد الحرام، ثلاث مرات: الأولى في قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}. والثانية في قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}. والثالثة في قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. وحكمة هذا التكرير: أن القبلة لها شأن خطيرٌ. والنسخ من مظان الشبهة والفتنة فلذا أكد أمرها مرة بعد أُخرى. مع أنه قد ذكر في كل مرة حكمة جديدة. ذكره أبو السعود.

وقال القرطبي - نقلا عن غيره في تعليل التكرار -: إن موقع التحويل كان معنتًا في نفوسهم جدًا، فأَكد الأَمر، ليرى الناس الاهتمام به، فيخف عليهم، وتسكن نفوسهم إليه. ويمكن حمل التكرار على أن الآية الأُولى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، لتشريع تحويل القِبْلَة من بيت المقدس إلى الكعبة، وقوله بعد ذلك: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} لتشريع الاتجاه إليها في الأسفار، وقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} لتشريع الاتجاه إليها من المقيمين في بقاع الأرض المختلفة. وعلل الأمر باتجاههم إلى الكعبة في كل مكان يصلون فيه، بقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا}. فَأَهل الكتاب يعلمون من كتابهم: أن اتجاهكم إلى الكعبة حق. فإذا اتجهتم إليها لم يكن عليكم أي دليل ينقص من عملكم، فهي قِبْلَةُ أبيهم إبراهيم، وإن لم يعجبهم انصرافكم عن قبلتهم. والمشركون سيعلمون - بهذا الاتجاه - أنكم ورثة ملَّة أبيكم إبراهيم وقبلته، وكانوا يعترضون عليكم، بمخالفة قبلته، والآن: سقط هذا الاعتراض. أما الظالمون المعاندون: فلا حيلة لكم معهم. فهؤلاء يقولون: ما تحوَّلَ إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه، وحبًا لبلده. أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه. ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وتسمية هذه الكلمة الشنعاء (حُجَّة) - مع أنها أفحش الأباطيل - من قبيل قوله تعالى: " {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} (¬1) حيث كانوا يسوقونها مساق الحُجَّةِ. {فَلَا تَخْشَوْهُمْ}: فإن مطاعنهم ل تضركم. {وَاخْشَوْنِي}: فلا تخالفوا أمري. {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: ¬

_ (¬1) الشورى: 16.

أي: وأمرتكم بذلك، لأُتِمَّ نعمتي عليكم، ولعلكم تهتدون بامتثال ما أمرتكم به إلى سعادة الدارين. ومن تمام نعمة الله على المسلمين: تطهير البيت الحرام من الأصنام، وتطهير الجزيرة العربية كلها منها، وقد تم هذا في آخر حياة الرسول - عليه السلام - فحقق الله وعده ونصر جنده، وهزم الأحزاب وحده. وقد تحققت للمسلمين البُشْرَيَاتُ الثلاث، التي أشارت إليها الآية الكريمة: قطع ألسنة السفهاء، وإتمام النعمة بإكمال الأمن، وتعميم الهداية ونشرها بين الأُمم والشعوب. قال تعالى: " {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... } (¬1) الآية. {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)} المفردات: {يُزَكِّيكُمْ}: يطهركم. {الْكِتَابَ}: القرآن الكريم. {الْحِكْمَةَ}: السنة النبوية، أو ملكة عقلية للتمييز بين الحق وغيره. التفسير 151 - {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ... } الآية. الخطاب للعرب، و {كَمَا أَرْسَلْنَا} متعلق بقوله: {وَلِأُتِمَّ}. والمعنى: ولأُتم نعمتي عليكم بما سبق من جعلكم أمة وسطًا، وكونكم شهداء على الناس، واستقبالكم الكعبة قبلَةَ أبيكم إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم، أي عربيًا ¬

_ (¬1) المائدة: 3.

مثلكم، وأنزلت عليه كتابًا سماويًا معجزًا، محفوظًا من التحريف والتبديل، يتلوه عليكم فيخرجكم به من الظلمات إلى النور. {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}. ويُطَهِّر نفوسكم، ويمحصها لله بوعظه وإرشاده، حتى يكون عملكم خالصًا، لوجه الله - تعالى - وتتلاقى القلوبُ على محبة ورضوان من الله، وتكونوا - دائمًا - في نصرة دين الله، ويعلمكم كتاب الله وما فيه: من أُصول التوحيد، وشعائر الدين، ومناهج الخُلُقِ الفاضل ليكون كل ذلك دستورًا لكم، ويعلمكم الحكمة، وهي: سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما قال الإمام الشافعي. ومن معاني الحكمة: إصابة الحق والصواب. وما من شك في أن فهم القرآن والسنة والعمل بهما، يُنَمِّي في المؤمن موهبة الحكمة التي تهديه إلى الصواب، فيما يتعرض له من مشكلات. {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (¬1) والمؤمن البصير، يدرك الصواب بنور الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} (¬2). {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)} التفسير 152 - {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ... } الآية. فاذكروني بالطاعة واللسان، أذكركم بالثواب وبالثناء في الملإِ الأعلى. وإن نعم الله المتوالية عليكم: تستدعي أن تلهج ألسنتكم بذكر الله - تعالى - وتنفعل جوارحكم بطاعته. ¬

_ (¬1) البقرة: 269. (¬2) الأنفال: 29.

ومن كرمه - تعالى - إكرامه الذين يذكرونه: بذكره إياهم. عن أبي هريرة - رضى الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث قدسي عن الله - عزل وجل -: يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا مَعَهُ حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسِه، ذكرتُهُ في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ، ذكرته في ملإٍ خيرٍ منه" (¬1). والذكر من العبد: يكون بالأقوال والأفعال الخالصة، ومن الرب: بحسن المكافأة. {وَاشْكُرُوا لِي} أي: اشكروا نعمي عليكم. ومن أجَلِّها أنني أرسلت فيكم رسولًا منكم يزكيكم، ويعلمكم، ويهديكم إلى الله. وشكر المُنعم واجب. والشكر يكون: بتوجيه الجوارح إلى ما خلقها الله له، وبذلك المال فيما أباحه وندب إليه، ونشر العلم فيما ينفع، لوجه الله - تعالى - فشكر العالم: نشر العلم، وشكر القوي: مساندة الضعيف، وشكر الغني: الصدقة، وشكر الحاكم: العدل والتواضع. وهكذا. وقد وعد الله الشاكرين بموالاة نعمه عليهم: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (¬2). {وَلَا تَكْفُرُونِ} أي: ولا تكفروا نعمي بجحدها أو منع زكاتها، أو ترك طاعة الله شكرًا له عليها، فإن العقاب على ذلك شديد. وقد أعطى الله قارون المال الوفير، فلما ادَّعَى أنه ناله بجهوده وعلمه، و {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} (¬3) خسف الله به وبداره الأرض. ولما أعطى الله - سبحانه - سليمان - عليه السلام - ملكه الواسع، قال: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} (¬4) فشكر الله، فَحَفِظَ عليهِ نعمتَه. ¬

_ (¬1) رواه الشيخان والترمذي. (¬2) إبراهيم: 7 (¬3) القصص: 78 (¬4) النمل: 40

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} المفردات: (الصَّبْر): ضبط النفس، وقوة الاحتمال. التفسير 153 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ... } الآية. يُعِدُّ الله المسلمين لما سيواجهونه من الفتن والمحن والحروب، ويدربهم تدريبًا نفسيًا على ملاقاة الشدائد، واحتمال الأهوال، فيأمرهم سبحانه وتعالى، أن يستعينوا على خوض غمار الأحداث والمحن بسلاحين رئيسيين، هما: الصبر والصلاة. أما الصبر، فيكون برياضة النفس على احتمال المكاره، وقمع الشهوات، وملاقاة النكبات، مع التسليم لله بقضائه، وانتظار فرجه، والرضا بحكمه. وبعض المفسرين يقسم الصبر إلى ثلاثة أنواع: صبر على ترك المحارم، وصبر على فعل الطاعات، وصبر على المكاره والنوازل. ومن أهم مواطن الصبر: الصبر عند لقاء العدو جهادًا في سبيل الله. ولهذان كان ثواب الصابرين غير محدود: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (¬1). ولأهمية الصبر: ورد ذكره في القرآن، في نحو سبعين موضعًا، وأورد ابن القيم الجوزية في كتابه: "عدة الصابرين" أكثر من عشرين فضيلة للصبر. وأما الصلاة: فهي: أُم العبادات، ومعراج المؤمنين إلى منازل الصالحين. واستغراق المؤمن فيها، علاج لما قد يتعرض له من أخطار الحياة، لأَن المؤمن الذي يستعين فيها بالله ¬

_ (¬1) الزمر: 10

- تعالى - على شدائده، لا يتخلى عنه سبحانه، بل يعينه على الخلاص منها، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ثم أكد نتيجة الاستعانة بذلك، فقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} أي: يمنحهم السكينة والعزاء والعوض، والمدد الذي يعين على الثبات والخروج من المآزق، ولم يقل إن الله مع الصابرين والمصلين، لأن الصلاة تجعل المصلي مع الله - تعالى - وإذا كان المصلي مع الله، فالله معه مثلما هو مع الصابر، كما أن الصلاة نوع من الصبر. وليس الصبر بلادة في الإحساس، واستسلامًا للنوازل، وإنما هو: ثبات على مكافحة البلاءِ. {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)}. التفسير 154 - {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ... } الآية. إن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، بل بعدها مرحلة القبر، ثم البعث، ثم الحساب ثم الجنة أو النار. والشهداء في قبورهم أحياءٌ حياة كريمة، وإن كانت غير مشاهدة، فلهذا نهى الله الناس عن أن يقولوا: إنهم أموات، وقرر أنهم أحياءٌ فقال: {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}. أي: بل هم أحياءٌ: حياة مؤكدة، وإن لم نشعر بها، لأننا لا ندرك مما يحيط بنا إلا القليل. وحياة الشهداء مصحوبة بالرزق. قال تعالى:

{أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (¬1). فهم أحياءٌ ممتعون برزق ربهم، وهم به فرحون، ويستبشرون بما يقدمه إخوانهم من الجهاد في سبيل الله وما ينتظرهم من ثوابه الجزيل، ولكن كنه هذه الحياة، علمه عند الله. وقد أنبأنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم: "إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة كيف شاءَت ... الخ". وكل ما نعلمه فيما عدا ذلك: أن الشهداء في حياة خير مما نحن فيه. وذكر حالة الشهداء بعد الحض على الصبر، لأَنها من ثمراته الطيبات. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)} المفردات: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} البلاء: الاختبار. التفسير 155 - 156 - {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ... } الآية. اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} (¬2) ¬

_ (¬1) آل عمران: من آية: 169 وآية: 170. (¬2) الأنفال: 42.

والإيمان درجات: فمن الناس " {مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} (¬1)، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} (¬2)، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} (¬3). والله - سبحانه - ليس في حاجة إلى أن يختبر عباده، ولكنه اختبرهم ليقيم عليهم الحجة: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (¬4). وسنة الله تجري على خلقه أجمعين، حتى الأنبياء. روى البخاري والترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". وخرَّج مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة - رضى الله عنهما - أنهما سمعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: "ما يُصيب المؤمن مِنْ وَصَبٍ ولا نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهَمّ يهمه، إلا كُفِّرَ به من سيئاته". وقد أعدَّ الله المسلمين لحمل رسالتهم الكبرى إلى العالم، فأمرهم بالصبر والجهاد، حتى تعلو كلمة الله، وأنبأهم بأنهم سيتعرضون لشيءٍ من الخوف، وهو غير الجبن، إذ هو: غريزة توقظ في صاحبها التوقِّي من الأخطار. وقد حدث الخوف للمسلمين في غزوة الخندق وحُنين، وأنبأَهم - سبحانه - أنهم سيتعرضون لشيءٍ من الجوع، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه، يربط على بطنه من الجوع. وقالت عائشة - رضوان الله عليها -: "لقد مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين" رواه مسلم. وكان عليه الصلاة والسلام: يغزو مع أصحابه أحيانًا، وليس لهم طعام إلا ورق الشجر، أو ثمرات يتبلغ بها الواحد منهم. ¬

_ (¬1) الحج: 61. (¬2) العنكبوت: 10. (¬3) البقرة: 207. (¬4) العنكبوت: 2.

كما أنبأهم - جل شأنه - أنهم سيتعرضون لنقص من الأموال، كما حدث لهم في أُحُد وتَبُوك، ولفقد الأنفس، كما حصل لهم في أُحُد ومُؤتة، ولنقص الثمرات، كما حدث في عام الرَّمادة. ومعنى الابتلاء من الله: أن يعاملهم معاملة المختبر - وهو العالم بحالهم - ليتميز الصابر المجاهد المحتمل، من الضعيف في دينه ونفسه، وفق ما علمه الله منه أزلا، فيجازى كل منهما على ما عمله، لا على ما علمه الله منه. والخوف: يكون من إزعاج أعدائهم لهم وإرهابهم إياهم، أو من توقع المكاره في النفس أو المال أو الولد. والجوع: يكون من قلة الموارد، ونحو ذلك. ونقص الأموال: بقلة الكسب والخسارة في التجارة ونحوها. ونقص الأنفس: بالقتل أو الموت. ونقص الثمرات: بنحو الآفات. وقد أردف الله تأكيد الابتلاء بذلك، بالحث على الصبر وبيان عاقبته، فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. الخطاب في قوله {بَشِّرِ}: للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يستطيع التبشير. والمصيبة: المكروه الذي يؤلم. وليس الصبر هو: الاسترجاع باللسان وحده، بل بالقلب معه، بأن يتذكر أن نعم الله عليه كثيرة، وأن ما أبقاه الله له، أضعاف ما استرده منه، فيهون المصاب بذلك على نفسه، ويستسلم، فذلك هو المقصود بقوله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، لا مجرد الاقتصار على النطق: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وإن كان ثواب هذا القول عظيمًا. قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} اللهم آجرني، إلا آجره الله - تعالى - في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها ... " إلخ. أخرجه مسلم.

وإطلاق البشرى - بدون تقييد - يشير: إلى أن ثواب الصابرين الذين يقولون ذلك، لا يحيط به الوصف. ويجوز أن يكون المُبَشّرُ به، هو ما دلت عليه الآية التالية من أن: عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأنهم مهتدون، فما أعظمها بشارة. {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} المفردات: {صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ}: الصلاة من الله: الرأفة والمغفرة. التفسير 157 - {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ... } الآية. هذا هو جزاء الصابرين الذين يُبَشَّرُونَ به، وهو: أن لهم من ربهم ثلاث بشريات. الأُولى: صلوات الله عليهم. وذُكِرَت بصيغة الجمع للتكثير. وصلاة الله عليهم، هي مغفرته لهم، ورأفته بهم. والثانية: رحمته، بإزالة آثار المصيبة، أو تعويضهم بما ينعم به عليهم، من جلب نفع أو دفع ضر. والبشرى الثالثة: جاءت في قوله تعالى: (وأولئك هم المهتدون) إلى مطالبهم الدنيوية والأُخروية، فإن من نال رأفة الله ورحمته، لم يفته مطلب.

وقد جمع في البشارة بين الصلاة - وهي هنا بمعنى الرأفة - وبين الرحمة - وهي شاملة للرأفة - للمبالغة، كما في قوله تعالى: {رَأْفَةً وَرَحْمَةً (¬1)}، وقوله: {رَءُوفٌ رَحِيمٌ (¬2)}. {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)} المفردات: {الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ}: هضبتان ملحقتان حاليًا بالمسجد الحرام: يسعى بينهما الحاج والمعتمر. {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}: من علامات دين الله في الحج والعمرة. والشعائر: لغة: جمع شعيرة، وهي العلامة. {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ}: أي قصد الكعبة لأداء المناسك في موسم الحج. والحج لغة: القصد، وشرعًا: قصد الكعبة للنُّسُك المشتمل على الوقوف بعرفة، في زمن مخصوص. {أَوِ اعْتَمَرَ}: أي زار الكعبة لنسك العمرة، وهي كالحج، فيما عدا الوقوف بعرفة وأنها لا تختص بزمان. والاعتمار في اللغة: الزيارة مطلقًا، كالعمرة. {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}: فلا إثم عليه في أن يسعى بينهما. {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}: أي ومن زاد خيرًا على ما طُلب منه. التفسير 158 - {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ... } الآية. ¬

_ (¬1) الحديد: 27. (¬2) الحشر: 10.

روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: "سألت أنس بن مالك، عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما" فأنزل الله - عز وجل -: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. وفي رواية الترمذي، عن أنس، أنهما: "كانا من شعائر الجاهلية". ويشرح الشعبي أمرهما في الجاهلية، فيقول: "كان على الصفا في الجاهلية صنم يُسمى: إسافًا، وعلى المروة صنم، يُسمى: نائلة، فكانوا يمسحونهما، إذا طافوا، فامتنع المسلمون عن الطواف بهما من أجل ذلك، فنزلت الآية"، أي نزلت لرفع الحرج من السعي بينهما. بعد ما أُزيلت عنهما الأصنام. والمعنى: إن الصفا والمروة من معالم دين الله، فهما من مناسك الحج والعمرة في الإسلام، بعد أن أُزيل الصنمان من فوقهما، وتمحض الذكر بينهما لله - تعالى - {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}: أي فمن كان حاجًا أو معتمرًا، أو جامعًا بين الحج والعمرة، فلا إثم عليه في أن يسعى بينهما. وقد علمت مما تقدم: أن السعي بينهما كان نسكًا وعبادة في الجاهلية، ولكن العبادة فيه كانت للوَثَنَيْن القائمين فوقهما، فكان الساعون من أهل الجاهلية يمجدون وثنيتهما أثناء السعي. فلماء جاءَ الإسلامُ، أقر السعي بينهما، بعد أن أزال الأصنام، وجعل الذكر لله - تعالى - وحده، وهذا وأمثاله من السياسة الشرعية في الإسلام، فإنه إذا أقر أمرًا كان معروفًا في الجاهلية، لحكمة تقتضي إقراره، جرده من مظاهر الوثنية، ووجهه إلى الله - تعالى - قصدًا وذكرًا. قال الآلوسي: وقد وقع الإجماع على مشروعية الطواف - أي السعي بينهما في الحج والعمرة - لدلالة نفي الجُناح على ذلك، لكنهم اختلفوا في الوجوب، فعن أحمد: أنه سُنَّة، وبه قال أنس، وابن عباس، والزبير، لأن نفي الجناح يدل على الجواز، والمتبادر منه

عدم اللزوم، كما في قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا (¬1)} وليس مباحًا بالاتفاق، لقوله تعالى: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فيكون مندوبًا. عن الشافعي ومالك: أنه ركن فيهما، وحجتهما في ذلك: ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا". وكتب بمعنى: فرض، كما في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (¬2)}. وما رواه مسلم، عن عائشة، قالت: "ما أَتَمَّ الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة، ولا عمرته"، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني مناسككم". وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى بينهما. وعن أبي حنيفة: أنه واجب يجبر تركه بدم. اهـ. بتصرف. ومن أراد مزيدًا في تعرف وجوه نظر الأئمة. فليرجع إلى كتب الفقه. {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. التطوع: ما يأتي به الإنسان من الطاعة غير المفروضة عليه، أي وَمَن أتى بشيء من النوافل، فإن الله {شَاكِرٌ} له، أي يثيبه عليه {عَليمٌ} بكل شيءٍ، فلا يخفى عليه تطوعه، نيةً وكيفيةً ومقدارًا، فلا ينقص من أجره شيئًا. واعلم أن السعي بين الصفا وا لمروة، شعيرة موروثة عن أُم إسماعيل - عليه السلام - فقد جاء في حديث طويل، رواه البخاري عن ابن عباس، بعد ما ذكر: أن إبراهيم - عليه السلام - جاء بهاجر وابنها إسماعيل، عند مكان البيت، وتركهما، فقالت له: "يا إبراهيم: أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيءٌ؟ "، ثم قالت له: "آلله أَمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا" ومضى ابن عباس في الحديث إلى أن قال: "حتى إذا نَفِد ما في السقاء، عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يَتلَوَّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من ¬

_ (¬1) البقرة: 230. (¬2) سورة البقرة: 183.

الصفا، حتى إذا بلغت الواديَ، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم جاوزت الوادِيَ، حتى أتت المروة، فقامت عليه .. إلى أن قال: "ففعلت ذلك سبع مرات". قال ابن عباس: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فذلك سعي الناس بينهما" ومضى في الحديث، إلى أن قال: "فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماءُ: (أي ماء زمزم) إلى آخر الحديث. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} المفردات: {الْبَيِّنَاتِ}: الحجج الواضحات، جمع بينة. {الْهُدَى}: ما يهدي إلى الحق والرشاد. {فِي الْكِتَابِ}: المرادُ به ما يشمل جميع الكتب السماوية، ومنها التوراة والإنجيل والقرآن. {يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ}: يطردهم من رحمته. {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}: يسخط عليهم الناس. {وَبَيَّنُوا}: أي أظهروا ما كتموه. التفسير 159 - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... } الآية.

قال الآلوسي: أخرج جماعة عن ابن عباس، قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد، نفرًا من أحبار يهود، عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأَبَوا أن يخبروهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وعن قتادة: أنها أنزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى. المعنى في هذه الآية الكريمة - وإن كان سبب نزولها خاصًا - وعيدٌ لكل من كتم علمًا يحسنه: سواءٌ أكان من اليهود، أم النصارى، أم غيرهم. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكل من آتاه الله علمًا، وَجَبَ عليه أن يبذله للمحتاجين إليه، ولا يكتمه، وإلا كان آثمًا. ولكونها عامة، قال أبو هريرة، فيما رواه البخاري عنه: "لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا بشي أبدًا" ولعله قال ذلك، حين قيل له: أكثرت في الرواية. وكما جاء الوعيد عن الكتمان في القرآن، جاء في السنة. أخرج أبو يعلي والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من سُئل عن علمٍ فكتمه، جاء يوم القيامة مُلجَمًا بلجام من نار". ومع أن العلم يجب تبليغه، فليس على العالم أن يبلغ منه إلا ما يناسب السامع، لكيلا يضل بسبب ضعف استعداده الفكري، أو العلمي أو وهن دينه. ولهذا كان ابن مسعود يقول: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة". وفي هذا المعنى، يقول صلى الله عليه وسلم: "حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله" (¬1)؟!. وقد دلت الآية على هذا المعنى. فإن الوعيد فيها، إنما هو على كتمان ما كان من البينات الواضحات، والهدى الذي لا يضل به الناس. أما سواه، فيُكتم - إلا عن أهله - مخافة الفتنة. وقد فعل ذلك أبو هريرة. ¬

_ (¬1) أورده الفردوسي وذكره القرطبي.

روى البخاري عنه: أنه قال: "حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءَين أما أحدهما: فبثثته، وأما الآخر: فلو بثثته، قطع هذا البلعوم". قال القرطبي: قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة، وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل، إنما هو يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا، مما لا يتعلق بالبينات والهدى. {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ}. المراد بالكتاب: جنس الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل والقرآن. فاليهود من أهل هذا الوعيد، لأنهم كتموا ما في كتابهم، من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} (¬1)، وكتموا عقوبة الرجم، وغير ذلك من الحق الذي أخفوه وهم يعلمون. والنصارى كذلك لكتمانهم ما في كتابهم الإنجيل من البشارة برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد، وأنه أُمِّيُّ، وغير ذلك من نعوته، ونعوت أتباعه التي منها أنهم {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} (¬2). وكل من حبس علمًا عن الناس بينه الله في القرآن أو السنة، فهو كاتم لما بيَّنَهُ الله في الكتاب. وينطبق هذا على كل علم نافع ضروري. {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}: أي أولئك الكاتمون للعلم الذي بَيَّنَهُ الله في الكتاب، يطردهم الله من رحمته، ويسخط عليهم الخلق، فيزدرونهم وينبذونهم، ففي العلم حياة النفوس، وهو حق للناس يجب بذله. 160 - {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ... } الآية. ¬

_ (¬1) سورة البقرة: 146. (¬2) سورة الفتح: 29.

استثنى الله من أولئك الكاتمين المعاقبين بالطرد من رحمته وبسخط الخلائق: من تابوا ورجعوا عن كتمانهم العلم، {وَأَصْلَحُوا} بإظهار ما كتموه، وتصحيح ما حرَّفوه أو أساءوا فيه الفتوى، وردهم ما أخذوه بسبب التحريف أو الكتمان {وَبَيَّنُوا} الحق دائمًا، ليكون ذلك أمارة على صدق توبتهم من الكتمان. فهؤلاء: لا يعاقبهم الله بما توعد به الكاتمين لأن الله - تعالى - يفرح بتوبة عباده، وقد أكد الله - سبحانه - العفو عنهم، المأخوذ من الاستثناء بقوله: {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أي: أقبل توبتهم المقرونة بالإصلاح، وتبيين الحقن {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ومن كان شأنه المبالغة في قبول التوبة وسعة الرحمة، فهو الجدير بأن يتوب على عباده ويرحمهم، إذا بادروا بالتوبة والإصلاح والتبيين. وقد اشتملت الآية على أركان التوبة: 1 - الرجوع عن الذنب ويشير إليه قوله: (تابُوا). 2 - الندم على ما فات لأنه من تمام التوبة. 3 - رد المظالم إن وجدت، ويشير إليهما قوله: {وَأَصْلَحُوا}. 4 - العزم على عدم العود، ويشير إليه قوله: {وَبَيَّنُوا}. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)} التفسير 161 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ... } ألآية. بَيَّنَ الله قبل ذلك: أن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى، يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. واستثنى منهم من تابوا، وأصلحوا، واستقاموا على تبيين الهدى فأُولئك يقبل الله توبتهم، ويعفو عنهم.

وبين في هذه الآية والتي بعدها، عقوبة الكافرين بصفة عامة. ويدخل فيهم الذين كفروا بكتمان الهدى من أهل الكتاب، تأكيدًا لعقوبتهم السابقة. والمعنى: إن الذين كفروا بالهدى الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصروا على الكفر، فلم يتوبوا - غير مكترثين بما يقرع أسماعهم من آيات الهدى، وما تراه أبصارهم من دلائل الحق، وأقاموا على إصرارهم، حتى ماتوا وهم كفار - أولئك تستمر عليهم لعنة الله التي لازمتهم من أول كفرهم، ولعنة الملائكة والناس. وجميع هؤلاء تستمر لعنتهم عليهم، بسبب إصرارهم على الكفر. وكلمة: {أَجْمَعِينَ}: تأكيد وليست خاصة بالناس، وليس المقصود من لعنة الناس لهم: أنهم جميعًا يلعنونهم، بل المقصود: أن كثيرًا من الناس يلعنونهم. 162 - {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} أي خالدين في لعنة الله، أو في النار. لا يخفف عنهم العذاب بأنواعه، يوم القيامة فهم فيه معذبون بغضب الله ونار جهنم، والزمهرير. {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}: أي ولا هم يؤخرون ساعة دون عذاب. مأخوذ من الإنظار بمعنى التأخير، أو المعنى: ولا هم يُنظرون من الله - تعالى - نظر رحمة (¬1)، وإرجاع الضمير في قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} إلى النار، ولم يسبق ذكرها، للإيذان بأنها معروفة حاضرة في الذهن، وإن لم تذكر. تهويلًا لأمرها، ولأن لعنة الله تؤذن بها، فإنها هي الطرد من رحمته ومَن طرده الله من رحمته، عذبه بناره. {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} المفردات: {إِلَهٌ} الإله: المعبود. ¬

_ (¬1) النظر بهذا المعنى يتعدى، ويأتي منه المبنى للمجهول، كما في الأساس.

وسبب النزول

{الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}: صيغتان للمبالغة في الرحمة، الأولى سماعية، والثانية قياسية، وتختص الأولى بالله - تعالى - ويجوز إطلاق الثانية على غيره. التفسير 163 - {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}. لما ذكر الله في الآيتين السابقتين وعيد الكافرين، وختمه بأنهم خالدون في العذاب وأنهم لا يُخفف عنهم ولا يُنظرون، أتبعهما هذه الآية والتي تليها، ليرشدهم إلى توحيده - سبحانه - لعلهم ينقذون أنفسهم من هذا الوعيد الذي ينتظرهم، فهما مسوقتان لإثبات الألوهية لله - تعالى - وتفرده بها، وقد مرّ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... } الآية. لإثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كتموا شهادة الكتب السماوية بنبوته. وسبب النزول على ما نقله الآلوسي: عن ابن عباس - رضى الله عنه -: أن كفار قريش قالوا: للنبي - صلى الله عليه وسلم -: صف لنا ربك، فنزل قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ومع أن السبب خاص، فالخطاب عام لكل من يصلح للخطاب، والسائلون في جملتهم. والمعنى: وإله البشر الذي يستحق العبادة، إله واحد، هو الله - تعالى - لا إله إلا هو بليغ الرحمة، فقد عمت رحمته في الدنيا المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وعمت رحمته في الآخرة، هل الإيمان: من وفَّى منهم، ومن قصر وتاب. {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ... } (¬1). ومن كان كذلك: فلا يصح أن يُعبد معه سواه، فإن سواه مجرد من صفات الأُلوهية محتاج إلى الله - سبحانه وتعالى - في خلقه وتدبيره، كما أنه - عز وجل - لو كان معه إله آخرن لفسد العالم. ¬

_ (¬1) سورة الزمر: 53، 54.

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (¬1) والتعبير بقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} بعد قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لتقرير وحدانية الإله وتأكيدها. ونفى الشريك عنه نفيًا حاسمًا، باستعمال أسلوب القصر. وبعد أن ذكر هذه الآية الناطقة بتوحيد المعبود، أتبعها ما يدل على ذلك فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} المفردات: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: أي تعاقبهما، أو اختلافهما بالزيادة والنقصان وغيرهما. {وَالْفُلْكِ}: اسم يُطلق على سفينة أو أكثر، بلفظ واحد. ومن الأول: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} (¬2) ومن الثاني: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} (¬3). {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}: أي ونشر فيها من كل نوع من الدواب. والدابة: ما يدب، ويمشي على الأرض. {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: أي تقليبها جنوبًا وشمالًا وشرقًا وغربًا، حارة وباردة، إلى آخر أنواعها. {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ}: المنقاد لله: يوجهه كيف يشاء. ¬

_ (¬1) سورة الأنبياء: 22. (¬2) سورة الشعراء: 119. (¬3) سورة يونس: 22.

التفسير 164 - {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ... } الآية. بينت الآية السابقة: أن المعبود بحق يجب أن يكون واحدًا فقال كفار قريش: كيف يسع الناس إله واحد؟! وقالوا: هل من دليل على ذلك؟ فأنزل الله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. رواه سفيان عن أبيه عن أبي الضحى. وساء أصح هذا السبب في نزول الآية، أم لم يصح، فقد ذكر فيها أدلة جليلة على ما جاء في الآية التي قبلها، وهو: أن إلهنا إله واحد، تثبيتًا له وتأييدًا. فقد ذكر الله - تعالى - في هذه الآية أدلة كونية عظيمة، تدل من يعقلون، على وحدانية الله - تعالى - وأنه رحمنٌ رحيمٌ. وأول هذه الأدلة: أنه - سبحانه - أبدع السموات والأرض متناسقة على غير مثال سبق. قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} (¬1). كل ما في السماء عجيب نافع، فشمسها المشرقة نهارًا: تبث في أرضنا الدفءَ، وتنشر فيها الضوء، وتنبت الزرع، وتستخلص من مياهنا المالحة بخارًا حُلْوًا نَقِيًا، يصيره الله بقدرته سحابًا، ثم يعيده إلينا مطرًا عذبًا، فيسلكه في أعلى الأرض أنهارًا، ويسلكه في جوفها ينابيع، فنعيش به، ويعيش حيواننا، على ما أوجد الله بسبب الشمس من الماء والنبات {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (¬2) {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (¬3) سبحانه، هو أرحم الراحمين. ¬

_ (¬1) سورة الملك: 3،4. (¬2) سورة فاطر: 3. (¬3) سورة المؤمنون: 14.

وقمرها المضيء ليلًا، خلقه الله ليهدي السائرين، ويرشد الحائرين. ونجومها المنيرة السابحة وكواكبها اللامعة الزاهرة: جُعِلَت معالم للحيارى، ومراشد للمدلجين: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} (¬1). وفي هذه النيرات نجوم ملتهبة منيرة كشمسنا أو أكبر، وكواكب تدور حولها كمجموعتنا الشمسية، وتستمد ضوءَها منها، كما تستمد مجموعتنا الشمسية ضوءَها من شمسنا. وهذه وتلك، جاوزت أرقام الحساب التي عرفها البشر، وفاقت عظمتها ما يخطر بالعقول. وقد ارتبط بعضها ببعض، بنظام الجذب والدفع الذي حفظ الله به توازنها. وكل ما في الأرض عجيب مفيد، فجبالها أوتادٌ لها، تحفظها من أن تميد بنا، وأنهارها وبحارها مصادر لأرزاقنا، ومعابر لسفننا، وسبب لحفظ حياتنا، ومعادتها نتخذ من بعضها حُلينا وعملتنا، ونتخذ من بعضها أوانينًا وأدواتنا ومواد بنائنا، وأسلحة دفاعنا وهجومنا على أعدائنا، والسهل من أرضها نزرع فيه أقواتنا، والتلال والهضاب نتخذ فيها الحصون والقلاع لنرد عادية خصومنا، وأشجارها وزرعها وطيورها وحيوانها لأرزاقنا ومنافعنا، وهواؤُها حياة لنفوسنا وحيواننا ونباتنا. أفلا يدل ذلك على إله عليم قادر حكيم، رحمن رحيم لا شريك له فيما صنع! فإن وحدة الوجود وكماله واتساقه يشهد بوحدة الخالق المدبر، إذ التعدد مصدر للفساد، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (¬2). وثاني هذه الأدلة: {اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}، واختلافهما: تعاقبهما، فبينما الليل يلف الأرض بظلامه، والناس فيه رقود ساكنون، إذ ينبعث النهار من تحت إهابه، فتسجع الأطيار، وتطير من الأوكار باحثة عن رزق الكريم الرحيم، ويهب النائمون من مراقدهم، يبحثون عن أرزاقهم، ويسعون في سبيل عيشهم. وكما أن الليل والنهار يختلفان بالتعاقب، فإنهما يختلفان كلاهما بالطول تارة والقِصَر أخرى. ¬

_ (¬1) سورة النحل: 16. (¬2) سورة ق: 37.

فمن أبدع ذلك لصالح خلقه سوى إله واحد قدير عليم، مهيمن حكيم؟!. وثالث هذه الأدلة: {الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} فهذه الفلك: أرشد الخالقُ العقول البشرية إلى صنعها من خشب أو حديد، على نحو معين يسمح لها بأن تطفو فوق سطح الماء بما تحمله من أثقال، وأن تتحرك يَمنةً أو يَسرة، حسب الاتجاه الذي يُراد لها، وأن تجري بالريح التي تملأ أشرعتها وتدفعها، أو بالآلات والوسائل والأسباب التي يسر الله للعقول استحداثها، وهي تحمل أثقالنا وأنفسنا، وتجارتنا النافعة لنا، من قُطر إلى قُطر، وتربط البلاد بعضها ببعض: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} (¬1). والله تعالى كما يمسك بنواصي النفوس، يمسك أسباب السلامة في رحلة هذه السفن. ولو شاء لأسكن الريح، {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} (¬2)، ولو شاء لعطل آلاتها، فتغرق بمن فيها، أو يموت راكبوها جوعًا وظمأ. فمن الذي خلق المواد التي صُنعت منها؟ ومن الذي أرشد العقول إلى صنعها على نحو يُرجى فيه السلامة؟ ومن الذي يسَّر لها أسباب الأمان، سوى إله واحد قادر عليم، رحمن رحيم؟ ورابع هذه الأدلة: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} والسماء هنا: السحاب، والآية تشير إلى حجة عظيمة، تتجلى فيها الرحمة والشفقة بالعباد أو يتجدد فيها التعهد بالفضل والنعمة، كلما احتاجت الكائنات الحية إلى الماء: أصل الحياة وينبوعها. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (¬3)}. فبينما نرى السماء صافية الأديم، إذا رحمة حانية من الخالق الكريم الحكيم، تبعث الرياح، فتثير سحابًا كونته قدرته تعالى من بخار المياه، فيبسُطه برحمته فوق أرجاء مختلفة من الأرض، ويوزعه بعدالته بين عباده الذين يعيشون على رحماته، وينزل مياهه - بحكيم تدبيره - على الروابي والبطاح والسهول والجبال، فتتخذ سبيلها إلى خزانات وأغوار فوق سطح الأرض أو تحت سطحها. ¬

_ (¬1) سورة الشورى: 32. (¬2) سورة الشورى: 33. (¬3) سورة الأنبياء: 30.

فأَمَّا مياه الخزانات العلوية، فتتخذ سبيلها في أنهار وغدران، إلى أطراف البلاد. وأما مياه الخزانات السفلية. فتتفجر ينابيع، تجرب بالعذب الزلال، ويظل هذا الفضل ممدودًا، وتلك الرحمة مرسلة، ينهل منها من يشاء، ويغرس ويزرع على سلسبيلها من أراد أن ينشيءَ: {جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} (¬1) يتغذى بأرزاقها، ويتفكه بفواكهها وثمارها، ويطعم منها دوابه المختلفة. ولم تنس هذه العناية الرحيمة دواب الصحراء الشاردة، فقد أنبتت لهم في واحاتها المراعي المخضرة، دون أن يزرعها الزارعون، وأخرجت لهم المياه العذبة، دون أن يستنبطها المستنبطون. فمن الذي صنع هذا الجميل، وتعهد به عباده؟ إنه إله واحد عليم، رحمن رحيم!! {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى} (¬2). {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ} (¬3). {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (¬4). وخامس هذه الأدلة: أنه: {بَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}. والدابة: ما يَدِب ويمشي على الأرض، ويدخل فيها الحيوان كله، حتى الطير. قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} (¬5) .. الآية. والدواب من آيات الألوهية، بخلقها ونشرها في أنحاء الأرض، لينتفع بها سكانها في مرافقهم وضروراتهم وحاجاتهم المختلفة. فقد علم الإله الرحيم: أن الإنسان لا غنى ¬

_ (¬1) الأنعام: 141. (¬2) فصلت: 39. (¬3) الحج: 5. (¬4) الروم: 50. (¬5) النور:45.

له عنها، فخلقها إلى جواره، وذَلَّلَها له، لينتفع بها في أغراضه. فَمَنْ يقدر على ذلك سوى إله واحد رحمن رحيم، قادر عليم؟. وسادس هذه الأدلة: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: أي تقليبها وتلوينها. فأحيانًا تكون نسيمًا عليلًا طيبًا، ينعش الأرواح، وأخرى تكون جافة حارة تضيق بها النفوس، وتارة تجدها لينة رخاءً، وأخرى عاصفة هوجاء، وأحيانًا ريحًا عقيمًا: " {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} (¬1) إلى غير ذلك: مما تقتضيه حكمة الحكيم: الذي أحسن كل شيءٍ خلقه، ورتبه على حسب مشيئته وما ينبغي لصلاح أرضه، ولو أمسك الريح ساعة لهلك كل شيء حي على سطحها، فمن فعل هذا سوى إله واحد: حكيم عليم، قهار مقتدر!!. وسابع هذه الأدلة: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}. فهذا السحاب جعله الله مصدر المطر الذي به حياة الكائنات الحية، ومخازن له متنقلة متجددة من آن لآخر، وهو يشبه الضباب الذي نراه صباحًا، في الأوقات التي يكون الجو فيها مشبعًا بالرطوبة. وهو يتكون من بخار الماء، ويكون في الجو كالجبال، وقد سخره الله بقدرته وذَلَّلَهُ، وجعله مطواعًا للريح، تنقله إلى حيث شاء الله. والسحاب في تكوينه، وتسخيره، وجعله بين السماء والأرض، ورعده، وبرقه، ومطره - آية عظيمة، من آيات الخالق سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} (¬2). ثم ختم الله هذه الآية بقوله: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي إن هذه الآيات الكونية السبع، لدلائل واضحة على ما جاء في الآية التي قبلها من صفات الله وهي قوله تعالى: ¬

_ (¬1) الذاريات: 42. (¬2) النور: 43و44 وسيأتي شرحهما.

{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وهي آيات لقوم يتفكرون، فإن من تأمل في كل آية مما سبق، وجدها مشتملة على وجوه كثيرة من الدلالات على وجوده تعالى ووحدانيته، ورحمته وسائر صفاته. وفي الآية تعريض بجهل المشركين وغبائهم، لاقتراحهم على الرسول آية تدل على ذلك. أخرج ابن أبي الدنيا وابنُ مردويه، عن عائشة رضى الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ هذه الآية قال: "وَيْلٌ لِمنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَدَبَّر فِيهَا". {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)} المفردات: {أَنْدَادًا}: الأنداد: جمع نِد، وهو النظير والشبيه. والمراد بها هنا: الأوثان. التفسير 165 - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ... } الآية. لما عرض في آخر الآية السابقة، بعدم تعقل من يعبدون الأوثان العاجزة المصنوعة، ويجعلونها أندَادًا ونظراءَ لمن له تلك الأدلة الواردة فيها، الشاهدة بتفرده بالألوهية، أتبع هذا التعريض ببيان سائر أحوالهم مع هَؤُلاء الأنداد في الدنيا والآخرة. والأنداد هنا: الأوثان، على ما رآه مجاهد وأكثر المفسرين. وإطلاقها عليها هو الشائع في القرآن الكريم. وقيل: هم الرؤساء الذين يطيعونهم طاعة الأرباب. ومن الممكن أن يراد هنا بالأنداد: الأوثان والرؤساء الذين يصرفون الناس عن عبادة الله - تعالى - وحده، دون شريك. فلا مانع من إرادتهما معًا.

والمعنى: ومن الناس من يتخذ من غير الله الواحد - الذي وردت آياته الكونية العظمى في الآية السابقة - نظراء له وأمثالًا، فلا يقصرون الطاعة عليه - سبحانه - بل يطيعون معه أُولئك النظراءَ، ويحبونهم كحبهم لله الذي يؤمنون به، ويخلطون هذا الإيمان والحب بطاعتهم لرؤسائهم في الشرك والمعاصي وحبهم لهم. {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} والذين صدقوا بوحدانية الله، أَشَدُّ حبًّا له من حُبِّ أُولئك المشركين لأوثانهم ورؤسائهم، أو أشد حبًا لله - تعالى - من حب المشركين له، لأن المؤمنين لا يعبدون سواه. ويلجأون إليه في الرخاء والشدة ولا اتجاه لهم إلى غيره، أما هؤلاء: فقد وزعوا حُبَّهم بين أوثانهم وشركائهم، وبين الله - تعالى - والله لا يرضى عن هذا الشرك ولا يغفره {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (¬1). وهذه شهادة من الله للمؤمنين يعتزون بها، ويجب أن يكونوا أهلًا لها، بطاعته والإخلاص له فيها، وأن يحذروا الشرك الخفي، حتى لا يبغضهم الله ويتخلى عنهم. ففي الحديث القدسي "أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُهُ وشريكَهُ". {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} المراد: بالذين ظلموا: هم هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، فهم ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب، وظالمون للحق بجعلهم لله أندادًا وهو غني عن العالمين. و"يَرَى" الأولى علمية، والثانية بصرية. والمعنى - كما قال الزمخشري - ولو يعلم هؤُلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة لله على كل شيء، من العقاب والثواب، دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين، لكان منهم مالايدخل تحت الوصف، من الندم والحسرة على ظلمهم وضلالهم. ثم قال: فحذف الجواب هنا، كما في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} (¬2) وكما في قولهم: لو رأيت فلانًا حين تأخذه السياط اهـ. أي: لرأيت أمرًا عظيمًا! ¬

_ (¬1) النساء: 48. (¬2) الأنعام: 27.

{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)} المفردات: {الْأَسْبَابُ} معناها اللغوي: الحبال، جمع سبب والمراد بها في الآية: ما يصل الرؤساء والأتباع بعضهم ببعض من الصلات، كالدين الواحد والأنساب والأتباع. {كَرَّةً}: رجعة إلى الدنيا. {حَسَرَاتٍ}: جمع حسرة، وهي أشد درجات الندامة على شيٍ فات. التفسير 166 - {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}. الربط: في هذه الآية والتي تليها، حكاية لما سوف يحدث في الدار الآخرة، من العداوة بين التابعين والمتبوعين، وتبرؤُ كل فريق منهما من الآخر، حين يرون العذاب. ومعنى الآية مع ما قبلها: ولو يرى المشركون الظالمون أن القوة لله جميعًا وقتما يرون العذاب، حينئذ، تنقطع بينهم الأسباب والصلات، فلا يهتمون بما كان يجمعهم بهم، من عقيدة أو نسب أو تبعية أو مصلحة، ويتبرأُ بعضهم من بعض، لعل ذلك يخفف عنهم العذاب، ويقول الرؤساء لله تعالى، في تبرئهم من تبعة شركهم: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} (¬1) ويأتي بعد ذلك دور التابعين، وهو ما حكاه الله بقوله: ¬

_ (¬1) القصص: 63.

167 - {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ... } الآية. والمعنى: وقال التابعون: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ من هؤلاء الرؤساء المتبوعين، كما تبرءُوا منا، يريدون بذلك التمنى أن يعودوا إلى الدنيا، ويطيعوا الله - تعالى - حتى إذا ماتوا وحُشروا، استطاعوا أن يتبرءُوا منهم، وهم في حالة صالحة للتبرؤ. وقيل: إنَّ المعنى: لو أنَّ لنا نحن وهم رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ منهم فيها، كما تبرءُوا منا هنا ونخذلهم، ونتشفى فيهم. {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}. المعنى: مثل ذلك الذي بينته الآية من عذابهم وتبرؤ بعضهم من بعض، يريهم الله أعمالهم التي عملوها، بتقديس الأنداد وإغواء التابعين، أو التبعية للرؤساء المشركين، إذ يجدونها حسرات وندامات عليهم. والمقصود: أنَّ أعمالهم لا يجدون لها أثرًا من الخير، بل يبدلها الله حسراتٍ وزفراتٍ، حين يرون العذاب على كل عمل منها. {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} بل يخلدون فيها أبدًا. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)} المفردات: {حَلَالًا طَيِّبًا}: حلالا لا شبهة في حله، أو لا تعافه النفوس. {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: خطوات: جمع خُطوةٍ، بضم الخاء وفتحها، كما قال الفراءُ. والمراد بالنهي عن اتباع خطواته: ألا يسيروا تبعًا لوساوسهِ ومغرياتهِ.

{عَدُوٌّ مُبِينٌ}: أي عدو بيِّنُ العداوةِ وَاضِحُها. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ}: أي ما يحرضكم إلا على ما يسوؤُكم، ويحزنكم في عاقبته وهو المعاصي. {وَالْفَحْشَاءِ}: ما اشتد قبحه من الذنب. التفسير 168 - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}. بعد أن ذكر الله - فيما تقدم - أن إله الناس واحد ورحمن ورحيم، وأقام الأدلة على ذلك، وحذر من عاقبة الإشراك، أتبعه إباحة الحلال الطيب. مما في أرضه - تعالى - لهم، وحذرهم أن يتبعوا الشيطان في أمرهم كله من عقائد وأعمال وأرزاقٍ، لعداوته لهم، ولأنه لا يأمر الناس بغير السوء والفحشاء، وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون. وقد نزلت هذه الآية فيمن حَرَّموا طيبات أُحلِّت لهم، فالمشركون لم يقتصروا على الإشراك بالله - تعالى - بل ضموا إلى ذلك تحريم البَحِيرَةِ، والسَّائِبَة، والوَصِيلة، والحام، وهي أنواع من الإبل، حَرَّموا ذبحها وأكلها. وسيأتي بيانها في تفسير سورة المائدة آية (103). واليهود كانوا يحرمون لحم الإبل على أنفسهم. والآية الكريمة، وإن نزلت في هؤُلاء، فهي عامة الخطاب لهم ولمن على شاكلتهم، كالسيخ من أهل الهند الذين يحرمون ذبح البقر وأكل لحمها، لأنهم يعبدونها. هؤُلاء جميعًا، يقول لهم ربهم - سبحانه - ما معناه: يأيها الناس كلوا مما في الأرض، من حيوانها ونباتها وثمارها، حلالًا لا حرمة فيه، طيبًا لا تعافه النفوس، فلا تمنعوا أنفسكم من هذه المطاعم التي حَرَّمتموها وهي لكم حلال، كما لا تمنعون أنفسكم من غيرها، بشرط أن تكسبوها بطريق مشروع، وألا تكون محرمة لخبثها أو لعارض، كذكر اسم الأوثان عليها. والأمر في: "كُلُوا": للإباحة.

والتعبير بقوله: {فِي الْأَرْضِ}، لتعميم دائرة الإباحة المذكورة، وإفساح مداها. {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي لا تسيروا تابعين للشيطان في أُموركم كلها من عقائد واكتساب للأرزاق، وتناول للمطاعم والمشارب، وغير ذلك من العبادات والمعاملات. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي إنه عدو ظاهر العداوة لكم، فقد أخرج أبويكم: آدم وحواء من الجنة حَسَدًا لهما. والحسد كامن في نفسه لذرياتهما، والعداوة تابعة للحسد. فلا ينبغي لعاقل أن يستمع لما يزيِّنه له عدوه، {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} (1)؟! 169 - {ِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} علل الله النهي عن اتباع خطوات الشيطان بعلتين: أولاهما: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} وقد تقدمت. والثانية: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ ... } الآية. وخلاصة الآيتين: لا تتبعوا وساوس الشيطان، لأنه لا يأمركم إلا بما يسوؤكم ويحزنكم في العاجلة أو الآجلة، وبما اشتد فحشه وقبحه من الذنوب، كالإشراك بالله والزنى وعقوق الوالدين، وادعاء أن الله حرم ما لم يحرمه: كذبح البحيرة والسائبة، أو حلل ما لم يحلله: مثل شرب الخمر وأكل الربا، ومن كان شأنه الأمر بذلك، فلا يصح اتباع وساوسه. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)}

التفسير تمهيد: نهى الله الناس في الآيتين السابقتين عن اتباع خطوات الشيطان، لعداوته وأَمرِه بالسوءٍ والفحشاءِ، وذلك يستلزم أنهم مأمورون باتباع ما أنزل الله. فجاءت هذه الآية لتوضح حالهم عند الأمر باتباع ما أنزل الله، فقال تعالى: 170 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... } الآية. المعنى: وإذا قيل لهم: اتبعوا في دينكم ما أنزل الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا معرضين: لا نتبعه، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. وسواء قالوا ذلك بلسان المقال، أم قالوه بلسان الحال، فالمراد: أنهم أصروا على سلوك سبيل آبائهم البعيدة عن الهدى. وتركوا سبيل مولاهم الحق، وقالوا {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (¬1) والآية عامة: تشمل كل أهل الباطل المقلدين لغيرهم فيه، ويدخل فيهم المشركون. {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}. الهمزة في "أَوَ لَوْ": للإنكار. والمعنى: أيتبعوهم، ولو كان حال آبائهم أنهم لا يعقلون شيئًا، ولا يهتدون إلى رشاد، لتعطيلهم قوى الإدراك والهدى، إن هذا الاتباع الأعمى أمر تنكره العقول السليمة. ما يُستنبط من الأحكام التقليد: هو قبول قول الآخرين دون معرفة الحجة. والتقليد في الباطل مذموم، لأن هذا هو الذي عابه الله على الكفار. أما التقليد لأهل العلم لأهل العلم الأمناء في الحق فهو - كمال قاله القرطبي - فرض على العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أُصولها فيما يحتاج إليه، مما لا يعلمه من أمر دينه، عملًا بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (¬2). ¬

_ (¬1) الزخرف: 23. (¬2) النحل: 43.

وحكى ابن عطية: أنَّ التقليد في العقائد مجمع على منعه. وحكى - فيه خلافًا - القاضي أبو بكر الباقلاني، وعثما بن عيسى، والشافعي وغيرهم. هذا: والآيات السابقة تنهض بالعقول، وتحميها من إسار التبعية والتقليد للآخرين، وفقًا للقواعد المقررة في الإسلام: "أما ما زعمه الجهال كطائفة الحشوية من وجوب التقليد وحرمة النظر والاستدلال فباطل، لقوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (¬1) وغير ذلك من الأدلة. وتعتبر هذه الآيات مصدرًا لتكوين الشخصية المستقلة الجديرة بالمسلم، بحيث لا يكون إمعة، أو تابعًا لسواه دون رويّةٍ أو تفكيرٍ. {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)} المفردات: {يَنْعِقُ}: يصيح، والنعيق: التصويت على البهائم للزجر. {دُعَاءً وَنِدَاءً}: الدعاء والنداء: استدعاء الآخرين. فهما بمعنى واحد، وقيل: الأول: لطلب القريب، والثاني لطلب البعيد. {صُمٌّ}: لا يسمعون. {بُكْمٌ}: لا يتكلمون. التفسير 171 - {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}: بينت الآية السابقة أنَّ الكفارَ يقلدون آباءَهم فيما هم فيه من الكفر، من غير تعقل، وأنَّهم إذا دعاهم داعٍ إلى ما أنزل الله أعرضوا، وأصروا على دين آبائِهم، ولو كان يعقلون شيئًا ولا يهتدون. ¬

_ (¬1) يونس: 101.

وجاءت هذه الآية، لتمثيل حالهم هذه - مع من يدعوهم إلى الحق، وهم لا يعقلون ما يُقال - بحال البهائم مع الراعي الذي يدعوها ويحذرها، وهي لا تعي منه إلا مجرد الصياح والصراخ. وفي الكلام مضاف مقدر، إما في جانب المشبه، والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان، كمثل الذي ينعِق، أو في جانب المشبه به، والتقدير: ومثل الذين كفروا كمثلِ بهائم الذي ينعق. وسنأتي بالمعنى على الوجه الأول، ومنه يُفهم المعنى على الوجه الثاني. المعنى: ومثل هادي الذين كفروا وداعيهم إلى الحق، وهم لا يعقلون، كمثل الراعي الذي ينعق بماشيته، ويصيح بها، ليكفها عن الرعي في مرعى وخيم يضرها. وكما أن البهائم لا تعي من الراعي إلا صوت الدعاء والنداء، دون أن تفهم غرضه وهو كفُّهم عن المرعى الوخيم العاقبة، فعدم تمييزها، فكذلك هؤلاء المقلدون، لم يدركوا من هاديهم وداعيهم إلى الحق ومحذرهم من الباطل سوى الدعاء والنداء، لانهماكهم في التقليد الذي أغلق عقولهم، فلم تدرك ما يقول، وكما أن البهائم وقعت في المرعى الوخيم العاقبة - بجهلها - فكذلك هؤلاء، وقعوا في مهاوي الردى، بإعراضهم عن الهدى. ويجوز أن يكون المراد: تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم - جاهلين حقيقتها الأليمة - بالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفهم المراد منه. ثم ذكرت الآية أنهم {صُمُّ}: لا يسمعون الدعوة إلى الحق لانصرافهم عنه. {بُكْمٌ}: لا يتكلمون بالحق لجهلهم إياه {عُمْىٌ} لا يُبصرون الحق لإغماضهم عيونهم عن أضوائه. {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}: لا يدركون شيئًا لفقدان الحواس الثلاث التي هي أبواب العلم. وليس المراد نفي هذه الحواء والعقل حقيقة، بل المراد: أنها لا يُنتفع بها فكأنها مفقودة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)} المفردات: {مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}: المراد من الطيبات: المستلذات، أو الحلال من الرزق. {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}: أي وما ذُبِحَ مذكورًا عليه اسم غير الله، وأصل الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم أُطلق على رفع الصوت مطلقًا، ومنه إهلال الصبي عند الولادة. {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ}: فمن أجبرته الضرورة على تناول شيء مما ذُكر، لإنقاذ نفسه من الهلاك، غير ظالم لغيره. {وَلا عَادٍ}: ولا معتد بتجاوزه ما يمسك الرمق ويدفع الجوع. التفسير 172 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: أَبَحْنا لكم أن تأكلوا من المستلذات، وأن تنتفعوا بما أحللناه لكم من أرزاقنا التي مننا بها عليكم، وأمرناكم أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم، إن كنتم تخصونه بالعبادة، ولا تُشركون معه غيره فيها، فإن من شأن المؤمن الذي يخص ربه بالعبادة: أن يقتصر على ما أحله له، وألا يتوسع في تناوله، حتى لا تَطْغَى نفسُه وتتجاوز الحلال إلى الحرام.

173 - {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ...... } الآية. بيَّن الله في هذه الآية: ما حرمه علينا من المطعومات، لأسباب تقتضيها. وأول هذه المحرمات: {الْمَيْتة}، فإذا ماتت بهيمة - سواء أكانت تحل مذبوحة، كالبقرة والشاة والطير، أم لا تحل كالخنزير - حرم أَكلها، مهما كان سبب موتها، فسواء في التحريم: أن تموت بمرض أو بغيره. وحكمة التحريم في الموت بالمرض: ظاهرة، وفي الموت بسواه: الاحتياط للسلامة، فإن البهيمة التي تموت غريقة أو نحو ذلك، قد تكون مريضة وصاحبها لا يعلم مرضها، وإنما خلت الذبائح من الحيوانات التي يحل ذبحها، لأن الدم الذي يخرج منها بالذبح، يخرج معه ما عسى أن يكون فيها من أسباب الأمراض. فضلًا عن أنه - بدفعه لا بمسيله - أَمارةٌ على السلامة والحيوية في الذبيحة. وفي حكم الميتة في التحريم: ما يقطع من الحيِّ من لحمه، أو أعضائه. فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، عن أبي واقد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما قُطع من البهيمة، وهي حية، فهو ميتة". ويُستثنى من تحريم الميتة: السمك والجراد، لما أخرجه ابن ماجة والحاكم، من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا: "أُحلَّت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال". وفي العُرف أنه إذا قال قائل: أكل فلان الميتة، لم يتطرق إلى الذهن السمك والجراد. ويحل الانتفاع بجلدها بعد الدبغ. وإذا ذُبحت أُنثى حيوان يحل أكله، وفي بطنها جنين - حلَّ أكله إذا وُجد ميتًا، لأن ذكاة الجنين بذكاة أُمه، فإن وُجد حيًا ذُبح ليحل أكله. وثاني هذه المحرمات: (الدَّم) والمراد به: الدم المسفوح، لما صرحت به آية الأنعما: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} (¬1). أما الدم المعقود: وهو الكبد والطحال من الحيوان المذبوح، فيحل أكله. ¬

_ (¬1) الأنعام: 145: المراد من الدم المسفوح: الدم السائل، أما الدم المعقود كالكبد والطحال فهو حلال.

واستدل بالآية: على نجاسة الدم المسفوح، ولو كان ذلك من السمك، وإنما حرم الدم، لأنه يشتمل على جراثيم الأمراض، ويتعرض للفساد بسرعة. وثالث هذه المحرمات: {لَحْم الْخِنزِيرِ}، لأَنه يحمل بويضات الدودة الشريطية، وهي أخطر أسباب الضعف وفقر الدم للإنسان، فإنها تمتص خلاصات الأغذية التي يتناولها، وهي على شكل شريط طويل، يمتد في الأمعاء، وهي شديدة النهم، ولا تكاد تشبع، وربما كان التحريم لحكم أُخرى، لا تزال مجهولة لنا. ورابع هذه المحرمات: {مَا أُهل بِه لِغَيْرِ اللهِ} أي ما ذُبح، وقد ذكر عليه اسم غير الله، وإذا كانت المحرمات السابقة قد حرمت لخبث ذاتها، فمما ذكر اسم غير الله عليه، حُرّم، لخبثه معنويًا: فقد ذكر عليه اسم غير خالقه المنعم به عند ذبحه، ولولا ذلك لكان حلالًا، وسُمي الذكر إهلالًا: لما فيه من الإهلال أي رفع الصوت، والمراد بغير الله: ما يشمل الأصنام وغيرها. وذهب عطاءٌ والحسن ومكحول والشعبي وسعيد بن المسيب، إلى تخصيص التحريم بما ذكر عليه اسم الصنم ولهذا أباحوا ذبيحة النصراني، إذا ذُكر عليها اسم المسيح، وقد خالفوا بذلك ظاهر النص، وما عليه الجمهور من التحريم، وقد شمل حكم الآية: ذبيحة الوثني، والمجوسي، وكذا ذبيحة المعطل الذي لا يعتقد في الله - تعالى - فهي حرام كذبيحة من ذكر اسم غير الله عليها. {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: في هذا الجزء من الآية، إباحة هذه المحرمات للمضطر، وهو من أُكره على تناولها ليعيش. والمضطر هنا، هو الجائع جوعًا مهلكًا، ولا يجد غير تلك المحرمات، ومثله من كان في يد عدُوٍّ، أكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره. ومعنى {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}، كما قال السدي: غير طالب لأكلها شهوة وتلذذًا، ولا عادٍ: باستيفاء الأَكل إلى حد الشبع اهـ. ومن كان في مجاعة مستمرة فله الشبع من هذه المحرمات، استبقاءً لنفسه.

وعند الشافعي وأبي حنيفة: أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه، لأن الإباحة للاضطرار. وذهب مالك: إلى أنه يأكل منها حتى يشبع ويتزود، فإن وجد غيرها طرحها. والكلام مبسوط في المطولات. وقد استفيد من الآية: أنه لا إثم على المضطر في الأكل مما ذكر في الآية. أما وجوب الأكل منها لحفظ حياته فلا يُؤخذ منها، بل من قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (¬1). وليس المراد من الآية حصر التحريم فيما ذكر، فإن المحرمات أوسع منها، ولكن المقصود رد اعتقاد المشركين أن الأكل منها حلال. وختم الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: للإيذان بأن الحرمة باقية، إلا أنه تعالى، أسقط الإثم عن المضطر وغفر له، لاضطراره. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)} المفردات: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}: ويأخذون بدله عوضًا قليلًا. ¬

_ (¬1) البقرة: 195.

{مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}: أي ما يأكلون من الطعام المشترى بهذا العوض إلا ما يؤدي بهم إلى النار. {وَلَا يُزَكِّيهِمْ}: ولا يطهرهم من دنس الذنوب. {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}: باعوا الهدى بالضلالة، وجعلوها مكانه. التفسير 174 - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} نزلت هذه الآية - كما روى عن ابن عباس - في علماء اليهود. كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا، وكانوا يرجون أن يكون النبي الموعود منهم. فلما بعث من غيرهم، كتموا، وغيروا صفته - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم، خشية أن يتبع، فتزول رياستهم، وتنقطع هداياهم. وإطلاق النار على الرشوة، لأَنها تُؤَدى بهم إليها. أو نزلت فيهم، لأنهم كتموا من الكتاب أحكام المحللات والمحرمات من الأطعمة، كما أشارت الآية السابقة. والآية - وإن نزلت فيهم - فهي عامة في كل من يكتم شيئًا من كتب الله التي أنزلها على رسله. ولا يبين أحكام الله لعباده لقاء عرض من أعراض الدنيا الفانية. والمعنى: إن الذين يخفون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام، في مقابل عرض قليل من أعراض الدنيا - وكل عرضها قليل وإن كان كثيرًا - هؤلاء ما يأكلون في بطونهم من هذا العرض الدنيوي إلا ما يؤدي بهم إلى النار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة كلام رحمة، وإن كان يكلمهم بلسان ملائكته كلام سخط ومؤاخذة.

{وَلَا يُزَكِّيهِمْ}: أي ولا يطهرهم من دنس الذنوب. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أي ولهم عذاب مؤلم، بسبب كتمانهم الحق عن عباد الله. 175 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}. المعنى: أُولئك المستحقون لهذا العذاب الأليم، هم الذين استبدلوا في الدنيا الضلالة التي ارتضوها لأنفسهم، بالهدى الذي رفضوه، وكتموه عن غيرهم، واستبدلوا في الآخرة العذاب بالمغفرة، فأي شيءٍ أصبرهم على النار، مع أنها لا يمكن الصبر عليها. و (مَا) في قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}: استفهامية، لغرض التعجيب، كما قال الفراءُ. 176 - {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. ذلك الذي تقدم من الجزاء الشديد المترتب على الكتمان، حاصل بسبب أن الله نزل القرآن بالحق، فلا يصح أن يكتم أمره وأمر من جاء به، ولا أن يُفْتَرَى عليه، وإن الذين اختلفوا في شأنه لفي خلاف بعيد عن الحق، موجب لأشد العذاب، فإن منهم من يقول: هو سحر، ومنهم من يقول: هو شعر، ومنهم من يقول: أساطير الأولين، ومنهم من يقول: افتراه على الله كذبًا، أم به جِنة، ومنهم من يقول: إنما يُعلمه بشر. ويرى بعض المفسرين: أن المراد من الكتاب: جنس الكتب التي أنزلها الله، وأن المعنى: ذلك العذاب بسبب أن الله نزَّل كتبه بالحق، فلا جرم أن يعذب من يكتمها، أو يكذبها. وإن الذين اختلفوا في كتب الله، بأن آمنوا ببعضها، وكفروا بالبعض الآخر، وأساءوا تأويل بعضها، وكتموا بعضها الآخر - إن هؤلاء - لفي خلاف بعيد عن الحق والصواب، مستوجب لأشد العذاب.

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)} المفردات: {الْبِرّ}: اسم جامع لكل أعمال الخير. {الْبَأْسَاء}: المشقة، أو الفقر، أو الداهية. {الضَّرَّاء}: كل ضرر يصيب الإنسان، فيؤلمه إيلامًا شديدًا، مثل: المرض، أو فقد عزيز. {وَحينَ الْبَأس}: وحين جهاد الأعداء. التفسير 177 - {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... } الآية. بعد أن أوضحت الآيتان السابقتان: أن من الناس طائفة يشترون الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، ومنهم من يختلفون في فهم الكتاب، ويقعون في شقاق بعيد. أوضحت هذه الآية وجوه البر، توضيحًا دقيقًا، لا يقع بسببه فيها لبس أو خلاف. والخطاب لأهل الكتاب، فإنهم كانوا أَكْثَرُوا الْخَوض في أمر القبلة، حين حُوِّلت إلى الكعبة، فقال الله لهم ما معناه: ليس البر في أن تولوا وجوهكم، في أية ناحية من نواحي الأرض حَتَّى يكون ذلك موضع اهتمامكم، ومثار فتنتكم للمؤمنين بغير حق.

{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}: يعني: ولكن البر الذي يحق الاهتمام بشأنه، والجد في تحصيله، هو في: إيمان مَن آمن بالله وحده، إيمانًا بريئًا من شائبة الشرك، لا إيمان اليهود الذين أشركوا بقولهم: عُزير ابن الله، ولا إيمان النصارى الذين أشركوا بقولهم: المسيح ابن الله، لأن نسبة ابن إليه - تعالى - نوع من الإشراك به. والبر الحقيقي أيضًا في: تصديق من صدق بالله واليوم الآخر، وما فيه من جزاءِ كل امريءِ على حسب عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وأن المشركين هم أصحاب النار خالدين فيها أبدًا، لا كما زعم اليهود: أن النار لن تمسَّهم إلا أيامًا معدودات. وأن آباءَهم الأنبياء يشفعون لهم. فهم خالدون في جهنم، لا يبرحونها، لشركهم بالله، وكذا النصارى، فهم على شاكلتهم. وفي: إيمان من آمن بالملائكة، وأنهم عباد الله المكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون، وأنهم سفراء الله إلى أنبيائه ورسله، وأن حبهم جميعًا واجب، وأن عداوتهم أو عداوة بعضهم كفر، كما حديث من اليهود لجبريل - عليه السلام -. وفي: إيمان من آمن بالكتب السماوية كلها، فلا يقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما فعل اليهود والنصارى، إذ كفروا جميعًا بالقرآن، وكفر اليهود بالإنجيل. وفي: تصديق من آمن بالنبيين جميعًا، دون تفرقة بين أحد منهم، لا كما فعل أهل الكتابين، بالنسبة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكما فعل اليهود بالنسبة إلى عيسى - عليه السلام -. {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ}. وفي: تَصَدُّق من أعطى المال الذي يحبه، ذوي قرابته، فالإنفاق عليهم من أكرم الأموال: يُضاعف ثواب الصدقات. روى النسائي وغيره، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: "إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى الرحم اثنتان: صدقة وصلة".

وفي حديث آخر، رواه الطبراني، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الصدقة على ذي قرابة يضعف أجرها مرتين". ويلي ذوي القربى في الإحسان: "اليتامى" فالبر بهم عطف عليهم ورعاية لهم. وهم أولى بالعطف والرعاية عوضًا عما فقدوا من الآباء. وقد أعظم النبي - صلى الله عليه وسلم - فضل كافل اليتيم، فقال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بسبابته والوسطى" (¬1). وقد عني الإسلام بالحض على رعاية الأيتام، ليكونوا - في مستقبلهم - نافعين لأنفسهم وأُمتهم، بدل أن يُهملوا، فينشأُوا في أنفسهم عُقَدٌ نفسية، فيكون منهم: اللصوص وقطاع الطريق، والفاسدون والمفسدون، ولذلك يقول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} (¬2). ثم يلي ذلك "البر بالمساكين" وهم: الذين لا يجدون ما يحفظ حياتهم إلا بشق الأنفس. ومن كان عمله لا يفي بحاجته فهو مسكين. قال تعالى: "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر" (¬3). وفي الصحيحين، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، ولكنَّ المسكين الذي لا يجد غنى يُغنيهن ولا يُفْطَنُ له فَيُتَصَدَّقُ عليه". ثم يلي ذلك في العطاء: "أبناء السبيل"، وابن السبيل هو المسافر إلى بلد المتصدق، أو المارّ به، أُطلق عليه هذا الاسم لملازمته له حين التصدق عليه. ولا يدفع له من الزكاة، حتى يدّعي أنه لا مال معه وأنه محتاج. ويقدح في حاجته قدرته على الكسب - ويشترط في استحقاقه: أن يكون سفره مُباحًا. ويعطي لو كان له مال في بلده يصعب الحصول عليه وهو مغترب. ويمكن معرفة أحكام ابن السبيل تفصيلًا من كتب الفقه. ثم يلي ذلك إعطاء السائلين. وهم الذين يسألون الناس، والسائل ينبغي إعطاؤُه إلا إذا تحققت أنه غير محتاج. ¬

_ (¬1) رواه البخاري وغيره. (¬2) البقرة: 220. (¬3) الكهف: 79.

ثم يلي هؤلاء في العطاء، تحرير الأرقاء فقد شرعه الله - تعالى - للمسلمين، لينقذوا إخوانهم في الآدمية، من العبودية التي استحدثها الناس فيهم، مع أنه - تعالى - خلق الناس أحرارًا. وقد حُثَّ على تحرير الرقيق، وشرعه في الكفارات، وجعل من خصالها عتق الرقاب - ودعا المسلمين إلى مساعدة المكاتبين من الأرقاء، وهم من كاتبهم مالكوهم على قدر معلوم، يؤدونه لهم، نظير عتقهم وتحريرهم، وقد أوصى الله المؤمنين بهذه العاطفة الكريمة، فقال: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (¬1). وأَوجب سبحانه لتحرير الأرقاء نصيبًا في مصارف الزكاة. ثم أَتبع ذلك ألوانًا أُخرى من البر، فقال: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ}: أي وفي أداء الصلوات بأركانها وشروطها. {وَآتَى الزَّكَاةَ}: أي وفي إعطاء الزكاة المفروضة لمستحقيها. أمَّا ما مرّ من إيتاء المال على حبه، فالمقصود منه: التنفل بالصدقات. قُدِّم على الفريضة، مبالغة في الحث عليه. أو المراد بهما المفروضة: الأول: لبيان المصارف، والثاني: لبيان وجوب الأداءِ. {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}: أي: والبر في الموفين بعهدهم، إذا عاهدوا سواهم، فمن أبرز أنواع البر: الوفاءُ بالعهود، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (¬2). روى البخاري، أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". والعهد يكون بين العبد وربه، كما يكون بين المؤمن وجماعة المؤمنين، وبين المسلمين وسواهم. والمجتمع الفاضل المتمسك: هو الذي يسوده الوفاءُ بالوعد والعهد. أما المجتمع الذي يفشو فيه الغدر والخيانة والغش والخداع، فمآله التفكك والانحلال. ¬

_ (¬1) النور: 33. (¬2) لإسراء: 34.

وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع مثل، في صلح الحديبية، في الوفاء بالعهد، على الرغم مما كان فيه من إجحاف بالمسلمين، فعوَّضه الله بسبب هذا الوفاءِ، وأثابه فتحًا مبينًا. {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ}. البأساءُ: الفقر والشدة. والضراءُ: المرض والشيخوخة ونحو ذلك، والبأس: الجهاد في سبيل الله، أُطلق عليه ذلك. لما فيه من البأس أي الشدة. وقد أفاد هذا النص: أن الصبر في البأساء والضراء وحين الجهاد، من خلال البر. والصبر: صفة في النفس - خِلقية أو مكتسبة بالرياضة - تبعث على تحمل المشاق والمتاعب، رجاء الفرج من الله تعالى. وهو أساس الفضائل، إذ يعين على أداء الواجب للخالق والمخلوق، وعلى قمع الشهوات، واحتمال النكبات، ووأد الفتن، وعلى مشاق الجهاد. ولهذا ورد في الآية منصوبًا على المدح، بتقدير فعل مناسب، نحو وأمدح الصابرين في البأساءِ ... الخ. {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}: هؤلاء الذين اجتمعت فيهم صفات البر كلها، كما ذكرتها الآية الكريمة، هم الذين صدقوا في الدين، واتباع الحق، وتحرى البر، وأُولئك هم الذين اتقوا الكفر، وسائر الرذائل، دون سواهم، ممن كانوا ينازعون في أمر القبلة، ومن على شاكلتهم. والصدق هنا: هو الإخلاص. ويطلب في العبادات والمعاملات. والتقوى: المراد بها الخوف من الله - تعالى - فإذا امتلأ بها قلب العبد، وأخلص لربه في السر والعلن، والغضب والرضا، والحب والبغض، واليسر والعسر. ونلاحظ: أن هذه الآية الكريمة - على إيجازها - صورت جميع مكارم الأخلاق. فقد جمعت بين الإيمان والعمل، وبين حقوق الله وحقوق العباد، وبين جهاد النفوس وجهاد الأعداء، وبين صلاح الأفراد والجماعات.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)} المفردات: {الْقِصَاصُ}: توقيع العقوبة على الجاني بمثل جنايته. {عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}: أي ترك له القصاص في مقابل الدية. التفسير 178 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى ... } الآية. ستجد في هذه الآية، وما يليها حتى آخر السورة. أحكامًا شرعية. ينبني عليها أمر المعاش والمعاد، وهي تعتبر نصف السورة تقريبًا. وقد وصفت الآية السابقة الأبرار: بالأوصاف الكريمة التي بها صلاح الأُمم. غير أن المجتمعات لا تخلو من منحرفين ضالين، لأن الصراع بين الحق والباطل من سنة الحياة. والله - تعالى - يقول: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (¬1)، فكان من الحكمة تأديبهم والقصاص منهم، فنزلت الآية لتنظيم القصاص، وعدم الغلو أو القصور فيه، والقضاء على ما كان عليه العرب من المغالاة فيه، بقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة، والجماعة بالواحد، والعظيم بالحقير، فهم يتركون القاتل ويقتلون أعز منه. كما نزلت لتشريع الدية والعفو عن القصاص. ¬

_ (¬1) سبأ: 13.

وكان في شريعة اليهود القصاص، ولم يكن لديهم العفو إلى الدية، فكان تشريعها في الإسلام فيه رفق بالمجتمع، وتهيئة فرصة التوبة للجاني، والتسامح والتصالح مع أُسرة المجني عليه، وذلك يؤدي إلى حقن الدماء، وعدم معاودة القتل بين الأُسر. روى البخاري عن ابن عباس، قال: "كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله - تعالى - لهذه الأُمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فالعفو أن يقبل الدية في العمد". {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُ وفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}: أي فعلى أهل القتيل أن يطالبوا القاتل بدية المقتول، بالمعروف من غير تعنيف، وعلى المعفو عنه أن يؤدي الدية إلى أهل القتيل بإحسان، من غير مماطلة وبخس. {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ من رَّ بِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}: حيث عدل عن القصاص إلى الدية. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أي فمن قتل بعد قبول الدية أو بعد العفو، أو قتل غير القاتل، أو قتل القاتل إذا لم يقبل العفو عنه إلى الدية، فله عذاب أليم في الآخرة. وذكرت الآية الكريمة حكم القصاص في النوع الواحد، ولم تتعرض لحكم ما إذا اختلف القاتل والقتيل نوعًا، كما إذا قتل حر عبدًا، أو رجل امرأة، أو العكس. والأحناف يرون أن النفس بالنفس مطلقًا، ويشاركهم في ذلك: داود والكوفيون وغيرهم، لهذه الآية، ولقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (¬1) فإنَّ شرع من قبلنا يجب العمل به إذا لم يرد في شرعنا ما ينسخه، ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدين أو بالدار، وهما سواءٌ فيها، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ... " (¬2). رواه ¬

_ (¬1) المائدة: 45. (¬2) رواه ابن ماجة.

وما قاله الأحناف، من قتل الرجل بالمرأة، والعكس، إذا كان من الأحرار المسلمين، أمر مجمع عليه، كما قال القرطبي. أما قتل الحر بالعبد، أو المسلم بالكافر فيمنعه مالك والشافعي وغيرهما. ودليلهم في ذلك: ما روى عن على - رضى الله عنه -: "أن رجلًا قتل عبده، فجلده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونفاه سنة". وما روى عنه أنه قال: "من السنة ألا يقتل مسلم بذي عهد، ولا حر بعبد". ومن حججهم التنويع والتقسيم في الآية، وأنه إذا كان لا قصاص بينهما في نحو الأطراف، فكيف يقتل الحرب بالعبد قصاصًا؟ إلى غير ذلك من الأدلة. أما قتل العبد بالحر فلا خلاف فيه، وكذا قتل الذمي بالمسلم، أما العكس، وهو: قتل المسلم بالذمي، فقد قال به الكوفيون، والثوري، للآية التي نحن بصدد شرحها، ولقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} ولأَن المسلم يقطع إذا سرق مال الذمي. وهذا يدل على أن ماله قد ساوى مال المسلم، فدل ذلك على مساواة دمه لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه، إلى غير ذلك. والجمهور: على أنه لا يُقتل مسلم بكافر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُقتل مسلم بكافر". أخرجه البخاري عن علي. ومن أراد التعمق في بحث الموضوع، فليرجع إلى المطولات في الفقه والتفسير. واستثنى جمهور الفقهاء، من وجوب القصاص: الأب إذا قتل ابنه، لأن الابن قطعة من أبيه، فالخسارة واقعة عليه. وفي العصر الحديث: ارتفعت أصوات بعض المشرعين وعلماء النفس وعلماء الاجتماع، تنادي بإلغاء عقوبة الإعدام لفظاعتها، ولأَن أَغلب مرتكبيها واقعون تحت تَاثير أمراض نفسية، وينادون بعلاجهم لا بقتلهمن ولأن القضاة بشر: يُخطئون ويصيبون، وخطؤهم لا يمكن إصلاحه، في حالة الإعدام.

وأخذت بعض الدول الحديثة، بهذه المبررات، فألغت عقوبة الإعدام. ولكن أكثر العلماء، ورجال الدين عارضوا هذا الإلغاء، لأنه يشجع على سفك الدماء، والاستهانة بالأرواح، إذ الهدف من العقوبة هو الردع. وذهب بعض علماء الاجتماع: إلى أن الإعدام أخف من السجن المؤَبد، المصحوب بالأعمال الشاقة. والقرآن الكريم فرض القصاص، ولكنه فتح أبوابًا للرحمة، أهمها: 1 - القتل الخطأ: لا قصاص فيه. وعقوبته تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله، إلا أن يتصدقوا، بتنازلهم عنها. وللحاكم أن يضيف إلى هذا، عقوبة التعزير. 2 - لأولياء القتيل حق العفو عن القصاص في القتل العمد، مقابل الدية، ولهم - أيضًا - حق التنازل عنها، لأنهم هم الذين وقع عليهم الضرر. 3 - إذا عفا البعض من أولياء القتيل، وخالف البعض الآخر، سقط القصاص، وعاد الأمر إلى الدية أو الإحسان بالعفو. 4 - أرجأَ الإسلام تنفيذ القصاص في الحامل، حتى تضع حملها، إنقاذًا للجنين، ورجاءً لعفو أولياء الدم، أو قبولهم الدية. 5 - حبب الإسلام في العفو حيث قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُ وفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} وسيأتي شرحه. وقال: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} (¬1). هذا، وقد قرر الفقهاءُ: أن الجاني إذا كان معروفًا بالشر، أو ظهر للإمام أن المصلحة العامة تقتضي عقابه، فعليه أن يعاقبه العقوبة المشروعة، ولا يعفو عنه، صيانة للمجتمع من شره. ¬

_ (¬1) النور: 22.

{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} المراد من أخيه: ولي الدم، أي فالجاني الذي عُفِي له من ولي الدم شيٌ من العفو، ولو أقل قليل. كأن يعفو بعض الورثة، عن حقهم في القصاص، فإن ذلك يُسقط القصاص، كالعفو التام، وسماه "أخاه" استعطافًا، بتذكير أُخوة الدين. وقيل المراد بأخيه: المقتول. والمعنى: فمن عفى له من دم أخيه شيٌ. والمراد ما تقدم بيانه. {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}: أي فليطالب العافي بالدية، بالمعروف من غير تعنيف ولا إيذاءٍ. {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}: يعني: وليؤد الجاني الدية إلى ولي الدم بإحسان من غير مماطلة ومن أراد معرفة أحكام القصاص والدية في حق المسلمين وغيرهم. فليرجع إلى كتب الفقه. {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّ بِّكُمْ وَرَ حْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: فتح الله بابًا للرحمة والتخفيف وحقن الدماء، بإجازته أخذ الدية، وتوعُّدِهِ من يعتدي بعد ذلك - أي بعد أخذ الدية، بأن يقتص من الجاني، أو يقتل غيره - بالعذاب الأليم، لأنه غاش ومخادع. والمراد بالعذاب الأليم: العقاب في الدنيا بالقصاص، وفي الآخرة بالنار. وقال أبو الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط، ويبقى عذابه في الآخرة. وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام، يصنع فيه ما يرى. وقيل غير ذلك. ووجه التخفيف بأخذ الدية: أن أهل التوراة، كان لهم القتل، ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو، ولم يكن لهم قَوَد ولا دية، فجعل الله - تعالى - ذلك تخفيفًا لهذه الأُمة، فمن شاء قتل، ومن شاءَ أخذ الدية، ومن شاءَ عفا. قال القرطبي.

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)} المفردات: {الْأَلْبَابِ}: جمع لب، وهو: العقل. التفسير 179 - {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ... } الآية. هذه الآية تعليل لإيجاب القصاص الذي مر بيانه في الآية السابقة، وتوضيح لمحاسنه على وجه بديع، حيث جعل الشيء سببًا في ضده. فقد ذكرت في إيجاز معجز، الهدف من القصاص، وهو حياة المجتمع في أمن وسلام، ولهذا خاطبت أُولي الألباب، أي: أصحاب العقول الخاصة من العلماء والأذكياء. فإذا انحرف بعض الأفراد، اقتضت المصلحة العامة للجميع استئصال المنحرف، محافظة على سلامة غيره فالقصاص من الجناة حياة آمنة للأُمة. وإلى هذا أشارت الآية الكريمة: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْ ضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (¬1). فالأصل: هو القصاص. أما العدول عنه إلى قبول الديات أو العفو، فمتروك لأولياء الدم. وقد عنى علماء البلاغة والمفسرون بالموازنة بين التعبير القرآني: "ولكم في القصاص حياة"، وبين الحكمة العربية: "القتل أنفى للقتل". وأورد السيوطي في كتابه: "الإتقان" عشرين وجهًا، لتفضيل العبارة القرآنية. ومن أبرز وجوه امتيازها على العبارة العربية: أنها واضحة الهدف وهو حياة الأمة، وأن القتل فيها للقصاص. ¬

_ (¬1) المائدة: 32.

أما العبارة العربية: فليست كذلك، كما أن القصاص قد يكون بغير قتل، ذلك عند إصابة بعض الأعضاء. وليس في العبارة العربية تعرض له. وسبب الحياة بالقصاص: أن من يفكر في القتل، ويعلم أن سيُقتص منه إذا قتل، يمتنع عن القتل، فيتسبب ذلك الامتناع في حياة نفسه، وحياة من يريد قتله، فإذا عم هذا التفكير بين الناس، ساد فيهم الأمن والسلام، وتوفرت لهم الحياة، كما أنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد، فإذا اقتص من القاتل وحده سلم الباقون، فيكون ذلك سببًا لحياتهم. {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)} التفسير 180 - {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ... } الآية. بعد أن تناولت الآية السابقة حقوق أولياء الدم في القصاص أو الدية أو العفو، تناولت هذه الآية حقوق بعض أولياء الميت فيما ترك من خير وهم: الوالدان والأقربون، فذكرت: أن من تَوقَّعَ النهاية، فعليه أن يوصي بتركته لوالديه وبقية أقاربه، بما يعرف العقلاء حسنه فلا يحرم بعضهم بدون حق. وجمهور المفسرين القدماء - وفي مقدمتهم ابن عباس وابن عمر - على أن هذ الآية منسوخة بآيات الميراث في سورة النساء. وسندهم في ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبهم على راحلته فقال: "إن الله قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية". أخرجه أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجة. وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبيهقي في سننه عن أبي أُمامة الباهلي. سمعت رسول الله - صلى

الله عليه وسلم - في حجة الوداع في خطبته، يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". فهذا الحديث وذاك، أفهما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم أن آية المواريث نسخت وجوب الوصية للوالدين والأقربين، المأخوذ من هذه الآية. والقائلون بنسخ وجوب الوصية اختلفوا: فمنهم من قصر النسخ على الذين يرثون، وأبقى وجوبها فيمن لا يرثون، كأن يكون الوالدان أو الأقارب كافرين، أو يكونوا مؤمنين، ولكنهم حجبوا من الميراث، كابن الأخر الذي حرم بأخ، وكذوي الأرحام. فالوصية واجبة لهؤلاء وأمثالهم عند بعض من قال بالنسخ. وممن قال بذلك: ابن عباس وعلى - رضى الله عنهما - روى عن على أنه قال: من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصية. ومنهم من قال: إن الوجوب نسخ في حق الجميع، ولكنها مستحبة في حق الذين لا يرثون، وإلى هذا الرأي ذهب الأكثرون. وقيل إن هذه الآية لم تُنسخ بآيات المواريث، بل حدد بها ما كان الموصى حرًا في تحديده بمقتضى هذه الآية. فقد رأى الحكيم - سبحانه - أنه قد لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي به لكل واحد من أقاربه، ولا يعرف من هو أولى بالوصية من سواه، وقد يقصد المضارة. فتولت حكمته تعالى بيان ذلك الحق، بما أنزله من آيات المواريث متفقًا مع الحكمة والمصلحة، حيث حصر الأنصباء في النصف والربع والثمن، والثلثين والثلث والسدس وعين أصحابها، وما فضل - بعد أصحاب الفروض - أعطاه لأولي الذكور العصبات، وَبَيَّنَ دَرجاتهِم، فتحول التقسيم بآيات المواريث من الموصي - كما كان شائعًا - إلى المولى سبحانه وتعالى، فقال في سورة النساء: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... } (¬1) الخ أي يوصيكم في ورثتكم - ¬

_ (¬1) النساء: 11.

وقد عجزتم عن تحقيق المصلحة بينهم بأنفسكم - بأن يكون تقسيم أموالكم بينهم على النحو المبين في الآية، وذلك كمن أمر غيره بإعتاق عبده، ثم أعتقه هو بنفسه. ومن أراد المزيد من تحقيق الموضوع، فليرجع إلى الموسوعات في تفسير تلك الآية الكريمة: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} أي هذه الوصية: جعلها الله حقًا، يلتزم به من اتقى الله وراعاه. {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)} المفردات: {إِثْمُهُ}: الإثم: ارتكاب ذنب. {خَافَ}: الخوف هنا بمعنى العلم. {جَنَفًا}: الْجَنفَ: الجور والميل عن الحق. التفسير 181 - {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ... } الآية. هذا تحذير من الله، لمن يبدل وصية الميت من الأوصياء والشهود، بعد ما تأكد من صدورها عنه، وإنذار له بأنه آثم مرتكب لكبيرة من الكبائر. ومن كان كذلك، عُوقب عقاب كبائر الذنوب، لأنه أعان على قيام باطل، بدلًا من الإعانة على تنفيذ حق شرعه الله. وتبديل الوصية: يكون بإنكارها، أو بالنقص فيها، أو بتغيير صفتها، أو بغير ذلك. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فيسمع أقوال المبدلين والموصين، ويعلم نياتهم، فيجازيهم على حسبها، وفي هذا وعيد مؤَكد للمبدلين، ووعد للموصين العادلين.

واستدل بالآية: على أن وجوب الوصية يسقط عن الموصى بنفس الوصية وأنه لا يلحقه تبعة، إن لم يعمل بها. 182 - {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ... } الآية. والمعنى: فمن علم من المسلمين جورًا من موصٍ في وصية، بأن أَوصى بالمال إلى زوج ابنته، أو ابن ابنته - مثلًا - لينصرف المال إلى ابنته، رغبة في حرمان وارث، أو أوصى لبعيدِ وترك القريب، فأصلح بين الموصى لهم وبين غيرهم ممن وقع الجور عليهم، بتعديل الأَنصباء التي في الوصية، لصالح من جار عليهم الموصى فلا إثم على هذا المصلح، في مخالفة الوصية، لأَنها جائرة، ولا ينطبق عليه الإنذار الإلهى، في قوله تعالى: {فمَنْ بَدَّلَهُ}، لأنه تبديل للمصلحة، لا تبديل للهوى. وقيل: المراد أنه فعل الإصلاح بينهم في حياة الموصى. بأن أَمر الموصى بالعدول عن جوره في وصيته، وتحقيق العدل بينهم. وعلى كلٍّ، فالإصلاح بينهم فرض كفاية، يأثم الجميع بتركه، فإذا قام به أحد المسلمين، سقط الإثم عن الباقين. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: هذا تذييل، قصد به الوعد بثواب من أصلح على إصلاحه، وذكر المغفرة مع أن الإصلاح طاعة، والمغفرة إنما تليق بمن عصى، لتقدم ذكر الإثم الذي تتعلق به المغفرة. ولذا حسن ذكرها. يعني: أنه - تعالى - غفور للآثام، فلأن يكون رحيمًا بمن أطاعه أولى! وقيل: المعنى: إن الله غفور للمصلح ما يفرط منه في الإصلاح، كأن يكذب للمصلحة، أو غفور لجور الموصى بعد ما أصلح الوصى، بين من أوصى لهم وبين غيرهم. وقيل: غير ذلك.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)} المفردات: {الصِّيَامُ}: الإمساك عن الشيء. ويقول البيضاوي: إنه الإمساك عما تشتهيه النفس. {يُطِيقُونَهُ}: يحتملونه بمشقة كبيرة. وسيأتي بيان آراء الفقهاء في ذلك. التفسير 183 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ... } الآية. تناولت الآية السابقة بعض الأحكام، ولا يزال حديث الأحكام موصولًا، فقد ذكرت هذه الآية وما تلاها: كثيرًا من أحكام الصيام. وقررت هذه الآية أن الصيام فرض على المؤمنين، كما كان مفروضًا في الديانات السابقة، وإن اختلف الصيام في كل أُمة في الكيفية أو المُدة. قال صاحب الكشاف، في تفسير قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}: على الأنبياء والأُمم، من لدن آدم إلى عهدكم. وقال علي - رضى الله عنه -: "إن الصوم عبادة قديمة، أخلى الله أُمةً من افتراضها عليهم".

وإنما فرضه الله على كل أُمة، لما له من فوائد جسمية وروحية. والحكمة في تشبيه فرضه علينا بفرضه على من كان قبلنا، هي تخفيف مشقته على الصائمين، فإنه إذا كان شريعة عامة في جميع الديانات، كان ذلك أدى إلى الصبر عليه، وعدم التقصير فيه. ولأهميته جُعِل الركن الرابع من أركان الإسلام، كما في الحديث الصحيح المجمع عليه: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصومِ رمضان، والحجِّ". رواه ابن عمر عن ِّالرسول - صلى الله عليه وسلم -. والصوم لغة: الإمساك، ومنه الصوم عن الكلام، كقول مريم عليها السلام: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} (¬1). وشرعًا: الإمساك عن الطعام والشراب ومباشرة النساء، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع تبييت النية. وللصيام آثار حسنة كثيرة. فهو يربي الوازع النفساني، وينمي الإرادة، ويبعث على الخير، ويقمع الشر، ويُعلم الصبر، ويحقق المساواة بين الفقير والغني في الجوع، ويذكر الغني أخاه الفقير، فيعطف عليه، ويعينه .. إلى غير ذلك من الفضائل. وله فوائد صحية عديدة، أجمع عليها الأطباءُ. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: لعلكم بالصوم تتقون المعاصي، فإنه يذكر الصائم بخشية ربه، ولذا حببه الرسول إلى الشباب الذين لا يجدون مئونة الزواج. فقد جاء في الصحيحين: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاءٌ". (¬2) ¬

_ (¬1) مريم: 26. (¬2) أي دفع للشهوة وقمع لها.

وقد بينت السنة فضائله. ومن ذلك: ما رواه الشيخان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه". وما رواه مسلم في حديث قدسي: "كل عمل ابن آدم له، يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به". 184 - {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ... } الآية. أي كتبه أيامًا قليلة تُعد. والمراد بالأيام المعدودات: شهر رمضان، الذي سيصرح به في الآية التالية، وهذا هو رأي ابن عباس، وأكثر المحققين وأحد قولي الشافعي، فيكون الله قد أخبرنا - أولًا - بأنه كتب علينا الصيام، ثم بين عدته بيانًا يُقصد به التخفيف، بقوله: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) ثم بينه بيانًا تامًا بقوله: {شَهْرُ رَمَضانَ} ... الخ. والتعبير عن الشهر: بأنه أيام معدودات، لتقليل مدته، والتيسير على الصائمين وكأنه - تعالى - يقول: فرضناه شهرً تُعَدُّ أيامه: ولم نفرضه أكثر من ذلك، رحمة بكم، وتيسيرًا عليكم. وقيل: المراد بالأيام المعدودات: ثلاثة أيام من كل شهر قمري في وسطه، وهي أيام الليالي البيض: الثالث عشر والتاليان له، ونسخ صيامها بشهر رمضان، ونسب هذا الرأي إلى ابن عباس وجماعة. والراجح الأول. ويكن تحقيق دليل كلٍّ في المطولات. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِ يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}: أي فمن مرض منكم أو سافر فله أن يفطر مدة المرض أو السفر، ثم يقضي أيامًا بعدة أيام فطره. وتقدير المرض والسفر، فيه خلاف بين الفقهاء. فقد ذهب بعضهم: إلى أن أي مرض أو سفر، يبيح الفطر.

وذهب الجمهور: إلى أن المرض المبيح للفطر، هو الذي يشق احتمال الصيام معه، ولا يحتمل عادة. ومثل المرض الشديد: الخوف من استمراره، أو زيادته أو توقع حدوثه إن صام، بحكم عادة أو مشورة طبيب عادل. وهذا هو الراجح. وقيل: غير ذلك. وأما السفر، فحدده بعضهم بثمانية وأربعين ميلًا، بينما نزل به البعض الآخر إلى ثلاثة أميال. وقيل: غير ذلك. ويشترطون فيه ألا يكون سفر معصية. وعلى المسلم أن يحتاط في تقدير المرض، فالصوم أمانة بين العبد وربه، كما عليه أن يحتاط في تقدير مشقة السفر، وبخاصة في هذا العصر الذي توافرت فيه سبل الراحة بالمواصلات السريعة. وحسبه قوله تعالى: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فينبغي له أن يصوم كلما أمكن الصوم، وإن انطبقت عليه الرخصة. وإذا أفطر المترخص بالسفر أو المرض، فلا ينبغي أن يعيب عليه من صام، ومع وجود الرخصة له. فقد روى الشيخان عن أنس - رضي الله عنه -: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَعِب الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِر، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم". {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. يقول كثير من المفسرين: إن الصيام في أول الإسلام كان بالخيار للقادر عليه، لأنهم لم يكونوا معتادين الصيام قبل الإسلام، فكان فرضه مع الإلزام فيه مشقة عليهم، فرخص لهم الفطر مع الفدية، وقَدْرُها طعام مسكين في اليوم، عن كل يوم. وقدَّرَها أهل العراق: بنصف صاع من بُرٍّ (أي قمح) أو صاع من غيره، وقدَّرَها أهل الحجاز: بِمُدٍّ (¬1) لكل يوم. ويُستدل من قال: إن الصيام أول الإسلام كان اختياريًا، وأن الآية نزلت لتخيير من قدر عليه بين الصيام وبين الفدية المذكورة، بما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن ¬

_ (¬1) المُد بضم الميم: مكيال خاص وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، ورطلان عند أهل العراق، وقدره بعض الباحثين بنصف قدح مصري.

سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: لما نزلت الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} كان مَنْ شاءَ مِنَّا صَامَ، ومن شاءَ أَفطرَ وَيَفْتَدِي - فُعِلَ ذَلِكَ - حتى نزلت الآيةُ التي بعدها فَنَسَختْهَا: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. ومن العلماء من لم يقل بالنسخ، ويفسر {يُطِيقُونَهُ} بمعنى: يصومونه جهدهم وطاقتهم، وهذا مبني على أن الوسع هو القدرة على الشيء مع السهولة، والطاقة هي القدرة عليه مع المشقة، فيصير المعنى: وعلى الذين يصومونه مع الشدة والمشقة - إن أفطروا - فدية إلخ. ويدخل فيهم: الشيخ الضعيف والحامل والمرضع ونحوهم. ويقول بعض أصحاب هذا الرأي: إن الهمزة في أشق للسلب، فمعنى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} على هذا الرأي: وعلى الذين تسلب طاقتهم بالصيام فدية ... إلخ، وذلك كما في: قسط بمعنى جار، وأقسط بمعنى عدل، وترب بمعنى افتقر، وأترب بمعنى استغنى. ونحو ذلك. {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً افَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}. أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية، أو زاد على من يلزمه إطعامه، بأن أطعم مسكينين فصاعدًا، أو جمع بين الإطعام والصيام، فهو خير له. {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: الخطاب بذلك لمن أُبيح لهم الفطر، على أي وجه مما سبق، أي: وأن تصوموا خير لكم من الفطر، وإن كنتم تعلمون ما في الصوم من الفضيلة. روى الشيخان عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من عبد يصوم يومًا، إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا". وإنما يُفضل الصوم الفطر، إذا لم يتعرض به الصائم إلى الخطر، فإن كان يفضي صومه إليه، فالفطر واجب بالإجماع، لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (¬1). ومذهب الظاهرية: وجوب الإفطار لعذر السفر والمرض مطلقًا، وأن من صام في سفر، أو مرضٍ، لا يصح صومه هو رأي مرجوح، لأنه ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - أفطر في بعض الحالات، تشريعًا لأُمته. ¬

_ (¬1) البقرة: 190.

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)} {الْفُرْقَانِ}: الفارق بين الحق والباطل. {شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ}: علم به بأي وجه من وجوه العلم. {الْيُسْرَ}: السهولة. {الْعُسْرَ}: المشقة. التفسير 185 - {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ... } الآية. هذه الآية بينت أن الأيام المعدودات في الآية السابقة هي شهر رمضان، وذكرت أن الله تعالى شرف هذا الشهر بإنزال القرآن الكريم فيه، وكان ذلك في ليلة القدر، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (¬1) أي بدأنا إنزاله فيها. وعن ابن عباس وابن جبير والحسن، أنه أُنزل فيها إلى سماء الدنيا جملة، ثم أُنزل منجمًا في ثلاثة وعشرين عامًا حسب الوقائع. ¬

_ (¬1) سورة القدر: 1.

{هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} أي: أنزل الله القرآن الكريم في شهر رمضان، هداية للناس إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى مصالح المعاش والمعاد، وآيات واضحات من جملة الكتب الهادية إلى الحق، الفارقة بينه وبين الباطل. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}: أي فمن حضر منكم في الشهر، ولم يكن مسافرًا فليصم فيه، أو من علم هلال الشهر بأَيِّ وسيلة من وسائل العلم به فليصمه. روى الشيخان عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا عدة شعبان ثلاثين". كانت رؤية العين هي الوسيلة الوحيدة للعلم به في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام - وصحابته. وبعض الفقهاء العصريين يرى: أن رؤْية العين غير دقيقة، وأن علم الفلك قد تقدم، وأصبح بالإمكان تحديد الأوقات بالثانية والدقيقة عن طريقه، وأصبح اعتمادنا في تحديد أوقات الصلوات عليه، ويرى ارتكانًا على هذا: اعتبار أول رمضان على أساس حسابه الدقيق. وقال بهذا الرأي - عند الغيم - من القدامى مطرف بن عبد الله، وهو من كبار التابعين، وابن قتيبة، وهو من كبار المحدثين، فقد قال: "يُعَوَّل على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل، واعتبار حسابها في صوم رمضان". وقد قرر مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية: الاعتماد على الرؤية في حال الصحو، والاعتماد على المراصد الفلكية في حال الغيم، إذ الرؤية فيها رؤية. ومع هذا فلا يزال المسلمون يعتمدون على الرؤية بالعين المجردة، ومن لم ير الهلال في دولته اعتمد على رؤيته في دول مجاورة. {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}: بعد أن عظَّمت الآية شأن الصوم، أعادت إباحة الترخيص في الإفطار، توكيدًا لأمره، وذلك عند من يقول: إن الصوم كان واجبًا من غير تخيير، منذ أول التكليف به، وأما عنا من يقول: إنه كان على التخيير، ثم نسخ التخيير بالإلزام في قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}:

فإن إعادة الترخيص بالفطر للمريض والمسافر، لإفادة إباحة الفطر لهما عند الإلزام، كما كان التخيير، حتى لا يظن زوال هذا الترخيص، بالإلزام بالصيام. والأيام الأُخَرُ، تتم في غير رمضان والعيدين، ويكون صيامها بعدد أيام الفطر. واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعًا ومتفرقًا، وأنه ليس على الفور، خلافًا لداود، كما استدل بها على أن من أفطر رمضان كله، قضى بعدد أيامه، فلا يجزئه صيام شهر عدده تسعة وعشرون يومًا، مكان رمضان الذي كان ثلاثين يومًا، بل يزيد عليه يومًا. {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ}: تخفيفًا عنكم بهذا الترخيص. قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} (¬1). {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}: لغاية رأفته، وسعة رحمته فلا يُكلفكم ما لا تطيقون فإنه: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (¬2). {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. أي شرع لكم ما ذكر من الأحكام في هذه الآية، لتكملوا عدة شهر رمضان أداءً أو قضاءً، فلا تنقصوا من عدته يومًا أو أكثر، فإن صيامه كله مفروض عليكم، ولتعظموا الله بالحمد والثناء على ما هداكم إليه، من صيام هذا الشهر المبارك، والترخيص بالفطر عند العذر، وطريقة قضاء الصيام عند زوال العذر، ولعلكم تشكرون الله على نعمة الصيام المشتمل على فوائد خلقية واجتماعية وصحية عديدة، وعلى نعمة الترخيص بالفطر للعذر، وقضاء ما أفطرتموه عند زواله. ¬

_ (¬1) النساء: 28. (¬2) البقرة: 286

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} التفسير 186 - {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ... } الآية. ورد في سبب نزول هذه الآية: أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - عز وجل -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِ يبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. والآية متصلة بعبادة رمضان، إذ هو شهر صيام وقيام، حافل بالعبادة والدعاء، ولهذا وردت آية الدعاء بين آيات الصيام. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الصائم لا تُرَدُّ دعوته" رواه الترمذي. ومعنى {فَإِنِّي قَرِيبٌ}: فقل لهم: إني، والمراد بالقرب: الإحاطة والعلم، لا القرب المكاني. وقد وعد الله - تعالى - في الآية أنه يجيب دعاء من دعاه ويحققه. وقيد الله إجابته بقوله: {إِذَا دَعَانِ} للإشارة إلى أنه - تعالى - يجيبه إذا اتجه إليه وحده بالدعاء. ولا تقتضي الآية أنه يجيب الدعاء دائمًا. فهي وعد بالإجابة في الجملة، إِذ الإِجابة

تابعة لمشيئة الله - تعالى - طبقًا لحكمته، قال تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} (¬1). وقد يُبدّل الله للعبد خيرًا مما طلبه، أو يدخر له دعاءَه في الآخرة، فيحط عنه من سيئاته ما شاء، أو يوليه فضلًا منه ورحمة. ففي الحديث الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله - تبارك وتعالى - إحدى ثلاث: إما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه السوء بمثلها. قالوا: إذن نكثر، قال: الله أكثر". رواه مالك في الموطأ، كما رواه غيره. والدعاء: ترجمان العبودية والخضوع والاستسلام من العبد لربه، وإيمانه بأن الأُمور كلها بِيَدَيْ مولاه - سبحانه -. ولذا صح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاءُ مخ العبادة". وللدعاء آداب هامة، ذكرها الإمام الغزالي في الجزء الأول من الإحياء. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي}: أي فليطلبوا إجابتي بالدعاءن لأن السين والتاء للطلب، أو فليجيبوني إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أني أُجيبهم إذا دعوني لحاجاتهم. واستجاب وأجاب بمعنى واحد، غير أن الاستجابة أقوى. {وَلْيُؤْمِنُوا بِي}: أي وليدوموا على الإيمان بي. {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}: أي ليهتدوا إلى مصالح دنياهم وأُخراهم. وقد عقبت أحكام الصيام المذكورة بقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... } الآية، للإيذان بأنه تعالى خبير بأفعالهم، سميع لأقوالهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيدًا لتلك الأحكام وحثًّا عليها. ¬

_ (¬1) الأنعام: 41.

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)} المفردات: {الرَّفَثُ}: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة، قاله الزجاج. وفي الكشاف: هو الإفصاح بما ينبغي أن يكنى عنه بين الرجل والمرأة، ورفث في كلامه: أفحش. والمراد من الرفث في الآية: المباشرة الزوجية. {تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الاختيان: الخيانة البليغة. التفسير 187 - {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... } الآية. سبب نزول هذه الآية كما رواه البخاري: "لما نزل صوم رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ}. وعن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة. ثم إن أُناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام

في شهر رمضان بعد العشاء، منهم: عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى -: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}. وعن ابن عباس - أيضًا - قال: إن الناس كانوا - قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيه - يأكلون ويشربون، ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم، لم يطعم ولم يشرب ولا يأْتي أهله، حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم، وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال: وماذا صنعت؟ قال: إني سَوَّلَت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت، وأنا أُريد الصوم، فزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما كنت خليقًا أن تفعل"، فنزل الكتاب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ذكره ابن كثير. ومن ذلك يُفهم: أن الأكل والشرب والجماع، كانت محرمة عليهم من العشاء، أَو من بعد النوم إلى الفجر، فخالفوا - وهم بشر - قبل أن يُشَدد الإسلام النكير على المخالفين في ذلك، ويستدلون للتحريم السابق، بقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}. وقد دلت هذه الآية: علىلا جعل الصيام من الفجر إلى المغرب، بنص الآية. وهذا يدل على أن الصيام قبل ذلك لم يكن بهذه الصورة. ويشهد لذلك أيضًا قوله: {كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}. وبعضهم فسَّر الآية بأنَّ بعض الصحابة خالف ما اعتقد أنه واجب الأداءِ، وهو بدءُ الصيام من العشاء. أما جُملة {أُحِلَّ لَكُمْ} فلا تدل على أنه كان حرامًا، وإنما لتقرير إباحته، مثل قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} (¬1). والمراد من الرفث إلى النساءِ: جماعهن. ¬

_ (¬1) المائدة: 96.

والمعنى: أُحل لكم أيها المؤمنون، جماع زوجاتكم ليلة الصيام دون حرج. {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}: هذه الجملة في قوة التعليل للإباحة، وهي مجاز عن أن كليهما يمنع الآخر عما لا يحل، فكما يمنع اللباس الحر والبرد، فكذلك كل من الزوجين يمنع الآخر، ويستره عن الفاحشة، بما أحله الله له من المباشرة. وقا ابن عباس معناه: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}: بغشيان نسائكم وإنقاص حَظَّ أنفسكم من الثواب وتعريضها للعقاب بفعل ما تعتقدونه محرمًا عليكم. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}: أي قبل توبتكم {وَعَفَا عَنْكُمْ}: أي محا أثره عنكم، فلم يَعُدْ فعله خطيئة لكم. {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}: بهذا أزال الله عن المؤمنين الحرج، فأباح لهم أن يباشروا نسائهم ليلة الصيام، مع مراعاة أن الهدف ليس إرضاءَ الشهوات فحسب، بل إعفاء الزوجين، وحفظ النوع الإنساني، فينبغي أن ينوي ذلك بالمباشرة كما سنَّها الله. {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. أحلت هذه الآية للصائمين: أن يباشروا زوجاتهم، وأن يأكلوا ويشربوا عن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. والخيط الأبيض: كناية عن الشعاع الضوئي الممتد بعرض الأُفق، فإذا بدأ ظهوره، تميز من فوقه الليل أسود اللون، وهو الذي كنَّتْ عنه الآية بالخيط الأسود، فإذا اجتمعا على هذا النحو، كان الفجر. فالفجر: عبارة عن مجموع الخيطين الأبيض والأسود. ولذا بينهما الله مجتمعين بقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} ولكون الفجر مجموع الخيطين، قال الشاعر: وَأَزْرَقُ الْفَجْرِ يبْدُو قبلَ أَبيَضِهِ. . . . . أي: سواده يظهر فوق بياضه.

فمتى جاء الفجر على هذا النحو، وجب الإمساك عن هذه المباحات. {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}: حين يبدأ الإمساك عن المفطرات، فعلى الصائم أن يتم صومه إلى الليل. وله في الليل ما أحل الله له، إلا أن يكون معتكفًا في مسجد لطاعة الله، فمحظور عليه ليلًا مباشرة النساء - مراعاة لحرمة المسجد - لا الطعام والشراب، فإنهما مباحان. والمباشرة المنهي عنها - حينئذ -: هي الجماع، أما نحو اللمس والقبلة، فإن كان بغير شهوة فمباحان، ولكن يكرهان. وإن كانا بشهوة وتلذذ، فسد الاعتكاف. {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}: {تِلْكَ} إشارة إلى ما تقدم من أحكام، وسماها حدودًا، لأَنها حجزت بين الحق والباطل، والنهي في {فَلَا تَقْرَبُوهَا} آكد من لا تعتدوها، لأنه يشير إلى البعد عنها، حتى لا ينزلق المؤمن في غفلة منه، فيتجاوز الحد، فمن حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه. ولم ينهنا الله - تعالى - عن مقاربة حدوده، إلا في هذه الآية وآية الزنى، وآية مال اليتيم، فإن غريزة الجنس، وغريزة حب المال، تعصفان بالإنسان، إلا من التمس أن يعصمه الله. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}: وعلى هذا النحو الدقيق: وضح الله الأحكام للناس حتى لا يلتبس عليهم الحق بالباطل، وبهذا تصح عبادتهم، وتسمو نفوسهم ويتمسكوا بتقوى الله. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (¬1). وهكذا نرى آيات الصيام مختومة بالتقوى، مثلما انتهت بها آيات الأحكام السابقة. لأَنها الهدف الأسمى للمؤمنين. ¬

_ (¬1) النور: 52.

{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} المفردات: {تُدْلُوا بِهَا}: تلقوا بها. {الْإثْم}: الذنب. التفسير الربط: الصوم يفضي إلى القناعة والعدالة الاجتماعية، والمال موطن الظلم والطمع والجور. فلذا حذرنا الله من فتنته بهذا النهي الحكيم. 188 - {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ... } الآية. فقد تناولت الآية في سياق ما أوردت الآيات السابقة من أَحكام - حكمًا جديدًا، يتعلق بحرمة الأموال. فإنها تنهي عن أكل أموال الآخرين، عن طريق غير مشروع. والمراد من الأكل ما يعم الأخذ والاستيلاء وغيرهما. وعبر به لأنه أهم أغراض المال. والمعنى: ولا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، وتلقوا بالخصومة فيها إلى الحكام: فإن في ذلك خراب البيوت. وقيل معنى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}: ولا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على سبيل الرشوة. {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أي لا تأخذوا أموالكم بينكم بغير وجه حق، وتلقوا بالخصومة فيها إلى الحكام، لتبرروا أكل بعض أموال الناس، بسبب يوجب الإثم والذنب، كشهادة الزور، واليمين الفاجرة، والرشوة، وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، وقد استدل بقوله:

{وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}: فمن لا يعلم أنه يأكلها بالباطل، لظنه أنه حق له وحكم له الحاكم بأخذها، فهي له حلال. ولكن على المسلم أن يتحرى في كسبه البُعْد عن الشبهات، فإن الجهل بالجرائم لا يُبرر ارتكابها. وعبارة (وأنتم تعلمون) لإظهار بشاعة تعمد ارتكاب الآثام. وسبب نزول هذه الآية، على ما رواه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير مرسلًا: أن عبد الله بن أشوع الحضرمي، وامرأ القيس بن عابس، اختصما في أرض، ولم تكن بينة، فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يحلف امرؤ القيس، فهمّ به، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} (¬1) فارتدع عن اليمين، وسلم الأرض، فنزلت. واستدل بالآية: على أن حكم القاضي لأحد بما ليس له، لا يجعله حلالًا في الواقع. وجاء في ذلك حديث رواه البخاري ومسلم، عن أُم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلحنَ بِحُجَّتِهِ من بعض، فأَقضِيَ له على نحو ما أَسمعُ منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حَقِّ أخيه، فلا يأخُذَنَّه، فإنما أقطعُ له قِطْعَةً من النار". {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)} المفردات: {الْأَهِلَّةِ}: جمع هلال، وهو القمر أول الشهر العربي. {مَوَاقِيتُ}: معالم زمنية بوقت بها الناس شئونهم، ويعرفون بها وقت حجهم. ¬

_ (¬1) البقرة: 174

سبب النزول

التفسير 189 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} الآية. سبب النزول: روى [[ابن]] عساكر، عن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم، قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم، ويستوي، ويستدير، ثم لا يزال ينقص، ويدق حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت الآية. وإنما قال: {عَنِ الْأَهِلَّةِ} بالجمع، مع أنهم سألوا عن الهلال، وهو واحد، لأن الحالة التي سألوا عنها - لما كنت تتكرر كل شهر، وتتعدد: نزل تعدد الأحوال منزلة تعدد الذات، فصح الجمع وكان أولى من الإفراد. والسؤال يحتمل أن يكون عن الحكمة في تطور شكل الهلال، وأن يكون عن السبب والعلة، والآية ليست نصًا في المراد، وقد أمر الله الرسول أن يجيب السائلين بقوله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}. وهذا الجواب مطابق للسؤال، إن كانوا يسألون عن الحكمة، وهو من الأسلوب الحكيم، إن كانوا يسألون عن العلة. والأسلوب الحكيم: أن يجاب السائل بغير ما يطلب، وتوجيهًا له إلى ما يفيده، وما هو جدير بالسؤال عنه. والمعنى: يسألونك يا محمد عن الأهلة، قل: هي معالم للناس يُؤَقِّتون بها أُمورهم الدنيوية مثل مواعيد الزراعة، والتجارة، وسداد الدين، والقدوم والسفر، ونحو ذلك، مما يصلح فيه التوقيت القمري، ومعالم للعبادات المؤَقتة، كالصيام والحج ولو كان القمر على حالة واحدة، لم يتيسر هذا التوقيت.

{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}. سبب النزول: أخرج ابن جرير، والبخاري عن البراء، قال: "كانوا إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ... } الآية. وكأنهم كانوا يتحرجون من الدخول من الباب، من أجل سقف الباب أن يحول بينهم وبين السماء، كما صرح به الزهري، في رواية ابن جرير - رضيَ الله عنه - ويعدون فعلهم ذلك برًّا، فبين لهم: أنه ليس ببر. وكما كان يحدث هذا في البيت الحرام، كان يحدث منهم في بيوتهم، فقد روى أن الأنصار كانوا إذا قدموا من سفر، لم يدخل الرجل من قبل بابه. ويقول الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية، إذا أراد أحدهم سفرًا، وخرج من بيته يريد السفر الذي خرج له، ثم بدا له - بعد خروجه - أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوَّره من قِبَلِ ظهره، إلى غير ذلك، مما يشابهه. وقد نزلت هذه الآية لتعليمهم أدب الدخول. ووجه الاتصال بين دخولهم البيوت من ظهورها، وبين سؤالهم عن الأهلة: التعريض بأن السؤال عن الأهلة، يعتبر كإتيان البيوت من ظهورها، وأن اللائق بحالهم ألا يسألوا عن هذا الأمر، الذي لم يستعدوا لإدراكه من الناحية العلمية. والآية: تعتبر مثلا فيمن يباشر الأُمور بطرق غير مألوفة. {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى}: أي ولكن البرَّ بِرُّ من اتقى المحارم والشهوات. {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}: أي باشروا أُموركم من وجوهها، التي يجب أن تُباشر عليها. {وَاتَّقُوا اللَّهَ}: في جميع أُموركم. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: لكي تفوزوا بما تطلبون من الهدى والبر، فإن من اتقى الله، تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه، وانكشف له من الأسرار حسب تقواه.

سبب النزول

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)} المفردات: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: سبيل الله: دينه. {ثَقِفْتُمُوهُمْ}: وجدتموهم. {الْفِتْنَةُ}: الابتلاء. التفسير 190 - {وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. الربط: هذه الآية وما تلاها من الآيات، تشتمل على أحكام القتال في الحج في البلد والشهر الحرام، فكانت مناسبة للآية السابقة التي تحدثت عن مواقيت الحج. ولقد اعتزم المسلمون أن يحجوا في العام التالي لصلح الحديبية، وفقًا لما حدث الاتفاق عليه فيه، فأَنزل الله - تعالى - هذه الآية، يعلمهم فيها ما يصنعون، إذا قاتلهم المشركون في البلد الحرام والشهر الحرام. سبب النزول: أخرج أبو صالح عن ابن عباس - رضى الله عنهما -: أن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع عَامَهُ القابل،

ويخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا ألا تفي لهم قريش بذلك وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، فأنزل الله الآية ... والمعنى: وقاتلوا في سبيل الله - أي لغرض إعلاء كلمة الله - الذين يبدءُونكم بالقتال دفاعًا عن أنفسكم وحريتكم في أداء العبادة، ولا تعتدوا بقتل النساء والصبيان، والشيوخ المسنين، ومن ألقى إليكم السَّلام، وكف يده عنكم، فإن قتلتموهم فقد اعتديتم وتجاوزتم ما يحل لكم، إن الله لا يحب المعتدين، بل يبغضهم ويعاقبهم. 191 - {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِ جُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ... } الآية. المعنى: واقتلوهم - غير معتدين حيث وجدتموهم: في حل أو حرم، وأخرجوهم من ديارهم، كما سبق أن فعلوا ذلك بكم، حيث أخرجوكم من دياركم، ولم يكتفوا بهذا، بل تناولوا من بقى منكم من المسلمين في مكة: بالتعذيب والتنكيل، ليرتدوا عن الإسلام. {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}: أي بقاؤهم على الشرك، أشد قبحًا من قتلهم في الحرم والشهر الحرام، فلا تبالوا بقتالهم فيه. أو المعنى: والمحنة التي يفتن بها الإنسان: بالإخراج من الوطن والحرمان من المال، والتعرض لألوان القسوة والعذاب - للتأثير في العقيدة - أشد من القتل لاتصال تعذيبها، وتألم النفس بها. ومن هنا قيل: لَقَتْلٌ بحَدِّ السيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعًا ... عَلَى النَّفْسِ مِن قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقٍ ومن فتن بمثل هذه الفتنة، فمن حقه المشروع: أن يقابل العدوان بالعدوان. {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ}: على المسلمين أن يؤدوا مناسك دينهم ولا يقاتلونهم عند المسجد الحرام، فإذا اعتدى عليهم المشركون، واستباحوا البلد الحرام والشهر الحرام، فللمسلمين أن يصدوا هذا العدوان: بالدفاع عن حياتهم وعن عقيدتهم. والشر بالشر والباديء أَظلم. وليتحمل المشركون وِزْرَ ما انتهكوه من حرمات.

{فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}: فإن ابتدأ المشركون بقتال المسلمين، فعلى المسلمين أن يقتلوهم، وعبر بقوله: {فَاقتُلُوهُمْ} بدل: فقاتلوهم، للإيذان بأن على المسلمين ألا يمكنوهم من المغالبة، وأن يسارعوا بقتلهم. 192 - {فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: أي فإن كفوا عن قتالكم، أو عن الشرك، فكفوا عن قتالهم، غافرين لهم اعتداءَهم، راحمين لهم: تخلقًا بصفتي الله - تعالى - وهما: المغفرة والرحمة، لعل الله يهديهم إلى التوحيد، أو يخرج من أصلابهم من يعبده ويجاهد في سبيله. أو أن المعنى: فإن الله يغفر لهم ما قدموا، ويرحمهم إن آمنوا، وذلك فتح لباب التوبة، وإنهاء العداوة والعدوان. 193 - {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ... } (¬1) الآية. والفتنة هنا: الشرك، أي قاتلوهم حتى لا يكون شرك، ليتحقق للمسلمين حرية العقيدة، وحرية أَدائهم لشعائرهم الدينية. فمشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}. فإذا حاول المشركون أن يفتنوا المسلمين في عقيدتهم، أو أن يصدوهم عن أداء شعائرهم فعلى المسلمين أن يقاتلوهم، حتى يقضوا على هذه الفتنة، بالقضاء عليهم، ليكون الدين في الجزيرة العربية خالصًا لله، حتى يأمن الإسلام في معقله من معوقات انطلاقه، وليكون الدين خالصًا لله، ولتحقيق هذا: لابد من القضاء على الفتنة القضاء التام. {فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}: أي فإن انتهوا عن الشرك، وقتال المؤمنين، ودخلوا في الإسلام صادقين مخلصين، فلا تقاتلوهم، لأن الإسلام يحرم قتال غير الظالمين لأنفسهم بالكفر والإشراك بالله. والمراد بالعدوان: مقاتلة المشركين. وسماه عدوانًا لأن مقاتلة المشركين للمؤمنين تعد عدوانًا منهم. فهو على حد قوله {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. ¬

_ (¬1) عطف على: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} والأمر الأول: لوجوب أصل القتال، ردًا للاعتداء، وبيان آدابه. والثاني لبيان غايته.

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)} المفردات: {الْحُرُمَاتُ} جمع حرمة وهي: ما ينبغي صيانته: من عرض أو مال أو كرامة. {قِصَاص} القصاص: العقاب على جريمة بمثلها. التفسير 194 - {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ... } الآية. إذا استباح المشركون الشهر الحرام الذي لا يحل فيه القتال وقاتلوكم فيه، فقابلوا عدوانهم بمثله، واستبيحوا الحرب فيه كما استباحوا، فلا تبالوا بقتالهم لكم فيه، صدًا لعدوانهم، فإن الحرمات فيها القصاص. وفي هذا المعنى: يقول الله - تعالى -: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} (¬1). وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن جابر - رضيَ الله عنهما - قال: "لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَغْزُو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى". والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}: هذه الجملة هي النتيجة المتفرعة على قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُ مَاتُ قِصَاصٌ}. ¬

_ (¬1) الشورى: 41.

يعني: أنه إذا كانت الحرمات، أي الأُمور التي تجب المحافظة عليها، يجري فيها القصاص، بحكم الشرائع والعقول، فإن لكم الحق في أن تدفعوا اعتداء من اعتدى عليكم بمثل عدوانه. والأمر في قوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ}. للإباحة. إذ العفو الذي لا يضر المسلمين جائز. وقد استدل الشافعي - رضي الله عنه - بهذه الآية، على وجوب القصاص بمثل ما ارتكبه الجاني من ذبح وحرق وتجويع وإغراق، حتى لو ألقاه العدو في ماءٍ عذب، ألقاه في ماءٍ عذب مثله، ولم يلقه في ماءٍ مالح. واستدل به أيضًا على أن من غصب شيئًا وأتلفه يلزم برد مثله: ثم إن المثل قد يكون بالصورة في ذوات الأمثال، وقد يكون بالقيمة فيما لا مثل له. وبما أن الآية وردت في القتال، وشرعت المماثلة في الاعتداءِ، فلهذا يكون مشروعًا: أن الأعداء استعملوا الغارات الجوية، أو حرب الجراثيم، أو المتفجرات النووية، على المدن المفتوحة، فالمقابلة بالمثل واجبة شرعًا. {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬1). وسمّى صَدّ العدوان عدوانًا، من باب المشاكلة، مثل قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} (¬2). وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (¬3). {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}: انتهت الآية بطلب التقوى من المؤمنين، كما هو الشأن في آيات الأحكام، وطلب التقوى منهم في القتال أشد وآكد منه في سواه، لتعلقه بالأرواح وَبِمَنْ وراءَ المقاتلين من أهليهم وأموالهم. فهي من آداب القتال الهامة في الإسلام. والله مع المتقين بالنصر والتأييد ودفع كيد الأعداء. ¬

_ (¬1) سورة النحل: 33. (¬2) التوبة: 67. (¬3) الشورى: 40.

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)} التفسير 195 - {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... } الآية. الاستعداد للقتال، يقتضي أموالًا طائلة لتسليح الجنود برًّا وبحرًا وجوًا، ولتنظيم الإمدادات، وشق طرق للمواصلات، وإعداد المستشفيات، وما إلى ذلك، فيجب تدبيرها وإحكامها، بحيث تستطيع مواجهة حدة المباغتة. ولهذا أوجب الإسلام على كل مسلم أَن ينفق في سبيل الله، وأوجب للحاكم شرعًا: أن يفرض من الضرائب ما يكفي، ويبقى رصيدًا احتياطيًا للطواريء. والتأهب - في زمننا - واجب على الأُمم الإسلامية، لأن ظروفها تستوجب ذلك. وكما أن الإنفاق في سبيل الله يكون في الجهاد، فإنه يكنو أيضًا في وجوه البر، والخير. {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}: تحذير للمسلمين من التقصير في الإعداد للقاء الأعداء، حتى لا يصيبهم بغتة مكروه يهلكون فيه. والمعنى: ولا تتسببوا - بتهاونكم وغفلتكم - في إلقاء أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك. ومن ذلك ترك الغزو، والتقصير في إعداد الجنود والقادة عسكريًا، وإهمال التحصين والتهاون في الإنفاق، وغير ذلك مما لابد منه. وقد نزلت هذه الآية فيمن فكروا في الإقامة بين أهليهم بعد انتشار الإسلام.

روى أبو داود والترمذي وغيرهما، عن أسلم بن أبي عمرا، قال: "حَمَلَ رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومَعَنا أبو أَيوب الأنصاري، فقال: ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو ايوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صَحِبْنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نَجِيًّا، فَقُلْنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونصره، حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقم فيهم فنزل فينا: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. فكانت التهلكة - الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد. وخصوص السبب لا يمنع من أن تكنو الآية قانونًا عامًا، في القتال وغيره. {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} الإحسان في كل صوره واجب على المسلم في القتل وفي الذبح، وفي إغاثة الملهوف، وفي مباشرة القتال، وغير ذلك. ولكلٍّ من الحالات إحسان يناسبها، فإذا قتل فليحسن القتل، بألا يعذب فيه، وإذا ذبح فكذلك، بأن يحد الشفرة، ويريح الذبيحة، ويسرع في الذبح. وفي إغاثة الملهوف: لا يتركه يتضرع ويتذلل، بل يغيثه سريعًا في الخفاء، بحيث لا تدري شماله ما تفعل يمينه. والإحسان في الحرب: يتناول معاملة الأسرى، وعدم المثلة وتجنب قتل النساء والشيوخ والأطفال. والإحسان في العبادة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك. بهذا وأمثاله - مما يدخل في نطاق التقوى، يوصي الله المسلمين. {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} (¬1). ¬

_ (¬1) النحل: 128.

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)} المفردات: {أُحْصِرْتُمْ}: حُوصرتم، وحُبستم. {اسْتَيْسَرَ}: سهل. {الْهَدْي}: ما أُهدى من الأنعام، ليذبح بمكة في موسم الحج، ويوزع على الفقراء تقربًا إلى الله. التفسير 196 - {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَ ةَ لِلَّهِ ... } الآية. الربط: أشارت آية البِرِّ إلى ثلاثة من أركان الإسلام: الإيمان بالله ورسله وملائكته واليوم الآخرن، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأشارت آيات الصيام إلى الركن الرابع، وأشارت هذه الآية وما تلاها إلى الركن الخامس والأخير، من أركان الإسلام وهو الحج.

والحج فريضة، مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلًا. والعمرة عند الفقهاء بين مفروضة في العمر مرة، ومسنونة. يفرضها الشافعية والحنابلة، ويسنها المالكية، أما الحنفية فيقول بعضهم: بفرضيتها، وبعضهم: بسنيتها. وقد أمر الله في الآية بإتمام الحج والعمرة خالصين لله، بحيث لا يكون في أدائهما شرك ظاهر أو خفي، وهو الرياءُ. وإتمام الحج والعمرة: الإتيان بهما كاملين تامين، وذلك يتحقق بأداءِ أركانهما وهي الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير. ويزيد الحج: الوقوف بعرفة ورمي الجمار مع رعاية شروطهما، وسائر أفعالهما، كما هو مقرر في علم الفقه. والحج أوانه معروف. أما العمرة فتصح في أي وقت من السنة. وللحاج أن يقرن بينهما في إحرام واحد وعمل واحد، أو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج وبعد فراغه من أعمالها يتحلل ويلبس ثيابه، إلى قبيل الوقوف بعرفة، فيحرم بالحج، ويسمى الأول قارنًا، والثاني متمتعًا، لتمتعه فيما بين العمرة والحج، بما هو محرم على المحرم. {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}: إذا عوقكم معوِّق عن دخول مكة، أو عن إتمام المناسك، فعليكم تقديم ما تيسر لكم من الهدي: إبلًا أو بقرًا أو غنمًا أو معزًا، إن أردتم التحلل من الإحرام: يذبحه المحصر عند الأكثرين حيث أُحصر، لأنه - صلى الله عليه وسلم - ذبح بالحديبية لما أُحصِرَ فيها، وهي من الحلّ. وعند أبي حنيفة رحمه الله: يبعث به إلى الحرم، ويتفق مع من بعثه على يوم يُذبح فيه، فإذا جاء اليوم وظن أنه ذُبح، تحلل، لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} والإحصار هنا. قاصر على منع العدو للحاج والمعتمر من المضيّ في نُسُكِهِمَا، وذلك عند مالك والشافعي لقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} ولنزوله في الحديبية، وغير ذلك من الأدلة. أما عند أبي حنيفة: فهو شامل لكل مانع من النسك سواء كان المانع عدوًا أو مرضًا أو غيرهما، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كسر أو عرج فقد حل فعليه الحج من قابل" ..

فارجع إلى المطولات إن شئت الموازنة بين المذاهب، والمزيد من الأحكام. فالمحصر بالعدو أو غيره عند أبي حنيفة، يتحلل بذبح الهدْي، وعند مالك والشافعي: لا يتحلل بذبح الهدي سوى الممنوع بالعدو فهو المقصود من الآية. وأما الممنوع بنحو المرض: فلا يحله إلا الطواف، وإن أقام سنين. ومن لا هدي معه وقت الإحصار ولا قدرة له عليه، أَحلّ، ثم أَهدى عندما يقدر عليه. نقله القرطبي عن الشافعي. ويرى بعض الفقهاء: أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاءُ - وله ثواب الفريضة، ويكتفي بالهدي - ما لم تكن عليه الفريضة، بان لم يسبق له حج ولا عمرة، وإلا وجب عليه أداؤهما عندما يستطيع. {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. المعنى: لا يحل للمحرم المحصور أن يحلق رأسه، ويتحلل من إحرامه بالحلق أو التقصير، حتى يصل الهدي إلى محل ذبحه، وهو المكان الذي يجب أن ينحر فيه، وهو حصر العدو عن مالك والشافعي، حيث أُحصر الحاج أو المعتمر. وعند أبي حنيفة: محل الذبح في الإحصار مطلقًا: هو الحرم. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِ يضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّ اسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. يجب على المحرم - إن كان صحيحًا - ألا يخلع ملابس الإحرام، ولا يحلق شعره، أو يقصه، طول مدة الإحرام، فإن كان مريضًا بمرض يحوجه إلى الحلق، فله أن يلبس ملابسه العادية، ويؤدي الفدية عن ذلك، ومن كان برأسه أذى من: حشرات، أو جرح يستدعي علاجه أن يحلق، حلق وفدى. والفدية هنا: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكلٍّ نصف صاع من الطعام، أو ذبح شاة وتوزيعها على الفقراء.

{فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَ ةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}: أي فإذا أمنتم إحصار العدو، أو كنتم في حالة أمن وسعة، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فعليه ما تيسر من الهدى. وتفصيل ذلك: أن من نوى العمرة في أشهر الحج، ثم تحلل منها بعد الفراغ، يُسمى متمتعًا، لأنه تمتع بالانتفاع بما هو محرم على المحرم - بعد ما تحلل من عمرته - كاللبس، والاغتسال، ومباشرة النساءِ، حتى صُبْحِ عرفة، فيغتسل ويلبس ملابس الإحرام، ويحرم للحج، ويؤدي مناسكه. وفي مقابل هذا التمتع: يجب عليه أن يذبح هديًا، جبرًا لهذا التمتع عند قوم. أو شكرًا لله عليه عند آخرين حيث تقرَّبَ إلى الله بالعمرة، قبل أن يتقرب إليه بالحج، ويذبح هذا الهدى، إذا أحرم بالحج، ولا يأكل منه عند الشافعي، لأن التمتع عنده فيه تقصير، والهدى لجبر هذا التقصير، فلا يؤكل منه، وأجاز أبو حنيفة الأكل منه، لأنه دم شُكْرَانٍ على نعمة التمتع، فهو كالأضحية فله الأكل. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِ ي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}: أي فمن لم يجد الذبيحة أو لم يجد ثمنها، فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في موسم الحج بعد الإحرام به، وقبل التحلل منه، والأفضل أن يكون في سابع ذي الحجة وثامنة وتاسعة، ولا يجوز صوم يوم النحر. وعند أبي حنيفة: أن معنى {في الْحَجّ}: في أشهر الحج فيصوم بين إحرامي الحج والعمرة، وعليه أيضًا أن يصوم سبعة أيام، إذا عاد إلى بلده - تلك عشرة كاملة. وذكر جملتها بعد تفصيلها، لكيلا يتطرق الشك إلى عددها، بأن يُقال: إن الواو: بمعنى أو التي للتخيير كما في قولك: جالس الحسن وابن سيرين. أي أحدهما، وقول الشاعر: كما الناس مجروم عليه وجارم

وهذا حكم خاص بمن لم يكن أهلوهم حاضري المسجد الحرام، وهم غير أهل مكة، أما أهل مكة وسكانها، فهم حاضروا المسجد الحرام، فليس عليهم فدية، لأنهم لا متعة لهم ولا قران، لإمكان أداء العمرة طول العام. والشافعي على أن لهم تمتعًا وقرانًا، ومن تمتع منهم وقرن، كان عليه دم جُبْرَان كغيره فلا يأكل منه، كما تقدم. {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: ختم الآية بعد ذكر أحكامها بطلب التقوى، جريًا على النسق المطرد في آيات الأحكام السابقة. وإذا كان ثواب الحج مغفرة من الله ورضوانًا، فإن العبث فيه، أو الإخلال بشعائره، مما يُستدعى عقاب الله - تعالى - فهو شديد العقاب لمن خالف مناسكه، فتجاوز حدود الله، وترك ما أُمر به وارتكب ما نهى عَنه. {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)} المفردات: {رفَثَ} الرفثُ: الجماع أو الكلام الفاحش. {فُسُوقَ} الفسوق: المعصية مطلقًا. أو هو مخالفة أوامر الحج وارتكاب نواهيه، كلبس المخيط والصيد وقص الشعر. {جدَالَ} الجدال: المناقشة الحادة مع الرفقاء والخدم وغيرهم.

التفسير 197 - {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ... } الآية. لما ذكر الحج والعمرة في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} شرع يبين اختلافهما في الوقت، فذكر أن أشهر الحج أشهر معروفات، لا يشكلن على الناس، فلا يصح الحج في غيرها، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، ولا يصح عند الشافعية الإحرام به قبل أَشهره، ليتمه في أَشهره، ويصح مع الكراهة عند الحنفية. أما العمرة: فجميع العام وقت للإحرام بها وفعلها. {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فمن ألزم نفسه في تلك الأشهر بالحج، فعليه أن يبتعد عن الرفث، وهو جماع النساء أو ذكره لهن، أو الكلام الفاحش مطلقًا، كما عليه أن يبتعد عن كل إثم يشوب عبادته، وأن يجتنب المجادلة لأَنها توغر صدور الرفقاء، والخدم وغيرهم، فإن الوقت وقت مودة وصفاءٍ وتسامح. روى البخاري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أُمه". ثم حث على فعل الخير عقب النهى عن فعل الشر، وحض على استعمال الكلام الحسن مكان القبيح، والتزام البِرّ والتقوى مكان الفسوق، والتمسك بالوفاق والأخلاق الحميدة مكان الجدال، فقال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} وما دام يعلمه فإنه سيجازيكم عليه، فلا تدخروا وسعًا في عمله. {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}. ذكر البخاري وأبو داود - رضي الله عنهما -: أن أهل اليمن كانوا يحجون، دون أن يتزودوا من الطعام، ويقولون: نحن المتوكلون، ويسألون الناس الطعام، فنزلت هذه الآية. ولكنها غير مقصورة عليهم، إذ العبرة - كما يقرر الفقهاءُ - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالمعنى: وتزودوا أيها المسافرون بالطعام، واتقوا طلبه من غيركم والإثقال عليهم بذلك، فإن خير الزاد اتقاء الإثقال على الناس وإبرامهم، أو تزودوا للمعاد بإتقاءِ المحظورات فإن خير الزاد اتقاؤُها، وخافوا عقابي، يا أصحاب العقول الراجحة.

{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)} المفردات: {جُنَاحٌ} الجناح: الإثم. {فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}: المراد به الرزق من تجارة أَو غيرها. {أَفَضْتُمْ}: اندفعتم. {الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} مزدلفة - بين عرفات ومنى. التفسير 198 - {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّ بِّكُمْ ... } الآية. قال ابن عباس - فيما روى البخاري -: كان ذو المجاز وعكاظ، متجرًا الناس في الجاهلية، فلما جاءَ الإسلام، كره المسلمون الجمع بين الحج والتجارة، حتى نزلت هذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ}. والمراد من كونهما متجر الناس في الجاهلية: أنهم كانوا يقيمون بهما أسواقًا للتجارة، في مواسم الحج، ليتعيشوا منها. ومن المباديءِ الإسلامية المعروفة: أن الإسلام يعني بالأجسام، إلى جانب عنايته بالأرواح، ويعني بالتنمية المالية، إلى جانب عنايته بالشعائر الدينية، قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة الجمعة: 10.

فالسعي في سبيل الرزق عبادة، على ألا يشغل الحاج عن أداءِ المناسك على وجهها، لأَن أَداءَها هو الهدف الأَول والغاية العظمى. والمعنى: لا إثم عليكم في طلب الرزق أَثناءَ الحج. {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}. الإفاضة من عرفات: هي الخروج منها بكثرة. ومعنى العبارة: فإذا اندفعتم من عرفات جموعًا عديدة فاذكروا الله. مأخوذ من أَفضتَ الماءَ: إذا صَبَبْتهُ بكثرة. وعرفات: جبل قرب مكة يقف عليه الحجاج، معظمين ربهم وملبين، والوقوف به أهم أركان الحج، لأن الناس يذكرون فيه الحشر يوم القيامة حيث يكون الناس يومئذ عراة كما خلقهم الله، متساويين لا يعلو بعضهم على بعض بجاه أَو سلطان. وهو موطن التعارف بين المسلمين، من مشارق الأرض ومغاربها. ومكان التفاوض فيما فيه مصلحتهم. والمقصود من الآية: أن الحجاج إذا خرجوا من عرفات - بعد الوقوف بها - متجهين إلى المزدلفة، فعليهم أن يذكروا الله عند المشعر الحرام، بالتلبية والتهليل والدعاء، وذلك في صبيحة مبيتهم بالمزدلفة. فقد جاء في حديث مسلم عند جابر، قال: "فلم يزل واقفًا - يعني الرسول - بعرفة حتى إذا غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا، حتى غاب القرص - أَردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شَنَقَ - أي ضم وضيَّق - للقصواء الزمام". إلى أن قال: "حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاءَ، بأَذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواءَ، حتى أَتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا، حتى أَسفر جدًّا، فدفع قبل أَن تطلع الشمس". {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّاِلِّينَ}: أي اذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة فقد أخرجكم من الظلمات إلى النور وكنتم قبله في غمار الضلال. أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه.

{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} التفسير 199 - {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ... } الآية. روى البخارى عن أُم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها - قالت: "كانت قريش ومن دان دينها، يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الْحُمْس. وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاءَ الإسلام، أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأْتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها. فذلك قوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}. وكانت قريش تفعل هذا ترفعًا منهم عن بقية الناس، فأَنزل فيهم هذه الآية، فوقفوا بعرفات مع الحجاج، ثم أَفاضوا منها معهم، ثم إلى المزدلفة، ثم منى. وحرف العطف: (ثُمَّ) للترتيب مع التراخي في الزمن. وهي هنا للإيذان بتفاوت ما بين الإفاضتين، كما في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلا إلى مستحق. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فكيف موقع ثم؟ قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم: لتوضيح التفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وَبُعْدِ ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات، قال: {ثُمَّ أَفِيضُوا} لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأَن إحداهما صواب والثانية خطأٌ. {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: الخطاب عام للحجاج، ليفزعوا إلى الله مستغفرين، فيشملهم برحمته ومغفرته، بعد أن أدوا مناسكهم. وقد يكون الخطاب لقريش، ليكَفِّرُوا بالاستغفار ما كان منهم من الاستعلاء، وكلاهما صالح. فالكل محتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)} المفردات: {مَنَاسِكَكُمْ}: عباداتكم. جمع نُسك: والمراد بها أفعال الحج. {خَلَاق}: حظ ونصيب. {وَقِنَا}: اجعل لنا وقاية. التفسير 200 - {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ... } الآية. كان العرب في الجاهلية يلهجون بعد الحج بذكر آبائهم وأَجدادهم وأيامهم، ويبالغون مبالغة تنتهي بالمنافرات. وهي الاحتكام إلى بعض الزعماء، ليحكم بتفضيل أحد المتنافرين على الآخر. وكثيرًا ما أَدت هذه المواقف إلى تخليدها في أَشعارهم رمزًا للعداءِ، وكثيرًا ما أَشعلت الحرب بينهم. فلما جاءَ الإسلام أَدَّبهم وهذَّبهم، وصرفهم عن تلك الحماقات، وأَمرهم بالإكثار من ذكر الله، بأَن يكون مثل ذكرهم آباءَهُم الذين كانوا يبالغون في محامدهم، أَو أَشد ذكرًا، فهو وحده المستحق لجميع المحامد.

{فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَ بَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَ ةِ مِنْ خَلَاقٍ}. هذا تفضيل للذاكرين بتقسيمهم إلى مقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا، ومكثر يطلب به خيري الدارين، والمراد به الحث على الانتظام في سلك الفريق الثاني. أَي وبعض الناس يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، فإذا دَعَوُا الله قدموا دنياهم، وطلبوا كثرة الأَموال والأولاد والثمرات، والجاه العريض، وهؤلاء لا نصيب لهم في نعيم الآخرة، لأنهم لم يطلبوها، ولم يعلموا لها. 201 - {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَ ةِ حَسَنَةً ... } الآية. أي وهناك البعض الآخر: يجمعون في دعائهم بين الدنيا والآخرة، ويعملون لكلتيهما، ويطلبون الوقاية من عذاب النار. فالحسنة في الدنيا: المال، والجاه، والولد، والسلطان. والحسنة في الآخرة: الجنة ثوابًا لما قدموا من طاعة، ورضوان من الله أكبر. وذهب بعض المفسرين إلى تفسير الحسنة في الدنيا: بالزوجة الصالحة وفي الآخرة بالحور العين، وعذاب النار بالمرأة السوء. ومنهم من فسرهما: بالعلم والعبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة، وكلها أَمثلة للحسنات المطلوبة. وقد ذكرت الآيتان من يطلب الدنيا وحدها، ومن يطلبها مع الآخرة، ولم تذكر من يطلب الآخرة وحدها، لأن الآخرة لا تُنال إلا عن طريق الدينا، فهي مزرعة الآخرة. وهي نعم المطية إلى الجنة، والضرب في مناكبها - طلبًا للرزق - عبادة، لأَن به حياة النفس وقوتها، والإعانة على الطاعة. والمؤمن القوي أَحب إلى الله من المؤْمن الضعيف. ولهذا يرى بعض العلماء أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر {وَلكُلٍّ دَرَجَاتٌ ممَّا عَملُوا} (¬1). {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: أي احفظنا من عذابها بالتوفيق للطاعة والتنفير من المعصية، ومغفرتها إذا وقعت. ¬

_ (¬1) الأنعام: 132.

وهذه الآية من جوامع الدعاء. فقد ورد في الصحيحين: عن أَنس - رضي الله عنه -: "كان أكثر دعوة يدعو بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَ ةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. ومن المأثورات: الدعاءُ بها في ختام الصلوات. 202 - {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. ذهب بعض المفسرين، إلى رجوع الإشارة في {أُولئِكَ} إلى المؤمنين الذين ينشدون الدنيا والآخرة. ويمكن أن ترجع إلى الطائفة الأُخرى أيضًا، وهي التي تنشد الدنيا وحدها، فلكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وهذا هو الأولى، على حد قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} (1). والمعنى: أُولئك الذين يطلبون - في دعائهم وعملهم - الدنيا وحدها، أو الدنيا والآخرة لهم نصيب من جنس ما كسبوه، أو من أجله، والله سريع الحساب، فيحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة. أو يوشك أن يقيم القيامة، ويحاسب الناس، فعليهم أن يبادروا إلى الطاعات، وأن يكثروا من الحسنات، وأن يجتنبوا الموبقات.

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)} التفسير 203 - {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ... } الآية. بعد أن أمر الله الحجيج - فيما سبق - أن يذكروه عند المشعر الحرام، بعد الإفاضة من عرفات، أمرهم - والمسلمين جميعًا - في هذه الآية الكريمة: بأن يُواصلوا ذكره - تعالى - في أيام معدودات، وهي: أيام التشريق الثلاثة (¬1)، التي تلي يوم النحر: عيد الأضحى. وليس يوم النحر منها. وتسمى: أيام منى أيضًا. فيدخل غي رالحاج - مع الحاج - في هذا الأمر: {وَاذْكُرُوا}. والمقصود بالذكر في الآية الكريمة: هو التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح، في: أدبار الصلوات، وعند رمي الجمرات، وعلى القرابين والهدايا. {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى}: فمن تعجل الرحيل عن منى قبل غروب اليوم الثاني من أيام التشريق - بعد رمي الجمار، عند الشافعية، وقبل طلوع الفجر من اليوم الثالث إذا فرغ من رمي الجمار عند الحنفية ولم يمكث إلى ما بعد رمي الجمار في اليوم الثالث - فلا يأثم بهذا العجيل، ولا حرج عليه في ذلك ومن تأخر بمنى حتى رمي الجمار في اليوم الثالث، فلا إثم عليه في تأخره، ¬

_ (¬1) التشريق: تقديد اللحم. ومنه سمى أيام منى: أيام التشريق، لأنهم كانوا يقددون لحوم الأضاحي فيها.

بل هو أفضل، لأنه التزم السنة. وذكر نفي الإثم في التأخير - مع أنه السنة، مع ذكر نفي الإثم في التعجيل - للمجانسة مثل قوله تعالى: {وَمَكرُوا وَمَكَرَ اللهُ} (¬1)، وقوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} (¬2). والمقصود: التخيير بين التعجيل والتأخير. ولا يقدح هذا التأخير في أفضلية الثاني على الأول. وفي الكشاف: أن أهل الجاهلية كانوا فريقين: فريقًا جعل المتعجل آثمًا، وفريقًا جعل المتأخر آثمًا، فجاء القرآن ينفي الماثم عنهما جميعًا. {لِمَن اتَّقَى}: أي ذلك التخيير لمن اتقى الله في حجه. وتخصيص التخيير به: إما لأَنه هو الحاج - على الحقيقة - والمنتفع بحجه دون سواه، على حد قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ} (¬3). وإما لأن المتقى دائمًا حذِرٌ متحرزٌ عن كل ما يريبه. فإذا كان التخيير بين التعجيل والتأخير لا إثم فيه لمن اتقى - فغيره أولى. وبذلك تقرر: أن التخيير بينهما، وإباحة كل منهما لكل حاج - لا ينبغي أن يكون موضع تحرج أو تشكك. ثم ختمت الأية بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الله}: كما ختمت آيات الأحكام السابقة بالتذكير بتقوى الله تعالى. والمعنى: واتقوا الله في جميع أعمال الحج، بأَدائها كما أمر الله، واجتناب ما حرم الله. وفي البخاري: "من حجَّ ولم يرفُثْ ولم يفسُقْ، رجع كيوم ولدته أُمُّه". فعلى الحاج أن يذكر هذا، فيحرص على مواصلة تقوى الله وعبادته، وليظل طاهرًا نقيًا كيوم ولدته أُمه. {وَاعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}: أي: واعلموا أَنكم إليه - وحده - تجمعون للحساب والجزاءِ يوم القيامة، على ما عملتهم: خيرًا كان أم شرًا، فاحذروه ولا تخالفوا أمره. ¬

_ (¬1) آل عمران: من الآية 54 (¬2) الشورى: من الآية 40 (¬3) الروم: من الآية 38.

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)} المفردات: {أَلَدُّ الْخِصَامِ}: أشد العداء. {توَلَّّى}: انصرف، أو وَلى الحكم. {الْحَرْثَ}: الزرع أَو النساء. {النَّسْل}: الذرية. {العزَّة}: الكبرياء. {الْمِهاد}: الفراش الموطأُ. التفسير 204 - {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}: قسَّم الله سبحانه وتعالى - فيما سبق - إلى فريقين: فريق يطلب الدنيا - وحدها - ولا يعمل لآخرته حسابًا، وفريق يرجو فضل الله في الدنيا وثوابه في الآخرة. وقد وضح لنا - سبحانه - وصف كل فريق منهما، في هذه الآية وما تلاها. ففي هذه الآية، بيَّن الله أَنَّ: الفريق الأول: تعمق في النفاق، وأتقن صناعة التمويه والغش، وبراعة التعبير، واتخذ من هذا وسيلة له في الحياة الدنيا. فهو يعجب الناس بحديثه، ويبهرهم بقوله.

وقوله: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} متعلق بالفعل: {يُعْجِبُ} أَي يعجبك - في الحياة الدنيا - قوله بفصاحته وحلاوته، فتنخدع بذلك وتعتقد فيه الصدق. أما في الآخرة فلا يستطيع التمويه والتضليل، إذ يظهر كذبه ويفضحه باطل دعواه. ويجوز تعلقه بلفظ: {قَوْلُهُ} أي يعجبك ما يقوله في أُمور الدنيا وأَسباب المعاش، سواءٌ أَكانت عائدة إليه أَم لا. فالمراد من {الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: ما به الحياة والتعيش. أو يعجبك قوله في الدنيا وأنها فانية، وأنه ينبغي اتخاذها سفينة للآخرة: بادخار الإيمان والعمل الصالح فيها. وهذا المنافق، لا يكتفي بأَن يخدع الناس ويستولى على إعجاب المسلمين ببراعة حديثه، بل يفعل هذا. {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}: بأَن يدعي أن قلبه موافق لما نطق به لسانه، ويشهد الله على ذلك، مع أن ما في قلبه - الذي يشهد الله عليه - ليس إلا الحقد والعداوةُ للإسلام والمسلمين. {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}: أي وهو شديد في خصومته للرسول وأصحابه، كاذب فيما يتظاهر به من حب وولاءٍ. وهو - بذلك النفاق - أَبغض الناس إلى الله. ففي حديث مسلم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "إن أبغضَ الرجالِ إلى الله الأَلَد الخصم". وذكر السدي: أن هذه الآية - وما تلاها - نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، حينما جاءَ إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وأظهر له الإسلام، وقال: إنما جئت أُريد الإسلام. والله يعلم إني لصادق فيما أقول. وكان حلو الحديث. فأعجب النبي منه ذلك، فلما خرج من عنده، مرَّ بزرع لبعض المسلمين وحُمُرٍ، فأَحرق الزرع وعقر الحمر.

وذكر ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين: تكلموا في شهداء الصحابة فعابوهم. والآية عامة في المنافقين، وإن وردت بسبب خاص. فيدخل في المراد من هذه الآية: أُولئك الذين يتظاهرون بالدعوة إلى الإصلاح، ويستعملون أساليبهم الزائفة، وعباراتهم البراقة في خداع الناس لكسب ثقتهم، والاطمئنان إليهم، حتى يستطيعوا - عن طريق هذه الثقة - محاربة الدين، وهم يلبسون ثوب الإصلاح. 205 - {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ... } الآية. أي: وإذا أدبر ورجع بعد ما بث نفاقه، ونفث سمه، وظن أنه نجح، واكتسب ثقة الناس - سعى في الأرض لينشر فيها الفساد جهد طاقته، ويهلك الزرع والذرية: بالإتلاف والقتل، كما فعل الأخنس الذميم، إذ كان يُظهر الإيمان والحب للرسول بكلام معسول، ثم يتولى، فيحرق الزرع، ويتلف الأموال. ويرى بعض المفسرين: أن المقصود بقوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى}: إذا ولِيَ الحكم، وأخذ بيده مقاليد السلطان. ويصبح معنى الآية الكرمية على هذا: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ببيانه الساحر، وادعائه الإصلاح بين المسلمين وحرصه على مصلحة الأُمة - توصلًا إلى الحكم، فإذا ولي هذا الحكم، وتمكن سلطانه بسببه - فعل بالناس ما يفعله ولاة السوء، وظهر من أمره ما كان يخفيه، فسعى في الأرض - بحيلته وتدبيره - ليفسد فيها بما يشاءُ من أَلوان الفساد: فيهلك الحرث، ويسفك الدماء، ويهدد الحريات، وينشر الشرور والمنازعات بين الأُمة، ويضرب بعضها ببعض: باصطناع الأعوان، وتقريب الأنصار، ليبسط بهم سلطانه على الناس، ويحتفظ بزعامته عليهم. على حد قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (¬1). ¬

_ (¬1) محمد: 22.

{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}: أي: لا يرضى الله سبحانه وتعالى بالفساد ولا يقره، بل يعاقب عليه في الدنيا والآخرة، فاحذروه وخافوه. 206 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ... } الآية. المعنى: وإذا نصحه الناصحون: باتقاء عقاب الله تعالى في أفعاله وأقواله، وفي عدم استغلال ذكائه وعلمه وبلاغته في التضليل والإفساد - أخذته الأنفة والكبرياءُ بما يوجب الإثم والتوغل فيه، فلجَّ في الضلال والعناد، لأَنه يرى نفسه فوق نصيحة الناصحين، ونقد الناقدين. فهو في زمرة من قال الله - تعالى - فيهم "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ} (¬1). والباءُ في قوله: {بِالْإِثْمِ} على هذا، للسببية، يعني أن إثمه الماضي، كان سببا لأَخذ العزة له، واستيلاء الكبرياء عليه، مع وضوح الحق، وتنبيه الناصحين له، ولهذا قال سبحانه: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}: أي مهما أحرز من جاه وأموال، فكل هذا إلى زوال. ويكفيه ما سيحل به من عذاب، في نار جهنم يوم القيامة، فإن جهنم ستكون له فراشًا ممهدًا. وإذا كان المهاد هو الفراش الممهد، ليستريح عليه الراقد، فاستعماله في جهنم للتهكم بمن يحُلُّ بها. وجملة {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}: جواب قسم مقدر على معنى، والله لبئس المهاد: {جَهَنَّم}. قال بعض المفسرين: هذه الآية: تدل على أن من أكبر الذنوب عند الله: أن يجيب العبد من يقول له: اتق الله: فيقول له - معرضًا عن النصيحة - عليك نفسك. ¬

_ (¬1) البقرة: 11، 12.

وذكر القرطبي: أن يهوديًا طال وقوفه على باب الرشيد لحاجة له، فلما رآه خارجًا، قال له: اتق الله يا أمير المؤمنين، فنزل عن دابته، وخر ساجدًا لله، ثم أمر بقضاءِ حاجته. فسأله خاصته في ذلك، فقال: تذكرت قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ... } الآية. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)} المفردات: {يَشْرِي نَفْسَهُ}: شرى، من الأضداد، كذا في الصحاح، والمراد من شرائها هنا: بيعها، ومنه قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمنٍ بَخْسٍ} (¬1) أَي باعوه. التفسير 207 - {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِ ي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ... } الآية. هذه هي الطائفة الثانية، المقابلة للطائفة التي حكيت أحوالها المذمومة، فيما مضى من الآيات. أي ومن الناس مؤمنون صادقون، طهَّرت نفوسهم تقوى الله، وبرئوا من النفاق، وزكت أعمالهم، فلم يستجيبوا للأَهواء والشهوات، وإنما باعوا أنفسهم - وهي أعز ما يملكه الإنسان - طلبًا لمرضاة الله، إذ بذلوها في ميادين الجهاد، وحملوها أقسى أنواع المشقات في طاعة الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، موقنين أن كل ما في الحياة - من جاه ومال وسلطان - متاع قليل، وأن الآخرة خير لمن اتقى. وقد صور التعبير القرآني مَنْ بَذَلَ نفسه لله، بصورة من باع نفسه له - تعالى - بثمن هو مرضاته وثوابه، فقبل الله هذا البيع، وأعطاه الثواب الدائم، مع أن ما بذله لله من نفسه وماله، ملك له تعالى. ولذا ختم الآية بقوله: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وجعل النعيم الدائم جزاء العمل الصالح، على شراءِ ملكه بملكه. وأكثر الروايات أن هذه الآية نزلت في صهيب الرومي رضى الله عنه. ¬

_ (¬1) يوسف: 20

فقد أخرج جماعة: أن صهيبًا أقبل مهاجرًا نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتبعه نفر من المشركين، فنزل عن راحلته نثر ما في كنانته، وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأيم الله، لا تصلون إليَّ حتى أَرمِيَ بما في كنانتي ثم أضربَ بسيفي ما بقي في يدي منه شيءٌ، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا دلنا على بيتك ومَالِكَ بمكة، ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه، ففعل. فلما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "أبا يحيى، ربحَ البيع" وتلا عليه الآية. وعلى هذا يكون الشراءُ - على ظاهره - بمعنى الاشتراء. وفي رواية سعيد بن المسيب رضي الله عنه: أن الذي قال له ذلك، هو أبو بكر الصديق، رضي الله عنه. وأيًّا كان، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولذا أحسن من قال: إن الآية نزلت في كل من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وعرّض نفسه للهلاك. وهذه الآية من قبيل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (¬1). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)} المفردات: {السِّلْمِ}: المسالمة، أو الإسلام. وهو: الإنقياد والتسليم. {كَافَّةً}: جميعًا. {زَلَلْتُمْ} الزلل: الانحراف والسقوط. ¬

_ (¬1) التوبة: 111

التفسير 208 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... } الآية. يرى ابن عباس أن الخطاب هنا لمن أسلم من اليهود. فقد ذكر: أن الآية، نزلت في عبد الله بن سلام - من أحبار اليهود - وأصحابه الذين آمنوا معه. وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام: فعظموا يوم السبت، وكرهوا لحمان الإبل ألبانها بعد ما أسلموا. فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن التوراة كتاب الله، فدعنا لنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذا، فالسلم بمعنى الإسلام، أي: ادخلوا مع المسلمين في شريعتهم، مجتمعين معهم، ولا تفترقوا عنهم، بالأخذ بما نسخه القرآن من التوراة. وقيل: الخطاب لأهل الكتاب الذين آمنوا بكتابهم، وكفروا بالقرآن. والمعنى عليه: يا أيها الذين زعموا الإيمان بشريعتهم: ادخلوا في الإسلام جميعًا، فليس إيمانكم - بما في كتابكم وحده - بنافعكم. وقيل: الخطاب للمنافقين. والسلم - على هذا - بمعنى الاستسلام والطعاة القلبية. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ولم تُؤمن قلوبهم: ادخلوا في الاستسلام، والطاعة القلبية كافة، واتركوا النفاق. وقيل: الخطاب للمؤمنين المخلصين. والمعنى عليه: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم، ادخلوا في شُعَب الإسلام كلها، ولا تُخِلُّوا بشيء من أحكامه. وقال الزجاج في هذا الوجه: المقصود: أمر المؤمنين بالثبات على الإسلام. ويجوز أن يكون المعنى على هذا: يا أيها المؤمنون المخلصون، ادخلوا في المسالمة جميعًا، ولا تشتغلوا فيما بينكم بالجدل والخلاف المذهبي، حتى لا تتفرقوا إلى شيع وأحزاب: يقتل بعضكم بعضًا.

{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: أي لا تنقادُوا لوساوس الشيطان، ولا تستجيبوا له إن دعاكم لعصيان مولاكم. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}: فلا يُؤْمنُ جانبه، فاحذروه فإنه يُحَذِّرُ من البر خوف الفقر، ويأمر بالفحشاءِ والمنكر. قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ} (¬1) البقرة. ولما كان من أساليب الشيطان وحيله، أن يدعوكم إلى المنكر والفحشاء، بالتدريج من شر إلى ما هو شر منه، فلهذا قال: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} فقد جعل أتباعه من وساوسه - مرة بعد أُخرى - بمنزلة اتباعه في خطواته، خطوة بعد أُخرى. وعداوة الشيطان للإنسان قديمة، منذ أن خلق الله آدم عليه السلام. فمن العقل ألا تتخذ عدوك صديقًا. قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (¬2). هذا، وقد ورد النهي عن تتبع خطوات الشيطان - بعد الأمر بالدخول في السلم كافة - ليؤكد الاستمساك بالإسلام استمساكًا قويًا، فإن من يتبع خطواته، لا يدخل في الإسلام دخولًا عميقًا، ولا يستمسك به استمساكًا قويًا، ولا يذوق حلاوته. 209 - {فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أي: فإن انصرفتم عن شرائع الإسلام، وانغمستم في الشقاق والخلاف، وتكبرتم عن الإذعان والتسليم لدين الله، من بعد ظهور الحجج الواضحة، الدالة على أنه من عند الله - تعالى - فاعلموا أن الله {عَزِيزٌ}: غالب على أمره، لا يمنعه شيٌ عن عقابكم، {حَكِيمٌ}: لا يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة المجرمين. وحسبكم هذا وعيدًا للمارقين. ¬

_ (¬1) البقرة: 268 (¬2) فاطر: 6

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)} المفردات: {يَنظُرُونَ}: ينتظرون. {أَن يَاتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ}: الظلل، جمع ظلة. وهي ما يحجب ضوء الشمس من سحاب أو غيره. والمراد من إتيان الله لهم في ظلل: إتيان بأسه وعذابه. ففي الكلام مضاف مقدر. {الْغَمَام}: السحاب مطلقًا، أو الأبيض منه. التفسير 210 - {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ... } الآية. الاستفهام هنا، إنكاري. بمعنى النفي. والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الذين ينصرفون عن الدخول في السلم - من بعد ما جاءتهم البينات الواضحات - إلا أن يأتيهم عذاب الله، في ظلل من السحاب الأبيض: يحسبونه رحمة، وهو عليهم نقمة، فيكونُ أَشدَّ وقعا على نفوسهم!! ونظير هذا قوله تعالى في هلاك قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} (¬1). ثم قال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ}: أَي وهل ينتظرون كذلك، إلا أن تأتيهم ملائكة العذاب، الموكلة بإهلاك الضالين المنحرفين، فإنهم وسائط في إتيان أمر الله عز وجل. ¬

_ (¬1) الأحقاف: 24، 25

وجملة: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} جملة حالية، أي هل ينتظرون إلا أن يأتيهم العذاب والملائكة والحال أنه قد قضي أمر هلاكهم وتدميرهم، فلا يمكن رده؟ وقيل: الجملة معطوفة على {يَأْتِيَهُمُ} داخل في حيز الانتظار، بمعنى: وهل ينتظرون إلا أن يقضي الأمر بهلاكهم؟ وإنما عبر بالماضي {وَقُضِيَ} ليشير إلى جدية الإنذار، فكأنه وقع، لأن وعيد الله لا يتخلف. والآية تهديد ووعيد لمن ينصرفون عن الدخول في الإسلام، ويعطلون مسيرته عن أن تبلغ مداها. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}: أي أن مردَّ الأمور - كلها - إليه تعالى وحده. فما شاء فعل .. فمن لا يدخلون في الإسلام، فلا يستعصى إهلاكهم على الله، الذي ينتهي إليه كل شيءٍ. وفي هذا، إنذار بليغ بعد التهديد السابق. وفيه تنبيه للغافلين الضالين، إلى أن مرجعهم في الآخرة، إلى الله وحده. {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)} المفردات: {آيَةٍ بَيِّنَةٍ}: حجة واضحة. {يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ}: يغيرها بالكفر بها، بدل الإيمان بها، والشكر عليها.

{مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ}: من بعد ما عرفها. {زُيِّنَ}: حُسِّنَ في أعينهم. {بِغَيْرِ حِسَابٍ}: يرزقهم الله رزقًا واسعًا لا حساب فيه، أو لا يُقْدَرُ على حسابه وضبطه لكثرته. التفسير 211 - {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ... } الآية. أمر الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل اليهود هذا السؤال، تبكيتًا لهم وتأنيبًا، وإقامة للحجة عليهم. وهذا السؤال لا يحتمل إلا جوابًا واحدًا هو: الإقرار بأن الله آتاهم نصوصًا عديدة، في الأحكام والبشارة بمحمد، بينةً واضحة في الدلالة على مقاصدها، ووجوب العمل بها، وحججًا باهرة على يد موسى وسائر أنبيائهم. ولكنهم لم يعملوا بمقتضاها فقتلوا فريقًا من أنبيائهم، وكذبوا فريقًا، وجحدوا الأدلة الواضحة، وغيروا الكتب المنزلة، وجعلوها قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا، طلبًا للرياسة، وحبًّا لأغراض الدنيا الفانية. ثم يبين عاقبة ذلك فقال: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: هذا حكم عام، بمؤاخذة من يُغَيِّر آيات الله، التي هي من أَجَلِّ نعمه تعالى على المُغَيّر، بعد معرفته أنها آياته وأنعمه، فيستبدل الكفر بالإيمان، والجحود بالشكر، ويتناول الآيات الواضحة، بالتحريف والتبديل، تبعًا لهواه. فإنه يعاقبه عقابًا شديدًا. {فإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: لكل من ضلوا بعد ما جاءَتهم البينات، وبدلوا نعمة الله كفرًا.

وعبر بقوله: {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} مع أنها مفهومة من السياق - فالتبديل المعاقب عليه لا يكون إلا بعد الإتيان بها ومعرفتها - لإبراز بشاعة جريمة التبديل للنعم، بعد المعرفة اليقينية بصلاحها للمجتمع، ونفعها له. وذلك أبشع ألوان الضلال. ولهذا استحق مرتكبوه أشد أنواع العقاب. 212 - {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ... } الآية. هذه الآية، تعليل للآية السابقة، فإن الذي دعاهم إلى تبديل نعمة الله كفرًا، ومقابلتها بالجحود - هو تعلقهم بزنية الحياة الدنيا الكاذبة، ومظاهرها الخادعة، واستجابتهم لشهوات نفوسهم، وحرصهم على حب الرياسة، وجمع الأموال. وفاتهم أن الآخرة خير لمن اتقى، وأن الباقيات الصالحات: خير عند الله ثوابًا، وخير مردّا. والمعنى: جعلت الحياة الدنيا حسنة في قلوب الذين كفروا، فتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وأعرضوا عن الإيمان بالله واليوم الآخر. وفاعل التزيين - هو الله تعالى، لأنه خلق جمالًا كثيرًا، وزينة حسنة في دنيانا. وما زين الله الدنيا، إلا ليختبر بها عباده، فاغتر بها الجاهلون، فكفروا أو استمروا على كفرهم، وأعرض عن مفاتنها ذوو الألباب، فاسيقنوا وآمنوا، أو ازدادوا إيمانًا على إيمانهم. قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْ ضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (¬1)}. ويجوز أن يكون التزيين من الشيطان، إذ يوسوس لهم الإخلاد إليها، وترك العمل للآخرة. على حد قوله تعالى: ¬

_ (¬1) الكهف: 7

{لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (¬1): ويجوز أن يكون التزيين - فعل قرناءِ السوءِ من شياطين الإنس - لقوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} (¬2). وبالجملة: فدواعي الفتن عديدة. نسأل الله السلامة. {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}: أي: يجمعون - مع الافتتان بالدنيا - استهزاءهم بالمؤمنين، لإيمانهم بالله، وإقامتهم على طاعته. {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: أي والذين يخافون الله ويحذرون عقابه، يكونون - يوم القيامة - فوق الذين كفروا منزلة ومكانة عند الله، لأنهم لم تلههم الدنيا - وإن وُضِعَتْ بكل ما فيها من زخرف ومتاع بين أيديهم - عن طاعة الله. ثم يختم الله تعالى الآية بقوله: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}: أي والله يعطي من يشاء إعطاءَه بغير تقتير، فيعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب. هذا والآية عامة في جميع الكافرين، ويدخل فيهم اليهود دخولًا أوليًا. ¬

_ (¬1) الحجر: 39 (¬2) فصلت: 25

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} المفردات: {أُمَّةً}: جماعة من الناس، أمرهم ومقصدهم واحد. مأخوذة من: أَمَّه أي قصده. {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}: واعدين المتقين بالجنة، ومخوفين الكافرين من النار. {البَيِّنَاتُ}: الأدلة المقنعة الظاهرة. {بَغْيًا}: ظلمًا وعدونًا. التفسير 213 - {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ... } الآية. هذه الآية تحتمل عدة معان، منها: أن الناس كانوا مجتمعين على دين واحد، في عهد آدم عليه السلام، حيث نشأ أولاده على دين أبيهم آدم - وهو قائم على توحيد الله وعبادته. ومنها: أنهم كانوا على فطرة واحدة، فطر الله الناس عليها، وهي فطرة الإيمان بالخالق - سبحانه - فهو أمر فطري: يُحِسُّهُ الإنسان، ويدركه بفطرته، إذا تجردت نفسه عمن يصرفها عن الحق إلى الباطل.

وعلى هذين المفهومين، يكون معنى الآية: كان الناس على العقيدة الحقة: التي فطر الله الناس عليها، فأغواهم الشيطان فكفروا، فبعث الله النبيين، مبشرين من آمن بحسن الثواب، ومنذرين من كفر بشديد العقاب. ومنها: أن الناس كانوا - قبل إرسال الرسل - على دين واحد، هو الكفر، بسبب إغواء الشيطان لهم، وصدهم عن سواء السبيل، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، رحمةً بهم، وإرشادًا لهم، لعلهم يهتدون، إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وأُخراهم. وقد جاء في عدد الأنبياء والمرسلين، ما أخرجه أحمد وابن حبان عن أبي ذر أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: كم الأنبياء؟ قال: "مائةُ ألف واربعةٌ وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول الله، كم الرسل؟ قال: ثلاثة مائة وثلاثَةَ عَشَرَ: جم غفير". {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}: أي وأنزل معهم الكتب السماوية التي توضح لهم العبادات، وشرائع المعاملات، طبقًا للحق والعدل. فإذا حادوا عن سواء السبيل، عادوا إلى هذه الكتب السماوية: يحتكمون إليها، فتردهم إلى الصواب. ثم بين من اختلفوا في دين الله وبدلوا كتبه، فقال: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}: أي: وما اختلف في الحق، أو في الكتاب المنزل، إلا الذين أُتوه من أرباب العلم والدراسة، بعد ما جاءَتهم الحجج الواضحات على وجوب الأخذ به، وعدم الاختلاف فيه. وكان اختلافهم هذا: بغيًا بينهم، أي ظلمًا أو حسدًا حاصلًا بينهم، ونسوا - أو تناسوا - حظًا مما ذُكِّروا به، وبدّلوا نعمة الله كفرًا. فأصبحوا مصدرًا لإضلال الناس - وهم يعلمون - بدلًا من أن يكونوا لهم هداة مرشدين. وهكذا عكسوا الأَمر، فجعلوا ما أنزله الله مُزيلًا للاختلاف - سببًا لبقائه ورسوخه. {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}:

أي: فهدى الله الذين آمنوا وصدقوا بقلوبهم - في كل الأديان - للحق الذي اختلف فيه هؤلاء المختلفون، وأعرضوا عن خلافهم، ولم يعبأوا بهم، وأقاموا على طاعة مولاهم. وقيل: المراد من {الَّذِينَ آمَنُوا} أُمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: هداهم الله لما اختلف فيه أهل الكتاب من الحق، بإذنه تعالى وتيسيره، فعرفوه. ومن ذلك: هدايتهم إلى تنزيهه - تعالى - عن الصاحبة والولد، وأن إبراهيم - عليه السلام - كان حنيفًا مسلمًا، وما كان يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مشركًا، وأن مريم سيدة شريفة، وليست كما وصفها اليهود، وأن عيسى رسول الله، خلافًا لما زعم اليهود من نفي رسالته، ولما زعم النصارى من أنه ابن الله .. إلى غير ذلك. وفي هذا يقول الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (¬1). وإذا كان المسلمون اليوم، قد تفرقوا كما تفرقت الأُمم السابقة، وانقسموا إلى طوائف ومذاهب: بعضها يخالف الحق، فإن الله يقيض لهذا الدين - دائمًا - من يظهر الحق وينصره، ويزهق الباطل ويخذله، استنادًا إلى كتاب الله - تعالى - المحفوظ بعنايته من التحريف والتبديل. وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال طائفةٌ من أُمتي قوّامةً على أمر الله لا يَضُرُّها مَنْ خالفها". ورى الحاكم عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاتزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق حتى تقومَ الساعة". فالله اللطيف بعباده: يرسل إليهم الرسل، ويُنْزِل عليهم الكتب السماوية، ويمدهم بالعلماء العاملين المرشدين المصلحين، ليردوا الطوائف الضالة إلى الصواب، وليُظْهِرُوا زَيْفَ الباطل، وليقوِّموا ما حرَّفه المضلون، من آيات الله البينات. ولذا قال الله تعالى في ختام الآية: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. ¬

_ (¬1) النمل: 76

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)} المفردات: {أَمْ}: تأتي بمعنى بل وهمزة الاستفهام. ويرى أبو عبيدة: أنها للاستفهام وحده. {حَسِبْتُمْ}: ظننتم. {خَلَوْا}: مضَوا. {الْبَأْسَاءُ}: الفقر، أو الحرب، أو الشدة. {الضَّرَّاءُ}: المرض، أو الضيق، أو الضرر مطلقًا. {زُلْزِلُوا}: الزلزلة: الحركة الشديدة. والمراد هنا: إصابتهم بالاضطراب النفسي، الذي يهزُّ النفس هزًّا عنيفًا ويزعجها. التفسير 214 - {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ... } الآية. الربط: لما بين الله - في الآية السابقة -: هدى الأُمة المحمدية، لما اختلف فيه أهل الكتاب - أتبع ذلك، حث المؤمنين على الصبر، وتحمل الأذى ممن يخالفونهم، كما كان يفعل المؤمنون من قبلهم.

سبب النزول: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق، حين أصاب المسلمين ما أصابهم، وبلغت القلوب الحناجر. وقيل: نزلت في غزوة أحد، لَمَّا قُتِل من المسلمين عددٌ كبير. وقال عطاء: لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المدينة، اشتد الضر عليهم، لأنهم خرجوا بغير مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله، وأَسَرَّ قوم من الأغنياء النفاق، فأَنزل الله هذه الآية، تطييبًا لنفوس المؤمنين. وكيف كان سبب النزول، فالمقصود من الآية هو: حث المؤمنين على التحمل والصبر، حينما يمتحنون بالشدائد، في سبيل دينهم. فلا يَعْبَأُون بما ينالهم - في أنفسهم وأموالهم - من الأذى، فإن الله عنده خير العوض. والمراد بمثل الذين خلوا من قبلهم: ما نالهم من الشدائد والمحن في سبيل دينهم. وفي ذلك روى البخاري وغيره: عن خَباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسِّد بردةً في ظل الكعبة - ما لقينا من المشركين فقال: "إنَّ مَنْ كان قبلكم: كان أَحَدُهم يُوضَعُ المنشارُ على مَفْرِقِ رأسه، فيخلُصُ إلى قدميه: لا يصرفهُ ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديد ما بين لحمِهِ وعظمه: لا يصرفه ذلك عن دينه. ثم قال: "والله، لَيتِمَّنَّ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضر موتَ: لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون". وأَداة الجزم {لَمَّا} تدل على نفي الماضي مع ترقب وقوعه في المستقبل، وهذا ليوطِّن المؤمنون أنفسهم، على احتمال ما ينتظرون أن يقاسوه من أهوال. ومعنى الجملة على هذا: بل أَظننتم أنكم - لمجرد إيمانكم - تدخلون الجنة، دون أن تتعرضوا للمشقة والابتلاءِ، كما تعرض المؤمنون الأتقياء من الأُمم السابقة؟

قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ {(2)} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (¬1). وقد أوضح الله ما نال المؤمنين الصادقين - في الأُمم السابقة - من المحن، حتى يتأسى بها المسلمون، فقال: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}؟ والجملة هنا، كالجواب عن سؤال مقدر هو: ماذا أصاب الذين كانوا من قبل من شدائد وأهوال؟ فكان الجواب: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ... } أي أصابتهم الشدائد والأهوال، وتعرضوا لفظائع الحروب الظاهرة والخفية، واهتز كيانهم اهتزازًا عنيفًا، حتى كاد اليأس يسيطر علي نفوسهم، وحتى تطلَّع الرسول والمؤمنون معه - من هول ما قاسوه - إلى الله، استعجالًا لنصره. فهم لا يَشُكُّون في تحقيق وعده، ولكنهم يتعجلون حدوثه. والرسول هنا: للجنس، لأن كل رسول جاهد في سبيل الله، هو والمؤمنون به، وتعرضوا للشدائد والأهوال، فلجأُوا إلى الله - تعالى - يطلبون نصره الذي وعده عباده المؤمنين. والتعبير بصيغة المضارع: "يَقُول" بدلًا من الماضي "قال" لأن هذا كان يتكرر من جميع الرسل والذين آمنوا معهم، ولاستحضار هذه الصورة، ليتأسى بها المسلمون. {َلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}: أي: فقيل لهم طمأَنة لنفوسهم، وتطييبًا لقلوبهم، وإسعافًا لهم بمرامهم {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}. وإيثار الجملة الاسمية على الجملة الفعلية المناسبة لما قبلها، وتصديرها بحرف التنبيه، وتأكيد مضمون الوعد بإِنَّ لتأكيد تحقق مضمونه. ¬

_ (¬1) العنكبوت: 2،3

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)} المفردات: {والْمَسَاكِين}: هم من لا يجدون كفايتهم ولو مع العمل، قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} (¬1). {وَابْنِ السَّبِيلِ}: الغريب المنقطع عن وطنه، ولا مال معه. ويمكن إطلاقه على اللاجيء أو المهاجر، ولا مال يكفيه. التفسير 215 - {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... } الآية. بعد أن ذكر الله - فيما سبق - أن الحياة الدنيا ازدانت للكافرين ففتنتهم، وأن الله أرسل الرسل لهداية المستعدين للهداية، وأن على المؤمنين أن يستعدوا للجهاد والبذل والتضحية في سبيل الله، لينالوا ثوابه وجنته، وليظفروا بنصره الموعود - أتبعه بيان وجوه إنفاق المال. سبب النزول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - فيما رواه أبو صالح عنه: (كان عمرو بن الجموح شيخًا كبيرًا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت). وعن ابن جريج قال: "سأل المؤمنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين يضعون أموالهم؟ فنزلت. ¬

_ (¬1) الكهف: 79

ظاهر الآية يفيد: أنهم سألوا عما ينفقونه من الأموال؟ وكانت الإجابة ببيان مصارفها، لأَنها أهم، فإن قيمة النفقة ومنزلتها المستتبعة للثواب، باعتبار هذه المصارف. قال بعض العلماء: هذا من الأُسلوب الحكيم، الذي يقصد به توجيه السائل إلى ما كان ينبغي أن يسأل عنه. ويمكن أن يقال: إنه تعالى أجاب عن سؤَالهم بما يناسبه، وزاد عليه فائدة أخرى، هي بيان المصرف. فإن الإجابة عن سؤالهم: {مَاذَا يُنفِقُونَ} واردة إجمالًا في الآية الكريمة وهي: {مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْر}: فالخير: يتضمن ما كان حلالًا، كثيرًا كان أو قليلًا، إذ لا يسمى ما عداه خيرًا. ومثل هذا مثل رجل يسأل طبيبه: هل يأكل العسل؟ فيجيبه الطبيب قائلًا: كُلْهُ مع الخل. فالزيادة في الجواب - على ما يقتضيه السؤَال - مستحسنة. وتسمى أيضًا: أُسلوب حكيم. على أننا لو نظرنا إلى سبب النزول الأول، لوجدناهم فيه يسألون الرسول أيضًا عن المصرف. ولم يذكر في الآية، للإيجاز في النظم: تعويلًا على الجواب، فتكون الآية جوابًا لأمرين مسئول عنهما. {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}: وقد استفيد من الآية: أن ما ينفق من الخير: يعطي للوالدين، والأقارب الفقراء، {وَالْيَتَامَى}: وهم من فقدوا آبائهم وكانوا فقراءَ. {وَالْمَسَاكِينِ}: وهم من لا كسب لهم، أو لهم كسب لا يفي بحاجتهم. {وَابْنِ السَّبِيلِ}: وهو المنقطع في سفر، ولا يجد ما يكفيه. ولم تتعرض الآية للسائلين لدخولهم في المساكين، كما أنها لم تتعرض للأقارب كذلك. والأكثرون: على أن الآية في صدقة التطوع. وقيل: في الزكاة. واستدل بها من أباح صرفها للوالدين. والأَول أَرجح، لعموم كلمة {خَيْرٍ}، وخصوص الزكاة، وكونها مُقَدَّرة.

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}: أي وما تنفقوه من نفقات طيبة لا إثم في كسبها، أو تصنعوه من معروف يعلَمْه الله ويُجْزِ عليه الجزاء الأوفى. وقال: {وَمَا تَفْعَلُوا} ولم يقل: وما تنفقوا من خير، لأن فعل الخير عام: يدخل فيه الإنفاق وغيره: من معاونة القوي للضعيف، وصاحب الجاه لمن لا جاه له، والصحيح للمريض، كما يدخل فيه الإصلاح بين المتخاصمين، والأَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعيادة المرضى، وهكذا. وجواب الشرط هنا، مؤَكد بإن، لتقرير الوعد بحسن الجزاء المستنبط من جواب الشرط. وَ {عَلِيمٌ}: صيغة مبالغة من العلم، وليس المراد مجرد الإفادة بعلم الله للخير، بل المقصود مع ذلك أنه يحسن الجزاء عليه {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (¬1). {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)} المفردات: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}: فُرض عليكم قتال الكفار. {كُرْهٌ}: بمعنى مكروه، كخبز بمعنى مخبوز، أي مكروه - طبعًا - لمشقته. ويجوز أن يكون القتال هو نفس الكره، بمعناه المصدري، مبالغة في مشقته على النفوس، مثل قول الخنساءِ: فإنما هي إقبال وإدبار: ¬

_ (¬1) الزلزلة: 7، 8

التفسير 216 - {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ... } الآية. بين الله قبل هذه الآية، أن الجنة لا يدخلها المؤمن، حتى يقاسي البأَساء والضراءَ في سبيل دينه، كمثل الذين من قبلهم، وذكر لهم مصارف المال، ومواضع النفقات. وجاءَت هذه الآية لتبين لهم وجوب الجهاد، دفاعًا عن الإسلام، وهو المظنة الأُولى للبأساءِ والضراءِ، التي لابد من امتحان المؤْمنين بها. وقد بين الله في هذه الآية الكريمة: أنه فرض على المسلمين الجهاد، وأنه مكروه لهم، وتلك الكراهية أَمْرٌ جِبِلِّيُّ، لما فيه من القتل والأسر، وإتعاب البدن، وتلف المال، وقتل ما عسى أن يكون من الأقارب على الكفر - وهم يحبون أن يهديهم الله إلى الإسلام. وهذا لا ينافي رضاهم بما كلفهم الله به حبًا في مرضاة الله وطمعًا في ثوابه، كالمريض يرضى بشرب الدواء الكريه الطعم، حبًّا في الشفاء. والجهاد أصلًا: فرض كفاية يقوم به المجندون من شباب المسلمين، نائبين عن بقية المسلمين. فإذا دخل العدو بلاد الإسلام غازيًا، فقد انعقد الإجماع على أن الجهاد فرض عين، على جميع المسلمين سواءٌ أكان القتال أم بالحض عليه، أم بتجهيز المقاتلين، أَم تثبيتهم، أَم برعاية أسرهم، أم علاجهم: أم تأليب الرأي العام على المعتدين. ويكون ذلك حسب طاقة المجاهد. قال تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (¬1). وقال صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يَغْزُ ولم يُحَدِّثْ نفسهُ بالغزو، مات على شُعْبَةٍ من النِّفاق" (¬2). ¬

_ (¬1) التوبة:41. (¬2) رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: "من لم يَغْزُ أَو لم يُجَهِّزْ غَازيًا، أَو يُخْلِف غازيًا في أَهله بخير، أصابه بقارعة قبل يوم القيامة". (¬1) {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}: عسى هنا للتحقيق، كنظائرها الواقعة في كلامه تعالى أو: للترجي، باعتبار حال السامع. وموضع الرجاءِ، هو الخير المترتب على الجهاد. فالرجاءُ هنا، يكون في نية المقاتلين، بأَن يترقبوا من ورائه النصر والثواب من الله تعالى. وعسى هنا، تامة، سد ما بعدها، مسد اسمها وخبرها. والمعنى: أَنكم قد تجهلون حقائق الأُمور، فتكرهون شيئًا مما كلفتم به، وتحاولون اجتنابه، ولكن نهايته تكون خيرًا لكم، وتحبون شيئًا وتحرصون عليه، ولكن نهايته - مع حبكم له - تكون شرًا لكم. فليس كل مكروه ضارًا، ولا كل محبوب نافعًا. والجهاد: هو مصدر العزة والكرامة والحرية. وفيه إحدى الحسنين: الظَّفَرُ أَو الشهادة. وما ترك قوم الجهاد إلا ذَلّوا، وأصبحوا فريسة سهلة للمعتدين. فالقعود عن الجهاد، وإيثار السلامة والاستسلام يقود الأُمة إلى: الضعف، والفقر والذل، والهوان. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}: أي {وَاللهُ يَعْلَمُ} ما هو خير لكم، وما هو شرّ لكم، {وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ذلك فلا تتبعوا ما تميل إليه نفوسكم، وبادروا إلى امتثال ما أمركم، ففيه الخير دائمًا. ¬

_ (¬1) رواه أبو داود.

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)} المفردات: {الشَّهْرِ الْحَرَامِ}: أحد الأشهر التي حرم فيها القتال وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. {الْفِتْنَةُ}: المراد منها، تعذيب المسلمين وإخراجهم من ديارهم، وصدهم عن المسجد الحرام، وعن دين الله. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}: بطلت وفسدت. التفسير 217 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ... } الآية. تكررت آيات الأحكام فيما سبق، وتكررت الأسئلة طلبًا لتوضيح الأحكام. والسؤال هنا، يدور حول حكم السَّرِية التي قادها عبد الله بن جحش، فَقَتَلت وأَسَرَتْ في الشهر الحرام؟

سبب النزول

سبب النزول: أخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي في سننه، وابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهم ما تلخيصه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث رهطًا بقيادة عبد الله بن جحش إلى نخلة، فقال: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش، ولم يامره بقتال، وكتب له كتابًا قبل أن يعلمه أين يسير، فقال: اخرج أنت وأصحابك، حتى إذا سرت يومين فافتح الكتاب وانظر فيه، فما أَمرتك به فامض له ففعل، فإذ فيه أمرهم بالنزول بنخلة، والحصول على أخبار قريش. فتوجه بأصحابه نحو نخلة، فلقوا نفرًا من قريش فقتلوا أحدهم، وأسروا اثنين منهم، وأخذوا عيرهم وعادوا إلى المدينة فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. فأوقف الرسول الأسيرين والعير، فلم ياخذ منها شيئًا، فلما قال لهم رسول الله ما قال، سُقِطَ في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين. وقالت قريش - حين بلغهم أمر هؤلاء -: قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام. فنزلت. فأخذ رسول الله العير، وفَدَى الأسيرين. واختلف في وقت حدوث ذلك، فبعض الروايات تقول: إن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة وهو حلال: ويليه شهر رجب. وهو شهر حرام. وبعضها تقول: إنه كان في آخر يوم من رجب. ولعل ذلك أرجح، فإن الآية تؤيده، إذ فيها أنهم سألوا عن حكم القتال في الشهر الحرام، كما أن الرواية التي تقول إنه كان في آخر يوم من جمادى، يناقض بعضها بعضًا، فقد ذكرت ما رويناه من أن الرسول حلف أنه ما أمرهم بالقتال في الشهر الحرام، وتوقف عن أخذ الغير، وأوقف الأسيرين، وأن الرسول لما قال لهم ما قال، سُقِطَ في أيديهم، وظنوا أنهم هلكوا، وأن المسلمين عنفوا عبد الله بن جحش وإخوانه على ما صنعوا، ولو كان ذلك في آخر يوم من جمادى ما حدث ذلك، ولو حدث لدافع عبد الله وإخوانه عن أنفسهم.

وكما أن السؤال في الآية دلّ على أن القتال كان في الشهر الحرام، فالجواب قرر ذلك. ولكنه عذرهم، إذ بين أنه وإن كان القتال فيه عظيم الوزر ولكن وزر المشركين أكبر، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}: السائلون هم المسلمون، فقد سألوا عن حكم القتال في الشهر الحرام، بعد ما علموا بما كان من سريَّة عبد الله بن جحش. والمعنى: يسألك المسلمون عن القتال في الشهر الحرام: أهو جائز أم لا؟ ثم كان الجواب: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}: أي القتال فيه عظيم الوزر كبير الإثم. وقد أَثبت هذا الجواب حرمة القتال في الشهر الحرام، وأَن ما اعتقده أَهل الشرك من استحلال الرسول القتال فيه باطل. أما ما وقع من عبد الله بن جحش وأَصحابه، وفقد كان اجتهادًا منهم، فقد رأَوا أن قتال المشركين فيه حلال، لأنهم أخرجوهم من ديارهم، وصدُّوا عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام وعذبوهم وهم بمكة. ومن اجتهد وأَخطأَ، فله أجره، فكيف بمن اجتهد وأَصاب، حيث أَقَرَّ الله اجتهاده وعذره؟! وإعادة لفظ القتال، للاهتمام بأَمر الحكم فيه. وتنكيره، للإيذان بأن أي قتال فيه مذموم وإنْ قلَّ، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} (¬1) وقوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (¬2)، فالقتال في الشهر الحرام نسخت حرمته بما ذكر. ¬

_ (¬1) البقرة: 191 (¬2) النساء:89

{وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ}: المعنى: وإذا كان القتال في الشهر الحرام إثمًا كبيرًا، فإن الصَّدَّ عن دين الله، والكفر به، والصدَّ عن زيارة المسجد الحرام بمكة للعمرة، وإخراج أهله المسلمين منه - مجردين من أموالهم - كل هذا أكبر جريمةً، وأبشع إثمًا عند الله - سبحانهُ - من القتال في الشهر الحرام. وقد فعل المشركون هذا كله. فقد قاوموا الدعوة الإسلامية، وعبدوا الأوثان، ومنعوا المسلمين من أداء شعائر العبادة بالمسجد الحرام، وعذبوهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بمكة. فأي إثم أكبر من هذا؟ ثم عطف على الحكم الجزئي السابق، حكمًا كليًا: يتناول ما تقدم، كما يتناول ما يماثله مستقبلًا، فقال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}: أي ما يُفتن به المسلمون ويُعذبون به، أكبر إثمًا عند الله من القتل. وقد بالغ المشركون في إيقاع الأذى بالمسلمين، لصرفهم عن دينهم فقد عذَّبوا ياسرًا والد عمَّار: كانوا يكوونه بالنار ليرتَدَّ عن الإسلام، حتى مات في العذاب. وعَذَّب أَبو جهل، سُميَّةَ أُم عمار زوجة ياسر، تعذيبًا شديدًا، ثم طعنها بين فخذيها بحَرْبَةٍ طعنةً قضت عليها. وأُوذِيَ عمَّار بن ياسر في الله، حتى حملوه على كلمة الكفر فقالها تقية وغفرها الله له. وكان أُمَيَّةُ بن خلف يُعَذِّبُ بلالًا، فيجيعه ويعطشه ويطرحه في الرمضاءِ، ويضع على صدره الصخر، ويكويه بالنار، ليرتد عن الإسلام. وغيرهم كثير، بل لم يَسْلَمِ النبي - صلى الله عليه وسلم - من إيذاءِ قومه. وأخيرًا تآمروا على قتله للقضاء على رسالته السماوية، فنجَّاه الله بالهجرة إلى المدينة.

ومن هنا، كانت الفتنة أكبر من القتل، لأَنها قتل بطيءٌ مصحوب بالتعذيب والتنكيل. وقيل المراد بالفتنة: الشِّرك والكفر. {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}: أي هم لم يكتفوا بالصد عن سبيل الله والكفر به، ولم يقتنعوا بتعذيبكم وإخراجكم من دياركم، بل لا يزالون يفتنونكم، بشن الحروب عليكم لإبادتكم، أو صرفكم عن دينكم القويم إن استطاعوا، وسيظل شأْن الكفار مع المسلمين مستقبلًا كذلك. ولا شك في أن مقابلة العدوان - بمثله - أمر مشروع. والتعبير بحرف الشرط (إنْ) لاستبعاد استطاعتهم صرفَهم عن دينهم. ثم حذرهم فقال: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}: أي من يستجيب منكم لهؤُلاء المشركين، فيرجع عن دينه إلى دينهم، فيمت وهو كافر: بطل كل عمل صالح قدمه، وخسر الدنيا والآخرة. وفي هذا إنذار شديد، لمن تحدثه نفسه - من ضعفاء الإيمان - بالارتداد. (وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): أي وأُولئك المرتدون عن دينهم أهل النار، هم فيها خالدون، إذا ماتوا وهم كافرون. ولا يغني عنهم إيمانهم السابق عن الردة. أما من ارتد عن دينه، ولم يمت وهو كافر، بل تاب عن ردته وكفره، فالله يقبل توبته بفضله. واستدل الإمام الشافعي بالآية: عن أن الردة لا تحبط الأعمال، حتى يموت صاحبها عليها.

سبب النزول

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} التفسير 218 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ... } الآية. سبب النزول: روى جعفر بن عبد اله، وعروة بن الزبير، وغيرهما، أن الآية السابقة، لما نزلت: اطمأن عبد الله بن جحش ومن معه، إلى أنهم لم يرتكبوا إثما في قتال المشركين في الشهر الحرام، وظن بعضهم أن الآية السابقة نفت عنهم الإثم فقط، فقالوا: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر. فقال عبد الله بن جحش ومن معه: يا رسول الله، أَنطمع أن يكون لنا غزوة نُعْطَى فيها أجر المجاهدين؟. فأنزل الله هذه الآية، ليبين أمرهم وأمر كل من آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. والمعنى: أن المؤمنين الصادقين: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وتركوا أموالهم وديارهم، حرصًا على دينهم وتمسكًا به، وجمعوا - إلى الإيمان والهجرة - بذل الجهد في طاعة الله، والقتال في سبيل إعلاء كلمة الله - إن هؤُلاء جمعوا هذه الصفات - هم على رجاءٍ وأمل في رحمة الله: ينتظرون ذلك ويطمعون فيه، جزاء إيمانهم وهجرتهم، وجهادهم في سبيله، ثقة منهم بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. قال القرطبي: وإنما قال: يرجون - وقَدْ مَدَحَهُمْ - لأنه لا يعلم أحد في الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين: أحدهما: أنه لا يدري بم يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله، اهـ. وقد ختم الله الآية بما يطمئن أولئك الذين قاتلوا في الشهر الحرام فقال: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}:

أي: والله سبحانه واسع المغفرة، عظيم الرحمة، بمن آمن به، وهاجر إليه، وجاهد في سبيله، قاصدًا وجهه الكريم، إن اجتهد فأَخطأَ، فما بالك بمن اجتهد فأصاب، كعبد الله بن جحش! وكرر لفظ {الَّذِينَ} مع الهجرة والجهاد، بعد ذكرها مع الإيمان، مع أن الذين هاجروا وجاهدوا هم الذين آمنوا، لتفخيم شأن الهجرة والجهاد، كأنهما - وإن كانا مشروطين بالإيمان - مستقلان في تحقق الرجاء. وقدَّم الهجرة على الجهاد، لتقدمها عليه وجودًا، كتَقَدُّمِ الإيمان عليهما. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)} المفردات: {الْخَمْر}: الخمر، ما أسكر من عصير العنب. ثم أصبح اسمًا لكل ما أسكر. ففي الحديث: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ". وفيه: "ما أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ (¬1) فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ". رواه أحمد عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - وسُميت خمرًا، لتغطيتها العقل. من خمر الشيء: إذا ستره. ¬

_ (¬1) الفَرَق بفتح الراء: مكيال كبير يسع ستة عشر رطلًا.

{وَالْمَيْسِرِ}: القمار، مصدر يسر. يقال يسرته: قمرته. واشتقاقه من اليسر - بمعنى السهولة - لأَنه أخذ الرجل مال غيره بيسر وسهولة، من غير كَدّ ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره. والميسر: قمار العرب. كانت لهم عشرة قداح يقامرون عليها وهي: الأزلام، ثلاثة منها ليس لها علامات، فليس لمن أخذ واحدًا منها نصيب من الربح، والباقي له علامات متفاوتة، يتفاوت بسببها الربح. كانوا يضعون هذه القداح العشر في خريطة على يدي عدل، يحركها ويخرجها واحدًا واحدًا. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء، أخذ النصيب الموسوم به، من جزور يذبح، وَيُجَزَّأُ على قدر السهام القداح. ومن خرج قد مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئًا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه: البرم. {إِثْمٌ}: الإثم: الذنب، أو الشر، أو الضرر. {الْعَفْوَ} من المال: ما زاد على النفقة، أو السهل الميسور. {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ}: أوقعكم في مشقة وشدة. التفسير 219 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ... } الآية. كما سأل الصحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما ينفقون، وعن القتال في الشهر الحرام، سألوه عن الخمر والميسر. ولقد جاء الإسلام والعرب يعتادون تناول المسكرات - من عصير العنب أو نقيع التمر أو غيرهما - ومع أنها شديدة الضرر بالجسم والعقل، فإن الإسلام تدرج معهم في تحريمها، لتغلغل حُبِّها في قلوبهم، وظنهم أنها أساس لبعض مكارمهم، كما عالج مآثم أُخرى عميقة الجذور، بسياسة التدرج: رحمة وحكمة، لأنه الأُسلوب الأمثل في علاج النفوس التي أقامت على تلك المآثم، وتوارثتها عبر الأجيال.

وقد بين الزمخشري ذلك في كشافه، فقال: نزلت في الخمر أربع آيات. نزلت بمكة: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (¬1)، فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة، قالوا: يا رسول الله، أَفْتِنَا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فشربها قوم، وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسًا منهم فشربوا وسكروا، وأَمَّهم بعضهم، فقرأَ: "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" بغير (لا) فنزلت: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} (¬2) النساء. فقلَّ من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك قومًا، فيهم سعد بن أبي وقاص إلى طعام وشراب، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد سعدٌ شعرًا فيه هجاءُ الأنصار، فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: "الَّلهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا" فنزلت: { ... إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ... } إلى قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (¬3). فقال عمر - رضي الله عنه - انتهينا يا رب. والمعنى: يسألك المسلمون يا محمد عن حكم تعاطي الخمر والميسر. قل: فيهما ضرر كبير، ومنافع للناس، وضررهما أكبر من نفعهما. أما ضرر الخمر - من أي نوع اتخذت - فقد أثبته الطب بما لا يدع مجالًا للشك فيه، فإن تعاطي الخمر يؤدي إلى التهاب الكبد، وضعف المعدة، وضعف مقاومة الجسم للأمراض. وقد ثبت من بحوث عديدة بالمستشفيات العامة: أن نسبة الوفيات - بين المدمنين ترتفع إلى خمسين في المائة، على حين لا تتجاوز نسبتها - في غير المدمنين - أربعًا وعشرين في المائة!! ¬

_ (¬1) النحل: 67 (¬2) النساء: 43 (¬3) المائدة: 90، 91

وتأثيرها في العقول ملموس، فقد تمت تجارب عديدة ثتب منها أن الغَوْل (الكحول)، المتولد في الخمر سبب مباشر لخُمسِ الإصابات في مستشفيات الأمراض العقلية!! هذا فضلًا عما تسببه من الجرائم الخلقية، فإنها: تزين القبيح، وتشوه الحسن، وتدفع صاحبها دفعًا إلى ارتكاب الموبقات والآثام، والاعتداء على الحرمات، مما يورث الأحقاد والعداوات. أمَّا ما فيها من نفع: فلعله أن الغول (الكحول) الذي فيها قد يقتل بعض الجراثيم، وأنها تتحول إلى خَلّ، وأن الاشتغال بها، قد يعود ببعض الأرباح على صانعيها، والمتجرين فيها، وأنها قد تحمل على البذل والعطاء وتشجيع الجبان ونحو ذلك. ومن الموازنة بين الضرر والنفع، نجد الضرر يفوق النفع أضعافًا مضاعفة بحيث لو لم يرد نَصَّ ديني صريح بالتحريم، لأَوجب العقل تحريمها دفعًا لما فيها من آثام. ويلحق بالخمر المخدرات مثل: الحشيش، والأفيون، والكوكايين، والهيروين ... وأمَّا ضرر الميسر، فهو أنه يؤدي إلى إتلاف الأموال، وإهمال الأعمال، وشيوع البطالة، وضياع الوقت في غير طائل، والاتكال على الحظ، والحرص على أكل أموال الناس بالباطل، وما يترتب على هذا من إثارة العداوة والبغضاء في النفوس. ونحن نعلم أن كثيرًا من الثروات الطائلة، تبددت على موائد القمار، وفي ميادين السباق، وكثيرًا ما تمتد أيدي المقامرين إلى ما تحت أيديهم من أمانات، فيكون مآلهم السجن. وقد يصل بهم الأمر إلى الانتحار. أما نفعه: فهو ناشيءٌ عن أخذ الفقراء لحم الجزور المتقامر عليه. وقد مرَّ بيان ذلك في المفردات، وأن بعض المقامرين، قد يستفيد من المال الذي أخذه من غيره بدون حق، وأن بعض ماله - في العصر الحديث - تنتفع به الجميعات الخيرية، خصمًا من أرباح أوراق (اليانصيب). وهذا النفع إذا تم، لا يُقاس بما يقع من أضرار جسيمة، وعواقب وخيمة، وشر عظيم. {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}:

سبب النزول

سبب النزول: أخرج ابن اسحاق وغيره عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أن نفرًا من الصحابة - حين أُمروا بالنفقة في سبيل الله - أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أُمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فنزلت. وكان - قبل ذلك - ينفق الرجل كل ماله، حتى ما يجد ما يتَصَدَّق ولا ما يأكل، حتى يُتَصَدَّقَ عليه اهـ. ومن سبب نزولها أيضًا: ما أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق أَبان بن يمين: أنه بلغه أَنَّ معاذ بن جبل وثعلبة، أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: يار سول الله، إن لنا أَرقاء وأَهلين، فما ننفق من أموالنا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهذه الجزءُ من الآية، مرتبط بما قبله ارتباطًا وثيقًا. فهو في الإنفاق فيما يحل، ,ما قبله في الإنفاق فيما يحرم، وهو معطوف على {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ} عطف القصة على القصة. والمعنى: ويسألك المسلمون يا محمد، ما الذي ينفقونه من أموالهم؟ قل لهم: ينفقون العفو، وهو ما فضل عن العيال، دون أن يجهدهم. أخرج الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول". وأَخرج ابن خزيمة عنه - أيضًا - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خير الصدقة ما أَبقت غنيّ، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: أنفق عليَّ أو طلقني، ويقول مملوكك: أَنفق عليَّ أو بعنى، ويقول ولدك: إلى من تكلني؟! ".

سبب النزول

وقال أبو سعيد الخدري: بينما كنا في سفر ما النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءَه رجل على راحلته، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من كان معه فضل ظهر فَلْيَعُدْ به على من لا ظَهْرَ له. ومن كان له فضلٌ من زاد فَلْيَعُدْ به على من لا زاد له". فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حقَّ لأَحدٍ منا في فضل. فمما سبق - يعلم أن الصدقة لا تكون إلا بعد كفاية العيال. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... }: أي مثل هذا البيان الواضح في الخمر والميسر والنفاق: يبين الله لكم آيات الأحكام وغيرها، لكي تتفكروا وتتدبروا في شئون الدنيا والآخرة، فتاخذوا بما هو أصلح لكم. ولعَلَّ هنا، للتعليل. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}: سبب النزول: أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما أنزل الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... } (¬1) و {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ... } (¬2) الآية. انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شَرَابِه، فَجَعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد فيرمي. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأَنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ... } الآية: فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه" واللفظ لأَبي داود. ¬

_ (¬1) الأنعام:153 (¬2) النساء:10

والمعنى: ويسألك الناس عن أمر اليتامي، قل إصلاح لهم خير من تركهم أو ظلمهم. والإصلاح يتناول كل نفع يعود عليهم من: تنمية أموالهم، وحسن تربيتهم، وتوليتهم بعض أُمورهم المالية، ليديروها تحت رقابة أَوصيائهم، ونحو ذلك. ولذا نَكَّر {إِصْلاَحٌ} ليتناول كل فروعه. ونَكَّرَ {خَيْرٌ} ولم يقيد بقيد، ليفهم منه أنه "خير" مطلق: يعم الأَوصياءَ والأيتام. فالخير للأَوصياءِ: جزيل الثواب وحسن الذكر. والخير للأيتام: يسارهم وطيب نشأَتهم، ليكونوا نافعين لأنفسهم وأُمتهم. {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}: أي: إن تخالطوهم - في الطعام والشراب والمسكن - تؤدوا اللائق بكم، فإنهم إخوانكم في الدين. والمقصود: الحث على المخالطة، بشرط الإصلاح. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}: وقد حذر الله المخالطين من الإفساد عند المخالطة لها فيجازي كلا منهما بما يستحقه، فإن الله لا تخفى عليه خافية: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (¬1). فالمؤْمن ينبغي أن يراعي هذا، فيرغب في إصلاح أحوال اليتيم: طلبًا لثواب الله، ويرغب عن الإفساد، خشية عقاب الله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ}: أي: ولو شاء الله لضيق عليكم، بأَن لم يُجَوِّزْ لكم مخالطتهم، لترعوا مصالحهم دون مخالطة. ولكنه - سبحانه - رحيم بعباده، رءوف بهم، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} (¬2). {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أي إن الله غالب على كل شيءٍ: لا يعجزه أمر أراده، وفي جملته إعانتكم {حَكِيمٌ} فيما يشرعه من أحكام. ومن جملة ذلك: أنه شرع لكم ما تقتضيه الحكمة، وتتسع له الطاقة البشرية: التي هي أساس التكليف. ¬

_ (¬1) غافر: 19 (¬2) الحج: 78

{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} المفردات: {تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ}: تتزوجوهنّ. {تُنكِحُوا الْمُشْرِكينَ}: تُزَوِّجوهم. {الْمُشْرِكِينَ}: المراد بهم هنا، الكافرون مطلقًا. {الْمُشْرِكَاتِ}: المراد بهن، الوثنيات، ومن لا دين لهن. {وَلَأَمةٌ}: الأَمة، المرأة المملوكة. التفسير 221 - {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ... } الآية. الربط: تناولت الآية السابقة، توصية الأولياء والأوصياء بالإصلاح المطلق لشئون اليتامى. وأَعقبتها هذه الآية متضمنة أساس صلاح الأُسرة، وهو الاشتراك في الدين بين الزوجين، وبذلك اشتركت الآيتان في أَن كلتيهما: تتناول لونًا من أَلوان الإصلاح في البيئة الإسلامية.

سبب النزول

سبب النزول: روى السدي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة. كانت له أَمةٌ سوداء وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع .. فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأَخبره خبرها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما هي يا عبد الله؟ فقال هي يا رسول الله: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوءَ، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا عبد الله، هي مؤْمنة. قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيًا، لأعتقنها ولأَتزوجها، ففعل. فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا المشركين وينكحوهم: رغبة في أنسابهم، فأنزل الله {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ... } الآية. المعنى: المراد من المشركات: مَن يعبدْن غير الله، ومن ليس لهن دين. وقد حرمت الآية نكاحهن. فلا يجوز أن يتزوجهن المسلمون بالإجماع. أما الكتابيات: فلا تدل الآية على منع الزواج منهن، فإنهن لا يُعْرَفْنَ بالمشركات في لسان الشريعة الإسلامية، وإن كان اليهود يقولون: عُزَيْر ابنُ الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله. وإنما يُعرفن بالكتابيات. وقد أُبيح الزواج منهن - صراحة - في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} (¬1). وبهذا أخذ جمهور العلماء. ¬

_ (¬1) المائدة: 5

ومن العلماء من منع الزواج منهن. وحجته في ذلك: أنها تنكر معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتضيفها إلى غيره - تعالى - هذا هو الشرك. ولأن الشرك في هذه الآية، وقع في مقابل الإيمان في الآية التالية، فوجب حمْله على عدم الإيمان بالله ورسوله بأَي صورة. ولأنه - تعالى - أَطلق الشرك على أهل الكتاب، لقوله - تعالى - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} إلى قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} (¬1). وأخرج البخاري والنحاس في ناسخة، عن نافع عن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما - وكان إذا سئل عن نجاح الرجل النصرانية أو اليهودية، قال: حرم الله تعالى المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئًا عن الإشراك، أَعظم من أن تقول المرأة: ربُّها عيسى، أو عبد من عباد الله تعالى. وإلى هذا ذهب الإمامية، وبعض الزيدية، وجعلوا آية المائدة {والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} منسوخة بهذه الآية، نسخ الخاص بالعام، وتلك - وإن تأخرت تلاوة - فهي مقدمة نزولًا. والجمهور على الأول: والآية تقرر: أَن المرأة المملوكة الرقيقة إذا آمنت، رفعها إيمانها فوق المشركة: حرة كانت أو أمة، وإن أعجبت المشركة من يريد الزوارج، لما لها من: حسب، أو نسب، أو جمال، أو مال. ثم إن التفضيل يقتضي: أن في المشركة خيرًا. فإِما يراد الخير، بالانتفاع الدنيوي وهو مشترك بينهما، أو هو على حد قوله تعالى: {أصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا}. (¬2) والمعنى: ولا تتزوجوا المشركات حتى يؤمن، فنكاحهن - وهن مشركات - حرام: لا ينعقد، ويعتبر وطؤهن زنى، ولأَمة مؤمنة يتزوجها المسلم، خير من مشركة: حرة كانت أم أمة، ولو أعجبتكم، بجمال أو مال، أو حسب أو نسب. ¬

_ (¬1) التوبة: 30، 31 (¬2) الفرقان: 24

{وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ}: المراد من المشركين هنا: الكفار مطلقًا، سواءُ أكانوا يعبدون غير اله، أم من أهل الكتاب، أم لا يدينون بدين. والآية تحرم تزويج المؤمنات - سواءٌ كن حرائر أو إماء - بكفار، على أي دين كانوا. فلا ينعقد زواج المؤمنة من: كتابي، أو مشرك، أو معطل. قال تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْ جِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (¬1). والآية تدل على: أنه لا يجوز عقد النجاح إلا بولي، لأن النهي عن إنكاحهن إلى المشركين، إنما وجه إلى أوليائهن. وبذلك تصرح السنة. قال صلى الله عليه وسلم: "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة. وإلى هذا ذهب معظم الأَئمة، ويعضدهم قوله تعالى: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (¬2) وإن كان الزهري والشعبي وأبو حنيفة يقولون: إذا زَوَّجت المرأَةُ نفسها كفؤًا بشاهدين، فذلك نكاح جائزٌ، مستمسكين بقوله تعالى: "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ" (¬3). وقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (¬4). {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}: هذا تعليل لما سبق من تفضيل العبيد - من المؤمنين المؤمنات - على السادة من المشركين والمشركات. أي أولئك المذكورون - من المشركين والمشركات - يدعون إلى الكفر المؤَدي إلى النار، فلا تصاهروهم، حتى لا يفتنوكم ويفتنوا ذريتهم. والله يدعو - بواسطة أَوليائه من المؤمنين والمؤمنات - إلى دواعي الجنة من: الإيمان الخالص والعمل المشروع، فكيف يلتقيان بالزواج!. ¬

_ (¬1) الممتحنة: 10 (¬2) النساء: 25 (¬3) البقرة: 232 (¬4) البقرة: 234

{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}: والله سبحانه، يشرِّع للناس بآياته ما ينفعهم ف الدنيا والآخرة، ويوضحها لهم، لكي يتذكروا ويتدبروا، فيستجيبوا إليه عن بصيرة واقتناع. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)} المفردات: (الْمحِيضِ): الدم الذي تفرزه المرأة شهريًا، من موضع المباشرة الجنسية. وهو في الأصل، مصدر: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا ومحاضًا، أي سال دمها، ثم أُطلق على نفس الدم السائل. {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}: الحرث في الأصل، إلقاءُ البذر في الأرض، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} (¬1). يعني: أفرأيتم ما تلقونه في الأرض من البذور؟ أأنتم تنبوته أم نحن المنبتون؟. والمراد يكون النساء حرثًا: أنهم مواضع الحرث، وهو هنا، إلقاءُ النُّطفِ في الأَرحام. وقال الجوهري: الحرث الزرع. أهـ. أي نساؤكم موضع زرع لكم. والتعبير عنهن بذلك، على جه الاستعارة المبنية على تشبيههن بمواضع الإنبات. ¬

_ (¬1) الواقعة: 63، 64

وسبب النزول

التفسير 222 - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ... } الآية. الربط: دلت الآية السابقة على عناية الدين بصحة العقائد، فطالبت المؤمنين أن يقيموا عقد النكاح على أساس من الإيمان الصادق، كما تدل على الغرض الرئيسي من الزواج، وهو: إنجاب الأطفال. وسبب النزول: ما أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، وغيرهم، عن أنس - رضي الله عنه - "أن اليهود كانوا - إذا حاضت المرأة منهم - أخرجوها من البيت، ولم يُؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت - أي لم يكونوا معهن في البيوت - فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "جَامِعُوهُنَّ فِي البُيوتِ، واصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إلَّا النِّكَاحَ" أي إلا الوطء فإنه لا يحل أثناءَ الحيض. وكان اليهود يعتقدون أن الحائض نجسة، وكل من مسها يكون نجسًا، إلى المساءِ، وكذلك يتنجس كل ما تلمسه أو تجلس عليه، أو تلبسه. فمن مس فراشها لا يطهر إلا بغسل ثيابه واستحمامه، ومع هذا يظل نجسًا إلى المساء. ومن ضاجعها ظل نجسًا سبعة أَيام. (¬1) وكان النصارى يتسامحون في أَمر المحيض. والمعنى: ويسألك المؤمنون عن دم النساءِ الذي يأْتيهن شهريًا، عن الأحكام المترتبة على وجوده، قل لهم: هو أَذى، إذ هو ضَارٌّ بصحة الأجسام، وقذر تتأَذى منه النفوس. وقد ثبت طبيًا: أن اتصال الرجل بالمرأة - أثناء الحيض - قد يترتب عليه ضرر المرأَة ذاتها كالتهاب المبيض، كما يترتب عليه ضرر الرجل، لوجود جراثيم ضارة في المهبل ¬

_ (¬1) راجع في ذلك سفر اللاويين، الإصحاح الخامس 19 - 29.

أثناء الحيض، فتؤثر فيه وتصيب المثانة والحالبين. وقد تصل إلى البروستاتا والخصيتين والقناة البولية، وهكذا مما صان الله المسلم منه. والتعبير بجملة {هُوَ أَذًى} بدلًا من هو مؤْذ، للمبالغة في إثبات أَذاه، حيث جعله ذات الأَذى. {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}: المقصود باعتزالهن في المحيض: هو تجنب الاتصال الجنسي بهن أثناءَ الحيض. أما غيره - كالقبلة واللمس ونحو ذلك - فمباح. وكرر لفظ {الْمَحِيضِ} ولم يكتف بضميره، لئلا يتوهم رجوعه إلى شيء سواه، اعتناءً بإبراز أَذاه. {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}: هذا تقرير لوجوب اعتزالهن. وليس إنشاء حكم جديد، فإن الأمر باعتزالهن، يلزمه النهي عن القرب منهن. والمقصود من: القرب منهن: مباشرتهن في موضع الحيض، أي ولا تجامعوهن حتى يطهرن، فإذا طهرن، فلكم مجامعتهن. والمقصود من طهرهن: انقطاع حيضهن عند أبي حنيفة، إذا كان الانقطاع لأكثر مدة الحيض، فإن كان لأَقل منها، لم يحل وطؤهن إلا بالاغتسال، أو مضى وقت صلاة بعد الانقطاع. أما عند الشافعية: فطهرهن هو اغتسالهن بعد انقطاع الحيض. فلا يحل الوطءُ عندهم بانقطاع الدم وحده، لإطلاق الطهر في الآية، ولقراءة {يَطَّهَّرْنَ} بتشديد الطاء، مبالغة في الطهر. {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}: الأمر هنا ليس تكليفيًا، وإنما هو للإباحة. ويقول الفقهاءُ: إن كل أمر يرد بعد نهي للإباحة، مثل قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (¬1). ¬

_ (¬1) المائدة: 2.

سبب النزول

والمعنى: فإذا تطهرت النساءُ - بعد انقطاع الحيض، والاستحمام منه - فلكم أن تباشروهن من المكان الذي أمركم الله باجتنابه - أثناء الحيض - تجنبًا للأَذى. قاله ابن عباس وغيره. وقال الزجَّاج: معناه: من الجهات التي يحل فيها أن تقربوا المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحل، كما إذا كن صائمات أو محرمات. وأُيَّد بأنه لو أراد الفرج لقال: في حيث أمركم الله - لأنه أظهر. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}: ختم الله الآية الكريمة بتأكيد حُبِّه للتائبين المبالغين في التوبة، فيما عسى أن يصدر منهم من الذنوب، كإتيان الزوجة في الحيض، وحبه للمتطهرين من الأقذار، الحريصين على تنفيذ أوامره ونواهيه. أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ أتى حَائِضًا فَقَد كَفَرَ بمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم ". والحديث للترهيب، والمقصود: أنه فعل ما يفعله الكافرون. 223 - {نِسَاؤُكُمْ حَرْ ثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْ ثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ... } الآية. سبب النزول: أخرج البخاري وجماعة عن جابر، قال: "كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها - أي في فرجها - ثم حملت، جاء الولد أحوْل فنزلت". وقد أباحت الآية، ما حرمه اليهود من إتيان المرأة - في موضع الحمل - من جهة الخلف، إذ جوزت إتيانها من أية جهة شاءَها الأزواج، عند مجامعتهن في القبل. والحرْث: الزرع كما نقلناه عن الجوهري، أي مواضع زرع لكم. والمقصود من الزرع: إنجاب الأولاد. والكلام عن التمثيل والتشبيه.

والمعنى: نساؤُكم موضع إنجاب الذرية لكم، فاتوهن من مكان الإنجاب، كيف شئتم: من الأمام أو من الخلف، أو نائمات على جنوبهن. ولا تعبأُوا بمقالة اليهود، مادمتم تأتونهن في مواضع الحمل، حيث أمركم الله تعالى. وفسر ابن عباس: {أَنَّى شِئْتُمْ} بأي وقت شئتم من الليل أو النهار. وسيأتي بيان ذلك. وليس في الآية دليل على حل وطء الزوجة في دبرها، فإن إباحة إتيانها - كيف شاء الزوج - مقيدة بموضع الحرث، أي موضع إنجاب الذرية وهو القبل. كما أن سبب النزول الذي ذكرناه يدل على ذلك. ولهذا حرم جمهور الفقهاء إتيان النساء في أدبارهن. ومما يدل على ذلك: أن الله تعالى حرم إتيانهن في المحيض، لاستقذاره، فكيف يُباح إتيانهن في الأدبار وهي أشد قذارة من مكان المحيض وقت الحيض؟ أَخرج ابن جرير، وابن حاتم، عن سعيد بن جبير: قال: "بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية الحيض؟ قال: بلى، فقرأ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} إلى {فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}: فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أن تَأتِيَ، فقال: كيف بالآية، {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فقال: ويحك، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقًا، لكان المحيض منسوخًا، إذا شغل من هنا جئت من ههنا، ولكن أنى شئتم: من الليل والنهار". وقد جاء التحريم نصًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. روى أبو داود والنسائي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا". وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا" إلى غير ذلك من الأحاديث.

{وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ}: ثلاثة أوامر متتالية، تدعو إلى العمل الصالح، واجتناب المعاصي. أولها: قدّموا لأنفسكم، وحذف المفعول هنا للتعميم، أي قدموا لأنفسكم. كل عمل صالح يقربكم إلى الله. فإنجاب الأبناء، وحسن تربيتهم، عمل صالح يستمر أثره حتى بعد وفاة الوالدين. والعلم النافع، يبقى أثره بعد وفاة صاحبه. وكذلك الصدقة الجارية، وكل أنواع البر. والخير: عاجلها وآجلها. ومنها ما تقدم في الآية التي قبلها، من: اعتزال النساء في المحيض، على ما تقدم بيانه. الأمر الثاني: الأمر بالتقوى. وهو يتكرر عقب آيات الأحكام، كما لاحظنا سابقًا. ومعنى التقوى: خشية الله، واتقاء غضبه، بفعل الطاعات، وترك المنهيات، فإنها خير زاد. قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (¬1). والأمر الثالث: في تذكير المؤْمنين بانتهاء هذه الحياة الدنيا، وبأَن كلاًّ منهم سيلقى الله، وسيجني جزاء ما قدمت يداه. والعلم اليقيني بهذا المصير: يلازم صاحبه في كل زمان ومكان، فيجعله حريصًا على أداء الطعات، واجتناب المنهيات. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}: ذيَّل الله الآية الكريمة بأَمر رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يبشر المؤمنين بالثواب الجزيل، على ما قدمت أيديهم من أعمال صالحات. ¬

_ (¬1) البقرة: 197

{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)} {عُرْضَةً}: أي معترضًا وحاجزًا. {لِأَيْمَانِكُمْ}: الإيمان جميع يمين. وهي هنا: اسم للخلف. وهي في الأصل مصدر لا فعل له، تقول: حلفت يمينًا، كما تقول حلفت حلفًا، ثم أُطلقت على المحلوف عليه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَليُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلِ الِّذِي هُوَ خَيْرٌ" أخرجه مسلم وغيره وسيأتي. {أَن تَبرُّوا}: أن تفعلوا البر. {اللَّغْوِ}: ما لا يعتد به من الكلام. واللغو في اليمين: ما يجري على اللسان دون قصد، مثل قول القائل: والله، وبلى والله. التفسير 224 - {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْ ضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّ وا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ... } الآية. لما أمر الله - تعالى - في الآية السابقة بتقواه، وحذَّر من لقائه على معصية، وبشَّر المؤمنين - أتبع ذلك لونًا من ألوان التقوى، وهو أَلا يجعلوا لله عرضةً لأَيمانهم، حتى تنالهم بشارته سبحانه وتعالى.

سبب النزول

سبب النزول: أخرج ابن جرير، عن ابن جريج: أنها نزلت في الصدِّيق رضي الله عنه، لَمَّا حلف أَلَّا ينفق على مسطح ابن خالته، وكان من الفقراء المهاجرين، حين وقع في إفك عائشة رضي الله عنها. والمعنى: ولا تجعلوا الله - لأجل حلفكم به - عرضة وحاجزًا: يمنعكم عن البر والتقوى، والإصلاح بين الناس. وقيل: معناه: لا تجعلوا الله غرضًا لأَيمانكم، بكثرة الحلف به في كل حق وباطل، لأن في ذلك جرأةً على الله تعالى. وهذا هو التفسير المأثور عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وبه قال الجبائي وأبو مسلم. ويكون: {أَن تَبَرُّوا} علة للنهي، على معنى أنهاكم عن الحلف: رغبة بركم وتقواكم وإصلاحكم. فإذا حلف الإنسان على ترك خير، فليفعل الخير، وليكفر عن يمينه، ولا يجعل اليمين مانعة له من المعروف. قال ابن عباس: لا تجعل الله عرضة ليمينك، ألا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك، واصنع الخير. وروى مسلم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَها خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيَفْعَل الذي هُوَ خَيْرٌ". والآية توحي بالإقلال من الإقسام، حتى لا يعتادها اللسان. وقد ذم الله المكثرين من الحلف فقال: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ} (¬1). والبر: الخير مطلقًا. والتقوى: مراعاة الله في السر والعلانية، واتقاء غضبه، والإصلاح بين الناس: إزالة ما بينهم من جفاءٍ وعداوة. ¬

_ (¬1) القلم: 10

وكل ذلك رغَّب فيه الشارع. فلا ينبغي الحلف على ترك شيٍ منه. ومن حلف فليكفر عن يمينه، بعد أن يفعل الخير الذي حلف على تركه. {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: هذا تحذير بليغ، خُتِمَت به الآية، ليعلم كل مؤْمن: أن الله سميع لكل ما يقوله، عليم بكل ما يفعله أو ينويه، وأن عليه مراعاة الله في الأفعال والأقوال والنيَّات. 225 - {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... } الآية. الإيمان ثلاثة أقسام: الأول: يمين لغو: لا يُعتد بها، ولا مؤاخذة عليها. وهي اليمين التي تجري على الألسنة في الأحاديث، لمجرد التأكيد مِثل: لا والله، وبلى والله، وهذا هو المروي عن عائشة في تفسير يمين اللغو. ويرى آخرون: أنه القسم الذي يعتقد المقسم أنه صحيح، ثم يتبين خطؤه. ويرى بعضهم: أنه قسم الغضبان الذي يخرجه الغضب عن اتزانه. ويعده بعضهم: يمين المكره، أو الذي يقسم وينسى قسمه، فيخالف ما أقسم عليه. وهذا كله لا كفارة فيه، على أَرجح الآراء. والقسم الثاني: هو أن يحلف الحالف على ترك أمر غير محرم ولا مكروه، فإذا رأى الأولى أن يخالف ما أقسم عليه - فعل الأولى وكفَّر عن يمينه: بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. وإذا أقسم الحالف على فعل معصية، أو ترك طاعة، فواجب عليه أن يخالف ما أقسم عليه، ويكفر عن يمينه. والقسم الثالث: أن يقسم كاذبًا متعمدًا ليخدع السامعين، فهذا إثمه عظيم. فعلى هذا المقسم أن يبادر بالتوبة والإنابة إلى الله. روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مِنِ اقْتَطَع حقَّ امْرِيءٍ مسلمٍ بيَمينِه، فَقَد أَوجبَ اللهُ له النارَ. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟. قال: وإنْ كان قضيبًا منْ أَراكٍ" رواه مسلم وغيره.

{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}: أي أن الله سبحانه، رحيم بعباده: لا يعاقبهم على أَيمان اللغو غير المقصودة، ولكنه يعاقب من أقسم به كاذبًا متعمدًا، لأنه مخادع منافق. يفحم اسم الله ليخدع به الناس، جلبًا لمنفعة، أو دفعًا لمضرةٍ. {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}: لا يعجل بعقوبة المسيءٍ، لعله يتوب وينيب. {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} المفردات: {يُؤْلُونَ}: يُقسمون. يُقال: آلى عليه. ومنه: أَقسم. والأَلية: اليمين. والإيلاءُ شرعًا، معناه: أن يحلف الرجل أن لا يقرب زوجته. {تَرَبُّصُ}: التربص، الانتظار. {فَاءُوا} رجعوا. وفاءَ الرجل إلى امرأَته: رجع إليها، بعد أن حلَف أَلَّا يقربها. التفسير 226 - {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ... } الآية. وردت هذه الآية الكريمة متممة لأَحكام القسم، ومكملة لتنظيم الأُسرة الإسلامية، على أساس من صلات المودة والرحمة، والتعاون المثمر، والاحترام المتبادل. واعلم: أن للنفوس والشيطان تأثيرًا على سلوك الناس، فقد يحدث بين الزوجين ما يعكر الصفو بينهما، تأْثرًا بهوى النفس ووسوسة الشيطان، فيحلف الزوج: أَلَّا يباشر زوجته، ويجعلها بذلك كالمعلقة: لا هي متزوجة، ولا هي مطلقة، فيمزق بذلك شمل الأُسرة، ويقطع أواصر المودة والرحمة، ويعرِّض الذرية للانحراف الخلفيَّة.

فأَنزل الله هذه الآية الكريمة، علاجًا لهذه الحالة. فقد تحدثت عن الإيلاء، وهو الحلف على أَلَّا يباشر زوجته، وبينت أحكامه. والإيلاءُ شرعًا: أن يقول لزوجته، والله لا أقربك أربعة أشهر، أو أربعة أشهر فصاعدًا، أو لا أقربك على الإطلاق. وعلى هذا الأئمة الأربعة، عدا الشافعية، الذين قالوا: لا إيلاءَ إلا في أكثر من أربعة أشهر، فلو حلف لا يقربها أربعة أشهر فما دونها، لا يكون إيلاءً شرعًا عندهم، ولا يترتب حكمه عليه، بل هو يمين كسائر الإيمان، إن حنث كفّر كفارة يمين، وإن برَّ فلا شيء عليه. وبعض العلماء - كالنخعي وقتادة - يرونه موليًا إن حلف ألا يقربها أي مدة، قلَّت أو كثرت. وحكم الإيلاء عند غير الشافعي: أنه إن فاء إليها - أي رجع عما حلف عليه - بمباشرتها في المدة التي حلف عليها، أو بالقول - إن عجز عن الوطءِ - صح الفيءُ، وحنث القادر. ولزمته كفارة اليمين. ولا كفارة على العاجز. وإن مضت الشهور الأربعة، بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة بإيقاع الطلاق من الزوج أو الحكم. ويقول الشافعية: إن المولي له التلبث مدة أربعة أشهر، فلا يطالب بفيء ولا طلاق، فإن فاء بعودته إلى المباشرة، حنث في اليمين ولزمته الكفارة، وإذا مضت أربعة أشهر، ولم يفيء ولم يطلق، طولب بأحد الأمرين، فإن أباهما، طلق عليه الحاكم. وخلاصة المعنى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ}: أي يحلفون ألا يباشروهن على النحو السابق، انتظار أربعة أشهر دون مباشرة، وليس عليهم إثم في ذلك، فإن فاءُوا - أي رجعوا - إلى المباشرة في أثنائها - مخالفين بذلك ما حلفوا عليه - حنثوا ي أيمانهم، ولزمتهم كفارة يمين، وإن الله غفور لذنب الحنث في اليمين، لما فيه من المصالحة بين الزوجين، وغفور لما قصده المولِي من ضرار بالمرأة بإيلائه، لأن الفيئة توبة.

وإن لم يفيئوا وعزموا الطلاق، وقع الطلاق بمضي الشهور الأربعة عند غير الشافعي، وبإيقاع الطلاق عند الشافعي، فإن الله سميع لإيلائهم، عليم بطلاقهم ونياتهم، فيجازيهم على وفقها. {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)} المفردات: {يَتَرَبَّصنَ}: ينتظرن. {قُرُوءٍ}: القروءُ، جمع قُرء. وهو الحيض، أو الطهر منه. {وَبُعُولَتُهُنَّ}: البعولة، جمع بعل، وهو الزوج. {بِالْمَعْرُوفِ}: هو ما يعرفه العقل، ويستحسنه الشرع والعرف. التفسير 228 - {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ... } الآية. بعد أن ذكر الله - في الآية السابقة - حكم المولين من نسائهم إن عزموا الطلاق، ناسب أن يذكر بعدها - في الآيات التالية - أحكام الطلاق. والمراد بالمطلقات في الآية الكريمة: المدخول بهن من الحرائر ذوات الحيض. أما غير المدخول بهن: فلا عدة عليهن.

وأما أولات الأحمال: فـ {أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. وأما غير بالغات الحلم أو اليائسات من المحيض: {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ}. مأخوذ ذلك من قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (¬1). وأما الإِماءُ: فعدتهن قُرْآنِ بالسنة. راجع الآية الرابعة من سورة الطلاق. وقد أَوجبت الآية: أن تنتظر هذه المطلقة مدة ثلاثة قروءٍ، قبل الزواج من رجل آخر. والقروءُ: جمع قُرءٍ، بضم القاف وفتحها، ويطلق لغةً: على الطهر، وعلى الحيض. وقد اختلف الفقهاءُ، في المراد من القروء المعتبرة في العدة. فمنهم من قال: المراد بها الأطهار. ومنهم من قال: المارد بها الحيضات. فإن طلقت الزوجة في الحيض، لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، فإجماع الفقهاء. ولا تنتهي عدتها عند من يقول: إن القروء هي الحيضاتُ، إلا إذا حاضت - بعد الحيضة التي طلقت فيها - ثلاثة حيضات كوامل، وذلك بدخولها في الطهر الذي يلي هذه الحيضات الثلاث الكوامل. ومن طُلِّقت في طهر، حُسِبَ هذا الطهر قرءًا عند من يقول: إن الأقراءَ هي الأَطهارُ، فتعتد بعده بطُهْرين كاملين، وذلك بدخولها في الحيضة التي تلي الطهرين الكاملين. وهذه المدة كافية ليراجع كل من الزوجين نفسه: فيفيءَ إلى المودة والرحمة والصفاء، إن كان هناك مجال للصفاءِ، وكان الطلاق رجعيًا. فإذا انتهت مدة التربص، أصبحت الطلقة بائدًا. ولا يملك الزوج حقَّ المراجعة، إلا بعقد ومهرٍ جديدين، برضا الزوجة، إن لم يستنفد عدد الطلاق. {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}: لما كان أمر العدة يدور على: الحيض، والطهر، والحمل - ولا اطلاع عليهما إلى من جهة النساء - جُعِلَ القولُ قولهن في انقضاء العدة وعدمها، وجُعِلن مؤْتمنات عليها. فلذا ¬

_ (¬1) سورة الطلاق آية: 4

حذرهن الله - في هذه الآية - من كتمان ما في أرحامهن من الحمل: رغبة في الإسراع في الزواج من رجل آخر، بزعمهن انقضاء عدتهن بالأَقراءِ، أو من الحيض: رغبة في إطالة العدة للحصول على النفقة أطول مدة ممكنة. {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}: هذا وعيد وتحذير شديد، لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيها. فسبيل المؤمنات أن لا يكتمن الحق، ولا يتعرضن لزواج غير مشروع أثناء الحمل. ويُعْتَبرُ الوطء فيه زنى. كما أن فيه نسبة الحمل إلى رجل آخر لا صله له به، وهي جريمة بشعة. وجواب الشرط: مفهوم مما سبقه. والتقدير: إن كن يؤْمنَّ بالله واليوم الآخر، فلا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن. {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}: أي للأزواج - في مدة التربص - حق مراجعة الزوجات المطلقات، إن كان الطلاق رجعيًا، فلا يمتنعن عن الرجوع إليهم. وجواب الشرط مفهوم مما سبق. والتقدير: إن أراد الأزواج إصلاحًا بينهم وبين المطلقات - بغير قصد الإضرار بهن - فلهم الحق في ردهن. وأفعل التفضيل {أَحَقُّ} ليس على بابه، إذ لاحق للزوجة في المراجعة. فمتى راجعها الزوج فعليها العودة إليه. وليس المراد من قوله تعالى: {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} اشترط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز - للإجماع على جوازها مطلقًا - بل المراد: تحريضهم على قصد الإصلاح بالمراجعة، فلا يقصدون بها المضارة بتطويل العدة عليهن .. لهذا جعل قصد الإصلاح، كأَنه منوط به حق المراجعة.

{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}: أي: ولهن على الأزواج - من الحقوق وحسن العشرة - مثل الذي عليهن للأزواج من الواجبات. فللزوجة حقوق عند الزوج، وعليها واجبات له، وكذلك للزوج حقوق على زوجته، وعليه واجبات لها. فللزوجات والأزواج - كلاهما على الآخر - حقوق العشرة بالمعروف من غير مشقة. وللزوجات على الرجال النفقة، ولهم عليهن حفظ الزوج في: ماله وولده وفراشه. والرجل أحق برعاية أسرته - والقيام بأمرها وزعامتها - من المرأة، لقوته وخبرته وتجاربه، ولأنه هو الذي يعول الأُسرة، ويكدح في سبيلها، ويدافع عنها. وهذه هي الدرجة التي فضَّل الله بها الرجل، والمعبر عنها بقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}: فتجب طاعتهن لهم، لما ساقوه من المهر والإنفاق. قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (¬1). وينبغي للرجل أن يَعْلَمَ أنه مسئول عن رعاية أسرته أمام الله. وعلى المرأة كذلك أن تَعْلَمَ أنها مسئولة عن رعايتها لبيتها أمام الله، وأمام زوجها. قال - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيته: الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها" الحديث رواه الشيخان. ¬

_ (¬1) النساء: 34

{وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: انتهت الآية بإطهار عزّة الله وقهره، وأنه شديد الانتقام ممن خالف أمره، وخرج على أحكامه، وهو حكيم في تشريعاته: يسنّ للناس ما يوائم مصلحة الجميع. فعلى كل من الرجال والنساء، أن يرعى الله، بالتزام ما سنّه من أحكام. {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)} المفردات: {الطَّلَاقُ}: هو التطليق كالسلام بمعنى التسليم. والمراد به: حل العقد القائم بين الزوجين بأَلفاظ مخصوصة. {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}: المراد به، رجعة الزوجة بعد طلاقها، مع أَداءِ حقوقها، وحسن عشرتها: طبقًا للعرف والشرع، في المعاملة. {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}: والتسريح بإحسان، إخلاءُ سبيل الزوجة بإحسان في المعاملة. وذلك بعدم مراجعتها حتى تنقضي عدتها، أو بتطليقها الثالثة - وفي كلتيهما - يحسن إليها: بجبر الخاطر، وأَداء الحقوق، وحفظ الأسرار.

التفسير 229 - {الطَّلَاقُ مَرَّ تَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُ وفٍ أَوْ تَسْرِ يحٌ بِإِحْسَانٍ ... } الآية. كان الطلاق في الجاهلية - وفي مستهل الإسلام - غير مقيد بعدد محدود، وكانت العِدةُ عندهم معروفة مقدرة. فكان الرجل - في أول الإسلام - إذا غاضب زوجته طلقها، ثم راجعها قبل انقضاء عدتها: يكرر ذلك كما يشاءُ، فلا هو يحسن عِشْرتها، ولا هو يخلي سبيلها، لتأخذ لنفسها وجهة أُخرى مع زوج جديد، وليغني الله كُلًّا من سعته. قال القرطبي: قال رجل لامرأته على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا آويك ولا أدعك تخلين. قالت: وكيف؟ قال أُطلقك، فإذا دنا مَضيّ عدتك راجعتك، فشكت المرأة ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، بيانًا لعدد الطلاق الذي يحل للمرءِ أن يراجع فيه مطلقته، دون مهر أو عقد، حتى لا يتجاوزه: مضارة للزوجة. وقد بينت الآية: أن الطلاق المشروع، مرتان، أي مرة ثم مرة. فللرجل أن يطلق زوجته، ثم يراجعها أثناء العدة - إذا شاءَ دون توقف على رضاها، ثم له أن يطلقها مرة ثانية، ثم يراجعها أثناء العدة - إذا شاء - دون توقف على رضاها كذلك. وكل طلقة من هاتين الطلقتين تسمى طلقة رجعية. أما إذا أمضت العدة بعد الطلقة الأولى. أو الثانية - دون مراجعة لها - فإن الطلاق يصبح بائنًا، فلا تعود إليه، إلا بعقد ومهر جديدين، وبرضا الزوجة أو وليها، فإذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فإنها تصبح حرامًا عليه: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، كما تشير الآية التالية. ومعنى إمساكها بالمعروف - بعد الطلقة الثانية - أن يراجعها مع حسن العشرة والمود والرحمة. فذلك هو المعروف عند أرباب المروآت، وفي لسان الشرع، ونظر العقل. ومعنى تسريحها بإحسان - بعد الطلقة الثانية - أن يتركها دون مراجعة أو أن يطلقها الثالثة، وأن يؤدي لها حقوقها من: نفقة العِدة، وأُجرة الرضاع، والحضانة لولده، وجبر الخاطر، وحسن القالة.

والآية الكريمة بهذا، أعطت الزوجين فترات كافية: يتروَّى فيها كل منهما، ويُراجع نفسه، لعله يفِيءُ إلى المودِة والصفاء. فأَبغض الحلال عند الله الطلاق. وقد اختلف الأَئِمة فيمن يوقع الطلاق ثلاثًا مرة واحدة: فذهب بعضهم، إلى أنه يقع طلقة واحدة. ومذهب الأئمة الأربعة: أنه يقع ثلاث طلقات. وقد أخذت المحاكم الشرعية في مصر الآن، بالرأي الأول في لائحتها، اتباعًا لرأي بعض الصحابة وكبار التابعين، ولأن منطوق الآية يؤَيده. والخلاف بين الفقهاء - في هذا الموضوع - مبسوط في الكتب المطولة، أمثال: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية، ونيل الأوطار للشوكاني، وأحكام القرآن لابن العَرَبي، وغيرها. قال تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}: لما ذكر الله في الآية السابقة: أن الطلاق مرتان، وأن للزوج بعدهما أن يمسك زوجته، ويستبقيها بمعروف، أو يسرحها ويتركها بإحسان - على نحو ما أوضحناه سابقًا - أتبع ذلك بيان نوع من أنواع الإمساك بغير معروف، والتسريح بغير إحسان، وهو أن يمسكها ويراجعها، أو يطلقها في مقابل أن يأخذ بعض مالها، فإن ذلك ليس معروفًا ولا إحسانًا. قد أفادت الآية: أنه لا يحل للزوج أن يأخذ شيئًا من صداق الزوجة، الذي أوجبه الله، لكي يبقيها في عصمته، أو لكي يطلقها. لأن ذلك مناف للمعروف والإحسان الذي أمره الله به، والذي هو لائق بصلات المؤمنين بعضهم مع بعض، فضلًا عن الزوجين. ومثل الصداق في الحكم، سائر أموالهن. وتخصيص الصداق بالذكر، لرعاية العادة، أو للتنبيه على أن تحريم الأخذ من غيره أولى.

وقد أباح الله للزوج أن يأخذ منها بعض مالها في مقابل طلاقها، إذا خافا - كلاهما - أن لا يقيما حدود الله، بعدم القيام بواجبات الزوجية، كاستخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، وكعدم إنفاق الزوج عليها وسوء عشرته لها. فإن كان الخوف من عدم القيام بحقوق الله من جانب الزوج وحده - مع حسن عشرة المرأة - فلا يحق له أن يأخذ منها - في مقابل طلاقها - شيئًا من المال. فإن أخذه، وجب عليه رده. وإن كان الخوف من جانب الزوجة وحدها، والنشوز من جانبها - فله الحقُّ في أخذه. قال الإمام مالك: لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم - وهو الأمر المجتمع عليه عندنا - وهو أن الرجل: إذا لم يضر بالمرأة ولم يسيء إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه - فإنه يحل له أن يأخذ كل ما افتدت به، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في امرأة ثابت. وإن كان النشوز من قبله، بأن يضيق عليها ويضرها - رد عليها ما أخذ منها. ويدل لجواز أخذه المال منها - إذا كان الشقاق من جانبها فحسب - ما رواه البخاري عن ابن عباس: أن امرأة ثابت، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس: ما أَعْتُبُ عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَتَرُدِّ عليه حَدِيقَتَهُ"؟ قالت: نعم. زاد ابن ماجه (فأمره رسو الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد). والفراق - في مقابل المال - يُسمى: خُلْعًا. ويعتبر خلق ثابت بن قيس لزوجته، أول خُلْع في الإسلام. واستدلت طائفة من الفقهاء بحديث امرأة ثابت المذكور، على أنه يجوز الخلع من غير اشتكاءٍ ضرر، فإنها تقول: إنها لا تعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنها لا تطيقه. وقالوا: إن الآية لم تذكر الخوف من عدم إقامة حدود الله على جهة الشرط، بل لأنه الغالب. وقالوا: إن الذي يدل على ذلك - صراحة - قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} (¬1). ¬

_ (¬1) النساء: 4

ومعنى قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}: فلا إثم على الزوجين فيما افتدت به الزوجة نفسها، لتخلص من زوجها بالخلع في مقابله. أي لا إثم على الزوج في أخذه، ولا على الزوجة في إعطائه إياه. واستدل كثير من الفقهاء، بعموم قوله تعالى: {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} على جواز الخُلع بأكثر مما أعطاها، فما تراضيا عليه، صح الخلع به: قَلَّ أو كثر. وهذا هو رأي الجمهور. وإن كان مالك يرى أخذ الزوج الزيادة على ما أعطاها، مجافيًا لمكارم الأخلاق. وقالت طائفة: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما. واختلف العلماءُ في الخلع: هل هو طلاق، فيعد طلقة؟ أم هو فسخ، فلا يعد طلقة. فقال مالك، والشافعي في أحد قوليه، وأبو حنيفة، والثوري، وغيرهم: هو طلاق بائن، فيعد طلقة. وقالت طائفة: هو فسخ لا ينقص عدد الطلاق إلا أن ينويه. وبه قال ابن عباس، وأحمد، والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق وغيرهم. ولهم في ذلك أدلتهم. ومن ذلك ما روى: أن سعد بن أبي وقاص سأل ابن عباس - رضي الله عنهما -: عن رجل طلَّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم لينكحها، ليس الخلع بطلاق ذكر الله - عز وجل - الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء إلى آخرها ما قال.

ومن ذلك قولهم: إنه لو كان الخلع طلاقًا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثًا، وكان قوله بعد الخلع: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} دالًا على الطلاق الرابع، فيكون التحريم بعد أربع طلقات، ولا قائل به، إلى آخر ما قالوا. ويترتب على هذا الخلاف: أن من طلق زوجته تطليقتين، ثم خالعها، ثم أراد أني يتزوجها، فله ذلك عند ابن عباس ومن يرى رأيه، لأنه لم يقع منه سوى تطليقتين، والخلع لغو. ومن جعله طلاقًا لم يُجِز له أن يرتجعها حتى تنكح زوجًا غيره. وعلى القول بأنه طلقة بائنة: يجوز للزوج أن يعود بعده لزوجته، إذا لم يسبقه طلقتان: بأن لم يسبقه طلاق أصلًا، أو سبقه طلقة واحدة. ولكنه لا يعود إليه، إلا بعقد ومهر جديدين. {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا}: أي تلك الأحكام التي مضت: ما حدَّه الله وشرعه من الأحكام، فلا تتجاوزوها بالمخالفة. {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: أي ومن يترك أحكام الله التي شرعها وبينها لعباده، فإنه ظالم لنفسه وغيره، متبه لهواه. والظالم يستحق عقاب الظالمين المعتدين. وفي هذا بلاغ لمن يجادلون، مدعين ظلم الأُسرة: مطالبين بتعديل حدود الله تبعًا لأهوائهم، أو تطبيقًا للمباديء الزائفة، التي استجلبوها من غير البيئة الإسلامية، باسم المدنية والحضارة. ونسوا أن الذي شرع هذه الأحكام، وحدد هذه الحقوق، هو رب العالمين: خالق الأًسرة: العليم بمصالحها، وأنه أَرأَف بها من هؤلاء الذين يدعون الإشفاق عليها، وهم إنما يريدون بذلك الوصول إلى زعامات كاذبة، وأغراض هدامة. والله من ورائهم محيط.

{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)} التفسير بين الله سبحانه - في الآيات السابقة - طريقة إيقاع الطلاق، وأنه يكون على دفعات لا دفعة واحدة، حتى لا يضيق الرجل على نفسه، بل يستطيع أن يستأنف - بعد الطلقة الأُولى أو الثانية - حياته الزوجية. ثم أتبع ذلك بيان حكم الفراق، إذا كان بافتداء المرأة نفسها من الرجل، بمال تدفعه. وفي هذه الآية الكريمة يبين - سبحانه - الطلاق المكمل للثلاث، الذي لا يمكن بعده استئناف الحياة الزوجية، بل تحرم عليه المطلقة، حتى تنكح زوجًا غيره، فيقول سبحانه: 230 - {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَ هُ ... } الآية. أي فإن طلقها الثالثة - بعد الطلقتين اللتين سوغ الله سبحانه - له الرجعة بعد كل منهما، في أثناء العدة - فلا تحل له مراجعتها في عدتها، أو العقد بعد انقضائها من هذا الطلاق الثالث، حتى تتزوج زوجًا غيره، بعد انقضاء عدتها منه، على أن يكون الزواج الثاني زواجًا شرعيًا صحيحًا، وأن يجامعها فيه. فإن طلقها الزوج الثاني، وانقضت عدتها منه، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتراجعها بعقد جديد إن ظنا أن يقيما حدود الله، ويتعاشرا بالمعروف ويحرص كل منهما على القيام بواجب الزوجية. وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: النكاح في الآية: العقد الصحيح. فهو كافٍ في التحليل للأول، وإن لم يجامعها، مالم يُرَدْ بالعقد مجرد إحلالها للأول. وإطلاق النكاح

على العقد، معروف لغة وشرعًا. ولكن هذا الرأي ضعيف، لمخالفته لما جاءَت به السنة الصحيحة، وللحكمة المقصودة من هذا الزواج، وهي تخويف الناس من البت في الطلاق، حتى لا تصير نساؤُهم إلى هذا المصير، ولتاديب مَن بَثَّ طلاق امرأته. وإذا تزوجها الزوج الثاني - بقصد إحلالها للزوج الأول: فقد قال أبو حنيفة وأصحابه: النكاح جائز للأول إن دخل بها الثاني وطلقها، وله أن يمسكها إن شاء. وفي رواية أُخرى عنهم: لا تحل للأَول إن تزوجها ليحلها له، ولم يختلفوا في أن نكاح الزوج الثاني صحيح. وحكى الماوردي عن الشافعي: أنه إن شرطا التحليل قبل العقد، صح النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه في العقد، بطل النكاح ولم يحلها للأَول. وفي هذا الموضوع كلام طويل، وآراءٌ عدة فراجعه في كتب الفقه. {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: أي وتلك الأحكام المذكورة التي تتصل بالنكاح والطلاق، والرجعة والخلع، وغير ذلك، هي حدود الله وأحكامه: يبينها بيانًا واضحًا مفصلًا، لقوم يعلمون حقها وأهميتها، فيحافظون عليها، ويتعهدون بتنفيذها. وذلك لا يدركه إلا عالم متدبر. أما الجاهل، فلا ينظر إلى العواقب، ولا يحافظ على حدود الله. وتكررت جملة: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} في أحكام الطلاق، لإبراز أهميتها، وإظهار الذنب الكبير في مخالفتها. هذا حكم المطلقات ثلاثًا. أما غيرهن ممن طلقن واحدة أو اثنتين، فقد بين الله ما ينبغي اتباعه بقوله مخاطبًا الأزواج:

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)} المفردات: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}: أي قاربن نهاية عدتهن. والأجل - كما يطلق على المدة كلها - يطلق على آخرها: مجازًا. {لِتَعْتَدُوا}: أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء، فرارًا من إمساكهن مع المضارة. {آيَاتِ الله}: المراد بها، هذه الآيات المشتملة على أحكام النساء. أو كل الآيات، وهذه داخلة فيها. التفسير 231 - {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُ وفٍ ... } الآية. والمعنى: وإذا طلقتم النساء طلاقًا رجعيًا، فقاربن انقضاءَ عدتهن - بالقروءِ. أو الأَشهر أو الحمل (¬1) - فأمسكوهن - بالمراجعة إلى عصمتكم - بمعروف، من غير إضرار بهن، إن رغبتم أن تستمر الحياة الزوجية بينكم. والمعروف: هو أن تقوموا بما يجب عليكم لهن من حسن العشرة والنفقة، وحسن المعاملة كما أمركم الله. أو سرحوهن بمعروف إن كرهتم البقاءَ معهن، وذلك بان تتركوهن ¬

_ (¬1) راجع تفسر الآية: 228 من البقرة، والآية: 4 من الطلاق.

حتى تنقضي عدتهنن مع أداء جميع حقوقهن المالية، من غير مشاحة ولا تجريح، على حد قوله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} (¬1). {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارً الِّتَعْتَدُوا}: أي ولا تمسكوهن بالرجعة، مضارة لهن، لتعتدوا عليهن، بإلجائهن إلى الافتداء، أو تطويل عدتهن، حَبْسًا لهن عن الزواج من غيركم. روى مالك عن ثور بن زيد الدِّيلي: أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم يراجعها، ولا حاجة له بها، ولا يريد إمساكها، كما يطوِّل بذلك العدة عليها، وليضارها. فأَنزل الله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارً لِّتَعْتَدُوا}: وأخرج بن جرير وغيره عن السدي: أن رجلًا من الأَنصار يُدعى: ثابت بن يسار، طلق زوجته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها ثم طلقها، ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر: يضارها. فأنزل الله تعالى هذه الآية. والنهي هنا، تأكيد للأمر قبله بالإمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كانوا يتعاطونه، من تطويل عدتها على نحو ما بينه سبب النزول. فلا يحل له أن يراجع إلا إذا كان قد اعتزم العدل وأَراده. فإن تعذر قيام الحياة الزوجية، فلا يسوغ له أن يستأنفها: معاندة للزوجة، وعداوة لها. فإن ذلك اعتداءٌ وظلم، ولهذا قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}: أي ومن يفعل ذلك الإمساك المؤدي للضرار - اعتداءً وظلمًا في موطن الرحمة - فقد ظلم نفسه: بتعريضها لعذاب الله. أما قوله تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}: ¬

_ (¬1) الأحزاب: 49

فهو تأكيد آخر، أي ولا تتخذوا آيات الله مهزوًّا بها: بمخالفتها وعدم تنفيذها، لعدم مبالاتكم بحقوق النساء، بل جدوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها من أحكام وتشريعات. وقيل: معنى اتخاذها هزوًا: إدعاءُ العبث والهزل، وعدم الجد فيما يقولون من عبارات ذات أحكام شرعية: كالطلاق، والرجعة، والعتق. روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جدَدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة". وعن أبي عمرة، وابن مردويه، عن أبي الدرداء قال: "كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت، ويعتق ثم يقول: لعبت. فنزلت". والآية على هذا عامة في جميع الأحكام. {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ}: أي واذكروا نعمة الله عليكم: بالإسلام والتزويج وجميع النعم. واذكروا كذلك ما أنزل عليكم من آيات الكتاب الحكيم، المنزل على رسولكم، المبين لما يسعدكم من الشرائع والأحكام. واذكروا أيضًا: ما أنزل عليكم من حكمة الرسول، وسنته التي بين بيها آيات الله وتشريعاته. {يَعِظُكُم بِهِ}: أي اذكروا ما أنزله عليكم من الكتاب والحكمة، والحال أنه يعظكم ويذكركم به: لتعملوا بمقتضاه. {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: فلا يخفى عليه شيءٌ مما تأتون وما تذرون، فيؤَاخذكم بما تعملون: من خير أو شر. ولا شك أن معرفة المسلم ذلك، توجب عليه الالتزام بأوامر الله، واجتناب ما نهى الله عنه، ليكون بذلك في وقاية من عذاب ربه: العليم بكل شيء. ثم أردف ذلك بمخاطبة أولياء الأُمور أو المؤمنين جميعًا فقال:

سبب النزول

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)} المفردات: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}: أي وصلن إلى نهاية عدتهن، تمامًا من غير نقصان. {فَلَا تعْضُلُوهُنَّ}: فلا تمنعوهن من الزواج. التفسير 232 - {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ... } الآية. سبب النزول: روى البخاري وغيره، عن معقل بن يسار قال: "كانت لي أُخت، فأَتاني ابن عم لها، فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقلت له: يا لكع، أكرمتك بها وزوجتكها: ثم طلقتَها، ثم جئتَ تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدًا. وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله هذه الآية. قال: ففيَّ نزلت هذه الآية، فكفرت عن يميني، وأنكحتها

إياه". وفي رواية "فلما سمعها معقل قال: سَمْعًا لربِّي وطاعة" ثم دعاه، فقال: أُزوجك وأُكرمك". المعنى: وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج، فبلغت المطلقات نهاية عدتهن، فلا تمنعوهن أيها الأَولياءُ، أن يتزوجن أزواجهن الذين طلقوهن، وصلا لما انقطع بينهم وبينهن، إذا وقع التراضي بينهم، بما عرف حسنه شرعًا ومروءة، فإن للزوجة حقًا ثابتًا في اختيار زوجها، لأَنها هي التي ستعيش معه. وكما يحرم العضل بالنسبة إلى زوجها الأول، يحرم بالنسبة إلى زوج جديد: تم بينهما تراض شرعي. {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}: {ذَلِكَ}: النهي عن العضَل والإضرار، وما اتصل به من الأحكام. {يُوعَظُ بِهِ}: أي يذكر به. {مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}: فيغلب جانب المصلحة على هوى نفسه، لأن شأن الإيمان: العمل بالأحكام، لهذا خص بالذكر. {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ}: أي ذلكم الاتعاظ بما كلفتم به من ترك العضل، أعظم بركة ونفعًا، وأطْهر لكم ولهم عن الريبة والتهم، بسبب ما قد يحصل بينهما من صلات غير مشروعة. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}: أي والله يعلم ما فيه صلاح أموركم من الأحكام والشرائع. {وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ذلك فاتبعوا أمره، واجتنبوا نهيه. ثم شرع في الحديث عن الولد وحقه بعد الحديث عن الزواج لأنه ثمرة له فقال:

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)} المفردات: {الْمَولْودِ لَهُ}: أبو الولد. فإن الولد يولد له وينسب إليه. {رِزْقُهُنَّ}: نفقتهن. {وُسْعَهَا}: الوسعة، الطاقة والاحتمال. {فِصَالًا}: فطامًا للولد عن الرضاع. {جُنَاحَ}: الجناح، الإثم. {أَن تَسْتَرْضِعُوا}: أن تطلبوا مرضعات لأَولادكم غير أُمهاتهم. التفسير 233 - {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ... } الآية. المعنى: أفادت الآية: أن الوالدات يرضعن أولادهن، وهذا خبر يراد به الندب والاستحباب، ما لم يمتنع الصبي عن الارتضاع من غير أُمه، أو لا يوجد له مرضع سواها، أو يعجز الواد عن الاستئجار، فإنه يكون واجبًا على الأُم، ويكون الخبر في الآية مرادًا منه الأمر لها إلزامًا.

والمراد بالوالدات في الآية: جميعهن، سواءٌ كن زوجات لآباءِ أولادهن الرضعاء، أو كن مطلقات منهم. وحتى لا يختلف الوالدان في مدة الرضاعة، بأن يريد الأب أن يقصر مدتها، حتى لا يمتد دفعة أجر الرضاعة، أو تعمل الأُم على إطالتها، انتفاعًا بأجر أكثر - حدَّد الله مدة الرضاع اللازمة للطفل، بقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ}: سنتين كاملتين بالتقويم القمري: شأن ما فيه حكم زمني من شئون الإسلام. فمدة الرضاع: حولان كاملان تامان: ينفصل بهما النزاع. ذلك التوقيت بالحولين {لِمَنْ أَرَ ادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} والمقصود بمن أراد أن يتم الرضاعة: والد الطفل. فهو المكلف بالإرضاع. والأُم ترضع له. فاللام في قوله: {لِمَنْ أَرَادَ} لبيان من تَوَجه إليه الحكم، وهو الأب. قال الشافعي: لا يلزم الإرضاع إلا والدًا أَو جدًّا وإن علا. وسيأتي مزيد بيان لذلك في قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}. وكون الإرضاع واجبًا على الأب أو الجد، لا ينافي أن يندب للأُمهات إرضاع أولادهن. وقد يجب عليهن، عند فقد المراضع أو وجودهن بأجر لا يطيقه الأب، أو امتناع الرضيع عن الرضاع من غير أمه كما تقدم. وقد دل قوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} على أن إرضاع الحولين ليس حتمًا، وأنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكنه - كما قلنا - تحديد لقطع النزاع بين الزوجين في مدة الرضاع. فلا يجب على الأب إعطاءُ الأُجرة لأكثر من حولين، ما لم تكن حالة الطفل الصحية: تقتضي ضرورة الزيادة في الرضاع عليهما، فيجب عليه إعطاؤُها. وإذا أَراد الأب الفطم قبل تمام الحولين، ولم ترض الأُمّ - لم يكن له ذلك. ويجب أن تكون مصلحة الصبي مقدمة على كل اعتبار.

وإذا كنت قد عرفت أن توقيت الرضاع بحولين كاملين، الغرض منه قطع النزاع بين الزوجين، وأنه بيان لأقصى مدة الرضاع، عند اعتدال صحة الطفل، وأنه يجوز إنقاصهما إلى ما دون ذلك عند اتفاق الزوجين، واستعداد صحة الطفل للفطام قبلهما - فإنك - حينئذ - تعرف الحكمة في قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ... } (1). فإننا إذا اعتبرنا الحمل تسعة أشهر - أو عامًا، كما يحدث في بعض الحالات - فإن مدة الرضاع - في سورة الأَحقاف - تنقص عن حولين كاملين، لأننا إذا نقصنا تسعة أشهر من الثلاثين شهرًا، كان الباقي للرضاع ثمانية عشر شهرًا: أي سنة ونصفا، وذلك شاهد بصحة ما قلناه - من أن تحديد المدة بحولين - لبيان أَقصى مدة للرضاع، كما أنه لقطع النزاع بين الزوجين، وليس للتحديد الملزم. ولهذا قال تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} وسيأتي الكلام عليه. وقد دلت الآية: على أن الحرمة بالرضاعة، لا تثبت إلا بالإرضاع أثناءَ الحولين، فتجعل للرضيع فيهما حرمة النسب، وهذا هو الصحيح. ومن العلماءِ من أثبت الحرمة بالرضاع بعد الحولين إلى شهر، وقيل: إلى شهرين. وقيل: إلى ثلاثة. وقيل: إلى ستة أشهر. وكل ذلك ضعيف لمخالفته نص الآية، ولحديث مالك في الموطأ: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُ وفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}: المراد بالمولود له: الأب، فإن الولد يولد له، ولم يعبر بالأب مع أنه أخصر: للدلالة على علة الوجوب مع ما فيه من معنى الانتساب، الذي تشير إليه اللام. ورزقهن: نفقتهن. وقد أوجبت الآية على الوالد أن ينفق على أُمِّ رضيعِهِ ويكسوَها، سواء أكانت زوجة له أم مطلقة منه، وذلك أجرة لها على إرضاع ولدهما. بهذا قال الشافعي.

وعند الأحناف: لا تأخذ الزوجة أرة على الرضاع، مادامت في النكاح، أو في العدة، اكتفاءً بنفقتها المشروعة لها. وكل من النفقة والكسوة واجبان حسب المعروف بين الناس، بلا إسراف ولا تقتير، بحيث تكون في وسعه وطاقته، كما يدل عليه قوله تعالى: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} فلا يلزم الوالد بما يشق عليه، بل يكون الأجر في حدود طاقته، ولا تلزم الأُم بالإرضاع دون أُجرة، أَوْ بأَجر غير كاف، لكي يستطيع كلاهما أن يقوم بأَعبائه نحو ولده. ومعنى {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّه بِوَلَدِهِ}: لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها، بأن تطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول له: اطلب مرضعًا، بعد أن ألفها الرضيع، ولا يضر مولود له - وهو الأب - زوجته المرضعة بسبب ولده، بأن يمنعها شيئًا مما وجب لها عليه من رزق أو كسوة، أو يأخذ منها الصبي - وهي تريد إرضاعه - أو يكرهها على الإرضاع. ومعنى قوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}: أن والد الرضيع - إذا مات - قام وارثه - بالرزق والكسوة: بالمعروف - لوالدته التي ترضعه. والمراد بوارث الأب: نفس الرضيع، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فعلى جده لأبيه إن وجد، فإن لم يوجد، فعلى الأُم. وقيل: الوارث هو ذو الرحم المحرم: قرأَ ابن مسعود: {وَعَلَى الْوَارِثِ ذِو الرَّحِمِ الْمَحرمِ مِثْلُ ذَلِكَ} وقيل: عصباته. وقيل: المراد بالوارث: وارث الصبي. وفي الموضوع كلام طويل، يطلب من الموسوعات. ذلك حكم الرضاع وما يجب فيه: على الوالدة، والمولود له، والوارث. {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}: أي: فإن اراد الوالد والأُم فطام الرضيع - قبل تمام الحولين - فلهما ذلك، دون إثم عليهما أو حرج، بشرط أن يتم ذلك عن تراض وتشاور بينهما، دون إضرار بالرضيع. وهذا الحكم من رحمة الله تعالى بعباده، حيث أرشد الوالدين إلى ما يصلح للطفل، ثم قال:

{وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ}: يقول: وإن أَردتم - أيها الآباء - أن تسترضعوا مراضع أُخرى أَولادَكم غير الوالدات، لمصلحة الطفل، أو لأَي سبب آخر، فلكم ذلك، ولا جناح عليكم فيه، إذا سلمتم المراضع ما أردتم إيتاءَه من الأُجرة، بالوجه المتعارف المستحسن شرعًا، عن طيب خاطر، ليقمن بإرضاعه على خير وجه. وهنا يقول الزمخشري: أُمروا أن يكونوا - عند تسليم الأجر - مُسْتَبِشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن، حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن. {وَاتَّقُوا اللَّهَ}: الخطاب في {وَاتَّقُوا اللَّهَ} للآباءِ والأُمهات. فيما فرض عليكم فلا تظلموا. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: فلا تخفى عليه خافية من أحوالكم وأقوالكم، فاحذروا أن تخالفوا عن أمره، فلستم بمعجزيه. وفي الآية - من التهديد والتحذير - ما لا يخفى. ولما انتهى من الطلاق وعدته، والولد - وما يجب له - شرع يبين عدة المتوفَّى عنها زوجها، فقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)} المفردات: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}: جمع زوج. ويستوي فيه المذكر والمؤَنث. والمقصود هنا - الزوجات، أي: يتركون زوجات لهم في عصمتهم وقت الوفاة. {يَتَربَّصْنَ}: ينتظرن في بيت الزوجية.

التفسير 234 - {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... } الآية. أي: والرجال الذين يموتون منكم - أيها المسلمون - ويتركون زوجات، يجب عليهن أن ينتظرن بعدهم بدون زواج، أربعة أشهر وعشر ليال بأيامها، وتسمى هذه المدة: عدة الوفاة. ويستوي في قضاء هذه المدة كل زوجة: صغيرة كانت أو كبيرة: مدخولا بها، أو لا: وقال ابن عباس: لا عدة لغير المدخول بها. وهو محجوج بعموم اللفظ. وتكون المعتدة بعيدة عن الطيب والزينة أَثناءَ عدتها. وتمكثها في منزل الزوج، إن تيسر لها ذلك. ولها الخروج لحاجتها على هذه الحال نهارًا. وهذه المدة لغير الحامل. أما الحامل، فعدتها تنتهي بوضع الحمل، ولو كان ذلك يعد لحظة من الوفاة، لقوله تعالى: {وَأُلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (¬1). وهذا هو رأي الجمهور. ويرى الإمام علي - وبعض الفقهاء - أن تمام عدتها: أبعد الأجلين. جمعًا بين الآيتين. والجمهور: على الأول. فقد صح أن آية الطلاق، نزلت بعد هذه الآية - كما رواه البخاري وغيره. ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "لو ولدت وزوجها على سريره لم يُدفَنْ، لَحَلَّتْ". وصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى لسبيعة الأسلمية بذلك. ¬

_ (¬1) الطلاق: 4

والحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا - كما قال بن الأثير - احتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظرته - هذه المدة - ظهر إن كان موجودًا. كما جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُم يُجمَعُ في بطن أُمه أربعين يومًا نُطفةً، ثم يكونُ عَلَقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضْغةً مثل ذلك، ثم يُبْعَثُ إليه الْمَلَكُ فينفُخُ فيه الروحَ". فهذه أربعينات بأربعة أشهر. والاحتياط بعدها، لما قد ينقص من بعض الشهور، وانتظارًا لِظُهور الحركة بعد نفخ الروح فيه. والله أعلم بأسرار أحكامه. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}: أي: فإذا بلغن أجلهن، واستوفين عدة الوفاة الواجبة عليهن - كاملة دون نقص - واستبان حال الرحم، فلم يكن فيه حمل - فلا جناح عليكم - أيها الأولياء المسلمون - فيما فعلن في أنفسهن من زينة وغيرها، مما مُنِعْنَ عنه إِبَّان فترة العدة، إن كُنَّ قد فعلن ذلك بالمعروف، في حدود الشرع الشريف، بأن لم يخرجن عن حدوده، فإن خرجن عنه، فالإثم عليكم أيها الأولياءُ، لأن مراقبتهن واجبة عليكم. وحداد الزوجة على زوجها - أي ترك الزينة والطيب ونحوه - واجب عليها مدة عدتها التي حددها الله - تعالى - كما ثبت في الصحيحين من غير وجه، من أُم حبيبة وزينب بنت جحش: أُمَّيِ المؤمنين رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر: أن تَحُد على ميت فوق ثلاث، إلى على زوجٍ أربعة أشهر وعشرا". وهذا هو رأي جمهور العلماء. وقال الحسن بن أبي الحسن: ليس الإحداد بشيءٍ، إنما تتربص عن الزوج، ولها أن تتزين وتتطيب. وهذا رأي ضعيف لمخالفته للسنة. ثم ختم الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: أي والله عليم بامتثالكم أمره أو مخالفته، مجازٍ لكم حسب عملكم، فاحذروه.

وبذلك حملت الآية المسلمين - جميعًا - مسئولية حماية الآداب العاملة، حفاظًا على المجتمع الإسلامي الفاضل. ثم أتبع ذلك بيان الطريق المستقيم، لمن أراد الزواج بمن توفى عنها زوجها أو غيرها من المعتدات، فقال: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)} المفردات: {عَرَّضْتُم}: التعريض والتلويح: إيهام المقصود بما لم يوضع له، حقيقة أو مجازًا. كقولك: جئتك لأسلم عليك، تلويحًا بأنك جئت لطلب دين أو عطاءٍ ممن تخاطبه. {خِطْبَةِ النِّسَاءِ}: طلبهن للزواج قبل العقد. والمقصود هنا من النساءِ: المعتدات عن وفاة، بقرينة الآية السابقة، فأل فيه للعهد. {أَوْ أَكْنَنتُمْ} أَو أخفيتم. {لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}: لا تواعدوهن - في العدة - زواجًا. {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ}: ولا تقصدوا قصدًا جازمًا تنفيذ عقده.

التفسير 235 - {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ... } الآية. المعنى: ولا إثم عليكم - أيها المسلمون الذين تريدون خطبة أُولئك المعتدات - أن تُعرِّضوا بخطبة النساءِ، وتشيروا إليها - أثناء عدتهن من وفاة أزواجهن -: بأن يقول الرجل للمرأة قولا تفهم منه عرضًا أنه راغب فيها. وذلك كما رواه البخاري وغيره، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "إن أُريد التزوج، وإن لأُحب امرأَة من أمرها وأمرها - يعرض لها بالقول المعروف - وإن النساءَ لمن حاجتي، ولودِدتُ أن اله كتب لي امرأَة صالحة". أما التصريح بخطبتها، فلا يجوز. هكذا حكم المطلقة المعتدة في طلاق بائن. فقد ورد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت قيس. حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حَفْصٍ آخر ثلاث تطليقات. فقد أمرها بأن تعتد في بيت أُم مكتوم. وقال لها: فإِذا حللت فأْذنيني. فلما حلت، خطبها لأُسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه. أما المطلقة الرجعية، فلا خلاف في أنه لا يجوز في عدتها التصريح ولا التعريض بخطبتها. وكما لا إثم عليكم في التعريض بخطبة المعتدات عن وفاة، فلا إثم عليكم إذا أخفيتم - في قلوبكم - نكاحهن بعد مضي عدتهن، ولم تعرضوا بخطبتهن أثناءَ عدتهن. ثم ذكر حكمة الترخيص بذلك فقال: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ}: أي علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم، ورخص لكم - فيما ذكر - من التعريض بالخطبة، وكتمان النكاح في أنفسكم.

ثم نهى عن التصريح بخطبتهن فقال: {وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}: هذا استدراك على مقدر. فكأنه قيل: فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرًّا. والمراد بالسرّ هنا: النكاح، وأطلق عليه السرّ لأنه، يخفي وراءَه ما هو سر، وهو المباشرة. أو المعنى: لا تواعدوهن ما هو سرّ في أنفسكم من الزواج بهن. والمقصود: نهيهم عن التصريح بالزواج والوعد به، أثناء العدة. ثم استثنى من ذلك قوله: {إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا}: أي لا تواعدوهن نكاحًا مواعدة ما، إلا مواعدة بقول معروف، وهو ما كان بالتعريض. وهذا تصريح بما فهم من قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم} إلخ، لغرض التأكيد. ثم قال ناهيًا - عن الزواج في العدة بأبلغ وجه -: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}: أي: لا تقصدوا - قصدًا جازمًا - تنفيذ عقد النكاح، حتى ينتهي ما كُتِبَ وفُرِضَ من العدة. وإذا كان قد نهى عن العزم على العقد قبل فراغ العدة - فالنهي عن العقد من باب أولى. ومن المعلوم أن عقد النكاح - في زمن العدة - باطل. والمباشرة - حينئذ - زنى. والتفريق بينهما واجب. ثم ختمت الآية بهذا التحذير: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ}: من جميع الخواطر والعزائم، ومنها الرغبة فيهن، أو الميل إلى مخالفة ما نهاكم الله عنه.

{فَاحْذَرُوهُ}: أي فاحذروا الله وخافوا أن تخالفوا أمره. ثم لم يقنطهم من رحمته ومغفرته، فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}: لمن أذنب ثم تاب ورجع. {حَلِيمٌ}: لا يعجل بعقوبتكم إن أذنبتم، لعلكم تثوبون إلى رشدكم، فتتوبوا إلى ربكم. وتكرير {وَاعْلَمُوا} للاعتناء بشأن الحكم. ولا يخفى ما في ختام الآية من سعة رحمة الله تعالى. {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)} المفردات: {تَمَسُّوهُنَّ}: المسّ هنا، الجماع. {أَوْ تَفْرِضُوا} أو هنا، بمعنى الواو. {فَرِيضَةً}: الفريضة، المهر. {وَمَتِّعُوهُنَّ}: المتعة، مقدار مالي، تُعطاه المطلقة قبل الدخول، قُصِدَ به أن يكون تعويضًا لها عما فاتها من زوجها، وجبْرًا لها، لما نالها من انكسار النفس. {الْمُوسِعِ}: الغَنِيُّ. {الْمُقْتِرِ}: الفقير. {قَدَرُهُ}: طاقته وسعته.

التفسير 236 - {لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ... } الآية. {أَو} في قوله: {أَوْ تَفْرِضُوا} بمعنى الواو، كما في كقوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} (¬1) أي وكفورًا. المعنى: لا إثم عليكم أيها الأزواج، إن طلقتم الزوجات قبل الدخول بهن وفرض مهرٍ لهن. أو: لا تبعة عليكم من المال، إن طلقتموهن عند انتفاء مباشرتهن وتقدير مهر لهن. وقيل: {أَو} هنا بمعنى: إلا. والمعنى - على ذلك - ولا تبعة عليكم من المال عند عدم الدخول بهن، إلا أن تفرضوا لهن فريضة من المهر. ولكن {أَوْ} بمعنى الواو، هو الأنسب، لقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}: فإن المعنى: ومتعوا المطلقات عندما يجتمع لهن أمران، عدم الدخول بهن، وانتفاءُ تقدير مهر لهن: على الغني ما يقدر عليه، وعلى الفقير ما يقدر عليه. وهذه المتعة، جبر لما أصابهن من الحرمان، وهي واجبة - في هذه الحالة - عند كثير من فقهاء السلف، ومنهم علي بن أبي طالب، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والزهري وغيرهم، وقال بعض الفقهاء: إنها مندوبة. فالآية ظاهرة في الرأي الأول. أما غيرهن من المطلقات: فالمتعة مندوبة في حقهن عند الجمهور. وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوبة في كل مطلقة - وإن دخل بها - إلا في التي لم يدخل بها، وقد فرض لها - فحسبها ما فرض لها، وهو نصف المهر المسمى. ولا متعة لها. ¬

_ (¬1) الإنسان: 24

وليس للمتعة حَدٌّ معروف في الكتاب أو السنة. ولكنها - على ما قال الله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}: وقال ابن عمر: أدنى ما يجزيءُ في المتعة ثلاثون درهمًا. {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}: أي تمتيعًا بما عرف حسنه شرعًا ومروءة. {حَقًّا}: ثابتًا على من ينبغي له أن يحسن إلى نفسه - وهو المكلف - بالمسارعة إلى الامتثال. وإطلاق وصف {الْمُحْسِنِينَ} على المكلفين، للترغيب والتحريض. {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)} التفسير 237 - {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِ يضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ... } الآية. هذه الآية مسوقة لبيان حكم من سُمِّي لها مهر. والمعنى: وإن طلقتموهن، من قبل الدخول بهن - الحال أنكم قد فرضتم لهن صداقًا معلومًا - فواجب عليكم أن تؤدوا نصف ما فرضتم لهن.

{إِلَّا أَن يَعْفُونَ}: يعني: أن هؤُلاء المطلقات - قبل الدخول، وقد سمى لهن صداق - يجب لهن نصفه إلا في حال عفوهن، وتجاوزهن عنه، أو عن بعضه للزوج الذي أوقع الطلاق. {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}: المراد بهذا: الزوج. فهو الذي بيده أمر عقد النكاح، إن شاءَ أبقاه، وإن شاء أبطله بالطلاق. ومعنى عفوه: أن يترك - تكريمًا - ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه كله إلى من طلقها، أو يعطيه إليها إن لم يكن أعطاه من قبل. وقيل: المراد بمن بيده عقدة النكاح: هو ولي المرأة المطلقة الذي لا تتزوج إلا بإذنه، فإن له العفو عن نصف مهر البكر إذا طلقت، وإن لم تبلغ الحيض. والتفسير الأول وهو المأْثور. وبه قال جمع من الصحابة. وهو الأَنسب لقوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}: الخطاب هنا للرجال والنساء، على ما رآه ابن عباس. أي وأن تعفو المطلقات عن حقهن في النصف، لأن الأَزواج لم يدخلوا بهن، وأن يعفو الأَزواج بالزيادة على النصف، جبرًا لخاطر المطلقات قبل الدخول - أقرب للتقوى. والباديءُ بالفضل أكرم. فإن إسقاط حق الغير، ليس من التقوى. (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ): أي لا تجعلوا الفضل بينكم كالشيء المنسي، بأن تتركوا التعامل به بينكم. والفضل - كما قال مجاهد - إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: أي بجميع أعمالكم ومجازيكم عليها. ثم عقب هذا، بالأمر بالمحافظة على الصلاة، لأَنها تنهى عن الفحشاءِ والمنكر، وتوجب العمل بما تقدم من التكاليف.

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)} المفردات: {الْوُسْطَى}: تانيث الأَوسط، وهي الفضلى، ووسط الشيءِ: خيره وأعدله. {قَانِتِينَ}: القنوت، الطاعة والعبادة. وأصله الدوام على الشيءِ. ومن هنا سمى المداوم على الطاعة: قانتًا. التفسير 238 - {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}: المعنى: أمر الله بالمحافظة على الصلاة في هذه الآية الكريمة، فأصبح الناس - بهذا الأمر الكريم - مكلفين بتنفيذه: وقتًا فوقتًا. والمحافظة عليها، تقتضي أداؤُها في أوقاتها: مستكملة لأركانها وشروطها: مشتملة على الخشوع والخضوع حين أدائها، تعظيمًا لله - تعالى - الذي يقف المصلي بين يديه، حتى تأتي بالغاية المنشودة التي شرعت من أجلها، وهي أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإن العبد فيها يناجي ربه، ويقف بين يديه خمس مرات في اليوم والليلة. فإذا كان خاشع القلب فيها - استحيى أن يقف بين يدي مولاه عاصيًا. وأمر أيضًا: بالمحافظة على الصلاة الوسطى. ورجح بعض العلماء أنها صلاة العصر، لما أخرجه مسلم، عن علي - كرم الله وجهه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم نارًا". وخصت بالذكر، لأَنها تقع وقت اشتغال بعض الناس - ولا سيما العرب - أو وقت الراحة والكسل، بالنسبة إلى طائفة أخرى من الناس. وسميت الصلاة الوسطى، لتوسطها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل.

وقيل: المراد بالوسطى: المتوسطة كيفية: بين الإفراط والتفريط، حتى لا يمل الناس الصلاة إن أفرطت في الطول، ولا تكون كنقر الغراب إن فرط في كيفيتها. {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}: القيام هنا، مراد منه: الاهتمام والتشمير عن ساعد الجد، من قولهم: قام فلان بالأمر خير قيام، إذا أداه أحسن أداءٍ. أي: شمروا عن ساعد الجد في الصلاة، لأجل الله وحده، بلا رياء ولا سمعة، خاضعين لله خاشعين. {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)} المفردات: {خِفْتُمْ}: الخوف، الفزع من أي مصدر يبعث عليه. {فَرِجَالًا}: جمع راجل، أي فَصَلُّوا راجلين. {أَوْ رُكْبَانًا}: جمع راكب، أي راكبين على الإبل وغيرها، مما يركب، كالمصفحات والدبابات وغيرها. التفسير 239 - {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ... } الآية. لما أمر الله - في الآية السابقة - بأداء الصلاة يف حال القنوت، وهو السكينة والخشوع: حيث يكون الأمن والطمأنينة، أتبعه ببيان أدائها حال الخوف الطارئة، للإيذان بأنها لا تسقط عن العبد، بأي حال. والمعنى: هذه الصلاة المبينة في الآية، رخصة لنا في حال الخوف، سواءٌ كان سببه عدوًّا مقاتلا مسايفًا، أو كان سبعًا، أو عدوًّا يتبعه ليسرقه أو يقتله، أو سيلا يخاف الغرق منه، أو نحو ذلك.

ففي كل هذه الأحوال، يصلي الخائف فردًا بلا جماعة، سواءٌ أكان راجلًا أي ماشيًا على قدميه، أم كان راكبًا على أية وسيلة من وسائل الركوب، كالدواب وما استحدثه المخترعون من وسائل الانتقال المختلفة: برًّا وبحرًا وجوًّا، وتكون قبلته حيثما توجه، ويتقلب ويتصرف - بحسب نظره - في نجاة نفسه. ولا يلزمه ركوع ولا سجود إذا كان هذا يضره، ويكفيه عنهما الإيماء بالرأس، بطريقة لا تعرضه للتهلكة. أما الصلاة التي يكون فيها إمام، وينقسم فيها الناس، فهي غير هذه، وسيأْتي بيانها في سورة النساء، في قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} (¬1). ولا ينقص عدد ركعات صلاة الخوف عن صلاة المسافر، وهي ركعتان في الرباعية، واثنتان في الصبح، وثلاث في المغرب. هكذا قال مالك، والشافعي، وجماعة من العلماء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما: يصلي ركعةً إيماءً. روى مسلم، عن بكير بن الأخنس عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". وضعف هذا الرأي، بأن الأخنس انفرد بهذا الحديث، وليس بحجة عند الانفراد. والصلاة أولى ما يحتاط فيه. {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}: أي فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة، فاذكروا الله بالشكر، لأجل تعليمه إياكم مالم تكونوا تعلمونه، من صلاة الخوف التي وقع بها الإجزاءُ، ولم تفتكم صلاة من الصلوات، فإن صلاة الخوف المذكورة: هي التي لم يكونوا يعلمونها من قبل. وهذا كما يقول لك قائل: اشكر معلمك كما علمك. أي لأجل ما علمك من العلم، فالكاف للتعليل. ¬

_ (¬1) الآية: 103

وقيل إنها للتشبيه: والمعنى: فاذكروه تعالى بأن تشكروه شكرًا يماثل تعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع، وكيفية الصلاة: حالتي الأمن والخوف. والمعنى الأول أنسب. ويجوز أن يكون المعنى: فإذا زال خوفكم، فصلُّوا لله صلاة الأمن، كما علمكم من شأنها ما لم تكونوا تعلمون على لسان نبيه، حيث عرفتم كيفيتها منه، ولم يكن لكم بها علم قبل هذا. والكلام جار مجري الامتنان من الله عليهم بذلك، فقد كانوا من قبل يعبدون الأوثان ولا يعرفون هذه العبادة. {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)} التفسير 240 - {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُ ونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ... } الآية. الربط: بعد أن ذَكَّر الله المؤمنين بوجوب المحافظة على الصلاة: في حالتي الأمن والخوف، عاد إلى ذكر أحكام أُخرى لمن توفى عنهن أزواجهن من النساءِ. وتوسيط الصلاة - بين تلك الأحكام المتجانسة - لأَنها أهم وسيلة في تقوى الله: التي تقتضي تنفيذ هذه الأحكام. المعنى: والذين يتوقَّعون قرب الوفاة منكم أيها المسلمون، ويتركون بعدهم زوجات: كتب الله عليكم أيها الأَزواج - قبل الاحتضار - وصية لهن: بأن يُمتعن بعدكم - بالنفقة

والسكنى - إلى نهاية عام كامل بَعْدُ الوفاة، غير مخرجات من مساكنهن طيلة الحول، أي لا يخرجهن منه أَولياءُ الميت. وسيأتي مزيد بيان لذلك، بعد الفراغ من شرح الآية. {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ}: يعني: فإن خرجن باختيارهن من مسكن عدة الوفاة - قبل تمام الحول - فلا إثم على أحد من ولي أو حاكم أو غيره - فيما فعلن في أنفسهن من معروف لا ينكره الشرع، كالتطيب والتزين للخطَّاب وترك الحداد، أو لا إثم عليكم في ترك منعهن عن الخروج، أو قطع النفقة عنهن. وقد دلت الآية: على أنهن كن مخيرات بين ملازمة المسكن حولا وأخذ النفقة فيه، وبين الخروج وتركها. {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أي والله قوي غالب على أمره ينتقم ممن خالف شيئًا من هذه الوصايا والأحكام. {حَكِيمٌ}: يرعى مصالح عباده. وقد دلت هذه الآية: على أن المتوفَّى عنها زوجها: تتربص في بيت زوجها عامًا كاملًا، ينفق عليها فيها، من مال المتوفى. وظاهر ذلك: أنها منافية لما سبق تفسيره من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}. وقد ذهب جماعة في التوفيق بينهما: إلى أن هذه منسوخة بالتي قبلها. فهي - وإن تأخرت تلاوة - فهي متقدمة في النزول على الآية السابقة. وقالوا في كلامهم: إن المتوفى عنها زوجها: كانت تجلس في بيته حولًا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة

عنها، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساءِ. قاله ابن عباس، وقتادة، وغيرهما. وذهب آخرون إلى عدم النسخ، وسلكوا طريقًا آخر في التوفيق بينهما. قال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها. والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا. ثم جعل الله لهن وصية منه: سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة - هي تمام الحول - فإن شاءَت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءَت خرجت. وتلك الوصية - على سبيل الإحسان والندب - قائمة لم تنسخ. قال القرطبي: ما ذكره الطبري عن مجاهد، صحيح ثابت. خَرَّج البخاري عن مجاهد: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قال: كانت هذه العدة، تُعْتَد عند أهل زوجها واجبًا (¬1) فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إلى قوله: {مِن مَّعْرُوفٍ} قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية: إن شاءَت سكنت في وصيتها وإن شاءَت خرجت. وهو قول الله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)} المفردات: {مَتَاعٌ}: المتاع، ما يمنحه الأَزواج للمطلقات، تطييبًا لنفوسهن. ¬

_ (¬1) أي أمرًا واجبًا.

التفسير 241 - {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ... } الآية. أي لجميع المطلقات - سواءٌ كن مدخولا بهن أم لا - متاع. وينقسم هذا المتاع إلى قسمين: واجب، ويكون للمطلقة قبل الدخول، ولم يكن سمى لها مهر. وقد مرَّ بيانه في الآية (236) من سورة البقرة. ومندوب: في غيرها. وأَوجبه - في الجميع - سعيد بن جبير، وأبو العالية الزهري. وقيل: المراد بالمتاع: نفقة العدة للمعتدات. ومعنى كون هذا المتاع {بِالْمَعْرُوفِ}: أي يكون حسب العرف بين الناس، وبحيث يكون على نحو ما قال الله: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} (¬1). ثم أكدت الآية الكريمة هذه المتعة فقالت: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}: أي: متاعًا قد حقه الله وأثبته على المتقين لربهم، المسارعين إلى امتثال أمره - تعالى -. والتعبير بقوله: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} مع أنه حق على الجميع، قصد منه: الترغيب في البذل والإحسان، وترقيق القلوب: بالإيذان بأنه من الطاعات التي يتحلي بها المتقون، ويحفظون بها أنفسهم من عقاب الله. 242 - {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: مثل هذا البيان الواضح، لأحكام النكاح، والطلاق، والعدة بأنواعها، والمتعة، وغير ذلك - يبين الله لكم آياته - كلها - في شريعته، لكي تدركوا أسرارها، وتعقلوا أغراضها، فتنفذوها عن يقين واقتناع. ¬

_ (¬1) البقرة: 236

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)} التفسير 243 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ... } الآية. {أَلَمْ تَرَ}: كلمة تُذكَر لمن يعلم ما بعدها، لتعجيبه وتذكيره، وتقرير موضوع التعجيب بأهل الكتاب، وقراء التاريخ. وتُذكَر - أيضًا - لمن لا يكون له علم بذلك، لتعريفه وتعجيبه، وللتقرير كذلك. وقد اشتهرت في خطاب من لا يعلم، حتى أُجريت فيه مجرى الأمثال، بأن يشبه حال من لم ير الشيءَ بحال من رآه، في: أنه لا ينبغي أن يخفي عليه، وأنه ينبغي أن يتعجب منه. ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رأي، قصدًا إلى المبالغة في شهرته. والخطاب فيه هنا، لمن يعلم ولمن لا يعلم ويتأَتى منه العلم، للأَغراض السابقة. والرؤية فيه علمية، وتعدت بإلى في قوله: {إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا} لتضمينها معنى الوصول والانتهاءِ. والمعنى: ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف - وكانوا فوق عشرة آلاف - لأن العشرة فما دونها جمع قلة، فيقال فيها: آلاف، ولا يقال أُلوف، إلا لجمع الكثرة، الذي يزيد على العشرة ..

ولذا، روى عن ابن عباس: أنهم كانوا أربعين ألفًا، كما في بعض الروايات عنه. وكان خروجهم بهذه الكثرة، خوفًا من الموت، حذرًا منه، مع أن الحذر لا يمنع القدر، فإذا جاءَ أجلهم معًا - أو متفرقين - لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. ويرى بعض المفسرين: أَن هذه الآية الكريمة: تنبئنا عن قوم من بني إسرائيل، دُعوا إلى الجهاد في سبيل الله، فخرجوا من ديارهم فرارًا منه، حتى لا يموتوا - مع أنهم كانوا أُلوفا، فلا ينبغي لهم أن يفروا - لأن من عادتهم أن يجبنوا عن القتال، كما حدث عندما أمرهم موسى - عليه السلام - بقتال الجبارين، فقالوا له: {اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} (¬1). فأماتهم الله جميعًا، عقابًا لهم على فرارهم، ثم أحياهم ليبين لهم قدرة الله عليهم، وأنه لا ينفعهم الفرار من القتال، إن كان الموت فيه مكتوبًا عليهم، فقد يموت المرءُ بدون قتال كما حدث لهم. ويقول صاحب هذا الرأي: إنه - تعالى - بعد أن أحياهم، أمرهم بالجهاد بقوله لهم: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} (¬2) لعلهم يعتبرون بذلك، فيخلصوا في الجهاد. وقال ابن عطية منكرًا لهذا وأمثاله من القصص: وهذا القصص كله لين الأسانيد. وإنما اللازم من الآية أن الله - تعالى - أخبر نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إخبارًا في عبارة التنبيه والتوقيف، عن قوم من البشر، خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا - هم وكل من خَلَفَ من بعدهم - أن الإماتة إنما هي بيد الله - تعالى - لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وقد جعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره للمؤمنين من أُمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالجهاد. هذا قول الطبري. وهو ظاهر معنى الآية. ¬

_ (¬1) المائدة: 24 (¬2) البقرة: 244

ويرى الشيخ محمد عبده: أن هذا مَثَلٌ لا قصة واقعية، وأن الموت هنا مجازي. وخلاصة رأيه: أن هؤلاءِ القوم فروا أمام أعدائهم دون قتال، وتركوا أوطانهم غنيمة للأعداءِ، فعاشواء أذلاءَ مشردين، في حياة أشبه بالموت. فلما عرفوا جنايتهم على أنفسهم - عادو إلى جهاد أعدائهم، وتحرير أوطانهم، فاستردُّوا كرامتهم، وعاشوا حياة كريمة جديرة بالمجاهدين الأبطال. ويرى آخرون: أنها تتحدث عن قوم نزل ببلادهم وباءُ الطاعون، فعمها بأَسباب الموت، فظنوا أن فرارهم من هذا الوباءِ، سيكفل لهم النجاة من الموت، فأَماتهم الله عقابًا لهم، فلكل أجل عن الله كتاب وقدر. وقد فاتهم أنهم سينقلون معهم وباء الطاعون، إلى بلاد خالية منه. وتلك جريمة أُخرى. وفي هذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا السُّقم، عُذِّب به الأُمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع - بأرض وأنتم فيها - فلا تخرجوا فرارًا منه ... " إلخ. أخرجه الإمام أحمد عن عمر. ولِلشَّيخين نحْوهُ. وهذا الإرشاد منه - صلى الله عليه وسلم - مطابق لأحدث النظم الصحية، وهو ما يعرف اليوم بالحجر الصحي. والتعبير بقوله - تعالى -: {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}: إما على ظاهره، وإما مجاز عن تعليق إرادة الله تعالى بموتهم دفعة واحدة. وقيل: هو تمثيل لإماتتهم ميتة نفس واحدة، في أسرع زمان، بأمر مطاع لمأمور مطيع. والله يعلم مقدار المدة التي ظلوا فيها أمواتًا. ولكنها لابد متراخية فترة عن إماتتهم، كما يوحي به العطف بثم في قوله تعالى: {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}: أي ثم أعادهم الله إلى الحياة مرة أُخرى، بعد فترة موت، ليستوفوا آجالهم، وليؤمنوا بقضاء الله وقدره، وليكونوا عبرة يعتبرون بها هم وغيرهم، وليظهر فضل الله الذي عبر عنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ}: بما أَنعم به عليهم من نعمة الخلق، ونعمة البقاء والرزق، وبما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، التي تنفعهم في دينهم.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}: فَضْلَ الله عليهم، بالاعتراف بهذه النعم، والعمل بوجبها. هذا وقد تناول الإصحاح السابع والثلاثون، من سفر حزقيا، هذه القصة. فارجع إليه إن شئت. وكذلك راجع هذا التفسير للآية (259) من البقرة. وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأَ من الله إلا إليه، فإن هؤُلاءِ فروا من الموت طلبًا للحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءَهم الموت من حيث لا يشعرون، وظهر لهم أنهم قد فروا من قضاء الله إلى قضاء الله. {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)} المفردات: {سَبِيلِ اللهِ}: السبيل، الطريق، يذكَّر ويؤنَث. وإذا أُطلق، انصرف إلى الجهاد. {يُفْرِضُ}: الإقراض، إعطاءُ شخص ما لا لغيره، ليرده إليه بعد حين. {يَقْبِضُ}: يُضيِّق على من يشاءُ في الرزق. {وَيَبْسُطُ}: يُوسِّع على من يشاءُ. التفسير 244 - {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: هذه الجملة معطوفة على جملة {أَلَمْ تَرَ} من جهة المعنى، فإن {أَلَمْ تَرَ} بمعنى: انظروا وتفكروا.

وإنك لترى الأمر بالجهاد منثورًا في هذه السورة، ضمن آيات الأحكام، مذكرًا به من آن لآخر، لأنه من أشق التكاليف، وعليه يدور بقاءُ هذا الدين، الذي يتربص به أعداؤُه. فلو لم يجاهدوهم لهلكوا، وضاع دينهم. وقد بدأَ الحديث عن الجهاد - في هذه السورة - بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ} (¬1) حتى وصل إلى هذا التكليف الكريم، ثم ينتهي في آخر السورة: بالحث على الإنفاق في سبيله. والخطاب هنا، لأُمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. والجهاد في سبيل الله: هو ما كان لإعلاء كلمة الله، فلا يكون الجهاد في سبيل الله، إلا إذا كان همُّ المقاتل ومقصده - إحياء دينه ونشره والدفاع عنه. فإن لم تكن تلك نيته، فإنما يقاتل لأمر دنيوي. ومن كان كذلك، لا يحصل على الثواب العظيم: الذي أعده الله لمن يجاهدون في سبيله. وفي مضمون الآية الكريمة: تحذير لكل مسلم من أن يجبن عن القتالِ حذر الموت، بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: فإن الموت قدر لابد منه. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} (¬2). إذ الموت أجل يبلغه المرءُ فيموت: سواءٌ أكان على فراشه، أم كان في حرب ضروس. كما أن فيها رمزًا إلى وعدهم بحسن الجزاء. وكأَنه يقول: واعلموا أنه سميع عليم، فلا يخفى عليه مجاهد أو قاعد. فمن قعد عنه، عوقب أشد العقاب. ومن جاهد، جوزي أعظم الجزاء. ثم حرَّضهم على الإنفاق في سبيل الله بأموالهم، بعد أن أمرهم ببذل أنفسهم، فقال: 245 - {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ... } الآية. ¬

_ (¬1) البقرة: 156 (¬2) الجمعة: 8

بهذا الأسلوب الاستفهامي البليغ، يدفعنا الله - تعالى - دفعًا إلى المشاركة بالمال، في الإعداد للقتال: إعدادًا نرهب به عدو الله وعدو دينه، لتكون كلمة الله دائمًا هي العليا. وقد صورت الآية إعطاءَ الباذل ماله في سبيل الله: يبتغي ثوابه، بصورة تقديم قرض إلى مقترض، للإيذان بأن ثوابه محقق، ولازم لزوم أداءِ الدين .. وفي الآية: لطف من الله بعباده، وتوثيق لثوابه، وأنه لازم الأداء: تفضلًا منه وتحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف، حيث جعل نعمته التي أنعم بها على عباده - إذا أنفقوا في سبيل الله - كأَنها قرض يقدمونه له - سبحانه - مباشرة، مع أنه غني عن عباده، فهو الذي يقول: {وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} (¬1). والمراد يكون القرض حسنًا: أن يكون الغرض منه وجهَ الله، لا الرياء والسمعة، وأن يكون حلالًا طيبًا. ومع أن القرض مع الناس يؤَدي بمثله، فإنه - تعالى - بيّن لعباده أن القرضَ معهَ يؤدي مضاعفًا، إذ قال: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}: عوضًا عن هذا القرض الذي قدموه خالصًا لله. وتلك المضاعفة، تكون في وقت تشتد فيه حاجتهم إلى هذا الربح الوفير، وهو يوم القيامة. وقد بيَّن الله هذه المضاعفة في أواخر السورة إذ يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (¬2). {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: أي يضيِّق الرزق على بعض، ويوسعه على بعض، أو يضيقه تارة، ويوسعه أُخرى، حسبما تقتضيه الحكمة. وإذا علمتم أنه - تعالى - واهب الأرزاق، يوسعها ويضيقها كما يشاءُ، وأن ما عندكم هو من بسطه وعطائه، فأنفقوا مما وسع عليكم، ولا تبخلوا بما هو من فضله، فإنه مجازيكم على إنفاقكم جزاءً مضاعفًا، حسبما وعدكم. ¬

_ (¬1) محمد: 38 (¬2) البقرة: 161

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)} المفردات: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ}: الملأُ من القوم، وجوههم وأشرافهم، وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه. سموا بذلك، لأنهم يملأون القلوب مهابة، والعيون حسنًا وبهاءً، والمقصود به هنا - وفي كل القرآن - الرجال: كالقوم، والرهط، والنَّفر. والرؤْية - هنا - علمية كسابقتها: ضمنت معنى الانتهاء. فعديت بحرف الجر {إِلَى}. والاستفهام: للتعجيب والتشويق لهذه القصة. ومعنى {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا}: فقد قاربتم عدم القتال إن كتب عليكم كما يتوقع منكم، فعسى للتوقع. والمراد: تقرير أن المتوقع منهم كائن. ولابد من وقوعه. التفسير 246 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَ ائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... } الآية. كان العبرانيون جيرانًا لبني إسرائيل. وكان يحكمهم ملك يُقَالُ له: جالوت - ولما فسق بنوا إسرائيل، وقتلوا أنبياءَهم - سلطهم الله عليهم، فهزموهم، وظهروا عليهم، وأخذوا كثيرًا من بلادهم، وأسروا من أشرافهم عددًا كبيرًا، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، واستباحوا نساءَهم. فلما رأوا ما حلّ بهم - عادوا إلى رشدهم، وقالوا لنبيهم يوشع - عليه السلام -: أقم علينا ملكًا يضم شتاتنا، وتنصاع له جماعتنا، ونقاتل

تحت لوائه في سبيل الله وشريعته، وفقد كفانا ما لقيناه من ذل الهزيمة والاستعباد. وكان الملك فيهم هو الذي يسير بالجموع. أما النبي، فهو الذي يقيم أمره ويرشده ويشير عليه، فيطيع الملك أمره كسائر بني إسرائيل. والخطاب في قوله {أَلَمْ تَرَ}: لكل من تتأتي منه الرؤية والعلم. (¬1) {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا}: هل: هنا - للتحقيق فهي بمعنى {قد}، و {عسى} تفيد التوقع، وأُدخلت {هل} عليها لتحقيق ما يتوقعه النبي، و {أَلَّا تُقَاتِلُوا}: خبر {عسى}. والمعنى: قال لهم نبيهم مجيبًا لهم: أتوقع عدم قتالكم، إن كتب عليكم القتال، وذلك التوقع محقق عندي وثابت، وقد بنى توقعه هذا على تاريخهم في الجهاد، وجبنهم طول حياتهم أمام عدوهم، وقولهم لموسى - عليه السلام - حينما دعاهم للجهاد {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ... } (¬2) فأَجابوا نبيهم: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}: والمعنى: وأي شيءٍ يمنعنا من أن نقاتل في سبيل الله، ويصرفنا عنه مع وجود مقتضيه، فقد أخرجنا الأعداءُ من ديارنا، وطغى علينا قومُ جالوت، فاستباحوا أبناءَنا ونساءَنا، وهذه حالٌ تقتضي الجهاد، الذي تركناه طلبًا للعافية والسلامة ففقدناهما، فاسأل ربك ما طلبناه منك: من تنصيب ملك علينا: نقاتل معه، لنستردَّ أرضَنا، وكرامتنا، ومقدساتِنا. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}: أي: فلما فُرض عليهم قتال أعدائهم - بعد ما اختار لهم نبيهم ملكًا كطلبهم وبرزوا لقتاله، وشاهدوا جده في قتالهم - وَلِّوْا فرارًا وَجُبْنًا، إلا نفرا قليلًا منهم: آثروا أُخراهم على دنياهم، طمعًا فيما عند الله، وإيمانًا بأَن آجالهم قد قدرت عليهم، ¬

_ (¬1) راجع ما كتبناه عن مثلها في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ} البقرة: 243. (¬2) المائدة: 24

فلا ينجيهم من الموت فرارٌ، إن كان مكتوبًا عليهم، فصبروا مع ملكهم طالوت على قتال عدوهم جالوت. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}: أي جميعًا، ومنهم الذين تركوا القتال من بني إسرائيل، ونافت أعمالُهم أقوالَهم، فهو مجازيهم على ظلمهم، بتوليهم وسائر معاصيهم. وهذه الآية إجمال، يأتي تفصيله في الآيات التالية: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)} المفردات: {أَنَّى يَكُونُ}: كيف يكون؟ {سَعَةً مِنَ الْمَالِ}: بسطة فيه. {التَّابُوتُ}: صندوق فيه ألواح التوراة، وبعض مقدساتهم. {فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُمْ}: في التابون طمأنينة لقلوبكم من ربكم، لما فيه من علوم وشرائع.

التفسير 247 - {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ... }: أي قال لهم نبيهم: إن الله قد اختار لكم طالوت ملكًا يدبر أمركم، وتصدرون عن رأيه في القتال، واسمه في العهد القديم: شاول (¬1)، ولم يكن طالوت من سبط الملك - يهوذا - ولا من سبط (لاوى) الذي فيه الأنبياءُ، ولا من الأغنياء، ولهذا ضاقت نفوسهم به، فاعترضوا على تنصيبه ملكًا عليهم. {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ}: أي قالوا لنبيهم - مستنكرين - كيف يتملك علينا ذلك الرجل وهو لا يستحق الملك في نظرنا، لوجود من هو أحق بالملك منه بيننا، فنحن الملأ من بني إسرائيل {أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ}: نَسَبًا وَحسبًا! ولأَنه لم يؤْت سعة من المال، وتلحقه بالأشراف. والملك عندهم، يتوقف على الحسب واليسار. ونسوا أنهم سألوا الله أن يبعث لهم ملكًا يلي أمرهم، ويقودهم في حربهم، وأن الله هو الذي اختاره لهم - لا النبي - ولا مَلِك أَصلح لهم ممن اختاره الله، فلا سبيل إلى تغييره. {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ}: واختاره ملكًا لكم، والله أعلم به منكم، وذكر لهم مزاياه التي ترشحه للملك فقال: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}: أي سعة فيهما. وهاتان الميزتان أصلح للملك من سواهما. {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}: أي والله وحده صاحب الخيرة: لا يُسأل عَما يَفعل: يؤتى ملكه من يشاءُ من خلقه، بمقتضى حكمته، وينزعه عمن يشاءُ من خلقه. (وَاللَّهُ وَاسِعٌ): فضله، يختص برحمته وحكمته من يشاءُ. {عَلِيمٌ}: بمن يستحق الملك والقيادة ممن لا يستحقه. ¬

_ (¬1) راجع قصة في العهد القديم: سفر صموائيل الأول من الإصحاح الثامن، والحادي عشر.

ثم بين لهم نبيهم علامة تدل على صحة ملك طالوت، وقد طلبوها منه، وذلك ما حكاه الله بقوله: 248 - {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّ بِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَ كَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُ ونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ... } الآية. المعنى: قال لهم نبيهم إن علامة صحة ملك طالوت لكم وأنه من عند الله: أن يأتيكم التابوت ويرجع إليكم على يديه: في إتيانه طمأنينةٌ لكم، أو فيه ما تسكنون وتطمئنون إليه، هو التوراة وغيرها من مقدساتكم. وقيل: إنهم كانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه، في القتال - أمام جيوشهم - فينصرهم الله بسببه. وكانوا يجدون فيه - كلما نظروا إليه - سكينة لقلوبهم، يطمئنون إليها، ويتبركون بها. والآية الكريمة، تصرح: بأن الملائكة تأتيهم بالتابوت حاملة له. والظاهر أن ذلك على الحقيقة، ليروه ويطمئنوا. روى ابن جريج عن ابن عباس: "قال جاءَت الملائكة تحمل التابوت بين السماءِ والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون". وقيل: إن الحمل مجاز عن الإيصال، كما تقول: حمل فلان متاعه إلى مكة، أي أوصله إليها. فلما رأوا ذلك آمنوا بصدق نبيهم، ورضوا بطالوت ملكًا عليهم. وكان ختم الآية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: أي علامة لكم على صدقي، فيما أمرتكم به من طاعة طالوت. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: أي: مصدقين. وفي التعبير بلفظ {إِنْ} إشارة إلى أصالة الشك في نفوسهم، وأنهم سيتمردون على أمر الله، ولن يطول بهم القرار على الخضوع له، كما سيأتي، فهي تفيد الشك في تحقيق مفهوم خبرها.

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)} المفردات: {فَصَلَ}: خرج. {مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ}: أي مختبركم به، ليظهر الصادق منكم والكاذب في طاعة الملك، والجهاد في سبيل الله، لإخراج العدو من البلاد التي أخذها منكم. {يَطْعَمْهُ}: يذق طعمه. {اغْتَرَفَ غُرْفَةً}: الغرفة، ما يغرف. {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}: لا قوة لنا على حربه، فضلا عن الانتصار عليه.

{يَظُنُّونَ}: هي هنا بمعنى، يوقنون بالبعث، على حدِّ قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} (¬1). {مُلَاقُو اللهِ}: أي مبعوثون إليه. {بَرَزُوا}: ظهروا واصطفوا للقتال، على بارز من الأرض. التفسير 249 - {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ... } الآية. فلما خرج طالوت بالجنود من بيت المقدس، لقتال أعدائهم، قال لهم: إن الله مختبركم وممتحن مقدار صدقكم - في لقاءِ عدوكم، واستجابتكم لأوامر قائدكم - {بِنَهَرٍ} يعترض طريقكم: أطلب منكم عدم الشرب منه، ليظهر منكم المطيع والعاصي، فإن طاعة القائد شرط أساسي للنصر، فمن غلبته شهوته وشرب من مائه، فليس من أتباعي: لأنه إذا عصاني اليوم، فهو أحرى أن يعصي أمري وقت اشتداد الحرب، فتحدث الهزيمة. ومن لم يذق ماءَه استجابة لهذا الأمر وصبر، لإنه مِنِّي، ضالع معي في لقاء العدوّ، والرغبة في الانتصار عليه. ثم استثنى من القسم الأول وهو: من شرَب من النهر فقال: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) يبلُّ بها ريقه في هذه الفلاة وشدة العطش، فلا بأس عليه في ذلك. قالوا - في حكمة الأمر بالاكتفاء بالغرفة - إنه اختبار لطاعتهم كما تقدم، كما أن فيه سلامة الجندي، فإن الإسراف في الشرب - عند مناجزة العدو - يضر ضررًا بليغًا. {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}: أي: فلم يمتثلوا ما أمرهم به طالوت، بل شربوا منه أكثر مما أمرهم به، إلا قليلًا منهم، نفذوا أمره فاغترف كل واحد منهم لنفسه غرفة واحدة. ¬

_ (¬1) الحاقة: 20

{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}: المعنى: فلما جاوز طالوت النهرن وتركه هو والذين آمنوا معه، وهم القليل الذي نفذ أمره، وصدق إيمانه بربه، ونظروا إلى كثرة عدوهم وهم قليلن فأوجس بعضهم خيفة، وقالوا {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ} بقتال {جَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أي: لا قدرة لنا على محاربتهم، فضلًا عن غلبتهم. وهؤلاء - وإن كانوا من المؤمنين معه، المنفذين لأمره في اغتراف الغرفة - إلا أنهم قالوه إظهارًا لواقع الحال، ورجاءَ المعونة من الله، وليس نكوصًا وامتناعًا عن القتال. {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ}: أي قال أفضلهم وخلصاؤهم، الذين يتيقنون أنهم ملاقوا جزاء الله يوم القيامة. {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَ ةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}: أي كم من جماعة - قليلة العدد والعُدد - استعصمت بإيمانها بالله، وتوكلت عليه - غلبت فئة كثيرة العدد والعُدد، بإرادة الله ونصره؟ فإن النصر من عند الله، لا بكثرة الجنود. فلا ينبغي لنا أن نستقل أنفسنا فنجبن عن لقاءِ عدونا. ثم ختمت الآية بهذه البشرى: {وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ): أي معهم بالنصر والتأييد. وهذه الجملة إما: من جهته - تعالى - تقريرًا لكلامهم، ودعاء للسامعين إلى مثل حالهم، وإما من كلام هؤلاء الذين يظنون أنهم ملاقو الله، قالوها تشجيعًا وترغيبًا في الصبر. 250 - {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: ولما واجه حزب الإيمان أعداء الله، وصاروا إلى براز الأرض، المتكشف منها، متأهبين لحرب جالوت وجنوده قالوا ذاكرين عبوديتهم: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} عظيمًا غامرًا من عندك، يشملنا ويعمنا، ويقوي نفوسنا.

{وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}: بطمأنينة نفوسنا عند اللقاء، فإن طمأنينة النفس تهب القوة، وتثبت الأقدام. {وَانصُرْنَا}: بفضلك، وأعنا بقوتك {عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: الجاحدين لأُلوهيتك ونعمك المتوالية عليهم. 251 - {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ... } الآية. أي: فاستجاب الله دعاءهم، فهزموهم بإرادة الله - تعالى - ونصره لهم، بسبب إيمانهم واعتمادهم عليه، وصبرهم في ملاقاة العدو، واستمساكهم بأسباب النصر، وعدة الحرب {وَقَتَلَ دَاوُدُ}: أحد جنود طالوت {جَالُوتَ}: زعيم العبرانيين، وانتصرت القلة المؤمنة، على الكثرة الكافرة. وفي ذلك ترغيب للمؤمنين في الجهاد، وتحذير من الضعف والفرار حذر الموت. ثم مات طالوت ملك بني إسرائيل، فتولى داود الملك بعد {وَآتَاهُ اللهُ} - بسبب شجاعته وعقله ودينه - الملك، ووهبه الحكمة، وعلمه مما يشآءُ الله تعليمه إياه، من العلم الذي اختصه به عليه السلام. وبذلك دفع الله بداود عن بني إسرائيل معرة الجبن والهزيمة. {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}: وهكذا يدفع الله بالصالحين - من الناس - المفسدين في الأرض، المعطلين مصالح العباد، ولولا ذلك لفسدت الأرض، ووقع الناس في الفوضى. {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}: فيدفع الله بعضهم بقوة بعض، رحمة بهم.

{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)} التفسير 252 - {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}: المعنى: تلك يا محمد، قصص قصصناها عليك، تحكي لك شأن الجهاد والمجاهدين والعاصين والمنافقين، من بني إسرائيل. {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ}: الثابت، لتكون حجة لك على الناس، ودليلًا واضحًا على صدق نبوتك. {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}: بشهادة إخبارك عن الأمم الماضية: من غير مطالعة كتاب، ولا اجتماع بأحد يخبرك عنها، ويدارسك بها. هذا، وقد وردت هذه القصة مفصلة في سفر صموائيل الأول - من الإصحاح الثامن إلى آخر الإصحاح الحادي عشر - والنبي فيها هو صموائيل، وطالوت هو - شارل - وجالوت هو - جليات - والله أعلم.

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)} المفردات: {تِلْكَ}: يشار بها إلى المؤنث، ويعامل جمع الذكور معاملة المؤنث بتأويله بالجماعة لهذا أُنث اسم الإشارة هنا. أي تلك جماعة الرسل. {مَن كَلَّمَ اللهُ}: أي كلَّمه بلا وساطة، ومن غير سفير، وهو موسى - عليه السلام -. {الْبَيِّنَاتِ}: الحجج والأدلة. {بِرُوحِ الْقُدُسِ}: أي بالروح المقدس. أي المطهر، وهو جبريل عليه السلام. التفسير 253 - {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ ... } الآية. لما ذكر الله قبل هذه الآية مباشرة قوله عز من قائل: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}. عقبه بتفصيل الحديث من شأن هؤُلاء الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام -. ومعنى الآية: هؤلاء الرسل الكرام - الذين بعثهم الله تعالى إلى الناس برسالاته وهداه في مختلف البقاع والأزمان - فضل الله تعالى، بعضهم على بعض: في المكانة والمعجزات. وإن كانوا جميعًا، قد تآخوا في شرف النبوة والرسالة.

{مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ}: أي منهم من فضله الله بتكليمه مباشرة ودون وسيط مثل: موسى - عليه السلام - ومثل محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ليلة الإسراء والمعراج، كما سيرد في تفسير أول سورة الإسراء. ومنهم من كلمه بغير ذلك كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ... } (¬1). {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}: فمنهم أُولو العزم، ومنهم خليل الله، ومنهم كليمه، إلى غير ذلك مما يمتاز به بعض الرسل عن بعض. وعلينا أن نكف عن الموازنة بينهم، تكريمًا لهم عن أن يكونوا مجالًا للمناقشة والجدال، والتعصب الجنسي أو الديني، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ... } (¬2) الآية. والإجماع منعقد على أن أفضل الرسل جميعًا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن رسالته عامة للبشرية جمعاء، ممتدة من عصره إلى آخر الزمان. أما كل منهم فرسالته محصورة في قوم، وتنتهي رسالته ببعثه خلفه، ولأن الله تعالى أخذ عليهم العهد - جميعًا - بالإيمان به صلى الله عليه وسلم، وبرسالته، ومناصرته إذا أدركوا بعثته. قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُ نَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} (¬3). وقال صلى الله عليه وسلم: "أَنا سَيِّدُ وَلدِ آدمَ يومَ القيامةِ، وأول من ينشقُّ عنه القبرُ، وأَوَّلُ شَافِع، وأَوَّلُ مُشَفَّع" (¬4). وقال صلوات الله وسلامه عليه: "أنا سَيَّدُ وَلَدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فَخرَ. وما من نَبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أَوَّلُ شافَعٍ، وأولُ مُشَفَّعٍ ولَا فَخْر" (¬5). ¬

_ (¬1) الشورى: من الآية 51 (¬2) البقرة: من الآية 285 (¬3) آل عمران: الآية 81 (¬4) رواه مسلم وأبو داود (¬5) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه

أما ما رواه الشيخان من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تُفضِّلوني على الأنبياء .. " فإن ذلك من باب تواضعه صلى الله عليه وسلم، وأن الأنبياء إخوة في الرسالة، والأخ لا يُفَضِّلُ نفسه على أخيه، ولأن اللجاج والخصام في هذا التفضيل قد يقود المتخاصمين إلى النيل من بعض الأنبياء، وفي هذا كفر صريح. ومردُّ التفضيل - بعد هذا كله - إل الله وحده. ومع أن الإجماع منعقد على أفضلية محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن الواجب على المسلمين: ألَّا يخوضوا في الجدال حول تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، تمسكًا بآداب القرآن. {وَآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}: أعطينا عيسى بن مريم - عليه السلام - الآيات الواضحة الدالة على نبوته. وهي: المعجزات التي أجراها الله على يديه: كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله - تعالى - وقوَّاه الله كذلك على دفع أذى أعدائه بروح القدس. وهو جبريل - عليه السلام - قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ... } (1). وإضافة الروح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى صفته، أي الروح المطهر. ولما كانت هذه الآية واردة عقب قصة بني إسرائيل مع طالوت، ومخالفتهم لأمره - خص الله عيسى بالذكر من بين الرسل، بالتنبيه على بعض معجزاته، للرد عليهم إذ كذبوه ووصفوه وأمه بأوصاف فيها بهتان عظيم. كما قال تعالى: " {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} (2). {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا}: ولما كان جوهر الديانات السماوية واحدًا، وهدفها واحدًا، فلذا كان الواجب على أتباع كل رسول: أن يؤمنوا بالرسول الذي جاء بعده، وألا يختلفوا معه ولا مع أتباعه. ولكنهم تفرقوا واختلفوا، واقتتلوا، من بعد ما جاءتهم البينات، والآيات المؤيدة لرسالته. ولو أراد الله

ألا يحدث ذلك ما حصل. ولكنه ابتلاهم، ليميز الخبيث من الطيبن والمؤمن من الكافر. وهذا ما قاله الله تعالى: {فَمِنْهُم مَّنْ آمَن وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللهُ مضا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}: أي: فانقسموا بالابتلاء إلى فريقين: فمنهم من آمن لطيب سريرته، وحسن اختياره. منهم من كفر لخبث نيته، وسوء رأيه. ولو شاء الله لآمنوا جميعًا، ولم يقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يريد من ترك عباده لاختيارهم، وحتى يتبين الخبيث من الطيب، ويدفع المؤمنون شر الكافرين وفسادهم، ثم يجزي كلا على حسب عمله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ... } (¬1). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} المفردات: {خُلَّةٌ}: الخلة، الصداقة والمحبة للقرابة أو غيرها. {شَفَاعَةٌ}: الشفاعة، طلب التجاوز عن السيئة. التفسير 254 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ... } الآية. هذه الآية ظاهرة الارتباط بما قبلها، فقد دلت الآية السابقة: على أن القتال بين أهل الحق وأهل الباطل، من سنن الله - تبارك وتعالى - فلهذا ناسب أن يعقب تلك الآية بمناشدة أهل الحق: أن يجاهدوهم بأموالهم التي رزقهم الله إياها من فضله. والمعنى: ينادي الله عباده الذين آمنوا به وبكتابه وهدي رسوله، ويأمرهم: بأن ينفقوا - في سبيل الله ووجوه الخير - بعض ما آتاهم الله من فضله، وأنعم به عليهم من رزق حلال ¬

_ (¬1) البقرة: من الآية 251

طيب، ما كانوا عليه بقادرين لولا فضل الله وتوفيقه، وذلك بأن يُعطوا الزكاة الواجبة عليهم إلى مستحقيها، ويتطوعوا بالتصدُّق عليهم بما يستطيعونه فوق الزكاة الواجبة، ويأمرهم بالمسارعة إلى ذلك، قبل أن ينتهي الأجل المجهول لديهم، ويقبل عليهم يوم الحساب بالثواب أو العقاب، وهو يوم القيامة، الذي لن يجدوا فيه ما يتقربون به حينئذ إلى الله تعالى، أو يتداركون به ما فاتهم. فلن يجدوا فيه بيعًا لحسنات ترجح بها موازينهم، ولن تنفع فيه صداقة مهما قويت. ولن تجدي فيه شفاعة شفيع إلا بإذن الله ورحمته. وإنما يأذن الله في ذلك للمستحقين بعلمه وحكمته. (¬1) {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: والذين كفروا بالله - جل جلاله - هم الظالمون لأنفسهم وللمجتمع. فكافحوهم بالقتال: بالأنفس والأموال التي أمركم الله بإنفاقها في سبيله. {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} المفردات: {الْحَيٌّ}: الباقي، الدائم البقاء، الذي لا يناله الفناء. {الْقَيُّومُ}: الدائم القيام بتدبير الخلائق وحفظهم. {سِنَةٌ}: ما يكون قُبيل النوم من فتور يشبه النوم. والوسنان: هو من يكون بين النائم واليقظان. ¬

_ (¬1) راجع في موضوع الشفاعة تفسير الآية 48 من البقرة.

{مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: المراد منه، الدنيا، أو ما كان قبلهم، أو المستقبل. {وَمَا خَلْفَهُمْ}: الآخرة. أو ما يكون بعدهم. أو الماضي. {كُرْسِيُّهُ}: الكرسي، علم - تعالى - أو عرشه. وقيل: هو تمثيل لِمُلكِ الله تعالى وسلطانه، وقيل: هو فلك يحيط بالسماء والأرض. {وَلَا يَؤُودُهُ}: أي ولا يثقله، ولا يشق عليه. التفسير 255 - {اللَّهُ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... } الآية. دعت الآية السابقة إلى الإنفاق في سبيل الله - سبحانه وتعالى - من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، ولا تنفع فيه صداقة ولا شفاعة. وإنما ينفع الإنسان عمله، ومرضاته لربه. وهذه الآية بينت لهم: أن الله الذي دعاهم إلى الإنفاق: هو الإله الواحد، القيم على كل نفس بما كسبت، المحيط بكل شيء علمًا، وأنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه. وتُعْرَفُ هذه الآية بين المسلمين، باسم: آية الكرسي، لأن ذكره ورد فيها. وقد بدأت الآية الكريمة هذه باسم {الله} جل جلاله، وأخبرت أنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأنه {الْحَيُّ}: أي الذي له الحياة الكاملة الأزلية، فلا أول لها، الباقية فلا آخر لها، وهو {الْقَيُّومُ}: أي الدائم القيام بتدبير شئون الخلائق وحفظهم. {لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}: لا تعتريه غفلة ولا نوم عن خلقه، فذلك شأن الحادث الضعيف، الذي يحتاج إليهما، ليسترد قُوَّتَه ونشاطه. {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: له - سبحانه - كل ما في السموات، وكل ما في الأرض من إنسان، وحيوان، ونبات، وجماد، وكل كائن. {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}: لا يستطيع أحد أن يشفع لأحد عند الله تعالى، إلا إذا أذن الله له. وإنما يأذن بعلمٍ

وقد نص القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، على أن الله لا يأذن بالشفاعة إلا لمن ارتضى من عباده كالملائكة. وعلى أن الشفاعة العظمى لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬1) وجملة {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}: فيها رد على المشركين، حين قالوا عن الأوثان: { ... هَؤلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ .. } (¬2). وفيها وعيد للمستخفين بأوامر الله تعالى، المُصِرِّين على المعصية، اتكالا منهم على أنه سيُشفع لهم، وذلك بإقناطهم من قبول الله لشفاعة أحد عنهم. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}: والله تعالى يعلم أمور الدنيا والآخرة: ظاهرة كانت أو خفية. فاحذروا أن تقعوا في المعاصي التي لا تغني فيها شفاعة الشافعين. {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}: أي أن الخلق لا يعرفون أي شيء من معلومات الله - سبحانه - إلا ما يشاء لهم أن يعرفوه: بفضله وتوفيقه. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: سعة الكرسي للسموات والأرض: كناية عن نفوذ سلطان الله تعالى فيهما، وسعة علمه لهما، ولجميع ما فيهما. فإنه تعالى أحاط بكل شيءِ علما. فإن أُريد بالكرسي: الفلك المحيط بالسموات والأرض - كما قال بعض العلماء - فسعته لهما، على الحقيقة. وقد أَخذوا ذلك من ظاهر النص، ومن حديث رواه ابن مردويه عن أبي ذَرّ قال: قال صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، ما السموات السبع، والأَرضون السبع عند الكرسي إلا كحَلْقةٍ ملقاةٍ بأرض فلاة. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحَلْقة" (¬3) ¬

_ (¬1) راجع تفسير الآية 48 من سورة البقرة. (¬2) يونس من الآية: 18 (¬3) الحديث المذكور أورده ابن كثير في تفسيره: 1 - 310 وقد عزاه إلى أبي بكر بن مردويه بسنده إلى أبي ذر - رضي الله عنه - أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحديث.

وهذا يدل على أن العرض غير الكرسي، وأنه أعظم منه. {وَلَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا}: ولا يثقله سبحانه حفظ السموات والأرض. وهذا ناطق بدوام حفظه وتدبيره لهما، لا يتخلى عن ذلك طرفة عين. {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}: وهو سبحانه الذي يتعالى عن الشبيه والنظير. ويتعالى عن النقص والعجز، وهو العظيم قدرًا وشرفًا. {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)} المفردات: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}: لا إجبار، ولا قسر على الإيمان. {الرُّشْدُ}: الصواب، أو الهدى، أو الحق. {الْغَيِّ}: الخطإ، أو الضلال، أو الباطل. {بِالَّطاغُوتِ}: الشيطان، أو كل ذي طغيان، أو كل معبود سوى الله تعالى. {بِالْعُرْوَةِ الْوثْقى}: العروة: ما يُتعلق به، كالمقبض. والوثقى، مؤَنث الأوثق، وهو الأَشد الأحكم. {لَا انفِصَامَ لَهَا}: لا انقطاع لها.

التفسير 256 - {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ... } الآية. ذكرت الآية السابقة صفات الله السامية، المقتضية لتفرده بالأولوهية واستحقاق العبادة. ولم يعد - بعد ما جاء فيها - مجال للمكابرة أو الإنكار، أو إكراه أحد على الإيمان، لأن أدلتها القوية تدعو إليه، دون قسر أو إكراه، فلا يحتاج العاقل إلى الإكراه أو الإلزام، بل يختار الدين الحق من غير تردد .. ولذا قال تعالى عقبها: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}: أي لا ينبغي أن يحتاج عاقل إلى الإكراه على دين الإسلام، لوضوح أدلته، فعليه أن يتجه إليه باختياره. ويجوز أن يكون النفي بمعنى النهي للمسلمين عن إكراه أحد على الدِّين. ولذا قال تعالى: { ... أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (¬1). وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ... } (¬2). وقال: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ... } (¬3). إلى غير ذلك من الآيات. والمعنى: لا تكرهوا - معشر المسلمين - أحدا على الإسلام، لأن الحق فيه واضح بَيِّن، لا يحتاج إلى إكراه أحد عليه. {قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}: تعليل للحكم السابق مقرون بكلمة التحقيق {قَدْ}، لتأكيد مضمونه أي: قد تبين الرشد والحق في دين الإسلام، كما تبين الغي والضلال فيما عداه. فلا حاجة للإكراه على الإسلام. ¬

_ (¬1) يونس: من الآية 99 (¬2) البقرة: من الآية 272 (¬3) المائدة: من الآية 99

{فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ}: أي فمن يكفر بما يعبد من دون الله، ويؤمن بالله وحده - بعد ما تبين له الحق من الباطل بالحجج الواضحة -. {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}: فقد صار ممسكا بالسبب الأوثق الذي يصله بالحق. {لَا انفِصَامَ لَهَا}: أي لا انقطاع لهذه الصلة القوية. وبذلك يكون آمنا من التهلكة ومن كل مكرُوه. {وَاللهُ سَمِيعٌ}: أي شامل السمع، لا يغيب عن سمعه شيءٌ. {عَلِيمٌ}: واسع العلم: يحيط علمه بكل شيء. وهذه الآية الكريمة: تنزه الإسلام عما زعمه أَعداؤُه من قيامه على القتال. فما كانت حروب المسلمين إلا دفاعية أو وقائية. قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ... } (¬1). وقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ... } (¬2). فإن جنح أعداء الإسلام إلى السلام سالمناهم. قال جل شأنُه: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ... } (¬3). وأَساليب الدعوة الإسلامية، تقوم: على الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال الرقيق. قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... } (¬4). ¬

_ (¬1) البقرة: 190 (¬2) الحج: 39 (¬3) الأنفال: 61 (¬4) النحل:125

{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)} {وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا}: متولي أُمورهم، يهديهم ويعينهم. {الطَّاغُوتُ}: المراد به، الشياطين. {يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}: يخرجونهم من نور الحق إلى ظلمات الكفر. التفسير 257 - {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ... } الآية. الله - جل جلاله - هو معين المؤمنين الطائعين، ومتوليهم بتوفيقه وتأييده وهدايته إلى طريق الحق، فيخرجهم - بلطفه ورحمته - من ظلمات الحيرة والضلال والكفر، إلى نور الاستقرار والهداية والإيمان. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}: والذين كفروا بالله - جل جلاله - وأنكروا رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم، أولياؤهم الشياطين: يوسوسون لهم، ويضلونهم عن صراط ربهم، ويبعدونهم عن طريق الهدى، ويوقعونهم في ظلمات الضلال والشر، ويحجبونهم عن فطرة الإيمان في نفوسهم. فكأَنهم يبعدونهم عن طريق مضيء منير، ويوقعونهم في طرق كثيرة الظلمات، فلا يهتدون سبيلا. وعبر عن دين الإسلام بالنور، تشبيهًا له به، لأنه يهدي إلى الحق والسعادة. كما يهدي النور إلى طريق السلامة. والتعبير عن الشرك بالظلمات: تشبيه له بها، لأنه يُضِل عن الحق والسعادة، كما يُضِل الظلام عن طريق السلامة.

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: أولئك الضالون، هم الذين يستحقون عذاب النار لا يفارقونها. بل يستقرون فيها، ويدوم عليهم عذابها. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)} المفردات: {أَلَمْ تَرَ}: عبارة استفهامية لطلب التعجب. {حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ}: خاصمه وجادله في شأن ربه. {فَبُهِتَ}: فتحير وانقطعت حجته. التفسير 258 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ... } الآية. اتضح مما سبق: أن الرشد قد تبين من الغي، وأن الله يتولى المؤمنين فيهديهم، وأن الشيطان يتولى الكفار فيضلهم. لتوضيح هذه المعاني، ذكرت هذه الآية - وما بعدها - ثلاث قصص واقعية، تدور حول الموت والحياة، وإبراز قدرة الله: الأولى: قصة رجل كافر تبين له الحق، ولكنه أصرَّ على كفره. الثانية: قصة رجل تبين له الحق فاقتنع به، واعترف بأن الله على كل شيءٍ قدير.

الثالثة: قصة نبي أظهره الله على بعض آياته، فازداد إيمانًا وتثبيتًا. وفيما يلي بيان القصة الأُولى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}: أي هل رأيت في الضلال مثل ذلك الملك الطاغية الكافر، الذي جادل إبراهيم - عليه السلام - تجبرا منه وطغيانا بسبب ما أعطاه الله من سعة الملك، وقوة السلطان. {إِذْقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}: كانت المحاجة، حينما أعلن إبراهيم: أن ربه هو الذي يحيي ويميت، لأنه هو الإله الخالق القادر على كل شيء دون سواه: فأجابه الطاغية - وهو لا يملك من أمر نفسه شيئا - قائلا: أنا أُحيي بالعفو عن محكوم عليه بالموت، وأُميت بقتل إنسان حي. ظانا بجهله أن قتله الإنسان إماتة، وعفوه عنه إحياءٌ. فاقتضت حكمة إبراهيم أن يغلق باب الجدل ويجابهه بما لا يستطيع أن يجادله فيه. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}: قال إبراهيم: إن الله تعالى، يظهر الشمس في أول النهار من جهة المشرق، فإن استطعت فأظهرها من جهة المغرب، لتعود إلى الإشراق والإضاءَة، وينعكس بذلك نظامها. فيكون شروقها من جهة المغرب، وغروبها من جهة المشرق!! {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}: فانقطعت حجة الطاغية، وسكت متحيرا، ولم يستطع الاستمرار في التمويه. فظهر الحق، واندحر الباطل، عن طريق محاورة إبراهيم النافعة، التي كشفت الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب؟! {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}: والله العادل، لا يعطي الهداية لغير مستحقيها من أُولئك الكافرين المعاندين، فهم ظالمون. والله تعالى لا يهدي القوم الظالمين، أي لا يوفقهم إلى حجة يغلبون بها أَهل الحق.

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)} المفردات: {أَوْ}: للتخيير والتنويع في التعجيب بين ما جاء في هذه الآية والتي قبلها من العجائب. والكاف بمعنى اسم بمعنى: مثل. مفعول لفعل محذوف دل عليه {أَلَمْ تَرَ} السابق. والتقدير: أوَ رأيت مثل الذي مر على قرية. والجملة معطوفة بلفظ {أَوْ} على جملة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} {قَرْيَةٍ}: اسم للموضع الذي يسكن فيه الناس ولو كبيرا، كما في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ... } (¬1) وقوله: {لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى ... } (¬2). {خَاوِيَةٌ}: أي ساقطة من: خوت الدار، إذا سقط بنيانها. {عَلَى عُرُوشِهَا}: العرش، السقف. والمراد: أنها متهدمة أو {خَاوِيَةٌ} بمعنى خالية. والمراد حينئذ: أن القرية خالية من أهلها - مع بقائها، قائمة سليمة العروش - لموت أَهلها. {نُنشزُهَا}: مضارع أنشز، أي نركب بعضها فوق بعض وننشئها. وقريءَ {نَنْشُرُهَا} بالراء بمعنى: نبعثها إلى الحياة من جديد، من النشر. وهو إعادة الحياة بعد الموت. ¬

_ (¬1) يوسف: من الاية 82 (¬2) الشورى: من الآية 7

التفسير 259 - {أَوْكَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ... } الآية. تناولت هذه الآية القصة الثانية عن الموت والحياة. فقالت ما معناه: أرأيت يا محمد مثل ذلك الرجل الذي مَرَّ على قرية مات أهلها، وسقطت على سقفها: بأن سقطت العروش أولا، ثم الحيطان عليها! أو المعنى: أنه مر عليها - وهي خالية من أهلها مع بقائها قائمة على عروشها لم تنهدم ولم تسقط - فقال في نفسه متعجبًا، أو بلسان حاله: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}: على معنى: كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتهم؟. أو كيف يرد الحياة إلى أهل هذه القرية، بعد الخراب الشامل؟! والسؤال هنا عن كيفية الإحياء، لا عن وقوعه. لم يَرِد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ما يعيِّن صاحب هذه القصة، ولا اسم القرية التي مرّ عليها ذلك الرجل، لأن العبرة هنا، في إحياءِ موتاها، لا في اسمها واسم من مرَّ عليها. وإن كان بعض المفسرين قد ذهب إلى أن هذا الرجل نبي، وأنه: عزير بن شرخيا، كما ذهب إلى أن هذه القرية هي التي وردت في قصتها في الآية الكريمة: {أَلِمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ... } (¬1). ولعلهم قد استندوا في ذلك إلى ماجاءَ في: العهد القديم. عن هذه القصة، فقد وردت في الإصحاح السابع والثلاثين من سفر حزقيا، على نحو قريب مما جاءَ في الآية المذكورة. وقيل: هي المؤْتفكة. وقيل: غيرها. ونحن نفوض الأمر في علمها - وعلم أهلها - إلى علَّام الغيوب، ونسكت عما سكت عنه القرآن الكريم، ولم تشر إليه السنة النبوية المطهرة. ¬

_ (¬1) البقرة: من الآية 243

قال تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}: جعله الله ميتا مائة سنة، ثم ردَّ إليه الروح، فعادت إليه الحياة بعد تلك المدة الطويلة، وقد أعاده إلى الحياة مهيَّأً للتفكير والتدبر، بدليل هذا الحوار، وطلب منه النظر. ولم تذكر الآية ما حدث لجثته أثناءَ هذه الفترة. أَبُلِيَتْ وتحللت. أم ظلت محتفظة بتكوينها؟ {قَالَ} له الله تعالى: {كَمْ لَبِثْتَ}؟: كم مكثت في رقدتك؟ والله يعلم كيف كانت هذه المساءلة. أكانت على لسان ملك جاءَ في صورة بشر، أم كانت على لسان نبي ذلك الزمان، أم كانت إلهامًا نفسيًا، كما حصل لأُم موسى - عليه السلام - أم كان ذلك الرجل نبيًا؟ والسؤَال لم يكن من الله لهذا الرجل مباشرة، لأنه سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ... } (¬1). وإنما سأله الله هذا السؤال - وهو عالم بجوابه - ليظهر عجزه التام عن الإحاطة بشئون الله تعالى. بل بشئون نفسه هو، وليبين له قدرته تعالى على إحياءِ خلقه. وقد أجاب ذلك الرجل: {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}: مكثت في رقدتي هذه يومًا أو بعض يوم. ولعله قال ذلك، لأَنه لم يشاهد في نفسه، ولا في طعامه تغيرا، حتى يظن أنه مكث مدة طويلة. ولعله ظن أنه كان نائما فقدر زمنين متقاربين، من المحتمل أن يستغرق الإنسان أحدهما في نومه. {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ}: أي لم تلبث هذا القدر اليسير الذي ظننته. بل مكثت - ميتا - مائة عام، ليظهر الله لك قدرته على ما سألت. ¬

_ (¬1) الشورى: منت الآية 51

ولهذا أمره الله أن يتدبر ويفكر، فقال: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}: والفاءُ في قوله تعالى: {فَانظُرْ} للإفصاح، لأَنها أفصحت عن شرط مقدر ... بمعنى: إذا علمت أنك مكثت مائة عام ميتًا، ثم بعثت - فانظر إلى هذه الآيات البينات، وتبصر فيها. وقد أمره الله أن ينظر إلى طعامه وشرابه اللذين كانا معه لزاده - وقد مر عليهما مائة عام - ومازالا صالحين للتناول، لم يلحقهما أي تغيير، مع أن شأنهما المعتاد هو سرعة التغيير والفساد. وذلك دليل على أن المؤثر هو الله تعالى، لا الأسباب بذاتها، ولذا تخلف تأثيرها في الطعام والشراب، اللذين مكثا مائة عام، لم يتغير فيهما شيءٌ منهما. وهذا هو موضع الاعتبار الأول. وقد أفرد الضمير المستتر في قوله: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} مع أنه راجع إلى الطعام والشراب، لاعتبارهما غذاءً واحدًا، لتلازمهما. {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ}: وأمره الله أن ينظر إلى حماره، كيف نخرت عظامه، وتفرقت أوصاله. على حين بقى الطعام والشراب على حالهما لم يتغير فيهما شيٌ؟ وذلك هو موضع الاعتبار الثاني، الناطق بقدرة الله على الإحياءِ والبعث. وقوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ}: معطوف على مقدر يقتضيه المقام. أي: فعلنا ذلك من إحيائك، وحفظ طعامك وشرابك، وبِلَى عظَام حمارك، لتدرك صدق إخبارنا: أنك بقيت ميتًا مائة عام، ولنجعلك - أنت وهذه الأُمور - آية وعلامة يستدل بها الناس الموجودون - وقت بعثك - على عظيم قدرتنا على البعث، وإحياء الموتى. ويستدل على ذلك أيضًا - مَنْ يأتي بعدهم ممن يؤْمن بالوحي السماوي، الذي يروي هذه القصة.

ثم أمره أن ينظر نظرًا ثالثًا، فقال: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا}: المراد من العظام: عظام حماره البالية المتفرقة .. طلب إليه أن ينظر كيف يعيد الله تركيبها كما كانت عليه، بعد إعادة الصلاحية لها، بأَن يرفع بعضها فوق بعض على الشكل الذي كانت عليه، قبل موت ذلك الحمار. ثم يكسوها لحما، ثم ينفخ فيه الروح فيعود كما كان جسمًا وصورة وحركة وصوتًا، ليعرف - بالمشاهدة - قدرة الله على إحياء هذه القري، التي سأل عنها متعجبًا: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}!! ويرى بعض المفسرين: أن الحمار بقي حيًا لم يمت، على الرغم من مرور هذا الزمن الطويل، دون أن يأكل الحمار أو يشرب: حفظه الله حيًا كما حفظ الطعام غضًّا، والشراب سائغًا هنيئًا. وأن العظام - التي أُمر أن ينظر إلى إعادتها وكسوتها باللحم - هي عظام أهل هذه القرية التي مر عليها، وهي خاوية على عروشها، لأن التعجب الصادر منه، كان بشأن كيفية إعادة سكانها إلى الحياة! وقيل: هو منظر عظام الأجنة، وكيفية تكوينها، ثم إكسائها باللحم، ثم سريان الحياة فيها بعد هذا التكوين. وفي قراءة: {نَنشُرُهَا} بالراءِ أي: نبعثها، ونحييها بعد الموت. والمؤَدَّى في القراءتين واحد. فأمر الإحياء - على الصورة السابقة - يصدق فيه الانشاز والنشر. فكلاهما فيه إحياء بعد موت!. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: والمعنى: فلما ظهرت أمامه هذه الآيات الثلاث، واتضح له - بالمشاهدة - كيفية إحياء الله أهل هذه القرية بعد موتهم، قرر - في ثقة وإيمان - علمه بأَن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه على كل شيء قدير، وفي جملته: إحياءُ هذه القرية بعد موتها!!

قال الآلوسي: والإتيان بصيغة المضارع {أَعْلَمُ}، للدلالة على أن علمه بقدرة الله على كل شيء مستمر، لأَن أَصله لم يتغير. بل تبدل وصفه بالعيان. فالآلوسي يرى: أن هذا السائل، كان مؤمنا بقدرة ربه على كل شيءٍ. ومن جملته: إحياءُ هذه القرية بعد موتها. وأن المعاينة لم تنشيء عنده علما جديدًا بذلك. ولهذا عبَّر بصيغة المضارع المفيد للاستمرار. وأن الذي تغيّر عنده هو وصف العلم. فبعد أن كان علما ناشئا عن استدلال، انتقل إلى علم ناشيء عن المشاهدة والعيان. فسؤَال هذا الرجل، لا يقتضي أن يكون كافرًا، لأن يقول: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}! أي كيف يحييها؟ وذلك يشعر بعجزه عن معرفة طريقة إحياء الله تعالى للموتى بعد فناء لحومهم، وبِلَى عظامهم، وأن يبغي معرفة كيفية إحيائها. وذلك لا يدل على أنه كان كافرًا. بل الظاهر أنه مؤمن بالله. فقد نطق باسمه الكريم: فقال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}؟ وإنما سأل عن كيفية الإحياء، ليراها فيزداد يقينًا بقدرة الله على رد الحياة بعد اليأس. على حدِّ قول إبراهيم - عليه السلام - لربه: { ... رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... } (¬1). ولعل اقتران القصتين، كان من أجل اشتراكهما في هذا الغرض. أما القول بأنه كان كافرًا، فلا دليل عليه .. بل ما جرى منه في القصة، يبعد أن يجري على لسان الكافر. ففي تحريه الصدق بقوله: {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْبَعْضَ يَوْمٍ}. ثم قوله بعد ذلك: {أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ما يرجح إيمانه. هذا، ومغزى القصة: أن هذا الرجل تولاه الله، فبين له الرشد من الغي، فاستجاب لهذا التوجيه، وازداد إيمانه، ولم يركب رأسه عنادًا كالكافر المذكور في القصة السابقة. ¬

_ (¬1) البقرة من الآية: 260

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)} المفرادت: {بَلَى}: إيجاب لما بعد النفي السابق. والمراد: نعم، آمنت. {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}: ليزداد يقينًا بالقيامة، بعد خبر الوَحْي والبرهان. {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}: أَمِلْهن واضممهن إليك. التفسير 260 - {وَإِذْقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ... } الآية. هذه هي القصة الثالثة عن الموت والحياة. وهي القصة الثانية: عن إبراهيم عليه السلام. وقد جاء ترتيب النصوص الثلاث في تناسق تصاعدي. فالأولى: قصة كافر تبيَّنَ له الرشد من الغيِّ، فأَصَرَّ على الكفر. والثانية: قصة رجل التمس معرفة كيفية البعث، فلما بينها الله له أقر بعلمه بقدرة الله تعالى. والثالثة: قصة نبي زاده الحق إيمانًا وتثبيتًا. والعبرة بأغراض القصص الثلاث، لا بالتتابع التاريخي أو الزمني.

ولهذا ذكرت القصة الثانية بين قصتي إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: {وَإِذْقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}:؟ والمعنى: واذكر يا محمد، حين نادى إبراهيم - عليه السلام - ربه، طالبا منه أن يريه - عمليًا - كيفية إحياء الموتى. والسؤال يدل على أنه يؤمن بإحياء الموتى، ولكنه يطلب رؤية طريقة الإحياءِ عمليًا، ليزداد إيمانًا ويقينًا. {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن}:؟ أي لقد آمنت .. فلماذا تسأل هذا السؤال؟. {قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}: اعْلَمْ أن الله تعالى عليم بإيمان نبيه وخليله إبراهيم، وليس بحاجة إلى استفهام عنه. لكن الحكمة في ذلك: أن يعلن إبراهيم إيمانه العميق بقدرة الله، حتى لا يتطرق إلى الأذهان، أن إبراهيم حين سأل ذلك - خطر له أي شك في الله. فالسؤال في الحقيقة: سؤال تقرير. ولهذا أجابه إبراهيم مؤكدا إيمانه، نافيًا عن نفسه أية خاطرة من الشك أو الارتياب. فقال: بلى. آمنت. ثم علل سؤاله لربه بحرصه على الاطمئنان القلبي - عن طريق المشاهدة والعيان، إلى جانب طريق الوحي والبرهان - ليزداد ثباتًا فوق ثبات. والله يثبت إيمان أنبيائه وأوليائه دائمًا فيقول: { ... كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (¬1). ¬

_ (¬1) الفرقان: من الآية 32

ويقول جل شأنه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... } (¬1). ولهذا، ثبت الله إيمان إبراهيم وطمأنه، فأراه كيف يحيي الموتى، كما سيأْتي بيانه. {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا}: أمره الله سبحانه، أن يأخذ أربعةً من الطير، وأن يضمهن إليه، ليتأمل في كل منها فيعرف - معرفة يقينية - مميزات كل طائر عن غيره، حتى إذا ذبحها وفرق أجزائها - مختلطة على الجبال التي حوله - ضَمَّ الله أجزاء كل طائر، وأعاده إلى ما كان عليه: جسمًا وصورة وحركة. ويروي: أن كل طير كان من نوع يخالف نوع الآخر. وقال أبو السعود: وناهيك بالقصة دليلا على فضل الخليل، ويُمْنِ الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه الله تعالى ما سأل - في الحال - على أيسر ما يكون من الوجوه. ا. هـ. ولما كانت هذه القصص الثلاث، مسوقة للدلالة على قدرة الله على بعث الموتى وإحيائهم للحساب والجزاء - ختمها مخاطبًا كل مكلف بقوله: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أي واعلم أيها المكلف - بعد تلك الحجج القاطعة - أن الله تعالى غالب لا يعجزه شيٌ أراده. حكيم في أفعاله. وإذا كان الأمر كذلك، وجب الإيمان بالبعث، وإدراك الحكمة فيه، وهي: أن يجزي الله المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ¬

_ (¬1) إبراهيم: من الآية 27

سبب النزول

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)} المفردات: {فِي سَبِيلِ اللهِ}: أي في طريقه الموصل إلى مرضاته، والمراد منه: الجهاد، وأعمال البر المتنوعة. {سَنَابِلَ}: جمع سنبلة وهي: ما يتكون فيه الحب. {يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ}: يزيد الأجر لمن يشاءُ من أهل الإحسان، على النحو الذي يشاؤُه من الزيادة. كسبعمائة وما دونها، وأكثر منها. والضعف: المثل. {وَاسِعٌ}: جزيل الثواب. التفسير 261 - {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ... } الآية. لما قص الله ما في القصص السابقة من البراهين على البعث، حث على الإنفاق في سبيل الله، لينال المنفقون ثوابهم بعد البعث الذي أثبته الله لهم بتلك البراهين. فقال جل ثناؤه: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ ... } الآية. سبب النزول: رُوي أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفا، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حث الناس على الصدقة - حين أراد

الخروج إلى غزوة تبوك - جاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال: أقرضتها لربي .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت". وقال عثمان: يا رسول الله، عليَّ جهازُ مَنْلا جهاز له. فنزلت الآية فيهما. وقيل: نزلت في نفقة التطوع. والمعنى: أراد الله - تعالى - أن يصور لعباده الثواب العظيم، الذي ينالونه على الإنفاق في سبيل الله، الشامل للجهاد ووجوه البر المتنوعة، فضرب لهم في ذلك مثلًا مشاهدًا، ليحثهم، ويحرضهم على مواصلة الإنفاق فيه، فَشَبَّه لهم الذين ينفقون أموالهم لوجه الله سبحانه - بالزارع المفلح الناجح، الذي يضع الحبة في الأرض الطيبة فتنبت نباتًا حسنًا، ويتضاعف خيرها وثمرها، فيخرج منها سبع سنابل، في كل سنبلة منها مائة حبة، فيكون المجموع سبعمائة حبة. ثم عقب لله بقوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ}: أي يضاعف تلك المضاعفة، أو دونها أو فوقها لمن يشاءُ، حسب حال المنفق، من إخلاصه وتعبه. {وَاللَّهُ وَاسِعٌ}: كثير الجود، فلا يضيق بهذه المضاعفة. {عَلِيمٌ}: بِنِيَّةِ المنفق، ومصدر ما ينفقه، ومقداره، فيجازيه حسب حاله. روي مسلم، وأحمد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله ... " الحديث. والمقصود من العدد هنا: الدلالة على الكثرة، لا التحديد.

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)}. المفردات: {مَنًّا}: المن، أن يذكر المنفق لمن أحسن إليه فضله، مستوجبًا به حقه عليه. {أَذًى} الأذى هنا، أن يتطاول المنفق على آخذ الصدقة بالقول أو العمل. التفسير 262 - {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ... } الآية. هذه الآية مستأنفة، جيء بها لبيان كيفية الإنفاق المستتبع لمضاعفة الثواب، التي مرت في الآية السابقة. ومعنى الآية: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، من جهاد وغيره من وجوه البر، ابتغاء مرضاته تعالى، ثم لا يُتبعون ما أنفقوا منًّا على ما أنفقوا عليهم: بأن يَذْكُرُوا لهم إحسانهم ويعتدوا به عليهم ولا يفهمونهم أنهم أوجبوا به حقًّا عليهم، ولا يتبعونه أذى لهم بالقول، أو بالفعل - هؤلاء: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ}: الذي سبق بيانه في الآية السابقة. {عِندَ رَبِّهِمْ}: في دار الكرامة والمثوبة.

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: في الدارين من لحوق مكروه بهم. {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: على فوت مطلوب لهم، فمطالبهم حاضرة بين أيديهم، ومسراتهم دائمة بين جوانحهم. {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)} المفردات: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ}: المعروف، اسم لكل فعل يُعرف حسنه. والمراد بالقول المعروف هنا. القول الجميل، للسائل. {ومَغْفِرَةٌ}: المغفرة، عدم العقوبة. {حَلِيمٌ}: لا يعاجل بالعقوبة. التفسير 263 - {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ... } الآية. القول المعروف: أن يردَّ المسئول على من يسألة الصدقة بالقول الجميل، الذي تقبله النفوس ولا تنكره ولا تتأذى منه، كأن يعتذر إليه بعدم استطاعته، أو يَعِدَه بالمعاونة في المستقبل، أو يدعوَ له بالتيسير والفرج، والمغفرة له: هي العفو عنه إذا وجد منه إلحاحًا في الطلب، أو ثقلا في السؤَال. والآية الكريمة تفيد: أن المسئول إذا سلك مع السائل هذا المسلك، فإنه يكون أحسن وأفضل من أن يعطيه صدقة، ثم يتبعها تطاوله عليه، أو إيذاءَه له بقول أو عمل.

{وَاللَّهُ غَنِيٌّ}: فلا يحوج الفقراء إلى تحمل مئونة المن والأذى، بل يرزقهم من جهة أُخرى. {حَلِيمٌ}: لا يعجل بالعقوبة لأصحاب المن والأَذى، لعلهم يتوبون. فعلى الغَنِيِّ المسلم: أن يتعظ بهذا التذكير، فيعطي بلا مَنَّ ولا إيذاءٍ، أو يرد السائل ردًّا جميلا، مع حسن الاحتمال لما يثقل من السائل. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)} المفردات: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم}: لا تبطلوا ثوابها بالمنّ أَو الأَذى. {رِئَاءَ النَّاسِ}: مراءَاة للناس. {صَفْوَانٍ}: الصفوان، الحجر الأَملس. {وَابِلٌ}: الوابل، أشد المطر، أو المطر العظيم القَطْر. {صَلْدًا}: الصلد، الحجر الصُّلب.

التفسير 264 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ... } الآية. يا أيها الذين آمنوا لا تضيعوا على أنفسكم ثواب صدقاتكم بالفخر على الفقراءِ، الذين تدفعونها إليهم، أو بالتطاول عليهم، وإيذائهم بالقول أو الفعل. {كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}: شبهت الآية الكريمة المتصدق الذي يُتْبِعُ صدقاته بالمن والأذى، بالذي يتصدق بالأموال، ليرائي بها الناس، وهو - مع هذا - لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. فهو لا يرجو ثوابًا، ولا يخشى عقابًا من الله، بل يلتمس بصدقته رضوان الناس، لا رضوان الله. {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا}: شبه الله المرائي ونفقته التي لا ثواب لها، بحجر أملس عليه تراب، هطل عليه وابل أي مطر شديد ضخم القطر، فأزال عنه التراب، وتركه ناعمًا أملس خاليًا من التراب. والغرض من هذا التشبيه: أن المرائي بنفقته، الذي بالله واليوم الآخر: لا ثواب له كما سيأتي التصريح به. {لَّا يَقْدِرُ ونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا}: أي هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاءَ الناس، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر، لا يقدرون يوم القيامة على نيل ثواب شيءٍ مما بذلوه في الدنيا، لأنهم لم يعملوا لمعادهم، ولا لطلب ما عند الله في الآخرة. وإذا كان هذا الضياعُ مآل أُولئك المرائين، فكذلك مآل من يشبههم، وهم الذين يبطلون ثواب ما أنفقوا بالمن والأذى. {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}: والله سبحانه وتعالى لا يوفق هؤلاء الكفار لإصابة الحق في نفقاتهم، لأنهم آثروا الرياءَ على ابتغاء مرضاة الله، فتركهم في ضلالهم يعمهون.

وقد نهى الله المؤمنين - بهذا التشبيه - عن أن ينزلقوا فيما انزلق فيه هؤلاء الكفار. فإن في الآية تعريضًا بأن كُلًّا من: الرياءِ، والمن والأذى، من خصائص الكفار، ولابد للمؤنين أن يجتنبوها. {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)} المفردات: {ابْتِغَآءَ مَرْضَاةِ اللهِ}: طلبًا لرضا الله سبحانه. {وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ}: أي وتثبيتًا للبذل والإنفاق في أنفسهم، حتى يكون ذلك عادة لهان فلا تترد فيه. {جَنَّةٍ}: الجنة، البستان. {بِرَبْوَةٍ}: الربوة، المكان المرتفع عن الأرض. {فَآتَتْ أُكُلَهَا}: أَعطت مأكُولها وثمرها. {ضِعْفَيْنِ}: مثلين. أي مثلَىْ ما كان يعهد منها، أَو مثَلي ما يعطيه غيرها عادة. {وَابِلٌ}: مطر عظيم القطر. {فَطَلٌّ}: مطر خفيف، صغير القطر، وهو الرذاذ.

التفسير 265 - {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْأَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْيُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ... } الآية. لما نهى الله المؤمنين - في الآية السابقة - عن أن يبطلوا صدقاتهم بالمن بها على من أعطوهم، وزجرهم عن أن يؤذوهم بتعدادها والفخر بها عليهم، وحذرهم من مشابهة المرائين بالنفقاتن فإن الرياء والمن والأذى من صفات الكافرين - أتبع ذلك بيان جزاء الإنفاق في سبيل الله، ومعناه: ومثل إنفاق المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في وجوه البِرِّ، طلبا لمرضاة الله تعالى، وتثبيتًا للبذل من أنفسهم، حتى يصبح الإنفاق في سبيل الله عادة لنفوسهم، وطبيعة فطرية لها، فلا يترددوا في وضع صدقاتهم في مواضعها الجديرة بها كلما دعا داع إلى ذلك - مثل هذا الإنفاق، كمثل بستان بمكان مرتفع من الأرض تجود فيه الأشجار، وتزكو الثمار: أنعم الله عليه بالماء الغزير، فزاد ذلك في خصبه، وضاعف من ثماره، فأعطى أصحابه من الثمار ضعفين، لطيب تربته، وغزارة مائه. ثم يقول الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} فرذاذ يكفيها، لتجود بثمرها، فهي - في كلتا الحالتين - مثمرة نافعة. وهذا مثل ضربه الله - تعالى - للطائعين المنفقين في سبيل الله بحسب نياتهم ونفقاتهم، فكلما حسنت نياتهم، وزاد بذلهم في نفقاتهم في سبيل الله - تضاعف ثوابهم كما يتضاعف ثم البستان المرتفع: الطيب التوبة، الغزير المطر. وإن حسنت نياتهم وقَلَّ بذلهم وإنفاقهم في سبيل الله وعندهم الكثير، أثيبُوا كذلك على قدر بذلهم ونياتهم، كما يثمر البستان المرتفع الخصب: الذي يصيبه الطل ويسقى نباته المطر القليل. قال الآلوسي: وخلاصة هذا التشبيه: أن نفقات هؤلاءِ زاكية عند الله، لا تضيع بحال، وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يوازنها من الإخلاص والتعب وحب المال، والإيصال إلى الأحوج التقي وغير ذلك.

ثم ختمت الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: للإيذان بأنه مطلع على أعمالهم، فيعلم قلتها وكثرتها، وإخلاصهم فيها إن أخلصوا، ودرجة هذا الإخلاص، ويعلم رياءَهم فيها إن لم يخلصوا، ودرجة هذا الرياءِ، وأنه يجازي كلًّا على حسب حاله. ففي هذه الجملة: ترغيب للمنفقين في الإِخلاص، ووعيد للمرائين، وتحذير لهم من عاقبة الرياء. وفي الحديث القدسي: "أَنا أَغنى الشُّركاء عَنِ الشِّرْك، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشَرِيكَهُ". {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)} المفردات: {إِعْصَارٌ}: الإعصار، الريح التي تهب بشدة فتحتاج ما أمامها. التفسير 266 - {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ... } الآية.

الاستفهام هنا، للنفي. والمعنى: لا يحب أحد أن يحدث له ما أوردته الآية الكريمة، وهو: أن يكون له بستان فيه نخيل وأعناب - وهما من أنفس أشجار الفواكه المعروفة وأكثرها نفعًا - والأنهار تتخلل هذه الأشجار، ويملك في هذا البستان - إلى جانب النوعين السابقين - جميع أنواع الأشجار المثمرة، ثم يصيبه التلف.؟! على ما سيأتي بيانه في بقية الآية. {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ}: أي وتقدمت السن بصاحب هذا البستان، فصار شيخًا كبيرًا، عاجزًا عن الكسب، على حين أن له أولادًا ضعافًا لا يقدرون على الكسب .. وهذه الحديقة هي مصدر أرزاقهم ومعاشهم. {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ}: فأصابت الحديقَةَ - بغنة - ريحٌ عاصفة مدمرة: فيها نار شديدة، فاحترقت. يروي: أن عُمَرَ سأَل عن هذه بعض الصحابة، فقالوا: الله أعلم. فقال عُمَرُ: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء، يا أميرَ المؤْمنين. فقال عمرُ: قل يا ابن أخي، ولا تحقر نفسك. فقال ابن عباس: ضُربَتُ مثلا لعمل. فقال عمرُ: لأَي عمل؟ فقال ابن عباس: لرجل غنيٍّ يعمل الحسنات، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق - أو أحرق - أعماله كلَّها. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}: أي مثل ذلك البيان الواضح، يوضح الله لكم الآيات، لكي تتفكروا وتعتبروا بما فيها من العظات وتعملوا بموجبها.

سبب النزول

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)} المفردات: {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}: مِن حلال ما كسبتم وخياره. {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ}: أي ومن طيبات ما أخرجناه لكم من باطن الأَرض من النبات والحبوب والثمار والمعادن وغيرها. {وَلَا تَيَمِّمُوا الْخَبِيثَ}: لا تقصدوا - بما تنفقون - الرديءَ والحرام. والتيمم في اللغة: القصد. {أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}: الإغماض في اللغة، غض البصر. مأْخوذ من الغموض، وهو الخفاءُ. والمراد هنا: أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه. {حَمِيدٌ}: محمود على نعمه، أو حامد أي مكافيءٌ لمن أنفق في سبيله من الطيبات. التفسير 267 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ... } الآية. سبب النزول: روى الحاكم في المستدرك - وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر، فجاءَ رجل بتمر رديءٍ، فنزلت الآية. وروى ابن أبي حاتم والترمذي، عن البراء بن عازب - في الآية - قال: "نزلت فينا معشرَ الأنصار: كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأْتي من نخله على

قدر كثرته وقلته. وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين (¬1)، فيعلقه بالمسجد. وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو، فضربه بعصاه، فيسقط البسر والتمر فيأْكل. وكان ناس ممكن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف - والشيص: رديُّ التمر. والحسف: أَردأُ التمر - وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}: قال: لو أن أحدكم أُهدي إليه مثل ما أَعْطَى، لم ياخُذْه إلا على إغماض أو حياءٍ، قال: فكنا بعد ذلك، يأتي أحدنا بصالح ما عنده". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من جيِّد ما كسبتم وحلاله، وأنفقوا من طيبات ما أخرجه الله لكم من جوف الأرض، سواء كان من النبات، أم المعادن، أم غير ذلك. ولا تقصدوا بالرديء من أموالكم، أو الحرام منها لتُنْفِقُوا منه. {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}: أي أنكم لو أعطاكم أحد من هذا الصنف، ما قبلتموه ولا أخذتموه إلا تساهلا في بعض حقكم. فأعطوا الناس مثل ما تحبون أن تأخذوه. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}: فلا يدعوكم إلى الإنفاق في سبيله لحاجة أو عوز، ولكنه يأمركم به لمنفعتكم. وأنه مستحق للحمد لأنه هو الذي يرزقكم هذه الأموال، ويثيبكم على ما أنفقتموه منها. {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)}. المفردات: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ}: يخوفكم من الفقر إذا أنفقتم شيئا من الأموال أو الثمرات. ¬

_ (¬1) القنو في التمر، بمنزلة العنقود في العنب.

والوعد: يستعمل في الخير أكثر من الشر، وهو هنا، مستعمل في الشر، كما في قوله تعالى: {النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (¬1). {وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ}: أي ويحضكم على البخل بالصدقات. فالمراد بالفحشاء هنا: البخل. والعرب تطلق كلمة الفاحش: على البخيل. ومنه قول طرفة بن العبد: أرى الموتَ يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد (¬2) وقيل: المراد بالفحشاء، جميع المعاصي. {وَفَضْلًا}: أي زيادة في الرزق، أو ثوابا في الآخرة، أو الأمرين جميعا. {وَاسعٌ}: أي صاحب سعة. والمراد بها هنا: سعة النعمة والمغفرة. التفسير 268 - {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... } الآية. لما رغَّب الله تعالى عباده في الإنفاق من أجود ما يملكون، حذَّرهم بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ}: أي يقول لكم إن تصدقتم افتقرتم. {وَيَامُرُ كُم بِالْفَحْشَاءِ}: أي يحضكم على البخل بأموالكم وحبسها عن وجوه البر، لتبقى لكم، فتظلوا أغنياء، ويعرضكم بوساوسه هذه للبعد عن رضا الله ورحمته. {وَاللهُ يَعِدُكُمْ}: على الإنفاق في سبيله. {مَغْفِرَةً مِّنْهُ}: لذنوبكم. {وَفَضْلًا}: أي زيادة في الخير لكم بالبركة في المال، والسعة في الرزق، والثواب في الآخرة. فلا تثقوا بوعد الشيطان، ولا يغرنكم بالله الغرور، فإنه عدوٌّ لكم، وثقوا بوعد الله فإنه ربكم وهو أرحم بكم، وأعلم بما فيه صلاحكم. {وَاللهُ وَاسِعٌ}: يسع بمغفرته وفضله من أطاعوه فيما أمر، وانتهوا عما حذر منه وأنذر. {عَلِيمٌ}: بكل شيءٍ، فلا يخفى عليه من أطاع شيطانه وهواه، ومن امتثل أوامر مولاه. ¬

_ (¬1) الحج: من الآية 72 (¬2) يمتام: بمعنى يختار. عقيلة مال: أي خيره. المتشدد: الشديد البخل.

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)} المفردات: {الْحِكْمَةَ}: هي إصابة الحق، في قول أو فعل أو راي. وهي من الملكات النفسية العليا، التي يمنحها الله من هو أهل لها. التفسير 269 - {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ... } الآية. أي: يعطي الله فضل التمييز بين الحق والباطل، من يشاء من عباده الأخيار، فيختار الحق ويعمل بمقتضاه، ويذر الباطل ويبعد عن طريقه. {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}: ومن يعطه الله نعمة التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطإ يبعده عن المعاطب، ويصل به إلى السلامة والنجاة. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}: وما يتفكر كما يتفكر أهل الحكمة، أو يتعظ اتعاظهم، إلا أصحاب العقول الخالصة، مِن شوائب الغباء والجهل، ومتابعة الهوى، ووساوس الشيطان. {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)} المفردات: {مِن نَّفَقَةٍ}: النفقة، ما ينفقه الإِنسان من المال في خير أو شر.

{مِن نَّذْرٍ}: النذر، هو ما يوجبه الإنسان على نفسه، من غير أن يلزمه الله به قبل نذره، ثم يصير - بالنذر - واجب الأداءِ شرعًا. التفسير 270 - {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ... } الآية. هذه الآية مسوقة للحث على تنقية النفقات والنذور، وتخليصهما من شوائب الشر. ومعناها: وما أنفقتم - أيها المكلفون - من نَفَقَةٍ قليلة أو كثيرة، أو نذرتم من نذر هَانَ أو عظُم، فإن الله يعلمه بجميع أحواله وأوصافه، من طيِّب أو خبيث، قلّة أو كثرة، ابتغاءَ وجه الله به، أو ابتغاء وجه سواه، وتوجيهه إلى ما يرضى الله أو ما يغضبه، ويجازيكم عليه. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ}: الذين يضعون الأُمور في غير مواضعها، ويبذلون المال في غير وجوهه المشروعة، ويضنون به على مستحقيه. {مِنْ أَنصَارٍ}: يمنعونهم من عذاب الله على ظلمهم. {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)} المفردات: {إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ}: إن تظهروها بحيث يراهم الناس لقتدوا بكم. {فَنِعِمَّا هِيَ}: فنعم شيئا هذه الصدقات التي أبديتموها. وفي الكلام مضاف مقدر، أي: فنعما إظهارُها.

التفسير 271 - {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ... } الآية. أي إن تظهروا الصدقات المفروضة أو المقطوع بها - وأنتم تدفعونها لمستحقيها من المحتاجين - فنعم شيئًا إظهارها، لما فيه من نفي تهمة البخل عنكم، وحمل الغير على الاقتداء في التصدق بكم. {وَإِن تُخْفُوهَا}: أي تسترونها عن أعين الناس، ابتعادًا عن مظنّة الرياء والنفاق، وحماية لآخذيها من موقف الذلّ والهوان أمام الناس. {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ}: أي تعطوها من يستحقها من الفقراء، بعد التأكد من فقرهم بالتحري عنهم، لتقع الموقع الشرعي المطلوب. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}: فالإخفاء خير لكم وأفضل عند الله من الإظهار. {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ}: {مِنْ}: بمعنى بعض. أي والله يكفر عنكم بعض ذنوبكم، فإن الصدقات يُكفِّرُ بها بعض السيئات، لا جميعها. وقد دلت هذه الآية، على أن الصدقة سرًا، أفضل من الصدقة علَنًا. قال الآلوسي: والأكثرون على أن هذه الأفضلية فيما إذا كان - كل من صدقني السر والعلانية - تطوعًا مِمَّنْ لم يعرف بمال "أي لم يعرف بغنى" وإلا فإبداءُ الفرض لغيره "أي لغير المتطوع المذكور" أفضل لنفي التهمة، وكذا الإظهار أفضل لمن يقتدي به وَأَمِنَ نَفْسَه. انتهى. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - "صدقةُ السِّر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفًا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها" انتهى.

وفضل صدقة السر على صدقة العلانية، يؤيدها ما رواه الشيخان مرفوعًا أنه صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يُظِلُّهم الله تعالى في ظلِّهِ يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عَدْل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله: اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أَخافُ الله، ورجلٌ تَصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمَالُه ما تنفقُ يمينهُ، ورجلٌ ذكر اللهَ خاليا ففاضَتْ عَيْناه" (¬1). وأخرج الطبراني مرفوعًا: "إنَّ صدقَةَ السِّرِّ تُطفِيءُ غَضَبَ الرَّبّ". {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: فهو يعلم جميع أعمالكم سرها وجهرها، ويعلم صدقاتكم ودوافعها. {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)} المفردات: {هُدَاهُمْ}: الهدى لغة: الدلالة والإرشاد، وقد يطلق على الاهتداءِ والرشاد، وهو المراد هنا. تقول: هديته فهدى واهتدى أَي أرشدته ودللته فرشد واهتدى. {ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللهِ}: طلبا لوجهه سبحانه، والمراد بوجه الله: ذاته، أو جهته. التفسير 272 - {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ... } الآية. كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على أن يهتدي الناس لما هداهم إليه. وكان يبذل في ذلك أشد الجهد، ويتحمل في سبيله عبئا نفسيًا شديدًا. ¬

_ (¬1) النص للبخاري في باب الصدقة باليمين.

فأنزل الله عليه هذه الآية، ليخفف عنه أعباءَه النفسية، ببيان أنه ليس عليه سوى التبليغ. وأَما الاهتداءُ، فمن الله. وأن من أحسن فلنفسه. والآية متوسطة بين آيات الحث على الإنفاق، مبالغة في حمل المخاطبين على الامتثال. وإلى هذا ذهب الحسن وأبو على الجبائي. والمعنى: ليس واجبًا عليك يا محمد، أن تجعل هؤلاء المأمورين بتلك المحاسن، المنهيين عن أضدادها - مهتدين إليها عاملين بها فعلًا، فذلك ليس من شأْنك، ولست مكلفًا به، ولكنه شأْن الله الذي يهدي من يشاءُ إلى الخير، وهم أُولئك الذين اتجهوا باختيارهم إليه، فيعينهم ويوفقهم ويهديهم. واتجه بعض المفسرين إلى أن الضمير في {هُدَاهُمْ} لا يرجع إلى من أُمروا بالنفقة في الآيات السابقة واللاحقة، بل يرجع إلى الكفار، وإن لم يُذْكَروا، مراعاة لسبب النزول. فقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يأمرنا أَلَّا نتصدق إلى على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير عنه قال: {كان أُناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة. وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا .. فنزلت}. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَصَدَّقُوا إلَّا على أَهْلِ دِينِكم" فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}. والمعنى على هذا الرأي: ليس واجبًا عليك أن تُلْجِيءَ هؤُلاء الكافرين إلى الإسلام، إن عليك إلا البلاغ، وقد فعلت، فلا تجعل التصدق عليهم منوطًا بإسلامهم. والآية على هذا، لا تعتبر بعيدة عما قبلها وما بعدها من آيات الإنفاق، إذ هي لإباحة الإنفاق على من خالفنا في الدين. {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ}: أي وما تنفقوا في الوجوه المشروعة من مال طيب.

{فَلِأَنفُسِكُمْ}: لا يعود نفعه إلا عليكم، فلا تنفقوا من الخبيث، ولا تبطلوه بالمَنِّ والأذى، ومراءَة الناس. أو، فلا تمنعوه عن الفقراء من الكفار، فإن نفعكم به ديني، ونفع الكافرين به دنيوي، فلا يُصَدُّ عنهم، لأن الإسلام لا يمنع البِرَّ عن الناس، مهما كان دينهم. {وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ}: الجملة معطوفة على ما قبلها، أو حال. والمعنى: وما تنفقون من الخير - لسبب من الأسباب - إلا ابتغاء وجه الله، وطلبا لرضاه. وإذا كان أمركم كذلك، فلا يضيركم أن تعطوا منه الفقراء الكفار، فلا تمنعوهم إياه، فإن لكم ثوابه. ويجوز أن يكون النفي فيها بمعنى النهي، أي لا تنفقوا الخير إلا لوجهه تعالى، لا رياءً ولا لغرض من الأغراض الدنيوية. (¬1). {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} التوفية: إكمال الشيء. أي وما تنفقوا من خير تُعْطَوْن جزاءَه وافرًا وافيًا، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، على أن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. وقيل: المعنى: يوف إليكم خلفه في الدنيا، ولا ينقص به من مالكم شيء. نقول: ولا يمنع هذا الثواب الآخرة. {وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}: أي لا تنقصون شيئا مما وُعدتم به من الثواب. ¬

_ (¬1) وبما أنه تعالى ليس كمثله شيء، فالمراد بوجه الله: ذاته أو جهته. وعلى كل، فالمقصود من التعبير به في العرف القوي: الإخلاص وعدم الإشراك. أي ما تنفقون إلا ابتغاء الله تعالى، دون أن يكون لكم مأرب آخر سوى رضاه سبحانه. وإذا كانت الجملة خبرية، ففيها شهادة من الله تعالى لأصحاب رسوله، وثناء عليهم بأنهم مخلصون في إنفاقهم، فلا يبتغون به سواه سبحانه.

وفي الآية: دليل على جواز دفع صدقة التطوع للكافر. أما الصدقة المفروضة في المال والزرع ونحوها -أي الزكاة- فلا يجوز دفعها له. {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)}. المفردات: {أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ}: حبسوا في سبيله تعالى بالجهاد، أو العمل في مرضاته. {ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}: سَعيا فيها للتكسب. {مِنَ التَّعَفُّفِ}: من أجل تعففهم وامتناعهم عن السؤال. {تَعْرِفُهُم بِسِمَاهُمْ}: أي بعلامتهم كرِقَّةِ الحال، أَو صُفْرَةِ الوجه أَو نحوهما. {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}: لا يسألونهم -ملحين في السؤال- حتى يعطوا. التفسير 273 - {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ... } الآية. سبب النزول: نزلت في أهل الصفة، وكانوا نحو ثلاثمائة من فقراء المهاجرين يسكنون سقيفة مسجد المدينة، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والجهاد، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قاله ابن عباس ومحمد بن كعب القُرَظي.

وعن سعيد بن جبير: هم قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله، فصاروا زَمْنَى، فجعل الله لهم في أموال المسلمين حقًّا. نقول: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكل من كان على مثل حالهم، يستحق الصدقة. وكذا. كل من كان كسبه لا يكفيه. {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}: أي اجعلوا صدقاتكم للفقراء الذين حبسهم عن التكسب العملُ في سبيل الله، كالجهاد وطلب العلم؛ لأنهم بسبب ذلك - لا يستطيعون سعيًا في الأرض للتكسب وجلب الرزق. {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}: أي يظنهم من لا يعرف حالهم - أغنياء: لا يستحقون الصدقة من أجل تعففهم، وامتناعهم عن السؤال. {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}: أي تعرف فقرهم بعلامتهم الملازمة لهم، المنبهة لفقرهم. وهي صفرة الوجوه، والجهد والانكسار ونحو ذلك. والخطاب في {تَعْرِفُهُمْ} عام للرسول - صلى الله عليه وسلم - وغيره ممن يَنْظُر حالهم. {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}: أي لا يسألون الناس مُلِحِّين في السؤَال، كعادة الفقراء. والمراد: أنهم لا يسألون الناس أصلا، كما قاله ابن عباس. ومن أجل ذلك جُهِل حالهم، ولم يُعْرَفوا إلا استنباطا من علاماتهم. فالنفي هنا موجه، للأمرين جميعًا: السؤال، والإلحاح. وإلى هذا ذهب الفراءُ، والزجاج، وأكثر المفسرين. وقيل المراد، أنهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة - لم يلحوا. والأول هو الراجح.

{وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}: فيجازيكم عليه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، وهو ترغيب في الإنفاق عمومًا، وعلى هؤلاء خصوصًا. أخرج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ المسكين الَّذي تردُّهُ التمرةُ والتَّمرتان، واللُّقمةُ واللُّقمتان، إنما المسكين الذي يَتعفَّفُ، واقرءوا إن شئتم قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُون النَّاسَ إِلْحَافًا}. ... {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)}. التفسير 274 - {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ... } الآية. لما بين الله في الآية السابقة أَوْلَى الناس بالصدقة، بيَّن في هذه أَكْملَ وجوه الإنفاق. سبب النزول: أخرج ابن المنذر، عن ابن المسيب: أن الآية نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، في نفقتهم في جيش العسرة. وَرُوِيَ غَيْرُ ذلك.

والآية عامة الحكم، وإن نزلت بسبب خاص. (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): أي في جميع الأوقات، فلا يخصون وقتا دون وقت. (سِرًّا وَعَلَانِيَةً): أي في جميع الأحوال، فلا يلتزمون حالا معيَّنَةً. (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ): اللائق بهم. (عِندَ رَبِّهِمْ): في دار كرامته. (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): من لحوق مكروه بهم. (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ): على فوت شيءٍ من مطالبهم. وفي تقديم: الليل على النهار، والسر على العلانية، إشعار بأن إخفاء الصدقة أولى من إظهارها. وفي الآية: حثٌّ لأهل الغني واليسار، على الإنفاق في جميع الأوقات والأحوال، وترغيبٌ لهم -في ذلك- بما وعدهم الله من الأجر العظيم عنده في دار كرامته. كما أن فيها إشعارا -عن طريق المفهوم- بأن البخلاء محرومون من هذا الأجر الجزيل، وأنهم عرضة للخوف والحزن. روى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، لما استُخْلِفَ - خطب الناس فَحمِدَ اللهَ وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس: إن بعضَ الطمعِ فقرٌ، وإن بعضَ اليأسِ غنى، وإنكم تَجمعونَ ما لَا تأكلونَ، وتُؤمِّلُونَ ما لا تُدرِكونَ، واعلموا أَنَّ بعضا من الشح شعبة من النفاق، فأنفقوا خيرًا لأنفسكم، فأين أصحاب هذه الآية؟ وقرأ هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد تفسيرها.

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)}. المفردات: (الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا): المراد بأكله، الانتفاع به، عبر به عنه لأنه أهم ما قصد به. والربا لغة: الزيادة. وشرعا: مال زائد في معاوضة -مبادلة- مالية ليس له ما يقابله. (يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ): يمسه بالأذى -قاله صاحب القاموس- وهو كما قال الآلوسي: ضربات متوالية على أنحاء مختلفة. ثم تُجَوِّزَ به عن كل ضرب غير محمود. (فَانتَهَى): أي كَفَّ عن الربا. (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا): يذهبه ويهلكه - أو المعنى يهلك المال والربح الحرام. (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ): أي يزيد ثوابها، أو يزيد المال الذي أُخرجت عنه. (كُلَّ كَفَّارٍ): كل مبالغ في الكفر بإقامته عليه. (أَثِيمٍ): منهمك في ارتكابه الإثم. التفسير 275 - {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ... } الآية. بعد أن بين الله فضل الإنفاق، ومدِّ يد المعونة إلى الفقراء والمحرومين - أتبعه ذم أهل الربا: الذين يمتصون دماء الناس بدلاً من معاونتهم والإشفاق عليهم.

والمعنى: الذين يأخذون الربا ويتصرفون فيه: بأي وجه من وجوه التصرف: أكلاً أو غيره مثلهم - في جشعهم وحرصهم على تشمير أموالهم، وشدة تفكيرهم فيها وتحركهم في اكتسابها، والكَلَبِ عليها - كمثل الذي يتخبطه الشيطان، ويصرعه بسبب مَسِّهِ له، فهو دائم الحركة كالمسعور والمجنون. وتأويل الآية بهذا الوجه، هو رأي ابن عطية. وعلى هذا النحو. يقول الناس فيمن يسرع بحركات مختلفة: فلان كالمجنون. ويرى غير ابن عطية أن الآية على معنى: أن من يأكلون الربا لا يقومون من قبورهم -يوم القيامة- إلى كالمجانين الذين يتخبطهم الشيطان من المس. مُستدلين بنحو ما أخرجه الطبراني عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إياك والذنوب التي لا تُغفَر: الغُلولَ .. فَمَن غلَّ شيئا أتَى به يوم القيامة، وأَكْلَ الربا، فمن أَكَلَ الربا بُعِثَ يوم القيامة مجنونا يتخبط" ثم قرأ الآية، قالوا: ولعل ذلك جعل علامة له يعرف بها في ذلك اليوم الرهيب. وممن نسب إليه القول بذلك ابن عباس، وابن مسعود وقتادة، واختاره الزجاج. ومس الشيطان الذي يحدث به التخبط يحتمل أن يكون الوسوسة الدائمة، فإنها تنتهي إلى الجنون، ومن إطلاقه على الوسوسة قوله تعالى: " ... إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" (¬1) أو أن يكون ضربًا من اللقاء الجسدي بينه وبين من يمسه من الإنس، يحدث به الاختلاط والجنون، كما يقوله المعنيون بهذا الضرب من العلم. والمعنى الأخير، هو المعروف عند العرب، ومن ذلك ما قالته قريش فيما عرضوه على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليكف عن التعرض لآلهتهم وتسفيه أحلامهم "وإن كان الذي يأتيك رئيًّا أي -جنيًّا- قد غلب عليك، بَذَلنا أموالنا في طلب الطب لك، حتى نُبْرئَكَ أَو نُعْذَرَ فيك". (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا): الإشارة في (ذَلِكَ) راجعة إلى أكلهم الربا، يعني أنهم استحلوا الربا وأكلوا وانتفعوا به، بسبب أنهم جعلوه مثل البيع في الحل؛ لاتفاقها في المعارضة والزيادة من أحد الجانبين. فكما أنه يحل ببيع ما قيمته أربعة دراهم بخمسة، فكذلك يحل ببيع أربعة ¬

_ (¬1) الأعراف: من الآية 201.

دراهم بخمسة، وقد أخطأوا في الحكم تبعًا لخطئهم في القياس، على ما سنبينه. وإنما قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) ولم يقولوا: إنما الربا مثل البيع، لإرادة المبالغة، كأنهم جعلوا الربا أَصْلا للحِل، وشبَّهُوا البيع به في الحكم كما في قول الشاعر: ومَهمَه مُغبَّرةٍ أرجاؤه ... كأن لونَ أَرضه سماؤه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا): هذه جملة مستأنفة للرد عليهم، والمعنى: وأحل اللهُ البيع وحرم الربا بالنص، ولا يصح القياس مع وجود النص ممن له حق التشريع. وهو الله سبحانه وتعالى. والفرق بينهما في الحكم، تابع للفرق بينهما في المقتضى للحكم، فإن من باع ثوبًا قيمته أربعة دراهم بخمسة، فقد جعل الثوب كله في مقابل هذه الخمسة، فلا شيءَ منه إلا وهو مقابل لجزءٍ من الدراهم الخمسة، أما من باع أربعة دراهم بخمسة، فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال في مقابلته، لأن الإمهال ليس بِمَال حتى يكون في مقابلة المال. فضلاً عن أن الربا يمنع أصحابه عن الاشتغال بالتجارة والصناعة ذات المنافع العامة، ويفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس، فتضيق الحياة عليهم. فلو أن اللهَ أحلَّه كالبيع، لاستَغَلَّ المرابي حاجةَ الناس، وأَكَلَ أموالهم بالباطل، وسدَّ عليهم أبواب الفرج والرحمة. فلذا كان من رحمة الله بأصحاب الحاجات، أن حَرَّم الربا على أصحاب الأموال، حتى يسود التراحم بين الناس ... وتلك سنة الإسلام في التشريع. (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ): أي فمن بلغه موعظة وتذكير في شأن الربا من ربه ومالك أمره، فانتهى عنه، وامتنع من الاستمرار في التعامل به، فله ما تقدم من المال الربوي لا يُسْتَرَدُّ منه، ولا يُقْهرُ على رده. وهذا مذهب الباقر وسعيد بن جبير، في فهم الآية. وقال السدي وغيره، معناها: لا مؤَاخذة على ما أخذه (¬1)، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. وقال القرطبي: هذا حكم من الله لمن أسلم من كفار قريش وثقيف، ومن كان يَتَّجِر هنالك. ¬

_ (¬1) أي ما أخذه قبل أن يبلغه التحريم.

ونقول: إن غيرهم ممن أسلم، وكان في كفره مرابيًا، له هذا الحكم أيضًا. (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ): أي وأمر المنتهي عن الربا إلى الله تعالى: إن شاء ثبَّته على الانتهاء عن الربا لصدق نيته، وإن شاء خذله لعدم الجِدِّ في انتهائه وخور عزيمته. ويجوز أن يكون المعنى: وأمره متجه إلى طاعة الله، كما تقول: وأمره في نُمُوٍّ وإقبال إلى الله وطاعته. وأجاز بعضهم عود الضمير على الربا، أي وأمر الربا إلى الله تعالى في العفو عنه، وإسقاط التَّبِعَة عليه. (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): أي ومن عاد إلى الربا مستحلاً له، قائلاً: إن الربا مثل البيع في الحل، لأنه عَمَلٌ تجاري مثله، فأُولئك العائدون المستحلون أصحاب النار، الملازمون لها، هم فيها خالدون لا يخرجون منها أبدًا؛ لأن من استحل ما حرمه الله نَصًّا ومدلولاً. فهو كافر بالإجماع. والكافر خالد في النار أبدًا. وإن جعلنا الآية في مسلم يقول بحرمة الربا، ولكنه يعصي ربه باستدامة التعامل به بعد التوبة -فالمراد بالخلود هنا: المكث الطويل، كما تقول العرب "خَلَّد اللهُ ملكك" أي أبقاك أمدًا طويلًا. 276 - {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ... }: أراد الله أن يوقف سيل الطمع في نُمُوِّ المال عن طريق الربا، وأن يفتح القلوب على الصدقات، فبين عاقبة كليهما، فقال ما معناه: ينقص الله الربا، فَيُذهِب البركةَ من ماله في الدنيا وإن كان كثيرًا، ويجعل عاقبته في الآخرة خسرانًا وعقابًا، ويزيد الصدقات، وينميها في الدنيا بالبركة في مالها، وفي الآخرة بمضاعة الأجر عليها. روى ابن مسعود أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الربا وإن كَثُرَ فعاقِبَتُهُ إلى قُلٍّ (¬1) ". وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد، وابن جرير، والحاكم وصححه.

"من تَصدَّق بِعِدْل تَمْرة من كسب طيب -ولا يقبل الله تعالى إلا طيبًا- فإن الله تعالى يقبلها بيمينه، ثم يُرْبيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلُوَه (¬1) حتى تكون مثل الجبل". وفي الآية لطيفة فائقة، وخلاصتها: أن المرابي إنما يطلب في الربا زيادة المال، ومانع الصدقة إنما يمنعها طلبًا لزيادة المال أيضًا، فبين الله تعالى أن الربا سبب لنقصانه، وأن الصدقة سبب لنمائه، فلذا عقبت آيات الإنفاق بآيات النهي عن الربا وبيان ضرره. (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ): أي والله لا يرضى عن كل مقيم على الكفر، بليغ الإثم، بِجَعْلِه البيع مثل الربا في الحل، أو بغير ذلك من ألوان الكفر. وإنما حرم الربا لما فيه من التضييق على الناس وتخريب البيوت، كما هو مشاهد فيمن يتعاملون به بخلاف التجارة، فإنها مورد للأرزاق سائغ، ولا ضرر فيه على الناس، فلذا أحلها الله تعالى ما دامت في الحدود المشروعة. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. التفسير 277 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: لما بين الله تعالى ضرر الربا، وفضل الصدقة في الدنيا والآخرة، عقب ذلك ببيان فضل الإيمان والعمل الصالح بصفة عامة. فقال الآية. ¬

_ (¬1) أي مُهره.

والمعنى: إن الذين صدقوا بالله ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصالحات التي اشتمل عليها كتاب الله وسنة رسوله، وخصُّوا الصلاة والزكاة بعناية خاصة، فأدَّوُا الصلاة في أوقاتها: بأركانها وشروطها، والخشوع اللائق بها، وأَعطَوا الزكاة لمستحقيها. وداوموا على ذلك - لهم أجرهم الموعود في الكتاب والسنة عند ربهم في الآخرة، إذ ينعمون بجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا خوف عليهم من مكروه يصيبهم، ولا هم يحزنون على فوت مرغوب لهم، فهم في طمأنينة دائمة ونعيم مقيم. وخص الصلاة والزكاة بالذكر -مع دخولهما في العمل الصالح- تنبيهًا على فضلهما على غيرهما من العبادات. فالصلاة رأس الأعمال البدنية والروحية. والزكاة رأس الأعمال المالية. فلذا ينبغي أن يخصا بعناية خاصة. كما خصهما الله بالذكر من بين الأعمال الصالحة التي ذكرها عامة. المفردات: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا): واتركوا ما بقي لكم منه عند الناس. (فَائْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ): فأيقنوا بحرب من الله ورسوله، وبذلك قرأ الحسن. التفسير 278 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}:

سبب النزول: قال السدي: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب، ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية، وكانا يتعاملان بالربا مع ناس من ثقيف، فجاء الإسلام، ولهما أموال عظيمة عندهم، فتركوها حين نزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عمير، وهم الطالبون، والمطلوبون بنو المغيرة من بني مخزوم، وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - صالَحَ ثقيفًا، فطلبوا رباهم إلى بني المغيرة، وكان مالاً عظيمًا. فقال بنوا المغيرة: والله لا يعطي الربا في الإسلام، وقد وضعه الله تعالى ورسوله عن المسلمين، فعرَّفوا شأنهم معاذ بن جبل، يقال عَتّاب بن أسيد، فكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن بني عمرو يطلبون رباهم عند بني المغيرة، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) الخ فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معاذ ابن جبل "أن اعرض عليهم هذه الآية، فإن فعلوا فلهم رءوس أموالهم، وإن أَبَوْا فآذِنْهُم بحرب الله ورسوله" ذكره الآلوسي. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا، قوا أنفسكم واحفظوها من عقاب الله، واتركوا ما بقي لكم على الناس من مال الربا إن كنتم مؤمنين صادقين، فإن من شأن الإيمان الحقيقي، أن يكف أصحابه عن عصيان أوامر الله تعالى، وبخاصة ما كان متعلقًا بحقوق الآدميين. 279 - {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } الآية. أي فإن لم تفعلوا ما أُمرتم به، فأيقنوا بحرب من اللهِ ورسولِه، وإن تبتم عن الربا، فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون غرماءِكم بأخذ مال الربا عليها، ولا تُظلمون منهم بالنقص منها، أو المطل في أدائها، فإن النقص منها حرام وظلم، وكذا المطل والتأخير في أدائها مع الغنى والسعة. والمراد بحرب الله ورسوله: إهدار دم المرابي. كما قال ابن عباس. فقد ورد عنه أنه

قال: من كان مقيمًا على الربا لا يَنْزِع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نَزَع (¬1) وإلَّا ضرب عُنُقَه. وقال قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل، فجعلهم بَهْرَجًا -أي شيئًا مباحًا- أينما ثقفوا. وقيل: المعنى: إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله، أي أعداء. وقال ابن خُوَيْبِزِمنْداد: وَلَوْ أَن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الرِّدة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا، جاز للإمام محاربتهم. وكما شدد القرآن في تحريم الربا شددت السنة. روى البخاري عن أبي جحيفة قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الدم (أي أجر الحجامة) وثمن الكلب، وكسب البَغِيِّ، ولعن آكل الربا وموكله، والواشمة، والمستوشمة (¬2) والمصوِّر". وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" وذكر فيها آكل الربا. وروى أبو داود عن ابن مسعود قال: "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهده". وقد تنبأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بانتشاره، فقال: "يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا. ومن لم يأكل الربا أصابه غباره" صدق رسول الله. فهذا ما نشاهده في جيلنا ... يرحمنا الله. قال القرطبي: قال علماؤنا: وكيف يتوب المرءُ عن المال الحرام؟. إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام - إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه ¬

_ (¬1) أي أقلع عن الربا وتركه. (¬2) الواشمة: التي تفعل الوشم، وهو غرز بالإبرة في البدن، ووضع مادة زرقاء في مكان الوشم واسمها (النيلج) وتسميها العامة النيلة، والمستوشمة هي طالبة الوشم.

إن لم يكن حاضرًا، فإن آيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وإن أخذه بظلم، فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر، ولم يَدْرِ كَمَّ (¬1) الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرى قدر ما بيده، مما يجب عليه رده، حتى لا يشك في أن ما يبقى قد خلص له، فيرد مِنْ ذلك الذي أزال عن يده، إلى من عرف ممن ظلمه، أو أربى عليه. فإن آيس من وجوده، تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته، وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءَه أبدًا لكثرته، فتوبته: أن يزيل ما بيده أجمع: إما إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس -وهو ما يستر العورة، وهو من سرته إلى ركبته- وقوت يومه، لأنه هو الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إن اضطر إليه، وإن كره ذلك من يأخذه منه - الخ ما قال: راجع القرطبي في الآية ففيها معلومات نفيسة. المفردات: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ): العسرة: ضيق الحال، وقلة المال: أي وإن كان ذو ضيق وعسر مال مدينًا لكم. (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ): أي فيجب إنظاره وإمهاله إلى ميسرة، وسعة في المال. التفسير 280 - {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: لما حكم الله - تعالى - لأرباب الربا برءوس أموالهم عند ذوي اليسار، حكم في ذوي العسرة مع ذلك، بوجوب إمهالهم إلى حال اليسار والسعة. ¬

_ (¬1) الكم: المقدار.

سبب النزول: روى أن ثقيفًا لما طلبوا أموالهم من بني المغيرة، شكا بنو المغيرة العسرة. وقالوا: ليس لدينا مال ندفعه لكم، فأمهلونا إلى وقت طيب الثمار، فأبوا أن يمهلوهم، فنزلت الآية بوجوب إنظار المعسر. المعنى: وإن كان ذو ضيق وعسر مالي مدينًا لكم، فيجب عليكم إنظاره وإمهاله إلى ميسرة بحقكم فلا تضيقوا عليه بالمطالبة في عسرته، وانتظروا وقت الفرج فطالبوه. ما يستنبط من الأحكام: استنبط العلماءُ من هذه الآية: وجوب إنظار المعسر حتى ييسر الله عليه، سواء أكان مدينًا في دين ربا أو غيره، لأن الآية برفع (ذُو عُسْرَةٍ) معناها: وإن وقع وحدث ذو عسرة من الناس أجمعين. ولو كان في الربا خاصة، لقيل في الآية: وإن كان ذا عسرَةَ بالنصب، إذ يكون المعنى حينئذ، وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة. وبهذا الرأي أخذ عطاءٌ والضحاك، والربيع بن خيثم، والحسن، وابن عباس في رواية عنه. وقيل: لا يجب إنظار المعسر إلا في دين الربا خاصة، واستدلوا بقراءة النصب؛ (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) وحملوا عليها قراءة الرفع، وتقدير الكلام على هذا الوجه في قراءة الرفع: وإن كان ذو عسرة مدينًا لكم يا أصحاب الربا. وفي قراءة النصب: وإن كان المدين لكم أيها المرابون ذا عسرة فأمهلوه إلى ميسرة: وعلى هذا الرأي شريح وإبراهيم النخعي، وابن عباس في رواية أخرى عنه، ومما احتجوا به قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (¬1). ويقول أصحاب هذا الرأي: إن المدين في غير دين الربا، لا يقبل منه القول بالإعسار بل يحبس حتى يؤَديَ ما عليه، قال ابن عطية: ومحل هذا: إذا لم يكن فقر مدقع. وأما مع العُدْم والفقر الصريح، فالحكم هو النَّظِرَةُ ضرورة (¬2). ¬

_ (¬1) النساء من الآية: 58. (¬2) أي فالحكم هو الإمهال بحكم الضرورة، أي أنه واجب لعدم الاستطاعة.

والراجح أن لا يحبس المعسر، لما رواه أهل الحديث واللفظ لمسلم، عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: "أُصيب رجلٌ في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها، فكثر دينه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تصدقوا عليه". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينِه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". وعند أبي داود: "فلم يزد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غرماءَه على أن خلع لهم ماله". أي أعطاهم ما عنده. فقد دل هذا الحديث على أن الرسول لم يأمر بحبس هذا المدين المعسر، وهو معاذ بن جبل، كما قال شريح، إذ الحبس لا فائدة منه للدائن، كما لم يأمره أن يكتسب ليسد دينه. ومن لم يتبين عسره وشُك في يسره، يحبسه القاضي حتى يتبين عُدمه وفقره، قال بذلك: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، فإن صح عسرهُ، فلا يحبس. وقد استفيد من هذا الحديث: أن من كثرت ديونه وطلب غرماؤُه مالهم، فللحاكم أن يخلعه من كل ماله، ولكن يترك له ما كان ضروريًا له، روى نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلا ما يواريه. والمشهور -كما قال القرطبي- أن يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن له فيها فضل، ولا ينزع عنه رِدَاؤُه إن كان ذلك مُزْرِيًا به، ولا يترك له مسكن ولا خادم، ولا ثوب جمعة، ما لم تقل قيمتها، وعند هذا يحرم حبسه (¬1). (وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ): المعنى: وأن تتصدقوا على المعسر بكل مالكم عليه أو يبغضه، خير وأكثر ثوابًا لكم من إنظاره، إن كنتم تعلمون ذلك فافعلوه، فإن المعسر بحاجة إلى البر والمعونة أكثر من الإمهال، ليسد عوزه ويطعم أهله من جوع، ويكسوهم من عُرْي. وفي قوله تعالى: (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) حض لهم على الصدقة بعظم أثرها. ¬

_ (¬1) (قرطبي جـ 3 ص 1180 طبع بمطبعة الشعب) في شرح قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).

روى مسلم في ذلك عن أبي مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حُوسِبَ رجلٌ مِمَّن كانَ قَبلكم، فلم يُوجَدْ لهُ مِن الخَيرِ شَيءٌ، إلا أنه كانَ يُخَالِطُ الناسَ وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانَهُ أن يَتَجاوزُوا عَنِ المعسِرِ، قال: قال اللهُ - عز وجل -: "نَحن أَحَقُّ بذلك منهُ .. تَجَاوزُوا عنْهُ". وروى مسلم عن أبي قتادة "أنه طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر. فقال: الله (¬1). قال: الله، قال: فإني سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من سرَّه أن ينجيَهُ اللهُ من كرْبِ يومِ القيامةِ، فَلْيُنَفِّسْ عن مُعْسِرٍ، أَو يَضَع عنْهُ". وجاءَ في حديث أبي اليسر -كعب بن عُمْرو- عن مسلم "أنه محا عن غريمه الصحيفة، وقال له: إن وجدتَ قضاءً فاقْضِ، وإلَّا فأَنتَ فِي حِلّ" (¬2). التفسير 281 - {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: خاطب الله في هذه الآية جميع المكلفين -وفيهم المرابون السابقون- بأن يتقوا يوم القيامة: الذي يرجعون فيه بالبعث إلى حكم الله وجزائه، ثم تعطَى فيه كل نفس جزاءَ ما كسبته - وافيًا كاملًا - وهم لا يظلمون بنقص ثواب، أو زيادة عقاب على ما اكتسبوه. واتقاءُ هذا اليوم، هو اتخاذ الوقاية من عذابه بفعل الواجبات، وترك المنهيات. وفي الآية، رد على الجبرية الذين ينكرون كسب العبد. ويعتقدون أنه مجبور على ما يفعل من خير أو شر، وأنه كالريشة في مهب الريح، فقد أثبتت للعبد كسبًا، وأنه مجزيٌّ خيرًا كان أو شرًا. ¬

_ (¬1) مجرور بحرف قسم مقدار، أي والله. (¬2) راجع صحيح مسلم ص 2 ص 394 طبعة بولاق.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)} المفردات: (كَاتِبٌ بالْعَدْلِ): كاتب أمين فقيه. (وَلَا يَابَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ): أي ولا يمتنع كاتب عن الكتابة. (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقٌّ): وليكن المدين الذي عليه الحق: هو الْمُلَقِّن والمُمْلي على الكاتب ما يكتبه، فإن الدَّيْن عليه، وهو المسئول عنه.

(وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا): ولا ينقص مَنْ عليه الحق شيئًا مما عليه من الدَّين، وإن كان صغيرًا. (سَفِيهًا): أي مُبَذِّرًا لماله. (أَوْ ضَعِيفًا): بأن كان صبيًا أو شيخًا خَرِفا. (أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ): أو لا يقدر على التلقين، لخرس أو غيره من العوارض. (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ): فليلقن الكاتِبَ المتولَّي لأمر المدين بالعدل بينه وبين دائنه. (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى): أي شرع لكم شهادة المرأتين، بدلاً من الرجل الواحد في الدَّيْن؛ إرادة أن تُذكِّر إحداهما الأُخرى إن غاب عنها شيء مما تشهد عليه. (وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا): ولا يمتنع الشهود عن الشهادة إذا دعوا إليها، و (ما) للتوكيد، وليست للنفي. وكثيرًا ما ترد بعد إذا. (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ): ولا تملوا وتضجروا من كتابة الدَّيْن إلى وقت حلوله، صغيرًا كان الدَّيْن أو كبيرًا. (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ): أي أعدل عنده تعالى. (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ): وأعون على أدائها. (وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا): وأقرب إلى انتفاء رَيبكم وَشَكِّكُم. (تِجَارةً حَاضِرَةً): أي لا أَجَلَ فيها. والتجارة: تَصرُّفٌ في المال بِعَوَضٍ لقصد الربح، سواءٌ أكان المال حاضرًا أم في الذمة. (تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ): تتصرفون فيها يَدًا بيد، بلا تأجيل. (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا): أي لا حرج ولا إثم عليكم، أو لا مضرة في عدم كتابتها. (وإِن تَفْعَلُوا): ما نهيتم عنه. (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ): أي فإنه خروج عن الطاعة متلبس بكم.

التفسير 282 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... } الآية. لما أمر الله سبحانه، بإنظار المعسر وتأجيله، أتبعه بيان الحقوق المؤَجلة، وعقود المداينة. فذكر هذه الآية الكريمة. المعنى والأحكام: الدَّيْن - كما قال القرطبي -: كل معاملة كان أحد العوضين فيها نَقْدًا، والآخر في الذمة، نسيئة أي مؤَجلاً، فإن الْعَيْنَ عند العرب ما كان حاضرًا، والدَّينَ ما كان غائبًا. وقد بين الله هذا المعنى بقوله (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). وهذه الآية نزلت في بيع السَّلم خاصة، كما قال ابن عباس، فقد أخرج البخاري، عن ابن عباس أنه قال: "أشهد أن السلفَ المضمونَ إلى أجل مسمى - أن الله تعالى أحلَّه وأَذِنَ فيه. ثم قرأ الآية" اهـ. والسلف المضمون هو السلَم، فإنه مضمون بالثمار والحبوب المؤَجلَّة المتعاقد عليها. ومع ذلك، فالآية عامة في كل دين. والسلم بيع من البيوع الجائزة باتفاق، وهو أن يسلم رجل إلى آخر عِوَضًا كالدراهم والدنانير ونحوها، في مقابل حبوب، أو ثمار غير موجودة عنده، في وقت البيع ولكنها مؤَجلة إلى أجل معلوم، ومحددة الأوصاف والمقادير ومكان التسليم. والشارع وإن كان نهى عن بيع ما ليس عندك لأنه غير مقدور عليه؛ ولأنه يفضي إلى الشقاق -فقد رخص مع ذلك في بيع السَّلَم رَفْعًا للحرج بين الناس- فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل ظهورها، لينفقه عليها. ولذا سماه الفقهاءُ: بيع المحاديج (¬1). ولما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، ورأى أهلها يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، أقرهم على ذلك، بعد أن شرع لهم قواعده، ¬

_ (¬1) وهي التي فيها الحدجُ، أي الغبن في البيع، ورخص فيه للحاجة إليه.

وصحَّح أوضاعه، فقال: "من أَسْلَفَ في تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلوم، وَوَزْنٍ مَعْلومٍ، إلى أَجَلٍ مَعْلوم". رواه ابن عباس، وأخرجه البخاري ومسلم، وغيرهما. وعَرَّف علماءُ المالكية السَّلم بقولهم: "هو بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم". والمقصود بالمعلوم في الذمة: أن يكون البيع محدودًا بأوصاف معينة، ترفع الخلاف عليه عند التسليم. والمقصود من حصره بالصفة: ألا يحصره بعينه .. مثل: الذين كانوا يستلفون في المدينة على ثمار نَخْل بأعيانها، حين قدم رسول الله إليها فقد نهوا عند ذلك لما فيه من الغرر -أي الخطر- إذ قد تُخْلف تلك الأشجار فلا تثمر شيئًا. وقوله: أو ما في حكمها، ليدخل رأس المال المؤَجل يومين أو ثلاثة، فإن السلم به جائز عند المالكية. إذ هو معتبر في حكم العين الحاضرة عندهم. ولا يجيز ذلك الشافعي، الكوفيون، فرأس المال عندهم لابد من دفعه قبل الافتراق من المجلس. والأجل المسمى: هو المعين بالأيام أو الأشهر أو نحوهما، مما يميز وقت التسليم تمييزًا دقيقًا، لا مجال للخلاف فيه. أما التأجيل لنحو الحصاد والجذاذ، ففيه خلاف: فالمالكية: يجيزونه، فهو عندهم في حكم محدود الأجل. وغيرهم لا يعتبره كذلك، فيمنع حل السلم به، لأنه يورث الخلاف. وخلاصة المعنى: يأيها الذين صدقوا بالله ورسوله إذا دَاين بعضُكم بعضا بدين، إلى أجل معين، تعيينًا لا يستتبع خلافًا، فاكتبوه بأجله. وسيأتي الأمر بالإشهاد على الدَّيْن المكتوب. والأمر في قوله: (فَاكْتُبُوهُ) لإيجاب كتابة الدَّيْن مطلقًا، سواءٌ أكان في بيع أم غيره، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود أو خلاف. واختار هذا الرأي جماعة منهم: الطبري. ومقتضاه: إثم من لم يكتب الدَّيْن.

وقال الجمهور: كتابة الدَّيْن ليست واجبة، بل مندوبة. وقد صَرَف الأَمرَ هنا عن الوجوب: أن الله أجاز لصاحب المال أن يهب ماله، فإذا كان ذلك جائزًا له، فإنه يجوز له أن يترك الكتابة ائتمانًا للمدين، ولا يعتبر آثمًا في ذلك. ولهذا قال الله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ): وسواءٌ قلنا بالوجوب أو الندب فكتابة الدَّيْن من باب الحزم؛ خوفًا من حدوث إنكار من المدين. وحاجة الدائن إلى ماله تمنعه من التنازل عن دينه عند الجحود. (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ): بعد أن أمر الله سبحانه بكتابة الدَّيْن منعًا للجحود، عَيَّن هنا من يتولى الكتابة، إذ طلب من المتداينين أن يتولاها بينهم كاتب عدل، متمسك بالدِّين، فقيه، حتى يكون ما يكتبه جاريًا على مقتضى الشريعة والعدل، فإِنَّ غير الفقيه لا يستطيع أن يقيم العدل الشرعي بينهما. وقد أفاد الأمر في قوله تعالى: (فَلْيَكْتُبْ) وجوب الكتابة على من يُدْعَى لها من الكُتاب، كما قاله عطاءُ وغيره. وقال السدي بوجوبها عليه مع الفراغ لها، وقيل بوجوبها إذا لم يوجد غيره. وبه قال الحسن. واستبعد القرطبي أن يكون الأمر بالكتابة للوجوب على الكاتب، وقال: لو كانت الكتابة واجبة لما صح الاستئجار بها، لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماءُ في جواز أخذ الأُجرة على كَتْب الوثيقة. والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذَ حقَّه. اهـ. والتعبير بقوله: (بَيْنَكُمْ) بدل (أحدكم) للإيذان بأنه ينبغي أن يكون الكاتب غير المتعاقدين، ليكون عدلا بينهما، وشاهدًا عليهما، فإن المدين لا يطمئن لكتابة الدائن،

ولا الدائن يطمئن لكتابة المدين. وقد أُمر الكاتب أن يحقق المقصود من كونه بينهما، بأن يكتب بالْعَدْلِ، فلا يميل إلى أحدهما فيما يكتبه، بل يكون بينهما قَوامًا. وإذا علقنا الباء في قوله: (بِالْعَدْلِ) بقوله: (فَلْيَكْتُبْ) صح أن يكتب الوثيقة صَبِيٌّ أو عبد أو متحوط غير عادل إذا أقام فقهها وضبطها نحو العدل الإلهي. وبذلك أخذ بعض الفقهاء. أما الإمام مالك، فقد جعل (بِالْعَدْلِ) متعلقًا بكاتب. ولذلك اشترط في كاتب الوثائق أن يكون عادلًا، عارفًا بها دارسًا لأساليبها، إذ قال رحمه الله: "لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) نقله القرطبي. وقال الآلوسي: "ومن لم يكتب كذلك يجب على الإمام، أو نائبه منعه؛ لئلا يقع الفساد، أو يكثر النزاع". (وَلَا يَابَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ): المعنى: ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للناس وثائقهم وعقودهم لأجل تعليم الله له وتميزه بالكتابة، فإنَّ تفضُّل الله عليه بعلم الكتابة، يبعثه ويدعوه إلى أن يتفضل بها على الناس؛ ليؤَديَ حق الله عليه، على حد قوله تعالى: "وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ" (¬1) أي لأجل إحسان الله إليك وذلك حسب القاعدة التي قررها قوله تعالى "هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ" (¬2). ويصح أن يكون المعنى: ولا يمتنع كاتب أن يكتب بالعدل، كما علمه الله بقوله: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) والكاف على هذا بمعنى مثل، نعت لمصدر مقدر. والتقدير: أن يكتب كَتْبًا مثل الذي علمه الله إياه. (فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): لم يكتف الله بنهي الكاتب العدل الفقيه عن الامتناع عن الكتابة، بل أمره بها أمرًا صريحًا، بقوله تعالى: (فَلْيَكْتُبْ) وذلك مؤذن بأن كتابته للوثائق حق عليه للمجتمع، لا يحق له أن يتخلى عنها، ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أنها من فروض الكفايات (¬3). إن وجد عدد من الكتاب، وإلا فهي فرض عين عليه، وقد أعطى الله الحق في إملاء الكاتب ¬

_ (¬1) القصص: من الآية 77. (¬2) الرحمن: الآية 60. (¬3) وهي التي يسقط فيها الطلب إن أداها بعض من وجبت عليهم.

للمدين، الذي عليه الحق بقوله: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): والإملال والإملاء بمعنى واحد، وهو التلقين. وإنما أعطى حق الإملاء للمدين، لأنه هو المشهور. وعليه، فلابد من أن يكون هو المقر لا غيره، حتى لا يقع عليه غبن. (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا): هذا يصلح أن يكون أمرًا للمدين الذي عليه الحق، وهو ما ذهب إليه سعيد بن جبير، وأن يكون أمرًا للكاتب. فعلى الأول، يكون المعنى: وليتق اللهَ المدينُ، الذي عليه الحق، ولا ينقص من الدين حين الإملاء شيئًا، ولم كان حقيرًا، بل يعترف به، كما اتفق عليه مع الدائن؛ منعًا للنزاع بينهما. وعلى الثاني، يكون المعنى: وليتق الله الكاتب، ولا ينقص من حق كل من الدائن والمدين شيئًا، بل يثبت لكل منهما حقَّهُ كاملاً، فلا ينحاز إلى أحدهما، ولا يضيع شيئًا على أي منهما. كما هو الشأن في العدل بين الناس. وقد علمت مما مضى: أن الله جعل للمدين الحق في إملاء الكاتب، ليكون مُقِرًا بدينه؛ حتى تأتي الشهادة صحيحة على إقراره. وبما أن المدين قد لا يحسن الإملاء على الكاتب، فلذلك أعطى الله حق الإملاء لوليه، فقال سبحانه: (فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ): والسفيه هو: المبذر لماله، المفسد لِدَيْنِهِ كما قال الشافعي. وفسره القرطبي بأنه: "المهلهل الرأي في المال (¬1)، الذي لا يحسن الأخذ لنفسه، ولا الإعطاء منها" راجع جـ 3 في الآية. ¬

_ (¬1) تشبيهًا بالثوب السفيه، وهو الخفيف النسج.

والضعيف لا يقدر على الإملاء؛ لكونه صبيًا، أو شيخًا خرفًا، أو مريضًا، ومن لا يستطيع الإملاء نحو الأخرس. فهؤلاء أربعة أصناف: لا يملي على الكاتب سوى أولهم. أما الباقون، فيملي على الكاتب، عنهم أولياؤهم بالعدل. والمقصود بالولي: من يتولى أُموره، وإن لم يكن وليه الشرعي. فيدخل فيه: القيم، والوكيل، والمترجم. والمرادُ من عدالة الولي في الإملاء: أن لا يزيد ولا ينقص عن الحق شيئًا. واستُدِلّ بوصف العدالة في الولي - على أنه لا يصح أن يكون ذميًا ولا فاسقًا؛ لأنه لا عدالة فيهما. كما استدل بالآية. على أن إقرار الولي العادل على يتيمه، صحيح. (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ): لم يكتف الله تعالى في توثيق الدين بكتابته، بل أمر المسلمين أن يطلبوا -من رجالهم المؤمنين- شهيدين يَشهدان على ما يجري عند التعاقد؛ تثبيتًا للحق ومنعًا لإنكاره أو سوء تأويل النص. وعبر عن الشاهدين بصيغة المبالغة (شَهِيدَيْنِ) للإشارة إلى أنه ينبغي طلب من تكررت منه الشهادة، فهو عالم بمنزلتها، دقيق في أدائها، قادر على القيام بها. كما أن فيه رَمْزًا إلى عدالتهما، لأنهما لا تتكرر شهادتهما عند الحكام، إلا إذا كانا مقبولين عندهم. كما أنه لم يقل: رجلين، بل قال: (مِن رِّجَالِكُمْ) للإيذان بأن الشاهدين من رجال المؤمنين المعروفين بالكمال والعدل. والأمر بالاستشهاد المذكور، قيل: للندب. وقيل: للوجوب. وفي إضافة الرجال إلى ضمير المؤمنين المخاطبين، دلالة على اشتراط الإسلام والبلوغ، مع الذكورة في الشهود، وكذا الحرية، لأن المقصود من الرجال: الكاملون في التصرف. ويدل لذلك، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ). وساق الخطاب إلى قوله (مِن رِّجَالِكُمْ) فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، والعبيد لا يملكون التداين بدون إذن السادة. وهذا هو رأي الجمهور.

وقال شريح، وعثمان العُتْبي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: شهادة العبد جائزة، إذا كان مسلمًا عادلًا. وأجازها الشعبي، والنخعي في الشيء اليسير، ورأي الجمهور هو الصحيح، كما قاله القرطبي؛ لما ذكرناه. ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض. وأجازه -قياسًا- الإمامُ أبو حنيفة، وإن اختلفت مللهم. واستدل بعض العلماء بعموم (رجَالِكُمْ) على قبول شهادة الأعمى، بشرط أن يعلم - يقينًا - ما يشهد عليه. فقد سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشهادة، فقال: "ترى هذه الشمس .. فاشهد على مثلها أَوْ دَعْ". ومنهم من قبل شهادته على الصوت إذا تحقق منه، وبذلك أفتى مالك. قال ابن القاسم: قلت لمالك: فالرجل يسمع جاره من وراء الحائظ ولا يراه، يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف صوته؟ قال مالك: شهادته جائزة. (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ): أي فإن لم يشهد رجلان، لعذر أو لعدم الرغبة فيهما، فليشهد رجل وامرأتان. وشهادتهما مع الرجل تصح -عند الشافعية- في الأموال الخاصة. وعند الحنفية، فيما عدا الحدود والقصاص. وقال مالك: لا تجوز شهادة أولئك -أي الرجل مع المرأتين- في الحدود، ولا القصاص، ولا الولاء، ولا الإحصان. وتجوز في الوكالة والوصية، إذا لم يكن فيها عتق وسائر شئون الأموال. قال القرطبي: قال مالك في الموطإ: وإنما يكون ذلك في الأموال الخاصة. واعلم أن الآية نصت على جواز قبول شهادة المرأتين مع الرجل في الدين خاصة، وذلك موضع اتفاق بين العلماء، ولا يشمل ذلك الشهادة على دين المهر، والصلح على دم العمد. فالشهادة عليهما، ليست شهادة على دين، بل على نكاح في الأولى، وعلى دم في الثانية، والنساء لا يشهدن في ذلك. وأجاز العلماء شهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن، للضرورة: كالشهادة في الولادة والبكارة، وحياة الصبي عند الولادة. وما يجري مجرى ذلك، مما بُيِّن في كتب الفقه.

(مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ): أي فرجل وامرأتان موصوفون جميعًا، بأنهم مرتضون عندكم أيها المسلمون أو الحكام. أي صالحون للشهادة، لعدالتهم وأمانتهم. وَعُلِمَ من وصف الرجل والمرأتين بذلك، وجوب أن يكون الرجلان إذا شهدا متصفين بهذا الوصف. وإنما لم يُذكر هناك، اكتفاء بذكره في أحد النظيرين هنا، ليعلم منه حكم النظير الآخر. وقال أبو حيان: إن قوله: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) متعلق باستشهدوا؛ ليكون قيدًا في الجميع. (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى): الضلال هنا: مجاز عن النسيان. وخلاصة المعنى: شرع الله لكم شهادة المرأتين مع رجل، بدلاً من الرجل الثاني، لإرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن نسيت. وأصلى المعنى -حسب النص- شرع لكم شهادة المرأتين بدل رجل، خشية أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى. نقول: وذلك لأن النسيان غالب على طبع النساء فيما ليس من شأنهن ممارسته: (وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا): أي ولا يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أمام الحاكم إذا دعوا إليها. وهذا تفسير مجاهد، وابن جبير. وقيل: إن الآية نزلت في تحميل الشهادة وأدائها، وتسمية من يدعي لتحمل الشهادة شاهدًا -وهو لم يشهد بعد- على سبيل المجاز؛ لأنه مشارف لتحملها، وعلى هذا الرأي ابن عباس والحسن. قال الحسن: جمعت الآية أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإن كانت الفُسْحَةُ لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق، فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه، ولا ثواب له. وإذا كانت الضرورة -وخيف من تعطيل الحق أدنى خوف - قَوِيَ الندب، وقرب من الوجوب. وإذا علم أن الحق يذهب، فقد وجب عليه أن يشهد، لأنها أمانة تقتضي الأداء .. انتهى باختصار.

روى عن الربيع: أن الآية نزلت، حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير، فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم - أن نزلت للحث على تحمل الشهادة. (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ): أي ولا تملوا -لكثرة مدايناتكم أو غيرها- أن تكتبوا الدين أو الحق، صغيرًا أو كبيرًا، قليلاً أو كثيرًا، مجملًا أو مفصلاً، مستقرًا في ذمة الذي عليه الحق، إلى وقت حلوله الذي أقر به. (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا): أي ذلكم الذي تقدم من الكتابة والإشهاد على الحق، أعدل في حكم الله، وأعون في أداء الشهادة على وجهها، وأقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك. (إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا): استثناء من الأمر بالكتابة، فقوله تعالى: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) إلى هنا أحكام متوسطة بين المستثنى والمستثنى منه. متعلقة بالأمر بكتابة الدين، ولبعد ما بينهما نص على المطلوب بقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا). وتقدير الارتباط بين المستثنى والمستثنى منه هكذا: يا أيها الذين آمنوا، إذا تداينتم بدين فاكتبوه، لكن وقت كون المعاملة تجارة حاضرة بحضور الثمن والمثمن تديرونها بينكم بتعاطي الثمن والْمُثْمَن يدًا بيد - فليس عليكم ضرر أو إثم في عدم كتابتكم لها، لِبُعْد ذلك عن التنازع والنسيان. وعدم الكتابة في التجارة الحاضرة مقصور على القليل، كما قال القرطبي، كالمطعوم ونحوه، دون الكثير كالأملاك ونحوها. وقال السدي والضحاك: هذا فيما كان يدًا بيد. اهـ. وذلك حق، فإن الكثير الحاضر، عرضه للإنكار والجحود والمنازعات. فكتابته والإشهاد عليه، مطلوبان، منعًا للتنازع بين الناس.

(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ): أي وأشهدوا على تجارتكم الحاضرة إذا تبايعتم، أو أشهدوا على كل بيع تجارة حاضرة أو غيرها، لأنه أحوط. ورأى بعض الفقهاء: وجوب الإشهاد على البيع، ولو كان المبيع حزمة بقل. وممن ذهب إلى ذلك الطبري، إذ قال: لا يحل لمسلم إذا باع واشترى، إلا أن يشهد، وإلا كان مخالفًا لكتاب الله عز وجل. وذهب الشعبي والحسن: إلى أن ذلك مندوب. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وذكر القرطبي أن النبي - صالى الله عليه وسلم - باع واشترى، ورهن ولم يشهد. ولو كان الإشهاد واجبًا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة. ونحن نقول: إن الناس تغيرت أخلاقهم، فالإشهاد - في هذا الزمان - واجب، لمنع الخلاف والنزاع. (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ): نهي عن المضارة، والفعل يحتمل البناء للفاعل. والدليل عليه قراءة عمر - رضي الله عنه - (وَلَا يُضَارِرْ) بفك الإدغام، وكسر الراء الأولى، ويحتمل البناء للمفعول، والدليل عليه قراءة ابن عباس: (وَلَا يُضَارَرْ) بفتح الراء الأولى. والمعنى على الأول: نهي الكاتب والشاهد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان. فإن ذلك كله مضارة للمتداينين. والمعنى على الثاني: نهي المتعاملين من الضرار بالكاتب والشهيد: بأن يعطلاهما عن مهم لهما، أو لا يعطيا الكاتب أجره على الكتابة، أو يحمل الشاهد مؤونة المجيء من بلده. ويؤيد هذا المعنى، ما أخرجه ابن جرير، عن الربيع، قال: لما نزلت هذه الآية: (وَلَا يَابَ كَاتِبٌ ... ) الخ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي، فيقول: إني مشغول أو لي حاجة، فانطلق إلى غيري، فيلزمه ويقول: إنك قد أُمِرْتَ أن تكتب لي، فلا يدعه ويضاره بذلك وهو يجد غيره. فأنزل الله تعالى: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ).

(وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ): أي وإن تفعلوا ما نهيتم عنه من المضارة، فإن فعلكم هذا فسوق وخروج عن طاعة الله متلبس بكم. (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ): واجعلوا أنفسكم في وقاية وحرز من عقاب الله: بامتثالكم ما أمركم به أو نهاكم عنه. ويعلمكم الله أحكامه المتضمنة لمصالحكم. (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): فلا يخفى عليه حالكم، فيجازيكم حسب استحقاقكم. وتكرير لفظ الجلالة في الجمل الثلاث، لقصد التعظيم، وتربيه المهابة، وتعليل الحكم. وفي الآية توجيه لتعليم القراءة والكتابة، لحاجة المسلمين إليها في وثائقهم. {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)} المفردات: (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ): أي مسافرين فعلا، ولذا عَبَّر بقوله: (عَلَى سَفَرٍ) إشعاراً بمباشرتهم له، وتمكنهم منه تمكن الراكب مما يركبه. (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ): الرهان جمع رهن، وهو ما يأخذه الدائن من الأعيان ذات القيمة ضمانًا لدينه، وهو في الأصل مصدر، وشاع استعماله في العين المرهونة، حتى أصبح فيها حقيقة عرفية.

التفسير 283 - {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ... } الآية. بين الله تعالى في الآية السابقة: أن على من تداينوا أن يكتبوا الدَّيْنَ، وأن يقوم بكتابته بينهم كاتب بالعدل، لتكون الوثيقة حرزًا من النسيان أو الإنكار. وذكر من أحكام ذلك ما شرحناه. وفي هذه الآية، يبين لنا ما ينبغي عمله عند فقد الكاتب في حالة السفر لأجل الاستيثاق من الدين، فيقول ما معناه: وإن كنتم - أيها المتداينون - مسافرين، ولم تجدوا كاتبًا يكتب بينكم الدين، فالذي يستوثق به حينئذ، رهان يقبضها الدائنون، وتبقى عندهم حتى أداء الدين، فترد إلى المدينين. وأخذ مجاهد بظاهر الآية، فلم يجز الرهن إلا في السفر. وقيده الضحاك في السفر بفقدان الكاتب. ولكن الراجح: جواز الرهن سفرًا وحاضرًا. فقد روى البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رهن درعه في المدينة عند يهودي على ثلاثين صاعًا من شعير" (¬1) ولم تتعرض الآية للشاهد، لأن حكم الكاتب يسري عليه وجودًا وفقدانًا. وفي التعبير بقوله: (مَقْبُوضَةٌ) دون تقبضونها، إشارة إلى الاكتفاء بقبض الوكيل. (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ): بعد أن بين الله - فيما مضى - طريقي الاستيثاق من الدَّيْنِ - وهما الكتابة والإشهاد أو الرهن - ذكر أُسلوبًا آخر في التعامل، هو أسلوب الاستئمان والثقة، فقال ما معناه: فإن أمن بعض الدائنين بعض المدينين - في حضر أو سفر بسبب حسن الظن والثقة، فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن - فليؤَد المدين الذي ائتمنه الدائن أمانة صاحب الدين، أي دينه الذي له عليه. ¬

_ (¬1) هكذا يتعامل اليهود دائمًا. فلا يقبلون أن يكون لهم دين على أحد إلا برهن، ولو كان أشرف الشرفاء. فالمال معبودهم الأول. وإنزال الناس منازلهم، ليس من القيم المعتبرة عندهم.

(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ): فلا يخونه بإنكار كل حقه أو بعضه، فإنه تعالى رقيب حسيب، شديد العقاب للخائنين. وبهذا تضمنت الآية الكريمة ثلاثة أصناف من البيع: أحدها يبيع بكتاب وشهود، وثانيها بيع برهن، وثالثها بيع بأمانة. (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ): هذا خطاب للشهود المؤمنين، كما قاله سعيد بن جبير وغيره. والمعنى عليه: ولا تخفوا الشهادة بما علمتم إذا دعيتم إلى لأدائها. والآية وإن نزلت في الدَّيْنِ إلا أنها عامة - توجب أداء الشهادة على وجهها في كل حال. وقيل: هو خطاب للمدينين على معنى: ولا تكتموا شهادتكم على أنفسكم، بل أقروا بالحق، ولا تحتالوا بإبطال شهادة الشهود عليكم بالجرح ونحوه أمام القضاء. (وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ): أي ومن يكتم الشهادة بالحق، فإنه آثم قلبه. وإسناد الإثم إلى القلب، لأن الكلام فيمن كتم ما يعلمه، وهو بذلك يكون قاصدًا إخفاء الحق. وذلك من عمل القلب، فلذا أسند الإثم إليه. وإذا أثم القلب أثم صاحبه، لأن العبرة بأفعال القلوب. ولذا رفعت المؤاخذة عمن يفعل المعصية ناسيًا، لأنه لا قصد له فيها. كما أن الآية تشير بذلك، إلى أن أثر المعصية بالكتمان يبقى في قلبه، إذ يستتبع فيه سوادًا. روى الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والحاكم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتَتْ في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو على قلبه، وهو الران الذي ذكر الله تعالى: "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ" (¬1). وجاء في الحديث الصحيح "ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" رواه الشيخان. ¬

_ (¬1) المطففين: الآية 14.

(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ): ختم الله الآية بذلك، تحذيرًا للكاتمين، وتنبيهًا للغافلين، وإنذارًا للجاحدين، وتبشيرًا لأهل الأمانة والوفاء. أي والله بما تعملون من خير وشر، بليغ العلم، فيجازي كلًا على حسب عمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)} المفردات: (تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ): تظهروه. (يُحَاسِبْكُم بِهِ): أي يبينه لكم، ويجازيكم عليه. التفسير 284 - {لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... } الآية. حذر الله - سبحانه - في الآية السابقة من كتمان الشهادة، وجعل من يكتمها آثمًا عاصيًا، وبين هنا، أنه سبحانه وتعالى بكل ما يعملون عليم، فلا يخفى عليه ما كتموه، وما يظهرون، فيغفر لمن يشاءُ، ويعذب من يشاءُ. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): وبذلك استكملت صورة التحذير من مخالفة ما أمرهم به جَلَّ وعلا. والمعنى: لله ما في السموات وما في الأرض من أجزائهما، وما استقر فيهما، لا يشاركه في خلقها أو ملكها، أو التصرف فيها شريك، فله أن يلزمكم أيها العباد بما يشاءُ من التكاليف،

الأحكام

وعليكم أن تطيعوه، ولا تعصوه .. وإن تظهروا ما في أنفسكم من المعاصي أمام الناس، فلا تبالوا بإظهاره أو تخفوه عنهم تقية أو أنفة، فإن الله تعالى يعلمه ويجازيكم به، فإنه يعلم السر، كما يعلم العلن. (فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): أي فيغفر بفضله لمن يشاءُ أن يغفر له، ويعذب بعدله من يشاءُ أن يعذبه، والله على كل شيء قدير. ومن كان كذلك فهو قادر على حساب أهل العصيان، ومنح الغفران لمن يشاءُ، وحرمانه من يشاءُ، لا راد لفضله وعدله. الأحكام دلت الآية على أن الله - تعالى - عالم بما يعمله عباده. من أعمال: ظاهرة، أو مستورة عن العيون، أو مضمرة في القلوب، وأنه يحاسبهم عليها. فكل ذلك داخل تحت قوله تعالى: (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ). كما دلت الآية على أنه تعالى يغفر لمن يشاء من المؤمنين، ويعذب من يشاء من المذنبين. ومن الأعمال القلبية التي يحاسب الله عليها: النفاق: بالإيمان، وبالعمل، وسوء الظن بالمسلمين، والحقد والحسد ونحو ذلك. ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان ويحاسب عليه الوساوس، وحديث النفس، لأن ذلك ليس في وسع الإنسان اجتنابه، والله تعالى يقول: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (¬1). وفي ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت بها نفسها، ما لم تتكلم، أو تعمل". بل إن المؤمن لو تجاوز حديث النفس إلى الهَمِّ بالمعصية، ثم عدل عن فعلها فلا تكتب عليه. وفي ذلك يروي الشيخان (¬2)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله ¬

_ (¬1) البقرة: من الآية الأخيرة. (¬2) واللفظ لمسلم.

عليه وسلم -: "قال الله: إذا هَمَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها، فاكتبوها سيئة، وإذا هَمَّ عبدي بحسنة فلم يعملها، فاكتبوها حسنة، فإن عملها، فاكتبوها عشرًا". وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على السيئات القلبية: كالحقد، والحسد، والنفاق. كما تقدم. {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)} المفردات: (وَمَلَائِكَتِهِ): الملائكة، أجسام نورانية قادرة على التشكل، خلقوا للطاعة: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤْمَرون. (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ): أحد؛ همزته أصلية. وهو اسم يطلق على الواحد والمثنى والجمع، مذكرًا كان أو مؤنثًا. ولذا صح دخول: بين، عليه، كأنه قيل بينهم. ومنه ما في قوله تعالى: "فَمَا مِنكُم مِّن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ" (¬1). التفسير 285 - {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ... } الآية. قال الزجاج: لما ذكر اله تعالى - عز وجل - في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والطلاق والحيض، والإيلاء، والجهاد، وقصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والدَّيْن والربا، ختمها بهذا تعظيمًا لنبيه وأتباعه، وتأكيدًا وجمعًا لما ذكر من قبل ... اهـ بتصرف يسير. ¬

_ (¬1) الحاقة: الآية 47.

والمعنى: آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه - في هذه السورة وغيرها - إجمالًا وتفصيلًا، وآمن المؤمنون به كذلك. والفرق بين الإيمانين، أن إيمان الرسول مبني على المشاهدة والوحي، وإيمان المؤمنين ناشيءٌ عن الحجة والبرهان. (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ): هذه الجملة مستأنفة لتقرير الإيمان المذكور وتفصيله، أي كل من النبي وأفراد المؤمنين، صدَّق بالله وما يتصف به من كل كمال، وما يتنزه عنه من كل نقص، وصدق بملائكته وطهارتهم من المعاصي، وأنهم منفذون لأوامر الله تعالى، وأن بعضهم سُفَراءُ بينه تعالى وبين رسله الأكرمين، وآمن بكتبه التي أنزلها على رسله متعبدًا بها عباده، وآمن برسله من حيث إنهم مبلغون لكتبه وشرائعه إلى خلقه. (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ): أي كُلٌّ آمن قائلاً: لا نفرق بين رسله. فلا نقول: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما فعل أهل التوراة والإنجيل، بل نُؤْمِنُ بهم جميعًا، فهم رسل الله إلى خلقه، فمن كفر بأحدهم، فهو كافر بهم جميعًا، فلا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا. (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ): جملة: قالوا سمعنا ... إلخ معطوفة على (آمَنَ)، وهذه الجملة من الآية، حكاية لامتثالهم الأوامر والنواهي إثر حكاية إيمانهم. والمراد من سمعهم: إجابتهم وامتثالهم. والمراد من إطاعتهم: قبولهم ما كلفوه - طواعية واختيارًا - دون إكراه. ولما كان المكلف لا يخلو من تقصير قالوا: غفرانك ربنا لما قصرنا فيه. ثم ختموا كلامهم بالاعتراف بالبعث بعد الموت، فقالوا: وإليك المصير والانتهاءُ: لا إلى غيرك.

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)} المفردات: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا): التكليف، الأمر بما يشق. والوسع: الطاقة. (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ): الكسب والاكتساب. بمعنى واحد: وهو التحصيل. (نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا): المراد من النسيان، ترك الواجبات، ومن الخطأ: فعل المنهيات. (وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا): الإصر؛ معناه - هنا - العبءُ الثقيل، مأخوذ من أصره يَأصِرُه أي حبسه، والمراد به: التكاليف الشاقة. (مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ): ما لا قدرة لنا على تحمله من العقوبات. التفسير 286 - {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ... } الآية. هذه جملة مستأنفة: بيَّن فيها الله - سبحانه وتعالى - يُسْرَ التكاليف على عباده، فقد ذكرها سبحانه بعد تلقي عباده لتكاليفه بالطاعة والقبول. والمعنى: أنه تعالى، جرت سنته: ألا يكلف نفسًا من النفوس، إلا ما تطيقه وتتسع له قدرتها. بل هو في الحقيقة دون وسعها وطاقتها. فالصلاة: كلفنا منها خمسًا في اليوم والليلة، والطاقة تتسع لأكثر منها.

والصيام: كلفنا منه شهر رمضان، والطاقة البشرية تتسع لأكثر منه. وهكذا. وإذا كانت سنته - تعالى - ألا يكلفنا إلا ما نطيقه، فإن ذلك يدل على أنه لا ي4كلف بالمحال: فضلا منه وكرم، وحكمة ورحمة. (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ): بعد أن بين الله - تعالى - أن تكاليفه دائمًا في وسعنا، وبقدر طاقتنا، عقب ذلك ببيان أن فعلها، تعود منفعته على فاعليها، وأن تركها تعود مضرته على تاركيها دون غيرهم، ترغيبًا للمكلفين في المحافظة عليها، وتحذيرًا لهم من الإخلال بها، أن للنفس ثواب ما كسبت من الطاعات، وعليها عقاب ما اكتسبت من المعاصي. وعبر بالكسب مع الطاعة، والاكتساب مع المعصية، من باب التلوين في نمط الكلام، كما في قوله تعالى: "فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا" (¬1). (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا): شروع في بقية دعوات العباد، بعد أن تخللها بيان أن الله لا يكلفهم إلا بما يطيقون. والمعنى: هذا الدعاء من إرشاد الله بعباده، فهو على تقدير الأمر منه - سبحانه - كما نقله أبو حيان في البحر، عن الحسن: أي: قولوا في دعائكم: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا): وظاهر الآية يفيد: أن من ترك واجبًا، أو فَعَلَ محرمًا، نسيانًا، أو خطأً، أي جهلاً بالحكم الشرعي، يؤَاخذ عليه، ولهذا يعلمنا الله - تعالى - أن ندعوه ألا يؤَاخذنا على ذلك، ولكن هذا يخالف قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (¬2). كما أننا لو أُوخذنا بما نسينا أو أخطأنا، لكنا مكلفين وقت النسيان أو الخطأ، وذلك لا يصح، لأنه تكليف بما ليس في وسعنا، والله تعالى يقول: ¬

_ (¬1) الطارق: 17. (¬2) أخرجه ابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، والطبراني، واللفظ للأخيرين.

(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا): والمخرج من هذا، أن يفسر النسيان بالترك عمدًا، فهو من معانيه اللغوية. ومنه قول الشاعر: ولم أك عند الجود للجود قاليا ... ولا كنت يوم الروع للطاغين ناسيا ويفسر الخطأُ بفعل أو ترك الصواب من الواجبات - أو المنهيات - كسلا أو غواية، أو انحرافًا، فإن فسر بذلك، استقام الدعاء بعدم المؤاخذة عليهما. وقال الزمخشري: ذُكِر الخطأُ والنسيان. والمراد ما هما سببان عنه من التفريط والإغفال. اهـ. ومقتضى هذا: أن الذي يعرف عن نفسه النسيان يجب عليه أن يحتاط بما يُذَكِّرُهُ، وإلا كان آثمًا. وكذا المخطيء إذا لم يجتهد في تجنب الخطأ بسؤال أهل العلم. (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا): أي ربنا ولا تحمل علينا عبئا ثقيلا، كما حملته على الذين من قبلنا. والمقصود منه - كما قال ابن زيد - الذنب الذي ليس له توبة ولا كفارة. وقيل: هو ما كلفه الله بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة، أو في القصاص، لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم، وقطع موضع النجاسة من الثوب ونحوه، وصرف ربح مال الزكاة. وما إلى ذلك. (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ): يعلمنا الله بذلك: أن نستعفيه من العقوبات التي لا تطاق، بعد أن علمنا الاستعفاء مما يؤدي إليها. ويجوز أن يكون المراد مما لا طاقة لنا به من المحن والبلايا، التي لا نطيق تحملها، كالأمراض الجسدية والنفسية، والعسر بعد اليسر، والمشكلات التي لا نجد لها حلاً ونحو ذلك.

(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا): أي وامح آثار ذنوبنا بترك عقوبتنا عليها، واغفر لنا بستر القبيح، وإظهار الجميل، وتعطف علينا بكرمك وفضلك، رحمة منك. قال أبو حيان: ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ: ربنا، لأنها نتائج الجمل التي تقدمت، فجاء: (وَاعْفُ عَنَّا) مقابل: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا). وجاءَ (وَاغْفِرْ لَنَا) مقابل: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا). وجاء (وَارْحَمْنَا) مقابل: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ). إلى آخر ما قال. (أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ): أي أنت مالكنا وسيدنا ومتولى أُمورنا. وإذ كنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين الذين يريدون المكروه بنا، فمن كنت مولاء لا يضام. روى عن معاذ بن جبل: أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال (آمين). قال ابن عطية: هذا يظن أنه رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد، من حيث أن هنالك دعاء وهنا دعاء، فحسن. وقال على بن أبي طالب كَرَّم الله وجهه: ما أظن أن أحدًا عقل وأدرك الإسلام، ينام حتى يقرأهما. وروى مسلم في هذا المعنى، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه". قيل: مَعْناه كفتاه من قيام الليل. كما روى عن ابن عمر. وقيل: كفتاه من شر الشيطان، فلا يكون له عليه سلطان، كما روى عن حذيفة بن اليمان. والله أعلم.

سورة آل عمران

سورة آل عمران: مدنية وآياتها: مائتان نزلت بعد الأنفال أهم مقاصدها: 1 - بدأ الله تعالى هذه السورة بتوحيده، وذكر بعض أسمائه الحسنى، وأنه سبحانه أنزل القرآن: مصدقًا لما سبقه من الكتب السماوية. وذكر أن من آياته: المحكم؛ الذي يتمسك به المؤمنون، ومنها المتشابه الخفي، الذي يؤَوِّله الكافرون حسب أهوائهم. 2 - ثم ذكر أن اللذائذ الدنيوية زائلة، وأن الآخرة خير وأبقى، وما فيها إنما هو للمؤمنين الذين أيقنوا أن الدين الحق: هو الإسلام. 3 - ثم علَّم الرسول ما يقوله عند محاجة الكفار. وأبان أن أهل الكتاب بعضهم مهتد وبعضهم كافر: يقتلون الأنبياء، ويدَّعون أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا قلائل. وأمر المؤمنين أن لا يتخذوهم أولياءَ. 4 - وأعلم أن محبته سبحانه لا تَتِمُّ إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. 5 - وذكر قصص بعض المصطفين الأخيار: كمريم، وزكريا، ويحيى، وعيسى - عليهم السلام - وما جرى لعيسى من المعجزات، وردَّ على ما اعتقده النصارى فيه من أنه ابن الله. 6 - وأمر النبي، أن يدعو أهل الكتاب إلى المباهلة والدعاء، بأن ينزل الله لعنته على الكافرين. 7 - ورَدَّ على اليهود الذين قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا. وذكر أن أَوْلَى الناس بإبراهيم: الذين اتبعوه، والنبي والمسلمون.

8 - ونبه المؤمنين ألا يغتُّروا بكلام اليهود - الذين من عادتهم إلقاء الشبهات، وإظهار الإيمان في بعض الأوقات، وإصرارهم على الخيانة، وتحّريفهم التوراة. 9 - وأبان أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء: أنهم يؤمنون بجميع الرسل، وأنه من صفة محمد كونه مصدقًا لما معهم. 10 - وأظهر أن من مات على الكفر لا يُقبل منه مال ولا ولد فداء له. وعلم المؤمنين كيفية الإنفاق. 11 - وكذَّب اليهود الذين ادعوا أن كل شيء يحرمونه كان محرمًا على نوح وإبراهيم!!. 12 - وأمر النبي أن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقوله صلى الله عليه وسلم، وأن يدعوهم إلى اتباع دين الإسلام. 13 - ثم ذكر أفضلية البيت الحرام على غيره، وأن حجه واجب على المستطيع. 14 - وحذَّرَ فريقًا من المسلمين من استماع كلام الكافرين. وطلب إلى المسلمين جميعًا، أن يكونوا دعاة إلى الإيمان والعمل الصالح. 15 - وأبان أحوال الناس يوم القيامة. وبشَّرَ المؤمنين بالنصر. والكافرين بالعذاب. 16 - ونَهَى المؤمنين أن يتخذوا بطانة من الكفار، وحثَّهم على أن يخاطبوهم خطاب الأعداء ويعلموهم أن الله مطلع على ما في قلوبهم من: الحقد والبغض للمؤمنين ... ودعا المسلمين إلى الصبر، ووعدهم بالحفظ من كيد الكافرين. 17 - وذَكر قصة بَدْر، ونصْرَ الله للمسلمين. 18 - ونهى - سبحانه وتعالى - عن أكل الربا. 19 - وذكر صفات أهل الجنة. 20 - وأخبر - عز وجل - أن رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قد نسخَتِ الشرائع السابقة.

21 - وذكر غزوة "أُحد" وقرر أن طريق الجنة: الجهاد والعمل الصالح، وأن كثيرا من الأمم حاربت مع أنبيائها. وكرر زجر المؤمنين عن متابعة الكفار. وكرر تبشيرهم بالنصر. وذم المنهزمين الفارين. 22 - وأبان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رحيم بأمته وأنه لو كان سيء الأخلاق، لابتعد الناس عنه. وحثه على مشاورة أصحابه والعزم والتوكل على الله. وأبان أنه سبحانه تفضل على الخلق، برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. 23 - وبين حال الشهداء وفضلهم، ومنزلتهم السامية عند الله. 24 - وذكر أن الشيطان وأولياءه يثبطون الهمم، وأن شأن المؤمنين الالتجاء إلى الله لينجيه منهم، وأنه سبحانه سيميز المنافقين من المخلصين. 25 - ونَفَّر من البُخْلِ. وأبان أن اليهود يدعون أن الله فقير وأنهم أغنياءُ. وتوعدهم على هذا القول الفاجر. 26 - وسلَّى نبيه بأنه - تعالى - سيحاسب الجميع بعد الموت، وأنه - سبحانه - يختبر عباده، وأن من صبر، فله الأجر. 27 - وبيَّنَ أن اليهود كتموا ما أنزل الله. وكذَّبُوا الرسول وهم يعلمون صدقه. 28 - وقرَّر أنه يَبْتَلِي المؤمنين ليمحصهم ويرفع درجاتهم، ودعاهم إلى الصبر والتقوى. 29 - ودعا الناس إلى استعمال عقولهم، ليصلوا إلى معرفة الله، ووصف أصحاب العقول بالصفات الطيبة. 30 - وأبان أن أعداء الله - وإن كانوا في صولة الدنيا - لا ينبغي أن يغتر المؤمنون بما نالوه، فمصيرهم إلى جهنم. وَطَيَّبَ خاطرَ المؤمنين، بأنه أعدَّ لهم الثواب والنعيم. 31 - وأبان أن بعض أهل الكتاب آمنوا، وطلب إلى المؤمنين الصبر والمرابطة والتقوى والتمسك بالوحدانية المطلقة والعمل الصالح رجاء الظفر بقربه تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)} المفردات: (الم): سبق الحديث عنها في أول سورة البقرة. (الْقَيُّومُ): القائم بذاته، أو عظيم القيام على تدبير خلقه. (الْفُرْقَانَ): القرآن، أو جميع الكتب السماوية، لأنها تفرق بين الحقِّ والباطل. (ذُو انتِقَامٍ): ذو عقوبة شديدة لمن عصاه. لا يقدر على العقاب بمثلها أحد. التفسير 1 - {الم}: 2 - {اللَّهُ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}: سبب النزول: نزلت في وفد نجران، حين قدموا إلى المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحاجونه في شأن عيسى بن مريم. روى ابن جرير، عن الربيع عن أنس، قال: "إن النصارى أَتَوْا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخاصموه في عيسى بن مريم، وقالوا له: من أبوه؟، وقالوا على الله الكذب والبهتان. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه

وسلم -: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء: يَكْلؤُه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل عيسى يملك من ذلك شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السما؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن ربنا صَوَّر عيسى في الرحم كيف شاءَ، وأن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّيَ كما يغذي الصبي، ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا، ثم أبوا إلا جحودًا .. فأنزل الله: (الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ): المعنى: ذهب بعض المفسرين: إلى أن (الم) وأمثالها، من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وقال آخرون: إنها أسماء حروف هجائية: ترمز إلى تحدي العرب بأن القرآن مؤلف من كلمات ذات حروف كهذه، فأتوا بمثله إن صح زعمكم أن محمدا افتراه، فإذا عجزتم، فمحمد مثلكم لا يستطيع أن يأتي بمثله، فيجب الإيمان بأنه من عند الله تعالى [ارجع إلى ما قيل فيها في صدر سورة البقرة]: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): (اللهُ): هو الإله، المنفرد بالأُلوهية، المستحق وحده للعبادة، فالأُولوهية مقصورة عليه، ثابتة له، منفية عن غيره، وبذلك نفى الشريك كما تزعم النصارى في عيسى، وكما تزعم اليهود في عُزَيْر، فإن اعتقاد البنوة شرك. كما نَفَى أن يكون هناك إله غيره، كما يزعم المشركون. كما أن الآية تنفي أن يكون الكون بغير إله خالق، كما يقول الدهريون.

(الْحَيُّ): المراد بالحي: الدائم الحياة، الذي لا يموت أبدًا. (الْقَيُّومُ): الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. والوصفان، كالدليل على استحقاق الله للتفرد بالأُولوهية. 3، 4 - {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ ... } الآيتان. أي نزل عليك القرآن. وعبر عنه بالكتاب، للإيذان بأنه هو الكتاب المتميز، الذي ينصرف إليه هذا الاسم عند الإطلاق (¬1)، أو للإشارة إلى أنه مشتمل على ما فيه غيره من الكتب السماوية من المقاصد المشتركة بين الأديان فكأنه جنس الكتب السماوية (¬2). وعبر في جانب القرآن بالتنزيل، وفي جانب التوراة والإنجيل بالإنزال - كما سيجيء - لأن التنزيل للتكثير، والله نزل القرآن مفرقًا حسب الوقائع شاملًا لجميع شئون الحياة، فكان معنى التكثير حاصلا فيه. وأما التوراة والإنجيل فإنه - تعالى - عالج فيهما بعض شئون الحياة. ومعنى تنزيل القرآن على الرسول بالحق، أنه - تعالى - نزله عليه ملتبسًا بالحق في جميع صوره: من توحيد لله وتنزيهه عن الصاحب والولد، وإخباره عن أحوال الأُمم السابقة مع رسلهم، وشهادته بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإخباره بأن أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بأوصافه المميزه له، وما جاء به من العبادات والمعاملات والأخلاق، وأحوال الآخرة، فكل هذه الصور من الحق، جاء بها القرآن العظيم. وكما نزله الله على رسوله بأنواع الحق التي ذكرناها، فقد نزله مصدقًا لما بين يديه، أي لما سبقه من الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - أي موافقًا لها فيما اشتملت عليه من العقائد، وأُصول الأحكام. فكل ما يوجد في التوراة والإنجيل مخالفًا لما جاء فيه - كجعلهم لله صاحبة أو ولدًا أو غير ذلك، من العقائد وأُصول الأحكام - فهو من تحريف أهل الكتاب، وهو مردود على أصحابه. ¬

_ (¬1) فأل فيه على هذا للعهد. (¬2) فأل فيه على هذا للجنس.

فالغرض من هذين الوصفين، رد ما عليه أهل الكتاب، وإيذان بأن ما هم عليه، إنما هو مخالف للحق، ولما جاء في التوراة والإنجيل النازلين من عند الله - تعالى - وبيان أن الحق - الموافق لسائر الكتب السماوية - هو ما جاء في القرآن المجيد. ولذا عقبه بقوله: (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ): أي فأنزل التوراة والإنجيل من قبل القرآن، لأجل هداية الناس حين أنزلهما على موسى وعيسى، فلم يكن فيهما شيء من الضلال، الذي يشتملان عليه الآن. (وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ): أي وأنزل القرآن بعدهما: فارقًا بين الحق الذي كانت عليه الكتب السماوية، وبين الباطل الذي عليه أهل الكتابين الآن، وسائر أصحاب الملل والنحل. فقد بين الحق في أمر عُزَيْر وعيسى، ونفى أنهما وَلَدَان لله. وأحل الحلال، وحرَّم الحرام، وفرض الفرائض، وشرع الشرائع، وسنّ الأخلاق الرفيعة، وأوجب توحيد الله في العبادة، ونفى عنه الشركاء، وأخبر عن يوم القيامة الذي تجزى فيه كل نفس ما عملت من خير أو شر، وأقام الأدلة على ثبوته. فمن استحب العمى على الهدى - بعد هذا الفرقان - فأُولئك هم الظالمون. "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ" (¬1). أخرج ابن جرير، عن محمد بن جعفر بن الزبير: أنه - أي القرآن - الفاصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى - عليه السلام - وغيره. وأيد هذا، بأن صدر السورة نزلت في محاجة النصارى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر أخيه عيسى. ولما ذكر الله ما يتعلق بمعرفة الإله، وتقرير النبوة، أتبعه الوعيد للكافرين المعرضين عن هذا الحق فقال: ¬

_ (¬1) الشعراء من الآية: 227.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ): المراد بالكافرين: النصارى الذين نزل صدر السورة بسببهم، أو كل كافر، فيدخل هؤلاء فيهم دخولاً أوليًا. والمراد بآيات الله: الكتب المنزلة على الرسل، أو ما يعمها وغيرها. كالآيات الكونية والمعجزات، وإضافة الآيات إلى اسم الله - تعالى - تهويل لفظاعة تكذيبها، وتأكيد لاستحقاقهم العذاب، وتنكير (عَذَابٌ) لتعظيم أمره. أي أنه عظيم لا يُقَدَّر قدره. (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ): العزيز: الغالب الذي لا يُغلب. والانتقام: العقوبة. وكلمة (عَزِيزٌ): للإشارة إلى القدرة التامة على العقاب. والجملة سيقت لتقرير الوعيد السابق عليها. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)} المفردات: (لَا يَخْفَى): لا يغيب. (يُصَوِّرُكُمْ): يخلقكم على ما يشاء من صورة. (الْأَرْحَامِ): جمع رحم. وهي مكان الحمل. مشتق من الرحمة.

التفسير 5 - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}: إن الله واسع العلم، لا يخفى عليه شيءٌ كائن في الأرض ولا في السماء، لعلمه بما يقع في العالم من كُلِيٍّ أو جُزْئِيٍّ، فهو العالم بما كان وما يكون، وهو مطلع على كُفْر مَنْ كَفَرَ بآيات الله، وإيمان من آمن بها. وهو مجازيهم عليه، والمسيحيون يؤمنون بألوهية عيسى غافلين عن أنه بشر محدود المعرفة فكيف يكون إلها؟ وعبر عن علمه - تعالى - بذلك، إيذانًا بأن علمه - سبحانه - بالكائنات - ولو كانت في أقصى غايات الخفاء - ليس من شأنه أن يكون فيه شائبة خفاء بوجه من الوجوه، بل هو في غاية الوضوح والجلاء. 6 - {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ... } الآية. أي يخلقكم على الصورة التي يريدوها. والآيتان رَدٌّ على نصارى نجران في دعواهم أُلوهية عيسى. ووجه الرد: أن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيٌ ما: في الأرض ولا في السماء. وعيسى - كخلق الله - يخفى عليه ما لم يُعْلِمْهُ اللهُ إياه. فلا يصلح أن يكون إلها. والله هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاءُ. وعيسى لا يقدر على ذلك. بل صَوَّره الله في رحم أمه كسائر خلقه فهو مخلوق لا خالق. ومن كان كذلك - لا يصلح أن يكون إلها. كما أن الآية الثانية كالدليل على أن الله لا يخفى شيءٌ في الأرض ولا في السماء. فإن من صور الأجنة في الأرحام، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، فمفهوم هذه الجملة كالنتيجة لما قبلها. فكأنه قيل: ومن كان لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء - وجب أن ينفرد بالألوهية، فلا يشاركه فيها وَلَدٌ أوْ غيره. وأن يكون هو العزيز الذي يغلِب ولا يُغلَب، الحكيم في صنعه وتدبيره.

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} المفردات: (مُّحْكَمَاتٌ): واضحة الدلالة على معانيها. (مُتَشَابِهَاتٌ): محتملات لعدة معان لا يتضح مقصودها، فاشتبه أمرها على الناس. (زَيْغٌ): ميل عن الحق إلى الباطل. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ): طلبًا لها. (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ): الثابتون فيه. (الْأَلْبَابِ): العقول الخالصة. التفسير 7 - {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ... } الآية. بعد أن بين الله: أن القرآن نزَّله الله مصدقًا للكتب السماوية التي سبقته، وأنه فارقٌ بين الحق والباطل، وتوَعَّد مَن كَفر به، وأكد الوعيد بذكر أنه لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء - عاد إلى الحديث عنه في هذه الآية، على ما سنشرحه.

والمعنى: الله الذي تقدم بيان صفاته الجليلة، هو الذي أنزل عليك - يا محمد - القرآن فيه آيات محكمات: أي واضحة الدلالة على معانيها. وقد وصف الله هذه الآيات المحكمات بأنها: أُم الكتاب. أي مرجع أحكامه، وأصل معانيه. وسنوضح ذلك في الكلام على المتشابهات. (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): أي وفيه آيات أُخرى متشابهات، أي غير واضحة الدلالة على معانيها بنفسها. فهذه ترجع - في أحكامها ومعانيها - إلى ما تقرر في المحكمات التي جعلت أصلا ومرجعًا لأحكام القرآن ومعانيه المتشابهة. فأطلق عليها: أُم الكتاب، من أجل ذلك. فكما أن الولد يرجع إلى منبته وأصله وهي أُمه - فكذلك المتشابهات، ترجع إلى المحكمات، فهي أصلها وأُمها ومآلها. ومن ذلك قوله تعالى: "لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ" (¬1)، وقوله: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" (¬2)، فتُحمل الأولى على معنى: لا تحيط به الأبصار، وتُحمل الثانية على معنى أنها تنظر إليه من غير إحاطة .. برَدِّها إلى المحكم وهو قوله تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (¬3)، فإنها تقتضي أن النظر إليه - سبحانه - لا يصح أن يكون فيه إحاطة به، حتى لا يماثل مخلوقاته في ذلك، وليتفق هذا التأويل مع نفي إدراكه الذي اشتملت عليه الآية الأولى. وهكذا كل ما يكون متشابهًا في القرآن، يحمل على محكمه. قال الزمخشري: فإن قلت: فَهَلَّا كان القرآن كله محكمًا؟ قلت: لو كان كله محكمًا لتعلق الناس به، لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك، لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به (¬4). ولما في التشابه من الابتلاء، والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعاب القرائح - في استخراج معانيه ورده إلى المحكم - من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في ¬

_ (¬1) الأنعام من الآية: 103. (¬2) القيامة الآيتان: 22 و 23. (¬3) الشورى من الآية: 11. (¬4) وهو التفكر العقلي والتدبر في الآيات.

كلام الله، ولا اختلاف فيه - إذا رأي فيه ما يناقض ظاهره - وأَهمَّهُ طلبُ ما يوفقُ بينه ويجريه على سَنَن واحد، ففَكَّر وراجع نفسه وغيره، وففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه للمحكم - ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوة في إيمانه ... اهـ والله أعلم. (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): لَمَّا بين الله أن في الكتاب: محكمًا ومتشابهًا، فرَّع على ذلك موقف أهل الزيغ من المتشابه. وأهل الزيغ: هم المائلون عن الحق إلى الأهواء الباطلة، فيدخل فيهم نصارى نجران، الذين نزل صدر الصورة بسببهم. (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ): أي فيتعلقون بذلك المتشابه وحده، ولا ينظرون إلى المحكم ليردوه إليه، بل يأخذون بأحد الاحتمالات الباطلة التي توافق أغراضهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة، إلحادًا وكفرًا. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ): أي طلب فتنة الناس عن دينهم؛ بالتشكيك في كونه من عند الله، بزعم تناقضه، وطلب تأويله إلى معان توافق مذاهبهم المبتدعة في الدين، ليحدثوا فِرَقا تشق وحدة المسلمين، كتلك الفرق التي ظهرت، مثل النصيرية والقاديانية والبهائية. والذين يتبعون المتشابه فريقان: فريق من الكفار صرحاء مجاهرون، يريدون هدم الدِّين بزعمهم تناقضه (¬1)، وفريق منافقون ملحدون منحرفون عن جماعة المسلمين. (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ): أي وما يعمل تأويل المتشابه - حسبما ينبغي له - إلا الله. ولذا أَوَّله وفسَّره بآياته المحكمات، التي (هُنَّ أَمُّ الْكِتَابِ)، ومرجع المتشابه فيه. ¬

_ (¬1) كما فعل النصارى في شأن عيسى، حيث زعموا تناقض القرآن حين نفى بنوة عيسى لله تارة، وأثبتها أخرى حين ذكر أنه روح منه. وهذا زيغ منهم يبتغون به الفتنة، فإن المراد من قوله: "وروح منه" أنه صادر من الله، فكما أن كل شيء صادر من الله بالخلق والإبداع، فكذلك روح عيسى، وصدق الله إذ يقول: "لَمْ يَلِدُ وَلَمْ يُولَدْ".

(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا): يحتمل أن يكون الكلام قد تمَّ، عند قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) وابتداء كلامًا جديدًا بقوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) والمعنى عليه: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله. أما الراسخون في العلم، فلا يزيغون كما زاغ أهل الفتنة، بل يقولون آمنا بالمتشابه، فكل من المتشابه والمحكم صادر من عند ربنا، فهم بذلك يمسكون عن تأويله، مفوضين العلم بمعناه إلى من أنزله - سبحانه - ويحتمل أن يكون: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) معطوفًا على لفظ الجلالة في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) والمعنى عليه: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم أيضًا. فهم يعلمون تأويله برده إلى المحكم الذي هو أُمُّ للمتشابه. ومع حسن تأويلهم له طبقًا للمحكم فهم يقولون: آمنا به: كل - من المتشابه ومن المحكم - من عند ربنا. ويشهد لصحة هذا الرأي أمران: أحدهما أن الله - تعالى - ما أنزل القرآن إلا لِيُعْمَلَ به. فلا ينبغي أن يكون فيه ألغاز ومعميات لا يمكن فهمها وإدراكها. فمتشابهه يجب أن يرد إلى محكمه .. كما قال الله في الآيات المحكمات: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): أي مرجعه عند الاشتباه. وثانيهما: في أن الله تعالى أثنى على الراسخين بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ففي وصفهم بأنهم أصحاب العقول الخالصة المتذكرة، دليل على أنهم استعملوها في كشف المتشابهات والتذكر بها. والراسخون في العلم: هم الثابتون في العلم الشرعي، الذين استناروا بمشكاة الكتاب والسنة، ومنّ الله عليهم بالفقه في الدين. روى الشيخان وأحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرا يفقهه في الدين".

(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ): أي وما يتدبر القرآن فلا يزيغ في تفسير المتشابه منه، إلا الراسخون في العلم، الذين قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) فهم أصحاب العقول الخالصة من الركون إلى الأهواء الزائفة. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)} المفردات: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا): لَا تُمِلْهَا عن الحق. (مِن لَّدُنكَ): من عندك. (لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ): ليوم لا يصح أن يشك فيه، وهو يوم القيامة. التفسير 8 - {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ... } الآية. يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام الراسخين، ويحتمل أن يكون تعليمًا من الله لهم، أي: قولوا ذلك وادعوا به، لأن القلوب تتقلب. والمعنى: لا تُمِلْ قلوبنا - يا ربنا - عن نهج الحق بتأويل المتشابه تأويلاً لا ترتضيه، كما أزغت قلوب أولئك. أو: لا تَفتِنَّا ولَا تَبْلُنَا ببلايا تَزيغ فيها قلوبُنا. (وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً): الرحمة المطلوبة لهم: إمَّا الإحسان والإنعام مطلقًا، وإمَّا الإحسان بالتوفيق للثبات على الحق، كما يُشْعِر به ما قبله. والمعنى على الثاني: وهب لنا من عندك توفيقًا وثباتًا على الحق: رحمة منك وفضلا.

(إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ): أي كثير الهبات والعطايا، وهذا تعليل للسؤال، أو لإعطاء المسئول، أي أنك - أنت وحدك - الوهاب لكل موهوب. وفيه دلالة على أن الهُدَى بتوفيق الله، والضلال بعدم الإعانه منه، لتقصير العبد في سلوك سبيله، وأنه متفضل بما ينعم به على عباده، من غير أن يجب عليه شيء. 9 - {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ... } الآية. أي: أنت يا ربنا، جامع المهتدين والزائغين، لحسابهم وجزائهم في يوم لا ينبغي أي يُرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والنشر والجزاء. ومقصود الراسخين في العلم من هذا الدعاء، عرض افتقارهم إلى الرحمة، وأنها المقصد الأسنى عندهم، وتأكيد إظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة، لمزيد من الرغبة في استنزال الإجابة. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ): هو كلام الله - عز وجل - بعد أن تم كلام الراسخين عند قولهم (لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ) كأن القوم لما قالوا: (إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ) صدقهم الله في ذلك، وأَيَّد كلامهم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ). وقيل: هو من كلام الراسخين. والمعنى على هذا: إنك لا تخلف وعدك للمسلمين والكافرين بالثواب والعقاب، أو وعدك بمجيء يوم لا ريب فيه. فهذه الجملة تعليل لمضمون الجملة السابقة المؤكدة لانتفاء الريب في مجيئه. وإظهار الاسم الجليل - الله - لإبراز كمال التعظيم والإجلال. وللإشعار بعلة الحكم، فإن الأُولوهية منافية للإخلاف في الوعد. والتأكيد بإِنَّ، وإظهار لفظ الجلالة بدلا من الضمير: يفيد - إلى ما سبق - تأكيد نفي الريب، كما يفيد تأكيد قيام الساعة تأكيدًا حاسمًا.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)} المفردات: (وَقُودُ النَّارِ): وقود النار - بالفتح - ما توقد به. وبالضم: الاشتعال. (كَدَأبِ): الدأب، العادة. (الْمِهَادُ): الفراش. التفسير 10 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ... } الآية. المراد بالذين كفروا بجميع الكافرين. وفي جملتهم وفد نجران. الذين نزل صدر السورة بسببهم. والمعنى: إن الذين كفروا جميعًا، لا تنفعهم - في يوم لا ريب فيه - أموالهم التي أعدوها ليبذلوها في جلب المنافع ودفع الأذى، ولا أولادهم الذين بهم يتناصرون، وعليهم في دفع الخطوب المدلهمة يعتمدون. فكل ذلك لا يغني عنهم من الله وعذابه شيئا من الإغناء .. أو لن تغني عنهم بدل رحمة الله وطاعته.

(وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ): أي وأولئك المتصفون بالكفر، حطب النار التي تشتعل بهم، لكفرهم. وفي الآية: إشارة إلى أن الكفار أَلْهَتْهُم أموالهم وأولادهم عن الله، والنظر فيما ينبغي له، حتى كأنهم يعتقدون أنها تغنيهم عن رحمة الله وطاعته، وتدفع عنهم عذابه. 11 - {كَدَأبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ... } الآية. المعنى: لن تغني عن هؤلاء الكفار أموالهم ولا أولادهم، شأنهم في هذا، شأن آل فرعون، حيث لم يُغن عنهم ما ملكون من أموال طائلة، وما أنجبوه من أبناء عديدين، فأُغرفوا وأُدخلوا نارا، بسبب كفرهم. فكما نزل بما تقدم العذاب المعجل بالاستئصال، فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من القتل والسبي والإجلاء وغنيمة الأموال. وكما دخلوا النار لكفرهم، فستدخلونها أنتم لذلك. وفي ذلك يقول الله تعالى بعد هذه الآية: "قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ". والمراد بمن قبلهم: الأُمم الكافرة التي كذبت الرسل، ثم فسر ذلك فقال: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): الآيات: المعجزات والبراهين التي أُيد بها الرسل، أو الأدلة على وجود الله ووحدانيته، أو هما معًا. (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ): استعمل الأخذ؛ لأن من ينزل به العقاب، يصير كالمأخوذ المأسور، الذي لا يقدر على التخلص. والمعنى: فأخذهم الله وعاقبهم، ولم يجدوا من بأس الله محيصًا، وذلك بسبب ذنوبهم التي أصرُّوا عليها ولم يقلعوا عنها. (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ): أي لمن كفر، وهذا تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ للجميع، وتكمله له.

12 - {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}: سبب النزول: أخرج ابن جرير، وابن إسحاق، والبيهقي، عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أصاب ما أصاب من "بدر" ورجع إلى المدينة - جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قَتَلتَ نفرا من قريش: كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك - والله - لو قاتلتنا، لعرفْتَ أنا نحن الناس، وأنك لم تكن مثلنا .. فأنزل الله: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) إلى قوله: (لِأُولِي الْأَبْصَارِ). وحكم الآية يعم جميع الكافرين، وإن نزلت بسبب اليهود، فسيغلب المؤمنون الكفار جميعا، ويُنْصرون عليهم، كما قال تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" (¬1)، وقال: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (¬2). المعنى: قل يا محمد، لهؤلاء الكفار: ستغلبون - ألبتة - عن قريب، وستحشرون - بعد موتكم ثم بعثكم - إلى جهنم: مستقركم الدائم وبئس الفراش: جهنم، التي مهدتموها لأنفسكم بذنوبكم وآثامكم. والتعبير عن جهنم بالمهاد، للتهكم بهم. فإن المهاد هو الفراش الذي يمهد ليستراح عليه، ولا مهاد ولا راحة في السعير. وقد تحقق وعيد الله لهم بأنهم سيغلبون، ذلك بقتل يهود بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم .. فكان الإخبار عن ذلك - قبل وقوعه ثم تحققه بعد ذلك - معجزة للرسول. وفي الآية دليل على حصول البعث بعد الموت، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد الكافرين إلى النار. فكما تحقق الوعيد الأول، يتحقق الوعيد الثاني يوم الحساب. ¬

_ (¬1) الصف: 9. (¬2) الروم: 47.

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)} المفردات: (آيَةٌ): الآية هنا، العبرة والعظة. (فِئَةٌ): الفئة، الطائفة من الناس. (الْأَبْصَارِ): البصائر والعقول. التفسير 13 - {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ... } الآية. الخطاب لليهود الذين اغتروا بأنفسهم، أي قد كان لكم - أيها اليهود - علامة عظيمة دالة على تحقق ما توعدتكم به، وهو أنكم ستُغلبون قريبًا، وهذه العلامة والآية: في جماعتين التقتا في القتال: يوم بدر، وهم جيش رسول الله وأصحابه وجيش مشركي مكة. ولا شك أن في غلبة المسلمين - للكفار مع كثرتهم وعظيم عدتهم - آية بينة على صدق وعيد الله لهؤلاء الكافرين، ووعده بنصر المؤمنين. مع العلم بأن المشركين خرجوا مستعدين للقتال أتم استعداد. بعكس المسلمين. (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): أي فئة مؤمنة في أعلى درجات الإيمان: تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمته. وهم أصحاب "بدر".

(وَأُخْرَى كَافِرَةٌ): أي وفئة أخرى كافرة. والمراد بها: كفار قريش. ولم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الأولى بأن يقال: إنهم يقاتلون في سبيل الشيطان؛ إسقاطًا عن درجة الاعتبار، وإيذانا بأنهم لم يتصدوا للقتال حسب استعدادهم، لما اعتراهم من الرعب والهيبة. (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ): الرَّاءُون: المشركون، والمرئيون: المؤمنون. والمعنى: أن المشركين كانوا يرون المؤمنين مِثْلَيْ عدد المشركين، أو مثلى عدد المسلمين. والمراد من الرؤية: الظن والحسبان. وقد كثَّر الله المسلمين في أعين المشركين - مع قلتهم - ليهابوهم، فيحترزوا عن قتالهم، أو أن الله أنزل الملائكة حتى صار عدد المسلمين كثيرًا في نظر المشركين، فكانوا يرونهم مثلين (رَأيَ الْعَيْنِ): أي رؤية ظاهرة لا لبس فيها. روى محمد بن الفرات، عن سعيد بن أوس، أنه قال: أسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر. قال: ما كنا نراكم إلا تُضْعِفُون علينا - وأرادوا أنهم كانوا ألفا وتسعمائة وهو المراد من (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ). وقد يقال: إن هذه الآية تناقض آية الأنفال التي تقول: "وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِم" (¬1). فإن تلك الآية تقتضي أن كلا من الفريقين قُلِّل في أعين الآخر، وهذه الآية تقتضي أن المسلمين ضاعفهم الله في أعين الكافرين؟ والحق ألا تناقض بينهما، إذ المراد بآية الأنفال "وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ" أيها المؤمنون "إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا" إنما كانت هذه الرؤية قبل الالتحام لتقدموا عليهم "وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهم" ليقدموا عليكم. ولا يجبنوا عن القتال، فلما التحم الفريقان، أرى الله المشركين المسلمين مثلين، فكثر عدد المسلمين في أعين الكفار، ليهابوهم وتتزلزل أقدامهم، فيفشلوا وينهزموا، وكان عدد المسلمين الحقيقي في بدر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وعددُ المشركين الحقيقي تسعمائة وخمسين رجلا. ¬

_ (¬1) الأنفال: 44.

(وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ): والله يقوي بنصره وبعونه من يشاء من عباده. فالنصر والظفر، إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد، ولا بقوة الشوكة، ولا بقوة السلاح: وقد تقف بعض العقبات في طريق النصر، ولكن العاقبة دائمًا للمتقين. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الْأَبْصَارِ): الإشارة إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرًا، المستتبعة لغلبة القليل وعديم العدة على الكثير وافر العتاد والسلاح. والعبرة: الاعتبار والاتعاظ، وأُولوا الأبصار: أصحاب البصائر أي العقول كما يقال لفلان بَصَرٌ بهذا الأمر، أي علم ومعرفة. {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)} المفردات: (حُبُّ الشَّهَوَاتِ): حب المشتهيات للنفس. (الْمُقَنطَرَةِ): المجمعة أو المضَعَّفة. (الْمُسَوَّمَةِ): الراعية في المرعى. مأخوذ من: سوَّم خيله، إذا أرسلها في المرعى، أو المطهمة الحسان. (وَالْأَنْعَامِ): الإبل والبقر، والغنم والمعز. (وَالْحَرْثِ): مصدر مراد به: المزروع.

التفسير 14 - {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ... } الآية. بعد أن توعد الله الكافرين بالهزيمة من المؤمنين، وآذنهم بوجوب الاعتبار بما أصاب المشركين يوم بدر، بسبب كفرهم - مع كثرة ووفرة عدتهم من المؤمنين مع قلتهم وضعف استعدادهم أتبعه التنفير من زينة الدنيا الفانية - إذا صرفت عن الله - والحثَّ على العمل للآخرة، فإنها خير وأبقى. فذكر الله - سبحانه - هذه الآية الكريمة. والمزَيِّن لحب الشهوات، هو الله تعالى كما روى عن عمر بن الخطاب. والمراد من تزيين الله حب المشتهيات الدنيوية: أن جعلها حسناء، ترغب فيها النفوس لحسنها، وتميل لحيازتها والتمتع بها. ولذا، أحب الرجال النساء ليتزوجوهن، وأحبوا البنين ليعاونوهم ويرثوهم، وأحبوا المال لأَنَّ به قضاءَ المصالح، وأحبوا الخيل والأنعام للزينة وحمل المتاع وغير ذلك. ولولا أن الله أعطى هذه الحياة الدنيا: أسباب الحسن والجمال وجعلها أساسًا للمنافع - لما تزينت ولما تحسنت لهم، ولأعرضوا عنها، كما يعرضون عما ليس فيه جمال ولا منفعة، كالحيوانات الضارة، أو ضئيلة النفع. وكما زيَّنها وحسَّنها لهم، حذرهم من فتنتها، والركون إليها، والاغترار بها. كما يشير إليه آخر الآية، وكقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (¬1). وغير ذلك. وقيل المزيِّن: الشيطان. وتزيينه حب الشهوات: حضه على الرغبة في ارتكاب المحرمات منها. ويؤيد هذا قوله تعالى: "وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" (¬2). وقيل غير ذلك: ¬

_ (¬1) التوبة: من الآية 24. (¬2) النحل: من الآية 24.

والشهوات: جمع شهوة وهي: توقان النفس إلى الشيء. وفي تسميته المشتهيات بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات، مبالغة في كونها مشتهاة، محروصا على الاستمتاع بها. وثانيهما: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهدة على نفسه بالبهيمية. فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها. ولقد عدد الله هنا سبعة أنواع من المشتهيات إذ قال: (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ). والمراد من النساء ما يشمل الإماء، وقدَّمهن على الكل، لأن التمتع بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم. (وَالْبَنِينَ): أي الأولاد الذكور. وخصهم لأن حب الولد الذكر، أكثر من حب الأنثى. ووجه التمتع بهم: السرور والتكاثر بهم، إذ هم المعدون للدفاع. وثنى البنين، لأنهم من ثمرات النساء. وقيل: المراد بالبنين الأولاد مطلقا. والتذكير للتغليب. (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ): القناطير جمع قنطار، ويطلق أحيانا على المال الكثير بغير عدد، وهو المراد هنا. كما أخرجه ابن جرير عن الضَّحَّاك. وقد يستعمل في مقدار كثير معين من المال. كما أخرجه أحمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "القنطار اثنا عشر ألف أُوقية" كما يستعمل في وزن محدود، وهو مائة رطل. ففي القاموس: القنطار مائة رطل من ذهب أو فضة. ووصف القناطير بالمقنطرة، للمبالغة .. فمن عادة العرب: أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة، كظل ظليل.

وقيل معناه: المحصَّنة. من قَنْطَرتُ الشيء. إذا عقدته وأحكمته. وإنما كان الذهب والفضة محبوبين، لأنهما سبب للحصول على كل محبوب. (وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ): المسوَّمة: بمعنى الراعية. ووصفت الخيل بذلك، لأنها إذا رعت ازدادت حسنا. وقيلَ: المسومة، بمعنى المطهمة الحسان. مأخوذة من السيما وهي الحسن. أو هي المعلمة ذات الغرة والتحجيل. من السمة وهي العلامة. (وَالْأَنْعَامِ): هي: الإبل والبقر والغنم والمعز. (وَالْحَرْثِ): أي الزرع من حبوب وبقل وتمر. (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): الإشارة إلى ما ذكر من الأصناف التي زُيَّن للناس حبها. والمتاع: ما يتمتع به في الدنيا زمنًا قليلا، لأن الآجال مهما طالت فهي قصيرة. (وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ): المآب: المرجع، وإضافة حسن إلى المآب من إضافة الصفة إلى موصوفها، أي المآب الحسن وهو الجنة. وليس المراد من الآية الكريمة الصرف عن التمتع بزينة الحياة الدنيا، فإن التمتع بها حلال، كما قال - تعالى - في سورة الأعراف: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (¬1) أي خالصة من العقاب عليها يوم القيامة. ولكن المراد: ألا يشتغل المؤمنون بها عن الله تعالى، ولا يغتَرُّوا بمفاتنها، وأن يجعلوها وسيلة لحسن المآب، بصرفها في طاعة الله ومرضاته، إلى جانب تمتعهم الحلال بها. ¬

_ (¬1) الأعراف: 32.

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)} المفردات: (أَؤُنَبِّئُكُم): الهمزة للاستفهام. والمراد منه: التنبيه والتشويق إلى ما ينبئهم به. والإنباء: الإخبار. فكأنه يقول: إني مخبركم بخبر يسترعى انتباهكم وشوقكم إلى سماعه، فاستمعوا إليه. (وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ): وزوجات مطهرات من الأدناس: حسية ومعنوية. (وَالْقَانِتِينَ): والمطيعين لله، الخاضعين له، المقرِّين بعبوديتهم له. (بِالْأَسْحَارِ): الأسحار جمع سحر. هو آخر الليل قبيل الفجر. (وَرِضْوَانٌ): الرضوان: الرضا العظيم. التفسير 15 - {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... } الآية. لما ذكر الله في الآية السابقة، أنه قد زَيَّن للناس مشتهيات الدنيا من النساء والبنين، والكثير من الذهب والفضة، والخيل الحسان المطهمة، والأنعام والزرع، ونبَّهَهُم إلى أنها

متاع الحياة الدنيا، وأن لديه (حُسْنُ الْمَآبِ) - أتبع ذلك بيان حسن المآب، وأنه خير من هذا المتاع الذي يغتر به قصارُ النظر، وأن الذي يحظى به هم: المتقون. فقال جَلَّ ثناؤُه: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم ... ) الآية. والمعنى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين يُخدعون بزنية الحياة وما فيها من جمال وحسن، فيحبون مشتهياتها ولذاتها: هل أُخبركم بخير من ذلكم الذي تحبونه، وتميلون إليه من متاع الحياة الدنيا؟ ثم أجابهم عن هذا الاستفهام المشوق ومعناه: للذين اتَّقَوْا عقاب ربهم فخافوه ولم يعصوه، وأعرضوا عما سواه فلم يُفتنوا به، وكانوا بذلك في وقاية من غضبه وعذابه. لِهؤلاء: بساتين عظيمة الحسن، تجري من تحتها الأنهار، فيتضاعف بذلك حسنها، ويكمل به التمتع بمباهجها وقطوفها، وهي -لهم حال كونهم خالدين فيها- لا يبرحونها، ولهم مع ذلك زوجات مطهرات من الأدناس الحسية والخُلُقية، فلا يرون فيهن ما يتوهم من عوارض تغض عن جمالهن وطهرهن، وبذلك تكتمل البهجة النفسية، ولهم -فوق ذلك- رضا عظيم صادر من الله ينعمون به، وهم يتقلبون في هذه العطايا فلا يسخط عليهم بعد ذلك أبدًا. وهذا الرضا أكبر من تلك النعم .. كما صرح به في قوله تعالى: "وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ" (¬1). والله خبير بجميع العباد، يعلم أعمالهم وأقوالهم وخواطرهم النفسية، فيثيب المحسن فضلا وكرمًا، ويعاقب المسيء عدلا لا يشوبه حيف. والتعبير عن الجنات بأنها (عِندَ رَبِّهِمْ): للإشارة إلى علو رتبتها، وسمو شرفها، وفي التعريض لعنوان الربوبية - مع الإضافة إلى ضمير المتقين - تلطف بهم، وتشريف وتكريم لهم. وقد بدأ الله - سبحانه - في هذه الآية بذكر الجزاء المقرر وهو الجنات، ثم ثنَّى بذكر ما يحصل به الأُنس التَّام وهو الأزواج المطهرة، ثم ذكر ما هو أعظم وأفخم وهو رضا الله الذي يسعى إليه الحبيب الواله .. نسأله تعالى ألا يحرمنا رضاه. ¬

_ (¬1) التوبة: 72.

16 - {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: المعنى: هؤلاء المتقون الذين ينعمون بهذا النعيم، هم الذين يقولون - بإخلاص ويقين - ربنا إننا صدقنا بالذي أنزلته على رسولك محمد وسائر من سبقه من الرسل، فاغفر لنا - ببركة هذا اليقين الثابت - ذنوبنا: صغائرها وكبائرها، واحفظنا من عذاب النار التي لا طوْق لأحد بقليلها، فكيف يطيق سعيرها! 17 - {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}: هذه الأوصاف الكريمة، هي بقية أوصاف المتقين، الذين وعدوا بالجنات وما فيها من نعيم مقيم. والمعنى: الصابرين على مشاق الطاعات والنوائب، وعن مغريات المعاصي من مُتَع الحياة الدنيا. والصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم. والخاضعين المطيعين لتكاليف ربهم. والمنفقين لأموالهم: في حقوق الله تعالى وحقوق ذويهم، وفي أنواع البر التي ندبهم الله ورسوله إليها. والمستغفرين ربهم في أواخر الليل والناس نيام. فهم ينهضون من لذيذ المنام، وينتزعون أنفسهم من فراش الراحة والغفلة، ويطلبون غفران ربهم لما عسى أن يكون قد فَرَط منهم من ذنوب. وهم قائمون في محاريبهم، أو جالسون بين يدي مولاهم، إيثارًا لطاعة ربهم على هوى نفوسهم. وقد جاء في فضل الطاعة في الأسحار آثار عديدة: منها ما رواه النسائي بسند صحيح، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله سبحانه يُمهل حتى يمضيَ شطرُ الليل الأول، ثم يأمر مناديًا فيقول: هل مِنْ دَاعٍ يستجاب له؟ هل من مستغفر يُغْفَرُ له؟ هل من سائل يُعطَى؟ ". وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "مِنْ كُلِّ اللِّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحَر".

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)} المفردات: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): أي بَيَّنَ لعباده ذلك بالأدلة الواضحة. فكأن ذلك منه شهادة وأي شهادة. أما شهادة الملائكة وأُولي العلم فهي: إقرارهم بذلك. (قَائِمًا بِالْقِسْطِ): أي قائمًا بالعدل في تدبير الكون .. التفسير 18 - {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ... } الآية. لما ذكر الله في الآية السابقة أن الذين استحقوا حسن المآب هم الذين قالوا: ربَّنا إننا آمنا أتبع ذلك ببيان ما آمنوا به، وهو توحيد الله الذي شهدت به آياته القرآنية والكونية، وأقرت به الملائكة وأُولو العلم. المعنى: هذه الشهادة موجهة إلى أهل نجران، الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر عيسى عليه السلام، ونزل بسببهم صدر هذه السورة. وإلى هذا يميل محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر. وشهادة الله، المراد بها هنا: تقرير وحدانيته تعالى؛ بما أقامه من الأدلة في الأنفس والآفاق، وبما جاءَ في الكتب السماوية من البراهين، كقوله تعالى في القرآن: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا" (¬1) وبما أثبته فيها من عبارات التوحيد كقوله: "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ" (¬2). وقوله تعالى: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (¬3). وكما شهد بأنه لا إله إلا هو، فقد شهد بذلك الملائكة الذين "لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (¬4). وكذلك أصحاب العلم والفكر السديد من الأنبياء والمرسلين، ومن آمن بهم، وكل من فكر في آيات الله الكونية فآمن به. هؤُلاء - جميعًا - ¬

_ (¬1) الأنبياء من الآية: 22. (¬2) الإخلاص: 1. (¬3) محمد: 19. (¬4) التحريم: 6.

شهدوا لله بالوحدانية، حال كونه قائمًا بالقسط والعدل في تدبيره للكون، فَبِعَدْلِهِ قامت السموات والأرض. والعدل هنا، هو: الحكمة في التدبير، الذي استقامت به أُمور الكون .. ويختم الله هذه الآية فيقول: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): فيؤَكد - بهذه الخاتمة - وحدانيته ويقررها، ويضيف إليها وصف العزة - وهي الغلبة والقهر - وكذا وصف الحكمة - وهي فعل ما به صلاح الكون - ولولا أنه واحد عزيز حكيم، لما وُجد هذا الكون، ولما تم له هذا الكمال. {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)} المفردات: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ): ظلمًا قائمًا فيهم، وحسدًا موجودًا في بيئتهم. (فَإِنْ حَاجُّوكَ): أي جادلوك. (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ): أخلصت ذاتي ونفسي له تعالى. (وَالْأُمِّيِّينَ): المراد بهم؛ من لا يكتبون من مشركي العرب من غير الكتابيين، لشيوع الأُمية فيهم.

التفسير 19 - {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... } الآية. المعنى: إن المِلَّةَ المرضية عند الله - هي الإسلام .. فلا يُقبل من أحد دينٌ غيره "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ" (¬1). فليس لأَحد من أهل الكتاب أن يتمسك بملته بعد ما أنزل الله دستوره القرآن ناسخًا لما قبله من الأديان والشرائع، كما أنه ليس للمشركين أن يتمسكوا بشركهم: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (¬2) فلا يرضاه الله لأَحد دينًا. وكما أن الإسلام هو دين هذه الأُمة الذي رضيه الله لها، فهو دين جميع الأنبياء والمرسلين وأُممهم من قبل محمد، فهو دين الله دائمًا في جميع الأزمان، لاشتماله على توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والولد، واحتوائه على أُصول الشرائع المشتركة بينهما .. أما الفروع، فإنها مختلفة، تبعًا لاختلاف الأُمم. قال تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" (¬3)، فإن ما يصلح منها لأُمة، لا يصلح لأُمة أخرى. فالصيام مشروع في جميع الأديان، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأُمم. والميراث مشروع في جميع الشرائع، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأُمم. وهكذا الأمر بالنسبة لباقي الأحكام. وبالجملة، فالأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء إخوة لعلات (¬4) أُمهاتهم شتى، ودينهم واحد" والمعنى: أنهم إخوة في الدين، وإن تفرقت الأُمهات. ولعله يقصد الأُمهات: الأُمم التي بعثوا فيها. ويدل لذلك قوله تعالى: "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" (¬5). (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ): المعنى: كان أهل الكتاب مجمعين - فيما بينهم - على الإسلام إذا جاءَهم رسوله الموعود به في كتبهم. وكان فريق منهم - وهم اليهود - يعادون مشركي المدينة .. وكانت تتحدث بينهم حروب، ¬

_ (¬1) آل عمران من الآية: 85. (¬2) لقمان من الآية: 13. (¬3) المائدة من الآية: 48. (¬4) أي: إخوة لضرات. حديث رواه الشيخان وأوله: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم ... ". (¬5) الشورى: 13.

فيقولون: اللهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان. ويقولون لأعدائهم المشركين: قد أَظلَّ زمانُ نَبِيٍّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عادٍ وإِرَم. وكان هذا حالهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ودعائه الناس إلى الإسلام: الذي جاءَ به مصححا للأخطاء المتعمدة التي اقترفوها في دينهم، كدعواهم بُنُوَّةَ عُزير وعيسى، لله تعالى .. فحسدوه صلى الله عليه وسلم، لأنه من ولد إسماعيل، وليس من ولد إسحاق عليهما السلام. واختلفوا في أمر الإسلام: فمنهم من آمن به كعبد الله بن سلام، وزيد بن سعنة، من أحبار اليهود وغيرهما. ومنهم من كفر به وهم أكثرهم. وكان كفرهم هذا من بعد ما جاءَهم العلم اليقيني بأنه الحق، إذ أتاهم على وفق أوصافه ونعوته في كتابهم. وكان هذا أقبح القبح منهم. وإن الجحود - بعد العلم - أشنع من الكفر عن غفلة أَو جهالة. وكان اختلافهم فيه - بعد ما أتاهم العلم - إلا بغيا وحسدا فاشيا بينهم، لا لشبهة تقتضيه .. وصدق الله إذ يقول: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (¬1). (وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): ختم الله الآية بهذا الوعيد. والمعنى: ومن يجحد آيات الله - الشاهدة بأن الإسلام هو الدين عند الله فلا يؤمن به - يعاقبه الله عن قريب، فإنه سريع الحساب ومن كان سريع الحساب، كان سريع العقاب، قريب الجزاء. وقد نفذ الله وعيده فيهم، فقُتلوا، وأُخرجوا من ديارهم حول المدينة ... وما ينتظرهم من الجزاءِ في الآخرة أعظم. 20 - {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ... } الآية. ¬

_ (¬1) النساء: 54.

المعنى: فإن جادلك أهل الكتاب، أو جميع الناس في الدين بعد ما جاءَهم العلم به، وظهرت لهم براهينه، فقل لهم: أسلمت وجهي لله، أي أخلصت ذاتي ونفسي له، ومَنْ آمن معي أخلصوا له أنفسهم كذلك. وإطلاق الوجه على الذات كلها، لأنه ترجمان النفس، وعليه تظهر آثارها، وهو من إطلاق اسم الجزءِ على الكلِّ لأَهميته. والمراد من الآية: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول لأهل الكتاب ذلك، ليعلموا أنه ليس مسئولا عن انحرافهم وكفرهم، وأن تبعة ذلك عليهم وحدهم، وأنه سائر في طريق عبادة الله وحده هو وأتباعه، دون اكتراث بضلالهم، لأن المحاجة والجدل معهم - لا فائدة فيهما، بعد ما جاءَهم العلم بأن ما عليه هو الحق. (وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ): المعنى: وقل يا محمد - لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وللأُميين - وهم مشركو العرب: الذين عُرفوا بهذا الوصف، لعدم معرفة سوادهم الأعظم القراءَة والكتابة - قل لهم - بعد ما أعلمتهم بترك المحاجة معهم وبإسلام وجهك وتابعيك لله تعالى - هل أَجْدَى معكم هذا وأسلمتم متبعين لي كما فعل المؤمنون، فإنه قد جاءَكم من الآيات ما يقتضي الإسلام، أَو أَنتم لا تزالون مصرين على العناد والكفر؟. وهذا كما تقول - إذا لَخَّصْتَ لسائل مسأَلة بعد ما بينتها له بسعة وإفاضة - هل فهمت ما قلته لك؟ وذلك على نظام قوله تعالى: "فَهَلْ أَنتمُ مُّنتَهُونَ" (¬1) بعد تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم الله تعالى. وفي ذلك توبيخ واتهام لهم بالبلادة وجمود القريحة. فإن أسلموا متأثرين بذلك، فقد اهتدوا إلى الحق بإسلامهم، وخرجوا مما كانوا فيه من ضلال. وإن أعرضوا عن الإسلام فلا يضرك إعراضهم، فما عليك إلا تبليغهم، وقد فعلت، فخلصت بذلك من التبعية. (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ): ¬

_ (¬1) المائدة من الآية: 91.

عليم بأحوالهم، فلا تخفى عليه أعمالهم، فيجزي من أسلم بإسلامه، ويعاقب من تولى وأعرض بتوليه وإعراضه. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)} المفردات: (يَأمُرُونَ بِالْقِسْطِ): القسط، العدل. (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ): التبشير هنا، بمعنى الإنذار. استعمل فيه، على سبيل التهكم. (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): بطلت أعمالهم الحسنة، فضاع ثوابها. التفسير 21 - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: بعد ما توعد الله الكافرين بسرعة الحساب وأليم العقاب. وبعد أن بين لرسوله أنه ليس عليه سوى البلاغ، فإن أسلموا قُبل منهم، وإن أعرضوا أعرض عنهم وترك محاجتهم وأسلم وجهه مع من تبعه إلى ربه - أتبع ذلك بيان العقوبة التي يستحقها الكافرون بآيات الله، القاتلون للأنبياء ولمن يأمر بالعدل من الناس. المعنى: المراد من الذين يكفرون بآيات الله، كل من جحد براهينه تعالى، وحججه، فلم يؤمن بما أنزله على رسله. ويدخل فيهم: أهل الكتاب المعاصرون للنبي من اليهود والنصارى، الذين كفروا بما أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفهم بأنهم قتلوا

الأنبياءَ بغير حق، مع أن قاتليهم هم آباؤهم، لأن فعل الآباء، ينسب إلى الأبناء إذا كانوا موافقين عليه أو لم ينكروه. أَو أنهم وصفوا بذلك، للإيذان بأن هذا شأنهم، وأنه متغلغل في دمهم، وأنهم لو وجدوا أنبياءَهم لقتلوهم، كما فعل آباؤهم. ووصف قتلهم الأنبياء بأنه بغير حق، ليسَ للتقييد، بل للإيذان بأنه - دائِمًا - يكون بغير حق. فإن الأنبياء لا يرتكبون ما يوجبه أصلا، إذ هم معصومون من المعاصي مطلقا، فضلا عن عصمتهم عما يقتضي أن يقتلوا به. والذين يأمرون بالقسط من الناس، هم أهل الحق من بينهم: الذين كانوا يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. ولما كان هذا لا يرضيهم؛ لتأصل العصيان في نفوسهم - قتلوهم كما قتلوا أنبياءَهم، ليستريحوا من وعظهم وتذكيرهم ولومهم، وليخلُوَا لهم جو الفحشاء والمنكر. روى ابن جرير عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: "قلت يا رسول الله: أي الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟. قال: رجلٌ قتل نبيًّا، أو رجلًا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر" ثم قرأ الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ... ). وتبشيرهم بعذاب أليم: إخبارهم بعذاب شديد الإيلام. ولما كان الإخبار بوعيد مؤلم يسمى إنذارًا، والإخبار بوعد سار يسمى تبشيرا، فإطلاق التبشير على ما هو إنذار، من باب التهكم والسخرية بأُولئك المجرمين الذين لا يعقلون. وخلاصة المعنى: إن الذين ينكرون آيات الله تعالى، فيكفرون بما يجب الإيمان به، ويقتلون أنبياءَهم بغير جريمة تقتضي القتل - والأنبياء معصومون من كل جريمة تقتضيه - ويقتلون الواعظين المذكّرين الذين يأمرونهم بالعدل من صفوة الناس، فأنذرهم - يا محمد - بعذاب شديد الإيلام. 22 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}: المعنى: أُولئك الموصوفون بالكفر، وقتل الأنبياء ومن يأمر بالقسط من الناس - هم الذين بطلت في الدنيا أعمالهم الصالحة: كالصدقة وصلة الرحم، فلم تستتبع آثارها المرجوة، حيث لم تحقن بها دماؤهم، ولم تحفظ بها أموالهم، ولم يستحقوا بها مدحا ولا ثناءً، ولم يكن لها حظ الاعتبار في الآخرة.

وصدق الله تعالى إذ يقول: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا" (¬1). (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ): مانعين من العذاب. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)} المفردات: (أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ): أُعطوا حظًا منه. والكتاب: اسم جنس لكل كتاب سماوي. والمقصود من النصيب: التوراة والإنجيل. (وَهُم مُّعْرِضُونَ): وهم منصرفون. (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ): يقصدون بها أيام عبادتهم للعجل. (وَغَرَّهُمْ): وأطمعهم. (مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ): ما كانوا يكذبون من أن النار لن تمسهم، إلا أياما معدودات. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ): وأُعطيت كل نفس جزاءَ ما عملته - من خير أو شرٍّ - وافيًا. ¬

_ (¬1) الفرقان: 23.

التفسير 23 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ}: المعنى: الخطاب في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ) لكل من تتأَتى منه الرؤية. والاستفهام، للتعجيب من حال الذين أُوتوا نصيبًا وحظًّا من كتب الله تعالى: التي أَنزلها على رسله. وخص اليهود منهم بالنصيب الأَوفر. وذلك أنهم دعوا إلى كتاب الله - وهو التوراة على ما ذهب إليه ابن عباس - ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج ابن إسحاق وجماعة عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيت المدارس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال نُعَيْمُ بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإن إبراهيم كان يهوديًا. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهَلُمَّا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم. فأَبيا، فأنزل الله تعالى الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ ... ). فلما دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، تولى فريق منهم وأعرض عما دعو إليه. وهم قوم عادتهم: الإعراض والتولي عن الحق. مع أن ما بأيديهم من الكتاب، ينبغي أن يجذبهم إلى الإقبال عليه. والمقصود من الفريق الذي تولى منهم: علماؤُهم. فهم الذين كانوا يقولون الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم. 24 - {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: المعنى: ذلك الإعراض والتولي، من الذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب - وهم اليهود - هو بسبب أنهم قالوا: لن تصيبنا النار إلا أياما معدودات، معتقدين صحة ما يقولون، مُهَوِّنين بذلك كفرهم بالحق، وجرائمهم، ومعاصيهم على أنفسهم، زاعمين - بذلك - أنهم لا يعاقبون عليها.

والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل، في غيبة موسى عليه السلام، لتلقى ألواح التوراة. أو أنهم يريدون بمقالتهم هذه: أنهم لا يُعذبون إلا مدة قليلة، لزعمهم أنهم أبناءُ الله وأحباؤُه. وخدعهم في دينهم ما كانوا يفترونه عليه من هذا الزعم، الذي لا نصيب له من الصحة. 25 - {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: المعنى: فكيف يصنعون وقت أن نجمعهم للحساب والجزاء على جرائمهم وأكاذيبهم، في يوم القيامة الذي لا يصح أن يشك في مجيئه أحد، وحينئذ تعطى كل نفس جزاء ما عملته من خير أو شرٍّ وافيا، وهم لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب: فهل يجديهم - يومئذ - ما افتروه: من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات؟! "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا" (¬1). {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)} المفردات: (اللَّهُمَّ): أصله، يا الله. فحذف "يا" وعوض عنها الميم وشددت، لكونها عوضا عن حرفين. ولا تجمع الميم مع "يا" إلا شذوذا. كقول الشاعر: إني إذا ما حَدَثٌ أَلمَّا ... أقول يا اللهُمِّ يا اللهما ¬

_ (¬1) آل عمران من الآية: 30.

(مَالِكَ الْمُلْكِ): المُلك - بضم الميم وفتحها وكسرها - معناه: الاحتواءُ. أي الحيازة مع القدرة على التصرف. مأخوذ من: مَلَكَ الشيءَ يملكه: احتواه قادرا على حرية التصرف فيه. وهو بهذا المعنى - يطلق على: ملك الله وملك غيره. ومعنى (مَالِكَ الْمُلْكِ): صاحب السلطان والتصرف المطلق. وسيأتي لذلك مزيد بيان. (بِيَدِكَ الْخَيْرُ): بقدرتك مَنْحُ الخير ومنعه. (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ): تدخله فيه، بأن يأخذ من زمن النهار فيطول. (وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) معناه: عكس المعنى السابق. (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ): أي وتكوِّن الأحياءَ من المواد الأولية التي لا حياة فيها: كالهواء والماء، والغذاء والتراب. (وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): وتجعل الحي يموت. فتخرجه بذلك من جنس الأحياء. التفسير 26 - {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: لما بين الله - فيما تقدم - أن الدين عند الله الإسلام، وأن أهل الكتاب كانوا متفقين على أن يؤمنوا برسوله، حين يبعثه الله داعيًا إليه، لِمَا كانوا يجدونه في كتبهم من الدعوة إلى الإيمان به حين يبعث، ومن بيان أماراته التي تدل عليه، وأنهم ما اختلفوا - في شأنه - إلا بعد بعثته ودعوتهم إلى الإيمان به. وكان ذلك بغيًا منهم وحسدا - أتبع ذلك بيانَ أن الملك لله: يعز من يشاءُ ويذل من يشاء، ليكفوا عن حسد من أعزه الله بالنبوة، ويؤمنوا بدينه الذي هو دين مَنْ بيده الملك. سبب النزول: رَوَى الواحدي عن ابن عباس، وأنس بن مالك: أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أُمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات: من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك. ألم يكف محمدا مكةُ والمدينةُ، حتى يطمع في ملك فارس والروم؟. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى غير ذلك في سبب النزول.

المُلك - بضم الميم - في حق الله تعالى، هو - على ما قاله المحققون - صفة قائمة بذاته تعالى، متعلقة بما سواه، تعلق التصرف التام، المقتضى استغناء المتصرِّف وافتقار المتصرَّف فيه. ولا يصح إطلاقه - بهذا المعنى - على غير الله تعالى. وهو أخص من المِلك - بكسر الميم - فإنه صفة تقتضي الاستيلاء والتسلط على شيءٍ بطريق مشروع، وتجعله صاحب الحق في التصرف فيه، من غير نظر إلى استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه. ولهذا، يصح إطلاقه على غير الله تعالى. ومعنى الآية: قل يا محمد، ذاكرا وشاكرا لربك أن آتاك نعمة الرياسة والنبوة اللتين نزعهما عن بني إسرائيل، أهل الحقد والحسد: اللهم يا صاحب صفة التصرف التام في جميع الكون، بلا شريك ولا ممانع: تعطي السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد تفضلت فأعطيتني السلطان والرياسة على أُمتى. وتمنع السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد منعتهما بني إسرائيل الذين غرهم بالله الغرور. وتعز من تشاءُ في الدنيا والآخرة، بأسباب العزة والكرامة، وقد تفضلت عليَّ بالنبوة والعلم بك وبشريعتك فأعززتني. وتذل من تشاء وقد أذللت بني إسرائيل المتغطرسين، بتحويل النبوة عنهم إلى العرب بقدرتك الخير كله. تتصرف فيه أنت وحدك، حسب مشيئتك مَنْحًا ومنعا لا يملكه أحد سواك. إنك على كل شيء قدير. فلا يليق بأحد أن يحقد على خير قَسَمه الله لبعض عباده، فإنه مِن عطاءِ مَن له الملك، وبيده الخير. وهو على كل شيء قدير. ومن كان كذلك، فهو الحكيم الذي يجب التسليم بما أعطى ووهب، والرضا به من أعماق النفس دون حقد أو اعتراض. وإنما خص الخير بالذكر، تعليما لحسن الأدب، ومراعاة لسبب النزول. وإلا فالشر أيضًا بيد الله. ويدل لذلك قوله تعالى: (وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ). كما يدل عليه التعميم في قوله: (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). كما أن في القرآن آياتٍ كثيرةٌ تدل على ذلك: كقوله تعالى: "مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ" (¬1). ¬

_ (¬1) النساء: من الآية 78.

واعلم أن الشر الذي يكتبه الله على عباده ليس شرًّا محضا، بل هو مشوب بخير دائمًا. ففي نقل الرياسة من إسرائيل للعرب، شرٌّ على بني إسرائيل، ولكنه خير للعرب، وخير للناس أجمعين، لأن بني إسرائيل لا يصلحون لزعامة العالم - دينيا ودنيويا - في رسالة عامة كالتي كلف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم: قوم غلاة مستكبرون مغترُّون. فلو كُلف أحد منهم بمثل هذه الرسالة لكان ذلك نكبة على العالم. وحسبك ما نعلمه من تاريخهم - في ماضيهم وحاضرهم - من الظلم والطغيان والجبروت!! فلما نقلت الرسالة منهم إلى العرب، وكلف بها سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين المنعوت بقوله تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" (¬1) - عَمَّ العالَمَ العدلُ والرحمة والبركة. وكذلك شأن الله في كل بلاء كتبه، فإنه لحكمة إلهية، كشرب الدواء الكريه، والحجامة والفصد، وقطع العضو الذي يخشى من انتقال مرضه إلى سواه، ونحو ذلك من الأُمور المؤلمة، فإنها - مع كراهتها - تستعقب الصحة والعافية. وهي خير. كما أن الصبر عليها يورث حسن الجزاءِ. ثم إن فيها تمحيصا "لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" (¬2). ولا شك أن الشرَّ إذا استتبع خيرا كثيرا كان تقديره مصلحة وحكمة. 27 - {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}: هذه الآية مقرِّرة لما قبلها من أن الملك لله: يعز من يشاءُ ويذل من يشاءُ، وأن بيده الخير، وأنه على كل شيء قدير. فإن من أَولج الليل في النهار والنهار في الليل، وأَخرج الحيَّ من الميت والميتَ من الحي، ورزق من شاء بغير حساب، لابد من أن يكون متصفا بالصفات الكريمة، التي اشتملت عليها الآية السابقة. والليل لا يدخل في النهار، ولا النهار في الليل على الحقيقة. ولكنه مستعار لزيادة زمان الليل وقتما يقصر النهار، ولزيادة زمان النهار وقتما يقصر الليل. ¬

_ (¬1) القلم من الآية: 4. (¬2) الأحزاب من الآية: 24.

ولما كانت زيادة الزمان في في كل منهما على حساب النقص في الآخر، جعل ذلك إدخالا لأحدهما في الآخر على سبيل الاستعارة. أما إخراج الحي من الميت، فالمراد منه تكوينه من المواد الأولية التي تبني الأجساد، كالماء والهواء، وأشعة الشمس والغذاء الذي فقد الحياة بنزعه من أصله. فمن هذه المواد الميتة تتكون المنطقة المملوءَة بالحياة. ومن النطفة يتكون الجنين الحي. وكما أن منشأ الحيوان ما ذكر، فكذلك منشأُ النبات الحي: الماءُ والهواءُ، وأشعة الشمس والغذاء. وغذاءُ النبات تربة الأرض. وكل ذلك من قبيل الميت. وبذلك اتضح قوله تعالى: "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ" (¬1). ولا ينبغي أن يفهم أحد أن النبات ليس مقصودا من الآية، بزعمه أن النبات ليس فيه حياة. كلا .. لا ينبغي له ذلك .. فإن النبات إذا فقد أسباب الحياة ذبل وتلاشى، ولم يؤْت ثمرا ولا حَبًّا. فهو - لذلك - داخل في الآية قطعا. وأمَّا إخراج الميت من الحي، فالمراد منه إبطال الحياة من الحي بأي سبب أراده الله. فتبطل آثارها، ويعود الجسم إلى أصله الميت، وهو الماءُ والتراب، بعد التحلل والتفاعل مع العوامل التي تنتهي به إلى ذلك. ومعنى الآية: يطيل الله الليل في بعض فصول السنة، بإضافة جزء من النهار إليه. ويطيل النهار في بعض فصولها، بزيادة جزءٍ من زمان الليل فيه. ويخرج الحيَّ من المواد الأولية الميتة التي خلق منها، كالماء والتراب وبعض عناصر الهواءِ. ويخرج الميت منَ الحيِّ بأن يُفقده أسباب الحياة، فيموت ويعود إلى أصله. ويرزق من يشاءُ رزقه بغير حساب. أي رزقا واسعا، بغير تضييق عليه. وكما يرزق من يشاءُ بغير حساب، يضيقه على من يشاءُ لحكمة تقتضيه. ولم يذكر ذلك في الآية لعلمه من أمثاله فيما سبق، ولأن من يملك الإعطاءَ يملك المنع. ويرى بعض المفسرين: أن إخراج الحي من الميت، معناه: إخراج الجنين من النطفة أو الفرخ من البيضة. وأن إخراج الميت من الحي، معناه: إخراج النطفة من الحيوان أو البيضة من الدجاجة. ولكن هذا الرأي لا يقبل إلا على سبيل التشبيه، يجعل النطفة - أو البيضة بجانب الحيوان الذي يتكون منها - كالشيء الميت، لعظم الفرق بينهما. أما على الحقيقة فلا، ¬

_ (¬1) الروم من الآية: 19.

لأن النطفة مليئة بالكائنات الحية المتحركة، كما يتبين ذلك تحت آلة التكبير - المجهر - ومثلها البيضة. وكذا القول بأن المراد من الميت الذي يخرج من الحي: النطفة أو البيضة التي يخرجها الله من الحيوان، لا يصح أن يقبل إلا على سبيل المجاز، لما قدمناه. وقال الحسن في معنى الآية: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فحمل الحياة والموت على المجاز. وروى هذا التفسير عن أئمة أهل البيت. ويمكن تفسيرها مجازًا بمعنى: يخرج الطيب من الخبيث، والخبيث من الطيب، والعالم من الجاهل، والجاهل من العالم، والذكيّ من البليد، والبليد من الذكيّ، إلى غير ذلك. ولا تغفل عما قلناه في موضوع النطفة من أن اعتبار النطفة ونموها كالبيضة ميتة، إنما هو على سبيل التشبيه بها، عند مقارنتها بالحيوان الذي يتخلق منها، وليس على سبيل الحقيقة، ففي النطفة - وما ماثلها - حياة. كما تقدم. {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)} المفردات: (أَوْلِيَاءَ) أصدقاء، أو أنصارا. (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ): متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين. (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ): فليس في دين الله من شيء. (إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً): إلا أن لِتَقُوا أنفسكم وتحفظوها مما يُتَّقى ويحذر منهم. (الْمَصِيرُ): المرجع. التفسير 28 - {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ... } الآية.

سب النزول: روى عن ابن عباس، قال: كان الحجاج بن عمرو، وكهمسُ بن أبي الحقيق، وقيس بن زيد - والكل من اليهود - يباطنون نفرا من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأُولئك النفر: اجتنبوا هؤُلاء اليهود واحذروا مباطنتهم، لا يفتنوكم عن دينكم. فأَبى أُولئك النفر، إلا مباطنتهم وملازمتهم. فأنزل الله هذه الآية. وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري. وكان بدريا نقيبا. وكان له حِلْفٌ من اليهود. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب. قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأَيت أن يخرجوا معي؛ فأَستظهر بهم على العدو. فأنزل الله تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ... ) الآية. الربط: بعد أن أشار الله إلى إعزاز المؤمنين، وإذلاله الكافرين، وذكر أن بيده الخير، وأنه على كل شيء قدير، وأنه يولج الليل في النهار، والنهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ويزرق من يشاء بغير حساب، ليعلم المؤمنون أنهم يأوون من الله إلى ركن شديد - بعد أن ذكر الله تعالى ذلك - أتبعه تحذيرهم من اتخاذ الكافرين أولياءَ بعد أن أذلهم بإعلائهم عليهم، فإن الموْتور لا تخمد في نفسه جذوة الحقد على من وتَر، ولا يبغي لواتره سوى الشر، فحسبهم تأييد الله وولايته لهم. المعنى: تقرر الآية: أن موالاة الكافر خطر على من والاه، وأنها لا تكون إلا عند الضرورة، لاتقاء ضرر يكون من ناحيته، على ألا تبلغ الموالاة درجة المباطنة بخفايا المؤمنين. والموالاة تطلق لغة: على الحب والصداقة والمباطنة بالأسرار. وتطلق: على النصرة. وكلا المعنين تصح إرادته في الآية. ولهذا، لا يحل للمؤمنين أن يوالوا الكافرين، بأي معنى من معاني الموالاة. ومن يفعل ذلك فليس من دين الله في شيء. وقد ذكر ذلك صريحا في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" (¬1). ¬

_ (¬1) المائدة من الآية: 51.

وقد تكرر النهي - عن موالاة المؤمنين للكافرين - في عديد من آي القرآن، لخطورتها على كيانهم. فهم - دائما - يتربصون بهم الدوائر، ويبغونهم الفتنة. وفي المسلمين سماعون لهم، وهم المنافقون، وضعاف النفوس. فيمن الآيات الناهية عن موالاتهم، قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ" إلى قوله تعالى: "يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ" (¬1). وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا" (¬2). فعلى المؤمنين أن يحذروا موالاتهم، حتى يأمنوا شرهم، ويكونوا بذلك أهلا لتأييد ربهم مالك الملك، وصاحب العز والسلطان. وعليهم أن يقصروا موالاتهم على المؤمنين: لا يتجاوزونهم إلى الكافرين لغرض من الأغراض، إلا لأن يتقوا أو يحفظوا أنفسهم من ضرر شأنه أن يتقي ويُحذر .. فإذا اضطر المسلمون لموالاتهم دفاعا عن الوطن، أو المال، أو العرض، فلهم ذلك ... في حدود الضرورة. وأجاز المحققون من العلماء: الاستعانة بالكفار، بشرط الحاجة الوثوق .. أما بدونهما، فلا تجوز. واستدل لذلك، بأن النبي صلى الله عليه وسلم، استعان بيهود بني قينقاع ورَضَخَ لهم (¬3) .. واستعان بصفوان بن أُمية في هوازن. على أن بعضهم ذكر أن الاستعانة المنهي عنها، هي استعانة الذليل بالعزيز. أما غيرها فلا. وفي فتاوى ابن حجر: جواز القيام في المجلس لأهل الذمة. وَعَدَّ ذلك من باب البر وحسن المعاملة المأذون به في قوله تعالى: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (¬4). ثم ختم الله الآية بهذا التحذير الخطير، فقال: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ): أي يحذركم اللهُ - أيها المؤمنون - عقابَ نفسه، إن واليتموهم في غير ما أُبيح لكم .. واعلموا أن إلى الله المرجع، فسوف يجازى كل امريء بما كسب. وفي إضافة تحذيرهم إلى نفسه وإلى ذاته العلية، إيذان ببلوغ المنهي عنه منتهى الخطورة. ¬

_ (¬1) الممتحنة: 1. (¬2) النساء: 144. (¬3) أي أعطاهم مالا قليلا في مقابل معونتهم. (¬4) الممتحنة: 8.

{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)} المفردات: (مُحْضَرًا): يُحْضِرُه ملائكة الله في الصحف. (أَمَدًا بَعِيدًا): غاية أو مسافة بعيدة. التفسير 29 - {قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: هذه الآية - والتي تليها - واضحتا الارتباط بالآية التي قبلهما، فإنهما مثلها: في تحذير المؤمنين من موالاة الكافرين، وإن كان التحذير فيهما أشمل وأوسع، لعمومه لجميع المنهيات. والمعنى: قل يا محمد، للمؤمنين: إن تُسِرُّوا ما في نفوسكم من الضمائر المنهي عنها، التي من جملتها ولاية الكفار، أو تظهروه - يعلمه الله فيؤَاخذكم به عند مصيركم إليه، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، فوق علمه بما في صدوركم. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): ومن كان كذلك، فهو قادر على عقابكم، فلا تجسروا على عصيانه وموالاة أعدائه. 30 - {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ... } الآية المعنى: واذكر لهم - يا محمد - يوم تجد كل نفس من نفوس المكلفين، ما عملته من خير

- وإن قل - محضرا أمامها في صحائفها، لتنعم به، "فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" (¬1). وتجد كل نفس أيضا: ما عملته من سوءٍ وشرٍّ في الدنيا، محضرًا يوم القيامة في صحائفها لتساءَ به، وتتمنى حين تراه لو أن بينها وبين ذلك اليوم - أو بينها وبين ما عملته من سوءٍ - أمدًا بعيدًا. والأمد: الغاية والمنتهى. أي تود لو أن بينها وبين يوم القيامة - أو بينها وبين عملها السيء - غاية ونهاية بعيدة. وذهب بعض العلماء، إلى أن المراد به: المسافة البعيدة. واستظهر ذلك حملا لهذه الآية على قوله تعالى: "يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ... " (¬2). ثم ختم الله الآية، مكررًا ما سبق من التحذير، وواصفًا نفسه الكريمة بالرأفة، فقال: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ): أي ويخوفكم الله من نفسه إن خالفتم ما كلفكم به. والله عظيم الرحمة بالعباد، حين نهاهم عن موالاة الكافرين، وحذرهم من عقابه إذا خالفوا أمره، فإنَّ بُعدَهم عن موالاة الكافرين، فيه السلامة لهم، وتحذيرهم من عقابه تعالى، يدفعهم إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه .. وكل ذلك رأفة بهم، ورحمة بالغة نافعة لهم. {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} التفسير 31 - {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: سبب النزول والربط: قال القرطبي: رُوي: أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنُحِبُّ ربنا .. فأنزل الله عز وجل "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ". ¬

_ (¬1) الحاقة: 21 - 22. (¬2) الزخرف: 38.

وقال محمد بن جعفر بن الزبير: "نزلت في نصارى نجران. وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده، حبًا لله تعالى وتعظيمًا له. فأنزل هذه الآية ردًا عليهم" رواه محمد بن إسحق. وسياق الآيات من قبل، يرجع الأول. فقد نُهيَ فيها المؤمنون عن اتخاذ الكافرين أولياءَ، وتوالي تحذيرهم بعد ذلك من المخالفة، حتى اتصل الكلام هنا بحضهم على اتباع رسول الله وطاعته: فيما يأمرهم به وينهاهم عنه. وسواءٌ كان السبب هذا أو ذاك، فالآية صالحة لخطاب الجميع. والمعنى: قل يا محمد: لِمَنْ يدعي حُبَّ الله: إن كنتم تحبون الله كما تقولون، فاتبعوني فيما بلَّغتكم عن الله تعالى، وبَرْهِنُوا - بهذا الاتباع - على صدق محبَّتكم لله تعالى، فإن المحبة ليست ادعاء، ولكنها اتباع لما يرضى المحبُوب. فمن أَحبَّ اللهَ فلْيتبع حبيبه ومصطفاه، ولْيتأدب بِمَا دعا إليه من فضائل وآداب. وإلا فهو كاذب في دعواه. وثمرة هذا الاتباع، لا غاية وراءها لكم وهي حبُّ الله، وغفران ما عسى أن تقترفوه من ذنوب .. ولا شيءَ أسمى من ذلك تطمح إليه قلوب المحبين. وليس الفضل في أن تقول: إني أُحب. ولكن الفضل في أن تفعل ما تكون به محبوبًا عند حبيبك. وقد ختم الله الآية، بما اتصف به دائمًا، من صفتي الغفران والرحمة فقال: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ): ولا يتمتع ببركة هذين الوصفين، إلا من لازم اتباع الرسول فيا أمر به ونهى عنه. قال ابن كثير: هذه الآية، حاكمة على كل من ادّعى محبة الله - وليس هو على الطريقة المحمدية - بأنه كاذب في دعواه، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله، وأفعاله، وأحواله. كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" اهـ. وقال الحسن البصري: زعم قوم: أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ): والحسن البصري: من كبارة أساتذة التصوف. وهو إذ يقول ذلك، يعلمنا ألا نحفل بمن يزعم أنه من المتصوفة المحبين ربهم، وهو في وادٍ واتباع الرسول في وادٍ آخر. فلا ولاية

ولا حب لله، إلا باتباع كتاب الله وسنة رسوله، عملا بهذه الآية وبقوله تعالى: "وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ" (¬1). وأعلى درجات الحب لله: أن يحبه تعالى لذاته، ويتفانى في طاعته .. أما حبه لثوابه، لدرجته نازلة عن هذه المنزلة. وإذا كافأَ الله عبدًا بحبه، عُرِف ذلك من حب عباده له. ففي صحيح مسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحبَّ عبدًا دعا جِبريلَ فقالَ: إِنِّي أَحِبُّ فلانًا فأَحبَّهُ. قال: فَيُحِبُّهُ جِبريلُ. ثم ينادِي في السماءِ فيقولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فلانًا فأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّماءِ. قال: ثمَّ يوضَعُ له القَبولُ في الأرض. وِإذا أَبْغَضَ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إِني أُبْغِضُ فلانًا فأَبْغِضْه. قال: فيُبْغِضُهُ جِبريلُ. ثم يُنادي في أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلانًا فأَبْغِضُوهُ. قالَ: فيُبْغضُونَهُ، ثَمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرضِ". 32 - {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}: المعنى: قل لهم يا محمد، أطيعوا الله والرسول في جميع الأوامر والنواهي، فإن أعرضوا عن ذلك، فإن الله يبغضهم ولا يحبهم، لتوليهم وإعراضهم عن طاعة الله ورسوله. وإطلاق وصف الكافرين على المعرضين عن طاعة الله ورسوله - لأن من تولى وأعرض بقلبه، فهو نافر من شرع الله كاره له. فيكون بذلك كافرا، والعياذ بالله تعالى. أما لو كان تَولِّيه وإعراضه مجرد ترك لما أُمر به، اتباعا لشهواته - مع اعتقاده أن ذلك حرام، وأنه مذنب فيما يفعل، ومقصر في حقه تعالى - فإن الكفر بالنسبة له كفر للنعمة، وعدم قيام بشكرها. أو هو من باب التنفير من المعصية. وفي كلتا الحالتين، يكون تارك الاتباع محروما من حب الله تعالى، لأن الله سبحانه لا يحب من عصاه بكفر أو فجور. {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)} ¬

_ (¬1) الأعراف: 196.

المفردات: (اصْطَفَى): اختار. (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ): المراد بالآل فيهما: من كان من ذريتهم من الأنبياء. وسيأتي شرح ذلك. (ذُرِّيَّةً): الذرية النَّسْل. يطلق على الواحد وغيره. التفسير 33 - {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}: قال الآلوسي: قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في وجه المناسبة: لما بيّن الله سبحانه: أن الدين عند الله الإسلام. وأن اختلاف أهل الكتابين إنما هو للبغي والحسد .. وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته، منوط باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم - شرع في تحقيق رسالته، وأنه من أهل بيت النبوة القديمة، ممهدا إلى ذلك: بذكر جلالة أقدار الرسل، ومنتهيا إلى تنزيه ساحته، عما هم عليه من اليهودية والنصرانية المبدلتين. وأن الأُمم - قاطبة - مأمورون بالإيمان بمن هو مصدِّق لرسالات الرسل، تحقيقا لوجوب الإيمان بالرسول وطاعته .. اهـ. ملخصا. الشرح: ذكر الله، أنه اصطفى طائفة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وبدأ بآدم أبي البشر الأول. وثنى بنوح الأب الثاني لهم بعد الطوفان. وعقبه بآل إبراهيم أبي الأنبياء وواسطة عقدهم محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر آل عمران - مع دخولهم في آل إبراهيم - اعتناءً بأمر عيسى الذي اختلفوا في شأنه. والمراد بآل إبراهيم: ذريته من الأنبياء، والمراد بعمران: والد مريم، وهو ابن ماثان. وآله: ابنته مريم وابنها عيسى، عليهما السلام. وقيل: عمران هنا، هو عمران بن يصهر أبو موسى. وآله: هم موسى وهارون. والظاهر الأول، فإن السورة تسمى: سورة آل عمران. ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شروحها هنا .. أما قصة موسى وهارون فلم يذكر منها هنا شيءٌ. والمراد من العالمين الذين اختارهم وفضلهم عليهم: عالمو زمانهم. وقد فضلهم الله عليهم، بما آتاهم من النبوة والكتاب في معظمهم. وفي مريم: يحملها وولادتها من غير مماسة بشر، مع طهارتها وانقطاعها لعبادة ربها، وإمدادها في مصلاها برزق الله في غير أوانه، واختيارها لتكون أُمًّا لعيسى: الذي شاءَ له مولاه أن يكون بغير أب.

34 - {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: المعنى: اصطفى الله آل إبراهيم وآل عمران. حال كونهم ذرية بعضها من بعض في النسب، فالمتأخرون منهم سلالة المتقدمين. وقال قتادة في معناها: بعضها من بعض في النية والعمل الصالح، والإخلاص والتوحيد. وقد أثبتت الدراسات الحديثة، آثار الوراثة في التكوين الخلقي، والعقلي، والجسماني. وإلى هذا أشار الحديث الشريف "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم، فأَنكِحُوا الأَكْفاءَ وانكحوا إليهم" رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي. ويختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ليشير بذلك، إلى أنه اختارهم واصطفاهم، لصلاحيتهم وأهليتهم التامة للاختبار: في أقوالهم التي يسمعها، وأفعالهم ونياتهم التي يعلمها، فإنه سميع بكل قول، عليم بكل حال وفعل ونية. {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)} المفردات: (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي): أوجبت على نفسي: أن يكون ما في بطني لك، لخدمة بيتك. (مُحَرَّرًا): خالصا. (أُعِيذُهَا بِكَ): أُجيرها بك. (الرَّجِيمِ): المطرود.

35 - {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: امرأة عمران، هي: حَنَّةُ بنت فاقُوذا، كما رواه إسحق بن بشر، عن ابن عباس والحاكم، عن أبي هريرة، وهي جدة عيسى عليه السلام لأُمه. وكانت هذه السيدة عاقرًا لا تلد. وكانوا أهل بيت من الله بمكان. فتحركت نفسها يومًا لأن تكون أُمًا. فلاذت بربها ودعته - بضراعة - أن يهب لها ولدا، ونذرت إن حقق الله أُمنيتها: أن تجعل ولدها محرَّرًا: أي خالصًا للعبادة وخدمة بيت المقدس، عتيقا من سوى ذلك. وكان ذلك جائزا في شريعتهم. وكان على أولادهم أن يطيعوهم فيما نذروا. وكانت خدمة البيت والإقامة فيه للعبادة، قاصرة على الغلمان. فلما تحقق حملها، قال لها زوجها: أرأيت إن كان ما في بطنك أُنثى - والأُنثى عورة - فكيف تصنعين؟. فقالت عند ذلك (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): تريد بهذه الضراعة: التماس الولد الذكر، لعدم قبول الأُنثى في خدمة البيت. فكأنها تقول: رب إني نذرت ما في بطني، فاجعله ذكرا، لأستطيع تحقيق نذري. وجعله بعض الأئمِة تأكيدا لنذرها، وإخراجا له عن صورة التعليق، إلى هيئة التنجيز. ومعنى (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي): نذرته لأجلك. وهي تريد بذلك: أنها نذرته لخدمة بيته وعبادته فيه. وتقصد بقولها: (مُحَرَّرًا) أنها ستخلصه لذلك، فلا تصرفه في حوائجها. مأخوذ من التحرر. وهو: التخليص من الشوائب. وختمت ضراعتها بقولها: (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وهو تعليل لاستدعاء القبول، أي إنك السميع بكل المسموعات فتسمع دعائي، العليم بكل المعلومات، فتعلم نيتي وإخلاصي فَتَفَضَّلْ من أجل ذلك بقبول التماسي. 36 - {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى ... } الآية. ضمير الغائبة في (وَضَعَتْهَا) عائد على ما في بطنها، وتأنيثه باعتبار الواقع. والمعنى فلما وضعت أُنثى - على خلاف ما كانت تأمله - قالت متحسرة حزينة على فوات

رجائها، رب إني وضعتها أُنثى. قالت ذلك وهي لا تعلم بمكانة ما وضعته، والله وحده الذي يعلم بشأنها، وما علق بها من عظائم الأُمور ودقائق الأسرار. وقالت في تحسرها: وليس الذكر كالأُنثى في خدمة المسجد الأقصى، فإنها مقصورة على الغلمان دون الإناث فكأنها تقول: فماذا أصنع في نذري يا رب؟ ثم عطف على ذلك قولها: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ): دل هذا الكلام: على أنها - لما وضعتها - قالت ما تقدم. وأطلقت عليها اسم مريم في اليوم الذي وضعتها فيه. وهي السنّة في شريعتنا أيضا. فقد أخرج الشيخان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "وُلِدَ لِيَ الليلةَ ولدُ سمّيته باسم أبي إبراهيمَ" وأخرجا أيضا، عن أنس بن مالك: "أنه ذهب بأخيه حين ولدته أُمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنَّكه وسماه عبد الله". لم تشأ أُم مريم أن ترجع في نذرها حَمْلها لخدمة البيت وبعادة الله فيه، بعد أن تحقق أنه أُنثى. وكان أول شيء اتجهت إليه - في هذا الصدد - أن تسميها بالاسم المناسب لما أرادته في نذرها وهو مريم. فإن معناه: العابدة، في لغتها. وعقَّبت ذلك بضراعتها إلى الله: أن يعصمها ويحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة الله. بحيث يكونون - جميعًا - في مرضاة الله وعبادته. هذا، وقد قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن مريم معرب مارية بمعنى جارية. {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)}

المفردات: (فَتَقَبَّلَهَا): أي قبل مريم - في النذر - مكان الذكر. (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا): وربَّاها تربية طيبة .. حيث نشأت في طاعة الله. (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيا): أي جعله كافلا وضامنا لها. (الْمِحْرَابَ): غرفة عالية، بنيت لها، أو هو المسجد. (أَنَّى لَكِ هَذَا): من أَيْنَ لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاقنا؟ التفسير 37 - {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ... } الآية. قلنا: إن أُم مريم، مضت في نذرها مع وليدتها الأُنثى، مخالفة بذلك مألوف قومها: من أن خادم بيت المقدس يكون من الذكران. وهنا، تصريح الآية: أنه تعالى، تفضل فقبل منها مريم قبولاً حسنًا، وفاءً بنذرها، لما تعلقت به مشيئته من أُمور عظيمة، ترتبط بوليدتها الأُنثى. والقبول الحسن منه تعالى: أنه اختصها - دون سواها - بإقامتها مُقَام الذكر في خدمة بيت المقدس. وكما تقبل الله مريم في خدمة البيت لأَمر يعلمه، أنبتها ورباها تربية حسنة، إذ نشأت على طاعة الله تعالى. وقد ساعد على ذلك: أنه تعالى، جعل زكريا - عليه السلام - كافلا لها؛ لتقتبس منه العلوم والمعارف، ولتمضِيَ على سنته من الصلاح والتقوى. وكان زَوْجَ أُختها، كما ورد في الصحيح "فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة" ويحيى: ابن زكريا عليهما السلام. وهكذا تهيأَت لها البيئة الصالحة، كما تهيأَت لها الوراثة الصالحة. فكانت سيّدة نساءِ العالمين. وذكر ابن اسحق وابن جرير: أن زكريا، كان متزوجا خالة مريم. ويجمع بينهما، بأن خالة الأُم لولدها. والسبب في كفالته لها: أن أباها كان متوفيا. أو أن السَّنةَ كانت جدباء ذكر ذلك ابن اسحق.

(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ): كان زكريا يأتي مريم بطعامها، بمقتضى كفالته لها. ولكنه كان - حين يأتيها - يجد عندها رزقا جميلا، وطعاما وفيرا. فيعجب لذلك، ويقول لها: من أين لك هذا؟! يقول لها ذلك متعجبا من وجود رزق عندها، ولا كافل لها سواه. فتجيبه قائلة: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ) رزقا واسعا (بِغَيْرِ حِسَابٍ). ويحتمل أن تكون جملة (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) من كلام الله تعالى، وليس من كلامها، سيقت: للإيذان بأنه لا ينبغي أن تعجب من هذا الرزق، فإن الله يرزق من يشاءُ بغير حساب. والمحراب الذي كانت فيه، قيل: إنه غرفة بنيت لها في بيت المقدس، لا يصعد إليها إلا بسلم. وقيل: إنه ذات المسجد، وكانت مساجدهم تسمى: محاريب. والحق، أن المحراب لغة: يطلق على الغرفة، وهي الحجرة العالية. وعلى صدر البيت وأكرم مواضعه. وإطلاقه على المسجد - أو على مكان الإمام فيه - لرفعة شأنه. {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)}

المفردات: (هُنَالِكَ): أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في هذا الوقت الذي رأي فيه من الكرامات ما رأى، على غير المألوف. وهنالك: يشار به إلى المكان والزمان. (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ): المراد بكلمة الله، عيسى عليه السلام، حيث جاءَ بقوله تعالى: (كُنْ) من غير توسط أب. (وَحَصُورًا): الحصور، الذي لا يباشر النساء. أو هو الذي يمنع نفسه من المعاصي. (بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ): أدركتني الشيخوخة. (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ): عقيم لا تلد، من العَقْر وهو القطع، لقطع أولادها. (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ): أي لا تقدر على كلامهم من غير آفة. (إِلَّا رَمْزًا): إلا إشارة. (بِالْعَشِيِّ): هو من الزوال إلى الغروب. وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل. (وَالْإِبْكَارِ): أي وقت الإبكار وهو من الفجر إلى الضحى. التفسير 38 - {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}: هذه قصة مستقلة. سيقت في أثناء قصة مريم، لأنها - مع ارتباطها بها - مقررة لها، بما فيها من عجيب قدرة الله مثلها. والمعنى: أن زكريا، لما وجد عند مريم رزقًا عظيمًا، وتحقق أنه من عند الله تعالى: لا يأتيها به أحد من الناس - قال في نفسه: إن الذي جاءَ مريم بذلك الرزق، لَقَادِرٌ على أن يصلح لي زوجتي، ويرزقني منها ذرية .. فعند ذلك، قام في المحراب وابتهل إلى الله تعالى قائلا: رب هب لي من عندك ذرية طيبة مباركة صالحة، إنك كثير الإجابة لمن يدعوك. وهنالك: وإن كان يشار به إلى المكان البعيد، إلا أنه قد يستعمل بمعنى: في تلك الحال مجازا، كما تقول: من هنالك، قلنا: كذا. أي في تلك الحال كذا. ومن هذه الجهة، قلت: كذا. ذكره الزجاج. وقد علل زكريا طلبه بقوله: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ): وأصله بمعنى: كثير السمع للدعاء، ولكنه أُريد منه هنا مجازا: إنك كثير الإجابة لمن يدعوك. فهذا هو الأكثر مناسبة للتعليل. 39 - {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}:

أكرم الله زكريا فَأجاب دعاءَه، وبعث إليه بالملائكة يبشرونه بذلك، فنادوه - وهو قائم يصلي في المسجد - أن الله تعالى يبشرك بولد ذَكَر سماه الله يحيى: مصدقًا بعيسى عليه السلام، الذي سُمِّيَ كلمة الله، لأنه خلقه بقوله: (كُنْ) فكان. ومعنى تصديقه به: إيمانه بأنه رسول الله. وهو بذلك، يكون أول من آمن به. ويحيى أكبر من عيسى. فهذه البشارة كانت قبل أن تحمل مريم بعيسى، أو - على الأقل - قبل أن تلده. وذكر هذا التصديق، لتسفيه رأي اليهود في عيسى عليه السلام. وقال أبو عبيدة: المراد بالكلمة هنا، الكتاب أو الوحي. وقد وصف الله يحيى على لسان ملائكته المبشرين، بأنه سيكون سيدًا. والسيد: من يسود قومه. ثم أُطْلِق على كل فائق في الدين أو الدنيا. كما قاله بعض المحققين. ويمكن أن يجتمع فيه الأمران: الرياسة في قومه، والتفوق في الدين. فإنه نبي الله، ومن الصالحين. كما سيأتي نَعْتُه بذلك. ووصفته الملائكة أيضًا بأنه حصور .. وفسره ابن عباس: بأنه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك. ولعل هذا، لأن انهماكه في العبادة، شغله عنهن. والمدح بذلك، كناية عن مدحه باشتغاله بالعبادة عن متع الحياة الدنيا. وليس معناه أن ذلك في أفضل من الزواج مع الاشتغال بالعبادة. فإن الزواج من سنن الله في الأنبياء. ومن سننه في الجنس البشري، ليبقى خليفة عن الله تعالى في عمارة أرضه. وقد كان - على سنة يحيى - في ذلك - عيسى، عليهما السلام. وفَسَّر الحصورَ بعضُ المفسرين: لأنه المبالغ في الحصر النفس، وحبسها عن المعاصي والشهوات، وكان ضمن بشارة الملائكة لزكريا عن ولده يحيى: أنه سيكون نبيًّا ناشئًا من الأُصول الصالحين، أو معدودًا في عدادهم. والمراد من الصلاح: ما فوق الصلاح الذي لابد منه في منصب النبوة، بأن يكون في أقصى مراتبه، حتى يكون للوصف به بعد النبوة فائدة. وتأنيث الفعل (قَالَتْ) عند إسناده إلى الملائكة، لجواز ذلك عند إسناده إلى الجماعة. فالملائكة ليسوا إناثا. ولهذا رَدَّ اللهُ على المشركين حين ادعوا ذلك فقال: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" (¬1). وقد ¬

_ (¬1) الزخرف: 19.

جاء تذكير الفعل معهم بتأويل الجمع، كقوله تعالى: "وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ" (¬1). ويحيى هذا، هو المسمى عند المسيحيين: يوحنا المعمدان. 40 - {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}: لَمَّا بشرته الملائكة بذلك، وتحقق من البشارة، تعجب من وقوع ذلك مع وجود الموانع، فقال: يا رب، من أين يكون لي غلام، وقد أدركتني الشيخوخة - فقد كانت سِنُّهُ - على ما روى عن ابن عباس - مائة وعشرين سنة - وامرأتي عاقر لا تلد! وقد كانت هي الأُخرى متقدمة في السن، إذ بلغت ثمان وتسعين سنة، على ما روى عن ابن عباس. وإنما خاطب بذلك ربه ولم يخاطب الملائكة الذين بشروه، مبالغة في التضرع إلى الله تعالى. وحينئذ أجابه المولى قائلا: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: الله يفعل ما يشاءُ، مثل ذلك من الأفعال الخارقة للعادة، الخارجة عن القياس. 41 - {قَالَ رَبِّ اجْعَل لي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ... } الآية. قال زكريا - لما سمع هذا الجواب الحاسم من الله رب العالمين - اجعل لي علامة أستدل بها على حمل امرأتي. قال الله له: علامتك، ألا تقدر على مكالمة الناس، ثلاثة أيام متوالية من غير آفة. وتقييد عدم الكلام بالناس، مؤْذن بأَنه كان غير محبوس عن ذكر الله تعالى. وكان حديثه مع الناس - في هذه المدة - رمزًا. كما قال تعالى: (إِلَّا رَمْزًا) والرمز: الإشارة باليد أو الرأس أو نحوهما. ثم أمره الله أن يذكر سبحانه، في وقت لا يحتبس فيه لسانه عن الناس، فقال: (وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) يعني: واذكر ربك ذكرا كثيرا، ونزهه عما لا يليق به: في وقت العشي - من الزوال إلى الغروب - أو من العصر إلى أَن يذهب صدر الليل، واصنع مثل ذلك في وقت الإبكار - من الفجر إلى الضحى. والمراد من العشي والإبكار. جميع الأوقات. والذكر: يتناول ما كان باللسان والقلب. ¬

_ (¬1) الرعد: 23.

{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)} المفردات: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ): اختارك لخدمة بيته لصلاحك. (وَطَهَّرَكِ): من الأدناس أو طهرك بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن العصيان. (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ): اختارك عليهن: بأن تكوني أُمًّا لعيسى من غير أب. وجعلك وإياه آية للعالمين. ولم يكن ذلك لأحد من النساء. (اقْنُتِي لِرَبِّكِ): دومي على طاعته. (وَاسْجُدِي): واخضعي. (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ): وصلى مع المصلين. (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ): وما كنت عند المتنازعين في كفالتها، حين يلقون أقلامهم التي يكتبون بها التوراة، أو سِهَامَهُمْ عند الاقتراع على كفالتها في طفولتها. (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ): أي إذ يتنازعون في ذلك. التفسير 42 - {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ ... } الآية.

هذا عود إلى قصدة السيدة مريم عليها السلام - بعد أَنْ توسطتها قصة ولادة يحيى لزكريا، بعد أن بلغ من الكبر عتيًّا، من زوجته المسنة العاقر - للتشويق إلى باقي قصتها، ولتقرير ما فيها من عجائب صنع الله، المخالفة للنواميس المألوفة، ولتقرير اصطفاء مريم. والملائكة هنا، كالملائكة في قصة زكريا، يجوز أن يكونوا جماعة، أو أن يكون المراد منهم الجنس الصادق بواحد. والمقصود به جبريل، لأنه هو الذي يبلغ رسالات الله إلى المصطفين من خلقه عادة. والمعنى: واذكر يا محمد، من شواهد اصطفاه الله لأُولئك الكرام، وقت قول الملائكة: يا مريم، إن الله اختارك لخدمة بيته، ولم يكن يخدمه قبلك إلا الرجال. وطهرك من الأدناس: حسِّية كانت أو خُلُقية أو اعتقادية. واختارك على نساء العالمين، ليهب لك عيسى من غير أب، فكنت فريدة في ذلك بين نساء العالمين، لطهرك وفضلك! وظاهر النص: يقتضي أن كلام الملائكة لها، كان مشافهة. ويجوز أن يكون إلهامًا. 43 - {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}: المعنى: وقالت الملائكة لمريم - بعد أن أخبروها بعلوِّ درجاتها وكمال قُرْبها إلى الله - يا مريم: دومي على طاعة ربك الذي رباك بنعمه، واخضعي له، وصَلِّي مع المصلين. وقد أمرها الله بذلك، حتى لا يحدث لها فتورٌ أو غفلة، بعد ما علمت مكانتها عند الله تعالى. وإذا كان الله يذكِّر مريم بذلك - وهي من جلالة الشأن على ما وصف الله - فالأجدر بمن هم دونها: أن يعلموا أن الله تعالى لا يغفل عن حقوقه لديهم؛ ليشمروا عن ساعد الجد، حتى لا يفوتهم ركب النجاة. 44 - {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ... } الآية. المعنى: ذلك الذي تقدم من أخبار الغيب، ذات الوقائع الدقيقة المفصلة، نعلمك بها عن طريق الوحي. وقد سبقت عهدك بقرون عديدة: ما كنت تعلمها أنت ولا قومك. ولولاه لما وصل إلى علمك. وصدق الله إذ يقول: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" (¬1). كما أنه لم يُعرف عنك مجالسة أهل الكتاب حتى تعرفه منهم. ¬

_ (¬1) العنكبوت: 48.

ثم أَعلمه الله بغيب آخر فقال: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ): الأصل في الكفالة أن تكون للوالد، فلا يقوم غيره بها إلا عند فقده، أو عند الضيق، كما كفل النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا. وكفل العباس جعفرًا، عن أبي طالب والدهما، لكثرة عياله وشدة الحال عليه. وخصام بني إسرائيل على كفالة مريم، لا يكون إلا لواحد من هذين السببين. وقد دلت الآية: على أن بني إسرائيل تنازعوا: أيهم يكفل مريم ويقوم بتربيتها؟ ودلت الأخبار: على أن القراء منهم تنافسوا - مع زوج خالتها زكريا - في كفالتها. فكان زكريا يريدها، لأن خالتها معه، ولأنه كان رئيس الأحبار. ويرى أنه أحق بها لذلك. وكان كل واحد من القراء يريدها، لأنها ابنة عالمهم. فاقترحوا حلًّا لهذه المشكلة أن يقترعوا. وكانت وسيلتهم إلى القرعة أقلامهم، كما قال القرآن الكريم. واختلف في هذه الأقلام فقيل: إنها الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: هي سهام جعل منها سهم معين لمن يأخذه. وطريقة الاقتراع لم يَرِدْ بها خبر صحيح. ولعلهم وضعوا الأقلام في كيس أو نحوه. فإن كانت أقلام الكتابة، كان إخراج أي قلم منها يدل على صاحبه، وعلى أنه هو الذي يكفل مريم. وإن كانت السهام، كان السهم المعين لمريم، إذا أخذه أي واحد منهم يكون هو الكفيل. وكانت هذه القرعة سبيلا إلى فوز زكريا عليه السلام بكفالتها. وفي هذه الآية دليل على أن القرعة سبيل مشروع لتمييز الحقوق. والاستهام (¬1) ورد في القرآن في موضعين: هذا الموضع، وقوله تعالى: "فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ" (¬2). وكان صلى الله عليه وسلم "إذا أراد سَفرًا أقرع بين نسائه" (¬3) وقال صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يعْلَم النَّاس مَا فِي النِّداء والصَّفِّ الأَوَّل ثمَّ لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا" (¬4). وإنباءُ القرآن بما وقع في كفالة مريم من نزاع وخصام، ولجوء المتنازعين إلى القرعة، دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك لا يُعلم إلا عن طريق الوحي. ¬

_ (¬1) الاستهام: إجراء القرعة. (¬2) الصافات: 141. (¬3) رواه الشيخان. (¬4) رواه الشيخان.

ولذا، أشار الله إلى هذه المعجزة بقوله: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ): أي ما كنت عندهم في الحالين، حتى تعلم أمرها. وإنما أعلمك الله بوحيه. {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)} المفردات: (يُبَشِّرُكِ): التبشير، الإخبار بالبشارة وهي الخبر السَّار. وأُطلق عليه ذلك، لظهور أثره على البشرة. (وَجِيهًا): صاحب جاهٍ وشرفٍ. (فِي الْمَهْدِ): المهد هنا، فراش الطفل الرضيع. (وَكَهْلًا): الكهل، مَنْ وَخَطَهُ الشيب في جلال ووقار. وهو بين حالي الغلومة والشيخوخة. ومنه: اكتهلت الروضة إذا عمَّها النُّوَّار. وقيل: من جاوز ثلاثين إلى إحدى وخمسين سنة. (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ): المسّ هنا، كناية عن الجماع. التفسير 45 - {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}:

هذه الآية - وما يليها من آيات - تحكي قصة عيسى بن مريم عليهما السلام. والمراد بالملائكة هنا: الجنس. والمقصود منه جبريل عليه السلام، على المشهور. والقول من الملائكة لمريم، كان مشافهة. كما رواه ابن أبي حاتم عن قتادة. وإطلاق لفظ: (كلمة) على عيسى عليه السلام، لأنه لم يجر على نسق البشر. إذ خلق بغير أب .. متأثرا بقوله تعالى في شأنه: (كُن) كما قال تعالى: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (¬1). وبما أن (كُنْ) كلمة، فلذا سُمِّيَ: (كلمة). والمسيح: لقب لعيسى عليه السلام. وهو من الألقاب ذات الشرف. كالفارق لعمر. وهو لقب عبري. ومعناه: القائم على عبادة الله. ومع كونه لقبا، فقد صرحت الآية بأنه اسم له. والألقاب إذا اشتهرت، صارت أسماء. ووجاهته في الدنيا: شرفه وقدره العظيم، بقبول دعائه: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، مما أكرمه الله به. وقيل: وجاهته فيها: براءَته من العيوب التي افتراها عليه اليهود. أما وجاهته في الآخرة: فهي بقبول شفاعته، وعلو درجته، وظهور كذب اليهود فيما افتروه عليه، وعقابهم على ما افتروه. والمراد من كونه (مِنَ الْمُقَرَّبِينَ): أنه ممن علت مكانتهم عند الله تعالى وعند الناس. وخلاصة المعنى: اذكر يا محمد، حين قالت الملائكة لمريم - يا مريم: إن الله يخبرك بخبر يسرك. هو: أنه سيمن عليك بغلاف اسمه المسيح عيسى بن مريم: ذا جاه وشرف في الدنيا، بما يظهره الله على يديه من المعجزات، وبما اتصف به من الصلاح والتقوى. وذا جاه في الآخرة: بقبول شفاعته، وظهور صدقه وعلو درجته. ومن المقربين إلى الله والناس، المحبوبين لديهم. ¬

_ (¬1) آل عمران: 59.

وبما أن الولد عادة يُنسب إلى أبيه، فإضافة عيسى بالبنوة إلى أُمه، فيه إشعار لها - حين البشارة - بأنه سيكون بغير أب ... قبل التصريح لها بذلك. وسيأتي بعد. 46 - {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ}: وبشرتها الملائكة أيضا: بأن ولدها عيسى عليه السلام، سيكون ذا شأن عظيم، وذلك أنه يكلم الناس وهو طفل يلازم فراش الطفولة، مثلما يكلمهم وهو رجل ذو جلال ووقات. فكلامه في الحالتين، كلام رصين، مفيد نافع، ينفي الريب ويزيل الشكوك، ويحق الحق. ومن كلامه في طفولته. أنه قال لقومه، حين أشارت أُمه إليه ليدافع عن عرضها: "إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نِبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا" (¬1). وذلك حين جاءَت به قومها تحمله، بعد أن وضعته فلما رأَوْا ذلك: "قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا" (¬2). أما كلامه في كهولته، فهو كلام الوحي والرسالة. وكما بَشَّرتها الملائكة بوجاهة ولدها في الدنيا والآخرة، وأنه سيكلم الناس في المهد وكهلا، بَشَّرتها أيضا: بأنه سيكون في عداد الكاملين في الصلاح والتقوى. 47 - {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}: قالت السيدة مريم - متعجبة من تبشيرها بالولد وهي غير متزوجة - يا إلهي. مِنْ أين يكون لي ولد ولم يتصل بي بشر، والعادة جارية على خلاف ذلك؟ قال الله تعالى - بلسان الملائكة وتبليغهم، ردًّا على استغرابها - الله يفعل ما يشاءُ، ولو خالف القياس، بدون معاناة ولا صعوبة. ولا يحتاج تحقيق المراد إلى قوله تعالى (كُنْ) بل يكفي أن يريده الله، فيتحقق في الحين الذي أراده سبحانه فيه. والأمر بكُن محمول - عند الأكثرين - على أنه تمثيل لتأثير قدرته تعالى في مراده: بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور به، من غير امتناع ولا توقف. وأجاز بعضهم: أن يكون ذلك على الحقيقة، بأن يتعلق كلام الله النفسي: الذي هو بمعنى: كن، على ما أراد الله تكوينه، فيكون ويحدث. ¬

_ (¬1) مريم: 30، 31. (¬2) مريم: 27، 28.

{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)} المفردات: (الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ): الأكمه؛ من ولد أعمى. والأبرص: من بجلده بقع بيضاء تخالف لون سائره. التفسير 48 - {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ}: في جملة ما بشرت به الملائكة مريم، عن ولدها عيسى المنتظر: أن الله تعالى: يعلمه الكتاب. والمراد به: الكتابة بالقلم. كما قاله ابن عباس وابن جريج. أو هو بعض الكتب الإلهية التي أنزلها الله على أنبيائه، سوى التوراة والإنجيل اللذين سيذكران بعد. وهذا رأي أبي علي الجبائي. والأول أظهر. وكما يعلمه الكتاب، يعلمه الحكمة. وهي إصابة الحق في القول والعمل، ويعلمه التوراة التي أنزلها موسى من قبله، والإنجيل الذي سينزله الله عليه. وقد كان عليه السلام، يحفظ هذا وذاك.

وتعليمه ما تقدم: صالح لأن يكون موهبة إلهية، وأن يكون بمعلم. روى أنه لما ترعرع أسلمته أُمه إلى المعلم. ولكن لا ندري ماذا علمه المعلم. ولعله علمه ما تضمنته الآية من الكتابة والتوراة. أما الإنجيل، فقد أنزله الله عليه. 49 - {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ... } الآية. أي: ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، يخبرهم: أني قد جئتكم ببرهان من ربكم على نبوتي. هو أني أُنشيء لكم من الطين تمثالا كهيئة الطيب وشكله، فأنفخ فيه فيكون بعد النفخ طيرا بأمر الله الذي جعل ذلك معجزة وبرهانا على أنه أرسلني إليكم. فإن مثل ذلك لا يقدر عليه البشر، لأنه مما اختص الله به، فإذا أمكن الله بعض عباده من ذلك، فذلك يعتبر تأييدا من الله له في دعوى الرسالة. والتعبير بقوله: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) للإيذان بخصوص بعثته إليهم. أما الرسالة العام، فهي لمحمد صلى الله عليه وسلم: لا يشركه فيها أحد سواه. قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ... " (¬1). وقد انقسمت بنو إسرائيل فيه إلى فرقتين: فرقة ترميه بأفحش ما رمت به أُمة نبيَّها، وهم الأكثرون من اليهود. وأُخرى تصدقه في مواعظه وإرشاداته. وتقول: إنه لم يخالف التوراة، بل قررها ودعا الناس إليها، وإنه من المستجيبين لموسى عليه السلام، ومن بني إسرائيل فرقة أخرى تسمي الأتقياء ينفون رسالته ونبوته، ويقولون: إن سائر اليهود ظلموه: حيث كذبوه أولا، ولم يعرفوا مدعاه. وقتلوه آخرا ولم يعرفوا مرماه ومغزاه. وهذه الفرقة تسمى: العنانية. أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت. ذكر ذلك الآلوسي ناقلا عن بعض المصادر المشهورة ولم يسمه. (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ): وأشفي الأكمه الذي ولدته أُمه أعمى، فيصير بصيرا. وأشفي مَنْ بجلده برص. وهو بياض يخالف لون سائر الجلد. وهاتان العلتان أعجزتا الأطباءَ. ولهذا أراهم الله المعجزة على يد عيسى من جنس الطب. كما أرى قوم موسى المعجزة بالعصا واليد البيضاء، حيث كان ¬

_ (¬1) سبأ: 28.

الغالب عليهم السحر. وأرى العرب معجزة القرآن. حيث كان الغالب عليهم في عصر الرسول: الفصاحة والبلاغة. والاقتصار على هذين المرضين، لا ينفي قدرته على شفاء غيرهما بإذن الله. وكما كان يقدر على شفاء المرضى، كان يحي الموتى بإذن الله. وفي كل هذه المعجزات كان يلجأ إلى الله ويدعوه، فيحقق الله دعاءَه. دون ممارسة الوسائل الطبية. (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ): وأُخبركم بما تأكلونه في بيوتكم ولم أُشاهده، وما تدخرونه للمستقبل من مال وطعام لا سبيل لي إلى علمه. والمراد: الإخبار بهذين النوعين بخصوصهما. وقيل: المراد أنه يخبرهم بالمغيبات. واقتصر على هذين الأمرين، لحضورهما لديهم. فلا يبقى لهم شبهة. ولا شك أن صدقه فيما أخبر به شاهد على صدقه في دعواه الرسالة إليهم. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ): هذه الجملة من كلام عيسى حكاها الله تعالى، أو من كلام الله، سبقت للتوبيخ. والمعنى: إن في ذلك لعلامة لكم على صحة رسالة عيسى، أو أن رسالة محمد الذي أخبر بما لم يعاصره، من غير معالجة أسباب توصله إلى علمه، كما يفعل المنجمون. أما ما يفعله علماءُ الفلك، من الإخبار عن بعض المغيبات، فناشيء عن قوانين وضوابط، لولاها لما عرفوا ما أخبروا به .. فلا يقال: إنهم أخبروا بالمغيبات. على أن ما يخبرون به لا يصل إلى درجة العلم المقابل للظن. بل أقصى ما يحصل به هو الظن الغالب -وقد يخطئون- وبينه وبين علم الغيب بَوْنٌ بعيد، بخلاف ما يخبر به المرسلون، فهو من باب العلم الذي لا شك فيه، لأنه إخبار عن الله تعالى. ولذا لا يقع فيه خطأ. وأما التنبؤ في شئون التجارة والحروب والحظوظ ونحو ذلك، فهو إهدار لكرامة العقل، ومخالف للشرع. ثم ختم الآية بقوله تعالى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ): أي: إن كنتم مريدين الإيمان أو موفقين إليه: فذلك الذي تقدم آية لكم تعينكم على تحقيقه.

50 - {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ... } الآية. أي: جئتكم بآية من ربكم، ومصدقا لما تقدمني من التوراة النازلة على موسى: مؤمنا بما جاءَ فيها، وأنها نازلة من عند الله تعالى. وجئتكم لأُحل لكم بعض الذي حُرِّم عليكم. واختلف العلماءُ في المراد من قوله: (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ): فمنهم من قال: المراد منه: أن عيسى عليه السلام، أَحَلَّ لهم بعض ما حرم الله عليهم في التوراة، تخفيفا عليهم. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال: "كان الذي جاء به عيسى ألْيَسَ مما جاء به موسى عليه السلام". ومنهم من قال: المراد منه: أنه أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا، فكشف لهم من ذلك ما كان مغطى .. لقوله تعالى: "وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ" (¬1). (وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ): وَحَّدَ الآية - مع أنها من آيات عديدة - لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته. وقد جاءت هذه الجملة في آخر كلامه - مع أنها جاءَت في أوله - لتكون كنتيجة لِسَرْد هذه المعجزات التي تقدمت؛ وليرتب عليها قوله لهم: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ): وكأنه يقول لهم: وإذا كنت قد جئتكم بهذه الآيات والمعجزات، فاتقوا الله وخافوه، وأطيعون فيما آمركم به عنه سبحانه وتعالى. فإن ذلك يجب عليكم، عند ظهور الحق فيما أدعوكم إليه. 51 - {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}: بعد أن أمرهم بتقوى الله وطاعته، علل ذلك بقوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ): يعني ومن كان كذلك، وجب أن يُتَّقَى ويُطَاعَ رسولُه فيما كلفهم به من تكاليفه تعالى. ورتب على ذلك: ما هو تفسير للتقوى والطاعة، وما هو فرع وأثر لربوبيته تعالى، فقال: (فَاعْبُدُوهُ): أي: اجعلوا عبادتكم له وحده، لأنه ربكم دون سواه. ¬

_ (¬1) الزخرف: 63.

وأرشدهم إلى استقامة هذا المنهج فقال: (هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ): فإنه يجمع بين الاعتقاد السليم، والعمل القويم. قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} المفردات: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ): أصل الإحساس، الإدراك بإحدى الحواس. ويستعار للعلم بلا شبهة. أي: فلما علم منهم المداومة على الكفر علما لا شبهة فيه. (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ): أي من أنصاري متجها إلى الله؟ وحاصل المعنى: من ينصرني حال كوني متجها إلى الله ملتجئا إليه؟ والأنصار: جمع نصير. وهو من يؤَيدك وينصرك. (الْحَوَارِيُّونَ): جمع حواري. وهو الصَّفِيُّ والناصر. يقال: فلا حواريُّ فلان، أي خاصته من أصحابه وناصره. التفسير 52 - {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ... } الآية. بعد أن بين الله في الآيات السابقة، ما يؤَكد رسالة عيسى عليه السلام، ويدعو إلى تصديقه والإيمان بنبوته، عقَّبها بتلك الآيات التي أوضح فيها: كفر بني إسرائيل ومكرهم به، وإنجاء الله له من مكرهم، ووقوف أهل الحق معه، وسائر قَصصِه الحق الذي زيفه أهل الكتاب. فقال جل ثناؤُه: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ... ) الآية.

والمعنى: فلما استيقن عيسى مداومتهم على الكفر، وعدم استجابتهم لدعوته، اتجه إلى من خلصت نيتهم من قومه، مخاطبا لهم بقوله: من ينصرني ويؤيدني وأنا متجه إلى الله داعيا لدينه، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يمنعه مانع؟ فاستجاب لندائه عليه السلام، صفوته وخاصته من قومه .. وقد حكى الله استجابتهم بقوله: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ): أي: قال المخلصون له من قومه: نحن أنصار دين الله: ننضم معك في نصرته، وفي تبليغ دعوته، وتوضيح رسالتك، لأننا آمنا بالله. ومن يؤمن به سبحانه، فعليه أن ينصر دينه. واشهد علينا يا رسول الله، بأننا منقادون لما يريده الله منا. ثم توجهوا إلى الله مؤكدين ما خطبوا به عيسى عليه السلام، فقالوا: 53 - {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}: المعنى: أَكَّد الحواريون إيمانهم الذي أشهدوا عليه عيسى - متجهين به إلى ربهم - قائلين: ربنا آمنا بما أنزلته على جميع رسلك، واتبعنا الرسول عليه السلام، فاكتبنا عندك - ببركة هذا الإيمان - مع الشاهدين من جميع الأُمم: بصدق الأنبياء والمرسلين. ولا تجعلنا من المعاندين المكابرين، الذين ينكرون الحق مع وضوح دليله. وعن ابن عباس معناه: واكتبنا مع أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، الشاهدين للرسل بالتبليغ. ثم حكى الله تدبير بني إسرائيل اغتيال عيسى وإحباط الله لكيدهم فقال: 54 - {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}: المعنى: قال ابن عباس في تفسيرها: لما أراد مَلِكُ بني إسرائيل قتل عيسى عليه السلام، دخل - أي عيسى - خوخة فيها كوة، فرفعه جبريل عليه السلام، من الكوة إلى السماء. فقال الملك لرجل خبيث منهم: ادخل عليه فاقتله. فدخل الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت. فقتلوه وصلبوه، ظنا منهم أنه عيسى. وقد جاء في إنجيل "برنابا" ما يصدق هذا المروي عن ابن عباس. وزاد على ذلك: أن هذا

الخبيث هو يهوذا. وكان من الحواريين المنافقين. وهو الذي دلَّهم على مكانه. وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة. وأوصاهم وقال: ليكفرن بي أحدكم. فذهب يهوذا إلى ملك اليهود وأخبره بمكانه، ومكان حوارييه. فلما توجه إليه الملك برجاله ودخلوا عليه البيت، لم يجدوه، فقد رفعه الله إليه. وألقى شبه عيسى على يهوذا. فأمر الملك بقتله. فقال له: أنا يهوذا. فقال الملك: إن كنت يهوذا فأين عيسى؟ فقال يهوذا: إن كنت عيسى فأين يهوذا؟ فلم يعبأ الملك بهذه المعارضة، وصلبه لشبهه بعيسى. ومن العجيب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل، مع أنه وجد بمكتبه باب روما، وترجم إلى اللغة الإيطالية، ثم إلى الإنجليزية، وغيرها من لغات العالم. ولم يوجد بالعربية إلا بعد ترجمته من الإنجليزية أخيرا!! بل من الأعجب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل لمجرد مخالفته لا هو عليه من الأناجيل الأُخرى .. وليس ما عندهم من تلك الأناجيل ما هو أولى بالتصديق منه، لأنها ليس فيها ما يرجحها عليه، بل إن العكس هو الصحيح. هذا هو مكر بني إسرائيل بعيسى، وإكرام الله له بإنجائه من مكرهم، وعقابه المنافق بقتله، بعد إلقاء شبه عيسى عليه!! والمكر لغة: هو تدبير خفي، يقصد به إضرار لمن يُمكر به، ولا يطلق على الله إلا بأسلوب المشاكلة المعروف في علم المعاني. وهو التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. وقد أُطلق هنا على إنجاء الله لعيسى. وانتقامه من المنافق، لوقوعه في صحبة مكرهم. هكذا قالت طائفة من العلماء. وقال غير واحد: المكر هو التدبير المحكم. وهو ليس بممتنع على الله تعالى؛ وفي الحديث الشريف: "رَبِّ أَعِنَّي ولَا تُعِنْ عَلَيَّ ... وامكُرْ لي ولا تمكر علي (¬1) ". ثم ختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ): أي أقواهم، وأشدهم مكرا. أو أنه أحسنهم مكرا، لبعد تدبيره عن الظلم. ¬

_ (¬1) من حديث رواه: أحمد، والحاكم، والترمذي، وغيرهم.

ثم فصل هذا التدبير المحكم بقوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)} المفردات: (مُتَوَفِّيكَ): أي مستوفيك وآخذك إليَّ. مأخوذ من قولهم: توفيت ديني على فلان. أي استوفيته وأخذته. ويعتبر قوله عقبه (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ): تفسيرا له. (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي مطهرك منهم بإبعادك عنهم بالرفع، فقد دنَّسهم الكفر. (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ): بتصديق ما جئت به. ومنه: أنه يأتي من بعدك نبي اسمه أحمد: يجب الإيمان به. (فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا): بذلك. (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): ومن لم يؤمن منهم بمحمد. فقد كفر بعيسى. فتسلب منه هذه الأفضلية.

(مِنَ الْآيَاتِ): من الحجج الدالة على صدقك. (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ): والقرآن المحكم المتقن. أو المنصف بالحكمة. التفسير 55 - {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... } الآية. اختلف المفسرون في المراد من التوفي هنا. فمن العلماء من قال: إنه على حقيقته المعروفة. وإنه مرتبط بالآية السابقة. والمعنى: ومكر اليهود بعيسى يريدون قتله. ومكر الله فأحبط تدبيرهم. والله خَيْرُ الحاكمين. فقد قال الله لعيسى: إني متوفيك حين يأتي أجلك. ولن أسلطهم عليك ليقتلوك. وقد حقق الله وعده إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه، وأنجى عيسى ورفعه إليه. وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - للناس. ثم يتوفاه بعد ذلك. كما ورد في السنة الصحيحة على ما سنبينه. فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء، مشفوعة بالبشارة برفعته. وقال آخرون: معناه: إني مستوفيك، أي آخذك من الأرض. مأخوذ من قول العرب: توفيت ما لي على فلان، أي أخذته. وعلى هذا يكون قوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) تفسيرا للتَّوفي. ونقل الحافظ ابن كثير، عن ابن عباس (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي مميتك. ولكن هذا النقل معارض بما سنذكره من الأحاديث الدالة على بقائه إلى آخر الزمان، وبقوله تعالى: "وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" (¬1). وهذا الوعد لم يتحقق إلى الآن، فإن اليهود - وأكثر الناس - لم يؤمنوا به. وذلك يدل على أنه لا يزال حيًا. وسيظل كذلك. حتى يؤمن به جميع الناس قبل موته، تحقيقًا لوعد الله تعالى. وسيكون ذلك آخر الزمان. كما أنه معارض بما صح نقله عن ابن عباس من أنه رفع من غير وفاة. وعلى هذا يكون قوله تعالى: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) مرادا منه: رافعك حيًّا بدون وفاة .. ¬

_ (¬1) النساء: 159.

ويشهد له - ولنزوله آخر الزمان - ما رواه الإمام مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَاللهِ، لينزلنّ ابن مريم حكما عادلا فليكسرَنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولَتُترَكَنَّ القلاص (¬1)، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناءُ والتباغض والتحاسد، ولَيُدْعَوُنَّ إلى المال فلا يقبله أحد". ولا ينزل عيسى بشرع جديد ينسخ شريعتنا، بل ينزل مجددا لما درس منها، ومتَّبعا لها، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كيف أنتم إذا أُنزل فيكم ابن مريم وإمامُكم منكم"! وبما أنه سينزل آخر الزمان، فلابد أنه يبقى حيا إلى حين ينزل ويبلغ شرع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لو مات قبل ذلك، لكان نزوله هذا بعثا له في الدنيا. ولا بعث إلا في الآخرة. كما دل عليه الكتاب والسنة. والمراد من قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أنه تعالى، يبعده عنهم بالرفع، حتى لا يبقى بين من دنسوا أنفسهم بالكفر، تنزيها له عن دنسهم. أو أنه يُبْعِد أَيديَهُم عنه، فلا تمسه بأذى .. فهم أنجاس لكفرهم. ويصح أن يكون هذا وعدا من الله له، بأنه - في آخر الزمان - يزيل من طريقه الكافرين، فلا يستطيعون صده عن الهدى كما كانوا يفعلون قبل رفعه. (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): لا يقال للأُمة: إنها اتبعت رسولها إلا إذا كانت تنفذ ما جاءَ به: اعتقادا وقولا وعملا. والنصارى - بعد أن رفع الله عيسى - انقسموا فرقا وشيعا: فمنهم من آمن به، على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَتِهِ. ومنهم من غلا فيه فيجعله ابن الله. ومنهم من قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. ¬

_ (¬1) القلاص جمع قلوص. وهي الناقة الشابة.

وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على من عدا الفرقة الأُولى، التي تعتبر متبعة لرسولها، في تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك. وهذه هي العقيدة السليمة التي جاءَ بها المرسلون جميعا. وكل من دان بها، فهو تابع لرسوله. كما هو تابع لجميع المرسلين وأصحابهم هم المؤمنون. ومن عداهم فهم كافرون. وقد وعد الله - في هذه الآية - أنه جاعل من اتبع عيسى عليه السلام، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، أي أنهم يكونون أعلى منهم. والعلو المقصود من الآية: يحتمل أن يكون علوًّا في الدرجة والمنزلة عنده تعالى. فالمتبعون له - في حكم الله وقضائه - في أعلى الدرجات إلى يوم القيامة. ولا مكانة ولا منزلة عنده - جلَّ وعلا - لِمَنْ لم يتبع عيسى: بأن كفر به، أو آمن به ولكنه جعله إلها أو ابن الله. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. ويحتمل أن يكون العلو بمعنى الغلبة والقهر. وذلك إما بالحجة والبرهان - ولا شك أن أهل الحق منهم، أقوى حجة على أهل الباطل منهم ومن غيرهم، كاليهود والمشركين - وإما بالقتل والأسر. وقد حدث ذلك بعد رفع عيسى. وفي ذلك يقول الله تعالى: "قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" (¬1). ولعله حدث في أوقات أُخرى مثل ذلك. وقد انقرض المؤمنون المتبعون لما جاءَ به عيسى عليه السلام. وأصبح جميع النصارى قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يؤَلهون عيسى. ويقولون: هو ابن الله. أو هو الله. أو هو ثالث ثلاثة. وعلى أي حال كانت عقيدة النصارى في عيسى، فإنهم - منذ البعثة المحمدية - لا يعتبرون متبعين لعيسى عليه السلام، إن كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ¬

_ (¬1) آخر سورة الصف.

فقد بشر به عيسى، وأوجب عليهم تصديقه. فإذا زال عنهم وصف اتباعهم لعيسى عليه السلام - بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو عدم دخولهم في الإسلام - فقد زال استحقاقهم لوعد الله، بأن يجعل من يتبع عيسى، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة لسببين: أحدهما: كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبدينه. وثانيهما: عقيدتهم الباطلة في عيسى. وكلا السببين: مخرج لهم عن اتباعهم لعيسى عليه السلام، مستوجب لحرمانهم من وعد الله أن يكون متبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. فإنهم -بما جَنَوْا- أصبحوا كافرين. فانتقل وعد الله لعيسى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) من النصارى إلى المحمديين، الذين هم - باتباعهم محمدًا عليه الصلاة والسلام - يعتبرون متبعين لعيسى أيضًا: فيما جاءَ به من التوحيد وأُمهات الشرائع والأحكام، التي يشترك فيها جميع المرسلين. ولهذا، ترى المسلمين ظهروا على من عداهم: - بالحجة التي لا ترد، والبرهان الذي لا يقهر. كما تراهم ظهروا عليهم، في الجهاد والاستيلاء على الأقطار والبلاد - فقد فتحوا بلاد كسرى وقيصر. وتجاوزوها إلى الصين والهند شرقا، وإلى غرب أُوروبا وشمال إفريقيا وجنوبها. ولا تجد قارة من القارات، ولا قطر من الأقطار، إلا وفيه الكثير من المسلمين. ولا يزال أمر هذا الدين مستقيما حتى تقوم الساعة كما قال - صلى الله عليه وسلم (¬1) - وصدق الله في وعده إذ يقول: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا" (¬2). (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ): المعنى: ثم إلى حُكْمِي وقضائي: مَرجِعُكم ومصيركم، أيها المختلفون في أمر عيسى عليه السلام، فأقضى بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أَمره وأمر دينه. ثم فصل قضاءَه فيهم فقال: ¬

_ (¬1) مأخوذ من الحديث الشريف "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" رواه الحاكم. (¬2) النور: 55.

56 - {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}: المعنى: فأَما الذين كفروا بأن جحدوا نبوته وجعلوه إلها، أو ابنا له تعالى، فيعذبهم الله عذابًا شديدًا: في الدنيا بالقتل والأسر، حتى يخضعوا أو يعطوا الجزية، في مقابل رعايتهم والدفاع عنهم. وفي الآخرة حيث يخلدون في النار، وما لهم من ناصرين يدفعون عنهم عذاب الله. 57 - {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}: المعنى: وأما الذين صدقوا بنبوتك يا عيسى، وصدقوا بجميع الرسالات، وعملوا الصالحات: في دينهم ودنياهم - فيعطيهم أُجورهم وافية وافرة. والله لا يحب الظالمين بالكفر والمعاصي، ولا يرضى عنهم بل يبغضهم ولا يرحمهم. فلذلك يعاقبهم في الدنيا والآخرة. 58 - {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ}: المعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد، من أمر عيسى مع قومه، هو من البراهين الشاهدة بنبوتك. فإن ذلك مما لا يعلمه سوى أهل الكتاب - وأنت أُمي ولا صحبة لك مع أهل الإنجيل حتى تعلمه منهم - فلم يبق إلا أنك عرفته من الوحي. وكما أنه من الآيات، فهو من القرآن الحكيم. أي المحكم المتقن المصون من الباطل. أو صاحب الحكمة وهي إصابة الحق. والتعبير بالمضارع (نَتْلُوهُ) بدل الماضي - تلوناه - استحضار للصورة التي حصلت؛ للاعتناء بها. ويمكن حمل المضارع على ظاهره - وهو الحال - لأن قصة عيسى لم يفرغ منها بعد.

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)} المفردات: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ): المثل هنا؛ بمعنى الحال والصفة العجيبة. (كُن فَيَكُونُ): أي صِرْ بَشَرًا، فصار بشرا. والتعبير بالمضارع (فَيَكُونُ) بدل الماضي - فكان - لتصويره بصورة الحاضر المشاهد، إيذانًا بغرابته. (فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ): من الشاكِّين. أو من المجادلين في شأنه بعد وضوح الحق. والخطاب لكل مكلف. (حَاجَّكَ): أي جادلك. (ثُمَّ نَبْتَهِلْ): أي ثم ندع الله: مضارع. من الابتهال وهو الدعاءُ. (وَمَا مِنْ إِلَهٍ): ما: نافية. ومن: لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية. وهي كلمة (إِلَهٍ) قاله الشهاب.

التفسير 59 - {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}: سبب النزول: نزلت هذه الآية على الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند حضور وفد نجران. وكان من جملة شبههم: أن قالوا: يا محمد لَمَّا سلمت أنه لا أب له من البشر، وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى. فقال: "إن آدم ما كان له أب ولا أُم .. ولم يلزمه أن يكون ابنا لله تعالى، فكذا القول في عيسى" عليه السلام. تلك خلاصة ما دار بين وفد نجران، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحوار في دعواهم أن عيسى ابن الله. والمعنى: إِن حَال عيسى - وصفته العجيبة في خلقه دون أب - كحال آدم أبي البشر، عليه السلام، أراد الله خلقه من تراب، ثم قال له - عند تعلق إرادته تعالى بتنفيذ خلقه - صرْ وكن بأمري بشرًا سويًّا: ذا لحم ودم، وعظام وأعصاب، وعقل وإرادة .. فصار بشرًا، كما أراده الله. وتم بذلك خلقه من تراب دون أب أو أُم، فكان بذلك أعجب من خلق عيسى من أُم دون أب!! وإذا كنتم أيها النصارى، لا تقولون بأُلوهية آدم، ولا ببنوته لله - مع أن خلقه عجب من خلق عيسى - فكيف تقولون بألوهية عيسى، أو بُنُوته لله، وهو دون آدم في غرابة خلقه!! والآية دليل على صحة القياس، وشرعية النظر والاستدلال. فقد احتج الله على فساد ادعائهم الأُلوهية لعيسى محتجين بأنه ولد بغير أب .. احتج عليهم بخلق آدم بلا أب ولا أُم. فحيث لم يقولوا بأُلوهية من هو أعجب منه خلقا، وجب القول بعدم أُلوهية عيسى من باب أولى.

ولما كان هذا الاحتجاج واضح الدلالة على بطلان زعم النصارى في عيسان أتبعه قوله: 60 - {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ}: لما كان الامتراءُ - هنا - بمعنى الشك، فلذا لا يصح أن يكون الخطاب في الآية للرسول، بل لمن يجادله في شأن عيسى، ولكل من يخالجه شك في أمره عليه السلام. والمعنى: الحق في شأن عيسى، نازل من ربك أيها المجادل في شأنه. فلا تكونن من الشاكين في أمره، بعدما أسفر الصبح - لذي عينين - بهذه الحجة القاطعة لكل ريب. ويصح أن يكون الامتراءُ بمعنى المجادلة بالباطل. أي فلا تكونن بعد هذا الحق النازل من ربك، من المجادلين المحاجين فيه بالباطل. والخطاب فيه - كسابقه، لغير الرسول، فإن الرسول لا يجادل بالباطل. 61 - {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}: أما الخطاب هنا، فللرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى: فمن جادلك في شأن عيسى - من بعد ما جاءَك من أدلة العلم - بأنه بشر لا يستحق الأُلوهية، كما هو شأن آدم الذي هو أعجب منه خلقًا، فاترك مجادلتهم فهم مقلدون معاندون: معرضون عن الحق بعد وضوحه. وأفحمهم فقل لهم: تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءَكم، ونساءَنا ونساءَكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم يَبْتَهل كل منا إلى الله تعالى ويدعوه، أن يجعل لعنته على الكاذبين منا. وقد حدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية أخبر وفد نجران بها، ودعاهم إلى الغدو في اليوم التالي، ومعهم نساؤُهم وأبناؤُهم. وحضر الرسول في الموعد، ومعه الحسن والحسين، وفاطمة وعلي، فلم يجدهم. فقد تشاوروا فيما بينهم، فقالوا للعاقب وكان صاحب رأيهم: يا عبد المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله، يا معشر النصارى، لقد عرفتم: أن محمدًا لنبي مرسل. ولقد جاءَكم بالفصل من خبر صاحبكم. ولقد علمتم أنه ما لاعَنَ قوم نبيا قط فبقى كبيرهم، ولا نبت صغيرهم. وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم. فإن كنتم أبيتم إلا إِلْفَ دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك ونتركك على دينك، وأن نرجع على ديننا. ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا:

يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا. فإنكم عندنا رضا. فأمر أبا عبيدة أن يخرج معهم، ويقضي بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه - أفاده القرطبي. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن الضحاك وابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالحهم على الجزية، ومقدارها ألف حلة في صَفَر، ومثلها في رجب، ودَرَاهم. وذلك بعد أن أشار عليهم يهود المدينة بالصلح وعدم الملاعنة وقالوا لهم: هو النبي الذي نجده في التوراة. قد يقول قائل: إن الجزية فرضت بعد فتح مكة. ووفد نجران جاء قبلها. فكيف يقال: إن الرسول صالحهم على الجزية؟ والجواب: أن ذلك من باب المصالحة على ترك المباهلة. وجاء فرض الجزية - بعد ذلك - على وفق ما صنعه رسول الله. وقد أُجيب بأجوبة أخرى، فارجع إليها - إن شئت - في تفسير ابن كثير. وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد: صاحبا نجران، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدان أن يلاعناه (¬1). قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل. فو الله، إن كان نبيا فلاعناه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إن نعطيك ما سأَلْتنا وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حَقَّ أمينٍ. فاستَشْرَفَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أمين هذه الأُمة". 62 - {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: المعنى: إن هذا الذي قصصناه عليك - يا محمد - في شأن عيسى، لهو القصص المطابق للواقع: الذي لا يصح العدول عنه إلى ما عليه النصارى في شأنه: من أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ): فلا شريك له في ملكه، بأي وجه من الوجوه. ولا معبود بحق سواه. (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ): أي الغالب الذي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ. أو العزيز بمعنى: من لا نظير له. (الْحَكِيمُ): المتقن لما يصنعه وما يدبره. 63 - {فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ}: ¬

_ (¬1) أي يستجيبا إلى طلبه عليه السلام ملاعنتهم.

فإن أعرض هؤُلاء النصارى عن الاعتراف بالحق في شأن عيسى، وعن اتباعك في دينك - بعد ما تبين لهم الحق - فإن الله عليم بهؤلاء المفسدين، فيعاقبهم على إفسادهم لعقائدهم وعقائد غيرهم. وأظهر في مكان الإضمار، فلم يقل: عليم بهم. بل قال: (عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) لإظهار فسادهم واستحقاقهم للعقوبة. وفي هذا تهديد بليغ لهم. {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} المفردات: (تَعَالَوْا): أَقبِلوا. (إِلَى كَلِمَةٍ): إلى العمل بكلمة. والمراد بها هنا: الكلام الآتي بيانه في الآية الكريمة. (سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ): مستوية عادلة نعمل بها جميعا، ولا نختلف فيها. (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ): أي لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وأهمها الشرك .. فإن طاعتهم في ذلك كاتخاذهم أربابا. وهذه الجملة بالنسبة لما قبلها تعميم بعد تخصيص. وسيأتي بيان ذلك في المعنى. التفسير 64 - {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ... } الآية. نزلت هذه الآية في وفد نجران كما قاله: الحسن، والسدي وغيرهما.

وقال الجبائي: نزلت في اليهود والنصارى. ورجحه بعض المحققين، لعموم الخطاب لهما. وإن كان السياق مع الرأي الأول. والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب: أقبلوا إلى منهج موحد في العبادة: يستوي فيه المسلمون والنصارى واليهود. تسلكه جميعا. ولا نعدل عنه إلى سواه. وهذا المنهج هو: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) لا صنما ولا كوكبا ولا نارا ولا ملائكة ولا غير ذلك. (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ): فلا يتخذ اليهود عزيرا ابنًا لله. ولا يتخذ النصارى المسيح ابنًا لله. ولا يقولوا: إنه ثالث ثلاثة، لتستووا بذلك مع المسلمين الذين لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، فإن هذا المنهج التوحيدي - كما دعا إليه القرآن - دعت إليه التوراة والإنجيل قبل تبديلهما. ولا تزال فيهما نصوص كثيرة تدعو إلى التوحيد: تركتموها وعملتم بنصوص أُخرى: اصطنعتموها، أَوْ أَسأَتم تَأويلها. وكما دعت إلى التوحيد هذه الكتب الثلاثة - دعا إليه جميع الرسل. قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" (¬1) فهو مبدأ مشترك بين جميع الأديان: قامت عليه الأدلة العقلية، إلى جانب الأدلة النقلية. ومن اتخاذ البشر أربابًا: أن يأخذ تابعوهم بآراء متبوعيهم في تحليل أو تحريم، دون استناد إلى نص إلهي. أخرج الترمذي - وحسنه - من حديث عدي بن حاتم: أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما كانوا يحللِّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم". قال: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: "هو ذاك". وإلى هذا المعنى، أشار قوله تعالى: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ" (¬2). وقد جاء في أسفار العهد القديم: نصوص عديدة .. ناطقة بتوحيد الله وتنزيهه عن الشريك (¬3). ¬

_ (¬1) الأنبياء: 25. (¬2) التوبة: 31. (¬3) راجع سفر الخروج فقرة (6) وفقرة (16) وفقرة (9) من سفر أشعيا.

ثم قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ): أي فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه: من توحيد الله، وعدم إشراك غيره معه في العبادة - مع أن ذلك أمر مجمع عليه في جميع الرسالات - فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة، ولكنهم أبَوا الحقَّ عنادًا، فقولوا لهم: أنصفونا واشهدوا معترفين لنا بأننا مسلمون مخلصون لربنا. وفي هذا الطلب، تعريض لهم بأنهم لا إسلام لهم - أي لا إخلاص منهم لربهم - حين اعتقدوا في عيسى وعزير ما اعتقدوه فيهما. كما أنه يؤذن بأن من قاله واثق بعقيدته في ربه، مطمئن إلى الأدلة التي أيقن بها. {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)} المفردات: (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ): أي لِمَ تجادلون فيه؟ فيقول كل منكم: إنه كان على دينه. (حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ): كأمر موسى وعيسى عليهما السلام. (فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ): هو أمر إبراهيم عليه السلام.

(حَنِيفًا): مائلا عن الأديان الزائفة، من الحنف. وهو الميل. (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ): إن أحق الناس بالانتساب إليه، هم الذين اتبعوه في شريعته، ممن أُرسل إليهم. (وَهَذَا النَّبِيُّ): محمد، لأن دينه التوحيد، كدين إبراهيم عليهما السلام. (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ): مجتبيهم ومحب لهم، فلهذا ينصرهم ويحسن جزاءَهم. التفسير 65 - {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: سبب النزول: روى عن ابن عباس أنه قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار اليهود، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده. فقال الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا. فأنزل الله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ ... ) الآية. ذكره ابن كثير. والمعنى: يا أهل الكتاب لما تُجادلون في إبراهيم، فينسبه كل منكم إلى دينه، والحال أنه ما أُنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده بأَزمان بعيدة؟ فكيف يكون يهوديًا على شريعة موسى، أو نصرانيا على شريعة عيسى وهو سابق عليهما؟! كما أن كلتا الديانتين دخلهما التبديل، وزال ما بهما من العقائد السليمة والأحكام الصحيحة. فلا يشبهان ما كان عليه إبراهيم عليه السلام، من التوحيد والأحكام الشرعية الإلهية السليمة من التبديل. فكيف تقولون: إنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ أتحاجون في ذلك؟ فهل تتعقلون؟ فإن قيل: لماذا ينكر الله على اليهود والنصارى ما قالوا؟ ويدلل على جهلهم وعدم تعقلهم، بتقدم زمان إبراهيم على كتابيهم - مع أن القرآن قال مثل ما قالوا في حقه: "وَلكِن كَانِ حَنِيفًا مُّسْلِمًا" كما سيأتي - فكيف يكون مسلما وهو سابق على الإسلام؟ ولماذا صح هذا عن إبراهيم بالنسبة إلى الإسلام، ولم يصح عنه بالنسبة إلى اليهودية أو النصرانية؟

فالجواب: أن المراد من كونه مسلما: أن دينه يتفق مع الإسلام: في الخضوع والاستسلام لله وحده دون شريك، وفي تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد. كما أنه يتفق معه في سائر أُصول العقائد والأحكام. كشأن جميع الأديان السماوية. أما ما عليه اليهود والنصارى، فمخالف للأديان السماوية، حيث بدَّلوا التوراة والإنجيل، وحرَّفوهما عن أصليهما النازلين من عند الله، تحريفا يتصل بالنص وبالتأويل. فإذا نفى القرآن عن إبراهيم: أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا بقوله: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا" فمعناه: أنه لم يكن على ما جاءَ فيهما من العقائد الخاطئة: كالبنوة لله والتثليث، وكذلك الأحكام المحرفة التي لا يمكن أن تكون شرعًا لله في أي زمان. وإذا أثبت له أنه كان حنيفا مسلما بقوله: "وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا" فمعناه: أنه كان مائلا عن الأديان الباطلة - ومنها ما عليه اليهود والنصارى - ومنصرفا إلى الحق الذي جاء به الإسلام، فإنه هو الدين السماوي النظيف من تحريف البشر: المشتمل على المعارف والأحكام الإلهية الرئيسية: التي اشتركت فيها جميع الأديان السماوية، وإن اختلفت في كيفية تلك الأحكام المشتركة وطريقة أدائها. 66 - {هَا أَنتُمْ هؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}: المعنى: ها أنتم هؤُلاء حاججتم فيما لكم به علم من أمر موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام. فعندكم التوراة والإنجيل تعرفوا منهما أمرهم، وإن كنتم غيرتم فيهما وبدلتم. فلماذا تحاجون في أمر دين إبراهيمن وأنتم لا علم لكم بتفاصيله ولا بما جاء في صحفه؟ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ): فلهذا جهلكم ورماكم بأنكم لا تعقلون. 67 - {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: المعنى: ما كان إبراهيم يهوديا كما ادعى اليهود، ولا نصرانيا كما ادعى النصارى. ولكن كان حنيفًا: أي مائلا عن الأديان الباطلة. مسلما: أي على طريقة الإسلام من التوحيد

وتنزيه عما لا يليق، والمحافظة على أحكام الله دون تبديل. فلم يقل: إن الله اتخذ له ولدا كما قالوا. ولم يقل: إن له شريكا في الأُلوهية والعبادة كما زعموا. 68 - {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}: سبب النزول: روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رؤَساءُ اليهود: والله يا محمد، لقد أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وإنه كان يهوديا. وما بك إلا الحسد. فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمعنى: إن أحق الناس بإبراهيم وأولاهم بالانتماء إلى دينه، هم هؤُلاء الذين اتبعوه من أُمته التي بعث إليها، وهذا النبي محمد والمؤمنون معه من أُمته، فإن دينهم الإسلام، وهو يقوم على توحيد الله وتنزيهه عن الصاحبة والولد، ودين إبراهيم كذلك، أما أنتم، فقد جعلتم عزيرا ابن الله، وجعلتم الله مجسما يمكن النظر إليه، وغيرتم في دينكم، وحرفتم في كتابكم، وكذبتم على أنبيائكم، ونسبتم إليهم الموبقات. فكيف تقولون: إنكم أَوْلى منا؟ ثم ختم الآية بقوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ): أي ناصرهم ومجازيهم أحسن الجزاء. {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)}

المفردات: (وَدَّتْ): أحبت. (لَوْ يُضِلُّونَكُمْ): لو، بمعنى: أن. أي أن يضلوكم. (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ): الإضلال هنا بمعنى: الإهلاك مجازا. فالمعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم بتمني إضلالكم. أو بمعنى: الإخراج عن الهدى. فالمعنى: وما تعود عاقبة الإضلال إلا على أنفسهم. أو بمعنى: الخداع. فهم يخدعونكم، وما يخدعون إلا أنفسهم في الحقيقة. (وَمَا يَشْعُرُونَ): وما يفطنون لذلك. (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ): أي وأنتم تعلمون ما يدل على صحتها من التوراة والإنجيل. (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ): أي لماذا تسترونه أو تخلطونه به؟ التفسير 69 - {وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}: سبب النزول: دعا اليهود حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية. فنزلت الآية. وقيل: نزلت في اليهود وفي النصارى، وعلى كل، فهي لبيان إضلالهم لغيرهم، إثر بيان ضلالهم في أنفسهم، والإضلال هنا: بمعنى الرد إلى الكفر. كما قاله ابن عباس. أو الإهلاك: كما قاله ابن جرير الطبري. والمعنى: أحبت جماعة من أهل الكتاب أن يوقعوكم في الضلال والكفر الذي تَرَدَّوْا فيه - بعد أن من الله عليكم بالهدى، وشرفكم بالإسلام - وما تعود عاقبة الإضلال لغيرهم ووباله إلا على أنفسهم، وما يفطنون لذلك، لما اعترى قلوبهم من الغشاوة وزعمهم أنهم على الحق. ويجوز أن يكون المعنى: أحبت طائفة من أهل الكتاب أن يهلكوهم: بالتكفير والإخراج عن الإيمان، وما يهلكون إلا أنفسهم بما يفعلون. وما يفطنون لذلك، لزعمهم أنهم على الحق.

وحاصل المعنى في كليهما: أن محاولتهم إضلال المؤمنين غير مجدية. فقد عصمهم الله بقوة الإيمان. فلا فائدة تُرجى مما يفعلون. بل الأمر بالعكس. فإن ما أرادوه سينقلب وباله عليهم وهم لا يفطنون لذلك. 70 - {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ}: المعنى: يا أهل الكتاب، لماذا تكفرون بآيات القرآن النازل من عند الله وأنتم تعلمون - التوراة والإنجيل - ما يدل على صحتها، ووجوب الاعتراف بها؟ أو: لماذا تكفرون بآيات التوراة والإنجيل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم تعلمون صدقها عليه، وموافقة أوصافه لما جاء فيها؟ أو: لماذا تكفرون بآيات الله الشاهدة بوحدانيته، وأنتم تعلمون ذلك بلا شبهة، فإنكم تشاهدون دلالتها على ذلك في كل حين؟ فكيف جعلتم له ولدا وهو غني عن الولد؟ وكيف قلتم إنه ثالث ثلاثة؟! 71 - {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}: المعنى: يا أهل الكتاب، لماذا تسترون الحق بالباطل أو تخلطونه به، وذلك بتحريفكم آيات التوراة والإنجيل وسوءِ تأويلكم لها؟ ولماذا تكتمون الحق في شأن محمد وبشاراته الموجودة في كتبكم، وأنتم تعلمون أنه حق، وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى؟ {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)}

المفردات: (وَجْهَ النَّهَارِ): أوله سمى وجها، لأنه أول ما يواجهك منه. (أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ): أي كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم. (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ): أي يحاجوكم به عند كتاب ربكم: بالتحاكم إليه. التفسير 72 - {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: سبب النزول: قال الحسن والسدي: تواطأَ اثنا عشر رجلا: من أحبار يهود خيبر وقرى عُرَيْنَة. وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار - باللسان دون الاعتقاد - واكفروا آخره، وقولوا: إننا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءَنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه. فإذا فعلتم ذلك، شك أصحابه في دينهم. وقالوا: إنهم أهل كتاب. وهم أعلم به. فيرجعون عن دينهم إلى دينكم ... انتهى. دبر اليهود هذه المكيدة: التي حكاها سبب النزول، على عادتهم في تدبير الكيد لمن عداهم. وأنت ترى أنها مكيدة خبيثة. ولكن الله يحفظ منها أولياءَه فإنه سبحانه: " ... لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ" (¬1) "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (¬2) فقد فضحهم المولى تبارك وتعالى. فأنزل هذه الآية تنبيها لرسوله وللمؤمنين. وحفظ الله الإسلام من هذه المكيدة الشنعاء: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (¬3). والمعنى: وقالت طائفة من أهل الكتاب - وهم أحبار اليهود - لآخرين من قومهم: آمِنُوا ظاهرا بالقرآن الذي أُنزل على المؤمنين أول النهار، واكفروا آخره .. لعل هؤلاء ¬

_ (¬1) يوسف: 52. (¬2) آل عمران: 54. (¬3) التوبة: 32.

المؤمنين يرجعون عن دينهم، حين يرونكم - وأنتم أهل الكتاب - بعد أن خالطتم المؤمنين - كفرتم به، ودرستهم دينهم - وإنما قالوا: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) مع أنهم لا يعترفون بأنه أُنزل عليهم من كل شيءٌ - من باب المجاراة لما يقوله المؤمنون. 73 - {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}: أشارت الآية السابقة، إلى أن رؤَساء اليهود، قالوا لأتباعهم: أظهرو الإيمان أول النهار بما أُنزل على المسلمين، واكفروا آخره، ليرجعوا عن دينهم إذا رأوكم - وأنتم أهل الكتاب - رجعتم عنه وكفرتم به. وإتماما لهذه المؤَامرة الشيطانية: أوصوا هؤُلاء الأتباع ألا يطلعوا المسلمين على شيء من أسرار كتابهم: كالبشارة بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام وأماراته .. فقالوا لهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ): من معاني الإيمان في اللغة: الثقة والطمأنينة. وهو المراد من قولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ): والمعنى: ولا تثقوا إلا بأبناء ملتكم من اليهود. ولا تطمئنوا إلا إليهم. فلا تذيعوا أسرارنا إلى المسلمين، فإن ذلك يفسد علينا تدبيرنا، ويجعلهم يتمسكون بدينهم أكثر مما هم متمسكون به، ويجعلهم أيضا، يحاجوننا بما تخبرونهم به. وقد انتهى كلام اليهود عند قولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) كما رجحه الفراءُ. وبعد أن بين الله لرسوله مؤَامرتهم هذه، وفضحهم بهذا البيان أتبعه هذا التكليف: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي قل يا محمد لهؤُلاء المتآمرين، توبيخا لهم: إن الهدى هدى الله. فلا يتوقف على إظهاركم ما عندكم من البشائر بنبوة محمد، والعلامات الدالة عليه، ولا يزيله كفركم آخر النهار بعد إيمانكم أوله، فمن أراد الله هداه، أقنعه

بما أيد به رسوله من الآيات البينات، وأورثه الطمأنينة التامة في قلبه، وحفظه من كيد الكائدين، وكشف له دسائسهم ومؤَامراتهم. وأما قوله تعالى: (أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) فهو مما أمر الله رسوله أن يقوله لليهود. وفي الكلام جملة مقدرة يقتضيها المقام. والتقدير: أتكيدون هذا الكيد كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم، أو يحاجوكم به عند ربكم؟! والمعنى على هذا: قل لهم يا محمد: إن الهدى هدى الله. أتفعلون ما تقدم من أمركم أتباعكم بالإيمان أول النهار والكفر آخره، وألَّا يُذيعوا للمسلمين نعت محمد في كتابكم، كراهة أن يُعطَى أحد مثل ما أُعطيتم من النبوة والكتاب، أو أن يحاجوكم بما أُوتيتم من كتاب عِندَ ربكم، بأن يقولوا لكم: تعالَوْا نَحْتَكِمْ إلى الله تعالى بقراءة كتابه الذي أنزله على موسى، ليظهر ما كتمتموه من نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وليَعْلُوَا بذلك حقهم على باطلكم، فقد جاءَت فيه بشاراته فأخفيتموها حقدا وحسدا؟! قل لهم يا محمد، إن الفضل بيد الله: يمنحه من يشاءُ. فلماذا تحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وتخصون بني إسرائيل وحدهم بفضله، والله واسع الفضل فلا يضيق على أحد من أهل الاستحقاق، بليغ العلم فهو أعلم حيث يجعل رسالته؟! وقد حكت سورة البقرة عنهم مثل تلك المؤامرة. فقد زَجُّوا جماعة منهم لينافقوا بالإيمان، وحذروهم من أن يخبروا المؤمنين بشيءٍ من صفات الرسول في التوراة، حتى لا يحاجوهم به، فلما أخبروهم بها، أنكروا عليهم ما فعلوا، وذلك ما حكاه الله فيها بقوله: "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (¬1). ويرى بعض المفسرين: أن الآية - كلها - يمكن أن تكون خطابًا من الله للمؤمنين على جهة التثبيت لقلوبهم وتنوير بصائرهم، وحفظهم من تشكيك اليهود، وتزويرهم في دينهم. ¬

_ (¬1) البقرة الآية: 76: فارجع إلى تفسيرها إن شئت.

والمعنى: ولا تصدقوا - يا معشر المؤمنين - إلا من تبع دينكم. أما غيرهم فاحذروهم. قل لهم يا محمد: إن الهدى هدى الله الذي أنزله على محمد. أما ما يقوله أعداءُ الإسلام فهو من تزويرهم، فلا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم من الهدى والحق ولا أن يحاجوكم بما لديهم من دينهم عند ربكم. فلا قدرة لهم على ذلك. قل: إن الفضل بيد الله ... إلخ. وفي الآية تفسيرات أُخرى: لا تخلوا من مآخذ - فلذا تركناها. 74 - {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}: يختص بنبوته من يشاءُ من أهل الجدارة والاستحقاق، ويمنح فضله من هو جدير به. والله ذو الفضل العظيم. فلا يمنعه عن أهل الفضل ومستحقيه. {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)} المفردات: (بِقِنطَارٍ): المراد به هنا، المال الكثير. وقد تقدم الكلام عليه في قوله تعالى: "وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ" (¬1). (بِدِينَارٍ): هو عملة ذهبية مستعملة في الجاهلية والإسلام. ¬

_ (¬1) آل عمران: 14.

(لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): يعنون بالأُميين: العرب؛ لجهلهم وقتئذ بالكتابة والقراءة: ومعنى كلامهم: ليس علينا فيما نأخذه من أموالهم مأخذ ولا حساب. التفسير 75 - {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: لا يزال الكلام موصولا في أهل الكتاب، وبيان أحوالهم. ففي هذه الآية: يبين الله أن أهل الكتاب لم يكونوا - في المعاملة المالية مع العرب - على خلق واحد. فمنهم أُمناء يؤَدون الحق إلى من استأمنهم عليه ولو كان مالا كثيرًا، كعبد الله بن سلام، استودعه عربي قرشي ألفًا ومائتي أُوقية ذهبًا - حين كان ابن سلام على يهوديته - فلما طلبها القرشي، أداها إليه كاملة. ومنهم خَوَنَةٌ يجحدون أمانات العرب التس استأمنوهم عليها - ولو كانت مالا قليلا - ولا يؤَدونها إلا بتكرار المواجهة والمطالبة. زاعمين: أن الله أحل لهم سلب أموال الأُميين، إذ يقولون: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): أي ليس علينا إثم في أكل أموالهم. فلا حساب ولا عقاب من الله تعالى لهم. وهم - إذ يقولون هذا - يكذبون على الله تعالى، عن عمد وعلم بأنهم كاذبون. ومن هؤُلاء - رجل اسمه فنحاص بن عازوراءَ استودعه قرشي آخر دينارًا فجحده. وقد استفيد من الآية: أن الخيانة في الأمانة من أخلاق هؤُلاء، ولهذا يجب أن يتنزه عنها المؤمنون: امتثالا للمنهج الكريم الذي أوجب الله علينا نهجه وسلوكه: "إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... " (¬1). فلا يحل لمسلم أن يخون أحدًا ولو خالفه في الدين .. ¬

_ (¬1) النساء: 58.

قال رجل لابن عباس: "إنا نصيب - في العمد من أموال أهل الذمة - الدجاجة والشاة، ونقول: ليس علينا في ذلك بأس .. فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم". اهـ. كما لا يصح لمسلم أيضًا: أن يتصف بالخيانة مع من خانه. قال صلى الله عليه وسلم: "أَدِّ الأَمانةَ إِلَى مَنِ ائتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك" (¬1). والله تعالى يقول: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا" (¬2). قال القرطبي: في الآية رد على الكفرة: الذين يُحَرِّمُونَ وَيُحَلِّلُونَ غير تحريم الله وتحليله، ويجعلون ذلك في الشرع. واستدل أبو حنيفة بالآية، على ما ذهب إليه من مشروعية ملازمة الغريم بقوله تعالى: (لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا): واعلم أن الآية جاءَت مثالا للإنصاف. فلم ترم اليهود جميعًا بالخيانة. بل ذكرت أن فيهم بعض الأُمناء، إحقاقًا للحق. 76 - {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}: هذه الآية ردُّ لقولهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) وإيجاب للوفاء بالحقوق، وبيان لمحبة الله لأهل الوفاء. والمعنى: بلى .. عليهم سبيل ومؤَاخذة في عدم رد الأمانات إلى أهلها: من أَوفى بعهده فأدى الحقوق لذويها، واتقى الله في أمره كله، فلم يخن الأمانة، ولم يكذب على الله، ولم يفعل سوءًا - فإن الله يحبهم لتقواهم ووفائهم، ويترتب على حبه لهم، منحهم أجزل الثواب. ¬

_ (¬1) رواه البخاري في التاريخ. كما رواه أبو داود والترمذي والحاكم والطبراني. (¬2) المائدة: 8.

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)} المفردات: (يَشْتَرُونَ): يستبدلون. (بِعَهْدِ اللَّهِ): بأمر الله المؤَكد. (ثَمَنًا قَلِيلًا): عوضًا قليلا. (لَا خَلَاقَ لَهُمْ): لا نصيب لهم. (وَلَا يُزَكِّيهِمْ): ولا يطهرهم. التفسير 77 - {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ... } الآية. سبب النزول: ذكرت لهذه الآية أسباب نزول عديدة. نذكر منها: ما أخرجه أصحاب الكتب الستة وغيرهم، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها حقَّ امريءٍ مسلم لَقِيَ الله وهو عليه غضبان". فقال الأشعث بن قيس: فِيّ والله كان ذلك. كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله، إذ يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... ) الآية. وما أخرجه ابن جرير، عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن الأخطب: حرّفوا التوراة، وبدّلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم الأمانات وغيرهما، وأخذوا على ذلك الرشوة. والمعنى: إن الذين يستبدلون بما عاهدهم الله عليه، من بيان نعت محمد وعدم كتمانه، ويعتاضون عن أيمانهم الكاذبة الفاجرة، بالأثمان القليلة من أعراض الدنيا الزائلة - مهما عظمت - أُولئك لا نصيب لهم في ثواب الآخرة، ولا حَظَّ لهم في نعيمها. (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ): كلامًا فيه لطف بهم. (وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): بعين رحمته تعالى. (وَلَا يُزَكِّيهِمْ): أي لا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة. بل يأمر بهم إلى النار. ولهم عذاب أليم على الكتمان، واستبدالهم عهد الله، والحلف زورًا، واستحلالهم أخذ المقابل على التزوير. قال القرطبي: وقد دلت هذه الآية والأحاديث على أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر، إذا علم المحكوم له بطلانه. وفي الحديث الصحيح عن أُم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلىَّ، وإنما أنا بشر، ولَعَلَّ بعضَكُم أن يكونَ أَلْحَنَ بحجتِه مِن بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار .. فليأخذها أو ليتركها" (¬1). ¬

_ (¬1) رواه الشيخان وأحمد.

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)} المفردات: (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ): يميلونها بالكتاب؛ عدولا به عن الحق تحريفًا أو تأويلا. والَّليُّ: الميل. يقال: لوى برأسه إذ أماله. والكتاب: التوراة والإنجيل. التفسير 78 - {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: روى الضحاك عن ابن عباس: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا. وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا بكتاب الله تعالى، ما ليس منه. والمعنى: وإن من أهل الكتاب الخائنين، جماعة من علمائهم: يحرفون كلام الله، ويميلون به عن القصد، لتظنوا - أيها المسلمون - حينما تسمعونهم: أن ما حرفوه هو من صميم كتابهم الذي أنزله الله على رسولهم. وما هو - في الحقيقة - من الكتاب، بل من كلامهم. ويؤَكدون نسبته إلى الكتاب بقولهم: هو من عند الله، وما هو من عند الله. بل من عند أنفسهم. ويقولون على الله الكذب بنسبته إليه، وهم يعلمون أنهم عليه - سبحانه - يكذبون. وكما وقع التحريف في القراءَة، وقع في تأويل النصوص في الكتابة. ولهذا ترى التناقض والتكاذب والتهافت بين نسخها .. فمن يقرأُ الأناجيل الأربعة، يجد الاختلاف بينها واسع النطاق. وبخاصة: فيما تورده عن صلب المسيح عليه السلام (¬1)، وكذلك التوراة!! ¬

_ (¬1) انظر إنجيل متى: إصحاح 27/ 22 - 24، وإنجيل يوحنا: الإصحاح 19/ 1 - 12.

وأما احتجاج الرسول بقوله: "فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (¬1). فيُحمل على أن الرسول كان يعلم ببقاء بعض ما يفي بالغرض سالمًا عن التغيير. فإنهم لم يغيروا جميع ما في التوراة: إما لجهلهم بدلالة ما بقي على المقصود، أو لصرف الله إياهم عن تغييره. {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)} المفردات: (وَالْحُكْمَ): أي الحكمة. وهي إصابة الحق. (رَبَّانِيِّينَ): منسوبين إلى الرب سبحانه. والألف والنون يُزادان للمبالغة كثيرًا كَلِحْيانيٍّ لعظيم اللحية، وَرَقَبَانِيٍّ لغليظ الرقبة. والمراد من الرباني: العالم الفقيه، الراسخ في علوم الدين. وقيل: الحكيم التقي. (بعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ): منقادون مستعدون للدين الحق. التفسير 79 - {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}: ¬

_ (¬1) آل عمران: 93.

لا يزال الكلام متصلا مع وفد نجران، فإنه روى: أن السورة - كلها - إلى قوله: "وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ... " نزلت بسببهم .. ذكره القرطبي. وَرَوَى ابن إسحق وغيره، عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال أبو رافع القُرظي - حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام - أتريد يا محمد، أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران يُقال له: الرئيس: أوذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره. ما بذلك بعثني، وما بذلك أمرني" فأنزل الله تعالى الآية. وأخرج ابن أبي حاتم قال: كان ناس من يهود: يتعبدون الناس - من دون ربهم - بتحريفهم كتاب الله عن موضعه. فقال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ ... ) الآية. وأي كان سبب النزول، فمعنى الآية: ما صح وما استقام لِبَشر اصطفاه ربه لتبليغ الرسالة إلى خلقه، وأعطاه الكتاب الذي يرشد الناس إلى عبادة ربهم، وأعطاه الحكمة - أي حسن التصرف في الأُمور - وأعطاه النبوة العاصمة من الخطأ، ثم يتنكر لربه الذي الذي اختاره لهداية خلقه، فيقول للناس: كونوا عبادًا لي إشراكًا مع الله أو إفرادًا: متجاوزين توحيد الله إلى ما طلبته منكم. ولكن يقول لهم: كونوا علماء عاملين، كاملين في العلم والعمل، لأنكم تعلمون الناس الكتاب وتدرسونه. فأولى بكم أن تتبعوه ولا تحيدوا عنه. والتعبير بلفظ (ثم) لاستبعاد حصول ذلك القول من الرسول. وإذا كان لا يصح لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة: أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فلا يصح له أن يدعوهم إلى عبادة غيره من باب أولى. وبهذه الآية حصل الرد البليغ من الله تعالى على النصارى الذي أَلَّهوا المسيح وعبدوه، وعلى اليهود الذين أَلَّهو عزيرًا وقدسوه، وعلى من زعم أن محمدًا عليه الصلاة والسلام،

يقصد بنبوته: أن يدعو الناس إلى عبادته، وعلى الأحبار الذين يتعبدون الناس من دون ربهم: بتحريفهم كتاب الله عن موضعه لمصلحتهم. وخلاصة الرد: أن رُسُلَ الله برآءُ مما يصنعه أتباعهم. فإنه لا يعقل أن يأمروهم بهذا الكفر. وذلك هو ما يقوله عيسى عليه السلام، لربه لما يسأله: "أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ" إذ أجاب: "سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ" ثم قال "مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (¬1). والآية توجب على أهل العلم أن يقرنوه بالعمل، حتى لا تَزِلَّ قدم بعد ثبوتها. 80 - {وَلَا يَأمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ... } الآية. (وَلَا يَأمُرَكُمْ): بالنصب، معطوف على "يَقُولَ" في الآية السابقة، داخل معه في حيز ما لا يجوز على الرسل. والمعنى: ما كان لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله، ولا أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا .. أيليق به - وهو رسول الله - أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مخلصون منقادون لربكم!! ومن قرأ: (وَلَا يَأمُرُكُمْ) بالرفع، فعلى الاستئناف. والمقصود من القراءَتين واحد. وهو استحالة حدوث ذلك من الرسول. وإذا كان سبب النزول وفد نجران، فلا إشكال في قوله تعالى لهم: (بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) فإن الإسلام يُراد منه حينئذ، الاستعداد للدين الحق، إرخاءً للعنان ومجاراة لهم. ¬

_ (¬1) المائدة: 116، 117.

وقيل إن سبب نزول الآيتين، ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك، قال: "لا. ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله. فإنه لا ينبغي أن يُسْجَدَ لأحد من دون الله تعالى". وعلى هذا، فالإسلام على ظاهره. {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)} المفردات: (مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ): الميثاق، العهد الموثق المؤكد. (لَمَا آتَيْتُكُم): اللام موطئة للقسم. وما: بمعنى الذي. كما نقله سيبويه عن الخليل. أي للذي آتيتكموه. وقيل: إن ما شرطية بمعنى إن. وهو الظاهر. (وَحِكْمَةٍ): أي نبوة. سميت حكمة، لأنها منبعها. (إِصْرِي): عهدي وميثاقي. التفسير 81 - {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ... } الآية.

واذكر يا محمد، لأهل الكتاب، كيف أخذ الله العهد على النبيين جميعًا: لئن آتيتكم من كتاب تبلغونه لأُممكم، وحكمة - أي نبوة ورسالة إليهم - ثم جاءَكم رسول مصدق لما معكم لتصدقُنَّ بأنه مرسل من عندي إلى الناس، ولتنصرنه بالتبشير به، وحض أُممكم على أن تؤمن به، إذا بُعِث إليهم، وتنصره وتؤَيده فيما جاءَ به؟ قال تعالى لهم بعد أخذ الميثاق عليهم: هل أقررتم بالإيمان به ونصرته وأخذتم على ذلكم عهدي وقبلتموه لتنفذوه وتعملوا به؟ قالوا: أقررنا ووافقنا. قال الله تعالى: فليشهد بعضكم على بعض بهذا الإقرار، وأنا معكم من الشاهدين على إقراركم، وشهادة بعضكم على بعض. والمراد من الرسول الذي يجيئهم مصدقًا لما معهم: كل رسول يعاصرهم أو يأتي بعدهم. فالآية الكريمة، تفيد: أن الله تعالى، أخذ الميثاق على الأنبياء: أن يصدق بعضهم بعضا ويؤيده ولا يعارضه، ويوصى باتباعه. فإن دين الجميع واحد. قال صلى الله عليه وسلم: "الأَنبِيَاءُ بَنُو عَلَّاتٍ (¬1) أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ". وبعموم الرسول، أخذ سعيد بن جبير وقتادة وطاووس والسدي والحسن. وهو ظاهر الآية. قال طاووس: أخذ الله ميثاق الأَوّل من الأنبياء: أن يؤمن بما جاءَ به الآخر. ومن العلماء قال: المراد من الرسول، هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الأرجح، وبه قال الإمام عليّ رضي الله عنه. فقد أخرج عنه ابن جرير قال: "لم يبعث الله تعالى نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: لئن بعث - وهو حي - ليؤمن به ولينصرنه. ويأمره فيأخذ العهد على قومه" ثم تلا الآية. وسواءٌ أكانت الآية عامة في تأييد جميع الرسل بعضهم لبعض، وحث أُممهم على اتباعهم، أم خاصة بتأييدهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونصرته بحَثِّ أُممهم على تأييده إن بعث - فالغرض من الآية: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وقد أيده الله بالمعجزات المحققة لرسالته، وجاء مصدقا لما مع الأنبياء قبله، فهو مؤَيد من المرسلين قبله. وأن على أهل الكتاب المعاصرين له: أن يؤمنوا به، امتثالا لما جاءَ عنه في كتب رسلهم. فإن كتب المرسلين توصي بالإيمان بكل رسول. ¬

_ (¬1) أي بنو ضرات، رواه الشيخان من حديث أوله: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم ... ".

والقرآن الكريم جرى على هذا النهج، قال تعالى: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (¬1). 82 - {فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: أي فمن أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم - بعد هذا الميثاق والإقرار والشهادة - فَأُولَئِكَ هُمُ الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتبه: المستحقون لأشد العقاب. ولما كان دين الأنبياء واحدًا، ودين محمد هو دين الأنبياء جميعا - أتبع هذا التهديد قوله: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)} المفردات: (أَسْلَمَ): دان بالإسلام. أو انقاد وخضع. (وَالْأَسْبَاطِ): الأسباط، الحفدة. والمراد بهم هنا: ذرية يعقوب عليه السلام. فهم حفدة لأبيه إسحاق وجده إبراهيم. (وَمَن يَبْتَغِ): ومن يطلب. ¬

_ (¬1) البقرة: 136.

التفسير 83 - {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}: سبب النزول: ذكر الواحدي في سبب النزول، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام: كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه. فقال صلى الله عليه وسلم: "كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم" فغضبوا. وقالوا: والله ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك. فأنزل الله هذه الآية. وعلى أي حال كان سبب النزول، فالكلام - في هذه الآية - مع أهل الكتاب الذين استمسكوا بدينهم، ونازعوا في الإسلام، وأعرضوا عنه .. فبعد أن أخبرهم الله تعالى، أنه أوصى الأنبياءَ بتأييده ونصرته، وأنذر من تولى عنه، ووبخهم الله على إعراضهم، وأنكره عليهم - قال ما معناه: أيتولى هؤُلاء عن الإسلام إلى أديانهم المحرفة المنسوخة، فيبغون بذلك دينا غير دين الله!! كيف يطلبون غير دينه سبحانه وتعالى، وقد استسلم وخضع له من في السموات والأرض طائعين وكارهين! فمشيئة الله نافذة فيهم، وَقَدَرُهُ جارٍ عليهم، أحبوا ذلك أم كرهوا. فالصحيح مستسلم لقدر الله، محبٌّ لما وهبه الله من صحة. والعليل منقاد لقدر الله بمرضه طوعا أو كرها .. وهكذا كل أقدار الله تجري في خلقه، فيخضعون لها، وإن جرت على غير ما يحبون ويشتهون. فما شاءَه الله كان، وما لم يشأه لم يكن. فكيف يتمرد أهل الكتاب على دين هذا الإله القوي الفعال، ويكفرون به، مع أنهم إليه يُرجعون مقهورين، فيحاسبهم على طغيانهم وكفرهم!

ويحتمل أن يكون المراد به: ما يشمل العقلاء وغيرهم، ويكون المعنى: ولمشيئته تعالى، خضع وانقاد جميع الكائنات في السموات والأرض: طائعة أو مسخرة. كما في قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ... " (¬1) الآية. 84 - {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}: لَمَّا بين الله تعالى: أنه أخذ الميثاق على كل نبي: أن يؤمن بغيره من الأنبياء، وأنه لا يصح لأهل الكتاب أن يكفروا بدين الله الذي أنزله على محمد - وهو ممن أخذ الله الميثاق على الإيمان بهم وبدينهم - لَمَّا بين الله هذا كله - أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، أن يؤمن بمن سبقه من الأنبياء، وألا يفرق في الإيمان بين أحد من رسله، ليكون في الإيمان بهم، كما كانوا في شأن إخوانهم الأنبياء، وهو خاتمهم. والمعنى: قل يا محمد، معبرا عن نفسك، وعن المؤمنين: آمنا بالله تعالى، وبما أُنزل علينا من القرآن العظيم، وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأنبياء من أبنائه الأسباط، من كتب. وما أُوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أُعطي سائر الأنبياء من ربهم من مختلف الكتب: لا نفرق بينهم، فلا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما فعل اليهود، إذ كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام، وكما فعل النصارى إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونحن له منقادون: نطيعه فيما أمرنا به، وننتهي عما نهانا عنه. 85 - {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: ومن يطلب دينا غير دين الإسلام يتدين به: عقيدة وعملا، فلن يقبله الله منه، لأنه غير ما شرعه الله لخلقه. وإذا كان الله لا يقبل دينا غير الإسلام - فكل من دان بغيره، يكون في الآخرة من الخاسرين، لأنه محروم من الثواب، خالد في العقاب. ¬

_ (¬1) الحج: 18.

روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسه بيده، لو أصبح فيكم موسى بن عمران، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم". وروى أبو يعلى، والبزار، وأورده ابن كثير: "لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي" وفي رواية: "لو كان موسى وعيسى حَيَّيْينِ لما وسعهما إلا اتباعي". {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)}. المفردات: (لَعْنَةَ اللهِ): أي الطرد من رحمته. (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ): أي ولا هم يمهلون. فعذابهم موصول مستمر. أو لا يُنظَر إليهم، ولا يعتد بهم. التفسير 86 - {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)}: سبب النزول: أخرج عبد بن حميد وغيره، عن الحسن: أنهم - أي أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى - رأوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم، في كتابهم، وأقروا وشهدوا أنه حق. فلما بُعث من غيرهم، حسدوا العرب على ذلك. فأنكروه. وكفروا بعد إقرارهم.

والمعنى: أي سبيل لأن يهدي الله قوما كفروا بمحمد، بعد ما آمنوا به قبل مبعثه، امتثالا لما جاء في كتبهم، وعلموا أن الرسول محمدًا حق حينما رأوه - بعد مبعثه - مطابقا لما جاءَ عنه في كتبهم، وجاءتهم الآيات الواضحات والمعجزات الشاهدات بصدقه!! والله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم بكفرهم، ما داموا مُصِرِّين على عنادهم وحسدهم للرسول، على ما آتاه الله من فضله. 87، 88 - {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)}: بعد أن بين الله شناعة الكفر بعد الإيمان، ووضع أن شريعة الرسول حق بما أيده الله به من الآيات، أتبعه عقاب أُولئك الكافرين. وذكر أن: أولئك الذين كفروا - بعد ما جاءَهم الرسول مؤَيدا بالآيات والمعجزات بعد ما عقدوا العزم على الإيمان به حين يبعث - يلعنهم الله، ويطردهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة، وتطلب لهم الطرد من رحمة الله، ويلعنهم الناس أجمعون، من أهل الإيمان أتباع الحق، خالدين في اللعنة - أو في جهنم - التي هي مقر الملعونين: لا يخفف عنهم عذاب الله، ولا هم يُمهلون بأن يؤَخر عنهم العذاب من وقت لآخر، بل العذاب موصول مستمر. ويجوز أن يكون معنى: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) ولا ينظر الله إليهم نظر رحمة، ولا يعتد بهم. فهم مهملون متروكون في عذابهم. وهذه الآية وما قبلها وما بعدها إلى قوله تعالى: (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) - وإن نزلت في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد مبعثه، مع أنهم كانوا مجمعين على الإيمان به حين يُبعث - لكنها عامة الحكم في كل من يكفر بعد الإيمان، فتشمل المرتدين بعد الإسلام.

89 - {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)}: يعني: أن من تابوا من بعد كفرهم، وأصلحوا ما أفسدوه بالندم والإقبال على الطاعة بعد الإدبار عنها، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، لأن الله عظيم الغفران، بليغ الرحمة، وذلك من عظيم كرمه، ووافر رحمته. وقيل: معنى أصلحوا: دخلوا في الصلاح. كما يقال: أصبحوا: دخلوا في الصباح. وعلى هذا يكون الفعل لازما غير متعد، بخلافه على المعنى السابق فهو متعد. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)}. المفردات: (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): الذين أَخطأُوا طريق النجاة. (وَلَوِ افْتَدَى بِهِ): معطوف على شرط مقدر يقتضيه المقام. والتقدير: لو أنفقه فيما يراه خيرا في الدنيا ولو افتدى به في الآخرة. (لَن تَنَالُوا): لن تُصيبوا ولن تدركوا. (الْبِرَّ): الخير والإحسان. (مِمَّا تُحِبُّونَ): بعض ما تحبون فلا ينفقونه كله.

التفسير 90 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)}: سبب النزول: لا يزال الكلام موصولا في أهل الكتاب. فقد نزلت هذه الآية في اليهود، كما قال قتادة وعطاء والحسن - واختاره الطبري - كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن وبالذنوب التي اكتسبوها. أو نزلت في اليهود والنصارى، كما قال أبو العالية: كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، بعد إيمانهم بنَعْتِه وصفتِه. ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم. وسواء أكان سبب النزول، اليهودَ وحدهم أم اليهود مع النصارى، فالآية - بعمومها - تشمل كل من كفر بعد إيمان. فيدخل في حكمها: من ارتد عن الإسلام. والمعنى: إن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما يجب الإيمان به بعد ما كانوا مؤمنين، ثم ازدادوا كفرا بتماديهم في الكفر والمعاصي - لن يقبل الله توبتهم إن تابوا بعد فوات الأوان. وذلك حين يحضرهم الموت. (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): عن طريق الحق، المخطئون سبيل النجاة. فإن قيل: إن قبول التوبة مطلق في قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ" (¬1) فكيف قيد قبولها هنا بكونها قبل حضور الموت؟ قلنا: إن ذلك راجع إلى تقييدها بذلك في قوله تعالى: "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ... " (¬2) وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لم يُغَرْغِرْ (¬3) ". ¬

_ (¬1) الشورى: 25. (¬2) النساء: 18. (¬3) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.

91 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ... } الآية. المعنى: إن الذين كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وماتوا وهم كفار دون أن توقظهم الآيات، وتلفتهم النذر، فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبا لو أنفقه - قبل أن يموت - في المبرات والخيرات. وكذا لو اقتدى به يوم القيامة. لو فرض أن له مالا يومئذ وأن الفداء بالمال ينفع .. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (¬1). والغرض من قوله تعالى: (وَلَو افْتَدَى بِهِ) تعميق اليأس في نفوس الكافرين المصرين على كفرهم، حتى يعلموا أنهم لا نجاة لهم بغير الإيمان. (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ): أُولئك المصِرُّون على الكفر حتى ماتوا، لهم عذاب شديد الإيلام. وما لهم من ناصرين ينقذونهم من ذلك الجزاء الخالد. 92 - {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)}: هذا كلام مستأنف، لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم، إثر بيان ما لا ينفع الكفار ولا يقبل منهم. المعنى: اختلف في تفسير البِرِّ الوارد في الآية. فابن عباس وابن مسعود وغيرهما، فسروه بالجنة. وقيل: هو العمل الصالح. فقد جاءَ في الحديث الصحيح: "عَلَيْكُم بالصِّدْق، فإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ. وإِنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة .. " رواه مسلم والبخاري وأحمد والترمذي. وقيل غير ذلك، مما يدور حول هذين المعنيين. ¬

_ (¬1) المائدة: 36.

والأنسب تعميمه في كل خير وإحسان في الدنيا والآخرة: يمنحه الله تعالى لعباده (¬1). والمراد من الإنفاق: ما يشمل الزكاة، وصدقة التطوع، والأوقاف الخيرية، والهبات، وسائر وجوه الإنفاق في سبيل الله. ومعنى الآية: لن تدركوا برِّيَ الوافر، وتصيبوا إحساني الغزير في الدنيا والآخرة - حتى تنفقوا - في وجوه الخير التي شرعتها لكم - بعض ما تحبون من الأموال المكسوبة من وجوه الحل. فلا يقبل الله الإنفاق من كسب حرام. فهو ردٌّ على منفقه. ولا يعظم الله ثواب من أنفق مما لا يحبه ولا تميل إليه نفسه من الأموال، لقلة منفعته لآخذه. قال تعالى: "وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ" (¬2). فالإنفاق: ينبغي أن يكون مما له أثر نافع عند من يأخذه، فإنه يدل على وفرة الرغبة في العطاء، وشدة الإحساس بحاجة من ينفق عليه، والرغبة في تنفيس كربته، ودفع حاجته. والتعبير بقوله: (مِمَّا تُحِبُّونَ) يؤذن بمشروعية إنفاق البعض دون الكل. ولشدة عناية المولى سبحانه، باختيار مال النفقة من أحسن ما عند المنفق، وأعظمه نفعًا - ختم الآية بقوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ): يريد: وأي شيءٍ تنفقونه - قلّ أو كثر - بعلمه الله، فيثيبكم بحسن نياتكم ومقدار نفقاتكم وصفاتها. وفي ذلك ما فيه من الحث على إنفاق الجيد، والتحذير من أنفاق الرديء. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسارعون إلى ما يدعوهم إليه مولاهم على خير وجه. فما إن نزلت هذه الآية حتى بادر المياسير منهم إلى تنفيذها. ¬

_ (¬1) راجع ما سبق في تفسير قوله تعالى: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ... " البقرة: 177. (¬2) البقرة: 267.

يروي أصحاب الصحاح - واللفظ للنسائي عن أنس - قال: لما نزلت هذه الآية: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من أموالنا. فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلها في قرابتك، في حسان بن ثابت، وأُبيّ بن كعب". وفي الموطأ "وكانت أحب أمواله إليه بيرحاء. وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب" وذكر الحديث: وجاء فيه أنه أرشده إلى أن يوصي بالثلث لا بالكل. إذ قال له: "بالثلث والثلث كثير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". وكذلك فعل زيد بن حارثة. فقد عمد إلى فرس يقال له: سَبَل. وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إِلَيَّ من فرسي هذه. فجاءَ بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذه في سبيل الله، فأجابه الرسول "إن الله قد قبلها منك". وأعتق عُمَرُ نافعا مولاه. وكان عبد الله بن جعفر عرض عليه ألف دينار ثمنا له. وهكذا كانوا يفعلون. فليتأس بهم مياسير المؤمنين، فينفقوا في سبيل الله مِمَّ يحبون، لا مِمَّا يسترذلون.

{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)}. المفردات: (الطعَام): ما يطعم بالفم، كالخبز، والفاكهة، أو ما يؤَدى إليه، كالحنطة والشعير. والماءُ من الطعام؛ لأنه يطعم بالفم. ولذا قال تعالى: "وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي (¬1) " أي: ومن لم يذق ماءَ النهر فإنه مني. (حلاً): أَى حلالا. والمراد: الإخبار عن أكل الطعام بأنه حلال لا ذات الطعام؛ لأن الحِل والحُرمة لا يتعلقان بذوات الأشياء ,بل بأَفعال العباد المتعلقة بها. والحِل: مصدر. فيوصف به المذكر والمؤنث , والمفرد وسواه , بلفظ واحد. {لِبَنِي إِسْرَائِيلَ}:إسرائيل؛ يعقوب عليه السلام. وبنوه: ذريته. {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}: دين إبراهيم. {حَنِيفًا}: مائلا عن الباطل إلى الحق. التفسير 93 - {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)}: ¬

_ (¬1) البقرة: من الآية 249.

بعد أن أبطل القرآن الكريم - فى الآيات السابقة - بعض مفتريات أهل الكتاب , شرع فى إبطال فريتين أُخريين لهم: إحداهما: تتصل ببعض أحكام الطعام. والثانية: تتصل بالقبلة. وسيأْتي بيان ذلك. سبب النزول: ذكر الواحدى فى سبب النزول؛ أنه حين قال النبى صلى الله عليه وسلم: "أنا على ملّةِ إبراهيم" قالت اليهود: وأنت تأكل لحوم الإِبل وأَلبانها؟. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "كان ذالك حلالا لإِبراهيم عليه السلام , فنحن نحلله" فقالت اليهود: كل شيء نحرمه اليوم , كان محرما على نوح وإبراهيم , حتى انتهى إلينا. فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيباً لهم. والمعنى: كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل , من قبل أن ينُزْل الله التوراة على موسى. فلم يحرم الله تعالى شيئاً منه , في شرائعه التي أنزلها على إبراهيم وابنه واسحق وحفيده إسرائيل -يعقوب -عليهم السلام , إلا ما حرمه إسرائيل على نفسه: اختياراً ونذراً. ولم يحرمه الله عليه ولا على أمته: تشريعاً. وليس صحيحا ما زعموه من أن الطعام المحرم عندهم كان محرما على نوح وإبراهيم وسائر الأنبياءِ , وأن ذالك ثابت فى التوراة - بل هو ابتداع منهم. أو حرّمه الله عليهم بظلمهم كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (¬1). قل لهم يا محمد: فأتُوا بالتوراة فاتلوها , لتقيموا الدليل بذلك , على أن تحريمها شرع قديم لمن تقدّم من الرسل , إن كنتم صادقين فيما زعمتموه. وبهذا التحدى , أخزاهم الله وفضحهم؛ إذ لم يقرءُوا التوراة أمامه , حتى لا يظهر كذبهم. وكان هذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. أما ما حرمه إسرائيل على نفسه , فهو لحوم الإبل وأَلبانها. وكانت أحب الطعام إليه. وسبب ذلك على ما رواه الإمام أَحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال حضرت ¬

_ (¬1) النساء: من الآية 160.

عصابةٌ من اليهود نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا حدِّثنا عن خلالٍ نسألك عنهن: لا يعلمهن إلا نبى. قال: سلونى ما شئتم. ولكن اجعلوا ليَ ذمةَ الله وما أخذ يعقوبُ على بنيه , لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه لَتُبَايعُنِّي على الإسلام؟ قالوا فذلك لك. قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا: أي الطعام حَرَّمَ إسرائيلُ على نفسه؟ " ثم ذكر بقية أَسئلتهم. وأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم , عن السؤَال الأول: "أنْشُدُكم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً وطال سَقَمه , فنذر الله نذراً لئن شفاه الله من سَقَمه لَيُحَرِّمَنِّ أحبَّ الأَشياءِ إليه , وأحب الطعام إليه. وكان أحب الطعام إليه لُحْمان الإِبل , وأحبُّ الشراب إليه ألبانَها فقالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد عليهم" إلى آخر الحديث. فهذا الحديث , دل على أَنهم أقروا النبي صلى الله عليه وسلم , على أن تحريم لحوم الإبل وألبانها على يعقوب عليه السلام , لم يكن بشرع الله , بل بنذر يعقوب. فليس من حقهم أن يدَّعوا عموم التحريم , وأن ذلك تشريع نازل من السماء. بل هو أمر شخصي يتعلق بإسرائيل نفسه. . وفاءً بنذره. فكل نَذْر يجب الوفاءُ به , فى حق صاحبه دون غيره. ولعل إسرائيل عليه السلام , اعتبر ذلك قربة إلى الله من جهة ما فيه من قهر النفس , وإبعادها عن أحب ما تشتهيه. وقهرُ النفس من المقاصد الشرعية. وبالرجوع إلى التوراة في مظان هذا الموضوع , لم نجد فيها أساساً لدعواهم أن ذلك التحريم شرعه الله في أَي عهد من عهود النبوات، ولا لدعواهم أن التحريم انتقل إليهم من الشرائع السابقة كما زعموا، ولا لدعواهم أن الله حرمها عليهم بتحريم يعقوب لها على نفسه! ولقد كان اليهود يدعون أن ذلك شرع قديم، ولكن الرسول كشف الغطاء عن الحق فبهتوا، وبان لهم- بذلك- أنهم في ضلالهم يعمهون. ويرى الإِمام محمد عبده: أَن المراد بإِسرائيل في قوله: {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} هو شعب بني إسرائيل؛ لأَن هذا هو الذي كان معروفًا بينهم عند إِلاطلاق.

ويرى الشيخ رشيد رضا في تفسيره: المنار: "أن هذا هو الأَقرب. إِذ لو أُريد بإِسرائيل يعقوب نفسه، لما كان هناك حاجة إلى قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} لأَن زمن يعقوب سابق على زمن نزول التوراة , سبقاً لا يُشتبه فيه حتى يحترز عنه. ثم قال: والمتبادر عندي. أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه: ما امتنعوا من أكله وحرموه على أنفسهم. بحكم العادة والتقليد لا بحكم من الله. كما يعهد مثل ذلك في جميع الأُمم. ومنه تحريم العرب للبحائر والسوائب وغير ذلك. مما حكاه القرآن في سورتي: المائدة والأَنعام. . انتهى كلام الشيخ رشيد. ولكن الراجح: أن المراد بإِسرائيل يعقوب نفسه , كالرأي الأَول. لحديث الإمام أَحمد الذي تقدم. وفائدة قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} أَنه لو كان الله شرع له ولبني إسرائيل ذلك، لذكر في التوراة؛ لأَنه سابق على نزولها على موسى. ولمّا اتضح أَنهم مفترون كاذبون بهروبهم من قراءَة التوراة - عقب الله الآية الكريمة بوعيد من يفتري الكذب على الله، وذلك في قوله تعالى: 94 - {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: يعني: فمن اختلق على الله الكذب بنسبة حكم شرعي إِليه تعالى - من بعد وضوح الحجة على أَنه ليس كذلك - فأولئك هم الظالمون لأَنفسهم بالكفر، ولمن أَضلوهم بالإِغواءِ، لأنهم يتحملون التبعة الناشئة عن اختلافهم: منهم وممن اتبعوهم. وذلك منتهى الظلم. وما في الآية من تهديد، ينتظم كل من افترى الكذب على الله بعد ما تبين له الحق. واليهود داخلون في ذلك بالاُولى. 95 - {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: أَى: يا محمد، قل لليهود - بعد ظهور كذبهم فيما زعموا - ظهر صدق الله فيما أَخبر به من أَن كل الطعام كان حلاًّ لبني إسرائيل إِلا ما حرَّم إِسرائيل على نفسه، كما ظهر- صدق الله في كل ما أخبر به على لسان نبيه. . فاتبِعُوا دين إبراهيم. فقد كان علي الحنيفية السمحة. وما كان من المشركين.

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. المفردات: (أوَّلَ بَيْتٍ): أول موضع لعبادة الله وحده. (وُضِعَ لِلنَّاسِ): خصص لعبادتهم. (بَكَّةَ): من أسماءِ مكة. عَلَم على البلد الحرام، وقيل: بكَّة: للبيت، ومكة للبد. أَصله من البكِّ. وهو الازدحام. (آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ): دلائل واضحات. وسيأتي بيانها. (مَقَامُ إبْرَاهِيمَ): المقام هو؛ الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم، عند بناءِ البيت، أَو هو المكان الذى كان يقوم فيه للصلاة والعبادة. (آمِناً): أَي أَوجب الله الأَمان لمن يأوى إليه. فلا يُعْتَدَى عليه بقتل أو بأذى. التفسير 96 - {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. . .} الآية. بعد أَن كذَّبَ الله اليهود في زعمهم أَن ما حرّموه من الطعام شرع قديم لجميع الرسل. وبعد ما بيَّن أَن كل الطعام كان حلَا لًا لهم كغيرهم - كذبهم في زعم آخر، وهو: أَن بيت المقدس أعظم من الكعبة، فهو أَولى منها بأَن يكون القبلة (¬1). ¬

_____ (¬1) ارجع إلى ما سبق بيانه في تفسير قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا .. } سورة البقرة: (142) وما بعدها.

سبب النزول: روى عن مجاهد قال: تفاخر المسلمون اليهود، فقالت اليَهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنه مهاجر الأّنبياءِ، وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل.، فأَنزل الله هذه الآية. المعنى: إِن أَول بيت أُقيم لعبادة الله وحده، هو البيت الحرام بمكة. فقد بناه إبراهيم عليه السلام - بأَمر الله، وعاونه في البناءِ ولده إسماعيل. وأَمره الله أن يؤَذِّن في الناس بالحج إليه. قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (¬1). أَخرج الشيخان، واللفظ لمسلم، عن أَبي ذر- رضي الله عنه - قال: "سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أَوّل بَيْتٍ وُضِعَ فِي الأرضِ؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأَقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أَربعون عاماً (¬2). ثم الأَرض لك مسجد. فحيثما أَدركتك الصلاة، فَصَلَّ". وإذا كانت الكعبة أَول بيت وضع لعبادة الناس لربهم، فلا وجه لتفضيل بيت المقدس عليه , وإيثاره بأَن يكون هو القبلةَ دونها. (مُبَارَكاً): بركة البيت بكثرة ثواب من يعبد الله فيه بصلاة وطواف وغيرهما من أَنوْاع الطاعات، وبتيسير الرزق لأَهله. ¬

_____ (¬1) الحج: آية 27. (¬2) قال ابن قيم الجوزية في "زاد المعاد" تعقيبا على هذا الحديث: قد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به فقال: معلوم إن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل القائل؛ فإن سليمان كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذى أسسه هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام بعد بناء جده إبراهيم الكعبة، بهذا المقدار أي بأربعين عاما.

{وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}: يهديهم إلى عبادة الله وحده، بحجهم إليه، وصلاتهم فيه , واستقبالهم له. 97 - {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ... } الآية. أى في البيت دلالات واضحات على أَنه من بناءِ إبراهيم عليه السلام. منها: مقام إِبراهيم. وهو الحجر الذى كان يقوم عليه عند بناءِ البيت. أو المكان الذي كان يقوم فيه للصلاة والعبادة. ومنها: وجوب الأَمن لداخله استجابةً لدعاءِ إبراهيم عليه السلام، بقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ... } (¬1). ومنها: وجوب الحج إِليه استجابة لنداءِ إبراهيم، كما في قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (¬2). وكما ثبت هذا بالقرآن، فهو ثابت أيضاً تاريخياً. ومعروف بالتواتر لدى العرب جيلا بعد جيل. ومع دلالة هذه الآيات البينات على أولية البيت الزمنية، فهي - كذلك- أدلة واضحة على فضله وعُلُوّ شأْنه. وقد عَرَضت الآية إلى فرضية الحج بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}: والحج: أَحد الأَركان الخمسة للإسلام. فمن استطاعه لزمه، وندب إليه تعجيله. والاستطاعة: تكون بوجود الزاد الماءِ والراحلة، والقدرة البدنية، وأمن الطريق. والمقصود من الزاد: مايكفيه من الطعام مدة سفره في حجه، زائدًا على نفقة من تلزمه نفقته ممن يعول. والمراد من الراحلة: وسيلة الانتقال أَياً كانت. {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}: ¬

___ (¬1) البقرة من الآية: 126. (¬2) الحج آية: 27.

أَي ومن أَنكر الفريضة أَو تهاون فيها. فوبال ذلك عائد عليه وحده؛ لأنَّ اللهَ سبحانه غنى عن العالمين. فلا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم. {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (¬1). وفي أسلوب الآية وختامها بقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}: ما يدل على أهمية فريضة الحج، وعظيم منزلتها عند الله، وأنه فريضة لايحل لأَحد أن ينكرها، وإِلا كان كافرًا بشريعة الله. كما لا يجوز له أَن يتكاسل عنها، حتى لا يكون كافراً بنعم الله عليه، غير شاكر له على أفضاله. {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)}. المفردات: {بِآيَاتِ اللَّهِ}: المراد بها؛ الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها آيات القرآن الكريم. {شَهِيدٌ}: مشاهد لما تعملون، رقيب عليه. {تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}: تمنعون الناس عن طريقه، وهو الإِسلام. ¬

_ (¬1) النمل من الآية: 40.

{تَبْغُونَهَا عِوَجًا}: تريدونها معوجة. {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ}: تشهدون بأنها سبيل مستقيمة. {يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ}: يستمسك بدينه. التفسير 98 - {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ. . .} الآية. المعنى: أمر الله نبيه محمدًا صلي الله عليه وسلم، أَن يوبخ كفار أهل الكتاب على كفرهم بما جاء به من الحق، فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ. . .} الآية. وإنما دعاهم بقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}؛ للمبالغة في تقبيح كفرهم؛ فإِن من كان على بينة من كتاب الله: تهدى إلى الحق - يكون كفره أشد قبحًا من غيره. فقد جاءَ في كتابهم من الأمارات الواضحة، ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم , وصحة نبوته، إذ كانوا يتحدثون بذلك قبل بعثته. فلما بُعثَ، تفرقوا واختلفوا. وقد ختمت الآية بقوله عز وجلٌ: {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}: لتشديد التوبيخ، وتأكيد الإِنكار عليهم، وتهديدهم على هذا الكفر القبيح. 99 - {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ. . .} الآية. وهذا أَمْرٌ آخر من الله لنبيه، صلى الله عليه وسلم , بتوبيخهم على الإِضلال، إِثر أَمره إياه بتوبيخهم على الضلال. وتكرير الخطاب {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}: لتأْكيد المبالغة في التوبيخ؛ لأن ذلك العنوان - كما يستدعى منهم الإِيمان بما هو مصدق لما معهم - يستدعى منهم كذلك، دعوة الناس إليه، وترغيبهم فيه. فصدهم عنه - بعد كفرهم به، وهم يعلمون أنه حق - في أَقصى مراتب القبح، وأبعد درجات الجحود. إذ لم يكتفوا بكفرهم وضلالهم، بل أَمعنوا في الإِضلال وأَوغلوا في الفتنة، فاحتالوا لفتنة المسلمين، وصَدِّ من يريد الإِسلام. عن الدخول فيه. وادعوا أَن صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ليست في كتبهم، ولا وجدت البشارة به عندهم.

ثم أفصح عن غايتهم من جحودهم وكفرهم، فقال سبحانه مِنْ قائل: {تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: أي تريدون أَن تكون سبيل الله معوجة، وأنتم تشهدون أنها لا تحوم حولها شائبة اعوجاج. ثم ختم الآية بقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: وفي هذا من التهديد والوعيد ما لا يخفى. ولمَّا كان كفرهم صريحًا ظاهرًا، ختمت الآية الأُولى بشهادة الله تعالى على ما يعملون. ولما كان صدهم للمؤمنين، بطريق السر والخفية، ختمت الآية الثانية بما يحسم حيلتهم من إِحاطة علمه - سبحانه وتعالى - بأعمالهم. 100 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}: المعنى: قال ابن كثير: يحذر الله تبارك وتعالى، عباده المؤمنين، من أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما منحهم من إرسال رسوله. كما قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم. . .} (¬1) الآية. وهكذا قال ههنا: {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}: 101 - {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ. . .} الاَية. هذا استبعاد لوقوع الكفر منهم. والمعنى: كيف يقع منكم الكفر -أَيها المؤمنون- بسبب إِغواءِ الكافرين لكم، وعندكم ما يعصمكم منه، فإن آيات الله تنزل عليكم من آن لآخر. وفيكم رسوله يبلغها إليكم- ويبينها لكم - على أتم وجه. ومن كانوا كذلك، فلن يتأَثروا بإغواءِ الكافرين، مهما كان هذا الإِغواء! ¬

_ (¬1) البقرة: من الآية 109.

{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: أي ومن يستمسك بدين الله -وهو الإِسلام- فقد هُديَ إلى طريق مستقيم: يوصل إلى الحق. فلا تُخْدَعوا بأكاذيب أعدائكم الكافرين. فهم بعيدون عن الطريق المستقيم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. المفردات: {حَقَّ تُقَاتِهِ}: أى التقوى التي تليق بِربوبيته وعبوديتكم. {بِحَبْلِ اللَّهِ}: بدينه. وهو الإِسلام. وسماه حَبْلاً؛ لأَنه يربط المسلمين- بعضهم ببعض- رباطًا وثيقًا، كما تربط الأشياءُ بالحبل. التفسير 102 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}: أمر الله - سبحانه- المؤمنين بأن يتقوه حق تقواه. وذلك ببذل أَقصى الجهد في امتثال أَوامره واجتناب نواهيه. بحيث يُطَاعُ ولا يعْصَى، وَيُذْكَرُ ولا يُنْسَى، وَيُشْكَرُ ولا يُكْفَر به.

وكرَّر نداءَهم بوصف الإِيمان؛ تشريفًا لهم إِثر تشريف. وحفزًا لهم على الطاعة؛ إِذ مقتضى الإِيمان: أن ينصاعوا إلى الامتثال. بحيث لا يراهم الله حيث نهاهم. والمراد من قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} هو عين المراد من قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (¬1) لأَن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. ثم عقب الله ذلك بنَهْيِهم عن الموت إلا على الإِسلام. والمراد: أن يستمروا على إِسلامهم فلا يباغتهم الموت إِلا وهم على هذه الحال الكريمة. 103 - {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. . .} الآية. بعد أن: نهى الله المؤمنين عن طاعة أهل الكتاب، ونبَّههم إلى عاقبة ذلك في الدنيا والآخرة، وذَكَّرَهم بما يجب لله عليهم من تقوى الله حق تقاته، وتمسكهم بالإِسلام حتى يأْتيهم بالموت وهم مسلمون. - بعد هذا كله - عاد فأمرهم با الاعتصام بحبله، أي التمسك بالإِسلام: مجتمعين غير متفرقين. وأَن يتذكروا نعمة الله التى أنعم بها عليهم حين كانوا أعداءً: يقتل بعضهم بعضاً استجابة لعصبية الجاهلية, فأنقذهم من هذا ونجاهم منه، بأن هداهم للإِسلام، وألَّفَ به بين قلوبهم، فأصبحوا يتواصلون بالأُلفة واجتماع الكلمة. وبهذا، صاروا إِخوانًا متحابين. وأعواناً متناصرين. فالإِسلام يوجب الأُخوة بين المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (¬2). كما يوجب الولاءَ والنصرة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (¬3). {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}: ¬

_ (¬1) التغابن من الآية: 16. (¬2) الحجرات من الآية: 10. (¬3) التوبة من الآية: 71.

أي وكنتم - بسبب كفركم وما جرَّكم إِليه من عداوتكم - مشرفين على الوقوع في نار جهنم؛ إِذ لو أدرككم الموت - على هذه الحال - لوقعتم فيها. ولكن الله أَنقذكم منها، بأَن هداكم للإِيمان، وزيَّنه في قلوبكم، فكان ربَاطا موحدًا لكم. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: أَي بمثل هذا البيان الواضح، يبين الله لكم سائر آياته؛ لكي تثبتوا على الهدى، وتزدادوا فيه اعتصاماً وقوة. 104 - {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... } الآية. يأْمر الله المؤمنين - بعد استكمال إيمانهم في أَنفسهم - أَن يمتد خيرهم، ويتجاوز برُّهم إلى غيرهم: بأَن يكون منهم جماعة متفقهة في الدين: يدعون الناس - على بصيرة - إلى الإِسلام. وكله خير. فيأْمرون بكل ما عُرِف حسنه عقلا وشرعًا، وينْهَوْنَ عن كل ما هو منكر كذلك. وقد دلت الآية على أَن الأُمة: يجب عليها أَن تخصص طائفة منها: تقوم بالدعوة إلى الله , كما قال سبحانه: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (¬1). وهذا لا يعفى سائر أفراد الأُمة من القيام بهذا الواجب: كل بحسب طاقته. ويؤَيد هذا، ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من رأَى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإِن لم يستطعْ فبلسانه، فإِن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإِيمان". وفي رواية أُخرى لمسلم. "وليس وراءَ ذلك من الإِيمان حبةُ خردل". ¬

(¬1) التوبة من الآية: 122.

{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: أي وأولئك المتصفون بتلك الصفات العالية , هم الفائزون بخيْري الدنيا والآخرة. {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}. التفسير 105 - {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: المعنى: {وَلَا تَكُونُوا} أيها المؤمنون {كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا}: في دينهم {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}: وهم اليهود والنصارى , حيث تفرق كل منهما فرقا مختلفة يكفِّر بعضها بعضا. واختلفوا التأويلات الزائغة، وكتم الآيات الناطقة وتحريفها، بسبب ما أخلدوا إليه من حطام الدنيا .. فعلوا ذلك، من بعد ما جاءتهم البينات الواضحات، التى تحول دون الخلاف وسوء التأويل: {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. أَي وأُولئك المختلفون لهم عذاب عظيم.

والآية وعيد للمتفرقين. وتهديد لمن يتشبه بهم من المؤمنين. والاختلاف المنهى عنه في الدين المنصوص عليه في الآية: إنما هو الاختلاف في الأُصول. أما الاختلاف في الفروع. الناشيء عن الاجتهاد في فهم النصوص , فأمر ثبت على عهد رسول الله صلى الله عليد وسلم وأقره. ومن ثمَّ، كان للمجتهد المخطيء أجر كما أن للمصيب أجرين , لأَن الاختلاف في الفروع أفسح المجال للرخص. والمسلمون بحاجة إليها. ثم زاد الله عباده المؤمنين تحذيرًا من التفرق والاختلاف، وترغيبًا في الاتحاد والائتلاف. ببيان مآل المؤتلفين والمختلفين بقوله عز وجل: 106 - {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. . .} الآية. أي: اذكروا يوم تَبْيَض وجوه المؤمنين بما يلقونه من مبشراتٍ ونعيم وتسوَدّ وجوه الكافرين بما يلقَون نُذُر وعذاب أليم. والمراد بياض الوجوه وسوادها: بهجتها وكآبتها. قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} (¬1). {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}: المعنى: أما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم - على سبيل التوضيح - أكفرتم بعد إِيمانكم؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم .. والمراد بهم: أهل الكتاب. فقد كفروا بما جاءَهم من الحق، فتفرقوا واختلفوا في دينهم , وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم , بعد مبعثه , وكانوا يؤمنون به من قبل، ويستفتحون به على الذين كفروا. ¬

_ (¬1) عبس: من الآيات 38 - 42.

وفي هذا يقول تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ... } " (¬1). إذ المراد بالكتاب: القرآن الكريم. 107 - {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)}: المعنى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} في هذا اليوم , ممن ثبتوا على الحق في الدنيا، لم يتفرقوا فيه {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} أي في جنته ونعيمها , {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي باقون فيها أبدا. {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (¬2). وإنما عبر عن الجنة بالرحمة؛ لأَنها دار رحمته، للإشعار بأَن دخولها، إِنما هو بفضل الله وبرحمته. لا بالعمل وحده. 108 - {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}: المعنى: تلك الآيات العظيمة المبشرة بإثابة الله للمؤمنين. المنذرة بتعذيبه للكافرين {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ}: يا محمد. {بِالْحَقِّ}: أي محقين عادلين فيما بَيّنَاهُ فيها من جزاءٍ للعباد حسب أعمالهم {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا} ولو قليلا {لِلْعَالَمِينَ}. أي وإذا كان لا يريد ظلماً لأحد من العالمين ولا يقصده فأنه لا يقع منه، فكل عبد ينال جزاءَ عمله حسب الوعد والوعيد. دون أن ينقص ثوابه إِن كان محسنًا، أَو يزاد عقابه إِن كان مسيئاً، أو يعاقب بغير ذنب. ولكن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم باختيارهم الضلالة والهدى , واستحقاقهم العذاب بذلك {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬3). 109 - {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. . .} الآية. أي هما - وما فيهما - لله وحده: خلقًا وملكاً. وتدبيراً ومآلاً. ¬

_ (¬1) البقرة من الآية: 89. (¬2) الحجر آية: 48. (¬3) يونس آية: 44.

{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}: أي وإليه - سبحانه وتعالى وحده - يؤول التصرف في شئون الدنيا والآخرة. ومن ذلك مجازاته لكلٍّ بحسب عمله. {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}. المفردات {أُمَّةٍ} الأُمة: الجماعة. {الْفَاسِقُونَ}: الخارجون عن طاعة الله. {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ}: يعطوكم ظهورهم منهزمين. {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ}: أُحيطوا بالذلة كما تحيط الخيمة بمن ضربت عليه. والمراد بالذلة: الهوان والصغار , بتسلط غيرهم عليهم.

{ثُقِفُوا}: وجدوا. {بِحَبْلٍ}: بعهد. {بَاءُوا}: رجعوا. {الْمَسْكَنَةُ}: الضعف والحاجة الناشئة عن فطرة فيهم. التفسير 110 - {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .} الآية. هذا كلام مستأنف، سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق، والدعوة إلى الخير. والمعنى: كُنتُمْ أَيها المؤمنون - في علم الله القديم - خير جماعة قضى الله إخراجها وإِظهارها لهداية الناس. {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}: استئناف بيَّن الله تعالى به سبب كونهم خير أُمة أُخرجت للناس. أي تأمرونهم بما عرِف حسنه شرعًا وعقلا، وَتنْهَوْنهم عما ينكره الشرع والعقل. والمراد من الإِيمان باللهِ: الإِيمان بكل ما يجب الإِيمان به من صفاته تعالى، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر ... وإِنما قدم الأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإِيمان باللهِ - مع تقدمه عليهما وجودًا ورتبة - لأن دلالتهما على أنهم خير أُمة أُخرجت للناس، أَظهر من دلالته على هذه الخيرية لأن جميع الأمم تشترك في الإيمان. وليقترن بقوله تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ}: والآية تشير إِلى تقبيح اليهود وذمهم، بتركهم الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما سجل الله عليهم ذلك بقوله: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} (¬1). ¬

_ (¬1) المائدة من الآية: 79.

والمعنى: ولو آمنوا جميعاً، مثل إيمانكم بمحمد وبكل ما جاء به، لكان ذلك خيرا لهم من البقاءِ على ما هم عليه؛ حُبًّا في الرياسة واستتباع العوام؛ لأن إيمانهم بمحمد - وبما جاءَ به - يحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة. ولكنهم اختلفوا فكِان {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ}: كعبد الله بن سلام، وأَضرابه {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}:أَي المتمردون في الكفر , الخارجون عن الحدود. 111 - {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى. . .} الآية. سيقت هذه الآية، لتطمئن المؤمنين الصادقين؛ بأَن هؤُلاءِ الفاسقين من أهل الكتاب , لن يستطيعوا إلحاق أي ضرر بالغ بهم، ما داموا معتصمين بدينهم. وكل ما يستطيعون أن يلحقوه بهم، لا يتعدى أن يكون أَذى يسيراً لا يبالَى به: كالطعن: والشتم، والسخرية، والتهديد، والوعيد. {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ}: أَي ينهزموا مدبرين متقهقرين. {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ}: عليكم. وظهورهم على المسلمين - في بعض الأَحيان - يرجع إلى ترك المسلمين الاعتصام بدينهم، وإِهمالهم إِعداد العدة , كما أمرالله بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (¬1). 112 - {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ. . .} الآية. المعنى: أحيطوا بالذلة واحتوتهم، كاحتواءِ الخيمة بمن فيها. والمراد: أنهم أُلزموا الذلة، والتصقت بهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم. فلا يظهر لهم أمر، ولا يرتفع لهم شأن، ولا يقوم لهم ملك من ذات أنفسهم. ¬

_ (¬1) الأنفال: من الآية 60.

وقوله تعالى: {أَيْنَمَا ثُقِفُوا}: أَي؛ حيثما حلُّوا، ووجدوا. {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}: الاستثناءُ هنا من عموم، الأَحوال، أي أن الذلة مضروبة عليهم في جميع الأَحوال، إِلا في إِحدى حالتين: الأُولى: اعتصامهم بحبل من الله. والثانية: اعتصامهم بحبل الناس. والمراد من حبل الله. إِسلامهم. والمراد من حبل الناس دخولهم تحت ذمة المسلمين، على أن يؤَدوْا الجزية في مقابل حمايتهم، بشرط أن لا يخونوا ولا يغدروا فإن فعلوا هذا أَو ذاك - من الاعتصامين - كف المسلمون عن إذلالهم بالقتل والأَسر. وأجاز بعض المفسرين: أن يراد من حَبْل الناس، لجوؤُهم إلى قوة غالبة في الأرض من غير المسلمين يستظلون بحمايتهم، ويستمدون منهم العون والقوة، كما هو شأنهم في هذا الزمان. {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}: أي: رجعوا به، مستحقين له. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ}: أي: فُرضت عليهم، وأُلصقت بهم , فاليهودي يشعر في نفسه - دائمًا - بالفقر، وإن كان موسراً غنيًّا، وبالضعف وإن كان قويًّا. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}: أي. ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، واستحقاقهم لغضب الله - واقع بهم بسبب استمرارهم على الكفر بآيات الله، وقتلهم الأَنبياءَ، وهم يعتقدون أنهم غير محقين في قتلهم.

{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}: أَي: ذلك الكفر , والقتل للأَنبياءِ , كائن بسبب عصيانهم، واعتدائهم المستمر على حدود الله. وتلك طبيعة اليهود دائمًا: تَمَرُّدٌ على الدِّين , واعتداءٌ على حرمات الله وحقوق عباده. {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}. المفردات: {قَائِمَةٌ}: مستقيمة عادلة , من أَقمت العود فقام. على معنى: استقام. {آنَاءَ اللَّيْلِ}: ساعاته وأَوقاته. {وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}: يبادرون إليها, ويتنافسون فيها. {فَلَنْ يُكْفَرُوهُ}: فلن يُحْرَموا ثوابه. وحسن الجزاءَ عليه. والأصل في الكفر: الستر، أي: لن يحْجَبَ عنهم ذلك الأَجر.

التفسير 113 - {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}: لما بيَّن الله سبحانه - فيما تقدم - أَن من أَهل الكتاب مؤمنين. وأن أكثرهم فاسقون. وفصَّل قبائح الفاسقين - ناسب أَن يعدد فضائل المؤمنين. ومهد لذلك بنفى المساواة بين الفريقين بقوله: {لَيْسُوا سَوَاءً}: أَي: ليس أهل الكتاب متساوين في هذه الأوصاف القبيحة. ثم شرع في تعداد فضائل المؤمنين منهم فقال: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ}. أَي: جماعة مستقيمة على الحق. وهم الذين أسلموا منهم. {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}: أي: يقرءُون القرآن حال صلاتهم من الليل. ومن تتمة تلك الفضائل , صفات أُخرى بينها بقوله تعالى: 114 - {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. . .} الآية. وهذه الصفات التي وصفهم الله بها. لم تكن موجودة في الفريق الآخر منهم. فقد انحرفوا عن الحق. ولم يعبدوا الله في جوف الليل , وأشركوا به , وألحدوا في صفاته , ووصفوا اليوم الآخر بخلاف وصفه. ولم يأمروا بالمعروف ولم يتناهوا عن منكر فعلوه , ولم يسارعوا في فعل الخيرات. فلذلك لا يستوون - عند الله - مع من آمن منهم. كما حكم الله بذلك. وقد ختمت الآية بقوله تعالى: {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}؛ تأْكيداً لاستقامة أمر تلك الجماعة المؤمنة منهم؛ وِإيذاناً بفساد الفرقة التي لم تؤمن.

115 - {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ. . .} الآية. أَي: ما يقدمونه من أفعال الخير، لن يضيع عند الله ثوابه، ولا ينقص جزاؤُه. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}: أي: لا يخفى عليه عمل الأَتقياءِ، ولا يذهب لديه أَجر من أَحسن عملا. وفي ذلك بشارة لهذا الفريق، وإِشعار بأَن التقوى أَساس الخير وعماده. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. المفردات: {صِرٌّ}: بَرْدٌ شديد. {حَرْثَ قَوْمٍ}: زرعهم. التفسير 116 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. . .} الآية. هذه الآية -والتي بعدها- في شأْن الكفار جميعًا. ويدخل فيهم أَهل الكتاب دخولا أَوليًّا.

والمعنى: إن الذين كفروا بما يجب الإيمان به - كيفما كان كفرهم - لن تدفع عنهم أَموالهم - مهما بلغت - ولا أَولادهم - مهما كانت معونتهم - من عذاب الله شيئاً: قليلاً كان أَو كثيراً. وليس المراد: خصوص الأَموال والأَولاد، بل كل ما يعتبره الإنسان وسيلة قوة ومنعة. وإِنما خص الأموال والأَولاد بالذكر؛ لأَن الإِنسان - في الغالب - يدفع عن نفسه تارة بالفداءِ بالمال , وأخرى بالاستعانة بالأولاد. فأَخبرهم الله تعالى بأَن الكافر لا ينفعه شيءٌ من ذلك في الآخرة، ولا مخلص له من العذاب ولا محيص عنه. {وَأُولَئِكَ}: المتصفون بالكفر. {أَصْحَابُ النَّارِ}: أهلها، الملازمون لها. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: لا يبرحونها أبدًا، كما قال سبحانه: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} (¬1). 117 - {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ. . .} الآية. بعد ما بين - سبحانه - أَن أَموال الكفار لا تدفع عنهم العذاب في الآخرة، أتبع ذلك بيان أَنهم لو أنفقوها في وجوه الخير والبر، لا يثابون عليها؛ لأَن الثواب على الطاعات، مشروط بتحقق الإيمان. والمعنى: مثل ما ينفقونه في حياتهم الدنيا من المبرات والخيرات - في إحباطه بالكفر وعدم انتفاعهم به - كزرع قوم ظلموا أَنفسهم بالكفر والمعاصى، فأرسل الله عليه ريحًا فيها برد شديد، فصيَّرته حطاماً لا ينتفع به، كما قال سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} (¬2). {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ}: بإحباط الأَجر وذهاب الثواب على ما أنفقوا. ¬

_ (¬1) المائدة: 37. (¬2) الفرقان: 23.

{وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: أي: ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم، فأضاعوا ما عملوا، وأحبطوا ثواب ما أَنفقوا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. المفردات: {بِطَانَةً}: بطانة الرجل؛ خَاصَّتُهُ وموضع سره. مأْخوذةٌ من بطانة الثوب. {مِنْ دُونِكُمْ}: من غير ملتكم. {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا}: لا يُقَصِّرُون ولا يدخرون وسعا في إِنزال الخبال بكم. والخبال: الشر والفساد. {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} العَنَت: المشقة. والمعنى: هم تمنوا ما يشق عليكم. {الْبَغْضَاءُ}: الحقد والكراهية. {بِذَاتِ الصُّدُورِ}: بما انطوت عليه القلوب من الأَسرار. فإِنه سبحانه يعلم السر وأخفى.

التفسير 118 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا. . .} الآية. بعد أن بين الله أحوال المؤمنين والكافرين، حذر المؤمنين من موالاة الكافرين، وجَعلهم موضع ثقتهم، باطلاعهم على بواطن أُمورهم. فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا}: أي: لا تتخذوا من غير المسلمين أصفياءَ: تجعلونهم مواضع سِرِّكم ومشورتكم لأَنهم لا يدخرون وسعاً في إلحاق الشرِّ والفساد بكم. {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}: أَي: أحَبوا أن يقع بكم ما يشق عليكم من أنواع المحن والبلاء في شئون دينكم ودنياكم. {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}: أي: قد ظهرت الكراهية من أفواههم، على فلتات أَلسنتهم. {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}: وَمَا تنطوى عليه صدورهم من الحقد والكراهية لكم أكبر مما ظهر على أفواههم. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}: قد أوضحنا لكم الآيات الدالة على شديد بغضهم لكم. فلا توالوهم إن كنتم من ذوي العقول الواعية؛ فإِن مقتضى العقل السليم: ألا يتخذ الإِنسان أَحدًا من غير ملته صفيًّا له ومحل ثقه. وفي هذا البيان ما يقطع عذرهم، إِذا ما خالفوا عن أمر ربهم، واتخذوا أولياءَهم من أعدائهم. 119 - {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ. . .} الآية. لما نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، وبين أَنهم يبغضونهم ولا يدخرون وسعًا في خبالهم، عقب ذلك بما يؤَكد وجوب الانتهاء عن موالاتهم. فقال:

{هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ}: أي: أنكم تخلصون لهم، وتوادونهم، وترجون لهم الخير. ولكنهم لا يحبونكم، ولا يرغبون إلا في خبالكم وفسادكم، ثم إنكم - إلى جانب حبكم لهم - تؤمنون بكل ما أُنزل من الكتب السماوية، وبالرسل الذين أُنزلت عليهم. {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا}: نفاقًا لكم وخداعًا حتى تستبطنوهم وتخبروهم بأسراركم، فيستغلوا مودتكم فيما ينفعهم، وفيما يَجْلب الخبال فيكم. {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}: أي: إذا فارقوكم، وخلصوا إلى أَنفسهم، عضوا أناملهم من الغيظ حسرة وأسفاً، حيث لم يجدوا إلى التشفي والنيل منكم سبيلا. وعض الأَنامل في الآية، كناية عن شدة الغيظ. {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ}: أي: قل لهم يا محمد: موتوا بغيظكم من بقائنا على الإسلام؛ فإن الله مُتِمُّ نعمته ومكمل دينه , وَمُعْلٍ كلمته، ولو كره الكافرون. {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: فيعلم ما تنطوى عليه ضمائرهم، وَتُكنُّهُ سرائركم من البغضاءِ والحسد. ويكفي المسلمين شره , ويجازيكم عليه. 120 - {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا. . .} الآية. المعنى: إن نالكم خير -ولو كان قليلاً- أَحزنهم، وإن نزلت بكم مصيبة فادحة يفرحوا بها ويشمتوا بكم. {وَإِنْ تَصْبِرُوا}: على عداوتهم وكيدكم {وَتَتَّقُوا}: الله في كل أُموركم: بفعل الواجبات وترك المنهيات. ومن ذلك ترك محبتهم واطلاعهم على أسراركم. {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}: أي لا ينال منكم مكرهم وحيلهم التي يدبرونها لكم شيئاً قليلا من الضرر, بحفظ الله الذي وعد به، ما دمتم تتقون الله وتخشون عقابه.

{إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ}: من الكيد لكم، ومحاولة إلحاق الأَذى بكم. {مُحِيطٌ}: لا يعْزُبُ عنه من ذلك شيءٌ. ومقتضى علمه تعالى بما يعملون: أن يحاسبهم ويجزيهم عليه. وقرئ بتاءِ الخطاب {تَعْمَلُونَ}: والخطاب للمؤمنين. والمعنى: إن الله محيط بما تعملونه، أيها المؤمنون، من الصبر والتقوى وسائر الطاعات. والإِذعان لما نهاكم عنه من مَودَّةٍ من ليس على دينكم، وإطلاعهم على أَسراركم. وفيه إشارة إِلى أن الامتثال مدعاة للغلب والفوز والانتصار، وأن المخالفة عن أوامر الله، سبيل الندامة والهلاك. {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}. المفردات: {غَدَوْتَ}: أصل الغدوِّ؛ الذهاب أَول النهار، ثم استعمل في مطلق الخروج. {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}: تنزلهم الأَماكن المناسبة للقتال.

{هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا}: أشرفتا على الهزيمة. {بِبَدْرٍ}: بَدر. اسم لمكان بين مكة والمدينة كانت به الغزوة المعروفة باسمه. {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}: قليل العَدَد والعُدَّة. {من فَوْرِهِمْ}: أي من ساعتهم. {مُسَوِّمِينَ}: مسوِّمين بكسر الواو المشددة. متخذين سمة. أي علامة تميزهم وبفتحها , بمعنى معلَّمين من الله تعالى. التفسير 121 - {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. . .} الآية. سيقت الآية للاستشهاد على أن مصير الأتقياءَ الصابرين. النجاة من كيد الأَعداءِ. وأَن عدم الصبر والتقوى. لا يورث إلاَّ الأذى والضرر. والمعنى: اذكر يا محمد - وذكِّر من معك - يوم خرجت من بيتك تنظم المؤمنين. وتنزلهم مواقفهم من القتال. وأماكنهم من الصفوف لخوض المعركة: ترشدهم بما ترى , وتحذرهم المخالفة , وتعاهدهم وتوصيهم ألا يغادروا أماكنهم. مهما رأَوا من أمارات الانتصار. وكان ذلك في غزوة أُحد. وجاء الخطاب - هنا - خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع عموم الخطاب - فما قبله وفيما بعده - له وللمؤمنين. لاختصاص مضمون الكلام هنا به عليه الصلاة والسلام. وأمرُهُ بتذكر الوقت - مع أن المراد تذكر الأَحداث الواقعة - فيه مبالغة في استحضار ما وقع فيه. {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: أي سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأعمالكم. فيجازى كلا على قوله ونيته وعمله. روى المفسرون وأصحاب السير: أن المشركين نزلوا بأُحد. قبيل منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة , يريدون القتال. فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم.

أَصحابه. فقال عبد الله بن أُبي بن سلول وفريق من الأَنصار: يا رسول الله، أَقم بالمدينة ولا تخرج إليهم؛ فوالله , ما خرجنا منها إلَى عدوّ قط إلا أصاب منّا , ولا دخلها علينا عدو إلا أَصبنا منه. فكيف وأنت فينا؟ فإِن أَقاموا أقاموا بشر محبس. وإِن دخلوا علينا قاتلهم الرجال. ورماهم النساءُ والصبيان بالحجارة من فوقهم - وإن رجعوا - رجعوا خائبين. وأشار آخرون بالخروج. فقال عليه الصلاة والسلام: "رأيت في منامي بقرةً مذبوحة حولي فأوَّلتها خيرًا. ورأيت في ذباب سيفي ثُلَماً، فأولْته هزيمة. ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوَّلتها المدينة. فإِن رأَيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم؟ ". فقال رجال - فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد - اخْرُجْ بنا إلى أعدائنا، وبالغوا. حتى دخل فلبس لامته (¬1) فلما رأوا ذلك ندموا على مبالغتهم، وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت. فقال عليه السلام: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته - بعد ما لبسها - حتى يحكم الله بينه وبين عدوه (¬2) ". فخرج بعد صلاة الجمعة، وأصبح بشعب أُحد يوم السبت. ونزل في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد. وسوى صفهم. وأمَّر عبدَ الله بن جُبَير على الرماة، وقال لهم: "انضحوا عنا بالنَّبل: لا يأتونا من ورائنا". وكان عدد المسلمين ألفًا، وعدد المشركين ثلاثة آلاف: جاءُوا ليأخذوا بثأرهم يوم بدر. 122 - {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا. . .} الآية. والمعنى: اذكر يا محمد، حين همت طائفتان - وهما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج - أن تفشلا أي تجبنا وتضعفا. وكانت هاتان الطائفتان جناحَيْ عسكر المسلمين يوم أحد. ¬

_ (¬1) لامته: درعه. (¬2) رواه الترمذي والبيهقي وابن ماجه.

وقد روى المفسرون أيضاً: أنه عليه الصلاة والسلام، خرج في زهاءِ ألف رجل، ووعدهم النصر إن صبروا واتقوا. فلما بلغوا الشوط - بستان بين المدينة وأُحد - انخذل عبد الله بن أُبي رأس المنافقين، في ثلاثمائة رجل. وقال: عَلَامَ نقتل أنفسنا وأولادنا؟! فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم (¬1)، فقال ابن أُبي: لو نعلم قتالا لاتّبعناكم. فَهَمّ الحيَّانِ باتَّباعه , فعصمهم الله، فمضَوْا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والظاهر أَن الهمَّ لم يكن عزيمة , إنما هو حديث نفسي، وخاطرة خطرت، مما لا يسلم منه إنسان غالباً؛ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}: أيْ عاصمهما عن اتباع هذا الخاطر. ولذلك مضيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: المراد بالتوكل: الاعتماد على الله - سبحانه - مع الأخذ بالأَسباب. وإلا كان تواكلا. والمعنى: وعلى الله فليعتمد المؤمنون، ولا يفكروا في الفشل. فإنه سبحانه، ينصر أهل العزم والثبات من عباده المؤمنين المتوكلين. كما قال تعالى، تذكيرا ببعض ما أَفادهم التوكل. 123 - {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. . .} الآية. أَي: ولقد نصركم الله على قريش ببدرٍ وأَنتم قليلو العدد والعدة، فقد كان المسلمون يومئذٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر، في قلة من السلاح أو المطايا. وكان عدُوُّهم ما بين التسعمائة والألف، في كثرة من السلاح والزاد والعتاد. ولو أن غزوة بدر جرت على مقاييس القوة والاستعداد - دون التوكل على الله - لكان النصر لقريش دون المسلمين. ولكن النصر جرى على سنة الله: من نصر المتقين الصابرين المتوكلين على الله، الممتثلين لأَمر قائدهم. ¬

_ (¬1) وقيل إن الذي تبعهم وقال هذه المقالة، هو عبد الله بن عمرو- والد جابر بن عبد الله.

{فَاتَّقُوا اللَّهَ}: في الثبات، والصبر، وامتثال أوامِره، واجتناب نواهيه. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: أي: لعل الله ينعم عليكم بالنصر فتشكروه عليه. 124 - {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ}: المعنى: اذكر يا محمد، إذ تقول للمؤمنين يوم أُحد: أَلن يكفيكم أن يمدكم ربكم المتفضل عليكم، بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من الله؛ لتثبيتكم وتقوية قلوبكم على أعدائكم، إن أنتم توكلتم عليه وصبرتم! ولذا، عقب هذه الآية بقوله: 125 - {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}: (بلى): أي نعم، يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من الله وعقَّب إقراره لكفاية هذا العدد، بأَن وعدهم بأنهم - إن صبروا واتقوا وعاجلهم المشركون بالقتال في الحال - يُمِدهم بخمسة آلاف من الملائكة، فور إتيان الأَعداء بلا تأخير .. ولكنهم لَمَّا لم يصبروا وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم - لم تنزل الملائكة، ولذا لم يحصل النصر كما حصل في غزوة بدر. كما سيأتي بيانه في سورة الأنفال. ومعنى: {مُسَوِّمِينَ}: مميزين أنفسهم بعلامات يُعْرَفون بها: أو مغيرين على الأعداءِ. من: سَوّم على القوم: إذا أَغار عليهم، ففتك بهم. وقرىء: {مُسَوِّمِينَ} - بفتح الواو المشددة - بمعنى معلَّمين بعلامات من الله يعرفونها. أو مرسلين من قِبَله. من سوّمه بمعنى: أَرسله. وسياق ما تقدم من الآيات، ظاهر في أن الحديث هنا في غزوة أحد. وأما ذكر غزوة بدر في قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. . .} الآية. فهو متوسط بين طرفي قصة أُحد؛ لتذكيرهم بنصر الله لهم فيها , حين صبروا.

وهناك قول ثان. وهو أَن الظرف في قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} متعلق بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ}. وعلى هذا , يكون وعد الرسول للمؤمنين بالإمداد بثلاثة آلاف وخمسة آلاف - إنما ذلك في غزوة بدر، بعد ما أمدهم بألف؛ ليزدادوا ثباتًا. وهذا الرأى ارتضاه ابن جرير، وهو مرويّ عن الحسن البصري، وعامر الشعبي، والربيع بن أنس وغيرهم. والظاهر هو الرأي الأوَّل، كما قلنا. {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. المفردات: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا}: لينقص فريقًا من الكافرين بالقتل والأَسر. {يَكْبِتَهُمْ} الكبت: شدة الغيظ، أَوْ وَهْنٌ يقع في القلب. {فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ}: فيرتدوا منقطعي الآمال.

التفسير 126 - {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ. . .} الآية. أي وما جعل الله الإِمداد بالملائكة ولا الوعد به، إِلا بشارة لكم بالنصر , وتطميناً لقلوبكم؛ حتى تثبتوا أمام عدوكم. {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: فهو الميسر لأَسبابه. {الْعَزِيزِ}: الذي يَغلِبُ ولا يُغْلَبُ. {الْحَكِيمِ}: الذي يضع الأمور في مواضعها. فينصر من يشاءُ , على مقتضى حكمته. 127 - {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ}: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: متعلق بقوله تعالى فيما تقدم: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ} (¬1) وما بينهما. تحقيق له، وبيان لكيفيته. أَي نصركم ببدر؛ لينتقص بذلك منهم بقتل فريق , وأسْر آخر. وهو ما كان من قتل سبعين وأَسر سبعين من صناديدهم - أو ليغيظهم أشد الغيظ بعُلوّ شأن المسلمين وظهورهم عليهم , فيرجعوا منهزمين منقطعي الآمال في الفوز. 128 - {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. . .} الآية. جملة متوسطة: بين المعطوف: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} والمعطوف عليه: {يَكْبِتَهُمْ} لتحقيق أن لا تأثير للمنصورين في النصر، إثر بيان أن لا تأْثير للناصرين، ببيان أن مردَّ الأَمر إلى الله لا لغيره. وتخصيص النفي بالرسول صلى الله عليه وسلم، للدلالة على الانتفاء من غيره بالطريق الأَولى. والمعنى: أن مالِكَ أَمرهم على الإِطلاق؛ هو الله عز وجل: نصركم عليهم، ليهلكهم أو يكبتهم {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} إن أسلموا {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} إن أصَرُّوا. وليس لك من أمرهم شيءٌ. إنما أَنت عبد مأمور بإِنذارهم وجهادهم. والمراد بتعذيبهم: التعذيب الأُخروي الشديد. ¬

_ (¬1) ويجوز أن يكون متعلقا بقوله: "وما النصر إلا من عند الله" والمعنى عليه واضح.

{فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}: تعليل لقوله تعالى: {يُعَذِّبَهُمْ}: أَي يعذبهم؛ لظلمهم بمعاداة الإِسلام والمسلمين وقتالهم. 129 - {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: سيقت هذه الآية؛ لتأكيد ما تقدم، من أن الأَمر كله بيد الله وحده. والمعنى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} خلقاً وملكاً وتصرفاً , لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل. {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}: المغفرة له بواسع رحمته , المبنية على بديع حكمته. {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}: تعذيبه بكمال عدله والتعبير بلفظ (ما) في قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} تغليب لغير العقلاء؛ لكثرتهم؛ لأن الموجودات من غير العقلاء أكثر. والتعبير بلفظ (مَن) في قوله: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} لأَن الحساب والثواب والعقاب , لا يكون إلا للعقلاء. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: شأنه أن يستر ذنوب عباده، ويعفو عمن أساء، ويتجاوز لهم عما اقترفوا: رحمة منه وفضلا. وتقديم المغفرة على العذاب، للإيذان بأن رحمته - دائما -سابقةٌ غضبه. وختم الآية بصفتي الغفران والرحمة - دون مقابلهما - لمزيد الاعتناءِ بشأن المغفرة والرحمة؛ لأَنه تعالى , كتب على نفسه الرحمة {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (¬1). ¬

_ (¬1) الأنعام، من الآية:54.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} المفردات: {أَضْعَافًا}: الأضعاف؛ الأمثال. وضعف الشيء: مثله الذي يصير به اثنين. {مُضَاعَفَةً}: فيه إشارة إلى تكرار التضعيف مرة بعد مرة. التفسير 130 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: كان يهود المدينة أشهر المتعاملين بالربا، فنهى الله سبحانه المؤمنين أن يرتكبوا هذه الفعلة النكراء؛ فإن الربا: يجتث مال الفقير ويضيع جهده في رزق عياله، ويزيد في ثراءِ الأغنياءِ مع الدعة والراحة .. وهو الذي يقطع أَواصر المودة والتعاطف بين الناس. وهذه هى الآية الثالثة في شأن الربا. أما الأولى والثانية، فقد سبقتا في سورة البقرة (¬1). وهذه الآية في تحريم ربا النسيئة، أي التأْجيل. فهو الذي كان يزيد بالتأجيل أضعافا مضاعفة، وكان مشهورا في الجاهلية. وقد سبق في سورة البقرة ما يدل على تحريم قليل الربا وكثيره: عاجله وآجله , وأَن ليس للدائن سوى رأس ماله. وَقَد حَرَّمَتهُ السنة بقوله صلى الله عليه وسلم: ¬

_ (¬1) آيتا 276,275.

"لَعَنَ الله آكل الربا وموكله، وشاهده وكاتبه , والْمُحَلَلَ له" (¬1). والمراد بالأَكل هنا: أَخذ مال الربا للانتفاع به في أي وجه , وإنما عبر بالأكل؛ لأَنه المقصود الأَعظم من كسب المال، وللتشنيع على آكل الربا. بأَنه يدخل جوفه السحت بدلا من الطيبات. والربا حرام مطلقاً ... وإِن لم يُضَعّف كما تقدم. وليس قوله تعالى: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} قيدا في التحريم. وإِنما جاءَ لبيان ما كان عليه الحال في ربا الجاهلية. {وَاتَّقُوا اللَّهَ}: بامتثال أَوامره , واجتناب نواهيه. ومنها النهي عن أكل الربا. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: عسى أَن تفلحوا. والتعبير بلفظ (لَعَلَّ): يدل على أنه يُرْجَى نيل الفلاح وقرب الامل في حصوله , لمن جدَّ مخلصاً في طلبه. 131 - {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}: أي: وحاذروا أَن تستهينوا بالربا، فينزع منكم الإِيمان؛ فإِن من الذنوب ذنوباً - منها الربا - ينزع الله بها الإيمان من المقيم عليها. قال أَبو حنيفة رحمه الله: هى أَخوف آية في القرآن، حيث أَوعد المؤمنين بالنار المعدة للكافرين، إن لم يتقوه في اجتناب محارمه. ولا شك أَن في وصف النار بأنها أُعدت للكافرين زجرًا عظيما، ووعيدًا شديدًا. وفيه تنبيه إلى أَن الربا قريب من الكفر. 132 - {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. . .} الآية. وأطيعوا الله باجتناب كل ما نهى عنه - ومنه أَكل الربا - وامتثال كل ما أمر به وأَطيعوا الرسول فيما بلغكم عن الله، وفيما تضمنته سنته من أوامر ونواه. قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. . . (¬2)}. ¬

_ (¬1) رواه مسلم. (¬2) الحشر، من الآية: 7.

{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: رجاءَ أن تنزل بكم رحمته، وتفوزوا بخيرَيِ الدنيا والآخرة. {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}. المفردات: {أُعِدَّتْ}: هيئت. {السَّرَّاءِ}: الرخاءِ واليسر. {وَالضَّرَّاءِ}: الشدة والعسر. {الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}: الممسكين الغيظ عند امتلاءِ نفوسهم به. فلا ينتقمون ممن غاظهم. وأَصل الكظم: شد فم القربة عند امتلائها. والغيظ: هيجان الطبع عند رؤية ما يُنْكَرُ. {فَاحِشَةً}: الفاحشة؛ كل ما عظُم قبحه من الذنوب. {يُصِرُّوا}: يقيموا.

التفسير 133 - {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. . .} الآية. لما حذَّر الله في الآيات السابقة، من الأَفعال المستتبعة للعقاب، عقبه بالحث على الأَفعال المستتبعة للثواب، فقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}: أي: بادروا وسابقوا إلى كل ما يحقق لكم مغفرة ربكم لذنوبكم، ويوصلكم إِلى نيل مرضاته، ودخول جنته الواسعة. وذلك يكون بإِقبالكم على طاعته , ومن امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}: أي: كعرضهما. وليس المراد التحديد، وإِنما هو كناية عن غاية سعتها، وعظيم رحبها بما هو -في تصور المخاطبين- أَوسع الأَشياءِ وأَرحبها. وخص العرض بالذكر - مع أنه دون الطول - للمبالغة في البسط والسعة، ويطلق العرض أيضاً على السعة. ويجوز أَن يراد منه هذا المعنى هنا. {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}: أي هيأَها الله لعباده الذين يتقون عذابه، بامتثال أوامره واجتناب محارمه. ثم وصف الله عباده المتقين، ببعض صفاتهم التي تؤهلهم لمغفرته، ودخول جنته فقال: 134 - {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. . .} الآية. أي في اليسر والعسر، والفرح والحزن، والمنشط والمكره. والمراد: أَنهم ينفقون في كل أحوالهم، فهى دائرة بين السَّراءِ والضَّراء. وهذه هى الصفة الأُولى. وإنما ابتديء بالإنفاق؛ لأَن الجود بالمال - وبخاصة في حال العسرة والشدة - من أَشق الأمور على النفوس. وفيه أقوى الأدلة على الإِخلاص؛ لأن حاجة المسلمين إلى الإنفاق - آنذاك بل وكل

آن - كانت أَشد، لمجاهدة العدو، ومواساة المسلمين. ولأن النهي عن الربا يستدعي بديلا عنه. ولذلك يقترن النهي عن الربا - في القرآن - بالحث على الصدقة. وحذف، مفعول {يُنْفِقُونَ}: ليعم كل ما يصلح للإنفاق؛ أو لأَن المراد وصفهم بالإِنفاق , دون نظر إلى ما ينفقون. كما تقول: فلان يعطي ويمنع. لا تقصد إلاَّ وصفه بالإِعطاءِ والمنع. {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}: صفة ثانية. وكظم الغيظ: حبسه وكتمه مع القدرة على إمضائه. والغيظ: هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر. والفرق بينه وبين الغضب - على ما قيل - أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام ألبتة , ولا كذلك الغيظ. والغيظ أصل الغضب. وكثيراً ما يتلازمان. وكظم الغيظ من أجمل الأخلاق وأَنبلها وأحبها إلى الله. وفي الحديث الشريف: "من كظم غيضًا وهو قادر على أَن ينفذه، ملأ اللهُ جوفَه أَمناً وإِيمانًا" (¬1). وعبر في الصفة الأولى بالفعل المضارع {يُنْفِقُونَ}: قصدًا لإرادة أَن يجددوا الإنفاق من آن لآخر. وعبر بالكاظمين وهو اسم فاعل: لقصد الثبات والاستمرار على ضبط النفس. {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}: هذه صفة ثالثة , جاءَت على اسم الفاعل؛ للدلالة على الثبوت والدوام أيضًا. والعفو: ترك عقوبة من يستحق العقوبة من الناس؛ لذنب جناه. وهو أكمل من كظم الغيظ. لأَن الغيظ؛ مجرد ضبط للنفس، ولا يلزمه الاِغضاءُ عن الاساءَة. أما العفو؛ فيقتضي تناسي الإساءة واعتبارها كأن لم تكن. وفي الحديث الصحيح: ". . . وما زادَ اللهُ عبداً بِعَفْوٍ إلاَّ عِزًّا" (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود وغيره. (¬2) رواه مسلم.

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: أَي كل المحسنين , ويدخل فيهم، من تقدم ذكرهم. والحب: ميل القلب إِلى المحبوب. والمراد به - في الآية - ما يلزم عنه من الثواب والرضوان. والمعنى: أن الله يرضى عن المحسنين جميعا، ويجازيهم على إِحسانهم أَحسن الجزاء. والإِحسان يشمل: إتقان العمل، والإِتيان به على الوجه الأكمل. ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم , وقد سئل عن الإِحسان: "أنْ تَعبُدَ اللهَ كأَنك تَراه , فإِن لم تَكُنْ تَراهُ فَإنهُ يَرَاكَ" (¬1). ويشمل أيضاً: إيصَالَ النفع إلى الغير، ودَفْعَ الضرر عنه. ولا يكمل الإِحسان حتى يكون خالصًا لوجه الله: لا ينتظر المحسن مكافأة عليه , ولا يكون مكافأَة على إِحسان سابق وصل إِليه. وفي الحديث الشريف: "لَيسَ الواصلُ بالمكافيءَ" (¬2) والمراد بالواصل: المحسن. وقال الثورى: الإِحسان: أَن تحسن إلى من أساءَ إليك. فأَما من أَحسن إليك، فإنه متاجرة كنقد السوق: خذ مني وهات. ولمكانة الإِحسان عند الله , أَثاب عليه بأَعلى أنواع الثواب , وهو محبته - سبحانه وتعالى - كما قال في ختام الآية: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. 135 - {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: ¬

_ (¬1) رواه البخاري وغيره. (¬2) رواه البخاري.

هذه هي الصفة الرابعة من صفات المتقين. عطفت على ما قبلها. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: جملة متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه: مشيرة إلى ما بينهما من التفاوت في الفضل. فإِن درجة الأَولين من التقوى أَعلى، وحظهم أَوفى. ويجوز أن يكون: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} معطوف على {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} فكأنه لما ذكر الصنف الأَعلى من المتقين. وهم: المتصفون بتلك الأوصاف الجميلة - ذكر من دونهم فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً}: أي - أتَوْا بمعصية تفاقَمَ قبحها، وعَظُمَ شرُّها وخطرها. {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}: أي جَنَوْا على أَنفسهم بارتكاب أي ذنب من الذنوب الكبائر أَو الصغائر. {ذَكَرُوا اللَّهَ}: أي تذكروا عظمته وجلاله، وحقه في أن يُعْبَدَ ولا يُعصَى، وأنه الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}: عقب تَذَكرِهم لله. والمراد بالاستغفار: الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم معاودته، ورد المظالم لأَصحابها. أَما التوبة بمجرد اللسان , فتلك توبة الكذابين. وفي مثل هذه التوبة الكاذبة، يقول بعض العارفين: استغفارُنا هذا يحتاج إلى استغفار. {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ}: أَي لا أَحد يقبل توبة التائبين، ويعفو عن العاصين، غيره سبحانه. وفي هذا دعوة منه تعالى، إلى الالتجاءِ إليه، وطلب عفوه ومغفرته؛ لأنه لا ملجأَ ولا مَنْجى منه إِلا إليه، ولا حيلة للمذنب إلا طلب فضله - سبحانه - والتماس رحمته.

{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا}: هذا عطف على {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} وجملة: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} متوسطة بين المتعاطفين. ومعنى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا}: أَنهم لا يقيمون على معصية من المعاصي: كبيرة كانت أم صغيرة. بل يرجعون إلى الله، ويتوبون إليه من قريب. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: أَن من تاب تاب الله عليه , وأَن إِقامتهم على الذنب - ولو كان صغيرًا - قبح، لا يليق بمؤمن؛ لأن الصغيرة لا تبقى صغيرة مع الإصرار , كما أن الإِصرار على الذنب يتنافى مع الاستغفار. قال صلى الله عليه وسلم: "ما أصَرَّ من استغْفَرَ" (¬1). 136 - {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}: {أُولَئِكَ}: أي الموصوفون بما تقدم من الصفات. {جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ}: أي جزاؤُهم على هذه الصفات التي تجملوا بها: ستر خطاياهم، وعدم مؤَاخذتهم عليها. {وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: أي تَجرى من تحت قصورها الأنهار المختلفة: التي ذكرها الله في قوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى. . .} (¬2). وهذه الجنات، ضمن تلك الجنة: التي أَخبر سبحانه , أن عرضها السموات والأَرض. ¬

_ (¬1) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. (¬2) محمد: 15.

{خَالِدِينَ فِيهَا}: أي ماكثين فيها , لا يخرجون منها أبداً. كما قال سبحانه: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (¬1). {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}: ذلك المذكور من المغفرة والجنات. {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)}. المفردات: {خَلَتْ}: مضت. {سُنَنٌ}: السنن؛ الطرائق. والمراد منها عقوبات الأُمم المكذبة. {مَوْعِظَةٌ}: الموعظة؛ التذكير بما يرقق القلب من: مرغبات في الطاعة، ومنفرات عن المعصية. ¬

_ (¬1) الحجر: 48.

{تَهِنُوا}: تضعفوا. {الْأَعْلَوْنَ}: المتفوقون بالدِّين , الظاهرون على العدو. {مَسَّ}: المس؛ الإِصابة. {قَرْحٌ}: القَرْح؛ الجُرْحُ. أَو أَلَمُهُ. {نُدَاوِلُهَا}: نجعلها متبادلة. فنجعل الغلبة لهؤُلاءِ مرة , ولهؤلاءِ مرة أُخرى. {وَلِيُمَحِّصَ}: لِيُنَقى ويُخَلِّصَ. {وَيَمْحَقَ}: يسحق وَيُهْلِكَ. التفسير 137 - {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ. . .} الآية. هذا رجوع إلى قصة أُحُد، بعد أَن تخللها تذكيرُ المؤمنين بما كان من نصر الله لهم في بدر؛ تسليةً لهم عما أَصابهم من الهزيمة في أُحُد، وإرشاداً لهم إِلى بعض النصائح التي تستتبع رضا الله ونصره. وجِمَاعها: تقوى الله، وطاعة الله ورسوله، والاستغفار من الذنوب. والمعنى: قد مضت من قبل زمانكم طرائق: سنها الله تعالى، في المكذبين من الأمم السابقة. فقد تكون لهم الغَلَبَةُ في بعض المواطن على المؤمنين، ثم تكون العاقبة - في النهاية - للمؤمنين، والدائرة على المكذبين. {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}: أي تَعَرَّفُوا أخبارهم وما نزل بهم؛ لتعلموا أن سنَّة الله في الغابربن: نصرُ أوليائه، وخذلانُ أَعدائه. كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (¬1). ¬

_ (¬1) الصافات: 171 - 173.

138 - {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}: (هَذَا): إشارة إلى قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}: أي هذا الذي عرفتكم به، من أن سنة الله - في الماضين - أن تكون الدائرة على الكافرين والعاقبة للمتقين - بيان للناس جميعاً، وإيضاح لحسن مآل المؤمنين، وسوءِ عاقبة المكذبين وهدى وتذكير للمتقين. وتخصيص المتقين بذلك؛ لأنه لا ينتفع بهذا البيان فيهتدى ويتعظ، إلا المتقون الذين شرح الله صدورهم للإسلام، وخافوا الله رب العالمين. 139 - {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ. . .} الآية. أي ولا تضعفوا - أَيها المؤمنون - عن الجهاد، وتتثاقلوا عنه، لكثرة من قتال منكم في أُحُد. ولا تحزنوا لذلك , فيشغلكم ويقعدكم عن قتال عدوكم - والحال أنكم أَعلى شأْنا منهم، فإنكم على الحق. وَهم على الباطل. وأنتم أولياءُ الله. وهم أعداؤه وأولياءُ الشيطان وقتلاكم في الجنة. وقتلاهم في النار. ومَن هم على هذه الحال , لا ينبغي لهم أَن يهنوا ولا أن يحزنوا لما أصابهم، فإن العاقبة لهم. وفي قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} وَعدٌ لهم بالنصر على أعدائهم - فيما يستقبل من الأيام: وبشرى بأَنهم الغالبون المنتصرون، ما داموا متمسكين بتعاليم دينهم. {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: أي إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا؛ لأَن الإِيمان يوجب قوة القلب، ويزيد الثقة بالله تعالى، وعدم المبالاة بأَعدائه. ويجوز أَن يكون المعنى: إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة على عدوكم، فلا تهنوا ولا تحزنوا. 140 - {إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ... } الآية. المراد بالقوم: أهل مكة المشركون. والقَرح بفتح القاف: الجرح. وبالضم: ألمه. وقد قريء بهما.

وهذه الآية من تمام المعنى الذي سيقت له الآية السابقة. أَي لا داعيَ للوَهَن والحزن، فإِن ما أصابكم يوم أُحد من القتل، والجراح والآلام، قد أَصاب كفارَ قريش مثلُهُ يوم بدر، فلم يثنهم ذلك عن معاودة حربكم مع ما هم عليه من باطل. فأَنتم أَولى منهم بالثبات، وأَجدر منهم بقوة العزيمة؛ لأَنكم على الحق. {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}: تلك: مبتدأ، والأيام خبر. كما تقول: هى الأَيام: تُبْلِي كُلَّ جديد. والإِشارة، إلى أيام الحروب، أو الأيام بعامة. والمداولة: نقل الشيء من واحد إلى آخر. يقال: الدنيا دُوَل. أي تنتقل من قوم إلى آخرين. ثم عنهم إلى غيرهم. والمعنى: أن النصر تارة يكون للمؤمنين إِذا تمسكوا بإيمانهم، واستعدوا لعدوهم. وتارة أخرى يكون للكافرين. والله لا ينصر الكافرين إلا ابتلاء للمؤمنين، وتمحيصاً لإيمانهم. ودرسًا يستفيدون منه في مستقبل غزواتهم. حتى لا يعودوا إلى الأسباب التي أدت بهم إلى مثل تلك المحنة. قال الرازى في تعليل ما يقع من النصر للكافرين: إنه تعالى، لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات؛ وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات، لحصل العلم الاضطراري: بأَن الإيمان حق وما سواه باطل. ولو كان كذلك لبطل التكليف، والثواب والعقاب. فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أَهل الإِيمان وأُخرى على أهل الكفر؛ لتكون الشبهات باقية، وكيف يدفعها بالنظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله. ا. هـ. وصيغة المضارع {نُدَاوِلُهَا} الدالة على التجدد: تؤذن بأَن تلك المداولة سُنةٌ مسلوكة في جميع الأمم، متجددة فيهم. {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}: أَي وتلك الأَيام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح، وضروب من الحكم؛ وليعلم الله المؤمنين المتميزين بالإيمان, علما مقترنا بالواقع.

والمراد بالعلم هنا: العلم التنجيزي بالواقع. وهذا لا ينافى علمه بهم قديمًا. والمقصود أنه يبرز -في الواقع- ما سبق في علمه عنهم قديمًا من تمييزهم بإيمانهم عن سواهم، لِيُجْزَى كل بما عمل، لا بما علمه الله أزلا في شأنه. وذلك هو المقصود بقوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (¬1). {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}: هذا سبب آخر لمداولة الأيام بين الناس. والشهداء: جمع شهيد. أي وليكرم قومًا منكم بالشهادة في الدفاع عن الدين. وتلك كانت أمنيةً لبعض المسلمين، الذين فاتتهم الشهادة في غزوة بدر. أو هو جمع شاهد: أي ليتخذ منكم شهودًا بذلك على الأُمم يوم القيامة، وذلك منصب جليل, لا يستحقه إلا مَنْ وطَّنُوا أنفسهم على التضحيات الجسيمة، الذين بذلوا النفس والنفيس في سبيل الله. هذا وجميع المؤمنين الصادقين، سيكونون شهداءَ على الأُمم السابقة يوم القيامة. كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (¬2) لأَنهم أهل البذل والتضحية في سبيله، في جميع بقاع الأَرض، حيث ينشرون دعوة دينه الخالد في كل قاصٍ ودانٍ. ولفظ الاتخاذ ينبيء عن الاصطفاء، ففيه من تشريف المؤمنين ما فيه. {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}: جملة متوسطة بين المتعاطفات؛ للإشارة إلى أن الله يبغض الكفار أعداء المؤمنين، فلن ينصرهم عليهم. وما يكون لهم من نصر في بعض المواطن، فليس ذلك عن حب الله لهم، وإنما لِلْحِكم التي بينها الله في الآيتين السابقتين (139، 140) وفي الآية اللاحقة (141). ¬

_ (¬1) آل عمران من الآية: 179. (¬2) البقرة من الآية: 143.

141 - {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}: أي وليطهرَ نفوس المؤمنين، وينقّيَها من الشوائب التي تكون قد علقت بها، فيصيروا مؤْمنين خالصين: يصبرون على البأساء، ويثبتون عند اللقاء، وتتطهر نفوسهم من كل صفة لا تليق بمن باع نفسه لإعلاء كلمة الله. {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}: إن كان المراد من اللفظ: العموم، فمعنى الْمَحق: النقصان وإظهار المسلمين عليهم، ما داموا صادقي الإيمان, متخذي العدة والعتاد لمقاتلة أعداء الله. وإن كان المراد الكفارَ من أهل مكة: الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وأصروا على الكفر - فمعنى المَحْق: الاستئصال. وقد كان ذلك. قال أبو حيان: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}: أي يهلكهم شيئًا فشيئًا. والمعنى: أن الدولة إن كانت للكافرين على المؤمنين، كانت سببًا لتمييز المؤمن من غيره، وسببًا لاستشهاد من قُتل منهم، وسببًا لتطهير المؤمن من الذنب. فقد جمعت فوائد كثيرة للمؤمنين. وإن كان النصر للمؤمنين على الكافرين، كان سببا لمحق الكافرين بالكلية، واستئصالهم. قاله ابن عباس. ويحمل ذلك ما كان عليه في أَهل مكة. 142 - {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}: (أمْ) هنا: أفادت الانتقال من الكلام السابق إلى الكلام اللاحق، واستبعاد أن يظنوا دخول الجنة بدون جهاد وصبر عليه. والمعنى: بَل أظننتم أَن تدخلوا الجنة، ولما يتحقق جهاد المجاهدين منكم، وصبْرُ الصابرين عليه. فيعلم الله ذلك واقعًا دالا على صدق الإيمان, مستتبعا لدخول الجنان!!

وكلمة {لَمَّا}: وإن أفادت نفى ما بعدها من الجهاد والصبر، ولكنها تفيد تَوَقُّعَ حصولهما منهم، وقد وقعا فعلا: في الغزوات التي تلت غزوة أُحد. {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}. المفردات: {تَمَنَّوْنَ}: أي ترغبون. {الْمَوْتَ}: المراد به هنا؛ القتال. وقيل: هو على حقيقته؛ طلبًا للشهادة. {تَلْقَوْهُ}: أي تلقوا سببه. وهو القتال. {رَأَيْتُمُوهُ}: أي رأيتم الموت، برؤية من يموت في الحرب. {خَلَتْ}: مضت. {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} المراد: مَن يرتد عن دينه أو ينهزم. التفسير 143 - {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ. . .} الآية. هذا خطاب من الله تعالى، عاتب فيه الذين ألَحُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الخروج من المدينة إلى أُحُد للقاء المشركين، الذين نزلوا عنده قادمين من مكة، لقتال المسلمين انتقامًا ليوم بدر. ولما التقى الجمعان انهزم فريق منهم، ولم يثبتوا أَمام المشركين. وكان هؤُلاءِ هم الذين ألحوا في الخروج، ممن لم يشهدوا بدرًا، وتَمنَّوْا أَن يحضروا

مع النبي صلى الله عليه وسلم لينالوا به شرف الشهادة إن ماتوا، أو أَجر الجهاد وكرامة المجاهدين إِن رجعوا كأصحاب بدر. وقد عُرف مما جاءَ في غزوة أُحد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان -أوّل الأَمر- يميل إلى البقاءَ في المدينة، حتى إذا هاجمها كفار مكة، صدهم المسلمون متحصنين بها ... الرجال يضربونهم بالسيوف والسهام. والنساءُ والصبيان يقذفونهم من فوقهم بالحجارة، وبكل ما تصل إليه أيديهم. لولا موقف أولئك المُلِحِّين. والمعنى: ولقد كنتم تحبون الموت في سبيل الله، وترغبون في الشهادة من قبل أَن تَلْقَوْهُ، وأنتم بالمدَينْة. {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}: أي فقد تحققت أُمنيتكم، إذ استجاب الرسول صلى الله عليه وسلم لرغبتكم، وأذن لكم بلقاء عدوكم، فرأيتم الموت الذي تمنيتموه حين سقط شهداؤُكم. {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}: فما بالكم لم تثبتوا في قتال عدوكم، ولو صبرتم لما هزمتم! 144 - {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .} الآية. لَمّا التقى الجمعان في أُحد، ظهر المسلمون على المشركين في أول اللقاءَ، وجعلوا يتعقبونهم ويجمعون الغنائم في إثرهم، ولكن الرماة الذين أمرهم الرسولُ بحماية ظهور المسلمين -أثناء قتالهم- رأوا المسلمين منتصرين على المشركين: يتعقبونهم ويجمعون غنائمهم. فتركوا أماكنَهم ليشاركوا إِخوانهم في جمع الغنائم، مخالفين أمْرَ الرسولِ فيما فعلوا. فانتبه المشركون لما فعل الرماة، فاحتَلُّوا مكانَهم فوق الجبل. وجعلوا ينضحون المسلمين بالنبل .. واستطاعوا بذلك أن ينالوا من المسلمين، حتى رمى ابنُ قميئة الرسولَ عليه السلام، بحجر فَشَجَّ رَأسَه، وكَسَر رُبَاعِيَّتَهُ. ثم أَقبل يريد قتلَه، فدافع عن النبي مصعبُ

ابن عمير, فقتله ابن قميئة -وهو يرى أنه قتل رسول الله- فصاح قائلا. قتلت محمدًا، وصرخ بها صارخ, فسمعها المسلمون, فسرى الوهن في نفوس كثير منهم. حتى قال بعض المستضعفين: ليت عبد الله بن أُبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان. وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً -حقاً- لما قُتل ... ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. والتقى أنس بن النضر، بالمنهزمين من المسلمين, فقال لهم: يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد حَيٌّ لا يموت, فقاتلوا على ما قاتل عليه. وموتوا كرامًا على ما مات عليه. وشاءَ الله أن يحفظ رسوله لأُمته, وأن يظهر كذب ابن قميئة. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى عباد الله. وكان حوله - حينئذ - أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة ابن عبيد الله، وجماعة من المسلمين، فأقبل المنهزمون. بعد ما سمعوا صوته عليه السلام، فأَنزل الله عتابًا للمنهزمين: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .} إلى نهاية الآية: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: والمعنى: وما محمد إلا رسول كسائر من مضى قبله من الرسل: مهمته التبليغ وإلزام الحجة. وسيمضي إلى ربه كسائر من مضى من الأَنبياءِ: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (¬1)، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (¬2). {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}: أي توليتم مدبرين من القتال، منهزمين أمام الكفار. أو ارتددتم عن دينكم، كما وقع من بعض المنافقين. ¬

_ (¬1) الأحزاب: 62. (¬2) الزمر: 30.

وعلى كل: فالمراد، أنه لا ينبغي أن تجعلوا وفاة الرسول -بموت أو قتل- سببًا في تولِّيكم منهزمين عن قتال الكفار وجهادهم؛ استبعادا لقتله. فقد مضى من قبله أمثاله من الرسل. وما كان موتهم أَو قتلهم سببًا في ارتداد أتباعهم عن دينهم، ولا في تخلِّيهم عن جهاد أعدائهم. {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا}: هذا وعيد من الله لكل من تهتز عقيدته، أو يفر من المعركة أمام أَعداء الإِسلام. والمعنى: ومن يُدْبر عن دينه لأَي سبب، أو ينهزمْ أَمام الكافرين ولا يستبسل في الدفاع عن دينه ووطنه. {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ} بما فعل من تولِّيه مدبرًا. {شَيْئًا} أي أَقل ضرر. وإِنما يضر نفسه: بتعريضها لسخط الله، وازدراءِ الناس له، كما يضر قومه؛ فإِن الله سبحانه وتعالى- لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين. {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}: أي وسيجزي الله من شكروه بصبرهم على دينهم ولقاء عدوهم، جزاءً يليق بكرمه .. ومِن ذلك النصر على الأعداءِ وحسن ثواب الآخرة. والتعبير بقوله: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} يفيد أن جزاءَهم متوقع قريبًا، فإن السين للتقريب، وقد حقق الله وعده، ونصرهم فيما استقبلوه من غزوات. وما عند الله - في الآخرة - أعظم وأكرم.

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}. المفردات: {بِإِذْنِ اللَّهِ}: أمره وقضائه. {مُؤَجَّلًا}: مؤَقتاً بوقت معلوم. {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ}: وكثير من الأَنبياءِ. {رِبِّيُّونَ}: منسوبون إِلى الربِّ بالتقوى والصلاح. مفرده رِبِّيٌّ. {وَهَنُوا}: الوهن؛ شدة الضعف في القلب. {اسْتَكَانُوا}: ذَلوا وخضعوا لما يريد بهم عدوهم. {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}: أي تجاوزنا الحدَّ في ارتكاب الكبائر.

التفسير 145 - {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا. . .} الآية. بعد أن بينت الآية السابقة، ما كان من المسلمين، حين شاع قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم في غزوة أُحد، من خوف وهلع، حتى تولى فريق منهم عن القتال مدبراً، حذراً من الموت، وحرصًا على الحياة - جاءت هذه الآية تنبيهاً على خطئهم فيما فعلوا: حيث أوضحت أن موت أيِّ إنسان لا يكون إلا بأمر الله، وفي الوقت الذي تعلقت مشيئته - تعالى- بوقوعه فيه، والذى حدده نهايةً لأَجله، وإِن اقتحم المعارك والأَهوال، وخاض المخاوف، وأَقبل على الجهاد راغبًا فيه، طالبًا لدرجات الشهداء عند الله. فالآجال موقوتة. كتب الله ذلك. {كِتَابًا مُؤَجَّلًا}: أي مؤقتا بأجل وغاية: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (¬1). وفي هذه الآية من التحريض على الجهاد والترغيب فيه، ما لا يخفى. كما أن فيها تنبيهًا إِلى أن الخوف والجبن والاستكانة، لا تُنجى من الموت ولا تطيل الأجل. كما يستفاد من الآية: أن موت الرسول صلى الله عليه وسلم كغيره، لا يكون إِلا بانتهاء أجله، فلا يموت قبل استيفائه. {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}: أي ومن يقصد بعمله وجهاده الحصول على حُظوظ الدنيا ومتاعها، يعطه الله النصيب الذي قَدَّره له منها. {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}: أي ومن يقصد بعمل الصالحات والجهاد في سبيل الله، الفوز بنعيم الآخرة، ويخلص النية لله في طلب ذلك، يؤْته الله ما شاء من نعيمها. ¬

_ (¬1) الأعراف من الآية: 34.

{وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}: المراد بهم الذين ثبتوا على الإِسلام، وصبروا على المكاره, وبذلوا أقصى الجَهد في طاعة الله، والجهاد في سبيله: لا يصرفهم عن ذلك صارف. أَي سيجزيهم الله - في الآخرة - الجزاءَ الأَوفى، الذي لا يعلم مقداره إلا الله تعالى. ولهم في الدنيا ما قسم لهم من خيرها ومتاعها، دون حرمان. والآية: يجوز أن تكون خاصة بأَهل أُحد، وأن تكون عامة لهم ولغيرهم. وهو أَرجح. فإنها من القواعد العامة في الدين. 146 - {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. . .} الآية. أي وكثير من الأنبياء السابقين، قاتل معهم جماعات كثيرة، منسوبون إلى الرَّب بالتقوى، ممن آمنوا بهم، واتبعوا هديهم. {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: أَي فما فترت عزائمهم، ولا ضعفت قلوبهم، ولا اضطربت نفوسهم بسبب ما أُصييوا به -أثناءَ القتال- من جراحات، وقتل، وآلام، وما كانوا يعانون من متاعب ومشاق. {وَمَا ضَعُفُوا}: عن لقاءِ الأعداءِ وجهادهم، وما شكَّوا في صدق رسلهم. {وَمَا اسْتَكَانُوا}: أي وما ذلوا للعدو، ولا استسلموا لإِرادته: يفعل بهم ما يشاءُ، ويقضي في شأنهم بما يريد. وفي هذه الآية أيضًا: لَوْمٌ لمن خارت عزائمهم من المسلمين يوم أُحد، عند تَغلُّب الكفار عليهم، والإِرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقريعٌ لمن استكانوا حين أرادوا الاستعانة بابن أُبي -رأس المنافقين- في طلب الأمان من أَبي سفيان. {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}: أي والله يرضى عن الصابرين، في البأساءِ والضراءِ، وحين البأس.

والمراد بالصَّابرين: إمَّا أُولئك المعهودون: الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحد .. وإما كل الذين يصدق عليهم هذا الوصف. وهو الأَرجح. ويدخل من ثبت في أُحُدٍ بالأولَى. 147 - {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: بعد أن بينت الآية السابقة، حسن أفعال الرِّبَّييَّن، جاءَت هذه الآية مبينة لحسن أقوالهم. والمعنى: ما كان لهم قول -في حال الشدة وملاقاة الأعداءِ- إلا دعاؤُهم: أن يغفر الله لهم ذنوبَهُم وَتَجَاوُزَهم الحدَّ في أمرهم، بارتكاب ما عسى أن يكون لهم من كبائر، وأن يثبتَهم في مواطن الشدة بتأْييد من عنده. {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: أي واجعل الغلبة لنا على الذين يريدون أَن يطفئوا نور الله، وطمس معالم الهدى والرشاد. والنصر هو الغاية القصوى. وقد قدَّموا في دعائهم طلب المغفرة لتصفوَ نفوسُهم، ويخلصوا من شوائب الذنوب، فيكونَ ذلك أقربَ إلى استجابة دعائهم، بتثبيت الأقدام والنصر، فإِن الله - سبحانه - إِنما يتقبل الدعاء من المتقين الطاهرين من الذنوب. واستغفارُهم من الصغائر والكبائر، وإضافتها إلى أنفسهم - مع أنهم رِبِّيُّون اتقياء - هضمٌ لأَنفسهم، واتهامٌ لها، وشعورٌ بالتقصير في جانب الله تعالى. وكذلك يكون حال المسلم مع الله تعالى.

148 - {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. . .} الآية. أي أعطاهم الله أجر الدنيا. وهو النصر والغنيمة، وطيب الذكر في الدنيا، ومنحهم ثواب الآخرة الحسن. وهو الجنة والرضوان، والنعيم المقيم. وقد أخبرت الآية بوقوع الثواب من الله في الآخرة، مع أنه لم يقع بعد، لأَنه في حكم الواقع. فإِنَّ وَعْدَ الله لا يتخلف. ووصف ثواب الآخرة بالحُسنِ دون ثواب الدنيا؛ لأَن نِعَمَ الدنيا - وإِن عظمت - فهى مشوبة بالكدر. وهي إلى زوال وإن طال الأَجل. أما نِعَمُ الآخرة، فإنها خالصة من جميع الأكدار، دائمة باقية. وكلها حسنة. فلذا وصفها بالحسن دون نعم الدنيا. {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: أي يرضى عنهم، ويريد الخير بهم. ويجوز أن يراد بالمحسنين: هؤلاء الربانيون الذين أحسنوا في أفعالهم حين ثبتوا مع أَنبيائهم، فلم يضعفوا، وأحسنوا في أقوالهم. ويجوز أن يراد كل من أحسن في أي زمان، وفي أي مكان في القتال وغيره, في حياة الرسل وبعد وفاتهم. وهذا أَنسب؛ لما فيه من ترغيب المؤمنين في تحصيل ما حكى عن الربانيين، من الصفات الحميدة، والأفعال المجيدة، ويدخل هؤلاء الربانيون بالأَوْلى.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}. المفردات: {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}: أي يردوكم إلى ما كنتم عليه في الجاهلية. {وَمَأْوَاهُمُ}: المأْوى، المكان الذي يرجعون إِليه {مَثْوَى}: مثوى الإِنسان؛ مكان إقامته الدائمة. {تَحُسُّونَهُمْ}: أصل معناه؛ تبطلون حِسَّهم. والمراد: تستأْصلونهم قتلا. {فَشِلْتُمْ}: جَبُنتم وضعُف رأيكم، وأصابكم الخَورُ فَهُزِمتم. {وَتَنَازَعْتُمْ}: افترقت كلمتكم، واختلفتم. {لِيَبْتَلِيَكُمْ}: ليختبركم.

التفسير 149 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}: دَعَا المنافقون -في أعقاب هزيمة أُحد- إلى طلب الأَمان من أبي سفيان: رأس المشركين يومئذ، كما قالوا للمؤمنين المنهزمين: ارجعوا إلى إخوانكم، واطلبوا الأَمان منهم، وادخلوا في دينهم. فنزلت هذه الآية تحذيرًا للمؤمنين من طاعة المنافقين، الذين كفروا بنفاقهم. وقيل: نزلت بسبب قول أهل الكتاب للمؤمنين: لو كان محمد نبياً حقًّا، لما غُلِبَ، ولما أصاب أصحابَهُ ما أصابهم .. وخصوص السبب، لا يمنع إرادة العموم من اللفظ. والمعنى: يأَيها المؤمنون: إن تطيعوا الكافرين -في فضائحهم الزائفة وتشكيكاتهم الواهية- يرجعوكم إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من الكفر والمعاصي، فترجعوا خاسرين في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا، فبالذلة والهوان بالأنقياد إلى الأعداء. وكفى به مهانة. وأما في الآخرة، فبالحِرْمان من الثواب العظيم والوقوع في العذاب المقيم .. وكفى بذلك خسرانا. 150 - {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ}: بل الله ناصركم إن امتثلتم أمره واجتنبتم نهيه، وأعددتم لعدوه ما استطعتم من قوة، وكنتم كالبنيان: يشد بعضه بعضاً. فلا تتولوا سواه ولا تلوذوا بغيره. {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ}: يمنحكم القوة، ويهيء لكم أسباب النصر.

151 - {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. . .} الآية. قال كثير من المفسرين: إن المراد بالذين كفروا - هنا - هم مشركو مكة. وذلك لأنهم رأَوا - وهم في الطريق إلى مكة عائدين من أُحد - أنهم أخطأوا إذ لم يقضوا على المسلمين، فأرادوا الرجوع للقضاء على من بقى منهم. حتى يتم لهم النصر. فنزلت هذه الآية، تطمينًا للمسلمين. {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}: علة لإلقاءِ الرعب في قلوبهم. والمعنى: سَيُلْقِي اللهُ الرُّعبَ في قلوبهم بسبب إشراكهم - بعبادته - آلهةً ليس على صحة أُلوهيتها حجة، حتى ينزلها الله. {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}: أي جزاؤُهم النار. {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}: وساءَ هذا المثوى والمستقر للكافرين .. ووصفهم بالظالمين، لأن الشرك أَعظم الظلم للنفس وأفظعه. 152 - {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ. . .} الآية. المراد بوعد الله: ما تكرر في القرآن؛ من نصر المؤمنين إذا صبروا وصدقوا في القتال. كقوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} (¬1). والمعنى: ولقد حقق الله لكم وعده بالنصر على الكافرين، إذ تستأصلونهم بالقتل بأَمر الله وقضائه. كما حدث في أَول غزوة أُحد، حيث مكنهم من قتل جماعة من صناديد قريش، وظل النصر حليفهم إلى وقت اختلاف الرماة مع رئيسهم -ابن جبير- وذلك حين رأَوا اشتغال الجيش بجمع الغنائم عند أول بوادر النصر ... فهو يرى ألَّا يبرحوا أماكنهم كيفما كانت المعركة؛ امتثالا لأَمر الرسول صلى الله عليه وسلم. وهم يرون الانصراف إلى جمع ¬

_ (¬1) الحج: من الآية 40.

الغنائم، ظنا منهم أن العدو انهزم: مخالفين أمر الرسول بالبقاءِ في أماكنهم مهما حل بالعدو ... ونفذوا رأيهم، وتركوا مراكزهم، وأخذوا في جمع الأسلاب، ولم يبق مع ابن جبير إلا عدد قليل دون العشرة، ففطن المشركون لهذه الثغرة، فقتلوا الرُّمَاةَ، وهاجموا المسلمين منها. وذلك يقصه الله تعالى بقوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ}: أي والذي رأوه هو الغلبة على المشركين. وذلك حين صُرع طلحة بن عثمان - صاحب لواءِ المشركين، وصُرع معه تسعة نفر، كانوا حول اللواءِ. {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا}: وهم الذين أرادوا الغنيمة. قال عبد الله بن مسعود: ما شَعَرنا أن أحدًا من أَصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- يريد الدنيا وعرضها، حتى كان يوم أُحد!! {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}: وهم عبد الله بن جبير وأصحابه: الذين ثبتوا معه بعد ترك أصحابهم لهم حتى استشهدوا. {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}: ثم كفكم عن المشركين، بمنع معونته عنكم، بعد الفشل والتنازع والعصيان. وألقى عليكم الهزيمة؛ ليمتحنكم بالمصائب، فيظهر ما علمه منكم من الاضطراب والفرار، حتى تحذروهما - وأَسبابهما - فيما تستقبلون من قتال الكفار. {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}: تفضلا لصدور ندمكم على ما وقع منكم. {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}: بالعفو عنهم، وقبول توبتهم. أَو في جميع الأحوال؛ لأَن الابتلاءَ رحمة؛ لما فيه من تمييز الصادقين من المارقين، وإثابة الصابرين على ما صبروا، كما أن النصر رحمةٌ ظاهرةٌ، ونعمةٌ واضحةٌ.

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)}. المفردات: {تُصْعِدُونَ}: تشتدون في العَدْوِ منهزمين. {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ}: ولا تلتفتون إليه لجدكم في الهرب؛ فرارا من الطلب. {أُخْرَاكُمْ}: مؤخرة جيشكم. {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ}: جزاكم الله غمًّا بالهزيمة بسبب غمكم للرسول بالمخالفة، أو غمًّا متصلا بغم. {أَمَنَةً}: أمناً وسلاماً. {يَغْشَى}: يغطى.

{أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}: شغلهم الاهتمام بها. {لَبَرَزَ}: لخرج ولظهر. {مَضَاجِعِهِمْ}: المراد بها؛ مصارعهم في أَرض الموقعة. {وَلِيَبْتَلِيَ}: ليختبر وهو العليم. {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}: وليطهرها من الشبهات وينقيها. التفسير 153 - {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ. . .} الآية. هذه الآية مرتبطة بما قبلها. وهما في شأن غزوة أُحد. والمعنى: ثم صرفكم الله عن جهاد المشركين، حين تصعدون في الأرض وتبعدون فيها هربًا. لا تلوون على أَحد ولا تلتفتون إليه لتعينوه، أَو تنجدوه؛ لانشغالكم بالهرب والنجاة بأَنفسكم. وهو تصوير لما كان عليه حال المسلمين عند انهزامهم في أُحد. {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}: أي في مؤَخرة جيشكم أثناء هربكم وفشلكم؛ للعودة إلى القتال. {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ}: فجزاكم غمًّا وحزناً بفوات النصر والظفر بالغنيمة، وقتل من قتل منكم بسبب غمكم للرسول صلى الله عليه وسلم، بمخالفة أمره. أو جزاكم على مخالفتكم غمًّا متصلاً بغمًّ. قال القفال: وعندنا: أن الله تعالى، ما أَراد بقوله: {غَمًّا بِغَمٍّ} اثنين، وإِنما أراد مواصلة الغموم وطولها. أي أن الله عاقبكم بغموم كثيرة. مثل: قتل إخوانكم وأقارِبكم،

ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم، بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم. فكأنه تعالى قال: أَثابكم هذه الغموم المتعاقبة؛ ليصير ذلك زاجرًا لكم عن الإقدام على المعصية، والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى. {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ}: هذا متعلق بقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}: أي ولقد عفا الله عنكم، بعد ندمكم وصادق توبتكم. لينتهي غَمُّكُم وحزنكم على ما فاتكم وما أَصابكم. أَو هو متعلق بقوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ}. قال الحسن: جعلكم مغمومين يوم أُحد، في مقابلة ما جعلتم المشركين مغمومين يوم بدر؛ لأَجل أن يسهل عليكم أمر الدنيا في أَعينكم، فلا تحزنوا بفواتها. والأول أَولى. والمراد بما فاتهم: النصر والغنيمة، وبما أصابهم: القتل والهزيمة. {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}: عليم بجلائل أعمالكم ودقائقها, لا يخفى عليه من ذلك شيء. وهو يثيبكم أو يعاقبكم على ما يكون منكم. فخافوا بأسه. وارجوا ثوابه. 134 - {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا. . .} الآية. المعنى: أن الله سبحانه وتعالى، أكرم المؤمنين بالنعاس. بعد ما نزلت بهم الغموم لتطمئنَّ قلوبهم، ويهدأَ روعهم فإِنما ينعس من يأْمن. والخائف لا ينام. وقد أنزل الله عليهم النعاس بعد المعركة وهم صافون، استعدادا لما يتوقعون من كَرَّةِ العدو عليهم، بعد أَن كان متجها إلى مكة.

روى الإِمام البخاري، عن أبي طلحة, قال: "غَشِيَنَا النعاسُ، ونحن في مصافّنا يوم أُحد. فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه". وكان هذا من رحمة الله بهم بعد ما أصابهم. {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ}: وهم المؤمنون والصادقون. {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}: وهم المنافقون الذين خرجوا مع الرسول، غير راغبين في الخروج. فقد كان هَمُّ هؤُلاءِ أنفُسهُم. فلم يغشَهم النعاس. أما المؤمنون، فقد كان همهم الرسولَ وسلامتَه، حتى يأخذَ الإِسلام سبيله إلى قلوب العالمين، بقيادته وتوجيهه. {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة}: أي يظنون أن الله لا ينصر محمداً، وأَن دينه باطل، وأن الله لن يكون مع المؤمنين. وهذا الظن لا يصدر عن قلب مؤمن. فلهذا وصفه الله بأنه: ظن الجاهلية. أي ظن أهل الجاهلية، الذين يجهلون أن الله ينصرُ رسلهُ، ويؤَيدُهم على أعدائهم. {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ}: كان من رأي عبد الله بن أُبَيّ وسائر المنافقين: ألاَّ يخرجوا للقتال، بل يبقوا بالمدينة حتى يهاجَمُوا فيها من المشركين. ولكن أكثر أصحاب الرسول -ممن لم يشهدوا بدرا- أصروا على الخروج، كما سبق بيانه. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأيهم. وقال مقالته المعروفة: "ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أن يَضَعَ أداتَهُ بَعْدَ ما لَبِسَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بينَه وبَيْنَ عَدُوِّه (¬1) ". فلما حدث ما حدث، قال المنافقون: لم يكن لنا شيء من الأَمر، أي لم يؤخذ برأينا، وإِنما خرجنا كَرهًا. ¬

_ (¬1) رواه الترمذي والبيهقي وابن ماجه.

{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}: بيده مقاليد الأشياء، يقدر ويدبر كيف يشاء. وقد قضى بأن يخرج المسلمون في أَحد، وأَن ينهزموا لِحِكَمٍ يعلمها سبحانه، ويستفيدوا من درس الهزيمة، فلا يفعلوا ما يؤَدي إلى مثلها. {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ}: يضمرون الشرك والشك في عون الله للمسلمين، ويظهرون لك الإيمان. {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا}: أي يحدثون أنفسهم، أو يقول بعضهم لبعض: لو كان لنا من الرأي والتدبير شيءٌ ما خرجنا من بيوتنا، ولَمَا قُتل منا من قتل، ولا هُزِمنا. ولكنا غُلبنا على الأَمر، فأصابنا ما أصابنا. {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}: أي قل يا محمد؛ تنيهًا لهم إلى أن ما حدث من القتل كان تقديرًا من الله، - وما قدره الله لا بد أن يقع. حتى لو قعدوا ولم يغادر بيته منهم أحد، يوم أحد، لخرج الذين قدَّر الله عليهم أن يُقْتَلُوا إلى مصارعهم، التي قدر الله تعالى قتلهم فيها، وقتلوا هنالك ألبتة. فلا مفر من قدر الله. والتدبير لا ينفع مع التقدير. {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}: أي وليختبر الله ضمائركم وأسراركم -وهو بها أعلم- وليطهر قلوبكم من الشبهات- كتب عليكم القتال وما أَصابكم فيه. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: لا تخفى عليه من سرائركم خافية. فهو يجازيكم على ما تخفون. وهو غني بعلمه إياكم من اختباركم. وإنما يفعل ذلك؛ ليميز لكم الخبيث من الطيب، فيتبين لكم المؤمن من المنافق.

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)} المفردات: {اسْتَزَلَّهُمُ}: أوقعهم في الزلل بما زَيَّنَه لهم. {ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ}: أوغلوا فيها. {غُزًّى}: جمع غازٍ. وهو المقاتل. التفسير 155 - {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ... } الآية. الجمعان هما: جمع المسلمين وجمع المشركين. ويوم التقائهما. وهو يوم أحد. والذين توَلَّوا منهم: هم المسلمين الذين رجعوا إلى المدينة. بعد أن تركوا الرماة أماكنهم. أو هم الرماة الذين خالفوا أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-: وهو ألا يبرحوا أماكنهم بأي حال.

والمعنى: إن الذين تركوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ورجعوا متأثرين بدعابة المنافقين منكم يوم التقى الجمعان بأحد. إنما أوقعهم الشيطان في الزلل ببعض ما كسبوه من الذنوب والمعاصي. كمخالفة أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالثبات حتى النصر، وألا تغريهم الغنائم التي لاحت لهم. والتعبير ببعض ما كسبوا؛ للإيذان بأن الشيطان لم يستزلهم إلا من ناحية المخالفات أما الأعمال الصالحة من الإيمان. والخروج مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسائر الطيبات -فلا حيلة للشيطان فيها حتى يستزلهم عن طريقها. وهذا يشعر بأن جانب الخير فيهم وافرٌ متين. {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}: فغفر لهم هذا الذنب. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}: واسع المغفرة. {حَلِيمٌ}: عظيم الحلم، فقلا يعجل بالعقوبة على من عصاه. 156 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ... } الآية. هذا تحذير للمؤمنين الصادقين في عهده -صلى الله عليه وسلم- أن يحذوا حذو الكفار في التثبيط عن الجهاد. والمراد بالذين كفروا: المنافقون؛ لأن هذه الآيات متعلقة بشرح أحوالهم. ومع أن الآية نزلت في هؤلاء الصادقين من أصحاب رسول الله لتحذيرهم، فهي قاعدة عامة لنهي المؤمنين -في كل عصر- عن أن يثبطوا عن الجهاد في سبيل الله. {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ}: أي: في شأنهم، أو لأجلهم؛ لأن إخوانهم الذين قالوا هذا في حقهم، ماتوا أو قتلوا. ومعنى أخوتهم لهم: اتفاقهم معهم نسباً أو مودة. {إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى}: الضرب في الأرض: الإبعاد فيها للتجارة ونحوها. والغُزَّى جمع غاز وهو القتل. ولإفراد كونهم غزاة بالذكر -مع اندراجه تحت الضرب في الأرض- لأنه المقصود بيانه. وذكر الضرب الأرض: توطئة له. وتقديمه؛ لكثرة وقوعه.

على أن الغزو قد يوجد بدون ضرب في الأرض وسفر فيها. {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}: أَي: لو لم يخرجوا وكانوا مقيمين عندنا، ما ماتوا وما قتلوا. وذلك جهل منهم بأن الله قدر الآجال، وأن الضرب في الأرض أو الغزو، لا يكون سبباً في الموت، أو القتل. وهم إنما قصدوا -بذلك- تعويق المؤمنين عن الجهاد. قال الرازي: وذلك لأن في الطباع محبة الحياة، وكراهية الموت والقتل. فإن قيل للمرء: إذا تحرزت للسفر والجهاد، فأنت سليم طيب العيش، وإن تقحَّمت أحدهما (¬1)، وصلت إلى الموت أو القتل -فالغالب أن ينفر طبعه عن ذلك، ويرغب في ملازمة البيت، وكان ذلك من مكايد المنافقين في التنفير من الجهاد. أ. هـ. {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ}: هذا تعليل لنهي المؤمنين عن مشابهة المنافقين في اعتقادهم ورأيهم. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا، لا تكونوا مثل الكافرين -المنافقين- في اعتقاد أن الحذر يمنع من القدر، وأن إخوانهم لو لم يخرجوا من المدينة. لما قتلوا. ولا تمتنعوا عن الجهاد -في أي مكان- تأثروا بما قالوا، ليجهل الله معاصاتكم لهم -فيما أرادوه منكم- سبباً لحسرة بالغة في قلوبهم. وقيل: إنه متعلق بـ {قالوا} في قوله: {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ}، فتكون اللام للعاقبة. على حد قوله تعالى {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} (¬2). والمعنى: أن الله يجعل ذلك القول حسرة في قلوبهم، حين يرون من قتل منهم، وأنهم فشلوا في صرفهم عن الجهاد. أو أن هذه الحسرة تكون يوم القيامة، حين يرون ما أعد للمجاهدين من الثواب العظيم. ¬

_ (¬1) أي رميت نفسك فيه بلا روية. (¬2) القصص، من الآية: 8.

وما قلناه أولاً أولى. {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ}: هذا رد حاسم لمقالتهم. فليس الإحياء والإماتة إلا في يد الله سبحانه. هو مقدِّرُهما .. فالموت يأتي القاعد في بيته متى حان أجله، كما يأتي المجاهد في حربه كذلك. وربما أصابت المنية القاعد، ولم تنزل بالغازي. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: فيجازيكم على أقوالكم وأفعالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. 157 - {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}: سيقت هذه الآية؛ لبيان أن الموت - في سبيل الله - وسيلة إلى نيل غفرانه ورحمته. وأنه خير مما يحرص عليه هؤلاء المنافقون في الحياة، وجمع حطام الدنيا، ومتاعها الزائل. كما سيقت لتحذيرهم مما يريده المنافقون، من إعظام الفجيعة في قتلى المؤمنين في غزوة أحد. والمعنى: ولئن قتلتم في الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وفزتم بشرف الشهادة، أو متم بغير قتل - وأنتم في سبيل الله - فذلك لا يقتضي الجزع، لأن مغفرة الله ورحمته، لمن ينال شرف القتل أو الموت في سبيله - خير من البقاء في الدنيا وما يجمعون من منافعها. 158 - {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ}: المعنى: ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون للحساب والجزاء، لا إلى غيره. ومن كان مرجعه إلى الله، فعليه أن يقدر لذلك قدره، بأن يكون فراره مما يسبب العقاب، لا من الجهاد الذي يقتضي عظيم الثواب. وقدم القتل على الموت في الآية السابقة. لأنها كانت في المقاتلين. والغالب في شأنهم القتل. أما هذه الآية؛ فهي لبيان أن مصير جميع العباد إليه تعالى. والغالب في حالهم الموت. فلذا قدمه على القتل. والحشر: جمع الخلائق إلى الله بعد البعث، تمهيداً للحساب والجزاء.

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}. المفردات: {لِنْتَ لَهُمْ}: رفقت بهم. {فَظًّا}: الفظ؛ سيء الخلق. {غَلِيظَ الْقَلْبِ}:قاسيه. {يَخْذُلْكُمْ}: يمنع عنكم النصر. التفسير 159 - {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... } الآية. بيان لعظم حلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ورحمة الله به وبهم، بعد ما كانت منهم من مخالفة أمر الرسول وفرارهم، كما سبق بيانه. أي: فبسبب رحمةٍ واسعةٍ من الله - بك وبهم - وفَّقك الله لصفح عنهم: فلنت لهم ورفقت بهم، ولم تغلظ عليهم في الملام. مع أنهم فعلوا ما يقتضي أشد التعنيف. إذ ترك أكثر الرماة أماكنهم فوق الجبل، واشتغلوا بجمع الغنيمة. فمكنوا المشركين من صعوده مكانهم، وقلب ميزان المعركة لصالحهم. وترتيب عليه أن أكثر الجيش فر، وترك الرسول

في قلة من أصحابه، فناله من أذى المشركين ما ناله، حتى أرجفوا بقتله.!! فكان لين الرسول معهم - بعد ذلك - رحمة من رحمات الله به وبهم. إذ كان سبباً في بقاء الإسلام، وجمع قلوب المسلمين. ولذا قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}: أي: ولو كنت جافي الطبع، قاسِيَ القلب، فعاملتهم بقسوة، وعنّفتهم على ما كان منهم، وأشحت عنهم غضباً عليهم - لنفرت قلوبهم منك، فتفرقوا عنك، ولم تستطع أداء رسالتك، وتبليغ دعوتك على وجهها الأكمل. فَلِينُهُ - صلى الله عليه وسلم - معهم - على خطئهم وعفوه عنهم - لم يكن عن ضعف، وإنما كان ناشئاً عن الرحمة التي فطره الله عليها. {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ}: قال صاحب الكشاف: اعف عنهم فيما يتعلق بحقك، واستغفر لهم فيما يتعلق بحق الله. {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}: أي: في أمر الحرب وغيره، من كل أمر له خطر ولم ينزل في شأنه وحي؛ استظهاراً برأيهم، وتطييباً لنفوسهم، ورفعاً لأقدارهم، وتقريراً لسنة التشاور في الأمة الإسلامية. وقد جاء في الكشاف: وعن الحسن رضي الله عنه: قد علم الله أنه ما به حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وقيل: كانت العرب، إذا لم يشاوروا في الأمر، شق عليهم ذلك. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشاورة أصحابه، لئلا يثقل عليهم استقلالُه بالرأي دونهم. وكان - صلى الله عليه وسلم -، يدرك - تمام الإدراك - ما للمشاورة من أثر في الوصول إلى الصواب.

وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم -:"ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم (¬1) ". {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}: أي: فإذا استقر رأيك، وسكنت نفسك - بعد المشاور - فأمْضِ الأمر ولا تتردد، وتوكل على الله في تنفيذ ما عزمت عليه فإنه هو المعين لك في أمور الدين والدنيا. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}: عليه في جميع أمورهم. وإنما يحبهم؛ لأنهم أخلصوا نفوسهم له، وطردوا عنها ما سواه، إذ لم يروا في غيره غناء. وحب الله لهم، مجاز عن توفيقه وإرشاده لهم في الدنيا، وحسن المثوبة في الآخرة. 160 - {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ... } الآية. أي: إن يمددكم الله بأسباب النصر، ووسائل الغلب، فلن يغلبكم غالب. فاتقوه وتوكلوا عليه وحده، وأعدوا للقتال عدته: من حشد الجنود، وإعداد السلاح، والتدبير المصحوب بالإيمان والصبر والثقة بالله .. فإن ذلك يوجب لكم النصر والغلب. وما النصر إلا من عند الله ... {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ}: أي: وإن يمنع نصره عنكم، فمن هذا الذي ينصركم من بعده خذلانه لكم. والمراد أنه لا ناصر لكم سواه. وفي هذا تنبيه إلى أن الأمر كله لله. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: أمر المؤمنين بأن يخصوا الله - تعالى - بالتوكل عليه، والثقة به، في جميع أمورهم، مع الأخذ في الأسباب. والمراد بالتوكل، غير التواكل الذي هو ترك الأخذ بالأسباب، مما يقع فيه كثير من المسلمين، بناء على خطئهم في فهم المراد من التوكل. وهذا التواكل محرم شرعاً .. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده، والبخاري في الأدب. وأشار إليه الترمذي في آخر باب الجهاد.

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)}. المرادفات: {يَغُلّ} يخون. فالغُلُولُ: الخيانة وأخذ الشيء خفية. وخص - في الشرع - بالسرقة من المغنم قبل القسمة. وفي قراءة "يُغَلّ" بضم الياء وفتح الغين، أي ينسب إلى الغلول. {بَاءَ بِسَخَطٍ}: رجع بغضب شديد من الله. التفسير 161 - {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ... } الآية أي ما صح وما استقام - عقلاً وشرعاً - لنبي من الأنبياء، أن يخون في المغانم وغيرها، أو يُنسَبَ إلى الخيانة. وفي هذا تنزيه لمقامه صلى الله عليه وسلم، عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة، ومنها قسمة الغنائم، وتنبيه على عصمته عليه السلام. فإن النبوة تنافي ذلك. والمراد: تنزيه ساحته صلى الله عليه وسلم، عما ظنة الرماة الذين تركوا أماكنهم يوم أحد، حرصاً على الغنيمة، وخوفاً من أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له ... فيحرموا - فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لهم معاتباً متعجباً: "طننتم أنَّا نَغُل"؟! فنزلت الآية (¬1). ¬

_ (¬1) حكاه الواقدي عن الكلبي، ومقاتل.

وعن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"اتَّهَمَ المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فُقِدَ، فأنزل الله الآية". {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: أي ومن يخن يأت بما خان فيه يوم القيامة، يحمله أمام أهل المحشر؛ ليفتضح أمره. وقد ورد أحاديث كثيرة في عاقبة الغلول، وأنه من الكبائر. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كان على ثَقَلِ (¬1) النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو في النار؛ فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها (¬2) ". وقد امتنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاة الجنازة على من غل (¬3). {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ}. أي: تعطى كل نفس مكلفة جزاء ما عملت - من خير أو شر - وافياً تاماً، قليلاً كان أو كثيراً. والغال داخلاً في هذا العموم دخولاً أولياً. {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: أي: وكل الناس لا يظلمون بنقص من ثواب ما عملوا من الخير، أو زيادة من العقاب على ما اقترفوا من الشر. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} (¬4). ¬

_ (¬1) متاع المسافر (¬2) غلها: سرقها من الغنيمة. رواه البخاري نقلاً عن تاج الأصول 4/ 391 كتاب الجهاد. (¬3) انظر أبو داود في كتاب الجهاد - باب تعظيم الغلول. (¬4) النساء من الآية: 40.

162 - {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ... } الآية. المعنى: أغفلتم عن عدل الله، فحسبتم أن من اتبع رضوان الله وسعى في تحصيله: بفعل الطاعات وترك المنهيات، كمن رجع بغضب شديد من الله عليه؛ بسبب الكفر والمعاصي، ومنها الغلول؟ أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله - بالتزام شريعته، فاستحق ثواب الله ونعيمه - ومن حاد عنه، فاستحق غضبه وشديد عقابه، فلا محيد له عنه. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ}. أي: مقره ومثواه جهنم: يلقى فيه عذاب الهون؛ جزاء تفريطه في أوامر الله تعالى ونواهيه. (وبئس المصير). أي: وبئس مآله ومرجعه السيئ: جهنم. 163 - {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ... } الآية. أي: المتبعون رضوان الله والذين باءوا بسخطه، ذوو درجات ومنازل متفاوتة في الثواب والعقاب. فأصحاب الثواب متفاوتون في الدرجات. والمستحقون لغضب الله وعذابه، متفاوتون كذلك. والدرجات تكون في النعيم، وتكون في العذاب. يدل لذلك قوله تعالى {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} (¬1) بعد قوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} (¬2). والمراد بقوله تعالى: (عند الله) أي: في علمه تعالى وحكمه. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}: أي: بصير بالأعمال التي عملوها من خير أو شر. سيجازيهم عليها: كلاً بحسبه من ثواب أو عقاب. ¬

_ (¬1) الأنعام من الآية: 132. (¬2) الأنعام الآية: 131.

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)}. المرادفات: {مَنَّ}: المن؛ التفضل والإنعام بغير مقابل. {مِنْ أَنْفُسِهِمْ}: من جنسهم. {الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}: القرآن والسنة. {أَنَّى هَذَا}: من أين هذا؟. التفسير 164 - {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... } الآية. أي: أنعم الله تعالى وتفضل على المؤمنين، ببعثه الرسول فيهم من جنسهم: عربياً مثلهم: نشأ بينهم، وعرفوا أخلاقه وصفاته. وإذا كان الرسول إليهم من جنسهم، كان ذلك أبلغ من الامتنان. حيث يسهل عليهم مخاطبته ومجالسته، ومعرفة أمور الدين منه. وبعثته - صلى الله عليه وسلم - فيهم - وهو منهم - شرف للعرب، وفخر عظيم لهم. وإن كانت رسالته عامة للعالمين أجمعين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (¬1). {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}: وهو القرآن، وبعد أن كانوا أهل جاهلية. لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي. ¬

_ (¬1) الأنبياء الآية: 107.

{وَيُزَكِّيهِمْ}: أي ويطهرهم مما كانوا فيه من دنس الجاهلية؛ وخبيث المعتقدات. حيث دعاهم إلى العقيدة الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والأعمال الصالحة. {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}: أي: ويعلمهم القرآن وشرائعه، وحكمه وأحكامه، والسنة وما اشتملت عليه من بيان لمُبْهم الكتاب، وتفصيل لِمُجمَله. {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}: أي: وإنهم كانوا - من قبل بعثته - لفي ضلال، واضح الدلالة على الجهالة، ظاهر لكل من اطلع على عاداتهم وأخلاقهم وعقائدهم. 165 - {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ... } الآية. كلام مستأنف، سيق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة بعد معركة أحد، إثر إبطال بعض آخر منها. والمعنى: أفعلتم ما فعلتم من أسباب الهزيمة ولمَّا أصابتكم مصيبة يوم أحد بقتل سبعين شهيداً منكم {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا}: يوم بدر بقتل سبعين من كفار قريش وأسر سبعين منهم - لما حدث هذا - قلتم: من أين هذا الذي أصابنا وقد وعدنا الله النصر؟!. {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}: بسبب عصيانكم أمر رسول الله، حيث أمركم بالثبات في مكانكم فعصيتم. {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: فهو ينصركم حين تستحقون النصر، ويكتب عليكم الغلبة حين تقصرون في التزام أسبابه. وفي ختم الآية بما ذكر: ما يرشد إلى أن الأمر كله بيده وتحت قدرته، سبحانه وتعالى.

{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)}. المرادفات: {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}: أي يوم أحد، حيث التقى جمع المؤمنين وجمع المشركين. {وَلِيَعْلَمَ}: وليظهر ويميز. {نَافَقُوا}: النفاق؛ إظهار الإيمان وإبطال الكفر. {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ}: أي فادفعوا عن أنفسكم. التفسير 166 - {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ... } الآية. أي: وما نزل بكم من استشهاد بعضكم، يوم التقى الجمعان: جمع المؤمنين بقيادة رسول الله، وجمع المشركين بقيادة أبو سفيان {فَبِإِذْنِ اللَّهِ}: أي فكائن بقضاء الله وقدره، حسبما جرت به سنته في خلقه، {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (¬1). ¬

_ (¬1) آل عمران من الآية: 140.

وفي ذلك تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين، ومواساة لهم فيما أصابهم. فالمؤمن إذا عرف ذلك، يرضه ويُسلِّمُ بما قضاه الله وقدره. {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ}: أي: وليظهر المؤمن الصادق من غيره، وليميز الله الخبيث من الطيب. 167 - {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ... } الآية. أي: وليظهر غير الصادقين في الإيمان. {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا}: أي: وقيل للمنهزمين من عبد الله ابن أُبي - رأس المنافقين - تعالوا قاتلوا في سبيل الله لإعلاء دينه ونصرة نبيه، أو ادفعوا عن أنفسكم وأموالكم، إن لم تقاتلوا لوجه لله. وممن قال لهم ذلك. عبد الله بن عمرو بن حرام. {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ}: هذا استئناف بياني، أي قالوا: لو كنا نعلم أنكم تلقون قتالاً لاتبعناكم وسرنا معكم. أو قالوا استهزاءً: لو نعلم فنون الحرب وأساليبها لاتبعناكم. ثم كشف الله حقيقة أمرهم فقال: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ}: أي هم - يوم قولهم ذلك - أقرب للكفر منهم للإيمان، حيث تركوا الجهاد في سبيل الله، وقالوا ذلك كاذبين. وإنما لم يصرح القرآن بحقيقة كفرهم، لنطقهم بالشهادتين. وهم - في الواقع - لا إيمان في قلوبهم.

{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}. هذه جملة - تبين حال المنافقين الدائمة، لا في هذا اليوم فقط. أن أنهم يتكلمون بكلمة التوحيد وليس في قلوبهم منه شيء؛ لإضمارهم الكفر والعداوة والبغضاء لأهل الإسلام. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}: أي: والله سبحانه عليم بما انطوت عليه صدورهم من الشر والفساد، وبأن ما قالوه بأفواههم، ليس كائناً في قلوبهم، بل مخالفاً له. 168 - {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا ... } الآية. أي: الذين قالوا في حق إخوانهم في الدين، أو ذوي قرابتهم الذين خرجوا مع المؤمنين وقاتلوا، وقد قعدوا هم عن مشاركتهم والجهاد معهم. {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}: أي لو أطاعونا في ترك السير مع الرسول والمؤمنين، ما قُتلُوا كما أننا لم نقتل. وفي ذلك ما يدل على أن المنافقين، حرَّضوا المؤمنين على التخاذل والقعود عن الجهاد. {قُلْ فَادْرَءُوا}: أي قل لهم يا محمد: إن كان القعود ينجي من الموت كما تزعمون. فادفعوا عن أنفسكم الموت الذي كتب عليكم. {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: فيما تزعمون من أن الموت لم يقع بكم، لأنكم قعدتكم وجبنتم. قال تعالى {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} (¬1). ¬

_ (¬1) الأحزاب: 16، 17.

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)}. التفسير 169 - {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ... } الآية. كلام مستأنف: سبق لبيان أن القتل الذي يحذرونه، ويحذِّرون الناس منه، ليس مما يحذر ويتقى. بل هو من أجلّ المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون. والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو لكل من يقف على الخطاب ويصلح له. أي: لا تحسبن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً كسائر من يموت. {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ}: أي: بل هم أحياء حياة كريمة عند ربهم، في دار كرامته، حيث ينعمون النعيم اللائق بما قدموا من بذل أرواحهم في سبيله. {يُرْزَقُونَ}: برزق الجنة على وجه يعلمه الله. فالحياة والرزق للشهداء، قد جاء بها القرآن. فيجب الإيمان بها. وقد وردت السنة الصحيحة مبينة ما عليه الشهداء في الجنة. روى مسلم (¬1) في صحيحه بسنده، عن مسروق، أنه سأل عبد الله (يعني ابن مسعود) عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. ¬

_ (¬1) مسلم في باب الإيمان: "أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر" من كتاب الإمارة.

فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... " الحديث. وروى الإمام أحمد في مسنده، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ، في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب. فقال الله: - عز وجل - أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله في هؤلاء الآيات": {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ... }. وكذلك رواه أبو داود، والحاكم في مستدركه. 170 - {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... } الآية. هذه تتمة أحوال الشهداء في الآخرة. فهم أحياء عند بهم يرزقون. وهو فرحون بما أعطاهم الله من ثوابه وكرامته، وإحسانه الدائم الذي لا يسلب عنهم. {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}: أي: يُسرُّون بإخوانهم الذين يقاتلون بعدهم في سبيل الله، ولمَّا يظفروا بالشهادة، بأن لهم إحدى الحسنيين: النصر، أو الشهادة. {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: أي: أنهم لا يخفون حين يقدمون عليهم شهداء مثلهم. {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: على ما تركوه وراءهم من دنيا فانية. وهذا يبعث في نفوس الأحياء الجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء.

{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}. التفسير 171 - {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ... } الآية. أي: يتجدد استبشارهم وسرورهم بنعمة من الله وفضل عظيمين في الجنة: دار الثواب، حيث يجدون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. كما قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (¬1). {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}: أي: ويستبشرون بأن الله - سبحانه وتعالى - عادل رحيم بعباده: يكافيء المؤمنين، ولا يضيع أجرهم على أعمالهم. بل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة. والآية - وإن نزلت في شهداء غزوة أحد - حكمها عام في جميع شهداء المؤمنين؛ المجاهدين في سبيل الله. ¬

_ (¬1) يونس من الآية: 26.

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)}. المفردات: {الْقَرْحُ}: الجرح. {حَسْبُنَا اللَّهُ}: كافينا وحافظنا. {الْوَكِيلُ}: المتصرف. أو الكافي. أو الكافل. التفسير 172 - {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}: هذا كلام مستأنف؛ سيق لبيان فضل أهل أُحد: الذين أصابتهم الجراح وأثخنتهم. ولكنهم استجابوا لدعوة الله ورسوله؛ ليرهبوا المشركين، حتى لا يحملهم ما حسبوه نصراً في المعركة، على الذهاب إلى المدينة. ليتموا نصرهم على المسلمين. رُوِي أن أبا سفيان وأصحابه، لما انصرفوا من أُحد، فبلغوا الروحاء: ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة. فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان. وقال: "لا يخرجنَّ معنا

إلا من حضر يومنا بالأمس" فخرج - صلى الله عليه وسلم -، مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال. وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم حتى يفوتهم الأجر، وألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين. فذهبوا، فنزلت الآية (¬1). والمعنى: الذين لبَّوا دعوة الله ورسوله: للخروج خلف المشركين، من بعد ما أصابهم الجرح في غزوة أُحد، ليمنعوهم من العودة إلى المدينة - هؤلاء الذي أحسنوا في خروجهم واتقوا مخافة نبيهم، وخافوا الأضرار المترتبة عليها - لهم أجر عظيم، وثواب جزيل من عند الله. 173 - {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}: لما أُصيب المسلمون في أُحد، نادى أبو سفيان، قائد جيش المشركين: موعدنا بدر من العام المقبل. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "قولوا: نعم. إن شاء الله" فلما كان العالم المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى نزل مَرَّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فبدا له الرجوع. ولكنه خشي أن رجوعه يزيد المسلمين جُرأة، فبعث إليهم في المدينة من يُثَبِّطُهم. وقيل: إن الذي حمل رسالته، هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمراً. فسأله ذلك، والتزم له عشراً من الإبل. فخرج نعيم. فوجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم: أتوكم في دياركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريد. أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده، لأخرجنَّ، ولو لم يخرج معي أحد" فخرج في سبعين راكباً، كلهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل. ¬

_ (¬1) ابن كثير 1/ 428.

وفي ذلك يقول الله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}: أي فزادهم هذا التخذيل إيماناً وثقة بالله. وقالوا في يقين صادق. {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}: الله كافينا: يَرُدُّ عنا أعدائنا وينصرنا، ونعم الكفيل الله تعالى. 174 - {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ... } الآية. اتجه المسلمون إلى لقاء المشركين في بدر، حسبما تواعدوا مع أبي سفيان عقب عزوة أُحد. فلم يجدوا أحداً من المشركين فيها. ووجدوا السوق قائمة. فاتجروا فيها بما معهم، فربحوا ربحاً وفيرا .. وقد أقاموا بها ثمانية أيام. والمعنى: فعادوا من بدر الثانية، بنعمة من الله عظيمة: وهي العافية والثبات على الإيمان والزيادة فيه، وخوف العدو منهم. كما عادوا بفضل منه تعالى، وهو ما ربحوه في تجارتهم. {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}: أي حرصوا على فعل ما يرضي الله تعالى عنهم. من المبادرة إلى فعل الطاعات. ومنها: خروجهم لبدر، وترك المنهيات. ففازوا برضوان الله، وتأييده، ونصره. {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}: يخص به من والاه. وتنكير الفضل، ووصفه بالعظيم، دليل على سمو قدره، وعظيم منزلته.

{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)}. التفسير 175 - {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: المراد بالشيطان: إبليس. وبأوليائه: أبو سفيان وأصحابه. والمعنى: إنما لكم إبليس: يخوفكم أنصاره على لسان هذا المخذِّل المأجور. وذلك بقوله لكم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} (¬1) ". {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: فلا تخشوا هؤلاء الكفار؛ لأنكم أنصار الله. والله لا يتخلى عن أوليائه المناصرين له. كما قال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (¬2). ¬

_ (¬1) آل عمران من الآية: 173. (¬2) محمد، من الآية: 7.

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: فيها إشارة إلى الإيمان القوي، يمحو الخوف من القلوب .. إلا خوف الله تعالى. قال الإمام محمد عبده: من تدبر هذه الآية الكبيرة حق التدبر، علم أن المؤمن الصادق، لا يكون جباناً. فإن الشجاعة وصف ثابت للمؤمنين الصادقين. إذا شاركهم فيه غيرهم، فإنه لا يدرك فيه مداهم. لأن الكفار والمنافقين. أحرص الناس على حياة، والخوف من الله ليس جبناً؛ لأنه خوف ممزوج بالحب؛ ولأنه خوف موصول بالأمن: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (¬1) ولأن المؤمنين {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (¬2). 176 - {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ... } الآية. كان للمنافقين مواقف شائنة في غزوة أحد: أحزنت النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن الرسول - لما وافق على رأي أغلبية المسلمين بالخروج للقاء المشركين خارج المدينة - غضب عبد الله بن أبي ابن سلول - رأس المنافقين - لأنه كان من رأيه البقاء بالمدينة. فأضمر الغدر. فلما كان جيش المسلمين بالشوط - هو بستان بين أُحد والمدينة - رجع عبد الله بن أُبيّ بثلاثمائة من أصحابه. وقال: عصاني محمد، واتبع الولدان - يقصد الشبان - ونسي هذا المنافق: أن عبء القتال يقع عليهم لا على الشيوخ. وأنهم كانوا هم الأغلبية. وقال أيضا: علام نقتل أنفسنا؟ وكان هذا المقال الباطل منه، تبريراً لذلك الموقف الشائن المخذل: الذي أضر بوحدة المسلمين، وهم مقبلون على لقاء العدو. حينئذ تبعهم عبد الله بن عمرو: والد جابر بن عبد الله. وقال: يا قوم: أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم. فقالوا: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} (¬3) فقال لهم والد جابر: أبعدكم الله، فسيغني الله عنكم نبيه. ولما فعل عبد الله بن أبي ذلك، همت طائفتان أن تفشلا. وهما: بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة من الأوس. فعصمهما الله، وعدلتا عما اعتزمتا. ¬

_ (¬1) الأنعام، من الآية: 832. (¬2) يونس، من الآية: 62. (¬3) آل عمران، من الآية: 167.

ولما دارت الدائرة على المسلمين في أُحد، بسبب موقف المنافقين أولاً، وبسبب ترك الرماة أماكنهم فوق الجبل لحماية ظهور المسلمين ثانياً، ورجعوا إلى المدينة تثقلهم الجراح - بعدما استشهد بعضهم - سخر بهم المنافقون، وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء، وقالوا في حق إخوانهم الذين قتلوا في المعركة: { ... لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} (¬1) وكانوا - بهذا الموقف - جديرين بما وصفهم به الله: { ... هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} (¬2). ولما ستعرض الرسول تلك المواقف الشائنة من المنافقين، حزن وتألم. فأنزل الله تلك الآية؛ لتسليته. والمعنى: لا يحزنك المنافقون الذين يسارعون بما فعلوا في الكفر، فإنه لا يفعل ذلك إلا الكافرون الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان. والشيء من معدنه لا يستغرب. {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}: أي لن يضر دينه شيئاً من الضرر. فإذا كان عملهم هذا أساء إلى الإسلام والمسلمين في غزوة أحد، فلن يؤدي إلى ضعف دين الله. فقد أتم الله نوره. وأظهر دينه على الدين كله "والله غالب على أمره" (¬3). ولقد استفاد المسلمون من هذه الغزوة، إذ عرفوا أعدائهم المنبثِّين فيما بينهم من المنافقين، فأخذوا حذرهم منهم. {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ}: أي: يريد الله ألا يجعل لهم نصيباً في نعيم الآخرة، بسبب ما أبدوه من أسباب الفرقة والتخذيل والشماتة: فيما أصاب المسلمين، وما انطوت عليه نفوسهم من الكفر بدينه. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: وعقاب أليم، فوق عذاب الحرمان من نعيم الجنة. قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} (¬4). ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية 156. (¬2) آل عمران، من الآية: 167. (¬3) يوسف من الآية: 21. (¬4) النساء، الآية: 145.

177 - {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: المعنى: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان - بعد ما قام برهانه - لن يضروا دين الله شيئاً من الضرر. فسيمضي إلى ما شاء الله من النمو والازدهار. وما يضروا بمكائدهم سوى أنفسهم، حيث يضرونها: في الدنيا بالتلوث بالكفر الذي قام البرهان على فساده، وفي الآخرة بالعقاب. وذلك هو قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: لا يعصمهم منه عاصم، ولا ينقذهم منه منقذ. وقد أكدت هذه الآية، وما أفادته الآية السابقة، من أن السعي في الإضرار بالإسلام، لا يضر الإسلام. فإنه ماضٍ إلى ما كتبه الله من الذيوع والانتشار. وإنما يضر ذلك السعي صاحبه في الدنيا والآخرة. كما عممت الحكم في جميع الكفار: سواء أكانوا منافقين أو صرحاء بالكفر. 178 - {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ... } الآية. المعنى: ولا يعتقدن الذين كفروا: أن إمهالنا لهم، وعدم تعجيلنا بعقوبتهم علي كيدهم للإسلام - خير لأنفسهم، فإن فازوا في غزوة من الغزوات، أو في مكر سيء فعلوه بالإسلام، ولم يعجل الله بعقوبتهم، فلا يفرحوا بذلك. فهذا إملاء من الله لهم وإمهال، حتى تأتيهم عقوبة الله في أوانها، بعد أن تزداد مآثمهم، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}: أي: ما نمليهم ونؤخر عقوبتهم، إلا لتكون عاقبتهم أن يزدادوا إثماً على إثمهم: بكثرة المعاصي فيستحقوا أشد العذاب، إن لم يرجعوا - بهذا الإمهال - عما هم فيه من الكفر والمعاصي. {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}: أي: ولهم في الآخرة عذاب مهين: يقلل منزلتهم في الدنيا بالكفر والمعاصي، والكيد للإسلام والمسلمين، والبادئ أظلم.

روى الشيخان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته". وقد استفيد من الآية: أن الله تعالى. لا يعجل بعقوبة الكفار والعصاة. والحكمة من ذلك: أن يترك لهم فرصة واسعة للتفكير فيما هم فيه، لعلهم يرجعون إلى رشدهم، ولا تكون لهم حجة على الله، ليقولوا: لولا أخرتنا. لعلنا نرجع ونتوب. فإن لم يرجعوا، ازدادوا إثماً واستحقوا أشد العذاب، حيث لم يستفيدوا بإمهال الله لهم. {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)}. المفردات: {لِيَذَرَ}: ليترك. {يَمِيزَ}: يفرق ويعزل. {يَجْتَبِي}: يختار. التفسير 179 - {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... } الآية. بيّن الله تعالى في هذه الآية - بعض حِكَمِه في أحداث غزة أحد، ومشاهداها المختلفة. والمعنى: ما كان الله ليترك المؤمنين على ما هم عليه، من اختلاط المنافقين بالصادقين منهم، وعدم تبين حالهم لهم؛ لما في ذلك من خطورة عليهم وعلى الإسلام. فإن أعدى أعداء

المسلمين، مَنْ لبس ثوب الصديق، واستتر فيما بينهم، فعاملوه معاملة المخلص، وكاشفوه بالأسرار - وهو يدبر لهم أسباب المعاطب في الخفاء، ويباطن أعدائهم بالولاء - فلا بد أن يدبر الله من أسباب المحن، ما يفضح به نفاق المنافقين ويكف به ستر المرائي، ويظهر به إخلاص المخلصين، وصبر المستيقن وبلاءه: في سبيل دينه ورسوله وربه. فلذا جاءت تلك المحن في غزوة أحد. فكشفت للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حجم النفاق ومداه، بما كان من رجوع ابن أبي - رأس النفاق - وثلاثمائة ممن كانوا على مذهبه، وإشاعته - وبعض من حضر منهم الموقعة - أكذوبة قتله - صلى الله عليه وسلم - التي زعمها ابن قميئة المشرك. وقول بعضهم: علام نقاتل وقد قتل محمد؟ ودعوتهم إلى أخذ الأمان من أبي سفيان، والرجوع إلى ما كانوا عليه من كفر. وقول بعض آخر: لو كان محمد نبياً لما قتل. وإلى غير ذلك مما كشف الله به أستارهم. كما كشفت تلك الغزوة للنبي أيضاً: صدق المخلصين، واستبسالهم في الدفاع عنه وعن الإسلام الذي دانوا به، ورجوعهم إليه بعد فرارهم من نبال المشركين، وشدة حملتهم عليهم. وذلك بعد أن علموا: أنه حيٌّ لم يمت - كما أشاعه المنافقون. فقد ناداهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: إليّ عباد الله، فلبَّوا سراعاً، وبالرغم مما بهم من جراح: فرحين ببقائه بين ظهرانيهم: يقودهم في دعوة الإسلام، حتى يظهره الله على الدين كله. فكما استبان بذلك أمر المنافقين للرسول، استبان به - كذلك - إخلاص المؤمنين الصادقين. وبذلك تحقق ما أراده الله من أغراض هذا الامتحان. وهو أن يتميز الخبيث من الطيب. والأثر المترتب على ذلك: أن يعرف المخلصون بعضهم بعضا، ويتماسكوا. وأن يحذروا المنافقين الذين هُتكَتْ أستارهم، وعرفت أسماؤهم. وحقيقة نواياهم. ولا شك أن ذلك له أثره في مستقبل الدعوة الإسلامية. {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}:

أي: ما كان الله ليظهركم على ما غاب عنكم من الأسرار مباشرة، بأن يقذفه في قلوبكم، ومن غير أن يعقد من الأسباب ما يكشف به الأمور الخفية عليكم. فإن إظهار الغيب - بغير إبراز الأسباب - لا يكون إلا للرسول. ولهذا قال سبحانه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ}: أي: ولكن الله يصطفي ويختار من رسله من يشاء، ويطلعه على ما يشاء من غيبه، ويحقق له بالوقائع ما أخبره به من الغيب. كما فعل مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ أطلعه على نفاق المنافقين، ثم حقق له - بوقعة أحد - ما أخبره به من نفاقهم. {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}: أي: فداوموا على ما أنتم عليه من الإيمان بالله ورسله، بعد ما عرفتم أسرار هذه المحنة التي حلت بكم في أُحد، وعرفتم حكمتها. {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: وإن تدوموا على ما أنتم عليه من الإيمان، وتتقوا مخالفة الله ورسوله، فلكم على ذلك أجر عظيم. {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}. المفردات: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ}: سيجعل ما بخلوا به طوقاً في أعناقهم.

التفسير 180 - {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ... } الآية. بعد أن بين الله أحداث أُحد، وأسرار المنافقين فيها، وأمر المسلمين بالتقوى - شرع يحض المسلمين على بذل المال في سبيل الله، فإنه من أهم أسباب التقوى والوقاية من مكائد المشركين: الذين عرفوا جِدّهم في القضاء على الإسلام والمسلمين، وبين لهم عاقبة البخل في البذل. والمعنى: ولا يظنن الذين يبخلون في سبيل الله، بما أعطاهم الله من فضله من المال، فلا يبذلونه في إعداد أسباب القوة والغلبة على الأعداء، ولا ينفقونه على الفقراء، وفي سبيل الخير - لا يحسبوا ذلك البخل خيراً لهم، ونفعاً يعود عليهم. بل هو شر كبير لهم. فإنهم سيضعفون أمام أعدائهم، لعدم إعدادهم العدة للقائهم. كما أنه يورث الحقد في قلوب الفقراء، ويبعثهم على الإخلال بالأمن، ويغريهم بالنهب والسلب، والسرقة والقتل، لمن منعوا عنهم حق الله فيما آتاهم الله من فضله. فضلاً عما ينتظرهم من عقوبة في الآخرة: بينها الله بقوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: أي: سيجعل الله المال الذي بخلوا به عن وجوهه المشروعة، طوقاً في أعناقهم يوم القيامة. وفي ذلك يروي البخاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه، يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... } الآية. والشجاع الأقرع: الثعبان القوي. والزبيبتان: نقطتان سودوان فوق عيني الثعبان. واللهزمتان: الشدقان. وروى النسائي والطبراني بسنده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم أبداً".

{وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أي: ولله مآل السموات والأرض ومن فيها. فمصير هذه الدنيا إلى زوال. ثم يستقبل الخلائق - بعد ذلك - حساباً على ما قدموا من أعمال {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (¬1) ومن كان أمرهم إلى ذلك، فلا يصح لهم أن يبخلوا ببذل المال، فيما شرعه الله من وجوه البر والإحسان، فيندموا بتقصيرهم فيما ينفعهم، وحرمانهم من له حق عليهم. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: فلا يغيب عن علمه من أحسن ومن أساء. فيجزي كلاًّ على ما عمله أعمالهم. {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)} التفسير 181 - {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... } الآية. لما حثَّ الله المسلمين على البذل، ونهاهم عن البخل: الذي هو من ألزم الصفات القبيحة لليهود - أتبع ذلك الحديث عن اليهود، وبخلهم، وبعض آثامهم. ¬

_ (¬1) الزلزلة: الآيتان الأخيرتان.

سبب النزول: قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قول الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} (¬1) قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض. فنزلت هذه الآية. وروى البغوي في معالم التنزيل، عن عكرمة والسدي ومقاتل: أنه - صلى الله عليه وسلم -، كتب مع أبي بكر رضي الله عنه، إلى يهود بني قينقاع: يدعوهم إلى الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً. فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر رضي الله عنه، في وجهه، وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد، لضربت عنقك. فشكاه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجحد ما قاله. فنزلت. والمعنى: لقد علم الله قول اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء: مجترئين - بهذا القول الشنيع - على من لا تنفد خزائنه. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}: سنكتب هذه الفرية التي بلغت الغاية في الشناعة والقبح، ونكتب أيضاً: قتلهم الأنبياء بغير حق. ولا يكون قتلهم إلا ظلما. فهم دعاة الحق. {وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}: أي: ويقال لهم من جهة الله تعالى، تقريعاً وإهانة - وهم يعذبون بالنار - ذوقوا عذاب الإحراق بالنار. ليجتمع لهم العذاب لجسدي، مع العذاب الروحي. 182 - {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}: أي ذلك العذاب، عقاب عادل بسبب ما فعلتموه في الدنيا من الآثام، وبأن الله ليس بظالم لعبيده. فبقدر العمل يكون الجزاء. {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} (¬2). ونسبة العمل إلى الأيدي - مع أنه قد يكون بغيرها - لأن أكثر الأعمال تزاول بها. وصيغة (ظَلاَّمٍ) للنسب: أي ليس منسوباً إلى الظلم، ومن استعمال هذه الصيغة في النسب قولهم: نجَّار: أي منسوب إلى النجارة، وحداد: أي منسوب إلى الحدادة، وعطار: أي منسوب إلى العطارة. ¬

_ (¬1) البقرة من الآية: 245. (¬2) آل عمران من الآية: 108.

{الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)}. المفردات: {عَهِدَ إِلَيْنَا} العهد: حفظ الشيء مراعاته، حالاً بعد حال. {بِقُرْبَانٍ} القربان: كل ما يتقرب به إلى المعبود. {بِالْبَيِّنَاتِ}: المعجزات الواضحات. {وَالزُّبُرِ}: هو المواعظ والزواجر. جمع زبور، من: زبرته، بمعنى: زجرته. التفسير 183 - {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ... } الآية. أي هؤلاء اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، هم الذين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما دعاهم إلى الإيمان برسالته المؤيدة بالمعجزات الكافية - قالوا: لن نؤمن لرسول ولن نصدق به، حتى يأتي بقربان تحرقه النار. كما كان يفعله أنبياء بني إسرائيل. قل لهم يا محمد: قد جاءكم رسل من قبلي: بالمعجزات، وبالقربان الذي تأكله النار كما طلبتم. فلم قتلتم هؤلاء الأنبياء. كيحيى وزكريا، إن كنتم صادقين في أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بمثل هذا القربان؟

والغرض المقصود من الآية: تكذيبهم في وعدهم بالإيمان لو جاءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بالقربان الذي طلبوه؛ لأن لهم سوابق في تكذيب من جاء به، وقتله. والنار التي تأكل القربان، لم نقف على نص يعول عليه: يبين مصدرها، وكيفية إحراقها. 184 - {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ... }: هذه الآية تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عما لقيه من تعنت أهل الكتاب، ببيان: أن ذلك شأنهم وعادتهم، ليعلم أنه ليس أول رسول كذبه قومه. فكم من الرسل قبله جاءوا أممهم بالحجج الواضحة، والمواعظ الزاجرة، والكتب التي أضاءت الطريق إلى الله، فكذبوهم. وجحدوا ما جاءوا به من الشرائع. والبلوى إذا عمَّت، هانت. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)}. التفسير 185 - {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... } الآية. وعْدٌ من الله للمصدقين، ووعيد للمكذبين؛ ببيان أن الحياة فانية، وأن مردَّ الجميع إلى الله، يجزي كل نفس بما عملت. فمن كان من المصدقين العاملين، أُبعِد عن النار، وأُدخل الجنة. ففاوز بالنجاة، والنعيم المقيم. ومن كان من المكذبين الضالين الذين اطمأنوا إلى الحياة الدنيا وزينتها - خابوا، وخسروا، إذ آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل يغُرُّ الجاهل، ولا يسر العاقل.

{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}. المفردات: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}: لتختبرن فيها بالإصابة ببعض البلايا. {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}: من الجد في الأمور. مأخوذ من عزم الأمر. أي جد فيه. {مِيثَاقَ}: الميثاق، العهد. {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}: أي طرحوه خلفها. والمقصود: أنهم أهملوا، ولم يعملوا به. {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}: واستبدلوا بهذا الميثاق، مقابلاً قليلاً، من أعراض الدنيا. التفسير 186 - {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}: الربط: بعد أن أخبر الله تعالى: أن كل نفس ذائقة الموت، ليتسلى كل امرئٍ عمن فقده من أحبابه بهذا القضاء الشامل، أتبع ذلك إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمؤمنين: أنهم سيلقون أنواعاً من البلاء: في أنفسهم وأموالهم. وسيؤذون من أعدائهم؛ ليوطنوا

أنفسهم على احتمال ذلك عند وقوعه. فقال جل شأنه: {لَتُبْلَوُنَّ ... } الآية. والخطاب في {لَتُبْلَوُنَّ}: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمؤمنين، وما فيه من التوكيد لتحقيق وقوع البلاء، مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ له، والصبر عليه، لما فيه من الحكم. ولما كان المولى يعلم بحال عباده من قبل أن يخلقهم، فالمراد بابتلائه لهم: إصابتهم ببعض البلايا، ليظهر ما علمه أزلاً من حالهم: من الثبات والصبر، أو الجزع والهلع، فيجازي كلاً بما كسب. والمعنى: لتختبرن حتماً {فِي أَمْوَالِكُمْ}: بنقصها أو تلفها، أو استيلاء الأعداء عليها، أو نحو ذلك. {وَأَنْفُسِكُمْ}: بالقتل والأسر والجرح، والأمراض الجسدية، والمتاعب النفسية. {وَلَتَسْمَعُنَّ}: قطعاً. {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}: التوراة والإنجيل وما بينها. {مِنْ قَبْلِكُمْ}: وهم اليهود والنصارى. {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا}: وسائر الكفار. {أَذًى كَثِيرًا}: من الطعن في الإسلام، والقدح في رسلكم، وصد من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن، ومحاولة تكفيره، وتحريضه على معاداة رسوله. والخطاب هنا - فيما يلي - وإن كان لرسول الله وأصحابه - فحكمه عام للمسلمين جميعاً: في كل زمان ومكان، إلى يوم القيامة. ولما أكد أن ذلك سيحدث لهم، أمرهم أن يقابلوه بالصبر والتقوى، فقال:

{وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}: أي: وإن تصبروا على تلك الشدائد عند وقوعا، وتقابلوها بحسن التحمل، وعدم الجزع، وعفة اللسان، وتتخذوا لكم وقاية منها باللجوء إلى الله، وتساوى المحبوب والمكروه لديكم في سبيل رضاه تعالى، واتخاذ أسباب الوقاية والعلاج من الأمراض والجراح، وإرهاب الخصوم والأعداء بأسباب القوة والغلبة - إن تفعلوا ذلك - فإن الصبر والتقوى منكم، من عزم الأمور والجد فيها. وهو فضيلة يتنافس فيها المتنافسون. وأنتم بها أحق وأولى. ويجوز أن يكون المعنى: وإن تصبروا وتتقوا، فهو خير لكم، فإن الصبر والتقوى مما يجب أن يعزم عليه كل أحد، لما فيهما من كمال المزية والشرف. وإنما أَخبرهم بذلك قبل وقوعه، وأمرهم بالثبات والتقوى، ليستعدوا للقائه، فإن هجوم الشدائد قد يزلزل الأقدام. أما الاستعداد لها، فإنه يهون أمرها. وعبر عن اليهود والنصارى بقوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: للتنبيه على أن مدار ما يسمعونه منهم من الأذى ينسبونه - كاذبين - إلى كتابهم. وكتابهم منه براء. فهو مدسوس عليه منهم، تحريفاً أو سوء تأويل. قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (¬1) ". ومن أمثلة ذلك قولهم: {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} (¬2) ". وقد رد الله عليهم بقوله: {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية: 78. (¬2) آل عمران، من الآية 183.

وبعد أن أخبر الله المؤمنين بأنهم سيبتَلون في أموالهم وأنفسهم، وسيؤذَون من أهل الكتاب والمشركين، عقبه بذكر بعض إيذائهم، فقال مستأنفاً: 187 - {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}: المعنى: واذكر - يا محمَّد - حين أخذ الله العهد المؤكد على الذين أعطاهم الكتاب: من علماء اليهود والنصارى، فقال لهم بأسلوب التأكيد: لتبينن هذا الكتاب الذي أنزل عليكم للناس، ولا تكتمون عنهم ما فيه من الحقائق التي منها شواهد نبوتك يا محمد وأماراتها، فنبذوا هذا العهد الوثيق المأخوذ عليهم، وطرحوه وراءهم ظهريا، إذ لم يعلموا به. فلم يبينوا الكتاب، بل كتموه واستبدلوا بالوفاء به عوضا ومقابلا قليلاً. هو الرياسة الدينية والجاه، والمال الحرام الذي يرتشون به، ويأخذونه من غير وجهه المشروع. فبئس شيئاً يشترونه ويأخذونه: ذلك الثمن القليل الذي آثروه على الوفاء بالميثاق: بتبيان الكتاب، وعدم كتمانه. والآية - وإن نزلت توبيخا وتهديداً ووعيدا لأهل الكتاب، على كتمانهم العلم، وعدم بيان الحق لأغراض دنيوية - ففيها تحذير ضمني للعلماء عن أن يسلكوا سبيلهم، فيحل بهم مثل عقابهم. وقد جاء ذلك - صراحة - في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بلِجًامٍ مِنْ نَارٍ (¬1) " عن علي رضي الله عنه: ما أخذ الله العهد على أهل الجهل أَن يتعلموا حتى أخذه على أهل العلم أن يعلموا. وعن محمَّد بن كعب: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه. ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. والإتيان بقوله: (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) بعد قوله: (لَتبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) - مع أنه يستلزم عدم الكتمان - للمبالغة في إيجاب التبيين، وتأكيد وجوب الامتثال. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه، وأحمد، وأبو داود، والترمذي.

والتعبير عن إيثارهم عرض الدنيا، على بيان الكتاب بقوله: {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}: أي عرضاً حقيراً - مع أنه لا شراءَ ولا بيع - للإيذان بأنهم جعلوا دين الله موردًا للرزق، ووسيلة إلى مآربهم الذاتية. كما يصل التجار. ولم يجعلوهُ سبيلا للهداية والإرشاد، كما يفعل العلماءُ والصالحون الصادقون. وذلك شاهد على فساد ضمائرهم، وداعٍ إلى عدم الثقة بأقوالهم وأفعالهم، والبعد عن تصديقهم. {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}. المفردات: (يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا): يفرحون بما جاءوا به نفاقاً أو رياءً، من الأقوال والأفعال. (بمفازة من العذاب): بمنجاة منه. (ملك السموات والأرض): سلطان عليهما خَلقًا ومُلكًا وتدبيراً وتصرفاً. التفسير 188 - {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: لا يزال الكلام موصولا مع أهل الكتاب: فالآية نازلة فيهم: أخرج الإِمام أحمد، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عوف: أن مروان بن محمَّد، قال: اذهب يا رافع - بَوَّابه - إلى ابن عباس رضي الله عنه، فقل له: لئن كان كل

امرئ منا فرحَ بما أتي وأحب أن يحمد بما لم بفعل - معذباً؛ لنُعَذَّبنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: وما لكم وهذه! إنما نزلت هذه في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}. وتلا ابن عباس {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه. وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. وَرَوَى نحوه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي وغيرهم. وقيل: نزلت في المنافقين: لِمَا رواه البخاري ومسم وغيرهما - واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخُدري: أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله - عليه وسلم، كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الغزو تخلفوا عنه؛ وفرحوا بمقعدهم. خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الغزو، اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يُحمَدُوا بما لم يفعلوا. فنزلت: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ... } الآية. وعلى هذا، فالمراد من حُب المنافقين أن يحمدوا بما لم يفعلوا: أنهم أرادوا أن يحمدهم المؤمنون بسرورهم الذي أظهروه نفاقاً بنصر المؤمنين، ولم يكن سرورًا نابعًا من قلوبهم. فاعتبره الله تعالى في حكم المنفى.

وقد جاء التصريح بسرورهم الظاهري بالنصر، في رواية طويلة، لابن مردويه، في تفسيره. جاء فيها: وإن كان لهم نصر وفتح، حلفوا لهم؛ ليرضوهم. ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح. ولا منافاة ببن ما قاله ابن عباس، وما قاله أبو سعيد الخدري، في سبب النزول، فالآية عامة في جميع ما ذكر. وهي - وإن نزلت لهدا السبب الخاص، أو ذاك، أو لهما معًا - فهي بعموم لفظها، عامة لكل من يأتي بشي من الحسنات: بظاهره أو بحقيقته، فيفرح به فرح إعجاب، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار عنه من الفضائل. كأن يقولوا فيه: هو صادق فيما قال. أو مخلص. فما فعل. أو عظيم الإحسان والمبرات، أو نحو ذلك مما ليس فيه. ويدخل في هذا العموم: من نزلت فيهم الآية، دخولا أولياً. والخطاب في قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَن) للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للخطاب. والمعنى: لا تظنن الذين يفرحون - فرح إعجاب - بما جاءوا به مما ظاهره الخير، وباطنه النفاق أو العجب، أو التجرد عن النية الصالحة، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، بأن يقال: إِنهم صادقون، أو مخلصون، أو محسنون، أو غير ذلك، من الصفات الجميلة: التي أرادوا أن تقال في شأنهم على وجه الحمد والثناء، وهم منها برآء. (فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بمَفاَزَةٍ منَ العَذَابِ): فلا تظننهم بمنجاة من العذاب الآخرة، وإن أفلتوا من المؤاخذة الدنيوية. والمقصود من نهيه صلى الله عليه وسلم: أن يظنهم ناجين من العذاب، هو التنبيه على أنهم معذبون حتما على نياتهم الخبيثة، ونفاقهم الممقوت، وليس المقصود نهيه حقيقة

عن ظنه نجاتهم. فهو - عليه السلام - عليم باستحقاقهم العذاب، ما داموا مصرين على ما هم عليه من الطوية الخبيثة؛ طبقًا لما نزل عليه من شرع الله تعالى. وذكر قوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ}. بعد قوله: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} لتأكيد الوعيد؛ لطول الكلام. أما قوله: (بِمَفاَزَةٍ) فهو المفعول الثاني لـ (تحسبن) الأول. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: هذه الجملة قصد بها: أن العذاب الذي لا ينجو منه هؤُلاء، وليسوا منه بمفازة، هو عذاب بليغ الإيلام، في شدته ومدته ونوعه. وليس عذابًا هيناً، يمكن احتماله. 189 - {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}: أي: له تعالى - وحده - السلطان فيهما: خلقا وتدبيرًا، وإحياء لمن فيهما وإماتةً، وتعذيبا وإثابة. ومن كان كذلك، لا يقال: إنه فقير، وبعض عباده أغنياء، كما زعم اليهود، إذ قالوا: { ... إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} (¬1). ولا يفلت من عقابه من أحب أن يحمد بما لم يفعل، كما فعلوا هم وغيرهم. {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَديرٌ}: فكما قدر على خلق السموات والأرض، يقدر على بعث الخلائق وجزائهم على أقوالهم وأفعالهم ونياتهم: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (¬2). ¬

_ (¬1) آل عمران من الآية: 181. (¬2) الأنبياء، من الآية: 104.

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)}. المفردات: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: تعاقبهما. فيكون أحدهما خلفة للآخر، أو تفاوتهما طولا وقصرا، وضياء وظلمة. {لِأُولِي الْأَلْبَابِ}: لأصحاب العقول الخالصة البريئة مما يعطلها. {مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}: ما أبدعته عبثًا خاليًا عن الحكمة. {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: فاحفظنا منه. {أَخْزَيْتَهُ}: أهلكته، أو فضحته، أو أهنته. التفسير 190 - {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)}: لما ذكر الله - تعالى: أن له ملكَ السموات والأرض، وأنه على كل شيء قدير، عقبه ببيان أن في خلقهما - من الآيات والشواهد - ما يدل على ذلك ويقرره. فقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: من عجيب الإبداع، وإحكام الصنعة، وبقائهما في الفضاء، دون أن يختل توازنهما، ودوران كل كوكب في فلكه بانتظام، دون فتور

أو اصطدام، وتوالي ملايين الدهور عليهما بغير خلل ولا فساد، وأداء كل جزء منهما، وكل نجم أو كوكب لما نيط به من النافع - إن في هذا: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} وتعاقبهما على سطح الأرض، كل منهما خلفًا للآخر، حسب تدبير الله لأرضنا الكروية، إذ جعلها تدور تحت أشعة الشمس، فيعم ضوؤُها نصف الأرض المقابل لها، وينعم أهله بنور النهار، فينشطون ويباشرون شئون معاشهم. ويظلم النصف الآخر الذي لا يقابلها، فيسكن أهله ويستريحون. ثم ينعكس الأمر عندما يكون النصف الآخر مقابلا لأشعتها. وهكذا دواليلك .. ويجوز أن يكون المراد من اختلافهما: تفاوتهما طولا وقصرًا، حسب الفصول الأربعة التابعة لوضع الأرض من الشمس، وحسب البعد عن القطبين أو القرب منهما، أو اختلافهما نفعًا أو حرارة، أو غير ذلك من وجوه الاختلاف - إن في كل هذا التدبير المحكم العجيب: {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}: أي: لَدلائل عظيمة لأَصحاب العقول الخالصة من ظلمة الجهل والتقليد. فإنهم - بالنظر اليسير في بدائع خلق السموات والأرض، وقوانينه وضوابطه ونظمه - يصلون إلى الجزم بوجود صانع حكيم، ومالك واحد لهذا الملك العظيم: أحكم التدبير، وأتقن التقدير، وأنه لا بد أَن ينتهي إليه المصير، فيحاسب كل امرئ على ما كسب من خير فيثيبه، أو شر فيعاقبه. ورحم الله الشيخ أبا سليمان الداراني، إذ يقول: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء، إلا رأيت لله عليَّ فيه نعمة، ولي فيه عبرةً (¬1). 191 - {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)}: المقصود من ذكره تعالى: تذكره وشغل القلب به، وعدم الغفلة عنه بشواغل الدنيا. سواء أصحب ذلك ذكر لساني أم لم يصحبه. ¬

_ (¬1) الآية رقم (164) في سورة البقرة، تماثل هذه الآية، ولكن فيها تفصيل أكثر. فارجع إلى تفسيرها إن شئت.

والمقصود من ذكرهم له قائمين وقاعدين ومضجعين على جنوبهم: أن يذكروه في كل حال حسب الإِمكان، حتى يخشوه في تصرفاتهم. وتخصيص هذه الأحوال الثلاثة بالذكر؛ لأنها هي المعهودة التي لا يخلو عنها الإِنسان غالبًا. فكما يذكرونه فيها يذكرونه في غيرها. كالمشي والسباحة ونحوهما. ومعنى هذه الآية، مرتبط بما قبلها عل النحو الآتي: المعنى: إن في خلق السموات والأرض - وما فيه من الإبداع والإحكام، والحِكَمِ والمنافع، وفي اختلاف الليل والنهار لَعَلَامَاتٍ واضحات لأصحاب العقول على وجود رَبٍّ لهذا الكون: واحد عظيم. وأدلةً شاهدات له بكل كمال، وتنزهه عن كل نقص. وأولو الألباب - هؤلاء - هم الذين يتذكرون الله في كل حال، بعد أن أثرت آياته في نفوسهم، وهدت إلى معرفته عقولُهُم، وجعلتهم يجددون التفكر في خلق السموات والأرض ليزدادوا معرفة بخالقها، وإيمانًا واثقًا بمبدعها، وخشية من التقصير في واجبات مدبرها. فالعلم: يهدى إلى قوة الإيمان والخشية من الديان: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (¬1). وهكذا شأن القرآن: يشيد بالعقل ويرفع قدره، ويحضُّ على المعرفة والنظر في الآيات. وشأن الإِسلام يقوم: على دعائم العقل والعلم والعرفان. ولا يرضى بالجمود والتقليد الذي عليه أرباب الأديان المختلفة. {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}: ليس المراد أنهم يقولون هذه الجملة الدعائية - وما يليها - بالنص الحرفي، بعد تفكرهم في خلق السموات والأرض، بل المراد: أنهم يعبرون عما ينفعل في نفوسهم من مشاعر الإقرار بقدرة الله وحكمته، ووجوب الإِيمان به تعالى وباليوم الآخر، وما حول ذلك من الحمد والثناء والإنابة. ¬

_ (¬1) فاطر، من الآية: 28.

والمعنى: يقول أولو الألباب، الذاكرون الله بعد تفكرهم في خلق السموات والأرض: ربنا ما خلقت هذا الكون البديع العظيم الشأن عبثاً، بل منتظماً لِحِكَمٍ جليلة، ومصالح عظيمة. من جملتها أن يكون مدارًا لمعايش العباد، ومنارًا يرشدهم إلى أحوال المبدأ والمعاد، حسبما جاءت به الرسل والكتب الإلهية. والإشارة بكلمة (هَذَا) راجعة إلى السموات والأرض لقصد التعظيم، كما في قوله تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (¬1). وإفرادها وتذكيرها - مع رجوعها إلى السموات والأرض - لأنه أريد بها: الكون جميعه. (سُبْحَانَكَ): تنزيها لك عن أن تخلقه باطلا، وعن كل ما لا يليق بك من الصفات. (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ): فاحفظنا من عذابها، فقد عرفناك ونزهناك عن العبث، وأطعناك وآمنا بالبعث والجزاء. 192 - {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)}: أي: رَبَّناَ إنَّكَ مَنْ تُدْخِلْهُ النَّارَ لكفره ومعصيته (فَقَدْ أخْزَيْته): فقد فضحته وأهنته وأهلكته .. ولا شيء أشد من ذلك. فلهذا نسألك الوقاية من عذاب النار، ومن الخزي والعار. (وَمَا لِلظَّالِمِينَ): لأنفسهم بالكفر والمعاصي. (مِنْ أنصَارِ): يخلصونهم من عذابها. فلا الآلهة التي عبدوها: ولا الرؤَساء الذين أطاعوهم في الكفر، بقادرين على إنقاذهم منها. ولم يقل وما لهم من أَنصار، بل قال: (وَمَا لِلظالِمِينَ مِنْ أنصَارٍ): لذمّهم، والإشعار بأن ظلمهم هو سبب تعذيبهم. ¬

_ (¬1) الإسراء، من الآية: 9.

{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)}. المرادفات: {الْأَبْرَارِ}: جمع بَر. والبَرُّ والبارُّ، هو كثير البر والإحسان. {لَا تُخْزِنَا}: لا تُهنا، ولا تفضحنا .. أو لا تهلكنا. {فَاسْتَجَابَ}: بمعنى أَجاب. {هَاجَرُوا}: تركُوا الشِّركَ أو تركوا الأوطان والعشائر. التفسير 193 - {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}:

المنادِى: هو محمَّد صلى الله عليه وسلم. ونداؤُه: دعوته إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وذلك هو سبيل ربه. كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} (¬1). وقال محمَّد بن كعب: المنادِي: هو القرآن. والمعنى: ربنا إننا سمعنا داعياً: يدعو الناس للإيمان بأن آمِنُوا بربكم: مالككم ومتعهدكم في جميع أموركم، فاستجبنا لدعائه، وبادرنا بالإيمان. والمقصود من إيمانهم بربهم - سبحانه - إيمانهم بجميع ما يجب له من الصفات اللائقة بربوبيته، وتنزيهه عما سواه، وإيمانهم بدينه الذي شرعه لهم، على لسان ذلك المنادى، وهو نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم. {رَبَّنَا}: كرر نداءَه تعالى؛ لإظهار كمال التضرع والخشوع والاستعطاف. {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}: فامح عنا كبائرنا. {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا}: وحط عنا صغائرنا، ببركة إيماننا. ويجوز أن تكون الجملتان بمعنى واحد. والتكرير للمبالغة في الدعاء بتكفير الذنوب جميعًا. {وَتَوَفَّناَ مَعَ الْأبْرَارِ}: مُكْرَمين بمحبتهم، معدودين في جملتهم وزمرتهم. 194 - {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)}: أي: ربنا وأعطنا من الثواب، ما وعدتنا على ألسنة رسلك، وإنما قالوا: (عَلَى رُسُلِكَ) بالجمع، ولم يقولوا (على رسولك) بالإفراد، مع أن المنادِي هو محمد صلى الله عليه وسلم، للإشارة إلى أن الثواب الذي بشرهم به على الإيمان، أمر مجْمَع عليه من الرسل جميعاً. ¬

_ (¬1) النحل من الآية: 125.

{وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: ولا تُهِنَّا فيه بعدم قبول أعمالنا الصالحة لقلتها، وعقابنا على تقصيرنا. {إنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}: إن شأنك يا ربنا، ألاَّ تخلف وعدك بقبول طاعة المطبع وإثابته عليها، والعفو عن المؤمن المقصر المستغفر. وهذه الجملة تعليل لما طمعوا فيه من تحقيق المولى الكريم دعاءهم. وتلك الدعوات ليست لخوفهم من إخلافه تعالى وعدَه بالثواب والحفظ من النار للمؤمنين، بل لخوفهم من أن يتغير حالهم، وتسوء خاتمتهم، فلا يكونوا - حينئذ - من جملة الموعودين بالثواب والنجاة. فمرجعها إلى الدعاء بالتثبيت على الإيمان والصلاح. أو للمبالغة في التعبد والخشوع. وقد يفسر الميعاد بالبعث ولقاء الله يوم القيامة، وبه قال ابن عباس. ويكون المعنى: ربنا لا تخزنا يوم القيامة الذي نعلم يقينا: أنه واقع لا ريب فيه، فإن وعدك الحق، وإنك لا تخلف الميعاد. 195 - {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ... } الآية. {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}: أي أجابهم إِلى ما طلبوا، ووعدهم بتحقيق ما سألوا. {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ}: بفتح همزة (أَنِّي) أي فاستجاب لهم ربهم: بأَني لا أحبط عمل عامل منكم أيها المؤمنون. أما قراءة كسر الهمزة، فبتقدير: قائلا: (إني لا أضيع) ... الخ. {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى}: فكلا الصنفين في الثواب على الطاعة سواء، لا فرق بينكم فيه إِلا بقدر العمل وكيفيته. دون أن يكون للذكورة أو الأُنوثة دخل فيه. وعلل هذه المساواة بقوله جل وعلا: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: فالذكر مفتقر في وجوده إلى الأنثى. والأنثى مفتقرة في وجودها إلى الرجل، فالأصل واحد. ويجوز أن يكون المعنى: بعضكم من بعض في الطاعة والعمل الصالح. أي أنتما متماثلان. فلا وجه للتفرقة بينكما في الثواب، فإن المماثلة في العمل، تستدعي المماثلة في الأجر.

{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ}: من أجل دينهم وطاعتهم لربهم. والهجرة هنا: هجر الشرك. أو هجر الأوطان والعشائر. والإخراج من الديار، مراد به: أنهم هاجروا منها بالإكراه والإجبار لا بالاختيار والإرادة. {وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي}: من أجل ديني. {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا}: وجاهدوا المشركين واستشهدوا. {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}: لأغفرنها لهم، ولأستُرنَّهَا عليهم. {وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: ينعمون بنعيمها الذي لا يخطر مثله على بال، ويغتبطون بجريان الأنهار من تحتها. {ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: لا يثيبه غيره، ولا يقدر عليه سواه. {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}: خير الجزاء. {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)}. المفردات: {تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ}: التقلب: التنقل. والمراد هنا: تنقلهم للتكسب بالاتجار والزراعة وغيرها، وتقلبهم في النعمة. {مَتَاعٌ قَلِيلٌ}: تَمَتُّعٌ يسير. {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ}: المأوى، محل الإقامة. {الْمِهَادُ}: المكان الممهد.

{نُزُلًا}: النزل؛ ما يقدم للضيف عند نزوله أو المنزل. ومنه قول الله تعالى: { ... كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} (¬1). التفسير 196 - {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ}: الخطاب في {لَا يَغُرَّنَّكَ}: إما للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لتثبيته على ما هو عليه من عدم اغتراره بنعمتهم. فكأنه قال له: دُمْ على ما أنت عليه من عدم الاغترار بتقلبهم في النعمة، وتبسطهم في المكاسب والمتاجر والمزارع. وهذا كقوله تعالى للرسول: {فَلَا تُطِع المُكَذِّبِينَ} (¬2) أي استمر على ما أنت عليه من عدم طاعتهم. وقيل: الخطاب - وإن كان له صلى الله عليه وسلم - فالمراد به: نهي المؤمنين عن الاغترار بما فيه الكفار من النعيم، كما يوجه الخطاب إِلى رئيس القوم، والمراد به أتباعه. وقيل: هو خطاب لكل من يصلح له من المؤمنين. ذكر المفسرون بأسانيدهم: أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيشي، فيقولون: إن أَعداءَ الله - تعالى - فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد ... فنزلت الآية. والمعنى: لا يخدعنك ما هم عليه من سعة الرزق، وإصابة الربح، ورخاء العيش، فتظنه خيرا متصلاً، ومتاعًا دائمًا. 197 - {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}: أي هو {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} مهمَا عَظُمَ، في جانب ما ذكر من ثواب الله للمؤمنين، فعما قريب يموتون، فينقضي نعيمهم الذي استدرجهم الله به، ويُمسُون مرتهنين بأعمالهم السيئة. ¬

_ (¬1) الكهف من الآية: 107. (¬2) القلم الآية: 8.

{ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}: ثم إِنهم - بعد ذلك التمتع اليسير والتنعم القليل - صائرون إلى عذاب جهنم التي مهدوها وهيئوها لأنفسهم بكفرهم. وساء ما يمهدون لأنفسهم: جهنم!! والتعبير بالمهاد عن النار؛ للتهكم بسوء اختيارهم. فإن العاقل لا يهييء لنفسه مكان عذاب وَهَوَان يقيم فيه. 198 - {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}: لما حذَّر الله المؤمنين من الاغترار بما فيه الكافرون من نعيم فانٍ، أتبعه بيان حسن عاقبة المؤمنين، ليزدادوا صبرا على ما هم فيه من شظف العيش، انتظارا لهذا النعيم المقيم. والمعنى: هذا حال الذين كفروا ومآلهم الفظيع {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} بالإيمان والعمل الصالح، لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها لا يبرحونها أبداً. {نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: رزقًا كريمًا من عند الله، أو منزلا عظيما من عنده. {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}: أي ما أعده الله لمن أطاعه من النعيم الكثير الدائم، خير للأبرار، وأَبقى مما يتقلب فيه الكفار، من قليل زائل، ونعيم حائل، وحطام فان. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِذ يقول: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثلُ ما يَجعلُ أحدُكم أُصْبُعَهُ في اليمِّ فلينظُرْ بمَ يرجع؟! " (¬1). وتكرار وعدهم بالجنات التي تجرى من تحتها الأنهار؛ ليعظم سرورهم، ويتكامل به سوءُ حال الكفرة، مع ما فيه من زيادة الوعد بالخلود في هذا النعيم. ولهذه الاعتبارات، جاء الوعد بأسلوب الاستدراك. ¬

_ (¬1) صحيح مسلم ج 2 ص540 (باب فناء الدنيا).

{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}. المفردات: {خَاشِعِينَ لِلَّهِ}: خاضعين له. {لَا يَشْتَرُونَ}: لَا يستبدلون. {اصْبِرُوا}: الصبر، حبس النفس على المكاره. {وَصَابِرُوا}: المصابرة؛ مغالبة العدو في الصبر. {وَرَابِطُوا}: المرابطة؛ الملازمة في سبيل الله. التفسير 199 - {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}: هذه جملة مستأنفة؛ لبيان أن أهل الكتاب ليسوا جميعًا على ما تقدم من نبذ الميثاق، وتحريف الكتاب الحق، لنفع دنيوي. بل منهم مَن له مناقب جليلة. وقد نزلت هذه الآية، فيمن أسلم من أَهل الكتاب: من أحبار اليهود ومِن النصارى.

أما أحبار اليهود، فلم يبلغوا عشرة، كما قال ابن كثير، وفيهم عبد الله بن سلام، وزيد بن سعنة. وأما النصارى، فكانوا كثيرين، فقد أسلم أربعون من أهل نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الروم. وترجع قلة من آمن من اليهود، إلى أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا. وترجع كثرة من آمن من النصارى، إلى أنهم أقرب إِليهم مودة قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (¬1). ومن هؤُلاء النجاشي - ملك الحبشة - وبعض علماء دينه. فقد قال ابن كثير: وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، لما قرأ سورة "كهيعص" بحضرة النجاشي، وعنده بعض البطاركة والقساوسة، بكى وبكَوْا معه، حتى أخضبوا لِحَاهُم! وقال ابن كثير أيضاً: ثبت في الصحيحين: أن النجاشي لما مات، نعاه النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أصحابه وقال: "إن أخًا لكم بالحبشة قد مَات، فخرج إلى الصحراء فَصَفَّهُم وصلى عليه". وروى ابن جرير وغيره: أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين مات النجاشي، قال: إن أخاكم أصحمة قد مات"، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى كما يصلى على الجنائز، فكبر عليه أربعاً، فقال المنافقين: يُصَلِّي على عِلْجٍ (¬2) مات بأرض الحبشة! فأنزل الله: ¬

_ (¬1) المائدة: 82، 83. (¬2) العلج: الرجل من كفار العجم.

{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ... } الآية. والمعنى: وإن بعض أهل الكتاب لَمَن يؤمن بالله على ما يجب له من صفات الكمال، وما أنزل إِليكم من القرآن، وما أنزلَ إليهم من التوراة والإنجيل مجردَيْن عن تحريف الحرفين منهم، خاضعِين لله فيما أمرهم به. من الإيمان بمحمد وما أنزل عليه - كما أمرهم به كتابهم - لا - يستبدلون بآيات الله التي أنزلها في التوراة والإنجيل، عوضًا قليلاً، فلم يشتركوا مع قومهم في كتمان ما جاء بهما من البشارة بالنبي محمَّد صلى الله عليه وسلم، ووجوب الإيمان به، ولا في تحريفهما؛ رغبة في عرَض قليل من أعراض الدنيا الفانية، كالرياسة والرشوة، والإتاوات التي يفرضونها على قومهم. وقدم الإيمان بما أنزل إلى المؤمنين وهو القرآن، على ما أُنزل إليهم وهو التوراة والإنجيل، للإيذان بأن إيمانهم بكتابهم يجب أن يكون تابعًا لما جاء في القرآن، من رَدّ ما فيهما نحو البنوة لله تعالى، ومن انتهاء العمل، بأحكامهما المنسوخة بالقرآن، وتصديق ما جاءَ بهما مما أقره القرآن الكريم شرعا لجميع المرسلين. فهذا هو شأْن المسلمين، فإنهم - مع إيمانهم بالقرآن - يجب عليهم أَن يؤمنوا بالتوراة والإنجيل على هذا النحو، فلا يقولوا كما قال كفار أهل الكتاب: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (¬1). {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}: أي أولئك المتصفون بهذه الصفات الحميدة من أهل الكتاب، لهم أجرهم اللائق بهم عند ربهم. {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}: لنفوذ علمه في كل شيء. ومن كان كذلك، يسارع إِلى منحهم الأجر الموعود لهم. ¬

_ (¬1) النساء، من الآية: 150.

وأهل الكتاب: {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ}، قال تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ... } (¬1). وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتَون أجرهم مرتين: رجلٌ من أهل الكتاب، آمن بِنَبيِّه، ثم آمن بِي، وعبدٌ مملوكٌ أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فَأدَّبهَا فَأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها". أخرجه البخاري ومسلم. ولما ذكر الله في هذه السورة كثيراً من الأحكام، ختمها بما يوجب المحافظة عليها فقال: 200 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: والمعنى: يأيها الذين آمنوا: اصبروا على مشاق الطاعات، من واجبات يجب فعلها، ومنهيات يتحتم تركها، ونافسوا وغالبوا غيركم في الصبر في مواطن الجد، من الحروب، وهوى النفوس، وعزائم الأمور. وتخصيص المصابرة بالأمر بها - بعد الأمر بالصبر الشامل لها - اهتمامًا بها؛ لكونها أشد منه وأشق. {وَرَابِطُوا}: أقيموا على حدود البلاد وثغورها، وما هو عرضة للخطر منها، متأهبين للغزو. مأخوذ من: ربط الخيل وشدها. وليس بلازم أن يكون الرباط بالخيل، في كل حال أو زمان أو مكان. إذ المقصود: رصد حركات العدو، والتأهب لصده عن البلاد الإِسلامية. وليس بلازم أن يكون في أطراف الإقليم فحسب. بل في أي مكان منه يمكن أن يصل إليه العدو، ولو في قلب الوطن. ففي هذا الزمان، يمكن أن يصل العدو بطائراته إلي أي مكان في وطن عدوه. فالرباط في هذه الحالة، يكون بالإقامة في كل مكان منه يظن أن يقصده العدو، مع التأهب بكافة أنواع الأسلحة المضادة لهجومه أو استطلاعه، واستعمال أحدث أنواع الأجهزة لرصده: أرضًا، أو بحرًا، أو جواً. ¬

_ (¬1) القصص من الآية: 5.

والرباط في سبيل الله، له أجر عظيم. قال صلى الله عليه وسلم: "رِبَاطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها" أخرجه البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي برفعه. وقال صلى الله عليه وسلم: "رباط يوم وليلة خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامِه، وإن ماتَ جرَى عليه عملُه الذي كان يعملُه، وأُجريَ عليه رِزقُه، وَأمنَ الفَتَّان". أخرجه مسلم عن سليمان الفارسي برفعه. وعن ابن عباس وغيره: أن الرباط: هو انتظار الصلاة بعد الصلاة. واستُدلَّ لهذا الرأي، بقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرُكُم بما يمحو اللهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدرجاتِ: إِسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ فذلكم الرِّباطُ فذلكُم الرِّباطُ، فذلكُم الرِّباطُ" أخرجه مسلم والنسائي والحاكم ومالك وابن أبي حاتم. والحق: أن هذا الحديث لا يدل على ذلك، بل على تسمية هذا الانتظار رباطا، وأن له أجراً عظيما. وقد مر حديثان للبخاري ومسلم، دالان على فضل الرباط. وأخرج أحمد عن فضالة بن عبيد، قال: سمعت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كُلُّ مَيتٍ يُخْتَمُ على عملِهِ، إلا الذي مات مرابطًا في سبيلِ الله، فإنه يَنْمى له عملُه إلى يومِ القيامة، ويأمنُ فِتنةَ القَبْر". وأخرج مثله ابن حبان، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح. {وَاتَّقُوا اللَّهَ}: بفعل ما أُمرتم به، وترك ما نهيتم عنه. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: لكي تفوزوا في الدنيا بالنصر وتحقيق الآمال، وفي الآخرة بجزيل الثواب .. والله أعلم.

سورة النساء

سورة النساء وآياتها 176 نزلت بعد الممتحنة بسم الله الرحمن الرحيم هذه السورة مدنية، وآياتها ست وسبعون ومائة. نزلت بعد الممتحنة. وسميت سورة النساء؛ لاشتمالها على أحكام كثيرة تتعلق بالنساء. أهم مقاصد السورة: 1 - افتتحت هذه السورة باستهلال عظيم التأثير في الضمائر والقلوب، حتى يتلقى ما تشتمل عليه من أحكام بالطاعة والإذعان. فقد نادى الله الناس وأمرهم بالتقوى، وحثهم على امتثال أمره، والبعد عن معاصيه. 2 - وذكر مبدأ الإنسان وما يجب على أفراده من التناصر والتعاطف، والتعاون ورعاية ذوي الأرحام، وأتبع ذلك ما يلي: 3 - رعاية حقوق الضعفاء من اليتامى والنساء والسفهاء. 4 - العناية بالأحكام المتعلقة بالأسرة من: النكاح، والميراث، ووجوب العدل بين النساء عند التزوج بأكثر من واحدة. 5 - الأمر بالمحافظة على الأموال والأعراض، وبيان ما أُحل منها وما حرم. 6 - بيان العقوبات الرادعة عن الاعتداء على الأعراض والأموال والأنفس. 7 - تعرضت السورة لكثير من شئون المنافقين ومآلهم في الآخرة. ثم جاء فيها ما يلي: 8 - المجادلة مع أهل الكتاب وذكر بعض أخبارهم ومعتقداتهم. 9 - والأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، والعدل في الأحكام بين الناس، وبالرجوع إلى الله ورسوله عند التنازع.

10 - ثم ورد فيها آية التيمم، وصلاة الخوف، وصلاة المسافر وبعض أحكام الجهاد. 11 - وفيها الأمر بالإحسان إلى الوالدين وذوي الأرحام ورعاية حقوق الجار وابن السبيل والرقيق. إلى غير ذلك، من المقاصد الكريمة، والأحكام النافعة. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)}. المفردات: {بَثَّ}: نشر وفرّق. {تَسَاءَلُونَ بِهِ}: أصلها تتساءَلون. والمراد: يسأل بعضكم بعضا بالله تعالى. {وَالْأَرْحَامَ}: جمع رحم، والمراد بها: القرابة. {رَقِيبًا}: الرقيب؛ هو الحفيظ المطلع. التفسير 1 - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}: هذا خطاب يعم جميع المكلفين، من الذكور والإناث، منذ نزول الآية إلى يوم القيامة. والمعنى: احذروا عقاب الله بأداءِ حقوقه، وحقوق العباد. وفي ذكر اسمه تعالى، بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين - تأْكِيدٌ للأمر بإيجاب الامتثال؛ وفاءً بحق نعمه عليكم.

وفي قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ}: تنبيه إلى القدرة التامة، والنعمة الشاملة، حثاً على التقوى، وخوفا من العقاب، وشكراً للنعمة؛ وطلباً للثواب. {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}: هي نفس آدم - عليه السلام - وليس هناك سوى آدم واحد، وهذا ما عليه جمهور المحدثين والفقهاء. {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: أي وخلق من هذه النفس الواحدة زوجها: حواء. {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}: أي ونشر وفرق من آدم وزوجه رجالا كثيراً ونساءً كثيرات، بطريق التوالد والتناسل. {وَاتَّقُوا اللَّهَ}: أعاد الأمر بالتقوى؛ لعظم شأنها وجليل خطرها، في المأمورين في هذه السورة. {الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ}: أي الذي يسأل بعضكم بعضا بالله، فيقول أحدكم لصاحبه: أسأَلك بالله، أن تفعل كذا. على سبيل الاستعطاف. {وَالْأَرْحَامَ}: أي واتقوا قطيعة الأرحام. وقرأ حمزَةُ {وَالْأَرْحَامِ} بالجر عطفا على الضمير في (بِهِ) أي واتقُوا الله الذي تساءَلون به وبالأرحامِ، فقد كان أجدهم يقول لصاحبه: أسألك باللهِ وبالرحم: أن تفعل أو لا تفعل. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}: أي احْذروا مخالفته بالتمسك بتقواه، لأنه رقيب عليكم وحفيظ لأعمالكم، فلا تخفى عليه خافية منكم. فالجملة تحذير للناس وتخويف لهم، من بأس الله الذي أُمروا بتقواه، ببيان أنه تعالى رقيب عليهم، قد أحصى عليهم أَعمالهم، وسيحاسبهم عليها. والمراد من أنه كان عليهم رقيبا: أن رقابته عليهم موجودة منذ نشأتهم، كما أنها باقية إلى فنائهم. فلم يفلت منها أحد. ولن يغيب عنها إنسان، إلى أن تقوم الساعة.

{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}. المفردات: {وَآتُوا}: المراد بإتيانها أن يحافظوا عليها، ولا يتعرضوا لها بسوء، حتى يسلموها لليتامى عند البلوغ والرشد كاملة. إلا ما صرف منها في ضرورات اليتامى وحاجاتهم. {الْيَتَامَى}: جمع يتيم؛ وهو من مات أبوه. وخصه العرف والشرع بالصغير دون البلوغ. {تَتَبَدَّلُوا}: يقال: تبدل الشيءُ بالشيء واستبدله به إذا أخذ الأول بدل الثاني. فالباءُ داخلة على المتروك. {الْخَبِيثَ}: الحرام، أو الرديء. {بِالطَّيِّبِ}: بالحلال، أَو بالجيد. {حُوبًا}: إثما وذنبا. التفسير 2 - {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}: بعد أن أمر الله الناس جميعاً بتقواه، أمر الأولياء والأوصياء على اليتامى، بأن يحفظوا أموالهم ولا يتعرضوا لها بسوء، حتى تسلَّم إليهم - بعد البلوغ - كاملة غير منقوصة، فإيتاءُ الأموال يراد به: الحفظ والصيانة لها. واليتامى باقية على معناها العرفي والشرعي. أو المراد بالإيتاء: الإعطاء.

والمعنى: وأعطوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ وإيناس الرشد منهم، ولا تحبسوها عنهم. وتسميتهم يتامى؛ لقرب عهدهم بالصِّغَر. وفيه إشارة إلى تسليمهم أموالهم عند البلوغ مباشرة، من غير مماطلة. قبل أن يزول وصف اليتيم عنهم. والأول أرجح؛ لأن دفع الأموال إِلى اليتامى بعد البلوغ، سيأتي قريبا في قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (¬1). {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}: أي ولا تأخذوا الحرام - وهو أموال اليتامى - بدل الحلال وهو أَموالكم. أو المعنى: ولا تستبدلوا بالرديء من أموالكم الجيد من أموال اليتامى، فقد كان بعض الأوصياء يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم، ويضع بدلا منها شاة مهزولة، ويقول: شاة بشاة. ويأخذ الدرهم الجيد، ويضع مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم. {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}: أي ولا تأخذوا أموال اليتامى مضمومة إلى أموالكم، وتسَوُّوا بينهما في الإنفاق منهما. من غير مبالاة. مع أن أحدهما حرام والآخر حلال. {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}: أي إن أخذ الخبيث لليتيم بدل الطيب، وأَكل ماله على الصفة المذكورة - ذنب عظيم، وإثم كبير. وسيظل كذلك. وفي الآية دليل على أن ذلك من كبائر الذنوب. وفيها عدة تأكيدات للمحافظة على أموال اليتامى. حيث وصّى بالمحافظة عليها حتى يتسلموها كاملة سليمة، ونهى عن استبدال غيرها بها، وعن ضمها لأموالهم، وأكلها من غير مبالاة بما يلحقهم من جراء ذلك. ثم ختم ذلك ببيان أَن هذا إثم كبير، وذنب عظيم. ¬

_ (¬1) النساء من الآية: 6.

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)}. المفردات: {أَلَّا تُقْسِطُوا}: أي أَلَّا تعدلوا، من: أَقسط أي عدل. وأما قسط، فمعناه: ظلم. {فِي الْيَتَامَى}: المراد: اليتيمات. {فَانْكِحُوا}: تزوجوا. {مَا طَابَ}: ما حل. أو ما مالت إليه نفوسكم. {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}: أي اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. {أَلَّا تَعْدِلُوا}: ألا تجوروا وتظلموا. التفسير 3 - {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}: لما عَظَّم الله حق اليتامى في أموالهم فأمر الأولياءَ بحفظها، وعدم التفريط فيها. إلى أن تؤَدى إليهم، وجعل أَكلها ذنبا عظيما. أَتبع ذلك التوصية بحقوق اليتيمات: في أنفسهن، وفي أموالهن. وقد صح في سبب نزول هذه الآية. ما رواه البخاري وغيره: "عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها: أنه قد سألها عروة عن هذه الآية: فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليِّها: تشركه في حاله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن

يتزوجها، بغير أن يُقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساءِ" ... الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير. {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ... }: وإن خفتم عقاب الله، بسبب ما علمتموه - أو غلب على ظنكم من عدم العدل في تزوجكم من يتامى النساء اللائي تحت ولايتكم، بعدم إعطائهن صداق مثيلاتهن: أو بسوء معاملتهن - فاتركوا التزوج بهن، وانكحوا ما حل أو ما مالت إليه نفوسكم من النساء غيرهن. ولكل واحد منكم الخيار في أن يتزوج اثنتين أَو ثلاثًا أو أربعًا. بحيث لا يزيد العدد الذي في عصمته على أربع، فِإن ظننتم عدم العدل - عند تعدُّد الزوجات في شأن القسم والعشرة والمؤنة - فتزوجوا واحدة فقط. أو تمتعوا بما شئتم من الإماء بملك اليمين. فإن ذلك أقرب إلى عدم الجَوْر. إِذ الواحدة تستقل بزوجها والإماءُ لا حق لهن في القسم. هذا وقد أجمع فُقَهاءُ الأمصار: على عدم جواز الزيادة على أربع. وقد ثبت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لغيلان الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: "أمْسِكْ أربَعًا، وفارِقْ سَائِرَهُنَّ" رواه أحمد والترمذي. وابن ماجه. وقد قال الشافعي: "دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبينة عن الله: أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة". وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه. وقد أبيح للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، لحكم كثيرة أهمها: 1 - أن الحروب تقع كثيرا. والرجال هم الذين يخوضون غمارها، ويموت الكثير منهم وتتأَيَّم النساء، وتتيتم، ويفقدن العائل والمعين، فيصبحن في حاجة إلى من يقوم بشئونهن. فلو لم يجز التعدد، لكثر عدد الأيامى منهن. وفي ذلك ما يعرضهن للفساد.

2 - عدد النساء أكثر من عدد الرجال في كثير من بلاد العالم. فإباحة التعدد علاج لهذه الحالة، حتى لا يتعرضن لعبث العابثين، ومذلة الفقر والحاجة، فزواج إحداهن برجل متزوج بأخرى، إبعاد لها عن الشقاء. وأخذ بيدها إلى ما يصون كرامتها وعفتها. 3 - وقد تمرضُ الزوجة أو تكون عقيما، ويأبى زوجها مفارقتها برًّا بها، ووفاءً لها. فهل نمنعه من الزواج بغيرها فيقع في الحرج؟ أو نلزمه بتطليقها ليتزوج بأخرى فيزيد ألمها وتحرم من العطف والحنان؟ أو نبيح له أن يتزوج معها غيرها؟ إذا حكمنا العقل في ذلك، نرى أن الخصلة الأخيرة هي الجديرة بالرجحان. وهذا هو الذي شرعه الله. 4 - للمرأة في شبابها فترات لا تصلح فيها للتمتع الجنسي، كفترة الحيض والنفاس والولادة. فإذا كان زوجها قويا لا يصبر عن النساء. فهل نبيح له الزواج بأُخرى، كما تقضى به الشريعة، أو يدنس نفسه بالحرام كما يريده من يبغون حظر التعدد؟. 5 - إذا فقدت الزوجة ما يحببها إلى زوجها، من وسامة وجمال، أو حسن عشرة ولين خلق، فليس من الحكمة منع الرجل من الزواج بغيرها، مع إبقائه عليها رعاية لماضي العشرة بينهما، وحفاظا على بقائها مع أولادها منه، حتى يتربوا بين والديهم، فإن منعه من الزواج بغيرها حينئذ، يفضي إلى انحراف الزوج، وكراهته لأولاده، وفي ذلك شر كبير. هذه بعض حكم إباحة الزواج بأكثر من واحدة. وقد وضع الشارع له قيودا. فحرم الزيادة على أربع، وأوجب العدل على الرجل، إذا تزوج بأكثر من واحدة. فإن وقع جور على إحداهن - فلها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليرفع عنها ما وقع عليها أو يخففه. فإن استحكم الخلاف وتعذر الوفاق فللحاكم أن يفرق بينهما: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} (¬1). ¬

_ (¬1) النساء الآية: 120.

{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)}. المفردات: {وَآتُوا} الإيتاءُ: للإعطاء والمناولة، أو الالتزام. {صَدُقَاتِهِنَّ}: جمع صدقة بضم الدال. وهو المهر. {نِحْلَةً}: عطية من غير عوض. وفسرها بن عباس بالفريضة، فهي عطية من الله مفروضة على الأزواج. {هَنِيئًا مَرِيئًا}: صفتان من هُنؤ الطعام ومرؤ. والهنيء ما يلذ للأكل. والمريءُ ما سهل هضمه، وحسنت عاقبته. والمراد: أنه لا تبعة ولا عقاب عليه: أي حلالاً طيباً. التفسير 4 - {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}: بعد ما بين الله في الآية السابقة، ما يحل الزاج بهن من النساء، وما يجب على الزوج من العدل بين الزوجيتين أو الزوجات - بين في هذه الآية، ما يجب على الزوج لزوجته. من دفع صداق لها أو إلزام نفسه به فقال: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}: الخطاب في الآية للأزواج، لأن الضمائر في الآية السابقة لهم، وهذه معطوفة على ما سبق. والمعنى: وأعطوا النساء اللاتي تعقدون عليهن مهورهم نحلة: أي عطية من الله مفروضة عليكم. والصداق: آية من آيات المودة، وتوثيق لعرى الصلة بين الزوجين، كي تدوم الألفة وتعظم المحبة، وهو دليل على صدق رغبة الزوج في زوجته.

ويرى البعض: أن الخطاب للأولياء، فقد كان الولي - في الجاهلية - يزوج ابنته أو أخته، ويأخذ الصداق لنفسه. فأنزل الله الآية لمنع ذلك. ولا مانع من أن يجعل الخطاب عامًا للمسلمين، فيشمل الأزواج والأولياء، الزوج مطالب بإعطاء الزوجة صداقها. والولي مطالب بدفعه لها، بعد تسلمه من الزوج. وهي كاملة التصرف فيه بعد ذلك. {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}: أي فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئًا من هذا الصداق - قل أو كثر - فلا مانع من أخذه والانتفاع به. بشرط أن يكون ذلك عن طيب نفس منهن: من غير إكراه ولا إلجاء بسوء العشرة، أو الإضرار بهن. وإلا كان حرامًا. كما سيأتي بيانه في الآية (20) من هذه السورة. {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}: أي فخذوه وانتفعوا به أخذا لا ضرر ولا تبعة عليكم فيه. فليس المراد خصوص الأكل. إنما المراد: حل التصرف فيه. وخص الأكل بالذكر؛ لأن أكثر وجوه الانتفاع بالمال، عن طريق الأكل. {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)}. المفردات: {السُّفَهَاءَ}: جمع سفيه. والمراد هنا: الذي لا يحسن التصرف في المال. {قِيَامًا}: ما تقوم به أموركم، وتصلح شئونكم. التفسير 5 - {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}:

لما بينت الآيات السابقة، وما يجب على الأولياء من المحافظة على أموال اليتامى، وأمرهم بالزواج من غير اليتيمان، عند خوف عدم العدل معهن، مع بيان وجوب المهر للزوجة، رجع السياق - في هذه الآية - إلى بيان ما بقي من الأحكام المتعلقة باليتامى. وبيانها ما يلي: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}: أي ولا تعطوا - أيها الأولياء - اليتامى أموالهم التي تحت أيديكم؛ لأنهم لا يحسنوا التصرف فيها، ولا القيام على حفظها واستثمارها. وقد جعل الله تلك الأموال، قيامًا لليتامى: منها يتعيشون، وعليها يعتمدون فيما يحتاجون إليه في معاشهم وحياتهم. وإنما أُضيفت الأموال إلى الأولياء مبالغة في حملهم على المحافظة عليا، حيث نَزَّلَ أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لأنهم متحدون في الجنس والنسب غالبًا. وذلك نظير قوله تعالى في هذه السورة {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (¬1): أي لا يقتل بعضكم بعضا. فعبر عن النوع بالنفس؛ مبالغة في الزجر عن القتل. كأنَّ من قتل غيره، فلقد قتل نفسه. وقد ذهب إلى تفسير الآية بما ذكر: عكرمة، وابن جبير، وكثير من المفسرين. هذا وفي الآية دلالة قوية على النهي عن إضاعة المال، والأمر بالمحافظة عليه، والعمل على حسن التصرف فيه، والتدبير له، لأن الله تعالى - قد جعله سببًا في إصلاح المعاش، وانتظام الأمور. {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ}: أي اجعلوا الأموال مكانًا لرزقهم وكسوتهم. وذلك بالاتجار فيها واستثمارها، فتكون نفقاتهم من غلتها وربحها، لا من أصل المال. وإلا أكله الإنفاق، وهذا هو سر التعبير بقوله: {فِيهاَ}. ولم يقل: منها. وقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ألَا مَنْ وَلِيَ يتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِر فِيهِ، ولا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الصَّدَقَةُ". ¬

_ (¬1) سورة النساء من الآية: 29.

{وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}: أي وليقل كل من ولي أمر سفيه أو يتيم، قولًا ليِّنًا تَطيب به نفسه. مثل أن يقول له: المال مالك، وما أنا إلا خازن عليه أحفظه لك من الضياع، وعند الكبر - أو الرشد والتدبر للأمر - سأسلمه لك، ونحو ذلك من العبارات التي فيها دلالة على الرفق والرحمة، والعناية بشئونهم. {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)}. المفردات: {وَابْتَلُوا} الابتلاء: الاختبار والتجربة. {بَلَغُوا النِّكَاحَ}: بلغوا الحلم وهو حد التكليف. {آنَسْتُمْ}: أبصرتم، وتبينتم. {رُشْدًا}: أي حسن تصرف في الأموال. {إِسْرَافًا}: الإسراف؛ مجاوزة الحد المعتاد في التصرف. {وَبِدَارًا} البدار؛ المسارعة في الشيء. {فَلْيَسْتَعْفِفْ}: العفة؛ ترك ما لا ينبغي من الشهوات، والمراد فليتنزه عن الأكل من مال اليتيم.

التفسير 6 - {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ... } الآية. أي اختبروا اليتامى - أيها الأولياء - قبيل البلوغ، بالإذن لهم في التصرف في بعض أموالهم، لتعرفوا حسن تصرفهم فيها وضبطهم لها. فإن تبينتم منهم رشدا - بعد البلوغ، وهداية إلى حسن التصرف - فادفعوا إليهم أموالهم التي تحت أيديكم. وإلا فاستمروا على الابتلاء والتجربة، حتى تعرفوا منهم ذلك. وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الاختبار قبل البلوغ. ويدل على هذا قوله: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ}. وقد فَرَّعَ أبو حنيفة على هذا: أن تَصَرُّفَ الصبي العاقل المميز صحيح، متى كان بإذن الولي. وقال الشافعي: لا يباشر الصبي العقد بنفسه، وإِنما يباشره وليه، فإذا تمت الصفقة، قام الولي بالتعاقد. وظاهر الآية: دال على أَن أَموال اليتامي، لا تدفع إليهم، إلا إذا بلغوا راشدين. والبلوغ: إما بالاحتلام للذكور، وبالحيض للإناث. وإما بالسن، وهو عند الشافعي والحنابلة: خمس عشرة سنة. وعند المالكية. سبع عشرة سنة. وفرق الحنفية بين الذكور والإناث: فجعلوه للذكور ثمانية عشر عاما، وللإناث سبعة عشر عاما. وكل ذلك بالحساب القمري. فإذا بلغ غير رشيد، فلا يسلَّم له ماله، عند جمهور الفقهاء. ومنهم صاحبا أبي حنيفة. وقال أبو حنيفة: يُسَلَّم له إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة وإن لم يثبت رشده؛ لأنه يصلح أَن يكون جدًا، وهو يستحيى أن يحجر على مثله، ولكن النص لا يساعد مذهبه. فقد قال تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}.

{وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا}: هذا نهي للأولياء والأوصياء، عن أكل أموال اليتامى: مسرفين في الإنفاق منها، ومتعجلين أكلها، مخافة أن يكبروا فينتزعوها من أيديهم. فإن الكثير من الأولياء، يستعجل بعض التصرفات التي يكون لهم فيها منفعة، حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وتسلَّم ماله. {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ}: نهى الله الأولياء - في الجملة السابقة - عن أكل مال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم، حتى يظفروا بما يريدون. وفي هذه الجملة من الآية، يرشد الأولياء، إلى أن من كان منهم ذا مال ويسار، فليكف نفسه عن الأكل من أموال اليتيم التي تحت يده، وليبالغ في إعفاف نفسه وإِبعادها عنه. فلا يأكل منه شيئًا. ومن كان منهم فقيرا فليأخذ من مال اليتيم، بقدر حاجته من سد الجوعة وستر العورة ... لا يزيد عن ذلك. ومن هذا يتبين جواز انتفاع الوصي والولي بقدر حاجته، من غير إسراف. أما إذا أسرف، فإنه يكون ظالما. وفاعله يدخل تحت مَنْ قال الله فيهم، في هذه السورة بعد ثلاث آيات: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} (¬1). وقد روى الإمام أحمد والنسائي، وأبو داود، عن ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ليس لي مال. وإني وليٌّ يتيم. أفآكل من ماله؟ فقال: "كُلْ مِنْ مَالِ يتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ، وَلَا مُتأثِّلٍ مَالًا (¬2): وَمِنْ غَيْرِ أنْ تَقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ". وإِلى هذا الظاهر، ذهب عطاء وقتادة، وهو أحد الروايات عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد والزهري، وآخرون: ما يأخذه الفقير - بقدر حاجته - يكون قرضا. وعليه أن يرده إذا أيسر. ¬

_ (¬1) سورة النساء من الآية: 10. (¬2) تأثل المال: اكتسابه.

وعن عمر، أنه قال: أنْزَلْتُ نفسي من هذا المال بمنزلة وليِّ اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت (¬1). وقد ذهب جماعة إلى أنه ليس للولي أن ينتفع من مال اليتيم بشيء. وأن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (¬2)، وقد أنكر أبو بكر بن العربي القول بالنسخ، لان الله تعالى يقول: {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} فكيف ينسخ الظلم المعروف؟. والحق من هذه الآراء: أن للولي الفقير، أن يأخذ من مال اليتيم، ما يفي بحاجته، من غير إسراف ولا تبذير، وليس عليه ردُّ ما أخذه؛ لأنَّ ما أخذه نظير نظره ورعايته المال .. وأما الغني، فلا ينبغي أن يأْخذ من مال اليتيم شيئًا؛ لأن الله تعالى، أمره بالعفة، والكف عنه. {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ}: أي فإذا أديتم - أيها الأولياء - أموال اليتامى إليهم فأحضروا شهودا عليهم، بأنهم تسلموها، وأبرئوا ذمتكم منها، كيلا يكون بينكم وبينهم نزاع؛ لأن الإشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للريبة والخصومة، وأدخَلُ في الأمانة. {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}: أي وكفى الله محاسبا وشهيدا ورقيبا على الأولياء، في حال تسليمهم الأموال لليتامى، هل هي كاملة، أو منقوصة؟. وفي هذه الجملة، تحذير للمسلمين، من أخذ شيء من أموالى اليتامى - وأن الإشهاد - وإن أسقط الدعوى في الدنيا أمام القضاء - فهو لا يحل ما أخذه الولي من مال اليتيم، عند الله في الآخرة، فإذا كان الولي خائنا، فإن الله سيحاسبه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية. ¬

_ (¬1) نقلًا عن ابن كثير يرويه عن ابن أبي الدنيا. (¬2) سورة النساء الآية: 10.

{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)}. التفسير 7 - {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا}: بعد أن بين الله تعالى، الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى - التي آلت إليهم بالميراث - شرع في الكلام - على أحكام المواريث. فأجملها في هذه الآية الكريمة، إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من حرمان الصغار والنساء منه، وسَيفصلها فيما يأتي: سبب النزول: نزلت هذه الآية في شأن زوجة أوس بن ثابت وأولاده وابني عمه. فقد روى ابن مردويه وغيره، عن جابر: أن أوس بن ثابت، مات عن زوجته أم كحة وابنتين، وابن صغير، وابني عمه - وهما وصياه - فأخذا ماله: ولم يعطيا أولاده وزوجته منه شيئا، كعادتهم في الجاهلية. فقالت الزوجة للوصيين: تزوجا بالبنتين وكانت بهما دمامة فأبيا. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرته الخبر. فدعاهما. فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كَلاًّ (¬1) ولا ينكأُ عدوًا (¬2). فصرفهم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يَنزلَ حكمُ الله في شأنهم، فأنزل الله هذه الآية. فأرسل إلى ابن العم. وقال لهما: لا تحركا من الميراث شيئًا، فإِنه قد أنزلَ عَليّ فِيه شيء ¬

_ (¬1) يطلق الكل على السيف والعيال والثقل. (¬2) أي لا يقتل عدوًا ولا يجرحه.

أخبرت أن للذكر وأنثى نصيبًا. ثم نزلت بعد ذلك الآيات في تفصيل الميراث. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم الباقي بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين. ولم يعط ابني العم شيئًا. وفي بعض طرق الحديث: أن الورثة كانوا زوجة وابنتين وابني العم، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني العم ما بقي بعد نصيب الزوجة والبنتين. ومن هذا يتبين: كيف أنصف الإِسلام المرأة، وحفظها من الضياع. {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ}: والمقصود من الرجال والنساء: الذكور والإناث، وإن كانوا صغارا. أي للذكور نصيب مما تركه آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم، كالإِخوة والأخوات، والأعمام والعمات. وللإناث نصيب مما ترك آباؤُهن وأمهاتهن وأقاربهن. وبهذا، بطل ما كان عليه أهل الجاهلية، من توريث البالغين من الرجال فقط، حيث جعل للجميع حظًا ونصيبا في الإرث. وكان يكفى أن يقال: لكل واحد نصيب مما ترك. الوالدان والأقربون. ولكنه تعالى، شاء أن يفصل فيجعل للرجال نصيبا وللنساء نصيبا مما تركه الوالدان والأقربون، إيذانا بأصالة النساء في استحقاق الميراث، ومنعًا من صرف هذا المجمل إلى الرجال وحدهم، على ما كانت عليه عادة الجاهلية، ومبالغةً. في إبطال هذه العادة الظالمة. {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} أي لكل من الصنفين - الرجال والنساء - نصيب من المتروك. سواء أكان المتروك قليلًا أم كثيرا، عظيم القيمة أو حقيرها، عقارًا ثابتا أو منقولا. فلا يحق لبعض الورثة أن يستأثر ببعض الميراث دون الآخرين، كالسلاح والخيل، وغير ذلك. كما كان شائعًا في الجاهلية. وتقديم القليل على الكثير - في الآية - للتنبيه على وجوب دخوله في الميراث ببن المستحقين، لأنه مظنَّة التهاون فيه.

{نَصِيبًا مَفْرُوضًا}: أي فرض الله ذلك حظًا مفروضا مقدرًا، تجب مراعاته، وتحرم مخالفته. {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)}. المفردات: {أُولُو الْقُرْبَى}: أصحاب القرابة غير الوارثين. {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ}: فأعطوهم من المال الموروث. التفسير 8 - {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}: بعد أن بين الله - فيما سبق - استحقاق الوارثين من الرجال والنساء، بين في هذه الآية: أن من لا يرث من أقارب المتوفى، ومن اليتامى والمساكين الأجانب، يُسْتَحَبُّ إعطاؤُهم شيئًا من التركة إذا حضروا قسمة التركة، تطييبا لنفوسهم وجبرًا لخواطرهم. {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ}: أي وإذا حضر قسمة الميراث، أصحاب القرابة ممن لا حق لهم في الميراث، أو حضرها اليتامى والمسا كين من الأجانب. {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ}: أي فأَعطوهم من المال المتروك شيئًا، تطيب به نفوسهم، ويجبر خاطرهم ويدفع ما قد يسرى في نفوسهم من حسد الورثة على ما ورثوه. {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}: أَي قولًا لينا جميلا. مثل وددنا لو أَعطيناكم أَكثر من هذا، ودعائكم لهم بالبركة، وعدم مَنِّكم عليهم.

وقد ذهب جمهور فقهاء الأمصار، إلى أن هذا الإعطاء على سبيل الاستحباب، إذ لو كان واجبًا، لبينه الله، كما بين سائر الحقوق، ولتوفرت الدواعي على نقله. ولكنه لم ينقل. فدل ذلك على عدم وجوبه. وعلى ذلك فالآية محكمة لا نسخ فيها. وقد نقل عن ابن عباس أنه قال: والله ما نسخت هذه الآية، ولكن الناس تهاونوا بها. ومن العلماء من قال: إن الإعطاء كان واجبا قبل نزول آيات المواريث. ثم نسخ. والأول هو الصحيح المعوَّل عليه؛ لأن نص الآية مشعر بتقدم آيات المواريث عليها، فمعنى {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ}: أي قسمة الميراث على أربابه، ولا يقسم الميراث، ما لم تعلم أنصباء الورثة، والأمر بالرزق في قوله: {فَارْزُقُوهُمْ}: إنما هو في نصيب البالغين من الورثة، أما الصغار فلا يعطى من نصيبهم شيء. {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)}. المفردات: {وَلْيَخْشَ} الخشية: الخوف والحذر. {قَوْلًا سَدِيدًا}: عَدْلًا وصوابًا. التفسير 9 - {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}: يأمر الله تعالى الأولياء في هذه الآية الكريمة: بأن يخافوا ربهم ويتقوه في رعاية اليتامى الذين يَلُونَ أمورهم. فعليهم أن يعاملوهم بمثل ما يحبون أن يُعَامَلَ بهِ أبناؤُهم الضعفاء من بعدهم. وذلك بحفظ أموال اليتامى ورعايتها.

أخرج هذا المعنى ابن جرير، عن ابن عباس، حيث قال: يعني بذلك: الرجل يكون له أولاد صغار يَخشَى عليهم الضياع، ويخاف عليهم ألا يحسن إليهم من يلي أمرهم. يقول: فإن وَلي ضعافا يتامى مثل ذريته، فليحسِنْ إليهم، ولَا يأكُل أموالهم. وخلاصة المعنى: عاملوا اليتامى بما تحبون أن يُعَامَلَ به أولادكم من بعدكم. {وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}: أي وليقولوا لليتامى قولًا لينا، تظهر فيه الشفقة والحنان، مع العناية بتهذيب خلقهم وتوجيههم إلى الرشاد. {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)}. المفردات: {يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا}: أَي يأكلون ما يؤَدى بهم إلى النار، ليعاقبوا فيها على ما أكلوه. {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}: أي وسيدخلون نارا هائلة. من صَلِي النار - بكسر اللام - أي قاسى حرها. والسعير: النار الموقدة. من سَعَرت النار أوقدتها وألهبتها. التفسير 101 - {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}: سيقت هذه الآية؛ لتأكيد الأوامر والنواهي، التي سبقت في شأن اليتامى. وهي وعيد شديد، لمن يتعدى على أموالهم، بأخذها ظلما وعدوانا. أما إذا أخذ منها الولي

الفقير، بمقدار حاجته، كما سيق - في قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} - من هذه السورة، فلا إثم فيه. والمراد من قوله تعالى: {يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} أنهم يأْكلون من أموال اليتامى في الدنيا، ما يؤَدى بهم إلى النار في الآخرة. أو أن من يأكل مال اليتيم في الدنيا، يجازى في الآخرة على ذلك، بأن يأكل النار حقيقة. كما أخرجه ابن جرير في حديث الإسراء. وفيه: أن الرسول صلى الله عليه "رَأى أنَاسًا تُلْقىَ في أفْوَاهِهِم صخُورٌ مِنَ النارِ، وَتَخْرُج مِنْ أدبَارِهِمْ. فَسَألَ: مَن هَؤُلَاءِ يَا جبْرِيلُ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَؤُلَاء هُمُ الذِينَ يَأكُلونَ أمْوَالَ الْيَتَامى ظُلمًا". والآية عامة في كل من يأكل مال اليتيم ظلما وعدوانا: وَلِيًّا كَان أَو غيره. وفيها من المبالغة في الوعيد على ذلك والتحذير ما لا يخفى. {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)}.

التفسير 11 - {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ... } الآية. لقد بيَّن الله - عز وجل - فيما سبق - أن لكل من الرجال والنساء، نصيبًا في الميراث. وكان بيانًا مجملًا. وفي هذه الآية - وما يليها - بين الله من يستحق الميراث تفصيلا. ولقد ذُكرت المواريث في ثلاث آيات من سورة. وهي الآيتان (11، 12) والآية التي ختمت بها هذه السورة، وهي قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. وقد قرر الله - في هذه الآيات الثلاث - الميراث للرجال والنساء: كبارهم وصغارهم. وأعطى كل واحد نصيبه. وأبْطل ما كانَ عليه أهل الجاهلية من حرمان الإناث والصغار من الذكور. وتوريث من ليس له حق في الميراث. فقد كانت أسباب الميراث في الجاهلية: 1 - النسب: مع قَصْرِه على البالغين من الرجال: القادرين على الضرب والطعن، وركوب الخيل. 2 - التَّبَنِّي: فكان للمتبنى ما للابن الحقيقي في الميراث وغيره. وأبطل الإسلام ذلك. 3 - الحلف والعهد: فكان الرجل يقول للآخر: دمِي دَمُكَ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ، وترثُني وأَرثُكَ. فإِذا مات أَحدهما قبل الآخر، ورث الحي الميت. وبقى هذا الأخير مَعمولا به في صدر الإِسلام، إِلى أَن نزلت آيات المواريث. وقد كان من أَسباب الميراث، في صدر الإِسلام: الهجرة والمؤاخاة. أول العصر المدني. فقد كان المهاجري يرث الأنصاري، دون قرابته وذوي رحمه، للأخوَّة التي آخى بينهما

رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال ابن عباس. ثم نسخ الله ذلك، واستقر الأمر - عند جميع المسلمين - بعد نزول آيات الميراث، على أسباب ثلاثة هي: 1 - النسب. 2 - النكاح. 3 - الولاء (¬1). والحكمة في تشريع ما كان في صدر الإِسلام ظاهرة. لأن أَقارب المسلمين. كان أغلبهم كفارًا. وكان المسلمون - لقلتهم وفقرهم - في حاجة إلى التكافل والتناصر والتعاون بينهم. ولا سيما: المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأَموالهم. سبب النزول: أخرج الإِمام أحمد، وأبو داود والترمذي. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. قال: "جاءَت امرأة سعد بن الرّبيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتِلَ أبوهما معك في أحُدٍ شهيدًا. وإنَّ عمَّهما أخذَ مالَهما فلم يَدَعْ لهما مالًا. ولا تُنكَحانِ إلا ولهما مالٌ. فقال: يقضِي اللهُ في ذلك. فنزلتْ آيةُ الميراثِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... } الآية. فأرسل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِلى عمِّهما فقال له: أَعْطِ ابْنَتَي سَعْدٍ الثلثين، وَأمهُمَا الثمُن. وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ". {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}: أي يأمركم الله في ميراث أولادكم أَمرًا مؤَكدًا: بأن يكون للذكر، مثل حظ الأنثيين. والولد: يطلق على الذَّكر والأنثى. ويدخل أولاد الابن في الأولاد، لأنهم يرثون عند عدم وجود الأولاد. فإذا مات الميت، وترك أولادًا ذكورا وإناثا، كان للذكر مثل نصيب اثنتين من الإناث. ¬

_ (¬1) المراد: ولاء العتق. فالمعتق يرث عتيقه بعد موته، إن لم يكن له وارث آخر. كالقرب والزوجة بحيث يستنفدون الميراث. أما إن بقي بعد هؤلاء شيء، فهو للمولى المعتق.

والحكمة في جعل حظ الذكر - في الميراث - ضعف حظ الأنثى: أن الرجل مكلف بأعباء وواجبات مالية، لا تلزم بها المرأَة. فهُوَ الذي يدفع المهر، وينفق على الزوجة والأولاد - بعد ذلك - نفقة شاملة. أما المرأة، فهي تأْخذ المهر: لا تُلزم بأي نفقة: لنفسها أو أولادها ولو كانت غنية. وبذلك ترى أن العدالة تقضى بأن يكون نصيبها في الميراث أقل من نصيب الرجل. وأن الإسلام كان معها كريما، حينما أعطاها نصف نصيب الرجل، وجعل لها فيه كامل التصرف. فلا مجال لما يقال من أن الإِسلام بخسها حقها. ولا عدالة فيما يطالبون به من مساواتها بالرجل في الميراث. أفلا يذكر هؤلاء: أن المرأة كانت - قديمًا - محرومةً من الميراث عند العرب وغيرهم، وأن بعض الشعوب - إلى الآن - تحرم على الزوجة كل تصرف في مالها، وتجعل حق التصرف فيه لزوجها، ولو بغير إذن منها؟! {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}: أي فإن كانت الأولاد إناثا لا ذكر معهن، وكان عددهن أكثر من اثنتين، فلهن ثلثا التركة، مهما بلغ عددهن. {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}: أي إن ترك الميت بنتا واحدة: لا أَخ لها ولا أخت. فلها نصف الميراث. بالغا ما بلغ. والنصف الآخر على باقي الورثة، حسب أَنصبتهم في الميراث. وهذا الذي تقدم، هو نصيب الذكور مع الإناث من الأولاد، ونصيب البنات إذا كن أكثر من اثنتين، ونصيب البنت الواحدة إذا انفردت.

أما نصيب البنتين، فلم يذكر في الآية الكريمة. وقد اختلف فيه العلماءُ: 1 - فقال الجمهور: للبنتين الثلثان. فحكمهما حكم الثلاث فأَكثر. ودليلهم ما يأتي: (أ) قياس البنتين على الأُختين، حيث قال الله فيهما: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} (¬1) والبنت أقرب إلى الميت من الأخت. فإذا حازت الأختان الثلثين، فأولى أن يكون ذلك للبنتين. (ب) أن البنت تأخذ مع أخيها الثلث. فأولى أن تخذه مع أختها. (ج) ما ورد عن ابن مسعود، من أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل للبنت مع بنت الابن الثلثين. فأولى أن يكون الثلثان للبنتين. (د) الحديث المذكور في سبب النزول، فهو صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطى لابنتي سعد بن الربيع الثلثين. وعلى ذلك، يكون المعنى المراد من الآية: فإن كن نساء: اثنتين فما فوق. 2 - وقال ابن عباس: إن البنتين: كالبنت الواحدة. نصيبهما النصف. لأن الله جعل لما زاد على الاثنتين الثلثين. فلا تعطى البنتان الثلثين. وإِنما تأخذان النصف. والراجح ما ذهب إليه الجمهور، لقوة أدلته. هذا، وأولاد الابن كأولاد الصلب - في كل ما تقدم - عند عدم وجودهم. وتعرف أَحوال ميراثهم من كتب الفقه. {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}: بعد أن بين الله نصاب الأولاد: ذكورا أو إناثًا أو مجتمعين، شرع في بيان ميراث الأب وإلام. فإن كان الميت قد ترك أبويه وولدا ذكرا أو أنثى: واحدًا أو أكثر، فلأبويه السدس. ولأمه السدس. والباقي يعطى للأولاد على النظام المتقدم في بيان نصيبهم. فان كان الميت قد ترك بنتًا واحدة - مع الأب والأم - أخذت البنت النصف، ولكل من ¬

_ (¬1) النساء من الآية: 176.

الأبوين: السدس. والباقي من التركة يأخذه الأب تعصيبًا. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأهْلِهَا. فَمَا بقِيَ فَلَأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (¬1) ". {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ}: أي إذا مات الميت ولم يترك ولدًا: ذكرًا كان أو أنثى، وورثه أبوه وأمه، أخذت أمه ثلث التركة، والباقي للأب. وهو الثلثان. لأن الميراث انحصر فيهما. فبعد أن أخذت الأم فرضها، يأخذ الأب الباقي. {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}: أي: أن نصيب الأم يصير سدسًا. لو كان الميت قد ترك عددًا من الإخوة من أي نوع: اثنين فأكثر، ولو كانوا غير وارثين. أما إذا كان للميت أخ واحد أو أخت واحدة، فلا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، بل يبقى لها الثلث. هذا الذي تقدم، هو مذهب الجمهور. من أن الاثنين من الإِخوة يُصيِّران نصيب الأم السدس، بدلا من الثلث. ويرى ابن عباس: أَن نصيبها لا ينقص عن الثلث مع الاثنين من الإِخوة والأخوات. أخذًا من قوله تعالى: {إِخْوَةٌ} وأقل الجمع ثلاثة. والجمهور يقولون: الاثنان جمع، فقد ورد إطلاق الجمع على الاثنين. قال تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (¬2). وقال: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} (¬3). وأَيضًا، فقد رأى الجمهور: أن كلًا من البنتين والأختين. كالثلاث في الميراث. فيكون الاثنان من الأخوة كالثلاثة، في الحجب من الثلث إلى السدس. ¬

_ (¬1) رواه الشيخان وغيرهما، وأحمد، والترمذي. (¬2) التحريم. من الآية: 4. (¬3) ص. من الآية: 21، 22.

ومن مسائل ميراث الأبوين: ما إذا كانا موجودين مع أحد الزوجين. فإذا ماتت امرأة عن زوجها وأبيها وأمها، فلو أَعطينا الزوج النصف كما سيأتي، وأعطينا ألام الثلث لعدم وجود ولد ولا عدد من الأخوة، لكان الباقي للأب هو السدس. فيكون نصيب الأم - وهي أنثى - ضعف نصيب الأب وهو رجل. وهذا لم يعهد في الميراث .. وقعت هذه المسألة في عهد الصحابة: فقضى فيها عمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وجمهور من الصحابة: بأن نصيب الأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج، وللأب ثلثا الباقي. وخالف ابن عباس في ذلك. وقال: للأُم ثلث المال، وتناظر زيد بن ثابت فيها مع ابن عباس. فقال ابن عباس لزيد: لا أجد في كتاب الله أن للأم ثلث الباقي. فقال زيد ليس في كتاب الله إعطاؤُها الثلث مع وجود الزوج. وكأن زيدًا يريد أَن يقول: أن الله تعالى، أعطاها الثلث - إن كان الميراث منحصرًا في الأَبوين، وإلا كان قول الله - تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} عدم الفائدة. ومثل المسألة المتقدمة: ما إذا كان الميت الزوج، وترك زوجة وأبًا وأمًّا. فللزوجة الربع وللأم ثلث الباقي، وللأب ثلثاه. وتعرف هاتان المسألتان في الميراث، بالعُمَرِيتين؛ لقضاءِ عمر فيهما بذلك. وقد وافقه جمهور الصحابة على ذلك. {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}: أي تقسيم الميراث على النحو المتقدم: للأَولاد والأبوين، لا يكون إلا بعد أداءِ وصية قد أوصى بها قبل موته أَو بعد سداد دين كان عليه قبل موته. فلا يأخذ أي وارث شيئًا من الميراث، إلا بعد سداد الديون، وتنفيذ الوصايا؛ لأنهما حق لغير الورثة. فلا يورث.

هذا، والحقوق المتعلقة بالتركة: ما يأتي، على هذا الترتيب: (1) ما يتعلق بتجهيز الميت ودفنه. (2) سداد ديونه حتى تبرأ ذمته. (3) ما يكون قد استدركه من أعمال الخير قرب وفاته، كالوصايا، في حدود الثلث. ويقدم سداد الديون على تنفيذ الوصية، إذا لم يتسع المال الموروث لهما. وإِنما قدم الله الوصية في الآية الكريمة على الدين، اهتمامًا بشأنها؛ لأنها مظنة للتفريط في أدائها. {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا}: أي: هؤُلاء الذين أوصاكم الله بهم، وبين أنصباءَهم في المال الموروث هم:: آباؤكم وأَبناؤكم. والله يَعلَمُ أقربهم لكم نفعًا. وأنتم لا تدرون ذلك. ولهذا تولى قسمة المال بينهم حسب علمه. ولم يتركه لكم، لعدم علمكم بمن يستحق الأكثر، ومن يستحق الأقل. {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ}: أي فَرَضَ الله ذلك الذي تقدم، فريضة عليكم، وألزمكم به. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}: فهو يعلم ما به صلاح خلقه، وهو ذو حكمة: يضع كل شيء في موضعه. ويقضي بما يراه حقا. فعليكم أن تنفذوا وصيته، وأَن تستسلموا لما قضى به من قسمة المواريث. فهو العليم بمواضع المصلحة، دون سواه.

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)}. المفردات: {كَلَالَةً}: مصدر من فعل"كَلَّ" بمعنى الكلال. وهو العجز والإعياء، وكَلَّ الرجلُ كلالة، إذا مات وليس له والد أو ولد يرثه؛ لأنه عجز عن بلوغ القرابة القوية. {غَيْرَ مُضَارٍّ}: أي غير مدخلٍ الضررَ على الورثة، في وصيه أو دين. كأن يوصى بأكثر من الثلث. أو يقر بدَيْن ليس عليه.

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} حدود الله: شرائعه وأحكامه. وأَطلق عليها الحدود، لشبهها بالحدود والحواجز، من حيث إن المكلف: لا يجوز له أن يتعداها إلى غيرها. التفسير 12 - {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... } الآية. المعنى: {وَلَكُمْ} أيها الأزواج. {نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}: أي نساؤُكم، بعد وفاتهن من أموال منقولة وغير منقولة. {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ}: أي ولد من بطنها أو من صلب بنيها، أو أولاد بنيها .. نزولًا إلى غير حد: ذكرا كان أو أنثى، واحدًا أَو أكثر، منكم أو من غيركم. كما فهم من إضافته إِلى الزوجات في قوله تعالى: {لَهُنَّ} والباقي بعد النصف الذي استحقه الزوج يعطَى لذوى الفروض والعصبات، الذين لهم حق ميراث الزوجات. ولبيت المال، إِن لم يكن لهن وارث أصلًا. {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ}: على النحو المذكور {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ}: من المال. والباقي لسائر الورثة. والنصيبان المذكوران للأزواج من زوجاتهم. {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}: فالباقي من مال الزوجة المتوفاة - بعد تنفيذ وصيتها وقضاء دينها - يأخذ منه الزوج النصف تارة، والربع تارة أخرى. حسب التفصيل السابق. ويفهم من الآية: وجوب تقديم الوصية والدَّين على قسمة الميراث. فإن استوعبا التركة، فلا ميراث لأحد منها. وإن كانت التركة تكفي الدَّين وحده أو الوصية وحدها، قُدِّم الدَّين على الوصية. وقد أجمع العلماءُ: على أن نصيب الزوج من زوجته النصف أو الربع، على النحو الذي بينته الآية الكريمة.

{وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}: أي ولزوجاتكم الربع مما تركتم - أيها الأزواج - من المال. والباقي لسائر ورثتكم، أو لبيت المال، إن لم يكن لكم وارث: {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} منهن أو من غيرهن: ذكرًا كان أو أنثى. واحدًا أو أكثر. {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ}: على النحو المذكور. {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}: من المال. ويقوم ولد الابن مقام ولد الصلب في كل ذلك. وما بقي، فالشأن فيه كما تقدم {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}: كما سبق بيانه. وقد أجمع العلماء: على أن كلا من الربع أو الثمن، يكون للزوجة إِن انفردت، وللزوجتين أو الثلاث أو الأربع إذا اجتمعن: يقسم الربع بينهن بالسوية، عند عدم الولد للزوج. والثمن كذلك عند وجوده. وقد فرض الله تعالى، للرجل - بحق الزواج - ضعف ما فرض للمرأة. كما في النسب. ذلك بما فضله الله به، إذ جعله قوَّامًا عليها. ثم شرع في بيان أحكام من يحتمل السقوط من الورثة - بعد بيان أحكام الآباء والأولاد، والأزواج والزوجات، وهم لا يسقطون بحال - فقال، جل شأنه: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} الكلالة هو من لم يكن له والد ولا ولد عند موته. {أَوِ امْرَأَةٌ}: تورث كلالة كذلك. {وَلَهُ} أي للرجل الذي يورث كلالة {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} لأمه، وكذلك إذا كان للمرأة التي تورث كلالة، أخ أو أخت لأمها {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا}: أي من الأخ أَو الأخت لأم {السُّدُسُ}: يستوي فيه ذَكَرُهم وأنثاهم {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ}: أي فإن زاد الإخوة لأم عن الواحد، فهم جميعًا: شركاء في الثلث - وإِن كثر عددهم - يقتسمونه بينهم بالسوية. لا فرق بين ذَكَرِهم وأنثاهم. وقد أجمع العلماءُ: على أن المراد من الإخوة - هنا - الإخوة لأم لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}: والإخوة للأبوين أو للأب، لا يرثون هكذا. إِذ هم المعنيون بما جاء في قوله تعالى في آخر هذه السورة: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وإن كانوا أيضًا يسمون: كلالة. مثل الإخوة لأم، لقوله تعالى في صدر

تلك الآية: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} ... الآية. وفي كل حال من أحوال ميراث الكلالة، يأخذ الأخوة لأم نصيبهم {مِنْ بَعْدِ} تنفيذ {وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} من الرجل أو المرأة صاحبي التركة {أَوْ دَيْنٍ} ثبت على كل منهما أو أوصى به، وكذا الحكم في مثله فيما تقدم: {غَيْرَ مُضَارٍّ}: أي غير جَالب لورثته الضرر بعد موته، بالزيادة على الثلث في الوصية. أو بقصد الإضرار بهم، دون التقرب بها إلى الله تعالى. أو بالإقرار بِدَين لا يلزمه. {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ}: أي يوصيكم الله بكل ذلك، وصية مؤَكدة، صادرة من عنده، واجبة الرعاية والتنفيذ. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بكل شيء: عِلْمَ إحاطةٍ وشمول. فيعلم جميع أحوالكم ونياتهم: حسنة كانت أو سيئة فيجزيهم عليها. {حَلِيمٌ}: لا يعاجل المخالفين بعقوبته، إمهالا؛ لعلَّهم يتوبون، وليس إهمالا، فكل سيلقى جزاءه. واستيفاء الكلام على ميراث الإخوة لأم وأحكام الوصية، مبسوط في كتب الفقه. 13، 14 - {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}: بعد أن أوضحت الآيات السابقة، طائفة من أهم أحكام الوصية والميراث وحقوق اليتامى والنساء - جاءت هاتان الآيتان: تشددان في الالتزام بها بترغيب الطائعين، وتحذير المخالفين. والمعنى: {تِلْكَ} الأحكام العظيمة الشأْن، التي مضت في شئون النساء واليتامى والمواريث والوصايا وسواها.

{حُدُودُ اللَّهِ}: شرائع الله: الكثيرة النفع، التي هي كالحدود والحواجز، التي لا يجوز تجاوزها. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: بامتثال كل التكاليف، وفي جملتها تلك الحدود. {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ}: عظيمة النعيم، عالية الدرجات. ومن عظمها أنها {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}: لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها: قال تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} (¬1). وقال تعالى: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (¬2). {وَذَلِكَ}: الجزاءُ الكريم بتلك الجنات العالية هو {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: فقد حصلوا به على أَسمى المطالب، ونجوا من كل المكاره. ولا فوز يدنو من ذلك الفوز، الذي نالوه بطاعة ربهم وجزيل كرمه. {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ}: أي من يتجاوز شرائعه المحدودة في جميع الأحكام، مستحلا مخالفَتها، أو مستهينًا بها، عاصيًا بتركها - ويدخل في هذا الوعيد العام - المخالفون لما بينته الآيات السابقة. {يُدْخِلْهُ} الله. {نَارًا} هائلة: شديدة الإحراق حال كون الداخل إلى تلك النار. {خَالِدًا فِيهَا}: لا يبرحها. {وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}: أي وله فوق عذاب الحريق الجسماني، عذاب روحاني، مهين: مذل. لا يعرف كنهه إلا الله تعالى. ¬

_ (¬1) الدخان من الآية: 56. (¬2) الحجر الآية: 48.

{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)}. المفردات: {الْفَاحِشَةَ}: معناها لغة؛ الفعلة الشديدة القبح. والمراد منها هنا: الزنى. لأنه من أقبح الفواحش. {فَأَمْسِكُوهُنَّ}: احبسوهن. {سَبِيلًا} السبيل: الطريق الموصل؛ سواء أكان سهلا أم صعبًا. التفسير 15 - {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}: بعد أن قررت الآيات السابقة، حقوقًا للنساء في الميراث - كان أهل الجاهلية ينكرونها عليهم ولا يعترفون لهم بها جاءَت هذه الآية، والتي تليها - ببيان ما عليهن من واجب العفة، وصيانة العرض، وتوضحان: أنهن ارتكبن الفاحشة، عوقبن؛ صيانة لهن من الخزي، وللأسرة من العار، والضياع؛ وللمجتمع من الفساد والانحلال. وللإيذان بأن باب التوبة مفتوح أمام الزناة، حضا على تطهير القلوب، والرجوع إلى الله: بالإقلاع عن الجريمة النكراء.

والمعنى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ}: أي والنساء اللاتي يفعلن ويرتكبن فاحشة الزنى القبيحة - حال كونهم من إناثكم أيها المسلمون، سواء أكن ثيبات أم أبكارا. {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ}: أي فاطلبوا ممن قذفهن أي يُشهِدَ على زناهم - عند عدم إقرارهن به - أربعة رجال عدول منكم أيها المؤمنون. فلا تصح شهادة النساء، ولا تقبل شهادة غير المسلمين، ولا غير العدول. ولخطورة الادعاء بالزنى. اختص - وحده - بشهادة هذا العدد: تغليظًا على المدعي وسترًا على العباد، وصيانة للأنساب. {فَإِنْ شَهِدُوا}: أي فإن أدى الأربعة الشهادة عليهن، برؤيتهم للجريمة رؤية واضحة محققة، أثناء التلبث الكامل بها. {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ}: أي فاحبسوهن في البيوت؛ عقوبة لهن طول خيانتهن. {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ}: أي حتى ينهي الموت حياتهن، بقبض أرواحهن. {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}: أو إلى أن يجعل الله لهن طريقًا آخر لعقوبتهن على اقتراف جريمة الزنا. وهكذا شأن الله تعالى، في علاج الجرائم الاجتماعية؛ المنتشرة بين الطبقات، الجارية منهم مجرى الغرائز: لا يعالجها بالحسم من أول الأمر، ولكنه يتدرج في علاجها، فيبدأ بالأخف، وينتهي بالأشد، حتى لا يكون الحسم - من أول الأمر - صعبًا على النفوس. وقد حدث مثل ذلك في عقوبة الخمر وسواها. فسبحانك أنت الحكيم العليم. 16 - {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا}: المعنى: والرجل والمرأة اللذان يرتكبان فاحشة الزنى القبيحة منكم - أيها المسلمون - {فَآذُوهُمَا}: بالتقريع والتوبيخ، وبيان أن ما ارتكباه جريمة في حق المجتمع وحق أنفسهما، وأنهما تعديا حدود الله بما اقترفاه.

ورأى ابن عباس: أَن يضاف إلى ذلك الضرب، وهذا الإيذاءُ عقوبة للزناة من الرجال: أبكارًا كانوا أو غير أبكار. وكذا للزانيات من النساء، ثيبات وأبكارًا، فوق عقوبة الحبس الخاصة بهن. فالإيذاء: عقوبة مشتركة بين الجنسين، بعد ثبوت الزنى عليهما بأربعة شهداء استكملوا الشروط السابقة، ومثل ثبوته بهؤُلاء الشهود، ثبوته بالإقرار. فهو سيد الأدلة. وقد ثبت بالسنة. {فَإِنْ تَابَا}: أي إن رجع الزانيان من الفريقين عن جريمتهما بعد الإيذاء. {وَأَصْلَحَا}: عملهما وسلوكهما، وظهرت الاستقامة عليهما. {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا}: فاقْبَلوا توبتَهما، وكفُّوا الإيذاءَ عنهما. وتبقى عقوبة الحبس على الزانيات بعد توبتهن؛ احتياطًا للأعراض. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا}: أي إن الله كان ولا يزال، عظيم التوبة على عباده، واسع الرحمة بهم. وإنما اختص النساءُ - أول الإِسلام - بعقوبة الحبس دون الرجال؛ لأن الرجل هو عائل الأسرة، والقَوَّام عليها. فلو حُبِس حتى يموت، لكان في ذلك ضياعٌ واسع المدى لأسرته. والله لا يرضى بذلك. وقد بقيت عقوبة الزنى على النحو السابق: الإيذاءُ للرجال والنساء. والحبس للنساء خاصة حتى الموت. حتى جعل الله لهن السبيل الذي وعد به. فيما رواه الإِمام أحمد، وأبو داود ومسلم والترمذي، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه رسم، قال: "خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي .. قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكْرُ بِالْبكْرِ: جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام. وَالثَّيِّبُ بِالثيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ". وقد نسخ جلد الشيب الوارد في الحديث بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع ماعز والغامدية، فإنه رجمهما ولم يجلدهما مع أنهما ثيبان وبقيت على الثيب عقوبة الرجم. وبذا، تكون عقوبة الحبس - التي شرعت أول الإسلام - قد انتهت بتشريع الرجم للمحصن والجلد لغيره، ذكرا كان أم أنثى.

{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)}. المفردات: {السُّوءَ}: القبح والمراد هنا: المعاصي مطلقًا. {بِجَهَالَةٍ} الجهالة: الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعقلاء. وليس المراد بها عدم العلم، فإن من لا يعلم. لا يحتاج إلى التوبة. التفسير 17 - {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} بعد أن أوضحت الآيتان السابقات، عقاب من أتى بالفاحشة من النساء والرجال، وأن باب التوبة مفتوح - جاءت الآيتان تؤكدان ذلك، وتذكران الشروط التي تجعل التوبة مظنونة القبول. {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}: أي: إنما قبول التوبة ثابت ومتحقق من الله - فاء بوعده الصادق - للذين يعملون المعصية: صغيرة كانت أو كبيرة، جاهلين - أي سفهاء غير متدبرين - عاقبة ما يصنعون.

ثم يتوبون إلى الله من ذنوبهم - توبة صادقة، ويستيقظون من غفلتهم - في وقت قريب، قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، وتظهر أسباب الموت وأماراته. {فَأُولَئِكَ}: التائبون قبل فوات الأوان {يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}: أي يقبل توبتهم تفضلًا منه، تحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف. {وَكَانَ اللَّهُ}: ولا يزال {عَلِيمًا}: يحيط علمه بكل شيء. فيعلم الصادق في توبته وغيره {حَكِيمًا}: عظيم الحكمة في التدبير كل الأمور، وتصريف جميع الشئون ومن حكمته: أن فتح باب التوبة أمام العصاة جميعًا؛ حسمًا لمادة الفساد. وقد اتفقت الأمة، على أن التوبة من الذنب، واجبة على المؤمنين. لقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (¬1). {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ}: صحيحة ولا مقبولة {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}: ويستمرون عليها. {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ}: فإن توبة هؤلاء لا يقبلها الله تعالى؛ لأنها جاءت في وقت اليأس من الحياة. أما التوبة المقبولة، فهي التي تكون في وقت الأمل في الحياة، مع الرغبة في إصلاح الحال بعدها. {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ}: أي وليست التوبة أيضًا للذين يقربون من الموت وهم كفار. فيقولوا آمنا في وقت الغرغرة، فإنها توبة مردودة على صاحبها. كما رد الله توبة فرعون لما أدركه الغرق. {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}: أي أولئك جميعًا هيأنا لهم عذابًا عظيمًا شديد الإيلام، يتفاوتون في تفاوتهم في الكفر والمعاصي. ¬

_ (¬1) النور، من الآية: 31.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)}. المفردات: {كَرْهًا}: مكرهين بدون رضاهن. {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} العضل: المنع والحبس والتضييق. {بِفَاحِشَةٍ}: كل ما فحش قبحه قولًا أو فعلا. والمراد بها هنا: نحو الزنى والنشوز. {مُبَيِّنَةٍ}: واضحة ظاهرة. التفسير 19 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ... } الآية. فيما تقدم من الآيات، أبطل الله - سبحانه - عادات كانت للجاهلية، في شأن اليتامى وأموالهم. وميراث النساء. واستطرد الحديث، إلى وجوب الحفاظ على عفتهن وتأديبهن، إن ارتكبن الفاحشة، استكمالًا لعناصر إصلاح الأسرة. وفي هذه الآية، ينهى عن عادات جاهلية أخرى، تتعلق بالنساء في أنفسهن وأموالهن.

سبب النزول: روى البخاري، عن ابن عباس، قال: "كانوا إذا مات الرجلُ كانَ أولياؤُه أحقّ بامرأته: إن شاءَ بعضهم تزوجها، وإِن شاءُوا زوّجوها، وإن شاءُوا لم يزوجوها. فهم أحق بها من أهلها". فنزلت هذه الآية. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ}: أي: لا يحل لكم أيها المؤمنون: أن ترثوا من أقاربكم زوجاتهم بعد وفاتهم، كما تورث الأموال والعقارات. وتقولوا: نرثهن كما نرث أموالهم. {كَرْهًا}: كارهات لذلك، بأن تتزوجوهن أو تزوجوهن من غيركم، بدون رضاهن، أو تمنعوهن من الزواج. كأنما تتصرفون في أموال ورثتموها. فإن ما كان من أفعال الجاهلية المنكرة، لا يليق بكم أيها المؤمنون. {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ}: أي ولا تضيقوا أيها الأزواج، على زوجاتكم اللاتي كرهتموهن لدمامة أو سآمة وملل، وتحبسوهن لديكم، مع سوء العشرة؛ ليفتدين أنفسهن منكم ببعض صداقكم لهن، فتأْخذوه منهن بدون رضاهن. {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}: أي إلا أن يرتكبن فعلةً واضحة القبح، ظاهرة الشناعة تجعلها - وحدها - المسئولة عن هدم الحياة الزوجية: كالزنى، أو النشوز. وعندئذ، يكون من العدل: أن يأخذ الزوج المظلوم، بعض ما أداه لها صداقًا ليخالعها عليه، إذْ هي التي هدمت بيته بظلمها، وعدوانها. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}: أي بما عُرِفَ في الشرع حسنُه، من الإنفاق قدر طاقتكم، من غير إسراف. ومن القسم بالعدل، والقول اللين، وانبساطة الوجه؛ لتعيشوا سعداء. {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ}: وسئمتم عشرتهن لدمامتهن، أو سوء في خلقهن يمكن احتماله، فلا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس، وذهاب الحب، واصبروا على معاشرتهن {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}: فلعلكم تكرهون شيئًا بحكم النفس والهوى،

ويجعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا: دنيويًا كان أو أخرويًا. وأَنتم لا تعلمون ذلك الخير ولا تدركونه. بسبب كراهتكم لهن! فأحسنوا إليهم وعاشروهن بالمعروف، لتَرَوْا ثمرة ذلك. فإن المعروف يتعقب الخير دائمًا. {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)}. المفردات: {قِنْطَارًا}: هو مائة رطل كما في القاموس والعرف. والمراد منه: الشيء الكثير. {بُهْتَانًا} البهتان: الكذب الذي يواجه به المكذوب عليه فيحيره. والمراد به هنا: الظلم الذي يتحير في ارتكابه. {أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} الإِفضاءُ إلى الشيء: الوصول إليه بالملامسة. والمراد به هنا: الاتصال الجنسي. أو ما يكون بين الزوجين في خلوة. {مِيثَاقًا غَلِيظًا}: عهدًا وثيقًا قويًّا. التفسير 20 - {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ... } الآية. بعد أن تحدثت الآية السابقة. عن حكم الفراق الذي سببه الزوجة، وأنه يتيح للزوج أن يأخذ من زوجته، بعض ما أعطاها من ماله؛ تعويضًا عما لحقه من الضرر،

جاءَت هذه الآية لتبين أنه إن طلقها - دون أن يكون منها نشوز وإساءة - فليس له أن يأخذ مما أصدقها إياه شيئًا، ولو كان قليلًا، وإن كان الذي أعطاها إياه مالًا كثيرًا. والمعنى: وإن أردتم - أيا الأزواج - تزوج امرأة ترغبون فيها، لتقوم مكان زوجة ترغبون عنها، وتريدون طلاقها، وقد كنتم أعطيتم من قبل ذلك من تريدون فراقها مالًا كثيرًا: {فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}: فلا تستردوا من الكثير الذي أعطيتموه لها شيئًا ولو قليلًا، فضلا عن أن تأخُذُوا مِنه كثيرًا. وقد استدل بظاهر الآية، على جواز المغالاة في المهور. روي أن عمر - رضي الله عنه -، قال على المنبر: لا تُغاَلوا في مُهور نسائكم. فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع؟ وتلت هذه الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر، ورجع عن النهي عن المغالاة (¬1). ومع سكوت عمر عن النهي عنها، فالقصد في المهور أفضل. ففي الحديث: "أعْظَمُ النِّسَاء بَرَكَةً أيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً (¬2) ". وذهب العلماءُ إلى أنه لا حد لأكثر الصداق. واختلف في أقله. وقد تكفلت كتب الفقه ببيان الآراء في ذلك. وبعد النهي الصريح عن أخذ شيء من صداق من يراد طلاقها، انتقلت الآية إلى تأكيد هذا النهي - بطريق الإنكار - على من يسترد شيئًا من الصداق، وتوبيخه على ذلك، بقوله تعالى: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}: أي أتأخذون هذا الصداق - أو شيئًا منه - ظالمين للزوجات بهذا الأخذ، وآثمين به إثمًا بينًا واضحًا! ¬

_ (¬1) رواه الإِمام أحمد. (¬2) رواه أحمد في مسنده.

كان أحدهم إِذا أراد التزوج بامرأة، رمى الزوجة التي عنده بفاحشة ظلمًا، كي يلجئها إلى الافتداء منه بصداقها أو ببعضه، فَنُهوا عن ذلك (¬1). 21 - {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ... } الآية. هذا إنكار على الأخذ من صداق الزوجة، بعد إنكار في الآية قبلها، وتنفير منه إثر تنفير. وتعجيب من حال هذا الذي يظلم زوجته بغير حق! والمعنى: بأي وجه، ولأي سبب تفعلون هذا، وتتناسون أنه - جرى بينكم وبينهن ما يؤَكد حقهن فيما أخذنه صداقًا! فقد بذلت المرأة نفسها لزوجها، وجعلت ذاتها موضع تمتعه، وحصلت الألفة التامة، والمودة الكاملة بينهما. فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئًا بذله لها بطيب نفس! إن هذا لا يليق بمن له طبع سليم، وذوق مستقيم. {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}: يوم تزوجتموهن على ما أخذه الله للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. قال تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (¬2). ومن ألجأ زوجته إلى الافتداء بصداقها، لم يكن تسريحه لها بإحسان، بل بالإساءة. وقد أكدت السنة ما جاءت به الآية. قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "وَاستَوصُوا بِالنِّسَاء خَيْرًا، فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ الله وَاستَحْلَلتُمْ فرُوجَهُن بِكَلِمَةِ الله (¬3) ". ¬

_ (¬1) رواه الطبراني عن ابن عباس. (¬2) البقرة. من الآية 229. (¬3) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)}. المفردات: {سَلَفَ}: مضى وتقدم. {فَاحِشَةً}: فعلة شديدة القبح. {مَقْتًا}: بغضًا شديدًا. {وَسَاءَ سَبِيلًا}: وقبح طريقًا. {وَرَبَائِبُكُمُ}: جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره. {فِي حُجُورِكُمْ} الحِجْرُ: الحضن. والمراد في كفالتكم وتحت رعايتكم. {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ}: زوجات أبنائكم. وسميت الزوجة حليلة؛ لحلها للزوج.

التفسير 22 - {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ... } الآية. بعد أن بينت الآية السابقة ما يحل للزوج أَخذه من الصداق وما يحرم، جاءت هذه الآية - والآيتان بعدها - لبيان من يحرم نكاحهن من النساء ومن يحل. سبب النزول: قال الآلوسي: أخرج ابن سعد، عن محمَّد بن كعب، قال: كان الرجل إذا تُوُفي عن امرأته. كان ابنه أحق بها أن ينكحها - إن شاء - إن لم تكن أمه - أو ينكحها من شاء. فلما مات أبو قيس بن الأسلت، قام ابنه حصْن، فورث نكاح امرأته، ولم ينفق عليها، ولم يورثها من المال شيئًا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له. فقال: ارجعي، لعل الله ينزل فيك شيئًا، فنزلت {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ... } الآية. ونزلت { ... لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ... } الآية. وقال الآلوسي أيضًا: وذكر الواحدي، وغيره، أَنها نزلت في حِصن المذكور. وفي الأسود بن خلف: زوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف. تزوج امرأة أبيه: فاختة بنت الأسود، وفي منظور بن ريان: تزوج امرأة أَبيه؛ مليكة بنت خارجة. وقال القرطبي: كان في العرب قبائل، قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أَبيه. وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة. وكانت في قريش مباحة مع التراضي .. الخ. ولشيوع هذا المنكر بينهم، أفرد الله تحريمه بآية خاصة، لم يدرجه ضمن المحرمات في الآيتين التاليتين؛ اهتمامًا بشأن تحريمه، ومبالغة في الزجر عنه، والتنفير منه؛ لشدة قبحه. المعنى: ولا تتزوجوا مَن تزوجهن آباؤُكم من النساءِ بعد فراقهم لهن بموت أو طلاق؛ لشدة قبحه. لكن ما قد مضى وسبق من هذا الزواج - قبل نزول تحريمه في هذه الآية - فإنه معفو عنه. ويجب التفريق بين الزوجين فيما كان قائما من هذا الزواج، عند نزول هذه الآية. ويثبت النسب به، وعليكم أن تمتنعوا عن وطئهن، فإنهن أصبحن محرماتٍ عليكم.

{إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}: أي أن نكاح زوجات الآباء، الذي حرمه الله في هذه الآية، كان - ولا يزال في حكم الله - فعلة قبيحة، وأمرًا ممقوتًا بغيضًا. وَقَبُحَ هذا الطريق عند الله، وعند أصحاب المروءَات، طريقًا إلى الزواج. والنكاح: حقيقة لغوية في كل من العقد والوطء. واختلف في معناه شرعًا في آيات القرآن الكريم. فالشافعية يقولون: المراد منه العقد. ولذلك يحلون للابن المرأة التي زنى بها أبوه. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يحرم على الرجل أن يتزوج بمن زنى بها أبوه. إذ النكاح عنده: عبارة عن الوطء ولو كان محرمًا. 23 - {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}: المعنى: جاءَت هذه الآية - مع التي قبلها والتي بعدها - بتحريم نكاح خمسة عشر صنفًا من النساء. وهن: سبع من النسب، وسبع من جهة الرضاعة والمصاهرة، وواحدة ما دامت زوجة. وهي المحصنة. وقد تقدم في الآية السابقة، بيان تحريم ما نكح الآباءُ من النساء. ويأتي في الآية التالية، بيان تحريم المحصنات من النساء. فتكون هذه الآية وحدها، اشتملت على تحريم ثلاثة عشر نوعًا. وفيما يلي بيانها: سبعٌ يحرم نكاحهن من النسب، أي القرابة. وهن: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. وستّ أخريات يحرم نكاحهن من الرضاعة والمصاهرة وهن: الأمهات، والأخوات من الرضاعة، وأمهات الزوجات وبناتهن، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين. قال تعالى:

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}: أي حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم. والمراد من الأمهات: ما يشمل الأم والجدات لأب أو لأم. {وَبَنَاتُكُمْ}: أي بنات الصلب، وبنات الأولاد: ذكورا كانوا أَو إناثًا. {وَأَخَوَاتُكُمْ} من الجهات الثلاث: شقيقاتٍ أو لأب، أو لأم. {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ}: من الجهات الثلاث، في كل نوع من هذه الأنواع: أي شقيقاتٍ، أو لأب، أَو لأم. والعمة تشمل أخت الأب أو الجد وإن علا. والخالة تشمل أخت الأم وأخت الجدة وإن علت. وبنات الأخ وبنات الأخت، تتناول القربى والبعدى. وبعد بيان الحرمات من النسب، انتقلت الآية، إِلى بيان ما يحرمه الرضاع، فقالت: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}: لقد أَثبت فيما الجزء من الآية الكريمة أن الرَّضاعة تمنح المرضعة وصف الأُمومة، فتسمى بذلك أمًّا للرضيع. وتمنح أَولادها وصف الأخوة للرضيع: ذكورًا وإناثًا ولو من أَزواج متعددين. ويسمَّوْن بذلك إخوة وأخوات. وينتقل التحريم - بحكم ذلك - من المرضعة إلى أصولها وفروعها، وإخوتها وأخواتها. وينتقل كذلك، إِلى صاحب اللبن - وهو زوج المرضعة - وأصوله وفروعه، وإخواته وأخواته فأبو المرضعة، جدّ للرضيع، وأمها جدَّة له. وبنها وبنتها أُخته، وأخوها خاله، وابنة بنتها ابنة أخته. وهكذا. وكذلك زوج المرضعة - صاحب اللبن - أبو الرضيع، وأبواه جداه من الرضاع، وبنته - ولو من غير المرضعة - أخته، وأخته عمته. وعلى كل، فالأَمر في الرضاع، كما في الحديث "يَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (¬1). والمراد من أَخوات المرء من الرضاعة: بناتُ من أرضعته، وبنات صاحب اللبن، وإن لم يَرْضعْنَ معه، بأَن وُلدْنَ قبله أَو بعده. والرضاع المحرم: يكون بوصول لبن المرأة إلى الجوف. مصًّا من الثدي، أو شربا من نحو إناء، أو مطبوخًا. وَرَضْعَةٌ واحدةٌ ولو مصَّة، تكفى في التحريم عند أكثر العلماء. ¬

_ (¬1) الفتح الكبير 3 - 415 رواه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة وأحمد في مسنده ومسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس.

ولا تحريم عند الشافعي إلا بخمس رضعات متفرقات. لحديث ثبت عنده بذلك (¬1) والرضاع بعد الحولين، عند أكثر العلماء لا يحرم. والمراد: الحول القمري. واعتبر أبو حنيفة في إثبات حكم الرضاع: ستة أشهر بعد الحولين. واعتبر مالك - بعد الحولين - شهرًا أو نحوه. وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة، واستمر فطامه، فلا يعتبر الرضاع بعده. وعند الإمام الليث: أن الرضاع يحرم ولو للرجل الكبير. وهو مذهب عائشة. والفتوى على خلافه. ولكل دليله. وتفصيل الكلام على ذلك، في كتب الفقه. وبعد بيان المحرمات من جهة الرضاعة، التي لها لحمة كلحمة النسب، شرعت الآية في بيان المحرمات من جهة المصاهرة. في قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}: والمراد من هذا الجزء من الآية الكريمة: أن الرجل إذا عقد على البنت فإن أُمها تحرم عليه بمجرد العقد، حرمة أبدية. وإن لم يدخل بها. فلا تحل له بحال، وإذا عقد على امرأة لا تحرم عليه بنتها إِلا إِذا دخل بأُمها، فإنها حينئذ تحرم أبدًا، فإن لم يدخل بالأم، فلا تحرم عليه بنتها أبدًا. بل له أن يتزوجها بعد طلاق أمها. وليس المراد بالتعبير بربائبكم اللاتي في حجوركم، تقييد التحريم لبنت الزوجة، بكونها تتربى في حماية الزوج، وفي حضانته ورعايته - بل هو تعبير عما هو الغالب. وهو أن يكن في حضانة الأزواج مع أمهاتهن. كما يستفاد منه تأكيد معنى الحرمة، بتقوية الشبه بينهن وبين الأولاد. {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ}: أي وحرم عليكم نكاح زوجات أبنائكم تحريمًا أبديًا. سواءٌ حصل الدخول أم لم يحصل والمراد بالابن من انتسب إليك بالولادة. فيشمل ابن الابن وإِن نزل. فزوجة ابن الابن، وابن البنت، تحرم كذلك على الجد. ¬

_ (¬1) رواه مسلم عن السيدة عائشة.

وقد أجمع العلماءُ على ذلك. كما أَجمعوا على تحريم زوجة الأب على أبنائه وحفدته، وإِن لم يدخل بها. وسميت الزوجة حليلة؛ لحلها للزوج. وقوله: {الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ}: لإخراج زوجات الأبناء بالتبني. فيجوز التزوج بهن بعد طلاقهن. أما حرمة زوجات الأبناء من الرضاع، فثابتة بحديث: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النسَبِ (¬1) ". {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}: أي وَحُرِّمَ على الرجل أَن يجمع بين أختين في النكاح. فلا يتزوج الرجل امرأة، ثم يضم إليها أختها بطريق الزواج. وهذا بإجماع العلماء. واختلف في الجمع بينهما في الوطءِ بملك اليمين. فجمهور العلماء يحرمه، قياسًا على النكاح. وأهل الظاهر يجيزونه، كما جاز الجمع بينهما في الملك. عملا بقوله تعالى: في الآية التالية {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ولم يلتفت أهل الفتوى لهذا الرأي. وقالوا بحرمة ذلك، لأن سبب التحريم وهو البغضاءُ والنفور. والتقاطع بسبب الغير، حاصل في الوطء بملك اليمين - كالنكاح. {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ}: أي لكن ما قد مضى قبل النهي، لا تؤاخذون به. ويجب التفريق بينهما، إن وُجِدَ مثل ذلك، حين نزول الآية. وكما يحرم الجمع بين الأختين، يحرم الجمع بين المرأَة وعمتها. أو خالتها. وكذلك يحرم الجمع بين أكثر من أربع حرائر. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}: أي إن الله كان - ولا يزال - عظيم الغفران لذنوب مَنْ تاب إلى الله وأَناب، واسع الرحمة، فلا يؤَاخذ إلا بعد النهي والإرشاد. ¬

_ (¬1) رواه الشيخان وأحمد وغيرهم.

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)}. المفردات: {الْمُحْصَنَاتِ}: جمع محصنة. وقد ورد الإحصان في القرآن الكريم بمعانٍ مختلفة منها: التزويج والحرية، والعفة. والمراد هنا: ذوات الأزواج. {مُحْصِنِينَ}. من الإحصان بمعنى العفة. {مُسَافِحِينَ}: زانين. {اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}: تمتعتم بهن. {أُجُورَهُنَّ}: مهورهن التي فرضت لهن. التفسير {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... } الآية. المعنى: وحرمت عليكم - مع من ذكر في الآية السابقة - النساءُ المتزوجات بالفعل. فلا يحل لكم أَن تعقدوا عليهن قبل مفارقة أزواجهن وانقضاء عدتهن: سواءٌ كُنَّ حرائرَ أم إماءٌ، وسواء كُنَّ مسلماتٍ أم كتابيات.

ويستثنى من ذلك الحكم، ما ملكت أيمانكم بسبب السبي الواقع لزوجات الكفار المحاربين. فَهُنَّ حلال لكم مطلقًا - بعد استبرائهن والتأَكد من عدم حملهن من أزواجهن الكافرين - لأَنه لا حرمة لهذا الزواج. وبهذا حل وطؤهن. ويرى بعض الفقهاء: أنه لا يحل وطؤُها إذا سبيت مع زوجها. ثم أكد الله تحريم من حرم من النساءِ في هاتين الآيتين، بقوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}: أي كَتَبَ الله عليكم كتابًا وفرضه فرضا. وهو تحريم جميع من ذكر من أصناف النساء، لتلتزموا به وتتبعوا تعاليمه. {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}: والمعنى: إن الله أحل لكم نكاح من عدا المذكورات ومن في حكمهن، مما فهم من الآيتين استنباطًا، ووضحته السنة، لأجل أن تبتغوا بأموالكم المحللات من ترغبون فيهن، حالة كونكم تريدون - بذلك - تحصين أنفسكن من الوقوع في السفاح، الذي لا يراد منه سوى قضاء الشهوة المحرمة، التي لا تليق بالإنسان الذي كرمه الله، وخلقه في أحسن تقويم. {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}: معناه: فمن استمتعتم به ممن أحل الله لكم - عن طريق النكاح الصحيح - فآتوهن مهورهن التي اتفقتم عليها. أو ما يعادل مهر المثل إِذا لم يكن هناك اتفاق بخصوصه. وذلك حق مفروض عليكم لهن. لا بد من أَدائه إِذا تمسك كلٌّ بحقه. {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ}: بأن قبل أَحد الطرفين أن يكون كريما مع صاحبه. فزاد الزوج مثلًا على قيمة المهر الواجب، أو تنازلت الزوجة عن بعض حقها أَو كله .. فلا حرج في ذلك: لا حرج عليكم في الزيادة، ولا حرج عليهن في الحط. قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: 4.

ثم ختمت الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}: لإفادة أن ما شرع الله من الأحكام، إنما هو لمصلحة عباده. فهو: العليم بما ينفعهم ويقيم حياتهم على الجادة، الحكيم فيما يدبره لهم ويشرعه من أجلهم. ومن جملته هذه الأحكام السابقة. {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)} المفردات: {طَوْلًا}: غنى وسَعَة. والمراد هنا: المال الذي يعين على دفع المهر والإنفاق على الزوجة. {الْمُحْصَنَاتِ}: الحرائر. {مُحْصَنَاتٍ}: عفيفات. {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ}: غير زانيات. {أَخْدَانٍ}: جمع خدن، وهو الصاحب في السر.

{فَإِذَا أُحْصِنَّ}: فإذا تزوجن. {بِفَاحِشَةٍ}: الفاحشة، الزنى. {الْعَنَتَ}: المشقة. التفسير 25 - {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ... } الآية. المعنى: ومن لم يجد منكم - أيها الأحرار المؤمنون - سعة من المال، تمكنه من القيام بتكاليف الزواج من إحدى الحرائر المؤمنات - فلينكح أمَةً من الإماء المؤمنات، لخفة تكاليف الزواج منهن، ويتخذْ منها زوجة، دون غضاضة في ذلك الزواج. فقد يكون - في قوة إيمان الأمة - ما يعوضه خيرًا مما فاته من نكاح الحرة. والله - وحده - هو الذي يعلم حقيقة إيمانكم، الذي هو أَساس التفاضل بينكم عنده سبحانه. فأنتم جميعًا - أَحرارٌ وأرقَّاء - من جنس واحد: في الدين، وفي النسب. وأنتم جميعًا - أَمام الله - سواءٌ من هذه الناحية. أكرمكم عند الله أتقاكم. {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}: معناه: فإذا رغب أحدكم أَن يتزوج إحدى الإِماء المسلمات، فليكن نكاحه إياها بإِذن وليها ومالكها. وليؤَدّ لها مهرها، من غير مطل أَو إضرار أَو نقص. بل المهر المتعارف لأمثالهن. واختاروهن عفيفات عن الزنى. {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}: أي غير مجاهرات به، ولا مسرات، باتخاذهن الأخدان والأصحاب. {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}: المعنى: فإذا أُحصِنَت الأمَة بالزواج، وزنت بعد ذلك، فَحَدُّها على النصف من حد المرأة الحرة البكر، التي لم تتزوج: وهو خمسون جلدة.

وعلى هذا، فقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} ليس جاريا مجرى الشرط في تنصيف الجلد، كما فهمه البعض. وبنى عليه أن الأمَةَ لا تحد إلا إِذا زنت بعد زواجها، وإِنما هو لدفع توهم أن التزوج بغير حدهن من الجلد إِلى الرجم كالحرائر. والذي يدل على ذلك، ما رواه البخاري ومسلم، عن زيد بن خالد الجهني، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الأمَة إذا زنت ولم تُحْصَنْ، فقال: "اجلِدُوهَا، ثُمَّ إن زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُم إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا. ثُم بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" أي بحبل مضفور من الشعر. وإِنما كان حد الأمة المتزوجة الجلد، وعلى النصف من حد البِكر الحرة؛ لأن جريمة الزنى عن الأمة أخف منها بالنسبة للحرة؛ لأن الأمَة ضعيفة، ولا تستطيع الوصول إِلى تحصين نفسها كما تصل إليه الحرة. {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ}: معناه: أن الزواج بالأمة المملوكة للمسلم الحر - عند عدم الطول - إنما هو لمن خاف الوقوع فيما يشق عليه. وهذا بخلاف من لا يخشى المشقة من الأحرار المسلمين. ويؤخذ من منطوق هذه الآية الكريمة: أن زواج الحر بالأمة مباح، بشروط ثلاثة: 1 - أن يخاف على نفسه المشقة إذا لم يتزوج. 2 - وألا يجد من المال، ما يمكنه من تحمل تكاليف الزواج بالحرة. 3 - وأن تكون الأمَة مؤمنة. وبهذا الظاهر أَخذ جماعة من العلماءَ، منهم الشافعي، رضي الله عنهم. ومن العلماء من قال بعدم اشتراط شيء من ذلك. ومنهم أبو حنيفة - رضي الله عنه - فهو يرى أَن هذه الشروط الثلاثة، إنما هي لمجرد الإرشاد إلى ما هو الأَفضل والأولى بالمؤمنين.

ثم ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ}: أي وصبركم عن زواج المملوكات وعن الوقوع في الزنى - خير لكم، لئلا يصير الولد رقيقا. ونكاحها لأجنبي يقطع الطريق على سيدها أن يشتهيها فتلد منه الحر، وتضع أول خطواتها على طريق الحرية باعتبارها أم ولد. والإِسلام يتشوق إلى تحرير الرقاب، وتقليل الأرقاءِ. وإن لم تصبروا، وضعفت نفوسكم عما هو خير لكم، فلا تثريب عليكم. {وَاللَّهُ غَفُورٌ}: لمن يقع في الزلل. {رَحِيمٌ}: واسع الرحمة بالتيسير عليكم، وتخفيف المشقة. {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬1). {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)}. المفردات: {سُنَنَ}: جع سُنَّة، وهي الطريقة. ¬

_ (¬1) الحج، من الآية: 78.

التفسير 26 - {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: يريد الله تعالى - بذكر ما سبق في هذه السورة من الأحكام والتشريعات - أَن يبين لكم ما فيه إرشادكم، ويهديكم إلى نهج مَنِ اصطفاهم من عباده من الأنبياء، في أصول ما شرعه الله لهم. فاتبعوهم واقتفوا أثرهم، وانسجوا على منوالهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (¬1). ويريد كذلك فيما أَباحه لكم: أن يرشدكم إلى ما يكفكم عن المعاصي ويحملكم على التوبة منها. والله عليم بما خَلَقَ ومن خَلق ... فيشرع لكم ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم. والله حكيم في كل ما يأْمر به، وما يبيح فعله، وما ينهى عن ارتكابه. 27 - {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}: المعنى: والله سبحانه، يريد أن يتوب عليكم، فيفتح لكم باب التوبة لتُقْبلوا عليها، فيتجاوز عن سيئاتكم. بل إنه يفرح بتوبتكم أشد من فرحكم بقبولها، لأنه أرحم بكم من أنفسكم. فشأنه الرحمة دائما. فاطرقوا بابه، والزموا رحابه. فإنما يريد المبطلون الذين يتبعون شهواتهم، ويصيرون وراءَ ضلالاتهم: أن تعدلوا عن الاستقامة، وتنحرفوا إلى الضلالة انحرافا عظيما. حتى تكونوا مثلهم. وهذا شأن المنحرفين دائما: يريدون أَن يكون الناس على طريقتهم، حتى يسلموا من ذمهم ولومهم. كما في قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (¬2) وقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} (¬3). ¬

_ (¬1) الأنعام. من الآية: 90. (¬2) القلم. الآية: 9. (¬3) النساء. من الآية: 89.

28 - {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}: المعنى: يريد الله أن يخفف عنكم - أَيها المؤمنون - ويسهل عليكم أحكام شريعته، لتسهل عليكم طاعته سبحانه. وهنا مقتضى الحكمة، ومناط الرحمة ... فما فعل الله ذلك إِلا لعلمه أن الإنسان خلق ضعيفًا أمام رغباته وشهواته. فرحمةً به، خفف عنه التكاليف ورخص له في كثير من الأحكام، وفتح أمامه باب التوبة. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)}. التفسير {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}: بعد أَن بين الله - سبحانه - لعباده ما أحل لهم من النساء، وما حرم عليهم، شرع في بيان بعض الحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس، وبيان الوسائل المشروعة في الحصول عليها. فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}: والمعنى: نادَى الله عباده - بوصف الإيمان - حفزا لهم على مراعاة تعاليمه، والاستماع إليه، والانتفاع بما شرعه لهم سبحانه، وعدم اقتراف ما يجردهم من صفة الإيمان المحببة

إلى نفوسهم. ثم نهاهم - جل شأنه - عن محاولة حصول بعضهم على أموال بعض، بأي وسيلة غير مشروعة: كالربا، والسرقة، والغصب، والرشوة، واليمين الكاذبة، وشهادة الزور ... ونحو ذلك مما حرمه الله. وبيَّن وسيلةً من وسائل الكسب الحلال، وهي التجارة القائِمة عن تراضٍ يتعامل الناس فيها معًا، ويقيمونها بينهم، كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفصلها الفقهاء في كتبهم. ويلحق بالتجارة كل أسباب التملك التي أباحها الشارع. كالهبة، والصدقة، والإرث. وإِنما اختصت التجارة بالذكر من بين هذه الأسباب؛ لأن كسب الإنسان واضح فيها أَكثر من الطرق الأخرى، ولنفى ما قد يتوهم من أنها تشبه الربا. وعبّر سبحانه، عن الحصول على الأموال وأَخذها بالأكل؛ لأنه هو المقصود الأول للإنسان من جمع المال، أيًا كانت وسيلته. والتعبير بلفظ {أَمْوَالَكُمْ} - للدلالة على أن المال المأكول هو مال الآكل. فمال أَخيك هو مالك، باعتبار أن الجماعة المؤْمنة، متضامنة في السراء والضراء، وأَن ما يصيب أحد أعضائِها من الألم - يصيب الآخر لا محالة. فعندما تتفكك الأواصر بين أفراد جماعة ما، بسبب ظلم بعض أفرادها للبعض الآخر - تتولد الكراهية بينهم وتنمو. وفي ذلك فناءٌ للجماعة كلها ... لا فرق بين ظالم ومظلوم. وقد عبرت الآية الكريمة عن هذا المعنى - بوضوح وجلاءٍ - في قوله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}: أي لا تكونوا سببا في هلاك جماعتكم، فهو هلاك لكم. ولا ترتكبوا من الآثام ما يؤَدي إِلى ذلك. بل ابتغوا - لأنفسكم وجماعتكم - الحياة الكريمة التي يسودها الوفاق والحب: باتباع معالم الهدى، والوقوف عندما أحل الله لكم. ففيه وحده صلاحكم في دنياكم وآخرتكم، لأنه سبحانه. رحيم بكم في نهيه إياكم عن ذلك.

30 - {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}: المعنى: بعد هذا البيان الحكيم المنبعث من الرحمة الإِلهية التي وسعت كل شيء، توعّد الله كل من تسوّل له نفسه: أن يرتكب ما يفسد رباط الجماعة المؤْمنة، متجاوزا بذلك حَدّ الشرع: ظالما لنفسه ولغيره ... توعده - سبحانه وتعالى - بعذاب أليم في نار تلظّى: يصلى حرها، ويقاسي سعيرها. وذلك أمر هيِّنٌ على الله. ثم رغب الله في اجتناب ما نهاهم عنه، وحبَّبه إليهم ببيان ما يترتب على اجتناب الكبائر من تكفير صغائر الذنوب، والفوز بالجنة ونعيمها. فقال جَلَّ شأْنه: 31 - {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}: المعنى: إِن تبتعدوا - أيها المسلمون - عن الذنوب الكبائر التي نهى الله عنها، وتوعدكم على فعلها، فأَطعتم الله ورسوله - كان ثمرة ذلك، أن نكفر عنكم سيئاتكم، ونستر عليكم معاصيَكم التي لم تبلغ حدَّ الكبيرة - بسبب هذه الطاعة، وندخِلَكُم دار النعيم حيث تقيمون فيها مكرمين، وتحْيَون فيها حياة لا يشوبها كدر ولا عناءٌ. وهذا مظهر آخر من مظاهر الرحمة الإلهية الشاملة، يتمثل في هذا الوعد الكريم من الله لعباده المتقين .. وفي إِسباغ فضله عليهم بالثواب الجزيل، الذي يزيد أضعافا على ما يستحقون. هذا، وقد قيل في تعريف الكبيرة كلام كثير. أظهره أنها: كل ما رتَّب الشارع عليه حَدًّا، أو صرح بالوعيد فيه نصًّا. وقد تكفلت السنة النبوية بذكر أمثلة واضحة لكبائر الذنوب. فقد روى الشيخان عن أَنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "ذكر لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، الكبائرَ فقال: الشِّرْكُ بالله. وعُقوقُ الوالدَيْن، وقتلُ النفسِ. وقال: ألا أنبِّئكم بأكبرِ الكبائر: قَوْل الزور. أو قال: شهادة الزور".

وروى الشيخان أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "اجتنبوا السبعَ الموبِقات. قيل: يا رسول اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النفسِ التي حرم الله إلا بالحق، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والزنى، والتَّوَلِّي يومَ الزحفِ، وقذْفُ المحْصناتِ الغافِلاتِ المؤْمناتِ". وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الكبائرُ: الإشراك بالله، وعقوق الوالِدَيْن، وقَتْل النفس، واليمينُ الغَمُوسُ". وروى الشيخان، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إنَّ مِنْ أَكبر الكبائر: شَتْمَ الرجل والِدَيْه، قالوا: وهل يشتمُ الرجل والِديْه؟ قال: نعم. يسبُّ الرجلُ أبا الرجلِ أَو أمَّه، فيسب أَباهُ وأمَّهُ". {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)}. المفردات: {تَتَمَنَّوْا}: من التمني. وهو إرادة ما يُعلم أو يُظَن ألا يكون. أَو هو التعلق بحصول أمْر في المستقبل.

التفسير 32 - {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}: لما نهى الله المؤمنين - في آية سابقة - عن أكل أموال الناس بالباطل، وبيَّن أثر ذلك في هلاك الجماعة، نهاهم - في هذه الآية - عن التطلع إلى ما فضل الله به بعض الناس على بعض في الرزق. سبب النزول: روى في سبب نزول هذه الآية - وما بعدها - روايات منها: أن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: "ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجالِ، فيكون لنا من الأجر مثلهم". ومنها: أنه لما جعل الله تعالى، للذكر في الميراث مثل حظ الأنثيين، قالت النساء: نحن أحوج أن يكون لنا سهمان، وللرجال سهم؛ لأنا ضعفاءُ وهم أقوياءُ. وأقدر على طلب المعاش: فنزلت الآية. المعنى: ولا يتمنَّ أحدكم أن يكونَ له ما أَنعم الله به على أخيه دونه، مما يتعلق بأمور الدنيا ومتاعها، من مال أَو جاه. فللرجال نصيب مما اكتسبوه في حياتهم. وللنساء نصيب مما اكتسبن. وهذا التفاوت المادي، الذي جعله الله بين الرجل والمرأة في الميراث وبعض التكاليف - وإن أشعر بالتفاضل في الدنيا - فهو لحكمة اقتضاها اختلاف طبيعة كل من الرجل والمرأة، ومسئولية كل منهما. وهو ليس مقياسا للتفاضل في الآخرة. بل التفاوت فيها مبني على التفاضل في الأعمال الصالحة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (¬1) راجع تفسير الآيتين: (11، 12) من هذه السورة. ¬

_ (¬1) الحجرات. من الآية: 13.

{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}: إذا رغبتم المزيد من نعمه، فإن خزائن الله لا تنفد. وذلك خير من الطمع فيما أنعم الله به على فريق من عباده {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (¬1). {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}: فيعطى كل واحد من عباده ما يناسب استعداده، وتصلح به - في نظره - أمور حياته. وبهذا البيان الحكيم المعجز، عالج القرآن الكريم، ما يعتمل في نفوس كثير من الناس، حين يرون التفاوت الواضح: فيما أنعم الله به على عباده، وفضل بعضهم على بعض، في كثير من وجوه الرزق. وقد يصعب على الناس فهم الحكمة في ذلك. ولكن حياتهم في هذه الدنيا لن تستقيم إلا بهذا التفاوت فيما بينهم. وصدق الله العظيم حيث يقول: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (¬2). {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)}. المفردات: {مَوَالِيَ}: جمع مَوْلَى؛ وهو يطلق على من يتولى شئون غيره. كما يطلق على من يتولاه غيره. والمراد هنا: ورثة. ¬

_ (¬1) النساء. من الآية: 54. (¬2) الزخرف. من الآية: 32.

{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}: أي من حالفتموهم وعاهدتموهم. والأيَمان: جمع يمين. ويراد منه القسم، أو اليد اليمنى، لأَن المتحالفين يضع كل منهما يمينه في يمين الآخر عند التعاقد. التفسير 33 - {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}: هذا شروع في بيان ما من شأنه أن يقوي بنيان الأسرة، ويحفظ عليها مالها. والمعنى: ولكل ميراث تركه الوالدان والأقْربون، جعلنا ورثةً متفاوتين في الأنصباء، تبعا لتفاوتهم في درجات قرابتهم من الميت: كلٌّ يرث ما قدَّره الله له من حق. {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}: أي: والذين عاقدتموهم، وتحالفتم معهم على النصرة والنصيحة والعطاء: بأن توصوا لهم بما لا يتجاوز الثلث مما تتركونه من أموال - فعليكم الوفاء بما عاهدتموهم عليه. قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (¬1). {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}: إِن الله عليم بكل شيء من الأشياء - التي منها المنع والعطاءُ - شهيدٌ عليها، مطلع على أفعالكم. فيعلم منكم الوفاءَ أو عدمه. ثم أخذ يبين نوع الصلة التي يجب أن تكون بيت الزوجين، باعتبارهما حجر الأساس في استقرار الأسرة، وشيوع السعادة بين أَفرادها فقال: ¬

_ (¬1) النحل. الآية: 91.

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)}. المفردات: {قَوَّامُونَ}: جمع قَوَّام. وهو القائم بالتدبير والحفظ. {قَانِتَاتٌ}: مطيعات لله بطاعتهن لأَزواجهن. {تَخَافُونَ}: الخوف؛ حالة تحصل في القلب عن حدوث أمر مكروه شرعا. أو عند الظن أَو العلم بحدوثه. وهو يختلف باختلاف الحالات. {نُشُوزَهُنَّ}: عصيانهن، وترفعهن عن مطاوعتكم. من النشز. وهو المرتفع من الأرض. {وَاهْجُرُوهُنَّ}: الهجر، الترك عن كراهية. {الْمَضَاجِعِ}: أَماكن الاضطجاع. وهي المراقد. {فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}: تبغوا؛ إِما من البغي بمعنى الطلب، وإِما من البغي بمعنى الظلم. {خِفْتُمْ}: الخوف لغة؛ توقع مكروه عن أَمارة مظنونة أو معلومة. كما قال الراغب. والمراد به هنا؛ العلم. {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}: أي اختلافًا بين الزوجين.

التفسير 34 - {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ... } الآية. فضل الله - سبحانه وتعالى - الرجال على النساء، بأمور منها: الإِمامة، والولاية، الميراث، والشهادة، والجهاد، والجمعة، والجماعات. {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}: أي: ولما أنفقوا على النساء في النفقة والمهر، جعل الله لهم قوامة على زوجاتهم. وهي قوامة رابطه ومحبة: تقوم على التعاون بينهما. والمعاشرة بالمعروف، بحيث يقوم كل منهما بواجبه نحو صاحبه. وهو ما يبدو واضحًا في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (¬1). ولا شك في أَن حقوق كلٍّ من الزوجين وواجباته، تختلف عن حقوق الآخر وواجباته تبعًا لاختلاف التكوين الفطري لكل منهما. ولا شك أَن مصالح الأسرة: ودوام استقرارها. يتطلب قيام كل منهما بوظيفته التي تلائم طبيعته. مع التعاون التام، والاحترام، المتبادل. والرجل أقدر - بطبيعته - على السعي والكدح في سبيل تحصيل رزقه، ورزق أسرته، ليهيئ لها حياة سعيدة هانئة. ولهذا ناط به الشارع رعاية الأسرة، وحَمَّلَهُ مسئوليتها. وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله سبحانه: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (¬2). {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}: هذا بيان للناس من الله تعالى، بأَن النساء أَمام هذه القوامة نوعان: نوع يفهمها على وجهها الصحيح، ويقوم برسالته كما ينبغي. ونوع يتمرد عليها، ويحاول التهرب من التزاماتها. ¬

_ (¬1)، (¬2) البقرة. من الآية: 228.

وقد عبر القرآن عن النوع الأول بقوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}: فوصفهن بالصالحات، لأنهن يمتثلن أَمر الله، فيطعن أَزواجهن، ويقمن بواجباتهن، ويحفظن على الأزواج أموالهم وأعراضهم في جميع الحالات، ويقوم بهن المجتمع الإسلامي الأمثل، تحقيقًا لشرع المدبر الأعلى. أما النوع الثاني، فالحديث عنه في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}: فقد بين الله الطريقة المثلى في إرجاعهن إلى الصواب، حتى تؤَدي الأسرة رسالتها المنوطة بها، وكان الله رحيمًا بها. على الرغم من تمردها. وجعل - سبحانه وتعالى - علاج الشقاق بين الزوجين على مرحلتين: الأولى: يتولاها الزوج. فيقوم أوَّلًا بوعظها. فإن لم يفد، انتقل إِلى هجرها في المضاجع عَلَّها تثوب إلى رشدها، فإن لم يجْدِ ذلك، انتقل إلى ضربًا غير مبرح مع اتقاء الوجه، والمواضع التي يظهر فيها أثر الضرب غير المبرح: علاجًا لمرض النشوز، والتماسا للطاعة وحياة الاستقرار والهدوء. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}: أي: إِن شفين مما عرض بهن ورجعن لكم مطيعات - فلا تظلموهن بأي طريق من طرق الظلم. وعَاشروهن بالمعروف. وعلى الذين يهاجمون القرآن وتشريعه في جعل الضرب وسيلة تأديب الناشز، أن يلاحظوا: أولًا: أن القرآن جعل هذا التأديب المادي، آخر وسيلة يلجأ إليها الزوج، بعد أَن يفشل الوعظ، ويفشل التأديب العاطفي بالهجر في المضجع ولم يبق إلا آخر الدواء وهو الضرب غير المبرح. ثانيا: أن الضرب المباح للزوج، أَوضحه الرسول الكريم بقوله: "غيرَ مُبَرِّحٍ" (¬1)، فليس المقصود منه الإِيذاء، بل هو لإِيقاظ صوابها وضميرها، بتخويفها هذا، حتى لا يهدم البيت من أساسه. ¬

_ (¬1) من خطبة للرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. رواها ابن ماجه والترمذي.

ثالثا: أن التأديب المادي لأرباب الشذوذ، معترف به، ومطبق عمليا، في البلاد التي بلغت في الحضارة شأوًا بعيدا. وعليهم بعد هذا: أن يوازنوا بين مرارة الوسيلة التي لا يمكن إنكارها، وبين ما يترتب على إلغائِها من هدم الأسرة وتخريب البيت، وتشريد الأطفال. فإذا كان الضرب ينتج تقويم المعوج، ويرجع الزوجة الناشز عن غَيِّها، ويردها إلى صوابها - والضرب هنا أنْفَى للضرب - فستحمده هي عندما ترى نفسها، وقد استعادت مكانتها كزوجة وربة بيت. وما من شك في أن الزوجة العاقلة الصالحة، لن تَدَعَ الأمر يصل بها إلى هذا الحدِّ من العقاب. وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} بعد قوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} تحذير من الله لعباده من ظلمهم لزوجاتهم. فهو سبحانه، قوي قادر على أن ينتصف لهن منكم إِن بغيتم عليهن، ولم تتقوا الله فيهن أيها الأزواج. 35 - {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}: هذه هي المرحلة الثانية في علاج الشقاق بين الزوجين. فقد يشتد الخلاف بينهما. وربما الْتَبَسَ أمره فلا يعرف المحق من المبطل، ولا المسالم من المشاكس، لادِّعاء كل منهما عدوان الآخر عليه - لمَّا كان الأمر كذلك - أَمر الله سبحانه ولاة الأمر - في هذه الحالة - أن يقيموا حَكَما من أهل الزوج، وحَكَما من أهل الزوجة، للتعرف على أسباب الشقاق والخلاف والقضاء عليها، والعمل على إعادة الحياة الزوجية بين الزوجين المتنازعين: نقيّة من كل ما يكدر صفوها. فقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ... } الآية. والمعنى: وإِن علمتم أن بين الزوجين شقاقا قد استفحل خطره، فوجِّهوا إليهما حَكَما من أهل الزوج وحَكَمًا من أهل الزوجة، لينظرا فما بينهم من نزاع وشقاق، فإذا خَلَصَت

نية الحَكَمين، وقصدا - بصدق - إلى التوفيق بين الزوجين، وفقهما الله سبحانه، إِلى إزالة أسباب الخلاف والشقاق، وأعانهما على إِعادة الحياة الزوجية، نقية من مكدراتها صافية من منغصاتها، لأنه - مع إِخلاص النية وصدق الطوية - يكون توفيق الله. والله سبحانه عليم خبير بكل شيء. ومن ذلك الذي يعلمه ولا يخفى عليه - نيةُ الحَكَمين، وما تنطوى عليه سرائرهما من رغبة في التوفيق أو الإفساد والتفريق. وفي ذلك ترغيب من الله تعالى، لمن حسنت نيته، وصفت سريرته، وترهيب لمن ساءت نيته، وانطوت على غشِّ سريرته. وظاهر الأمر ببعث الحَكَمين: الوجوب. وبه قال الشافعي .. لأنه من باب رفع المظالم. وهو من الفروض العامة التي فرضها الله على ولي الأمر. وظاهر وصف الحَكَمين بأن أحدهما من أهل الزوج، والثاني من أهل الزوجة: أَن ذلك يشبه أن يكون شرطا، ولكنه شرط على وجه الاستحباب فقط. فلو بعث وليُّ الأمر - أَو القاضي - حَكَمين أجنبيين عن الزوج والزوجة فذلك جائز .. ولكن كون الحَكَمين من الأقرباء أولى وأوفق. ذلك لأن نية القريب ورغبته في فض النزاع، وإحلال الوفاق محله، أصدقُ وأقوى من نية البعيد. ثم إِن هناك من دواعي الشقاق ما لا يليق أن يطلع عليه الغرباء، ولا تطاوع نفس الزوج أو الزوجة أن يبوح به، إلا لقريب يركن إليه. فمن هنا، كان اختيار الحَكَمين من أهل الزوج والزوجة، أسلم وأوفق من اختيارهما من بين الغرباء.

وقد اختلف العلماء فيما يليه الحكمان (¬1)؛ فذهب مالك: (وهو مذهب علي وابن عباس، ورراية عن الشافعي) إِلى أَن الحكمين حاكمان موليان من قبل الإِمام. فلهما أن يلزما الزوجين - بدون إذنهما - بما يريان فيه المصلحة؛ مثل أن يطلق حَكَمُ الزوج أو يفتدى حَكَمُ الزوجة. عصمتها بشىءٍ من المال. وذهب أبو حنيفة - وأحد قولي الشافعي - إلى أن الحكمين وكيلان عَن الزوجبن. فليس لهما أن يبرما أمرا إلا برضاهما. فلا يطلِّق حكمُ الزوج إلا بإذنه، ولا يفتدي حَكَمُ الزوجة إلا بِإذنها. وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين. والمسألة اجتهادية. ولكل مذهب أدلته. وهي مبسوطة في كتب الفقه. والمتأمل في هاتين الآيتين، يرى: أن القرآن لم يذكر الطلاق كوسيلة لفض النزاع. وذلك دليل على حرص الإِسلام على بقاءِ الحياة الزوجية: ومحاولة إصلاح ما يقع من النزاع بين الزوجين: بشتى الوسائل، حرصًا على الأسرة. {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)}. المفردات: {وَبِذِي الْقُرْبَى}: ذي القربى، صاحب القرابة من قِبَلِ الأَب أَو الأم. {وَالْيَتَامَى}: جمع يتيم، وهو الصغير الذي مات أَبوه، ويستمر يتمه إلى البلوغ. {وَالْمَسَاكِينِ}: جمع مسكين، وهو من يقل كسبه عن الوفاءِ بحاجته. فيشمل الفقير. ¬

_ (¬1) أي في دائرة اختصاصهما.

{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى}: وهو الذي قرب جواره، أو من له مع الجوار قرب أَو اتصال بنسب. {وَالْجَارِ الْجُنُبِ}: أي الذي بعد جواره، أو الجار الذي لا قرابة له. {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ}: وهو الرفيق في أَمر حسن، كتعليم وصناعة وسفر .. إلخ. وقيل: الزوجة. {وَابْنِ السَّبِيلِ}: وهو الغريب الذي سافر فانقطع عن بلده وماله. {مُخْتَالًا فَخُورًا} المختال: هو المتكبر المعجب نفسه. المتعالي على غيره. والفخور: الذي يزعم لنفسه الفضل على من عداه. التفسير 36 - {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ... } الآية. بعد أن بيّن الله - في الآيتين السابقتين - الوسائل التي يعالج بها ما قد يتطرق إِلى العلاقات الزوجية من وَهنٍ، بيّن في هذه الآية. ما يقوي صلة الناس بربهم، وما يقوي الصلات بين بعضهم البعض. فقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}: يأْمر الله الناس جميعًا بعبادتة تعالى وحده. أَي بالخضوع والتذلل له، مع الإخلاص واليقين. وأَلا يتخذوا معه في ذلك شريكًا من خلقه. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}: أمر بالإحسان إلى الوالدين. أي: أحسنوا بهما إحسانًا، بأن تكونوا بارين بهما، كارهين ناكرين لعقوقهما، شاكرين لهما ما لقيا في سبيل تربيتكم. وقَرَن حقهما بحقه سبحانه؛ إِعظاما لحقهما، وإعلاءً لقدرهما.

{وَبِذِي الْقُرْبَى}: أي: وأحسنوا بصاحب القرابة، من قِبَلِ الأب أَو الأم، كالإخوة والأخوات، والأَعمام والعمات، والأَخوال والخالات، وما تناسل من هؤلاء جميعًا. {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}: أي وأَحسنوا أَيضا إلى الضعفاءِ من الناس، الذين هم في حاجة إلى العون، سواء أَكان مبعث هذه الحاجة فَقْدَ العائل قبل البلوغ وهم اليتامى أم القصور في الكسب عما يفي بضرورات الحياة، وهم الفقراء والمساكين. {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ}: أي: وأَحسنوا إلى الجار الذي قرب مكانا أَو دينا أو نسبا. وإلى الجار البعيد مكانا أو دينا أَو نسبا. ومدى بُعد المكان، إلى أربعين جارا من كل جانب. ومما ورد في أَنواع الجيران. ما رواه البزار بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الجِيرانُ ثَلاثةٌ: جَارٌ لَهُ حَق وَاحِدٌ، وَهُوَ أدْنى الجِيرانِ حَقًّا. وجارٌ لَهُ حَقَّانِ. وَجارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ. وهُو أفْضَلُ الْجِيرَانِ حقًّا. فأَما الجارُ الذي له حَقُّ واحدٌ، فجارٌ مُشرِكٌ لا رَحِمَ له: له حَقُّ الجِوَارِ. وأما الجارُ الذي له حَقانِ، فجار مسلمٌ: له حقُّ الإسلام وحقُّ الجِوارِ. وأما الذي له ثلاثةُ حُقُوقٍ، فجارٌ مُسلم ذُو رَحِمٍ: لَهُ حقُّ الجِوارِ، وحق الإسلامِ، وحَقُّ الرَّحِمَ". وقد أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجار، فقاق: "ما زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجَارِ حتى ظَنَنْتُ أَنه سَيُوَرِّثُهُ"، رواه أَحمد والشيخان. {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ}: أي: وأَحسنوا إلى الصاحب بالجنب. وهو الرفيق مطلقا. كالجليس في الحضر، والرَّفيق في السفر، والزوجة. وبذلك يتم التعاون وتصفو النفوس.

{وَابْنِ السَّبِيلِ}: أي وأحسنوا إلى ابن السبيل. وهو الغريب البعيد عن بلده وماله. وذلك بإعطائه ما يخفف عنه متاعب الطريق: ويعينه عل بلوغ غايته، والرجوع إلى بلده. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}: من الأرِقَّاء، وذلك بالإحسان إليهم، ومعاونتهم على بلوغ حريتهم. فالإِسلام يحض على تحرير الرقيق في كثير من أحكامه .. ويلحق بذلك الخدم. وقد امتد الأمر بالإحسان حتى شمل الحيوان. {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}: هذا تعليل للأمر بالإحسان إلى من ذُكورا. كأنه قيل: أحسنوا إِلى هؤلاء ولا تتغالَوْا عليهم؛ لأن الله لا يحب المختال المتكبر على غيره، ولا الفخورَ المتباهيَ بحسب قدمه من معونة وإِحسان. {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38)}. المفردات: {رِئَاءَ النَّاسِ}: أي مرائين لهم التماسًا للجاه، وطلبا لثناء الناس، لا ابتغاء مرضاة الله. {قَرِينًا}: صاحبا وخليلا ورفيقا. التفسير 38،37 - {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}:

هاتان الآيتان الكريمتان، بيان لحال من لا يحبهم الله من المختالين الفخورين. وهم - على ما صرحت به الآيتان - صنفان: الأول: صنف أَحب المال لذاته، فبخلَ به وأَمر غيره بالبخل، فلم يعط منه فقيرًا ولم يصل به رحمًا ولم يفرِّج به عن مكروب. وبالغ فأَمر الناس بذلك أَيضا. وفي هذا يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ... } الآية. أي الذين يبخلون بأَموالهم فلا ينفقونها في وجوه البر والإِحسان، ولا يكتفون بهذا، بل يأمرون غيرهم بالبخل، ويحرضونهم عليه. {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}: أي: يخفون ما أَنعم الله به عليهم، حتى لا يطمع الناس في نوالهم وإِحسانهم. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}: أي: وأَعددنا لهم عذابًا مخزيا مذِلا لكبريائهم. وسماهم الله كفارًا، وإِشعارًا بأَن من هذا شأْنه، فهو كافر بنعم الله. وله - جزاء ذلك - عذاب يهينه ويخزيه. روى الإِمام أَحمد بسنده أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أَنعَمَ الله عَلَى عَبْدِهِ نِعْمةً أَحَبَّ أَن يُظْهِرَ أَثَرَهَا عَلَيهِ". أما الصنف الثاني: فهم الذين ينفقون أَموالهم للفخار وطلب الثناءِ من الناس، لا ابتغاءَ وجه الله. وفيهم يقول الله تعالى: 38 - {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ... } الآية. أي ولا يحب الله - كذلك - الذين ينفقون أَموالهم للرياء وللسمعة، لا شكرًا لله على نِعَمه، ولا اعترافا بما أَوجب الله عليهم من حق في أموالهم. {وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}: أي لاَ يؤْمنون بالله، ولا يصدقون بوُقوع اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب. لأَنهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، لتحرَّوْا مرضاة الله، ولما راءَوْا أَحدًا أَبدًا.

{وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}: وفي هذه الجملة، أن مقارنة الشيطان ومخالطته هي السبب في البخل وفي الأمر به، وكتمان النعمة، ومرءَاة الناس بالإِنفاق، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر - كما قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} (¬1). وقد ذم الله مقارنتهم للشيطان، واتِّباعهم طريقه بقوله: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا}: أي: ومن يكن الشيطان له صاحبا، فبئس هذا الصاحب صاحبا: لأنه يضله ويقوده إلى الهلاك. {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)}. التفسير 39 - {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ ... } الآية. في هذه الآية، ذم وتوبيخ للصنفين السابقين، على غفلتهم عما يفيدهم، وانصرافهم عما فيه مصلحتهم. وإِقبالهم على ما فيه هلاكهم في الدنيا والآخرة. والاستفهام: للتعجب والإِنكار. ¬

_ (¬1) البقرة من الآية: 268.

والمعنى: أيُّ ضرر كان يلحقهم لو آمنوا - حقيقة - بالله، وعملوا ليوم الجزاءِ، فأنفَقوا مما رزقهم الله: ابتغاءَ مرضاته، ونزولا على حكمه وامتثالا لأَمره؟! ما كان عليهم في ذلك أي ضرر .. بل إِن الضرر - كل الضرر - فيما هم عليه. {وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا}: فيجازيهم بما عملوا. فعلى المؤْمن أن يعتقد أَن الله مطلع على كل الناس، وسيحاسبهم على ما قدموا من أعمال. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)}. المفردات: {لَا يَظْلِمُ} الظلم: النقص، ووضع الشيءِ في غير موضعه. {مِثْقَالَ} المثقال: المقدار. مأخوذ من الثقل. كما أن المقدار مأْخوذ من القدر. {ذَرَّةٍ} الذرة: هي النملة الصغيرة. أو الهباء الصغير، الذي يرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة. والمراد: أدنى ما يكون من الأعمال. {يُضَاعِفْهَا}: أي يضاعف ثوابها، ويزيد أَجرها. {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ}: أي أن يوارَوْا فيها، ويدخلوا في باطنها، أو أن يكونوا من جنسها، حتى يَهْربُوا من العقاب.

التفسير. 40 - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}: لما توعد الله العصاة بأنه سيجازيهم على أعمالهم، حسبما تضمنه قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} - بين هنا، أن هذا الجزاءَ يقوم على العدل، ولا يكون فيه أدنى ظلم. والمعنى: أن الله لا يظلم الناس شيئًا وإن قل؛ لأنه تعالى منزه عن النقص. والظلم نقض لا يليق به سبحانه. فهو لا يبخس الناس شيئًا من الأَجر، ولا يحملهم ما لم يرتكبوا من الوزر، ولو كان أقل القليل. واقتضت رحمته ألا يجزىَ على السيئة إلا بمثلها، وأن يضاعف ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها، إِلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، حسبما يعلم من حال العبد. والله يختص برحمته من يشاء. {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}: أي: أنه يعطي عبده ثوابا عظيمًا، لا يعرف مقداره إِلا هو سبحانه. 41 - {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}: المعنى: في هذه الآية تهويل تعجبي، وتحذير من أَهوال يوم القيامة. أي: كيف يكون حال هؤُلاءِ، إِذا جاءَ ذلك اليوم، وجيء بالنبيين ليشهدوا على أممهم بما فعلوا في الدنيا، وجئنا بك - يا محمَّد - على هؤُلاء، أو على أمتك شهيدًا، وعلى هؤُلاءِ الرسل: بأن تزكى شهادتهم، وتقرر أنهم قاموا بتبليغ أممهم، حسبما أخبرك الله فيما أوحاه إليك!! لا شك أنهم يكونون في حال يُرثى لها. عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: أَقْرَأ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أنزِلَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غيري، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءَ حَتى بَلَغْتُ قَوْلَه تَعَالَى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قَالَ: أمْسِكْ ... فَإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (¬1) ". ¬

_ (¬1) رواه الشيخان والترمذي.

42 - {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ... }: بيان لسوء حالهم في ذلك اليوم. بأنهم يتمنون أن تواريهم الأرض وتبتلعهم، لينجوا من العذاب. أو أن يكونوا من جنسها. كما قال تعالى في آية أخرى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} (¬1). {وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا}: أي: يودون ذلك. والحال أنهم لا يستطيعون أن يخفوا على الله شيئًا مما فعلوا. حيث يشهد عليهم كل شيء حتى الجوارح: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (¬2). ويمكن أن يكون قوله تعالى: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا}: استئنافًا مبينا لبعض أهوال ذلك اليوم ورجح هذا بعض العلماء. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)}. المفردات: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}: مسافرين، أو عابرين المسجد من جانب إلى جانب. {الْغَائِطِ}: المكان المنخفض من الأرض. وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة. {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}: اتصلتم بهن جنسيًا، أو مجرد لمس. {صَعِيدًا طَيِّبًا}: الصعيد: وجه الأرض أو التراب. والطيب: الطاهر. ¬

_ (¬1) النبأ، من الآية: 40. (¬2) النور، الآية: 24.

التفسير 43 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... } الآية. في الآيات السابقة، أمرنا الله بعبادته وحده، وبين جزاء الطائعين. وعقاب العاصين. وفي هذه الآية، نهيٌ صريح عن الدخول في الصلاة في حال السكر، حتى يفيق السكران من سكره، ويدرك ما يقول. ومقتضى هذا: أن الإنسان لا يقبل على الصلاة. إلا وهو في حالة صحو كامل. بحيث يعرف ما يقول، لأنه يناجي الخالق سبحانه وتعالى. وفي أسلوب الكتاب الكريم، حيث نهى عن قربان الصلاة في حالة السكر، ما يؤكد على هذا المعنى. وفي قوله تعالى: {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} ما جعل بعض العلماء يمنع كل من كان في حالة لا تمكنه من معرفة ما يقول - كغلبة النوم - من قربان الصلاة كذلك. واستأنس هؤلاء بما جاء في الصحيحين، عن السيدة عائشة - رضي الله عنها -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لا يدري لعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه"!! وكما أوجب القرآن على المسلم ألا يقدم على الصلاة إلا وهو في حالة وعي تام، فقد أوجب عليه كذلك، ألا يدخل المسجد وهو جنب، إلا إذا كان مجتازًاً للمسجد - مارًا به من جانب إلى جانب - فإنه يجوز له ذلك، وهو معنى قوله: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}. والطهارة للصلاة، حددها الله في كتابه؛ بالوضوء في حالة الحدث الأصغر، وبالاغتسال في حالة الحدث الأكبر، وذلك أخذا من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ

إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ... } (¬1) الآية. وغني عن البيان، أَلَّا وضوءَ ولا غسل إلا بالماء. ولما كان كثير من الناس، عرضة لبعض الأمراض التي تمنع من استعمال الماءِ. ومنهم من تضطره ظروف الحياة إِلى التنقل من بلد إلى بلد. وفي الأَسفار يصعب وجود ما يكفي من الماء عادة. كما أَن هناك حالاتٍ لا يجد المقيم سبيلا إلى الماءِ: لفقده أَو لعسر الوصول إِليه لسبب أَو لآخر - فلهذا كله - جاءَ التشريع الحكيم بإيجاب التيمم بالصعيد الطاهر، فيمسح الإِنسان به وجهه ويديه، بالطريقة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك تخفيفٌ من الله على عباده، ورفعٌ للحرج عنهم، إذ الصعيد الطاهر موجود في أي مكان يوجد الإِنسان فيه. يقول الله - تبارك وتعالى - في هذا كله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا}: قال بعض العلماء: {عَفُوًّا} بالترخيص والتيسير .. {غَفُورًا} عن الخطإِ والتقصير. وصدق الله العظيم، حيث يقول في سورة المائدة - تعقيبا على إيجاب التيمم بدلا من الوضوء والغسل - في الحالات المذكورة - {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. والنهي عن الصلاة في حال السكر، كان قبل تحريم الخمر نهائيا في جميع الأوقات (¬2). وسيأتي تتمة تفصيل ذلك في تفسير الآية (90) من المائدة إن شاء الله تعالى. ¬

_ (¬1) المائدة: من الآية 6. (¬2) راجع الآية: 219 من سورة البقرة.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)}. المفردات: {رَاعِنَا}: كلمة ذات وجهين، تحتمل المدح والذم. وكان اليهود يقصدون بها الذم والتهكم. {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ}: أي صرفا للكلام عن ظاهره ونهجه. التفسير 44 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ}: بعد أَن أَرشد الله عباده المؤْمنين - في الآيات السابقة - إِلى كثير من الأحكام والتكَاليف، جاءَت هذه الآيات للتعجيب من حال أَهل الكتاب - الذين غيروا أحكام الله؛ تحذيرا لنا من الوقوع فيما يريدونه بِنا، من الضلال عن سواء السبيل.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ}: أي ألمْ تنظر - يا محمد - إلى هؤُلاءَ الذين أوتوا حظا من علم الكتاب، لأنهم يستحقون أَن تشاهدهم وتتعجب من شناعة أَعمالهم، حيث يستبدلون الضلالة بالهدى؛ مع أنهم أوتوا حظا من الكتاب، كان كفيلا بهدايتهم إلى الصواب ولم يكتفوا بذلك بل أَرادوا أن تضلوا أَنتم السبيل كما ضلوا؟!. قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} (¬1) وحقًّا أن أَمرهم لعجيب؟! 45 - {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا}: معنى قوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ}: أي هو أَعلم منكم بهم ... فاحذروهم، والتزموا التمسك بأَحكام الله وطاعته، واستعينوا به. {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا}: أَي وحسبكم الله وليًا، تلجأون إِليه في جميع أموركم. {وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} في كل المواطن، فاعتمدوا عليه، واكتفوا بولايته ونصرته. ولا تتولوا غيره، ولا تبالُوا بأعدائكم. 46 - {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... } الآية. هذا بيان لنوع من أَنواع ضلال أهل الكتاب: الذين اشتروا الضلالة. فإِنهم يتأَولون الكلام على غير تأْويله، ويفسرونه بغير مراد الله تعالى كذبًا منهم وافتراءً وتضليلًا للمسلمين. وإِنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}: أي سمعنا قولك: ولا نطيعك فيه، عنادا وتحقيقًا للمخالفة. وذلك أبلغ في عنادهم وكفرهم. ويقولون أيضًا مخاطبين له - عليه السلام -: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ}. ¬

_ (¬1) النساء من الآية: 89.

وهذا كلام يحتمل وجهين: الشر والخير ... وذلك بحمله على معنى: اسمع لا سمعت ... ويكون دعاء عليه بالصمم أَو الموت. أَو هو على معنى: اسم لا سمعت مكروها. وهذا - وإن كان ظاهره الدعاءَ له - إلا أَنه في حقيقة باطنهم استهزاءٌ منهم واستهتار برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك كانوا يقولون أَيضًا: {رَاعِنَا} وهي كلمة ذات وجهين: تحتمل الخير على معنى: انظرنا وتمهل علينا نكلمك. وتحتمل الشر على معنى: أَنها رمي له بالرعونة والحمق. فكانوا يظهرون التوقير والاحترام، ويضمرون الإِهانة والاستهزاءَ. {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ}: أي صرفًا للكلام عن ظاهره، إِلى إرادة الشتم والسب، وقدحًا في الدين. بالاستهزاء والسخرية. {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ}: هذا بيان لما كان ينبغي عليهم أن يقولوه. أي ولو أنهم - عندما سمعوا شيئًا من أَوامر الله ونواهيه - قالوا مخلصين: سمعنا وأطعنا، بدل قولهم: سمعنا وعصينا. وقالوا أيضًا: اسمع وانظرنا، بدلا من قولهم: اسمع غير مُسْمَعٍ وراعنا - لكان خيرًا لهم مما قالوه. وأعدلَ وأصْوَبَ. {وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا}: أي ولكنهم لم يقولوا ذلك. واستمروا على الكفر والضلال. فأبعدهم الله - بسبب كفرهم - عن الهدى. فهم لا يصدقون إلا تصديقًا قليلًا. لا ينتفع به إلا عدد قليل منهم. مثل من آمن من أحبارهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)}. المفردات: {نَطْمِسَ وُجُوهًا}: نزيل معالمها. وأصل الطمس: إِزالة الأعلام المنصوبة لهداية المارة وقد يطلق على إِزالة الصورة، ومطلق التغيير والقلب. {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا}: أي نجعلها على هيئة الأَقفاء، أو نحولها إلى الوراء حقيقة في المحسوسات، ومجازا في المعنويات. {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ}: المراد بأَصحاب السبتِ، اليهود المتمردون على أوامر الله بالصيد يوم السبت، بعد أن نهاهم الله عن الصيد فيه. واللعن: الطرد من رحمة الله. التفسير 47 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... } الآية. بعد أن ندد الله بقبائح أهل الكتاب في الآيتين السابقتين، أَتبع ذلك دعوتهم إلى الإقلاع عن غَوايتهم، وتهديدهم بأَشد العذاب إن لم يقلعوا عما هم عليه من الغَيِّ والضلال. فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... } الآية.

ناداهم - سبحانه وتعالى بوصف كونهم أهل كتاب - ليحملهم على الإِقلاع عما هم عليه؛ وليزيد في تقريعهم والتشنيع عليهم، فإِن كونهم أهل كتاب، يقتضى مسارعتهم إلى الهداية، لا تماديهم في الضلال. كما وصف المُنْزَلَ - وهو القرآن الكريم - بأنه مصدق لما معهم، وموافق لما في كتابهم، مما يدعو إلى المبادرة بتصديقه، لا إِلى الطعن فيه، والوقوع في تكذيبه، فإِذا عاندوا بعد ذلك، وخرجوا على حكم العقل والنقل، كانوا مستحقين لأَشد العذاب. ولذا هددهم بقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا}: أي من قبل أن نضلهم إضلالًا لا يهتدون بعده. وهو مثلٌ ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق، وردهم إِلى الباطل، ورجوعهما عن الطريق الواضح المستقيم، إِلى الطريق المعوج. فالطمس والوجه والرد على الأدبار، لإيراد بها حقيقتها، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} (¬1). {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ}: أي أو أَن نطردهم من رحمة الله، كما طردنا أصحاب السبت من اليهود، بسبب عصيانهم بالصيد يوم السبت، وقد نهوا عنه. ثم أكد الله هذا الوعد والوعيد بقوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}: أي كان كل ما أَراده واقعا لا محالة. وقد تحقق ذلك في الأمم السابقة، فاحذروا غضبه وخافوا عقابه. 48 - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}: لما كانت جرائم أهل الكتاب - لشناعتها وكثرتها - مظِنة عدم المغفرة، ولو تابوا منها، جاءَت هذه الآية الكريمة، لإبعاد اليأس من رحمة الله ومغفرته عمن آمن، وتهديد من لم يؤْمن. فقال تعالى: ¬

_ (¬1) محمد. الآية: 25.

{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... } الآية. والمراد بالشرك هنا: مطلق الكفر الشامل لما عليه أَهل الكتاب، من اليهود والنصارى، وما عليه غيرهم. وفي هذا أيضًا، ردٌّ عليهم فيما زعموه من أن الله سيغفر لهم ما يرتكبونه من المعاصي، مع استمرارهم على الكفر. كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} (¬1). وإنما استحالت مغفرة الشرك بالله تعالى، لأَنه الغطاءُ الكثيف: الذي يمنع نور الإِيمان من الوصول إلى القلب .. وهو أَحط ما تنتهي إِليه عقول البشر .. ومنه تتولد جميع الرذائل التي تهدم الفرد والمجتمع. {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}: أي ومن يشرك بالله، فقد اختلق كذبا، وارتكب إِثمًا عظيما، إِذ تتضاءَل جميع الذنوب بالنسبة إِلى ذنب الشرك. هذا، ومن المقرر شرعا: أَن من أَشرك باللهِ، وتاب عن الشرك، قبلت توبته، ويغفر الله له. قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (¬2). {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)}. المفردات: {يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ}: يمدحونها. وأَصل التزكية: التطهير. {فَتِيلًا}: الفتيل؛ هو الخيط الذي يُبَطِّنُ نواة التمر، والمراد: لا يظلمون أَدنى ظلم. ¬

_ (¬1) الأعراف. من الآية: 169. (¬2) الأنفال. من الآية: 38.

التفسير 49 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}: في هذه الآية الكريمة، تعجيب من حال أَهل الكتاب، حيث كانوا يرتكبون الكفر والطغيان، ويأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، قائلين: نحن أَبناءُ الله وأحباؤه. والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد، إلى هؤُلاء الذين يثنون على أنفسهم، ويمدحونها بما ليس فيهم، مدعين أنهم على الحق، وأنهم مقربون إلى الله؟! {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ}: أي أن ما مدحوا به أَنفسهم ليس صحيحًا؛ لأن الإِنسان ليس له أن يزكىَ نفسه؛ لأنه قد ينحاز إليها ويمدحها بالباطل .. ومدار التزكية على التقوى، وهذه لا يعلمها إلا الله كما قال - عز من قائل -: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (¬1). {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}: أي ولا يَنقص من ثواب أَحد شيئًا وإِن قل. فهو سبحانه، يؤْتي كل ذي فضل فضله، ولا يبخس الناس شيئًا. فلو كان لهم من الأعمال ما يستحقون عليه الثناءَ، لما ظلمهم الله!! 50 - {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ... } الآية. تعجيب آخر من مزاعمهم، حيث كانوا يدَّعون أنهم أبناءُ الله وأَحباؤُه، ويقولون: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} (¬2). ويقولون: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} (¬3) ويزعمون - إلى اليوم - أَنهم شعب الله المختار. والكذب في ذاته رذيلة، فما بالك بمن يختلق الكذب على الله!. ¬

_ (¬1) النجم، من الآية: 32. (¬2) البقرة، من الآية: 111. (¬3) آل عمران، من الآية: 24.

{وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا}: أي وكفى بصنيعهم هذا ذنبا واضحًا ظاهرًا. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)}. المفردات: {بِالْجِبْتِ}: الجبت، كل ما عُبِدَ من دون الله، ويطلق أيضًا على الكاهن والساحر والسحر. {وَالطَّاغُوتِ}: الطاغوت في الأصل؛ كثير الطغيان. ويطلق على كل رأْس في الضلال يصرف عن طريق الخير، ويغرى بالشر. {نَقِيرًا} النقير في الأَصل: هو النقرة التي تكون في ظهر النواة. ويضرب به المثل في القلة والضَآلة. فالمراد به أَقل القليل. {يَحْسُدُونَ النَّاسَ}: الحسد؛ تمني زوال نعمة الغير. {وَالْحِكْمَةَ}: العلم النافع، أَو النبوة. {صَدَّ عَنْهُ}: انصرف عنه، وأَعرض. {سَعِيرًا}: نارًا مسعرة يعذبون فيها.

التفسير 51 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ... } الآية. روى ابن أبي حاتم، عن عكرمة: أن حيي بن أَخطب، وكعب بن الأشرف اليهوديين، خرجا إِلى مكة في جماعة من اليهود؛ ليحالفوا قريشًا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه. فقال لهم كفار قريش: أنتم أهل كتاب، وأنتم أَقرب إلى محمَّد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا، حتى نطمئن إليكم .. ففعلوا ... فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت؛ لأنهم سجدوا للأصنام، وأطاعوا إبليس فيما فعلوا. وقال أَبو سفيان لكعب: إنك امرؤٌ تقرأ الكتاب، وتعلم ونحن أُميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا: نحن أم محمد؟! فقال: ماذا يقول محمَّد؟ قال: يأْمر بعبادة الله وحده، وينهي عن الشرك. قال: وما دينكم؟. قالوا نحن ولاة البيت: نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني. وذكروا أفعالهم. فقال: أنتم أهدى سبيلا. فنزلت. وروى - من غير وجه - نحو ذلك. وهذه الآية: تعجيب من حال أخرى من أحوال أهل الكتاب، وتوبيخ لهم على ارتكابهم جريمة من أشنع الجرائم، وهي سجودهم للأصنام، وشهادتهم بأن عَبَدَةَ الطاغوت أحسن دينا من أهل الإِسلام. على الرغم من أنهم أهل كتاب، وأَعْرَف من غيرهم بالدين الصحيح. والمعنى: أَلم ينته علمك يا محمد - أو كل من يستحق أن يخاطب - إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، ورزقوا حظا منه، وإلى حالتهم العجيبة الداعية إلى الدهشة والعجب، وهي أنهم - مع كونهم أهل كتاب - يؤْمنون بالأَصنام، ويطيعون الشيطان، ويقولون في شأْن الذين آمنوا للذين كفروا - من أَجل محالفتهم - هؤُلاء الكفار الجاهليون: أهدى سبيلا، وأقوم طريقًا من الذين آمنوا بمحمد؟!. فبين بذلك مناط التعجيب من حالهم. يالَلْعجب من قوم: أهل كتاب، وأتباع رسل، يقولون عن المؤْمنين بمحمد: إن الكفار - من مشركي مكة - أَهدى منهم سبيلا؟!

وإِنما وصفهم الله بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب، ولم يصفهم بأنهم أوتوا الكتاب؛ لأَن حالهم تتنافى مع الكتاب كله، حيث يؤْمنون ببعضه، ويكفرون ببعضه. 52 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا}: بعد أَن ذكر الله أَحوالهم المثيرة للدهشة والعجب، عقب ذلك بتقريعهم، وبيان العقاب المستحق لهم، فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ... } الآية والمعنى: أولئك الموصوفون بالصفات السابقة، المرتكبون لهذه الجرائم البشعة، هم الذين حكم الله عليهم بالطرد من رحمته، بسبب كفرهم وعصيانهم. ومن يلعنه الله ويبعده من رحمته، فلن تجد له نصيرا ينصره من عذاب الله الذي ينزل به. 53 - {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}: أي ليس لهم نصيب من الملك، حتى يكون لهم الحق في الإِعطاءِ والمنع، والحكم بالهداية وغيرها. فقد زال ملكهم قبل بعثة محمَّد عليه السلام، بمئات السنين. ولو بقي لهم من الأَمر شيء، لما أَعطوا أَحدا أَقل قليل من الخير. ثم بين الله تعالى سر هذا العناد والتمادي في الضلال، فذكر أَنه يرجع إلى حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، وسيطرة الحقد على نفوسهم، فوبخهم على ذلك بقوله: 54 - {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... } الآية. أي أَنهم ليس لهم دليل يستندون إليه، وسبب يتمسكون به في تكذيبهم. بل هم يحسدون الناس، وهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤْمنين - على ما آتاهم الله من فضله، وأنعم به عليهم حيث: أَعطاهم النبوة والكتاب والحكمة. ولا غرابة في هذا، ففضل الله واسع. وقد آتى الله آل إبراهيم - أي إبراهيم ومن معه - الكتاب والحكمة والنبوة، وآتاهم الله مع ذلك ملكا عظيما واسعا.

ومن ذلك ما أَعطاه الله تعالى ليوسف عليه السلام، من السلطان في مصر. وما أعطاه الله تعالى لداود وسليمان عليهما السلام - من النبوة والملك العظيم. فلا غرابة - بعد هذا - أن يؤْتي الله محمدًا عليه السلام - وهو من أولاد إبراهيم - مثلما أعطى إخوانه الأَنبياءَ. 55 - {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا}: في هذه الآية بيان لموقف أهل الكتاب من شريعة إبراهيم عليه السلام، والتصديق برسالته. أي: فمن أهل الكتاب، مَن آمن بإِبراهيم وما أنزل عليه، ومنهم من كفر به وصد عنه. وقد أعد الله للكفار الجزاء المناسب لهم، وهو أنهم يصلون سعيرًا: أي يقاسون نارا مسعرة ملتهبة، وكفى بجهنم سعيرا. ولا حاجة بعدها إلى ما هو أشد منها، إذ ليس هناك ما هو أقوى منها حرارة، وأَكثر اضطراما، وأشد تعذيبا. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)}. المفردات: {نُصْلِيهِمْ نَارًا}: نذيقهم حرها، ونشويهم بها. {نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ}: احترقت وذابت. {ظِلًّا ظَلِيلًا}: ظلًّ وارفًا مستديمًا: لا يصاحبه حر ولا برد.

التفسير 56 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ... } الآية. بعد أن عدد الله جرائم أهل الكتاب وأحوالهم المقتضية للتعجيب، وهددهم عليها بالسعير - أَتبع ذلك بيان جزاءَ الكفار على وجه العموم: الشاملين لأهل الكتاب وغيرهم. فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا ... }: والمعنى: إنَّ الَّذِينَ جحدوا آياتنا الدالَّةَ على ألوهيتنا، والمنزلة على أنبيائنا عليهم الصلاة والسلام، وفي مقدمتها القرآن الكريم: الذي هو آخر الكتب وأوفاها، وأوضحها دلالة. {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا}: أي سوف ندخلهم نارا هائلة يوم القيامة. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ}: أي كلما احترقت جلودهم، وتعطلت عن الإِحساس بِالألم. {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا}: أي جلودا جديدة أخرى؛ ليستمر عذابهم، ويدوم لهم بها، وذوقهم لها؛ لأنهم كانوا مصرين على الكفر، إلى ما لا يتناهى. فحكم الله تعالى عليهم بالعذاب الشديد الذي لا يتناهى. {جَزَاءً وِفَاقًا} (¬1). وأكد الله هذا الوعيد بقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}: أي هو - في ذاته - قوي: لا يعجزه شيء، ولا يستعصى عليه أمر، حكيم في أفعاله. ومن حكمته: تعذيب العاصي على قدر ذنبه. ¬

_ (¬1) النبأ، الآية: 26.

57 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... } الآية. بعد أن ذكر الله عذاب الكفار - أَتبعه بيان ثواب المؤْمنين، جريا على عادة القرآن الكريم، في اتباع الترهيب بالترغيب، وقَرْنِ الوعد بالوعيد، إظهارا للفرق بين الحالين، وتقريرا للعدل بين الفريقين. فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}: باللهِ ورسله إيمانا صحيحا. {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: أي عملوا الأعمال النافعة لهم. وللناس جميعًا، في الدنيا والآخرة. {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: أي سندخلهم يوم القيامة جنات عالية تجرى الأنهار عن تحت أشجارها وقصورها، وتفيض الخيرات في كل أنحائها. {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (¬1). {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}: فلا يعتريهم خوف من زواله. {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}: أي ويتنعمون فيها بزوجات طاهرات من الأَدناس الحسية والمعنوية. {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا}. أي وسيدخلهم اللهُ - الكريم القادر - ظلا ظليلا، لا يعتريه ضيق الحر، ولا مس البرد. ولهم فيها الثواب العظيم، والنعيم المقيم. وشتان بين هذا وبين ما يقاسيه الكفار، مما بيَّنته الآية السابقة. {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)} (¬2). ¬

_ (¬1) الحجر، الآية: 48. (¬2) فاطر، الآيات: 19 - 21.

{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)}. المفردات: {أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ}: جمع أمانة. وهي ما يؤْتمن عليه الإِنسان: لله أو للناس. وأَداؤُها: ردها وحملها إلى أصحابها. التفسير 58 - {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ... } الآية. إِن الله عز وجل، قد ذكر - في الآيات السابقة - أن بعض علماء أهل الكتاب، خانوا أمانة العلم، وقالوا لكفار مكة: أنتم أهدى سبيلا من محمَّد ودينه. فجاءَت هذه الآية، آمرة الناس بردِّ ما ائتمنوا عليه، والحكم بالعدل بين الناس. وقد ورد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل مكة يوم الفتح، ثم طلب من عثمان بن طلحة بن أَبي طلحة: من بني عبد الدار، مفتاح الكعبة، فأتاه به. فلما بسط يده إليه، قام العباس، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي: اجعله لي مع السقاية. فكفَّ عثمان يده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرني المفتاح يا عثمان" وتكرر الطلب من العباس والكفُّ من عثمان، إلى أَن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عثمانُ، إن كنتَ تؤْمن بالله واليوِم الآخرِ، فهاتِني المفتاح" فقال: هاك بأمانة الله، فقام ففتح الكعبة ودخلها ... ثم خرج وطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل بهذه الآية. فدعا عثمانَ بنَ طلحةَ بن أَبي طلحة - فأَعطاه المفتاح.

وفي تفسير ابن كثير: أن عثمان دفع المفتاح - بعد ذلك - إلى أَخيه شيبة بن أبي طلحة. فهو في يد وُلده إِلى اليوم. وكان عثمان أَحد الذين أَسلموا مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بين الحديبية والفتح. أَما رواية - أَنه لم يسلم إِلا يوم الفتح - بعد أَن رَدَّ إِليه الرسول صلى الله عليه وسلم المفتاح - وكان عليُّ قد أَخذه منه عَنْوة - فغير صحيحة. {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤْمنين في جميع العصور: يأْمرهم فيه - ومن كان معه وَمَن بَعْدَه - بأَداءَ جميع الأَمانات إلى أَصحابها. سواءٌ: أكانت لله تعالى، مثل التكاليف الذي كلفنا بها، من فعل المأمورات، وترك المنهيات. أَو كَانت للناس كالودائع وغيرها. أو كانت للإِنسان نفسه: كالمال المستَخْلَفِ فيه: وكسائر أعضائه التي أمرنا باستعمالها فيما خلقت له: من لسان، ويد، وسمع، وبصر، وغير ذلك ... فكلها أَمانات يجب أَداؤُها. وذلك باستعمالها في الطاعة، والبُعْد بها عن المعصية، شكرًا لله عليها. ومن ذلك: العمل بما تَعلَّمَه العلماء وتبليغه للناس، وعدم كتمانه .. كما ذلك أمانات يطالبنا الله - عز وجل - بحفظها وردها. وقد عظم القرآن شأن الأمانة وشأن من يرعاها. وجعل ذلك مناطًا للمدح في كتابه العزيز، حيث قال في وصف المؤمنين المستحقين للفلاح: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (¬1). وفي الحديث ما رواه البغوي. عن أنس مرفوعًا "لا إيمان لمن لا أمانة له. ولا دين لمن لا عهد له". ¬

_ (¬1) المؤمنون الآية: 8.

وروى الترمذي، وأبو داود، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أدِّ الْأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". ولما أمر الله سبحانه جميع المكلفين بأداء الأَمانات إلى أهلها، أمرهم كذلك. بالحكم بالعدل بين الناس فقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}: أي يأْمركم الله - تعالى - إذا حكمتم بين الناس مطلقًا - مؤْمنين وغير مؤْمنين - {أَنْ تَحْكُمُوا}: بينهم {بِالْعَدْلِ}: دون إجحاف، أو ميل إلى أحد المتخاصمين لقرابة أو دين. قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} (¬1). والحكم بين الناس بالعدل. أمر قد انعقد عليه الإِجماع، وتكرر ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (¬2). وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (¬3). والسنة النبوية، حافلة بالحث على العدل والتنفير من الظلم. وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لأَبي موسى الأشعري، حين ولاه القضاءَ: "آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ في جَوْرِكَ، وَلَا يَيْأسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدلِكَ" (¬4). ثم أَكد سبحانه، وجوب هذه الأَوامر فقال: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ}: أي نعم الشيء الذي يعظكم به الله: وهر تأدية الأَمانة، والحكم بين الناس بالعدل، لأنهما من الأمور المحمودة. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}: أي سميعا لما يقال، وما يجِري من الأَحكام بين الناس {بَصِيرًا}: بما يحدث .. ومنه أداء الأَمانات إلى أَهلها، فهو عليم بكل شيء: مسموعا كان أَو مبصرا: محيط بكل شيء مجاز كلا بما يعمل من خير أَو شر. ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 8. (¬2) الأنعام، من الآية: 152. (¬3) النحل، من الآية: 90. (¬4) كتاب الخراج: 140، وصبح الأعشى 1/ 193.

وذلك وعد وبشرى للطائعين، ووعيد وإنذار للواعظين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)}. المفردات: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}: أصحاب الحل والعقد، من الرؤساء والعلماء. {تَنَازَعْتُمْ}: اختلفتم. {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}: أي ارجعوا في معرفته إلى كتاب الله، وسنة رسوله. {تَأْوِيلًا}: مآلًا ومرجعًا وعاقبة. أو أحسن تأويلًا من تأويلكم. التفسير 59 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... } الآية. لما أمر الله الولاة بالعدل في الحكم بين الناس، أمر سائر المؤمنين بطاعة هؤلاء الولاة العدول، في ضمن طاعة الله ورسوله. فطاعة أولى الأمر من الحكام العدول، هي طاعة مترتبة على طاعة الله وطاعة رسوله. وأمرهم بذلك، هو بتأسِّيهم بنور الكتاب والسنة في كل تشريعاتهم. وبذلك يستقيم منهج الحياة على أساس من الكتاب والسنة، والارتباط بأصول التشريع. وطاعة أولى الأمر من الولاة والرؤساء والعلماء وغيرهم، هي طاعة مرتبطة بهذا الأصل من التشريع أيضًا. وهي - كما سبق - مقيدة ومشروطة بطاعة الله. إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وبذلك تتحقق المصلحة العامة، من وراء ارتباط أولي الأمر بأصول التشريع، وارتباط المسلمين جميعًا بأولي الأمر قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (¬1). ولأن الكتاب الكريم والسنة النبوية، هما دعامتا التعاليم التي يهدى بها لتحقيق حياة سعيدة وآخرة مرضية. قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}: أي إن اختلفتم في حكم شيء: لم يرد فيه نص صريح في كتاب الله - تعالى - ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فارجعوه إلى هذين الأصلين، وليكن حكمكم فيه بالقياس إلى حكم كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيما يشتبهه من الأمور فإن ذلك خير ما يصار إِليه: لفض التنازع وإزالة الخلاف بين المؤمنين باللهِ واليوم الآخر. وبذلك، فتح القرآن الكريم للمسلمين، باب الفهم والبحث والاجتهاد في دين الله. حيث أمرهم أن يردوا ما اختلفوا فيه، إلى الكتاب والسنة. {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}: أي إن كنتم تصدقون باللهِ وبمجيء اليوم الآخر، وما فيه من حساب وعقاب - فردوا ما تتنازعون فيه إلى حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيسوا الأمور بأشباهها، وارْضَوْا بذلك حكمًا. {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}: أي الرد إِلى كتاب الله وسنة رسوله، عند التنازع والتمادى في الخصومة، خير لكم وأَصلح من التمادي في الخصومة، وأحسن تأويلا من تأْويلكم، أَو مرجعا وعاقبة. ¬

_ (¬1) النساء، من الآية: 83.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)}: المفردات: {الطَّاغُوتِ}: الطاغوت في الأصل؛ كثير الطغيان. ويطلق على كل رأس في الضلال، يصرف عن الخير، ويغرى بالشر. {يَصُدُّونَ}: يعرضون. {وَعِظْهُمْ}: خوّفهم. {وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ}: أي واعظًا لهم - بينك وبينهم - ليكون أَدعى للقبول. أو في شأْن أنفسهم: كاشفا عن خبثها. {قَوْلًا بَلِيغًا}: مؤَثرا واصلا إلى حقيقة المراد. التفسير 60 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ... } الآية. روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أَنه تخاصم يهودي ومنافق، ودعا اليهودي المنافق إلى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف .. فنزلت الآية.

والمعنى: ألم ينته علمك يا محمَّد، إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بالقرآن وبالكتب التي أنزلت على مَنْ قَبْلَكَ من الرسل؟! إن شأن هؤلاء لعجيب؛ لأنهم - مع زعمهم الإيمان بذلك - يريدون أن يتخذوا من كاهن اليهود - رأس الضلال - حاكمًا في قضاياهم. وقد أمرهم الله أن يكفروا بمن يدعوهم إلى الشر ويبعدهم عن الخير، ويريد الشيطان أين يوقعهم في ضلال بعيد، لا خلاص لهم منه بإتباعهم دعاة الشر!! 61 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}: أي ومن عجيب أمر هؤلاء المنافقين: أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله تعالى وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أصروا على الكفر، وأعرضوا عما تدعوهم إليه، إعراضًا شديدًا. 62 - {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا}!!: هذا بيان لسوء عاقبتهم جزاء جنايتهم ومخالفتهم، وتعجيب من حالهم. أي فيا عجبا .. كيف يكون حال هؤلاء المنافقين - وقت نزول المصائب بهم - بسبب ذنوبهم، ثم جاءوك ملتجئين إليك في ذلك، يعتذرون عن قبائح أعمالهم، ويحلفون بالله ما أردنا بذهابنا على غيرك، وتحاكُمِنَا إلى من عداك، إلا الإحسان والتوفيق. أي المداراة والمصانعة. لا اعتقادًا منّا صحة تلك الحكومة. كما أخبر الله عنها بقوله: {فَتَرَى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (¬1). ¬

_ (¬1) المائدة. الآية: 52.

63 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا في قُلُوبِهِمْ}: أي أولئك هم المنافقون الموغلون في الكفر والنفاق، الذين لا يخفى على الله أمرهم، ويعلم ما انطوت عليه صدورهم من الشر والفساد، وسيجزيهم على ذلك. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ}: أي أعرض عن قبول معذرتهم. وازجرهم عما في قلوبهم من الكيد والنفاق. {وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} أي انصحهم - فيما بينك وبينهم بعيدًا عن الناس - ليكون ذلك أدعى إلى قلوبهم - بكلام بليغ رادع لهم. أو قل لهم في شأن أنفسهم وما انطوت عليه من الخبث والقبائح قولًا مأثورًا يردهم عن غَيّهم، ويعود بهم إلى رشدهم. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}. المفردات: {فَلَا وَرَبِّكَ}: اللام لتأكيد القسم. {شَجَرَ بَيْنَهُمْ}: اختلط عليهم من الأمور. {حَرَجًا}: ضيقًا.

التفسير 64 - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... } الآية. أي. وما أرسلنا رسولًا من الرسل، لأمر من الأمور، إلا ليطيعه الناس بسبب إذنه تعالى لهم في طاعته، وأمْرِه لهم بأن يتبعوه، فإِن طاعة الرسول طاعة لله ... {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (¬1). {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}: في هذا بيان لما كان يجب عليهم أن يفعلوه حين ظلموا أنفسهم. أي ولو أنهم حين ظلموا أَنفسهم - بترك طاعة الله تعالى - بادروا بالمجيء إليك، معتذرين عن جرائِمهم مبالغين في التضرع إلى الله، والتوبة إليه من ذنوبهم، حتى تقوم شفيعًا لهم إلى ربك، طالبا منه المغفرة لهم. {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}: أي لو أنهم فعلوا ذلك - لوجدوا أبواب التوبة مفتحة لهم، ورحمتَه تعالى محيطةً بهم. وفي هذه الآية، إرشاد لسائر العصاة والمذنبين، إذا وقع منهم ذنب أو خطيئة، أن يبادروا بالتوبة والندم، كي يفوزوا بغفران الله لهم. 65 - {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... } الآية. روى البخاري بسنده، قال: خاصم الزبير رجلًا في شَرْج (¬2) من الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبيرُ، ثم أرسل الماء إِلى جارك" فقال الأنصارى: يا رسول اللهِ، لِأَن كان ابنَ عمتك؟ فَتَلوَّنَ وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبِسِ الماءَ حتى يرجع إلى الجُدُر، ثم أرسل الماءَ إلى جارك ... " (¬3) فاستوفى النبي صلى الله عليه وسلم، للزبير حقه كاملا في الحكم، حين أحفظه الأنصارى، وكان أشار عليهما، صلى الله عليه وسلم بمأمر لهما فيه سعة .. قال الزبير: فما أحسِب هذه الآية إلا نزلت في ذلك. {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... } الآية. ¬

_ (¬1) النساء. من الآية: 98. (¬2) الشرج: مسيل الماء. (¬3) ابن كثير ج1 ص520.

لقد أقسم الله - سبحانه - بذاته، وهو الذي تولى تربيتك أيها الرسول، وأنعم عليك بنعمة النبوة، وأَدَّبك بأدب القرآن - أقْسَمَ: أن هؤُلاء الذين أَعرضوا عن التحاكم إليك فيما اختلط عليهم، لا يدخلون في عداد المؤْمنين الصادقين، حتى تتحقق فيهم صفات ثلاث: أولاها: أن يهْرَعوا إليك - أيها الرسول - لتحكم بينهم فيما اختلط عليهم. ثانيها: أن ترضى نفوسهم - وتستمر راضية دون حرج أو ضيق - بحكمك وقضائك. ثالثها: أن يسلِّموا بحكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تسلينا كاملا، ويذعنوا له إِذعانا صادقا، ويقوموا على تنفيذه بنفوس راضية. {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)}. المفردات: {كَتَبْنَا}: قدرنا. {مَا يُوعَظُونَ بِهِ}: ما يؤْمرون يه من طاعة الله. {تَثْبِيتًا}: تحقيقًا لإيمانهم. التفسير 66 - {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ ... } الآية. أي: ولو أَنا كتبنا على هؤلاء الذين أعرضوا عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل ما أوجبناه عل بني إسرائيل من قتلِهم أنفسَهم، أو خروجهم من

ديارهم؛ حين طلبنا منهم التوبة - لشق ذلك عليهم، وما نفذه إلا نفر قليل منهم، وهم المخلصون من المؤمنين. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ}: من طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والانقياد لحكمه ظاهرًا وباطنًا. {لَكَانَ}: فعلهم ذلك. {خَيْرًا لَهُمْ}: أي أنفع لهم في الدنيا والآخرة. {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}: أي تحقيقًا لإيمانهم. 67 - {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا}: أي: ولو نفذوا ما أمرتهم به، واستجابوا لك، وتحقق منهم صادق الإيمان - لأعطيناهم من عندنا فضلًا لا يحد، ومنحناهم من خزائن رحمتنا أجرًا عظيمًا، بالغًا غاية العظم .. وهو الجنة. 68 - {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}: أي: ولأرشدناهم في دنياهم إلى طريق مستقيم استقامة تامة، يقودهم إلا صالح الأعمال، ويوصلهم إلى جزاء الأبرار. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)}. المفردات: {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}: تفضل الله عليهم بنعمه. {رَفِيقًا}: مرافقا ومؤنسًا.

التفسير 69 - {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ... } الآية. أي: والذين يعملون بما أمر به الله ورسوله، ويتركون ما نهى الله ورسوله عنه، مع التصديق والإذعان والقبول. {فَأُولَئِكَ}: الموصفون بما ذكر. {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}: أي مع الذين تفضل الله عليهم بنعم وإحسانه. وقد بين المنعم عليهم بقوله: {مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ}: أي الذين يبالغون في تصديق أهل الصدق واليقين، والذين قتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمته. {وَالصَّالِحِينَ}: أي الذين صلحت أعمالهم وسلمت صدورهم، فقاموا بحقوق الله، وحقوق عباده. {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}: أي: وحسن أولئك المذكورون رفقاء - في دار النعيم - لأولئك الطائعين. 70 - {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا}: أي: ذلك الفوز برفقه هؤلاء في أعلى درجات الجنة، هو الفضل العظيم، الذي لا غاية وراءه: تفضل به عليهم. فكل عمل صالح يكسبه العبد، لا يوازي هذا الفضل. {وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا}: أي: يكفي علم الله في الإحاطة بكل شيء، فيعلم من هو أهل لهذا الفضل، فيجازيه به.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)}. المفردات: {حِذْرَكُمْ}: الحِذْرُ والحَذَرُ: بمعنى واحد. والمراد: تَيَقَّظُوا واحترِزوا من مكائد عدوكم. {فَانْفِرُوا}: اخرجوا إلى الجهاد. {ثُبَاتٍ}: جمع ثُبَة، وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة. والمراد: انفروا جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة. {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}: أي اخرجوا مجتمعين غير متفرقين. {لَيُبَطِّئَنَّ}: أي يتباطأ ويتثاقل. {شَهِيدًا}: أي حاضر الموقعة. {مَوَدَّةٌ}: علاقة وصلة. التفسير 71 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}: لقد نادى الله المؤمنين بوصف الإيمان، ليثير في نفوسهم دواعي الاستجابة إلى ما أمروا به. فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: أي يا مَن صَدَّقُوا وأذعنوا لله والرسول.

{خُذُوا حِذْرَكُمْ}: أي خذوا حيطتكم من عدوكم، وكونوا مِنْهُ على حذَر. وتيقظوا له حتى لا يباغتكم بالهجوم عليكم. ومن الحيطة: استطلاع حال العدو، وتعرُّفُ أسراره وخططه الحربية، ومدى قوته ... ونحو ذلك. {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ}: أي اخرجوا لقتاله جماعة بعد جماعة، وسرية بعد سرية. إِذا اقتضت الحرب ذلك. {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}: أي أو اخرجوا لقتاله مجتمعين إذا لزم الأمر. ولا شك أن الخروج للقتال، يستلزم التأهب بإعداد الجيش المدرب، وإعداد السلاح الكافي، حسبما يستدعيه حال العدو. ومن الواضح أنه يجب على الأمة: أن تظاهر جيشها، وتحمى ظهره: بالعمل والإنتاج، والتماسك والاتحاد، ورفض الإشاعاِت الكاذبة، وتحمُّل التضحيات. 72 - {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ... } الآية. بعد أن أَمر الله المؤمنين، بأخذ الحذر والحيطة من الأعداء، والخروج لقتالهم: مجتمعين أو متفرقين - حسبما تدعو إليه ظروف الحرب - كشف الله حال طائفة تتباطأ عن الجهاد، وتتثاقل عن الخروج إليه ذَمًّا لهم، وتحذيرا منهم، فإنهم منافقون، فقال: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ}: أي: وإن من بينكم - معشر المسلمين - لمن يتباطأ عن الخروج للقتال. {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ}: أي فإن نزلت بكم هزيمة، ولحقت بكم نائبة. {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا}: أي: قال فرحًا مسرورًا، قد أَنعم الله عليَّ، حيث لم أحضُر القتال، ولم أتعرض لما تعرض له جيش المسلمين من أهوال القتال وشدته.

73 - {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}: أي: وإن تفضل الله عليكم بالنصر، وأنعم عليكم بالغنيمة، عَضَّ أصابع الندم، واستولت عليه الحسرة قائلًا - كأن لم يكن بينكم وبينه سابق معرفة -: يا ليتني كنت معهم في ساحة القتال. فأغنم مغانم كثيرة، وآخذ أموالًا وفيرة. وهذا الفريق أخطر على الأمة من عدوها الخارجي: المعلن لعداوته. {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)}. المفردات: {يَشْرُونَ}: يبيعون؛ لأن شرى: من كلمات الأضداد. كذا في الصِّحاح. {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}: المستذلين. {وَالْوِلْدَانِ}: جمع وليد، وهو الصبي، أو العبد.

{وَلِيًّا}: معينًا. {الطَّاغُوتِ}: في الأصل كثير الطغيان. ويطلق على كل رأس في الضلال. وقيل: الشيطان. التفسير 74 - {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ... } الآية. ذكرت الآيتان السابقتان، طائفة من المنافقين: يثبطون ويخذلون المؤمنين عن القتال، فإذا انهزم المؤمنين فرحوا، وإذا انتصروا ندموا على تخلفهم عن القتال؛ لحرمانهم من الغنائم. وفي هذه الآيات يأمر الله المؤمنين بالقتال في سبيله. والأمر موجّه إلى من باعوا الحياة الدنيا، طلبًا لثواب الآخرة، وجادوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر الدعوة الإسلامية، والدفاع عن المسلمين، وعن الوطن الإسلامي. وتقدير الكلام: إذا تباطأ المنافقون عن الجهاد. فليسرع إليه المؤمنون الصادقون. وقد فرض الله الجهاد في سبيل الله على المؤمنين الصادقين. قال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (¬1). {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}: أي: ومن قاتل في سبيل الله - لا طلبًا للغنائم، ولا طمعًا في الحكم والسلطان - فقد أعد الله له ثوابًا جزيلًا. والمقاتل في سبيل الله بين غايتين: الاستشهاد في سبيل الله، أو النصر على الأعداء .. ولا ذكر للهزيمة في الآية الكريمة؛ لأن المؤمن المجاهد: لا يرتد على عقبيه، ولا يستسلم ¬

_ (¬1) الحجرات. الآية: 15.

للهزيمة بأي حال. وقد وعده الله - في كلتا الحالتين - بالأجر الجزيل، والثواب العظيم: أجر الشهداء في الآخرة، أَو ثمرات النصر في الدنيا، ورضاء الله في الآخرة. وفي تنكير الأجر، ثم وصفه بالعظمة - إظهارٌ لمضاعفته، وإبرازٌ لعظمته. 75 - {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ ... } الآية. يحرِّض القرآن المؤْمنين على القتال في سبيل إعلاء كلمة الله، وفي سبيل خلاص الضعفاء المستذلين: من الرجال والنساء والصغار من المسلمين. المحبوسين بمكة. والمعنى أي شىءٍ لكم حتى لا تقاتلوا؟!! أي لا عذر لكم في ترك القتال؟!! فالاستفهام في الآية الكريمة، لإنكار واستقباح النخلف عن الجهاد. وقد استدعاه باعثان قويان: الأول: الدفاع عن الإِسلام. والثاني: تخليص المستضعفين من المسلمين المستذلين بمكة. الذين يتعرضون لأنواع العذاب والنكال. وهم ضعفاء: لا يستطيعون مقاومة المعتدين الطغاة. وكلا الباعثين جدير بأن يحفز المؤمنين حفزا إلى القتال. وكلاهما جهاد في سبيل الله ... ولكنه أفرد المستضعفين، استثارةً للحمية والأنفة والغيرة، لما لها - في نفوس العرب - من مكان مكين. {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}: أي لا عذر لكم في ترك القتال؛ لتخليص المستضعفين الذين عذبهم المشركون بمكة، ومنعوهم من الهجرة أَو حرية العبادة. فاتجهوا إلم الله عز وجل، ضارعين قائلين: يا إلهنا المنعم، المتفضل علينا بنعمة الإِسلام - هيئ لنا الخروج من مكة، والهجرة منها، فِرارا بديننا من أَهلها الطغاة الظالمين، الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وظلمونا بتعذيبنا، ومَنْعِنَا من الهجرة ومن حرية العبادة، وهيئ لنا - بفضلك - وليًّا يتولى أمورنا ويحمينا منهم، وهيئ لنا - من عندك - من ينصرنا عليهم وييسر لنا طريق الهجرة إلى إخواننا المسلمين.

قال ابن عباس - فيما رواه البخاري عنه: "كنت أَنَا وأمي مِنَ المستَضْعَفِينَ". ونسبة الظلم إلى أَهل مكة: تشريف لها وصيانة عن نسبة الظلم إليها، فهو مقصور على أهلها المشركين. 76 - {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... } الآية. وازنت هذه الآية الكريمة بين فريق المؤمنين، وفريق الكافرين. فالمؤمنين يقاتلون في سبيل الدفاع عن عقيدتهم، وعن أوطانهم، وعن إخوانهم المستذلين. وهذا كله في سبيل الله. وقد وعد الله المجاهدين في سبيله بإحدى الحسنيين: الشهادة وما وراءَها من أَجر جزيل، أو النصر وما يتبعه من عز وتمكين. أما الكفار، فهم يقاتلون في سبيل الطغيان والظلم والاستعلاء. وشتان بين مَن يجاهد في سبيل المبادىء والمثل العليا، ومَن يقاتل عدوانا وظلما، وتمكينا للطغاة الجبارين. ولا شك أن العاقبة للمتقين، وأن الظلم مرتعه وخيم. {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}: أي: فقاتلوا أيها المؤمنون - في سبيل الله - أنصار الشيطان وأعوانه، وكونوا واثقين من نصر الله لكم، وثوابه العظيم. ومن خذلان أعوان الشيطان، فإنكم أنصار الله وحماة الحق، الذي أنزلة إليكم. والحق لا بد أَن ينتصر. فإنهم أعوان الباطل والباطل إلى زوال {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (¬1). والله سبحانه - غالب عَلى أمره. أما الشيطان وأنصاره، فهم المخذولون: { ... أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (¬2). ¬

_ (¬1) الأنبياء من الآية: 18. (¬2) المجادلة من الآية: 19.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)}. المفردات: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ}: اقبضوها وامنعوها عن القتال. {مَتَاعُ الدُّنْيَا}: ما يتمتع به من زخرفها وزينتها ولذائذها. {فَتِيلًا} الفتيل: الخيط الموجود في شق النواة، يضرب به المثل في القلة والحقارة. {بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} حصون مرتفعة منيعة محكمة. {يَفْقَهُونَ}: يفهمون فهمًا دقيقًا.

{شَهِيدًا}: شاهدا على صدق رسالتك، أو مُطَّلِعًا بصيرًا. {تَوَلَّى}: أعْرَض. {حَفِيظًا}: رقيبًا، أو مسيطرًا. التفسير 77 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} الآية. روى ابن أبي حاتم بسنده. عن ابن عباس، أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أَتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا يا نبي الله: كُنَّا في عِزَّةٍ ونحن مشركون، فلما آمنا صِرْنَا أذِلَّةً، قال: "إنى أُمِرْت بِالعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا القَوْمَ". فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ... } الآية. أي: ألم ينته إلى علمك - يا محمَّد - حال أولئك الذين كانوا يتمنون القتال - وهم بمكة - قبل أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم فيه، رغبة في التخلص من ايذاء المشركين المستمر لهم؟! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستمهلهم ويقول لهم - وهم بمكة: كُفُّوا أيديَكم عن قتال المشركين حتى يأْذن الله فيه، وتفرغوا لتطهير أنفسكم وتزكيتها: بإِقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (¬1)، وإِعدادها للجهاد حين يأذن الله به فيه؟!. والاستفهام لتعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه، وكل من يتأتى منه ذلك إلى يوم القيامة - تعجيب لهم - من حال هؤلاء الذين تحدثت الآية عن شأنهم. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}: ¬

_ (¬1) كانت الزكاة غير محددة المقادير في مكة - قبل الهجرة - وكان ذلك متروكا لتقدير المسلمين، ثم تم تحديدها بالمدينة.

أي: فلما فرض الله القتال على المؤمنين - بعد الهجرة - استولى الخوف - من قتال الكفار - على نفوس فريق منهم، وهم المنافقون، وتهيبوا قتال الناس خشية القتل أو الأسر، وملأ الرعب قلوبهم فأصبحوا يخافون قتال الكفار كخوف المتقين من الله. بل أصبح خوفهم من الناس أَشد من خوف المتقين من ربهم. {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}: أي: وقالوا - في ضيق ورعب وجزع من الموت - يا ربنا، لم فرضت علينا القتال؟ هلَّا أخرت فرضه علينا إلى مدة قريبة؟ حُبًّا في التمتع بالدنيا. والمدة القريبة غير محدودةٍ فهي - عندهم - انتهاء آجالهم دون قتال: أَوْ يَا رَبَّنَا هلَّا زدتنا في مدة الكف إلى وقت آخر: قابل للتجديد؟ حذرا من الموت وهربا من الجهاد. فقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا}: أي: قل لهم يا محمد: متاع هذه الدنيا - الذي تودّون العيش من أجله - قصير الأمد، لأن الآجال فيها منتهية. وكلُّ آيلٍ إلى الفناء قليل. وما كان كذلك، فهو لا يستحق الحرص عليه أَو الحزن على فواته. ونعيم الآخرة خير لمن خاف عقاب الله بترك معصيته، ولم يخف من لقاء الأعداءِ. وكان هذا خيرا، لأَنه النعيم المقيم، الدائم لمن أَحسن عملا في هذه الحياة الدنيا، وجاهد في سبيل الله حق الجهاد، واتقى الله، ولم يخش إِلَّا الله. ولن تنقصوا في الدار الآخرة - دار الحساب والجزاء - من جزاء أعمالكم شيئًا وإن قل وكان قدر الفتيلة في شق النواة. ففي الآخرة، ينال المحسنون والمسيئون جزاءَ ما عملوا. ولا يقع على أَحدهم أي ظلم {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (¬1) والفتيل يضرب به المثل في القلة. ¬

_ (¬1) الزلزلة الآيتان: 7، 8.

78 - {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ... } الاَيةّ. جاءَت هذه الآية ردًّا على كراهيتهم فرض القتال عليهم، لاعتقادهم أَنه يعرضهم للموت الذي يكرهونه، وأن القعود عنه يجعلهم بمنجاة منه. والمعنى: في أي مكان تكونون فيه - في ساحة القتال، أَو بين أهليكم في مواطن أمنكم أَو خوفكم - ينزل بكم الموت عند انتهاء آجالكم ولو كنتم في حصون منيعة، أَو قصور عالية: تظنونها مانعة لكم من الموت الذي تخافونه: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} (¬1). وفيه تأنيب لهؤُلاء المنافقين، الذين ضاقوا بما فرض الله عليهم من قتال، وإبراز لحماقة تفكيرهم، فإِن الجبن لا يطيل عمرا، وإنما يجلب ذُلًّا. والشجاعة لا تنقص أجلا، وإنما تورث عِزًّا. {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: هذا بيان لنقيصة أخرى من نقائص هؤلاءَ المنافقين. فقد كانوا يقولون - إذا حلت بهم نعمة من سعة في الرزق، وكثرة في الأَموال والأولاد - هذا الذي أصابنا من النعم من عند الله. قالوا ذلك، لا عن إِيمان بالله، واعتراف بفضله، بل قالوه؛ تهوينًا لشأْن النبي صلى الله عليه وسلم، وإِشارة إلى أنه لا يأْتيهم بخير .. يدل على ذلك ما حكاه القرآن عنهم بقوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ}: أي: وإن يُصيبهم جدب وقحط، ونقص في الأَموال أو الأولاد، ونحو ذلك. قالوا: أصابنا ذلك بشؤْمك الذي لحقنا .. ¬

_ (¬1) الجمعة، من الآية: 8.

فردَّ الله عليهم بقوله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: أي: قل لهم يا محمد: إن كل ما يصيبكم من حسنات وسيئات، إنما هو من عند الله: بقضائه وقدره. فهو - وحده - الذي يملك النفع والضر، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد. {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}: تعبير لهم بالجهل، وتعجيب من كمال غباوتهم، وتقبيح لحالهم. والمعنى: فما شأن هؤُلاء القوم؟ وماذا أصاب عقولهم، حتى أصبحوا بعيدين عن الفهم والإِدراك لما يسمعون، ولما يقولون. ولا يفهمون أن كُلًّا من الخير والشر، من عند الله وحده! 79 - {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ... } الآية. بعد أن تحدثت الآية السابقة، عن فرية من مفتريات المنافقين - وما أكثر ما افتروا، حينما قالوا: إن البلية تصيبنا بشؤْم هذا الرجل، يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد أن ذكرت أَمره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم. بالرد عليهم، ودحضها في قوله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. جاءَت هذه الآية بتفصيل هذا الرد وتأْكيد معناه: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}: أي: ما أصابك - أَيها الإِنسان - من نعمة فهي من عند الله جاءَتك تفضلا منه وإحسانا. {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}: أي: وما نزل بك - أَيها الإِنسان - من بلية ونقمة تسوءك فهي من عند نفسك، بسبب ما ارتكبت من الذِنوب والآثام، أتتك ونزلت بك عقوبة لك على شؤم معاصيك.

وقد تنزل البلية بالمؤمن ابتلاءً واختبارًا ورفعًا لدرجاته. كما في الحديث: "أشَدُّ الناسِ بَلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى الرجلُ على حسبِ دينه، فإِن كان في دينه صُلْبا، اشتد بلاؤُه، وان كان في دينه رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ على قَدْرِ دينه. فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ، حتى يتركه يمشي علَى الأرضِ وما عَلَيْه خَطِيئَةٌ" (¬1). وقد تنزل المصائب بالمؤْمن: تكفيرا لما عساه يكون قد وقع من الذنوب؛ كما جاءَ في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلمَ: من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذى، ولا غمٍّ - حتى الشوكة يُشاكُها - إِلا كفَّر اللهُ بها من خَطَاياه" (¬2). وقد أُضيفت السيئة إلى الله تعالى في قوله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}، على جهة خلقه لها. وإيجاده إياها، وأُضيفت إلى العبد في قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}. على جهة تسببه فيها بما اقترفه من المعاصي والآثام - وإِن كانت مخلوقة لله تعالى. وبهذا التوجيه تلتقي الآيتان الكريمتان في معنى واحد. والخطاب في هذه الآية، عام موجه إلى كل واحد من الناس، كما أَن المراد: جميع الحسنات وكل السيئات. وليس في أسلوب الآية، ما يدل على أَن النعمة لا تصيب إلا المحسنين، فقد يصيب الله بنعمته من يشاء من غير المؤْمنين. كما قال تعالى: { ... نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ... } (¬3) إذ المراد بالرحمة: النعمة التي لا تكون في مقابلة عمل من الأعمال. وليس فيها أَيضا، ما يفيد أَن المعصية تستلزم نزول البلية ممن عصى حتما. فإِن الله يعفو عن كَثِير. كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (¬4)، بل إن كثيرا من الكفار يعيشون في الدنيا في رغد من العيش مترفين منعمين، دون أن تنزل بهم أية مصائب طول حياتهم. قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} (¬5). ¬

_ (¬1) رواه أحمد في مسنده، والبخاري، والنسائي، وابن ماجة عن سعد. (¬2) رواه أحمد في مسنده، والبخارى ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة معا. (¬3) يوسف، من الآية: 56. (¬4) الشورى، الآية: 30. (¬5) محمَّد، من الآية: 12.

وفي هذا - من كمال رحمته بعباده، وعظيم عفوه عنهم - ما لا يخفى. {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا}: هذا بيان لعظم مكانته صلى الله عليه وسلم، وجلال قدره، وعلو شأْنه. والمعنى: وأرسلناك يا محمد، رسولًا مبلغًا - للناس كافة - رسالة ربك، ولم نرسلك لبعضهم. {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}: أي: شهيدا على صدق رسالتك، وأَنك أبلغت ما أنزل إليك من ربك، وأَديت واجبك أَكمل أداءٍ: بإخلاص ويقين: تبشر الناس وتنذرهم. والله تعالى خير شهيد على ذلك. فليس لهؤُلاء المنافقين - ولا لغيرهم - أن يتطيروا بك ويقولوا لك: ما نزل بنا من البلاء فمن عندك. وبسبب شؤمك. وفي تقرير رسالته صلى الله عليه وسلم - على هذا النحو - تطمين لقلبه، وتقوية لعزمه، وإِزالة ما عسى أن يكون قد علق بنفسه من الألم مما قالوه، من نسبة ما نزل بهم من البلاء إِليه صلى الله عليه وسلم - كما أَن فيه زيادة كبتٍ لهم، وتأكيدا لغاية جهلهم، وعدم فقههم. 80 - {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}: هذه الآية موصولة السياق بما قبلها. فهي تتضمن: مرضاة الرسول، وتطييب خاطره، وتزيد من رفعة قدره، وعلو منزلته. ففي الآية السابقة، قرر سبحانه وتعالى: رسالته صلى الله عليه وسلم. ورفَع عنه تحمّلَ مسئولية ما يقولون؛ لأنه ليس إِلا رسولًا: مهمته تبليغ رسالة ربه. وقد أداها أَكمل أداء.

وفي هذه الآية يؤَكد هذا المعنى، ويبين أحكام رسالته، بأن من أعرض عنه فلن يضره، فإنه رسولٌ عليه البلاغ. وليست السيطرة عليهم من رسالته، فقد بعثه الله إلى الناس رسولًا: يدعوهم إلى الخير، ويحذرهم من الشر، ويهديهم إلى الصراط المستقيم. وطاعة الرسول فيما يبلغه عن ربه - بوصف كونه رسولًا يبلغ ما يؤْمر بتبليغه إلى الناس - واجبة. فمن أَطاعه في ذلك، فقد أَطاع الله؛ لأنه - صلوات الله وسلامه عليه - لا ينطق عن الهوى ... فليس لمسلم أن يخالفه فيما يبلغه عن أمر ربه. قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (¬1). وأما ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمور الخارجة عن دائرة التبليغ والرسالة مما هو خاص بشئون الدنيا، فليست أوامر، بل إرشادات. ولذا راجعه المسلمون في بعض الآراءِ. كما حدث في تأبير النخيل، فرجع صلى الله عليه وسلم، ونزل على رأْيهم، وقال: "أَنتم أَعلَمُ بأَمرِ دُنْيَاكم" (¬2). {وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}: أي: ومن أعَرض عن طاعتك، وعن اتباع الحق الذي جئت به، فاترك أمره إلينا - فسنجازيه - ولا يحزنك أمره، فإنما أرسلناك مبلغا، وقد بلَّغْت ما أنزل إِليك من ربك، على أتم الوجوه وأكملها. والله خير شهيد على صدقك، ولم نبعثك عليهم مسيطرا، ولا رقيبا على أعمالهم: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} (¬3). ¬

_ (¬1) النور، من الآية: 63. (¬2) رواه مسلم. (¬3) الغاشية، الآيتان: 21، 22.

{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}. المفردات: {بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ}: خرجوا من مجلسك ظاهرين. {بَيَّتَ طَائِفَةٌ}: دبَّروا ليلًا أو في السِّر. في أي وقت من ليل أو نهار. {يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}: يتأملون فيه، ويتفكرون في معناه. {اخْتِلَافًا كَثِيرًا}: تناقضا في معانيه، وتباينا في نظمه. التفسير 81 - {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ... } الآية. هذه الآية الكريمة، تحكى شأْنا آخر من شئون المنافقين. وهو إِعلانهم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم - بألسنتهم - حينما يكونون معه، فإذا انصرفوا من مجلسه، وذهبوا بعيدا عنه، دبر زعماؤُهم خفية في السِّر - في الليل أو النهار - مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم، ونقض الذي قالوه - بألسنتهم - في مجلسه، معتقدين أن هذا التدبير الخفي لن يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم. وفاتهم أن الله يعلم كل ما يتآمرون عليه، وقد سجَّله عليهم، وأنه سيكشفه لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه سيعاقبهم على هذا النفاق - في الآخرة - أشدَّ العقاب، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ}:

وفي هذا - من التعنيف لهم، وبث الرعب في قلوبهم - ما لا يخفى. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}: أي: فتوَلَّ عنهم - يا محمَّد - ولا تهتم بتدبيرهم وكيدهم، ولا تأْبَهْ بهم ولا بمؤَامراتهم، وفوض أمرك إلى الله - وحده - فهو يكفيك أمرهم، ويجنبك شرهم. وكفى بالله ولِيًا، وكفى بالله نصيرا: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (¬1). والأسلوب ظاهر الدلالة على تحقير شأْنهم، والاستهانة بمؤامراتم التي عصم الله - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم منها. وليس معنى التوكل على الله، أن يترك الإِنسان الأخذ بالأسباب. فهذا هو التواكل، وهو مذموم. وإِنما المراد به، الأخذ بالأَسباب مع تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه. 82 - {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}: تثبت هذه الآية: أن القرآن من عند الله، وتطالبهم أن يتدبروه بيقظة وانتباه، وتنكر عليهم عدم تفكرهم فيما فيه من موجبات الإِيمان به، وتحضهم على التأَمل فيه. والمعنى: أَيعرض هؤلاء المنافقون عن القرآن، فلا يتأَملون فيه، ليعلموا أَنه من عند الله؟!. فلو تدبروه وتبصروا ما اشتمل عليه من المعاني الصادقة، لأيقنوا أَنه من عند الله لا من عند غيره؛ لأَنه كتاب أُحْكِمَتْ آياتُه، لا عِوَجَ فيه. وهو فوق طاقة البشر أَجمعين. فأخباره كلها صادقة: سواءٌ ما يتناول منها الغابر السحيق، أو المستقبل البعيد، أَو ما كشف به كيد المنافقين. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}: أي: ولو كان هذا القرآن من كلام البشر: مؤَلفا من عندهم - كما كانوا يدعون حين قالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} (¬2) - لوجد الناس فيه تناقضا كثيرا. ذلك لأن طاقة البشر، لا تستطيع الإِتيان بهذا الكمال، في بيان العقائد والعبادات، والمعاملات والأخلاق، والإخبار الصادق عن الماضي والمستقبل، وعالَم الغيب، وما يجرى فيه ... كل ذلك في أُسلوب بديع متقن، بلغ الغاية في الكمال والتحدي. ¬

_ (¬1) الطلاق، من الآية: 3. (¬2) النحل، من الآية: 103.

إن العلوم التي تقوم على التجارب، قد تنقض اليوم، ما أبرمته بالأمس، وتهدم غدا ما بنته اليوم. أما القرآن الكريم، فإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه كتابٌ أحكِمَت آياتُه؛ ولأنه تنزيل من حكيم حميد. والمعهود في كبار الأُدباء: أن تتفاوت آثارهم قوة وضعفًا، وَسُمُوًا وَضَعَةً. ولا يسلم أحد من هذا، وإن كان عبقري الموهبة، رائع البيان. وقد تناول النقد الأدبي هذه الظاهرة البشرية بالدراسة والتسجيل. أما القرآن الكريم، فجميع آياته طبقة عليا من البلاغة التي تفوق طاقات الإنس والجن، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}. المفردات: {أَمْرٌ}: خبرٌ عن سرايا الرسول صلى الله عليه وسلم. {الْأَمْنِ}: النصر. {الْخَوْفِ}: الهزيمة. {أَذَاعُوا بِهِ}: نشروه وأَفشَوْه. {يَسْتَنْبِطُونَهُ}: يستخرجون حقائقه المستورة الخفية، ومقاصده البعيدة.

التفسير 83 - {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} الآية. كان المسلمون في جهاد دائم مع أعدائهم من الكفار واليهود. وطبيعة الجهاد تقتضي كتمان أخبار القتال، وصيانة أسراره، إذا ما أريد له النجاح، وبخاصة ما يستفيد منها الأعداءُ. ومن أخطر الأمور التي تضر بالمسلمين - وبجيشهم المقاتل - إذاعة ما يسمعه المرء من أخبار النصر أو الهزيمة، قبل أن يعرضه على أولِي الأمر. فإنهم - بوقوفهم على حقائق الأمور - أعلم بما إذا كان إفشاءُ هذه الأخبار مما يضر الصالح العام أَمْ لا. لهذا، فإِن الآية منهج عظيم، من مناهج تربية الشعوب الإِسلامية على الروح العسكرية، وتوجيهٌ لتلك الشعوب: أن يسوسوا أنفسهم ويروضوها على صيانة أخبار أمن الدولة، وكل ما يتعلق بالجانب العسكري من معلومات. ذلك لأن إفشاء أخبار الدولة، يسهل للعدو مهمة التجسس، ومعرفة مواطن الضعف والقوة لدى المسلمين، ويكشف عن عيوبهم. {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}: فواجب كل مسلم أن يرد هذه الأخبار إلى أُولِي الحل والعقد من المسلمين. فإنهم هم الذين يستطيعون تقييم هذه الأخبار، وتقدير ما إذا كان من المصلحة العامة للدولة إِذاعتها أو كتمانها، حتى لا يحدث اضطراب في صفوف المسلمين. كذلك هم - باطلاعهم على خفايا الأمور - أعرف بصحة تلك الأخبار أو فسادها. وسواء كانت هذه الأخبار: التي كانوا يتلقونها فيذيعونها، متعلقه بالنصر أَو بالهزيمة؛ لأن أخبار النصر، قد تؤدي إلى التواكل والإهمال فلا يأخذ المسلمون حذرهم. وبهذا يكونون فريسة سهلة لأعدائهم. وأخبار الهزيمة قد تلقي الرعب في قلوب ضعفاء الإيمان، فتنهار الروح المعنوية. ولا يستطيع الجيش ملاقاة الأعداءِ. قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ

مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} (¬1). وقد جاء في الحديث الشريف: "كفَى بالرء إثْما: أن يحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِع (¬2) ". من أَجل هذا، دعت الآية الكريمة المسلمين، ووجهتهم: أن يرجعوا فيما سمعوه من أخبار النصر أَو الهزيمة، إلى الرسول وإلى أولى الأمر من أَهل الحل والعقد، في قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... }: والذين يستنبطون الحقائق، هم الذين يطلعون على خفايا الأمور. أو المراد بهم الذين رجعوا بهذه الأخبار - حينما سمعوها - إلى الرسول وأصحابه، فإنهم يعرفون - عن طريقهم - ما خفى عليهم أمره من هذه الأخبار. {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}: هذا امتنان من الله تعالى، على عباده المؤمنين، بحفظهم من شر هذا السلوك الشائن، من المنافقين وضعفاءِ الإِيمان. حيث تفضل عليهم بالنصر، ورحمهم بالحفظ من تصديق ما يذيعه الأَعداء، وضعاف الإِيمانِ، وذوو الغفلة. أي لولا هذا الفضل وتلك الرحمة من لله بهذه الأمة. لضل الكثير من أبنائِها: باتباع سبيل الشيطان، ولكان مصيرها الضياع والانهزام، وضعف الثقة في النفوس. وعلى هذا، يكون المراد بالقلة في قوله تعالى: {إِلَّا قَلِيلًا}: القلة الممتازة من المسلمين بقوة العزيمة، وثبات الإيمان، فإنهم هم الذين يكونون بمنجاة من التأَثر بهذه الأخبار، فلا يصدقونها ولا يذيعونها. ويصح أَن يكون المراد بقوله: {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} إلا في قليل من أعمالكم. ¬

_ (¬1) الأحزاب، الآيتان: 60، 61. (¬2) أخرجه أبو داود والحاكم.

وبالتأمل فيما تضمنته الآية الكريمة من إرشادات حكيمة، يتضح أَن القرآن الكريم، قد سبق جميع النظم الحربية، في وضع أقوى الوسائل لمواجهة ما يسمى الآن: الحرب النفسية، أو حرب الأعصاب. وهي التي تدير الحرب العسكرية. {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)}. المفردات: {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ}: لا تكلف إلا فعل نفسك. {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}: وحُثَّهم ورغِّبهم. {تَنْكِيلًا}: تعذيبا وإيلاما. التفسير 84 - {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ... } الآية. أمرٌ من الله بالقتال، مُفَرَّع على ما سبق، من بيان حال المنافقين وضعاف الإِيمان، وأَنهم مخذولون بإذاعتهم ما يسمعون، قبل التثبت من صحته. أمر من الله لرسوله - يشمل كل قائد، وكل قادر على القتال من المؤمنين المخلصين - عند إعلان النفير - أن يندفع ولو منفردا، إلى الجهاد في سبيل الله، فإنه غير مسئول في الجهاد إلا عن نفسه، وعن حض المؤمنين عليه، غير ملتفت إلى هؤُلاء المثبطين الذين يظهرون الطاعة، ويضمرون العصيان، ولا إلى من يذيعون الأخبار قبل التثبت من صحتها. أَو يصدقونها، فيتقاعدون - بسببها - عن القتال. ويفهم من الآية: أن على القائد أن يتقدم جندَه، وأن يضرب لهم المثل بنفسه عمليا -، وأن يُحَرِّضَ المؤمنين على الجهاد ويحثهم عليه.

{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}: لا ريب أن استعداد المؤمنين للقتال في سبيل الله، وإقدامهم عليه - بقوة وعزم وتصميم - يحقق الرَّجاء في أن يوهن الله عزم الكفار، ويضعف قوتهم، ويبدد شملهم. ذلك لأن استعداد المسلمين وتصميمهم، يحمل الكفار على التفكير والتروي، قبل مواجهة المسلمين، فيتوقفون عن قتالهم، ويكف الله بهذا عن المسلمين شر قوتهم، وشدة بأسهم. وأشعر قوله عز وجل: {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}: بأن الكافرين - إذا لم تمنعهم قوة المسلمين واستعدادهم، وأقدموا على قتالهم - فإن الله سيتولى نصر المؤمنين وتأييدهم، ويمكنهم من التنكيل بأعدائهم، فإنه - سبحانه - أشد قوة من كل ذي قوة، وأشد تعذيبًا من كل قادر على التعذيب، وأَنه القدير عل إِيقاع العذاب الأليم بأعداء أَوليائه، وتمزيقهم شر تمزيق. {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)}. المفردات: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً}: الشفع في الأصل؛ الضم. ومنه الشُّفعة. وهي ضم ملك الشريك. ومن الشفع: الشفاعة: كأن المشفوع له كان فردا، فجعله الشفيع شفعا.

وتطلق الشفاعة على التوسط لإيصال شخص إلى منفعة دنيوية أو أخروية، أو خلوص من مضرة ما. {نَصِيبٌ}: النصيب، الحظ. وهو قابل للزيادة، وأكثر ما يستعمل في الخير. {كِفْلٌ}: الكفل؛ الوزر والإثم، أو المقدار المساوي، وأكثر ما يستعمل في الشر. {مُقِيتًا}: مقتدرا، أو حافظًا وشاهدا. {حَسِيبًا}: محاسبا ومجازيا، أو كافيا، أو حفيظا. التفسير 85 - {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ... } الآية. المراد منه: بيان أن من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير - لفرد أو لجماعة - كان له نصيب من أجر ذلك الخير، الذي ترتب على سعيه. {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا}: أي: ومن يَسْع أمر، فيترتب عليه شر، كان عليه وزرٌ مِن ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه وشفاعته. وهذا عام في الأمرين. فيدخل في الأول التحريض على القتال في سبيل الله، فإن لمن يقوم به نصيبا من أجر المقاتلين، دون أَن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ويدخل في الثاني: التثبيط والتخذيل، وإذاعة الأخبار قبل عرضها على أولي الأمر، وإشاعة الأراجيف بين الناس، فإن على من يقوم بذلك وِزرًا مثل وِزْرِ القاعدين عن القتال بدون عذر: لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا. والتعبير في جانب الحسنة بالنصيب، وفي جانب السيئة بالكفل لكثرة استعمال النصيب في الخير. وكثرة استعمال الكفل في الشر. {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا}: أي: وكان الله على تحقيق كل شيء من الأشياء مقتدرا. ومن ذلك قدرته على جزاء كل من المحسنين والمسيئين، بما يستحقونه من جزاء.

86 - {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}: من أقوى أسباب المودة والألفة، تبادلُ التحية بين الناس. وأصل التحية: الدعاءُ بالحياة وطولها. ثم استعملت في كل دعاء. وكانت العرب تقول عند لقاء بعضهم بعضا: حيَّاك الله. ثم استعملها الشرع في السلام، وهو تحية الإسلام قال تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} (¬1) وقال: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} (¬2). {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}: أي: وإذا سلَّم أحد المسلمين على فرد أو جماعة بقوله: السلام عليكم - وهو أقل ما يكفى في البدء بالسلام - فعلى من سُلِّم عليه أن يَرُدَّ التحية بأحسن منها. ويتحقق ذلك بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله - وله أن يزيد بإِكمالها وهو: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وفي الآية: إرشاد حكيم، إلى آداب السلام، كي ننعم بآثاره النافعة في: جمع القلوب، وتوحيد الصفوف، وتأْمين الخائف. فأَمرتْ من حُيِّيَ بتحية: أن يرد على من حيَّاه بأحسن منها أو بمثلها. روى: أن رجالا قال أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيبا على هذه التحية: "وعليك السلام ورحمة الله": وقال الآخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته". وقال الآخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: "وعليك". فقال الرجل: نقصتني، فأين ما قال الله - تعالى - وتلا الآية؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "إنك لم تترك لي فضلا. فرددت عليك مثله" كذا في تفسير أبي السعود. ¬

_ (¬1) يونس، الآية: 10. (¬2) النور، من الآية: 61.

والرد على تحية الإِسلام واجب. وإنما التخيير بين الزيادة وتركها. فعن ابن عباس، رضي الله عنهما: الرد واجب. وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه - إلا نزع الله منهم روح القدس، رردت عليه الملائكة. ولا يُرَدُّ على من سَلَّم: أثناءَ الخطبة، وتلاوة القرآن جهرا، ورواية الحديث، وعند دراسة العلم، وعند الأَذان والإقامة. ولا يسلم على لاعب النرد، والشطرنج، والمغنِّي، والقاعد لقضاء حاجته، والعاري في الحمام. ويسلم الرجل على امرأَته، لا على الأَجنبية. والسُّنَّة: أن يُسَلِّمَ الماشي على القاعد، والراكبُ على الماشي، وراكبُ الفرس على على راكب الحمار، والصغيرُ على الكبير، والعددُ القليلُ على العدد الكثير. وإِذا التقيا بَادَرَ كُلٌّ منهما إلى إِلقاء السلام على صاحبه. وخيرُهما الذي يبدأُ. وعن النبي صلى الله عليه وسلم، "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". - أي وعليكم ما قلتم. حيث إِن بعضهم كان يقول. السَّامُ عليكم. وروى: "لا تبدأ اليهودِيَّ بالسلام. وإذا بدأك فقل: وعليك". وعن الحسن: أَنه يجوز أَن يقول للكافر: وعليك السلام دون الزيادة. ذكر هذه الأَنباء الثلاثة، أبو السعود في تفسيره. والسلام: معناه الأَمان، وفي بدء السلام ورده: أَمان للمُسَلِّم، ولمن سُلم عليه. فكأَن كل واحد منهما يؤمن صاحبه من شره، ويزيل الخوف من قلبه: ويؤْنسه بهذه التحية. وقد نهى القرآن عن نفى الإِيمان عمن أَلقى السلام إِلى المسلمين في قوله: { ... وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ... } (¬1). ونهى عن معاجلته بالقتال. ¬

_ (¬1) النساء، من الآية: 94.

وقد وردت أحاديث كثيرة. تدعو إلى إفشاء السلام: منها: ما رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، "لَا تَدخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، ألَا أدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَاببْتُم؟ أفْشُوا السَّلامَ بَينَكُم". {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}: وختمت الآية بما يحرك وجدان المسلم نحو الامتثال، والمحافظة على ما يوطد روابط المحبة والمودة بين الناس، والحرص على إفشاء السلام، وعلى ما يملأُ القلب خوْفًا من الله وحَذَرًا من عقابه، إذ أفاد ذلك: أَن الله تعالى، سيحاسب الناس على كل ما يأتون ويذرون، على كل صغير وكبير، من الأعمال والأقوال. 87 - {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}: أي: الله الواحد القادر على كل شيءٍ، الحسيب على كل شيء، هو الذي يجمع الناس - بعد قيامهم من قبورهم - يوم القيامة، ليجازي كلا بما قدمت يداه. وهذا الجمع لا ريب فيه، أَو هذا اليوم آت لا شك في مجيئه. وأسلوب الآية يؤَكد - بقوة - وقوع المحاسبة، ومجازاة كل بما يعمل. والمقصود، تحريض المسلمين على الالتزام بتنفيذ ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}: هذا إنكار أَن يتطرق إِلى النفوس غير الحقيقة التي تقررت في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ... } الآية. إِذ الذي تحدث عن حتمية مجيء الحساب والجزاء، واليوم الذي يقعان فيه - هو الإله الذي لا يوجد حديث أصدق من حديثه، ولا محدث أصدق منه - وهو الله - {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}؟!!.

{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)}. المفردات: {فِئَتَيْنِ}: فرقتين. {أَرْكَسَهُمْ}: ردَّهم إلى الكفر ونكَسَهم. {أَوْلِيَاءَ}: أعوانا ونصراءَ، توالونهم. {مِيثَاقٌ}: عهد. {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}: ضاقت صدورهم. {اعْتَزَلُوكُمْ}: تركوا قتالكم. {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ}: وأَلقَوا إليكم الأنقيادَ والاستسلام.

التفسير 88 - {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ... } الآية. ذكر العلماءُ في سبب نزول هذه الآية: أن قوما قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يظهرون الإِسلام، فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا: يا رسول الله، نريد أن نخرج إلى الصحراء، فَأذَنْ لنا؛ فأذِن لهم. فلما خرجوا، لم يزالوا يرحلون مرحلة بعد مرحلة؛ حتى لحقوا بالمشركين. فتكلم المؤْمنون فيهم. فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا، لبَقوا معنا، وصبروا كما صبرنا. وقال قوم: هم مسلمون، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر، إلى أن يظهر أمرهم. وعن ابن عباس، وقتادة: أن قوما أظهروا الإِسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. فاختلف المسلمون في شأنهم؛ فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية الكريمة: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا}: والخطاب فيها: عام لجميع المؤمنين. والاستفهام: لإنكار مَا وقع من الخلاف في أمر هؤُلاء المنافقين، بعد أن رجعوا إلى المشركين، وأظهروا كفرهم، أو كانوا عونًا لهم على المؤمنين. والإنكار: مُوَجَّه إلى مَنْ كانوا يدافعون عنهم من المسلمين، وليس إلي جميع المخاطبين. والمعنى: لِمَ تختلفون في القول بكفر هؤُلاء المنافقين، وتفترقون في هذا الأمر فرقتين، وقد ردهم الله إلى الكفر، كما كانوا بسبب ما اقترفوه من الاحتيال على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديعته. أَو معاونة المشركين في إيذاء المسلمين بمكة - حيث بيتوا الشر وأَضمروا الردة؟! ظهر ذلك جليا، حينما رجعوا إلى مكة ولحقوا بالمشركين وأظهروا الكفر. أو حين أظهروا الإسلام بمكة بلسانهم، وكانوا - في واقع الأمر - عونا للمشركين علي المسلمين.

ليس لكم أَن تختلفوا فيه ... بل كان يجب عليكم - أيها المؤمنون - أَن تتفقوا على القطع بكفرهم؛ لظهور أدلة هذا الكفر، وذلك النفاق. لقد يسّر الله لِهؤُلاءِ المنافقين طريق الإيمان الصادق. ولكنهم تنكبوا الصراط المستقيم، وحادوا عن النهج السليم، واختاروا الضلالة على الهدى، فسلبهم الله معونته وتوفيقه، وردهم إلى الكفر بسبب ما عملوا: فكانوا في عداد الكافرين. {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}؟! أَنكر هذا النص القرآني على هؤُلاء المدافعين: أن يجعلوا - في عداد المؤمنين - مَنِ اختاروا لأَنفسهم طريقَ الكفر، فلم ييسر الله لهم طريقا إلى الإِيمان، وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وحيث توجه الإِنكار إلى إِرادة هؤُلاء المدافعين، فانتفاءُ قدرتهم على تحقيق الهداية لأُولئك المنافقين، آكَدُ وألْزَمُ. وفي قوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا}: تقرير لنفي ذلك وتأكيد له. أَي ومَن سلب الله عنه معونته على الإِيمان. وتيسيرَ الوصولِ إِليه: فلن يستطيع أيُّ واحد من الناس أَن يجدَ له طريقا ما إِلى الهدى والرشاد. قال تعالى: { ... وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (¬1). 89 - {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... } الآية. هذا القول الكريم، يبين للناس غُلُوَّ هؤُلاءِ المنافقين في الكفر، وتماديَهُم في الضلال. إذ لم يقفوا عند رجوعهم إِلى الكفر الذي ردَّهم الله إِليه، بسبب سوءِ أعمالهم - كما بينته الآية السابقة - بل أَحبوا أَن تكفروا - أَنتم - كفرا مثل كفرهم، وتمنَّوْا لكم إن تَضِلوا ضلالا مثل ضلالهم، فتكونوا - أَنتم وهم في الكفر والضلال - سواءً، على ¬

_ (¬1) الرعد، من الآية: 33.

عقيدة واحدة. فكيف تختلفون في القول بكفرهم، وتفترقون في الحكم بِرِدَّتِهِم، ويحاول بعضكم التماس المعاذير لهم؟! بعد أن بين الله - تعالى - للمؤْمنين كفر هؤُلاء المنافقين وشدة غلوهم في ذلك الكفر، شرح لهم كيفية التعامل معهم، فقال: {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: والمعنى: إذا كان شأن هؤُلاءِ المنافقين ما قد عرفتم: ردة إلى الكفر. ومحبة منهم لإِضلال غيرهم، فلا يجعل أي واحد منكم لنفسه منهم نصيرا، حتى يَهْجُرُوا شعار الكفر إلى شعار الإيمان، ثم يتركرا دار الكفر إلى دار الإِسلام. لا لغرض من أَغراض الدنيا: وإنما طاعةً لأَمر الله، وفي سبيل الله، ويقطعوا ما بينهم وبين الكفار من صِلاتٍ، وينحازوا إلى صفوف المسلمين بقلوبهم، وواقع سلوكهم، فإِن هؤُلاءِ ليسوا معذورين بالخطإِ أو الغفلة: وإنما هم عامدون قاصدون، فلا يصح أَن يختلف المسلمون في أَمرهم. {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}: أي: فإِن أعْرَضوا عن الإِيمان الصادق، والهجرة الصحيحة، والتمسك بالدين، ولزموا مواضعهم ولم يهجروا دار الكفر، وسائر ما نهى الله عنه - فذلك هو الدليل المادي على أَنهم لا يريدون إِلا الكيد والشر والبقاء على الكفر .. فَأْسِرُوهم إن قدرتم عليهم، واقتلوهم إذا تمكنتم منهم، في أي مكان تجدونهم فيه: دفعًا لشرهم، وردًّا لكيدهم. {وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}: أي: ولا تجعلوا منهم - في هذه الحالة - وليًّا يتولى شيئًا من مهام أموركم، ولا نصيرا تستنصرون به على أعدائكم. واقطعوا ما بينكم وبينهم من صلات. إذ العلاقات مع الخبيثين مداخل هادئة لتعشيش الكيد وتفريخه. وهذا الحكم ليس عاما في كل المنافقين. فلقد كان منهم من يعيشون بين ظهراني المسلمين: وإِنما هو خاص بهذه الفئة التي بدا منها التعبير العملي عن الخيانة والكيد والخديعة، وبكل من يكون على شاكلتها.

90 - {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ... } الآية. في الآية السابقة، أمر الله - تعالى - بقتل هؤُلاءِ الكفار الذين بدت منهم العداوة والخيانة والبغضاءُ. وفي هذه الآية الكريمة. استثناء طائفتين من القتل: الطائفة الأولى: بَيَّنَهَا القرآن الكريم في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}: وهم الذين يتصلون بقوم، بينكم أَيها المسلمون وبينهم عهد وميثاق. فإنهم لا يُقتَلُون ولا يؤسَرُون. والمعنى: أن من دخلوا في عهد قوم - بحلف أو جوار - بينكم وبينهم عهد وميثاق، كانوا أيضًا، داخلين في عهدكم أَيها المسلمون. فلهم حق الأمن من القتل أو الأَسر؛ لأن هذا العمل منهم - في ظاهره - يدل على ميلهم إلى عدم الخيانة والكيد، وعلى تمسكهم بالعهد الذي بينكم وبين مَن يحالفونهم. وهذا. ما دام الميثاق الذي بين المسلمين وبين هؤلاء القوم قائمًا: لم يُنْقَضْ بوجه من الوجوه. وهكذا، نرى الإِسلام - في وفائه وسماحته - يحترم العهود والمواثيق، ولو كان فيها حيف بالمسلمين كنا قبلناه وقت المعاهدة. كما حدث في صلح الحديبية. والطائفة الثانية: هي التي يقول الله - تعالى - في بيانها {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ}: أي: هم الذين أَتَوْا إليكم: تضيق صدورهم وتنقبض نفوسهم، ويتحرجون من قتالكم أَيها المسلمون، ومن قتال قومهم، فلا يريدون قتالكم، ولا يريدون قتال قومهم الذين يعادونكم ... فاختاروا موقف الحياد.

فهؤُلاءِ ليس للمسلين تسلُّط عليهم، وليس لهم سبيل إلى التحكم فيهم؛ لأن الله كف المسلمين عن قتالهم بما ألقى في قلوبهم من الميل إلى الموادعة. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ}: أي: ولولا ذلك الذكر ألقاه الله في نفوسهم من الميل إلى الموادعة والرغبة في الحياد، لكانوا قوةً تضاف إلى قوة الأعداءِ، ويكون لها تأثيرها في إلحاق الأذى بكم أيها المسلمون، ومساعدة الأعداءِ عليكم، ولكن الله - بفضله ورحمته - صرفهم إلى اختيار موقف الحياد والموادعة: رحمة بالمؤمنين، وتخفيفا لضغط الكفار عليهم، وتقوية لجانبهم عند لقاء عدوهم. والمقصود من هذا: بيان أن الله مَنَّ على المسلمين بما تفضَّل به عليهم: من كف بأس هؤُلاء عنهم، باختيارهم الحياد والمسالمة. {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}: أي: وما دام هؤُلاء الذين جاءُوكم متحرجين من قتالكم وقتال قومهم، قد اختاروا العُزْلةَ وعدم القتال، وسَارعوا إلى السَّلْمِ، فليس لكم عليهم - أيها المسلمون - أيُّ سبيل أَو أَدنى تسلط. ذلك لأن الإِسلام يرحب - دائمًا - بكل بادرة تدعو إلى السلام، ما دام غير المسلين لا يعتدون. وما شُرِع القتالُ في الإِسلام،، إِلا لضرورة تأمين الحق، وصيانةِ العقيدة، وتعميم الخير.

{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)}. المفردات: {أُرْكِسُوا}: انقلبوا. {ثَقِفْتُمُوهُمْ}: وجدتموهم. {سُلْطَانًا مُبِينًا}: حجةً ظاهرة. التفسير 91 - {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ... } الآية. ينبّه الله - سبحانه - المسلمين في هذه الآية الكريمة، إلى طائفة أُخرى من المنافقين يلقَوْنَ المسلمين بوجه، ويلقون كفارَ قومِهِم بوجهٍ آخر .. يقصدون بذلك أن يظفَرُوا بالأمن من الجانبين. وهذا الفريق من المنافقين لا يترك قتال المسلمين تحرُّجا، ولكن يتركه مراوغة لتحقيق مآربه. {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}: أي ستجدون - أيها المسلمون - جماعةً أخرى من المنافقين يسلكون طريقا ملتوية، - هي طريق المواجهة - إذا جاءُوكم أَسلموا وعاهدوكم، يريدون بذلك أن يظفَروا منكم بالأمن؛ ليحققوا مصالحهم لديكم .. فإذا رجعوا إلى قومهم، كفروا ونقضوا عهودهم معكم، وقصْدهم أن يفوزوا كذلك بالأمن من قومهم؛ ليقضُوا بذلك حاجاتِهِمْ، ويصلوا إِلى غاياتِهم عند قومهم أيضًا.

{كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا}: أي: كلما دعاهم قومُهُم إلى قتال المسلمين والكيد لهم، انقلبوا في فتنة القتال والكيد مع قومهم عليكم، معلنين - بذلك - عما أَضمروه في قلوبهم، كاشفين عن حقيقة أَمره. {فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}: أي: فإِن لم يتجنب هؤُلاء قتالكم: ويطلبوا الصُّلْحَ معكم، ويَمُدُّوا يَدَ السلام والأمان إليكم، ويكُفُّوا شرهم وأذَاهم عنكم، ويقفوا موقف الحياد ويعلنوه - فخذوهم بالقوة أَسرى لديكم، واقتلوهم في أي مكان تدركونهم وتظفرون بهم عنده، لأَن هذا الصنف من المنافقين خطر: يجب القضاءُ عليه. إذ ليس هناك ما يدعوكم إلى أن تقفوا منهم موقف الأمان والاطمئنان، بعد أَن أعلنوا عداءَهم لكم، وأَظهروا ما تُكِنُّهُ صدورهم نحوكم. {وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا}: أي وهؤُلاءَ المنافقون: قد جعل الله لكم الحجة الواضحة عام جواز أخذهم وقتْلهم؛ بسبب ظهور عداوتهم لكم، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر بكم، والخيانة والكيد لكم. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)}.

المفردات: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}: فَعِتْقُ رقبة. {يَصَّدَّقُوا}: يتصدقوا بالدية؛ بالتنازل عنها. {مِيثَاقٌ}: عهد. {خَالِدًا فِيهَا}: ماكثًا فيها زمنا طويلًا. التفسير 92 - {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ... } الآية. بعد أَن بينت الآيات السابقة أُسس المعاملة بين المسلمين وغيرهم، وقد اتضح منها أن القتال شرع في الإِسلام لدفع الظلم، ورد العدوان في مختلف صوره، وتعميم الخير الذي جاء به الإِسلام لإسعاد بني البشر جميعًا، وأَن الأصل هو احترام دم الإنسان، - بعد هذا البيان - جاءَت هاتان الآيتان تقرران حكم وقوع القتل بين المؤمنين: بعضهم مع بعض. روى عروة بن الزبير: أَن حذيفة بن اليمان، كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد فأخطأ المسلمون، وظنوا أن أباه "اليمان" واحدٌ من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم، وحذيفة يقول: إنه أبي ... فلم يفهموا قوله إِلا بعد أَن قتلوه. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين .. فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، ازداد وقع حذيفة عنده. فنزل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} (¬1): أي: وما صح وما استقام لمؤمن صادق الإِيمان فيما أتاه. من ربه في شريعة الإسلام، أن يقتل إِنسانا مؤمنا بغير حق، إلا خطأً. لأن إيمان المؤمن زَاجِرٌ له عن ذلك، وربما وقع لأَنه احتراز عن الخطإِ، مما لا يكاد يدخل تحت الطاقة البشرية، فيكون الواجبُ ما بُيِّنَ في قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا}: أي: ومن وقع منه القتل الخطأ، فالواجب عليه في هذه الحالة، أَن يعتق نفسًا مومنةً، وأَن يؤَدي إلى ورثة القتيلِ ديةً: يقتسمونها كما يقتسمون الميراث. ¬

_ (¬1) رواه البخاري.

والدية: عوضٌ عن دم القتيل. وهي مائة من الإبل أَو قيمتها بالدراهم أَو الدنانير. وقد قدَّرها عمر - رضي الله عنه - بألف دينار على من يتعاملون بالذهب، واثنى عشر ألف درهم على من يتعاملون بالفضة. رَوَى أَبو داود عن عمر رضي الله عنه: على أهل الإِبل مائة بَدَنة، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الشاء ألف شاة، وعلى أهل الحلل مائتا حلة. وتتحمل عشيرة القاتل عنه دفع الدية، فإن لم تكن له عاقلة، وجبت على بيت المال، فإن لم يكن فيه، وجبت في مال القاتل .. ولا تسقط هذه الدية. إلا في حالة تنازل أهل القتيل عنها. وهذا التنازل نوع من المعروف. وكل معروف صدقة؛ ولذا قال تعالى: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا}: أي تجب الدية إلا أن يَعْفُوَ أهلُ القتيل بالتنازل عنها، وسُمِّيَ هذا التنازلُ صدقةً. حَثًّا لن يستحقون الدية على التنازل عن الديات، وتنبيها على فضل العفو. هذا إذا كان المقتول خطأ مؤمنًا: من قوم مؤمنين. {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}: أي: فإِن كان المقتول خطأً من قوم كفار معادين للمؤمنين - وهو مؤمن - فالواجب في هذه الحالة: عتق رقبة مؤمنة، وفِكَاكها من قيد الرق، وإطلاق حريتها: كفارة عن هذا القتل الخطأ. ولا دية ... لأنها تعود على أعداء المسلمين المحاربين. ولا يجوز أن يدفع المسلمون أموالهم إِلى عدوهم ليتقوى عليهم بسببها ويحاربهم بها. وفي تحرير النفس المؤمنة تعويض للمسلمين عن ذلك القتيل؛ لأن الرق غُلٌّ في عنق الرقيق: يمنعه من العمل النافع له وللمجتمع، من حيث إنه لا يملك نفسه، فكان في حكم الميت. وفي إطلاق حريته بالعتق إحياءٌ له. {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}: أي: وإِن كان المقتول خطأ، من قوم كفار بينكم - أَيها المسلمون - وبينهم عهد وميثاق، وليسوا أَعداءٌ لكم، فالواجب - في هذه الحالة - المبادرةُ بأداءِ ديةٍ تسلم إلى أَهل القتيل: تعويضًا عن دمه، كما يجب - كذلك - عتق نفس مؤمنة؛ لأن دماء هؤُلاء قد عُصِمت، بحكم ما بينهم وبين المسلمين من ذمة وميثاق.

وفي هذا القسم من أقسام القتل الخطإِ، لم يوصف المقتول بالإيمان أو الكفر، مما يشعر بأن وجود عهد وذمة بين المسلمين، يسوّى بين الجميع في الدية والفدية. وبذلك يرتفع الإِسلام إلى أعلى مستوًى من رعاية حقوق المعاهدين والذميين. وهو تشريعٌ في رعاية العهد وحرمة الدم، لا يسَامىَ أبدًا. وحرمة الدم الإنساني، واضحة في إيجاب عتق الرقيق في جميع حالات القتل، عَدَا العداوة والتحفز والكيد، الأمر الذي يهدر الدم معه، وإذا أُهدر الدم فلا حرمة له. وعتق الرقيق واجب إذا ملكه، أو ملك ما يوصله إليه. {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}: أي: فمن لم يجد الرقيق بأن لم يملكه، ولا يملك ما يوصله إليه، بأن عجز عن ثمنه، أو عجز عن شرائه مع اليسار بثمنه، فالواجب على القاتل - في هذه الحالة - الانتقال إلى البدل: وهو صيام شهرين متتابعين: لا يقع بين أَيامهما إِفطار بغير عذر يبيح الفطر. {تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}: أي: شرع الله هذا الصيام، رجاءَ قبول توبة القاتل؛ لأنه - بأَداء هذا الصوم - يقدِّم دليلًا - عمليًا - على صدق توبته ورجوعه إِلى ما أمر الله به من احترام الدماء، وتطهير نفسه بحبسها عن الشهوات شهرين متتابعين: يتوجه المرءُ فيهما إِلى الله، صادقا مخلصا في توبته من الذنوب والآثام. {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}: أي: وكان الله - ولا يزال - عظيم العلم بما انطوت عليه النفوس، وأضمرته القلوب، في جميع الأحوال: بالغ الحكمة في كل ما شرعه من الأحكام. ومما تجدر الإشارة إليه: أَن العلماء اختلفوا فيمن عجز عن الصيام: فقال بعضهم: يجب عليه إِطعام ستين مسكينا، كما في كفارة الظهار. وإنما لم يذكر التكفير بالإطعام هنا؛ لأن هذا مقام تخويف وتهديد وتحذير، فلا يناسب أَن يذكر فيه الإطعام؛ لما فيه من التسهيل والترخيص.

وقال آخرون: لا يعدل إلى الإِطعام، لأنه لو كان واجبا، لما أخر بيانه عن وقت الحاجة. 93 - {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}: في الآية السابقة بيان حكم القتل الخطإ بأقسامه الثلاثة. وفي هذه الآية الكريمة بيان حكم القتل العمد في الآخرة. {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}: أي: ومن يقتل مؤمنا قاصدا قتله، فجزاؤُه الذي يستحقه على اقتراف تلك الجريمة الشنيعة، دخولُ جهنم ماكثا فيها مكثا طويلًا، إِلى أَن يشاءَ الله إِخراجه من النار فيخرجَه منها، إذ ليس المراد من الخلود هنا دوام البقاء في جهنم أبدا، فإِن الخلود فيها أَبدا، جزاءُ الكافرين. {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ}: أي وانتقم الله منه، وأبعده سبحانه عن رحمته. {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}: أي: وقد هيأ الله في جهنم لمن تَعَمَّدَ قَتْلَ المؤمنِ، عذابًا رهيبا، لا يدرك الإِنسان غايته؛ لشدة بشاعته. وفي هذه الآية تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن يجترئون على سفك دماءِ المسلمين بغير حق. وقد تأيد هذا الوعيد، بأخبار كثيرة، رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم. منها: ما أخرجه الأمام أَحمد والنَّسائي، عن البراء بن عازب: أَن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، أَهوَنُ عِندَ اللهِ - تَعالى - مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ .. وَلَوْ أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ، لأدخَلَهُمُ اللهُ تَعَالى، النَّار". ولا يخفى ما في هذا من الوعيد والتهديد، على قتل النفس التي حَرَّمَ الله قتلها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)}. المفردات: {ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: سافرتم للغَزْوِ. {فَتَبَيَّنُوا}: فاطلبوا بيان الأمر والكشف عنه وتَثَبَّتُوا. {أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ}: حَيَّاكم بتحية الإِسلام. {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: تطلبون متاعها الزائل، ونعيمها الفاني: من مال وغيره. التفسير 94 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... } الآية. بعد أن بينت الآيتان السابقتان - حكم القتل بقسميه، وأَن أَقصى ما يُتصور صدورُه عن المؤمن، إنما هو القتل الخطأ - جاءَت هذه الآية، تحذر مما يقود إليه من التهاون وقلة المبالاة في الأمور. روى البخاري، والترمذي، والحاكم، وغيرهم، عن ابن عباس قال: مَرَّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهو يسوق غَنما له: فسلَّم عليهم. فقالوا: ما سلَّمَ علينا إلا ليتعوَّذ مِنَّا: فعمَدوا إِليه فقتلوه: وأتَوا بغنمه النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية.

وهناك روايات أخرى بهذا المعنى. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... } الآية. أي إذا سرتم في الأرض مسرعين للجهاد في سبيل الله، فتبينوا الأمر، وابحثوا عن الحقيقة في كل ما تأتون وتذرون، وتثبتوا من حال من تقاتلونهم. {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}: أي: ولا تقولوا - بغير تثبت وتأمل لمن حياكم بتحية الإِسلام - لست مؤمنا، وأنك إنما قلت ذلك: طلبا للنجاة بنفسك ومالك، ولست مخلصا في إسلامك. {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: أي: تقصدون بقولكم هذا: طلب ماله وأخذه، وهو - وإن كثر - متاع قليل زائل. وكذلك كل ما في الدنيا. {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}: أي: لا تبتغوا المال بما قلتموه لمن حياكم بتحية الإِسلام، ولا تلتفتوا إلى العرَض الزائل؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - عنده الثواب الجزيل، والأجر العظيم. وخير الله عميم، ومغانمه كثيرة: يمُنُّ عليكم بها، فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتم، إن كنتم تريدون خيرا ومغنما. {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ}: أي: وقد كنتم من قبل - في بدءِ إسلامكم - لا يظهر منكم للناس غَيْرُ ما ظهر من هذا الذي يأمركم الله بقبول ما ألقاه إليكم، من تحية الإِسلام ونحوها. {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}: بأن قَبِل منكم هذا الظاهر، وعُصِمَتْ به دماؤُكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفتيش عما في قلوبكم، حتى شاع إسلامكُم بين الناس، وأكرمَكُم الله به. {فَتَبَيَّنُوا}: أي: إِذا كان الأمر كذلك، فاطلبوا بيان الحال، وتَدَبَّرُوا الأَمر، وقِيسوا حال هذا الذي ألْقَى إليكم تحية الإسلام بحالكم من قبل، وافعلوا معه ما فُعِلَ بكم في أَول أَمركم، من قبول ظاهر الأمر، من غير تنقيب عن السرائر ... وتأَملوا .. أهل كان يرضيكم أن يقع بكم مثلُ الذي تريدون أَن توقعوه بِمَنْ أَلْقَى إليكم السلام؟

لا ريب أَن جوابكم يكون: لا ... وأن ظاهر الحال كافٍ في عصمة الدم والمال. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}: فيعلم ما تخبئه النفوس وتضمره القلوب، وبواعِثَهَا على العمل، وغاياتِها التي لا تنكشف للناس. ولا ينبغي للمسلمين: أَن يجعلوا عَرَض الحياة الدنيا غايتَهم من الجهاد، إذا خرجوا يجاهدون في سبيل الله. {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)}. المفردات: {الْقَاعِدُونَ}: المتخلفون عن الجهاد. {أُولِي الضَّرَرِ}: أصحاب الأمراض والعاهات. التفسير 95 - {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ... } الآية. بعد أن أمر الله المؤمنين بالجهاد وحرضهم عليه، وذكر من أحكامه تحذيرَ المؤمنِ مِن قَتْلِ أخيه المؤمن، وبيّن أَحكامَ قتلِهِ - أتبعه بيانَ حكمٍ آخر: هو بيان فضل المجاهد على غيره؛ ليهتز له القاعد عنه، رغبةً في الحصول على فضله العظيم.

أخرج البخاري، عن زيد بن ثابت، قال: "أَمْلى عَليَّ رَسولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وسلم: (لَا يَستَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ) قال: فجاءَه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ، فقال: يا رسول الله: لو أَستطيع الجهاد لجاهدت - وكان رجلًا أَعمى - فأنزل الله تبارك وتعالى، على رسوله صلى الله عليه وسلم - وفخذه على فخذي، فثقلت عَلَيَّ، حتى خِفت أَن ترض فخذى - ثم سُرِّي عنه. فأَنزل الله عز وجل - {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ". وفي رواية البراء بن عازب. فأنزل الله - عز وجل - {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}. والمعنى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}. أي: لا يستوي المتخلفون من المؤمنين الأصحاءِ، الذين قعدوا عن الخروج للجهاد، بدون عذر من مرض أو غير ذلك: من فقد السلاح، وما يُحْمَلون عليه - لا يستوي هؤلاء والذين خرجوا للجهاد في سبيل الله: بأموالهم وأنفسهم، في الأجر والثواب، وعلوِّ الدرجة عند الله تعالي. وكيف يستوي من تخلَّف - بدون أعذار - مع الذين أَنفقوا أموالهم فيما يُضعِف قوةَ الكافرين، ويذهب شوكَتَهُم، ويوهِن كيدَهم، وبذلوا في القتال أَرواحهم: راضين صابرين؛ لتكون كلمةُ الله هي العليا، وكلمةُ الذين كفورا السفلى؟! ولما بين الله تعالى، أن المجاهِدِين والقاعِدين لا يستويان .. ولما كان عدم المساواة يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان - دفع النصُّ القرآني احتمال النقصان، بقوله تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً}: فالمراد بهذا: تفصيلُ ما بين الفريقين من التفاضل، حيث بين الله بذلك أَن بَذلَ الأَموالِ والأَنفس في سبيل الله، لإِعلاء كلمة الحق، ابتغاءَ مرضاة الله، سببٌ في تفضيل المجاهدين من المؤمنين على الذين قعدوا عن الجهاد، وتخلفوا عن البذل والإِنفاق بغير عذر، درجةً عظيمةً، لا يعلم قدرها إِلا الله. {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}: أي وكلا من فريقي المجاهدين والقاعدين من المؤمنين، وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة. لتحقُّقِ الإِيمانِ الصادق فيهما.

ومحل هذا، إِذا لم يكن النفير عاما، وكان التخلف لا يضر الجبهة المقاتلة من المسلمين، بأن كان فيمن خرجوا للقتال كفايةٌ للقاء العدو لإنزال الهزيمة به. وذلك ما لم توضع نظم تجعل التجنيد إجباريا. أما مع وجود هذه النظم، كالذي يجري عليه العمل في الدول الإِسلامية اليوم، فإنه حينئذ، لا يحل لأحد أَن يتخلف عن دوره، وإلا كان متخلفا عن الزحف لقتال الأعداء. والمتخلف عن الزحف: مرتكب أشد الكبائر، معاقَبٌ عند الله أشد العقاب. وللحاكم أن يعزره بما يردعُ سواه من التعازير الشروعة. {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}: كان تفضيل المجاهدين بهذا الأجر العظيم - زيادة على القاعدين من غير أولى الضرر - إكرامًا من الله لهم؛ لِمُسَارَعَتِهم إلى الجهاد، وبذْلهم أموالَهم وأنفسَهم في سبيل الله: راضين مغتبطين. وفيه من تأْكيد أجر المقاتلين ما لا يخفى. وقد بين الله سبحانه - هذا الأجر العظيم، بقوله تعالى: 96 - {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ... } الآية. أي منازل عظيمةً لا يُحيط الوصف بفخامتها وجلال قدرها من عند الله .. تفضَّل الله على المجاهدين بها، لِمَا صدقوا في الجهاد. ومغفرةً لهم من الذنوب، ورحمةً يحيطهم الله بها، ويحفظهم بشمولها؛ لأن المسلم - دائما - في حاجة شديدة إلى مغفرة عظيمة من الله، ينجو بها، ورحمةٍ واسعة يَسْبَحُ في رحابها. {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}: أي وكان الله - ولا يزال على الدوام - عظيمَ الغفران لذنوب عباده، واسعَ الرحمة بكل شيء. فلا تزهوا أيها المجاهدون بما بذلتم من أَنفس وأموال في سبيل الله. ولا تنسَوا أن الفضل كلَّه من الله.

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)}. المفردات: {مُسْتَضْعَفِينَ}: عاجزين عن القيام بما وجب عليهم. {وَالْوِلْدَانِ}: الصغار أَو المراهقين أو الأرقاءِ. {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً}: لا يجدون سببا موصلا إلى الغرض. التفسير 97 - {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... } الآية. هذه الآيات بيان لحال الذين قعدوا عن الهجرة، وآثروا البقاءَ في دار الكفر. جاءت إثر بيان حال الذين تخلفوا عن الجهاد بغير عذر، وقعدوا عن القتال في سبيل الله. عن عكرمة مولى ابن عباس. قال: "أَخبرني ابنُ عباس: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سوادَ المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يُرمى فيصيب أحدَهم فيقتله، أَو يُضْرَبُ فَيُقْتل. فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... } الآية". أخرجه البخاري. {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}: أي إِن الذين أسلموا، وآثروا البقاء بين ظهراني المشركين في دار الكفر، وتحملوا الذل والهوان والقهر - وهم

قادرون على التخلص مما هم فيه - من كبت وإِذلال - بالهجرة إلى بلد يأمنون فيه على دينهم وأموالهم وأنفسهم - إنَّ هؤُلاءِ تقبض الملائكة - أي ملك الموت وأعوانه - أَرواحهم بإذن الله، عند انتهاءِ آجالهم، في حال ظلمهم أَنفسَهُم، باختيارهم الاستكانة والهوانَ، مع قدرتهم على دفع الظلم بترك مساكنهم. {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ}: أي تقول لهم الملائكة - تقريعا وتوبيخا حين تقبض أرواحهم -: في أي شيء كنتم من أَمر دينكم؟ هذا الدين الذي يأمر المسلمَ أن يكون - دائمًا - مع الجماعة: يعيش مرفوع الرأْس في عزة وكرامة، ولا يرضى له أن يكون خفيف الجناح، في خسة ومهانة. {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ}: أي قالوا جوابا عن هذا السؤَال الذي يفيض بالتبكيت والإِيلام. إذ معناه: أَنكم لم تكونوا في شيء من أمر دينكم، حين أَقمتم بدار الكفر، وأنتم قادرون على الهجرة منها .. قالوا - معتذرين في وقت لا ينفع فيه الاعتذار -: كنا نعيش مقهورين تحت أيدي الكفار بأرض مكة بسبب ضعفنا. {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}: أي تقول الملائكة - في ردهم لهذا الاعتذار وعدم قبوله منهم، وإنكارا لتحملهم إذلال الكفار إياهم -: إنكم كنتم قادرين على الهجرة: إلى مكان تستطيعون إقامة دينكم فيه، واللحاق بإخوانكم المهاجرين والانضمام إلى صفوفهم، ليزدادوا بكم قوة ومنعة، فبقيتم بين الكفار، لا عجزًا عن مفارقتهم، بل كان في وسعكم ترك ديارهم، ولكنكم لم تفعلوا. فكان جزاؤكم ما بينه الله في قوله: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}: أي فجزاءُ هؤُلاءِ الذين تخلفوا عن الهجرة: أَن يقيموا في جهنم ويستقروا فيها: هي مأواهم ومصيرهم، وبئس هذا المأوى، وذلك المصير. 98 - {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}:

بعد أَن بينت الآية السابقة وعيد مَن كانوا يستطيعون الهجرة وتخلفوا عنها، جاءَت هذه الآية الكريمة، تستثني من هذا الوعيد: الذين لا يستطيعون ذلك. فقالت: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}: أي لكن الضعفاء من الرجال الذين لا يقدرون فعلا على المقاومة، ولا على دفع الظلم والفساد - وكذلك النساءُ والصغار - ممن {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}: أي لا يجدون وسيلة تخلصهم مما هم فيه من القهر والذل، ولا يعرفون طريقا يستطيعون سلوكه للنجاة مما يلاقون في دار الكفر من ذل وهوان. 99 - {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}: أي فهؤلاء المستضعفون، لا شيء عليهم، ولا تثريب في عدم هجرتهم، ولهم أي يطمعوا في عفو الله، ويتطلعوا إلى رحمته؛ لأنه كثير العفو، واسع المغفرة. {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)}. المفردات: {مُرَاغَمًا}: متحولا يتحول إليه: ومكانا يتنقل فيه. {وَسَعَةً}: السعة؛ البسطة في العيش، والزيادة في الرزق. {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}: أي ثبت ثوابه عنده. التفسير 100 - {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ... } الآية. كانت الآيات السابقة في تحذير المسلمين من القعود عن الهجرة. من مكة عند القدرة عليها، وبعث الرجاء في نفوس المستضعفين بأن الله سيعفو عنهم.

وهذه الآية جاءَت بعدها؛ للترغيب في تلك الهجرة: ببيان ثوابها ومنزلتها عند الله تعالى. وكونها طريقا للنصر. وإذلال الأعداءِ، وبابًا واسعا للرزق. وذلك جريًا عام عادة القرآنِ الكريم: من الجمع بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. سبب النزول: لما نزلت الآيات السابقة في التحذير من القُعُود عن الهجرة؛ خرج ضمرة بن جندب مهاجرًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أَن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... } الآية. أورده ابن كثير، عن ابن عباس. {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}: أي: ومن يعمد إلى مثل تلك الهجرة - في سبيل إِعلاء كلمة الله، والمحافظة على دينه - يجد في الأرض متسعًا لهجرته، ورحابًا فسيحة: يستطيع التنقل فيها، والتحول إليها، والاستمتاع بخيراتها. واتخاذ الموقع المناسب لضرب الأعداءِ والنجاة من شرهم. وفي ذلك ما فيه من الإِهانة لهم، وإرغام أُنوفهم. كما يجد - إلى جانب ذلك - سعة في الرزق، وبسطة في العيش ... فلا عذر لأَحد من الأقوياء في القعود عن الهجرة والبقاءِ في دار الكفر: مكتومَ الأَنفاس، متعرضا لأذى الكفار قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (¬1). وليست الهجرة - بصفة عامة - للهرب من العدو، وإِنما هي ضرب من الجهاد، للقضاءِ على سيطرة الأعداءِ، وتحولٌ من موقع إِلى موقع آخر: يمكن منه ضرب العدو، وإلحاق الأذى والذل به، والتمكن من إِقامة شعائر الدين في حرية وطلاقة. فهي في الأَصل: الانتقال من مكان إلى مكان. والمراد بها: الهجرة من أَرض الكفر إلى أي مكان يأمن فيه الإِنسان على نفسه وماله ودينه. ¬

_ (¬1) العنكبوت، الآية: 56.

وقد هاجر بعض المسلمين - في أول الإِسلام - إلى الحبشة. ثم كانت الهجرة بعد ذلك من مكة إِلى المدينة. وكانت واجبةً قبل فتح مكة. وهي التي نزلت فيها آيات الترغيب والترهيب. ولما تم فتح مكة، واستقر الأَمر فيها للمسلمين، وأَعز الله فيها الإِسلام، لم تعد هناك حاجة إِلى الهجرة من مكة. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" (¬1). وتشمل الهجرة بالمعنى العام: الهجرة في طلب العلم، والهجرة في طلب الرزق، والهجرة في نشر الدعوة الإِسلامية في البلاد التي لم تصلها أو التي هي في حاجة إِليها. وكلها مما رغب الله فيه. وقد تطلق الهجرة على هجر الذنوب والمعاصي، كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (¬2). هذا، وقد تكفل الله تعالى، في هذه الآية الكريمة، بثواب الهجرة كاملا لمن خرج من بيته بنيّة الهجرة: لا يريد بذلك إلا وجه الله واللحاق برسول الله، ثم حلَّ به الموت قبل أَن يصل إلى مقصده، وإِن أَدركه أمام باب داره التي خرج منها. فقال جل شأنه: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ}: أي لإِعلاءِ كلمة الله، فهي ضرب من الجهاد. {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ}: أي يلحقه، وينزل به قبل أن يبلغ مقصده: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}: أي ثبت ثوابه عنده، وكان في ضمانه تعالى بمقتضى وعده وتفضله. ¬

_ (¬1) رواه البخارى في الحج والجهاد. (¬2) رواه البخارى وغيره.

{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا}: أي كان - ولا يزال - عظيم المغفرة لما فرط من الذنوب، التي من جملتها: القعود عن الهجرة من غير عذر إلى وقت الخروج إليها. {رَحِيمًا}: كثير الرحمة بعباده حيث قبل توبتهم، وغفر ذنوبهم. فهذه الآية الكريمة: تطمئن المهاجر على رزقه في مهجره، حتى لا يتقاعس عن الهجرة، فترفع عنه جميع الأعباء، وتفتح له سُبُلَ السعادة في الدنيا، وتعده بعظيم الثواب في الآخرة، حتى لو حال الموت بينه وبين ما يتمناه: من إتمام الهجرة في سبيل الله، بعد أن شرع فيها. {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)}. المفردات: {ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ}: سافرتم. {جُنَاحٌ}: حَرَج وإثْم. {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}: أن تخففوها من رباعية إلى ثنائية. {يَفْتِنَكُمُ}: يتعرض لكم بما تكرهون من الإغارة عليكم أثناء الصلاة. التفسير 101 - {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ... } الآية. بعد أن رغَّبت الآية السابقة في الهجرة - وهي مبنية على السفر والخوف من العدو - جاءَت هذه الآية تبين كيفية الصلاة في السفر، وفي حال الخوف من العدو: من جواز قصرها، دفعا للمشقة، وتفضلا من الله على عباده.

والكلام عن الصلاة في هذا الموطن؛ للدلالة على أَنها وسائل الأمن عند الخوف، وعلى عظم شأنها، وبيان أنها لا تسقط بحال من الأحوال. والمعنى: وإذا سافرتم في الأرض - أيها المسلمون -: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}: حَرَج وإثْم. {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}: فتصلوا الرباعية - وهي الظهر والعصر والعشاءُ - ركعتين .. أما الصبح فلا تقبل القصر؛ لأنها قصيرة بطبيعتها، وكذلك المغرب لا تقبل القصر، لأنها وتر النهار. وظاهر الآية: إباحة القصر لمطلق السفر، طال أم قصر. . ولكن الفقهاء اختلفوا في تحديد مسافة القصر ومدته، كما اشترط بعضهم أن يكون سفرا مباحا .. وتفصيل ذلك في موضعه من كتب الفقه. وظاهر قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}: اشتراط الخوف في السفر في جواز القصر. ولكن السنّة النبوية، بينت أنه يجوز القصر في السفر مع الأمن، كما يجوز فيه عند الخوف. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم جوابا لمن سأله عن القصر حالة الأمن: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيكُم فَاقْبَلوا صَدَقَتَهُ" (¬1) وقد بيّن الله سبب الترخيص - في القصر في السفر - عند الخوف من العدو بقوله: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا}: أي كانوا لكم أعداءً ظاهري العداوة، مجاهرين بها. فتنبهوا لعداوتم واحذروها، وكونوا متيقظين لهم في الصلاة وغيرها. ¬

_ (¬1) كتاب سبل السلام (باب القصر) أول حديث فيه.

{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)}. المفردات: {طَائِفَةٌ}: جماعة. {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ}: وليكونوا متيقظين للعدو، محترسين منه. {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ}: فيهجمون عليكم. {مَيْلَةً وَاحِدَةً}: هجمة واحدة يقضون بها عليكم، فلا يحتاجون بعدها إلى هجمة أخرى. التفسير 102 - {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ... } الآية. لما بيّن الله حكم القصر في السفر عند الخوف، عقّبه ببيان كيفية صلاة الخوف. سبب النزول: روى الدارقطني، عن أَبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة،

فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر. فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم صلاة هي أَحب إليهم من أبنائهم وأَنفسهم، قال: فنزل جبريل عليه السلام - بهذه الآية بين الظهر والعصر: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} (¬1). ومعنى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}: وإِذا أردت أن تصلِّيَ بهم إِماما، فلتصل طائفة منهم معك، بعد أن تجعلهم طائفتين، ولتقف الطائفة الأخرى تُجاه العدو لمراقبته وحراسة المسلمين منه. {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ}: أي ولتأخذ الطائفة التي تصلي معك أسلحتهم، ليتقوا بها العدو عند المفاجأة، {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}: أي فإِذا فرغت الطائفة التي تصلي معك من سجود الركعة الأُولى، فلينصرفوا للحراسة خلفكم. {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}: أي: ولتأت الطائفة الأخرى التي كانت في مواجهة العدو للحراسة والمراقبة، والتي لم تُصلّ بعد، فليصلوا معك الركعة الثانية، وهي الأولى لهم. {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}: أي: يجب أن يكونوا دائما متيقظين لمخادعات العدو، وليأخذوا أَسلحتهم معهم ليتقوه بها إن بادءُوهم؛ لأن الأعداءَ يتمنون أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم، فيحملوا عليكم حملة واحدة: منتهزين فرصة انشغالهم بالصلاة. كما قال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}: والأمتعة ما يتمتع به المحارب من لوازمه في السفر. والأمر هنا: للوجوب، لقوله تعالى بعده: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ}: ¬

_ (¬1) رواه أحمد، وأصحاب السنن، واللفظ لأحمد.

أي: لا إثم عليكم في أنْ تتركوا أسلحتكم عندما يكون بكم تَأَذٍّ من المطر أو المرض. وهذه الرخصة لا تعطَى إِلا في حال العذر الذي بينه الله في الآية في قوله تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}: أي كونوا على حذر دائما، وبخاصة في تلك الحالة التي وضعتم فيها أسلحتكم. {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}: يهينهم ويخزيهم ويذلهم، يتحقق بعضه على أيديكم بالنصر عليهم. إِذا اتبعتم النصيحة، ونهضتم بالتكاليف، وكنتم دائما على صلة باللهِ، وفي موقف اليقظة والاستعداد بما تستطيعون من قوة، ويتحقق بعضه الآخر بالعذاب الذي يلاقونه يوم القيامة من الله بسبب كفرهم ومحاربتهم أولياءَه. فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب. هذا نموذج من نماذج تأدية الصلاة في الميدان حين التربص والتهيؤ. وقد دلت الآية على أهمية الصلاة وضرورتها، وما للجاعة فيها من ميزة ومنزلة، حتى في أَشد حالات الخوف. فالصلاة هي المدد الروحي الحافز للعزائم على النصر، إذ هي صلة باللهِ رب العالمين، القادر على كل شيء. وهو مالك الأسباب جميعها للنصر وغيره. {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (¬1). فعلى المسلمين أن يحرصوا على أداء الصلوات استدرارًا لِعَونِ الله. وفي الحروب الحديثة عليهم تأدية الصلاة بالكيفية التي تناسب وضعهم من العدو، بحيث لا يعرض أَمنهم للخطر. وقد بين الشرع طريقتها في كل حال. ومنها: أَنه إِذا التحم الجيشان، فللجندي أن يصلي مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، وعلى أية كيفية ممكنه ولو بالإِيماءِ. وفي ذلك يقول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} (¬2). ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية: 126. (¬2) البقرة، من الآية: 239.

{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)}. التفسير 103 - {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ ... } الآية. أي: فإِذا أَديتموها على هذا النحو. {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}: يأمر الله - تعالى - بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف - وإن كان ذلك مشروعا فيه بعد غيرها أَيضا - ولكن ها هنا آكد، لما وقع فيها من التخفيف في أَركانها، ومن الرخصة في الحركات الكثيرة التي لا تباح في غيرها - وكما يذكرونه بألسنتهم يذكرونه بقلوبهم. {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ}: أي سكنت قلوبكم من الخوف، وأَمنتم بعدما وضعت الحرب أَوزارها. {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}: أي أَدوها بأَركانها وشروطها كاملة في مواقيتها. {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}: أَي أقيموها كذلك؛ لأَنها كانت في حكم الله، ولا زالت مكتوبة مفروضة محددة الأَوقات؛ لا يجوز إِخراجها عن أَوقاتها في أَمن. {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)}.

التفسير 104 - {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ... } الآية. أي: لا تضعفوا ولا تتوانَوْا في طلب الكفار أَهل الحرب. لقتالهم؛ لأنكم {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}: فليست الآلام مختصةً بكم. بل هي أَمر مشترك بينكم وبينهم. وتزيدون عليهم: أَنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى فيما لا يخطر لهم ببال. من نصر دينه الذي أمركم بالجهاد في سبيله. ومن الثواب الجزيل. والنعيم المقيم في الآخرة. فأَنتم تنصرون الله وهو معكم على عدوكم. ومن كان الله معه فهو من المنتصرين. {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}: عظيم العلم بكل شيء، فيعلم ما فيه مصلحتكم في دنياكم وأخراكم: عظيم الحكمة فيما يأمركم به وينهاكم عنه. فجدوا في الامتثال لأَمره؛ فإن عواقب الامتثال حميدة. {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)}.

المفردات: {خَصِيمًا}: مجادلا، ومدافعا. {يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ}: يخونونها بالظلم والشر، لأَن وَبَالَ ذلك يعود عليها. {يُبَيِّتُونَ}: يدبّرون خفية. التفسير 105 - {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}: كانت الآيات السابقة. متعلقةً بقتال الأَعداءِ ومجاهدة الكفار، وما يتعلق بذلك من أحكام. فأَتبعها الله تعالى هذه الآيات الدالة على التزام الحق - حتى مع الأعداء - لئلا يُتوهم أَن عداوة الكفار تبيح الخروج عن دائرة الحق. وفي ذلك من الدلالة على سموّ مباديء الإِسلام وعدالته المطلقة ما فيه. سبب النزول: روى ابن مردويه بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما: أَن نفرا من الأنصار غَزَوْا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ... } (¬1) الآية. فالله يذكر نبيه عليه الصلاة والسلام، وينبهه إِلى مهمته الأصلية. وهي أن يحكم بين الناس بما أرشده الله إليه. وذلك بأن يسوي بينهم على اختلاف نزعاتهم وعقائدهم. كما قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... } (¬2). المعنى: يقول الله لهذا النبي الكريم: إِنا أَنزلنا إِليك القرآن الكريم ناطقا بالحق، داعيا إليه وإِلى التمسك به، لتحكم بين الناس على اختلاف عقائدهم. بما عرفك الله وأَوحى به إليك. ولا تكن مجادلًا عن الخائنين، فينتصروا على البرءَاءِ. ¬

_ (¬1) ابن كثير 1/ 551. (¬2) المائدة من الآية: 8.

106 - {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}: واستغفر الله للمذنبين من أُمتك، فلعل الله أَن يغفر لهم - فإِنه واسع المغفرة، كثير الرحمة يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. 107 - {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ... } الآية. أي: تدافع عن الذين يخونون أَنفسهم؛ بارتكابهم المعاصي والآثام، وادعائهم للبراءة منها؛ كذبًا وزورا. والمقصود بهم هنا: بنو أُبيرق، الذين نزلت فيهم الآية (¬1)، ومَنْ على شاكلتهم. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}: أي: لا يرضى عمن يكثرون من الخيانة والإِثم. بارتكاب المعاصي وانتهاك محارم الله، واتهام غيرهم بها بهتانًا وزورا. 108 - {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ... } الآية. المعنى: يستترون من الناس، مخافة أَن يظهروا أَمامهم بالإِثم ويُعْرَفوا به، ويلامُوا عليه. ولا يستحيُون من الله: حين يبيتون ما لا يرضى من القول: عن اتهام البريء، والحلف الكاذب. وشهادة الزور. وذلك حين عزموا على اتهام من لا يدين بالإِسلام، وتبرئة المسلم، ودبروا ذلك، مع أَنه تعالى معهم بعلمه: يعرف أَسرارهم، ويجزيهم عليها، فهو أحق بأن يُسْتَحيَا منه. والتعبير عن عدم استحيائهم من الله بالاستخفاءِ منه، جرى على أسلوب المشاكلة للعبارة السابقة المتعلقة بالبشر. وهو أسلوب بلاغي معروف. {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}: أي: وكان الله - بجميع أَعمالهم - عليمًا شامل العلم. فلا تخفى عليه خلجات نفوسهم، وخفايا أَسرارهم. وسوف يجازيهم على أَعمالهم. ¬

_ (¬1) رواه الترمذي وغيره.

109 - {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... } الآية. خطاب للمدافعين عن طعمة بن أُبيرق ومن شاركه في جريمته. {جَادَلْتُمْ}: دافعتم {عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: محاولين تبرئتهم مما اتهموا به عن خيانة، حتى لا تطبَّقَ عليهم عقوبةٌ، ولا يُلْصَق بهم عار، واتهمتم بريئا لم يجن شيئًا. {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: ليدفع عنهم، يوم لا يكتمون الله حديثا، وتشهد عليهم ألسنتُهم وأَيديهم وأَرجلهم - وجميع جوارحهم - بما عملوا في الدنيا. {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا}: بل من يكون وكيلا عليهم. يتحمل تبعاتِ جرائمهم. والمعنى: لا أَحد يقول بأمرهم إذا أَخذهم الله بعذابه. والمراد: بيان أَنهم أن استطاعوا خداع الحكام في الدنيا، فإنهم لن يستطيعوا أن يخدعوا الله، ولا أَن يُفْلِتوا من عقابه يوم القيامة. {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)}.

المفردات: {بُهْتَانًا}: البهتان؛ أَفحش الكذب. {خَطِيئَةً}: صغيرة. {إِثْمًا}: أي كبيرة. التفسير 110 - {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}: خلال الحديث عن أصول العدالة والمسئولية الفردية، يشير القرآن الكريم، إِلى المبدإِ الإِسلامي الذي يساير الحق والمنطق. وهو: أَن خطيئة البشر ليست لعنة أَبدية. وإنما هي كبوةٌ يمكن بعدها الاعتدال على طريق الاستقامة: بطلب المغفرة ممن يملكها وهو الله - جل جلاله - ولا يملكها غيره، مهما كان وضعه بين البشر، ولو كان نبيا مرسلًا؛ لأَنه بحكم بشريته - لا يملك أَمر نفسه مع الله، فمن باب أولى لا يملك لغيره مع الله شيئًا، وفاقد الشيءِ لا يعطيه. {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا}: أي أَمرا قبيحا يسوءُ به غيره كما فعل طعمة باليهودي (¬1). {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}: بما يفعله من الذنوب التي يغضب بها الله، ويستحق بسببها عقابه، ولم يحاول أَن يقي نفسه ذلك فيظلمها باقترافه. {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ}: بالتوبة الصادقة، والرجوع إِلى طاعته سبحانه وتعالى. {يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا}: لما استغفره منه؛ كائنا ما كان الإِثم المرتكب. {رَحِيمًا}: متفضلا عليه بقبول التوبة، واستفتاح صفحة نقية لأَعماله. وباب التوبة مفتوح، وما على المذنب إِلا أَن يتوجه إلى ربه وحده بالتوبة، دون وساطة أَو قربان. فالتوبة في الإِسلام، اتجاه مباشر إِلى الله وحده. فإِنه هو الغفور الرحيم. ¬

_ (¬1) رواه البخاري والحافظ ابن مردويه.

111 - {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ... } الآية. ومن يقترف ذنبا، فإِنما يعود جزاؤُه على نفسه، لا يتعداه ... فليحترز عن تعريضها للعقوبة والوبال. {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا}: بكل شيءٍ، ومنه اكتساب الآثام. {حَكِيمًا}: فيما شرع من أحكام، وقرر من مباديء. ومنها مبدأ المسئولية الفردية، والتبعة الشخصية. 112 - {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}: أي: ومن يقترف صغيرة أَو كبيرة من المعاصي، ثم يتهم بها بريئًا فقد احتمل - بما فعله - إثم هذا الكذب الذي افتراه على غيره وَبهَتهُ به، وهو منه بريء. 113 - {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ... } الآية. في هذه الآية الكريمة. يمتن الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأَنه تفضل عليه، فأَخبره بما كان من هؤُلاءِ من التآمر على الحق؛ لكيلا يفلت الجاني الحقيقي من العقاب. والمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته، بإِعلامك - عن طريق الوحي - بما دبروه، لهمت طائفة - من أُولئك الذين اختانوا أَنفسهم - أَن يضلوك عن الحق: بتصويره على غير وجهه، وهم - بعملهم هذا - لا يضلون إِلا أَنفسهم. إِذ يبعدونها عن المنهج القويم من قول الحق ولو على النفس ... وما يعود ضرر ذلك إِلا على أنفسهم بتوريطها في الذنوب التي ارتكبوها. وما يضرونك بشيء. فالإِثم على من عصى الله. والقاضي إِنما يحكم بالظاهر. والله يتولى السرائر. فلو حكم بغير الحقيقة - وفق ما ظهر له من الأَدلة - فلا إِثم عليه، بل على المدعي والشهود الكاذبين. روى البخاري أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لخصمين اختصما لديه: "إِنما أَنَا بَشَرٌ مِثْلكُمْ. وإِنَّكُمْ تَخْتَصِمَونَ إِلَيَّ ... " (¬1). ¬

_ (¬1) يراجع البخاري في كتاب الأحكام.

وأَنزل الله عليك القرآن الجامع بين الحق والحكمة، أَو أَنزل عليك القرآن والسنة، وعلمك ما لم تعلمه من العلوم والمعارف الربانية. {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}: لا تحويه عبارة ولا تحيط به إِشارة. ومن ذلك النبوة والرسالة، وإِرشادك إِلى أَخْطاءِ المخطئين. {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)}. المفردات: {نَجْوَاهُمْ}: النجوى؛ المسارَّة بالحديث بين اثنين فأَكثر. قاله الزجاج. وعرفها بعضهم: بالحديث الذي ينفرد به اثنان فأَكثر، سِرًّا أو جهرًا. وعلى كلٍّ، فضمير (نجواهم) للناس عامة؛ لأن الحكم عام. {أَوْ مَعْرُوفٍ}: هو ما عُرِف حسنُه شرعا أَو عرفا، فينتظم أَصنافَ البرّ والخير. {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}: طلبًا لرضاه. {يُشَاقِقِ الرَّسُولَ}: يخالفه بما أمر به، أَو نهى عنه. {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى}: حقيقة معنى {نُوَلِّهِ}: نجعله واليًا، يقال: تولاه. بمعنى تقلده واضطلع به، وولاه غيره. جله واليا، ومضطلعًا بالأمر. والمعنى المقصود: هو أن توفيق الله تعالى - يتخلى عنه.

التفسير 114 - {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... } الآية. لما بين الله تعالى - قبل هذه الآية - أنه أَنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، الكتاب والحكمة، وعلَّمه ما لم يكن يعلم: أَتبعه ذكرَ بعضِ ما أَنزله عليه من الكتاب والحكمة مما يدعم أَواصر المحبة بين الناس، ويقضي على أَسباب النزاع بينهم. كما أَن فيه ردًّا على مَن كان يحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أَن يقضيَ لصالِحِ من سَرَق الدرع وخبأَها عند اليهودي، فيبرئه ويقضي على اليهودي!! والمعنى: لا خير في أَحاديث الناس فيما بينهم، إِلا في حديث مَنْ أَمر بصدقةٍ - واجبةً كانت أَو متطوَّعًا بها، أَو أَمر بما عُرِف حسنُه شرعا أَو عرفا، ولم يعارض قاعدةً شرعية، وتقبلهُ العقول الخالصة من الهوى بالرضاء، أَو أَمر بإصلاح بين الناس، حتى يحُلَّ الوئام محل الخصام. فهذه الجهات الثلاث، هي التي تكون النجوى - أي الحديث الجانبي فيها - خيرا مشروعا مثابا عليه. أَما الأَحاديث الجانبية التي يتآمر فيها المتآمرون على الإِضرار بعباد الله، أَو يتناجى فيها المتناجون بالمعاصي والهذيان، فلا خير فيها ولا ثواب عليها، بل يعاقب عليها، لأنها كانت في معصية الله تعالى. فإنما يثاب الإِنسان على المعروف، إِذا ترك الامتنان والإِعجاب به، ولا يتم المعروف - كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما: - "إِلا بثلاث: تعجيلِه، وتصغيرِه، وسترِه. فإذا عجّلته هنأته (¬1)، وإِذا صغّرته عظمته، وإِذا سترته أَتممته". وقد دعت الآية الكريمة إلى فضيلة الإِصلاح بين الناس، وجعلتها خيرا مثابا عليه، لما لها من الأَثر العظيم فيهم، حيث تُحِلُّ الوئامَ محل الخصام، والراحةَ النفسية محل القلق، والتفكيرَ في الخير مكان التفكير في الشر، فيسودُ الأمن والسلام. ¬

_ (¬1) أي جعلته هنيئا لأخذه مسعفا بمطلوبه.

وقد أباح الإِسلام الكذب الأَبيض في سبيل الإِصلاح، مع أَن الكذب - بصفة عامة - حرام، لأَن هذا كذب غير ضار بأَحد. وهو مؤَدٍّ إلى مصلحة مؤَكدة، كأَن تقول لِكِلا الخصمين عن صاحبه: سمعته يثنى عليك ويصفك بطيب النية، وحسن الطوية والمروءَة، ونحو ذلك مما يلين قلب الخصم نحو أخيه. في حين أَنك لم تسمع ذلك منه. وفي ذلك يروى حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه - أم كلثوم بنت عقبة - أَنها أخبرته أَنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس الكذاب الذي يصلحُ بين الناس، فينمي خيرا أَو يقول خيرًا - وقالت: لم أَسمعه يرخص في شىءٍ مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإِصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأَته، وحديث المرأَة زوجها" (¬1). {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}: أي: ومن يَتناجَ ويتحدث مع غيره - في خَلوة - بالصدقة والمعروف والإِصلاح بين الناس، ويرشده إِليها وينصحه بها - فسوف يعطيه الله على ذلك ثوابا جزيلا: يناسب عظمة المنعم. وإِذا كان هذا ثواب التناجي بها، والإِرشاد إليها، فثواب فعلها أعظم. أَما أَن يأمر بها الإنسان ولا يفعلها، فذلك جرمه عظيم، ووعيده شديد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (¬2). 115 - {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}: المعنى: ومن يخالف الرسول فيما أَمَر به عن الله تعالى أو نَهَى عنه، ويتبع غير طريق المؤْمنين في عقيدته أَو عمله، بأَن يكفر أَو يترك الواجباتِ، أو يفعل المنهياتِ - مِن بعد ما ظهر له ما يهديه من أَدلة اليقين واحكمام الدين - نتركْهُ وما تولاه وانصرف إليه، ¬

_ (¬1) رواه أصحاب الصحاح سوى ابن ماجه، واللفظ للإمام أحمد. (¬2) سورة الصف، الآيتان: 2، 3.

الأحكام

وقام به من الكفر والمعاصي .. فلا نلطف به لصرف قواه إِليه، وعدم مراجعته نفسه فيه، وندخله جهنم فيخلد فيها إن كان كافرًا، ويعاقب فيها على قدر معصيته إِن كان عاصيا .. وقبُحَت جهنم مصيرا. فلا ينبغي لعاقل أَن يقترف من المعاصي ما يجعلها مصيرا له ومآلا. الأحكام استدل الإِمام الشافعي - رضي الله عنه - بهذه الآية، على أَن الإِجماع من أَهل الحق حجة. فعن المزني أَنه قال: "كنت عند الشافعي يوما، فجاءَه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا، فلما رآه ذا مهابة: استوى جالسا، وكان مستندا إلى الأَسطوانة (¬1) وسوّى ثيابه: فقال الشيخ: ما الحجة في دين الله تعالى؟ قال الشافعي: كتابه. قال: وماذا؟ قال سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أَين هذا الأخير؟. أَهو في كتاب الله تعالى؟ فتدبر الشافعي ساعة ساكتا، فقال له الشيخ أجّلتك ثلاثة أَيام بلياليهن، فإِن جئت بآية، وإِلا فاعتزل الناس ... فمكث ثلاثة أَيام لا يخرج. وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد تغير لونه، فجاءَه الشيخ وسلم عليه وجلس، وقال: حاجتي: فقال: نعم أَعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ... } الآية. فدلت الآية على أَن اتباع سبيل المؤمنين فيما يذهبون إِليه من الأَحكام فرض، لورود الوعيد فيمن لم يتبع سبيلهم. قال الشيخ: صدقت وقام وانصرف (¬2) ". والآية لا تفيد الخلود في النار لمن يرتكب المعاصي، بل تفيد عقوبتهم بالصيرورة إِلى النار، وذلك لا يقتضي التأبيد، خلافا لمن زعم ذلك من الخوارج. حيث زعموا أَن مرتكب ¬

_ (¬1) السارية أو العمود. (¬2) روى عنه: أنه قرأ القرآن ثلاث مرات يتفقد هذا الحكم حتى ظفر به.

الكبيرة كافر خالد في النار، ويحسم دعواهم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ... }. روى الترمذي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أَنه قال: ما في القرآن آية أَحبُّ إِليّ من هذه الآيةِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وفيما يلي نص تفسيرها. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)}. المفردات: {مَا دُونَ ذَلِكَ}: ما سوى الشرك من المعاصي. {ضَلَالًا بَعِيدًا}: أي بُعدًا عن الحق عظيما. {إِنْ يَدْعُونَ}: ما ينادون، أَو ما يعبدون. {إِلَّا إِنَاثًا}: أي معبودات كالإِناث في الضعف، وعدم القدرة على الإِسعاف بالمطلوب. وفيها معانٍ أُخرى، ستأتي في الشرح بمشيئة الله.

{شَيْطَانًا مَرِيدًا}: الشيطان هنا: إِبليس - لعنه الله - والمريد بمعنى التمرد على الطاعة. أو المتمرد للشر. من قولهم: شجرة مرداءُ. وهي التي سقط ورقها. {لَعَنَهُ اللَّهُ}: طرده عن رحمته. {لَأَتَّخِذَنَّ}: الاتخاذ، أَخذ الشيء على وجه الاختصاص. {نَصِيبًا مَفْرُوضًا}: حظا مقسوما. وسيأتي بيانه في الشرح. {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ}: أي لأُعَلِّلَنَّهم بالأماني الكاذبة. {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ}: الأنعام، الإبل والبقر والغنم والمعز. وغلب استعمالها في الإِبل خاصة. وتبتيك الأنعام: تقطيع آذانها أو شقها. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية. وسيأتي بيانه. {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}: صورةً أو صفة، كفَقْإِ عين الفحل. وسيأتي بيانه، وكخصاءِ العبيد، وإتيان الذكور بدل الإِناث. {وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ}: أي معبودا وناصرا، متجاوزا الله، وتاركا له. {خُسْرَانًا مُبِينًا}: أي خسرانا بينا واضحًا. {إِلَّا غُرُورًا}: إلا إِيهاما وغشا وخداعا. {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}: مسقرهم ومرجعهم. {مَحِيصًا}: معدلا ومهربا. التفسير 116 - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ... } الآية. سبب النزول: أخرج الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهم: أَن شيخا من العرب، جاءَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أُشركْ باللهِ تعالى - منذ عَرَفته وآمنتُ به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع معصية جراءة، وما توهمت - طرفة عين - أني أُعجِزُ الله تعالى هربا، وإني لنادم تائب، .. فما ترى حالي عند الله تعالى -؟ فنزلت.

المعنى: إن الله لايغفر أَن يُشْرِك أحدٌ به غيرَه في العبادة. سواءٌ أَكان هذا الشريك من عوالم السماءِ، أم من عوالم الأرض. فكلها مخلوقاته: تخضع له فيما أَراد، ولا تُعْبَد معه، ولكنه تعالى يغفر ما دون الشرك من السيئات المختلفة، لمن يشاءُ من عباده المؤمنين، حسبما تقتضيه حكمته في العفو. والتوبة أرجى في الغفران مِنْ تَرْكِها ... والحسناتُ يذهبن السيئات. والمقصود من الشرك باللهِ: الكفر به مطلقا. فيشمل نسبة الوالد أَو الصاحبة إليه سبحانه وتعالى، وإنكار وجوده. كأولئك الذين يؤمنون بأَن الطبيعة هي التي أَوجدتهم: قَاتَلَهُمُ الله أنى يُصْرَفُون!! وإِنما ذكر الشرك في الآية؛ لأنه كان الاعتقادَ السائد في الجزيرة العربية، التي نشأت فيها الدعوة الإِسلامية. وقد جاء تعميم هذا الحكم لكل كافر، في نحو قوله: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (¬1) وقوله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} (¬2) وقوله: {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} (¬3). {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}: ومن يشرك باللهِ شيئًا من مخلوقاته، أو شيئًا من الشرك، أَو يكفر به بأي وجه، فقد بَعُد عن الحق، وعن العقل بُعدًا سحيقا، على الرغم من وضوح الأدلة الصارفة له عن شركه وكفره. ثم شرع يقبح هذا الإشراك فقال: 117 - {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا}: المراد من الإِناث: الموتى، كما رواه ابن أَبي طلحة، والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما. ¬

_ (¬1) إبراهيم، من الآية: 2. (¬2) الإسراء، من الآية: 8. (¬3) الفرقان، من الآية: 26.

ويؤَيده، ما رواه ابن جرير، وابن أَبي حاتم عنه: أَنه قال: الإِناث كل شيء ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة، والحجر اليابس. فمثل ذلك في حكم الموتى. وبرأي ابن عباس. قال الحسن رضي الله عنه. ورأَى آخرون: أَن إِطلاق الإِناث على معبودات المشركين، لضعفها وعدم نصرتها لهم، كما هو شأن الإِناث، لأَن العرب كانت تطلق الُأنثى: على ما ضعُفَت منزلته، أَو قلتْ فائدته. وكانت نساؤُهم لديهم من هذا القبيل. وقال آخرون: إِن إِطلاق الأنثى على الوثن ... لأَن ذلك كان تعبير العرب عنه. فقد رُوِيَ أَن كل حي من أَحياء العرب كان لهم صنم يعبدونه. وكانوا يقولون: أنثى بني فلان لأَنهم كانوا يزينونها بالحلي، كما تزين النساءُ. والرأيان الأَولان أَجدر بالقبول، فإن المقصود، هو ذم هذه الأَوثان من جهة ضعفها عن جلب المنافع أَو دفع المضار، لا من جهة الأُنوثة. والمعنى: ما يعبدون - أَو ما ينادون لحوائجهم - إِلا آلهة تشبه الأَموات أَو الإِناث، في ضعفها وعدم استجابتها لحاجة عابدها أَو داعيها - وما يعبدون أَو ما ينادون في الواقع إِلا شيطانا شريرًا. عاتيا متمردا، خارجا عن الطاعة. وهو إِبليس فهو الذي زَيَّنَ لهم دعاءها وعبادتها فأَطاعوه، فكانت طاعتهم له عبادة. 118 - {لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا}: المعنى: طرده الله عن جنته وعن رحمته، لتمرده. واستكباره عن طاعة ربه. حين أَمره بالسجود لآدم، إعظاما لخلق الله إياه. ثم وسوس له بمختلِفِ أَلوانِ الإِغراءِ: حتى عَصَى الله، فأَكل من الشجرة التي حرَّمها عليه. ولذلك أَخرج الله إِبليس من الجنة مذموما مدحورا، محروما من رحمة الله في عاجله وآجله. وبعد أَن أنزل الله به لعنته وطرده، قال يخاطب الله تعالى: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} يريد: توكيد استيلائه - بالوسوسة - على إرادة أَبناءِ آدم عدوه، حتى يسخرها في سبيل الغوَاية والفساد عقيدة وعملًا، حتى كأنهم نصيبٌ مفروض

مقسوم له: يفعل فيه ما يشاءُ .. وكأَن هذا اللعين ظن أَمرهم سيصير إِلى ذلك، بسبب استجابة أَبيهم آدم لإِغوائه في لحظة ضعف. فهم من طينة أَبيهم. ومما يؤسف له، أَن هذا اللعين، صدَّق عليهمِ ظَنَّه: كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (¬1). 119 - {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ... } الآية. المعنى: يؤَكد الشيطان اللعين، توكيدا بعد توكيد أَنه سيُضِل عباد الله عن الحق، وأَنه سيُمَنِّيهِم بالأَماني الباطلة، كعدم البعث، وعدم الحساب والعقاب. وما يوسوس به إِليهم من الكفر والمعاصي، كإِيهامهم أَن الديانات باطلةٌ، وما جاءَت به من الوعيد والجزاءِ باطل، وأَنها من صنع الذين جاءوا بها. ويؤكد الشيطان أَنه سيأمرهم بتبكيت آذان الأَنعام فيطيعون أَمره ... وتبكيتُ آذانِها: تقطيعُها أَو شَقُّها. وقد حققوا ظنه، فقد أَمرهم بذلك ففعلوا. إِذ كانوا يقطعونها أَو يشقونها زاعمين - كما وسوس لهم - أَن ذلك يرضي أوثانهم. فقد كانوا في الجاهلية يقطعون آذان الناقة إِذا ولدت خمسة أَبطن خامسها ذكر، ويحرمون ركوبها والحمل عليها، سائر وجوه الانتفاع بها. {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}: أي: ولآمرنهم بتغيير خلق الله فَيستجيبون ويغيرونه، كما في خَصْيهِم للعبيد، وكالوشم، وترجل النساءِ، وتخنس الرجال، وإِتيان الذكور كما تؤتى الإِناث، وفقء عين الفحل من الإبل، إِذا أدرك نتاجَ نتاجه، أي إِذا عاش إِلى أَن رأَى ولد ولده. ويقال له حينئذ: الحامي. ونحو ذلك من تغيير خلق الله. وقد اختلف العلماءُ في خصاءِ البهائم، فرخص فيه جماعة إِذا قصدت فيه المنفعة. وجمهور العلماءِ على جواز الأضحية من الأَنعام المخصية، فإِن الخصاء يطيب اللحم. ورخص عمر بن عبد العزيز، في خصاء الخيل ... وخَصَى عروة بن الزبير بَغْلًا له. ¬

_ (¬1) سبأ، الأية: 20.

وإِنما جاز ذلك؛ لأَنه لم يُقصد به التقرب إلى الأَصنام، بل قصِد به تطيِيب اللحم فيما يؤْكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أَمله عن الأنثى. وكرهه بعضهم. وقال الأَوزاعي: كانوا يكرهون خصاءَ كل شىءٍ له نسل. واختاره ابن المنذر. وقال: فيه حديثان؛ أَحدهما: عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم - نهى عن خِصاءِ الغنم والبقر والإِبل والخيل". والآخر: "نهى عن صبر الحيوان (¬1) وخصاء البهائم". قال القرطبي: والذي في الموطإِ من هذا الباب، ما ذكره عن نافع، عن ابن عمر: "أَنه كان يكره الإخصاءَ (¬2). ويقول: فيه تمام الخَلْقِ". قال أَبو عمر: يعني في ترك الإِخصاءِ تمام الخلق. وروى: (نماءُ الخَلْقِ) ثم ذكر القرطبى حديثا عن نافع عن ابن عمر قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تخصوا ما ينمى خلق الله (¬3) ". وأما خصاءُ الآدمي فحرام؛ لأَنه يقطع قوته ونسله، الذي به بقاءُ الجنس البشري. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (¬4). ولأن فيه مُثْلَةً. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. وخُصَّ من تغيير خلق الله أمورٌ مأذونٌ فيها من السنَّة: كالختان ووسم البهائم لحاجة. والوَسْمُ: هو كَيُّ البهائم بمكواة يسمونها الميسم. جاءَ في صحيح مسلم عن أَنس قال: "رأَيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسَم وهو يَسِمُ إبل الصدقة والفيء، وغير ذلك. حتى يَعْرِفَ كلَّ مال فيؤَديَ فيه حقه، ولا يتجاوزَ به إِلى غيره". كما استثنى منه الخضاب بالحناء. إلى غير ذلك مما هو مبسوط في الموسوعات. ويرى بعض العلماءِ: أَن المراد من: "تغيير خلق الله، هو تحويله عن وجهه الذي خلقه الله لأجله، فالشمس والقمر والنجوم والنار والأَحجار، خلقت للاعتبار بآياتها والانتفاع بفوائدها، فغيَّرَها الكفار، فجعلوها آلهة معبودة. ¬

_ (¬1) القتل صبرا: هو أن يحبس ويرمى حتى يموت. (¬2) لعله الخصاء لأن فعله ثلاثي. (¬3) رواه الدارقطني وغيره. (¬4) أول سورة النساء.

والأنعامُ خُلِقَتْ لِتُركب وتُؤْكَل. فحرَّموها على أنفسهم .. وكل ذلك باتباع الشيطان. {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا}: ومن يجعل الشيطان صاحبا يتبعه وينقاد له، متجاوزا أوامر الله تعالى، بإيثار ما يدعو إليه الشيطان عام ما يأمر به الله، والاغترار بوعوده، فقد خسر خسرانا بينا واضحًا. وأي خسران أظهر وأَبين، من خسران مَنْ صادَق عدو الله وعدوه وعادى مولاه المنعم، واستخف بغضبه وعذابه؟. 120 - {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}: المعنى: يعد الشيطان عباد الله على معصيته أحلى الوعود المكذوبة، ويمنيهم بأحلى الأماني الباطلة. وما يعدهم الشيطان ولا يمنيهم إِلا غرورا وإيهاما، وغشًّا وخداعا، فوعوده كاذبة، وأمانيه فارغة. وتلك الوعود يلقيها الشيطان إما بالخواطر النفسية المخالفة لشرائع الله، أو بلسان أَوليائه. 121 - {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا}: المعنى: أولئك الذين يتخذون الشيطان وليا من دون الله، ويصدقون وعوده وأمانيه وغروره، مآلهم ومستقرهم جهنم، ولا يجدون عنها معدلا ومهربا ينجيهم من عذابها. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)}. المفردات: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}: مقيمين في الجنة دائمًا لا يبرحونها. {قِيلًا}: أي قولا.

التفسير 122 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... } الآية. لَمَّا بيَّن الله تعالى في الآيات السابقة سوءَ مصير مَن يتخذ الشيطان وليا من دون الله، أَتبعه بيانَ حسنِ مصيرِ مَنْ يتخذ الله وليا. وبضدها تتميز الأشياءُ. والمعنى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}: باللهِ ورسوله، وبما جاءَ به عن ربه. {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} التي جاءَ بها القرآن العظيم، أَو بيَّنها الرسولُ الكريم. {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: ينعمون فيها بما لا عين رأَت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}: لا يبرحونها ولا يتحولون عنها، وخلودهم فيها بلا موت، ونعيمهم فيها بلا فوت. {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا}: لا خلف فيه. {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} (¬1) وذلك على العكس من وعود الشيطان الكاذبة، وأمانيه الفارغة، فكلها غرور وأَباطيل، وغش وخداع. فهو لا يملك من ملك الله فتيلا، ولا يستطيع أَن يحقق من وعوده نقيرا ولا قطميرا، فلا ينبغي لعاقل أَن يغتر بوساوسه، حتى لا يندم حين لا ينفع الندم. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}: ومن أَصدق من الله قولًا ووعدا؟! فهو الذي إِذا قال صدق، وإِذا وعد وفى، فعنده خزائن السموات والأَرض. يقول للشيء كن فيكون. فليس أَصدق منه - سبحانه وتعالى - قولًا. ¬

_ (¬1) الأحزاب، من الآية: 37.

{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)}. المفردات: {بِأَمَانِيِّكُمْ}: الأَماني، جمع أمنية. وخلاصة ما قاله الراغب في معناها: أَنها هي الصورة الحاصلة في النفس، المترتبةُ على التمني. أَما التمني: فهو الرغبة الشديدة في شيءٍ يقدره الشخص في نفسه. {وَلِيًّا}: أَحدا يَلِي أَمر الدفاع عنه بالقول. {وَلَا نَصِيرًا}: ينصره ويمنعه بالقوة من العقاب. {نَقِيرًا}: النقير هو النقرة في ظهر النواة. وهو مثل يضرب للقلة والحقارة. {أَسْلَمَ وَجْهَهُ}: الوجه هنا. مجاز عن الذات أي: أَخلص ذاته ونفسه لله. {حَنِيفًا}: مائلا عن الأَديان الباطلة. {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}: الخليل - كما قال الزجاج -: هو من ليس في محبته خلل .. أ. هـ. فمعنى اتخاذ الله إبراهيم خليلا: أَنه تعالى، أَحبه حبًّا تامًّا لا نقص فيه، واصطفاه اصطفاءً كاملا. {مُحِيطًا}: عليما شامل العلم.

التفسير 123 - {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ... } الآية. لما بيّن الله سوءَ مصير من اغتر بوعود الشيطان وأَمانيه الكاذبة، وعقبه بذكر حسن مصير المؤمنين الصالحين، أَتبع ذلك بيان أَن الأَمر - بعد الموت - لا يكون بالتمني من هؤُلاء وأولئك، بل يكون بالعمل الصالح، فإن الآخرة هي دار الجزاء ... والجزاءُ من جنس العمل. قمن يعمل سوءًا يجز به سوءًا، ومن يعمل خيرا يجز به خيرا. ولا يظلم ربك أَحدا. سبب النزول: أَخرج ابن جرير وابن أَبي حاتم، عن السدى، قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم. ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إِلا من كان هودا وقالت النصارى: مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم. ونبينا صلى الله عليه وسلم - بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم. وقد أمرتم أَن تتبعونا وتتركوا أَمركم. فنحن خير منكم، ونحن على دين إِبراهيم وإِسماعيل وإِسحق. ولن يدخل الجنة إِلا من كان على ديننا فأَنزل الله {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ... } الآية. وقال القرطبي: مِن أَحسن ما قيل في سبب نزولها، ما رواه الحكم بن أبَان، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: قال اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا، وقالت قريش: ليس نبعث فأَنزل الله: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ... } الآية. وليس هناك ما يمنع نزول الآية للسببين، فحكمهما عام: للمسلمين وأهل الكتاب والمشركين ومن في حكمهم من سائر الكافرين. كما سيتضح في الكلام على المعنى. والمعنى: ليس الفوز بدخول الجنة والتقلب في نعيمها الذي وعده الله الصالحين، حاصلا بأَمانيكم - أَيها المسلمون - ولا بأَماني أَهل الكتاب، فإِن الأَماني - وحدها - لا تحقق هذه الغاية العظيمة. وإِنما يحققها - مع الإِيمان - العمل الصالح. أَما العمل النافع وحده فلا يحققها؛ لخلوه من قصد وجه الله تعالى، وهذا يستلزم الإِيمان. كما أَن عدم البعث ليس بأماني من

أَنكروا البعث، فإنه حاصل، وسيجزى بعده الناس على أَعمالهم: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (¬1) ولذا قال الله بعده: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}: من يعمل عملا سيئا، سواءٌ أكان من كسب القلوب كالكفر والحقد والحسد، وسوءِ الظن بالمسلمين، أَم كان عن كسب الجوارح كالقتل والسرقة وأَكل مال اليتيم، والتطفيف في الكيل والميزان - يعاقبه الله عليه بما يسوءُه، ولا يجد له أَحدا ينقذه منه. مِن وليٍّ يدافع عنه بالقول والشفاعة، أَو نصير ينصره بالقوة ... فالكل مَقْهور لله الواحد القهار. ولما نزلت هذه الآية، كان لها أَثر شديد في نفوس المؤمنين. يصوره ما أَخرجه الترمذي وغيره، عن أَبي بكر رضي الله عنه - أَنه قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أَن سمعها: "بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأيُّنَا لَم يَعْمَلْ سُوءًا، وَإِنّاَ لمَجزِيُّونَ بكل سُوءٍ عَمِلْنَاه" وما أَخرجه الإِمام مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: "لما نزلت هذه الآية، شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم ما شاءَ الله تعالى - فشكوا ذاَك إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: سَدِّدوا وقَارِبُوا، فَإنَّ كُلَّ مَا أَصابَ المسلِمَ كَفَّارةٌ، حتى الشوكةَ يُشاكُهَا، والنَّكْبةَ يُنكبُهَا". ومن هذا الحديث، نفهم أَن الله تعالى، يكفر الخطايا بالبلايا - صغرت أَم كبرت - والأَحاديث الواردة في هذا كثيرة. ولهذا أَجمع العلماءُ، على أَن مصائبَ الدنيا وهمومَها - وإِن قلت مشقتها - تكفَّرُ بها الخطايا، إِذا صبر صاحبها. والأَكثرون على أَنها تُرفَع بها الدرجات، وتكَفَّر بها السيئات. وهو الصحيح المعول عليه. ومما صح في ذلك، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنه قال: "ما من مُسلِمٍ يُشَاك شَوْكَةً فما فَوقَها إِلا كُتِبتْ له بها دَرَجَةٌ، ومُحِيتْ عَنْه بِها سَيِّئَةٌ". أَورده الآلوسي. ¬

_ (¬1) الزلزلة: الآيتان الأخيرتان.

124 - {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}: المعنى: ومن يعمل شيئا من الأَعمال الصالحات - من الذكور أَو الإِناث - في حال إِيمانه فأولئك المؤمنون الصالحون يدخلون الجنة، جزاءَ إيمانهم وعملهم الصالح، ولا ينقصون شيئًا من الثواب على أَي عمل، ولو كان مشبها للنقير في القلة. وكما أنه لا ينقص من ثواب المطيع، لا يزاد في عقاب العاصي. فعدالة الله واحدة. بل العاصي أَولى بذلك؛ لأَن الأَذى بزيادة العقاب، أَشد من انقاص الثواب. فإِذا لم يرض الله - سبحانه - بنقص الثواب، فإنه لا يرضى بزيادة العقاب بالأَولى - فهو الرحمن الرحيم العادل الكريم. وإنما فصلت الآية فقالت: {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى}: مع شمول {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ}: لهما جميعًا. لئلا يتوهم متوهم خصوص هذا الحكم بالذكور، وإن كان هذا الوهم ضعيف البنيان، ولأَن فيه اعتبارًا للمرأَة التي كانوا ينتقصون حقها في الجاهلية. والنقير كما تقدم في المفردات: نقرة في ظهر النواة. يضرب بها المثل في أدنى الأُمور وأَصغرها. 125 - {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ... } الآية. الاستفهام في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ} بمعنى: النفي الإنكاري. والمعنى: لا يوجد أحسن - في الدين - ممن أَخلص نفسه وذاته لله، فلم يعرف لها ربًّا سواه، ولم يتوجه بوجهه لغيره سبحانه، ولم يخضع في سجوده إِلا له عز وجل: يفعل ذلك كله وهو محسن في عمله، بأَلا يترك واجبًا، ولا يفعل محرمًا. {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}: المراد من اتباع ملة إبراهيم: اتباع ملة الإسلام، فإنما هو ملة إِبراهيم - عليه السلام - في العقائد وأصول الأحكام. فمن اتبعها فهو متبع للإسلام الذي جاءَت به ملة إبراهيم. ومن اتبع سواها فليس له من اتباع ملة إبراهيم نصيب، فقد حاد عنها أَهل الكتاب بما بدلوا وغيَّروا من أصول شريعته الموجودة في شرائع الأنبياءِ المرسلين: قبله وبعده، كما حاد عنها المشركون.

وأَشدُّ ما حاد عنه أَهل الكتاب، تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك. فقد جعلوا له صاحبة وولدا، وأَشركوه معه في التقديس، كما أَشرك به المشركون أَنصابهم وسائر آلهتهم فأَي فارق بينهم وبين المشركين في ذلك؟! وكفروا بعصمة الرسل، وأَلصقوا بهم أَحقَرَ التُّهَم، وحرَّموا ما أَحل الله، وأَحلوا ما حرم، وغيروا وبدلوا في كتبهم، ما شاءَ لهم هواهم .. وإِذا كان أَمرهم وأَمر المشركين كذلك، فلا تغنيهم - جميعًا - دعواهم أَنهم على ملة إبراهيم، فإِن ملته - عليه وعلى نبينا أَفضل الصلاة والسلام - لا تقرهم على هذه المآثم وسواها فهو حنيف. أي مائل الباطل، مقرٌّ للحق الذي جاءَ به النبي - صلى الله عليه وسلم - تصحيحا للعقائد وأصول الأَحكام الشرعية، وإعادةً بها إلى دين إِبراهيم الذي حرفه هؤُلاء وأولائك. وإنما قلنا: إِن العقائد وأصول الأَحكام مشتركة بين شرائع المرسلين دون فروع الأحكام، لأَن هذه الفروع، لابد من اختلافها في الصورة والعدد والمواقيت وغير ذلك. مما يناسب الأمة والعصر الذي بعثوا إليها فيه. وفي ذلك يقول الله - تعالى -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (¬1). {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}: أي أَحب الله إبراهيم حبا كاملًا، لا خلل فيه ينقصه عن الكمال. ويجوز أَن يكون المعنى: أَنه تعالى خصه بكرامة تشبه كرامة الخليل لخليله. والسبب في اتخاذ إبراهيم خليلا، ما أَظهره من الفقر والحاجة إلى الله تعالى - في شدته ورخائه، وانقطاعه إليه، وعدم التفاته إِلى سواه في محنته. فقد آثر عقيدته - في ربه - على نجاته من النار، التي أراد قومه إِلقاءَه فيها. بسبب توحيده. وعادى - من أَجل ذلك - أَباه، وهَمَّ بذبح ولده الوحيد، امتثالا لأَمر مولاه. وليس في الآية ما يفيد قصر الخُلَّةِ على إبراهيم عليه السلام - فقد اتخذ الله نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خليلًا أَيضا. ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 48.

ومما يدل على ذلك، ما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود: أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذت أَبَا بِكْرٍ خَلِيلًا. وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ صاحَبكُمْ خَلِيلًا" والمراد بصاحبهم، هو نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم. وقد بلغ نبينا في الخلة أَعلى درجاتها. حتى كان سيد ولد آدم يوم القيامة. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم -: "أَنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ. وَبِيَدِي لِوَاءُ: الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ. وَمَا مِنْ نبِيٍّ يَوْمَئِذٍ - آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ - إلَّا تَحْتَ لِوَائي. وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّل مُشَفَّعٍ. ولاَ فَخر" (¬1). 126 - {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا}: هذه جملة مستأْنفة؛ لبيان أَن اتخاذه - عز وجل - لإبراهيم خليلًا، ليس لاحتياجه إلى خلته في شأن من شئونه، بل ذلك لتكريمه وتشريفه. والمعنى: ولله ملك السموات والأَرض وما فيهن: له كل ذلك خلقا وملكًا. وتدبيرا وتصرفا، ليس له في ذلك شريك أَو معين .. وكان الله بكل شيء موجود - أَو سيوجد في هذا العالم - محيطا إِحاطة علم وتدبير. لا تغيب عن علمه ذرة في ذاتها وأحوالها وما ينبغي لها وما ليس في مصلحتها. ومن كان كذلك. لا يغيب عن علمه سيءٌ ولا محسن. فيجزي كلاًّ بما كسبت يداه. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة.

{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)}. المفردات: {الْكِتَابِ}: القرآن. {يَتَامَى النِّسَاءِ}: اللائي لا حول لهن. {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}: تطمعون في ما لهن من الميراث والصداق، فتتزوجونهن لذلك، أو تمنعونهن من الزواج ويعضلونهن لذلك. {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ}: الأطفال اليتامى. {بِالْقِسْطِ}: بالعدل. التفسير 127 - {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ... } الآية. الربط: في هذه الآية - وما تلاها - رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساءِ واليتامى. وكان المسلمون قد بقيت لهم أحكام، سبق لهم السؤَال عنها، فلم يجبهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - انتظارا للوحي. روى أشهب عن مالك رضي الله عنهما، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسْألُ فلا يجيب، حتى ينزلَ عليه الوَحْيُّ، وذلك في كتاب الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... }، { ... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ (¬1) ... } و {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (¬2) ... }، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ (¬3) ... " أ. هـ. ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 220 (¬2) البقرة:، من الآية: 219 (¬3) طه، من الآية: 105

سبب النزول: أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جبير، قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئًا، فلما نزلت المواريث في سورة النساء، شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟! فَرَجَوْا أَن يأتي في ذلك حَدَثٌ من السماءِ. فانتظروا، فلما رأَوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا، إنه لواجب ما عنه بُدٌّ. ثم قالوا: سَلُوا .. فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآية. ورُوِي غير ذلك في سبب النزول ورجح هذا شيخ الإسلام أبو السعود، كما قاله الآلوسي. ونحن نقول: إن سبب النزول لا يقتضي أنهم لم يسألوا إِلا عما جاء فيه، بل سألوا عن غيره أيضا، ولهذا تضمنت الفتوى جواب سؤَالهم الوارد في سبب النزول، كما تضمنت عدة أحكام، ستأتي في الآيات التالية، تتعلق بأمر النساء. {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ}: المعنى: ويستفتيك المسلمون - يا محمد - في أحكام الإناث، فيطلبون منك بيان ما يُشْكِلُ عليهم من أحكامهن، مما يجب لهن أو عليهن. {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ}: المعنى: قل الله يفتيكم في حكمهن ويبينه لكم، وكذا ما يتلى في أمرهن، مما سبق نزوله قبل هذه الآية، فهو أيضًا يفتيكم، ويبين لكم الحكم الشرعي الذي تسألون عنه. والمقصود من الآية الكريمة: أن الله سيفتيكم - مستقبلا - فيما لم ينزل حكمه من شأن النساء، وأن ما سبق نزوله فيهن ويتلى عليكم، تظل الفتيا أيضًا في أمرهن، فيكتمل بالفتاوى - السابقة واللاحقة - أحكامهن المشروعة. وقد أشار المولى سبحانه بقوله: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ ... } الآية: إلى ما سبق في صدر هذه السورة عنهن وعن المستضعفين من الولدان، ابتداءً من قوله: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ... } الآية. إلى آخر آيتي المواريث.

{فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}: أي: ويفتيكم أيضًا فيما يتلى عليكم في شأن يتامى الإناث، اللاتي لا تؤتونهن أيها الأولياءُ ما كُتِبَ لهن من الميراث والصداق، وقد رغبتم في الزواج بهن، طمعا في الميراث والصداق. فقد أوجب عليكم فيما نزل بشأنهن أَول السورة - أن تقسطوا في شأنهن، بألا تطمعوا في أموالهن الموروثة، وأن تعطوهن من الصداق أَعلى سنتهن، وتعدلوا بينهن وبين ضراتهن: في القسم والنفقة وحسن العشرة ... أو يكون المعنى: وإن أنتم رغبتم عن الزواج بهن، فلا تعضلوهن عن الزواج بغيركم، طمعًا في أَموالهن (¬1). {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ}: أي: ويفتيكم فيما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد والصغار اليتامى: ذكورا وإناثًا. فقد أوجب عليكم - فيما سبق - أن تحافظوا على أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، وأفهمكم أن أَكل أموالهم ذنب كبير، وأَوجب عليكم أن تؤدوا أموالهم إليهم عند بلوغهم رشدهم، دون مماطلة. وبالجملة، فقد أوجب عليكم - هنا، وفيما مر في صدر هذه السورة - أن تقوموا لليتامى بالقسط والعدل، في أمرهم كله. فلا تحاولوا أن تعودوا لما كنتم عليه في الجاهلية، من توريث الرجال الذين يدافعون عن القبيلة وحرمان الصغار والنساء، فذلك جَوْرٌ لا يوافق عليه الإسلام ولا يقره (¬2). {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا}: أي: وما تفعلوا - أَيها الأولياءُ - من خير في حقوق من تقدم ذكرهم، فإن الله كان به عليما قبل أن يخلقكم، كما هو عليم به عند فعلكم له، فيجزيكم عليه خير الجزاء. وإنما اقتصرت الآية على ما يفعلونه من الخير، مع أنه يعلم ما يفعلونه من شر أيضا، ويجازى عليه بمثله، للإِيذان بأن الشر لا ينبغي أن يقع منهم، وتحريضا على فعل الخير والاستدامة عليه. ¬

_ (¬1) راجع ما كتبناه في تفسير الآية (3) في سورة النساء. (¬2) راجع ما كتبناه عن ذلك في شرح الآيات الواردة في شئون اليتامى والمواريث العامة للذكور والإناث صغارًا كانوا أم كبارا ابتداء من الآية رقم (2) إلى نهاية الآية رقم (12) من سورة النساء.

وتكرار هذه الوصية باليتامى والنِّساء الضعاف - مع ما سبق في أول السورة - لاجتثاث ما عسى أن يكون عالقا بالرجال من أطماع في أموال الضعاف من يتامى النساء والولدان. {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)} المفردات: {خَافَتْ}: علمت أو توقعت. {بَعْلِهَا}: زوجها. {نُشُوزًا}: أي ترفعا (¬1). {أَوْ إِعْرَاضًا}: أي ميلا وعدم اهتمام. {فَلَا جُنَاحَ}: فلا حرج ولا إثم. {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}: أي جُعِلَ الشح حاضرا في الأنفس ملازما لها، والشح: البخل الشديد. {كَالْمُعَلَّقَةِ}: المرأة المعلقة؛ هي التي ليست مطلقة ولا صاحبة زوج، كما قال ابن عباس رضي الله عنه. أَو هي المسجونة. كما قال قتادة رضي الله عنه. {يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ}: أي يُغْن الله كليهما من غناه الواسع. ¬

_ (¬1) وفعله: نشز ينشز، بوزن: يمكر، ويعرف.

التفسير 128 - {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ... } الآية. الربط: لا تزال الآيات متصلة بشئون النساء. سبب النزول: أخرج الحاكم في مستدركه، عن عروة بن الزبير، عن أَبيه، عن عائشة رضي الله عنها أَنها قالت له (¬1): يابن أختي (¬2)، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا. وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوف علينا فَيَدنُوَنَّ من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من هو يومها، فيبيت عندها. ولقد قالت سودة بنت زمعة - حين أسَنّت - وفَرِقَت أن يفارقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة: ففي ذلك أَنزل الله {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ... } الآية. ومثل ذلك رواه أبو داود رضي الله عنه. والمعنى: النشوز والإِعراض يصح أن يوصف كل من الزوجين بهما. وقد سبق الحديث عن نشوز المرأَة في الآية (34) من هذه السورة. أما هذه الآية، فقد تحدثت عن نشوز الزوج وإعراضه .. والمقصود من نشوزه، ترفعه عن صحبتها والإِبقاء عليها. والمقصود من إعراضه عنها: عدم اهتمامه بها، وهو أخف - في التباعد عنها - من النشوز. ولكل منهما أَسبابه، كتقدم الزوجة في السنن، وعقمها، وذبول جمالها، وتغير طباعها، وإهمالها لمنزلها، وتقصيرها في رعاية أولادها، وامتداد يدها إلى مال زوجها، وخروجها من المنزل بغير إذنه تباعا، رغم تحذيره لها من ذلك: إلى غير ذلك من الأسباب التي تأتي من خاصيتها. ¬

_ (¬1) أي قالت لعروة بن الزبير. (¬2) فهو ابن أختها أسماء.

وقد يكون نشوز الزوج وإِعراضه عن زوجته بأسباب من غير جهتها، كتأثير ضرة عليه في كراهيتها، أو ظهور امرأَة أخرى لم تكن من قبل في جوهما، فلما تزوجها غيرت مجرى حياتهما، وجرت معها الأمور على غير ما تُشْتَهَى من نشوز أو إعراض. وكما أَن لكل من النشوز والإِعراض أسبابًا، فإن لكل منهما علاماتٍ وأمارات. فأمارات النشوز كثيرة، منها: الغلظة والجفاءُ، والضرب، والسب، والتهديد بالطلاق، وأَن يمنعها نفسه ونفقته ومودته. ونحو ذلك. وأمارات الإِعراض عديدة: كأَن يقلل من محادثتها ومؤَانستها، ويتساهل في تحقيق رغباتها. والإِعراض يسبق النشوز عادة، فإِذا استمر، أَدَّى إلى النشوز، وإذا استمر النشوز، انتهى إلى الطلاق، كما هو معروف في عادات الناس. والمراد من خوفها من نشوز الزوج أَو إِعراضه، علمها بذلك، بما بدا لها من أَمارات يقينية أَو توقُّعها إِياه، بما بدا لها من أمارات ظنية. ولمّا كانت الآية نزلت في شأن امرأَة تخاف نشوز زوجها أو إِعراضه عنها، فذلك يقتضي أنها حريصة على بقائها معه، ويخيفها ما بدا لها منه أَن ينتهى بها إِلى عاقبة لا ترضاها لنفسها، فلذا لم يمنعها الشارع من أَن تتساهل في بعض حقوقها؛ ليتحقق لها ما أَرادته من بقائها معه. فإِنه سبحانه وتعالى لا يحب أَن تُحْرَم زوجةٌ من بقائها مع زوجها الذي أحبته، وأَن تفجع بفراقه، وذلك بقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا}: أي: فلا إِثم على الزوجة فيما تفعله لإِصلاح ما بينها وبين زوجها، من إِعفائه من صداقها أَو نفقتها أَو بعضهما، أَو من مسكن أَو كسوة، أَو فيما تعطيه من مالها، أَو فيما تنزل له عنه من نصيبها في القسم، ليعطيه لإِحدى ضراتها: لكي يبقى عليها، ولا إِثم على الزوج في قبول ذلك منها، فإِن ذلك لا يعتبر رشوة مؤَثمة لكليهما. حتى يتحرجا منه. بل يعتبر سبيلا إِلى عودة المودة، واستمرار الزوجية بينهما. وذلك

أسمى - في نظر الدين - من تلك الماديات اليسيرة، التي تعينت سبيلا لعودة المودة بينهما. قال ابن عباس: "فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائز" (¬1). {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}: أي: والصلح بينهما، خير من الجفاء والإعراض، فقد ينتهيان - لو لم يكن الصلح - إلى عاقبة بغيضة لديهما، أو لدى أحدهما. وفيما يلي تفسيرات مأثورة تزيد الآية وضوحا، وتؤَكد الغرض المقصود منها في نفس القاريء: روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، في تفسير الآية أَنها قالت: "الرجلُ تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها فتقول: أجعلكَ من شأني في حل". وروى الشيخان عنها أنهما قالت: "هو الرجل يكون له المرأَتان: إحداهما قد كبرت أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني". وروى ابن أبي حاتم، عن أبي عَرْعَرَة، قال: "جاء رجل إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فسأله عن قول الله - عز وجل -: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} قال على - كرم الله وجهه -: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها، من دمامتها أو كِبَرها، أو سوءِ خُلُقِها أَو قَذَرِها، فتكره فراقه، فإِن وضعت له شيئًا من مهرها حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرَج". وبمثل هذا، فسرها ابن عباس ومجاهد والشعبي وابن جبير وكثير من السلف والأئمة، رضوان الله عليهم أجمعين. {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}: لما رغب الله في الصلح بقوله: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} عقبه بقوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}: لبيان العذر في المماكسة والمشاقَّةِ. وهو أن النفس من طبعها الشح والحرص. ¬

_ (¬1) رواه أبو داود والطيالسي.

والمعنى: وجُعل البُخل والحرص على النفع الذاتي، حاضرًا في الأنفس ملازمًا لها. لا يغيب عنها؛ لأَنه من طبعها، فلذا لا تكاد الزوجة تُفَرِّط في حقوقها عند الزوج. ولا يكاد الزوج يجود بالإِنفاق وحسن المعاشرة لمن لا يريدها. وإِذا كان ذلك هو ما فطر عليه الناس، فينبغي - لكل من الزوجين - أن يقدر حرص الآخر على مصلحته، فلا يهدرها تماما، فتُرضِي الزوجةُ حرصَ الزوج، بالبذل والتضحية، ويرضى الزوج حرص الزوجة، فلا يقسو عليها في مطالبه. ثم ندب الله الأزواج إلى الإحسان والتقوي، فقال جل شأنه: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}: أي: وإِن تحسنوا عشرتكم - أَيها الأزواج - مع النساء، وتتقوا النشوز والإِعراض عن الزوجات، وعدم إكراههن على ترك شيءٍ من حقوقهن أو بذل ما يعز عليهن، وذلك بالتسامح واللين، وغض الطرف عما يدعو إلى الجفاء والإِعراض - فإِن الله كان - ولا يزال - بما تعملون من الإِحسان والتقوى خبيرا، فيجازيكم ويحسن ثوابكم. 29 - {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... } الآية. المعنى: ليس في استطاعتكم ومقدرتكم إِقامة العدل التام بين الضرات، بحيث لا يقع منكم أي ميل لإِحداهن أكثر من الأخرى، ولو حرصتم على ذلك وبالغتم فيه، فإِن فُرِضَ أَنكم عدلتم في القسم والنفقة، فقد لا تعدلون في النظر والإِقبال والمؤانسة والحب، وغير ذلك. وتلك مسأَلة جِبِلِّيَّةٌ، لا سلطان للأَزواج عليها، مهما كان مقامهم من الدين. وأحيانا يكون للمرأة أَثر في جذب الرجل إليها أَكثر من ضرتها؛ لبشاشتها ونظافتها، ومزيد إِخلاصها. ومع هذا، ينبغي للإِنسان أَلَّا ينساق وراء الأَسباب الداعية إلى الميل، بقدر طاقتهِ وهنا، يعفى عما خرج عن الطوق. أَخرج أَحمد والترمذي وأَبو داود، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فَيَعْدِلُ. ثم يقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فيما

أملِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ" يقصد النبي بما يملكه الله: الحب والميل القلبي، فإنهما تحت سلطان الله وحده، ولا سلطان للبشر عليهما. {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}: المراد بالميل هنا عدم العدل في القسم والنفقة، بسبب تفاوت الحب. أي فلا تجوروا كل الجور على من لا تحبون من النساء، بأن تمنعوها حقها في القسم والنفقة، وفي السكن والكسوة، من غير رضاها، واعدلوا بقدر ما استطعتم، فإن عجزكم عن كمال العدل، لا يمنع تكليفكم بما تستطيعون منه، بقدر طاقتكم. {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}: أي: فلا تميلوا كل الميل عن العدل بين الضرات، فتحرموا بعضهن حقهن المقدور لكم، فتتركوها - بذلك - كالمرأَة المعلقة، لا هي مطلقة فَتَرضى بطلاقها، وتسكن بانفرادها عن الزوج: أَو تتزوج من تشاءُ. ولا هي ذات زوج يعطيها حقها كالزوجات، فأشبهت بذلك الشيء المعلق بآخر: فلا هو عام الأَرض فيستقر: ولا هو محمول على ما عُلِّق به فلا يتأَرجح. وفسر قتادة. المعلقة: بالمسجونة. والآية مشعرة بتوبيخ الذين لا يعدلون بين نسائهم، بقدر استطاعتهم. ومن أَلوان العدل التي كان السلف الصالح يحرص عليها، ما رواه غير واحد، عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "كانت لي امرأَتان: فَلَقَد كُنْتُ أعدِلُ بَينَهُمَا حَتى أعُدَّ القُبَل". وعن مجاهد قال: كانوا يستحيون أَلَّا يسووا بين الضرائر في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه!!!. وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان: يُكْرَهُ أَن يتوضأ في بيت إِحداهما دون الأخرى. وبالجملة، فالعدل واجب؛ في القسم والنفقة والسكنى والكسوة وكل ما هو ضروري كالعلاج، وهو سنةٌ فيما عداها.

والعدل فيما هو واجب، هو الذي ورد في تركه الوعيد، في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأتانِ، فَمَالَ إلَى إحدَاهُما: جَاء يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ" (¬1). {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}: هذه دعوة كريمة من الله تعالى، للأزواج المقصرين في حق نسائهم؛ ليعالجوا تقصيرهم في شأنهن. والمعنى: وإن تصلحوا ما أفسدتم من شئون زوجاتكم، وتتقوا الميل عن العدل بينهن فيما تستقبلون من الزمان. فإِن الله كان - ولا يزال - عظيم الغفران، فيغفر لكم ما فرط منكم فيما مضى بإِحسانكم كما قال تعالي: " ... إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبنَ السيئاتِ ... " (¬2). كما كان - ولا يزال - عظيم الرحمة. فلذا، تفضل عليكم بقبول متابكم، وإسباغ رحمته عليكم. 130 - {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ... } الآية. المعنى: وإِن لم يتصالحا، واتسعت شقة الخلاف بينهما. حتى وقعت الفرقة - بالطلاق - فإِن الله يغني كلا من الزوجين المفترقين، من غناه الواسع. ولا شك أن تشريع الطلاق، تظهر حكمته جلية واضحة في هذه الحالة. فإِنه إِذا لم يكن في مقدور الزوجين أَن يعيشا في حب وسلام. وكانت الحياة بينهما مشحونة بالمتاعب، فإِن العاقبة ستكون سيئة بالنسبة إليهما، وإِلى أَولادهما الذين يشهدون المعارك القاسية - من آن لآخر - بين والديهم. فالفراق - حينئذ - يكون ضروريا ... كاستعمال مبضع الجراح لاتقاء أَخطار الفساد في الجسم. وهذه الجملة تعتبر تسلية للزوجين عما أَصابهما من الفراق، وإشعارًا لهما، بأَن الله تعالى سيسلك بكليهما مسلكا يغنيه عن الآخر. فهو الكفيل براحة عباده؛ لكيلا يشتد حزنهما على فراقهما بعد عشرة. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد، وأبو داود والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة. (¬2) هود، من الآية: 114

كما أنها تشعر بلوم مَنْ يتسبب في عرقلة الصلح منهما، حيث أفهمت المتشدد: أَن للطرف الآخر ما يغنيه - من عند الله - عن صاحبه. {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}: أي: وكان الله - ولا يزال - واسع الغنى، كافيا لخلقه، حكيما مُتْقِنًا لأحكامه وأَفعاله. {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)} المفردات: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا}: ولقد أمرنا أمرا مؤَكدًا. {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: المراد بهم؛ أَهل الكتب السماوية السابقون جميعًا: اليهود، والنصارى، وغيرهم. {حَمِيدًا}: مستحقا للحمد، وإن لم يحمده الحامدون. {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}: وكفى به قيما وكفيلا؛ تُوكَل إليه الأمور.

التفسير 131 - {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... } الآية. لما بين الله - تعالى - أن الزوجين - إن تفرقا - يغن كلا من سعته، أتبع ذلك ما يؤَكد به هذا الوعد الكريم، فقرر سبب تحقيقه وهو: أنه - سبحانه - له ما في السموات وما في الأرض، فإن من كانت بيده مقاليدهما، تحققت مواعيده لقدرته الواسعة، وحكمة تدبيره. {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: ولله ما في السموات وما في الأرض: خلقا وملكا وتصرفا. فلا يتعذر عليه إغناءُ الزوجين بعد فرقتهما، ولا إيناسُهُمَا بعد وحشتهما. {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}: ولقد أمَرْنَا كل مَن أوتِيَ الكتابَ من قبلكم، من أتباع الأنبياء السابقين - كما أمرناكم - بتقوى الله تعالى، فهي سر النجاح وصلاح الأمر كله. مَن أخَذَ بها استغنى وكف عن المآثم، ورغب في الخير، وعمل لمصلحته ومصلحة أسرته وأُمته. {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض. ومن كان كذلك، فلن يضره كفركم ومعاصيكم، كما لا ينفعه إيمانكم وتقواكم. وما أمركم بالتقوى ونهاكم عن الكفر والمعاصى إلا لمصلحتكم؛ رحمةً بكم، لا لحاجته إلى عبادتكم. {وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا}: وكان الله - قبل أن تكونوا، ولا يزال بعد ما كنتم - غنيا غير محتاج إلى سواه، مستحقا للحمد وإن لم يحمده الحامدون. 132 - {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}: هذه الآية الكريمة، مؤَكدة لما قبلها، بإفادتها ما أَفادته من أَنه تعالى، يملك مقاليد السموات والأرض، مقررة أن أمر هذا الكون موكول إليه تعالى، ممهدة لما بعدها.

والمعنى: ولله ما في السموات والأرض: من أجزائهما وما استقر فيهما. ومَن كان كذلك، فكل ما فيهما محتاج إِليه تعالى، وهو غنى عنه بغناه الذاتي، وكفى باللهِ قيما على أمور السموات والأرض، موكولا إِليه شئونهما خلقا وتدبيرا، فلا يليق بعاقلٍ ألا يفعل ما أوصاه به من التقوى، فيلقى بزمام نفسه إلى شهواته وغرائزه الضارة، وينصرف بذلك عن المراشد. 133 - {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ... } الآية. المعنى: إن يشأ إذهابكم - أيها الناس - والإتيانَ بآخرين أفضلَ منكم، فإنه يفعل ... ولا رادَّ لمشيئته. كما قال تعالى: { ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ... } (¬1). {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا}: فإن مالك السموات والأرض، لا يعجزه تحقيق مشيئته. ومن كان أمره نافذًا في خليقته، فحقه أن يُتَّقَى ويُحذَرَ، ويُشكَرَ ولا يُكفَرَ. فإذا كان قد أبقاكم على ما أنتم عليه من عصيان، فما ذاك إلا لاستغنائه عن طاعتكم وعدم تعلق مشيئته بإِفنائكم من رحمته بكم، لعلكم تثوبون إلى رشدكم، وتعودون إلى طاعة ربكم؛ لتنالوا ثوابه، وتتقوا عذابه، فمصارع الضالين قبلكم ماثلة أمامكم. 134 - {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... } الآية. بعد أن بين الله - في الآية السابقة - قدرته على أخذ العصاة بظلمهم ببيان، قدرته على إِفناء جميع الخلق، وإحلال غيرهم محلهم، أَوضح - في هذه الآية - السبيل الأمثل للطاعة. وهو أَداؤُها ابتغاءَ مرضاة الله، دون أَن يراد بها الذكر الحسن، وثناءُ الناس، وجرُّ المغانم. حتى ينالوا بالإخلاص - ثواب الدنيا والآخرة. والمعنى: من كان يريد - بطاعته - ثواب الدنيا، كالجندي يريد بجهاده الثناءَ على شجاعته، والرقيَّ في الرتب العسكرية، وجَرَّ المغانم، وكالمزكي: يريد بزَكَاتِه الثناءَ عليه ¬

_ (¬1) محمَّد، من الآية: 38

بالكرم، واكتسابَ مودةِ الناس، وحبَّ المساكين ورضاهم، وكالحاج يقصد بحجه التجارةَ أو الحصول على لقب "الحاج" بين الناس، فليعم هذا المقصر المبهور بزخارف الدنيا الزائلة: أن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة. فما له يطلب ثواب الدنيا وهو قليل فانٍ، ويحرم نفسه من ثواب الآخرة وهو جزيل باق .. قال تعالى: { ... وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} (¬1). فليطلب العبد بطاعته ثوابهما معا، ويقول: { ... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (¬2) أو ليطلب ثواب أشرفهما وأبقاهما! قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... } (¬3). {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}: أي: وكان الله - ولا يزال - عظيم العلم بجميع المسموعات والمبصرات. وفي جملتها أَقوال عبادة. وأَعمالهم ونياتهم. فيجازى كلاًّ على حسب حاله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)} ¬

_ (¬1) الشورى، من الآية: 20 (¬2) البقرة، من الآية: 201 (¬3) الشورى، من الآية: 20

المفردات: {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}: قائمين بالعدل مع المواظبة عليه، والمبالغة فيه. {وَإِنْ تَلْوُوا}: وإن تميلوا أَلسنتكم بالشهادة، بالإتيان بها على غير وجهها. {أَوْ تُعْرِضُوا}: أي تتركوا إقامتها أو تقيموها عَلى غير وجهها. التفسير 135 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ... } الآية. هذه الآية - والتي بعدها - فيهما امتداد للحديث عن العدل، الذي سبق طرف منه في الآيات السابقة. وبين الإِيمان والعدل رباط وثيق؛ لأن الإِيمان الصحيح، يقتضي إقامة العدل والقسط بين الناس. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا، كونوا مواظبين على العدل في جميع الأمور، مجتهدين في إِقامته كل الاجتهاد، لا يصرفكم عنه صارف. وكونوا شهداء لله ولو على أَنفسكم أَو الوالدين والأَقربين. وذلك بأَن تقيموا شهاداتكم بالحق خالصة لوجه الله، لا لغرضٍ من الأَغراض الدنيوية، مهما يكن أَجره، ولو عادت الشهادة بالضرر عليكم، أَو على الوالدين والأَقربين. فإِن الحق أحق أَن يتبع، وأَولى بالمراعاة من كل عاطفة وغرض. {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا}: أي: أن يكن المشهود عليه غنيا يُرْجَى نفعُه. أَو فقيرا يثير فقرُه الرحمة، فلا تتأَثروا بذلك كله في شهاداتكم. فالله أَولى بالأَغنياءِ والفقراءِ، وأَحق منكم برعاية ما يناسب كلا منهما. ولولا أَن أَداءَ الشهادة على وجهها فيه مصلحة لهما، لما شرعه الله. فراعوا أَمره - تعالى - فإِنه أَعلم بمصالح العباد منكم. {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا}: أي: فلا تتبعوا في شهاداتكم - على هذا أَو ذاك - هواكم: كارهين إقامة العدل في شهاداتكم من أَجل الرغبة في مصلحتهما؛ لأن اتباع الهوى والميل، ضلال لا يليق بالمؤمنين. وإقامة العدل حق وهدى: يجب على المؤمنين - وجوبا مؤكَّدًا - أَن يتصفوا به.

{وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}: أي: وإِن تميلوا ألسنتكم عن الشهادة - بالإتيان بها على غير وجهها الذي تستحقه، أو تعرضوا عنها، وتتركوا إقامتها وتهربوا من أدائها - فإن الله كان بما تعملون من معاداتكم للحق بأي وجه مما سبق - عليما فيجازيكم على ما اقترفتم. هذا، وكما تحرم الشهادة: للغني أَو الفقير على غير وجهها، تحرم أيضا الشهادة إِذا كانت لغرض آخر كرعاية الجار، أو الطمع في جاهٍ أَو منصبٍ عند حاكم، أو انتصار لطائفة أو مذهب أو نحو ذلك. وما جاءَ في الآية، إنما هو من باب ضرب المثل. وقد التزم المسلمون الأولون، مراعاة العدل التام، فلم يفرقوا بين من كان على دينهم ومن خالفهم - اتباعًا لأهوائهم. ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم. فقال: والله، لقد جئتكم من عند أَحب الخلق إليّ. والإِثمُ أبغضُ إلي من اعدادكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إِياه ولا بغضي لكم، على أَلّا أعدلَ فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. 136 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... } الآية. المعنى: الخطاب للمؤمنين كافة. والمراد من قوله: (آمِنُوا): استمروا، أَو اثبتوا على إيمانكم باللهِ ورسوله، والكتاب الذي نزل الله على رسوله وهو القرآن، والكتب السماوية التي أنزلها الله من قبل، على من سبق من الأنبياء والمرسلين. وهي التوراة والإنجيل والزبور. والإِيمان بها - بطريق الإِجمال - واجب شرعا. أَما ما يتداول بين أهل الكتاب المعاصرين، من أسفار عنها، اسمها "العهد القديم" "والعهد الجديد"، فقد دخلها - من التغيير والتبديل، والإِضافة والحذف - ما أخرجها عن نسبتها إلى الله تعالى وعن تسميتها توراة وإنجيلا. فلا تدخل فيما أمرنا بالايمان به، وإنما نؤمن بأصولها الأولى الصحيحة، التي أَنزلها الله. وكما نؤمن بتلك الأصول نؤمن بأَنها نسخت بالقرآن الكريم.

قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ... } (¬1). وبهذا صار القرآن المرجع الديني التشريعي الوحيد، للبشرية أجمعين. {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}: ومن يكفر بالله تبارك وتعالى، واتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص، ويكفر بملائكته الذين هم عباد مكرمون: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويكفر بكتبه المنزلة على رسله لهداية خلقه، ويكفر باليوم الآخر الذي يبعث فيه الخلائق للجزاء - من يفعل ذلك - فقد بَعُدَ عن الحق بعدا سحيقا، يستحق عليه العذاب الشديد، لإهداره آدميته. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)}. المفردات: {ازْدَادُوا كُفْرًا}: عَادُوا واستمروا فيه. {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ}: أنذرهم. ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 48

{أَيَبْتَغُونَ}: أيطلبون. {الْعِزَّةَ}: الغلبة والقوة. {يَخُوضُوا}: يدخلوا. التفسير 137 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ... } الآية. هذه الآية، بينت حال بعض الكافرين، وهم المنافقون الذين ترددوا بين الإيمان الظاهر أمام المؤمنين، وبين الكفر، حينما يلتقون بالكافرين أمام المؤمنين. والمعنى: إِن المنافقين الذين أَظهروا الإيمان أَمام المؤمنين رياءً، ثم كفروا أمام أَوليائهم الكافرين، ثم عادوا إلى إظهار الإيمان حين لقائهم بالمؤمنين، ثم كفروا عند عودتهم إلى الكافرين، ثم ازدادوا في دخيلة أنفسهم كفرا وجحودا، واستمروا عليه. - إن هؤلاء: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا}: أي: هؤلاء المنافقون المذكورون، قد حكم الله بأنهم محرومون من أن يغفر الله لهم كفرهم ومعاصيهم، ومحرومون من أَن يهديهم الله إلى الحق؛ لإصرارهم على الكفرِ والنفاق. وقيل إن المراد من هؤلاء. قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر وتمادوا في الغَيِّ والضلال. 138 - {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}: بعد أن أَوصد الله في وجه هؤُلاء المنافقين أبواب الرحمة والهداية، نتيجة تكرر الكفر منهم، أَمر الله رسوله أن ينذرهم بأنه أعَدَّ لَهُم في الآخرة عذابا شديد الإيلام، وعبر عن الإنذار بالتبشير، تهكما بهم وسخرية منهم، وإيآسًا لهم من المبشرات كلها، وأنها - بفرض وقوعها كما هي هنا - فليس لها رصيد إلا العذاب الأليم؛ لتلاعبهم بالعقيدة وسخريتهم بها.

139 - {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... } الآية. أفادت هذه الآية أن هؤُلاء المنافقين: يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم من دون المؤمنين، حينما يخلون بهم، ويبتعدون عن المؤمنين، ويقولون للكافرين إذا خلوا بهم: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (¬1) أي: مستهزئون بالمؤمنين في إظهارنا الموافقة لهم في الإيمان. ولقد أنكر الله عليهم ذلك المسلك بقوله عن غايتهم: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ}: أي يطلبون بموالاتهم القوة والغلبة مع أنهم لا يستطيعون منحهم إياها. {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}: أي يمنحها إلا أولياءه. فمن استعز باللهِ أعزه. ومن استعز يغيره أذله. وصدق الله تعالى - إذ يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (¬2). 140 - {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... } الآية. جاءت هذه الآية، لتشديد النكير على المنافقين، في موالاتهم للكافرين، والرضا بما يقولون في حق الإِسلام والمسلمين. والمعنى: أيبتغي هؤُلاء المنافقون العزة بموالاتهم الكافرين ومشاركتهم الاستهزاء بكتاب الله أو الرضى به؟! والحال أَنه قد نزل عليكم - يا معشر المؤمنين - أنكم إذا رأَيتم أولئك الكافرين يستهزئون بكتاب الله تعالى، وسمعتم منهم ذلك - فاتركوا مجالسهم حتى يخوضوا في حديث غيره. فلو كان هؤُلاء المنافقون مؤمنين - كما زعموا - لما رضوا بسماع هذا الاستهزاء من الكافرين، ولا جالسوهم. ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 140 (¬2) المنافقون، من الآية: 8

والحق: أنهم ما جالسوهم إلا ليشاركوهم في الكفر والاستهزاء. ولذا قال الله عقب ذلك: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}: أي: مثلهم في الكفر. ولستم بمؤمنين كما تزعمون. فإن المرء بجليسه. ولذلك أشركهم الله مع الكافرين في الوعيد، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}: فيعذبون فيها على اختلاف أعمالهم. ولا شك أن عذاب النفاق أشد من عذاب الكفر، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} (¬1)؛ لأنهم جمعوا بين الكفر والكيد للإسلام. {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)} المفردات: {يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ}: ينتظرون وقوع أمر بكم. {فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ}: نصر منه. ¬

_ (¬1) النساء، الآية: 145

{أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ}: ألم نُحِطْكُم بِعَوْننا ومساعدتنا. {يُخَادِعُونَ اللَّهَ}: يفعلون مع الله ما يفعل المخادع. وهو إِظهار ما لا يبطن. {يُرَاءُونَ النَّاسَ}: يظهرون للناس غير ما انطوت عليه صدورهم. {مُذَبْذَبِينَ}: مترددين بين المؤمنين والكافرين. التفسير 141 - {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ... } الآية. هذه الآية - وما بعدها - تبين لنا، بعض سمات المنافقين وصفاتهم، التي كانوا عليها. وأَول صفة ذكرت لهم، هي التربص والانتظار؛ لاستغلال المواقف استغلالا دنيئا لمصلحتهم. وهو ما بيَّنه الله بقوله: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ}: أي: فإن كان لكم نصر على أعدائكم - بمعونة الله - تَزَلَّفوا لكم، وراحوا يطالبون بالمغانم قائلين: {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ}: بالعون حتى نُصرتم على الأعداء؟ {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ}: من الغلبة في الحرب على المؤمنين. {قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ}: أي: قال المنافقون للكافرين: أَلم نُحِطكُمْ بعوننا ومساعدتنا، واطلاعكم على أسرار المؤمنين حتى صارت لكم الغلبة عليهم. {وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتثبيطنا إياهم، وتباطئنا في معاونتهم، وإشاعة الأخبار التي توهن قلوبهم، وتضعف عزائمهم. فاعرفوا حقنا عليكم. وهاتوا نصيبنا مما غنمتم. {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: فهو مطلع على دخائل الجميع محقين ومبطلين، فيثيب أَولياءه المؤمنين المخلصين، ويعاقب أعداءه المنافقين يوم الجزاء.

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}: في الدنيا والآخرة. فلن يُغْلَب المؤمنون الصادقون في الدنيا غلبة حقيقية. وإذا وقعت لهم هزيمة - في بعض الأوقات - فهي للابتلاء والاختبار. وغالبا ما تكون نتيجةَ انحراف عن سلوك الطريق المستقيم. إذ ليس بين المؤمنين وبين النصر على أعدائهم إِلا أن يعودوا إلى الله، ويستكملوا حقيقة الإيمان: بالانقياد لكتاب الله والتمسك بشريعته ... {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... } (¬1). 142 - {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ... } الآية. هذه صفة ثانية من صفات المنافقين وسماتهم. ومعنى {يُخَادِعُونَ اللَّهَ}: أنهم يفعلون مع الله فعل المخادع، فيظهرون الإيمان للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولكنهم يضمرون الكفر. {وَهُوَ خَادِعُهُمْ}: وهو يعاملهم بما يناسب خداعم، فيتركهم في خداع الدنيا لغرورهم بها، وحرصهم على بريقها وزخرفها، ولكنه يُعِدُّ لهم في الدار الآخرة، الدرك الأسفلَ من النار. {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى}: هذه صفة ثالثة من صفاتهم، وهي إِذا قاموا إِلى الصلاة قاموا متباطئين متثاقلين، لا نشاط عندهم، ولا رغبة لهم في أَدائها؛ لأنهم لا يعتقدون ثوابا على فعلها، ولا عقابا على تركها. وما قيامهم للصلاة مع المصلين، إلا مظهرٌ من مظاهر خداعهم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {يُرَاءُونَ النَّاسَ}: أي: يراءُون الناس بقيامهم مع المسلمين في الصلاة، ليحسبهم المؤمنون من فريقهم وأنصارهم، وهم لا يقصدون إلا أَن يرى المسلمون أنهم معهم، بل منهم. إمعانا في الخداع!! {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}: أي: ولا يذكرونه - سبحانه - إلا زمانا قليلًا، أو ذكرًا قليلًا؛ لأن المنافق لا يفعل ذلك إلا بحضور من يرائيه فحسب. وهذا أقل أَحواله، أو يراد بالقلة: العدم؛ لأن ذكرهم غير ¬

_ (¬1) سورة الرعد، من الآية: 10

مقبُول، فلا فائدة فيه، وما لم يُقبَل معدوم، وإِن كان كثيرا في نفسه. وعلى هذا يكون المعنى: لا يذكرون الله أَبدا. 143 - {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ... } الآية. أي: مترددين حائرين بين الإِيمان والكفر، ولا مستقر لهم على أَحدهما. {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ}: أي: ليسوا منسوبين إِلى المؤمنين في الحقيقة، لإِضمارهم الكفر. ولا إِلى الكافرين لإِظهارهم الإِيمان: والموصوفون بذلك، ضالون عن سنن الهدى. {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ}: لعدم استعداده للهداية والتوفيق: {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا}: أي: فلن تجد لهدايته طريقا موصلا إِلى الحق والصواب. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)}

المفردات: {سُلْطَانًا مُبِينًا}: حجة ظاهرة. {أَوْلِيَاءَ}: نُصَراء. {الدَّرْكِ الأَسْفَلِ}: الطبقة السفلى. {وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ}: اتخذوه ملجأً وملاذا. {وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا}: أي كان - ولا يزال - مثيبا على الشكر. التفسير 144 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... } الآية. بعد أَن بين الله صفات المنافقين، الناطقة بأَنهم كفار في حقيقة أَمرهم، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين - جميعًا - أَولياء، فإِنهم لا يضمرون الخير لهم. فقال: يأَيُّهَا الذين آمنوا لا تتخذوا الكفار أَولياء وأَحبَّاء ونصراءَ من دون المؤمنين؛ لأَنهم لا يُؤمَنُ جانبهم: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا}: أي: أَتَرغبون - بموالاة الكفار - أن تكون لله عليكم حجة واضحة في عذابه إياكم، إذْ أنكم اتخذتم أعداءه أَولياء لكم. وهم يبغون لكم الهزيمة، ولدينكم الزوال. كما قال تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ... } (¬1) الآية!! وهذا لا يمنع من عقد معاهدات السلام معهم إذا كان في ذلك مصلحة الإِسلام والمسلمين. 145 - {إنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ... } الآية. هذه الآية، عادت بالحديث إلى المنافقين، لشدة خطرهم على الإِسلام، وبينت أنهم في الطبقة السفلى من النار. فإن النارَ دركاتٌ، كما أَن الجنةَ درجاتٌ. ¬

_ (¬1) الممتحنة، من الآية: 1.

وفي ذلك إشارة إِلى شدة عذاب المنافقين. وإنما كانوا أشد عذابا من الكفار الظاهرين، لأَنهم ضموا إِلى الكفر المشترك بين الطائفتين - استهزاءً بالإِسلام، وخداعًا لأَهله .. (وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا): أَي: لن تجد لهم من ينصرهم بإِخراجهم من هذا العذاب، أَو بأَن يخفف عنهم منه شيئًا. 146 - (إِلَّا الّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ... ) الآية أي: إلا الذين تابوا عن النفاق في الدنيا قبل أَن يموتوا، وأَصلحوا مَا فَسَدَ من نياتهم وضمائرهم. (وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ): أي: تمسكوا بكتابه، ووثقوا بربهم، وجعلوه ملجأً ومعاذا لهم. (وَأخْلَصُوا ودِينَهُمْ لِلهِ): أَي: جعلوا طاعتهم خالصة لوجه الله لا رياءَ فيها ولا نفاقا، بل رغبة في رضاه. (فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ): أي: فأولئك الموصوفُون بما ذكر - مع المؤْمنين المخلصين؛ الذين لم ينافقوا منذ إيمانهم. والمراد: أنهم معدودون منهم في الدنيا والآخرة. (وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا): أَي: يؤْتيهم في الآخرة أجرا عظيما، فيساهمونهم فيه، ويشاركونهم إياه. وفي هذه الآية الكريمة، ما يدل على ضَعَةِ المنافقين، ورفعة شأْن التائبين المصلحين، المعتصمين بالله، المخلصين دينهم له سبحانه.

147 - {مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ... } الآية. هذا خطاب للمنافقين، سيق لبيان أن مدار تعذيبهم هو داء النفاق، المشتمل على عدم شكر الخالق، وعدم الإيمان به. والمعنى: أي شيءٍ يعود على الله سبحانه بعذابكم، إن كنتم شاكرين، وهو لا يعذب لجلب نفع له، أو دفع ضر عنه، أو لإدراك ثأْر، أو للتشفي؟! فهو منزه عن ذلك كله، فإِن شكرتم نعمَ الله عليكم، وآمنتم مخلصين لله، جازاكم على ذلك خير الجزاء، وغفر لكم ووفَّاكم أُجورَكم. (وَكانَ اللهُ شَاكِرًا): أَي مثيبا على الشكر. (عَلِيمًا): لا يعزب عن علمه شيء. وبذلك يصل ثوابه كاملا للشاكرين.

{لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)}. المفردات: (لَا يُحِبُّ اللَهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَء مِنَ الْقَوْلِ): أي لا يرضى الله عن إفشاءِ القبيح من القول في الناس؛ بذمهم وذكر معايبهم. التفسير 148 - {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا}: بيَّن الله - قبل هاتين الآيتين - ألوانًا من الأخلاق والأحكام، التي يجب أن يتحلى بها المسلمون: من قيامهم بالعدل شهداء لله ولو على أنفسهم، وإِيمانهم باللهِ وجميع رسله وكتبه، ونَبْذ النفاق، وألّا يتخذوا الكافرين أَولياءَ من دون المؤمنين. وقد تضمنت هاتان الآيتان، بعض الأَخلاق التي يكمُل بها إِيمانهم، ويكونون بها مُثُلًا عُليا في الآداب الإِسلامية التي يدعو إليها دينهم. فقد جاءَ فيهما وجوبُ صون ألسنتهم عن مقالة السوء في غيرهم، والترغيبُ في إبداءِ محاسن سواهم، والعفوُ عمن أساءَ إليهم. سبب النزول: قال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في رجلٍ ضاف رجلًا بفلاةٍ من الأرض فلم يُضَيِّفه فنزلت: (إلاَّ مَن َظُلِمَ).

ورواه ابن أبي نَجِيح - أيضًا - عن مجاهد. قال: نزلت هذه الآية: {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} في الرجل يمرُّ بالرجل، فلا يضيفه، فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته. {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ}: أَي لا يحب الله إيذاءَ الناس جهرًا بالسّيىء الفاحش من القول، كشتمهم ووصفهم بالظلم والبخل، والقدح في أَعراضهم. وغير ذلك مما يسيء إِليهم، ويهدر كراماتهم، سواءٌ أَكان ذلك في مواجهتهم أَم كان في غيبتهم. ومن الجهر بالسوءِ من القول: إذاعة (التمثيليات والأَفلام) المشتملة على القصص الفاجرة، التي تبرز فيها الرذيلة، وتُسلَّطُ الأَضواءُ فيها على ممثلاث الإغراء الجنسي، وتُسْمَعُ فيها العبارات المخجلة، والأَصوات المنكَرة المغرية بالإثم، وتُرَى فيها الصور المفسدة لأَخلاق الذكور والأناث؛ الكبار منهم والصغار. فذلك يبغضه الله ولا يحبه. بل إنه تعالى، يعاقب عليه أَشدَّ العقاب؛ لخطورته على الأخلاق. ومن الجهر بالسوء: نشر كتب الجنس وصورِه، التي تحرّض الشباب على الفسق والانحلال الخلقي، وتستأصل المناعة الخلقية - في شبابنا المسم - من أُصولها. فليتق الله أَولئك المشرفون على الإِذاعات والتليفزيون في العالم الإِسلامى، ولْيمنعوا نشر تلك التمثيليات الهادمة لمجتمعنا، المدمرة لأَخلاق شبابنا. وليتق الله المشرفون على المطبوعات، فلا يسمحوا بنشر تلك الكتب، وهذه الصور المفسدة لأخلاق أبنائنا وبناتنا، فإن مسئولية هؤُلاء وأولئك، عظيمة عند الله، الذي أَنزل القرآن دستورا للأَخلاق الإِسلامية الفاضلة، وجعل أُمة الإِسلام خير أمة أخرجت للناس؛ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن باللهِ. ومن الجهر بالسوء: نشر المبادئ الهادمة للعقيدة الإِسلامية: بطريق الكتب، أو المحاضرات، والتحدث عن النزوات وأَلوان الفسق المختلفة.

والمقصود من الجهر بالسوء: أن تخبر به غيرك .. سواءٌ أكان ذلك بصوت مرتفع يسمعه عدد من الناس، أم بصوت خفيض تخص به بعض الناس؛ فإِن خروج السوء والفحش عن مكنون سريرتك وأَعماق نفسك، إلى غيرك سرًّا أَو علنا، يؤدي إلى الجهر به وإذاعته، وإِلحاق الأذى بسمعة من تحدثت عنه. مما ينجم عنه هبوط المستوى الخلقي للمجتمع كله. وفي ذلك ما فيه من ضرر خطير، تجب مكافحته شرعًا وعقلا. وخص القول السيىء بالذكر؛ لأَنه الشائع وقت نزول القرآن، فمثله في الحكم كل ما أَدى إِلى الإيذاء من الهمز واللمز والكتابة والتصوير. فكل ذلك حرام. وقد أَباح الله للمظلوم أن يجهر بالسوء عن ظالمه فقال: (إِلَّا مَن ظُلِمَ): أَي لا يحب الله الجهر بالسوءِ، إلا جهر المظلوم بظلمه. فإِن الله لا يَسخطه ولا يعاقب عليه عقاب الجهر بالفحش، بل يقره؛ لأنه من باب الانتصاف من الظالم، ومكافحة الظلم، فصاحب الحق له مقال يرضاه الله ولا يسخطه. قال تعالى: "وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوَلئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبيل" (¬1). ولو لم يبح للمظلوم الانتصاف من ظالمه - مهما كان مكانه الاجتماعي - لَبَغَى الناس بعضهم على بعض، ولضاعت القيم الخلقية، باستمرار الظالم في غيه وبغيه. فلذا أُبيح للمظلوم أَن يرد الظالم عن نفسه، حتى يكف الظالم عن العود إلى مثل ما فعل. وهذا الحق الذي أُعطي للمظلوم، يشمل أن يشكو ظالمه أمام القضاء، بأن يقول: أَخذ مالي، أو اعتدى على أرضي، أو سبني، أَو سب عرضي، أو نحو ذلك من الظلامات. كما يشمل الدعاءَ عليه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسم مع قريش؛ إذ دعا عليهم بأَن يجعلها الله عليهم سنين كَسنيِّ يوسف (¬2). وروى أبو داود عن عائشة أنها "سُرِق لها شيء، فجعلت تدعو عليه" أَي على السارق فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تسَبِّخي عنه" أَي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه. ¬

_ (¬1) الشورى، الآية: 41 (¬2) ورد في الصحيحين ومسند أحمد والترمذي.

ولا يخفى أَن الانتصاف من الظالم، تجب الدقة في تحرِّيه، بحيث يحقق العدالة، ويأْمن الفتنة .. ولهذا يحذر اللهُ بقوله: (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا): أي وثبت لله تعالى - قديما - أَنه بليغ السمع، بليغ العلم بكل شيءٍ على ما هو عليه. ففي ذلك تحذير وتخويف لمن يجهر بالسوءِ والفحش، ومن يتجاوز الحد في الانتصار من ظالمه فإِن من شأْن الإِله - السميع العلم - أن ينتقم ممن يتجاوز الآداب الإِسلامية، ويعتدي على سواه ابتداءً أَو جزاءً. 149 - {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)}: المراد بالخير: ما يعم كل ضروبه؛ من الصدقة، والكلمة الطيبة، والثناءِ الجميل، والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك من خصال الخير الكثيرة. والعفو عن المسيءِ داخل في باب هذا الخير الواسع، ومندرج تحت عمومه الشامل، وإنما أَفرده بالترغيب فيه بعد الترغيب في الخير بقوله: {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ}: تنبيها على علو منزلته ومكانته في الخير. ونظرا لأَن العفو عن المسيءِ هو المقصود الأساسي، ختمت الآية بقوله تعالى: (فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا): فَإِن إيراد العفو في جواب الشرط، يدل على أَنه هو العمدة في الكلام، وأنه هو المقصود الأول من هذا الخير المقدم في الجملة الشرطية. ولو كان إبداءُ الخير وإخفاؤُه - مطلقا - هو المقصود الأساسي، لما حسنَ الاكتفاءُ في الجواب بالعفو، بل كان يتضمن جزاء الخير أيضًا. والمعنى: إن تُظهِروا فعْلَ الخير بأنواعه المختلفة، أو تستروه وتجعلوه سرًّا بينكم وبين ربكم، أو تعفوا عن سوء صدر مِن سواكم نحوكم: من جهرٍ بكلام يؤذيكم، أو إسرارٍ به، أو ظلمٍ لحق بكم منهم، فقد تخلقتم بأَخلاق الله تعالى - فإن الله كان - ولم يزل - كثير

العفو عمن عصاه، عظيم القدرة على عقوبته. ولكنه يؤْثر العفو مع القدرة على العقاب. فاعفوا واصفحوا عمن أَساءَ إِليكم وأَنتم قادرون على الانتقام منه. ويصح أَن يكون المعنى: فإِن الله كان عفوا عمن عما عن أخيه، قديرا على إيصال الثواب إليه. وبهذا المعنى، جاءَ قوله تعالى: " ... فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ... " (¬1). ويكون العفو في أَعلى مراتب الفضيلة، إذا كان مع القدرة على رد السيئة بمثلها. ويزداد رفعة إِذا قُصِد به وجْه الله تعالى، ولم يقصد به مجرد حسم النزاع، أو الاستجابة إلى شفاعة أحدٍ من الناس، أو غير ذلك من الأَغراض التي لم يدخل فيها جانب الله. وفي الحديث الصحيح: "وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا يَعْفُو إِلَّا عِزًّا". وإنما يحسن العفو، إذا كان يؤدي إلى أثرٍ جميل، من حلول السلام محل الوئام، وارتداع المسيء عن إساءَته. أَما إِن أدّى إلى ضراوة المسيءِ، فإن ردّ إساءَته يصبح واجبا شرعيا. والشر بالشر، والبادي أَظلم ... وقد فهمنا - من مجموع الآيتين - أَن ردَّ الإساءَة مشروع، وأَن العفو أَولى من الانتقام، ما لم يؤَدِّ إلى استمرار المسيء في إساءته، فحينئذ، يكون الأَخذ بالحق أولى. وينبغي أن يكون ذلك بطريق القضاء، حتى لا يتفاقم الشر. وهناك من الجرائم ما لا يصح العفو فيه، ولا السكوت عليه، كالخيانة في أَموال الدولة وإذاعة أسرارها لعدوها. ونحو ذلك من الجرائم ذات الطابع الخطير. فمثل هذه الجرائم، يجب العقاب الشديد عليها، حتى يكون رادعًا لمن تسول له نفسه أن يفعل مثلها. ¬

_ (¬1) الشورى، من الآية: 40

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن ِيُفَرِ قُواْبَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)}. المفردات: {يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ}: أَي يؤَدي مذهبهم إلى الحكم بكفرهم بالله ورسله، على ما سيأتي بيانه. {وَيُرِيدُونَ ان يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ}: بأَن يؤْمنوا بالله ويكفروا ببعض الرسل، فيحصل بذلك التفريق بين الله ورسله في الإيمان. وهذا التفريق أدى بهم إِلى الكفر باللهِ؛ لعصيانهم أمره، وإلى الكفر برسله، لأنهم يصدق بعضهم بعضا. التفسير 150 - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنِ يُفَرِقُواْ بَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ ... } الآية. بعد أن بين الله - في الآيتين السابقتين - ما لا يحبه من القول، عقبه ببيان ما يمقته من الاعتقاد وما يرضاه منه، وجزاء كل منهما. فيما سنذكر تفسيره من الآيات الثلاث. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن ِيُفَرِقُواْ بَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}: المراد بهؤُلاء الكافرين: اليهود والنصارى.

فاليهود؛ كفروا باللهِ تعالى، فجعلوه جسما ينزل إلى الأرض، ويأْكل ويشرب، ويغالب غيره، فَيَغْلِبُ تارة ويُغْلَب أخرى، ويقود جيوشهم، فتنتصر تارة، وتهزم أُخرى. وكفروا بعيسى وبمحمد، وآمنوا بغيرهما. وبذلك فرقوا بين الله ورسولَيْهِ اللذَيْنِ لم يؤْمنوا بهما، وأَقصوهما عن شرف الرسالة. وبذلك آمنوا ببعض الرسل، وكفروا بالبعض الآخر، وخالفوا بذلك أمر الله، وكانوا به كافرين بجميع الرسل. والنصارى؛ كفروا باللهِ تعالى - فجعلوه جِسْمًا، وأبا، وثالث ثلاثة، وكفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بغيره. وبذلك فرقوا بين الله تعالى، وبين رسوله محمَّد. ونحَّوْهُ عن شرف الرسالة. فقد آمنوا ببعض الرسل، وكفروا بالبعض الآخر، وكانوا - بذلك - كافرين بالرسل جميعًا. فقد صاروا - بكفرهم ببعض الرسل - كافرين بالرسل جميعًا؛ لأَن دين كل واحد منهم هو دين الله، فالكفر به - مع أحدهم - هو بمثابة الكفر بما جاءَ به سائر الرسل، ولأَن كل رسول أوصى أُمته: أن يؤْمنوا بالرسل الذين يبعثهم الله بعده. فمن كفر بأَحدهم، فقد كذب الرسل الذين سبقوه، وجحد وصيّتهم. وبعض المفسرين لم يخص الآية باليهود والنصارى، بل جعلها شاملة لأَصناف ثلاثة: الصنف الأَول: من كفر باللهِ فأَنكر وجوده، وكفر برسله فأَنكر النبوات، لأَن من أَنكر وجود المرسل، أنكر وجود الرسل. وهذا هو المقصود بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ}: ويمكن أن يدخل - في هذا الصنف - المشركون بالله. والصِّنفُ الثاني: مَن آمن بالله وكفر برسله، وهو المعنى بقوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ}: أَي: والذين يريدون أن يفرقوا بينه وبينهم في الإيمان، فيوجبوا الإيمان به، وينفوا وجوب الإيمان بالرسل، لأنهم ينكرون النبوات.

والصنف الثالث: مَنْ يؤمن بالله، ويؤْمِن ببعض الرسل، ويكفر بالبعض الآخر، كاليهود والنصارى، وهو المقصود بقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}: أي: والذين يقولون نؤْمن ببعض الرسل، ونكفر ببعضهم، مع إيمانهم باللهِ (¬1). والرأْي الراجح هو الأَول. {وَيُرِيدُونَ أن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}: أي ويريدون - بما قالوه من الإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر - أن يتخذوا طريقًا وسطا بين الإيمان والكفر، مع أنه لا وسط بينهما، إذ الحق واحدٌ: لا يُنْتَقَصُ منه. وليس بعد الحق إلا الضلال. 151 - {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ... } الآية. أَي أولَئك الموصوفون بتلك الصفات الشائنة، هم الكافرون المبالغون في الكفر حقا. فلا عبرة بما يزعمونه من الإِيمان. {وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}: أي: وأعددنا لهؤُلاء الكافرين عذابا؛ يهينهم ويذلهم، جزاء التفريق بين اللهِ ورسله، والإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر. 152 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} الآية. المعنى: والذين صدّقوا بالله، وبما يجب له من صفات الكمال، وبما يتنزه عنه من صفات ¬

_ (¬1) والواو في قوله: "ويريدون" وقوله: "ويقولون" إما أنها بمعنى أو، وإما أنها بمعناها الأصلي. وفي الكلام موصول مقدر، أي والذين يريدون أن يفرقوا إلخ، والذين يقولون نؤمن ببعض إلخ، على رأي من يجيز حذف الموصول مع بقاه صلته.

النقص، وآمنوا بجميع رسله وما يتصفون به من صفات الكمال، ولم يفرقوا بينهم في الإيمان، بأَن يؤمنوا ببعضهم دون بعض، كما فعل اليهود والنصارى (¬1). {أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا}: أولئِكَ المؤمنون بالله ورسله دون تفريق بينهم في الإِيمان، سوف يعطيهم الله أُجورهم، التي وعدهم إِياها، لأَنهم هم المؤمنون حقا، دون من سبقهم، ممن يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. وكان الله: عظيم الغفران لما عسى أن يكونوا فعلوه من المعاصي، واسع الرحمة بالمؤمنين، فيضاعف حسناتهم، ويزيدهم على ما وعدوا. {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا في السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154)}. المفردات: {جَهْرَةً}: علانية. {الصَّاعِقَةُ}: النازلة المهلكة. ¬

_ (¬1) صح دخول (بين) على أحد، مع أنه لا يدخل إلا على متعدد؛ لأن المقصود من أحد هنا العموم. "وأحد" من الكلمات التي تصلح للمفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث. والمقام هو الذي يعين المعنى المراد منه. والمقام هنا للجمع، فكأنه قيل: ولم يفرقوا بينهم. راجع ما كتبناه على الآية رقم: 136 من سورة البقرة.

{سُلْطَانًا مُبِينًا}: تسلطا ظاهرا على قومه. {الطُّورَ}: الجبل المعروف. {بِمِيثَاقِهِمْ}: بعهدهم. {ادْخُلُوا الْبَابَ}: المراد به، باب المدينة التي أُمروا بدخولها. {سُجًدًا}: خاضعين. {لاَ تَعْدوا في السَّبْتِ}: لا تظلموا فيه أَنفسكم، بصيد الحيتان التي حُرِّم عليكم صيدها فيه. (مِيثَاقًا غَلِيظًا): عهدا وثيقا مؤكدا. التفسير 153 - {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاء ... } الآية. بعد أَن بينت الآياتُ السابقةُ عقائد أَهل الكتاب الزائفة؛ عقبته ببيان موقف اليهود من موسى وموقفهم مع الله تعالى، تسلية لرسوله محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. سبب النزول: قال محمَّد بن كعب القرظي، والسدّى، وقتادة: سأَل اليهود رسول - صلى الله عليه وسلم - وسلم أن يُنْزلَ عليهم كتابا من السماء، كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة. فنزلت الآية. وروى ابن جرير في تفسيره عن ابن جريج، قال: إِن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: "لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتيَنَا بكتاب من عند الله تعالى - إِلى فلان: أنك رسول الله، وإِلى فلان أَنك رسول الله ... " وما كان مقصدهم بذلك إِلا التحكيم والتعنت. المعنى: يطلب منك أهل الكتاب من يهود المدينة أن تنزل عليهم - يا محمَّد - كتابا من السماءَ يَروْنه عِيانًا، وقد نزل من السماء مكتوبا في قرطاس أَو أَلواح، كما نزلت التوراة

على موسى جملة واحدة؛ ليكون ذلك - في نظرهم - آية على نبوتك، غير مقتنعين بأَن ينزل الله عليك وحْيًا شفويا، ويقولون: لا نبايعك ولا نؤْمن بك حتى يُنَزّلَ عليك الكتاب كما سأَلنا. {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً}: أَي لا تبال بتعنتهم وعنادهم، فذلك طبع جامح يجري في دمهم. فقد سأَل آباؤُهم موسى سؤالا أكبر مما سأَلوك، فقالوا له: أرِنا الله جهرة وعلانية، حتى نعلم - منه - انه أَرسلك. فإِن لم تفعل فلن نؤْمن لك. وذلك ما حكاه الله عنهم في سورة البقر بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ... } (¬1) فالتعنت الذي تراه في أحفادهم المعاصرين لك يا محمَّد، أَمرٌ موروث عن آبائهم، وخُلُقٌ قديم انتقل من أصولهم إليهم، والشيءُ من معدنه لا يستغرب. ونسبة ما قاله آباء اليهود الأَولون إلى أَحفادهم المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - من باب نسبة الذنب. إلى النوع كله - كأَنه جِبلَّة وطييعة - كما ينسب ذنب بعض أفراد القبيلة إلى القبيلة كلها، وذلك على حد قول الشاعر: قوى همو قتلوا أميم أخي ... فإِذا رميت يصيبني سهمي {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}: من معاني الصاعقة: العذاب المهلك. والمعنى: أَن الله تعالى أهلكهم بما شاءَه من أسباب الإهلاك لتجاوزهم حد الأَدب والحق، حين طلبوا معاينة الله ليؤْمنوا برسوله موسى - عليه السلام. والظاهر أن الإهلاك كان لأَصحاب هذا السؤال الفاجر، لا لكل اليهود. {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}: أي ثم اتخذ بنو إسرائيل العجل معبودًا لهم، من بعد ما جاءَتهم الأدلة الواضحة الشاهدة بوحدانية الله، النافية لعبادة آلهة سواه. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، من الآية: 55.

فلقد أَراهم الله - على يد موسى - آيات عظيمة، لا يصح - معها - أن يهدروا عقولهم فيعبدوا عجلًا لا حول له ولا قوة!! أَفلم يشقّ لهم الله اثنى عشر طريقا في البحر: يتخللها الماءُ كالطود العظيم؟ أَفلم يفجَّر لهم اثنتي عشرة عينا، قد علم كل أُناس منهم مشربهم؟ أَفلم يَرَوا العَصَا تبتلع ما جاءَ به السحرة من السحر العظيم؟ أَفلم يشاهدوا الطوفان والجراد والقُمَّلَ والضفادع والدم؟ إلى غير هذه الآيات. وقد جاءَت هذه الآيات كلها، بدعوة موسى ربه، ولكنهم: عُمْيُ العيون فلا يبصرون، غلْف القلوب فلا يعقلون. فلا غرابة في أَن يطوفوا حول عجل جسد يعبدونه. { ... أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} (¬1). وليس المراد بالآيات التوراة فقد جاءَتهم بعد عبادتهم العجل، حيث كان موسى في ميقات ربه الذي آتاه التوراة بعده وكانوا هم في هذه الفترة - يعبدون العجل الذي صنعه لهم السامري ثم جاءَ موسى بالتوراة، فرآهم على تلك الحال فغضب، وألقى الألواح، وعاتب أَخاه هارون على ما حدث. وسيأتي بيان ذلك في سورتي: الأعراف، وطه. {فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا}: أَي فعفونا عن اتخاذهم العجل معبودا بعد ما تابوا، وآتينا موسى تَسَلُّطًا بَيّنا واضحًا على قومه، فَقوىَ فيهم أَمره، وضعفت معارضتهم له، وظهر انكسار نفوسهم، فقبلوا أَمره أَن يقتلوا أَنفسهم - بالندم والحزن - على ما صنعوا توبة منهم. وفيما تقدم، بشارة للنبي صلى الله عليه وسم - بأَن الله تعالى سيعاقب معانديه من اليهود على تعنتهم كما عاقب أسلافهم، وأن أَمره فيهم، سيكون ذا سلطان بيّن، وقهر ظاهر. ¬

_ (¬1) الأعراف، من الآية: 148.

وهذا ما حدث له فيهم بعد ذلك: عن القتل والإِجلاءِ، جزاءَ ما صنعوا معه صلى الله عليه وسلم، من نكث العهود والخيانة في أَوقات الشدة. 154 - {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ... } الآية. لمَّا جاءَهم موسى بأَلواح التوراة، استثقلوا العمل بما جاءَ فيها من التكاليف، فلم يأُخذوها بعزم وقوة. بل بتثاقل وتراخ وامتناع؛ لأَن قلوبهم لا تزال مشدودة إلى عبادة العجل. فلذا، رفع الله فوقهم الجبل، تهديدا لهم، ليقبلوا العمل بالتوراة، ويأُخذوها بقوة وعزم، ويعطوا الميثاق والعهد على ذلك. وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (¬1). وهكذا كان شأُن اليهود: عصيانٌ لما يؤْمرون به، وعقابٌ أَو تهديد بعقاب من الله، حتى يستقيموا على العبادة. والمعنى: ورفعنا فوقهم الطور بسبب ميثاقهم ليعطوه، ويتعهدوا بالعمل بالتوراة. {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}: المراد بالباب؛ باب القرية التي أمروا بدخولها، بعد أَن يخرجوا من التيه. والقائل هو الله سبحانه وتعالى على لسان نبي من أَنبياءِ بني إسرائيل وهذا النبي هو موسى عليه السلام. ويشهد له ما سبقه من الحديث عن إيتاءِ موسى سلطانا مبينا، ومن رَفْع الطور فوقهم، فإن ذلك كان في عهد موسى. والمراد باالسجود، الخضوع أَو الركوع. وقيل: إِن القائل عن الله تعالى، هو النبي يوشع. فإِن الظاهر أَن قوله: {ادْخُلُوا الْبَابَ}: أَمرٌ بدخول القرية بعد فتحها. وموسى عليه السلام لم يدخل تلك القرية؛ لأَنها فتحت بعد التيه بقيادة يوشع. وموسى عليه السلام توفي أَثناء التيه. واختلف في هذا الباب الذي أُمروا أَن يدخلوه سجدا. فقيل: هو باب بيت المقدس. ¬

_ (¬1) سورة الأعراف، الآية: 171.

روى ابن المنذر وغيره، عن قتادة: "كنا نتحدث أَنه باب من أَبواب بيت القدس"، وقيل: باب إيلياء. وقيل: باب أريحاء. وقد أمروا أن يسألوه تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم، فيقولوا: "حِطَّةٌ". كما جاءَ في قوله تعالى { .... وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ... } (¬1). ولكنهم لما دخلوا منتصرين، تنكروا لما أمرهم الله به من الخضوع والخشوع لله سبحانه. بل سخروا بالخشوع والاستغفار واستبدلوا بهما عملا ماجنا، وقولا هازئا. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه رسلم قال: "قِيلَ لِبَني إسْرَائِيلَ ادْخُلوا الْبَابَ سجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِم فَبَدَّلُوا، وَقَالُوا: حِنْطَة؛ حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ" (¬2). وفي ذلك يقول الله تعالى: "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأنزَلْنَا عَلَى اَلذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا منَ السَّماَءِ بِهَ كَانُوا يَفْسُقُونَ" (¬3). {وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا في السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}: نهاهم الله عن العدوان في يوم السبت: بفعل ما حرم عليهم فيه من صيد الحيتان وغيره، وأخَذَ عليهم بذلك ميثاقا غليظا - أَي عهدا مؤَكَّدا -. ويجوز أن يكون المراد بالميثاق الغلِيظ هنا؛ هو ما أخذه الله منهم بعد رفع الجبل فوقهم كأَنه ظلة، تهديدا لهم. فقد أَعطوْا موسى عليه السلام عهدا بالعمل بالتوراة، تحت تأثير هذا التهديد. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، من الآية: 58 (¬2) أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة. (¬3) سورة البقرة، الآية: 59

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)}. المفردات: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ}: أي فبسبب نقضهم ومخالفتهم للعهد الوثيق المؤكد. و (مَا) في قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم}: لتوكيد هذا النقض، فإنها كثيرا ما توصل بالكلام لهذا الغرض كقوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ اللَهِ لِنتَ لَهُمْ": أي فبرحمة مؤَكدة من الله كنت لينا معهم. {قُلُوبُنا غُلْفٌ}: أي مغلفة ومغطاة بأَغشية تمنعها من قبول ما جاءَ به الرسول. وغلف: جمع أغلف. وهو: مما له غلاف. {طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}: أي تخلى عن هدايتها بسبب إصرارهم على الكفر. {بُهْتَانًا عَظِيمًا}: كذبا فظيعا؛ يبهت من يقال فيه، ويدهشه، ويحيره. التفسير 155 - {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ... } الآية. ختم الله الآية السابقة بقوله.: {وَأخَذْنَا مِنْهُم ميثَاقًا غَلِيظًا} وجاءَت هذه الآية بعدها

تطوى تحت إِيجازها: أنهم نقضوا هذا الميثاق، وأنهم عوقبوا بسبب هذا النقض (¬1). والإِيجاز مقصد من مقاصد البلاغة. والمعنى: فَنَقَضَ بنو إِسرائيل الميثاق الغليظ الذي أخذناه عليهم، فبسبب هذا النقض، لعَنَّاهم وعاقبناهم، كما لعناهم وعاقبناهم بسبب كفرهم بآيات الله الكونية العجيبة، التي أَجراها لله على يد موسى، إذ عبدوا العجل بعدها، وقالوا: {أَرِنَا الله جَهرَةً}. وكذلك آيات التوراة، فقد أَخفوا ما جاءَ فيها من بشارات عن النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم، أَو أَساءُوا تَأَويلها؛ ليبرروا كفرهم به. وكما لعنَّاهم بذلك، لعناهم بقتلهم أَنبياءهم بغْيًا وحسدًا، دون شائبة من الحق، كما فعلوا بيحيى وزكريا وشعيب وغيرهم - عليهم السلام - ولعناهم وعاقبناهم بقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. والمقصود من قولهم: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أَنها محجوبة ومغلفة بغلاف من الصدود والرفض لدعوتك يا محمَّد، فلن تصل إليها براهينك، فلا تُتعبِ نفسك معنا. ويجوز أن يكون المراد: أَن قلوبهم أَوعية للعلم وأَغلفة له، فليسوا بحاجة إلى علم جديد، وهذا الأخير مبني على أن غُلْف - بسكون اللام - مخفف غُلُف - بضمها - جمع غلاف. وكلا المعنيين قبيح بهم، فالصد عن الحق، والإِعراض عنه، لا يجوز ممن يدَّعون العلم، ويتعالون به على الناس، فهم أَولى بالأَخذ به من الجهلاءِ. {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}: هذا رد من الله لا أَرادوه من قولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أَي ليست قلوبهم مليئة بالعلم كما زعموا. وليس فيما جاءَ به محمَّد ما يصرفهم عن قبوله. فهو الحق الذي ينفذ إِلى ¬

_ (¬1) وعقوبتهم وإن لم تشر إليها الآية فهي مفهومة استلزاما من حكايته ذنوبهم الفظيعة. وللتصريح بها في آية المائدة المماثلة لها: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لعناهم .. } وعلي هذا تكون الباء في قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} متعلق بفعل مقدر أي فلعناهم بسبب نقضهم ميثاقهم ... إلخ. وأجاز بعضهم تعلقه بفعل تقديره (لا يؤمنون) أخذا من قوله في آخر الآية: (فلا يؤمنون إلا قليلًا). وقيل هو وما عطف عليه؛ من قتلهم الأنبياء، وقولهم: "قلوبنا غلف"، وقوله: "وبكفرهم"، وقوله: "وقولهم على مريم"، وقولهم: "إنا قتلنا المسيح" وقوله: "فبظلم" - كل ذلك - متعلق بقوله: "حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم".

شغاف القلوب، ولكن الأَمر أَن الله طبع على قلوبهم وحجبها عنه؛ بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي. (فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلاً): أي فلا يؤْمنون إلا إيمانا قليلًا، ليس له وزن عند الله، لفقدانه العناصر الضرُورية لصحته. فهو والعدم سواء. 156 - {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا}: هاتان سيئتان من سيئاتهم المنكرة، معطوفتان على ما تقدم منها، من سيئات، مثل نقض الميثاق والكفر بآيات الله .. إلخ. داخلة جميعها في حيز السببية لِلَعْن الله لهم، وعقابه إِياهم، كباقي سيئاتهم التي ستأْتي بعد. والمعنى: فبسبب نقضهم ميثاقهم وما تلاه من قبائحهم، وبكفرهم بعيسى عليه السلام، ورميهم أُمه مريم الطاهرة بالزنى، لعنَّاهم وطردناهم عن رحمتنا، فإِنها - عليها السلام - وإن حملت وهي غير متزوجة، فقد برَّأَها الله من السِّفَاح، على لسان وليدها الذي أنطقه الله عقب الوضع، فَبرَّأَ والدته، وأخبرهم أَنه عبد الله، وأَنه آتاه الكتاب وجعله نبيا .. إلخ. {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)}. المفردات: {شُبِّهَ لَهُمْ}: أَي أَلقى شبهه على غيره لينجو من القتل فاشتبه عليهم. {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ}: أي لفي حيرة وتردد، وليس إلى الجزم - بأَنه عيسى - من سبيل.

التفسير 157 - (قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ ... ) الآية. أي ولُعِنوا بقولهم - على سبيل الفخر - إِنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم، فنسبوه إلى أُمه تهكما به، وغمزًا له ولأُمه - بما هو معروف من رأْيهم فيهما إلى يومنا هذا - مع أَن عيسى برَّأها أَمامهم في مهده، وقال لهم: " ... إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نبيا" (¬1) وكفى بذلك آية على طهرها ... فإن الطفل لا يتكلم - في مهده - إلا بباعث من الله، وإِذن منه. وكلمة (رَسُولَ اللهِ): إن كانت من قول اليهود، فهي من باب التهكم بدعواه أَنه رسول الله، كما قال المشركون في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: " ... يَأ أيهَا الَّذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الِذّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ" (¬2). فكأنهم يقولون: إِنا قتلنا المسيح الذي يزعم أنه رسول الله. ولو كان كذلك، لما استطعنا قتله. وأَما إِن كانت من قول الله تعالى وليست من قولهم، فهي استئناف من الله تعالى أريد به مدح عيسى عليه السلام، ورفعُ منزلته، وإظهارُ غاية جراءَتهم عليه، ووقاحتهم في شأنه، إِذ تصَدَّوْا لقتله وهو رسول الله. ولقد كذبهم الله في دعواهم قتله وصلبه، فقال: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ): وذلك أنهم تآمروا على قتله، مع الحاكم الروماني الذي كان يحكم بيت المقدس، بعد أن أفهموه أن دعوته خطر على الحكم الروماني وعلى الشعب، فإنه سيجمع الأمة على رفع سلطتهم عن الأرض المقدسة وإِجلائهم عنها. فظاهَرَهُم على قتله، واتخذوا من أَحد حوارييه جاسوسا عليه، يرصد حركاته وتنقلاته ويخبرهم بها، وكان اسمه يهوذا الإسخريوطي. وقد جعلوا له - في مقابل ذلك - ثلاثين درهما. ¬

_ (¬1) سورة مريم، من الآية: 30 (¬2) سورة الحجر، من الآية: 6

وفي يوم عيد لهم، كان السيد المسيح ضيفا مع حوارييه عند بعض اتباعه، وكان يهوذا معهم، فأخبرهم - السيد المسيح - أَن أَحدهم سيسلمه إلى الأعداء. فقال يهوذا: هُوَ ذَا أنا يا معلم؟ قال: أنت قلت .. وفي اليوم التالي جاءت قوة من الرومان يتقدمهم يهوذا، ودخلوا عليه حيث يوجد في دار مضيفه، فألقى الله شبهه على يهوذا، ورفع عيسى إِليه، فقبضوا على يهوذا ليصلبوه ويقتلوه، فقال لهم: أنا يهوذا. فقالوا: بل أنت عيسى، فإن كنت يهوذا كما تدعى فأين عيسى؟ فقال لهم هذا الشبيه: إِن كنت أنا عيسى - كما قلتم - فأين يهوذا؟ فلم يأبهوا لجداله، وأَخذوه وصلبوه. هذه هي إحدى الروايات التي ذكرت في الرجل الذي ألقى الله شبه عيسى عليه فقتلوه مكانه (1) ... وهناك روايات أخرى لا نرى داعيا لذكرها. ونقول: إن القرآن الكريم، أمسك عن ذكر اسم مَن أَلقى الله عليه شبهَ عيسى فقتل مكانه، واكتفى بنفي قتلهم وصلبهم لعيسى وأَنه شُبِّهَ لهم. وهذا هو القدر الذي يتحتم القطع به. أما مَا سواه، فيحتمل الصدق والكذب. والله تعالى أَعلم. (وَإنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ): لما قتل الرومان واليهود هذا الشبيه الذي جعله اللهُ فداءً لعيسى، اختَلَفَ الناسُ في شأنه. فمن قائل: إنه هو المسيح وكان كاذبا فقتلناه. وقال آخرون: إِن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأَين عيسى؟ وقال غيرهم: لا نظن أَنهم قتلوه، فالوجه وجه عيسى والجسد لغيره. وبالجملة: فإن أمارات القطع - بأَنه هو أَو غيره - لم تكن متوفرة لديهم. فلذلك شَكُّوا، واختلفت أَقوالهم في شأنه. (1) إنجيل برنابا، ملخصا.

ومن عجيب أن تنص أَناجيل المسيحيين، على أَن المسيح أخبر حوارييه أنهم جميعًا سيشكون فيه ليلة الصلب (¬1) فكيف ساغ لهم القطع بقتله وصلبه، حتى أَلزموا أنفسهم تأْويلات سخيفةً، ناشئة عن اعتقادهم أُلوهيته وصلبه، إِذْ زعموا أَنه صُلِب ليفتديَ أهلَ الخطايا جميعًا!!. وهذا زعم لا يقبله عاقل. فإنه إِن كان إلها، أَو ابن الله كما زعموا: يستطيع أَن يغفر لمن شاءَ، وَألَّا يُحَكِّم في جسده أَسلحة أَعدائه، كما أَنه - باستسلامه لهم - تسبب في زيادة خطاياهم بقتله، وهذا عكس المقصود!! (مَا لَهُم بِهِ مِنْ علم الَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ): بعد أَن أثبت الله شك المختلفين في أمره، وأنهم لا ينزعون - فيما قالوه في شأنه - عن يقين، بل عن حيرة وتردد في أمره، أَكد ذلك بقوله: (مَا لَهم بهِ مِنْ عِلْم) أي ليس لهم بما قالوه في قتل عيسى علمٌ ناشيءٌ عن أدلة يقينية: (إلاَّ اتِّبَاعَ الظّنَّ) أي لكنهم يتبعون - فيما قالوه - الظن والتخمين. (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا): هذا تأكيد ثانٍ. أي وما قَتَلَ اليهودُ والرومانُ عيسى قتلا يقينا. 158 - (بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ): أَي: بل رفعه الله إِلى موضع؛ تولى الله فيه حفظه وحمايته، حتى لا يجريَ فيه حكم أعدائه. (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا): أَي وكان الله - ولم يزل - غالبا لا يعجزه شيء، حكيما فيما يصنع؛ فلذلك نَجّى عيسى مِن أَعدائه، ولم يمكِّن من جسده الشريف خصومَ الحق. ¬

_ (¬1) جاء في إنجيل متى - إصحاح 26 فقرة 31. وإنجيل مرقص - إصحاح 14 فقرة 27 - أن السيد المسيح قال لحوارييه: (كلكم يشكون فيَّ هذه الليلة) يقصد الليلة التي قتل فيها، وهذا مصدق لما جاء في القرآن من شكهم فيه.

(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) التفسير 159 - (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ... ) الآية. أَي وما من أَحد من أَهل الكتاب، إِلا ليؤْمنن بعيسى قبل موته، والضمير في (مَوْتِهِ) راجع إِلى عيسى عليه السلام - كما جنح إِليه بعض المفسرين. ومعنى ذلك: أَن عيسى حين ينزل - آخر الزمان - يجتمع الناس على الإِيمان بأَنه رسول الله، فلا يعود اليهود إلى تكذيبه، ولا النصارى إِلى ادعاءِ أُلوهيته، أَو بنوته لله تعالى. وبذلك يؤمنون به جميعًا قبل أَن يموت. وتصبح الأَديان كلها دينًا واحدا، هو دين الإِسلام، الذي جاءَ به محمد - صلى الله عليه وسلم - .. ليكون خاتمَة الأَديان باقيا إِلى آخر الزمان. وحجة مَن قال برجوع الضمير في كلمة: (قَبْلَ مَوْتِهِ) إِلى عيسى: إِن هذا هو ظاهر النص القرآني. وظاهر ما جاءَ في السنة الصحيحة. فقد أَخرج البخاري في كتاب: الأَنبياء، عن أَبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنّ أَن يَنزِلَ فيكُم ابْنُ مَرْيمَ حكَمًا عَدْلًا، فَيكْسرَ الصِّليبَ، ويقْتُلَ الخِنزِيرَ، ويضعَ الجِزْيَةَ (¬1)، ويفيضَ المالُ حتى لا يقبَلهُ أَحَدٌ، حتى ¬

_ (¬1) أي لا يقبلها من أحد عن أهل الأديان؛ لأنه لا يقبل غير الإِسلام دينا.

تكونَ السَّجدةُ الواحِدَةُ خَيْرا مِنَ الدُّنيَا وما فِيهَا ... " ثم يقول أَبو هريرة واقرءُوا إِن شئتم: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا). هكذا رواه مسلم، عن أَبى هريرة، وزاد: أَنه (يَقْتُلُ الدَّجَّالَ). والدليل على أَنه يحكم بشريعة الإِسلام، ما رواه البخارى، عن نافع - مولى أَبي قتادة الأَنصارى - أَن أَبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ أَنتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكمُ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ، وإِمامُكم مِنْكُم ... " إِلخ! وفي رواية لأَحمد مع زيادات. ورأَى بعض المفسرين: أَن ضمير (قَبْلَ مَوْتِهِ) يعود على (أَحَد) مقدر، أَي وما أَحد من أَهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى، قبل موت هذا الأَحد. وحاصل المعنى على هذا: أَن كل يهودي ونصراني - وهو يحتضر - يؤمن بعيسى قبل أَن تزهق روحُهُ، فيعتقد أَنه - أَي عيسى - عبدُ الله ورسوله، لأَن حقائق الحق تنكشف للمحتضر؛ ولكن هذا الإِيمان لا ينفعه، لأَنه حدث في وقت انقطع فيه عنه التكليف، لأَن وقت الغرغرة من عالم الآخرة. ويؤيد هذا الرأْي قراءة أُبَيّ: (لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) بضم النون، وصيغة الجمع. وقد جنح إِلى هذا الرأْي، ابن عباس، كما نقله عنه ابن المنذر وغيره. والإِخبار بحالتهم هذه وعيدٌ لهم، وتحريض على المسارعة إِلى الإِيمان بعيسى عليه السلام - قبل أَن يُضطَرُّوا إِليه - عند الموت - مع عدم فائدته. (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا): أَي ويوم القيامة يكون عيسى على أَهل الكتاب شهيدا، فيشهد على اليهود؛ بتكذيبهم إِياه، وعلى النصارى بقولهم فيه: إِنه ابن الله.

(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161). المفردات: (الَّذِينَ هَادُوا): هم اليهود. هادوا: أَي تابوا من عبادة العجل. (أَعْتَدْنَا): أَعددنا لهم قبل قدومهم. التفسير 160 - (فَبِظُلْم مِّنَ الّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ... ) الآية الحديث لا يزال موصولا في شأْن أَهل الكتاب. والمعنى: فبسبب ظلم عظيم من الذين هادوا -أَي تابوا من عبادة العجل- حرمنا ما كان حلالًا لهم من الطيبات، ولم نحرمه ابتداءً بغير ذنب منهم، كما يزعمون، وذلك أَن الطيبات كانت حلالًا لهم، منذ بدءِ تكليفهم بشريعة موسى، كما كانت حلالًا لهم قبل أَن تنزل التوراة، منذ عهد إِسحق الذي اشتهر بإِسرائيل. ولكن هؤلاءِ اليهود كانوا كثيري الآثام وكبائر الذنوب فلذا عاقبهم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة من كبائرهم، حرَّم الله عليهم نوعا من الطيبات التي كانت حلالًا لهم ولمن سبقهم. جزاء على ما ارتكبوا. ولما أَنزل الله هذه الآية الكريمة التي تدمغهم بالجريمة والعقاب، تبجحوا وافتروا على الله تعالى فقالوا: لسنا بأَوَّل مَن حُرِّمت عليه تلك الأَطعمة. وإنما كانت محرمةً على

نوح، وإِبراهيم عليهما السلام - وعلى من بعدهما، حتى انتهى الأمر إِلينا. وادعوا أَن ذلك ثابت في التوراة. فأنزل الله -في سورة آل عمران- تبكيتا لهم وتحدّيا، قوله تعالى: "كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (¬1) وقد مضى الكلام عن ذلك في تلك السورة. والمراد بالطيبات: ما طاب ولذَّ لآكله. وسيأْتي الحديث عما حرم عليهم بظلمهم عند الكلام على قوله تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ... " 146 من سورة الأنعام. (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا): أَي وحرمنا عليهم الطيبات - أَيضا. بسبب صدهم ومنعهم الناس منعا كثيرا عن طاعة الله، التي هي السبيل الموصلة إِلى مرضاته. 161 - (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ... ) الآية. أَي وحرمنا عليهم الطيبات - أَيضا - بسبب أَخذهم الربا في أَموالهم التي يقرضونها غيرهم، وفي أَخذهم أَموال الناس بغير حق. وكل ذلك كان محرما عليهم في التوراة الأَصيلة التي أَنزل الله على موسى، ولكنهم ابتدعوا حِلَّ ذلك بالنسبة لغير اليهود، فقد أَباح لهم تلمودهم (¬2) أَموال غيرهم يأْخذونها بأَي طريق، كما أَباح لهم سفر الخروج (¬3) أَن يأخذوا أَموال المصريين وأَمتعتهم وحليّهم وهم خارجون من مصر، وكل ذلك مدخول على ما شرعه الله في التوراة، وباطل لا يشرعه الله. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، الآية: 93 (¬2) التلمود: هو تشريع يهودي لم ينزل على نبي. وهو في حجم التوراة أو أكبر منها عندهم. ويعج بالعصبية اليهودية العمياء. (¬3) سفر الخروج: إصحاح (3) فقرة (22).

وقد ابتدع هذا الشعب النَّهِمُ الذي لا يشبع، ما لا يعرفه الناس من الوسائل الظالمة، لابتزاز أموال الناس بالباطل، حتى أثْرَوْا إثراءً فاحشا، وتحكموا في كل مصادر ثروات الناس، وأَجهزتهم الإِعلامية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. وأَصبح واجبا على المجتمع الدولي أن يأخذ على أَيديهم قبل أَن تحل الكارثة التي يبيِّتونها للبشرية. (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا): أي وأعدَدْنَا - في الآخرة - للكافرين منهم خاصة، عذابا شديد الإِيلام. وقد استفيد مما تقدم: أن العقوبات الدنيوية، يقع أَثرها على الكافر والمؤمن والعاصي والطائع. وهي للعصاة عقاب، وللمطيعين ابتلاءٌ. وفي ذلك يقول الله تعالى: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّة ... " (¬1). أَما العقوبات في الآخرة، فإِنها تختص بالعصاة والكفار. ولذا قال تعالى في عقوبة الآخرة: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اليمًا): فخص الكافرين بالعذاب، وقال في عقوبة الدنيا: (فبظُلْم مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أحِلَّتْ لَهُمْ). فعمَّ جميع اليهود بتحريم الواد من الطيبات. {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)}. ¬

_ (¬1) الأنفال، من الآية: 25

سبب النزول

المفردات: (الراسِخُونَ في العِلْمِ): الثابتون فيه. التفسير 162 - (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ (¬1) في الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ... ): بعد أَن حكى الله مخازيَ اليهود في عقائدهم وأَعمالهم، وذكرَ ما أَعد لهم من العذاب العظيم، استثنى طائفة منهم عرفوا الحق فآمنوا به، وأَثنى عليهم بما هم أهله، ووعدهم بالثواب العظيم. وهم طائفة الراسخين في العلم. سبب النزول: أَخرج البيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أَن هذه الآية نزلت فيمن آمَنَ مِنْ أَحبار أَهل الكتاب، إِيمانا صادقًا: كعبد الله بن سلام، وأَسد بن عبيد، وثعلبة بن سَعْيَةَ وأُسَيْد بن سَعْية وغيرهم. وهذا هو المشهور عن كثير من المفسرين، كما ذكره محمَّد بن إسحاق. المعنى: لقد كفر عامة اليهود بما أُنزل إليك لجهلهم وعنادهم، لكِنِ الثابتون في العلم منهم، والصادقون في الإيمان بكتابهم، كعبد الله بن سلام - وغيره من علمائِهم، يؤْمنونِ بما أُنزِل إليك من القرآن، وبما أُنزِل مِن قبلك من الكتب التي جاءَ بها الأنبياءُ والمرسلون وليسوا متعصبين لدينهم بالباطل، كسائر بني قومهم. (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ (¬2) وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ): ¬

_ (¬1) (لكن) حرف استدراك مهمل، و (الراسخون) مبتدأ، خبره جملة: (أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) وما بينهما صفات للراسخين في العلم من جهة المعنى، ولكنها عطفت عليها تنزيلا للاختلاف في العنوان منزلة الاختلاف في الذات. (¬2) (والمقيمين الصلاة): المقيمين وصف في المعنى لكلمة (الراسخون): وظاهر السياق أن يقال فيه: (والمقيمون) كسائر الصفات التي قبله وبعده، حيث جاءت كلها مرفوعة بالواو؛ لعطفها على موصوفها المرفوع وهو (الراسخون) ولكنه عدل عن رفعه بالعطف إلى قطعه ونصبه لإرادة المدح، كما قاله علماء النحو البصريون، وعلى رأسهم سيبويه. =

هذه بقية أَوصاف المؤْمنين من علماء أَهل الكتاب. وُصِفُوا - أَولاً - بكونهم راسخين في علم الكتاب، ثابتين فيه: لا يعترضهم شك، ولا تُزَلْزِلُهُم شبهة، ولا يصرفهم عن الحق جهل أَو عناد. ووصفوا - ثانيا - بأَنهم يؤْمنون بما أُنزل إليك من القرآن، وما أُنزِل إِلى المرسلين قبلك من سائر الكتب، فإن رسوخهم في العلم، يدعوهم إلى ذلك، وإلى ما يليه من الصفات المحمودة بخلاف بني قومهم الذين كانوا كريشة في جو الضلال: تقلِّبهم الشكوك والأَوهام كيف مَرت بهم. ثم وصفوا؛ بأَنهم يقيمون الصلاة، ويؤَدونها حق أَدائها في أَوقاتها، بسبب عمق إيمانهم. ثم وصفوا؛ بأَنهم يعطون الزكاة لمستحقيها؛ لرقة قلوبهم، وصفاءِ نفوسهم. ثم وصفوا بأَنهم يؤْمنون بالله الذي هو مبديء الكائنات ومعيدها، ويؤْمنون باليوم الآخر. الذي يُبعثون فيه، ويعادون للحساب والجزاءِ. وبهذا، حققوا الإِيمان بطرفيه، الإِيمان بالمبدإِ، والإِيمان بالميعاد. وفي وصفهم بالإِيمان بالله واليوم الآخر، تعريض بأَن مَن عداهم من أهل الكتاب، ليسوا مؤمنين بهما حقيقة، لأَنهم مزجوا الإِيمان بالله بالتجسيد، وادّعَوْا أَن النار لن تمسَّهم إِلا أَياما معدودة. وبعض فرقهم ينكرون البعث بعد الموت، وهم فرقة الصدوقيين. {أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا}: أَي: أُولئك العلماء الراسخون في العلم من أَهل الكتاب، الذين حفزهم رسوخهم في العلم على الإيمان بما أُنزل إِليك، وما أُنزل إِلى سائر المرسلين، وحفزهم أَيضا على إِقامة ¬

_ = وهذا الأسلوب ليس بغريب علي القرآن الكريم، فقد قال تعالى: (والموفون بعهدم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا) الآية (177) من سورة البقرة. فإيثار نصب (المقيمين) لإبراز اجتهادهم في إقامة الصلاة، واعتنائهم بها؛ ليتنبه القاريء والسامع إلى فضلهم وفضل إقامة الصلاة. ولهذا يصح الوقف قبلها وبعدها.

الصلاة، وإِيتاءِ الزكاة، والإِيمان بالله، واليوم الآخر - هؤلاءِ العلماءُ - سنؤتيهم في الآخرة أَجرا عظيما، بخلاف من عداهم ممن أَصروا على الكفر، واستحقوا أَن يُعِدَّ الله لهم عذابا عظيما. {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا (166)}. المفردات: (الأَسْبَاطِ): جمع سبط وهو الحفيد. والمراد بهم: حفدة يعقوب - عليه السلام - أَو أَبناؤه الاثنا عشر وذراريهم. فإِنهم حفدة إبراهيم وإسحق. وقيل: الأَسباط - في ولد إِسحاق: كالقبائل في العرب: ولد إِسماعيل. وقد بعث منهم عدة رسل. فالمراد أَوحينا إِلى الأَنبياءِ منهم، إِذ ليسوا جميعًا أَنبياءَ. (زَبُورًا): أَي مكتوبا. وهو الكتاب المنزل على داود عليه السلام. ويسمى: المزامير، في العهد القديم. (حُجَّةٌ): معذرة يعتذر بها.

التفسير 163 - {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... ) الآية. أَجاب الله - سبحانه - عن جهالة من جهالات اليهود، حين طلبوا من محمَّد صلى الله عليه وسلم أَن ينزِّل عليهم كتابا من السماءِ، جملة واحدة، كما أُنزِل على موسى بقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ}: أَي إِنا أَنزلنا إِليك - يا محمَّد - من المعجزات، ما يكفي لإِثبات نبوتك وصدق رسالتك والإِيمان بك، إِنزالًا مشابها لإنزالنا على السابقين من رسلنا في التحقق والثبوت، وفي أَن كل رسول جاءَ بالمعجزة المناسبة لزمانه وقومه. فلم تتحد معجزات السابقين من المرسلين في نوعها، ولا في كيفية إِنزالها. فمن المبالغة في التعنت والإِبعاد في الضلال، أَن يطلبَ غلاةُ اليهود منك ما طلبوا - مع إِقرارهم بنبوة هؤلاء الأَنبياءِ المذكورين وغيرهم - مع اختلاف معجزة كل منهم: في نوعها، وكيفية إِنزالها. ولم يكن ذلك قادحا في نبوتهم، ولا مانعا لليهود من الاعتراف بهم، فكذلك لا يقدح في نبوتك إِنزال القرآن عليك منجما. ولكن لا غرابة أَن يسأَلوا محمدا ذلك، فقد سأل أَسلافهم موسى أَكثر من ذلك، وهو أَن يُرِيَهُم الله جهرة. وبديء بذكر نوح - عليه السلام - لأَنه الأَب الثاني لبني البشر - إِذ قام عمرانُ الأَرض بعد الطوفان على ذريته، وما حمله معه في السفينة، وَلِيُذَكِّرَ محمدا - صلى الله عليه وسلم - بقوة احتماله، وعظم صبره. فقد صبر على أَذى قومه أَلف سنة إِلا خمسين عاما. فهو خير أُسوة له صلى الله عليه وسلم - في الصبر على الأذى، ولينذر بالهلاك الذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - كما أَهلك قومَ نوح من قبل، بسبب رفضهم دعوته، فقد أهلك الله - بدعائه - كل من كان على ظهر الأَرض من الكافرين. ثم جاءَ ذكر النبيين من بعد نوح جملة، ليعم كل نبيٍّ أُوحِيَ إِليه. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}:

خصَّ هؤلاء النبيين بالذكر بعد التعميم؛ لشهرتهم، وللتنويه بفضلهم، وعلوَّ قدرهم، وزيادة في تقريع اليهود؛ إِذ كانوا من أَتباع هؤلاءِ الأَنبياء. وأَول في ذكر بخصوصه إِبراهيم عليه السلام - فقد كان لقبه: (أَبو الأَنبياء). قال الزبير بن بكار: "كل في ذكر في القرآن فهو من ولد إِبراهيم، غير إدريس ونوح وهود ولوط وصالح". والثاني: إسماعيل بن إبراهيم. والثالث: إسحاق بن إِبراهيم. والرابع: يعقوب ابن إِسحاق. كما خص جماعة سماهم القرآن الكريم - الأَسباط: وهم أَولاد يعقوب، على ما هو المشهور عند العلماء. ثم إِن العلماءَ لم يجمعوا على نبوة أَحد من هؤلاء الأَسباط إلا على نبوة يوسف عليه السلام - ورسالته. وذكر سادسًا: عيسى بن مريم، وسابعا: أَيوب. وثامنا: يونس. وتاسعا: هارون. وعاشرا: سليمان. وحادي عشر: داود. وسمى كتابه: زبورا. وأُسند الإِتيان إِلى ضمير ذاته العلية، وخص في: {وَآتَيْنَا}: إِشعارًا بعظمته وعظمة ما فيه، لأَن كل ما فيه تسبيح وتقديس، وحكم ومواعظ. وكما تفيد الآية: الردَّ صراحة على منكري نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم، ترد أَيضا - على الذين يطعنونها بشبهات وأَباطيل. وقد كان ذلك كثيرا زمن حياته صلى الله عليه وسلم - وما زال كذلك كثيرًا إِلى اليوم، حتى جرف ذلك التيار بعض ضعاف العقيدة، ممن ينتسبون إلى الإِسلام بالاسم فقط.

164 - {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ... } الآية. أَي: وأَرسلنا رسلا قد سميناهم لك في القرآن، وعرفناك أَخبارهم، ومَن بعثوا إليهم من الأُمم، وذكرنا لك ما وقع بينهم وبين أَقوامهم، من قبل نزول هذه الآيات مثل: صالح، وهود، ولوط وغيرهم من المرسلين. {وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ}: أَي وأَرسلنا كذلك رسلاً كثيرين لم نذكر لك قصصهم في القرآن، وَلَم نوحِ إليك بهم في غير القرآن، ولم يقدح في نبوتهم عدم إِنزالِ كتاب من السماء جملة واحدة، أَو كتاب موجه إِلى زعماءِ أَقوامهم يشهد بصدقهم فيما بلغوه إِلى أُممهم، كما طلب المتعنتون ذلك منا يا محمَّد. {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}: أَي وكلم الله موسى - بدون وساطة الروح الأَمين جبريل - تكريما له عليه السلام -. والتكلم - بغير واسطة - أَعلى مراتب الوحى. خص به موسى من بين سائر الأَنبياء غير محمَّد صلى الله وعليه وسلم، ولم يكن تخصيصه بذلك قادحا في نبوَّتهم، فكيف يتوهم أَن يكون نزول التوراة عليه جملة واحدة قادحا في نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم - بسبب نزول القرآن عليه مفصلا ومفرقا حسب الوقائع، مع أَنه أُنزل مفرقا لحكم اقتضت ذلك. أَظهرها التدرج بالمرسل إليهم، وعدم الإِثقال عليهم حتى لا يملوا! والعرب تسمى الكلام الذي يصل من متكلم إلى إِنسان ما، مباشرة، أَو بواسطة مبلِّغ، أَو بأَي طريق تسميه: كلاما، إِذا لم يؤكد بالمصدر، فإِذا أُكد بالمصدر، لم يكن المراد إِلا حقيقة الكلام المباشر، بدون واسطة مبلغ أَو غيره. كما في الآية الكريمة، لأَن قوله تعالى: (تَكْلِيمًا) مصدر مؤكد لقوله تعالى: (وَكَلَّمَ). ومما تجدر الإِشارة إِليه: أَن الله سبحانه وتعالى كلَّم محمَّد - صلى الله عليه وسلم - بدون وساطة جبريل ليله الإِسراءِ والمعراج (¬1)، كما فضَّله على سواه: بأَن أَعطاه مثل ما أَعطى سائر الأَنبياء ¬

_ (¬1) كما ورد في أحاديث الإسراء والمعراج في كتب الصحاح.

165 - {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... } الآية. المقصود من هذه الآية: بيان مهمة الرسل الذين ذكرهم الله لرسوله في القرآن، والذين لم يذكرهم له. والمعنى: وأَرسلنا هؤُلاءِ الرسل الذين ذكرناهم لك - يا محمَّد - في القرآن، والذين لم نذكرهم لك؛ لبشارة المؤْمنين بالثواب، وتخويف من كذَّب وكفر بالعقاب. {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}: أَي: لكي تنقطع المعذرة، ولا يقول الناس: { ... مَا جَآءَناَ مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ... } (¬1). وما أَرسلتَ إِلينا رسولًا ينبهنا ويعلمنا من شرائعك ما لم نكن نعلم؛ لقصور قدرتنا عن إِدراك الصالح وعجزنا عن فهم الخير، فلذلك زلت أَقدامنا، ووقعنا في الضلال البعيد ... يوضح هذا المعنى قوله تعالى:. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} (¬2). وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (¬3). وقد أَنعم الله على الإِنسان بنعمة العقل، وأَبدع الكون ونظمه حتى صار - بعجائبه ودقة نظامه - شاهدا للعاقل على وجوده وتفرده وقدرته، دون حاجة إِلى صياغة المقدمات، وترتيب النتائج. ومع ذلك، فقد اقتضت رحمته بعباده أَن يرسل الرسل، ضمانا لهداية الله الناس؛ لأَن العقل قد يعجز عن إِدراك حقائق الاُمور ونتائجها. والرسل عليهم الصلاة والسلام - إِنما جاءُوا لينبهوا إلى النظر في عجائب الكون وما فيه من دلائل ويُبَيِّنُوها، وهم الذين يبلغون رسالات ربهم إلى الناس، ويبينون لهم أَحكامه، وشرائعه. ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 19 (¬2) طه، الآية: 134 (¬3) الإسراء، من الآية: 15

وفي قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... ) الآية، جواب أَيضًا عن شبهة اليهود المتقدم بيانها. وخلاصة هذا الجواب: أَن المقصود من إِرسال الرسل وإِنزال الكتب، هو الإعذار والإِنذار، وهذا المقصود متحقق، سواءٌ أَنَزَل الكتابُ دفعة واحدة، أَم نزَل منجمًا ومفرقًا، على حسب الوقائع، فكان اقتراح اليهود أَن ينزل الله عليهم الكتاب جملة واحدة، اقتراحًا غير سديد. (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حكِيمًا): أَي: (وَكاَنَ الله) - ولم يزل - (عَزِيزًا) لا يغالَب، ولا يُغْلب فيما يريد، ومِن تمام عزته؛ أَلا يجيب المتعنت ولا ينزل على إِرادته. (حَكِيمًا): أَي بالغ الحكمة في كل ما يدبر من شئون الكون. ومن ذلك تدبير أَمر النبوة، وتخصيص كل نبي بنوع من الوحي والإِعجاز، على النحو الذي اقتضت حكمته، مراعاةً للزمان والمكان الذي بعِث فيه كلُّ رسول، كما يشير ختم الآية بهذين الوصفين إلى قدرته - سبحانه - على ثواب من آمن، وعقاب من خالف. 166 - (لَكِنِ (¬1) اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ... ) الآية. أي: أَنه لما تعنّت أَهل الكتاب، وطلبوا أَن ينزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة واحدة وردَّ الله على تعنُّتهم بقوله: (إنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك) الآية. وتمادوْا في التعنت، وقالوا: نحن لا نشهد لك بذلك. قال سبحانه: (لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ) بحقيّة ما أَنزل إِليك من القرآن المعجز الناطق بنبوتك. فكون القرآن على أَعلى درجة من فصاحة اللفظ، وسمو المعنى، وقوة التشريع، وصلاحيته لإِسعاد البشر في كل زمان ومكان، بحيث عجز الأَولون والآخرون عن معارضته، أَو الإِتيان بمثله - كونه بهذا الوضع البديع - معجزة باهرة. وإِظهارُ المعجزة شهادة بينة بصدق من جاءَ بها. ¬

_ (¬1) (لكن): للاستدراك، والمستدرك عليه مقدر فهم من الكلام السابق، إذ أن (لكن) لا يبدأ بها الكلام.

(أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ): أَي: إنّ هذا القرآن الذي أنزله الله تعالى إِليك يا محمَّد أَنزله بعلم تام بالمنزَّل والمنزَّل إِليهم والمنزَّل عليه. فجاءَ في غاية الحسن ونهاية الجودة والكمال، وأَعلى درجات الفصاحة والبلاغة، كما جاءَ مشتملا على ما فيه سعادة الناس في الدنيا والآخرة، ثم هو - بعد ذلك - برهان ساطع ودليل قاطع، على صحة رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم. (وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا): أَي: والملائكة الكرام يشهدون بنبوتك، وكفى بالله شهيدا على صدقك، حيث أَيَّدَكَ بالمعجزات الباهرة، والبراهين الساطعة؛ المغنية عن شهادة هؤلاءِ المعاندين، وقد عُرفت شهادة الملائكة بشهادة الله، فإِن من شهد الله له، شهدت له ملائكته. فكأنه قيل: يا محمَّد، إِنْ كَذَّبك هؤُلاء اليهود، فلا تُبالِ بهم، فإِن إِله العالمين يصدقك في ذلك، وملائكته يصدقونك كذلك. ومَن صدّقه رب العالمين، والملائكة كلهم أَجمعون، لم يَلْتَفِتْ إلى تكذيبِ مَن هم أَخسُّ الناس، وهم اليهود؛ أَهل الخيانة والغدر. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (169)). المفردات: (صَدُّوا): صد عن الأَمر، أَعرض عنه. وصدّه عن الأَمر: صرفه عنه ومنعه منه. (سَبِيلِ اللهِ): السبيل؛ الطريق، يذكر ويؤَنث قال تعالى: " {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي}. (¬1) ¬

_ (¬1) يوسف، من الآية: 108.

وقال تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} (¬1). والمراد بـ (سَبِيلِ اللهِ): دين الله الذي ارتضاه لعباده. (ضَلُّوا): الضلال ضد الرشاد. والمراد: بعدوا عن طريق الحق المستقيم. التفسير 167 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ... } الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم - في الآيات السابقة - تعنت اليهود فيما سأَلوا، والرد على هذا التعنت، جاءَت هذه الآيات تصف من كفروا ومنعوا غيرهم من اتباع الهدى، بالإِيغال في الضلال، والبعد عن سبيل الله، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ}: أَي: إِن الذين كفروا بالله، وأَنكروا نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وكذَّبوا بالقرآن ومنعوا الناس من الدخول في الإِسلام، واتباع طريق الهدى والفلاح بإِلقاءِ الشبهات في قلوبهم؛ كقول اليهود مثلا: لو كان محمَّد رسولًا حقًّا، لأَتى بكتابه دَفعة واحدة من السماءِ، كما نزلت التوراة على موسى. (قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا): أَي: قد بلغوا في البعد عن الطريق المستقيم، أَقصى النهايات إِذ لا ضلال أَشد وأَقبحُ من ضلال مَن فَهِم أَنه على الحق، وأَضلَّ غيره عن الصراط المستقيم. ومن كفر فقد بَعُدَ عن الحق، ومن أَضل غيره فقد زاد بعدُه، وكلما استمر على الِإضلال وإِغواء المهتدين، وإِثارة الشبهات حول دينهم - فقد أَوغل في البعد عن الطريق السويّ. والمراد بالذين كفروا: اليهود أَو ما هو أَعمّ. وقد جمعت الآية - في التعريف بهم - بين الوصف بالكفر، والصد عن سبيل الله تعالى وكل منهما - بانفراده - يستلزم اتصافهم بالضلال؛ للِإشارة إِلى عظم جرمهم وعمق ضلالهم. ¬

_ (¬1) الأعراف، من الآية: 146.

ولما وصف سبحانه وتعالى كيفية ضلالهم، ذكر بعده وعيدهم وما أَعدّه لهم في الآخرة من الخلود في النار فقال: 168 - (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا ... ) الآية. المراد بهم: هو المراد بالذين كفروا وصدوا، المذكورين في الآية السابقة. ومعنى ظلموا: أَي ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوته، وتكذيب الكتاب الذي أَنزله الله عليه، وكتمانِ ذكر بعثته في التوراة، وظلموا الناس بإلقاءِ الشبهات في قلوبهم، وظلموا أَنفسهم باتباع الهوى، وترك هداية الإِسلام، وغير ذلك من جرائمهم التي لا تُحْصَى. وغاير بين الوصفين، إِذ قال أَولا: كفروا وصدوا. وقال ثانيا: كفروا وظلموا. إِشارةً إلى بشاعة جرمهم، وليبنيَ عليه وعيدَهم الشديد، وهو حرمانهم من غفران ذنوبهم، ومن الهداية إِلى طريق النجاة. فقال تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا}: أَي: لم يكن عن تدبير الله الحكيم العلم: أَن يغفر الذنوب لمن اختاروا الضلالة على الهدى، وماتوا وهم كافرون، إِذ لا غفران للكافرين. ولم يكن أَيضا من الحكمة في التدبير: أَن يهدى الله تعالى إِلى الصراط المستقيم قوما أصروا على الكفر، وابتعدوا عن الحق عنادا. فلا يستمعون نداءَ الخير والفلاح إِذا أَصمُّوا دونه آذانهم، وأَغلقوا قلوبهم، فهم لا يفقهون. 169 - (إلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ... ) الآية. الاستثناءُ من ختام الآية السابقة (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَريِقًا). وبما أَن الهداية لا تكون إِلا إِلى طريق الخير والسلامة، فاستعمالها - مع طريق جهنم - إنما هو من باب التهكم بهم، والاستهزاءِ بسوءِ اختيارهم الذي أوصلهم إلى مثل هذا المصير. والخلود: هو المكث الطويل.

والأَبد: مدة الزمان الذي لا يتجزأ، ولا غاية له. وتأَكيد الخلود بالأَبدية، يدل على دوام العذاب بلا نهاية. والمعنى: أَن أَجسامهم تبقى في جهنم لا تبلى، ولا تذهب حساسيتها؛ ليذوقو االعذاب دواما. (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا): أَي: وكان إِيصال العذاب إِليهم شيئًا فشيئا، ودوام تعذيبم في جهنم - أَمرا يسيرا على الله. وختم الآية بذلك، لبيان أَنه - سبحانه وتعالى - غالبٌ على أَمره. لا يعجزه شيءٌ. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}. التفسير 170 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ... ) الآية. بعد أَن أَجاب سبحانه عن شبهات اليهود وردّ أَباطيلهم بأَبلغ رد، وبين فساد طريقتهم. وبعد تأَكيد نبوته - صلى الله عليه وسلم -،بشهادته عزَّ وجل، وشهادة ملائكته. وبعد بيان حال الكافرين وخطئهم الفاضح، وما أعد لهم من سوء المصير. بعد ذلك جاءَت هذه الآية الكريمة: تخاطب الناس - جميعًا - بالدعوة إلى دين محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ): نداءُ الناس جميعًا - لإِخبارهم بأَن الرسول قد جاءَهم بالحق من ربهم - دليل على عموم رسالته، وتكرار للشهادة التي أَكدها فيما سبق، وتقرير لها. إِذ كونُ المرسل: (رَبّكُم)

أَي الذي يقوم بتربيتكم، ورعاية مصالحكم، هو الذي يبلغ بكم غاية الكمال المرجو لكم، وكون المرسل به - بالْحقِّ - أَي الثابت الذي لا يعتريه شك، وهو الدين الذي يدعو إلى عبادة الله، والإِعراض عن غيره. وكون حامل الرسالة الرسول المعهود لكم، المعروف بالصدق وكرم الخلق، وعظم الشأْن - كل ذلك - يؤكد فضلَ الرسالة وكمالَها، كما أنه تمهيد للأَمر بالإِيمان به. ولهذا يقول الله عز وجل: (فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ): أَي: وإِذا كان قد جاءَكم هذا الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم - بالحق من ربكم، فآمنوا به يكنْ ذلك الإِيمان خيرا لأَنفسكم، مما أَنتم فيه. أي أَحْمَدُ عاقبة من الكفر والضلال، فإن آثار الإِيمان تعود عليكم بالنفع، لا على الرسول ولا على ربكم. (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): أَي: وإِن تكفروا بي وبالرسول الذي أَرسلتُه إِليكم، فالضرر لاحِقٌ بكم، فإِن الله غِنيّ عن إيمانكم وعن طاعتكم؛ لأَنه مالك السموات وما فيها من أَفلاك وكواكب ونجوم ومدارات، والأَرضِ وما على ظهرها وما في باطنها ... فضرر الكفر كلّه يقع على الكافرين، والله لا يرضى لعباده الكفر. (وَكَانَ اللهُ علَيمًا حَكيِمًا): فتصرف في ملكه الواسع، حسب علمه القديم المحيط بكل شيءٍ، وحكمته البالغة التامة. وحسب علمه المحيط، وحكمته البالغة، التي لا تخطيء: أَرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - إِلى الناس كافة؛ بشيرا ونذيرا. فاتَّبِعوه وآمِنوا به، وقِفوا عند ما شرع لكم، تكونوا من الفائزين.

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (171)). المفردات: (لَا تَغْلُوا): الغلو؛ مجاوزة الحد. وغُلُوُّ النصارى في دينهم: إِفراطهم في تعظيم عيسى، حتى جعلوه إِلها أَو ابنًا الله. وغُلُوُّ اليهود: مبالغتهم في الطعن في عيسى حتى اتهموه وأُمه بما لا يليق. (الْمَسِيحُ): أَصل المسيح. الممسوح، وسمى به عيسى. (كَلِمَتُهُ): المراد بها؛ عيسى - عليه السلام - وأُطلقت الكلمة عليه؛ لَأنه جاءَ بكلمة: كُنْ .. بدون أَب. (رُوحٌ مَّنْهُ): رحمة منه؛ لأَنه رحمة من الله لمن آمن به. التفسير 171 - (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ .... ) الآية. بعد أَن تحدثت الآيات السابقة عن تعنت اليهيود فيما سأَلوا، وعن الرد على هذا التعنت. وبعد أَن ذكرت طرفا من جرائمهم - وهذا لا ريب غلو ومجاوزة للحد، جاءَ نَهْي القرآن بعد ذلك، في هذه الآية - للنصارى، عن الغلو في الدين فقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ):

وأَهل الكتاب: لفظة تعم اليهود والنصارى، ولكن سياق النص هنا، يخصصها بالنصارى أَما اليهود، فقد سبق الحديث عن غلوهم في شأْن عيسى، إِذ بالغوا في الطعن فيه، وغلوهم في دينهم، إِذ قالوا لموسى: " {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} (¬1) وقولهم: " ... عُزَيْرٌ ابْنُ اللَهِ ... " (¬2) وغير ذلك من جرائمهم التي لا تُحْصَى. وغُلوّ النصارى في دينهم: أَنهم أَفرطوا في تقديس عيسى عليه السلام - حتى أَخرجوه من مرتبة البشرية، واتخذوه إِلها من دون الله، وجعلوه ابنًا لله. وفي نداءِ الله إِياهم بأَهل الكتاب: غايةُ التوبيخِ والتقريع لهم، إذ مقتضى أَنهم أَهل كتاب أَن يتدبروا كتابهم المنزلَ على رسولهم، ويتأَملوا ما فيه. وهو - بلا ريب - ليس فيه شيء مما يدَّعون ويفترون ولكن العصبية الحمقاء تعمى عقولهم. (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ): أَي: ولا تفتروا على الله كذبا لا أَساس له، ولا دليل يعتمد عليه وهو قول النصارى: " ... الْمَسِيحُ ابنُ اللهِ ... " (¬3) وهذا القول يناقض الدليل الواضح، والحق الثابت؛ إِذ الإِلَه لا يلد، ولا يولد، فإِن ذلك أَمارةُ الحدوث، وعلامةُ الاحتياج. والتعبير بلفظ (عَلَى): إِشارة إِلى أَن ما قالوه، افتراءٌ على الله، وجرم شنيع في حقه تعالى. ولمَّا نهاهم عن الغلو والافتراءِ على الله، بيَّن لهم ما هو الحق بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ): أَي: ما عيسى ابن مريم إِلا رسولٌ، وليس إلها من دون الله، ولا ابنًا لله، كما تدّعُون. وفي قصْر عيسى على الرسالة - كما فهم من أُسلوب الآية - زجرُ شديد لهؤُلاءِ الذين يقولون على الله غير الحق، وإِشعارٌ بأَنهم قوم مفترون. وفي ذكر اسمه: عيسى. وفي نسبته إِلى أُمه: مريم - إِشارةٌ إِلى أَنه إِنسان ككل الناس ولدته أنثى، كما أَن في هذه النسبة أَيضا، تكذيبًا لمن نسبوه إلى يوسف النجار. ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 55 (¬2) التوبة، من الآية: 30 (¬3) التوبة، من الآية: 30

(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ): أَي: وعيسى كلمةُ الله، أَي إِنه تَكوَّن في بطن أُمه، وَوُجِدَ بسبب كلمة الله وأَمره: (كُنْ) كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)}. (¬1) من غير سبب مادي من وجود زوج، كما جرت به سنة الله في توالد بني آدم. (وَرُوحٌ منْهُ): أَي: إِن عيسى تَكوَّن في بطن أُمه، ونشأ فيها بنفخ الله تعالى - الروح فيه. وكما أَن عيسى من روح الله، فإن آدم وسائر ذريته من روح الله تعالى - التي خلقها وأَودعها في كل كائن حي، كما قال تعالى: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (¬2). وحديث: "إِن أَحدَكُم يجمعُ خَلْقهُ في بَطنِ أُمهِ أَربعينَ يَوما نُطفةً، ثمَّ يكونُ عَلقةً مِثْل ذلك، ثم يَكُون مضغةً مِثْل ذلك، ثُم يَبعثُ اللهُ إِليهِ مَلَكًا، ويُؤْمر بأَربعِ كلماتٍ يُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَملَه ورِزقَه وأَجلَه وشقيٌّ أَو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجلَ منكم لَيَعملُ بعملِ أَهلِ الجنَّةِ حتى لا يكونَ بينَهُ وبينهَا إِلا ذِراعٌ فَيسبِقَ عليهِ الكِتَابُ فَيعْمَلَ بعملِ أَهلِ النارِ فيدخلَ النارَ، وإِنَّ الرجلَ لَيعمَلُ بعملِ أَهلِ النارِ حتى ما يكونَ بينَه وبينَها إِلا ذِراعٌ فَيسبِقَ عليهِ الكِتابُ فَيعملَ بِعَملِ أَهلِ الجَنَّةِ فيدخلَ الجَنةَ" (¬3). ولما لم يتكون عيسى - عليه السلام - من نطفة أَب وإِنما تكون من نفخة بإِذن الله - وصف بأَنه: روح. ومعنى (مِنْهُ): أَي من الله. أَي كائنة من الله، تشريفًا وتفضيلا له، وهذا وجه من وجوهٍ وردت في بيان معنى الروح، ومنها: أَن معنى الروح؛ الرحمة والنعمة من الله على عباده، أَي أَن عيسى - عليه السلام - لما كان رحمة من الله لقومه، ونعمة عظيمة ¬

_ (¬1) آل عمران، الآية: 59 (¬2) الحجر، الآية 29 (¬3) الفتح الكبير: 1 - 287 للبخاري ومسلم ولأبي داود وللترمذي وللنسائي ولابن ماجه عن ابن مسعود.

منه عليهم، من حيث إِنه كان يرشدهم إِلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، سمى روحا منه - سبحانه وتعالى - وكانت منه تشريفا وتعظيما له عليه السلام. والمعنى: أَن عيسى روح عظيمة، وهبة جليلة، مبتدأَة من الله. و (مِنْ): ابتدائية على كل معنى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لروح. أَي وروح عظيمة مبتدأة من جهته تعالى، وليست (مِنْ) تبعيضيةكما تَزْعُم النصارى، ليصلوا إِلى باطل من أَباطيلهم، وهو أَن عيسى جزءٌ من الله. (فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ولَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ): أَي: وِإذا كان هذا شأْن المسيح وحاله: ليس إلها ولا ابنا لله، فآمنوا باللهِ - وحده - ربًّا لا شريك له في العبادة، ولا في الملك والسلطان، وليس معه ثان ولا ثالث، وليس بوالد ولا ولد، وآمنوا بالرسل جميعًا. وفي جملتهم: عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ولا تكفروا بأَحدٍ منهم، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة، الله واحد منهم. والتعبير بقوله: (وَلَا تَقُولُوا) دون ولا تؤْمنوا بثلاثة: لبيان أَن مجرد النطق بذلك منكر وقبيح، فضلا عن أَن يكون اعتقادا وإيمانا، وفيه إِشارة إِلى أَن ما ذهبوا إِليه لا ظلا له من الحقيقة وإنما هو مجرد قول بالَأفواه. (انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ): أَي: انتهوا عن الشرك والتثليث يكن الانتهاءُ عن ذلك خيرا لكم؛ لأَنكم - به - تخرجون من العقيدة الناشئة عن الضلال والأَوهام، إِلى العقيدة المبنية على الحجة والبرهان، فتفوزون من الله بالرضوان. (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ): أَي: إِن العقيدة الصحيحة التي جمعت الخير كله، هي عقيدة التوحيد التي عبر القرآن عنها بقوله: (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أَي إنما الله واحد بالذات، منزّه عن التعدد بأَي وجه من الوجوه، متفِّرد في ألوهيته، وليس كما ادّعاه النصارى من أَن عيسى وأَمه

مريم إِلهان مع الله. وليس كما زعموه أَيضا من تركُّبه من أَقانيم ثلاثة (¬1) - الأَب والابن والروح القدس - وأَن كلا منهما له صفات الأُلوهية، وأَنها اتحدت وصارت إِلها واحدا؛ لأَن العقل - كما يحيل تعدد الآ لهة - يحيل كذلك تركبها واتحادها. وفي هذا النص الكريم، من تأْكيد أَمر التوحيد ما لا يخفى. وبعد أَن أَكد التوحيد، نزه نفسه عن اتخاذ الولد بقوله: (سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ): أَي: تنزه الله تعالى - تنزيهًا عظيما: لا حدود له، عن أَن يكون له ولد؛ لأَن اتخاذ الولد دليل الضعف، وأَمارةُ الحدوث، وصفةُ العاجز المحتاج إِلى من يعينه في حياته، ويَخْلفُهُ بعد مماته، واللهّ عَزَّ وَجَلَّ تنزه عن ذلك، فقول النصارى: إِن عيسى ولد الله ليس شركا فقط، بل هو وصف لله - العلى القادر، المعبود الحق - بالعجز والضعف والحدوث. ثم ذكر - تأْكيدًا لتنزيهه عن اتخاذ الولد - ما يدل على كمال قدرته، وتمام غناه فقال تعالى: {لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ}: أَي: لله سبحانه كل ما في السمَوَات من أَكوانٍ علوية: ما عرفناه منها وما لم نعرفه، وكذلك أَجرام السمَوَات، وله كل ما في الأَرض من أَجزائها، وما على ظهرها، وما في بطنها: خلقا وملكا وتدبيرا. ¬

_ (¬1) عقيدة التثليث - في الأَصل - عقيدة وثنية، سبقت المسيحية بآلاف السنين، فقد ظهرت - عند البابليين - في صورة إله السما، وإله الأرض، وإله البحر، ثم في صورة إله الشمس، وإله القمر، وإله التشريع. وظهرت عند الهنود في صورة الإله براهما، والإله شنو، والإله شيقا. وهو إله واحد في ثلاثة أقانيم. ثم ظهرت هذه الفكرة عند بطليموس الأول بالإسكندرية. راجع تاريخ الفلسفة للدكتور مدكور ص 6، 12، 65. كما ظهرت في المسيحية بعد المسيح - عليه السلام - بثلاثة قرون (انظر كتاب قصص الأنبياء لفضيلة الشيخ عبد الوهاب النجار، صفحة 480، 483 طبعة أولي). وقد ورد في قاموس الكتاب المقدس ما نصه: "كلمة التثليث لم ترد في الكتاب المقدس، ويظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها: ترتليان، في القرن الثاني للميلاد ... وكم نادى أريوس أن الأب وحده هو الأزلي، بينما الابن والروح القدس مخلوقان متميزان عن سائر الخليقة.

ومن كان مالكا لكل السمَوَات والأَرض ولكل ما فيهما، كان مالكا لعيسى ولمريم بل أَولى. إِذ هناك في الكون من هو أَعظم منهما، فكيف يعقل مع هذا توهم كون عيسى ولدا لله ومريم زوجة له؟!! والمتأَمل يرى أَنه سبحانه، في كل موضع نزه فيه نفسه عن الولد - ذكر كونَهُ ملكا ومالكا لما في السمَوات والأَرض ليكون دليلًا عليه، إِذ المعنى: تَنَزَّه اللهُ عن أَن يكون له ولد؛ لأَن له ما في السموات وما في الأَرض. (وَكَفَى بِالله وَكِيلًا): أَي: إِن اللهَ سبحانه، كاف - وحده - في تدبير المخلوقات، وفي حفظ هذا الكون، فلا يحتاج إِلى ولد يعينه، ولا إِلى إِله آخر يدبر أَمر الكون معه. (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) .. المفردات: (لَن يَسْتَنكِفَ): لن يأْنف ولن يستكبر، وأَصله من النَّكْف. وهو تنحية الدمع عن الخد بالإصبع. (الْمُقَربُونَ): الذين قربهم الله تعالى ورفع منازلهم على غيرهم. (وَيَسْتَكْبِرْ): أَصل الاستكبار؛ طلب الكبر والترفع عن الناس من غير استحقاق.

التفسير 172 - (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ .... ) الآية. بعد أَن أَثبتت الآية الكريمة السابقة - الدليل الواضح - تنزيه الله تعالى، عما أَلصقوه به - جاءَت هذه الآية، استئنافا مقررا لهذا التنزيه، ومؤكدا له. إذ نفت أَن يأنَفَ عيسى عليه السلام - الذي رفعوه إِلى الأُلوهية - من أَن يكون عبدا لله. (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ): أَي: لن يأْنَف مَن وصفتموه بالأُلوهية، وأَنه ابن الله، من أَن يكون عبدًا لِله، ولن يترفع عن ذلك؛ لأَنه شرف عظيم يفخر به المخلصون. (ولَاَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ): أَي: ولا الملائكة المقربون عند الله، ومنهم الروح الأَمين: جبريل عليه السلام، لا يأْنفون من أَن يكونوا عبيدا لله، ولا يترفعون عن ذلك، لأَنهم مفطورون على الطاعة. (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (¬1). والمقصود بهذا الاستطراد: تقوية الردّ على النصارى وتأْكيده، حيث زعموا أَن عيسى إِله مع الله، فلن يكون عبدا لله. ولما كان منشأُ ذلك عندهم أَنه خُلق من غير أَب، بيَّن الله لهم أَن الملائكة خُلِقوا من غير أَب ولا أُم، ولهم عند الله تلك المكانة العالية، وأَنهم أَكمل حالًا في العلم بالمغيبات، وفي القدرة على حمل ما لا يستطيعه البشر، وهم - مع ذلك - لا يأْنفون من وصفهم بالعبودية، بل يعتزون بأَنهم عباد الله ... فكيف يأْنف عيسى من ذنك؟! والعبودية لله أَعلى مراتب الشرف، وأَعظم درجات الكمال. وإِن كانت الشبهة التي عليها يعولون في إِثبات أَن المسيح ابن الله، هي أَنه كان يخبر عن المغيبات، وكان يأْتي بخوارق العادات، فتلك شبهة واهية؛ لَأنه لم يكن - في ذلك - بدْعًا من الرسل، فقد أجرى الله على يد غيره من الَأنبياءِ كثيرا من خوارق العادات. والمعنى: لا أَحد يأْنف من ذلك. ¬

_ (¬1) التحريم، من الآية: 6.

(وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا): أَي: ومن يأْنف من عبادة الله ويترفع عنها، ظنا منه أَن العار يلحقه بسبب هذه العبادة، فمَردُّهُم - وسائر الخلق - إِلى الله، حيث يلقى كل جزاءَه، ومن يستكبرْ على الخضوع له تعالى - لتوهمه أَن طاعة الله دون مقامه - فسيحشر الله العابدين والمعبودين إليه - جميعًا - يوم القيامة، حيث لا يملكون لأَنفسهم نفعا ولا ضَرًّا. والاستكبار دون الاستنكاف. والاستكبار: طلب الكبر. وهذا وعيد شديد، للذين يقولون على الله غير الحق. ولما ذَكَر سبحانه: أَنه سيحشرهم إِليه جميعًا، ذكر أَولًا: ثواب المؤمنين، ثم ذكر آخرًا: عقاب المستنكفين. وقد بين ثواب المؤمنين بقوله: 173 - ({فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ... ) الآية. أَي: فأَما الذين حققوا في نفوسهم هذين الوصفين العظيمين: الإِيمان والعمل الصالح، فيجزيهم الله على ذلك جزاءً وافيًا ثابتا - لا شك فيه - ثبوت الأَجر للعامل، تحقيقا لوعد الله الذي لا يتخلف كما بيَّن أَن هناك زيادة يَمُنُّ الله بها عليهم من فضله. والتعبير بلفظ الماضي (آمَنُوا وَعَمِلُوا): إِشارة إِلى أَنه لا بد من تحقق هذين الوصفين، كي ينال الموصوف بهما ما ذُكِرَ من جزاء. وذِكْرُ الجزاءَ بلفظي المضارع (يُوَفَيِّهِمْ ... وَيَزِيدُهُمْ): دون استعمال السين أَو سوف؛ فسيوفيهم، أَو فسوت يوفيهم - مثلا - لاستحضار صورة قريبة تستضىءُ بها أَنفسهم وتدعو العامة والخاصة إِلى الاقتداء بهم. ثم ذكَرَ ما أَعده الله عقابا للمستنكفين والمستكبرين فقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجدُونَ لَهُم من دُونِ اللهِ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا): وهذا حال الكافرين الذين ذكروا في مقابلة المؤْمنين.

وقد وصفهم الله بوصفين: الاستنكاف والاستكبار: بيانًا لسبب هذا الوعيد واستحقاقهم لعذاب شديد الأَلم، وأَنهم لا يجدون أَحدا غير الله يلجأُون إِليه، ولا نصيرا يعينهم على الخلاص مما هم فيه من العذاب الشديد سواه، سبحانه وتعالى. وقدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين، لأَنهم إِذا رأَوا - أَولا - ثواب المطيعين ثم رأَوا - بعده - عقاب أَنفسهم كان ذلك أَعظم في تَحسّرهم. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)). المفردات: (بُرهَانٌ): البرهان؛ الحجة والمراد به هنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، لأَن مهمته إِقامة البرهان على إِحقاق الحق، وإِبطال الباطل. وقيل: المراد به؛ المعجزات، أَو القرآن. (نُورًا): المراد به؛ القرآن الكريم؛ لأَنه ينير الطريق للسالكين. (وَاعْتَصَمُوا بِهِ): عصموا بالإِيمان به أَنفسهم من المعاصي وحفظوها. (في رَحْمَةٍ مِّنْهُ): المراد بالرحمة هنا؛ الجنة. التفسير 174 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... ) الآية. بعد أَن بين الله سبحانه، انحراف المنافقين والكافرين، واليهود والنصارى، وأَقام الحجة عليهم، وأَبطل شبهاتهم عمم الخطاب، ودعا الناس - جميعًا - إِلى الِإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم - واتّباع طريق الحق والهدى فقال:

(يَأَ يُّهَا النَّاسُ): هذا نداءٌ من الله للناس - جميعًا - منذ نزول الآية إِلى يوم القيامة. وبَدْءُ الكلام به، يشعر بعظمة ما سيلقى على المخاطبين كي تتفتح له قلوبهم، وتعيَهُ عقولهم، ويتوجه إِليه اهتمامهم. (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ): الظاهر من السياق، أَن المراد بالبرهان: الرسول، أَي قد أَتاكم رسول هو محمَّد - صلى الله عليه وسلم - مِن عند ربكم، أَي مربيكم، وهو الله الذي أنشأَكم وربَّاكم، وأَوصلكم غاية الكمال المراد لكم. وسمِّيَ الرسول برهانًا، لأَن وظيفته، إِقامة الحجة، وإِظهار البرهان على تحقيق الحق وإِبطال الباطل. وفي تسميته برهانا، وتنكير لفظة (بُرْهَان) وبيان أَنه أَتاهم من لدن مُربِّيهم ومتولي شئونهم إِشعارا بأَنه أَعظم برهان. (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا): أَي: وأَنزلنا - من أَعلى المنازل لهدايتكم ولنفعكم - القرآن المجيد؛ أَعظم الكتب التي أَنزلناها لهداية البشر، وإِخراجهم من الظلمات إِلى النور. وسمَّاه: نورًا مبينا، إِذ هو كالنور؛ يضيء الطريق ويظهر الحق، ويهدي إِلى سبيل الخير والرشاد. وقيل المراد بالبرهان: القرآن، عبر عنه تارةً بالبرهان؛ لأَنه حجة على صحة نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - الذي جاءَ به لإِحقاق الحق وإِبطال الباطل، وتارة أَخرى بالنور المبين؛ لأَنه ينير طريق الهداية أَمام الناس أَجمعين. وقد تحدثت هذه الآية الكريمة، عن نعمتين عظيمتين، تفضل الله بهما على عباده: النعمة الأُولى: تَفضُّلُه سبحانه وتعالى بإِرسال محمَّد - صلى الله عليه وسلم - أَعظم نِعم الله على الناس.

والثانية: تفضلُه سبحانه، بإِنزال القرآن هدًى للمتقين. والناس - بالنسبة لهاتين النعمتين الجليلتين - فريقان: فريق المؤمنيين. وقد بين سبحانه حالهم العظيم ومآلهم الحسن بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ... ) الآية. ولم يتناول بالذكر هنا حال الكافرين - وهم الفريق الثاني: تهوينا لشأْنهم، إِذ قد أَغلقوا قلوبهم، فلم تعمر بالإِيمان، وأَغمضوا أَعينهم فلم تر النور المبين. 175 - (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ... ) الآية. أَي: فأَما الذين صدقوا باللهِ، في ذاته وصفاته وأَفعاله، وبما أَنزله من شرائع. (وَاعْتَصَمُوا بِهِ): أَي: وعَصَموا بطاعته أَنفُسَهم، من التردى في هاوية الضلال، وطلبوا منه أَن يُثَبِّتَهم على الِإيمان، ويصونَهم من نزعات الشيطان. (فَسَيُدْخِلُهُم في رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ): أَي: فسيدخلهم الله في أَنواع رحمات كثيرة، لمن يرحمهم الله بها في الدنيا بتمكينهم في الأرض، وإِظهار شأُنهم على أَعدائهم، وفي الآخرة بالجنة. (وَفَضْلِ): والفضل؛ هو ما يتفضل به سبحانه عليهم من علو القدر في الدنيا، وفي الجنة من النعيم الزائد عما جُوزوا به؛ مما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت. (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مًّسْتَقِيمًا): أَي: ويهديهم ربهم طريقا مستقيما، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف .. قال ابن كثير: "وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة. فهي - في الدنيا - على منهاج استقامته وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات. وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إِلى روضات الجنات".

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)}. المفردات: (يَسْتَفْتُونَكَ): الاستفتاءُ؛ طلب الفُتْيا، والفُتْيا والفتوى: اسم من أفتى العالِم إِذا بين الحكم. (الْكَلَالَةِ): الذي لا ولد له ولا والد. وقيل الكلَالة: مصدر من تكلله النسب أَي تطرفه. كأَنه أَخذ طرفيه من جهة الوالد والولد: فليس له منهما أَحد، فسمى بالمصدر. ومن هنا أُطلقت على الميت الذي لم يترك والدا ولا ولدا "مِنْ كَلَّ" إِذا ضعف. وهذا قول علي وابن مسعود. وقال سعيد بن جبير: هي الوارث الذي ليس ولدًا ولا والدا، لأَن هؤلاءِ الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليس في عمود نسبه. كالإِكليل يحيط بالرأْس، ووسَطُ الرأْس خال منه. التفسير 176 - (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ .... ) الآية. الربط: تتصل هذه الآية بالآية التي قبلها، فإِن بها بيانَ ما يتعلق ببعض أَحكام الميراث، من الهداية إِلى صراط مستقيم.

ولم تُذكر هذه الآية عقب آيات المواريث المذكورة في أَوائل السورة، لأَنها لم تنزل معها في وقت واحد. فقد روى الشيخان، عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت من الفرائض. وخُتمت السورة بهذه الآية: كما بُدئت بذكر سائر الحقوق المالية؛ ليعلم المسلم: أَن القرآن الكريم يهتم ببيان حقوق الناس، كما يهتم بتوضيح حقوق الله. روى الترمذي عن جابر بن عبد الله، يقول: "مرضتُ فأَتاني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني قد فوجدني قد أَغمى عَليّ، فأَتى ومعه أَبو بكر وعمر، وهما ماشيان، فتوضأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصب عليّ من وضوئه، "فأَفَقْتُ. فقلت: يا رسولَ الله، كيف أَقضي في مالي؟ أَو كيف أَصنع في مالي؟ فلم يجبني شيئًا - وكان له تسع أَخوات - حتى نزلت آية المواريث (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ): قال جابر: فِيَّ نزلت". قال أَبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. (يَسْتَفْتُونَكَ): أَي: يطلب الصحابة منك، أَن تبين لهم الحكم في ميراث الميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا. أَو أَن المستفتي جابر وحده - كما جاءَ في سبب النزول - ونسب إِليهم؛ لَأن الحكم يعمهم جميعًا - ومن بعدهم - إِلى يوم القيامة. وحذف المستفتى فيه وهو ميراث الكلالة، كما بين لدلالة فتوى الله عليه في قوله: (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ): أَي: قل لهم يا محمَّد: الله يبين لكم حكم ميراث الكلَالة، فيما أَنزله علىّ جوابا عن استفتائكم على النحو التالي: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ): أَي: إِن مات شخص، ولا ولد له ولا والد، وله أُخت شقيقة، أَو لَأب - عند عدم الشقيقة - فلها نصف ما ترك.

وأَما الإِخوة لأُم، فقد سبق بيان ميراثهم، في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثُّلُثِ) (¬1). (وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ): وهو أَي: والأَخ إِذ لم يكن لها ولد - ذكر أَو أُنثى - ويأْخذ الباقي إِن لم يكن لها ولد ذكر. (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ): أَي: فإِن كانتا أَي الأُختان اثنتين فلهما الثلثان مما ترك أَخوهما المتوفى، فإِن زادت الأَخوات عن اثنتين، فلهن الثلثان أَيضا مما ترك الأَخ المتوفى أَو الأُخت، بدليل القصة التي نزلت فيها الآية، فقد كان لجابر بن عبد الله رضي الله عنه - تسعُ أَخواتٍ في رواية الترمذي، وقياسا على ميراث البنات. (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ): أي: وإِن كان الورثة إِخوة - رجالا ونساءً - فللذكر منهم مثل نصيب الأُنثيين. (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا): أَي: يوضح الله لكم شرائع دينكم، ويفصلها، كراهة أَن تضلوا عن الطريق السوي. فتمنعوا مستحقا، وتعطوا غير مستحق. والآية صريحة في أَن من تعدَّى حدودَ الله في أَحكامِ الميراث، فقد ضل طريق الحق، وأَخطأَ سبيل الرشاد. (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): أَي: والله الذي بَيَّن تلك الفرائض لعباده، وشرعها لهم، قد أَحاط بكل شىءٍ علمًا، فعلمهِ تام بما يُصِلح المجتمعَ الإِسلامي، من الشرائع والأَحكام. روى الشيخان عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت في الفرائض (¬2). ¬

_ (¬1) النساء، من الآية: 12 (¬2) صحيح البخاري. كتاب التفسير. سورة النساء.

سورة المائدة

سورة المائدة تسمى سورة العقود أَيضا. أَما تسميتها بسورة المائدة فلأَنها تحدثت - في أَواخرها - عن المائدة التي طلب الحواريون من عيسى بن مريم عليه السلام أَن يسأَل ربَّه أَن ينزلَها عليهم: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) (¬1). وأَما تسميتها: سورة العقود. فلأَنها افتتحت بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ) ... الآية، ولأَنها ذُكِرَ فيها كثيرٌ من المواثيق، التي أخذت على بني إِسرائيل. وهي مدينّةٌ جميعها، ومنها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (¬2)، فإِنها نزلت بعرفة، عام حجة الوداع. فقد ورد في الصحيحين عن عمر - رضي الله عنه - "أَن هذه الآية، نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع". وكل ما نزل بعد الهجرة يعتبر مدنيا. وإِن نزل بغير المدينة. وهذه السورة من أَواخر القرآن نزولا. ووجه المناسبَة بينها وبين سورة النساء التي قبلها في ترتيب المصحف: أَن سورة النساءِ قد اشتملت على عدة عهود، وسورة المائدة افتتحت بالأَمر بالوفاءِ بالعقود. وفي سورة النساء تمهيد لتحريم الخمر بقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصلَاةَ وَأنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... ) الآية، وسورة المائدة حرّمتها تحريما قاطعا بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) (¬3). ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 112 (¬2) المائدة، من الآية: 3 (¬3) المائدة، من الآية: 90

كما أَن السورتين اشتركتا في الدعوة إِلى التوحيد وإِبطال عقيدة النصارى في عيسى، ودعواهم: أَنه ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة ... إِلى غير ذلك من المناسبات. ومما اشتملت عليه هذه السورة من المقاصد: 1 - وجوب الوفاء بالعقود؛ قد جاءَ في السورة ذكر العقود والمواثيق التي أَخذها الله على بني إِسرائيل وإِن دأبوا على نقضها، ومعاقبة الله تعالى لهم على ذلك بأَنواع العقوبات. 2 - ذكر ما أَحلَّه الله - تعالى - من الأَطعمة وما حرّمه منها، كما جاءَ في السورة، وذكر ما حرّمه العرب على أَنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، مما لم يحرمه الله. 3 - وفيها بيان لأحكام الطهارة ويسر الشريعة. 4 - وذكر فيها: نقض بني إِسرائيل للعهود، وتحريفهم هم والنصارى الكتاب المقدس، ورفضهم دخول الأَرض المقدسة. 5 - وقصة ولدي آدم، وما كان من ارتكاب أَول جريمة للقتل في الأَرض وأَن سببب ذلك هو الحسد والمنافسة. 6 - عقوبة قطاع الطريق، وحد السرقة. 7 - هيمنة القرآن على ما قبله من الكتب السماوية. ووجوب الحكم به: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ). 8 - المسلمون أولياء بعضهم البعض. 9 - النهي عن تحريم طيبات ما أَحله الله: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا). 10 - الأَيمان وكفارتها. 11 - تحريم الخمر والميسر، والأَنصاب والأَزلام. 12 - حكم الصيد برًّا وبحرا وفي الحَرَم، وفي الإِحرام. 13 - مكانة الكعبة الشريفة، وأَنها قيام للناس جميعاً وأمان للإِنسان والحيوان. فهي حَرَم آمن. 14 - إِشهاد المحتضر على وصيته اثنين ذَوَيْ عدل وحلفهما.

15 - وفيها ذكر للمعجزات التي أَظهرها الله على يدي المسيح تصديقا له، وتأْييدا. وطلب الحواريين منه أَن يسأَل ربه أَن ينزل عليهم مائدة من السماءِ. 16 - وفي الختام، ذكَرَت يوم القيامة، وأَنه اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم، وجزاءُ الله لهم عليه. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)). المفردات: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ): الوفاءُ؛ الإِيتاءُ بالشيء وافيا. والعقود: جمع عَقْد. والمراد منه هنا: العهد الموَثَّق. (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ): البهيمة؛ هي ما لا عقل له من الحيوان. وخصصت - في العرف - بذوات الأَربع. والأَنعام: هي الإِبل والبقر والغنم .. وأُلْحِق بِها ما يماثلها .. كالظباء وبقر الوحش وَحُمُرِه. والإِضافة هنا: بيانية أَي بهيمة هي الَأنعام. (حُرُمٌ): أَي محرمون بالحج أَو العمرة. التفسير 1 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .... ) الآية. ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤْمنين، آمرا إِياهم: بالوفاء بجميع العقود.

وهذا أَمر عام: يشمل جميع ما أَلزم الله به عباده، وعقده عليهم: من التكاليف والأَحكام الدينية، وما يعقدونه - فيما بينهم - من عقود الأَمانات والمعاملات ونحوها، مما يجب الوفاء به. فيجب على كل مؤْمن - بمقتضى أَمر الله - سبحانه وتعالى - أَن يَفِيَ بما عقده وارتبط به. ما لم يكن العقد محلّلًا لِحَرَامٍ، أَو محرِّما لحلال؛ فذلك يحرم تنفيذه كما حَرُمَ توقيعه. أَمر الله - سبحانه وتعالى - المؤْمنين بالوفاءِ بالعهود على وجه الإِجمال. ومنها إِباحة تناول الطيبات، وتحريم الخبائث. وبدأَ بما يتعلق بضروريات المعايش فقال: (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأنْعَامِ): أَي أُحلت لكم - أَيها المؤْمنون - أَكل بهيمة الَأنعام: من الِإبل والبقر والغنم وما شابهها. من الظباءِ، وبقر الوحش، والحمر الوحشية. (إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ): استثنى من هذه الَأطعمة ما سيتلى في الآية الثالثة من هذه السورة، مما حَرمَّه الله سبحانه فإِنه يجب اجتنابه. (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأنتُمْ حُرُمٌ): أَي: هذه الأَنعام حلالٌ لكم، حالة كونكم غير مُحِلِّي الصيد وأَنتم محرمون بالحج أَو العمرة. فلا يجوز لكم الاصطياد - أَو الانتفاع بالمصيد - ما دمتم محرمين فإِذا تحللتم من إِحرامكم، فلا جناح عليكم أَن تصيدوا، أو تنتفعوا بالمصيد، ولكن في غير الحرم. أما الحَرَمُ، فلا يحل الاصطياد فيه، ولا الانتفاع بما صيد فيه، سواءٌ في ذلك المحْرِم وغير المحرِم.

(إنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ): أَي: إِن الله - سبحانه وتعالى - يقضي في خلقه بما يشاءُ. ومن ذلك تحليل ما أَراد تحليله، وتحريم ما أَراد تحريمه ... كما يشاءُ حسبما يعلمه - سبحانه وتعالى - من المصالح لعباده، لا حسب شهواتهم وأَهوائهم. وفي ختم الآية بذلك، بيان أَن موجب الحكم والتكليف، هو إِرادته سبحانه وتعالى، فلا اعتراض عليه فيما شرع. ولا معقب لحكمه. وعلى العباد أَن يمتثلوا أَمره تعالى، ويجتنبوا نهيه، وفاءً بعهده. سواء أَدركوا حكمة التشريع، أَم لم يدركوها. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2). المفردات: (شَعَائِرَ اللهِ): جمع شعيرة، وهي: العلامة. والمراد: ما جُعِلَ شعارا وعلامة للنسك. من مواقف الحج. (الشَّهْرَ الْحَرَامَ): الَأشهر الَأربعة التي حرَّمها الله وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.

(الهَدْيَ): ما يُهدَى إِلى الحَرَم الشريف من الأَنعام. (الْقَلَائِدَ): جمع قلادة، وهي: ما يُعَلَّق في عنق الأَنعام، علامةً على أَنها هَدْى. والمراد: ذوات القلائد. (آمِّينَ): قاصدين. (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ): لا يَحْمِلَنَّكُم. (شَنَآَنُ): بُغْض. (صَدُّوكُمْ): منعوكم. (الْبِرّ): كلمة تجمع وجوه الخير. (الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ): الِإثم؛ الذنب مطلقا. والعدوان؛ خاص بما يقع على الغير. التفسير لمَّا بيَّن الله - سبحانه وتعالى - حُرْمة الاصطياد في الِإحرام، عقب ذلك بنهي المؤمنين عن استحلال شعائر الله، ومعالم حدوده فقال: 2 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ ... } الآية. هذا نداءٌ: ثانٍ من الله تعالى للمؤمنين، في قوة النداء السابق بالوفاء بالعقود، لتساوي الحكمين وجوبا فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ}: أَي لا تستبيحوا وتنتهكوا أيَّةَ شعيرة من شعائر الدين: في الحج أَو غيره؛ لأَنه يؤَدي إِلى الاستخفاف بالشرع. وذلك كفر بالله - سبحانه وتعالى - لأَنه هو المُشرِّع. (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ): أَي: ولا تستبيحوا وتستحلوا القتال في الأَشهر الحُرُم، وذلك لحرمة القتال فيها، إِلا إِذا اضطُررتم إِلى ذلك. فإِنه لا يحرم عليكم القتال فيها. قال تعالى: "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ... " (¬1). ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 194

والأَشهر الحُرُمُ هي: - كما قدمنا - ذو القعدة، وذو الحِجة، والمُحرم، ورجب. (وَلَا الْهدْىَ ولَا الْقَلائِدَ): كذلك نهاهم أَيضا، عن أَن يعتدوا على الهَدْيِ الذي يُهدَى إِلى الحرم، من الأنعام لينتفِع به عباد الله، أَو أَن يعتدوا على ما قُلِّدَ من هَدْيِ الأَنعام، فَجُعِلتْ به علامة للدلالة على أَنه مُهْد إِلى بيت الله، وذلك بقوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ): وخص القلائد بالنهي عن الاعتداءِ عليها - مع أَنها داخلة في الهَدي - تشريفا لها، واعتناءً بها. والمراد من إِحلالِ الهَدْيِ والقلائد المنهي عنه - غصبها، أَو منعُها من بلوغ محلها، أَو إِصابتها بسوءٍ، وذهب ابن كثير إِلى أَن المعنى: لا تتركوا عبادة الإِهداءِ إِلى البيت الحرام فإِن فيه تعظيم شعائر الله. ولا تتركوا تقليدها في أَعناقها لتُعْرَف به عما عداها من الأَنعام، وليعلم أَنها هدى إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوءٍ، وتبعث من يراها على الإِتيان بمثلها. ونهى الله أَيضا، عن أَن يتعرضوا لقاصدي البيت الحرام بسوءٍ، فقال: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن ربِّهِمْ وَرِضوَانًا): وذلك لأَنهم إِنما قصدوا أَداءَ المناسك، وابتغاءَ فضل الله ورضوانه. وهذه المنهيات كلها، دليل على أَن الله يوجب أَن يكون زمان الحج ومكانه، وقاصده والبيت الحرام وما يهدى إِليه - كل ذلك - في أَمْن واطمئنان، فلا خوف ولا اضطراب في أَداءِ هذه الفريضة. وتكرار "لا" أَربع مرات في (وَلَا الشَّهْرَ الْحرَامَ)، (وَلَا الْهَدْيَ)، (وَلَا الْقَلائِدَ)، (وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) للدلالة على أَن قوة التحريم في كلٍّ واحدة. وذكر كل واحدة من هذه المنهيات الخمس منفردة، مع أَنها مجمَلة في (شَعائِرِ اللهِ): لأَهميتها.

(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا): أَي وإِذا تحللتم أَيها المؤْمنون - من إِحرامكم وخرجتم من أَرض الحرم، فقد أُحِلَّ لكم الاصطيادُ والانتفاع بالمصيد، كما تشاءُون. فإِنما حُرم عليكم الصيدُ - في أَرض الحرم - سواء كنتم محرمين أَو محلين .. وكذلك حرم عليكم الصيدُ في حال الإِحرام - مطلقا - في أَي أَرض تكونون. (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا): أَي: ولا يحملنكم بغضكم للمشركين - بسبب صدهم إِياكم - عن أَداءِ العمرة عام الحديبية بغير حق .. لا يحملنكم هذا البغض على الاعتداءِ عليهم بغير حق. وهذا من عدالة الإِسلام وسماحته، فهو يكره الاعتداءَ دائما. وهذه الآية - وإِن نزلت في شأْن عمرة الحديبية - فإِن حكمها عام في منع الاعتداءِ على الناس بغير حق، لدافع الكراهية أَو البغضاءِ. (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَقْوَى (¬1)): أَتبع الله - سبحانه وتعالى - النهي عن العدوان، بالأَمر بالتعاون على البر والتقوى، وكل ما فيه خير وصلاح للفرد والمجتمع. (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ): نهى - سبحانه - عن التعاون على المعاصي والمنكرات، وكل ما فيه إِضرار بمصالح الأَفراد والجماعات. وعقب تلك النواهي بالتحذير من مخالفتها، فقال: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ): ¬

_ (¬1) راجع تفسير الآية: (177) من سورة البقرة.

أَي: ولتكن تقوى الله - دائما، والخشية منه - ماثلة أَمام أَعينكم، في كل ما تأَتون وما تتركون، فراقبوه دائما في جميع أَعمالكم .. ومن أَهمها: تنفيذ ما أُمِرتم به، وترك ما نُهيتم عنه، واحذروا شديد عقابه، وأَليم عذابه، على المخالفة والعصيان. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)). المفردات: (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ): الإِهلال، رفع الصوت، والمراد مما أُهِل لغير الله به: ما ذكر غير اسم الله عليه عند الذبح. (الْمُنْخَنِقَةُ): ما ماتت خنقًا. (الْمَوْقُوذَةُ): هي التي ضُرِبت حتى ماتت. (الْمُتَرَدِّيَةُ): ما سقطَت من علو فماتت. (وَالنَّطِيحَةُ): ما نطحها غيرها حتى ما تت. (السَّبُعُ): كلُّ حيوان مفترس.

(ذَكَّيْتُمْ): ذبحتم ذبحا شرعيا. (النُّصُب): جمع نصاب. وقيل: واحد الأَنصاب، وهي أَحجارٌ نصبوها حول الكعبة. وكانوا يذبحون عليها ويعظمونها. (تَسْتَقْسِمُوا): تطلبوا معرفة ما قسم وقُدِّر لكم. (بِالأَزْلَامِ): جمع زلم، وتسمى القداح، وهي سهام كانت عندهم في الجاهلية؛ يطلبون بها معرفة ما قسم لهم بتناولها، من نحو كيس وضعت فيه، وسيأْتي شرح ذلك. (فِسْقٌ): خروج عن طاعة الله. (يَئِسَ): اليأْس؛ انقطاع الرجاءِ. (مَخْمَصَةٍ): شدة الجوع. (مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ): مائل إِلى الإِثم، من الجنف وهو: الميل. التفسير 3 - (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِه ... ) الآية. بعد أَن ذكر الله - سبحانه - أَنه أَحل بهيمة الأَنعام، شرع في بيان المحرمات منها، التي استثناها بقوله: "إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ". وهي عشرة أَنواع: 1 - (الْمَيْتَةُ): وهي التي ماتت بدون تذكية مشروعة، لأَن الغالب فيها: أَنها ماتت من مرض، فلا يحل أَكلها؛ لما فيها من الضرر؛ ولأَنها تعافها الأَنفس. 2 - (وَالدَّمُ): والمراد به؛ الدم السائل. وحكمة تحريمه، أَن فيه من الجراثيم والفضلات ما يؤذي مَن يتناوله. بخلاف المتجمد منه، وهو الكبد والطحال وما يتخلل اللحم، فإِن هذه ليست من الدم المسفوح، وليست محرمة. 3 - (وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ): والمراد، لحمه ودهنه، وكل شيءٍ فيه. وذلك: لخبثه، وللأَضرار. التي تنشأُ عن أَكله.

4 - (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ): أَصل معنى الإِهلال؛ رفع الصوت، وكان أَهل الجاهلية يذبحون باسم أَصنامهم، رافعين أَصواتهم بذلك. والمراد منه: ما ذبح على غير اسم الله؛ لأَن الذبح لغير الله فيه تعظيم لذلك الغير. والآكل من هذا المذبوح مشارك في التعظيم لغير الله. 5 - (وَالمُنْخِنقَةُ): وهي التي ماتت خنقا ولم تذبح؛ وذلك لاحتباس الدم فيها وسواءٌ أَكان الخنق بفعلها أَم بفعل غيرها، فإِنها لا تحل. 6 - (وَالْمَوْقُوذَةُ): وهي التي قذفت بمثقل كالحجارة ونحوها، حتى ماتت من الوقذ. أَي من الضرب، ولم تذبح ذبحا شرعيا. 7 - (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): وهي التي سقطت من مكانٍ عالٍ، أَو هوت في بئر فماتت من التردي. 8 - (وَالنَّطِيحَةُ): وهي التي نطحتها غيرها فأَماتتها. 9 - (وَمَا أَكَل السَّبُعُ): أَي ما افترسها السبع وأَكل منها، فلا يؤكل ما بقى، وكذا الحكم لو افترسها فماتت ولم يأَكل منها. وهذه الأَنواع من المنخنقة - وما عطف عليها - إِن أُدركَت وبها حياة فذكيت ذكاة شرعية، حَلَّ أَكلها. واشترط الأَحناف في الحياة، أَن تكون فوق حياة المذبوح. وقال غيرهم: يكتفى فيه أَن تدرك وبها حياة في الجملة كأَن تطرف عينها، أَو تضرب برجلها أَو غير ذلك. فمتى أَدركها الإِنسان وبها مثل هذا النوع من الحياة فذكَّاها - أَي ذبحها - حل أَكلها. 10 - (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ): والنصب حجارة نصبها أَهل الجاهلية حول الكعبة. وكانوا يذبحون عليها، تقربا للأَصنام. وهو حرام؛ لأن في هذا الذبح تعظيمًا للأصنام، وهو إِشراك بالله سبحانه وتعالى.

وهذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى؛ إِنما حرمت لأَن فيها إضرارا بالصحة أَو العقيدة. (وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ): كانوا يستقسمون بالأَزلام، أَي يطلبون معرفة ما لهم وما قدر عليهم، عن طريق الأَزلام. والأَزلام: قطع من الخشب على هيئة السهام. وتسمى القداح. وهي ثلاثة: مكتوب على أَحدهما: أَمرنى ربي. وعلى الآخر: نهاني ربي. والثالث غفل من الكتابة. وكانوا في الجاهلية إِذا أَراد أَحدهم سفرا أَو غزوا. أَو زواجا أَو بيعا أَو نحو ذلك، أَتى إِلى بيت الأَصنام أَربابهم؛ ليطلب معرفة ما قسم له من هذا الذي أراده: أَيُقْدِم عليه؟ أَم يُحجِم عنه؟ فيحرك هذه الأَزلام، فإِن خرج الذي عليه، أَمرني ربي: أَقدم على الفعل. وإِن خرج الذي عليه، نهاني ربي: أَمسك وإِن خرج الثالث وهو الغفل: أَعاد ثانيا حتى يخرج الآمر أَو الناهي. وهذا من الخرافات والأَوهام. التي لا يقدم عليها إِلا من سيطر على عقله الجهل. وجعل نفسه ألعوبة في أَيدي الكهان. ومن يدعون معرفة الغيب. والإِسلام بريء من كل ذلك فطلب معرفة الْحَظِّ - عن طريق التنجيم وضرب الرمل والودع، وفنجان القهوة وما شابه ذلك - من الأُمور التي لم يشرعها الله. وإِنما حرم الاستقسام، ومعرفة النصيب على هذا الوجه وما شابهه؛ لأَن خروج ورقة أَو نحوها؛ عليها: أَمرني ربي. أَو: نهاني ربي - رجمٌ بالغيب، وتَقَوُّلٌ على الله تعالى؛ لأَنه لا يمكن تعرُّف أَمر الله أَو نهيه بمثل هذا الطريق؛ لأَن الله لم يعط هذه الكائنات - أَو غيرها - معرفة قَدَرِه الذي استأثر بعلمه. قال تعالى: " ... وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (¬1). فكيف نطلب العلم عن طريقها وفاقد الشيء لا يعطيه؟ ¬

_ (¬1) لقمان، من الآية: 34

وإِن أَولئك الذين يلجأُون إِلى العرّافين والمنجمين ونحوهم، إِنما يتركون جانب الله العلم القدير، ويركنون إِلى أدعياء يجهلون كل شيء عن مراد الله تعالى، ويعرّضون أَنفسهم؛ لسخط الله، إِلى جانب إِهدار عقولهم وبذل أَموالهم فيما يضرهم ولا ينفعهم. ولقد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - الاستخارة في الأُمور كلها. وهي من الالتجاءِ إِلى الله تعالى: أَن يقدر الخير لفاعلها ويُرَضِّيه به. روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأَمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إِذا هَمَّ أَحدُكُم بالأَمرِ فَليَركَعْ رَكْعَتَيْن من غَيْرِ الفَريضَةِ. ثُمَّ ليَقلْ. اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ. وأَستَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وَأَسأَلُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيم. فَإِنَّكَ تَقْدِر وَلَا أَقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولَا أَعْلَمُ. وأَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهُم إِنْ كُنت تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمرَ - ويُسَمِّي حاجَتَهُ - خَيْرٌ لي في دِيِني وَمَعاشِي وَعَاقِبَةَ أَمْري - أَو قَالَ عاجِلَ أَمْري وآجِلَةُ - فَاقْدُرْهُ لِي، ويَسِّرْهُ ليِ، ثُمَّ بارِكْ لِي فِيه. وإِنْ كُنتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ - ويُسَمِي حاجَتَهُ - شَرٌّ لِي في دِيِني ومَعاشِي، وعَاقبَةِ أَمْري - أَو قال في عاجِلِ أَمْري وآجِلِه - فاصْرفْهُ عَنِّي واصْرفْنِي عَنْهُ، واقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثمَّ رَضِّنِي - أَو أَرضِنِي - بِه". (¬1) هذه هي الاستخارة المشروعة لمن أَراد أَن يوفقه الله لعمل الخير، وخير العمل. (ذَلِكُمْ فِسْقٌ): المشار إِليه، هو: كل ما ذكر من المحرمات السابقة؛ لأَن ارتكاب شيءٍ منها خروج عن طاعة الله تعالى، وعن دينه وشرعه. ولذلك كانت فسقًا. (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ): المراد باليوم: يوم نزول هذه الآية، وهو عشية عرفة: عام حجة الوداع كما رواه الشيخان عن عمر رضي الله عنه. وقد أَخبر سبحانه وتعالى، عباده المؤمنين، بأَن الكفار قد انقطع رجاؤهم من زوال دين الإِسلام. أو النَّيل منه ومن أَتباعه. فقد بدّل الله المؤمنين من ضَعْفِهِمْ قوةً، ومن خوفهم أَمْنًا، ومن فقرهم غنًى. فوجب عليهم أَلَّا يخشَوْا إِلا الله، وأَلَّا يرهبوا أَحدًا سواه. ¬

_ (¬1) البخاري: ج 1 - باب التهجد بالليل.

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ): وقد أَكمل الله الدين لعباده. فبين حلاله وحرامه. فليسوا في حاجة إِلى تحليلٍ أَو تحريم بعد ذلك. وما كان من حكم غير منصوص، جاءَ عن طريق: الإِجماع، أَو القياس - فهو مستمد من الكتاب أَو السنة. (وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي): وأَتم الله عليهم نعمة النصر على الأَعداءِ والغلبة عليهم. فأَصبحَتْ لهم اليدُ العليا، ودخلوا مكة ظافرين منتصرين، وأَدَّوُا المناسك آمنين مطمئنين، وهُدِمَت معالمُ الجاهلية، وأُبْطِلت مناسِكُها، وانتَشَر الإِسلامُ في أَرجاء الجزيرة العربية. (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا): واختار الله لهم الإِسلام دينا .. فمن طلب الهدى في غيره، فقد ضل سواءَ السبيل، وخسر خسرانا مبينا. (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في اْلآخِرَةِ مِنَ الخَاِسرِينَ) (¬1). وبنزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلَامَ دِينًا): عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَن رسالته تمت، وأَن أَجله اقترب، وأَنه عما قريب - لاحق بالرفيق الأَعلى. (فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): هذا الجزءُ من الآية يتصل بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) إِلى قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) وقد توسط قوله تعالى: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) إِلى هنا؛ لتأْكيد التحريم لما تقدم ذكره، لأَن تحريمَ هذه الخبائث، من جملة الدين الكامل. أَي: ما ذُكِر من المحرماتِ السابقة - محظورٌ تناول أَي شيءٍ منه في حالة الاختيار، ولكن قد يقع الِإنسان في الأَضرار بأَن تصيبَه مخمصة - أَي مجاعة - فتضطرَّهُ إِلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات، إِنقاذًا لحياته، لأَنه لا يجد غيرَها أَمامه. فكان من رحمة الله بعباده أَن رَفَعَ الحرج عن المضطر، إِذا تناول شيئًا من هذه المحرمات، بشرط أَن يكون غير متجانف لإِثم: أَي غير مائل إِلى الإِثم. وذلك بتجاوزه حد الضرورة. ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى: (فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ): ¬

_ (¬1) آل عمران، الآية: 85

أَي لا يؤَاخِذ الله من يُضْطَرُّ إِلى ذلك. وهذا من مظاهر رحمته سبحانه. وقد قررت الآية مبدأَين من مباديء التشريع، بني عليهما كثير من فروع الشريعة؛ أَولهما: أَن الضرورات تبيح المحظورات. ثانيهما: أَن الضرورة تقدر بقدرها .. وهذا من يُسْرِ الإِسلام وسماحته قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (¬1). (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5). المفردات: (الطَّيِّبَاتُ): ما طاب من الأَطعمة وحَلَّ. (الْجَوَارِحِ): واحدها جارحة. وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور. ¬

_ (¬1) الحج، من الآية: 78.

(مُكَلِّبِينَ): مبالغين في تدريبها على الصيد. فالمكلِّبُ: مؤَدِّب الجوارح ومدربُها على الصيد. (الْمُحْصَنَات): العفيفات. (مُسَافِحِينَ): مجاهرين بالزنى. (أَخْدَانٍ) جمع خدن. وهو؛ الصديق في السر. يطلق على الذكر والأُنثى. والمراد من قوله: "وَلَا مُتَّخِدِي أَخْدَانٍ": ولا مسِرّين بالزنى مع الصديقات. (حَبِطَ عَمَلُهُ): بطل ثواب عمله. التفسير 4 - (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) الآية. أَخرج ابن أَبي حاتم عن ابن جبير: أَن السائل: عديُّ بنُ حاتم. وزيُد بن المهلهل الطائيان - وكانا أَهل صيد - قالا: يا رسول الله، إِنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة. وإِن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباءَ. فمنه ما ندرك ذكاتَهُ. ومنه ما تقتله، فلا ندرك ذكاته. وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت الآية. (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ): يسأَلك المؤْمنون: ماذا أَحل الله لهم من الطعام؟ فقُلْ لهم يا محمَّد: أَحَلَّ لكم ما تستطيبون أَكلَه وتشتهونه مما حَلَّ لكم .. ولا شك أَن الأَشياءَ الممنوعة التي ذكرت في الآية السابقة، إِنما هي من المستقذرات التي تعافها النفوس بطبيعتها، ولا تشتهيها إِلا إِذا انحرفت عن طبيعتها وفطرتها. (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ): وأَحل لكم كذلك صيد ما علمتم من الجوارح.

(مُكَلِّبِينَ): أَي مبالغين في تعليمها، بحيث تُصبح إِذا أُرسِلت استرسلت. وإِذا زُجرت ازدجرت، وإِذا أَمسكت صيدّا لم تأْكل منه شيئًا. وذلك هو ما عناه الله بقوله سبحانه: (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ): أَي: تعلمونهن بعض ما علمكم الله من الحيل في الصيد. (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ): أَي: فكلوا من الصيد الذي أمسكته هذه الجوارح عليكم ومن أَجلكم. بأَن لم تأْكل منه شيئًا. أَمَّا إذا أَكلت منه فلا تأْكلوه؛ لأَنها أَمسكته لنفسها، بدليل أَنها أَكَلت منه. وذلك ناشيءٌ من أَنها لم يتم تعليمُهَا. (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ): أَي: واذكروا اسم الله على هذه الجوارح التي علمتموها عند إِرسالها. روى أَصحاب السنن من حديث عدي بن حاتم: أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِذا أَرسَلْتَ كلَابَكَ المعلَّمَةَ، وذكرتَ اسمَ اللهِ، فَكُلْ مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إِلا أَن يأْكُلَ الكلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، فِإني أَخافُ أَن يَكونَ إِنَّما أمْسَكَ على نَفْسِه". ولأَجل هذا الحديث الذي شرح المراد من الآية، قال بعض الفقهاءِ: بحرمة الصيد الذي أَكل منه الجارح ولم يدركه الصائد حيا؛ لأَنه أَمسكه على نفسه. وقال مالك والليث: يُؤْكَلُ وإِن أَكَلَ منه الكلبُ. وقال أَبو حنيفة وأَصحابه: إِذا أَكل الكلبُ من الصيد فلا يُؤْكلُ منه، ويُؤْكلُ صيدُ البازي وإِن أَكل منه؛ لأَن تأْديب سباع الطير إِلى حد أَلا تأْكل منه متعذر، بخلاف الكلاب فإِنه غير متعذر.

وإِن أدرك الصائد ما أكل منه السبع حيًّا حياة مستقرة. فذَكَّاه - أي ذبحه - حلَّ أَكلُه اتفاقًا، لقوله تعالى: (وَمَا أكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ). وإن كانت حياته غير مستقرة وذكاه، فالحكم كذلك عند الجمهور لعموم الآية. قال أَبو طليحة الأسدي: "سأَلتُ ابنَ عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنيها، ثم انتشر قصبها - أَي أَمعاؤها - فَأَدْرَكْتُ ذكاتَها، فذكّيتُها، فقال: كُلْ، وما انتشر من قصبها فلا تأكل". قال إسحاق بن راهويه: السُّنة في الشاة، على ما وصف ابن عباس. فإنها - وإن خرجت أَمعاؤُها - فهي حية بعد. وموضع الذكاة منها سالم. وإِنما يُنْظرُ - عند الذبح - أَحية هي أَم ميتة؟ ولا ينظر إِلى ما أصابها: هل تعيش معه أم لا؟ قال ابن إِسحاق: ومن خالف هذا فقد خالف جمهور الصحابة وعامة العلماء. (وَاذْكُرُوا اسْم اللهِ عَلَيْهِ): هذا أمرٌ بتسمية الله - تعالى - عند إرسال الكلب والطير على الصيد. فالحكم في التسمية عنده، كالحكم فيها عند الذبح. وقيل: هو أمر بالتسمية على الصيد عند الأكل منه. قال الآلوسي: وهو بعيد، وإن استظهره أبو حيان. واستيفاءُ الأحكام مبسوط في المراجع الفقهية، فليرجع إليه من شاءَ. (وَاتَّقُوا الله أن اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): واتقوا الله - أيها المؤمنون - في هذه الحدود، فلا تتجاوزوا ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم. إن الله رقيب عليكم، ومحاسبكم على ما قدمتم من أعمال.

وتذييل الآية، بالأَمر بالتقوى - إِثر بيان حكم الصيد - لِحَثِّ متعاطيه على التقوى، دَفْعًا لِمَظَنَّةِ التهاون والغفلة عن طاعة الله. واستُدِل بالآية: على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة؛ لأَن التعليم قد يحتاج إِلى ذلك، وعلى إِباحة اتخاذ الكلب للصيد. ومثلة الحراسة، والانتفاع به فيما يحقق المصالح العامة، مثل تعقب اللصوص، وإِنقاذ الغرقى، وقيادة العميان. 5 - (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ .. ) الآية. هذا الحكم - فضلا عن أنه تأْكيد لما سبق؛ تمهيد لما سيترتب عليه، في قوله سبحانه: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ): أَي: وطعام أَهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، حلالٌ لكم أَيها المؤمنون، وذلك لمخالطتهم للمسلمين. والمقصود من الطعام: ما يعم الذبائح، إِذا كانت من الأَنواع التي يُحِلُّها الإِسلام. (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ): أَي: ويحل لكم أَن تطعموهم من طعامكم الذي أَحل الله لكم، كالأَبقار والأَغنام، لأَن الإِسلام لا يرى مجرد المخالفة في الدين، مانعة من المؤَاكلة. (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ): بعد بيان ما أَحل من الطعام، ذكر الله تعالى حِلَّ المحصناتِ بالزواج، لينهى عن العادة الذميمة وهي السفاح. والمراد بالمحصنات من المؤْمنات: أَي العفيفات. على ما ذهب إِليه الحسن والشعبي، أَو الحرائر على ما ذهب إِليه مجاهد. وقال جماعة: هن العفائف والحرائر. وتخصيصهن بالذكر، للحث على ما هو الأَوْلى، لا لحرمة ما عداهنَّ فإِن نكاح الإِماء المسلمات بشروطه - جائز بالاتفاق. وكذا نكاح غير العفائف منهن.

وأَما الإِماءُ الكتابيات: فهن كالمسلمات عند أَبي حنيفة. وفهم أَبو عبيد من تفسير مجاهد للمحصنات بالحرائر أَنه لا يذهب إِلى حِل نكاح إِماءِ أَهل الكتاب لقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) (¬1). قال القرطبي: وهذا القول الذي عليه جلةُ العلماءِ. أهـ. من الآلوسي والقرطبي. (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ): وكذلك أُحِلَّ لكم تزوجُ الحرائِر العفيفاتِ من الكتابيات، مثل العفيفات من المؤمنات. وهذا من سماحة الإِسلام وعدالته في معاملة أَهل الكتاب. (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ): أَي أعطيتموهن مهورهن. وقيد حلّ المحصناتِ من المؤْمنات ومن أَهل الكتاب بإِتيانهن لتأْكيد وجوبها، لا لتوقف الحِلّ على إِتيانها، فإِن الزواج يحل بالصداق المؤجل، كما يحل إِذا تم بدون مهر، فإِنه ليس من أَركان العقد، ولا من شروط صحته. ولكنه يتقرر فيه - أَي في العقد بغير ذكر المهر - مهر المثل بالوطء؛ لأَن الوطءَ لا يباح بمجرد الإباحة، بل لا بد من العقد؛ لما فيه من حق الله تعالى. وسمى اللهُ المهور أُجورًا؛ لأَنها عوض عن الاستمتاع بهن، كما قاله ابن عباس وغيره. وتسمى صداقا؛ لأَنها مشعرة بصدق رغبة باذليها في الزواج، وقد فرضت لذلك إِعزازا للمرأَة وتكريما لها. وقد أَوجب الله أَن يكون الغرض من الزواج، الإِحصانَ والعفة، فقال تعالى: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ): أَي: أَعفَّاءَ غير مجاهرين بالزنى، ولا مُسِرِّين به، مع الخليلات والصديقات. وكما أَن هذا هو المطلوب بالنسبة لزواج الرجل، فهو مطلوب بالنسبة لزواج المرأَة. ¬

_ (¬1) النساء، من الآية: 25

والأَخدان: جمع خدن وهو الصديق، ذكرا كان أَم أُنثى. (وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ): أَي: من ينكر شرائع الإِيمان وفروعه، وقوانينه وأَحكامه، التي من جملتها: ما بَيَّن هنا من الأَحكام المتعلقة بالحِل والحرمة، ويمتنع عن قبولها، من يفْعل هذا: (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ): فقد بطلَ عمله، فلا يُعْتدُّ به، وضلَّ سعيه. (وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ): ويكون في الآخرة من الهالكين. وفي ذلك تعظيم لشأْن ما أَحلَّه الله وما حرَّمه، وتحذيرٌ من المخالفة لشرائع الدين، وتغليظٌ للعقوبة على مَن خالف ذلك. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7).

المفردات: (قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاِة): أَردتم القيام إِليها وأَنتم مُحْدِثون. (المَرَافِقِ): جمع مرفق؛ وهو ما يصل الذراع في العضد. (الكَعْبَيْنِ): العظمين الناتئين من الجانبين. عند مفصل الساق والقدم. (الْغَائِطِ) المنخفض الواسع من الأَرض. وهو هنا؛ كناية عن قضاءِ الحاجة. (لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ): كناية عن الاتصال الجنسي، أَو مطلق المباشرة. (صَعِيدًا): الصعيد؛ وجه الأَرض البارز. (طَيِّبًا): طاهرا. (مِيثَاقَهُ): عهده. (وَاثَقَكُم بِهِ): عاهدكم به. التفسير 6 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم ... } الآية. بعد ما بَيَّن الله تعالى، الأَحكامَ المتعلقة بالأَطعمة وغيرها، شرع في بيان أَحكامٍ أُخرى، تتعلق بالعبادات فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ): يَأَيها الذين آمَنُوا إِذا أَردتم القيام إِلى الصلاة وأَنتم محدثون. (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ): فتوضأُوا بغَسل وجوهكم وأَيديكم إِلى المرافق. (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ): (وَأَرْجُلَكُمْ): بالنصب، عطفا على (وُجُوهَكُمْ): داخلا معها في حكم الغسل، فواجب الرجلين هو الغسل عند الأَكثرين؛ ومنهم الصحابة. وفي توسيط مسْح الرأْس بينَ

الأَعضاء التي تغسل، إِيماءٌ إلى وجوب مراعاة الترتيب. كما ذهب إِليه الشافعية إِذ لو لم يكن الترتيب واجبا، لأتى بالأَعضاء التي تُغْسل متتابعة، وأَخَّر عنها الممسوح. وقرئ (وَأَرْجُلِكُمْ): بالجر، عطفا على (رُءُوسِكُمْ): ولا يفيد ذلك أَن الواجب في الرجلين هو المسح، بل للإِيذان بأَنه لا ينبغي الإِسراف في غسلهما. والمسح هنا محمول الغسل كما صرح به كثير من أَهل اللغة. يقال للرجل إِذا توضأَ: تمسح، ويقال مَسَحَ المطرُ الأَرضَ: إِذا غسلها. وقيل المسح على ظاهره. والأرجل معطوفة على المغسولات. كما في قراءَة النصب .. والجرِّ بسبب المجاورة. ويرى الشيعة الإِمامية: أَن الواجب في الرجلين هو المسح، أَخذًا من قراءَة الجر .. وأَوجب داود: الجمع بين المسح والغسل فيهما، مراعاة للقراءتين. والأَرجح: هو رأَي جمهور الفقهاء. وهذا الوضوءُ: شرور من شروط الصلاة على المحدث حدثا أَصغر. فلا تصح الصلاة بدون الوضوء. روى الشيخان عن عمرو بن عامر الأَنصارى، قال: "سمعتُ أَنَسَ بنَ مالك يقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأُ عند كل صلاة. قال: قلتُ: فأَنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوءٍ واحد، ما لم نُحدِثْ". وروى البخاري عن أَبي هريرة، مرفوعًا: "لا يَقبلُ الله صلاةَ أَحدِكُم إِذا أَحدثَ حتى يتوضأَ". والمذكور في الآية من فرائض الوضوءِ: غسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأْس، وغسل الرجلين مع الكعبين. على خلاف بين الأَئمة في المقدار الممسوح من الرأْس. فيرى الشافعية أَن المراد بمسح الرأْس: البعض ولو شعرة، لأَن الباءَ للتبعيض. ويرى الحنفية: أَن المراد: ربع الرأْس من أَي جانب ويستدلون بما رواه مسلم عن المغيرة: "أَن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوضأَ فمسحَ بناصيتهِ" فهذا الحديث بيَّن المجملَ في الآية.

والباءُ عندهم في (بِرُءُوسِكُمْ): للإِلصاق. ويرى المالكية والحنابلة أن المراد: مسحُ جميع الرأس. والباءُ عندهم في (بِرُءُوسِكُمْ) زائدة، لأَن الفعل "امْسَحُوا" يتعدى بنفسه. وبهذا المذكور في الآية، اكتفى الأحناف في فرائض الوضوء. وزاد عليها غيرُهم فرائضَ أخرى، أُخذَت من مفهوم الآية وغيرها - كما هو مبين في كتب الفقه. (وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَهَّرُوا): هذا بيان لحكم الحدث الأكبر - بعد بيان حكم الحدث الأَصغر - فإِذا كان الإِنسان جُنُبًا بمخالطةٍ أَو باحتلام أَو غيره، فلابد من أَن يتطهر بالغسل. وهو تعيمم الجسد كله بالماء. وقد اختلف الأئمة في وجوب النية في الغسل والوضوءِ. كما اختلفوا في وجوب الدَّلْك أو سُنيَّتَّه. (وَإِن كُنتم مَّرْضَى أَو عَلَى سَفر): يعني: أَن من لم يستطع منكم استعمالَ الماءِ؛ لمرضٍ، أَو كان - مسافرا ولم يجد الماءَ، أو هو في حاجة إِلى الماء لحفظ حياته. {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}: وقد أَحدثتم حدثا أَصغر أَو أكبر. (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا): أَي اقصدوا ترابا طاهرا: فالتيمم: القصد. (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكم منْه): وهو أَن يمسح وجهَه ويَديْهِ: بضربتين يضربهما على الصعيد. إحداهما للوجه، والثانية لليدين، على خلاف بين المذاهب في ذلك.

ويكفيه هذا التيمم عن كل من الطهارتين أَو مجموعهما، حتى يجد الماءَ أَو يقدر على استعماله بزوال عذره. وهو تيمم لكل فريضة مع نوافلها، أَو يصلي به ما شاءَ من فرائض ونوافل؟ خلاف بين الفقهاء ... وفي هذا من اليسر والسهولة والسماحة في الدين، وعدم الضيق والحرج - ما يليق بسماحة الإِسلام. ولذا قال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ): أَي ما يريد الله أَن يشدد ويضيق عليكم أَيها المؤمنونَ بأَن يكلفَكم بما يشق عليكم، فيما شرعه لكم من الوضوءِ والغسل والتيمم. (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ): ولكن يريد - بما شرعه لكم منها - أَن يطهرَكُم من الأَدناس والأَقذار، والذنوب والأَوزار؛ لأَن الوضوءَ والغسل - كما ينظف الجسم من الأَقذار - يكفر الله تعالى به الذنوبَ والخطايا. ولأَن التيمم - بالغبار الطاهر النظيف - مَظْهَرٌ للتواضع والخضوع لله. أَخرج مالك ومسلم وابن جرير، عن أَبي هريرة رضي الله عنه، أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تَوضَّأَ العبدُ المسْلمُ فغَسَلَ وجَهَهُ، خَرَج من وجهِه كل خَطيئةٍ نَظَر إِليْها بِعينيْهِ مع الماءَ، فإِذا غَسلَ يَديْهِ، خَرجَ مِن يديْهِ كُلُّ خَطيئةٍ بطشتْهَا يداهُ مع الماء، فإِذا غَسل رِجليْهِ، خرجَتْ كُل خَطِيئة مَشَتْها رِجْلاهُ مع الماء حَتى يَخْرجَ نقيًّا مِنَ الذنُوبِ". والتيمم - كالوضوءِ - في هذا الثواب الجزيل. (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ): أَي: وشرع لكم ما سبق من الأَحكام - في الوضوء والغسل والتيمم - ليتم نعمته عليكم. (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): ولكى تشكروه دائما على نعمه؛ بطاعتكم إِياه فيما أَمركم به.

7 - {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ... } الآية. أَمرنا الله - سبحانه وتعالى - بأَن نتذكر نعمته علينا، بهدايته إِيانا إِلى الإيمان، وإِنفاذنا به من الكفر، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وإِنما أَمرنا الله سبحانه وتعالى - بأَن نتذكر نعمته علينا لنعرف موجِباتِ شكره فنشكره على أَنعمه ... {وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}: أَي: واذكروا ميثاقه وعهده الذي أخذه عليهم بالسمع والطاعة. والمراد بالميثاق، هو الميثاق الذي أَخذه عليهم، حين بايعهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في العقبة الثانية، سنة ثلاث عشرة من النبوة، على السمع والطاعة، في حال اليسر والعسر، والمنشط والمكره، كما أَخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت. وإِضافة الميثاق إِليه - تعالى - مع صدوره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكون المرجع إِليه سبحانه وتعالى. {وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: أَي: واتقوا الله في سركم وعلانيتكم، وفي كل ما تأْتون، وما تَذَرون، فهو سبحانه وتعالى، عليم بذات الصدور: لا تخفى عليه خافية. والمراد بذات الصدور: النوايا التي اشتملت عليها الصدور والقلوب. وتخصيص العلم بها، للتحذير من المخالفة في السر، وللإِيذان بعلمه بما عداها بطريق الأَولَى. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)}.

المفردات: {قَوَّامِينَ}: أي قائمين حق القيام. {بِالْقِسْطِ}: بالعدل. {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ}: لا يَحْمِلنَّكم. {شَنَآنُ}: بُغض وعداوة. {خَبِيرٌ}: عالم بكل الأُمور على وجه الدقة. التفسير 8 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ .... } الآية. بعد أن بين الله - في الآيات السابقة - من الشرائع ما يتعلق بالمؤمنين - شرع في بيان الشرائع المتعلقة بما يجرى بينهم وبين غيرهم. فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ}: هذا أمر من الله سبحانه وتعالى، لعباده المؤمنين، بأن يكون دَأبهم - دائِما - القيام لله بحقوقه؛ في أنفسهم بالعمل الصالح، وفي غيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ}: أن يؤدوا الشهادة بالعدل، على وجهها الصحيح، من غير مراعاة لقرابة أو صداقة، ومن غير محاباة أَو مجاملة. وعقب ذلك بالنهي عن الجَوْر مع مَن يَبغضونهم، فقال: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا}: أي: ولا يحملنكم بُغْض قومٍ أو عداوتهم - على أن تجوروا في حكمكم، أو تُغيّروا في شهادتكم؛ لأن المؤمن يجب أن يكون - دائما - مؤثِرًا للعدل على كل ما عداه، وأَن يجعله فوق شهواته وأَهوائه. وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}: أي: أن العدل، هو أقرب الطرق الموصلة إِلى تقوى الله وخشيته، وأَنسبُ الطاعات لها.

ثمَّ أمر بتقواه - دائما - في جميع الأحوال والأعمال: ظاهرها وباطنها. فقال: {وَاتَّقُوا اللهَ}: لأن التقوى ملاك الأمر كله. فليحذر المؤمنون مخالفة أمر الله تعالى، وليتمسكوا بالعدل دائما، ولا يحيدوا عنه. {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}: إن الله سبحانه وتعالى - عليم بدقائق أموركم، وسيجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشر. وخَتْمُ الآية بذلك: تحذيرٌ من مخالفة الله، وتنبيهٌ على أنه مطلع على دقائق الأمور. {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)}. التفسير 9 - {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}: أي: وعد الله عباده المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان، وظهرت آثاره على وجوههم فعملوا الصالحات في أنفسهم - وفي روابطهم الاجتماعية - بأَن لهم مغفرةً وأجرًا عظيما. وفي قَرْنِ الإِيمان بالعمل الصالح. دليل على أن العَملَ لا بدَّ مِنهُ، مع التصديق والإذعان؛ ليتحقق وعد الله. ولما كانت الأمور تتميز بأضدادها، فلذا قَرَن وعْدَ المومنين بوعيد الكافرين فقال: 10 - {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... } الآية. أي: كذبوا بآيات الله المنزلة على رسله، وآياتِه التي أقامها في الأنفس والآفاق، للدلالة على وحدانيته، وكمال قدرته وسائر صفاته.

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}: هؤُلاء الكفار المكذبون، سيصلون نارا شديدة التأجج، ملازمة لهم، ملازمة الشيء لصاحبه. وهذا دليل على استحقاقهم لها بأعمالهم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)}. المفردات: {يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ}: يبطشوا بكم. {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ}: فمنعهم عن إيذائكم. التفسير 11 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... } الآية. في هذه الآية، تذكير للمؤمنين بنعمة إنجائهم من شر أَعدائهم، بعد تذكيرهم بنعمة إيصال الخير إليهم. ورد في سبب نزولها - كما في صحيح مسلم وغيره: من حديث جابر - أَن المشركين رَأوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم بعسفان، قد قاموا إلى صلاة الظهر معًا. فلما صلُّوا، ندموا ألاَّ كانوا أكَبُّوا عليهم؟ وهمّوا أن يوقعوا بهم؛ إذا قاموا إلى صلاة العصر بعدها فرد الله - تعالى - كيدهم، بأَن أنزل صلاة الخوف. وقد يكون هذا عندما همَّ المشركون بقتال المسلمين في عام الحديبية. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}:

يذَكر اللهُ تعالى المؤْمنينَ بِنعَمِهِ المذكورة عليهم، ليشكروه عليها، فيداوموا على الطاعة والامتثال لأمره. {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ}: إذ هَمَّ المشركون أَن يبطشوا بكم: بالقتل والإهلاك. {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ}: بأَن مَنَعَهم عنكم بقهره وسلطانه، فلم يستطيعوا أَن ينالوا منكم شيئًا. {وَاتَّقُوا الله}: أيها المؤمنون، في كل ما تأتون وما تتركون. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: وتوكلوا عليه وحده، لا على قوتِكم وبأسكم؛ لأَن المؤْمنين يكلون أَمورهم إِلى خالقهم. {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

المفردات: (مِيثَاقَ): الميثاق؛ العهد المؤَكد - بين طرفين - في شأن هام. (نَقِيبًا): النقيب؛ هو كبير القوم، المعْنِيُّ بشأنهم. {إِنِّي مَعَكُمْ}: ناصركم ومعينكم. {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}: آزرتموهم ونصرتموهم. {أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ}: أنْفَقتم في سبيل الله نفقة طيبة. {لَعَنَّاهُمْ}: اللعن؛ الطرد من الرحمة. {قَاسِيَةً}: شديدة غليظة، لا تقبل خيرا. {خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ}: خيانةٍ وغدرِ منهم. التفسير 12 - {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... } الآية. بعد أن أَمر الله - سبحانه وتعالى - بالوفاءِ بالعهد، وذكَّر المؤْمنين بميثاقه الذي واثقهم به على السمع والطاعة - ذَكَرَ بعضَ ما صدر من بني إسرائيل من نقض العهود؛ وما كان من عقاب الله لهم عليها ليتعظ المؤْمنون، ويعملوا على حفظ نعم الله - تعالى - بمراعاة حق الميثاق، وتحذيرهم من نقضه، فقال: {وَلَقَدْ أخذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}: أَي: لقد أَخذ الله العهد على بني إِسرائيل: أَن يعملوا بما في التوراة، ويقبلوها بجدٍّ ونشاط. وقد أخذ الله عليهم مواثيق فرعية تتصل بما كلَّفهم الله به. ومنها ما سيأتي في الآية التي معنا. وقد سبق بيان بعض المواثيق التي أُخذت عليهم؛ في سورتي البقرة، وآل عمران. فارجعْ إليها وإلى شرحها إن شئت. {وَبَعَثنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا}: وأمر الله موسى عليه السلام: أَن يختار منهم اثنى عشر رئيسا دينيا، يتولون أُمور الأسباط، ويقومون على رعايتم، ففعل، وبعثهم يتحسسون العدوَّ ليقاتلوه.

{وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ}: بالنصر والتأييد على أَعدائكم. أَو المراد منه: أنه معهم بعلمه: يسمع كلامهم، ويعلَمُ ضمائرهم، وأنه مجازيهم على ما يحدث منهم. {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ}: أي أديتموها حق أدائها. {وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ}: وأعْطَيتموهَا مستحقيها، من مال طيبٍ، وكَسْبٍ حلال. {وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي}: كلهم. {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}: نصرتموهم وجاهدتم الأعداء معهم. {وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}: أي: أنفقتم في سيل الله، عن طيب نفس، دون مَنٍّ أو حُبٍّ للفخر والرياء. {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}: لأمحوَنَّ ذنوبَكم. {وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: أي: ولأُدخلنكم - في الآخرة - جناتٍ تجري من تحت أشجارها الأنهار، تَتَنَعَّمُونَ فيها بما أعدَّ لكم من النعيم. وقد أكد الله - تعالى - وعيدَه بالقَسَم وغيره من التوكيدات؛ ليحملهم على تنفيذ مما عاهدوا الله عليه. {فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}: أي: فمن كفر منكم - بعد ذلك الوعد بالنصر، وتكفير السيئات، وإدخال الجنات، بأن نقض العهد والميثاق - فقد حادَ عن الصراط السوي: الذي رسمه الله لهم، كي يسيروا عليه. ولكن بني إسرائيل لم يرفوا يعهدهم، ونقضوا الميثاق، الذي أخذه الله عليهم. فعاقبهم الله تعالى، وفي ذلك يقول سبحانه: 13 - {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ... } الآية. تعرض الآية النتائج المترتبة على موقفهم من الميثاق. فتقول: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ}: أي فبحسب نقضهم عهدهم المؤَكد.

{لَعَنَّاهُمْ}: أي طردناهم من رحمتنا، عقوبةً لهم؛ لأنهم قد فسدت فطرتهم. {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}: أي: أورثنا قلوبهم الغِلظة والقسوة. فهي لا تلين، ولا تنفذ إليها الحجة، ولا تؤَثر فيها الموعظة. {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}: أي يغيرون كلام الله في التوراة، بالمحو والإِثبات، والزيادة والنقصان، وسوءِ التأويل. {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}: أي: وأعرضوا عن بعض ما أمِروا به في التوراة، من إتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والإِيمان به، وغير ذلك. وإنما قال: يحرّفون، ولم يقل: حَرّفوا؛ للدلالة على أن هذا الخلق طبع فيهم؛ تتجدد آثاره آنًا فآنًا. ولذا قال الله - تعالى - لنبيه عقب ذلك. {وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ}: أي: إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لليهود. منتقلة فيهم. من الأصول إِلى الفروع. فلا تزال - أَيها الرسول - تطَّلع من هؤُلاءِ اليهود المعاصرين. على خيانةٍ إثر خيانة. فهم قومٌ لا عهد لهم، ولا وَفَاءَ عندهم. لقد دمغتهم السماوية بالغدر والخيانة والقسوة. فرماهم نبيهم أَرمياءُ بالكذب والسرقة والزنى والشرك، وأَنهم حوّلوا بيت الله إلى مغارة لصوص (¬1). ورماهم السيد المسيح - عليه السلام - بأَنهم مثل القبور المبيضة من الخارج. المليئة بالجيف من الداخل. ووصفهم بأنهم الحيَّات. أَولاد الأفاعي. وأَنهم قَتَلُوا الأَنبياء والحكماءَ، وجعلوا بيت الله مغارة لصوص (¬2). والآيات القرآنية العديدة تؤيد هذه الصفات. ¬

_ (¬1) سفر أرمياء: 7، 8 - 11 (¬2) إنجيل متى: إصحاح: 23 فقرة: 13، 14، 27، 33 - 35

{إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}: وهم من آمنوا بك، واتَّبعوك كعبد الله بن سلام وأمثاله من الذين آمنوا باللهِ ورسوله، فلا تظنن بهم سوءًا، ولا تخف منهم خيانة؛ لأَن الله طهرهم بالإِسلام. {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ}: فاعفُ عما فرط بن هؤُلاء اليهود، واصفح عمن أَساءَ منهم وعامِلْهم بالإحسان؛ تأليفًا لهم، فلعل الله أن يهديهم. {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: وأنت أَحق الناس بالاتصاف بالإحسان، واتباع ما يحبه الله. {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)}. المفردات: {نَصَارَى}: جمع نصران، كندمان وندامى، ولم يُستعمل إلا بياء النسب، وقد صارت كلمة "نصراني" لقبًا لكل من اعتنق المسيحية. قيل: لقبوا أَنفسهم بذلك، على معنى أَنهم أنصار الله. وقيل: نسبة إلى الناصرة بلدة بالشام، استَقر بها المسيح، بعد رجوع أمه به من مصر إلى الشام. {حَظًّا}: نصيبًا أو مقدارا. {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ}: أَي فأَلقينا بينهم العداوة. التفسير 14 - {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ... } الآية. بعد أَن بيَّن اللهُ شرور اليهود وآثامهم، أَتبعه ذكر قبائح النصارى فقال: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ... }. والضمير في قوله: {مِيثَاقَهُمْ} عائد على النصارى.

والمعنى: أي وأَخذنا العهد واليثاق على النصارى: بالثبات على الطاعة، وتصديق الرسل واتِّباعهم. وعبر بقوله: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} بدلا من قوله: (ومن النصارى)، للإيذان بأنهم على دين النصارى بزعمهم، لا حقيقة الواقع؛ لعدم عملهم بموجب دينهم، ومخالفتهم لما في الإنجيل من التوحيد، والتبشير بنبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم. وقيل: للإشارة إلى أنهم لقبوا أنفسهم بذلك، على معنى أنهم أنصار الله، مع أنهم لا ينصرون - بكفرهم وسوء أعمالهم - إِلا الشيطان. {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}: فسلكوا طريق اليهود في نقض العهد والميثاق، وتركوا نصيبًا وافرًا مما ذكِّروا به في كتابهم، من عقيدة التوحيد، ومن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسم. {فَأَغرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاَء}: فكان جزاؤُهم أن بث الله فيهم العداوة والبغضاءَ، حتى صارت صفة ملازمة لهم. {إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: حسبما تقتضيه أَهواؤُهم المختلفة، وعقائدهم المتنافرة. وقد حدث هذا عبر الأجيال إلى يومنا هذا. فكل طائفة من طوائفهم: تُكفِّر الأخرى، وتحرم التزاوج منها. وبالرجوع إِلى التاريخ، تعرف هذه الحقيقة القرآنية الحليلة. ولا يزالون كذلك إلى يوم القيامة. {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}: وسيجازيهم الله - يوم القيامة - بما صنعوا في الدنيا، من نكث العهد، ونقض الميثاق، وتحريفهم الكتاب الذي أُنزل عليهم.

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)}. المفردات: (نُورٌ): المراد به؛ محمد صلى الله عليه وسلم. {كِتَابٌ مُبِينٌ}: هو القرآن. {سُبُلَ السَّلَامِ}: طرق النجاة والسلامة. التفسير 15 - {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ... } الآية. سبب النزول: أخرج ابن جرير، عن عكرمة، أنه قال: "إن نبي الله تعالى، أتاه اليهود يسألونه عن الرَّجم، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: أيُّكم أعْلمُ؟ فأشارُوا إلى ابنِ صوريا، فَناشَدهُ باِلذِي أنزلَ التَّوراةَ عَلَى مُوسى عَليهِ السَّلامُ، وَالذِي رَفَع الطورَ، وبِالمواثِيقِ التي أخِذَتْ عليهم، حتى أخذه أفْكل (رعدة) فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مِائَة، وحلقنا الرءُوس. فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله تعالى الآية".

وهذا الحديث يفيد: أن (ابن صوريا) الحبر اليهودي، لم يذكر أن كتابهم يحتوى على الرجم، تهربًا من توقيع هذا الجزاءِ على الزاني اليهودي، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتطبيق حكم الرجم عليه؛ لأنه شرعُ الله في التوراة والقرآن. الربط: بعد أن رمى الله اليهود والنصارى بنقض العهود، ساق مثلا على ذلك، فقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}: نداءً لهم. والتفاتا إلى خطابهم. وعبر عنهم بأهل الكتاب؛ تشنيعًا عليهم، لأن أهلية الكتاب تقتضي مراعاته، والعمل به. {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا}: قد أرسلنا إليكم رسولنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - مؤيدا بالمعجزات. وأضافه إلى ضمير العظمة؛ تشريفًا له؛ وإيذانًا بوجوب اتباعه. {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ}: أي: يظهر لكم كثيرا من الأحكام التي كنتم تخفونها عن العوام. وذلك مثل: حكم رجم الزاني المحصن. ومثل: البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكتمان وصفه عليه السلام. وكان بيان الرسول - صل الله عليه وسلم - لهم ذلك: من دلائل نبوته، إذ هم يعلمون أنه نبيٌّ أُميٌّ، لم يطع على شيءٍ من كتبهم. ومن ثَّمَ آمنَ به عددٌ من أحباوهم وعلمائهم. {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}: ويترك كثيرا مما كنتم تكتمونه، مما لم تَدْعُ الحاجة الدينية إلى إظهاره؛ صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح. أو ويُغضي عن كثير من إساءتكم فيقابلها بالصفح والغفران.

{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ}: قد جاءكم النور العظيم؛ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أنار الطريق، ووضح السبيل إلى الحق. وقد وصفه الله بأنه أرسله: "سِرَاجًا مُّنِيرًا" (¬1). (وَكِتَابٌ مبِينٌ): يبيّن الحق، ويُوضح كل ما يحتاج إليه الناس لهدايتهم. وهو القرآن الكريم. 16 - {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ .... } الآية. يهدي الله - بهذا القرآن - منَ كان همُّه الدينَ، واتَّبع كلَّ ما يُرضي ربه، فإنه طريق النجاة والفلاح، والخير والرشاد. {وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} ويخرجهم من ظلمات الضلال والأوهام، إلى نور الإيمان واليقين. {وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: ويهديهم إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنة النعيم. وجمع الضمير في قوله: (يُخْرِجُهُمْ)، (وَيَهْدِيهِمْ) باعتبار معنى "مَنْ". وهذه الهداية هي عين الهداية السابقة. وإِنما عطفت عليها؛ تأكيدًا لمدلولها، وتنزيلًا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي. وجاء الفعل المضارع "يَهدِي"، "وَيُخْرِجُهُمْ"، "وَيَهدِيهِمْ" للدلالة على استمرار هذه النعم في الاستقبال، كما هي في الحال. ¬

_ (¬1) الأحزاب، من الآية: 46

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)}. التفسير 17 - {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ... } الآية أَرسل الله عيسى - عليه السلام - إِلى بني إسرائيل: يدعوهم إلى التوحيد، والعمل الصالح. ولما كانت ولادته من غير أب - كما تقدم في سورة آل عمران - غَلَا فيه النصارى. فزعموا أنه: إِله أو ابن الله: {تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلوًّا كَبِيرًا}. ولهذا القول الشنيع، حَكَمَ القرآنُ عليهم بالكفر، وردَّ عليهم بما يبطل عقيدتهم بقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}. أي: قل لأُولئك الكفار يا محمد: مَن يقدر أن يمنعَ الله من شيء أَراده .. ومِنْ ذلك أَن يُهلك المسيح ابن مريم وأُمَّهُ ومن في الأرض جميعًا؟ .. لا أَحد يستطيع ذلك ... وهم يقرّون به. وإذا كان المسيح لا يستطيع أَن يدفع عن نفسه ولا عن أمه - شيئًا؟. فكيف يكون إِلها، وهو لا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه؟

ومن صفات الإله أنه لا يعجز عن شيء. وإذن، فالمسيح ابن مريم - وأمه - مخلوقان كسائر مخلوقات الله، التي ينفذ فيها حكم الله، ولا يُرَدُّ عنها قضاؤه. {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}: ولله - وحده - ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما. فلا شريك له في ذلك. وهذا دليل آخَر، على نَفْيِ الأُلوهية عن عيسى؛ لأنه لو كان إلها - كما يزعمون - لكان له شيءٌ في ملك السموات والأرض وما بينهما - وقد ثبت في كتبهم أنه يردُّ الأُمور كلها إلى الله ملكا وتصرفا. {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}: أي: يبدع ما يشاؤُه عن المخلوفات - على أي صورة - وفقًا لحكمته - جل وعلا -. {وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: وهو القادر على كل شيءٍ من الخَلقِ وغيره. ومن ذلك: أنه خلق عيسى من غير أب كما خلق آدم من غير أب وأم. وفي هذه الآية، بيان لبعض أحكام الملك والأُلوهية، على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبه في أمر المسيح - عليه السلام - لولادته من غير أب. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)}.

18 - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... } الآية. سبب النزول: أَخرج ابن جرير، والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسم نعمانُ بنُ آصا، وبحرُ بن عمر، وشاسُ بن عدي فكلموه، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله، وحذَّرهم نقمتَهُ، فقالوا: ما تُخوّفُنَا يا محمَّد؟ نحن أبناءُ الله وأحباؤُه!! فأنزل الله فيهم الآية". وكلمة "الله" ترددت في أسفار العهد القديم: "سفر الخررج: 4: 22 يقول الرب: إسرائيل ابني البكر"، والمزامير 89: 26، 27: "يدعوني أبي: أنت إِلهي، وصخر حياتي". وشر أرمياء 31: 9 "لأني صِرتُ لإسرائيل أبًا، وافرايم هي بكرى" كما تردد في العهد الجديد: إنجيل متى 5: 9 "طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم: أبناءُ الله يدعون" وفي رسالة بولس إِلى أهل رومية 8: 14 "لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم: أَبناءُ الله" واليهود يطلقون على أَنفسهم الآن (شعب الله المختار)، يعنون بذلك أنهم أحباؤُه، المختصون به دون سائر البشر. ومعنى الآية: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى} هذه المقالة النابية: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} فلنا من الفضل والتكريم ما ليس لغيرنا. فهو يعاملنا معاملة الأب لأبنائه: يعطف علينا، ويرحمنا ولا يعذبنا. فرد الله عليهم هذا الزعم الباطل بقوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ}: أي: قل لهم يا محمد: إن كنتم كما زعمتم: أبناء الله وأحباءه، فلأي شيء يعذبكم بذنوبكم. وأنتم مقرون بأنكم ستعذبون على ما ارتكبتم من خطايا، كما حكى القرآن عنكم:

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا معدودةً} (¬1): وهذا يتنافى مع دعواكم القرب من الله، ومحبته لكم؟! وإذن، فلا مزية ولا فضل لكم على سائر البشر. ولستم بأبناء الله ولا بأحبائه. {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}: أَي ما أنتم إلا بشر كسائر البشر من خَلق الله، من غير مزية لكم عليهم. {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}: والله عَزَّ وَجَلَّ يغفر لمن يشاءُ من عباده: الذين فرط منهم بعض الخطايا: وهم المؤمنون باللهِ تعالى وبرسله. {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاَءُ}: وهم الكفرة الذين كفروا بالله وبرسله وأَنتم، متهم فكيف تزعمون محبته لكم، وعدم تعذيبكم على ذنوبكم؟! {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}: وله - وحده - ملك السمو ات والأرض وما بينهما: خلقًا، وملكًا، وتصرفًا. {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}. ومصير البشر جميعًا ومرجعهم، إليه تعالى وحده، فيجازي الذين أساءُوا بما عملوا، ويجازي الذين أَحسنوا بالحسنى. وليس له - سبحانه وتعالى - من خلقه بنون ولا بنات وليس لأحد عنده من فضل أو مزية على غيره إِلا بالإيمان والعمل الصالح. فآمنوا باللهِ وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - واتركوا تلك الدعاوي الباطلة، لتكونوا من المفلحين. ¬

_ (¬1) البقرة، عن الآية: 80.

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)}. المفردات: {فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}: أَي بعده مدة خلت من الرسل. التفسير 19 - {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ... } الآية. كرر الله تعالى الخطاب بطريق الالتفات؛ بعد ما أعرض عن خطابهم فذكرهم بأُسلوب الغيبة. وهو يحكي أَكاذيبهم. وإنما التفت إِليهم: تلطفًا في دعوتهم، لعلهم يهدون. {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا}: قد أتاكم رسولنا محمَّد صلى الله عليه وسم وهو الذي بَشَّرَتْكُم به كُتُبُكُم، وأخبركم به أنبياؤُكم. {يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}: جاءكم بعد مدة خلت من الرسل: يبين لكم ما اندثر من الأحكام، ويبلغكم ما احتاج إِليه العصر من شرع جديد، ويصحح ما حدث في كتبكم من تحريف. روى البخاري عن أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم، قال: "أَنا أوْلَى الناس بعيسَى ابنِ مريمَ؛ لأنه ليسَ بيني وبينَهُ نَبِيٌّ (¬1) ". ¬

_ (¬1) فقد ولد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - سنة 571 ميلادية فبينه وبين عيسى عليه السلام ستة قرون إلا قليلًا.

{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}: أرسلناه إليكم لئلا تقولوا: ما جاءَنا بشير يُبَشرنا بحُسْن العاقبة للمؤمنين، ولا نذير يندرنا بسوءِ المصير للضالين. {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ}: فقد جاءَكم البشير والنذير، يبين لكم: أن الخلاص والنجاة والسعادة، منوطة بالإِيمان بما جاءَ به، وبالعمل الصالح الذي يدعوكم إليه. والتعبير بقوله: (مِن بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ): حيث جاء بمِنْ، لاستغراق النفي لكل الأَفراد. ونكَّر لفظ: "بَشير ونَذِير" لتأكيد الاستغراق في النفي. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: والله سبحانه وتعالى هو القادر على كل شيءٍ. فهو - لذلك - يَقْدِر على ثواب من أَطاعه، وعقاب من عصاه. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)}. المفردات: (مُلُوكًا): أَحرارا، عندكم ما تمكون به أموركم، بعد أن كنتم مملوكين للفراعنة. (الْمُقَدَّسَةَ): المعظمة، حيث جعلت مسكن الأنبياء. (تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ): ترجعوا على أعقابكم: بعدم امتثال ما أُمرتم به.

التفسير 20 - {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... } الآية. هذا كلام مستأنف، لبيان ما فعله بنو إسرائل، بعد أن أَخذ الله الميثاق منهم، وتفصيل لكيفية نقضهم له. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ}: والمعنى: واذكر لهم - أَيها الرسولُ - ما حدث من أسلافهم، وقت أن قال موسى - عليه السلام - لقومه ناصحًا، ومستميلا لهم بإضافتهم إليه: {يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}: تذكَّروا إِنعام الله عليكم واشكروه على هذا الإِنعام. {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ}: لأنه جعل فيكم أنبياء كثيرين؛ يبلغونكم الخير، ويرشدونكم إلى سواءِ السبيل. ولم يبعث في أَمة من الأمم من الأنبياء، مثل ما بعث في بني إسرائيل. {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا}: وجعلكم أحرارًا تملكون أمور أنفسكم وأموالكم، بعد أَن كنتم عبيدًا مستذلين لفرعون وجنده. {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ}: وأعطاكم من النعم ما لم يعطِ غيركم من العالمين. إذْ أنجاكم من عدوكم، وشق البحر لكم، وأغرق فرعون وجنوده فيه، وأظلَّكم بالغمام، وأَنزل عليكم الْمَنَّ والسَّلوى، وغير ذلك. 21 - {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ... } الآية. دعاهم موسى مستميلا إِياهم - أَيضا - بإضافتهم إِلى نفسه، طالبًا منهم، أن يدخلوا الأرض المقدسة، التي وَعَدَهُمُ الله سُكْنَاها - بعد خروجهم من مصر - فقال لهم: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}:

أَي: ادخلوا الأرض المقدسة التي قدَّر الله لكم دخولها لتنشروا التوحيد بين أهلها، ثم عقب ذلك بقوله: {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}: ولا تنكصوا على أعقابكم، بمخالفة ما أمركم به، فترجعوا خاسرين في دنياكم وأُخراكم. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)}. المفردات: (جَبَّارِينَ): جمع جبار، وهو العاتي الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريده منهم. التفسير 22 - {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}: أي: قال بنو إسرائيل: هلعًا وجُبْنًا يا موسى إن فيها قوما شديدي البطش لا نستطيع مقاومتهم، ولا قدرة لنا على قتالهم وهم الكنعانيون ومن جاورهم - فَلن نَدْخُلَها حتى يخرجوا منها بِأنفسهم .. فإِن خرجوا منها، فإنا ندخلها دون حرب وقتال، وهذا مطلب عجيب؛ إذ كيف

يخرج أهل البلد الأقوياءُ الجبارون من بلدهم طواعيةً؛ ليدخلها هؤُلاء الجبناءُ فاتحين! (¬1). 23 - {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ... } الآية. قال لهم رجلان من الذين يخافون الله، ويخشون مخالفة أمره، وعصيان رسوله: قد أَنعم الله عليهما بنعمة التوفيق والسداد وفي وصفهم بذلك، تعريضٌ بأن مَن عداهما من القوم، لا يخافون الله، بل يخافون العدو، ويَجْبنُون عن لقائه. {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ}: باب المدينة، وباغِتوهُم بالقتال، ولا تَدَعوا لهم فرصةً للتفكير والاستعداد لكم. {فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غَالِبُونَ}: فإذا فعلتم ذلك، كان الله معكم بعونه ونصرته، وانتصرتم عليهم وغلبتموهم وتَمَّ لكم ما أردتم، فإن المباغتة تصيب العدو بالشلل. {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: وعلى الله - وحده - فتوكلوا عند الهجوم عليهم، ولا تخشَوْا عدوكم بعد أن تتخذوا الأسباب وتعدوا العدة - إن كنتم مؤْمنين بالله حق الإيمان، مصدقين بوعده، واثقين بنصره. وفي الأمر بالتوكل على الله - بعد اتخاذ الأسباب - دليل على أنها لا تؤَثر وحدها، دون إِذنه سبحانه وتعالى ومعونته، كما أَنه دليل أَيضا، على أن التوكل - بغير اتخاذ الأسباب لا يليق بالمؤْمنين. وهو حينئذ، يكون تواكلا لا توكُّلًا. والتواكل مدعاة للهزيمة. ولكنَّ بني إسرائيل، لم يقنعهم هذا القول، بل أصروا على موقفهم، ولم يبالوا بنصح الناصحين لهم. وقالوا لنبيهم موسى ما حكاه القرآن عنهم بقوله: ¬

_ (¬1) راجع القصة بتمامها في سفر العدد - إصحاح 13، 14، 15 (لتطلع على جبنهم وهلعهم وما صاحب ذلك من الأساطير).

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}. المفردات: (فَافْرُقْ): فافصل. (الْفَاسِقِينَ): الخارجين عن الطاعة. (يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ): يتحيرون ولا يهدون. (فَلَا تَأْسَ): فلا تحزن. التفسير 24 - {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ... } الآية. أَي إنا - يا موسى - لن ندخلها أبدا ما دام هؤُلاء - الجبارون مسيطرين عليها؛ لأَنه لا طاقة لنا بلقائهم. وذلك لجبنهم المغروس في نفوسهم، وضَعْفِ إِيمانهم. {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}: فإن كنت مصمما على دخولها، فاذهب أنت وربك لقتالهم وإخراجهم منها. وكأنهم يصورون الله بأنه إِله موسى وحده، وليس إِلهًا للجميع - أما نحن فإنا ها هنا قاعدون منتظرون. فما أقبحَ تَصَوُّوَهم في شأن الله تعالى، وَزَعمَهُم أنه جسد ينزل إِلى الأرض ويقاتل من أجلهم!!

والظاهر أَنهم قالوا ذلك: استهانةً بالله وبموسى عليه السلام. ولما وجد موسى - عليه السلام - منهم هذا العنادَ والإِصرارَ على المخالفة، والجبن عند لقاءِ الأعداءِ، التجأَ إِلى ربه، متضرعًا يشكو إليه فسوق قومه وجبنهم. وهذا ما حكاه الله بقوله: 25 - {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ... } الآية. اتجه موسى إلى مولاه سبحانه وتعالى وناداه أَي قال: يا رب؛ لا سلطان لي على أَحد إلا على نفسي وأَخي هارون فأنا وهو في طاعتك، ولا أَحد من هؤُلاءِ الجبناء أستطيع أن أَحمله على الطاعة والاستجابة إلى ما دعوت إِليه. {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}: فاقض بيننا وبين هؤُلاء القوم الخارجين عن طاعتك. بأَن تحكم لنا بما نستحقه، وعليهم بما يستحقونه. 26 - {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ... } الآية. أجاب الله سبحانه وتعالى، دعاءَ نبيه موسى عليه السلام. فقضى بتحريم هذه الأرض المقدسة على هؤُلاءِ الفاسقين، أَربعين سنة، يتيهون متحيرين في البيداء؛ لا يهتدون، ولا يعرفون لهم قرارا، جزاءَ جبنهم وضعفهم عن لقاءِ الأعداء، واستهانتهم بأَوامر الله. {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}: فلا تحزنْ يا موسى، على هؤُلاء الجبناءِ، إِذْ عوقبوا بهذه العقوبة، فإِنهم فاسقون متمردون، مستحقون لها. ولقد كان بنو إسرائيل - في هذا الوقت - في سيناء.

ثم إِن اليهود لما دخلوا فلسطين - بعد هذه العقوبة - مكثوا فيها مدة محدودة، ثم أشركوا باللهِ. فقضى الله عليهم بالتشريد في أنحاء الأرض. وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وغضب عليهم غضبا شديدا. وفي هذا تذكير لبني إسرائيل المعاصرين للنبي - صلى الله عليه رسلم - بما كان عليه أسلافهم من قبائح، ليتركوها، حتى لا يتعرضوا لعقاب الله وانتقامه، كما حلَّ بأسلافهم بسبب عصيانهم وجبنهم. وفي هذه القصة: تسليةٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - فكأنه تعالى يقول له: فهؤُلاء هم اليهود .. وهذه هي أَعمالهم مع أنبيائهم .. وهذا هو جبنهم وخورُهم .. فاصْبرْ على ما أصابك منهم، وتعزَّ بما أَصاب موسى - عليه السلام - والعاقبة لك، ولأتباعك المؤمنين.

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)}. المفردات: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ): واقرأ على اليهود والنصارى. أَو على أُمتك يا محمَّد. (نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ): خَبَرَهما. (قُرْبَانًا): القربان؛ ما يُتقرَّب به إِلى الله من ذبيحة أَو صدقة أَو نحوهما. (بَسَطْتَ): مَدَدْت. (تبُوَءَ): ترجع. (بِإِثْميِ وَإثْمِكَ): بذنبي وذنبك. التفسير 27 - {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ... } الآية. قِصَّةُ ولدَي آدم، جاءت في أَثناء الحديث عن اليهود؛ لتذكيرهم - وخاصة أنهم أَهل بغي - ولتذكير غيرهم من الأُمم، بأن من قتل نفسًا - بغير نفس أو إفساد - فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها - بصلاح أَو إصلاح - فكأنما أَحيا الناس جميعًا، لعلهم يثوبون إِلى الرشاد، ويكفون عن الفساد.

وقد بدأها القرآن الكريم، بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ}: والمعنى: واتل يا محمَّد على اليهود - أو على أُمتك - خبر ابنيْ آدم تلاوة مقترنةً بالحق والصدق، حين قَدَّم كل منهما إلى الله قربانًا، ولم يكونا على درجة واحدة من الإِخلاص فيما تقربا به، فتقبَّل اللهُ قربان المخلص، ولم يتقبل قربان غيره. فامتلأَ قلبه غيظًا وحسدًا وحقدًا على أخيه التَّقِي الذي قُبِل قربانُه، مع أَنه لا ذنب للتقي في رفض الله قربان الشقي لأن المذنب هو الشقي بعدم إخلاصه لله تعالى. {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}: قال الشقي لأَخيه التقي: لأَقتلنك. يريد بذلك أَن يتخلص منه، حتى لا يراه بعدما تقبل الله قربانه. فإن غريزة الفساد، لا تطيق الصلاح. فأَجابه أَخوه الصالح بقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} يريد بذلك أَنه لا ذنب له في عدم قبول قربانه، وأَن الذنب آت من قبله هو؛ لأنه لما لم يتق الله، لم يقبل الله قربانه، فإِنه تعالى، لا يتقبل إِلا من أَهل التقوى. فلو اتقاه قبل منه قربانه ... فلا وجه لتحميله تبعة رفض قربانه وإقسامه على قتله. وكما ذكرنا؛ طبيعة الشقي تسوغ له أَلَّا يرى إِلا الأَشقياء. كما أَن طبيعة التقي، تحبب إِليه أَلا يوجد إِلا الأَتقياء. فقال لأَخيه: 28 - {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}: يقول الأخ الصالح الذي تُقبِّل قربائه لأخيه الذي لم يتقبلْ منه، وتورط في الإِقسام على قتله: تالله لئن مَددتَ إلى يدك لتقتلني، ما أَنا بباسط يدي إليك لأَقتلك، لأَنِّي أَخاف عقوبة الله رب العالمين إِن أنا قتلتك!! يريد بمَا قاله: أَن يوقظ ضمير أَخيه، ليخاف عقاب الله تعالى، فيعدل عما أَقسم عليه، من قتله بدافع الحقد الذي لا مبرر له.

29 - {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}: إِني أريد باستسلامي لك، وعدم قتلك - ابتداءً أو دفاعًا - أَن ترجع بإِثم قتلك لي، وإِثمك الذي لأجله لم يتقبَّلْ قربانك، إِذا أَصررت على قتلي ولم تخف رب العالمين، فتكون بذلك من أصحاب النار اللازمين لها، وهذا عقاب الظالمين المعتدين. يريد بذلك، أن يوقظ ضميره، وأَن يعلم المصير الذي ينتظر القاتلين. وأنه لا ينبغي لأخ أن يقاتل أخاه، ولكن له أَن يدافع عن نفسه دون قتل أخيه إِذا استطاع إِلى ذلك سبيلا. والإِسلام يقرر ردَّ العدوان بمثله. ويمنع قتال المسلم لأخيه المسم، ما لم يكن مضطرا للدفاع عن نفسه ولم يجد له نجاة إلا بقتل من اعتدى عليه. قال تعالى: " ... فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... " (¬1). قال الجصاص: فالصحيح من المذهب - أي مذهب المالكية - أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره، وإِن أَدى ذلك إِلى القتل. وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ... } الآية. إن المعنى: لئن بسطت إِليَّ يدك - على سبيل الظلم والابتداء - لتقتلني، ما أَنا بباسط يدي إليك، على وجه الظلم والابتداء. وعلى هذا التفسير، تكون الآية داعية إِلى الاستسلام للقاتل، حتى تكون منسوخةً بنصوص الدفاع عن النفس، كما ذهب إِليه بعضهم. بل الغرض منها: أَنه لن يكون بادئا بالقتل، حتى لا يكون ظالما؛ لأنه يخاف الله رب العالمين. قال الآلوسي: ولعل مراده بالذات، إِنما هو عدم ملابسته للإِثم، لا ملابسة أَخيه للإِثم، إِذ إرادة الإِثم من آخر، غير جائزة. ¬

_ (¬1) الحجرات، من الآية: 9

والصحيح الذي عليه الجمهور: أن هذه القصة لولدين لآدم عليه السلام من صلبه - وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر النص - وليست لرجلين من بني إسرائيل كما قال الحسن البصري؛ لأن بني إِسرائيل كانوا يَعْرِفون كيف يُدْفَنُ الموتى. ولم يكونوا بحاجة إلى أَن يتعرفوا ذلك بالاقتداء بالغراب. وخلاصة ما قيل في قصتهما: أَن حواءَ أُم البشرية، كانت تلد - في كل بطن - ذكرا وأُنثى، وكان آدم - عليه السلام - يزوج ذكر بطن لأُنثى بطن الآخر. بالعكس. ويجعل الافتراق بالبطون، بمنزلة الافتراق بالنسب، للضرورة. وكانت التوأم لا تخل - في شريعته - لتوءَمها. وحدث أن حواءَ ولدت ولدا أسمته قابيل، وكانت توءَمُهُ أنثى جميلةً. ثم ولدت ذكرا آخر أسمته هابيل، وكانت توءمه أنثى غير جميلة. فلما بلغوا مبلغ الزواج، أراد آدم أن يجري عليهم شريعته، بأَن يزوج قابيل لتوءَم هابيل، ويزوج هابيل لتوءَم قابيل. فرفض قابيل ذلك، وقال أنا أَحق بتوأمي من هابيل. ولم يكترث بزجر أَبيه إياه، فدعاهما آدم إلى أَن يُقَرِّبَا قرْبَانًا إِلى الله، وذكر لهما أَن من قُبل قربانُه فهو صاحب الحق في التزوج بالأُخت الجميلة، وإِنما قال ذلك، لعلمه أن الله تعالى، لن يقبل من قابيل، لأن زواجه من توءَمه ليس مما شرعه الله لهم. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ماشية، فقدم كلاهما قربانًا مما عنده فقبل الله قربان هابيل دون قابيل. وتأكد بذلك حقه في الزواج من توءم قابيل. فحقد قابيل على هابيل، وحلف ليقتلنه. وكان من أمره وأَمر أَخيه ما قص الله تعالى. وهذه خلاصة ما ذكرته كتب التفسير، وإن لم نجد لها سندا في كتب السنة.

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)}. المفردات: (فَطَوَّعَتْ): فسهَّلت ويسرت. {يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ}: أَي يحفر في الأَرض. {سَوْءَةَ أَخِيهِ}: السوءَة في الأصل؛ العورة. والمراد بها هنا: جسد أخيه الذي قتله. (يَاوَيْلَتَا): كلمة جزع وتحسُّر، والويلة والويل بمعنى الهلكة. كأنه ينادى هلاكه ليَحُل به لينقذه مما حل به من الدواهي. (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ): أَي يسبب ذلك. (بالْبَيِّنَاتِ): بالحجج الواضحات. (الَمسْرِفُونَ): المجاوزون الحد في الطغيان.

التفسير 30 - {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: أي فسهلت لقابيل نفسه أن يقتُلَ أخاه الصالح، الذي لا ذنب له في عدم قبول قربانه، فقتله، بعد أن بذل له من النصح والإرشاد، والترغيب والترهيب. فما أورثه ذلك إلا الإِصرار على الغَي والانهماك في الفساد، فأصبح - بجريمته النكراء التي لا مبرر لها - من الخاسرين، الذين خسروا أنفسهم فأفسدوا فطرتها. وخسروا أَقرب الناس إليهم وأعونهم على بأساء الحياة. وخسروا حسن السمعة في الدنيا. وخسروا النجاة من العقاب في الآخرة. وبذلك خسر الدنيا والآخرة: وذلك هو الخسران المبين. 31 - {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ... } الآية. لم يكن الدفن معروفًا للبشرية، قبل هذه الحادثة الأولى، التي راح ضحيتها - لأول مرة - إنسان كان مملوءًا حيوية ونشاطا، فأصبح جثة هامدة يتسرب إليها العفن، ويسرع إليها النتن، ويؤْذي ريحها الأنوف، ويضيق النفوس. والجاني - أَمام جريمته وآثارها - حيران لا يدري كيف يتصرف. {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ}: وحينئذ: أَرسل الله غرابا. وجعله يحفر أَمامه في الأَرض - بمنقاره ورجليه - حفرة ثم أَلقى فيها غرابا آخر ميتا وواراه بالتراب. فعرف قابيل بذلك كيف يواري سوءَة أَخيه. {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي}: أي فنادى - متّحسرا جزعا -: يا ويلتا اعجزت عن أن أكون مثل هذا الغراب، فأُواري جثة أَخي. كما وارى الغراب جثة أَخيه!! {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}: على قتله، بعد ما رأَى وعاش في آثار جريمته. 32 - {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ... } الآية. أَي من أجل فظاعة القتل ظلما، وسوء آثاره في الدنيا والآخرة، قضينا على بني إِسرائيل في كتابهم: أَنَّ من قتل نفسا بغير قصاص في نفس، أَو بغير فساد في الأَرض

يوجب إهدار الدم كالشرك، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن الواحد صورة للجماعة، فالجرأة على قتله، استهانة بحق المجتمع كله. وجرأة عليه كله. ومن أحيا نفسا ليس عليها قصاص ولا حدّ - بأَن حال دون قتلها ظلما بالنصيحة أو القوة، أَو أنقذها من التهلكة بنحو غرق أو حرق - فكأَنما أحيا الناس جميعًا. وفائدة هذا التشبيه: الترهيب والردع من قتل نفس واحدة، بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض إحيائها، بتصويره بصورة إحياء جميع الناس. وتخصيص بني إِسرائيل بالذكر - مع أن الأَمر كذلك بالنسبة إلي غيرهم - لأَن الحسد كان منشأ هذه الجريمة، وهو غالب عليهم، ولأنهم كانوا يستهينون بجريمة القتل، حتى لم يتورعوا عنها في أَنبيائهم، فنبههم الله - في كتابهم - إِلى فظاعة هذه الجريمة حتى يحذروها. ولقد اهتدى علماءُ القانون، إِلى ما قرره القرآن الكريم، من أَن العدوان على الفرد يعتبر عدوانا على المجتمع. ولذا، لو تنازل المجني عليه - أَو ورثته عن حقوقهم قِبلَ الجاني - فمن حق النائب العام الذي يمثل المجتمع، عدم التنازل، حفاظًا على حق المجتمع، وصونا لحرُماته. {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}: ولقد جاءَتْهُم رسل الله - واحدا بعد آخر - بالآيات الواضحات؛ الناطقة بتقرير ما كتبناه عليهم، ثم إِن كثيرا منهم - بعد ما كتبناه عليهم وأَكدناه بإِرسال الرسل - لمسرفون في قتل الناس غير مبالين به. فمن قرأَ تاريخهم، هاله ما ارتكبوه: من المذابح والتحريق والتمثيل بالبشر .. وكتبهم ناطقة بذلك مما يندى له الجبين. ولا يزالون - حتى اليوم - علَى عنتهم في الإِسراف في سفك الدماءِ. وهذه أرض فلسطين - وما جاورها من البلاد العربية - تشهد أفظع المذابح والإبادة للعرب بأيدي الإِسرائيليين الدنسة.

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)}. المفردات: (يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): المحارب؛ من يحمل السلاح على الناس في البر أو البحر أو الجو، دون إثارة منهم له. والمغتال كالمحارب. ويشمل القراصنة في البر والبحر والجو، كقطاع الطرق ... {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}: أي تمردا على ما شرعه الله من الأمن والطمأنينة للإنسانية كلها. {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}: المقصود بالأرض؛ الأرض التي يكتسبون فيها نفوذا حراما. ينفَوْن منها إلى حيث لا نفوذ لهم، ولو سجنا. شَلًّا للجريمة. التفسير 33 - {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ... } الآية. الربط: لمَّا بين الله - قبل هذه الآية - أن قتل النفس الواحدة له خطورتُه عند الله تعالى، وأنه يعتبر - عنده - كقتل الناس جميعًا، أتبع ذلك هذه الآية الكريمة، التي تضمنت من التشريع، ما يردَع المعتديَ الأثيم، ويكفه عن ترويع الناس والإِفساد فيما بينهم. فقال تعالى:

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}: والآية نزلت في قطاع الطريق. كما قاله كثير من المفسرين والفقهاءِ، وأصحاب الرأي ... نقل ذلك الطبرسي وغيره. والمقصود من محاربتهم اللهَ ورسولَهُ، قطعُهُم الطريقَ على الناس، وإفسادُهم في الأرض وترويع الآمنين. وجعْل عملهم هذا حربًا لله ورسوله؛ إِنما هو لتمردهم على ما شرعه الله سبحانه وتعالى، من وجوب الكف عن إيذاء الناس، وتوفير أسباب الأمن والسلام لهم. المعنى: أَفادت الآية، أَن الذين يَسْعَوْن في الأرض فسادًا، بقطعهم الطريق على الناس، يسلبونهم أموالهم أو أعراضهم، أو يقتلونهم، أو يقطون أطرافهم - يعاقبون بتقتيلهم أو تصليبهم (¬1)، أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو نفيهم من الأرض. وبيان ذلك في مسائل: 1 - أن وصف المحارب لله ولرسوله، يطلق على من حمل السلاح على الناس في مدينة أو قرية، أَو في طريق أَو صحراءَ، وكابرهم عن أنفسهم وأَموالهم، دون إثارة منهم له، أو ثأَر أَو عداوة. 2 - أن المغتال كالحارب. وهو أَن يحتال في قتل إنسان، ليأخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح. بأَن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأَطعمه سُمًّا فِقتله، فَيُقتَل حدًّا لا قَوَدًا أي يقتل قصاصًا. 3 - اختلف العلماءُ في حكم المحارب. فمنهم من قال: يعاقب بقدر ما فعل. من أَخاف السبيل وأَخذ المال - قُطِعَت يدُه ورجلهُ من خلاف. وإن أَخذ المال وقَتَل، قُطِعَت يدُهُ ورجلُهُ، ثم صُلِبَ وقُتِلَ. فإِذا قَتَلَ ولم يَأخذِ المالَ، قُتِلَ. وإِن لم يَأخُذِ المالَ ولم يَقْتُل، نُفِيَ. وبهذا قال النخعي، وعطاء وغيرها. ¬

_ (¬1) مادة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص، من أنه لا يسقط بالعفو، لكونه حق الشرع، والمراد من التصليب: التصليب مع القتل.

وقال أبو يوسف: إذا أخَذَ المالَ وقَتَلَ، صُلِبَ وقُتِلَ على الخشبة. قال الليث: بالحربة: مصلوبًا. وقال أبو حنيفة: إذا قَتَلَ قُتِلَ. وإِذا أَخَذَ المالَ ولم يَقتُل، قُطِعَتْ يَدُهُ ورجلُه من خلاف. وإذا أخَذَ المالَ وقَتَلَ: فالسلطان مخيرٌ فيه: إن شاء قَطَع يدَهَ ورجلَه، وإن شاء لم يَقْطَع وقَتَله وَصَلَبَه. وقال الشافعي: إذا أخذ المالَ، قُطِعتْ يده اليُمنَى، وحسِمت (¬1)، ثم قُطِعَتْ رجْلُهُ اليسرى وحُسِمَت. وخُلِّيَ سبيلُه، لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة. وإِذا قَتَلَ قُتِلَ، وإذا أخذَ المالَ وقَتَلَ، قُتِلَ وصُلِبَ. وروى عنه أنه قال: يُصَلَّبُ ثلاثَةَ أيام، وأَنه يكره أن يُقْتَلَ مصلُوبًا، بل يصلبُ بعد القتل، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الْمُثْلَة ... وبمثل قوله قال أحمد. وقال أَبو ثور: الإِمام مخير على ظاهر الآية. وكذا قال مالك وابن عباس، وسعيد ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي كلهم قال: الإِمام مخير في الحكم على المحاربين؛ يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى، من القتل والصلب، أَو القطع، أو النفي. أَخذًا بظاهر الآية. وروى عن ابن عباس، أنه قال: إن كان في القرآن "أَوْ" فصاحبه بالخيار. وهذا هو الأظهر، وهو ما نرجحه. 4 - النفي من الأرض؛ اختلف في معناه: فعن الشافعي: أنهم يُخْرَجون من بلد إلى بلد، ويطْلبون لتقام عليهم الحدود. وبه قال الليث بن سعد، والزهري. وقال مالك: ينْفى من البلد الذي أَحدث فيه الحرابة إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني. ¬

_ (¬1) الحسم: الكي لمنع سيلان الدم.

وقال الكوفييون: نفيهم؛ سجنهم ... فيُنْفَى من سعة الدنيا إلى ضيقها. حكى مكحول عن عمر قال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة. ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيَهُم. قال القرطبي: والظاهر أَن الأرض في الآية هي أرض النازلة - أي مكان الجريمة - ثم قال: ينبغي للإمام - إِذا كان هذا المحارب مخوف الجانب: يظن أَن يعود إلى حرابة، أَو إفساد - أَن يسجنه في البلد الذي يغرب إِليه. وإن كان غير مخوف الجانب، سرِّح. قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك؛ أَن يغرب ويسجن حيث يغرب. وهذا على الأغلب في أنه مخوف. ورجحه الطبري؛ لأن نفيه من أَرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعد، بحسب الخوف منه. فإن تاب وفهمت توبته، سرِّح. 5 - لا يراعي في المال الذي يأخذه المحارب نصاب، كما يراعي في السارق. وقيل: يراعى أن يكون ربع دينار. وهو نصاب القطع. قال ابن العربي: قال الشافعي، وأَصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق، إِلا مَنْ أَخذ قدر ما تقْطع فيه يدُ السارق. وقال مالك: يُحْكم عليه بحكم المحارب. وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى - وقّت على لسان نبيه القطع في السرقة، في ربع دينار. ولم يوقت في الحرابة شيئًا، بل ذكر جزاءَ المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء - على المحاربة - عن حقه. ثم إن هذا قياس أصل على أَصل. وهو مختلفٌ فيه. وقياس أدنى على أعلى. وذلك عكس القياس وكيف يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال، فإن شعر به فرّ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صِيح عليه وحارب عليه، فهو محارب: يُحْكم عليه بحكم الحارث. قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس: إذا جاءَني أَحد بسارق - وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأَصحابه يأخذون مال

الرجل - حكمت فيهم بحكم المحاربين .. فافهموا هذا من أَصل الدين، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. إ هـ. نقول: وهذا ما يسميه علماءُ القانون: "سرقة بالإِكراه". وفي المسألة أحكام عظيمة، وتفاصيل نفيسة ينبغي لأَهل القضاءِ أن يعرفوها ليطبقوها على الذين يعيثون في الليل والنهار فسادا. فليتعرفها هؤلاء القضاة من مظانها في كتب التفسير المطولة. المعنية بأحكام القرآن، وفي كتب الفقه. ولينفذوها في أولئك المحاربين لله ورسوله، قطعًا لدابرهم. ثم ختم الله الآية بقوله: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: أَي: ذلك الذي مرّ من جزاء المحاربين، خزيٌ وذل وفضيحة لهم في الدنيا .. ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وإنما بولغ في جزاء قطاع الطريق؛ لأنهم يَسُدُّون سبيل الكسب والتجارة على الناس، ويُلْزِمُونهم البيوت، ويقطعون الأرزاق عن عباد الله، ويروِّعونهم في مآمنهم، فلذا، شُرِعَ لهم أشدُّ العقاب، قطعًا لدابرهم. 34 - {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أفادت هذه الآية: أن توبةَ المحاربين - بعد القدرة عليهم - لا تنفعهم، بل لا بد من أن تقام عليهم الحدود التي وجبت في الآية السابقة. أما إِن تابوا قبل القدرة عليهم وإمساكهم، فإن حق الله يسقط عنهم، بقوله تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَما حقوق الآدميين من قصاص وغيره، فلا تَسْقُطُ بالتوبة، فإن شاءُوا عَفَوْا، وإِن شاءُوا استوفَوْا منهم حقوقهم، قصاصا عادلًا.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)}. المفردات: {وَابْتَغُوا}: واطلبوا. {الْوَسِيلَةَ}: هي ما يتوسل به، ويتقرب إلى الله من فعل الطاعات، وترك المعاصي. التفسير 35 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ... } الآية. لما ذُكِرَ جزاءُ المحاربين لله ورسوله، وعِظَمُ جنايتهم، وفُتِحَ لهم بابُ المتاب والغفران، عقب ذلك بأَمر المؤْمنين - عامة - بتقوى الله، والجهاد في سبيله. تأمينا للإنسانية، وإسعادا لحياتها. ويدخل في أمر المؤمنين بتقوى الله المحاربون لله ورسوله. فعليهم أَن يتقوا الله ويجاهدوا أَنفسهم في سبيل رضاه. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا، اجعلوا أَنفسكم في وقاية من عذاب الله. واطلبوا إليه الوسيلة التي تتوسلون بها إِلى ثوابه والوقاية من عذابه، وهي فعل الطاعات وترك المعاصي. ويدخل في الطاعات: التوبة من الذنوب، والاستغفار، والجهاد في سبيل الله: ودفع الفساد. كما يدخل في المعاصي: قطع الطريق والإِفساد في الأَرض اللذان تقدم الحديث عنهما، في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... } (¬1). ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 33

أما التقوى، فهي اتقاء المحارم. وأَما ابتغاء الوسيلة إِلى الله، فليس بالاستعانة بالصالحين .. فقد قال فيه الشيخ الآلوسي ما نصه: واستدَلَّ بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم بهم بأَن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا .. ومنهم من يقول للغائب أَوالميت من عباد الله الصالحين، يا فلان، ادع الله تعالى أَن يرزقني كذا وكذا، ويزعمون أَن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة: ويروون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذَا أعْيَتْكم الأمورُ فَعلَيْكُم بِأَهلِ القُبُورِ" أو"فَاسْتَعِينوا بِأَهْلِ القبور". وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل. وتحقيق الكلام في هذا المقام: أَن الاستعانة بمخلوق وجعلَهُ وسيلةً - بمعنى طلب الدعاء منه - لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه التوسل حيا، ولا يتوقف على أَفضليته عن الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول. فقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر - لما استأذنه في العمرة: "لا تنسنا يا أُخَي من دعائك" وأَمره أَن يطلب من أويس القرني - رحمه الله - أَن يستغفر له، وأمر أمته صلى الله عليه وسلم - بطلب الوسيلة له" (¬1) وبأَن يصلوا عليه. وأَما إذا كان المطلوب منه التوسل ميتا أَو غائبا، فلا يستريب أَي عالم في أَنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أَحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم يستطرد الآلوسي رحمه الله فيقول: "نعم؛ السلام على أهل القبور مشروع، ومخاطبتهم جائزة. فقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يُعلِّم أَصحابَه إذا زاروا القبور أَن يقولوا: "السلام عَلَيْكم أَهل الديارِ مِنَ المؤمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَهُ بكمُ لاَحِقون. يَرْحَمُ الله المْستقْدِمِينَ مِنْكم - وَالمسْتأخِرِينَ. نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيةَ. اللهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهم، واغْفرْ لَنَا وَلَهُم". ¬

_ (¬1) بأن يقولوا: اللهم أعطه الوسيلة، وهي منزلة كريمة في الجنة، فعند مسلم وغيره أنها: "منزلة في الجنة لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا، فاسألوا لي الوسيلة".

ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم - وهم أَحرص الخلق على كل خير - أنه طلب من ميت شيئًا. بل صح عن ابن عمر رضي الله عنهما، أَنه كان يقول: إذا دخل الحجرة النبوية: "السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أَبا بكر. السلام عليك يَا أَبَتِ" ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك، ولا يطلب من سيد العالمين صلى الله عليه وسلم أَو من ضَجِيعَيْهِ المُكَرَّميْن - رضي الله عنهما - شيئًا. ثم قال - رحمه الله -: نَعَمْ، الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة، والروضة المعظمة، أَمر مشروع. فقد كانت الصحابة تدعو هناك: مستقبلين القبلة، ولم يرد عنهم استقبال القبر الشريف عند الدعاء. ثم قال - بعد كلام طويل في هذا الموضوع وغيره - مستدلا على أن التوسل لا يكون إلا بالأحياءِ ما نصه: "ففي صحيح البخاري، عن أنس: أَن عمر - رضي الله عنه - كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس - رضي الله عنه - فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بِنَبِيِّكَ - صلى الله تعالى عليه وسلم - فَتَسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا فَيُسْقوْن". فإِنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام - بعد انتقاله من هذه الدار - جائزا، لما عدلوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا. وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس، إِلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أَدنى مساغ لذلك. فعُدُولهم هذا - مع أنهم السابقون الأَولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع وهم في وقت ضرورة ومخمصة - أي مجاعة - يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق - دليلٌ واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره". وقد أَطال الآلوسي في هذا الموضوع وما اتصل به، فكتب خمس صفحات تقريبا .. فأرجع إِليه إن شئت (¬1). ¬

_ (¬1) تفسير الآلوسي، للآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.

{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: أي: وجاهِدوا أَعداءكم وأنفسكم، بما أمكنكم في سبيل مرضاة الله، لعلكم تفوزون بالأمن من الأعداء، والحفاظ على الإِسلام وبلاد المسلمين. وحسن ثواب الآخرة. 36 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: هَذا كلام مستانف، مسوق لبيان أن الذين أمرنا الله بجهادهم. هم الكافرون المعذبون بكفرهم يوم القيامة. والمعنى: إن الذين كفروا، لو أن لهم ما في الأرض - جميعًا - من أموالها، وزروعها، وكنوزها، ونفائسها، ومنافعها، ومثله معه - ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة الذي استحقوه بكفرهم، ما تقبله الله منهم، لعظم جريمتهم. ولهم عذاب شديد الإيلام، ولو أنهم فطنوا - في الدنيا - لافتدوا أنفسهم من هذا العذاب بشيء سهل يسير هو الإيمان والعمل الصالح. قبل أن يفاجئهم الموت، ويشهدوا يومًا فيه: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (¬1). 37 - {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}: وأفادت هذه الآية السابقة: أَن الكفار لو أرادوا الافتداءَ من النار كيلا يدخلوها، فلا يقبل منهم. وأفادت هذه الآية: أنهم - بعد دخولها - لا يستطيعون الخروج منها بحال. والإرادة في الآية: بمعنى التمني. كما قال الجبائي. أي يتمنى الكافرون الخروج من النار - بعد أن اصطلوا بسعيرها - وما هم بخارجين منها. بك يبقون فيها. ولهم عذاب دائم لا ينتهي أبدا. وهذه الآية خاصة بالكافرين، كما يفيده نصها. أما المسلمون المذنبون، الذين أُدخلوا النار بسبب معاصيهم، فيخرجون منها ويدخلون الجنة. ¬

_ (¬1) الشعراء، الآيتان: 88، 89

فقد أخرج مسلم، وابن المنذر، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ". وأخرج ابن جرير، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق، قال لابن عباس رضي الله عنهما: "تزْعمُ أن قومًا يخرجون من النار؟ وقد قال الله تعالى: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنهَا) فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "وَيْحَكَ، اقرأ ما فوقها، يعني: اقرأ أولَ الآية - هذه في الكفار". {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)} المفردات: {نَكَالًا مِنَ اللَّهِ}: أي عقابًا من الله، ينكل به السارق. أي يردع عن معاودة السرقة، وَيُحَذر به هو وغيره من فعلها. قال صاحب القاموس: النَّكال: ما نكفت به غيرك كائنًا ما كان. وقال أَيضًا: ونكَّل به تنكيلا: صنع به صنيعًا يُحَذِّر غيره. (وَاللهُ عَزِيزٌ): أي غالب، فلا يفوته المعتدون. (حكِيمٌ): في شرع هذا الحد؛ لما فيه من الردع.

التفسير 38 - {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (¬1) جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ... } الآية. هذا شروع في بيان حكم السارق، بعد بيان حكم قاطع الطريق. وما بينهما يتصل بحكم قاطع الطريق - كما مر بيانه في الربط. كما أنه يتصل بحكم السرقة، ويعرف ذلك بأدنى تأمل. وقد بين الله في هذه الآية: أن السارق، عقابه قطع يده؛ ذَكَرا كان أَو أنثى. نكالا من الله للسارق وغيره. والنكال: ما نكلت به غيرك، أَي ما حذرته به. ولا شك أن قطع يد السارق، فيه تحذير للسارق نفسه من العودة إلى السرقة، وتحذير لغيره من أن يفعل مثل ما فعل، حتى لا يجْزى مثل جزائه. وقد شدد الله في عقوبة السرقة على هذا النحو، لما تسببه من الانزعاج والأمراض النفسية، والحرمان من أَموال رتَّب صاحبها عليها مصالحه وأَغراضه. فإذا قُطِعت يدُ السارق، كف عن العودة إلى هذه الجريمة غالبًا، وسلِم الناس من آثارها، وارتدع بها من يفكر في السرقة، والتمس - كلاهما - سبيلا إلى الرزق الحلال. ¬

_ (¬1) قال الخليل بن أحمد، والفراء: كل شيء من خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع، تقول هشمت رؤسهما، وأُشبعت بطونهما، و {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ولهذا قال: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ولم يقل يداهما. وهذا هو الأفصح. حتى لا تكرر التثنية مرتين وهي ثقيلة. ويعتمد على الإضافة في بيان المعنى المراد وهو التثنية. ولو قيل: فاقطعوا يدهما لصح، ولكن الأول أفصح. والمراد: فاقطعوا يدا من الذكر وأخرى من الأنثى. فهاتان هما اليدان المطلوب قطعهما: على معنى أن الذكر تقطع يده إذا سرق، والأنثى تقطع يدها إذا سرقت. وستجد بيان ذلك في الشرح.

والسارق: هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ولا شبهة له فيه، دون طعن بسلاح أو تهديد به، فإِن طعن بصلاح، أو هدد به - وهو ما يعرف الآن بالسطو المسلح - فحكمه حكم قاطع الطريق، الذي يسعى في الأَرض فسادا. وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... } (¬1). ولا يعاقب السارق هذا العقاب، إلا إذا كان بالغًا عاقلا، غير مالك للمسروق منه، ولا ولاية له عليه .. فلا تقطع يد صبي ولا مجنون، ولا سيد أَخذ مال عبده؛ لأن العبد وماله لسيده. ولا يدُ عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في غلام لعبد الله بن عمرو الحضرمي سرق مرآة لامرأته ثمنها ستون درهمًا: "غلامكم، سرق متاعكم" ولم تقطع يده. ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنتَ ومالُكَ لأبِيكَ" (¬2)، ويقطع هو في سرقة مال أبويه؛ لأنه لا شبهة له فيه. كذا قيل. والراجح: أَنه لا يقطع؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة. وإِذا كان العبد لا يقطع في سرقة مال سيده، فالابن أولى. وإذا استكمل هذه الشروط، فلا تقطع يده، إلا إِذا سرق ما قيمته ربع دينار. لقوله صلى الله عليه وسلم: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ في رُبعْ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (¬3). وبهذا أَخذ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، والشافعي، والليث وغيرهم. ومن العلماء من قال: تقطع يده في عشرة دراهم، ومنهم من قال: في خمسة دراهم. ومنهم من قال: تقطع في القليل والكثير. والقول الأول: أصح؛ لاستناده إِلى الحديث الصحيح، الذي ذكرناه. وأَما ما رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ: يَسرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ". ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 33 (¬2) رواه ابن ماجه والطبراني. (¬3) رواه الشيخان عن عائشة.

فإن الغرض منه: التحذير بالقليل - فضلا عن الكثير - كما جاءَ في معرض الترغيب بالقليل في بناء المساجد في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَنَى لِله مَسْجدًا وَلَوْ مثْلَ مَفْحَصِ قَطاةٍ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجنةِ". فإِن المساجد لا تكون كمفحص القطاة، وهو المكان الذي تفرخ فيه من الأرض. ومنهم من أوَّل هذا الحديث بأنه: إِذا سرق القليل، اجترأَ على سرقة الكثير الذي تقطع فيه اليد، وهو ربع دينار فأكثر!! ولا يقطع إلا إذا أخذ المسروق من حرز مثله. وهو ما أُعِدَّ - عادة لحفظ أموال الناس. وهو في كل شيءٍ بحسبه. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم .. وإِنما ذلك كالإجماع من أَهل العلم. أهـ. فالبيت حرز للفراش والثياب والمتاع الذي فيه. والقبر والمسجد حرز لما فيهما. والخزانة في مكاتب الناس - أو الحكومة - حرز لما فيها. وظهور الدواب حرز لما تحمل. وأفنية الحوانيت حرز لما فيها ... وهكذا ... وإذا اشترك جماعة في السرقة، قطعت يد كل منهم، إن بلغت حصته مما سرقوا ربع دينار. ولا يقطع إذا سرق مال نفسه من غاصبه أو مستأجره أو نحو ذلك. كسرقته مالا يشترك فيه مع غيره، أو سرق مالًا له فيه شبهة، كسرقة من يستحق النفقة ممن يجب أن يُنفِق عليه، كالأب من ولده وبالعكس.

وفي سرقة الزوجة من زوجها ما يقابل النفقة رأْيان: ومن قال بالقطع فيها: فرَّق بينها وبين نفقة الأقارب، بأن نفقة الأقارب لأجل إحياء النفس .. وأما نفقة الزوجة فهي معاوضة كالإجارة. ومن نفى القطع استدل بسماح الرسول صلى الله عليه وسم لهند زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله - أي مال زوجها - ما يكفيها وولدها بالمعروف. وذلك حين شَكَتْ له شُحَّ أبي سفيان. كما ورد في الصحيحين. ولا يقطع من سرق لجوع شديد أصابه. وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه، رَفع حَدَّ السرقة عام المجاعة. وعلى الحاكم أن يتثبت بعناية من واقعة السرقة وظروفها ودواعيها، وأن يعدل عن القطع عند وجود شبهة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادْرَءُوا الحدُودَ عَنِ المسْلِمِينَ مَا استَطَعْتُمْ، فَإنْ وَجَدْتُم للمُسْلِم مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنْ الْإمَامَ لَأنْ يُخْطِيء في العَفْوِ خَير مِنْ أنْ يخطيء في العُقُوبَةِ" (¬1). وتقطع يد السارق اليمنى من الكوع عند المفصل، الذي بين الساعد والكف. فإن سرق ثانيا، قطعت رجله اليسرى. فإن سرق ثالثا، قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعا، قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عُزِّر بما يراه الحاكم رَادعًا مانعًا. وتثبت السرقة بالبينة، وبالإقرار. ثم ختم الله الآية بقوله: (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ): أي: والله غالب، فلا يفوته المعتدون، حكيم في شرع هذا الحد، للقضاء على هذه الجريمة النكراء. تأمينا لحياة الناس. ¬

_ (¬1) رواه ابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن عن عائشة.

39 - {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أي فمن تاب من سرقته - من بعد أن ظلم بها من سرق منه، وأصلح أمره - فإن الله يقبل توبته؛ لأن الله عظيم الغفران والرحمة. وإصلاح أَمره يكون: بالتقصّي عن التَّبِعَات، وردِّ ما سرقه إن أمكن، أَو باستسماح صاحب المال .. فإن لم يعرف صاحبه، أنفقه في سبيل الله. وقيل: المراد بالإصلاح أن يستقيم على التوبة. ولكن لا يسقط حد السرقة بالتوبة، إن كان قد رفع أمر السارق إلى القضاء. فإن كانت توبته قبل أن يرفع أمره إِلى القضاء، فلا قطع، كما قال به عطاء: وجماعة من الفقهاء. استنادا إلى قوله تعالى: "إلاَّ الذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عليْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (¬1) فإنه وإن نزل في قطاع الطريق، فحكمه عام في جميع الحدود، عند هؤُلاء العلماء. وقد بسط العلماءُ القول في أحكام السرقة، والاختلاس، والغصب، وغير ذلك. فليرجع إليها من أراد، في موسوعات كتب التفسير والفقه. 40 - {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: هذه الآية، مسوقة لتقرير حق الله تعالى في أَن يشرع ما تقدم من عقاب قاطع الطريق، والسارق، والعفو عن التائب منهما. والخطاب لكل من يصلح له. والمعنى: أَلم تعلم أَن الله تعالى، له السلطان الكامل على السموات والأرض وما فيهما. ومن كان كذلك، فإِن له كامل الحق، في أَن يعذب من شاءَ من المعتدين، ويغفر لمن شاءَ من التائبين، والله على كل شيءٍ قدير: عظيمُ القدرة، فلا يمنعه عن تشريعه الحكيم مانع، ولا يدفعه عن جزائه لهم في الدنيا والآخرة دافع. ¬

_ (¬1) المائدة، آية: 34.

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)}. المفردات: (يُسَارِعُونَ في الْكفْرِ): يجدُّون فيه. (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا): أي من اليهود. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ): يسيئون تأْويله. (فِتْنَتَهُ): إخلاله لسوء اختياره. (خِزْي): هَوَانٌ ومذلة. التفسير 41 - (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... ) الآية. سبب نزول هذه الآية: على ما رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما - أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أُتِيَ بيهوديٍّ ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءَ يهود. فقال: ما تجدون في التوراة على مَنْ زنى؟، قالوا: نسوّد وجوههما

ونحملهما. ونُخالف بين وجوههما. ويطاف بهما. قال فأَتُوا بالتوراة إن كنتم صادقين. فجاءُوا بها فقرءُوها، حتى إذا مرُّوا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأَ ما بين يديه وما وراءَها. فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - مُرْة فليرفع يديه، فرفعهما فإِذا تحتهما آية الرجم: فأَمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَرُجِمَا. وروى أحمد عن البراءِ بن عازب قال: مُرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جيء إليه بيهودى محمم (¬1) مجلود. فدعاهم. فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم. فقال: أنشدك (¬2) بالذي أَنزل التوراة على موسى: أهكذا تجدون الزاني قى كتابكم؟ فقال: لا والله. ولولا أَنك نشدتني لم أخْبرك. نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ... ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أَخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالَوْا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على: التحميم والجلد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهمَّ إِني أولُ مَنْ أَحيا أمْرك، إذْ أَماتوه. قال: فأمر به فرجم" (¬3). فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... } الآية. فخوطب صلى الله عليه وسلم، بعنوان الرسالة، للتشريف، والإيذان بأن عدم الحزن من مقتضيات الرسالة ... ويشير بقوله تعالى: (يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ): إلى أنهمِ مستقرون في الكفر لا يبرحونه. والمراد: نَهْيُ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، عن التأثر بذلك، أَو المبالاة بهم، وتسليته عما حدث منهم، على أبلغ وجه. أَي لا تحزن، ولا تبال بتهافتهم في الكفر والإسراع فيه. ¬

_ (¬1) مطلي وجهه بالسواد. (¬2) أي أسألك باللهِ. (¬3) لأنهم احتكموا إليه بالتوراة. والتوراة صريحة في الرجم، كما أظهرته المناقشة معهم.

{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا}: هذا بيان للمسارعين في الكفر، وأَنهم فريقان: منافقون، ويهود. فالمنافقون: هم الذين تفوَّهوا بكلمة الإيمان، من غير أن تلتفت إليها قلوبهم، ولم يتأثر بها باطنهم ... والفريق الثاني: هم اليهود ... والفريقان: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}: هذا الوصف يعود إِلى الفريقين، أو إِلى اليهود خاصة. أي الذين يسارعون في الكفر هم سماعون للكذب، أي كثيرو السماع للكذب من أحبارهم ورؤسائهم، الذين يلقون إليهم أكاذيب اخترعوها، وأباطيل افْتَروْها. {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}: أَي: كما أنهم سماعون للكذب من أَحبارهم ورؤَسائهم، فهم - أيضًا - سماعون منك لأجل قرم آخرين هم رؤَساؤُهم. فقد بعث بهم الرؤَساءُ إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليعرفوا ما عنده من حكم الزاني المحصن. وقالوا لهم: اذهبوا إِلى محمَّد. فإن أفتاكم بعقوبة غير الرجم، قبلناها، وكانت حجتنا عند الله. وقلنا هي: فتيا نبي من أنبيائك. وإِن أفتى بالرجم، فلا تتبعوه ولا تستمعوا لكلامه. {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}: صفة أخرى (لِقَوْمٍ) أي أنهم يميلون بالتوراة، وَيُؤَؤلُونَ الكلامَ الواردَ فيها على غير تأويله. {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}: أي يقُولُون لاتباعهم السماعين لهم - عند إلقائهم إليهم الأقاويل الباطلة -: {إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ}: أَي إِن أفتاكم محمَّد بما تريدون - وهو الجلد - فخذوه، واعملوا بموجبه.

(وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ): بل أُوتيتم غيره وهو الرجم، (فَاحْذَروا) قبوله، وإياكم أن تعملوا به. ولا شك أن هذا ضلال منهم. ولذلك جاءَ بعدها قوله تعالى: (وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا): أي: من يُرد الله به الضلالة والبعد عن طريق الحق، فلن تستطيع دفْعه عن ذلك، لأنَّك لا تملك له من الله شيئًا في دفع الفتنة عنه. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ): أَي هؤُلاء المذكورون - من المنافقين واليهود - هم الذين لم يرد الله أَن يطهر قلوبهم من الكفر والضلالة؛ لأنهم منهمكون فيهما، مُصِرُّون عليهما، معْرضون عن طريق الهداية والرشاد. (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ): أَي لهؤُلاءَ - وأولئك - في الدنيا خزي؛ بكَشْفِ حال المنافقين، وهَتْكِ أسرارهم، وبَيَانِ كذب اليهود، وإذلالِهم بضرب الجزية عليهم. (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ): بدخولهم النار، والخلود فيها. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)}. المفردات: (أكَّالُونَ): كثيرو الأَكل. (لِلسُّحْتِ): السحت؛ الحرام. كالربا ونحره. (بِالْقِسْطِ): بالعدل.

التفسير 42 - (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ... ) الآية. كرر تَسمُّعَهم للكذب والباطل، تأكيدًا لاتصافهم بهذه الرذيلة الشنيعة، وتمهيدا لما بعده، من وصمهم برذيلة أُخرى، وهي أكلهم أموالَ الناس بالباطل .. كأَكلهم الربا، وأخذهم الرشوة؛ لِيُحِلُّوا لأنفسهم ما حرم الله عليها. وعبر عن المال الحرام بالسحت؛ لأنه يسحت البركة في المال، ويذهب به. (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ): أي فإِن جاءَكَ اليهود - متحاكمين إليك بعد ما سمعت من تفاصيل أَحوالهم - فأنت بالخيار بين أن تحكم بينهم، لأنهم اتخذوك حكمًا، أَو تعرضَ عنهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق. ومثل هؤُلاء: لا يُهْتم بهم، ولا يُلتفتُ إِليهم. ومن هذه الآية، استدل العلماءُ: على أن الإِمام مخير في الحكم بين أهل الذمة، أو الإِعراض عنهم. (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا): أي. وإن اخترتَ عدم الحكم بينهم، وأعرضت عن ذلك، فلن يقدروا على الإضرار بك؛ لأن الله عاصمُكَ من الناس. (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ): أي وإن اخترت الحكم بينهم، فالواجب أن يكون الحكم بينهم بالعدل، كما أراك الله، قال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (¬1). {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}: أَي: يرضى عن العادلين فيما ولَّاهم من أحكام، ويحفظهم من كل ما يضرهم. ¬

_ (¬1) المائدة، من الآية: 49

{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)}. التفسير 43 - {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ... } الآية. هذا تعجيب من تحكيمهم من لا يؤْمنون به ولا بكتابه، مع أن الْحُكْم منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون الإيمان به وهو التوراة. إذ كانت - مع تحريفها - مشتملة على حكم تلك المسألة، التي جاءُوا يتحاكمون فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: حكم الزاني المحصن. (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): أي يعرضون من بعد حكمك الموافق لما في كتابهم. (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ): أَي وما أولَئكَ المتصِفُون - بما ذكر - بالمؤْمنين بما في كتابهم؛ لإعراضهم عنه وعن حكمك الموافق له. وفي الآية دليل على أن التولِّي عن حكم الله، يخرج صاحبه من الإيمان.

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)}. المفردات: (وَالرَّبَّانِيُّونَ): جمع رباني؛ وهو المنسوب إلى الرب. والمراد: الزهّاد والعُبّاد. (وَالْأَحْبَارُ): جمع حبر؛ وهو؛ العالم، أَو رؤَساءُ العلماء عند اليهود. (اسْتُحْفِظُوا): كلفوا من الله بالمحافظة عليه. (شُهَدَآءَ): أي رقباءَ يحمونه من التغيير والتبديل. التفسير 44 - (إنَّاَ أنزَلْناَ التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ .... ) الآية. هذا كلام مستأنف، سيق لبيان علوِّ شأن التوراة، وأَنها كانت مرعية فيما بين أَنبياء بني إسرائيل، وعُبَّادهم وعلمائهم. (فيهَا هُدًى وَنُورٌ): أَي فيها هداية للناس إلى سبيل الله، ونور يكشف لهم أحكام الله - سبحانه وتعالى - حلالًا كانت أو حرامًا. (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا): أَي يحكم بها أنبياءُ بني إِسرائيل، من موسى إلى عيسى ابن مريم عليهم السلام، وهم الذين انقادوا وخضعوا لأوامر الله الواردة فيها: بإجراء أَحكامها على اليهود.

(وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ): أي ويحكم بها الزهاد، والعلماءُ من اليهود، الذين التزموا طريقة النبيين، وجانبوا كتب اليهود المحرفة. وحكم هؤُلاَء وأُولئك بالتوراة، بسبب التزامهم المحافظة على كتاب الله المنزل إليهم. وكانوا - جميعًا - رقباءَ على كتاب الله - التوراة - يحمونه من محاولات التغيير والتبديل، بأي وجه من الوجوه. (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ): هذا خطاب لرؤَساء اليهود، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: إذا كان شأن التوراة - مع النبيين والأحبار السابقين - كما ذكر، فلا تخافوا، يا علماءَ اليهود، أحدا من الناس، كائنا من كان. وعليكم أن تُطَبقوها كما أنزل الله، وخافُون، فلا تُخِلُّوا بمراعاتها. (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا): أي: لا تستبدلوا بآياتي المنزلة فيها ثمنا قليلًا. وذلك بتغييرها وتبديلها، في مقابل رشوة تأُخذونها، أو جاهٍ تحرصون عليه، أو أي حظٍّ من حظوظ الدنيا وزُخرُفِها. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ): هذه الآية وما يأتي من قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) نزلت كلها في الكفار، وعلى هذا رأْي أَكثر المفسرين. فأما المسلم، فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة. وقيل في الآية إضمار، تقديره: ومن لم يحكم بما أنزل الله رادًّا للقرآن، وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، قاله ابن عباس، ومجاهد ... فالآية عامة على هذا. وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، معتقدا ذلك، مستحلا له. وأَما مَن فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب محرما، فهو من فُسَّاق المسلمين وعُصَاتِهِم (¬1). ¬

_ (¬1) القرطبي: 6/ 190 باختصار.

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)}. المفردات: (قِصَاصٌ): القصاص؛ عقاب الجاني بمثا ما جنى. (تَصَدَّق): أَي عفا عن الجاني. (كَفَّارَةٌ لَّهُ): مَحْوٌ لذنوبه وآثامه. التفسير 45 - {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ... } الآية. في هذا توبيخ وتقريع لليهود: لأَن عندهم في نص التوراة: أن النفس بالنفس. وهم يخالفون حكم ذلك. عمدا وعنادا. ويفرقون بين الخاصة والعامة في القصاص. كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن. على ما أَشارت إِليه الآية السابقة. والمعنى: وفرضنا على اليهود في التوراة؛ أَن النفس القاتلة. تُقْتَلُ بالنفس المقتولة. وأَن العين تُفقَأ بالعين. وأَن الأَنفَ يُجْدَع بالأَنف. وأَن الأُذنَ تُقطع بالأُذن. وأَن السنَّ تُقْلَعُ بالسن. والجروح ذاتَ قصاص (¬1) وذلك إِذا كانت المساواة ممكنة. ¬

_ (¬1) ورد مثل هذه الأحكام في سفر الخروج، الإصحاح 21: 23 - 25 وفي سفر اللاويين: إلخ صحاح: 24: 17/ 20.

فإِذا تعذرت المساواة كما إذا فقأَ أَعمى عينَ مبصر، أو كان فيها خطر على حياة المقتص منه - كما إِذا فقأ أعورُ عينَ مبصر - ففي ذلك دية الجراح. وفي ذلك تفصيل: محله كتب الفقه. (فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ): أَي فمن عفا عن القصاص من الجاني بقبول الدية - أو مع التنازل عنها - فعفوه كفارة لذنوبه، ومَحْوٌ لسيئاته. وعبر عن العفو بالتصدق؛ للترغيب فيه، وإظهار جزيل ثوابه. والقصاص المذكور في الآية، إنما يكون حال العدوان العمد. أَما الخطأ - أَو شِبْهه - ففيه الدية. وهذا الحكم المذكور في التوراة، جاءَت به الشريعة الإِسلامية. ففي حديث أَنس بن مالك عند البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له: أن الرُّبَيّع: عمةُ أنس، كَسَرت ثنيةَ جارية. فطلبوا إلى القوم العفو، فَأَبَوْا ... فأَتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: القصاص. فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول اللهِ تكسر ثنية فلانة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله؛ القصاص. قال: فقال: لا، والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضِيَ القوم، فعفَوْا وتركوا القصاص. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَن لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّهُ". (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): لأنهم لم يراعوا المساواة - فيما أَمر الله به - في القصاص.

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)}. المفردات: (وَقَفيْنَا): أَتبعنا. (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): لما تقدَّمه. التفسير 46 - (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... ) الآية. شروع في بيان أحكام الإِنجيل؛ إِثر بيان أَحكام التوراة. المعنى: وأَرسلنا عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل؛ بعد أَنبيائهم الذين أَشارت إليهم الآية السابقة. (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ): أَي مؤَيدا للأحكام السابقة التي وردت في التوراة. (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ): أَي وأَعطيناه الإِنجيل. (فِيهِ هُدًى وَنُورٌ): أَي فيه هُدًى إلى الحق، ونور يستضاءُ به في إزالة الشبهات، وحل المشكلات.

(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ): أَي: ومؤَيدا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل. كما قال تعالى - على لسان المسيح عليه السلام - لبني إِسرائيل: " ... وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ... " (¬1). وتكرار (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْرَاةِ): لتأكيد توافق الكتابين الكريمين: التوراة والإِنجيل، لأَن مصدرهما واحد ... هو الله عَزَّ وَجَلَّ ... (وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ): أَي وجعلنا الإِنجيل الذي أَنزله الله على عيسى هدى يُهتدى به، وزاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم لمن اتقى الله، وخاف عقابه. أَما تكرار (هُدًى): فهي في الأُولى جزءٌ من اثنين: الهدى، والنور. وفي الثانية تُتَمِّمُ - مع الموعظة - فضيلة التقوى؛ لبيان ميزة الهدى في الحالتين. 47 - (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ... ) الآية. أَمر من الله للمسيحيين، بأَنْ ينفذوا الأحكام الواردة في الإنجيل، الذي أنزله الله على عيسى - عليه السلام. وهذا الأمر ممتد إِلى البعثة المحمدية؛ لأن البشارة وردت بمحمد صلى الله عليه وسلم، في الإنجيل. فهم مأمورون بأَن يعملوا بما فيه. ومن جملة ما فيه: دلائلُ رسالته صلى الله عليه وسلم، ووجوبُ اتباعه فيما يجيءُ به. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): أَي ومن لم يحكم بما أَنزل الله في الإِنجيل، ولم يتبع ما ورد فيه من البشارة بمحمد، والإِيمان برسالته، فأَولئك هم المتمرِّدون الخارجون عن حكمه. وقد تقدم الكلام على ذلك عند الآية (44). وفي هذا ما يدل على خروجهم على الإِنجيل، وأنهم به كافرون. ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية: 50

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)}. المفردات: (مُهَيّمِنًا عَلَيْهِ): مسيطرا. (شِرْعَةً): شريعة. (وَمِنْهَاجًا): طريقا واضحا في تطبيق هذه الشريعة. (لِيَبْلُوَكُمْ): ليختبركم. (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ): أي فليسبق كل منكم الآخر إلى فعل الخيرات. التفسير 48 - (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ... ) الآية. بعد أَن تكلم الله - سبحانه - عن التوراة وما فيها من هدى ونور، وعن الإِنجيل وتصديقه للتوراة، وما احتواه من الهدى والنور والموعظة - كل ذلك قبل أن يلحقهما التغير والتبديل - ذَكَر بعد ذلك، القرآن المنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم - فبين أَنه - حق لا سبيل إِلى تحريفه: "لَا يَأَتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ ... " (¬1) فقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكَتَابَ بِالْحَقِّ ... ) الآية. ¬

_ (¬1) فصلت، من الآية: 42

والمعنى: وأنزلنا إليك يا محمَّد، القرآن: قائما بالحق، الذي لا ريب فيه، مصدقا لما تقدمه من الكتب السماوية، التي نزلت على الأنبياء قبله. فلا يختلف عنها - ولا تختلف عنه - فيما جاءَ من أصول العقائد والشرائع. (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ): أي مسيطرا ورقيبا على سائر الكتب السماوية التي تقدمته قبل تحريفها. وَمُنَبِّهًا إلى ما وقع فيها من تحريف. ومقتضى الهيمنة أَنَّ صاحبها هو - لا سواه - المصدر التشريعي للإِنسانية. (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ): أَي فاحكم بين أهل الكتاب بالحق، الذي أَنزله الله إليك في كتابه الكريم. فإِنه المرجع السماوي الصحيح، المحفوظ من التحريف. وكل ما لا يوافقه في التوراة والإِنجيل دخيل، يحرم العمل به وتصديقه. ويَكفر مَن يعتقده تنزيلا من عند الله تعالى. (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ): أَي لا تعدل عما جاءَك من الحق، متبعا أَهواءَهم الزائفة الناشئة عن التحريف والتبديل. (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً): أَي لكل أمة منكم - يا بني آدم - جعلنا شريعة تناسب أَحوالها وأَزمانها. (وَمِنْهَاجًا): أَي طريقا واضحًا تسير عليه في تنفيذ أَحكام شريعتهم. فالقرآن الكريم. شريعة زمانه. إِلى يوم القيامة. قال ابن كثير: هذا إِخبار عن الأُمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأَحلام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَنَا أَوْلى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَالْأَنْبِياءُ إِخْوةٌ لِعَلَّاتٍ. أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُم وَاحِدٌ".

أي: في التوحيد الذي أرسل به كما رسول أرسله. وضمنه كل كتاب أَنزله، قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" (¬1). (وَلَوْ شَاَءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً): أي جماعة متفقة على شريعة واحدة في جميع الأزمنة. من غير اختلاف بينكم في شيءٍ من الأحكام الدينية. (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ): أي ولكن أَنزل إليكم شرائع، مناهج مختلفة؛ ليعاملكم معاملة من يختبركم فيما آتاكم من الشرائع. ومدى امتثالكم لأحكامها. هل تعملون بها مذعنين لها. معتقدين أَن في اختلافها نفعًا لكم في معاشكم ومعادكم؟ وهل تستجيبون لدعوة خاتَمِ أَنبيائه: الذي جاءَكم بالشريعة، التي خُتِمَتْ بها الشرائع، لتكون شريعة الناس كافة إِلى أَن يرث الله الأرض ومن عليها؟ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ): أَي فليسبق كل منكم غيره إلى فعل الخيرات. وهي تتجلى - في أسمى معانيها - في شريعة الإِسلام التي جاء بها القرآن. (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا): أي إلى الله - لا إِلى غيره - مصيركم ومعادكم أَيها الناس. (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ): أَي فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون في الدنيا، من أمور الدين، ويجازيكم ويفصل بين المحق منكم والمبطل، والعامل والمفرط. ¬

_ (¬1) الأنبياء، الآية: 25.

{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)}. التفسير 49 - {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... } الآية روى ابن جرير. وابن أَبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن هذه الآية نزلت في كعب بن أسد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس وغيرهم. فقد قالوا فيما بينهم: اذهبوا إلى محمَّد: لعلنا نفتنه عن دينه، فأَتَوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أننا أَحبار يهود وأشرافهم وسادتهم. وإنا - إن اتبعناك - اتبعنا يهود. ولم يخالفونا. وإِنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤْمن لك ونصدقك ... فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأَنزل الله الآية. (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... ): جملة (وَأَنِ احْكُمْ ... ) معطوفة على لفظ الكتاب، في قوله: (وَأنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكتَابَ بِالْحَقِّ ... ). والمعنى: وأَنزلنا إِليك الكتاب - وأمرناك بالحكم بينهما بما أَنزل الله إِليك في كتابه - أَي القرآن الكريم. (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ): التي يسيرون عليها، ويتبعون طريقها. فإِنها أَهواء زائفة باطلة. (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ): أَي واحذرهم مخافة أَن يصرفوك عن شيءٍ مما أَنزل الله إِليك، ولو كان أَقلَّ قليل.

أَو احذر فتنتهم لك، وَصَرْفَهُم لك عن بعض المُنزَلِ إليك. وإِعادة (مَاَ أَنزَلَ اللهُ إلَيْكَ): لتأْكيد التحذير: بتهويل الخطب إِذا تمكنوا من صرفه عن ذلك. (فَإِن تَوَلَّوْا): أَي أَعرضوا عن قبول الحكم المنزل، وأَرادوا غيره، مما يتفق مع أهوائهم. (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ): أَلَا وهو ذنب التولِّي والإعراض عن حكم الله، والرغبةِ في خلافه. وفي قوله: (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ): إشارة إلى أَن ذنوبهم كثيرة. وأن التولي والإعراض بعضها. (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ): أي لخارجون عن طاعة الله، منحرفون عن حكمه، متمردون في الكفر. {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)}. التفسير 50 - (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ... ) الآية. هذا إنكار وتعجيب من حالهم، وتوبيخ لهم. أي: أيتولَّون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية؟! والمراد بالجاهلية: متابعة الهوى والمداهنة في الأحكام؛ لأن الجاهل لا يُصدِر حُكمَه عن كتاب، ولا يرجع إلى وحي. أو المراد: أهل الجاهلية ممن كانوا قبل الإِسلام، يخضعون للهوى في أحكامهم. أي أَيطلبون حكم من كانوا في عصر الجهل والضلال.

(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ): أَي ومن أحسن من الله قضاءً لقوم يؤْمنون باللهِ، ويجزمون بأن حكمه هو أَحسن الأحكام وأعدلها للإنسانية كلها. وفي هذا إنكار لأن يكون أحدٌ، حكمهُ أحسنَ من حكم الله، أو مساويا له؛ لقصور العقول البشرية. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)}. المفردات: (أوْلِيَاَء): أحبابا، أو أصدقاءَ، أو نصراءَ. (في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ): شكٌّ ونفاق. (أَنْ تُصِيبَنَا): أن تدركنا وتستأصلنا. من أصاب الشيءَ: أدركه واستأصله. (دَائِرَةٌ): الدائرة؛ الهزيمة، أَو الداهية. يقال: دارت عليهم الدوائر. أي: نزلت بهم الدواهي.

(نَادِمِينَ): نَدِم على ما فعل؛ أَسِف وتَحسَّر. (حَبِطَتْ): بطلت أَعمالهم، ولم تقبل. (خَاسِرِينَ): أَي لم ينالوا ثمرة أَعمالهم؛ لبطلانها وعدم قبولها. التفسير 51 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ... ) الآية. روى ابن جرير: أَن هذه الآية - وما بعدها - نزلت في عبد الله بن أُبيّ. حينما تشبَّث بمحالفة اليهود. وقال: إِني رجل أَخاف الدوائر، لا أَبرأ من موالاة مواليَّ. والآية خطاب من الله تعالى لجميع المؤْمنين، يحذرهم فيه من مصافاة اليهود والنصارى، مصافاة الأَحباب، ومعاشرتهم معاشرة الأَصدقاءِ والنصراءِ. (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ): أَي لا يتخذْ أَحد منكم أَحدا منهم وليًّا يعتمد عليه. ويستنصر به. ويتودد إليه ويخالطه مخالطة الأَصفياءِ. وجاءَ الوصف بالإِيمان؛ ليسارع المؤمنون إلى الابتعاد عما نُهوا عنه؛ لأن الوصف به - في مقابل ذكر الفريقين الآخرين بوصف اليهود والنصارى - من أقوى الزواجر عن مودتهما ومحبتهما. (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ): أَي بعض كل فريق كل من هذين الفريقين، نصراءُ بعض أخر، ثم إِن الفريقين - جميعًا مجمعون على كل مخالفتكم وعداوتكم، فكيف تكون بينكم وبينهم موالاة؟ وفي الإِتيان بهذه الجملة، تأكيد لوجوب الابتعاد عن مودتهم، وتعليل للنهي عن موالاتهم، كما يتأَيد النهي بآيات أخرى منها قوله تعالى: "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ... " (¬1). ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية: 28

وليس المراد من الآية الكريمة: أَن يكون بعض اليهود أَولياءَ لبعض النصارى؛ لانتفاءِ الموالاة بين الفريقين أَصلا، قال تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ... " (¬1) إِلا في عداوتهم للمسلمين، فهم فيها أَولياء بعضهم للبعض. ولهذا أَكد القرآن على نبذ الولاية لهم؛ وتأكيد الولاية للإِسلام بقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ): أَي ومن يتوددْ إِلى اليهود والنصارى، ويستنصر بهم، فإِنه من جملتهم، وليس من جماعة المؤْمنين؛ لأنه قد خالف الله ورسوله مثل ما خالفوا هم، ووجبت معاداته كما وجبت معادتهم، واستحق عذاب النار كما استحقوه، لأَنه أَضعف الإِسلام بهذه الولاية، قال تعالى: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ" (¬2). وقد استفيد من الحكم: أَن من يتودد إِلى اليهود والنصارى يكون منهم، من قوله تعالى: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ): لأَن انحصار الموالاة - بين اليهود والنصارى في عداوتهم للإِسلام - يترتب عليه: أَن يكون من يواليهم منهم، لا من المؤْمنين. (إنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): أَي إِن الله لا يوفق إِلى قبول الحق، أُولئك الذين ظلموا أَنفسهم باختيار الضلالة على الهدى، وظلموا غيرهم بإِيذائهم ومضاررتهم، وتدبير الكَيد لهم: فلا يهدى إِلى الإِيمان من ظلم نفسه من المسلمين بموالاة غير المؤْمنين، واتباع غير طريق المسلمين. وفي ختام الآية بهذا: زجر شديد للمؤْمنين عن موالاة اليهود والنصارى؛ وأَنه ظالم للإسلام، لا يهدي الله صاحبه. 52 - (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ... ) الآية، خطاب للرسول عليه السلام ولكل من تتوفر له وسائل الإِبصار أَو العلم بأَحوالهم. خطاب، بيَّن فيه حال الذين يوالون اليهود والنصارى، وأَشار فيه إِلى سبب هذه ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 113 (¬2) هود، الآية: 113

الموالاة منهم، وأنه هو ما استقر في قلوبهم من النفاق والحقد على محمَّد صلى الله عليه وسلم - والشكِّ في صدقه، فلا إِيمان يملأُ قلوبهم، ولا يقين - برسالته - تعمر به نفوسهم. ولذا، تراهم مسارعين إِلى تحقِيق مودتهم لليهود والنصارى ومعاونتهم في حرص شديد، وعناية فائقة. كما أَفاده التعبير بقوله: (يُسَارِعُونَ فِيهِم) دون التعبير بلفظ: يُسارِعُونَ إِليْهِم: إِذ معناه؛ أَنهم مستقرون في مودتهم. وإِذا كانوا مستقرين في موالاتهم: فالمسارعة فيا بينهم - إِنما تكون في الانتقال من مرتبة من مراتب الموالاة، إِلى مرتبة أُخرى أكثر أو أكبر. (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ): أَي يقولون - معتذرين عن تلك الموالاة - بأَننا إِنما نفعل ذلك؛ خوفا من أن يدور الدهر علينا: إِما بقحط أو جدب، فلا يعطوننا طعامًا ولا مالا. وإما بانقلاب الأمر ... فتصبح - بتلك الوسيلة الحمقاء - الدولة للكفار، والغلبة لليهود والنصارى على المسلمين، فيدور الأمر كما كان قبل ذلك، فلا يتم لمحمد صلى الله عليه وسلم - شأْن، ولا يدوم له نصر. فرد الله على هؤُلاءِ المنافقين فيما اعتذروا به بقوله تعالى: (فَعَسَى اللهُ أَن يَأتِيَ بِالْفَتْحِ): وهو وعد من الله تعالى لرسوله وللمؤْمنين بأَن يحقق لهم الغلبةَ على أَعدائهم والقضاءَ عليهم. والمراد بالفتح الذي يأْتي به الله تعالى: نصرُه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم - على من خالفه، وإِعزازُ الإِسلام، وإِظهارُ المسلمين على أَعدائهم، أَو هو فتح مكة، أو فتح قرى اليهود كخيبر، وفدك، أَو فتح بلاد المشركين للمسلمين - وكل ذلك قد كان. (أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ): أَي أَو أَن يأْتي الله بأَمر من عنده، وهو القضاءُ على اليهود، وقطع دابرهم، واستئصال شأْفتهم، بقارعة تصيبهم. أَو هو الخصْب والسعة للمسلمين، بعد الذي كانوا فيه من ضيق العيش وشدة الحياة.

أو هو الجزية التي تفرض على اليهود والنصارى، كدليل على استسلامهم وخضوعهم لنظام الإسلام - وقد خافهم من قبل مرضى القلوب من المنافقين، ونافقوا الرسول من أجلهم. أو هو إظهار أمر المنافقين، والإِخبار بأسمائهم والأَمر بقتلهم. والحق: أن كل ذلك قد حققه الله للذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأَيقنوا بصدق رسالته. وكلمة (فَعَسَى): من الله تعالى، وعدٌ واجب التحقق. لكن لا بإِيجاب أَحواله عليه تعالى، بل جريا على سنن العظماء الأكرمين؛ لأَن الكريم إذا أَطمع في خيرٍ، فَعَلَه، فما بالكم بأعظم العظماء، وأَكرم الأَكرمين!! (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ): أَي: فيصبح هؤُلاء المنافقون - بعد أَن جاء فتح الله ونصره لرسوله - على ما حدثوا به أنفسهم وكتموه في صدورهم، من الكفر والشك في أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، آسفين متحسرين بعد أَن تبين لهم أَنهم كانوا - فيما فعلوه - مخطئين. وترتيب الندم على ما أَسرُّوه من الكفر - دون ما أَظهروه من الموالاة - لأَن ما أبطنوه، كان السببَ الذي حملهم على إِظهار الموالاة وأَغراهم بها، فكان الندم على ما أَبطنوه، طريق أَسفهم على ما أَظهروه. 53 - (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ .... ) الآية. أَي: ويقول الذين آمنوا - مخاطبين اليهود على سبيل التقريع والتوبيخ - بعد ما هزموا ودارت الدائرة عليهم مشيرين إلى المنافقين بهذا الاستفهام: استهزاءً بهم وإِنكارا لصنيعهم واستبعادا له. (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ): أَهؤُلاءِ هم الذين حلفوا لكم باللهِ: مغلظين الأَيمان، مجتهدين فيها؛ إنهم ليكونون معكم بالعون والنصر على محمَّد إذا قاتلتموه؟

(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ): أَي بطُلت أَعمال هؤُلاء، وفسدت وذهبت سدى، فكانت عاقبة أَمرهم: خُسْرا في الدنيا، إِذ لم تقم للكافرِين دولة فينتفعوا بثمار مساعدتهم، وأَجر موالاتهم. وخُسْرا في الآخرة؛ أَي حُرِموا ثوابَ الإِيمان بالله، والإِخلاصَ في طاعته. وفيه عن التقريع لليهود، والاستهزاءِ بالمنافقين ما لا يخفى. ونظير هذا قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ" (¬1). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)}. المفردات: (يَرْتَدَّ): يرجع عما هو عليه. (أَذِلَّةٍ): جمع ذليل؛ لين. رحيم. متواضع لا بمعنى مهين. أَي: رحماءَ متواضعين. (أَعِزَّةٍ): أَقوياء أَشداء. (لَوْمَةَ): المرة من اللوم. ولامه كدَّره بالكلام؛ لإتيانه ما لا ينبغي. ¬

_ (¬1) سورة الحشر، الآيتان: 11، 12

54 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ... } الآية. لما نهى القرآن الكريم عن موالاة اليهود والنصارى - فيما تقدم من آياته - وبيَّن أَن مَن يتولَّهم، فإنه يكون منهم - وذلك يقتضي الارتداد - وأوضح عاقبة الموالين من المنافقين، جاءَت هذه الآية: تبين حال المرتدين مطلقا. (يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ): يأيها الذين آمنوا، مَن يرجع منكم عن دين الإِسلام إِلى الكفر، وإِنكَار ما جاءَ به الإِسلام من تكاليفَ: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ): بأُناس آخرين. (يُحِبُّهُمْ): يَرضى عنهم، إِذْ هداهم إلي خَيْرَيِ الدنيا والآخرة. (وَيُحِبُّونَهُ): ويحرصون على طاعته، وينصرون دينه ويبتعدون عن معاصيه. (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ): أي: هؤُلاءِ الأَقوام يكونون متواضعين للمؤْمنين، متذللين لهم: متعاطفين معهم، حافِّين عليهم، رحماءُ فيما بينهم: أَشداءُ على الكفار - أَقوياء في جهادهم. قال تعالى: " ... أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... " (¬1). (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ): أَي يجاهد هؤُلاءِ القوم - بإِخلاص نية وصدق عزيمة - في سبيل نصرة الحق. وإِعزاز الإِسلام وأَهله، حتى تكون كلمة الله هي العليا. ولا يخافون أَية ملامة من أَي لائم؛ لقوة تَدَيُّنِهم، ورسوخ يقينهم؛ لأَنهم لا يوالون أَحدًا إِلا الله بخلاف المنافقين فإِنهم كانوا يوالون اليهود حرصًا على أَنفسهم. ومخافة أَن تدور الدائرة على النبي وأَصحابه ومن ثَمَّ، لا ينتصر بهم، ولا يصلحون للدفاع عن الدعوة. ¬

_ (¬1) الفتح، من الآية: 29

(ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتيهِ مَن يَشَاَءُ): أي ما تقدم من الأوصاف العظيمة، والفضائل الجليلة، من محبة الله لهم، ومحبتهم لله تعالى، وحنوهم على المؤْمنين. والشدةِ على الكفار، والجهاد في سبيل الله - دون خشيةِ أَحد - إنما هو لطفُ الله وإحسانهُ: يتفضل - وحده - بمنحه من يشاءُ من عباده. وذلك بتوفيقه للعمل على تحصيله، والحرص على التحلِّي به. (وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ): كامِلُ القدرة، كثير الإِفضال، كامل العلم، محيط بكل شيء. فلا يعجزه أَن يأتيَ بمن يُحِبُّهُمْ ويحبونه، ولا يفوته العلم بمن هو أَهلٌ لذلك الفضل. وقد تحدثت الآية عمن يرتدون قبل أَن تقع ردتهم، فكان ذلك إخبارا عن مغيبات، وكان معجزة للرسول، وإعجازا للقرآن. وقد ارتد من العرب في أَواخر عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاث فرق: 1 - بنو مدلج: تحت رياسة الأسود العنسي؛ تنبَّأَ باليمن، ثم قتله فيروز الديلمي، في الليلة التي قُبض الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - من غدها. 2 - بنو حنيفة: أَصحاب مسيلمة الكذاب، الذي تنبأَ فحاربه أَبو بكر - رضي الله عنه - وقتله الوحشي؛ قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت في جاهليتي خيرَ الناس، وقتلت في إسلامي شرَّ الناس. 3 - بنو أَسد: قوم طلحة بن خويلد، الذي ادعى النبوة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا رضي الله عنه لقتاله، فهرب بعد القتال إلى الشام ثم أَسلم، وحَسُنَ إِسلامه. وفي خلافة أبي بكر الصديق ارتدت بعض القبائل العربية. وبعضها امتنع عن دفع الزكاة واعتبرها جرما. فرأى أَبو بكر رضي الله عنه قتال المرتدين والممتنعين عن دفع الزكاة، وشرح الله صدور المسلمين لهذا، وجهز الجيوش، واستطاع القضاء على هذه الفتنة، وضَمّ المسلمين بعد أَن كَادوا يتفرقون.

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)}. المفردات: (حِزْبَ اللهِ): الحزب في اللغة؛ القوم الذين يجتمعون لأمر حَزَبَهم. وحِزْبُ الرجل: أصحابُه الذين يكونون معه على رأيه. وأظهرُ ما قاله المفسرون في بيان معناه: أنهم الذين يطيعون الله فيما أمَرَ ونَهَى، فينصرهم الله. التفسير 55 - {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}: بعد أن نهى القرآن الكريم المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياءَ؛ لأن بعضهم أولياءُ بعض، فلا يتصور أَن يخلصوا في مودة المؤْمنين، وبيّن أَن من يصافيهم يكون منهم، وأَن مودتهم تؤَدي إلى الارتداد. ثم بيّن حكمَ المرتدين مطلقا ... بعد ذلك، جاءَت هذه الآية، تبين أَن الوليَّ حقا الجدير بأن يستنصر به هو الله تعالى وحده. وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤْمنون. فإن الاستعانة بهم، استعانةٌ بالله تعالى. جاءت الآية بذلك - تحريضًا للمؤْمنين على الاستنصار بالله ورسوله والمؤْمنين، وتحذيرا من موالاة مَنْ تَجُرُّهُ مصافاته لغير المسلمين، إلى الردة عن دين الله.

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا): أي: إنما وليكم الجدير بالولاء، هو الله وحده، وكذلك رسوله والمؤْمنون. (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ): أي الذين يحافظون على أداء الصلاة في أَوقاتها، وإِعطاءِ الزكاة لمستحقيها، وهم خاشعون خاضعون، منقادون لله في كل ما أمر به، ونهى عنه، فيؤَدون الصلاة تامة، مستوفية الأركان والشروط: في إِخلاص نية وصدق عزيمة. ويعطون الزكاة لأصحابها، من أفضل أموالهم، دون أن يُشْبِعوها مَنًّا ولا أذًى. وإنما قال: (وَلِيُّكُم) بالإفراد ولم يقل أولياؤكم - مع أَنهم في الآية جمع: الله، ورسوله، والذين آمنوا - لبيان أن الولاية حقًّا - وفي الأصل - لله تعالى وحده، والاستعانة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبالمؤْمنين الصادقين، بطريق تبعيتها للاستعانة باللهِ تعالى. والآية عامة في حق جميع المؤمنين. فكل من كان مؤْمنا، فهو نصير لجميع المؤمنين. ونظيره قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... " (¬1). وعلى هذا فقوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ): وصف لجميع المؤْمنين. والمراد تمييزهم من المنافقين، لأنهم كانوا يدّعون الإيمان، ولا يداومون على الصلاة والزكاة، قال تعالى: " ... وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ" (¬2). وخص الصلاة والزكاة - دون سائر العبادات - لأهميتهما من بين العبادات؛ لأَن الصلاة حق الله على عباده، والزكاة حق الفقراء على الأغنياء. ¬

_ (¬1) التوبة، من الآية: 71 (¬2) التوبة، من الآية: 54

56 - {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}: أَي وكل مسلم يوالي الله بالطاعة، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ويتخذ منه نصيرا ومعينا. وكذلك كل مسلم يتخذ الرسول إِمامًا يَهتدِي بهديه، ويسترشد بإِرشاده، ويستنصر به وبالمؤْمنين ويصافيهم، ويخلص الحب لهم - فإِن هؤلاءَ المسلمين، هم الغالبون على أعدائهم؛ لأنهم حزب الله: الذين يطيعون أَمره، ويجتنبون نهيه: فكان لهم النصر على أعدائهم. وذكر (الله) باسمه الظاهر - دون الضمير، فلم يقل: فإِنهم هم الغالبون كما يقتضيه الظاهر - تشريفًا لِمَنْ وَالى اللهَ ورسولَه، ولإِثبات الغلبة لأَولياءَ الله بالدليل. إذ معناه: ومن يوالِ هؤُلاء - بالطاعة والمصافاة والاستنصار - فإِنهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)}. المفردات: (هُزُوًا): هَزَأ بفلان؛ سَخِر منه، واستخف به. واتخذه هزوا أَي: جعله موضع سخرية منه.

التفسير 57 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ... ) الآية. خطاب من الله - تعالى - لجميع المؤْمنين: يحذرهم فيه من موالاة من ليسوا على الحق مطلقا: سواءٌ من كان منهم صاحب دين غَيَّره وصرفه عن الصواب. تبعًا لهواه كأَهل الكتاب، ومَن لم يكن منهم له دين .. كالمشركين، فيقول عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ... ) الآية. أَي: لا تجعلوا - أيها المؤمنون - أولئك الذين تلاعبوا بدينكم من أَهل الكتاب والكفار واستهزءُوا به، وسخروا منه: بإِظهار الإِسلام بأَلسنتهم مع الإِصرار على الكفر بقلوبهم أولياءَ أبدا. وصدَّر أهل الكتاب في الذكر، لزيادة التشنيع عليهم، لأنهم أَعرف بالتديُّن السليم ممن سواهم، ممن كفروا ولا دين لهم. إذ مقتضى وصفهم بأنهم أهل كتاب أنزله الله عليهم أن يبتعدوا عن التلاعب بالدين الذي جاءَ به القرآن المصدق لكتابهم. فضلا عن أَن البشارة بالإِسلام، واردة عندهم. (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي: وخافوا - أيها المؤْمنون - عقاب الله، وحصّنوا أَنفسكم من الوقوع فيه. بالابتعاد عن المعاصي واجتناب المحرمات، إن كنتم مؤْمنين بالله حقا. فإِن الإِيمان الصادق، يقي صاحبَه من عذاب الله، ومن الجنوح إلى الولاء المحرم الآثم. ويدخل في هذا التوقِّي، النهي عن موالاة الكفار الآخرين من باب أولى.

58 - (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ): بعد أَن بينت الآية السابقة، استهزاءَهم بالدين مطلقا، جاءَت هذه الآية: تتحدث عن استهزائهم ببعض ما شرعه الله في هذا الدين من أحكام - واختارت الصلاة لأنها أكثر أركان الإِسلام مظهرا - إِظهارًا لغاية شقاوتهم، وفظاعة جرمهم. (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا): أَي: وإِذا أَذَّن المؤذِّن منكم - أيها المؤْمنون - لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، ليقبلوا على أدائها. استهزءُوا بهذه العبادة التي تشمل الأذان والصلاة جميعًا. وكانت لهم في الاستهزاء والسخرية، أَساليبُ متنوعة. منها كما رُوِىَ - أنهم كانوا حين يقوم المسلمون للصلاة يقولون: صَلُّوا ... لا صلَّوا ... قاموا ... لا قاموا. ومنها: أنهم كانوا يقولون: يا محمد، لقد ابتدعتَ شيئًا لم يُسْمَعْ به فيما مضى. فإن كنت نبيًّا، فقد خالفت - فيما أحدثت - جميع الأنبياءِ .. فمن أَين لك صياحٌ كصياح العير؟! (ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ): أي ذلك الذي تقدم - من الاستهزاء بصلاة المؤمنين والأذان لها - إنما وقع بسبب أنهم سفهاء لا يعقلون؛ لأن السفه يؤَدي إلى الجهل بمحاسن الحق، والاستهزاء به. ولو كان عندهم أدنى إدراك، أو أقل تعقل، لَمَا أَقدموا على هذه السفاهات، ولما ارتكبوا تلك الحماقات، ولَعَلِموا أن الصلاة - كما قال بعض الحكماء - أَشرف الحركات. فهي خضوع لله، ومَنجاةٌ، فضلا عن ربطها الوثيق للجماعات الإِسلامية، وإِشعار المسلمين بولائهم لله ورسوله وعامتهم. هذا إلى جانب ما في الصلاة، من تقوية روحية وبدنية، وتنظيمات عسكرية. وليس فيها شيء مما يدعو إِلى السخرية.

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)}. المفردات: (تَنقِمُونَ): تعيبون علينا وتنكرون منا. (الطَّاغوتَ): رأس الضلال. وقيل: الشيطان، أو كل معبود من دون الله. (مَثُوبَةً): المثوبة والثواب؛ الجزاءُ على الأعمال خيرها، وشرها. وكثر استعماله في الخير. التفسير 59 - (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ... ) الآية. بعد أن نهى الله المؤمنين عن موالاة الذين استهزءُوا بدين الإِسلام، وتلاعبوا به، جاءَت هذه الآية تقول لهم: ما الذي تعيبونه على الإِسلام وأَهله، وتكرهونه منه: مما يسوغ لكم اتخاذه هزوًا ولعبا؟، إِنكم - في واقع الأمر - لا تجدون شيئًا يعاب به. رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أَن نفرا من اليهود أَتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤْمن به من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فقال أُومن بالله، وما أُنزِل علينا، وما أنْزِل على إِبراهيم وإِسماعيل، وإِسحاق ويعقوب والأسباط. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته. وقالوا: والله، مما نعلم أَهلَ دينٍ أقلَّ حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم - فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها.

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ): أَمرٌ من الله تعالى لرسوله: أَن يقول لأَهل الكتاب، الذين استهزءُوا بالدين وكفروا به، خطابًا لهم على سبيل التعجيب: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا): أي: ما تنكرون منا وتعيبون علينا، إلا إِيماننَا بالله وبما أُنزل إِلينا من القرآن المجيد، وإِيماننَا بما أُنزِل من قبل إِنزال القرآن الكريم: من التوراة والإِنجيل المنزلين عليكم، وسائر الكتب السماوية وكذلك إِيماننا بأَنكم قوم فاسقون متمردون على الحق، خارجون عن الطريق المستقيم للصالح الإِنساني، مكذبون بنبوة محمَّد الذي بشرت به كتبكم وجاءَ لخلاصكم. وكان هذا القول على سبيل التعجيب، لأن هذه الأُمور التي أَنكروها. ليست بما يعاب وينكر، بل يجب أن تكون مما يُعلَم ويُحفظ، لأن الإيمان بالله، هو الأَصْل الذي عليه تُبنى جميع الطاعات .. والإِيمان بجميع الأنبياءِ، هو الحق والصدق الذي أمر الله به. وقد اتبعناه. والتزام الصالح الإِنساني، الذي لا يضل عنه إِلا فاسق فاجر. وأَما ما عليه هؤُلاء المستهزءُون: من التمرد والخروج عن الإِيمان، والكفر ببعض الرسل والإِيمان ببعض، فباطلٌ. وليس من الحق في شيءٍ. وهو الجدير بأَن يُعَاب وينكر. لأن كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم - وهو الذي جاء مصدقا لمن تقدمه من الرسل - كفرٌّ منهم برسلهم وبمكارم الأخلاق. وخاطبهم بقوله: (يَاَ أهْلَ الْكِتَابِ) توبيخًا لهم وتقريعًا، إذ مقتضى هذا الوصف أَن يؤْمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءَ به، وأَلَّا يستهزءوا به ويسخروا من الدين الذي ارتضاه الله تعالى - شريعة للناس جميعًا. محققة للصراط المستقيم، والسعادة البشرية. 60 - (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ... ) الآية. بعد أن أَمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أَن يبين لأهل الكتاب: أَن الأَساس الذي بنوا عليه إِنكارهم للدين الذي جاءَ به، كان يقتضي إيمانَهم به وكفرهم بما هم عليه

من الضلال، جاءَت هذه الآية الكريمة، تأْمره عليه الصلاة والسلام: أَن يبيِّن لهؤُلاء اليهود: أَن الجدير بالإِنكار حقا: ما هم عليه من الضلال الذي ألحقوه بشريعتهم. (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ): أَي قل يا محمد: ألا أُخبركم - أيها اليهود - بمن هم شرٌّ وأَسوأُ حالًا في العقوبة الثابتة المقررة لهم عند الله تعالى - وأَشدُّ نكالا يوم القيامة من المسلمين - في زعمكم الباطل أيها اليهود - هم أولئك الذين طَرَدَهُمُ الله من رحمته، وأَبْعَدَهم عن رضوانه، وحلّ عليهم سُخْطه، هم: (مَن لعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغوتَ): أَي: وجعل منهم من يشبه القردة في التقليد الأعمى، والخنازير في الانغماس في كل ما هو قذر ... وكذلك جعل منهم الذين عبدوا الكهنة ورؤَساءَ الضلال: الذين قادوهم إلى الكفر بما أنزل الله تعالى - من الهدى لإِخراج الناس من الظلمات إلى النور. (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ): أي: هؤُلاء الموغلون في الاتصاف بتلك القبائح والخبائث، التي أَوقعتهم في سوءِ المصير ... هم في شر المكانة، وأَحط المقام؛ في الدنيا والآخرة، وأَكثر انحرافا وبعْدًا عن الطريق المستقيم. وقد مهد بالاستفهام الذي خاطبهم به - لِمَا اراد إلقاءَه إِليهم - لشدِّ انتباههم، وإيقاظ أذهانهم، لبيان أَن للمخبر به شأْنًا خطيرًا؛ يستحق أَن يتلقاه السامع؛ بالحفظ والتدبر والرعاية. وليس في الدين الإِسلامي - ولا في أَهله - أَدنى شيءٍ من شر أو ضر، بل كله خير محض في نفسه. وأَتباعه خيّرون ما تمسكوا باتباعه .. وإِنما اعتبرت الشرية في قوله تعالى: (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ) من باب المجاراة لهؤلاء المبطلين فيما اعتقدوه - لا فيما هو الواقع - لإِلزامهم بأَن ما هم عليه من الفساد، شرٌّ من كل محتمل .. ولو في زعمكم أيها اليهود الأشرار. على فرض أن في الإِسلام وأهله شرًّا كما تزعمون؟!.

{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)}. المفردات: (الإِثمِ): الذنب وكل المعاصي، ويطلق على الكذب. (وَالْعُدْوَانِ): مجاوزة الحد في الظلم. (السُّحْتَ): الحرام. (لَوْلَا): هلَّا. وهي هنا: للتحضيض. (الرَّبَّانِيُّونَ): العلماءُ العارفون باللهِ، ويكونون في اليهود وغيرهم. (الأحْبَارُ): علماء اليهود، وقيل: هما في اليهود، لأن الحديث لا زال متصلًا ببيان شأْنهم. التفسير 61 - {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ. . .} الآية. لا زال الحديث متصلًا في بيان جرائم اليهود منهم عامة، والمنافقين منهم خاصة. فقد جاءَت هذه الآيات الثلاث، تحكي في الآية الأُولى منها: بعض طرقهم في المكر والخداع.

كما تبين الآية الثانية: تسابقَ الكثيرين منهم إِلى ارتكاب المحرمات، وانخفاضهم إلى الحضيض الخُلُقي. وتنفي الآية الثالثة على علمائهم، عدمَ إرشاد عامتهم إِلى الصواب. مبينة أن الساكت على الشر هو وفاعلُه سواء في استحقاق العذاب. أسباب النزول: كان جماعة من اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم - ويُظهرون له الإيمان؛ نفاقًا؛ لخداعه والمكر به, فإذا خرجوا من لدنه - عليه السلام - خرجوا بالكفر كما دخلوا، دون أَن يتأثروا بما سمعوه من هَدي الرسول وإِرشاده. فأنزل الله هذه الآية، لإظهار نفاقهم. والمعنى: وإِذا جاءكم - أَيها الرسول ومن معك من المؤْمنين - هؤُلاءِ اليهود، أظهروا لكم الإيمان بألسنتهم؛ نفاقًا لخداعكم. والحال أنهم خرجوا - من مجلسكم - وهم أشد تمسكًا بالكفر الذي ملأ قلوبهم حال دخولهم عليكم: متصفين به، لم يتأثروا بما سمعوه من نصح الرسول، وهدْيه وإِرشاده. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ}: أَي والله أَعلم بما كتموه من الكفر، وبما أضمروه من الحرص الشديد على عداوة المسلمين وبغضهم، والجد في المكر بهم، وتدبير الكيد لهم، وإِلحاق أَبلغ الضرر بهم. وفيه من الوعيد الشديد لهم - بأشد أَنواع العقاب - ما لا يخفى. وفي هذا الموقف النفاقي، قال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (¬1). 62 - {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ. . .} الآية. هذا خطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكل من تتوافر له وسائل الإبصار أَو العلم بأحوالهم، بيّن الله تعالى فيه، حال كثير من هؤُلاء اليهود المنافقين. وهبوطهم الإنساني. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: 72

أَي وترى يا محمد، كثيرا من هؤُلاءِ اليهود مسارعين إِلى ارتكاب الإِثم - أَي الكذب أو ارتكاب جميع المعاصي والمحرمات، وبخاصة نوعين من أَشد المحرمات قبحًا. هما: العدوان ... وأكْل السحت. أما العدوان: فهو مجاوزة الحد في الظلم. ومصدره الأنانية الكافرة. وأما السحت: فهو أكل الحرام. وأَظهرهُ الربا وأَخذ الرشوة. ومصدره الأثرة الفاجرة. وخُصَّا بالذكر - بعد دخولهما في جميع المعاصي - للمبالغة في إِظهار قبحهما. وخطورتهما على المجتمع البشري. {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أي: إِن استمرارهم على ارتكاب تلك المعاصي زاد أَعمالهم قبحًا، وزادهم أَهلية للذم والتوبيخ. قال تعالى: (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ): ولم يقل وتراهم؛ لأَن قليلًا منهم كانت فيهم إنسانية فيستحيون، فيتركون المعاصي. وأَكثر ما يستعمل لفظ المسارعة، في الخير. قال تعالى: {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ... } (¬1) وقال تعالى: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ... } (¬2) فاستعماله هنا، يدل على أَنهم كانوا يرتكبون المعاصي - وكأَنهم على حق فيما يفعلون. كما أَفاد التعبير بلفظ (في)، دون (إلى) أَنهم كانوا حريصين أشد الحرص على إِتيان المحرمات. إذ المعنى: أَنهم مستقرون في المعاصي، منغمسون فيها. وكذلك أَفاد التعبير بلفظ (يُسَارِعُونَ) أَنهم كانوا يتسابقون: مسرعين إِلى الكفر وارتكاب هذه الآثام. 63 - {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ. . .} الآية. بعد أَن بينت الآية السابقة: أَن كثيرا من اليهود، كانوا يتسابقون إِلى ارتكاب المعاصي والآثام. جاءَت هذه الآية: تنعي على علمائهم، عدا النهي عن ارتكاب المعاصي والآثام. ¬

_ (¬1) المؤمنون، من الآية: 56 (¬2) المؤمنون، من الآية: 61

{لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ}: أي: هلَّا قام أولئك العلماءُ بالنهي عن التسابق إلى ارتكاب المعاصي والانغماس في الشهوات؟! والمراد من هذا الأسلوب، تحريض العلماءِ على القيام بهذا النهي، وتوبيخهم على تركه، وتعطيل وظيفة العلم. وهذا يتضمن - بالنسبة لعلمائهم المقصرين - نعيًا على تقصيرهم في النهي والإِبلاع. {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}: أَي: إن استمرار العلماءِ على ترك النهي عن المنكر، أقبح ما صنعوه، وأجدره بالذم واللوم والإنكار. ويحتمل أن العموم في (كَانُوا) فيعم اليهود جميعًا. فعلى الأول المراد أَن الله سبحانه، أنكر على علماء أهل الكتاب، واستبعد منهم - عدمَ قيامهم بنَهْيِ المتسابقين إلى ارتكاب المعاصي والمحرمات. وقد دل ذلك على أَن تارك النهي عن المنكر - ومرتكبه - في الذم سواءٌ. بل إِن الذم على ترك النهي عن المعاصي، أَشد وأقوى؛ لأن الله تعالى، قال في ذم من يأتون المعاصي: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}. وقال في ذم العلماءِ الذين لا ينهون عن المنكر: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}. والصنع أقوى من العمل؛ لأن الصنع عملُ الإِنسان، بعد التدرب عليه، والتروي في إتقانه، والتحري في إجادته، حتى يصير مستقرا في النفس، راسخا فيها. وأيضًا كان الذم على ترك النهي عن المنكر أَشدَّ؛ لأن العالم يقوم بالنهي عن المنكر حِسْبة ابتغاء رضوان الله. فكان تركه أَقبحَ من إِتيان المعصية، لميل النفس إِلى فعلها، تحقيقا للَّذة الفانية، ولا كذلك الساكت على المعاصي، التارك لإنكارها. فكان - لذلك - جديرا بأبلغ الذم وأشد التوبيخ. عن ابن عباس - رضي الله عنه - هذه أشد آية في القرآن، أي: على تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوفَ عندي من هذه الآية، أي بالنسبة لمن يتركون النهي عن المنكر. وروى الترمذي في صحيحه بسنده عنه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوُا الظالِمَ وَلَم يَأخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أوْشَكَ أن يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِن عِندِهِ". قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (¬1). {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64). المفردات: {يَدُ اللَّهِ}: اليد في كلام العرب تكون؛ للجارحة، وللنعمة، وللقوة، وللقدرة، وللصلة، وللتأييد، وللنصرة. {مَغْلُولَةٌ}: الغُل؛ قيد من الجلد، أَو الحديد يوضع في اليد أو العنق. ومرادهم بذلك: أنها مقبوضة بخيلة بالعطاء. {مَبْسُوطَتَانِ}: البسط؛ المد بالعطاءِ. والمراد منه هنا؛ الجود والإعطاءُ. {أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ}: أَوقد النار؛ أَشعلها. والمراد هنا، آثاروا الفتن، ودبروا المكائد التي تؤدي إلى وقوع الحرب بين الناس. ¬

_ (¬1) المائدة الآيتان: 78، 79

التفسير 64 - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. . .} الآية. لا زال الحديثُ متصلًا في بيان جرائم اليهود، وما استوجبوه من الإهانة والذل في الدنيا، والعذاب في الآخرة. فقد جاءت هذه الآية، تتحدث عن نوع آخر من أَشنع جرائمهم. قال ابن عباس وعكرمة والضحاك: "إن اللهَ وسَّعَ عَلَى اليَهُودِ في الدُّنْيَا، حَتى كَانُوا أكْثَرَ الناسِ مَالًا. فَلَمَّا عَصَوُا اللهَ، وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلم وَكذَّبُوه، ضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ في زَمَنِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وسلم، فقال فنحاص بن عازوراء ومن معه - من يهود - يد اللهِ مغلولةٌ. فأنزل الله هذه الآية: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}: مغلولة أي: مقبوضة بالعطاءِ. كناية عن البخل والإمساك. أَي: إِن الله بخيلٌ علينا بما عنده من المال والعطاء والرزق. أَو المراد بهذا: أَنه فقير، لا يجد ما يعطيه لنا، ليتفق مع ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: { ... إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... } (¬1) وقد عاقب الله هؤُلاء اليهود بعقاب من جنس عملهم، جزاءً وفاقا حين قال عنهم: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}: والمراد إلصاقهم بالبخل والنكد، والمسكنة والعجز، والطرد من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة. والبعدِ عن رضوانه. بسبب قولهم: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. وكما يراد منه الدعاء عليهم بالبخل والعجز, يجوز أَن يكون المراد به الدعاء عليهم: أن تُقَيَّدَ أَيديهم في الدنيا حقيقة. بأخذهم أَسارى، ويوم القيامة يسحبون في النار على وجوههم بأغلالهم. ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية: 181

وقد حقق الله قضاءه فيهم. فكانوا أبخل الناس في الدنيا. وأحرصهم على المال. وباءوا في الآخرة بالخلود في النار. {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}: أي: ليس الأمر كما يزعم هؤلاء اليهود. بل هو سبحانه. في غاية ما يكون من الجود والغنى .. نِعَمُهُ الظاهرة والباطنة منتشرة بين الناس جميعًا: تغمرهم بفيضها، وتمتد عليهم في الدنيا والآخرة بظلالها. لا تغيض ولا تنفد. وقد أشير بتثنية اليد إلى تقرير غاية جوده وغناه. فإن أَقصى ما تصل إِليه همة الجواد السخى, أَن يُعطىَ ما يعطيه، بكلتا يديه. وفي قوله تعالى: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} تأكيد لكمال جوده وغناه , وتقرير لهما ... إِذ معناه أَنه تعالى يرزق كما يريد: إن شاءَ وسّع والعطاءِ، وإِن شاءَ ضيقه. فعطاؤه تابع لمشيئته المبنية على الحكم التي شاءَ الله أن يقوم عليها نظام الدنيا والآخرة. وليس ضيق العيش لنقص في خزائنه. ولا لإِمساك الخيرِ والبخل به عن عباده. وإنما هو لحكمة يعلمها ولا نعلمها. قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (¬1) وقال تعالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (¬2). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يَمِينُ اللهِ ملأى لَا يَغِيضُهَا سَخَاءُ اللَّيل والنهارِ. أَرَأَيْتمْ مَا أَنفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ!! فَإِنَّه لمْ يَغِضْ مَا في يَمِينِهِ - قال - وَعَرْشُهُ عَلىَ الماءِ, وبيده الأخرى القبض. . . يَرْفع وَيخفضُ" (¬3). {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا}: المراد بالكثير: علماءُ اليهود ورؤَساؤهم. وهم طغاة كافرون. ولكنهم يزدادون شدة في الكفر، وغلوًّا في الإِنكار والطغيان، كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك. ¬

_ (¬1) الشورى , الآية: 27 (¬2) آل عمران، الآية: 26 (¬3) أخرجه الإِمام مسلم.

أو المراد بالزيادة أَنهم يضمون - إِلى كفرهم وطغيانهم القديمين - كفرا جديدا، وطغيانا جديدا؛ لأَنهم كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك، كفروا بها .. قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} (¬1). {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}: أَي: أوقعنا بين طوائف اليهود، الخضومةَ الشديدة بقوة , ومكَنَّا في قلوبهم , بُغْضَ بعضهم بعضا. بسبب جرائمهم. فلا تتوافقُ قلوبهم , ولا تتطابق أَقوالهم أَبدا إِلى يوم القيامة. ولقد كانوا كذلك طوال تاريخهم. منذ أَن أَرسل الله إِليهم الرسل، ودأَبوا على قتل الأنبياء بغير حق، إِلى أَن أَرسل الله خاتَمَ الأَنبياء محمدا صلى الله عليه وسلم، بالنور والهدى فكذبوه، واستمروا على اقتراف جرائمهم، وازدادوا فيها. قال تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ... } (¬2). إِذ يستفاد من هذه الجملة الكريمة. دفع ما عساه يخطر بالبال, من أَثر شدتهم في الكفر وغلوهم في الطغيان، من أَنهم قد يجتمعون على أَمر يؤدي إِلى الإِضرار بالمسلمين، - فدفع هذا الخاطر - ببيان أَنهم لا يجتمعون على كلمة أَبدا. ثم بين سبحانه، أَن دأبهم على إِشعال نار الحروب والفتن بين الناس، وتدبير المكر السيىءِ لا يعود عليهم إلا بالخيبة والهزيمة، بقوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}: أي: كلما همُّوا بحرب الرسول ودبروا لإيذائه وركبوا كل صعب وسهْلٍ في سبيل ذلك ردّهم الله وقهرهم بإِلحاق الهزيمة بهم. أَو أَوقع الله بينهم نزاعا فَرَّقهم , فكف الله به عنه شرهم. أَو كلما حاربوا أَحدا أَو جماعة غُلِبُوا وهزِمُوا!! وقد كان أَمرهم كذلك على مدى التاريخ. ¬

_ (¬1) التوبة، الآيتان: 124، 125 (¬2) الحشر، من الآية: 14

{وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}: ولقد كان شأنهم أنهم يجتهدون في تدبير الكيد، وإثارة الفتن، وهتك المحارم، قصدا إِلى نشر الفساد في الأرض. والله لا يرضى عن كل من يعيثون في الأرض فسادا: فلا يرضى عن عبث اليهود وجرائمهم. فلا يجازيهم إلا شرًّا. ومنذ القدم واليهود كلما جمعوا جموعهم، وأعدوا عُدتهم لإيذاءِ الناس، أو إشعال نار الفتنة على عباد الله شتَّت الله شملهم، وخيّب رجاءَهم، ودمّر كيدهم. والتاريخ أكبر شاهد على صدق ذلك، وإلا كانوا أهلكوا العالم. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}. المفردات: {أقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}: نفَّذوا ما فيهما من الأَحكام التي شرعها الله لخير الإِنسانية، والتزموا بالمحافظة على أدائها. {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}: المراد لوسَّع الله عليهم أرزاقهم. {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ}: الاقتصاد في اللغة؛ الاعتدال من غير غُلُوّ ولا تقصير؛ أَي من اليهود طائفة معتدلة، وهم الذين آمنوا إيمانا حقيقيا بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}: كثير من اليهود ظَلُّوا على الكفر وأفرطوا في العداوة والبغضاء فبئس ما عملوا.

التفسير 65 - {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}: أي: ولو أن أصحاب الكتاب - مع ما اقترفوه من أنواع الجنايات قولا وفعلا - آمنوا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وبما جاء به، وحفظوا أنفسهم من عقاب الله بترك الكفر، وسائر المنكرات التي حكاها القرآن عنهم، وأقبلوا على طاعة الله تعالى بصدق وإخلاص، ولم يأتوا بالإِيمان نفاقًا لغَرضٍ من أغراض الدنيا - لو آمنوا على هذا النحو- لرفع الله عنهم عقابَ ما ارتكبوه من الجرائم، وإن بلغت غاية القبح ومنتهى الكثرة والشناعة. ولأكرَمَهُم بإدخالهم جناتِ النعيم دخولا مؤَكدا، على كثرة ما سبق من معاصيهم. إذ الإِسلام يزيل آثار كل ما سبقه من الذنوب والآثام وإن كثرت وجاوزت كل الحدود. وتلك هي السعادة العظمى في الدار الآخرة. وذِكْرُهم بأنهم أَصحاب كتاب , لزيادة التشنيع عليهم. إذ مقتضى ذلك: أَن يؤْمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم - هذا الرسول الذي عَرَفوه بوصفه في كتبهم. 66 - {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ. .} الآية. ولَمَّا بينت الآية السابقة: أَنهم لو آمنوا لفازوا بسعادة الآخرة، جاءت هذه الآية تبين أَنهم لو وفوا بعهود الله، وأذاعوا صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم - وأقاموا ما لا يتعارض مع القرآن من أَحكام التوراة والإنجيل , وآمنوا بسائر الكتب المنزلة إليهم من عند الله - لفازوا بسعادة الدنيا، وغمرتهم جنَّاتُها وعمتهم طيباتُها. والمعنى: ولو أَن أَصحاب الكتاب عملوا بما في التوراة والإِنجيل من الوفاءِ بعهود الله وأَقروا باشتمالهما على صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم ودلائل بعثته، والتزموا بأحكامهما وحدودهما الصحيحة المتفقة مع القرآن المجيد، ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه، والتزموا كذلك

بالقرآن الكريم المصدق لكتبهم، المنزل إليهم - لأنه منزل إِلى الناس جميعًا - وليس كما يزعمون من أَنه لم يُنْزَل إلى بني إسرائيل، وآمنوا أَيضا بسائر الكتب المنزلة على بني إسرائيل. {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}: أي: لو أقام أهلُ الكتاب التوراةَ والإِنجيل، وسائرَ ما أنزلَ الله إليهم، على النحو الذي تقدم، لوسَّع الله عليهم أرزاقهم، ولأفاض عليهم من بركات السماءِ والأرض، ولفازوا بسعادة الدنيا وغمرتهم طيباتها، وجاءَهم الخير من كل مكان , فوق فوزهم بتحقيق وعد الله لهم بسعادة الآخرة. ثم بيّن سبحانه، أن أهل الكتاب لم يكونوا جميعا مُصِرِّين على الكفر وعدم الإيمان, بل منهم طائفة آمنت، وكثير منهم ظل على إساءَته وعناده بقوله: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}: أي: من أَهل الكتاب طائفة معتدلة: لم تغل ولم تقصر، وهم الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاءَ به، وبسائر الكتب التي أنزلها الله على رسله، فكانوا بذلك على النهج السليم، والطريق المستقيم دون إِفراط أَو تفريط. وكما كان من أهل الكتاب أَمة وسط: استقامت على منهج الحق. والْهُدَى، كان كثير منهم ما أَسوأَ عَمَلَهُم! إِذ أَفرطوا في عنادهم وعداوتهم، وظلوا على كفرهم، وأكثروا من فعل السيئات، ولَجّوا في طغيانهم يعمهون، وأَعرضوا عن الإِيمان , مع ما يحققه لأهله من السعادة في الدنيا والآخرة.

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)}. المفردات: {يَعْصِمُكَ}: يحفظك وينجيك. التفسير 67 - {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. .} الآية. خاطب اللهُ نبيَّه محمدا صلى الله عليه وسلم، بعنوان الرسالة في هذه السورة الكريمة مرتين: دعاه في الأُولى منهما , إِلى عدم الحزن على مسارعة الكفار في إنكار رسالته. وذكر له أمثلة عديدة, مما فُطِروا عليه من مكابرة وعناد، وإمعان في الضلال. سواء أَكانوا من أَهل الكتاب أَم المنافقين أَم المشركين. ودعاه بها في هذه الآية مناديا إِياه بهذا النداءِ الكريم، إلى تبليغ جميع ما أنزله الله عليه من آياته البينات، ولم يُعيِّن مَنْ يبلغهم؛ لبيان عموم رسالته، للبشر أَجمعين. وإِضافة لفظ الرب إِلى الضمير العائد على الرسول؛ تكريمٌ له وإشعارٌ بأَن رسالته صادقة، واجبة الأَداءِ، وإِيذانٌ له بأَن ربَّه سيحفظه ويرعاه. {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}: وإِن لم تُبلِّغ الرسالة - بأَن كتمتها أَو بعضها أَو أَخَّرْتَه أَو بدَّلْتَه - فما تكون قد بلغت، وتكون غيرَ أَهل لحمل الأَمانة.

وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، أن يقصّر في حق الله تعالى، فقد أَدبه ربُّه فأحسن تأديبه، وهذّبه فأحسن تهذيبه قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... } (¬1). والمراد هنا: بيان أنه صلى الله عليه وسلم، أدى رسالته كاملة، فلا مجال لزيادة فيها أو نقصان. جاءَ في الصحيحين: أن سائلا سأل الإِمام عليًّا رضي الله عنه: هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما كان في كتاب الله؟ فقال: "لاَ وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيه اللهُ رَجُلًا في الْقرْآنِ وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَة" (¬2). وروى البخاري والترمذي: "مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدًا كتَمَ شَيْئًا مِمَّا أنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَدْ كَذَبَ". وروى الشيخان أَن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: [لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الْوَحْيِ، لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ... } (¬3) لما فيها من عتاب شديد للنبى صلى الله عليهِ وسلم]. وكما أَن هذه الآيةْ تُبَيِّن أَن الرسول لم يكتم شيئًا من الوحي عن أحد من الناس، فإِن قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (¬4) يدل على أَن الله تَكفَّل بحفظ كتابه الكريم؛ الذي أمر الرسول بتبليغه فبلغه. قال الزهرى - فيما رواه البخاري - "مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ. وَعَلَى الرَّسُولِ البَلَاغُ. وَعَلَيْنَا التسْلِيمُ. وَقدْ شَهدَت أمتُه لَه بتَبْليغ الرِّسالَةِ في حجة الوداع" وقد أَدى هذه الشهادة أَربعون أَلفا حضروا معه حجة الوداع. ¬

_ (¬1) الأنعام، من الآية: 124 (¬2) ما في الصحيفة هو: دية القتل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. وهو تشريع عام جاءت به السنة الشريفة. (¬3) الأحزاب، من الآية: 37 (¬4) الحجر , الآية: 9

{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}: إن القرآن الكريم، فضح أكاذيب المنافقين، وسفّه أحلام المشركين، وأظهر انحراف اليهود والنصارى عن الصراط القويم، مما حمل الجميع على مقاومة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إعلان الحرب عليه، أو محاولة اغتياله. وهو لا يبالى بما يلقاه في سبيل الله، ولكن الله سبحانه، زاده اطمئنانا بأنه سيمكّنه من أداءِ رسالته كاملة، وأنه سيحفظه ويرعاه, حتى يلقى الله. رَوَى الترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم: أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم، حَرَسٌ يحرسونه فلما نزل قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أخرج رأْسه من القُبّه، فقال لحرَّاسه: "يَأيها النّاسُ انصرِفُوا فَقَدْ عَصَمنِي اللهُ". {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغ رسالته، وطمأنه بأَن الله سيحفظه ويرعاه، فلا عليه بعد هذا من أعدائه الكفار، وإن الهدى هدى الله. والله لا يهدي من ظلموا أَنفسهم بالتزامهم الإِمعان في الكفر، واللجاج في العناد، والإِصرار على الإِلحاد. {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)}. المفردات: {حَتَّى تُقِيمُوا}: حتى تؤدوا أَداءً كاملا على أحسن وجه. {طُغْيَانًا}: الطغيان؛ تجاوز الحد في الضلال. {فَلَا تَأْسَ}: فلا تحزن.

التفسير 68 - {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. . .} الآية. أمر الله رسوله أن يخبر اليهود والنصارى، بأنهم ليسوا على شيءٍ من العقيدة الصحيحة حتى - أَي إلى أن - يلتزموا بما أنزل الله في كتبه من التوراة والإنجيل وبما ورد فيهما من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم. وحتى يؤمنوا بالقرآن الكريم الذي جاءَ مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه. وحتى يلتزموا الإِيمان بجميع الرسل، وعدم التفريق بينهم. والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} (¬1). ومن المعروف: أن اليهود والنصارى حرَّفوا التوراة والإنجيل, ولم يعملوا بما بقى بين أيديهم منها، فارتكبوا المنكرات، واتبعوا الشهوات. والآية - وإن كانت واردة في أهل الكتاب - فإِن فيها تحذيرا عامًّا لكل من لا يقيم حدود الله. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا}: كان الأَولى باليهود والنصارى؛ أَن يؤْمنوا بما أَنزله الله إِليك؛ لأَن الحق فيه واضح بيَّن، مؤَيَّدٌ بالإِعجاز؛ ولأَن البشارة بك واردة في كتبهم. ولكنهم أَمعنوا في الضلال والإِضلال، وجاوزوا الحدَّ في الكفر والعناد. وبدلا من أَن يزدادوا إِيمانا بما أَنزله الله إليك، ازدادوا إِمْعانا في الضلال والجحود، ولَجَاجا في الكفر والعناد, إِلا قليلًا منهم استجابوا للحق، فآمنوا بما أَنزله الله عليك من الآيات البينات. وبقى الكثيرون على ضلالهم القديم. ¬

_ (¬1) النساء، الآيتان: 150، 151

{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: فلا تحزن على من تَمكَّن الكفرُ فيهم، وصَيْرُورته وصفا لازما لهم. وحسبك الله ومن اتبعك من المؤْمنين. ولم يقل: فلا تأس عليهم. بل ذكر لفظ {الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: لإِبراز علَّة ضلالهم، وأَنهم لهذا غير جديرين بالحزن عليهم. وفي هذا ما يدل على عظمة الحنان النبوى بالبشرية كلها, لخوفه عليها من الكفر والانحراف. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)} المفردات: {الصَّابِئُونَ}: المائلون من عقيدة إِلى عقيدة، والمراد؛ أَتباع بعض الرسالات السماوية السابقة. التفسير 69 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى. . .} الآية إِن أَتباع الديانات السماوية: من المؤْمنين برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم. ومن اليهود المتمسكين برسالة موسى عليه السلام، قبل المسيحية ممن لم يحرفوا كتب أَنبيائهم.

ومن الصابِئين الذين تمسكوا بملة إِبراهيم عليه السلام - قبل نسخها. ومن المسيحيين الذين تمسكوا بالمسيحية ولم يحرفوها قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - هؤُلاءِ جميعًا إِذا آمنوا باللهِ تعالى. إيمانا صحيحا غير ملتبس بالشرك واستمسكوا بهذا الإِيمان، واتبعوا أنبياءَهم وما جاء على أَلسنتهم من التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به عند مبعثه، وآمنوا بالبعث والنشور، وبالجنة والنار وما فيهما من جزاءٍ، وعملوا الأَعمال الصالحة التي يقتضيها الإِيمان باللهِ واليوم الآخر، طبقا لما ورد في الكتب المنزلة السليمة من التصحيف والتحريف - إن هؤُلاءِ جميعًا - يظفرون بالثواب الجزيل على ما قدموه من إِيمان وعمل صالح، ولا خوف عليهم من عقاب، ولا يعتريهم حزن من سوءِ الجزاءِ. فلا يخافون بَخْسًا ولا رهقا، ولا يحزنهم الفزع الأَكبر (¬1). ورفَعَ: {الصَّابِئُونَ} إِبرازا: لأنهم - أيضا - ناجون، شأنهم شأن المؤْمنين والنصارى واليهود، ودفعا لما يسبق إِلى الأَذهان من أَنهم عبدة أَوثان. {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)} المفردات: {مِيثَاقَ}: الميثاق، العهد القوي. {فِتْنَةٌ}: الفتنة؛ الاختبار بالنار. ومعناها - هنا - العذاب. ¬

_ (¬1) راجع تفسير الآية: 62 من سورة البقرة.

التفسير 70 - {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا. . .} الآية. أَكد الله سبحانه - قصة أَخذ العهد الوثيق على بني إسرائيل بعبادته وحده، وأَداءِ جميع أَوامره، واجتناب جميع نواهيه، وأن ينفذوا هذا بقوة، قال تعالى: { ... خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (¬1). وقد أشار القرآن الكريم - عدة مرات - إِلى هذا الميثاق ونقضهم له (¬2). وقد وردت إشارة كاملة إلى هذا الميثاق في "سفر تثنية الاشتراع" وهو أَحد أَسفار التوراة الباقية بأَيديهم (¬3)، وكلها مع ما أَشار إليه القرآن الكريم. ولم يكتف الله - سبحانه وتعالى - بأَخذ الميثاق عليهم بل أَرسل إليهم رسلا عديدين يذَكِّرونهم به، ويَدْعونهم إليه ويُنْذِرونهم بالعقاب الأَليم، الذي ينتظرهم إذا هم عادوا إِلى نقضه , بحيث لم يبق لهم عذْرٌ في مخالفته بعد أَن أَخذه الله عليهم، ونَبَّهتهم الرسل العديدون إليه. {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ}: ولكنهم لم يكتفوا بنقض الميثاق، بل كانوا يجابهون رسلهم بالتكذيب والجحود، إِذا دعَوْهم إِلى ما يخالف أَهواءَهم وشهواتهم، ولم يقتصروا على التكذيب، بل قتلوا بعض هؤُلاءِ الأنبياءِ. والتقدير: كلما جاءَهم رسول بما يخالف أَهواءَهم، استكبروا ولجُّوا في العناد، فكذبوا فريقا من الأَنبياء، وقتلوا فريقا منهم. كما قال تعالى لهم: { ... أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (¬4). ¬

_ (¬1) سورة الأعراف، من الآية: 171 (¬2) راجع تفسير الآيات: 83 - 87 من سورة البقرة. والآيتين: 12، 13 من سورة المائدة. (¬3) الإصحاح: 29 - 33 (¬4) سورة البقرة، من الآية: 87

والتعبير بالفعل المضارع {يَقْتُلُونَ}: لاستحضار فظاعته في الذهن، ولأن آثاره تمتد من الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد. 71 - {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا. . .} الآية. أي: وظن اليهود أَلا يكون عليهم - في قتلهم أَنبياءَهم وتكذيبهم لهم - عذاب، فعموا وصموا عن الحق، فلم يتبصروا في آياته الكونية ولم يسمعوا آياته التنزيلية , وظلوا سادرين في غيهم. {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ}: أَي: ثم قبل الله توبتهم لما رجعوا إِليه. ثم رجعوا إلى ما كانوا فيه من غي، فَعَمى كثير منهم وصَمُّوا مرة أُخرى، وأوغلوا في الفساد. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}: فيعاقبهم بما صنعوا من الآثام والمعاصي. {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)}. التفسير 72 - {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. . .} الآية. بعد أَن تحدث الله عن اليهود، ونَقْضِهم الميثاق، وتكذيبهم وقتلهم الأنبياء، ذَكَر مَن انحرف من النصارى عن التوحيد، وادعى أن الله هو المسيح ابن مريم.

والمعنى: لقد كفر الذين زعموا من النصارى أن الله هو المسيح ابن مريم. مع أنه بشر والبشر لا يصح أن يكون إِلها. ونسبة المسيح إلى مريم، للإِيذان بأنه ليس له حظ من الأُلوهية. {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}: قالوا هذا - على الرغم من أن المسيح عليه السلام، قال لهم: اعبدوا الله ربي وربكم .. وقدم ربوبية الله تعالى إليه على ربوبيته - عز وجل - إليهم، للدلالة على أَنه بشر مثلهم. ولهذا عطفهم عليه. ونحن نوقِن - بل نؤمن - بأن الأناجيل الباقية، قد تطرَّق إليها التحريف والتغيير والتبديل، وزخرت بالمتناقضات، ولكنها بقيت فيها - مع هذا - بقية ناطقة بالتوحيد تؤَيد ما قررته هذه الآية والآيات الأخرى الكثيرة الكريمة: فمما في الأناجيل، ما قاله المسيح - عليه السلام - "وهذه هي الحياة الأبدية: أَن يعرفوك أنت الإِله الحقيقي وحدك. ويسوع: المسيح الذي أرسلته" (¬1). وقوله: "وأنا إِنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (¬2). وقوله: "للرب إلهك نسجد وإياه وحده نعبد" (¬3). وقوله: "ليس لأعمل لمشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني" (¬4). والأمثلة عديدة لا يتسع لها المجال. {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}: دعاهم المسيح - عليه السلام - إلى أن يعبدوا الله وحده؛ لأَنه ربه وربهم , كما تقدم. وفي هذا الجزء من الآية، أنذرهم بأَن الله قضى - ولا رادّ لقضائه - أن الله حرّم دخول الجنة على من أشرك في عبادته أحدا من خلقه، وأَن مقرّ المشركين - جميعًا - في نار جهنم. ¬

_ (¬1) يوحنا: 17 - 30 (¬2) يوحنا: 8 - 40 (¬3) متى: 4 - 10 (¬4) يوحنا: 6 - 38

والجملة مؤَكدة. ويعززها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (¬1). {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}: تعقيب من كلام الله سبحانه جاءَ تأييدًا لدعوة عيسى - عليه السلام - ببيان أن من ظلموا أنفسهم فقابلوا نِعمَه - سبحانه وتعالى - المتوالية عليهم بالكفر، لا ينقذهم أَحد من عقابه ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، فإنهم سيلقَوْن الله جميعًا يوم {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (¬2). {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)} التفسير 73 - {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. . .} الآية. نصت الآية على كُفْر مَن قال: إن الله ثالث ثلاثة. والتثليث: هو العقيدة السائدة بين الطوائف المسيحية، حيث يطلقون على الله - سبحانه - لقب الأب، ويشركون معه الابن وهو عيسى - عليه السلام - وروح القدس. أما الرد على دعواهم أن المسيح ابن الله؛ لأنه ورد وصفة بهذا أربعا وأربعين مرة في العهد الجديد - وهو يضم الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها - فهو أن هذا اللقب فيه، لم ينحصر في المسيح عليه السلام، ولم يقتصر عليه، بل أطلق: ¬

_ (¬1) النساء، الآية: 48 (¬2) البقرة، من الآية: 123

على آدم - عليه السلام. وعلى إسرائيل حيث أطلق عليه لفظ (ابن الله البكر). وعلى داود عليه السلام. كما أطلق فيه على الملائكة وعلى المؤمنين جميعًا. فلم يكن مقصورًا على المسيح - عليه السلام. ومع هذا، فقد ورد أيضًا في العهد الجديد وصف المسيح - بما يقرب من ضعفي هذا العدد - بأنه ابن الإِنسان ثمانية وسبعين مرة (¬1). وطبيعي أن هذين الوصفين، يهدمان البنوة بمعنى الألوهية. وإذا انهدمت البنوة فقد انهدمت تبعًا لها الأبوة. أَما روح القدس: فهو جبريل عليه السلام، وهو من الملائكة المقربين - وهو بهذا من خَلْق الله - وكلامهم فيه مضطرب مختل. وأَما كلمة التثليث: فقد اعترف كبار علماء اللاهوت - في قاموس الكتاب المقدس - أنها: "لم ترد في الكتاب القدس. ويُظنُّ أن أولَ من صاغها واخترعها واستعملها، هو ترتليان، في القرن الثاني للميلاد. وقد خالفه كثيرون. ولكن مجمع نيقية أقر التثليث سنة 325 ميلادية. ثم استقر التثليث - بعد ذلك - عند الكنيسة السيحية، على يد أوغسطنيوس في القرن الخامس" (¬2). ومن هنا يتضح أَن التثليث نبت بعد المسيح عليه السلام، بأكثر من ثلاثة قرون وربع القرن، وأنه دخيل على المسيحية الحقة الموحدة. وبهذا استحق القائلون به الحكم عليهم بالكفر الصريح. وقال كبار الباحثين: إن التثليث تسرَّبَ إلى المسيحية من العقائد الوثنية الهندية القديمة. {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ}: والحق أنه لا يمكن - عقلا - أن يكون الإله إلاَّ واحدا. ¬

_ (¬1) راجع قاموس الكتاب المقدس: 108، 109 (¬2) قاموس الكتاب المقدس 232، 233

أَما تعدد الآلهة، فهو وصم لها بالقصور؛ لأن قدرة كل منهم تكون - حينئذ - مقيدة بقدرة الآخرين، والإِله لا يكون محدود القدرة والسلطان. ولو فرض اتفاق الآلهة على ما يخلقون، فإِن كان كلُّ واحد منهم قادرا على ما يقدر عليه الآخر، فما فائدة التعدد؟ وإِن كان كل منهم عاجزا، فلا يصلحون - جميعًا - للألوهية. وإِن كان البعض قادرا والبعض عاجزا، فالقادر هو الإِله وحده. وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ}: معناه: أَنه لا يمكن أن يكون الإِله سوى إِله واحد. كما ذكرنا في الأَدلة السابقة. {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: هذا تهديد للقائلين بالتثليث، وإنذار لهم بأَن عليهم أَن يستجيبوا للوحي السماوي الصادق: الذي يؤَيده العقلُ السليم، والنظرُ الدقيق. وهو التوحيد. فإِن لم يرجعوا إِليه، فإِن الله سبحانه، سيأخذهم بعذاب مؤْلم، جزاء كفرهم القبيح. وجواب الشرط مؤَكد بلام القسم ونون التوكيد وتنكير العذاب، ووصفه بالإِيلام، لإِيراد شدته وهَوْلِه. ووعد القرآن الكريم بقوله: {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ}، ولم يقل ليمسنهم، بأَن هذا الوعد بسبب كفرهم. 74 - {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ. . .} الآية. هذه دعوة من الله لهم إِلى التوبة من جريمة الكفر - مع بشاعتها - رحمة بهم لإِنقاذهم من العذاب الأَليم. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: تعقيب لتأكيد مغفرة الله ورحمته لمن يلتمسها ويحققها فإِنه سبحانه يقبل توبة التائبين، ويغفر للمستنيبين النادمين، ويرحم المذنبين المستغفِرين، فهو سبحانه عظيم الغفران واسع الرحمات.

{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)} المفردات: {صِدِّيقَةٌ}: دائمة الصدق في النية والقول والعمل. {أَنَّى يُؤْفَكُونَ}: كيف يصرفهم الضلال عن الحق الواضح. التفسير 75 - {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .} الآية. في الآيات السابقة حكمَ الله يسبحانه وتعالى، بكفر من قالوا: إِن الله هو المسيح ابن مريم، وبكفر من قالوا: إِن الله ثالث ثلاثة. وهنا، تقرر الآية الكريمة: أَنه رسول من البشر، كسائر من سبقه من الرسل. فليس إلها, ولا ابنا للإِله. ونسبته إلى مريم، للإِيذان بأنه وُلِدَ من غير أب , فإِن الولد ينسب إلى أبيه لا إلى أمه؛ وللدلالة على بشريته وبشريتها؛ لأَن التوالد من صفات البشر. وأَما معجزاته فهي كمعجزات الأَنبياءِ السابقين: أَجراها الله على أَيديهم، لتأييدهم ... وليست من صنعهم. وكل نبي له معجزة تناسب أمته ... فإِذا كان عيسى قد أَحيا الموتى بإِذن الله، فقد أَلقى موسى العصا، فانقلبت من جماد إلى حية تسعى بإذن الله.

وهذا أبلغ من إحياءِ الموتى، لأن الحياة، هنا أجريت على جماد لم تسبق له حياة حيوانية، بخلاف إِحياء ميت سبقت له الحياة. على أن إِحياة عيسى للموتى، كان بقدر المعجزة، فم يتجاوزها إِلى إِحياءِ كل ميت، كشأن الإِله القادر. فكيف يكون إِلها؟! والأناجيل الباقية بين أيدينا، تؤَيد ما ذكره القرآن الكريم. فقد جاءَ فيها: أَن المسيح عليه السلام - قال مخاطبا ربه سبحانه: "أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (¬1). ففي هذا النص، يعترف السيد المسيح، بأن الله هو الإِله وحده، وأنه رسول من عنده. وهذا ينقض دعواهم أنه إِله. {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}. ومريم - عليها السلام - أم المسيح، صِدِّيقة من البشر. والصِّدِّيق: هو الذي يلتزم الصدق، ويؤَيد فعلُهُ قولَهُ ونِيَّتَهُ، وشأنه أَن يلتزم الحقَّ دائِما. وهي من سلالة طاهرة، ونشأَت في بيئة طيبة، في كفالة نبي الله زكريا عليه السلام، وشبَّت على طاعة الله تعالى: { ... وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (¬2). {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ}: أَي: أَنهما كسائر البشر يأكلان الطعام، لحفظ حياتهما، ولو حُرمَا الطعام، لهلكا كسائر الكائنات الحية. ومَنْ هذا شأنه، لا يكون إِلها، وإِن كان من المصطفَيْنَ الأخيار. ¬

_ (¬1) إنجيل يوحنا: 17 - 3 (¬2) التحريم، من الآية: 12

وقد جاءَ في كتابهم: أنه كان يطلب الطعام من أتباعه. كما في إنجيل لوقا (¬1): "أعندكم ها هنا طعام؟ فناولوه جزءًا من سمك، وشيئا من شهد عسل. فأخذ وأكل قُدَّامهم". وأكْلُ الطعام: يستدعي الحاجة إِليه للانتفاع به. والإِله غني عما سواه. {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}: هذا خطاب لكل مستعد للنظر والتدبر. أَي: تأمل واعجبْ من شأن هؤْلاءِ الكفار الذين بيَّن الله لهم آياته الواضحات، المؤَيدة بالدليل العقلي والبرهان الحسن، ليؤْمنوا به وحده، ولينصرفوا عما هم فيه من ضلال مبين!! ثم تدبَّرْ واعجَبْ من شأنهم، حين تبيَّن لهم الحقُّ فانصرفوا عنه، وانقادوا لأَهوائهم وشهواتهم، فآثروا الضلال عام الهدى، والكفر على الإِيمان. 76 - {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. . .} الآية. انصرف المسيحيون إلى عبادة المسيح دون الله سبحانه فأشركوا، كما عبد المشركون: البشر والملائكة والأَصنام ... فكفروا. فَأمَرَ الله رسوله أن يخاطبهم متعجبا منكرا: كيف تعبدون من لا يملك لكم ضرا فيضركم إذا انصرفتم عنه، ولا يملك لكم نفعا فينفعكم إِذا اقبلتم على عبادته؟. بل لا يملك لنفسه - هو- ضَرًّا ولا نفعا. على أن أساس العبادة، الرغبة في تحصيل نفع أو دفع ضر، والضر والنفع من الله وحده. {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ... } (¬2). {وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: أي: كيف تعبدون من لا يسمع نجواكم، ولا يعلم أموركم الخفية، ونياتكم الباطنة، وتتركون عبادة الله المحيط علمه بالأمور والشئون، وإِن بالغتم في كتمانها وإِخفائها، فيجازيكم على أعمالكم ونياتكم أَبلغ الجزاءِ؛ لأنه - سبحانه - يعلم السر وأخفى؟! ¬

_ (¬1) 24 - 41 - 43 (¬2) الأعراف، من الآية: 188

قال عَزَّ مِنْ قائل: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ... } (¬1). {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} المفردات: {لَا تَغْلُوا}: لا تبالغوا مبالغة شديدة. {أَهْوَاءَ}: شهوات. {سَوَاءِ السَّبِيلِ}: وسطه المستوى القويم. التفسير 77 - {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ. . .} الآية. بيَّن الله - فيما سبق - انحراف كل من اليهود والنصارى عن دينهم القويم. ثم دعاهم إِلى التوبة والاستغفار، ونبذ ما انحرفوا إليه من الشرك، ودعاهم إِلى اتباع شريعة الإِسلام التي جاءَت البشارة بها في كتبهم، وعلى أَلسنة أنبيائهم. ثم بيَّن لهم هنا، سبب الانحراف، وهو الخروج عن حد القصد، والمبالغة في تقديس بعض أنبيائهم، مبالغة أَخرجتهم عن نطاق البشر، ورفعتهم إِلى الأُلوهية. وأمر الله رسوله أَن يقول لهم: يَأهل الكتاب، لا ينبغي لكم أن تبالغوا في عقيدتكم، مبالغة ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 284

تُجاوز الحد، وتُخرج عن القصد، تاركين الحق، ومخالفين الصواب .. وبهذا تخرجون عن نطاق التوحيد، إِلى الإِيغال في الشرك والضلال. {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}: أي: ولا ينبغي لكم أن تنقادوا لشهوات الأحبار والرهبان، الذين قد ضلوا من قبل، فشرعوا من الدين ما لم يَأذَن به الله، فأضلوا كثيرا ممن اتبعوهم - دون رَوِيَّةٍ أَو تفكير - ثم لمَّا جاءهم الإِسلام: يردّهم إلى الحق والصواب، ويدعوهم إلى جادة الطريق القويم، الذي لا عوج فيه ولا التواءَ ولا مغالاة - ضلوا عن الطريق السوِي، وهو طريق القرآن، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين، وعلى كل من أَتبع غير طريق الحق. روَى أَحمد والنسائي وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدَّين، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِالْغُلُوِّ في الدِّين". 78 - {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. . .} الآية. بعد أن نهى الله عن الغلو في العقيدة غلوًّا ينحرف به المرء عن الصواب. جاءَت هذه الآية دالةً على استحقاق اليهود اللعن والطرد من رحمة الله، على لسان داود وعيسى بن مريم، بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمرَّيْن. واقتصرت الآية على ذكر هذين النبيَّيْن، مع أَنهم لعنوا من غير هذين، لأَن داود عليه السلام قادهم إلى النصر، ومهَّد لهم الملك , وعيسى عليه السلام آخر أنبيائهم. وقد لقِى منهم أشدَّ أَنواع الإِيذاءِ. وقد حاولوا قتْلَه فنجّاه اللهُ من كيدهم الأثيم. ولذا سماهم - عيسى - أولادَ الأفاعي (¬1). {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}: أي: استحقوا الطرد من رحمة الله، بسبب دعاءِ أَنبيائهم عليهم , لتمردهم وعصيانهم وغلوهم، وبسبب استمرارهم في البغي والعدوان، حتى كذبوا بعض أَنبيائهم: وقتلوا بعضهم، وبالغوا في إِيذاءِ الآخرين. ¬

_ (¬1) إنجيل متى: 12 - 34، 23 - 33

والتعبير بقوله: {يَعْتَدُونَ} للدلالة على تجدد البَغي والعدوان فيهم، وهو المشاهد فيهم حتى الآن. 79 - {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. . .} الآية. أي: ومما استحقوا به اللعنة: أَن المنكر فشا فيهم، حتى أَصبح مألوفا بينهم معروفا فيهم، لا يلقى مقاومة ولا زَجْرا ولا إنكارا، فلا ينهى بعضهم بعضا عنه. روى الإِمام أَحمد والترمذي وأَبو داود عن النبي - صلى الله عليه وسلم. قال: "لمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ في المَعَاصِى، نهتْهُمْ علماؤُهم فلم ينتَهوا. فجالسوهم في مجالِسِهم أوْ في أَسْواقِهِمْ - وَواكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُم. فَضرَبَ الله قلوب بَعضهِم بِبَعض، وَلَعَنَهم عَلَى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ. ذَلِكَ بمَا عصوا وَكَانُوا يَعْتَدونَ. وَكانَ صَلى الله علَيهِ وَسَلَّمَ متَّكِئا فَجَلَسَ فَقالَ: لا، وَالذِي نَفْسِى بيَدِهِ، حَتى تأَطِروهُمْ على الحق أَطرا" (¬1)، أي تعطفوهم عليه. وفي رواية لأَبي داود وابن ماجه والترمذي: "واللهِ لَتَأمرُن بالمعروفِ وَلتنهَوُنَّ عن المنكر، وَلَتَأخُذُنَّ على يَدِ الظالِم، وَلَتَأطِرنَّه على الحق أطْرًا. أَو لَيَضرِبَن الله قلُوبَ بعضكم بِبَعضٍ، ثَم يَلْعَنُكم كَما لَعَنَهُمْ". ومن هذا يتضح: أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مفروض، في جميع الرسالات السماوية. {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}: أي ما أَقبح فعلهم وسكوتهم على المنكر! وقد عقب الله بهذا على الوصف السابق، لإظهار مدى قبح وشناعة ما كانوا يصنعون والتعبير بقوله: {يَفْعَلُونَ} للدلالة على استحضار الصورة القبيحة لما كانوا يفعلون، وللدلالة على استمرارهم في ذلك. ¬

_ (¬1) أي: تحملوهم على الحق حملا.

{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)} المفردات: {يَتَوَلَّوْنَ}: يوالون ويناصرون. {سَخِطَ}: غضب غضبا شديدا. {أَوْلِيَاءَ}: نصراء. {فَاسِقُونَ}: خارجون عن شعائر الدين. التفسير 80 - {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .} الآية. أَي: من جرائمهم التي نراها: أَن كثيرا منهم - وهم أَهل كتاب ورسالة سماوية - يناصرون الكافرين، ويؤَيدونهم، ويتوددون إِليهم. والمقصود بالكفار هنا: المشركون، وقد أَعلن كعب بن الأَشرف - وهو من زعمائهم - أن المشركين {أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}. وقيل: المراد بالذين كفروا - هنا - المنافقون وكان زعيم المنافقين بالمدينة: عبد الله ابن أبي، يوالي اليهود ويوالونه. فلما غدروا بالمسلمين وغزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم واستسلموا له، جاءَ عبد الله بن أبيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أَحْسِن في مواليّ: أربعمائة حاسر - أي بدون دروع - وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر

والأسود: تحصدهم في غداة واحدة؟! إني والله، امرؤ أَخشى الدوائر. فقال صلى الله عليه وسلم: هُمْ لَكَ، عَلَى أَن يَخْرُجُوا مِنَ المدِينَةِ وَلَا يُجَاوِرُوني بِهَا. والواقعَ أَن اليهود بالمدينة، كانوا يوالون مشركي قريش ومنافقي المدينة. وكانوا على صلات وثيقة بالروم. فهم يوالون كل مناهض للإِسلام. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}: أَكّد اللهُ ذَمَّه لليهود، بأنهم اختاروا لأنفسهم أسوأَ ما يختاره إِنسان لنفسه، حيث قدموا من الأَعمال التي يتوقعون أَن تنفعهم في الآخرة، ما يستدعي غضب الله وسخطه عليهم، بأَن حاربوا الإِسلام - وهو دين التوحيد الذي بشرت به توراتهم - وناصروا المشركين والمنافقين، الذين يتجهون إلى غير الله بالعبادة والتوحيد. {وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}: أَي: وسيكون جزاؤُهم على هذا في الآخرة الخلود في النار، ومقاساة عذابها الأليم. 81 - {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ. . .} الآية. أَي: لو كان هؤُلاءِ اليهود، يؤْمنون باللهِ ورسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم وكتابه الكريم، أَو بالله ورسوله موسى عليه السلام الذي يدِّعون اتباعه وبما أنزل عليه من التوراة - لو كان لديهم هذا الإِيمان - ما اتخذوا المنافقين ولا المشركين نصراءَ، وهم يعرفون أنهم عبدة أَصنام. ويجوز أَن يكون المراد: لو أَن المشركِين والمنافقين آمنوا بالله ورسوله، وما أنزل الله عليه، ما اتخذوا اليهود أَصدقاءَ ونصراءَ. {وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}: ولكن كثرتهم انحرفت بهم عن الحق، وجنحت إِلى الضلال , فوالت الكفار، وأعانتهم على المؤْمنين؛ لأَن خروجهم عن الدين القويم, أَلَّف بين هؤُلاء الكافرين. وإذا كانت الكثرة قد انحرفت عن الصواب، فعلى القلة أَن تقاومها ما استطاعت إِلى ذلك سبيلا. وإلا فالجميع في الحكم سواء. وهكذا كل كثرة على صواب، إِلى يوم القيامة.

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)}. المفردات: (قِسِّيسِينَ): جمع قِسِّيس؛ وهو رئيس دينى مسيحى. (ورُهْبَانًا): الرهبان؛ جمع راهب، وهو المتبتل , المنقطع للعبادة وحرمان النفس من الاستمتاع بالزوج والولد. (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): أَي تمتلئ أَعينُهم بالدمع حتى يتدفق من جوانبها؛ لكثرته. التفسير 82 - {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... } الآية. بعد أن أَقام الله الحججَ القاطعةَ على أَهل الكتاب، المعاندين المكذبين. وبعد أن ذكر

فضائحَهم ومخازيَهُم - ذكر تعالى في هذه الآيات. أحوالَ اليهود والنصارَى في عداوتهم ومحبتهم للمؤمنين. كما بيَّن حالَ المشركين. سبب النزول: تعددت الروايات في سبب نزول هذه الآيات. ولكنها تلتقى في أَن بعض طوائف النصارى، استمعوا إلى القرآن الكريم، فتأثَّرت به نفوسهم، وفاضت أعينهم فأَعلنوا الإِسلام. ويذهب جمهور المفسرين: أنها نزلت في النجاشي - ملك الحبشة - ومَن معه من القسيسين والرهبان. وجميع الروايات: تدل على أنه أسلم هو ومن معه. وكُتُبُ السيرةِ، تدل على أن قيصر عظيم الروم - وهو مسيحى - تلقَّى دعوةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، في رِفق وأَناة. وأنه - لولا خشيته على مُلْكه - لاستجاب للإسلام. كما تدل كتب السيرة، على أن المقوقس - زعيم الأقباط في مصر - تَلَقَّى دعوةَ الرسول صلى الله عليه وسلم، في مَوَدَّةٍ ولِينْ. وأَرسل إليه بعض الهدايا القيمة. وكان تَلقى الناس للدعوة الإِسلامية متنوعًا بتنوع عقائدهم وطبائعهم. وأبرز الطوائف التي استقبلت هذه الدعوة الجديدة: أولًا - اليهود: وقد استقبلوا الإِسلام بالعداوة والبغضاء، مع أَن ملَّتَهم تقوم على التوحيد؛ لأن تطوّر اليهودية، وعبَثَ اليهود بكتابهم - أَبْعَدَ اليهودَ عن أصول عقيدتهم، وجعلها قائمة على التعصب الأعمى والأَنانية الحمقاء؛ حيث زعموا أَنهم: شعب الله المختار وأنهم لهذا لن يدخلوا النار مهما فعلوا إِلا أَياما معدودات. فاسترسلوا في شهواتهم ونزواتهم. فقتلوا الأنبياءَ، واستباحوا الحُرماتِ. وأَكلوا أموالَ الناس بالباطل. وأسرفوا في التمرد والعصيان، مما مسخ فِطَرَهم الإِنسانية إِلى غرائز القردة والخنازير، وعبدة الطاغوت.

ولهذا - لما جاءَ الإِسلام - عادوه بألوان العداء، وشنوا عليه الحروب الطاغية: بقوة السلاح، أو بالدسائس والمؤامرات، أَو بمحاولة تشويهه بما دسُّوا فيه من الإسرائيليات: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} (¬1) ولا يزال هذا دأبهم حتى الآن. ولهذا صدرتهم الآية، وصرحت بهم. ثانيًا - المشركون: وهم كفار مكة وأَمثالهم. فقد قاوموا الدعوة الإِسلامية مقاومة عنيفة؛ لأن الإِسلام يحدُّ من طغيانهم وعصبياتهم الحمقاء، وما أعتادوه من إستعْلاء وكبرياء وهم - إلى هذا - تشتعل نفوسهم بالحسد والبغضاء للرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} (¬2) وجاهروا المسلمين بالعداء، حتى قالوا: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} (¬3) وما زالوا بهم تعذيبا واضطهادا، حتى أَخرجوهم من ديارهم، وصادروا أموالهم. ثالثا - النصارى: أَنكر الإِسلام على النصارى إيمانهم بالفداء، وبحدوث الصلب وعقيدة التثليث، ولكنه مَع هذا أَنصف المسيح - عليه السلام - ورفعه إِلى مكانته السامية الجديرة به، ونادى بطهارة السيدة مريم وأفضليتها على النساء. والمسيحية - في كتابهم (¬4) - تقوم على التسامح، ومقابلة الإِساءة بالاحسان، وعلى النفور من العدوان. كما تقوم المسيحية أيضًا: على الحد من الشهوات والمطامع، وحب الاستعلاء وهي - في هذا - تقارب الإِسلام. ونظرا لأَن هذه المبادئ تدعو إِلى المسامحة، فإِنهم لم يقابلوا الإِسلام بالعداوة والبغضاء، كما فعل اليهود. ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 109 (¬2) الزخرف، من الآية: 31 (¬3) الأنعام، من الآية: 53 (¬4) ورد في إنجيل لوقا: 6/ 27 - 29: "أيها السامعون أَحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم. من ضربك على خدك فأعرض له الآخر أيضًا .. ".

وموقف النجاشى، والمقوقس، وهرقل - من الدعوة الإِسلامية - معروف. والنصارى - لا النصرانية - لم يحاربوا الإِسلام، إلا بعد أن خرجوا على تعاليم النصرانية دينهم، وبعد أن استبدت بهم المطامع والشهوات، فشَنُّوا الحروب البيزنطية، والحروب الصليبية، والحروب الاستعمارية على الإِسلام والمسلمين. والنصرانية من كل هذا براء. {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}: شدة العداوة من اليهود: قائمة - أساسا - على تعصبهم واستعلائِهِم، وكراهتهم خروج النبوة من ولد إِسرئيل، ثم على تَرَسُّلِهِم في شهواتهم، مما أدى إلى تمردِهم على الأَنبياء، وتكذيبهم، وقتل المئات - بل الآلاف - منهم في هذا السبيل. وأشد ما لاقى الرسول صلى الله عليه وسلم - من الأذى والعنت والعداء - كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب. ولا سيما مشركي مكة وما حولها, ولكن مشركي العرب - على جاهليتهم - كانوا أرق من اليهود قلوبا , وأعظم مروءَة وإِيثارا. ولهذا بدأَ باليهود - كما أَسلفنا - في ترتيب العداء للإسلام. فقد حاربوا الإِسلام بالسلاح، كما حاربوه بالكيد والتآمر، ومحاولة تشويه تعاليمه السامية، بما دسّوا فيه من إِسرائيليات، فضلا عما اخْتُصُّوا به من قتل بعض الأنبياء بغير حق، وإِيذائهم لبعضهم الآخر، واستحلالهم أَكل أموال غيرهم بالباطل من الربا والرشوة، مما يزخر به تاريخهم. {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}: أي لتجدن يا محمد، أقربَ الناس محبةً ومودةً لك وللمؤمنين: الذين قالوا إنا نصارى. وقد رأَى النبي - صلى الله عليه وسلم، ورأى صحابته من نصارى الحبشة، وملكهم - حُسْنَ الحماية والرعاية وطيبَ المودة للذين هاجروا إلى الحبشة، حيث عاشوا في أَمن وسلام ولم يسلموهم إِلى أَعدائهم المشركين، الذين استعْدَوْا عليهم ملك الحبشة، وحاولوا

أن يوغروا صدره، ويوقعوا بينه وبين المهاجرين، من المؤمنين: بأنهم ما جاءُوا إِلا ليفسدوا عليه قومه. ولكنه لم يستجب لهم وأكرم المسلمين. ثم بين سبحانه وتعالى، سبب مودة النصارى للمؤمنين بقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}: وقد تضمن ذلك وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة، والتواضع والزهد. فسبب مودة النصارى ومحبتهم للمؤمنين: أن منهم قسيسين يتولون رعاياهم بالتعليمِ الديني، ويتعهدونهم بتهذيب الأخلاق، ويربونهم على الآداب والفضائل. كما أن منهم - كذلك - رهبانا: عُبَّادًا يضربون لهم المُثُلَ في الزهد، والإِعراضِ عن زخرف الدنيا وزينتها، ويُكثِرُون في نفوسهم الخوف من الله تعالى ومراقبته، والإنقطاع للتبتل والعبادة. كما أَن من أسباب مودتهم للمسلمين: التواضع، وأنهم لا يستكبرون عن الخضوع والإِذعان للحق، متى ظهر لهم. 83 - {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ... } الآية. قيل: إِنه كلام مستأْنف. وقيل: إِنه معطوف على قوله: {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}. فهذه الآية متصلة بما قبلها. والمعنى: ولتجدن أقربهم مودة للمؤمنين، أُولئك الذين قالوا إِنا نصارى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} وَأَنَّهم: {إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} عند سماع القرآن وهم الذين استجابوا للإِسلام فآمنوا عندما سمعوا القرآن، لِما عرفوا من الحق، الذي جاءَ في كتابهم عن محمَّد صلى الله عليه وسلم، وعن دينه.

وفي تفسير الخازن؛ قال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه، لَمَّا قرأ عليهم جعفر ابن أَبي طالب سورةَ مريم. قال: فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة. {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَق}: أَي تفيض عيونهم من الدمع، من أَجل ما عرفوه من الحق (¬1). وهذا شأن العلماء المخلصين، كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ... } (¬2) الآية. {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}: يقولون - بعد أن اطمأنت قلوبهم للإسلام - ربنا آمنا بنبيك محمَّد ورسالته، فتقبل منا، واجعلنا مع أُمة محمَّد الذين سيشهدون على الأمم يوم القيامة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (¬3) الآية. نقل هذا عن ابن عباس، وابن جريج. وقال الحسن: الذين يشهدون بالإيمان. وقال أَبو علي: الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك. 84 - {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}: وأَىُّ شيءٍ يصرفنا عن الإيمان بالله، وتصديق ما جاءنا من الحق بعد ما تبين لنا صدق الرسول، وصحة رسالته - أَي لا شىءَ يصرفنا عن ذلك!!. ونظير هذا الأسلوب قوله تعالى: {وَمَا لِىَ لَاَ أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} (¬4). والمراد بالحق: القرآن والإِسلام. ¬

_ (¬1) وقد جاءت "مِنْ" للتعليل - هنا - كما في قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} نوح، من الآية: 25، وفي قول الفرزدق في علي زين العابدين رضي الله عنه: يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم (¬2) الزمر، من الآية: 23 (¬3) البقرة، من الآية: 143 (¬4) يس من الآية: 22

والمراد من {الْقَوْمٍ الصَّالِحِينَ} أُمةُ محمَّد صلى الله عليه وسلم - أي وكيف ننصرف عن الإيمان, ونحن نطمع أن يُدْخِلَنا رَبُّنا مع القوم الصالحين، أَي من جملتهم! 85 - {فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}: أَي فجازاهم الله وكافأهم - بسبب قولهم: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين - وأَسعدهم بما أعد لهم من جنات، وصفها الله تعالى، بأن الأنهار تجرى من تحت قصورها وأشجارها، كما وصفهم بالخلود والبقاء في نعيمها فلا يزول عنهم النعيم ولا يفارقونه. وقد رتب الله تعالى الجزاء المذكور، على قولهم: {رَبنَا آمَنا} وما اقترن به، مما يدل على كمال الإِخلاص: من بكائهم عند سماع القرآن، وقولهم: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ ... }. إلخ. ثم ختم الله الآية بقوله: {وذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}: ليبين أن هذا الجزاء الكريم، ليس قاصرا على من نزلت الآية بسببهم , بل هو يعمُّ كلَّ من أحسن إحسانهم. 86 - {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}: في هذه الآية، يبين الله تعالى، سوء مصير الكافرين, بعد بيان حسن مصير المؤْمنين وبضدها تتميز الأشياءُ. والمعنى: والذين كفروا - من اليهود والنصارى والمشركين ومن لا دين لهم - ودأبو على التكذيب عنادا واستكبارا، بعدما وضح الحق, وقامت الأدلة والحجج على صدق الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم. {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}: أي أولئك هم أصحاب النار وسُكَّانها المقيمون بها لا يبرحونها. والجَاحِم والجَحِيم: هو ما اشتدَّ حَرُّه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}. التفسير 87 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... } الآية. الربط: لما مدح الله مَن آمن من علماءِ أَهل الكِتاب، ناسب أَن يؤَدبَهم بأَدب الإِسلام فبين لهم: أن الدين الإسلامي، لا يحرم الطيبات، التي كانوا يحرمونها على أنفسهم , حينما يسلكون سبيل الرهبانية. وإنما هو دين يحرم الاعتداءَ والتجاوز. وجاء ذلك بأُسلوب عام لجميع المؤْمنين، حتى يتأدبَ به كل مؤْمن. سبب النزول: روى البخاري، عن أنس، قال: جاءَ ثلاثة رَهْطٍ (¬1) إلي بيوت أَزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا - كأَنهم تَقالُّوها - فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأَخر: فقال أحدهم: أمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي الليلَ أبَدًا. وقَالَ آخَرُ: أَما أَنا فَأَصُومُ الدَّهْرَ ولا أفْطِرُ. وقال آخَرُ: أمَّا أنَا فَاعْتَزِلُ النِّسَاءَ، ولَا أتَزَوَّجُ أَبَدا. فجاءَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أنتُمُ الّذِينَ قُلْتم: كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَالله، إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلهِ، وَأَتْقَاكُمْ لِلهِ ... لكِنّي أَصُومُ وَأُفطِرُ، وَأُصَلِّي وَأرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. فَمنْ رَغِب عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنّي". ¬

_ (¬1) إضافة ثلاثة إلى رهط: بيانية، أي ثلاثة هم رهط. والرهط: يطلق عل العدد من ثلاثة إلى تسعة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}: أَي لا تمنعوا - أَيها المؤمنون - أَنفسكم مما طاب ولذَّ من الطعام، الذي أحله الله لكم. {وَلَا تَعْتَدُوا}: أَي لا تتجاوزوا الحَدَّ بتحريم حلال، أو تحليل حرام، أَو إِسراف في طعام. قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (¬1). 88 - {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا ... } الآية. أَي تمتعوا بأَنواع الرزق، من أَكل وشرْب ولباس، وغير ذلك من الطيبات، التي أَحلها الله تعالى. وخص الأكل بالذكر؛ لأَنه معظم مقاصد الرزق. وقد دلت هذه الآية - وسابقتها - على أَن الإِسلام يُعْنَى بالأَجسام، كما يُعنى بالأَرواح. {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}: أي اجعلوا أَنفسكم في وقاية من غضب الله , الذي أَنتم به مؤمنون. فلا تتجاوزوا ما شرعه الله لكم. وعن الحسن البصري - رضي الله عنه -: إن اللهَ أَدَّب عبادَه فأَحسن أَدبهم، فقال: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِهِ} (¬2). ما عاب الله قوما وسَّع عليهم الدنيا فتنعموا وأَطاعوا، ولا عَذَر قوما زواها عنهم فعصوْه. وعنه أنه قيل له: فلان لايأْكل الفالوذج (¬3) , ويقول: لا أُؤدي شكره. قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إِنه جاهل. إن نعمةَ الله عليه في الماءِ البارد، أكثُر من نعمته عليه في الفالوذج. والمعروف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: أَنه كان يأْكل ما وجده ... فتارة يأْكل أَطيبَ الطعام؛ كلحوم الأنعام والطير والدجاج. وتارة يأكل أَخْشَنَهُ؛ كخبز الشعير ¬

_ (¬1) الأعراف، الآية: (31) (¬2) الطلاق، من الآية: 7 (¬3) حلواء تصنع من الدقيق والعسل والماء.

بالملح أَو بالزيت أَو بالخل، وأحيانا يجوع، وأَحيانا أُخرى يشبع، فكان - في كل ذلك - قُدْوَةً للموسر وللمعسر على السواءِ. وَلْيُعْلَمْ: أَن التمتُّعَ بالطيبات من الرزق، مشروعٌ في جميع الرسالات. قال تعالى: {يَأَ يُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (¬1). {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. المفردات: {باللَّغْوِ} اللغو في اليمين: الحلف من غير قصد القَسَم. {بِمَا عَقدتُّمُ الْأَيْمَانَ} أَصل العقد: نقيض الحل. فَعَقْد الأَيمان. وتعقيدها: توكيدها بالقصد والتصميم. {فَكَفَّارَتُةُ} أَصل الكفارة: من الكَفْر. وهو: الستر والتغطية، ثم صارت - في اصطلاح الشرع - اسمًا لأعمال تكفِّر - أَي تمحو- بعض الذنوب. {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكمْ}: الأَوسط؛ المعتدل من كل شيء. والمراد هنا: الأَغلب من الطعام، الذي هو وسط بين الدُّون الذي يُتَقشَّف به، وبين الأَعلى الذي يُتوسع به. {أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}: أي إِعتاق رقيق مملوك له. ¬

_ (¬1) المؤمنون، الآية: 51

التفسير 89 - {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... } الآية. الربط وسبب النزول: روى ابن جرير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... } في القوم الذين كانوا قد حرَّموا النساء والنَّوْمَ واللحْمَ على أَنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نَصنع بأَيماننا التي حلفناها؟ فأَنزل الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... ) الآية. وبهذا تتصل الآية بما قبلها. ومعنى قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أَي لا يؤاخذكم الله بالأَيمان التي تحلفونها بلا قصد, كما يقول الرجل في حلفه - من غير قصد ولا نية - لا والله، وبلى والله، مما يجرى على الأَلسنة من غير قصد. فلا مؤاخذة على هذه الأَيمان: بكفارة في الدنيا، ولا بعقوبة في الآخرة؛ لأَنها عادة لسان. وقال مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن. وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}: ولكن الله يؤاخذكم بما يصدر عنكم من الأَيمان التي أكدتموها بالقصد والتصميم. {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}: فالذي يُكفِّرُ عَقْدَ اليمين - إذا أُريد الحنث فيها ممن حلف أَنه سيفعل كذا، أَو حلف أَنه لن يفعل كذا، ثم راجع نفسه فرأَى أن تنفيذ اليمين سَيَحْرِمُهُ خيرًا كثيرا - فعليه أن يَنْقُضَ يمينَهُ، وأَن يُكفِّرَ عنها. لما جاءَ في الصحيحين: عن أَبي موسى الأَشعرى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إني وَاللهِ - إن شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين فَأرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلاَّ كَفرْتُ عَنْ يَمِينِى، وَأَتَيْتُ الَّذِي هوَ خَيْرُ".

ومن يحلف كاذبا متعمدا، فعليه ردُّ الحقوق إلى اصحابها، إِذا ترتب على يمينه ضياع حق ثابت. وعليه أَيضا الكفارة المبينة في الآية. ويمين الكاذب المتعمد تسمى شرعًا: اليمين الغموس. وسميت بذلك؛ لأَنها تغمس صاحبها في النار. وهي: من الكبائر التي ورد فيها وعيد شديد. أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: "جاءَ أَعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، ما الكبائر؟ قال: الإِشراكُ بِاللهِ. قال: ثم ماذا؟. قال: عُقوقُ الوالدين. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغَمُوسُ. قلتُ: وما اليمينُ الغموسُ؟ قال: الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِئٍ مُسْلِم هُوَ فِيهَا كَاذِب". وأَخرج مسلم عن أبي أُمامة أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنِ اقْتَطَعَ حَق امْرِئٍ مُسْلمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا قال: وَإنْ كَانَ قَضِيبًا من أرَاك". فعلى كل مسلم: أَن يتجنب الحلف باللهِ كاذبًا، حتى لا يستحق هذا الوعيد الشديد. أما يمينُ المُكْرَه؛ فلا إِثم فيها. وكذا لَا كفارة فيها في بعض المذاهب. والحلف لا يكون إِلا باللهِ تعالى، أَو باسم من أَسمائه، أَو صفةٍ من صفاته. قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحلِفْ بِاللَهِ أوْ ليَصمُت" (¬1). وكفارة اليمين إذا حنث فيه: 1 - إطعام عشرة مساكين وجبةً واحدةً لكلَّ منهم من الطعام الغالب الذي يأكله أهلوكم في بيوتكم لا من أرْدَئِه ولامن أَجودِه. فمن كان أَكثر طعامه وطعام أَهله خبزَ البُرَّ، وأكثرُ إدامه اللحمَ بالخضر أو بدونها، فلا يجزئُ، ما دون ذلك. والأعلى يجزئ على كل حال, لأنه من الوسط وزيادة. وأَجاز أَبو حنيفة إِطعام مسكين واحد عشرة أَيام. ¬

_ (¬1) رواه ابن عمر في كتاب الشهادات: باب كيف يستحلف. هداية البارى: 2 - 227

3 - كسوة عشرة مساكين: والكسوة تختلف باختلاف البلاد والأَزمنة - كالطعام - فيجزىءُ من غالب ما يكسو به أهله، لا من الأرْدَإِ ولا من الأجود. والأعلى يجزئُ على كل حال، كما سبق في الطعام. وفي الإطعام والكسوة خلاف بين الفقهاءِ فمن أراد معرفته واستيفاءَه فليرجع إليه في كتب الفقه. 3 - تحرير رقبة: أي إعتاق إِنسان رقيق ذكر أو أنثى. وقد يعبر أَحيانا عن ذلك بفكَّ رقبه كقوله تعالى: " {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ} (¬1). ولا يشترط أَن تكون الرقبةُ مؤمنةً عند أبي حنيفة، فإنه يجزئ عنده عتق الكافرة. خلافا للشافعي ومالك وأحمد فقد اشترطوا الإِيمان، قياسا على الكفارة في القتل. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلَاثَةِ أيامٍ): أي فمن عجز عن واحد من الثلاثة المتقدمة، فعليه أَن يُكَفِّرَ بصوم ثلاثة أَيام: متتابعات عند أَبي حنيفة. ولا يشترط التتابع عند الشافعي وغيره، وهو أَيسر. فإن عجز عن الصوم - لمرض - صام عند القدرة، فإِن لم يقدر فأَمره مفوض إلى الله تعالى: يُرْجَى له عَفْوُ الله ورحمته - إِذا صحت نيته. والاستطاعة: أن يكون ذلك القَدْرُ اللازمُ في الكفارة من الإطعام والكسوة والعتق - فاضلا عن قُوتِهِ وقُوتِ عياله، يومَه وليلتَهُ. وفاضلًا كذلك، عن كسوته بِقَدْرِ ما يطعم أَو يكسو أَو يعتق. {ذَلِكَ كفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذا حَلَفْتُمْ}: باللهِ - أو باسم من أَسمائه - وحنثتم. {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}: أَي قلِّلوا منها، فلا تحلفوا إِلا لإِحقاق حق أَو دفع باطل، قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا ... } (¬2) الآية. ¬

_ (¬1) البلد، الآيات: 11، 12، 13 (¬2) البقرة، من الآية: 224

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: أي مثل ذلك البيان الشافي، يبين الله لكم أَعلام شريعته وأَحكام دينه، لتقوموا بشكره على ما أرشدكم إليه، من تشريعات نافعة. وقد وضح بهذا، أن ما يتداوله الجهلة من حَلِفٍ بغير الله تعالى، أو بغير اسم من أَسمائه، أَو مَنْ حَلِفٍ بغير صفة من صفاته (¬1) - حرام شرعًا، وقدْ يَجرُّ إِلى الكفر، لإِشراكه غير الله في التعظيم والعياذ باللهِ؛ { ... فّليحذرِ الذينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه أن تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يصيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (¬2). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)}. المفردات: (الخَمْرُ): هي كل ما خامر العقل وغَّيبَه. ¬

_ (¬1) كقدرة الله، وعلم الله، ووجود الله. (¬2) النور، من الآية: 63

(الْمَيْسِرُ): القمار. (الْأَنصَابُ): هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وقيل: إنهم كانوا يعبدونها، ويَتقربَّون إليها. (الْأَزْلَامُ): هي قداح، أَي قطع رقيقة من الخشب على هيئة السِّهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية؛ لأَجل التفاؤُل أو التشاؤُم. (رجْسٌ): الرجس؛ كل ما يستقذر؛ حسا أو معنى. (فِيمَا طَعِمُوا): أَي فيما تناولوا قبل التحريم. التفسير 90 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... } الآية. لمّا سبق النهْىُ عن تحريم الطيب الحلال، والأمرُ بالأَكل مما رزق الله من الحلال الطيب - وكانَت الخمر والميسر من جملة الأمور المستطابة عندهم، بحسب العرف والإِلف. عقب الله ذلك ببيان أنهما ليسا من الحلال الطيب. بل هما مما حرَّم الله تعالى. سبب النزول: أَورد ابن جرير وابن مردويه، في سبب نزول هذه الآيات: أَن سعد بن أَبي وقاص رضي الله عنه - قال: "في نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ... صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأنْصَارِ طَعَامًا، فَدعَانَا فَأَتَاهُ نَاسٌ. فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا حَتَّى انْتَشَوْا مِنَ الْخَمْرِ. وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمهَا. فَفَاخَرُوا. فَقَالَتِ الْأَنصَارُ: الأْنصَارُ خَيْر. وَقَالَتْ قُرَيْش: قُرَيْش خَيْرٌ. فَأَهْوَى رَجُلٌ بِلَحْىِ جَزُورٍ (¬1). فَضَرَبَ عَلَى أَنْفِى فَفَزَرَهُ (¬2) قَالَ: فَأتَيْتُ النبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَمَ، فَذَكَرْتُ لَه ذَلِك فَنَزَلَتْ": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: ¬

_ (¬1) اللحى: هو الفك الذي ينبت عليه الأسنان السفلى. (¬2) فزره: أي شقه.

خاطَب الله المسلمينَ - بوصف الإِيمان - ليستجيبوا إلى ما يأْمرهم به، ويقلعوا عما نهاهم عنه، تحقيقا لإيمانهم. وفي هذه الآية، ينهاهم عن شرب الخمر نَهيًا حاسما. والخمر: هي كل ما خامر العقل، فستره وحجبه عن التفكير. وهو يصدق على كل مُسْكر: مصنوع من عصير العنب أو غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر، وَكُلُ خَمْرٍ حَرَام" (¬1). وفي رواية لمسلم، والترمذي، والنسائي، وأَبي داود، وابن ماجه، وأَحمد، - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر وَكلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". وخَرج أَبو داود: "نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهو من خمسة: من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة. والخمر: ما خامر العقل". والواقع: أَن أَي شراب - تغير طعمه وظهر فيه الغول (الكحول) وأَسكر - فهو خمر. وهوحرام. قَلَّ أَو كَثُرَ. لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقلِيلُهُ حَرَام" (¬2). وهذا ينطبق على ما يسمونه الآن "البيرة"، كما ينطبق على جميع المخدرات، مثل: الأَفيون، والحشيش، والقات، والكوكايين، والهيروين ... فقد ورد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نَهَى عَنْ كُل مُسكِرٍ ومُفَتَّر" (¬3). وقد الْتبس الأمر على بعض الباحثين، فظنوا النبيذَ - المعروف الآن - حلالًا. والواقع أَنه حرام بالإِجماع؛ لأنه مُسكر. (¬4) أَما النبيذ الوارد كتب الفقه فهو ما يسميه أَهل مصر - الآن - بالخشاف، ويسميه أهل سورية بالنقوع (النقيع) وهو شراب منقوع فيه التمر أو الزبيب أَو المشمش وغيرها ويغلى حتى ينضج ويحلو ماؤُه فهذا لا حرج فيه إِذا لم يتخمر. أَما إذا ترك فترة طويلة، حتى ¬

_ (¬1) رواه مسلم والدارقطني. (¬2) رواه الترمذي، والنسائي وأبو داود، وابن ماجه -، وأحمد، وابن حبان. (¬3) فتر الشراب الحسم: خامدًا خاملا. (¬4) رواه، أحمد، وأبو داود. عن أم سلمة، رضي الله عنهم.

تغَّير، وقذف بالزبد، وظهر فيه الغول (الكحول) فإِنه - حينئذ - يصبح مُسْكِرا، ويكون حراما: شأْنه - في هذا - شأْن عصير العنب، واللبن الحامض. والدقيق الذائب في الماء "البوظة"، وأَشباهها، إِذا تغيرت وأَسكرت فهي حرام. وإِذا لم تتغير، فلا حُرْمة فيها. وتحريم الخمر قائم على الصالح العام، لأَنها تتلف الأَجسام،، وتنهك الأعصاب، وتؤَثر على العقول، وتدفع إِلى التصرفات السيئة كارتكاب الآثام، وهَتْكِ الحُرمات، وتبديد الأَموال. وضياع المروءَات، والتقصير في أَداءِ العبادات. وكما حَرَّمت الآيةُ الكريمة الخمرَ، حَرَّمت الميسرَ؛ لأنه يصرف صاحبه عن الأَعمال المثمرة ويدفع إِلى الخسائر المتوالية ويولد الأمراض العصبية والنفسية، ويزعزع كيان الأسرة والمجتمع. بما قد يثير الضغائنَ والأَحقاد ويمزق صلاتِ الأرحام. ويدعو إِلى سيطرة التشاؤُم على نفوس اللاعبين وعلى التعلق بالخيالات والأوهام. ومن الميسر: ما يعرف الآن بأَوراق اليانصيب. أَما الأَنصاب؛ فتقوم على تقديس الأحجار، فإِن كانت للذبح عليها، وتقديم القرابين إلى الأوثان، في لَوْن من الشِّرك بالله، وإن كانت للعبادة فهي شِرك صريح؛ والله سبحانه "لَا يَغْفِرُ أَن يُشرَكَ به، وَيَغْفِرُ مَا دونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ... " (¬1). وأَما القداح (وهي الأَزلام) فقد سبق تفسيرها، في الآية الثالثة من هذه السورة. وشبيه بهذه القداح ما يزعمه الزاعمون الآن من: قراءَةِ الكف، والفنجان، وأوراقِ اللعب، أو تحضيرِ الأرواح، واستشارةِ الكهنة والعرافين، وراصدي النجوم وغيرهم من مدعى الغيوب. وخير لمن الْتبس عليه الرأى وحار في أَمره أن يؤدىَ صلاة الاستخارة ويدعوَ دعاءَها وقد بسطنا ذلك في شرح الآية الثالثة من هذه السورة. ¬

_ (¬1) النساء، من الآية: 48

وقال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا - أَوْ كَاهِنًا - فَصدَّقَهُ بِمَا يَقولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِل عَلى مُحَمَد" (¬1). هذه المنكرات كلها، ينفر منها العقل، وينكرها الشرع. وقد زينها الشيطان وخدع بها بعضم المفتونين , فصدهم عن السبيل، حيث أَوهمهم أَن قليل الخمر مفيد للصحة، وأَن في الميسر فائدةً للفقراء، وأن الأَنصابَ وسيلة لذبح القرابين والانتفاع بلحومها، وأن إِجالَة القداح استخارةٌ ... وكل هذه مغالطات واهية: تنكرها العقول الرشيدة، والطبائع السليمة. {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: فاتركوا هذا الرجس القبيح، رجاءَ أَن تكونوا في عداد المفلحين الفائزين، بتزكية أَنفسكم، وسلامة أَبدانكم. والتوادّ فيما بينكم. وقد جمع الله سبحانه الخمر والميسر مع الأَنصاب والأَزلام في هذه الآية لتأْكيد تحريم الخمر والميسر, ثم أَفرد الخمرَ والميسر في الآية التي تليها لأَن الخطاب فيها، مع المؤْمنين الذين هجروا الأَنصاب والأَزلام بدافع من إِيمانهم، أَي من تلقاءِ أَنفسهم، ولم تكن الخمر قبل هذا محرمة , بدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... } الآية. والمقصودُ نَهْىُ المؤْمنين - جميعًا - عن شرب الخمر, وعن اللعب بالقمار. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَها. وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا , وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِها" (¬2). وقد أَكَّد الله تحريم هذه الأُمور في الآية الأولى، بقصرها على الرجس الذي هو من عمل الشيطان. وحيث كانت كذلك، فلا يرجى منها خير. وجعل اجتنابها سببا يرجى منه الفلاح. وحَدَّ من ثبت عليه شُرْبُ الخمر بإقرار أَو شَهود: أَربعون جَلدة، وقيل: ثمانون. وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ¬

_ (¬1) رواه مسلم والحاكم. (¬2) رواه أبو داود والحاكم في المستدرك عن ابن عمر. الفتح الكبير: 3 - 13

وبعد أَن أمر الله باجتناب هذه الموبقات، ذكر سبحانه وتعالى أَن في الخمر والميسر مَفْسَدَتَيْنِ كبيرتين: إِحدإهما دنيوية، والأخرى دينية، فقال تعالى: 91 - {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ... } الآية. أَي لا يريد الشيطان - بتزيينه الخمر والميسر - إلا أَن يقطع ما بينكم من صلات المودة، ويجعل مكانها العداوة والبغضاءَ، بسبب ما تثيره الخمرُ والميسر من أَسباب القطيعة، ويصرفكم عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم، ويصرفكم عن الصلاة التي هي عماد الدين، وفي أَدائها تزكيةٌ لنفوسكم، وتطهير لقلوبكم؛ لأَن السكران لا يذكر الله، ولا يميز أَوقات الصلاة، ولا يقيم أَركانها, ولأَن المقامر: يشغله اللعب والاستغراق فيه، عن ذكر الله وعن الصلاة. ولما بيّن - جَل اسمه - حكمة تحريم الخمر والميسر، أَكد ذلك التحريم، بما يفيد الوعيد على عدم الامتثال، فقال: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}: وهذا أمر بالانتهاءِ، جاءَ بأسلوب الاستفهام. فكأَنه قال: قد أَوضحتُ لكم ما في الخمر والميسر من أَنواع المفاسد والمضار الدنيوية والدينية، فانتهوا عن تلك المفاسد، حتى لا يحل بكم عقابي. وقد فهم هذا المعنى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. قال الطبرى في تفسيره: لمّا علم عمر رضي الله تعالى عنه: أَن هذا وعيد شديد زائد على معنى: انتهوا .. قال: "انتهينا يا رب". ثم أَمر النَّبي صلى الله عليه وسلم، مناديَهُ أَن يُنَادِىَ في سِكَكِ المدينة: أَلا إنَّ الخمرَ قد حُرَّمت ... فكُسرت أَوانيها، بعد ما أُريقت حتى جرت في سكك المدينة. ثم زاد الله النهي عن تلك الموبقات تأكيدا، فقال: 92 - {وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ... } الآية.

والمعنى: وأَطيعوا الله في كل ما أَمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول فيما بلغه عن ربه. واحذروا المخالفة والعصيان، حتى لا تتعرضوا للعقاب. وبدهي: أن يدخل في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، اجتناب ما تقدم من المنهيات فإن الإِسلام أمَرَ بالمعروف، ونَهَى عن المنكر. {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}: فإن أَعرضتم عن طاعة الله ورسوله، فعليكم وِزر مخالفتكم. أمَّا الرسول فقد بلَّغ الرسالة وأَدى الأمانة. وليس مسئولا عن مخالفتكم. قال تعالى: { ... فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (¬1). 93 - {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: سبب النزول: روى الحافظ أَبو بكر البزار في مسنده: عن جابر بن عبد الله، يقول: اصطبح ناسٌ الخمرَ، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [قبل تحريمها]، ثم قتِلوا شهداءَ يوم أحد. فقالت اليهود. فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية (¬2). أَي ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات إِثمٌ وعقوبة، فيما تناولوه - من طعام أَو شراب - قبل تحريمه. وذلك إِذا اتقوا الله وخافوه وعملوا الأعمال الصالحة، ثم خافوا الله وآمنوا بما نُزِّل إِليهم - بعد ذلك - من الأحكام والتزموه، ثم استمروا على تقوى الله والخوف منه، وأَحْسنوا الأعمال والطاعة، وعبدوا الله بإخلاص في السر والعلن. {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسنِينَ}: أَي يرضى عنهم ويشملهم برحمته. ¬

_ (¬1) الرعد، من الآية: 40 (¬2) ابن كثير: 2/ 95

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم - الإحسان في جواب من سأله عنه بقوله: "الْإِحْسَانُ: أن تَعْبد الله كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَّمْ تَكُنْ تَرَاهُ فِإِنَّهُ يَرَاكَ" كما جاءَ في الصحيحين عن عمر. ويستفاد من الآية الكريمة: أَن من مات - قبل تحريم الخمر أو بعد تحريمها - وكان ملتزما بما جاءَ فيها - كان بمنجاةٍ من عذاب الله. كما يستفاد منها: أنه ينبغي للمؤْمن، أَن يترقَّي في معارج التقوى, حتى يصل إلى درجة الإِحسان. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)}. المفردات: (لَيَبْلُوَنَّكمْ): الابتلاءُ؛ الاختبار.

(بِشَئٍ مِّنَ الصَّيدِ): الصيد: ما صِيدَ من حيوان البحر، ومن حيوان البر الوحشية، ومن الطيور. (تَنَالُهُ أيْدِيكُم وَرِمَاحُكُم): يراد به كثرته وسهوله اصطياده. روى عن ابن عباس: أَنه ما تناله الأيدى: الصغار والفراخ من الصيد. وما يؤخذ وينال بالرماح الكبار. (لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُه بِالْغَيْبِ): أي ليعاملكم معاملة المختبر، الذي يريد أَن يعلم الشيء علم وقوع - وإن كان سبحانه وتعالى يعلمه علم غيب - فهو علام الغيوب. (وَأَنتُمْ حُرُم) الحُرم: جمع حرام. ويطلق على الذكر والأُنثى. يقال: رجل وامرأَة حرام. أَي رجل محرم وامرأَة محرمة: بحج أَو عمرة. (مِنَ النَّعَمِ) النعم: الأنعام من الإِبل والبقر والغنم. (أوْ عَدْلُ ذَلِكَ) العَدل (بفتح العين): المعادل للشىء، والمساوى له مما يدرك بالعقل والعِدل (بكسر العين): المساوى للشىء مما يدرك بالحس. (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) الوبال: من الوبل والوابل. وهو: المطر الثقيل. وطعامٌ وبيلٌ أي ثقيل. ويقال للأَمر الذي يُخْشىَ ضَرَرُهُ: هو وبال. (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) البحر المراد به: الماء الكثير الذي يوجد فيه السَّمَك، كالأنهار. والبِرَك ونحوها ... وصيد البحر ما يصاد منه مما يعيش فيه عامة. (وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ) وطعام البحر: ما قذف به إِلى ساحله. (وَلِلسَّيَّارَةِ) والسيارة: هم المسافرون، يتزودون منه. (الَّذِي إِليْهِ تُحْشَرُونَ): أَي تجمعون وتساقون إليه يوم القيامة.

التفسير 94 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ... } الآية. بعد أَن سبق النهي عن تحريم ما أحل الله تعالى من الطيبات، ثم استثنى الله الخمر والميسر. استثنى هنا مما يحل: الصيد في حال الإِحرام. وأوجب جزاءً على قتله. وأوضح أن صيد البحر وطعامه حلال. سبب النزول: نزلت هذه الآية، عام الحديبية، حين أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وكانوا أَلفا وأَربعمائة: أَحرموا بالعمرة من ذي الحليفة. وأرسل النبي عليه السلام، عثمانَ لأَهل مكة بخبرهم: أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قاصدٌ زيارةَ بيتِ الله، فجلسوا ينتظرون عثمان. فكانت وحوش البر والطيور تأتي إليهم من كل فج. فنزلت هذه الآية. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}: والمعنى: يَأَيُّها الّذِينَ آمَنُوا ليختبرَنكم الله - وأنتم محرمون - ببعضٍ من الصيد، يسهل عليكم تناوله، بحيث تناله أَيديكم ورماحكم. {لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ}: ليعلم الله - علمًا كاشفا - مَن يخافه ويخشاه فينفذ أَوامره ويجتنب نواهيه وهو لا يرى الله سبحانه لقوة إِيمانه. والمقصود بالعلم: العلم التنجيزي الواقعي - أَي العلم الكاشف فإنه تعالى قد عَلِمَ أزلا ما سوف يكون عليه حال عباده في سِرِّهِم وجهرهم. (فَمَنِ اعْتَدَى): فاصطاد. (بَعْدَ ذَلِكَ): أي بعد الابتلاء. (فَلَهُ عَذَاب أَلِيمٌ): أَي شديد الإيلام. لأَن من لا يملك نفسه - في هذا الموطن ولا يرعى جانب الله ولا يخشاه - كيف يكون حاله وشأنه فيما هو أَشد من هذا الابتلاء، مما تكون النفس إِليه أميل. وعليه أَحرص؟!

95 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... } الآية. سبب النزول: يروى المفسرون: أن أَبا اليسر، قتل حمارًا وحشيًّا - عمدًا - وهو محرم، فنزلت. والمعنى: يأيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد، وأَنتم محرمون بِحَج أَو عمرَة. والمراد بالقتل: ما يعم الذبح وغيره. والمراد بالصيد: المصيد. وخصه بعض الفقهاءِ بما يؤكل لحمه؛ لأَنه الغالب فيه عرفا. والجمهور، على أن غير المأكول يحرم قتله أيضًا. ولا يستثنى من ذلك، إِلا ما نصَّ عليه في قوله عليه الصلاة والسلام: "خَمْسُ فواسق: يُقتَلْنَ في الْحِلِّ وَالحَرَم: الغرابُ، والحدأةُ، والعقربُ، والفأْرةُ، والكلبُ العقورُ" (¬1). وقد أَلحق مالك وأَحمدُ بالكلب العقور: الذئبَ، والسبعَ، والنمرَ، والفهد، لأنها أَشد ضررا منها. وهكذا كل ما يكون خطرًا على حياة الإِنسان. ولما كان قتل الصيد - في حال الإحرام - ذنبًا كبيرًا كرّر النهي عنه - في هذه السورة - أربع مرات: أولها: في قوله تعالى في أول السورة: { ... غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. وثانيها: في قوله عز وجل: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ... }. وثالثها: في قوله تعالى: { ... لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... }. ورابعها: في قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ... }. {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}: أَي ومن تعمد منكم قتل الصيد، أَو كان له دخل في قتله، سواءٌ أقتله في الحَرم أَم في خارجه. وكذلك من قتله في الحرم - وهو غير محرم - فعليه في كل حالة مما ذكر جزاءٌ من النعم مماثل لِمَا قَتَلهُ إن وجد. ¬

_ (¬1) أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها.

وقد اختلف في المراد بالمثل: فقيل: هو النظير أَي الشبيه. ففي الظبية: شاة. وفي النعامة: بعير. روى الدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الضبع إِذَا أَصابَهُ الْمُحْرِمُ: كَبْشٌ. وَفي الظَّبْى: شَاةٌ. وَفي الأرْنَبِ: عنَاقٌ (¬1). وَفي اليَرْبوع (¬2): جَفْرَة" (¬3). وقيل المراد بالمثل: قيمة الصيد المقتول - يُقَوَّمُ في المكان الذي صِيدَ فيه، أو في أَقرب الأماكن إِليه، ويراعى زمان القتل في التقدير لأن القيمة تتفاوت باعتبار الزمان والمكان. وقوله تعالى: (مُتَعَمدًا) ليس قيدًا لوجوب الجزاء والكفارة. فإن الخطأَ مثل العمد في الكفارة المذكورة. فالتعبير بقوله: (مُتَعَمِّدًا) لبيان الواقع. لأن الآية - كما سبق - نزلت في أبي اليسر لَمَّا قَتلَ - عمدًا - حِمارًا وحشيَّا وهو محرم. وإن لم يوجد هذا المماثل من النعم، وجبت قيمة هذا المماثل - في محل الصيد - أو في أَقرب الأماكن إليه. ويرجع في المزيد في هذا، إلى التفصيل في كتب الفقه. {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}: أَي يحكم ويقضى بالمماثل للمقتول من صيد الحَرم: رجلان عدلان من المؤمنين؛ لأن المماثلة بين النعم والصيد، مما يخفى على أكثر الناس. وما لا مثل له من النَّعم، يحكم العدلان فيه بالقيمة. {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}: هذه العبارة مرتبطة بقوله: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... } إِلخ. والمعنى: إن جزاءَ الصيد الذي يحكم به العدلان، يكون هدية تبلغ الحرم المكى، أي تساق إِليه وتذبح فيه وتوزع على الفقراء. ¬

_ (¬1) العناق: الأنثى من ولد الماعز قبل أن تبلغ سنة. (¬2) اليربوع: دابة صغيرة تشبه الفأر. (¬3) الجفرة: الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة أشهر.

{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}: المعنى: أَن من قتل الصيد وهو محرم، أَو قتله في الحرم وهو غير محرم؛ فهو غير بين ثلاثة أُمور: الجزاءُ بالمثل - كما سبق بيانه - أَو إطعام المساكين، أَو الصيام. فأَما الإِطعام: فبقيمة ما قتِل من الصيد ... وأَما الصيام: فصيام أَيام بعدد الأَمداد - جمع مُدَّ - التي يُقوم بها الصَّومُ ... لكل مُدَّ يوم. ويرجع في تفصيل ذلك إِلى المراجع الفقهية. فإِنها أَوْفى ... وظاهر الآية: يفيد التخيير بين الكفارات الثلاث، كما قلنا. وعليه المذاهب الأَربعة (¬1). وذهب ابن عباس، إِلى أَنه لا يُنتقل من كفارةٍ إِلى أخرى، إِلا إِذا عجز عن التي قبلها {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}: أَي أَوجب الله هذا الجزاءَ السابق، على قاتل الصيد، ليذوق عقاب جنايته، لهتكه حرمة الإِحرام أَو الحرمِ. {عَفَا اللهُ عَمُّا سَلَفَ}: أَي عفا الله عما تقدم من قتلكم الصيد - قبل نزول هذا الجزاء: فلا يكلفكم بالجزاء عنه ولا يعاقبكم عليه. {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ}: أَي ومن عاد إِلى قتل الصيد - بعد نزول هذه الآية - فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك، الكفارة. قال ابن جريج: "قلت لعطاء: فهل في العَوْدِ من حدّ تَعْلَمُه؟ قال: لا. قال: قلت: فترى حقا على الإِمام أَن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أَذنبه فيما بينه وبين الله عز وجل ولكن يفتدى" (¬2). ¬

_ (¬1) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة. (¬2) رواه ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير.

{وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}: أَي والله منيع في سلطانه, لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن عصاه مانع. 96 - {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ... } الآية. المراد بالبحر: ما يعم المياه العذبة والملحة. والمراد بصيده: ما صيد منه. فهو حلال كله. سواء أَكان صيده للطعام كالسمك، أم لغيره من وجوه النفع الأخرى، كاللؤلؤ والمرجان. (وَطَعَامُهُ): أَي وأَكل ما يصلح للأكل منه، سواء أخذ من البحر حيًّا أَم ميتًا، لقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: "هُوَ الطهُورُ مَاؤه، الْحِل مَيْتَتُهُ" (¬1). وإنما تحل ميتة البحر، ما لم يتسرب إليها الفساد. (مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ): أَي يتمتعُ بصيد البَرِّ وينتفع به المقيم والمسافر. {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَر مَا دُمْتمْ حُرُمًا}: أَي وحرَّم اللهُ عليكم اصطياد حيوان البر - أَو طيره - ما دمتم محرمين. بخلاف ما صاده غير المحرمين، أَو ما صِدْتُموه قبل إِحرامكم. فليس محرَّما عليكم أَن تأْكلوه ولو في حال إحرامكم. {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}: أي وخافو الله، واحذروا مخالفته، والتزموا طاعته، فيما أَمركم به من فرائضه، وفيما حذَّركم ونهاكم عنه، من جميع محارمه. فهو الذي إِليه - وخده - مرجعكم ومآلكم، فيجازيكم على طاعتكم أو معصيتكم. ¬

_ (¬1) أخرجه مالك والنسائي.

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. المفردات: (قِيَامًا للناسِ): ما يَقوم به أَمر الناس، ويُصلح شأنهم: في دينهم ودنياهم. (وَالشهْرَ الْحَرَامَ): الحرام؛ (أل) في الشهر، للجنس. فيعم الأَشهر الحرم الأَربعة. وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وقيل: "الشهر" هو شهر ذي الحجة. (وَالْهَدْىَ): ما يهدى إِلى الحرم من الأنعام قربة إِلى الله، للتوسعة على فقراء الحرم. (وَالقلَائِدَ): جمع قلادة، وهي كل ما علق على أسنمة الأنعام وأَعناقها، علامة على أنها لله. والمراد بالقلائد: ذوات القلائد إذا ساقوها هَدْيا. التفسير: 97 - {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ ... } الآية. لما تقدم - في الآية السابقة - النص عن الاصطياد في الحرم، ذكر هنا: أَن البيت الحرام كما جعله الله تعالى سببًا لأمن الطير والوحوش، جعله كذلك ملاذًا للناس وأمنًا من المخاوف وسببا لحصول الخيرات، وتحصيل البركات في الدنيا والآخرة. {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ}: أَي صيَّر الله الكعبة - التي هي البيت الحرام - قياما للناس أَي سببا لقيام وصلاح أمر دينهم ودنياهم .. فهى مركز الإِسلام الأَول. فصلاح أَمر الدين: بالحج إِليه وأَداء المناسك والعبادات. التي تُقَرِّبهُم إِلى الله تعالى. وصحة الصلاة باستقباله. وتقويم الشهور العربية، عن أَهلته.

وصلاح أَمر الدنيا وقيامها: بأَمنٍ داخل الحرم بسبب حرمة التعرض له، ويجبى إليه ثمرات كل شيء، وذلك لأَن مكة بلد لا زرع فيه ولا ضرع. فقد جعل الله الكعبة مُعَظَّمةً في القلوب يَفِدُ إِليها الناس من كل فج عميق، لأداءِ المناسك، وصار ذلك سببا في إِسباغ النعم على أهلها، إجابة لدعوة سيدنا إِبراهيم الخليل، صلوات الله وسلامه عليه. كما حكاه الله تعالى عنه في قوله سبحانه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (¬1). وَلقد حقق الله دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام، فأصبحت الكعبةُ مثابةً للناس وأَمْنًا لمن لاذ بها. كما صارت أَمنا لأَهلها على أَنفسهم وأموالهم. فقد كان العرب يغير بعضهم على بعض إِلا في الحرم. فلو لَقِىَ الرجلُ قَاتِلَ أَبيه أَوابنه، لم يتعرض له بسوءٍ. وقد أُثر عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: "لو ظَفِرْتُ فيه بقاتِلِ الخطاب - أَبيه - ما مَسَسْتُه". وكذلك جعل اللهُ الشهر الحرامَ سببًا لقيام الناس لأَن العرب كانوا يتقاتلون في سائر الأشهر، حتى إذا دخل الشهر الحرام، كفُّوا عن القتال، وزال الخوف والفزع، وباشروا الأسفار والتجارات. وهم آمنون على أَنفسهم وأموالهم. ولهذا كانوا يكتسبون - في الشهر الحرام - أَقواتهم التي تغنيهم وتسد حاجتهم طول العام. وكذلك جعل الله تعالى الهَدْىَ قياما للدين وللدنيا لأنه يُهْدَى إِلى البيت الحرام، ويُذبَح ويُفرق على فقراءَ الحرم ومساكينه. فيكون نسكا للمُهدِى: يُثَاب عليه، وقياما لمعيشة الفقراءِ والمساكين. وكذلك القلائد: أَي النعم المقلدة؛ جعلها الله سبحانه قياما للناس. فإن لحمها طعام لمساكين الحرم؛ يقوم به أَمر دنياهم. وثوابها يرجع إِلى من يقدمها. فيقوم بها أمر أُخراه. وتخصيصها بالذكر - مع شمول الهدى إِياها - لبيان أن الشر أَباح تقليد المهدي، لما فيه من إِظهار شعائر الله والمبالغة في منع التعرض لها. ¬

_ (¬1) إبراهيم، الآية: 37

{ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: أَي ذلك الذي شرعه الله؛ في شأن الكعبة والشهر الحرام والهدى والقلائد - ليعلم الناسُ ويتدبروا عظيمَ لُطْفِ الله؛ الذي يعلم شئون خلقه، ويعلم ما يحتاج إِليه أَهل هذا الإِقليم - الذي لا زرع فيه - من أَسباب الرزق، وأَن علمه محيط بكل شىءٍ. فلا تخفى عليه خافية. وفي تكرار العلم في {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}؛ توكيد، لإِحاطته تعالى بما كان، وبما هو كائن، وبما سيكون. {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)}. التفسير 98 - {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: بعد أَن بين الله - في الآيات السابقة - بعض مناسك الحج، عقب ذلك بالتحذير من عقابه لمن يخالف أمره، والترغيب في ثوابه ومغفرته لمن يتبع هداه. فقال: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَي اعلموا - أَيها المكلَّفون - أَن الله شديد العقاب، لمن اجترأَ منكم على حُرُماته، ولم يبال بأوامره ونواهيه، ولم يعقب سيئاته بالندم عليها والمتاب منها. واعلموا أن الله عظيم الغفران والرحمة، لمن تاب من ذنبه وعاد إلى ربه، وندم على ما فرط منه.

والآية قدمت الوعيد بالعقاب على الوعد بالغفران والرحمة، ليدرك الناس مبلغ خطورة الذنب. كيلا يُقدِموا عليه. فإن أَقدموا عليه - جهلا - سارعوا إلى المتاب منه؛ ندما واستغفارا، ليكونوا أَهلا لمغفرة الله ورحمته. 99 - {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}: أَي: ليس على الرسول إِلا أَن يبلغ ما أُنزِل إِليهِ من ربه. وقد أدى عليه الصلاة والسلام رساله ربه كاملة. فبشر وأَنذر، وأَعلن ذلك في حجة الوداع. وقال: "ألَا لِيُبلِّغ الشَّاهِدَ الغائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوعى لَهُ مِن بَعْضِ مَن سَمِعَهُ، أَلَا هَل بَلَّغْت؟ أَلا هَل بَلَّغت .. ؟ " (¬1) والله سبحانه وتعالى، يعلم ما تُظْهرون وما تُخفُون من طاعة ومعصية، فَيحَاسِبُكم عليه, ويجازيكم به، إِن خيرًا فخير. وإِن شَرًّا فشر. 100 - {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} الآية. المراد من الخبيث: ما يَعُمُّ الردئَ والحرامَ. والمراد مِن الطيب: ما يعم الجيدَ والحلال. وقد أَمر الله الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أَن يبلغ أُمَّتَه هذه القاعدة العامة التي لا يمارى فيها العقلاءُ. وهى أَنه: لا يستوى الخبيث والطيب , ولو كان الخبيث كثيرا والطيب قليلا. قليلا. فالطيب: من كل شئٍ - راجح محمود وإن قل. والخبيث: مرجوح مرذول، وإِن كثر!! وإن كان الأَمر كذلك, فلا يعقل أن يتقبل الله الخبيث - مهما كثر - ويدع الطيب وإن كان قليلا. فإن اللهَ طَيِّبٌ - لا يقبل إِلا طَّيبًا. ولذا، عقبه بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: أَي: اجعلوا لأَنفسكم وقاية من عقاب الله، يا أصحاب العقول السليمة، بفعل الطيب من الأعمال وترك خبيثها؛ لكي تفوزوا برضوان الله، وتنجوا من غضبه وعقابِه. ¬

_ (¬1) صحيح البخاري في حجة الوداع.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ}. التفسير 101 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... } الآية. بين الله تعالى - فيما سبق - أَن وظيفة الرسول هي: التبليغ وبيانُ شرع الله. وقد أَدى الرسول ما أُوحِىَ إِليه من ربه، وبرئت ذمته. واستطرد الحديث، إِلى الكلام على حال العباد، وأَعمالهم، ومكاسبهم، ومبلغ تأَثرهم بالرسالة. فناسَبَ - بعد ذلك - أن يُنبِّه المؤْمنين: إِلى أَنه لا ينبغي لهم أن يكثروا على الرسول من السؤَال، حتى لا يؤَدي ذلك إِلى كثرة التكاليف، فيشقَّ لجهم ذلك فيقعوا في الحرج، ويعجزوا عن القيام بما يُكَلَّفون به، ويخالفوا أَوامر الله، ويكونوا من صنف الخبيث من الناس. فيبوءُوا بغضب الله وسخطه. سبب النزول: روى الإِمام أَحمد - بسنده - عن عليّ قال: "لما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}. قَالُوا: يَا رَسُول اللهِ، أَفِي كُلِّ عام؟ فَسَكَت، فَقَالُوا: أَفِى كلِّ عَام؟ فَسَكتَ. ثُمَّ قَالُوا: أَفِى كُلِّ عَام؟ فَقَالَ: لاَ .. وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ ... وَلَوْ وَجَبَتْ, لَمَا استَطَعتم"؛ فأَنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... } الآية.

وروى البخاري - بسنده، عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط. وقال فيها: "لَوْ تعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكتمْ قَليلًا ولَبكَيْتُمْ كَثيرًا" قال، فغطَّى أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وُجُوهَهم - لهم حنينٌ - فقال رجل: مَنْ أَبى؟ فقال: فلان ... فنزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}: أي: يأَيَّهَا الذين آمنوا - لا تسأَلوا رسول الله عن أَشياءَ من أمور الدين ودقائق التكاليف. أَو من أمور الغيب , أَو الأَسرار الخفية، أَو غير ذلك - حتى لا يحرجكم بيانه أو يحزنكم ويسوءَكم سماعه: إِما بتشريعِ ما يشق عليكم، أَو بذكَرِ أَسرار تفضح أَهلها. {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ}: أَي: وإِن تسأَلوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم , عن تلك الأَشياء - في زمان نزول الوحى ووجود الرسول بينكم - فإِن الله تعالى يُظْهِرها ويُبْديها لكم على لسان رسوله. وفي هذا تحذير من السؤال عن أَشياء: يكون من شأْن إِبدائها، حرج للسائلين. أَما السؤال لغرض التَّفَقُهِ أَو الحكم في أَمر ديني، فلا مانع منه. كما وقع في شأن تحريم الخمر، بعد نزول آية البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ... } (¬1) الآية. فقد سأَل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وكرَّر المسألة: "اللَهُمَّ بَيِّنْ لَنَا في الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا". حتى انتهى التشريع إِلى تحريم الخمر تحريما قاطعا. {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}: أي: عفا الله عما سلف من مساءَلتكم عنها قبل التحريم. فلا تعودوا إِلى مثل ذلك فيما بعد. ومعنى قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}: أَي: عظيم الغفران والحلم، فلا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم من الذنوب فهو تعالى يعفو عن كثير. ¬

_ (¬1) البقرة، من الآية: 219

ثم بين لهم الآثارَ المترتبة على إلحافهم في السؤال فقال: 102 - {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ}: أَي قد سأل مثل هذه المسائل المنهِى عنها، قوم من قبلكم فأجيبوا، ثم لم يعملوا، فأَصبحوا بها كافرين. {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}. المفردات: (بَحِيرَةٍ): البحيرة؛ هي الناقة التي يبحرون أُذنها. أي يشقونها إِذا أنتجت خمسة أبطن. خامسها أُنثى. (سآئِبَة): السائبة؛ هي الناقة التي تُسيَّبُ بنذرها لآلهتهم فترعى حيث شاءت ولا يحمل عليها شئ. ولا يجز وبرها, ولا يُحْلَبُ لَبَنُها إلا لضيف. (وَصِيلَةٍ): الوصيلة؛ هي الشاه التي نصل أخاها. فقد كانوا إذا ولدت الشاه ذكرا: كان لآلهتهم. وإذا ولدت أُنثى: كانت لهم، وإن ولدت ذكرا وأُنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. (حَامٍ): الحامى؛ هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن, فيقولون: حمَىَ ظهره فلا يحمل عليه , ولا يمنع من ماءٍ ولا مرعى.

التفسير 103 - {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} الآية. بعد أَن نهى الله عن تحريم ما أَحل من الطيبات. وعن الاعتداء ومجاوزة الحد فيما، أحل أَو حَرم. وبعد أَن نهى عن كثرة السؤال كما قد يؤَدي إِلى مساءَلتهم وتكليفهم - بعد كل هذا - ناسب أن يُبيِّن ضلال أَهل الجاهلية، فيما حَرَّمُوه على أَنفسهم وما شرعوه، مما لم يأذن به الله تعالى، وفيما قلَّد فيه بعضهم بعضا، مبينا بطلان التقليد، وأَنه يتنافى مع العقل، والعلم, والدين الصحيح. فقال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ}: هذا رَدٌّ وإِنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية. وهو أَنهم كانوا إِذا نتِجت الناقة خمسة أَبطن - آخرها ذكر - بحروا أُذنها. أي شقوها. وخلَّوْا سبيلها، فلا تُركب ولا تُحلب. وكان الرجل منهم يقول: إن شُفيتُ، فناقتي سائبة. ويجعلها كالبحيرة: في تخلية سبلها, وإن ولدت ذكرا وأُنثى معا. قالوا: وصلت الأُنثى أَخاها فلا يُذبَحُ الذكر. وإِذا نتِجَت من صلب الفحل عشرة أَبطن. حرموا ظهره، ولم يمنعوه من ماءٍ ولا مرعى. وقالوا: قد حَمىَ ظهره. فمعنى قوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ}: أي: ما شرع الله ذلك ولا أَذِنَ به. وإنما هو مبتدع مختلق من عندهم. {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}: إذ يفعلون ما يفعلون ويزعمون - زورًا - أن الله تعالى يأمرهم به. وأول من سنَّ لأَهل الشرك تلك السنن الباطلة المنكرة, ونسبها إلى الله. هو عمرو بن لُحَىِّ الخزاعى، فهو الذي غير دِينَ إِبراهيم وإسماعيل, وبَحَر البحيرةَ وسيب السائبة. وحمى الحامى. وزعم أَن ذلك شَرْعُ إِبراهيم عليه السلام.

أَخرج ابن جرير، عن أَبي هريرة، قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكتم بن الجون: "يا أَكتمُ، عُرضتْ عليّ النارُ. فَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بنَ لُحَى بن قَمَعة ابن خِندف يَجُرُّ قُصبَهُ (¬1) في النارِ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُل، منكَ بِهِ وَلَا بِهِ مِنكَ. فقال أَكتمُ: أخشى أَن يضرنى شبهه يا رسول الله. فقال رسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم: لاَ .. إنَّكَ مُؤْمِنٌ. وَهُوَ كَافِرٌ. إِنه أَول من غَيّرَ دينَ إِسماعيل، وبحَر البحيرةَ، وسيّبَ السائبةَ، وحمى الحامىَ". {وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}: أن ذلك افتراءٌ؛ لأَنهم قلدوا فيه آباءَهم. والمعنى: ولكن الكافرين - من الرؤساءِ والكهان (¬2) - افتَرَوُا الباطل، وأَضافوه - زورا - إلى الله. أَمَّا أَكثرهم - وهم عوامهم الذين يَتَّبعونهم - فهم قوم لا يعقلون أَنه افتراءٌ باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأَنفسهم. لذلك قلدوهم واستمروا على تقليدهم. وفي هذه الجملة تنديد بقصور عقلهم، وسوء تقليدهم، لمن أَضلوهم من الكهان. 104 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... } الآية. هذا بيان لقصورهم، وانهماكهم في التقليد، دون أن يحَكِّموا عقولَهم. والمعنى: وإذا قال لهم الرسول: تعالَوْا إِلى ما أَنزل الله من تشريع، وإِلى الرسول ليبينه لكم، أَعرضوا ولم يستجيبوا لداعى الهُدَى والحق قائلين: كافينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والتشريع. فَردَّ الله تعالى عليهم بقوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}: أَي: أَيكفيهم ما وجدوا عليه الآباء، ولو كان أولئك الآباء جاهلين: لا يعلمون شيئًا من شرع الله، ولا يهتدون إلى سبيل الحق والرشاد؟ والاستفهام في قوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ}. للإِنكار والتوبيخ، والتعجيب من فرط جهالتهم، وتقليدهم الأَعمى. ¬

_ (¬1) القصب - بضم فسكون - المعى. وجمعه قصبان. (¬2) رجال الدين من المشركين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. التفسير 105 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... } الآية. بعد أَن نعى الله تعالى، على المشركين تقليدهم لآبائهم بغير علم, واتباعهم إِياهم. في ضلالهم، وأَبان: أَنهم لم تنفعهم المواعظ ولم يُجْدِهِم التذكير بتجهيل الآباءِ، بل استمرُّوا على تقليدهم وجهلهم - بعد كل هذا - أَمر الله المؤمنين أَن يقوَّموا أَنفسهم بالإِصلاح، والعلم النافع, والعمل الصالح. وأَوضح لهم: أَنهم إِذا التزموا الطريقَ المستقيم، لا يضيرهم - بعد ذلك - ضلال الضالين، وغواية الغاوين ... ومعنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}: أَي: التزموا إِصلاح انفسكم، واحفظوها من المعاصي، واعملوا خيرا يقربكم من الله تعالى، ويحفظكم من سخطه وعقابه. فإِنه لا يضركم ضلال الضالين إِذا كنتم على هدى. روى الترمذي، عن أَبي أُمية الشيبانى. قال: "أَتيت أَبا ثعلبة الخشني فقلت له: ما تصنع في هذه الآية؟ فقال: أَيَّةُ آية؟ قلت: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}: قال: أَمَا والله، لقد سأَلت عنها خبيرا .. سأَلتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المنكَرِ، حتَّى إذا رأَيتَ شحًّا مُطاعا، وَهَوًى متَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإِعجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ برأْيه، فَعليْكَ بِخاصَّةِ نفْسِكَ .. ودَعْ عَنكَ العَوَامَّ، فإِنَّ مِن وَرَائِكُم أَيَّامًا: الصَّابِرُ فِيهنَّ، مِثْل القابضِ عَلى الجَمْرِ. للعامل فِيهنَّ أَجْرُ خَمْسِين رَجُلا يَعْمَلونَ كَعَمَلِكُم".

وزاد في رواية أُخرى "قيل: يا رسول الله أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَو منْهُم؟ " قال: "بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ منْكُم". وروى ابن كثير، عن الإمام أحمد: أن أَبا بكر رضي الله عنه قام فحمد الله، وأَثنى عليه. ثم قال: "أَيها الناُس، إِنكم تَقْرَءُون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}: وإِنكم تضعونها على غير موضعها. وإِني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ الناسَ إِذَا رأَوا المنكر ولم يُغيَّرُوهُ، يُوشِكُ الله - عزَّ وجل - أن يَعُمَّهُم بِعقابِه". وظاهر هذه الآية، يوهم أَن الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد يسقطان عن المستقيم الصالح، إِذا رأَى الضال مصرًّا على ضلاله. ولكنَّ فهْمَ الآية على هذا الوجه خطأ. فإِن الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر - لا يسقط وجوبهما عن القادر عليهما بحال من الأَحوال. قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... } (¬1) وقال تعالى: "كُنتُم خَيْرَ أمَّةٍ أخرِجَتْ للناس تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتنهونَ عَنِ الْمُنكر وَتُؤْمِنُون بِالله ... " (¬2) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "وَالذى نَفْسِى بِيَدِهِ. لتأمُرنَّ بِالْمعْرُوفِ وَلتَنْهَوُن عن المنكَر، أَوْ لَيوشِكن الله أن يَبعَثَ عَليْكُم عِقَابًا مِّن عِندِه، ثم لتَدْعُنَّه فَلَا يَسْتَجيبُ لَكُمْ". وقد لعن الله اليهود؛ لأَنهم: "كانُوا لَا يَتَنَاهوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ... " (¬3). وقد سبق شرح هذه الآية. {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: أي: إِليه وحده ,رجوعكم جميعًا: من ضل ومن اهتدى. فيخبركم - عند الحساب - بما قدمتم من أَعمال، ويجزيكم على حسب ما علمه من هدايتكم أَو ضلالكم. وفي هذا وعد للمهتدين، ووعيد للضالين، وأَنه لا يُؤَاخِذُ أَحدا بذنب غيره. لهذا كله، يجب تأْويل الآية كما يلي: ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية: 104 (¬2) آل عمران، من الآية: 110 (¬3) المائدة, من الآية: 79

يَأَيها الذين آمنوا، عليكم إِصلاح أَنفسكم، بفعل ما أُمِرتُم به من التزام الحق والدعوة إِليه، وتَركِ الباطل والنَّهْي عنه. لا يضركم - بعد هذا - ضلالُ من ضل، إِذا اهتديتم. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... } (¬1). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)}. المفردات: (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ): الشهادة؛ قول صادر عن علم حصل، بطريق البصر أو السمع، أَو بهما جميعًا. ¬

_ (¬1) فاطر، من الآية: 18

{إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ}: أَي سافرتم فيها. {تَحْبِسُونَهُمَا}: أَي تُمسكونهما، وتمنعونهما من الانطلاق والهرب. (إِنِ ارْتَبْتُمْ): أَي شَككتم في صدقهما فيما يُقِرَّان به. (لَمِنَ الْآثِمِينَ): أَي العاصين. (فَإِنْ عُثِرَ): عثر من العثور على الشيء، وهو؛ الاطلاع عليه من غير سبق طلب له. وأَعثره عليه: وقَفَه عليه، فأَعلمه به، من حيث لم يكن يتوقع ذلك. التفسير 106 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ... } الآية. لمّا بين الله تعالى - في الآية السابقة - أَن المرجع إليه وحده بعد الموت، وأَنه هو الذي يتولى الحساب، وجزاء المحسن والمسىء، أَرشدنا سبحانه - في هذه الآية - إِلى أَنه يلزم - في الوصية قبل الموت - الإِشهاد عليها، حفاظا على أَداءِ الحقوق الموصَّى بها لمستحقيها. سبب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "خرج رجل من بني سهم مع تميم الدارى وعدى ابن بداء، فمات السهمى بأَرضٍ ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوصا بالذهب فأَحلفهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، بالله تعالى: ما كتمتما ولا اطلعتما. ثم وُجِد الجامُ بمكة. فقيل اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أَولياء السهمى، فحلفا بالله؛ لشهادتنا أَحق من شهادتهما. وإِن الجامَ لصاحبهم .. وفيهم نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية" (¬1). ¬

_ (¬1) البخاري في التاريخ والترمذي، وحسنه ابن جرير وابن المنذر.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ}: أَعلَمَ اللهُ سبحانه المؤمنين: أَن الشهادة المشروعة بينهم - حين الوصية - هي شهادة اثنين من أَصحاب العدالة والتقوى: يُشْهِدهما الموصِى على وصيته، فيتحملان هذه الشهادة، لأدائها عند الحاجة. (مِنكُمْ): أَي من المؤمنين، وقيل: من أَقارب الموصِى. (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ): أَي من غير المسلمين. فكأَنه قال: أَو شهادة اثنين آخرين من غير المسلمين. {إِنْ أَنتُمْ ضرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ): أَي: إِن أَنتم سافرتم في الأَرض، ونزلت بكم مصيبة الموت، وأَردتم الإِيصاءَ. فأَشهِدوا عَدْلَيْن من أَقارب الموصى أَو من المؤمنين أَو آخرَين من أَهل الذمة. أَي فأَشهدوا عدلَين منكم معشر المؤمنين. وقيل عَدْلَيْن من أَقارب الموصى. وذلك إِذا تَيسَّرَ وجودهما. فإِن لم يتيسر وجودهما - بسبب السفر مثلا - فيجوز اختيارُ اثنين من أَهل الذمة. وقيل من غير أَقارب الموصى له. (تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ): تمنعونهما من الانصراف للتحليف بعد الصلاة. والمراد بالصلاة التي يُحْبَسان بعدها، صلاة العصر، لأَنه وقت اجتماع الناس، ولأَنَّ الحُكَّام كانوا يجلسون للقضاء في هذا الوقت بين الخصوم. وقيل: بعد أَي صلاةٍ كانت؛ لأَن الصلاة داعية إِلى النطق بالصدق، وناهية عن الكذب لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... } (¬1). والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، أَنه حلَّف عديا وتميما الداريَّ بعد العصر. وقد جرى العمل على هذا بين المسلمين. ¬

_ (¬1) العنكبوت، من الآية: 45

{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ}: فيقسمان عند ارتياب الورثة وشَكَّهم، فإِذا لم تكن ريبة. فَيُصَدَّق الشاهدان، لأَمانتهما وعدم الارتياب فيهما. {لَا نَشْترِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}: أَي لا نستبدل بالقَسمِ باللهِ عَرَضا زائلا من الدنيا. فلا نحلف بالله كاذبين، ولو كان القَسَمُ يحقق مصلحة لبعض الأَقارب، طمعا في عَرَض الدنيا. {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ}: أَي ويقول الحالفان - في يمينهما - ولا نكتم الشهادة التي أَمر الله تعالى بإِقامتها. كما قال تعالى: { ... وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ... } (¬1). وكقوله سبحانه: { ... وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ... } (¬2). {إنَّا إذًا لمن الْآثِمِينَ}: أَي: أننا إِذا اشترينا بالقسَمِ ثمنا، أَو راعينا فيه قرابة. بأَن كذبنا في الشهادة - ابتغاءَ المنفعة لأَنفسنا أَو لقرابتنا، أَو كتمنا الشهادة كلها أَو بعضها - كنا من الواقعين في الإِثم، المستحقين للعقوبة من الله عليه. 107 - {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ... } الآية. فإِن اطُّلِعَ - بعد القسم - على أَن الشاهِدَيْنِ الحالِفَيْنِ استحقَّا إِثما، بسبب الكذب أَو الكتمان في الشهادة، أَو الخيانة في شيء من التركة: التي تحت أَيديهما - فَعدْلان آخران من أَقرباء الميت: الذين وجب عليهم آداء الشهادة والقسم - وهذان الشاهدان هما: الأَوْلَيان بالشهادة والقسم. من سائر أَقرباء الميت، لقوة قرابتهما من الميت واستحقاقهما في وصيته. فيحلفان بالله قائِلَيْن: لَشهادَتنا أَحَقُّ وأَولى بالقبول من شهادة الشاهدين الآثمين السابقين وما تجاوزنا الحق فيما شهدنا به، وأَقسمنا عليه. ¬

_ (¬1) الطلاق، من الآية: 2 (¬2) البقرة، من الآية: 283

{إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}: أَي: إِنا - إِذا اعتدينا عليهما، ونسبنا إِليهما الباطل، وأَقسمنا زورا وبهتانا - لنكونن حينئذ, من الظالمين: لهما بالكذب عليهما، ولأنفسنا بتعريضها لسخط الله وعقابه. 108 - {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ... } الآية. بيان للحكمة في مشروعية الشهادة، وهذه الأَيْمَان. والمعنى: أَن ذلك التشريع الحكيم، الذي شرعناه , أَقرب إِلى أَن يؤدى المؤتمن على الوصيه. الشهادة على وجه الحق والعدل. بلا تغيير ولا تبديل. مراقبةً لجانب الله، وخوفًا من عقابه. فإن في أَداءِ الشاهدين للقَسَم - على مَلَإٍ من الناس بعد الصلاة - ما يبعث الرهبة من الله والخوف من عذابه, والرغبة في مثوبته وعظيم أَجره. والذى لا يرتقى إلى هذه المرتبة - من مخافة الله ومراقبته - فإِنه - قطعا - يخاف الافتضاح والتشهير به، بردّ اليمين على الورثة الأَقربين, حيث يقوم بالشهادة والحلف الأَوليان، والأَحقَّان بوصية الموصى. وفي ذلك من الخزى والفضيحة، ما فيه. {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا}: أَي: واتقوا الله تعالى - وراقبوه واسمعوا، وأَطيعوا، واحذروا أَن تحلفوا كاذبين في أَيمانكم، أَو أَن تخونوا في الأَمانات التي تحت أَيديكم. فإن لم تتقوا - ولم تسمعوا ما أُمرتم به , وما نهيتم عنه - كنتم الفاسقين الخارجين عن طاعة الله. {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}: إِلى سبيل الرشاد.

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)}. المفردات: (بِروحِ الْقُدُسِ): هو مَلَكُ االوَحْي؛ جبريل عليه السلام. (الكِتَابَ): الكتب السماوية، أَو الكتابة. (وَالْحِكْمَةَ): العلم الصحيح الذي يبعث الإِنسان على إِصابة الحق؛ في الرأْى والقول والعمل. (وَالتَّوْرَاةَ): الكتاب الذي أنزله الله على موسى، أَساسا لشريعته. ولا يسمى به إِلا الذي كان قبل التحريف. فما يتداوله اليهود الآن، يحرم تسميته التوراة. (وَالْإِنجِيلَ): الكتاب الذي أنزله الله على عيسى: أَساسا لشريعته. وينطبق عليه ما انطبق على التوراة في التسمية. (تخْلُقُ): تُصوِّر.

(الْأَكمه): مَن وُلِد أَعمى. (وَالْأَبرَصَ): المريض ببياض الجلد. والبرص: مرض جلدى يُغَيِّرُ لون البشرة إِلى البياض. (سِحْرٌ مبِينٌ): السحر؛ تمويه وتخييل. به يرى الإِنسان الشىء على غير حقيقته. التفسير 109 - {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ... } الآية. لمَّا أَوجب الله على عباده - في الآيات السابقة. إِقامة الشهادة على وجهها، وحذَّرهم من شهادة الزور، وأَمرهم بتقوى الله تعالى، عقب ذلك ببيان أَهوال يوم القيامة، حتى تتمكن خشية الله وتقواه من نفوسهم، ويعملوا بما كلفهم به. والمعنى: واذكر - أَيها المكلف - حين يجمع الله الرسل يوم القيامة. فيقول لهم: ماذا أُجبتم من أَقوامكم حين دعوتموهم إِلى توحيدي وطاعتي؟ أَهي إِجابة قبول؟ أَم إجابة رَدّ وإباء؟ وبما أَن الله تعالى - يعلم جواب الأُمم لرسلهم. فالمقصود بسؤال الله إياهم، وهو إِظهارُ أمانة الرسل وحرصِهم على تحرِّي الصدق فيما يقولون. ليكون ذلك تنبيها على وجوب تحرى الصدق في الشهادة, والبعد عن قول الزور؛ ولذا قال سبحانه حكاية عنهم: {قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}: أَي: يقولون للمولى - عَزَّ وجل - لا علم لنا بما أَجابونا به، أَهو موافق لقلوبهم؟ أَم مخالف لها؟ وكل ما عرفناه، ظاهر أَحوالهم. فمنهم من أَظهر الإِيمان فعاملناه معاملة المؤمنين، ومنهم من أَظهر الكفر فعاملناه معاملة الكافرين. أَمَّا أَمْرُ القلوب، فهو إِليك. إِنك أَنت علام الغيوب. وصدق الله إذ يقول: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (¬1). ¬

_ (¬1) غافر، الآية: 19

ثم شرع الله في حكاية ما أَجاب به بنو إسرائيل نبيَّهم عيسى عليه السلام، بعد أَن أيَّدَه الله بالمعجزات الباهرات, فقال: 110 - {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ... } الآية. في هذه الآية الكريمة، يذكِّر الله تعالى نبيَّه عيسى عليه السلام، بِنِعَمِه عليه وعلى والدته مريم عليهما السلام. حين أَيده بروح القدس؛ وهو جبريل عليه السلام. ومعنى روح القدس: الروح المطهر من شوائب النقص. وتأْييده لعيسى عليه السلام؛ أَنه صاحَبَهُ - من حين ولادته إِلى أَن رفعه الله إِليه. فأَما تأييده له - من حين ولادته - فذلك أَنه أَقدره على أَن يكلم الناس - بحكمة وعلم - وهو في المهد. قبل أَوان الكلام. ومن ذلك قوله لقومه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ... } (¬1). وذلك ردًّا على اتهامهم أُمَّهُ بسوءِ السلوك، حين ولدته دون زوج. وأَما تأْييده له في الكهولة: فهو إِعانته على تبليغه رسالة ربه. بنزوله بالوحي عليه, وإِظهار المعجزات على يديه. وقد جعل الله تأْييده عيسى بروح القدس نعمة عليه، وعلى والدته مريم - عليهما السلام - لما ترتب عليه من إِثبات كرامتهما على الله وطُهْر مَنشَئِه, ونظافة عِرْض أمه. وكذلك سائر النعم التي أَنعم الله بها على عيسى هي - في الوقت نفسه - نِعَمٌ على أُمه مريم عليهما السلام. والمعنى الإِجمالي للآية الكريمة: واذكر - أيها المتأَمل المُنصِف - وقت أَن قال الله لعيسى بن مريم؛ تذَكَّرْ نعمتى عليك يا عيسى وعلى والدتك حين قَوَّيْتُك وأعَنْتُكَ بجبريل الروح المطهر. وكان تأييدنا لك به: أَنك تكلم الناس - في مهد الطفولة, وفي زمان الكهولة - كلام الحكماء الراسخين في العلم، الملهمين من العليم الحكيم. ¬

_ (¬1) مريم, من الآيتين: 31,30

{وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}: وتذكَّر يا عيسى. نعمتى عليك، إِذ علمتك (الْكِتابَ): أَي جنس الكتاب. فيشمل الكتب السابقة؛ لأنها - جميعًا - متفقة في أصول العقيدة , وأُصول الشريعة. وعلمتك (الْحِكمَةَ): أَي سداد الرأْى، وإصابة الحق، وفَهْمَ أَسرار العلوم. (وَالتَّوْرَاةَ): التي أَنزلتها على موسى. (وَالْإِنجِيلَ): الذي أنزلته عليك لتكتمل بهما رسالتك. وخصهما بالذكر - مع شمول الكتاب لهما - لأَنهما أَهم الكتب التي أَنزلها الله على أنبياء بني إِسرائيل: ومنهما تؤخذ شريعتك. {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي}: وتذكَّرْ نعمتى عليك: إِذ تُصَوِّر من الطين مثل صورة الطير - بأَمرى وتَيْسِيرِى - فتنفخ في هذه الصورة فتكون طيرا حقيقيا بتيسيرى، ليكون ذلك آية لك. ولولا معونتى لما قدرت على تحقيق هذه المعجزة الباهرة. التي أَيدنا بها رسالتك، وحققنا بها نبوتك. وقد أفادت هذه الآية: أن عيسى - عليه السلام - لم يكن له عمل في شأْن تكوين الطير، سوى صنع صورته من الطين بتيسير الله، ونفخه في هذه الصورة بإِذن الله. أَما تحقيق الحياة للطير، فكان بِإذن الله وأَمره التكوينى، بعد اتخاذ عيسى - عليه السلام, تلك الأَسباب اليسيرة. التي لا علاقة لها بالتكوين أَصلا. {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي}: وتذكَّرْ يا عيسى، نعمتى عليك، حين تُبْرِئُ الأَكمه - وهو مَنْ وُلِد أَعمى - فتمنحُه الإِبصارَ بإِذن الله وتيسيره. وحين تخرج الموتى من قبورهم أَحياءً - بعد أَن صارت رميما - بإِذن الله تعالى وتيسيره. وليس لعيسى من ذلك إلا إِجراءُ الله ذلك على يديه. فالكُل فعل الله أَبرزه الله على يديه؛ تأْييدا له، ومعجزةً تَشُدّ أَزرَ دعوته.

ولهذا كرر الله إذنه في كل معجزة من هذه المعجزات. حتى لا يتسرب إلى الذهن: أن تلك الخوارق من صُنع عيسى الذاتى. {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}: واذكر يا عيسى، نعمتى عليك وعلى والدتك, حين منعت من أَراد السوءَ بك من بني إِسرائيل، حين جئتهم بالمعجزات الواضحات، سواء ما ذكِر منها هنا أَم في موضع آخر، كإِخبارهم بما يأكلون وما يَدَّخِرون في بيوتهم. فقال الكافرون منهم: ما هذا الذي جئت به إلا سِحْرٌ بَيِّنٌ واضح (¬1). {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}. المفردات: (الحَوَارِيَّينَ): واحدهم حوارىّ، وهو: منْ أَخلص سرًّا وجهرا في مودتك. وحواريُّو الأنبياءَ: المخلصون لهم. التفسير 111 - {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ... } الآية. والمراد بالإِيحاء هنا: الإِلهام. ومنه قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ... } (¬2). وهكذا أَلقى الله في قلوب الحواريين الإِيمانَ به وبرسوله عيسى عليه السلام. والمعنى على هذا: واذكر نعمتى عليك حين أَلهَمْتُ المخْلِصِينَ لك: أَن يؤْمنوا بي ربًّا، وبك يا عيسى رسولًا. فاستجابوا، وقالوا: آمنا بالله وبرسوله، واشهد بأَننا مخلصون. ¬

_ (¬1) راجع ما كتبناه في قصة عيسى ومريم عليهما السلام , في سورة آل عمران ابتداء من الآية: 45 إلى نهاية الآية: 51. (¬2) القصص، من الآية: 7.

{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)}. المفردات: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ): هل يستجيب ربك. (مَآئِدَةً): المائدة؛ الخوان الذي عليه الطعام , أَو الطعام نفسه. (تَكُون لَنَا عِيدًا): العيد؛ السُّرور، أو موسم السرور. (وَآيَةً مِّنكَ): أَي علامة على صدقى في دعوتى ونُبُوَّتى. التفسير 112 - {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ... } الآية. في هذه الآية - والثَّلاث التاليات لها - قِصَّةُ المائدة التي إِليها تُنْسَب هذه السورة. وهى من النعم التي أَنعم الله عزَّ وجل بها على عبده ورسوله عيسى عليه السلام.

والمعنى: واذكر أيها المتأَمل، حين قال الحواريون: يا عيسى بن مريم، هل يستجيب لك ربُّك إِذا سأَلته أَن ينزل علينا مائدة من السماءِ؟ {قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: قال عيسى: خافوا الله، فلا تقترحوا عليه الآيات، تَأَدُّبًا معه تعالى، إِن كنتم مؤمنين بما جئتكم به. 113 - {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ}: أي: نطلب المائدة لأربعة أَسباب؛ أَن نأْكل منها. وأَن تطمئن قلوبُنا بأَننا على الحق, بانضمام المشاهدة, واللمس، والذوق، والشم إِلى علم السمع. وأن نعلم - علم اليقين - أَنك قد صدقتنا فيما جئتنا به بعد أن علمناه بالبرهان. وأن نكون على هذه المعجزة من الشاهدين، عند الذين لم يَرَوْها من قومنا، لِيؤْمنَ كافِرُهم، ويزدادَ الذين آمنوا إيمانا. 114 - {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا ... } الآية. قال عيسى بن مريم - بعد أن علم من الحواريين أَن سؤالهم كان لزيادة العلم واليقين - يا الله، يا ربنا, ومالكَ أَمرنا، ومتولى تربيتنا: {أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ}: لأَول هذه الأمة وآخرها، واجعلْها آية منك وعلامة من لدنك: ترشد القوم إِلى صحه نُبُوَّتى. (وَارزقنَا): منها ومن غيرها. (وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقينَ): ترزق من تشاءُ بغير حساب. 115 - {قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ... } الآية. هذا وَعْدٌ من الله تعالى - بإِنزال المائدة. أَجاب به سؤال عيسى. وهو يقتضي أنه قد أنزلها, فإِن وعده الحق. وقد رتب الله - عز وجل - على هذا الوعد شرطا فقال سبحانه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ}: أَي: منْ يكْفر منكم - بعد نزول هذه الآية التي اقترحتموها - فإنى أَعذبه عذابا لا أُعذبه أَحدا من العالمين. حيث لا عذر لمن يرى الآيات تترى من رسوله، ثم يطلب بعد ذلك آية على النحو الذي اقترحه، فيجاب لها، ثم بعد ذلك يكفر!!

أَما صفة المائدة، وأَنواع طعامها، فلم يجىء فيها دليل يُعَوَّل عليه! ولهذا ينبغي أَلا ينساق القارئ إِلى ما يُرْوَى في ذلك من روايات. ويفوض الحقيقة لله. وما أَحسن قول بعض العلماءِ: العلمُ بذلك لا ينفع. والجهل به لا يضر!! {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)}. المفردات: (سُبْحَانَكَ): أَي تنزيها لك عما لا يليق بك. (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا): أَي رقيبًا، أَو شاهِدًا لأَحوالهم من كُفر وإِيمان. (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى): التوفى؛ أَخْذُ الشَّىْءَ وافيا كاملا، ومنه الموت؛ لأَن الميت استوفى أَجله. (الرَّقِيبَ): المطَّلِعَ على أَحوالهم.

التفسير 116 - {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... } الآية. أفادت هذه الآية: أن الله - سبحانه - يبكت أتباع عيسى على اتخاذه وأُمه إِلهَيْن من دون الله. وأَن عيسى - عليه السلام - تَبرَّأَ من دعواهم هذه. وأَشهد اللهَ على براءَته. ويرى بعضُ العلماءَ: أَن ما جاءَ في الآية حَدَثَ في الدنيا. ويرى آخرون: أَنه سَيحْدُثُ في الآخرة. والتعبير بلفظ (قال)؛ لتحققه. وإليه ذهب قتادة. والمعنى على هذا: واذكر يا محمد للناس، وقت قول الله - عزَّ وجل - في الآخرة؛ توبيخا للكفرة، وتبكيتا لهم: أَأَنت يا عيسى، قلت للناس: اتخذونى وأُمَىَ إلهَيْن من دون الله، مع أَنك أُرسلت إليهم بدعوة التوحيد؟ وقد نعى الله على الذين اتخذوا المسيح إِلها، في مواضع عدة من هذه السورة. وعبادة أمه كانت معروفة في الكنائس الشرقية والغربية، وسُمِّىَ الذين عبدوها: "المَرْيَمِيُّونَ" ... وهذه العبادة منها: ما هو صلاة ذات دعاء وثناء على المعبود. ومنها ما هو استغاثة، واستشفاع. ومنها ما هو صيام ينسب إِليها، ويسمى صيام العذراء. وكل ذلك يقترن بخضوع وخشوع لذكرها ولصورها ولتماثيلها، واعتقاد السلطة الغيبية لها، وأنها تنفع وتضر: في الدنيا والآخرة، إِما بنفسها أَو بواسطة ابنها. ويسمونها: "والدة الإِله". ولا تزال هذه الصور موجودة لدى طوائف المسيحيين على اختلاف مذاهبهم. (قَالَ سُبْحَانَكَ): أَي: تنزيهًا لك يا أَلله، عن أَن يكون معك إله آخر.

وبذا، نزَّه عيسى ربَّه - على رءُوس الأَشهاد - عن المشاركة في الذات والصفات، مع الخضوع لعزته والخوف من سطوته. {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}: أَي: ليس من شأْنى - ولا ينبغي لى - أَن أَدَّعِىَ لنفسى ما ليس من حقها، فأَنا مَرْبُوبٌ ولست برب، وعابد ولست بمعبود. وذلك القول - بافتراض صدوره مني، فقد علمته. إذ علْمكَ واسِع محيط بكل شيء: تعلم سِرِّى وما انطوى عليه ضميرى. ولا أَعم شيئا مما استأْثرتَ به من غيبك وعلمك، إِلا بِقَدْرِ ما تُظْهِره لي بالوحى. فالشك المفهوم من قوله: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} افتراضى لا حقيقى، ليقين عيسى عليه السلام بأَنه لم يقُلْه. {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}: إِنك أَنت المحيط بجميع الغيوب، لا يخفى عليك شيء منها، في الأَرض ولا فى السماء. ومن كان كذلك، فلا تخفى عليه براءَتى مما نسبه إِلَىَّ منْ أَلَّهُوني وأُمى. 117 - {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... } الآية. هذا تأْييد لعدم شكه، وأن الشك ادعائى أَو افتراضى، إِمعانا في العبودية، وإِعظاما للربوبية. أَي: ما قلتُ لهم إِلا ما أَمرتَنى بإِبلاغه إِليهم. وهو الأَمر بعبادة الله ربي وربهم؛ لأَن الله خصّنى بالرسالة إِليهم. وما كِان لرسول أَن يُغَيَّرَ في تبليغ الرسالة. {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ}: أي: وكنت عليهم مراقبا لأَحوالهم؛ مرشدا لهم مدة بقائى بينهم. (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي): أَي: فلما رَفَعْتَنِي إِليك؛ مستوفيا ما قدرته لي؛ إِنجاءً لي من كيد بني إِسرائيل وتدبيرهم لقتلى.

وقد جاءَ التَّوَفِّى بهذا المعنى، في قوله تعالى: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... } (¬1). ولا ينبغي أَن يحمل على الإِماتة؛ لأَن إِماتة عيسَى - في الوقت الذي كان فيه بنو إِسرائيل يتربصون له , ويتحينون الفرصة للفَتْك به - ليس فيها تكريم له. {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}: كنت أَنت المطلع عليهم دونى، والعليمَ بأَحوالهم؛ لأَنى شَهِدتُ من أَفعالهم ما عملوه مدة وجودى معهم. {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}: أي: أنت وحدك المحيط علمًا بكل شيء. فلا تخفى عليك أَحوالهم ولا أَحوال غيرهم. 118 - {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: أَي: إِن تعذبْ من أَرسلتنى إِليهم وقمتُ بتبليغهم ما أَمرتنى به من توحيدك وعبادتك، فآمن منهم مَنْ آمَن، وكفر منهم مَنْ كَفر - فإِنما تعذب بالعدل من يستحق التعذيب، لكفرهم بعد وجوب الحجة عليهم، وإِن تغفرْ لمن آمن - وكان أَهلا لفضلك - فذلك تَفَضلٌ منك وأَنت العزيز الغالب لا يمتنع عليك ما تريد. الحكيم في تَصرفك وصُنْعِك: تضع كل جزاء في موضعه. {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)}. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، من الآية: 55

التفسير 119 - {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ... } الآية. هذه إِجابة من الله تعالى؛ يوم القيامة، وأَجابة بها عيسى عليه السلام؛ بعد ما تَبرَّأَ من ادعاءِ قومه ألوهيته، وألوهية أمه، ورد الأمر فيه الى الله تعالى. والمعنى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) في توحيد الله وعبادته في الدنيا، حتى لقوا ربهم. {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: أي: لهؤلاء الصادقين في توحيده، جنات تجرى من تحتها الأنهار، ثوابا جزيلا من عند الله؛ حيث رضى الله عنهم رضا ما بعده رضا، وذلك الفوز العظيم، لا مطلب لهم بعده. وبعد أن بين عز وجل، ما لأهل الصدق عنده من الجزاء الأوفى، بين عقبه - في ختام السورة - سعة ملكه وتفرده به، وشمول قدرته فقال: 120 - {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)}: أي: إن الملك كله، والقدرة المكاملة - في السموات والارض - لله وحده. فلا مُلك ولا تصرف لعيسى وأمه لا لغيرهما فيهما. فهما داخلان - ضمنا - تحت قبضته كسائر خلقه. وغايه ما أعطاهما: الكرامة لديه، والمنزلة الرفيعه بين عباده.

سورة الأنعام

سورة الأنعام وآيتها: 165 نزلت بعد الحجر هذه السوره مكية إلا بعض آيات فمدنية، وآياتها خمس وستون ومائة، نزلت بعد سورة الحجر. وقد نزلة دفعة واحدة. فعن ابن عباس أنها نزلت ليلا جملة. وهى تناسب سورة المائدة في أغراضها المختلفة. ومن ذلك محاجة أهل الكفر. ففي سورة المائدة دار الحجاج مع أهل الكتاب. وفي سورة الأنعام دار الحجاج مع من في مكة من المشركين والمبتدعين والمكذبين بالبعث والنشور. ومن ذلك أنهما - كلتيهما - تضمنتا أحكام الأطعمة، إلى غير ذلك من المناسبات وتنفرد - بكثرة ذكر الشرك والمشرك والمشركين - فقد ورد ذلك فيها في عشرين موضعا. ومن مقصدها: 1 - تقرير وحدانية الله تعالى - وما يجب له من صفات الكمال، وهدم عقيدة الشرك، وتقويض أركانه. بالحجة والبرهان. فقد قال العلماء في هذه السوره: إنها أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور. وعليها بنى المتكلمون أصول الدين. وقد بين الله تعالى - في صدرها أنه يستحق الحمد وحده، فإنه هو الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وذكر أن الكافرين يعدلون به آلهتهم، حيث جعلوها شركاء له في الألوهية، مع أنهم يقرون بأن هو الخالق لهذا الكون دون ألهتهم. كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ... } (¬1). ¬

_ (¬1) العنكبوت، من الآية: 61

ثم يتبع ذلك بالآيات البينات، الدالة على وحدنيته تعالى، حتى يصل إلى محاجة إبراهيم لقومه في شأن عبادة الأصنام والكواكب. وقد جاءت تلك المحاجة في أسلوب التنزل مع المشركين والتظاهر بأنه - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - يسايرهم في عائدهم، ليثبت لهم - في النهايه - فساد عبادتهم لها، ويقول لهم: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)). ثم يستمر السياق من آن لآخر، يذكر الناس بعظمة الله تعالى وتفرده بالألوهية، حتى تنتهى قبيل نهاية السورة بقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ... (164)). 2 - التنبيه إلى خطإ الكافرين في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم - وبيان أنهم وصلوا من العناد، إلى أنهم لو نزل عليهم كتاب من السماء ولمسوه بأيديهم، وتحققوا من نزوله من السماء، وكان هذا الكتاب يدعوهم إلى الإيمان بالرسل - لزعموا أنه سحر مبين، وجاء فيها عبد ذلك بيان فساد رأيهم في طلب أَيكون الرسول ملكا، وإذ أنه لو نزل بصورته الحقيقة لهلكوا؛ لأنهم لا يحتملون لقاءه. ولو نزل بصورة بشر لالتبس الأمر عليهم. 3 - تسلية الرسول بما أصاب الرسل قبله من سخرية أقوامهم بهم وتكذيبهم إيهاهم، وتهديد مكذبى الرسل بمثل عقابة المكذبين قبلهم. ثم يمضى الحجاج بين الرسل وبين قومه، في أنحاء السورة، ويبين تارة أن على قلوبهم أكنة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا. وتارة أُخرى أنهم إن يروا آية لا يؤمنوا بها، ويقولوا سحر مبين. ثم تمضى السورة في هذا الحوار، بين الحق الواضح والباطل الفاضح، حتى تدمغهم وتدحض حججهم.

4 - فقدان الكفار ميزات الإِنسانية، فهم مَوْتَى، والموتى لا يستجيبون إِلى الحق، وهم صم وبكم في الظلمات؛ وتهددهم بالإِبادة إِن استمروا على كفرهم: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)}. 5 - بيان الرحمة الإِلهية بالإِنسان وأَن الكفار { ... وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ... [91]}. وتذكر أَن الله أَمر الرسول أَن يقول - ردًّا على هذا الافتراءِ - {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ... [91]}. وتذكر لهم: آن القرآن كتاب - أَنزله الله - مبارك ومصدق لما تقدمه من الكتب السماوية وأَن الرسول مكلف أَن ينذر به أُمَّ القرى ومَنْ حولها، وأَن الذين يؤْمنون بالآخرة - أَينما كانوا على ظهر البسيطة - يؤْمنون به، وأَنه لا يوجد أَظلم ممن يفترى الكذبَ على الله، ويدعى أنه أُوحى إِليه شيء. وأَن مَن كذب على الله سيُجزَى يوم القيامة عذاب الهون. 6 - العودة إِلى دعوتهم إِلى الإِيمان بكتاب الله بصورة محببة، وذلك بقوله تعالى في أَواخر السورة: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)}. 7 - إِبراز حقيقة البعث، وإِقامة الأَدلة عليها، والكلام على الجزاء فيها، ووعْدُ المؤمنين بمزيد الثواب، ووعيد الكافرين بشديد العقاب. وقد بدأَ الحديث عن يوم القيامة بقوله تعالى في أَول السورة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)} ثم قال عز وجل: { ... لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ... [12]} ثم قال سبحانه: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)} ثم قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)}.

وهكذا مضت السورة تهتم بشأْن الحديث عن البعث. ومصير الناس إِلى ربهم، لكي يتبصروا في عواقب ما هم عليه، ويعملوا للخلاص من العذاب، ونَيْلِ جميل الثواب. وآخر ما جاء عنه في هذه السورة، قوله تعالى: { ... ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [164]. 8 - رسم معالم الدين الحق، ومناهج السلوك الفاضل. وأَعظمها: الإِيمان باللهِ، وتصديق الرسل، والإصلاح في جميع الأَعمال: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)}. ومن تلك المناهج: أن نُعرِضَ عمَّن يخوضون في آيات الله، حتى في حديث غيره. فإِن نسينا فلا نقعد بعد التذكرة مع القوم الظالمين (¬1). ومنها: دوام تذكير الذين اتخذوا دينهم لَعِبًا ولَهوًا، حتى لا تهلك نفس بما كسبت (¬2). ومن مناهج السلوك الفاضل أيضًا: إقامة الصلاة، وتقوى الله (¬3). ومنها: أَلَّا نَسُبَّ الذين يدعون من دون الله فَيَسُبُّوا الله عَدْوًا بغير علم (¬4). ومنها: تأثيم الذين يقتلون أولادهم سَفَها، والذين يُحَرِّمون ما في بطون الأَنعام عَلى الإِناث، ويُحِلُّونها للذكور: { ... وَإِن يَكُن مَّيْتَة فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ... (139)} وغير ذالك مما استحدثه المشركون في المطاعم، وحَرَّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله (¬5). وقد تبعها ببيان أَن الرسول لا يجد شيخا حرَّمه الله من المطاعم، إِلا أَن يكون ميتةً، أَو دما مسفوحا، أَو لَحْمَ خِنزير، أو ذبيحةً مذكورا عليها اسم غير الله، وأَن المضطر: يغفر الله له (¬6). ¬

_ (¬1) انظر الآية: 68 من سورة الأنعام. (¬2) انظر الآية: 69 من سورة الأنعام. (¬3) انظر الآية: 72 من سورة الأنعام. (¬4) انظر الآية: 108 من سورة الأنعام. (¬5) انظر الآيات من: 138 - 144 من سورة الأنعام. (¬6) انظر الآية: 145 من سورة الأنعام.

9 - بيان ما أَنعم الله علينا من إِنشاء جَنَّاتٍ معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أُكُله، والزيتون والرمان، متشابها وغير متشابه. 10 - وجوب زكاة الزرع، فأوجب عليهم أَن يُؤْتُوا حَقَّهُ يوم حصاده. 11 - الوصايا العشر التي تعتبر جماعا لشتى الفضائل، من: توحيدِ الله، والبِر بالوالدين، والابتعادِ عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعدم قتل النفس إِلا بالحق، والامتناعِ عن تناول مال اليتيم إِلا بالتي هي أَحسن حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، وإِيفاءِ الكيل والميزان بالقسط، والعدلِ في القولِ، ولو كان ضد الأَقارب، والوفاء بالعهد؛ واتباع سبيل الله دون غيرها (¬1). 12 - وجوب وَحْدة الدين، وعدم التَّفَرُّقِ فيه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ... (159)}. 13 - بيان أَن جزاءَ الناس على حسب أَعمالهم، ودرجة انبعاثها عن ضمائرهم ونفوسهم. كما قال تعالى: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)}) وأَنه لا تحمل نفس وزر نفس أخرى، { ... وَلَا تَكسِبُ كُلُّ نَفسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164)}. وأَن الجزاءَ على الأَعمال يتناول ظاهرها وباطنها. كما جاءَ في قوله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ... (120)}. 14 - كما اشتملت - في مقاصدها - على الحث على السياحة، والسير في الأَرض؛ للنظر والاعتبار قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}. 15 - الحث على البحث في علوم الكائنات، لمعرفة سنن الله الكونية الدالة على علمه وحكمته، ووافر قدرته ورحمته، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الله فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيَّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ ... } إلى قوله تعالى: {انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَاْ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ في ذَلِكُمْ لَاَيَاتٍ لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (¬2). ¬

_ (¬1) انظر الآيات من: 151 - 153.من سورة الأنعام. (¬2) الآيات: 95 - 99 من سورة الأنعام.

16 - بيان أَن عالَم الحيوان عالَم عظيم، يشبه - في أُموره الكثيرة - عالَمَ الإِنسان؛ {وَمَا مِن دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَلَا طَاَئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهٍ إِلَّا أمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطنَا في الْكِتَابِ مِن شَىْءً ... }. وتعتبر هذه الآية الكريمة أَساسا في علم الحيوان. 17 - كما اشتملت على أَنه تعالى، كتب على نفسِهِ الرحمة لمن تَاب؛ قال تعالى: { ... كَتَبَ ربُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَاب مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54)}. إِلى غير ذلك من عظائم الأمور، التي احتوتها هذه السورة الجليلة، التي تعتبر أَعظم دستور للحياة الصحيحة، والسلوك النظيف، والعقيدة المستقيمة. وكان نزولها بمكة، في صدر الإِسلام، حكمة من صنع الحكيم الخبير. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)}. المفردات: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}: أَي يُسوُّون به غيرَه، تعالى الله عن ذلك.

{ثُمَّ قَضَى أَجَلًا}: أَي قَدَّر حدًّا معينا من الزمان. {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ}: أَي وأَجلٌ آخرُ معينٌ عنده سبحانه وتعالى، لا يعلم وقتَ حلوله سواه، وهو وقت البعث والجزاء. {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}: أَي ثم أَنتم تَشُكُّون في البعث، وتجادلون فيه. التفسير 1 - {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... } الآية. الثناءُ بالجميل: مستحَق لله الذي أَبدع السموات، بما اشتملت عليه من مجرات عظيمة، ونجوم مُتَّقِدة، وكواكب منيرة، وكائنات وعجائب لا يعلمها سواه. وأَبدع الأَرض وما فيها من يابس وماءٍ، وهضاب ووهاد، وإِنسان وحيوان وزروع نضرة، وثمار نافعة، وغير ذلك من الروائع. {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ}: لتكون للناس سكنا. {وَالنُّورَ}: أَي وجعل النور، ليكون مجال نشاطهم، وسرّ الحياة لزروعهم وحيواناتهم. {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}: هذا تعجب من النتيجة أَي - مع هذا الإِبداع - الذين كفروا، يسوون ربهم - الذي أَبدع هذه الكائنات - بما لا يملك لهم خيرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا! 2 - {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ... } الآية. أَفادت هذه الآية: أَن الله تعالى، خلق الناس من طين. وهي تشير إلى المادة التي خلق الله منها آدم؛ أَصل البشرية.

وإذا كان أَصل الإِنسان من طين، فكل أَولاده - إلى يوم القيامة - يعتبرون مخلوقين من طين أَيضا، باعتبار أَصلهم. ويجوز أَن يراد من الآية: ما هو مشاهد، من أَن الطين مادة هامة في حياتنا. فمن الأَغذية التي تكونت من الطين، تحيا الكائنات. ولتلك الأَغذية دخل كبير في تكوين النطف والبويضات، التي هي أَساس الأَجيال الإِنسانية والحيوانية. على أَننا لو حللنا مادة الأَجسام البشرية إِلى عناصرها الأولية، لوجدناها من العناصر التي يتكون منها الطين. مثل الكربون والكلسيوم والحديد ... إِلخ. {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ}: أَي ثم قدر حدًّا معينا من الزمان - بَدْءًا ونهاية - لكم في هذه الدنيا، وقضى حدًّا من الزمان، تبعثون فيه: سماه الله عنده وعيَّنه لديه. لا يعلمه سواه. {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}: يطلق الامتراءُ على الشك، والجدل، والإِنكار، مع وضوح الأدلة ... وكُلٌّ من هذه المعاني، يجوز أن يراد هنا: أَي ثم أَنتم أَيها المشركون - مع وضوح هذه الدلائل - تَشُكُّون في الحق، وتجادلون فيه، وتصلون في جدالكم إِلى حد الإِنكار و {ثُمَّ} الأُولى: للترتيب الزمني. أَما الثانية: فلبيان تراخيهم في الاستجابة للحق وامترائهم فيه. 3 - {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ... } الآية. أَي: وهو الإِلَه المدبر المعبود، في السموات وفي الأَرض. {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}:

يعلم ما انطوت عليه قلوبكم، وما تفعلون بجوارحكم علانية. {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}: من الخير والشر، فيحصى ذلك عليكم، ليجازيكم به عند معادكم. وفي هذا استدعاءٌ للإِنسان الشارد عن الله، الغافل عن ذكره، المستخف بشرائعه: أن يعود إلى الله، وأن يخشاه، ويتقِيَ محارمه؛ لأن الله يطلع على كل ما ظهر وما بطن. {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)}. المفردات: {مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ}: المراد بالآيات؛ القرآن، أَو ما يعمه، من الآيات الكونية. {مُعْرِضِينَ}: الإِعراض؛ الانصراف عن الشىء. {مِن قَرْنٍ}: القرن؛ مدة من الزمان يعيش فيها أَهل عصر (¬1). وقد يطلق على أهله، وهو المراد هنا. ¬

_ (¬1) اختلف في تحديد مدة القرن، وأشهر الأقوال: أنه مائة سنة.

{مَكَّنَّاهُمْ في الْأرْضِ}: جعلناهم مُتَمَكِّنِينَ من التصرف فيها. {وَأرْسَلْنَا السَّمَاَءَ}: أَي المطر: وعَبَّر عنه بالسماءِ؛ لأنه ينزل منها. فإِن السحاب سماء. {مِدْرَارًا}: متتابعا. التفسير 4 - {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}: وما تأتيهم من حجة من حجج ربهم: دالة على وحدانية الله تعالى وصدق رسوله - سواءٌ أَكانت قرآنية أَم كونية - إلا قابلوها بالإِعراض عنها، وعدم التدبر فيها. 5 - {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ... } الآية. أَي فقد زادوا - على إِعراضهم - تكذيبهم بالحق حين جاءَهم على لسان محمَّد صلى الله عليه وسلم، من غير تَرَيُّث ولا تفكر. {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: الأَنباءُ: الأَخبار. والمراد بها هنا، ما أَنبأهم الله به من العقوبة على تكذيبهم. والمعنى: فسوف تأْتيهم العقوبات التي تَوعَّدَهم الله بها، جزاءَ تكذيبهم بالحق، وإِصرارهم على هذا التكذيب. 6 - {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ... } الآية. أي: أَلَم يعلم هؤلاءَ المكذبون - بمعاينة الآثار، وسماع الأَخبار - كم أَهلكنا قبلهم من أَهل قرن: مكناهم في الأَرض ما لم نمكن لكم، حيث مَنَحْناهم الغِنَى والسعة والاقتدار على التعمير. فعمروا الأَرض، وبَنَوُا الحصون والقصور. {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ}:

أَي وأَرسلنا عليهم السحاب يدر عليهم المطر الغزير، وجعلنا الأَنهار تجرى من تحت مساكنهم، وبين مزارعهم. فيستمتعون بحسن مرآها، وجماك جريانها، ولا يجدون صعوبة في الانتفاع بها. {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}: أَي فكان عاقبة أَمرهم: أن أهلكنا أهل كل قرن منهم، بسبب ذنوبهم التي كانوا يجتَرِحُونَها، وأوجدنا - من بعدهم - ناسا آخرين يصرون البلاد. وفي هذه الآية وعيد لأهل مكة، بمثل ما عوقبت به الأمم السابقة، من الإهلاك بكفرهم وذنوبهم، كما أُهلِك هؤلاءِ السابقون، ولم تغن عنهم قُوتَّهُمُ وتمكينهم شيئًا. {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)}. المفردات: {فِي قِرْطَاسٍ}: القرطاس؛ - بتثليث القاف، والكسر أشهر - ما يكتب فيه. {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}: اللمس؛ كالمس، إدراك الشىء بظاهر البشرة. وقد يستعمل بمعنى طلب الشىء والبحث عنه. والمراد هنا: الأَول. {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ}: أَي خداع وتمويه. {لَقُضِيَ الْأَمْرُ}: أَي أَمرُ إِهْلاكهم. {ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ}: أَي لا يمهَلون طرفة عين.

{وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ}: من اللَّبْسِ وهو: الخَلط. تقول: لَبَس الحق بالباطل يلبسُه به. أي خلطه به، حتى اشتبه على الناس. التفسير 7 - {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ... } الآية. لقد بلغ الحزن والأَسف، من الرسول صلوات الله وسلامه عليه كل مبلغ، لِتمسُّكِ قومه بالكفر به، مع وضوح برهانه، وقيام حجته. فبين الله في هذه الآيةِ: أَنه لا سبب لكفرهم، إِلا مجرد العناد والمكابرة. {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ} أَي يا محمد {كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} أَي كتابا مكتوبا في صحائفه فلمسوه بأَيديهم، وتيقنوا من معرفته وأَنه منزل من الله عليك. {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}: أَي لقال الذين كفروا: ما هذا الكتاب الذي نزل، إِلا سحرٌ بيِّنٌ واضح التمويه. وإنما قالوا ذلك، إِمعانا في الجحود والعناد. 8 - {وَقَالُوا لَوْلَاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ... } الآية. روى ابن المنذر، وابن أَبي حاتم، عن محمد بن إِسحق، في سبب نزول هذه الآية فقال: "دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قومَه إلى الإِسلام، وكلَّمهم فأَبلغ. فقال. زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحرث بن كَلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأُبَيُّ بن خلف، والعاصي بن وائل بن هشام: لو جُعِلَ معك يا محمد، مَلَكٌ يحدّث عنك الناس، ويُرى معك؟ ". فأَنزل الله في ذلك قوله: {وَقَالُوا لَوْلَاَ أنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ}: والمعنى: هلا أنزل على محمد ملكٌ نشاهده معه، ويخبرنا أَنه رسولٌ من عند الله، فيكونَ معه نذيرا؟

وقد أَجاب الله على مقالتهم بجوابين: الأول قوله تعالى: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ}: أَي لو أَنزلنا عليه ملكا، في صورته الحقيقية وشاهدوه بأَعينهم، لزهقت أَرواحهم من هول ما يشاهدون، من غير تأْخير أَوانتظار. أَو لأَن الله أَجرىَ سنته بأَن مَن طلب آية وأجيب لها فلم يؤْمن، عَذبه الله في الحال - عذاب استئصال. ومن أجل هذا، لم يستجب الله لِمُقتَرَحِ أَهل مكة، حتى لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إذا كذبوا، تكريما لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتحقيقا لوعده "وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذَبَهُمْ وَأنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعذِّبَهُمْ وَهمْ يَسْتَغْفِرُونَ" (¬1). والجواب الثاني قوله تعالى: 9 - {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}: أي لو جعلنا النذير الذي اقترحوا إِنزاله معه مَلَكا، لمثلناه رجلًا، لِيَقْوَوْا على مشاهدته وسماع كلامه، لعدم استطاعتهما رؤْية الْمَلَكِ على صورته الأصلية. ومن أجل هذا، كانت الملائكةُ تأتي الأَنبياء في صورة الإِنس أَحيانا. كما جاءَ جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في صورة دِحْية الكلبي. وكما أتت الملائكة إِلى إِبراهيم ولوط - عليه ما السلام - في صورة رجال. ولو جعلناه في صورة بشر ليأنسوا به، لاعتقدوا أَنه بشرٌ، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاتهِ التي تمثَّل بها. وحينئذ، يقعون في نفس اللَّبْسِ والاشتباه الذي وقعوا فيه، بسبب كَوْن الرسول بشرًا يقترحون جَعْلَه ملَكًا. وإذا كان إِرسال الْمَلَكِ سيؤَدى إلى هذه النتيجة - أَو تلك - فليس من الحكمة جعل الرسول مَلَكا. بل الحكمة: أَن يكون بشرا من بينهم، مؤيَّدا من الله بالمعجزات حتى يمكن الاقتداء به. ¬

_ (¬1) الأنفال، الآية: 33

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}. المفردات: {فَحَاقَ}: حاق به الأمر؛ أَحاط به. ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. التفسير 10 - {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوامَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: لما كان اقتراحُ المشركين إِنزالَ المَلَك على الرسول من باب الاستهزاء، أنزل الله تعالى هذه الآية، لتسليته صلى الله عليه وسلم بأَنَّ ما حَدَثَ له، قد حدث مثله لإخوانه المرسلين من قبله، ولتهديد المشركين بأَنهم سيصيبهم ما أَصاب مَنْ قبلهُم إن استمُّروا على كفرهم. أَخبر الله رسوله خبرا مؤكدا بصيغة القسم: أن الكفار قد استهزءوا برسل كرام قبلك، كما جاءَ في قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (¬1) فليس بدعًا ما تراه من صناديد الكفر من قريش. وقد استهزءوا بك وسخروا منك. فما ذلك منهم إِلا جَرْيا على آثار أَعداء حَملَةِ الهدى من عباد اللهِ قبلهم، وقد حاق بأولئك الساخرين من العذاب ما يستحقونه، جزاءَ أَفعالهم الشنيعة، وسوءَ صنيعهم مع مَن اصطفاهم ربهم من خلقه. ¬

_ (¬1) الحجر، الآية: 11

وفي الآية: 1 - تعليم للنبي صلى الله عليه وسلم، سُنَنَ الله في الأمم مع رسلهم. 2 - تسلية وعزاءٌ له مما يلقى من المشركين من عناد، وما يساق إليه منهم من ضُرٍّ وأَذى، وتثبيت لقلبه، وإِعانةٌ له على المضى في تبليغ رسالته. 3 - بشارة له بحسن العاقبة، وما سيكون له من نصرٍ وتأييد، وقد كان جزاءُ المستهزئين - بمن قبله من الرسل - عذابَ الخزي باستئصال. ولكن الله كفاه المستهزئين به، فأهلكهم ولم يجعلهم سببا لهلاك قولهم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهزِئِينَ} (¬1). ولما كان ما يحل بالمستهزئين بالرسل من الهلاك - بحسب سنة الله المطردة فيهم، مما يرتاب فيه مشركو مكة لجهلهم بالتاريخ، وعدم تسمليمهم بخبر الآية - أمر الله تعالى رسوله، بأَن يدلهم على الطريق الموصل إلى علم ذلك بأَنفسهم. فقال: 11 - {قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ ثُم انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}: أَي قلْ يا محمد، للمكذبين المستهزئين بك من قومك، المحبين للأَسفار مع الغفلة، عن شئون الأُمم، والاعتبار بعاقبة الماضين، وأَحوال المعاصرين: سافروا في الأَرض - كشأنكم وعادتكم - وتنقلوا في ديار أولئك الأُمم الذين مَكَّنَاهم في الأَرض، ثم انظروا - في أَثناء رحلاتكم صيفا أَو شتاءً - آثارَ ما حل بهم من دَمار ساحق، وعذاب أَليم. وتأَملوا كيف كانت آخرتهم ونهايتهم: بما تشاهدون من آثارهم، وما تسمعون من أَخبارهم، ليكون في ذلك لكم عبرةٌ إن لم تصدقوا ولم تزجرْكم حُجَجُ الله عليكم!! ¬

_ (¬1) الحجر، الآية: 95

{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)}. المفردات: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}: أَي أَوجبها على نفسه، فضلا منه وكرما. {وَلَهُ مَا سَكَنَ}: سكن، من السُّكنى. والمعنى: ما اشتمل عليه الليل والنهار. وقيل: سكن هنا؛ من السكون. والمعنى وله ما سكن في الليل والنهار وما تحرك. فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. كما جاءَ في قوله تعالى: { ... سَرَابِيلَ تَقِيكُمٌ الْحَرَّ ... } (¬1) أَي والبرد. {وَلِيًّا}: أَي ناصرًا ومعينًا. ¬

_ (¬1) النحل، من الآية: 81

{فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: مبدعهما على غير مثال يحتذى من الفَطر وهو: الإِبداع والإِيجاد. {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}: أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أَحد. {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ}: أَي يبعد عنه العذاب يوم القيامة. التفسير 12 - {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ ... } الآية. بَيَّنَ الله عَزَّ وَجَلَّ، في الآيات السابقة، أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث، والجزاء. وبَيَّنَ شبهاتِ الكفار على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، مع ما يدحضها. كما أَرشد رسولَهُ، إِلى سُنَّته فيمن كَذَّب الرسل، وأَن عاقِبتَهم الخِزْيُ والدمار. ثم قفّى على ذلك، ببيان أَدلة وجود الله ووحدانيته وشمول ملكه. والمعنى: قل أَيها الرسول، لقومك، الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن دعوتك: لِمَنْ هذا الكون: علويه وسفليه. بما فيه من عجائب وغرائب؟ {قُلْ لِلَّهِ}. وإِنما أَمر اللهُ رسولَه بأَن يتولى الإِجابة عنهم، لأَن هذا الجواب معترف به منهم: لا يسعهم إِنكارُه. فقد كانوا يعترفون بذلك. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... } (¬1) فإذا سأَلتهم: لِم تعبدون غيره من أصنام وأَوهام. وأَنتم معترفون بذلك؟ أَجابوا بقولهم: { ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ... } (¬2) والمقصود من السؤال - كما ذكر صاحب الكشاف - التبكيت والتوبيخ. {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}: ¬

_ (¬1) العنكبوت، من الآية: 61 (¬2) الزمر، من الآية: 3

أَي أَوجبها على نفسه، كَرَمًا منه وفضلًا. وقد شمِلَ برحمته في الدنيا المؤْمنَ والكافر، والْبَرَّ والفاجر. فلا تغترُّوا أَيها الكفار بما تنالون في الدنيا من رحمته. واعملوا ليومٍ يجمعكم فيه للحساب والجزاء. كما قال سبحانه: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ}: يؤكد الله تعالى في هذه الجملة: أَنه سَيُحْيِى الناسَ ويَبْعثُهم في يوم القيامة؛ الذي لا ينبغي أن يرتاب فيه عاقل. ولا ريب أَن تهديد الناس بهذا اليوم العصيب، يعتبر من رحمة الله بالناس. إذ لولا الخوف من عذاب الله يوم القيامة، لَعَمَّ الفسادُ في الأَرض. واختلت نُظمُ الاجتماع، وأَكَلَ القوىُّ الضعيف؛ - ولا وازع ولا زاجر - فصار من رحمة الله التهديد بهذا الجمع، لأَجل الحساب والجزاء. كما أَنه حافز للمؤمنين على زيادة الطاعة، رغبة في حسن الجزاءِ. {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: أَي الذين خسروا أنفسهم بإِهدار قواهم العقلية، وتعطيلها عن النظر في آيات الله، فهؤلاءَ، لا يؤْمنون بما دعوتهم إليه، من توحيد الله، والإيمان بيوم البعث والنشور. {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: هذا معطوف على ما قبله. أَي لله ما في السموات وما في الأَرض، {وَلَهُ مَا سَكَنَ في الليْلِ والنَّهَارِ}: أَي مَا اشتمل عليه الليلُ والنهارُ من موجودات. فكل ما طلع عليه النهار وغشيه الليل والظلام، هو في ملك الله وحده. وهو السميع لكل ما من شأنه أَن يُسمَع، العليم بكل ما من شأْنه أَن يُعلَم. سبحانه!! يعلم دبيبَ النملة في الليلة الظَّلْماء {يَعْلَمُ خَاَئِنَة الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (¬1)، { ... يَعْلَمُ مَا بيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُون بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء ... } (¬2). ¬

_ (¬1) غافر، الآية: 19 (¬2) البقرة، من الآية: 255

ومن كان كذلك، فلا يغيب عنه إيمان مؤمن، ولا كفر كافر، ولا دعوة داعٍ، ولا حاجة محتاج. 14 - {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ... } الآية. أَي قل يا محمد، وقد دعوك إِلى دين آبائك. إِن الله تعالى، أمرَك: أَن تنكل ما دعوكَ إِليه، من اتخاذ غير الله تعالى معبودا، وهو الذي له ما في السموات وما في الأرض. وله ما سكن في الليل والنهار - وهو الذي فطر السموات والأَرض، وأَبدعهما على غير مثال سبق. وهو الذي يرزق غيرَه، ولا يرزقه غيرُه. فهو الذي يرزق الكائنات الحية ويطعمها، ويمدها بما يحفظ وجودها وبقاءَها وليس هو بحاجة إلى من يرزقه ويُطعمه. وكيف يصح أَن يكون مصدر العطاء محتاجا إِلى عطاءٍ؟ وكيف يتخذ المضلون من البشر أَولياءَ مع الغَنِيِّ الحميد الفعال لما يريد؟ {قُلْ إِنِّىَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّل مَن أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: أَي قل يا محمد - بعد إِيراد هذه الآيات والحجج على وجوب عبادة الله وحده وعدم اتخاذ غيره وليًّا - إِنيِّ أُمِرتُ من ربي: أَن أَكون أَول من أَسلم إِليه وانقاد لدينه. من هذه الأُمَّة التي أَنا رسولُها وداعيها إِلى الحق. فلستُ أدعو إِلى شيء لا آخذ به. بل أَنا أَولُ مؤمن بهذا الدين، وأَول عامل بما جئت به من شريعة وأَحكام. وكما أُمِرتُ أَن أَكون أَولَ من أَسلم. قيل لي: لا تكوننَّ من المشركين: فلا تطمعوا في استجابتي إِلى ما دعوتموني إِليه من الإِشراك بالله تعالى. وبعد أَن أَقنطهم الله من مشاركة الرسول لهم في شركهم، أَمر الله رسولَه: أَن يبين لهم سوءَ عاقبة من عصى الله وأَشرك به. فقال تعالى:

15 - {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: أي قل يا محمد، لقومك الذين دعَوْك إِلى مشاركتهم في عبادة آلهتهم: إني أَخاف عذاب يوم عظيم، يشيب فيه الْوِلْدان، إِن أَجبتمَ إِلى ما دعوتموني إِليه من عصيان ربي. وإِذا كان خوف النبي صلى الله عليه وسلم من العذاب على المعصية منتفيا - لانتفائها بالعصمة - فخوف الإجلال والتعظيم ثابت له - عليه السلام - دائمًا. 16 - {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ}: أَي من يُدفعْ عنه هذا العذاب - في ذلك اليوم ويسلم من الوقوع تحت وطأته - فقد رحمه الله الرحمة العُظمى. وهي النجاة من العذاب والتمَتُّعُ بالنعيم المقيم. وذلك هو الفوز المبين الذي لا فوز بعده. {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}. المفردات: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ}: المس؛ الإِصابة. يُقال: مَسَّهُ السُّوءُ والكبر والعذاب والتعب أَي أَصابه ولحق به.

{بِضُرٍّ}: الضُّرُّ؛ البلاءُ، كالمرض والفقر، وفقدان الأَحباب. {بِخَيْرٍ}: الخير، ما كان فيه منفعة حاضرة أَو مستقبلة. {وَهُوَ الْقَاهِرُ}: القَهْرُ، الغلبة. والقاهر: الغالب. {أَكْبَرُ شَهَادَةً}: شهادة الشىء؛ حضوره ومشاهدته. والشهادة به: الإِخبار به عن علم ومعرفة واعتقاد مبني على المشاهدة؛ بالبصر أَو بالعقل والوجدان. {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ}: الإِنذار؛ التخويف. التفسير 17 - {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ... } الآية. بعد أَن بَيَّنَ اللهُ سبحانه وتعالى، أَنّ صرف العذاب عن العبد، والفوزَ بالنعيم - بعده - من رحمة الله به في الآخرة - بَيَّنَ كذلك: أَن الأَمرَ في الدنيا والتصرُّفَ فيه، إنما هو لله الولي الحميد. والمعنى: وإِن يُصبْك - أَيها الإِنسان - ضُرٌّ كمرض وفقر وحزن وغير ذلك من البلايا التي يَخْتَبِرُ اللهُ بها عبادَهُ، فلا يرجى لكشف هذا الضرِّ غيره. إذ لا صارف ولا رافع له إلا هو. لأنَّه مما قضى به. ولا رادّ لقضائه الذي قضاه، إلا ما كان من لطفه ورحمته اللذَيْنِ يحفان بقضائه. فيمضى الأَمر فيه على ما قضاه. ومن لطف الله بعبده أن يستقبل هذا القضاء برضا، ويحتمله في صبر. وإن يمسسك بخير - كصحة وغنى وقوة وجاه - فهو وحده قادر على حفظه عليك وإدامته لك، كما قدر على إِعطائك إِياه. فهو على كل شيءٍ قدير. فعلى المؤْمن الصادق في إِيمانه: ألَّا يطلب شيئًا من أمور الدنيا والآخرة: من كَشْف ضُرٍّ، وصَرْفِ عذاب، أَو إيجاد خير، ومَنْح ثواب، إِلا من الله تعالى وحده، دون غيره من الشفعاء والوسطاء، والمتكهنة والأَولياء الذين لا يملكون لأَنفسهم نفعا ولا ضرًّا.

عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كُنْتُ خَلْفَ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ. احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ. وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَكَ. وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" (¬1). ومن دعاءِ الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ لَا مَانِع لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ" (¬2). وبعد أَن أَثبت الله لنفسه كمال القدرة، أثبت كمال السلطان والتسخير لجميع عباده، والاستعلاءِ عليهم، مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الأُمور، ليرشدنا إِلى أَن مَن اتخذ غيرَه وليًّا من دونه، فقد ضلَّ ضلالا بعيدا. فقال: 18 - {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}: أَي وهو الغالب لعباده، المقتدر عليهم: يَملكهم ولا يَملكونه. ويَقضى عليهم ولا يَقضون عليه. ويُعطى ويَمنع، ويُعِز ويُذِلُّ. وهو الحكيم في تدبير مراده وتنفيذه، الخبير بمواضع نعمه ونقمه. فلا تخفى عليه خوافى الأُمور ولا بواديها، ولا يقع في تدبيره خلل، ولا في حكمته دخَل (¬3). ولما كان المشركون لا يستجيبون إِلى الحق الذي دعاهم إليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يشهدون بصحة نُبُوتَّه، أَنزل الله عليه الآية التالية: ¬

_ (¬1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (¬2) أي ولا ينفع صاحب الغنى منك غناه. (¬3) الدَّخَل: الفساد.

19 - {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ... } الآية. جاءَ في القرطبي: عن الحسن وغيره، في سبب نزول هذه الآية: أَن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: مَن يشهدُ لك بأَنك رسولُ الله؟ فنزلت الآية. والمعنى: قل يا محمد لقومك: أَي شيءٍ شهادته أَكبر شهادة وأَعظمها، وأَجدر أَن تكون أَصحها وأَصدقها؟ وما الشاهد الذي تكبرون شهادته. وتنزلون على ما يشهد به. ولم يمهلهم الله أَن يجيبوا، لأَنهم لا يجيبون إِلا ضلالا، ولا يقولون إِلا زُورا وبهتانا. بل تلقاهم بالشاهد الذي لا يصح أَن تُرَدَّ شهادته، لأَنه الشاهد الذي لا يجوز أَن يقع في شهادته كذب ولا زور، ولا خطأُ. والذي يحكم ولا معقب لحكمه: ويقضى ولا رَادَّ لقضائه إِنه هو الله رب العالمين. هو الشهيد بيني وبينكم. وقد أوحى إِلَيَّ هذا القرآنُ: شاهدًا من لَدُنْهُ برسالتي، لأُنذرَكم به عذاب يوم عظيم، ولأُنذر كلَّ من يبلُغه القرآن - إِلى يوم القيامة. وفي هذا، دلالة كل عموم الرسالة، وأَن أَحكام القرآن: تَعُمُّ الثقَليْن إِلى يوم الدين. أخرج ابن مردويه: وأَبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا قال: "ومن بلغه القرآن فكأَنما شافهتُه به" ثم قرأَ {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}. وقد أَشارت الآية: إلى وجوب تبليغ رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد جاءَ ذلك - صراحة - فيما رواه البخاري، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بَلِّغُوا عَنِّى، وَلَوْ آيَة ... " الحديث. وشهادة الله لرسوله: تتجلى فيما يأْتي: 1 - شهادة كُتُبِ اللهِ السابقة لنبيه، وبشارة الرسل السابقين به. ولا تزال هذه الشهادة ماثلة في كتب اليهود والنصارى، وهم يُؤَوِّلُونها.

2 - تأييد الرسول بالآيات الكثيرة، التي من أَعظمها القرآن الخالد. فهو المعجزة الدائمة: بما ثبت من عجز البشر عن الإِتيان بسورة من مثله. وبما اشتمل عليه من أَخبار الغيب، وَوَعْدِ الرسول والمؤمنين بِنَصْرِ الله. 3 - إِخباره بها في كتابه، بنحو قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ ... } (¬1) وقوله سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ... } (¬2). {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}. التفسير 20 - {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ... } الآية. رُوىَ أَن الكفار، سأَلوا اليهود والنصارى، عن صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -. فأَنكروا أَن في التوراة والإِنجيل شيئا يدل على نُبُوَّتِه. فَبيَّن الله في الآية السابقة: أَن شهادة الله على صحة نبوته، كافية في ثبوتها وتحققها. ¬

_ (¬1) الفتح، من الآية الأخيرة. (¬2) البقرة، من الآية: 119

ثم بَيَّنَ في هذه الآية. كَذِبَهم في ادعائهم أَنهم لا يعرفون محمدا - صلى الله عليه وسلم - فهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أَبناءَهم. فقد رُوِيَ أَن النبي - عليه الصلاة والسلام - لما قدم المدينة، وأسلم عبد الله بن سلام. قال له عمر: إِن الله أَنزل على نبيه بمكة: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ... } الآية. فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله بن سَلَام: يا عمر، لقد عرفتُه - حين رأيتُهُ - كما أَعرف ابنى. ولأَنا أَشدُّ معرفة بمحمدٍ مني بابني. فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال: أَشهد أَنه رسول الله حقًّا. ولا أَدرى ما تصنع النساءُ. والمعنى: الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يعرفون محمدا النبىَّ الأُمىَّ خاتم الرسل بحليته ونعته الثابت في التوراة والإِنجيل، معرفةً مستيقنة، كما يعرفون أَبناءَهم بحلاهم ونعوتهم. ولو أَنهم كانوا مؤمنين بالله والكتاب الذي معهم، لآمنوا بمحمد وبالكتاب الذي معه. ولكنهم كتموا شهادة الحق: بَغْيًا وحَسَدا. فخرسوا ولم ينطقوا. أَو نطقوا: كَذِبًا وبهتانا. {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}: بإِفسادهم فطرتهم التي تهديهم إلى الحق، وإعراضهم عن دلائل النبوة. {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: بسبب ذلك؛ بسبب فقدان العلم والمعرفة. لأن الله أَخبر عنهم: أنهم على علم ومعرفة. 21 - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ... } الآية. أَفادت هذه الآية: أَنه لا يوجد أَظلم ممن اختلق الكذبَ على الله، أَو كذَّب بآياته. فأَما اختلاق الكذب على الله: فهو كزعمهم. أن الملائكة بنات الله، وأن لله شركاءَ يُعْبَدُونَ معه. وأَما تكذيبهم بالآيات: فهو شامل لما حدث منهم من تكذيبهم بآياته المنزلة كالقرآن، أَو بآياته الكونية الدالة على وحدانيته أو التي يؤيد بها رسله

ثم بَيَّنَ سبحانه، عاقبة الظالمين وسوءَ منقلبهم فقال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}: أَي إِنَّ شأْن الله - في تدبيره - أَنه لا يفلح الظالمون. فلا ينتصرون في دنياهم، ولا ينجون من العذاب في أُخراهم. وإذا كان هذا حال الظالمين ومآلهم، فكيف تكون عاقبة من افترى، على الله الكذب وكذب بآياته، فكان أَظلم الظالمين، وأَبعد الناس عن رحمة رب العالمين. 22 - {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}: أَي: واذكر لهم - أَيها الرسول - يوم نحشرهم جميعا، على اختلاف درجاتهم في ظلم أَنفسهم وظلم غيرها. ثم نسأَل الذين أَشركوا - وهم أَشد الناس ظلما - أَين الشركاءُ؟ - سؤال تقريع وتشهير - الذين كنتم تزعمون في الدنيا. أَنهم أَولياؤكم من دون الله، وأَنهم يقربونكم إِليه زلفى، ويشفعون لكم عنده؟ فأين هم؟ لقد ضَلُّوا عنكم وخاب أَملُكم في شفاعتهم. وصدق الله إذ يقول: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} (¬1). 23 - {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}: يتلفت القوم إِلى الشركاءِ، فلا يجدون أَثرا. ويخيل إِليهم - من ضلالهم - أَن فتنتهم وكفرهم الذي لزموه مدة أَعمارهم، وافتخروا به - قد اختفى. وأَنهم لن يؤخذوا بهذا الجرم الذي لا يقوم شاهد وجوده. فيقولون - كذبا وبهتانا -: والله ربنا ما كنا ¬

_ (¬1) الأنعام، من الآية: 94

مشركين ... ليفروا بذلك من الموقف الرهيب: تَوهُّمًا منهم، أَن ذلك يُفْلِتُهُم؛ ولا سيما أَنهم رأَوا سعة رحمة الله، وشفاعة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - للمؤمنين. قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأَهل الإِخلاص ذنوبهم. ولا يتعاظم عليه ذنب أَن يغفره. فإِذا رأَى المشركون ذلك، قالوا: إن ربَّنا يغفر الذنوب. ولا يغفر الشرك. فتعالَوْا نَقُل: إِنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: أمَا إذ كتموا الشرك - فاختِمُوا على أفواههم فيختم على أفواههم. فتنطق أَيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون فعند ذلك، يَعْرِف المشركون: أَن اللهَ لا يُكْتَمُ حديثا. فذلك قوله: { ... وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (¬1). قال أَبو إسحاق الزجاج: تأْويل هذه الآية لطيف جدا. وذلك أَنه تعالى، بَيَّنَ كَوْنَ المشركين مفتونين بشركهم، متهالكين في حبه. فذكَر أَن عاقبة كفرهم الذي لزموه أَعمارهم وقاتلوا عليه، وافتخروا به وقالوا: إِنه دين آبائنا، لم يكن حين رأَوا الحقائق - إلا أَن تبَرَّأوا من الشِّرْكِ، وأَقسموا على عدم التدين به. ونظير هذا في اللغة: أَن ترى إِنسانا يحب شخصا مذموم الطريقة. فإذا وقع في محنة بسببه تَبرَّأَ منه. فيقال له: ما كانت عاقبة محبتك لفلان: إِلا أَن تبرَّأْتَ منه وتركته. 24 - {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... } الآية. هذا تعجيب من قولهم المفضوح، وكذبهم الصريح، بنفي أنهم أَشركوا في الدنيا على حين أَن حقيقة إِشراكهم معروفة لربهم. وإِن كذبوا على أَنفسهم بنفيها. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من أُلوهية أَصنامهم، وشفاعتها لهم. فلم يكن لذلك اعتبار في نفوسهم، حين أَقسموا متبرئين من شركهم. ¬

_ (¬1) النساء، من الآية: 42

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}. المفردات: {أَكِنَّةً}: الأكِنَّة، الأغطية. جمع كنان. {وَقْرًا}: الوقر بالفتح؛ الثِّقل في السمع، يقال: وَقَرَت ووَقِرَت أُذنُه من باب تَعِب ووعد: صَمَّت وثَقُل سمعها. {يُجَادِلُونَكَ}: يخاصمونك وينازعونك. {أَسَاطِيرُ}: أباطيل. {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي: يبعدون عنه. التفسير 25 - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ... } الآية. بيان لما صدر عن المشركين في الدنيا، من أمور منافية للإيمان، معبرة عن تعمقهم في الكفر. جاء في سبب نزول هذه الآية، ما رُوِيَ عن ابن عباس. قال: حضر عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، والحرث بن عامر، وأبو جهل

في جمع كثير. واستمعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهو يقرأ القرآن. فقالوا للنضر يا أبا قتيلة (¬1)، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعل الكعبة بيته، ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين. مثل ما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية - وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى. يحدث قريش بما يستملحونه - قال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول محمدًا حقًا. فقال أبو جهل: ... فأنزل الله الآية. {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}: أي ومنهم من يستمع إليك أيها الرسول، استماع استعلاء وانتقاد، لا استماع تدبر وانقياد حيت تتلوا القرآن: داعيًا إلى توحيد الله. ولهذا قد جعلنا على قلوبهم أغطية من الكبر والعجرفة ونعرة الجاهلية. فلم تعد تبلغ كلمات الله مواطن القبول في قلوبهم، ولا تنفذ أسماعهم، لأنهم لا يريدون إلا ذلك. وفي هذا تشبيه للحجب والموانع المعنوية، بالحجب والموانع الحسية. فالقلب الذي لا يقبل الحق ولا يتدبره، كالوعاء الذي وضع عليه الغطاء فلا يدخل فيه شيء. والآذان التي لا تنتفع بما يصل إليها من نصائح، كالآذان المصابة بالثقل والصمم فسمعها وعدمه سواءٌ. {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا}: أي وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك، وصدق دعوتك، لا يؤمنوا بها عنادًا واستكبارًا، مع وضوح حجتها، وظهور الحق فيها؛ لأن قلوبهم وأسماعهم مستغرقة في أنانيتهم وعنجهيتهم، فلا تستجيب للإيمان، ولا تتقبل الهدى. ¬

_ (¬1) في تفسير الخازن في رواية الكلبي: "يا أبا قتيبة".

{حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}: أي بلغ عنادهم إلى وقت مجيئهم إليك مجادلين منكرين الحق. حيث يقولون: ما هذا الذي جئتنا به، إلا أباطيل السابقين وخرافاتهم: نقلتها ألينا من كتبهم. فلم يكن مجيئهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، طلبًا للحق، أو تعرفًا على خير، بل للمحاكة والمجادلة، لأنهم لم يتقبلوا ما في القرآن من أنباء الغيب، إلا على أنها حكايات وخرافات، تُسَطَّرُ وتُكْتَبُ. كغيرها. وذكر نعتهم بالذين كفروا، وأظهر الفاعل ولم يضمره في {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} تقريرٌ لكفرهم، لإيغالهم وغلوهم في اللدد واللجاج. 26 - {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ... } الآية. أي وأولئك المشركون الكافرون المعاندون للنبي، الجاحدون لنبوته، لم يكتفوا بتكذيبهم وإعراضهم عن الدين الذي جاء به، وإنما تجاوزا ذلك إلى صد غيرهم، والوقوف في وجه من يطلبون الهدى منه. هم يبالغون في مقاطعته والنأي عنه: مستكبرين عن الإيمان به. {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}: أي وما يهلكون أحدًا بهذا التصرف الأحمق، والجحود المطلق - إلا أنفسهم، حيث أوردوها موارد الدمار والبوار. وما يشعر هؤلاء الجانون على أنفسهم تلك الجناية - أنهم إلى هذا المصير سائرون، لما استولى عليهم من غفلة، وما غشيهم من ضلال. {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)}.

المفردات: {إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ}: حُبِسُوا عليها يوم القيامة. ومن معاني الوقف: الحبس. {بَدَا لَهُمْ}: ظهر لهم. التفسير: 27 - {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ... } الآية. بعد أن بين سبحانه - في الآيتين السابقتين - حال أولئك المشركين الكافرين الذين يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وما يرتل من كلمات الله- ولا ينتفعون بما سمعوا، بيّن -في هاتين الآيتين- بعضَ ما يكون من مآل أمرهم في الآخره. فقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ}: {لَوْ}: شرطيه حذف جوابها، لتذهب النفس في تصوره كل مذهب. وذلك أَبلغُ من ذكره. والمعنى: ولو ترى يا محمَّد أو أَيها السامع، ما يحل بأُولئك المكذبين المعاندين، من الفَزَع الهَوْل، حين يُحبسون على النار، مشرفين عليها - لرأَيت شيئًا مخيفا؛ لا يحيط به الوصف هَوْلًا مفزعا؛ لا تُدْرِكُه العباره. وحين يعاينون هذه الأهوال، يَتَمنَّوْنَ الرجوعَ إلى الدنيا، الإِيمان بما كذبوا به في حياتهم. وفي {عَلَى النَّارِ}: ما يُشْعِرُ بأَنهم سيسقطون فيها، وتبتلعهم، وأَنه لا مفر من ذلك. مما يصور لنا مشهدا مخيفا، تقشعر منه القلوب والأبدان. {فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}:

أَي ويقول هؤلاءِ المشركون - وقد تَدَلَّوْا على النار - ليتنا نردُّ إلى الدنيا، حتى نتوب ونعمل صالحا، ولا نكذِّبَ بآيات الله وحججه، التي نَصَبها دلالة على وحدانيته وصدقِ رسله بل نكون من المصديقين به وبرسله، ومن المتبعين لأَمره ونهيه. وفي تَمَنِّيهم الرد، دليل على أَنهم يلجأُون حتى إلى المستحيل، وهو عودتهم إلى الدنيا، لشدة الضيق والحرج الذي هم فيه. 28 - {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ... } الآية. إبطالٌ لأَمانيّهم وَتيئيس لهم منها؛ لأنها أَمان ناشئة عن الفزع والهلع، من هذا الموقف الذي هم فيه، حين ظهر لهم ما كانوا يُخفون من البعث والجزاءِ، حيث كانوا ينكرون ذلك. {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}: من الشرك والكفر، والمكر والمعاصي، لسوءِ ما فطروا عليه من سوءِ طويه، وخبث نية، ودعوى جاهلية. {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}: فيما تضمنه تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات الله، والإيمان بالله ورسله؛ لأنهم لم يكونوا صادقين في ادعائهم الإيمان بعد رجوعهم إلى الدنيا، وإنما دفعهم إلى هذا، ما شاهدوه من الأَهوال والشدائد، والبعد عنها بأَية وسيلة. ومعنى هذا أَن الكفر فيهم غريزة. 29 - {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}: أي لو رُدُّوا إِلى الدنيا، لعادوا لِمَا نُهُوا عنه من الكفر وسَىِّءِ الأَعمال، ولأَنكروا البعث والحساب والجزاءَ مره أُخرى. وكأَنهم لم يَرَوْا ما عاينوه من أَحوال الآخرة، التي أَولها البعث والنشور.

{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)}. المفردات: {جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ}: الساعة؛ القيامة. {بَغْتَةً}: فَجْأَة. {يَا حَسْرَتَنَا}: الحسرة؛ الندم الشديد على ما فات. {عَلَى مَا فَرَّطْنَا}: التفريط؛ التقصير. {أَوْزَارَهُمْ}: آثامهم الكبيرة. {لَعِبٌ وَلَهْوٌ}: اللعب واللهو كلاهما؛ الاشتغال بما لا يفيد العاقل ولا يهمه. التفسير: 30 - {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ... } الآية. وهكذا، تتوالى المشاهد يوم القيامة. فمن مشهد الحشر والمحاكمة: " {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} إلى مشهد الحكم في جنايتهم التي جَنَوْها على أَنفسهم: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ... } إلى المشهد الذي يتضمن إتمام المحاكمة.

{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ}: أي ولو ترى - أَيها التأَمل - هؤُلاءِ المعاندين المكذبين - وقد حبسوا على ما يكون من قضاء ربهم فيهم - لَهَاَلكَ أَمرُهم، ولرأَيت ما لا يحيط به نطاق الكلام. وجعلهم موقوفين على ربهم؛ لأَن من تَقِفُهم الملائكه وتحبسهم في موقف الحساب، امتثالا لأَمر الله فيهم كما قال: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ" (¬1) يكون أَمرهم مقصورا على الله حيث لا سلطان فيه لغيره عَزَّ وَجَلَّ {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (¬2). فهم وقد انتهى بهم المطاف إلى ما لا يحيط به الوصف لن يقتصر أَمرهم على ما هم فيه من بلاءٍ وعناءٍ بل يُسأَلون سؤَال تأَنيب وتبكيت. {عَلَى رَبَّهِمْ}: (عَلَى) هنا؛ بتقدير مضاف، أَي وقفوا على تعذيب ربهم، وما أَعدَّ لهم. {قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ}: القائل هو الله تعالى أَي أَليس هذا الجزاءُ - وما أَنتم فيه - هو الحق الذي كنتم به تُكَذِّبون؟ وفي حسره أَليمة وندم شديد: {قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا}: أَي قالوا: أَي ما نحن فيه من الشدائد والأَهوال، حق نستحقه، ولا شك فيه. وهكذا كان جوابهم ... اعترافًا مؤَكدًا - باليمين - بما أَنكروه في الدنيا. وبذلك شهدوا على أَنفسهم أَنهم كانوا كافرين. {قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}: أَي فباشروا العذاب، وانغمسوا في آلامه وأَهواله، بسبب كفركم الذي كنتم عليه مُصِرِّينَ عليه، دائبين فيه. وفي المشهد السابق {وُقِفُوا عَلَى النَّارِ}: وهنا وقفوا على غضب ربهم، ما يدل على أَن غضب الله، آلم من نار جهنم، فلو لم يكُن منه إلا حِرْمَانُهم من رؤيته والتمتع برضوانه، لكفى. ¬

_ (¬1) الصافات، الآية: 24. (¬2) الأنفال، الآية: 19.

31 - {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ... } الآية. أَي قد خَسِر وخاب سَعْىُ أُولئك الكفار، الذين كَذَّبُوا بالبعث، وانكشف لهم ما كانوا فيه من غفله وضلال. {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً}: أَي ما زال هؤُلاءِ مُصِرِّين على التكذيب، إِلى أَن جاءَتهم الساعة - فجأَة - على غير انتظار. {قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}: أَي قالوا متحسرين بأُسلوب النداء؛ للإِشاره إلى شدة وَقْع المفاجأَة عليهم. ولذا نادوا الحسره: نداءً تفجُّع. وقالوا: إن كان لك وقت فهذا وقتك، حيث قد فَوَّتوا على أَنفسهم العمل بما كان ينجيهم من أَهوال هذا اليوم، والضمير في (فِيهاَ) يعني: الحياة الدنيا. {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ}: أَي يحملون ذنوبهم وخطاياهم على ظهورهم. وفي هذا إِيماءٌ إِلى شدة ما يقاسونه من صنوف العذاب. {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}: أَي بئس ما يحملون. والمراد: ذم عملهم الذي ارتكبوه في الدنيا، حيث لم ينتفعوا به، بل أَوصلهم إِلى الهلاك. 32 - {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... } الآية. أَي وما اشتغال المكلَّف بِمُتَعِ الحياة الدنيا، وصرف قواه إِلى لَذَّاتها - دون الالتفات إلى شئون الآخرة - إِلى اشتغال بما لا نفع فيه.

وإِنما تكون الحياةُ الدنيا جادةً مفيده، إِذا التفَتَ فيها أَصحابُ العقول، إِلى العمل الطَّيب المثمر؛ الذي يجمع بين سعادَتَى الدنيا والآخرة. {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}: أَي ولَلحياة الآخرة: أَكثر نفعا، وأَعظم أَجرًا للذين تركوا المعاصي في الدنيا، وعملوا لنيل الثواب في الآخرة، التي هي الغاية، والدنيا وسيلة لها. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: أَي أَتغفلون عما في الآخرة من ثواب ونعيم، فلا تعقلون أَن الانصراف إلى الدنيا مُهِلك، وأَن العمل للآخرة والإِقبال عليها، هو السعادة والنجاة؟ {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)}. المفردات: {لَيَحْزُنُكَ}: الحُزْنُ؛ الشعور بالأَلم عند وقوع مكروه. {يَجْحَدُونَ}: الجحود والجحد؛ نفى ما في القلب إِثباته أَو إِثبات ما في القلب نفيه. {لِكَلِمَاتِ اللهِ}: المراد من كلمات الله؛ وعده للمؤمنين، ووعيده للكافرين. {نَّبَإِ}: النبأُ؛ الخبر ذو الشأْن العظيم.

{كَبُرَ عَلَيْكَ}: أَي شَقَّ عليك. {نَفَقًا}: النَّفَق؛ السِّرْب في الأِرض، وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج. {أَوْ سُلَّمًا}: السُّلَّم؛ الدَّرَج مشتق من السلامه؛ لأَنه يُسْلِمُكَ إِلى الوضع الذي تريده. {الْجَاهِلِينَ}: الجهل هنا؛ ضد العلم، والمراد منه: الجهل بما ينبغي العلم به. التفسير: 33 - {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ... } الآية. بعد أَن بَيَّنَ القرآن - فيما سلف من الآيات - أنها نزلت في بيان موقف المشركين من الدعوه الإِسلامية، وكثرة ما قالوا في رد هذه الدعوة، جاءت هذه الآيات تُبَيِّنُ أَثرَ هذا العناد في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وحُزْنَهُ على عدم إِيمانهم. فقال بيانًا لذلك، وتسليةً له صَلَّى الله عليه وسلم: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} إِلى آخر الآيات ... ومعنى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ}: أَي قد أَحاط علمنا بِحُزْنِك مما يقوله لك هؤلاءِ المعاندون، وأَنك مشفق عليهم من لَجاجهم وشَططهم. وهذا بيان لعظمة الإِشفاق النبوى الكريم. وتسليه له. فليس المراد الإِخبار بالعلم، فالعلم ثابت لله تعالى. ولكن المراد أَننا معك أَيها الحزين الآسف على كفر قومه وأَهله. {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ}: لذاتك، فقد كنت الأَمين. ولكن ما يحدث منهم الآن، هو تكذيب لنا؛ لأَنك رسولُنا ومُبلِّغُ عنا. {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}: أَي ولكنهم - بعدم الاستجابة لآيات الله - قد بلغوا الغاية في الظلم والجحود والتَّنَكُّر لك والافتراءِ عليك.

34 - {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} الآية. هذه الآية من تمام تسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيان ما عاناه الرسل السابقون: بالدعوة، حتى جاءَهم نصر الله، واستقر الأَّمر لهم: بإِهلاك أَقوامهم. فإن عموم البلوى مما يعين على احتمالها. فاصبر كما صبروا، حتى يأْتِيَك النصر. فإِن شأنك كشأْنهم. {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}: أَي، إِن كلمات الله لا تُبدَّل، وأَحكامَه لا تُنْقَض، ووعدَه لا يَتخلَّف وسننه ونواميسَه لا تتخلف. قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (¬1). {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ}: أَي ولقد أَتاك من أَخبار الرسل، ما تَسْكُن به نفسك، ويطمئن به قلبك، ويَثْبُتَ به فؤادُك: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ... } (¬2). 35 - {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ... } الآية. ومع ذلك يا محمَّد، إِن كان نفورهم وإِعراضهم، شاقًّا على نفسك، بتزايد ويكبر أَثره شيئًا فشيئا، أَي، ولو يَشْفِكِ ما سقناه لتسليتك فَالْتَمِسْ ما في طاقتك لإِيمانهم - مهما استحال - نَفَقًا في الأَرض، أَو سُلَّمًا في السماءِ، لتهديهم بآية فعالة في نفوسهم. فافعل. وقد آتيناك من الآيات، ما يكفي لإيمان من ألقى السمع وهو شهيد: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ... } (¬3). ¬

_ (¬1) الصافات، الآيات: 171 - 173. (¬2) هود من الآية: 120. (¬3) العنكبوت: من الآية 51

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}: أَي ولو شاءَ اللهُ هدايةَ الناس جمعيا، لجمعهم على ذلك. ولكن لم يُرِدْ ذلك، لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو. ففي علمه الأَزلى: أَن فريقا منهم يختار الكفر، ولو جاءَتهم كلُ آية. {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: أَي فلا تَذهبْ نفسُك عليهم حسرات، لعدم إِيمانهم حتى لا تكون من الجاهلين، الذين يشتد حُبُّهُم وحنانُهم بذويهم وأَهليهم إلى هذا الحد. {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (¬1). ¬

_ (¬1) القصص، من الآية: 56.

{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)}. المفردات: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ}: الاستجابة، هي الإجابة المقارنة للقبول. {وَالْمَوْتَى}: المراد بهم، الكفار، تشبيهًا لهم بالموتى. التفسير 36 - {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}: لمَّا بيَّن الله - في الآية السابقة - إعراض المشركين عن الرسول، وأن إعراضهم كبر عليه - صلى الله عليه وسلم -، أتبع ذلك بيان السرّ في إعراضهم. وهو شَبَهُهُم بموتى القبور. وذكر أن هؤلاء المعرضين سيلقون جزائهم. والمقصود من ذلك: تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ووعيد الكافرين به. {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}: المعنى: ما يجيبك يا محمد إلى الهدى، ويقبل منك شريعة الإسلام، إلا الأحياء الذين يسمعون سماع تدبر واعتبار. وهؤلاء المشركون الذين يجيبوك، ولم يهتدوا بهديك، يشبهون الموتى؛ لفقدهم ما يميز الأحياء عن الأموات، من السماع والتدبر. {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ}: الواو للاستئناف وجوبًا ولزم الوقف قبلها. والمعنى: والموتى يحييهم الله يوم القيامة. {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}: للحساب والجزاء، فلا يشق عليك إعراضهم وأمرهم إلى الله الذي سيتولى عقابهم حين يبعثهم.

ولا يصح أَن يراد من بعث الكفار هدايتهم - كما قيل - فإِن ذلك لا يناسب قوله تعالي: {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}: فإِن ذلك لوعيدهم بالجزاءِ على كفرهم. لأَن هذا هو الأَنسب لمقام الكلام. وهذه الآية مقرِّرة لما مَرَّ في السورة، من أَن المشركين أَمعنوا في الإِعراض إِمعانا، جعل على قلوبهم أَغطية مانعة لها من الفهم. وفي آذانهم حجبا تضع فيها وقرا - أَي ثقلا - مانعا من السماع. كما أَنها تفيد أن مَن لم يستجب إِلى دعوة الإِسلام، فهو من قبيل الموتى - والموتى لا يتصور منهم الإِيمان. {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)}. المفردات: {لَوْلَا}: حرف يدل على الحثِّ والتَّحضيض مِثْل: هلَّا. {نُزِّلَ}: المقصود من التنزيل، الإِظهار. {آيَةٌ}: الآية، العلامة، والمراد بها هنا: معجزة كونية تلجئهم إِلى الإِيمان. كجعل الصفا ذهبا ... وسنوضح ذلك. {دَابَّةٍ}: الدابة؛ ما يدب على الأَرض، أي يمشي على هيئته. {أُمَمٌ}: جمع أمة بمعنى؛ جماعة.

التفسير 37 - {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ... } الآية. لا يزال الكلام موصولا في شأن تكذيب المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم استجابتهم إِلى ما دعاهم إِليه. تحكى هذه الفقرة: أنهم طلبوا منه أَن يأتيهم بآية يُنَزِّلها الله ويظهرها، على حسب هواهم، فقالوا - على أَلسنة رؤسائِهم - هَلَّا أُنزل عليه آية من ربه، تلجئنا إلى الإِيمان برسالته؟ ويعنون بها ما حكته سورة الإِسراءِ: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} (¬1). والمتأَمل في تلك المطالب وأمثالها، يحسُّ أن الباعث عليها هو التعنت والعناد، لا الاهتداء إلى الحق. فلو كانوا طلاب حق، لكفاهم ما أَيده الله به من معجِزة القرآن " ... {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} " (¬2). وكما أَيده الله بالقرآن، أيده بكثير من المعجزات الكونية: كانشقاقِ القمر، وحَنِين الجذع، وإنزالِ المطر، ورَفْعِه، وتكثير الماء والطعام. إلى غير ذلك، مما روَته السنَّةُ الصحيحة. وقد بين الله للرسول صلى الله عليه وسلم، ما يجيب به المشركين بقوله: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: قل يأَيها الرسول لقومك: إن الله قادر على تحقيق الآية التي طلبتموها ولكن أكثرهم ليس من أَهل العلم والعقل، فلذا غفلوا عن الحكمة في عدم تحقيق ما سألوا، وهي أَنه تعالى لم يشأ إهلاكهم، فإنه إِن حققها فكفروا - بعدها - أُهْلِكوا جميعًا كما حدث للأمم قبلهم ... ¬

_ (¬1) الإسراء، الآيات: 90 - 93 (¬2) النساء، من الآية: 82

ونَفْيُ العلم عن أكثرهم: إمَّا لأن بعضهم يعلمون الحكمة في عدم تحقيق ما يقترحون، ولكنهم يشاركونهم فيما طلبوا عنادا، وإِما لأن الأكثر، مرادٌ منه: الجميع. 38 - {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ... } الآية. هذه الآية مسوقة للدلالة على كمال قدرة الله وشمول علمه، وسعة تدبيره وحكمته. حتى تعلم قريش: أن مَن كان هذا شأنه: قادر على تحقيق ما طلبوه، وإِن كان لم يجبهم إليه، رحمةً بهم. والدابة: ما يدب ويتحرك على وجه الأَرض من الحيوان. والتعبير بقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ}: لتأكيد العموم (¬1)؛ كأَنه قيل: وما نوع من أَنواع الحيوان -، أَو الأَسماك - صغيرًا كان أَو كبيرًا - في أَية ناحية من نواحى الأَرض - ظاهرها وباطنها -. {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}: ووصف الطائر بأَنه يطير بجناحيه مع أَن هذا شأنه، لتصوير حالة طيرانه العجيبة الدالة على كمال قدرة الله وإِحكام تدبيره. حتى يتجه النظر والفكر إِليها. فيمجد الله الذي أَبدعها. والمقصود من قوله: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}: بيان أَن حيوانات الأرض والبحر، وطيور الجو، إِنما هي جماعات وطوائف، لها مثل مالنا من الخصائص في الجملة. فالنمل - مثلًا - أمَّة أَرضية: لها تدبيرها في السعى على رزقها، وجمعه من أجحارها، استعدادًا لفصل الشتاءِ، لتقتات به وهي مختبئة فيها طول الفصل. كما أن لها أَميرةً منها، تُوَجِّهُها وتنظم مصالحها. ولها لغة تتفاهم بها. كما يدل على ذلك قوله تعالى في سورة النمل: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (¬2). وقد فهم سليمان عليه السلام لغتها: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا ... } (¬3) الآية. ¬

_ (¬1) العموم مستفاد من كلمة (دابة) وتأكيد العموم مستفاد من زيادة (من)، ومن كلمة (في الأرض). (¬2) النمل، الآية: 18 (¬3) النمل، من الآية: 19

النحل: أُمَّةٌ جوية. لها رئيسة يطلق عليها لغة: "اليعسوب" وهذه الأَميرة تُوَجِّهُ أمَّتَها من النحل وتدبر أمرها. ولها نظام في السعى على الرزق، وبناءِ بيوت هندسية دقيقة، تجمع فيها العسل، وتحتضن البيض، حتى تخرج منه صغارها، ثم ترعاها حتى تفسير نحلا. إِلى غير ذلك من شئونها العظيمة الدالة على قوة إِدراكها. ولذا أَخبر الله تعالى، بأَنها موضع لوحيه وإِلهامه فقال: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} (¬1). وهكذا، شأن سائر الحيوانات الأَرضية والبحرية، والطيور الجوية. فالآية فتحت آفاقا من العلم عن أُمم أُخرى: لها خصائص تقرب من خصائصنا. ظلت مجهولة، حتى عرفها الباحثون أَخيرا، عن طريق التجربة { ... فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (¬2). {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. تفريط الشىء. تضييعه وتركه. كما قال الشاعر: معه سقاءٌ لا يفرط حمله* والتفريط فيه: أَن يهمل ما ينبغي أَن يكون فيه. والمعنى: ما أَهملنا فيه شيئًا ينبغي ذكره فيه. والمراد من الكتاب: اللوح المحفوظ، أَو القرآن الكريم. وعلى الأَول، تكون جملة. {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} متوسطة (¬3) للإِيذان بأن كل الأحوال مستقصاة في اللوح الحفوظ، غير مقصورة على هذا القدر المجمل. وعلى الوجه الثاني. تكون الجملة متوسطة، لتقرير ما قبلها على معنى: ما تركنا في القرآن شيئًا من الأشياء الهامة في الدنيا والدين. ومن جملتها: بيان أنه تعالى، مراعٍ لصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي. ¬

_ (¬1) النحل، الآية: 68 (¬2) المؤمنون، من الآية 14 (¬3) يعبر عنها المفسرون؛ بأنها جملة اعتراضية أو معترضة. وقد اخترنا التعبير بمتوسطة، أدبا مع القرآن الكريم.

ثم بين الله أحوال الأُمم في الآخرة فقال: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}: استعمل ضمير العقلاءِ في كلمتي: {رَبِّهِمْ} و {يُحْشَرُونَ} في دواب الأَرض وطيور الجو، إجراءً لها مجرى العقلاءِ، بعد بيان أنها أمثال الناس في نظم حياتها. والمعنى: ثم - إلى ربهم ومالك أُمورهم - يحشرون كما يحشر الناس، فينصف بعضهم من بعضهم بموجب ما لديهم من إدراك. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى في يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشاةِ القَرْنَاءَ" (¬1). وعن ابن عباس: حَشْرُ الدواب والطير؛ مَوْتُها. والأَول أَصح، لظاهر الآية والحديث. وبه أخذ أبو ذر وأبو هريرة والحسن وغيرهم. وقال جماعة: هذا الحَشْر الذي في الآية، يرجع إلى الكفار، وما تخلل من كلام، فهو معترض، وإِقامة حجج. والحديث مقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب، والقصاص، والاعتناء فيه. حتى يفهم منه: أَنه لا بد لكل أَحد منه. وصح القرطبي الأول، لصراحة الحديث. وقال: إنها - وإِن كان القلم لا يجرى عليها في الأحكام - ولكنها تؤاخذ فيما بينها. {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)}. المفردات {صُمٌّ}: جمع أصم، وهو، من ثَقُل سمعه. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم: انظر القرطبي 6 طبع دار الكتب. والشاة الجلحاء: التي ليس لها قرن.

{وَبُكْمٌ}: جمع أَبْكَم، وهو؛ الأخرس، وخصه بعضهم: بمن وُلد لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر. {فِي الظُّلُمَاتِ}: المراد بها؛ ظلمات الجهل والعناد. التفسير 39 - {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ... } الآية. المراد بالآيات: القرآن الكريم، أَو جميع الحجج، ويدخل فيها القرآن الكريم. والمعنى: والذين جحدوا بآياتنا، ولم يهتدوا بهداها، مثلهم كمثل: الصم الذين لا يسمعون، الْبُكْم الذين لا يتكلمون، الذين احتوتهم الظلمات فلا يبصرون. فكيف يهتدى هؤلاءِ إلى سواءِ السبيل - وحالهم ما ذكر -؟!. {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: هذه الجملة مقررة لما سبق من حالهم، مفيدة أنهم مقيمون على الضلال فلا يستغرب تكذيبهم. والمعنى: مَن يشإِ الله إضلالَه - لفساد طويته - يَخذُلْهُ، ومَن يشأْ هدايته - لحسن اختياره - يَجعلْهُ على طَريق مستقيم: في العقيدة والأخلاق، ويوفقه لصالح الأَعمال. {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)}. المفردات: {أَرَأَيْتَكُمْ}: أَخبروني. {السَّاعَةُ}: هي القيامة. وسميت بذلك لأَنها تَفْجَأُ الناس في ساعة علمها عند الله، والمراد بها: أهوالها.

{وَتَنْسَوْنَ}: وتتركون. التفسير 40 - {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: لا يزال الكلام عن المشركين موصولا. والمعنى: قل أَيها الرسول لهؤُلاء المشركين، تبكيتا لهم على عبادتهم غَيْرَ الله تعالى، وإِلزاما لهم بما لا يستطيعون إِنكارَه: أخبروني، إِن أتاكم عذابُ الله في الدنيا، أَو أَتتكم القيامة بأهوالها في الآخرة، وانتقم الله منكم فيها: أغيرَ الله تدعون لكشف الضر عنكم - إِن كنتم صادقين في زعمكم أَن أَصنامكم آلهة، أو إِن كنتم من أَهل الصدق؟! ولما كانت عادتهُم أَنهم إِذا وقعوا في شدة تركوا دعاءَ أَصنامهم واتجهوا إِلى الله تعالى، يدعونه ليكشفها عنهم، لاعتقادهم أنهم إن دعوها لا تجيبهم. وإِن دعوه سبحانه أجابهم، وفرَّجها عنهم. فلهذا تولى الله الإِجابة عنهم بما لا يستطيعون إِنكاره، فقال: 41 - {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}: أَي: ليس غيرُ الله تدعون. بل تخصونه - وحده - بالدعاء، فيزيلُ ما تدعونه إلى إِزالته، وتتركون شركاءَكم تركا كليًا، كما روى عن ابن عباس. وقيل: النسيان على حقيقته، فَهُمْ - لشدة الهول وعظيم الخطر - لا تخطر آلهتهم ببالهم. وتأخير نسيانهم لآلهتهم عن كشف الضُّر - مع أنه سابق عليه - لإِظهار كمال العناية بكشف الضر، والإِيذان بترتيبه على دعاءِ الله خاصة. فإِن قيل: إِن العذاب الدنيوي المماثل لعذاب الأمم السابقة وقوارع الساعة، لا يكشفان بالدعاءِ. فالجواب: أَن كشف ذلك معلق بالمشيئة؛ كما نَصَّ عليه قوله تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ}:

ومعلوم أن الله تعالى، لا يَشاء كشفهما. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} (¬1). {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)}. المفردات: {بِالْبَأْسَاءِ}: بالداهية والشدة. {وَالضَّرَّاءِ}: والضُّر. {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}: لكي يدعوا الله في تذلل وخضوع. {فَلَوْلَا}: بمعنى: هَلَّا. وهي هنا؛ للتوبيخ والتنديم. وسيأْتى لذلك مزيد بيان في الشرح. التفسير 42 - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}: هذا كلام مستأنف، لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، بذكر ما حدث لإِخوانه المرسلين من إِعراض أَقوامهم وعدم تأَثرهم بالزواجر. فإِن البلوى إِذا عَمَّتْ هانت كما أَن فيه إنذارا لقريش بأَنهم إِذا تمادَوْا في شركهم - أُهْلِكوا - كما حدث. لأَمثالهم السابقين. ¬

_ (¬1) البينة، الآية: 6

والمعنى: ولقد أَرسلنا رسلًا إلى أمم كثيرة، في زمان قبل زمانك، فكذبوهم فعاقبناهم علَى تكذيبهم وكفرهم بالشدائد: كالقحط والجوع، وبالإضرار: كالمرض ونقصان الأنفس والأموال، لعلهم يبتهلون ويتذللون إلى ربهم تائبين من كفرهم ومعاصيهم. 43 - {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: لَوْلَا هنا: للتنديم والتوبيخ على تركهم التضرع، مع وجود مقتضيه وانتفاءِ المانع منه. والمعنى: فَهلَّا - حين جاءَهم بأسنا وشدتنا - ابتهلوا إلينا خاضعين مستغفرين، ولكنهم استمرُّوا في قسوة قلوبهم، فلم ينزجروا بما بلوناهم به، ولم يتوجهوا إلينا بالدعاءِ والاستغفار. وزيَّن لهم الشيطان ما كانوا يعملونه من الشرك والمعاصي، وحَسَّنه إليهم، فأقاموا عليه. {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)}. المفردات: {نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ}: تركوا الاتعاظ بما خوِّفوا به، وهو: البأساءُ والضراءُ. {بَغْتَةً}: فَجْأَة. {مُبْلِسُونَ}: متحيرون، آيسون من النجاة. {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ}: فأهلك آخرهم. من دَبَرَهُ، إذا كان خلفه، وقَطْع دابرهم: كناية عن إهلاكهم حتى آخرهم وهذا يستلزم - قبل ذلك - إهلاك أولهم بالضرورة.

التفسير 44 - {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ... } الآية. فلما غَفَلَ مُكَذِّبو الرسل السابقين، عمّا ذكِّروا وخوِّفوا به من البَأساءِ والضَّرَّاءِ، وتركوا الاتعاظ به، واستمروا في كفرهم وتكذيبهم - فتحنا عليهم أَبوابَ كلِّ شَيْءٍ من النعم، لعلهم يذكرون بها فضل ربهم ويؤْمنون به ويشكرونه، حَتَّى إذا بَدَّلوا نعمة الله كفرا، وفَرِحوا بما أعطوا: بَطَرا وجحودا - أخذناهم بالعقاب فجأَة فإِذا هم متحيرون يائسون. روى الإِمام أحمد بسنده، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنه قال: "إذا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِى العَبْدَ مِن الدُّنيا - عَلَى مَعاصِيهِ - مَا يُحِبُّ، فَإنَّما هُوَ استِدْراجٌ ... ثُمَّ تَلَا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (¬1). 45 - {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: المعنى: فَأُهْلِك القومُ الذين ظلموا أَنفسَهم بالكفر، ولم يَنْجُ منهم أَحد، والحمد لله رب العالمين على إهلاك الظالمين، لتخليص الناس من شؤْم عقائدهم. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)}. المفردات: {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ}: أي غطاها فأصبحت لا تعقل. ¬

_ (¬1) ابن كثير: 2

(نُصَرَّفُ الْآيَاتِ): نكرر الدلالات مصروفة من أسلوب إلى آخر. (يَصْدِفُونَ): يعرضون. (عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً): فَجْأة بدون أمارات, أو ظاهرًا تسبقه علامات. التفسير 46 - (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون): قل أيها الرسول لقومك: أخبروني - إن أَذهبَ اللهُ سَمْعَكم وأبصارَكُم, وغَطَّى على قلوبكم ,فصرتم لا تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون - أيُّ هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه - يأتيكم بما أخذه منكم؟ ... انظر وتعجَّب - يا محمد - كيف نبين - لهم الآيات ونصرفها من أسلوب: ما بين حجج عقلية, وتوجيه إلى آيات كونية ,وترغيب وترهيب, وتنبيه وتذكير, ثم هم - بعد ذلك كله - يعرضون عن الحق!! واعلم أن القلوب, تستعمل في القرآن الكريم, مصادر للإدراكات العقلية كما هنا, وكما في قوله تعالى: "لهم قلوب لا يفقهون بها ... " (¬1). والمعروف طبِّيًّا: أن مراكز معينة في المخ, هي موطن العقل. وبما أن القلب هو سر الحياة - وهو الذي يغذى تلك المراكز العصبية العاقلة في المخ - فلذا يسند الفهم والتعقل إليه مجازًا. أو لعله المركز الأول للعقل. ولكن لم يعرف ذلك بعد. والمراد من الخَتْم عل القلوب: حَجْبُهَا ومنعها عن تعقل المدركات المختلفة. والمراد من الآيات التي يصرفها الله: ما جاءَ في القرآن من الآيات الدالة على شئونه تعالى. ¬

_ (¬1) الأعراف, من الآية: 197

47 - (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون): قل لهم - تبكيتا وتقريرا: أَخبروني؛ إن جاءَكم عذابُ الله في الدنيا - فجأة بدون أَمارات تنبهكم إليه, أو جهرة تسبقه علامات تدل عليه, هل يهلك - انتقامًا بهذا العذاب أو ذاك - سواكم أيها القوم الظالمون لأنفسهم بالشرك والمعاصي؟! ومن كان ظالما, فهو الجدير بتعذيب الله, دون سواه. وصحت مقابلة البغتة للجهرة, لأن البغتة لَمَّا كانت مقدماتها خفية, جعلت بمنزلة الشئ الخفي فقوبلت بالجهرة. وقيل عذاب البغتة: ما كان ليلا, لأَن الغالب فيه ذلك. وعذاب الجهرة ما كان نهارا, لتكون هذه الآية - بذلك التأويل - مثل قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون" (¬1). والاستفهام في قوله تعالى: (هل يهلك إلا القوم الظالمون) للتقرير. {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)}. المفردات: (مُبَشَّرِينَ وَمُنذِرِينَ): التبشير؛ الإخبار بما يسر. والإنذار؛ التخويف مما يضر. (يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ): أي يصيبهم. (يَفْسُقُونَ): يخرجون عن طاعة الله بالكفر والمعاصي. ¬

_ (¬1) يونس, الآية: 50

التفسير 48 - (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون): هذه الآية - والتي تليها - مرتبطتان باقتراح المشركين علي الرسول: الآيات التي يشير إليها قوله تعالى: "وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ... " (¬1). والمعنى: وما نبعث المرسلين إلا مبشرين للمؤْمنين الصالحين بحسن الثواب, ومنذرين للمكذبين الفاسقين بسوءِ العقاب, لا ليُقْترَحَ عليهم غيرُ ما جاءوا به من الآيات. فمن آمن بالله ورسله, وأصلح نيته وعمله, حسب شرائعهم, فلا خوف عليهم من عقاب, ولا هم يحزنون على فوت ثواب. 49 - (والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون): والذين كفروا بالمرسلين, وكذبوا بآياتنا التي أنزلناها عليهم, وبمعجزاتِنا الدالة على صدقهم, وشغلوا أَنفسهم باقتراح الآيات عليهم - غير مكتفين بالمعجزات التي أظهرها الله على أيديهم, تعنتا وحسدا وعنادا لهم - فهؤلاء, يصيبهم العذاب - الدنيوي والأُخروي - بسبب استمرارهم على فسقهم, وخروجهم عن طاعة ربهم. {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)} المفردات: (خَزَائِنُ اللهِ): المراد بها؛ خزائن مقدوراته؛ كما قال الجبائي. (الْأَعْمَى والبَصِيرُ): المراد بهما؛ الضال والمهتدى. ¬

_ (¬1) الأنعام, من الآية: 37

التفسير 50 - (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ... ) الآية. قل أَيها الرسول, لمن يقترحون عليك غير ما جئت به من الآيات: أنا لا أدَّعي أن عندي خزائن مقدورات الله أتصرف فيها كما أَشاءُ استقلالا أَو استدعاءً من الله, حتى تطلبوا منى أَن أقلب الجبال ذهبا وأَن أفجر الينابيع من الأرض, لتزرعوا على مياهها صحراءَكم, إلى غير ذلك من اقتراحاتكم - فذلك من شأن الله الذي لا يتحكم عليه أحد, فيقترح عليه من الآيات ما لا تبدوا حكمة في تحقيقه. وكذلك لا أَدعى علم الغيب, حتى تطالبوني بإِخباركم بوقت نزول العذاب بكم بقولكم: " ... متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" (¬1). ولا أَقول لكم إني مَلَكٌ حتى تطالبوني بأَن أَرْقَى في السماء كما هو شأن الملائكة, أو تَعُدُّوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في نُبُوَّتِي, فإنكم قلتم: " .. ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ... " (¬2) وما أنا إلا نبي: أَتبع ما أوحاه رَبَّي إلىَّ. فلا تطلبوا مني ما ليس من شأني. (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون): قل لهم أيها الرسول: لا يمكن أن يستوي الضال الشبيه بالأَعمى - في عدم تبين الحقائق - بالمهتدى الشبيه بالمبصر في استجلاءِ الأُمور ... أتسمعون هذا التذكير فلا تتفكرون فيه؟! واعلم أنه ليس من الحكمة أن يجاب المتعنتون إلى ما سأَلوا, فإنهم لا يؤمنون, ولو جاءَتهم كل آية. قال تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" (¬3). فضلا عن أنهم - إن لم يؤمنوا بما طلبوه بعد مجيئه, حق عليهم الهلاك, كما حدث لمن قبلهم. كقوم صالح. ولا يقتضي تمييز الملائكة بقدرتهم على الرقى في السماء كلما أَرادوا, أو تمييزهم بأَنهم لا يأكلون, ولا يشربون: أن يكونوا أفضلَ من الأنبياءِ, كما زعم الجبائي, فالمزية لا تقتضى الأفضلية, وإلا لكان بعضُ الحيوان أفضلَ من الإنسان, بما تميز به عليه, كالنحل ¬

_ (¬1) سورة سبإ, من الآية: 29. (¬2) الفرقان, من الآية: 7 (¬3) يونس, الآيتان: 97,96

في بناء بيوته الهندسية, وإفرازه العسل, وكالطيور في تعَرفها المراعىَ الصالحة, وسلوكِها السبيل إليها بالغريزة, دون أن يخبرها بها مخبر, أو يهديها إليها هادٍ, ودون أن يكون لها اطلاع سابق ورحلة من قبل إليها. {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)}. المفردات: (وَأَنذِرْ): الإنذار؛ التخويف. (وَلِىٌّ): ناصِر. (شَفِيعٌ): الشفيع؛ من يرجو رفع ضُر, أو جلب خير لغيره. التفسير 51 - (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون): وأنذر - أيها الرسول بما يوحى إليك من القرآن - الذين يخافون أن يُحشرُوا ويجمَعوا إلى حساب ربهم يوم القيامة, ليس لهم من غيره نصير- يحميهم - من حساب ربهم وعذابه - بقوته, ولا شفيع يخلصهم من ذلك بشفاعته ورجائه - أنذر هؤلاء بالقرآن؛ لعلهم يتقون النار بالإِيمان والطاعة. واعلم أَن مَن يخافُ الحَشْرَ إلى الله - وليس له ولى ولا شفيع من غيره تعالى - أَصناف ثلاثة: 1 - صنف أهْل الكتاب: القاطعين بالبعث, الشَّاكَّين في شفاعة أنبيائهم لهم. 2 - وصنف المشركين: القاطعين بالبعث الشاكين في شفاعة أَصنامهم لهم.

3 - وصنف المشركين: الشاكين في البعث وفي شفاعة الأَصنام لهم. فشك هذه الأصناف الثلاثة في شفاعة هؤلاء الشفعاء, يجعلهم إذا سمعوا الإنذار يخافون سوءَ العاقبة يقدرون في نفوسهم ما جاءَ به الرسول. فيفكرون فيما يقول. وربما هداهم التفكير إلى الحق, فآمنوا. أما المنكرون للحشر إِنكارا تاما, والقائلون به: القاطعون بشفاعة آبائهم أَو أصنامهم فهؤلاءِ لا يؤمنون - ولو جاءتهم كل آية - حتى يَرَوُا العذابَ الأليم. كما جاءَ في قوله تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" (¬1) وقد مرت الإشارة إلى ذلك قريبا. ولكون موقفهم من الرسالة ما ذكر, مِنَ الرسول بالاهتمام بهذه الطوائف, التي تخاف الحشر إلى ربها - دون شفيع - لعلهم يتذكرون. ويستلزم أمر الرسول بالاهتمام بهم, أَلاَّ يكترثَ بمن عداهم, من الصُّم البُكْم: الذين لا يعقلون ولا يهتدون. {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)} ¬

_ (¬1) يونس, الآيتان: 97,96

المفردات: (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىَّ): أي بأَول النَّهارِ وآخِرِه. (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ): يريدون ذاته. (فَتَنَّا): ابتَلَيْنَا. التفسير 52 - (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ... ) الآية. لَمَّا أَمر الله رسوله في الآية السابقة - بإنذار من يَخْشَوْنَ أن يُحشَروا إلى ربهم, ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع, سواءٌ أكانوا مشركين أَم أَهل كتاب - نهاه سبحانه وتعالى - عن أن يكون إِنذارهم سببا في طرد المؤمنين الضعفاء - من مجلسه عليه السلام - طمعا في إيمان هؤلاء. وسبب نزول هذه الآية - على ما رواه الإمام أحمد وغيره: أن رؤساءَ المشركين. قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردتَ هؤلاء وأرواح (¬1) جبابهم, جلسنا إليك وحادثناك: يعنون فقراء المسلمين كعمار, وصهيب, وخبَّاب, وسلمان, وأضرابهم. رضي الله عنهم - فقال صلى الله عليه وسلم: "مَا أنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ" فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا. فإذا قمنا فأقعدهم معك, إن شئت. فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم" طَمَعًا في إيمانهم, فنزلت. والمعنى: ولا تُبْعِد عن مجلسك ضعفاء المؤمنين: الذين يَدعون ربهم ويعبدونه دائمًا. مخلصين. فلا يشركون في ذلك شركًا: جليا ولا خفيا. بل يريدون وجْهَهُ وذاتَهُ وحده. ليس عليك أيها الرسول من حساب أُولئك المشركين - إذا استمروا على شركهم ومعاصيهم - من شيء. فالحساب على ذلك خاص بهم, لا يتجاوزهم إليك. فلا يحملنَّك الحرص على إيمانهم: أن يبْعَدَ الفقراءُ عن مجلسك معهم, استجابة لرغبتهم. فكما أنه ليس على المشركين من حسابك على عملك شيء, فكذلك ما عليك من حسابهم على عملهم من شيء. ¬

_ (¬1) أرواح جمع ريح بمعنى رائحة. قال صاحب القاموس: والراح يجمع على أرواح. ثم ذكر ضمن معانيه, الرائحة. وكان هؤلاء الفقراء يلبسون جبابا تفوح منها روائح, تؤذى المشركين, لأنهم لم يجدوا بديلا عنها حتى يغسلوها, فكانوا يلبسونها دائما, فتفوح منها روائح العرق المتراكم, فلذا طلب المشركون إبعادهم عن المجلس إذا جلسوا مع الرسول. استعلاء وتكبرا.

فلا يحملنَّكَ الحرصُ على إيمان المشركين: أن تطرد فقراء المؤمنين وتُبْعِدَهم عن مجلسك. فتكون بذلك من الظالمين. واعلم أيها القارئُ الكريم: أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم, قصد من تخصيص الوقت للمشركين حين يجلسون إليه, تأليف قلوب المشركين, ولم يقصد طَرْدَ المؤْمنين حقيقة. ولهذا لم يَرْوِ أَحَدٌ أن قلوب فقراءِ المؤمنين انكسرت لذلك. وتعبير القرآن الكريم عن تخصيص الوقت للمشركين بأنه طَرْدٌ لفقراء المؤْمنين, يُرَاد منه إظهار كرامةِ المؤمنين على الله دون المشركين حتى جَعل تخصيصَهم بوقت, طرْدًا لهؤُلاء المخلصين ... ومعلوم أن النهي عن طرد الضعفاء, لا يلزم فيه سوى جملة (ما عليك من حسابهم من شيء). فنظمه في سلك ما لا شبهة فيه. وهو انتفاءُ أن عليهم من حساب الرسول شيئًا .. على طريقة قوله تعالى: " ... لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (¬1). والمقصود الأساسي من الآية: أن من كانوا عند الله بهذه المنزلة, لا يجاب المشركون إلى ما طلبوه من طردهم عن مجلسه إِذا كانوا معه. وأنَّ شانَ المشركين عند الله تعالى: غاية في الهوان, فلا يُهْتَمُّ بهم. وفي هذه الآية, دليل على أن الإسلام لا يميز بين الناس بالمال والرياسة, بل بالإيمان والعمل الصالح, وإن كانوا فقراء معدمين, وعلى أن الأُمراءَ مطالبون بإعطاء الفقراء حقهم من مجالس العلم ودوره, وأَلاَّ يمنعونهم عن مجالسة الأَغنياءِ فيها. 53 - (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين): ومثل ذلك الابتلاءِ والفتنة, فتَنَّا المشركين بالمؤْمنين, ليقولوا محتقرين لهم: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا): كما قالوا محتقرين لدينهم: " ... لو كان خيرا ما سبقونا إليه ... " (¬2). ¬

_ (¬1) النحل, من الآية: 61 (¬2) الأحقاف, من الآية: 11

(أَلَيْسَ اللهُ بأعْلَمَ بالشَّاكِرِينَ): فيمنحهم من النعم ما يستحقون. فكيف يحقر هؤلاءِ الحاقدون, غَيْرَهم من أهل الاستحقاق لأنعمه سبحانه؟! {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)}. المفردات: (بِجَهَالَةٍ): بِسَفَهٍ وسوءِ رأي. (وَلِتَسْتَبِينَ): ولِتَتَّضِحَ. (سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ): طريق أهل الذنوب. التفسير 54 - (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ... ) الآية. هذه الآية الكريمة, ليست خاصة بالمنهي عن طردهم من ضعفاءِ المؤْمنين, كما قيل مرويًّا عن عكرمة رأيًا له. فإن اللهَ مدَحهم فيما سبق - بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي, وهذا لا يتناسب مع الوصف هنا: بأنهم عملوا السوءَ بجهالة. فالحق أنها دستور عام لجميع المؤْمنين المقصرين, إذا ما تابوا وأصلحوا.

والمعنى: وإِذا جاءَك - يا محمد - الذين آمنوا - وقد أصابوا بعض الذنوب - فقل تبشيرا لهم: سلام عليكم أي مسالمة من الله لكم. وتلك المسالمة, هي أنه تعالى, قضى على نفسه بالرحمة لعباده: تفضُّلًا. وذلك أنه مَن عمِلَ منكم سوءًا أَي ذنبا بجهالة - أي سفه وسوء رأى - فشأنه تعالى: أنه غَفَّارٌ للذنوب, رحيم بعباده. فلا تقنطوا من رحمة الله. واعلم أن هذه الآية الكريمة, فتحت باب الرجاءِ أمام أَهل الذنوب. فعلى كل مذنب أن يراجع نفسه أمام هذا الكرم الإلهي, وأن يرعويَ عن غَيّه ويتوب من ذنبه, ويُقْبلَ على طاعة ربه. 55 - (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين): ومثل ذلك التبيين الواضح, في صفةِ أهل الطاعة وأهل الإجرام - المصِرَّين منهم والأَوَّابين - نُبَينُ سائرَ الآياتِ, لما له من فوائد كثيرة, ولتتضح طريق المجرمين فيتحاشاها الراشدون. {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)}. المفردات: (تَدْعُونَ): تعبدون. (بَيَّنَةٍ): حجة. (يَقُصُّ الْحَقَّ): يتبع الحكمة.

التفسير 56 - {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ... } الآية. بعد ما نَهى الله الرسولَ - صلى الله عليه وسلم -، عن إِبعاد فقراءِ المسلمين عن مجلسه، حين يجلس إليه المشركون تألفًا لقلوبهم، أتبعه بيان رحمته بالمؤْمنين التائبين من ذنوبهم، أَمرَه - سبحانه - في هذه الآية وما بعدها - أن يقطع أَطماع المصِرِّينَ على الشرك في صرفه عن دعوة التوحيد. والمعنى: قل أَيها الرسول للمشركين: إني نُهيت من الله تعالى؛ أَن أَعبدَ معكم الأَصنام التي تعبدونها من دون الله. ثم أَمره الله - في إِيجاز رائع - أَن يبين لهم: أَن عبادتهم إِياها لا تستند إِلى دليل. بل تجرى حسب هواهم، ومن أَتبع الهوى، ضل عن الهدى. فقال: {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا}: وَبَعُدْتُ عن الحق (وَمَا أنا مِنَ الْمُهْتَدِينَ): إِلى سبيل الرشاد، لو اتبعت منهجكم في عبادة غير الله. 57 - {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ... } الآية. المراد بالبينة: اليقين؛ كما قال ابن عباس. أو الحجة الواضحة، وهي القرآن. كما قال غيره. والمعنى على رأْى ابن عباس: قل لهم أَيها الرسول: إني على يقين من ربي. وكذبتم به، حيث جعلتم له شركاءً عبدتموها معه. ومَن جعل لله شركاءَ فقد كذب بوحدانيته تعالى، وإِن اعترف بخالقيته. والمعنى على رأْى غيره: قل: إني على حجة من ربي وهي القرآن الذي أَيدنى به، وكذبتم بهذا القرآن، حيث زعمتموه: شِعْرا وسِحْرا، وأَساطيرَ الأَولين. وقد كانوا يستعجلون نزول العذاب الذي توعدهم الله به إِن استمروا على شركهم. ويقولون مستهزئين: { ... مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُنم صَادِقِينَ} (¬1) فأَمر الله الرسول أَن يقول لهم: ¬

_ (¬1) سبإ، من الآية: 29

{مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}: أي: ليس من شأْنى ولا في حكمى هذا العذاب الذي تتعجلونه، وتتخذون من تأَخره ذريعة لتكذيب القرآن والصَّدِّ عن الإِسلام. فما الحكم - في شأْنه - تعجيلا وتأْجيلا، وفي جميع الشئون - إِلا لله تعالى على مقتضى الحِكمة في حُكمه وقضائه. وهو خير الفاصلين في قضايا خلقه. وهو يرى الحكمة في إمهالكم فأَمهلكم. ثم أَمره أَن يقول لهم: 58 - {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ}: قل لهم: لو كان أَمر عذابكم مفوضا إِلىَّ من الله تعالى، لطلبت من رِّبى أَن يعجل به، غضبا لأَجله بسبب كفركم به، ولَقُضِىَ الأمر بيني وبينكم، بإِنزال هذا العذاب بكم، والتخلص من شرككم وكفركم. والله أَعلم بكم أَيها الظالمون، وبما ينبغي لكم من الإِمهال، استدراجًا لكم لتشديد عذابكم إن بقيتم على ظلمكم وشرككم. ولكونه تعالى أَعلم بما ينبغي لكم، لم يفوض أمر عذابكم إلىَّ حتى أَعَجله لكم. ولمَّا أَتَمَّ الله بيان اختصاص القدورات الغيبية به تعالى - من جهة القدرة - أَتبعه بيان اختصاصها به - كذلك - من جهة العلم، فقال سبحانه في ضمن ما أَمر به رسوله أَن يبلغه لقومه: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}. المفردات: (مَفَاتِحُ): جمع مِفْتَح أَو مِفتاح - بكسر الميم فيهما، وهو أداة الفتح. والمراد بمفاتح الغيب: أَسباب علمه. ويجوز أَن تكون جمع مَفتح - بفتح اليم - وهو

مكان الفتح، أَي المكان الذي يُفتحُ، والراد منه: المخزن أَو الخزينة. ويكون المعنى على هذا: وعنده خزائن الغيب. (كِتَابٍ مُّبِينٍ): كتاب بين واضح في ذاته من: أَبان بمعنى اتضح. أَو موضح لغيره؛ من: أَبانه بمعنى أَوضحه، والمراد بالكتاب المبين: علم الله، أَو اللوح المحفوظ. التفسير 59 - {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ... } الآية. المراد من مفاتح الغيب: ما يُتَوَصل به إِلى علم الغيب. ومعنى كونها عنده تعالى: أَنها داخلة تحت علمه. والمعنى المراد من هذه الجملة: أَنه تعالى، اختص بأَسباب علم الغيب كله والطرق الموصلة إِليه ... ليس له في العلم بها شريك، وأَكد اختصاصه بالعلم بها بقوله: (لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ): أَي: لا يعلم الأَسباب الموصلة إلى الغيب سواه. ومن كان كذلك فلا يقدر غيره على إبراز الغيب الذي استأْثر سبحانه، بمفاتيحه. ولا يمنع اختصاصه تعالى بمفاتيح الغيب: أَن يمنح بعض خواص عباده شيئًا من علم الغيب - وهم المرسلون - صلوات الله وسلامه عليهم - قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ... } (¬1) وقال تعالى: { ... وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ... } (¬2) لأَن العلم الذي اختص به المولى، هو علم الغيب ذاتيا. أَما علم الرسل به فليس كذلك، إِذ هو منحة من الله تعالى لهم، ولولاها لما حصل لهم. التنجيم وأمثاله: عُلِمَ من قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} أَنّ علم الغيب - بالذات - لا يكون لأَحد سوى الله تعالى. وعُلِمَ من آيتى سورتى آل عمران والجن - أَنه سبحانه وتعالى - قد يُعْلِمُ بعضَ خواصِّ عباده - وهم الرسل - بعضَ الغيب. ¬

_ (¬1) الجن، الآيتان: 26، 27. (¬2) آل عمران، من الآية، 179

وبذلك يتضح: أَن علم الغيب مقصور على الله ذاتا، وعلى رسله - منحةً وعطاءً - بقدر، فلا يحل لأَحد سواهم، أَن يدعى علمَه بالغيب بل قال العلماءُ: إِنه كافر، لتكذيبه ما جاء في كتاب الله تعالى من اختصاصه - تعالى - بعلم الغيب، إِلا أَن يتفضل ببعضه على من يرتضى من الرسل. أَما ظنُّ الغيب بأمارات: فإِنه ممكن لعباده، فلا يكفر ولا يفسق من يدعيه، كما يحدث من الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر - حين يخبرون بهبوب الرياح بشدة أَو باعتدالها - وبكسوف الشمس يوم كذا، وبخسوف القمر ليلة كذا، وكما يحدث عن علماءِ الفلك حين يخبرون بزمن نزول المطر، أَو نزول درجة الحرارة وصعودها، أَو نحو ذلك، فيقع الأَمر كما قالوا .. وكما يفعَله الأَطباءُ بحكم العادة عندهم، إِذ يقولون: لمن حلمة ثديها الأيمن سوداء: جنينك ذكر، ولمن حلمة ثديها الأَيسر كذلك: جنينك أُنثى، أو يقولون لها: إِن كان جنبك اليمين أَثقل فالجنين أُنثى وإِلا فهو ذكر. فيقع الأَمر كما قالوا، ونحو ذلك، مما يخضع لقواعد علمية، أَو أَمارات ظنية. وأَما العَرَّافون الذين يدعون علم الغيب، كقول أَحدهم لمن يستخبره عن مستقبله: إنك ستكسب كذا، أَو تتزوج فلانة أَو نحو ذلك، فهو كافر كما قاله القرطبى. والمؤمنون منهيون عن إِتيان العرَّافين. فقد جاءَ في صحيح مسلم: "مَنْ أَتَى عَرَّافا فسأَلهُ عَنْ شَىْءٍ، لم تُقْبَلْ لهُ صلاةُ أَربَعِينَ لَيْلَةً". وعند أَحمد وغيره، من رواية أَبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أَتَى عرَّافا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ، فَقَد كَفَرَ بما أَنزِلَ عَلىَ مُحَمَّدٍ". {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا}: بعد أَن بين الله سبحانه، اختصاصه، بِعلْم الغيب كله. عطف عليه بيان علمه لما يشاهد أو يغيب في البر والبحر. وبما يسقطُ من الأَوراق، وعلمه بالرَّطب واليابس، تكملة لمتعلقات علمه، وإِيذانٌ بأَن الكل - بالنسبة إِلى علمه المحيط - سواءٌ في الجلاءٍ.

وخص البر والبحر بالذكر - دون سائر الكائنات - لأَنها أَقربها إلى البشر جوارا. والمعنى: ويعلم ما في البر والبحر من أَجزائهما، وما ظهر أَو خفى فيهما: من الإِنسان والحيوان والنبات، والسوائل والجوامد، والأَدهنه والأَبخرة، وعناصرها وذراتها، ومكونات هذه الذرات! وبعد أن يبين علمه بذواتها - أَتبعه بيان علمه بأَحوالها، رامزا إليها بقوله تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} فإِن سقوط الأَوراق، ليس إلا حالًا من الأَحوال. والمراد أَنه يعلم جميع حالات الشجر وصفاته، التي من جملتها: سقوط أَوراقها، كما أَن ذكر حال الورقة - وما عطف عليها خاصة دون سائر أَحوال ما عداها مما في البر والبحر - من الموجودات الفائقة الحصر، باعتبار أَنها أُنموذج لسائر أَحوال الموجودات. {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}: هذه الثلاثة معطوفة على (ورَقَةٍ) داخلة معها في حكم السقوط، والدخول في علم الله سبحانه وتعالى. والمعنى: وما تسقط من ورقةٍ ولا حبةٍ في ظلمات الأَرض، وما يسقط من رطبٍ ولا يابس إلا يعلمها الله تعالى. وعبَّر عن علمه بالكتاب المبين، تشبيها له به في الثبات والوضوح: تقريبا للأَذهان وإلا، فعلمُ الله أَعظم من الكتاب المبين وضوحا وثباتا وأَزلية. وقيل: المراد من الكتاب المبين: اللوح المحفوظ. فيكون ذلك كناية عن علمه تعالى به، فإِن من أثبت ذلك في كتابٍ عنده، فهو بما أثبته فيه عليم. وعلى أيِّ الرَّأيَيْن. فقوله تعالى: {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}: كالتكرير لقوله: (إِلَّا يَعْلَمُهَا) جىءَ به للتذكير والتأكيد.

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)}. المفردات: {يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ}: التوفى لغة؛ قبض الشىء بتمامه، وأكثر ما فيه قبض الروح. والمراد منه هنا: الإِنامة؛ أَي يُنِيمكم في الليل. {جَرَحْتُمْ}: كسبتم. {يَبْعَثُكُمْ}: يوقظكم. {أَجَلٌ مُسَمًّى}: وقت محدد لكل واحد ينتهى إِليه عمره. {الْقَاهِرُ}: الغالب. {تَوَفَّتْهُ}: قَبَضَت رُوحَه. التفسير 60 - {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ... } الآية. بيَّن الله - فيما تقدم قريبا - أَن الله أَمر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم -: أَن يقول لقومه المشركين: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} الآيات: ردًّا على استعجالهم العذاب الموعود

بقولهم: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وردًّا على طلبهم له بأسلوب آخر كقولهم: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (¬1) وقولهم له: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} (¬2). وجاءَت هذه الآية، للإِشارة إِلى أَن إِمهال الله - تعالى - لهم ليس لغفلةٍ عن كفرهم، فإِنه محيط بكل أمورهم. ولكن ليُقضَى أَجلٌ مسمى يرجعون بعده إِليه تعالى. فيعذبهم. والمعنى: قل أَيها الرسول، لقومك الذين يستعجلونك بالعذاب: الله الذي توعَّدكم به، هو الذي ينجيكم بالليل، فيجعلكم - بالنوم - لا تكادون تحسون ولا تميزون، كَأَنما قبض أَرواحَكم فعلا. وهو يعلم ما كسبتم بالنهار، من أَلوان الكفر والمعاصي ويحصيه عليكم ثم إِنه يوقظكم بالنهار - مع علمه بما تكسبون فيه من الآثام - لينتهى أَجل سمَّاه تعالى - لكل واحد منكم، فلا تدفعه معاصيكم إِلى تعجيل العذاب بكم ... ثم إِليه - وحده - رجوعكم بالبعث والحشر. ثم يخبركم بما كنتم تعملون من السيئات، ويجازيكم عليها. وتخصيص الليل بالإِنامة، والكسب بالنهار؛ لأَنه الغالب من عادات الناس. وقد أَشار الله بالبعث بعد النوم الذي يتكرر كل يوم، إلى إِمكان البعث بعد الموت الذي أَنكره المشركون، وأَنكروا العذاب بعده. إِذ أَنه - تعالى - إِذا كان يبعث كل نائمٍ بعد أَن كان كالأَموات بلا حِسٍّ ولا تمييز، فإِنه - بلا شك - قادر على بعثهم بعد الموت. 61 - {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}: أَي: وهو الغالب على عباده، المتصوف فيهم، إِيجادا وإِعداما، وإِحياءً وإِماتة، وتعذيبا وتنعيما. إلى غير ذلك من شئون القهر والسلطان: لا يشركه فيها شريك، ولا يرده عن مراده فيهم أَحد، ويرسل عليكم - أَيها المكلفون - حفظةً من الملائكة طول حياتكم: يُسَجِّلُونَ ¬

_ (¬1) الأنفال، من الآية: 32. (¬2) الإسراء، من الآية: 92

أَعمالكم - لكم أَو عليكم - حتى إِذا جاءَ أَحَدَكم زمانُ الموت، قَبضَتْ روحَه رسلُنا من الملائكة الموكَّلين بقبضِ الأَرواح، وهم لا يقصرون بالتواني والتأْخير. وبذلك تنتهى أَعمال الحفظة الذين كانوا يسجلون أعمالكم من خير وشر. وتبدأُ أُولى درجات الآخرة، فيشعر المكلف ببعض حظه من النعيم أو العذاب. وقد اختلف العلماءُ فيما يكتبه الحفظة: فمنهم من قال: إنهم يكتبون الحسنات والسيئات والباحات، كما يُشْعِرُ به قوله تعالى: { ... مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ... } (¬1) لكنهم لا يحاسِبُون على المباحات. ومنهم من قال: إِن المباحات لا تكتب، إِذ لا فائدة من كتابتها، فإِنها لا حساب عليها، وتسجيل الحفظة لأَعمال المكلفين، ليس لتذكير الله بها فإِنه: أَحصى كل شيءٍ عددا، بل لتذكير المكلفين بها - حينما يقرءُونها، فيعرفون بها عَدْلَ الله؛ حينما يقضى عليهم، وإِحسانَه، حينما يحسن إِليهم. وإِخبارُ الله لهم بكتابة أَعمالهم - صغيرها وكبيرها - دافع لهم إِلى بذل الجهد في الاتجاه بها نحو الاستقامة: تحاشيًا لفضيحتهم بنشرها في ساحة الحساب، واتقاءً للعقاب عليها. وما لم يُنَبَّهوا إِلى ذلك، تراخَوْا في العمل، وتساهلوا في المعاصي؛ اعتمادًا على كرم الله تعالى، مع أَنه لا ينبغى الاغترار بكرمه، قال تعالى: {يَأيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (¬2) فكما أَن الله تعالى عفو كريم، فهو عزيز ذو انتقام. 62 - {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَق أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}: ثم أعيد جميع المتوفين - مكلفين وغيرهم - إلى الله مولاهم ومالكهم الحق. أَما غيره من المعبودات، فليس له ولاية عليهم. ولهذا لا حُكْمَ له يوم القيامة فيهم. أَلا له الحكم يومئذ حقيقة وصورة: لا لغيره بأَى وجه من الوجوه. وهو أسرع الحاسبين، إذ لا يحتاج إِلى فكر وروية، ولا يشغله شأْن عن شأْن، فهو يحاسب الجميع في أَسرع زمان. ¬

_ (¬1) الكهف، من الآية: 49. (¬2) الانفطار، الآية: 6

وكيفية الحساب، لم يَرِدْ في شأْنها خبر عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، ولا تحيط بها عقول البشر. فلذا، يجب الإِيمان به - أَي بحصول الحساب - وتفويض الأَمر في كيفيته إِلى عَلَّام الغيوب. {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)}. المفردات: {ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}: شدائدهما. {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً): إِعلانا وإِسرارا. {كَرْبٍ}: الكرب؛ هو الغم والحزن الذي يأْخذ بالنفس - كالكُربة بضم الكاف. التفسير 63 - {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ... } الآية. المقصود من ظلمات البر والبحر: شدائدهما. على سبيل الجاز. وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما. والعرب تقول لليوم ذى الشدائد: يوم مظلم. أَو ذو كواكب. وأَنشد الزجاج: بَنِي أَسد هل تعلمون بلاءنا ... إِذا كان (¬1) يومٌ ذو كواكب أَشهبُ وأَصل التضرع: الخضوع والتذلل. وقد يستعمل بمعنى: الإعلان، كما هنا لمقابلته بالخفية. وبذلك قال ابن عباس والحسن. ¬

_ (¬1) كان هنا تامة: بمعنى جاء.

والمعنى: قل أَيها الرسول لهؤلاءِ المشركين، تنبيها لهم على انحطاط شركائهم عن رتبة الأُلوهية، وتقريرا لهم بذلك، وتوبيخا على عبادتها: مَنْ يُنَجِّيكم من شدائد البر والبحر: تدعونه عند نزولها بكم مُعْلنين دعاءَكم ومُسِرِّين به في خضوع وانكسار قائلين: لئن أَنجانا الله من هذه الشدائد لنكونن من المستديمين لشكره. - وقد أمَرَ اللهُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، أن يتولى الإجابة عنهم؛ إِيذانًا بظهورها وتعيُّنِهَا وشهادتهم بها. وذلك بقوله له: 64 - {قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}: قل لهم يا محمد: الله تعالى، ينجِّيكم من شدائد البر والبحر، التي تدعونه - دائمًا - أَن ينجِّيكُم منها كلما نزلت بكم. وينجَّيكم من كل غمٍّ ينزل بكم. لا يشاركه في إِنجائكم من ذلك شريك كما تعرفون وتشهدون، ثم أنتم - بعد إنعامه عليكم بالنجاة من المكاره إِجابة لدعائكم - تعودون إِلى الشرك، ولا تحققون وعدكم بدوام الشكر. فهل يليق بعاقل أن يشرك بالله آلهةً تَخَلَّتْ عنه في وقت الشدة، ويدعَ شكر الله الذي أَسدى له نعمة النجاة، فلا يوحِّده ولا يعبده؟! {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)}. المفردات: {أَوْ يَلبِسَكُمْ شِيَعًا}: أَو يخلطكم فرقا مختلفة الأَهواءِ، كل فرقة تشايع هوى. {بَأْسَ بَعْضٍ}: البَأَس، الشدة.

{كَيفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ}: كيف نبين ونُلَوِّن الحجج. {بِوَكِيلٍ): بحفيظ. التفسير 65 - {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ... } الآية. هذا كلام مستأنف، لبيان قدرة الله على إِيقاعهم في المهالك - بعد بيان أَنه المنجي لهم منها. وفيه وعيد ضمني بعذابهم إن بَقُوا على شركهم على طريقة قوله تعالى: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} (¬1). والمراد بالعذاب الذي يبعثه الله من فوقهم: ما كان من جهة العلو وإِن لم يكن من فوقهم فعلا. كالصيحة والريح والحجارة. والمراد بالعذاب الذي يأَتى من تحت أَرجلهم: ما كان من جهة السّفلى، كالرجفة والخَسْف، والإِغراق. واللبس: الخلط. ومنه قول الحماسى: وكتيبةٍ لَبَّسْتُها بكتيبة ... حتى إِذا التبست نَفَضتُ لها يدى والشيَع: جمع شيعة. وهم؛ مَن يجتمعون على أَمر يتشيعون له ويؤيدونه. حقًّا كان أَو باطلا. والمعنى: قل أَيها الرسول لمشركى قومك: الله هو القادر على أَن يبعث عليكم عذابا من أعلاكم، كالذى حدث لقوم لوط، وأَصحاب الفيل. أو عذابا من أسفل منكم، كالذى حدث لفرعون وقارون. أو أَن يخلطكم فرقًا مختلفة الأهواء: تشايع كل ¬

_ (¬1) الإسراء، الآيتان: 68، 69

فرقة رأْيا وتناصره. فينشَب القتال بينكم ويذيق بعضَكم شدةَ بعض. فكيف تشركون بمن هذه قدرته؟. انظر كيف نصرف الآيات، وننوع البراهين والحجج، على استحقاقنا التفرد بالأُلوهية، ليفهموا الحق فيرجعوا عما هم فيه من الشرك. والمراد من البَعْضَيْن في قوله تعالى: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} الكفار يذيق بعضُهم بعضًا، العذابَ، بسبب اختلافهم على أَنفسهم. وعن مجاهد: أَن الآية عامة في المسلمين والكفار. وقد حمى الله الأُمة المحمدية من العذاب من فوقهم أَو من تحت أَرجلهم - بطريقة الاستئصال - كما كان في الأُمم السابقة. وذلك بدعائه - صلى الله عليه وسلم -. ولكنه - تعالى - ابتلاها باختلافها شيعا. وإِذاقة بعضهم بأْس بعض. روى البخاري، عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: "لما نزلت هذه الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} قال - صلى الله عليه وسلم -: {أَعُوذُ بِوَجْهِكَ} {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: {أَعُوذُ بِوَجهِكَ} {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} قال: "هذه أَهْوَنُ أَو أَيْسَرُ". وروى مسلم بسنده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "سَأَلتُ ربِّى ثلاثًا: سَأَلتُه ألَّا يُهلِكَ أمَّتِى بِالْغَرَق فأَعْطَانِيهَا. وسَألتُهُ أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِى بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا. وَسَألْتُهُ أَلَّا يَجْعَلَ بَأْسَهم بَينَهُم ... فَمَنَعَنِيها". والمراد بالسَّنَةِ: القحط والجدب. 66 - {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}: وكذَّب قومك بالقرآن الذي اشتمل على تصريف الآيات المقتضية للتصديق. وهو الحق المطابق للواقع. فكيف استهانوا بتكذيبه!! قل لهم أيها الرسول: لستُ عليكم بحفيظ. فلم يوكَلْ أَمرُكم إلىّ، لأَحفظكم من التكذيب، وما أنا إِلّا منذر، والله هو الحفيظ، فمن آمن فلنفسه، ومن كفر فعليها.

67 - {لِكُلِّ نَبَإِ مُّسْتَقَرٍّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}: لكل خبر من أخبار القرآن زمانُ استقرار. يستقر ويقع فيه مدلُولُه. وسوف تعلمون حال خبركم في الدنيا والآخرة، ومبلغه من الصدق. {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)}. المفردات: {يَخُوضُونَ}: يندفعون. {فَأعْرضْ عَنْهُمْ}: فاتركهم. {وَإِمَّا يُنسِيَنَّك الشَّيْطَانُ}: إمَّا، أَصله: "إن" الشرطية المدغمة في "ما" "وما" صلة للتأكيد أَي وإن أنساك الشيطان. {بَعْدَ الذِّكْرَى}: بعد التذكر. {وَلَكِن ذِكْرَى}: ولكن تذكير ووعظ. التفسير 68 - {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتىَّ يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... } الآية. لا يزال الكلام موصولا في أحوال المشركين.

وسبب نزولها: أَن قريشا، كانوا يستهزئون بالقرآن. ويقولون فيه: إِنه سحر وشعر، وأَساطير الأولين، وما حَلا لهم من الأكاذيب، فنزلت الآية، تأْمر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أَن يُعرِض عنهم إعراض منكر عليهم، إذا سمع ذلك منهم، ولا يجلس معهم، ولا يجادلهم في ذلك، حتى لا يزدادوا لجاجة في باطلهم، وربما دعاهم قيامه عنهم، إِلى تَرْك الاستهزاءِ لعدم جدواه. والمعنى: وإِذا رأيتَ - يا محمَّد الذين يندفعون بالباطل في آياتنا، فاتركهم وقْت اشتغالهم بباطلهم، حتى يدخلوا في حديثٍ غيره، ذلك حينئذ مجالستهم، وإِن أَنساك الشيطان تَرْكَ مجالستِهم، فلا تقعد - بعد تذكر النهي عنها - مع هؤُلاء القوم الظالمين، ولا مؤاخذة عليك بهذا النسيان ... والخطاب - وإن كان خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فحكمه عام لجميع المسلمين. رأى العلماء في نسيان الرسول يرى بعضُ العلماء: أن ما جاءَ في الآية، من نسيان الرسولِ الأَمرَ بترك مجالستهم - عندما يخوضون في آيات القرآن - إِنما هو على سبيل الفرض، إذ لم يقعْ منه نسيان لذلك كما أَنه ليس للشيطان عليه سبيل. ولهذا استعملت: "إن" الشرطية فهي لمجرد الفرض لما ليس محقق الوقوع. وذلك على حد قوله تعالى: { .. لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ .. } (¬1). ويرى بعض آخر من العلماء: أن الخطاب في الآية للنبي - صلى الله عليه وسلم -. والمراد غيره من المؤْمنين. وقيل: لغيره ابتداءً. أي وإذا رأيتَ أيها السامع. ولكن جمهور العلماء على جواز النسيان على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأَفعال. فقد جاءَ في الصحيح: "إِنمَّاَ أنَا بَشَرٌ: أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكَّرُونِى". ¬

_ (¬1) الزمر، من الآية: 65

جاءَ في الصحيح أَيضا: أن صحابيا اسمه ذو اليدين. قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أَن سلَّم من ركعتين في صلاة رباعية: "أَقَصُرَتِ الصَّلاة أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَم يَكُنْ. فقال ذو اليدين: بل بَعْضُ ذلك قَدْ كان. فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: أَحَقٌّ ما يَقُولُ ذُو اليَدَيْن؟ فَقَالُوا: نعَم. فَأَتمَّها أربعًا". ومع إجازتهم النسيان عليه - صلى الله عليه وسلم - في الأَفعال، فقد أَجمعوا على استحالته عليه في الأقوال التي عليه تبليغها. وفي الموضوع تفصيلات مفيدة، يرجع إليها في المبسوطات. 69 - {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}: ذكر بعض الفسرين - في سبب نزول هذه الآية - أَن المسلمين قالوا: لئن كان علينا أَن نخرج من الحرم كلما استهزأْوا بالقرآن، لم نستطع أَن نستقر في المسجد الحرام، ونطوف، فنزلت، والأخذ بهذا السبب، يقتضي نسخَ الأمر بالإعراض عن الخائضين، وتَرْكِ مجالستهم حين الخوض في الآيات، ويرخص في مجالستهم لحاجة المسلمين إلى العبادة في المسجد الحرام، الذي يجلس فيه الخائضون، ويوجب عليهم أَن يذكروهم حين يسمعونهم يخوضون. ورجح الإِمام القشيرى، عدم النسخ هذه الآية. وذهب إِلى أن معناها كما يلي: وما على الذين يتقون من حساب الخائضين شيء إِن أَعرضوا عنهم، ولكن عليهم - مع ترك مجالستهم - أن يُذَكِّروهم ويعظوهم. وهذا المعنى هو الذي نرتضيه تفسيرا للآية الكريمة. فإن سبب النزول المذكور، لم يرد بسند صحيح. وعلى هذا الرأى، يكون الإعراض عن مجالسة الخائضين واجبا. ويُضَمُّ إليه وجوب تذكير أولئك الخائضين قبل الانصراف عن مجلسهم.

{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)}. المفردات: {ذَرِ}: اتْرُك. {غَرَّتْهُمُ}: خَدعَتْهم. {تُبْسَلَ نَفْسٌ}: الإِبسال، المنع، ومنه أَسد باسل، لأَن فريسته لا تفلت منه. ومعنى {تُبْسَلَ نَفْسٌ}: تُمْنَع من النجاة. {وَإن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ}: تُفْدِ نَفسَها كلَّ فداء. {حَمِيمٍ}: ماء شديد الحرارة. وقد يطلق على الماء البارد. والمراد منه في الآية المعنى الأول. لقوله تعالى: { ... وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} (¬1). التفسير 70 - {وَذَرِ الَّذِين اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهوًا .. } الآية. كان المشركون حريصينَ على إِحباط دعوة الإِسلام. وقد جربوا كلَّ الوسائل ففشَلُوا، ¬

_ (¬1) سورة محمَّد، من الآية: 15

ومن وسائلهم ما مَرَّ قريبا. من أنهم عرضوا على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إِقصاءَ الفقراء عن مجلسه إِذا جلسوا إِليه واستمعوا منه ما يدعوهم إِليه. وكان هدفهم من ذلك: إيقاع الفرقة بينه وبينهم، وإيغار صدور المؤمنين من نبيهم. إِلى جانب احتقارهم. فنهاه الله عن إبعادهم وكرَّمهم، فاغتاظ المشركون، وجعلوا يخوضون في القرآن تكذيبًا واستهزاءً، يريدون بذلك صَرْفَ المسلمين عنه، فأَمرهم الله بالابتعاد عن مَجَالسِهم حتى يخوضوا في حديث غيره. ثم أَمر النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن سفههم، وألاَّ يبالِى بما يقولونه في شأْنه وشأْن ما أُنزل عليه، وأن يمضِىَ في إِبلاغهم دعوة ربه، ووعظِهم وتذكيرهِم. وفي ذلك يقول الله: {وَذَرِ الذينَ اتَّخَذُرا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا}: أَي: واترك - يا محمَّد - المشركين الذين جعلوا دينَهم شيئًا يشبه اللعب واللهو، حيث عبدوا الأَوثان وجعلوها آلهة، وأَباحوا أَكْلَ الميتة، وحرموا البحيرة والسوائب، وغيرَ ذلك من الأمور التي لا أَثر للجد فيها. وقيل: المراد بهذه الجملة؛ أَنهم اتخذوا الإِسلام - دينهم الذي كلفوا به - شيئا يشبه اللعب واللهو، حيث سخروا بكتابه العظيم. {وَغَرتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: وخدعتهم الدنيا بأباطيلها، فركنوا إِليها، وأنكروا البعث لقصور فهمهم، وضَعْف إِدراكهم. والمقصود من أَمره - صلى الله عليه وسلم - بتركهم: أَلا يبالى بأَباطيلهم. بل يمضى في تذكيرهم، كما تقدم. والدليل على ذلك، قوله تعالى، عقب هذه الجملة: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ}: وحذِّر بالقرآن، أُولئك المشركين، من أَن تهلِكَ نفوسُهم بما كَسَبته من الكفر والمعاصي إِذ ليس لها - من غير الله - نصيرٌ أو شفيع، يدرأُ عنها العذاب.

{وَإن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ يُؤْخَذْ مِنْهَا}: العَدل هنا: بمعنى الفداء، والمعنى: وإِنْ تُفْدِ كلُّ نفس كافرةٌ ذاتها كل فداءٍ من عذاب يوم القيامة، لا يقبل منها. وقيل: العدْل هنا مقابل الظلم، أَي وإِن تعدلْ كلُّ نفس كافرةٌ في هذا اليوم، بأُن تتوب من الكُفر وتؤْمن بالله، لا يقبل منها؛ لأَن التوبة - في الآخرة - غير مقبولة فهي دار جزاءِ لا دار توبة وعمل. {أولَئِكَ الَّذِينَ أبْسِلوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكفُرُونَ}: أَي: أولئك الذينَ حُبِسوا للعذاب، وَمُنِعُوا من النجاة بسبب كفرهم ومعاصيهم، لهم في جهنم شرابٌ من ماءٍ شديد الحرارة، تتقطَّع منه أمعاؤهم، ولهم عذاب شديد الإيلام، بسبب استمرارهم وإِصرارهم على كفرهم. {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)}. المفردات: {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا}: ونرجع إلى الوراءِ بالعودة إلى الشرك. وسيأْتي لذلك مزيد بيان في الشرح. {اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ}: ذهبت بهواه وعقله.

{يَدْعُونَه إِلَى الْهُدَى}: المراد بالهدى؛ الطريق الهادي إلى القصد. جُعِلَ نفس الهدى، للمبالغة. التفسير 71 - {قلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا. . .} الآية. سبب نزول هذه الآية: على كل ما رواه ابن جرير وغيره أَن المشركين قالوا للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمَّد. وقيل: نزلت في أَبي بكر رضي الله عنه، حين دعاه ابنه عبد الرحمن - قبل أَن يعتنق الإِسلام - إِلى أَن يعود إِلى عبادة الأَصنام. وفي توجيه الأمر إِلى الرسول، تعظيم لشأْن المؤمنين، أو لشأْن أَبي بكر، حيث جعلت دعوتهم إلى الشرك، كأَنها موجهة إِلى الرسول. والذي نراه: أنه ثبت - بالقرآن والسنة - أَن الشركين، طلبوا من الرسول كثيرا: أَن يترك الدعوة لهذا الدين الحق، ويرجع إلى عبادة الأصنام، وأَغرَوْهُ بكافة المغريات فأبى. وقد أَمره الله في هذه الآية: أَن يقنطهم من استجابته إلى ما طلبوه منه، كما أَمره بذلك - في قوله تعالي: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (¬1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (1). وكما دعَوه إِلى الشرك، دَعَوُا المؤمنين إليه أَيضًا. قال تعالي: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيِلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ... } (¬2). والعنى: قل أَيها الرسول، للمشركين الذين يدعونك والمؤْمنين إِلى الشرك: أَنعبد من غير الله المتفرد بصفات الأُلوهية، ما لا يقدر على نفعنا إن عبدناه، ولا على ضرنا ¬

_ (¬1) سورة الكافرون. (¬2) العنكبوت، من الآية: 12

إِن تركناه ... ومن شأن الإِله الحق أَن ينفع ويضر فكيف يليق بنا أَن نعبد آلهة خالية من النفع والضر؟ {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللهُ}: الأَعقاب: جمع عقب وهو مؤخر الرِّجْل. والرجوع على الأَعقاب؛ هو الرجوع إلى الوراءِ؛ إِدبارا بغير رؤية موضع القدم. جُعِلَ هذا في الآية، مثَلًا للعودة إلى الشرك بعد الإِيمان، ففي كليهما ذهَابٌ بلا علم، وتعرضٌ للخطر. قال العلامة أبو السعود: "والتعبير عن الرجوع إِلى الشرك بالرد على الأَعقاب، لزيادة تقبيحه. بتصويره بصورة ما هو عَلَم في القبح" إِ هـ. ومعنى هذه الجملة مع ما قبلها: كيف يليق بنا أَن نعبد غير الله: ما لا ينفع ولا يضر وأَن نرتد - بإِغوائكم - إلى الشِّرْك بعد إِذ هدانا الله إِلى توحيده وطاعته. ونكونَ بذلك الارتداد: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا}: أَي: أَن مثلنا في الإعراض عن الهُدَى والتخبط في الضلال كمثل الذي ذهبت الشياطين بهواه وعقله: وأَضلته عن سواءِ السبيل الموصل إِلى المقصد السديد: فأَمسى حيرانَ: لا يدرى كيف ينجو من المهالك. ويصلُ إِلى غايته؟! له رفاقٌ لم يستجيبوا إلى استهواء الشياطين، بل ثبتوا على الطريق المستقيم الهادي إلى الخير، وجعلوا يدعونه إليه، يقولون له: ائتنا لتسلم من متاهات الأَرض التي ضللت فيها؟!. {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}: قل أَيها الرسول. لدعاة الضلال: إِن هدى الله - وهو الإِسلام - هو الطريق الهادي إلى السلامة في الدنيا والآخرة. وما عداه فهو الضلال المبين، وأُمرنا باتِّباع هداه، لنخضعَ بذلك، ونذعِنَ لرب العالمين.

{وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)}. التفسير 72 - {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}: وأمرنا بأن نقيم الصلاة ونؤديَها في أَوقاتها، مستوفيةً لأركانها وشروطها، وأن نتقِىَ الله ونخشاه: في أَمرنا كله. فلا نُقَصِّرُ في طاعة، ولا نُلِمُّ بمعصية، وهو الذي إِليه نُجمَع للحساب والجزاء. لا إلى غيره. فعلينا أن نمتثل أمْرَه، ونجتنب نهيه. 73 - {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}: أي: وهو الذي خلق السموات والأرض - وما فيهما - خلقا مشتملا على الحكمة الرفيعة. ومنها أن يُعرَف بآياته فيهما فيُعْبَدَ ويُقْصدَ. ولم يخلقهما عبثا وباطلا، وقضاؤه المتصف بالحق والصواب - دائما - نافذ. حين يقول لشىء من الأَشياء عظم أَوْ هَانَ كُنْ وانْتَقِلْ إلى عالَمِ الوجود؛ فيكون ويوجد بأَمره فورا: وفْقَ تدبيره وإِرادته، وله - وحده - الملك يوم يُنْفَخُ في الصور، لبعث الخلائق وحشرها وحسابها وجزائها، حيث يقوم الناس لرب العالمين. هو عالم كل غائب وحاضر. وهو الحكيم الذي يصيب الحق فيما يفعله، الخبير بخفايا الأمور وظواهرها. واعلم أن الملك لله دائما في الدنيا والآخرة. ولكن الله أَعطى بعض عباده الملك ظاهرا، وصورة في الدنيا، ويوم القيامة لا يجدون لملكهم ظلا ولا أَثرا. فلهذا قال سبحانه:

{وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ في الصُّورِ}: أي: له الملك يوم القيامة: ظاهرا وباطنا، صورة وحقيقة. فلا أثر لغيره فييه بأَى وجه من الوجوه. والصُّورُ: هوالقرن الذي يُنْفَخ فيه، وهو البوق، والله أَعلم بحقيقته. والنافخ فيه: إِسرافيل عليه السلام كما جاء في السنة. وقيل: إِن الصُّورَ جمع صورة. فإنها تجمع عَلى صُور بوزن بوق، كما تجمع على صُوَر بوزن عُمَر، وعِنَب. ويدل على ذلك قراءة قتادة {في الصُّوَر} بفتح الواو. والمراد منها: الإِيذان ... والنفخ فيها: إرسال الأرواح إليها، فتقوم لرب العالمين والله أَعلم. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)}. التفسير 74 - {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ... } الآية. أَي: واذكر يا محمد، حين قال إبراهيم لأبيه آزر - منكرًا عبادةَ الأَصنام - أتتخذ أَنت وقومك، الأَصنام التي لا تضر ولا تنفع، آلهةً: تعبدونها من دون الله؟. وآزر: أَب وإبراهيم عليه السلام، كما هو ظاهر النص القرآنى. وكان آزر وقومه يعبدون الأصنامَ، وَالشمسَ، والقمر، والكواكب. {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}: أَي: إن أَراك - وَقومك الذين يتبعونك في عبادتها - في ضلال عن الحق؛ ظاهر بين .. وفي هذا تبكيت وتقريع لهم على هذا المسلك الذي يتنافى مع ما يقتضيه العقل، السليم.، والفطرة الصحيحة.

{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}. المفردات: {جَنَّ عَلَيْهِ الَّليْلُ}: سَترَه بظلامه. {أفَلَ}: غَرَبَ وغاب. {بَازِغًا}: مبتدئا في الطلوع والظهور. التفسير 75 - {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... } الآية. أي: وكما عرَّفنا إبراهيم ضلال قومه واضحا، وأريناه الحق في مخالفتهم، نُعَرِّفهُ ونظهر له ملك السموات والأرض، ليستدل به على وحدانيتنا. {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}: أي: وليكون من جملة المصدقين جازما. إذ اليقين أَعلى مراتب الإيمان.

76 - {فلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أفَلَ قَالَ لا أُحِبٌ الْآفِلِينَ}: بعد أَن بين القرآن - فيما سبق - يقين إبراهيم بوحدانيته تعالى بما عرفه من مظاهر القدرة والتدبير في ملكوت الله، شرع هنا يفضل كيفية استدلال إبراهيم عليه السلام، ببعض تلك الظواهر لقومه فقال: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا}: أَي: فلما ستره الليل بظلامه، أَبصر كوكبا ظاهرا في السماءِ. {قَالَ هَذَا رَبِّى}: أَي: قال - مستعظما شأْن هذا الكوكب - هذا ربي ... مجاراة لقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، وتأليفا لقلوبهم، حتى بلغوا بقلوبهم إلى التأَمل في موضع الحجة في قوله: {فَلَمَّا أفَلَ قَالَ لَاَ أُحِبُّ الْآفِلينَ}: أي: فلما غاب هذا الكوكب وأفَلَ قال: لا أحب الآفلين. أَي: لا أحب اتخاذَ الْآفلين أَربابًا، لأَن الرب الحقيقى، الجدير بالربوبية، يستحيل عليه التغير والانتقال من حال إلى حال، لأَن ذلك من شأْن الحوادث ... فلم ينتفعوا بهذا الاستدلال. فانتقل إلى الاستدلال التالى في قوله: 77 - {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنىِ رَبِّى لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}: أي: وحين أَبصر إِبراهيم القمر - مبتدئا في الطلوع والظهور - قال مستعظما شأْنه: {هَذَا رَبِّى} مجاراة لقومه، على نحو ما سبق في الآية قبلها. فلما أَفل وغاب - قال إبراهم

عليه السلام: إرشادًا لقومه إلى أن يطلبوا الهداية من الله تعالى لئن لم يُرشدْنى ربي إلى الحق ويُثبِّتْنى عليه - لأَكونن من جملة القوم الذين بعُدوا عن الصراط المستقيم. ولكن هذا الاستدلال أيضا، لم يثمر في عقولهم المستغلقة، فانتقل إلى استدلال آخر: 78 - {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}: أَي فحين أبصر ابرَاهيم عليه السلام الشمس، مبتدئة في الظهور والطلوع، قال مشيرا إلى الشمس: هذا الذي أبصره هو ربي - وهو أَكبر من الكوكب والقمر - قال ذلك ليشد انتباههم إِلى التأمل والنظر، في التفسيرات الكونية، حتى يصلوا منها إلى معرفة الإله الصانع القدير، المدبر الحكيم. {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}: أي: وحين غابت الشمس وحُجبَت عن أَعينهم، قامت عليهم الحجة، لكنهم لم يؤمنوا بالإِله الخالق المدبر لشئون الكون - فأَعلن إبراهيم عليه السلام حينئذ، لقومه براءته من جميع معبوداتهم الحادثة المتغيرة، التي كانوا يشركونها مع الله في العبادة. ولما أَبطل - بالأدلة السابقة - ما كانوا يعبدون من دون الله، وأَعلن براءته منها، انتقل عليه السلام، إلى إعلان الإيمان الذي استقر في قلبه حقا ويقينا. فقال: 79 - {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: أَي: إني جعلت قصدى واتِّجاهى - بعد ظهور الحق - لعبادة الذي انشأَ السموات والأرض وما فيهمَا. {حَنِيفًا}: مائلا عن الاعتقادات الباطلة، إلى عقيدة التوحيد المؤيدة بالدلائل. {وَمَا أنَا مِنَ الْمُشْركِينَ}: أى: ولست من من الذين أَشركوا مع الله بعض مخلوقاته في عبادته. وبذلك ثبت أن إبراهيم ليس مع قومه في عقيدتهم.

{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)}. المفردات: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ}: وجادله قومه. {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}: أحاط علمه بكل شيءٍ. {سُلْطَانًا}: حجة. {يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}: لم يخلطوه بشرك. التفسير 80 - {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ... } الآية.

بعد أَن أَلزمهم إِبراهيم عليه السلام الحجة على توحيد الله تعالى، وأَفحمهم بظهور الأَدلة لم يجدوا وسيلة إِلَّا المجادلة بالباطل. فقال تعالى حاكيًا عنهم: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ}: أَي: جادلة قومه بالباطل في دينه، وهددوه بالأَصنام؛ أَن تصيبه بسوءٍ، إن هو ترك عبادتها. {قَالَ أَتُحَاجُّونَّى فِى اللهِ وَقَدْ هَدَانِ}: أَي: قال منكرا عليهم مجادلتهم - بعد وضوح الحق - أتجادلونني في وحدانية الله تعالى، وقد أَرشدنى سبحانه إلى توحيده، فأَصبحتْ حُجَّتُكُم باطلةً لا تُجدي شيئًا؟! {وَلَاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ}: أَي: ولا أَخشى أَن يَنَالَنى سوءٌ من جهة آلهتكم الباطلة، التي أَشركتم بها مع الله. {إلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّى شَيْئًا}: أَي: لكن إِن شاءَ ربي وقوع شيء من المكروه لي، فإِنه يكون من فعله وحده - ولا دخل لما تشركون به في ذلك. {وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا}: أي: أَحاط ربَّى علما بكل شيءٍ. فلا يقع في ملكه إِلا ما شاءَه هو. وليست لآلهتكم مشيئة حتى أَخافَها. {أفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}: أَي: أَتُعرِضون عن التأَمل في أَن آلهتكم جماداتٌ، غيرُ قادرةٍ على شيءٍ ما، فلا تتذكرون أَنها عاجزة عن إلحاق ضرر بي؟!

89 - {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ... } الآية. أَي: وكيف أَخاف وقوع مكروه لي من جهة آلهتكم مع عجزها - وأنتم لا تخافون إشراككم بالله - أَصنامًا لم يُنزل الله عليكم بصدق ألوهيتها حجة وبرهانا؟! وبهذا تبين موقفى وموقفكم. {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أَي: فأَينا في موقف الأَمن من وقوع المكروه الذي تخوفوننا به؟! وفي هذا إلجاءٌ لهم إِلى الاعتراف باستحقاقه - عليه الصلاة والسلام - الأَمن والطمأْنينة دونهم. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: أَي: إِن كنتم تعلمون الحق من الباطل بالتأَمل والتعقل؟! 82 - {الذينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ. . .} الآية. هذا جواب السؤال السابق في الآية قبلها. وهو تأْييد لسيدنا إِبراهيم عليه السلام، وتحقيقٌ لمدعاه. وبيانٌ واضح لمن يستحق الأَمن. وهم المؤمنون الذين أَخلصوا إِيمانهم من الشرك. {أُوَلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ}: أَي: وحدهم. {وَهُم مُّهْتَدُونَ}: أَي: إِلى الطريق المستقيم دون من سواهم.

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)}. المفردات: {حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ}: أي أَدلَّتُنَا التي أرشدنا إِبراهيم إِليها. {حَكِيمٌ عَلِيمٌ}: بالغ الحكمة واسع العلم. {وَهَبْنَا}: أَنعمنا.

{وَاجْتَبَيْنَاهُمْ}: واختبرناهم. {لَحَبِطَ}: لَبَطُلَ. {وَالْحُكْمَ}: والقدرة على الفصل في الأُمور، على أساس من الحق والصواب. {اقْتَدِهْ}: أي؛ تَأَسَّ. التفسير 83 - {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ. . .) الآية. هذه إشارة إلى تلك الدلائل التي أَرشد الله إبراهيم، إلى الاحتجاج بها على وحدانية الله وإبطال شرك قومه، الذي كانوا عاكفين عليه وهي تبدأْ من قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .}. وفي هذا، إِشادة بمكانة إبراهيم عليه السلام، وبالدلائل التي أرشده الله إِليها. وَيَتَأيَّدُ هذا بقوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ من نشَاءُ}: أَي: نُعْلِي منازلَ من نشاءُ رفع درجاته؛ بإِعطائه الحجة البالغة، والبرهان الواضح حسبما تقتضيه حكمتنا. كما هو شأْننا، فيما أَرشَدنَا إليه إبراهيم عليه السلام. {إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ}: أي: بالغ الحكمة في كل ما يقتضيه. {عَلِيمٌ}: أَي: واسع العلم بحال خلقه. فيعلم حال من شاءَ رفعه.

84 - {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا. . .} الآية. بعد أَن قام إِبراهيم بتبليغ من الله إِلى قومه بالحجة والبرهان، وتمت له الحجة عليهم شرع القرآن يعدِّد بعض نعم الله عليه وإحسانِه إِليه، حيث رفع ذريته، وأَبقى فيهم النُّبُوة إِلى يوم القيامة. فقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}: أي: ومنَنَّا على إِبراهيم بابنه: {إِسْحَاقَ} {وَيَعْقُوبَ} بعد إِسحاق. {كُلاًّ هَدَيْنَا}: أي: هدينا وأَرشدنا كلاًّ منهما، للسير على طريقة إِبراهيم. {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ}: أَي: وهدينا نوحا - النبي السابق على إِبراهيم - إِلى التوحيد والدعوة إِليه. وفي ذكر نوح عليه السلام. في سياق تعداد النعم على إِبراهيم - إِشارة إِلى أَن شرف الآباءِ، نعمةٌ على الأَبناءِ. كما أَن هداية الأَبناءِ نعمة على الآباءِ. {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}: أَي: كما جزيناهم وأَحْسَنَّا إِليهم بأَنواع الكرامات، نَجْزى كلَّ محسِن. 85 - {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ}: أَي: وكذلك هدينا: زكريا، ويحيى، وعيسى، وإِلياسَ. كلُّ واحد مِن هؤلاءِ الأَنبياءِ، بعد تقرير هدايته من جملة الصالحين المستقيمين. 86 - {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}: أَي: وهدينا: إِسماعيل، واليسع، ويونس، ولوطا، عليهم السلام. وفضَّلنا كلَّ واحد من هؤلاءِ بالنبوة على سائر العالمين في عصره. وهؤلاءِ الذين ذُكِروا في الآيات من أَول قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا. . .} هم من الأَنبياءِ الذين يجب الإِيمان بهم تفصيلا.

وهناك سبعة آخرون، يجب إلإِيمان بهم تفصيلا. وقد ذكروا في مواضع أخرى من القرآن الكريم، وقد جمعوا في قول بعضهم نظما: إِدريس، هود، شعيب، صالح وكذا ... ذو الكفل، آدم، بالمختار، قد خُتِمُوا 87 - {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. أَي: وهدينا - من آبائهم وذرياتهم وإِخوانهم - جماعات كثيرة، {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: أَي: واخترناهم ودامت هدايتنا لهم إلى الدين الحق، دين التوحيد والاستقامة. 88 - {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. . .} الآية. أَي ذلك الدين الذي أَوحاه الله إِليهم، ووفقهم للإِيمان به، ودعوة الناس إليه، إنما هو هدى الله: يُرشِد إِليه من يشاءُ: هدايته من عباده. {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَي: ولو حصل منهما الإِشراك فرضا - وحاشاهم - لبطُلَ وذهب عنهم الذي كانوا يعلمونه من الطاعات. وفي هذا تنويه بشأْن الدين الذي جاءَ به هؤلاءِ الأَنبياءُ جميعًا. وضرورة التمسك به. 89 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ. . .} الآية. أولئك: أَي هؤلاءِ الأَنبياءُ المذكورون - باعتبار اتصافهم بالهداية وغيرها من الصفات السابقة - هم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}: أي: أَنزلنا الكتاب على بعضهم. وأمرنا البعض بدعوة الناس إلى التمسك والعمل بما نزل على غيره من الأَنبياءِ.

{وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ}: أَي: أَقدرناهم على الفصل بين الناس على ما يقتضيه الحق. وأَعطيناهم النبوة والرسالة. {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}: الإِشارة في: {هَؤُلَاءِ} لأَهل مكة وسائر مَنْ كفر بعد تبليغه. أَي: فإِن يكفر - بهذه الأُمور المذكورة - هؤلاءِ الكفار وغيرهم، فإِنَّنَا قد أَعددنا ووفَّقنا - للإِيمان بها، والقيام بحقوتها - قومًا لم يكفروا بها في وقت من الأَوقات، بل استمروا على الإِيمان بها. 90 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. . .} الآية. جملة {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... } صفة لما قبلهَا: { ... قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}. والمعنى: هم أولئك الأَنبياءُ الذين وفقهم الله تعالى، إِلى منهج الحق، والخير، فاقْتَدِ بهم يا محمد، وسِرْ على طريقتهم: من التوحيد وأصول الدين؛ لأَن دعوة الأَنبياء في أُصولها واحدة. وبعد أَن أَمره بالسير على طريقة الأَنبياءِ السابقين، أَمره بأَن يقول لأُمته: إِنه لا يثقلهم بطلب الأجر على دعوته إياهم إلى طريق الخير في قوله: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا}: أي: قل يا محمد، لأُمتك: لا أَطلب. منكم أَجرا على تبليغكم الدعوة، وإرشادكم إلى ما أمر الله به. {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}: أَي: ما القرآن، إلا عظةٌ وإرشاد للثَّقَلينِ: الإِنس والجن. فتبليغهم إياه - بدون سؤاله إِياهم أجرا - حَقٌّ لهم ...

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوأَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}. المفردات: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}: وما عظَّموه حق تعظيمه.

{قَرَاطِيسَ}: أوراقا مفرقة. {فَى خَوْضِهِمْ}: في باطلهم. {يَلْعَبُونَ}: يَلْهَون. {أُمَّ الْقُرَى}: مكَّة. والمراد: أَهلها. {غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}: سكرات الموت وشدائده. {خَوَّلْنَاكُمْ}: أَعطيناكم. {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}: أَي في الدنيا. {تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}: تَشَتَّتَ جَمْعُكم. التفسير 91 - {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... } الآية. بعد أَن بين الله سبحانه وتعالى أَن القرآن نعمة عظيمة، ينتفع بها جميع الناس، لما فِيه من الرشد والهداية، أَتبع ذلك، ببيان جحود الكفار - وخاصة اليهود - لتلك النعمة فقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}: أَي ما عرفوا الله حَقَّ معرفته، حتى لا ينكروا إنعامه عليهم: بإِرسال الرسل، وإِنزال الكتب. {إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ}: أَي حين قالوا ذلك لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقد خاصموه في القرآن. مبالغين بغير حق - في إِنكار إِنزال القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأَلزمهم الله بما لا سبيل إِلى إِنكاره أَصلا. فقال لهم: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى}: أَي قل لهم يا محمد، رَدًّا عليهم: مَن الذي أَنزل التوراة على موسى؟

وإِنما اختار لإِلزامهم إنزال التوراة عام موسى، لأَنه معترف به ومسلم عندهم، بدون جدال. {نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ}: أي أَنزلنا التوراة، واضحة في نفسها، مرشدة للناس إِلى الطريق المستقيم. {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}: أَي - ومع وضوحه وظهور دلالته - تكتبونه في أَوراق مفرقة؛ ليسهل عليكم إظهار ما تريدون اطلاع الناس عليه، وإِخفاءُ الكثير من أَحكامه وشرائعه، مما لا تحبون معرفة الناس له، إِرضاءً لشهواتكم. {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ}: أَي: وعلمكم الله - على لسان محمَّد - صلى الله عليه وسلم - زيادة على ما في التوراة. بيانًا لما التبس فَهْمُهُ عليكم وعلى آبائكم، الذين كانوا أَعلَم منكم. ومصداق هذا قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (¬1). {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}: أَمر الله نبيه - عليه السلام - أَن يجيب بجواب لا جواب سواه، عن الذي أَنزل الكتاب على موسى ... إِنما أَنزله الله تعالى. ثم أَمره - بعد هذا الجواب - أَن يهملهم ويتركهم وخوضهم في باطلهم، حيث لم تنفع معهم الحجج الواضحة، والبراهين الساطعة. 92 - {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ... } الآية. أَي: هذا القرآن: كَتاب الله المشتمل على ما ينفع الناس، منزلٌ من الله تعالى على محمَّد، عظيمُ النفع، كثيرُ الفوائد، موافقٌ للكتب التي سبقته في التوحيد، وفي تنزيه الله، وفي أُصول العقائد، ليكون وسيلةَ إِنذار لأَهل مكة، وسائر الناس. ¬

_ (¬1) النمل، آية: 76

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}: أي: والذين يصدقون بالآخرة تصديقا يُعْتدُّ به، ويرجون لقاء الله، هم الذين يصدقون بالقرآن وينتفعون به. فيحملهم ذلك على الحافظة على صَلَاتهم، وعلى سائر ما أَمرهم الله به من التكاليف. وتخصيص الصلاة بالذكر، لأَنها عِمادُ الدين. 93 - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا ... } الآية. بعد أَن بين الله الفريق الذي اهتدى، وآمن، وأَدى التكاليف - بيَّن - سبحانه - في هذه الآية، الفريق الذي افترى على الله الكذب. والمعنى: لا أَحدٌ أَشدَّ ظلما، ممن افترى على الله كذبا، ادعاءً للنبوة، كمسيلمة الكذَّاب وأَمثاله. {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}: أَو ادَّعى نزول الوحى عليه. ولم ينزل عليه شيء. أو ادَّعى - باطلا - القدرةَ على إنزال مثل ما أنزل الله على محمد من القرآن. وهيهات أن يتم له ذلك. فإن الله تعالى يقول: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (¬1). {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}: بعد أن بيَّنت الآية حالهم الباطل في الدنيا، انتقلت إِلى بيان حالهم - عند قرب انتقالهم من الدنيا، وما يعقب ذلك من أهوال وشدائد. ¬

_ (¬1) الإسراء، الآية: 88

والمعنى: ولو ترى يا محمد، وقت حلول شدائد الموت وأهواله بهؤلاءِ الظالمين، ورسل الموت المكلفون بقبض أَرواحهم تمتد أيديهم مبسوطة إليهم: أَن ينزعوا أَرواحهم من أجسادهم ويلقوها في أَيدى الملائكة. قائلة لهم - إِيلاما وتهكما - انزعوا أَرواحكم من أجسادكم، لأَنكم اليوم تُجْزَوْن عذاب الهُون، بسبب تقوُّلِكم على الله غير الحق، واستكبارِكم عن الانقياد لآياته. والإيمان باللهِ وحده!!! أَي: لو ترى يا محمد ذلك - لرأيت أمرًا شديدا، تقصر العبارة عن وصفه!!! 94 - {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ ... } الآية. أَي: ويقول الله لهم، إذا بُعثوا: لقد جئتمونا منفردين عن الأَهل والمال والولد والسلطان - كما أوجدناكم - في أَوَّل حياتكم الأُولى - بدون مال ولا متاع ولا ولد. {وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ}: أي: وتركتم ما أعطيناكم من النعم في الدنيا، ولم تحملوا منها - معكم - شيئًا. {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}: أي: ويقال لهم توبيخا؛ وفَقدتم أَنصاركم، فما نرى منهم أحدا معكم. وقد كنتم تزعمون أنهم - في استحقاق عبادتكم لهم - شركاءُ لله. {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}: أي: لقد انفصمت الروابط بينكم، وتَشتَّتَ جَمْعُكم. {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}: أَي: ذهب وضاع منكم الذي كنتم تزعمونه في الدنيا، من أَنهم شفعاء لكم عند الله، ومن أَنه لا بَعْثَ. ولا جزاءَ، ولا حساب.

{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)}. المفردات: {فَالِقُ}: الفَلْق؛ الشَّق. {النَّوَى}: ما في داخل الثمرة؛ تمرا أَو غيره. {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ}: يخرج النبات الحيَّ من التربة الميتة، والزرعَ من الحبّ، والشجرَ من النوى.

{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}: كيف يُصْرَفون عن عبادته! {الْإِصْبَاحِ}: الصبح والضياء. {سَكَنًا}: يُسْكَن فيه من تعب النهار. {حُسْبَانًا}: يُحسَبُ بهما الأَوقات. {ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}: ظلمات الليل في البر والبحر. {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}: فلكم مكانُ استقرار في الأَصلاب، واستيداع في الأَرحام. أَو العكس. {يَفْقَهُونَ}: يفهمون. {خَضِرًا}: أَخضر. {مُتَرَاكِبًا}: رُكِّب بعض مه فَوق بعض. {قِنْوَانٌ}: الْقِنْوُ، ما يحمل من التمر وهو كالعنقود للعنب. {وَيَنْعِهِ}: ونُضْجِه. التفسير 95 - {إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ... } الآية. هذا شروع في بيان قُدْرَةِ الله تعالى العجيبة: الدالة على كمال علمه ودقة تدبيره، ولطيف صنعه وحكمته. جاءَ بعد تقرير أَدلة التوحيد، ونفى الشركاء والشفعاء؛ فقال تعالى: {إِنَّ الله فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}: يخبر الله تعالى عباده: أَنه يَشُقُّ الحَبَّ والنَّوى في التراب، فتنبت الزروع، على اختلاف أَصنافها، من الحبوب، والثمار على تنوع أَشكالها وأَلوانها وطعومها، من النوى.

{يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ}: هذا تفسير لما تقدم، فهو يخرج النبات الحى مما يمتصه من عناصر التربة الأرضية الميتة، كما قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} (¬1). {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ}: فهو يخرج الخلايا الميتة من النبات والحيوان. كما يخرج الأَظافر والشعر وبقايا الغذاءِ من الخلايا الحية من الإِنسان والحيوان، وحينما يموت النبات والحيوان والإِنسان تتحلل أَجسامها جميعا فتعود إِلى العناصر الترابية التي كانت قد تكونت منها. وهى بضعة عشر عنصرًا. على اختلاف في النسب بين الحيوان والنبات. {ذَلِكُمُ اللَّهُ}: أَي: صاحب هذه الأَفعال العجيبة، هو الله ذو القدرة العجيبة، المستحق للعبادة دون سواه. {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}: أَي: فكيف تصرَفون عن الحق، وتعدلون عنه إِلى الباطل. فتعبدون - مع الله - إلها آخر. 96 - {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ... } الآية. أَي: هو خالق الضياءِ، الذي يشق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضىء الوجود، ويستنير الأُفق عن حكمةٍ وسعةِ رحمةٍ. فكلٌّ لنا به حاجة وذلك دليل القدرة التامة، حيث أَوجد الأَشياءَ المتضادة لحاجة حياتنا إِليها. مما يدل على حكمته، وكمال عظمته، وعظيم سلطانه. {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}: أَي: يسكن فيه الإِنسان والحيوان، ليستريح من عناءِ العمل في النهار. ¬

_ (¬1) سورة يس، الآيتان: 33، 34.

{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا}: أَي: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب مقدر: لا يتغير، ولا يتبدل، وبهما تُحْسَبُ الأَوقات، التي تؤَدَّى فيها العباداتُ والمعاملات. {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}: أَي: ذلك الذي تقدم من ظهور الإِصباح. وجعْل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا - جارٍ وحاصلٌ، بتقدير العزيز الذي أَحسن كل شيء خلقه، وأَبدع تصويره. {الْعَلِيمِ}: الذي وسع علمه كما شيءٍ. فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأَرض ولا في السماءِ. وقد وردت هذه الخاتمَةُ كثيرا في القرآن. بعد ذكر خلق الليل والنهار والشمس والقمر مما يدل - دلالةً واضحة - على أَن هذه الكائنات من أَقوى الأَدلة على سعة الله، وعظيم تدبيره. 97 - {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... } الآية. أي: وهو الذي أوجد النجوم: لهدايتكم في ظلمات الليل في البر والبحر. وفي ذلك بيان لبعض آثارها الكونية. ومن آثارها النافعة: ما ذكر في قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ... } (¬1) الآية. ولا يزال العلم يبحث عن أَسرارها فيكشف جوانب من آياته - تعالى - في هذه الأَجرام. أَما مَنْ يحاولون كشْفَ أَستار الغيب عن طريق هذه النجوم، فهم مخطئون مخالفون لتعاليم الإِسلام. {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: أَي: قد بَيَّنَّاهَا ووضحناها لقومٍ يعلمون معانِيهَا، ويعملون بموجبها، لِيُتَّبَع الحق، ويجتنب الباطل. ¬

_ (¬1) سورة الملك، من الآية: 5

98 - {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... } الآية. وهذا تذكيرٌ بنعمة الإيجاد من العدم. أَي: وهو الذي أَوجدكم من نفس واحدة؛ هي آدم عليه السلام. {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}: أَي: فلكم استقرارٌ في الأَصلاب. أَو فوق الأَرض. واستيداع في الاَّرحام، أَو في القبر. أو: الاستقرارُ؛ في الأَرحام، والاستيداعُ؛ في الأَصلاب. {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}: أي قد بيَّناها لمن يفهمون ويَعُون كلام الله وما احتواه من المعاني. وختمت الآية الأُولى، بقوله: {يَعْلَمُونَ} والثانية بقوله: {يَفْقَهُونَ} لأَن الإِنشاء من نفس واحدة، أَلطف وأَدقّ تدبيرًا وصنعةً، فكان ذكر الفقه - الذي هو استعمال الفطنة، وتدقيق النظر - مناسبا له. ذكر مع النجوم العلم، لأَن النظر في أَحوالها: لا يحتاج إلاَّ إِلى العلم. ولَفْت الذهن إِليها. 99 - {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ... } الآية. هذا تذكير بنعمة أُخرى من نعمه الجليلة، الدالة على كمال قدرته. والمراد من الماء: المطر. ومن السماء: السحاب. والماءُ ينزل بقدر: رزقًا للعباد، ورحمةً من الله بخلقه. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}: أَي فأَخرجنا بسبب هذا الماءِ كلَّ صنف من أَصناف النبات المختلفة، التي ينتفع بها الإِنسان والحيوان: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة عبس، الآيات: 24 - 32

{فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا}: هذا شروع في تفصيل ما أَجمله، من إِخراج النبات. أَي: فأَخرجنا - من النبات - شيئًا غضًّا أَخضر، وهو ما تشعب من أَصل النبات الخارج من الحبة. {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا}: أَي: نخرج من ذلك النبات الأَخضر، حبا رُكِّب بعضه فوق بعض، كما في السنبل من القمح والشعير. {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ}: وهذا تفصيل حال الشجر بعد النبات. أَي: ومِن طلع النحل، قنوانٌ يحمل ثمرها، ويكون في متناول الأَيدى. وهو الدانى القريب، أَو في غير متناول الأَيدى. وهو البعيد .. ونَبَّهَ على الأُولى، لزيادة النعمة فيها. والقِنْوَان. مما يستوى فيه المفرد والمثنى والجمع. مثل: صِنْو، وصِنْوَان. {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ}. أَي: ونخرج منه جناتٍ من أَعناب. وهذان النوعان هما أَشرف الثمار عند أَهل الحجاز. وربما كانا خيار الثمار في الدنيا. وقد امتن الله بهما على عباده، فقال تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (¬1) وكان ذلك قبل تحريم الخمر. وقال سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} (¬2). {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}: أَي: وأَخرجنا الزيتون والرُّمان مشتبهًا في الورق، فهو قريب الشكل بعضه من بعض. وغير متشابه في الثمار: شكلا وطعما وطبعا. مما يدل على كمال قدرة خالقها، وحكمة مبدعها. جلَّ جلاله. ¬

_ (¬1) سورة النحل، من الآية: 77 (¬2) سورة يس، من الآية: 34

{انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}: أي: انظروا نظَرَ اعتبار وَتبَصُّرٍ - إلى ثمر الزَّيتون والرُّمان، إِذا أَخرج ثمره: كيف يخرجه صغيرا ضئيلا، لا يكاد ينتفع به، وإلى حال نضجه، حيث يصبح ذا نفع عظيم ولذة كاملة. {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ}: إنَّ فيما أُمرتم بالنظر إليه لَدَلائلَ كثيرةً عظيمة، على وجود القادر العظيم، وحكمه ووحدته. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: لِقَوم يصدقون به، ويتبعون رسله. وخَصَّ المؤْمنين بالذكر؛ لأَنهم هم الذين انتفعوا بذلك، دون غيرهم. ووجه دلالة ذلك على وجود إله حكيم قادر واحد: أَنَّ حدوثَ هذه الأصناف المختلفة المتشعبة من أصل واحد، وانتقالها من حال إِلى حال على نمط بديع - لا بد أَن يكون بأحداث صَنَعهَا صانع حكيم، يعلم تفاصيلها. {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)}. المفردات: {الْجِنَّ}: المراد بهم؛ الشياطين. أو ما يعمهم والملائكة. {وَخَرَقُوا}: أَي اختلقوا، وافتَرَوْا.

التفسير 100 - {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ... } الآية. بعد ما تقدم من النعم الجليلة، التي أَبدعها الله عز وجل - وهي دالة على توحيده - وَبَّخ مَنْ أَشرك به سبحانه، وعَبَد غيرَه، ورَدَّ عليه بقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ}: أَي: وَصَيَّرُوا الجن شركاءَ لله، حيث اعتقدوا ذلك. وقالوا: إن الملائكة بنات الله. وتسميتهم جنا، لاجتنانهم واستتارهم عن الأَعين. أَو المراد بهم: الشياطين، حيث أَطاعوهم كما يطاع الله تعالى. وعَبدوا الأَصنام وغيرهم: بوسوستهم وتحريضهم. انظرْ التي قول الملائكة يوم القيامة: { ... سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} (¬1). {وَخَلَقَهُمْ}: أَي: اتخذوا له سبحانه، شركاءَ، وقد خلقهم وحده. فلا يصح أَن يُعْبَدَ سواه. {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}: أي: واختلقوا وافْتَروْا لله سبحانه، بنين ربناتٍ، بغير علم بحقيقة ما يقولون. ولكن جَهْلًا بالله وبعظمته إذ لا ينبغى - ما دام إلهًا - أَن يكون له بنون وبنات، أَو صاحبة، أَو أَن يشاركه أَحدٌ في خلقه. وفي هذا تنبيه على ضلال من ضل، بادعاءِ أَن له ولدًا، كما يزعم اليهود، حيث قالوا: عزير ابن الله. وكما قال النصارى: المسيح ابن الله. وكما زعم المشركون من العرب في قولهم: الملائكة بنات الله. ¬

_ (¬1) سبأ، من الآية: 41

{سُبْحَانَة وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}: أَي: تَقَدَّسَ وتنزَّه وتعاظم الله عز وجل، عما يصفه به الجهلة الضالون، من نسبة الأَولاد والأَنداد والشركاءِ إليه. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)}. المفردات: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: منشئهما ابتداءً، من غير مثال سبق. وهو صيغة مبالغة. من بَدَعَهُ؛ بمعنى: اخترعه. {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ}: من أَين يكون له ولد. أَو كيف يكون له ولد؟ {صَاحِبَةٌ}: زوجة. {وَكِيلٌ}: تستعمل هذه الكلمة بمعنى: حفيظ، وبمعنى: مَنْ يُوكَلُ إِليه الأَمْر، ومن يتولاه .. وكلٌّ تصح إِرادته هنا. {لَا تُدْرِكُهُ الْأِبْصَارُ}: إِدراك الشىء؛ الوصول إِليه، والإِحاطة به. {الْأَبْصَارُ}: جمع بصر. وهو حاسَّة النظر. وقد يطلق على العين، لأَنها محلٌّ النظر والإِبصار.

{اللَّطِيفُ}: العليُم بدقائق الأُمور وخوافيها. وقد يراد منه: المحسن. وهو المناسب هنا لإِفادته معنى جديدا. أَما المعنى الأَول فهو داخلٌ في عموم معنى الخبير. إِذ معناه: العليم بالظواهر والخوافى. التفسير 101 - {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ... } الآية. المعنى: الله مبدع {السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، بلا مثال يحتذيه ولا شريك يُعينه، فكيف يكون له ولد - كما يزعمون - ولم تكن له زوجةٌ تصاحبه يأْتي منها الولد؟! وخلق كل شيء ومن الموجودات، حتى ما زعموه ولدا، والمخلوق لا يكون ولدا - وهو بكل شيء عليم. ومن كذلك، فإِنه يعلم ما افْتَرَوْه عام الله إن البنُوَّة وسوف يُجْزَوْنَ على افترائهم أسْوَأَ الجزاء. وفي الآية دليل على نَفْىِ الولد عن الله تعالى، من وجوه: أَحدها: أن من مبدعاته: السمواتِ وَالأَرضَ. وعَن كان كذلك، لا يصح أَن يكون له ولد. لأَن ما ادعوْه ولدا، لا يقدر على مثل ذلك. ومِنْ شأْن الولد. أن يكون قادرا على مثل ما يقدر عليه أَبوه. ثانيها: أَن مِنْ شأْن الولدِ أَن يتولَّد من ذكر وأُنثى متجانسين. والله تعالى، منزه عن المجانسة والشابهة، فلهذا، لا تكون له زوجة يأْتي منها الولد. ثالثها: أَن الولد الذي ادعوه، مخلوقٌ لله تعالى. فقد خلق - سبحانه - كلَّ شيءٍ وهو من جملته. والمخلوق لا يكون ولدًا للخالق، ولا يسمى به بل يسمى مخلوقا. رابعها: أَن الولد يشبه أَباه، والله بكل شيء عليم. في حين أَن ما ادَّعوه ولدا، ليس كذلك. فلا يصلح أَن يكون ولدًا لله. لأَنه فقد صفته، وهي العلم بكل شيء.

102 - {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}: أَي: ذلكم الموصوف بهذه الصفات الجليلة. هو الله المستحق وحده للعبادة. {رَبُّكُمْ}: أَي: مالك أُموركم دون غيره، {لَا إلَهَ إلاَّ هُوَ}: أي: لا معبود - بحق - سواه. {خَالِقُ كل شَىْءٍ}: أي: ما كان منه وما سيكون. فلا يصلح - سواه - أن يكون ولدا له، يُعبدُ معه. ويقدس تقديسه، لعدم مشابهته له تعالى، في تلك الصفات. فإن مِنْ شأن الولد أن يشبه أباه في صفاته. وإِذا كان الأَمر كذلك. فاعبدوا الله وحده - غير مشركين به، ولا متخذين له ولدا. والله - مع كل هذه الصفات الجليلة - وكيل، أَي متولٍّ أُمورَ خلقه، قوامٌ عليها. يحفظها من الخلل بعد أَن منحها أَسباب الوجود. فلا يصلح غيره أن يُعبدَ معه، أَو أن يكون له ولد. 103 - {لَا تُدْركُهُ الْأبصَارُ وَهُوَ يَدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير}: إدراك الشىء: الوصول إِليه والإحَاطة به. ولهذا يقول سعيد بن المسيب في معنى: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}: لا تَصل إليه الْأَبْصارٌ ولا تحيط به. ومعنى الآية مجتمعة: لا تَصِل إلى الله الأَبصارُ ولا تحيط به. والله هو الذي يحيط بالأَبصار، ويعلم دقائقها وخفاياها. وهو الرفيق بعباده، المحسن إليهم، العليم بظواهر الأُمور وخوافيها. وقد استدل المعتزلة بالآية الكريمة، على امتناع رؤية البشر لله تعالى. ولا حجة لهم فيها.

إذ ليس الإِدراك مطلقَ الرؤْية، حتى يكون نفيه نفيا لها، بل هو رؤْيةٌ مع شمول وإحاطة. وذلك هو المنفي، فلا مانع من الرؤية لله - دون إحاطة وشمول - مع نفي الكيف عنها، فإن الرؤية غير منفية، إِذ نفى الخاص، ليس نفيًا للعام. ولا مانع من أَن يخلق الله في البصر قوة غير عادية، يمكن بها رؤية البارئ سبحانه وتعالى، بدون مستلزمات رؤْية الحوادث. وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ: لا تضامُون في رُؤيَتِه ... " (¬1) الحديث. {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)}. المفردات: {بَصَائِرُ}: جمع بصيرة، وهي: النور الذي تبصر به النفس والقلب. أما البصر: فهو نور العين. وأُطلقت البصائر على آيات القرآن، تشبيها لها بها، في إظهار الحق. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري وغير.

{نُصَرِّفُ الْآيَاتِ}: نبيِّنها، أو ننقلها من نوع إلى نوع. مأْخوذ من الصرف، وهو: نقل الشىء من حال إِلى حال. {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ}: اللام في {لِيَقُولُوا} لام الأَمر. وقد كسرت. وتؤيده قراءة أُخرى بإِسكانها. {دَرَسْتَ}: تَعَلَّمْتَ. {حَفِيظًا}: حارسا. من حَفِظَهُ بمعنى: حرَسَه. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ}: أَي: لست وكيلا في أَمر جَزَائهم. فدعهم إلى الله. التفسير 104 - {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} الآية. قد جاءَكم أَنوارٌ لقلوبكم من مالك أمركم ومربيكم. وتنبعث هذه الأَنوار من آيات القرآن الذي أَنزله إِليكم. فَمَنْ رأَى الحق ببصيرته في ضوئها، فاهتدى إليه، وآمن به - فنَفْع ذلك راجع لنفسه، عائد عليها. إذ أَنه - بذلك - ينجو من العقاب، وينعم في جنات النعيم. ومَنْ تعامى عن الحق يحاول أَن يبصره في ضوئها - فضلّ وكفر - فضرر ذلك عائد على نفسه، راجع إليها. إِذ أَنه سيعاقَب بالخلود في النار. {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}: أَي: يحفظكم من الضلال، ويمنعكم من الغواية. فلم يكلفنى الله بذلك. وإِنما كلفنى بالتبليغ والإِنذار. وقد فعلت. 105 - {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: ومثل ذلك التبيين والتنويع. نبيّن وننوع الآياتِ القرآنيةَ الكاشفة عن الحق لنلزم المعارضين الحجة. ولا عليك يا محمَّد، أن يفتروا الكذب، ويقولوا: دَرَسْتَ كُتُبَ أهل الكتاب وأَنشأْتَ منها هذا القرآن. ولكى نبينه لقوم يتصفون بالعم والفهم - نُصَرِّف آياتِهِ فينتفعوا بهداه، ويؤمنوا برسوله، دون جدال بالباطل.

وجملة: {وَليَقُولُوا دَرَسْتَ}: جملة طلبية كما بَيَّناه في المفردات. وقد جاءَت معترضة بين ما قبلها وما بعدها، للمسارعة إِلى تسلية النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عن معارضتهم. فإِن المراد منها: أَلَّا يَعْتَدَّ بما يقولون من الأَكاذيب. فقد زعموا: أَن النبي - صلى الله عليه وسلم -، درس على أَهل الكتاب، وتَعلَّمَ منهم، وأَلَّف القرآن، وفقًا لما أَخذه عنهم. مع أَن مكة خالية من أَهل الكتاب، ولم يَلْقَ - صلى الله عليه وسلم - أَحدا منهم فيها، ولا في غيرها، كما أَنه عليه السلام أُمِّىٌّ. والقرآن فوق طاقة البشر جميعًا. ومنهم محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، فبذلك تكون دعواهم ظاهرد البطلان، ولا تستحق أَن يبالى بها النبي - صلى الله عليه وسلم -. {وَلنَبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (¬1): والمعنى ولنبيّن أَنه قرآن من عند الله لمن يعلَمون ذلك حقَ العلم من أَهل الكتاب - لنلزمهم الحجة، ولعلهم يرشدون. 106 - {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}: اتبع ما يوحى إِليك من ربك، اعتقادًا وقولًا وعملًا. وأَعرض عن أَقوال المشركين. ولا تبالِ بِافترائهم وتكذيبهم. وامضِ في تبليغهم ما أَوحيناه إِليك. 107 - {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}: ولوأراد الله عدم إِشراكهم ما أَشركوا، بأَن يحملهم على الهدى، ويلجئهم إلى الإِيمان ولكنه تركهم لا يدور عليه أَمر التكليف وهو الاختيار. ولمّا تركهم لاختيارهم، لم يحسنوا الانتفاع بآياته، فتخلى عن معونتهم. {وَمَا جَعَلْنَاكَ}: يا محمد {عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}: قَيِّمًا وحارسًا، يحفظهم من الشرك، حتى تؤاخذ بشركهم. ¬

_ (¬1) هذه الجملة معطوفة علي مقدر. أي نصرف الآيات لنلزمهم الحجة، (ولنبينه لقوم يعلمون) وجملة (وليقولوا درست) معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، لتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

{وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}: أي: عنَّا في أَمر جزائهم فدع أمرهم لنا. فنحن أَعلم. بأَعمالهم وأقدر على جزائهم. ولا تشغل نفسكَ بغير تبليغهم. { .. إِنْ عَلَيْكَ إلاَّ الْبَلَاغُ .. } (¬1). {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)}. المفردات: {ولَا تَسُبُّوا}: السَّب، الشَّتم. {عَدْوًا}: اعتداءً وتَجاوُزا للحق. {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}: أي بقدر جهدهم وطاقتهم في أَيمانهم. {وَنُقَلِّبُ أَفْئدَتَهُمْ}: ونُحَوِّلُ قلوبَهُم. {يَعْمَهُونَ}: يَتَحَيَّرُونَ. التفسير 108 - {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... } الآية. ¬

_ (¬1) الشورى، من الآية: 48

سبب نزول هذه الآية الكريمة: أَن المسلمين كانوا يَسُبُّون آلهةَ الشركين، ويذكرون قبائحها. فنهوا عن ذلك؛ لئلا يستتبع سبهم لها، أَن يفعل المشركون مثله. في حق الله تعالى. وقال ابن عباس: قالت قريش لأبي طالب: إِما أَن تَنْهَى محمدا وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغض منها، وإما أَن نسُبَّ إلهه ونَهْجُوَهُ. فنزلت الآية. والخطاب في قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا} للمؤمنين. والمعنى: ولا تسبوا الآلهة الذين يعبدهم المشركون من دون الله، فيسبَّ المشركون الله تعالى: اعتداءً وتجاوزا للحق، بغير علم منهم بما يجب له سبحانه - من التعظيم والإجلال. والتعبير عن الأصنام بكلمة: {الَّذِينَ} مع أنها لا تعقل، مجاراة لأُسلوب متعقديها (¬1). وحكم هذه الآية باق. فمتى كان الكفر في مَنَعَة، وخِيفَ أَن يسبَّ الإِسلام - أو النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أو الله عز وجل - فلا يحل لمسلم أَن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم. أو يتعرض إلى ما يؤدى إلى ذلك. لأَنه بمنزلة البعْث على المعصية. وفي الآية دليل على وجوب سدّ الذرائع. إِهـ من القرطبى. {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}: ومثلما زينا لهؤلاءِ عملهم القبيح، زينَّا لكل أُمَّة عملهم من الخير والشر. قال ابن عباس: زينا لأَهل الطاعة الطاعة، ولأَهل الكفر الكفر. والمراد من تزيين الله الأعمال لكل أُمة: أَن يخلق الأَسباب التي تجعل أَعمالهم محببة إلى نفوسهم. فيتقبل كل منهم - باختياره - على ما يوافق ميله وهواه: من طاعة أَو معصية. ولذا نسب العمل إليهم في قوله سبحانه. ¬

_ (¬1) ومن المفسرين من قدر مضافا، مراعاة لأن كلمة (الذين) لا تستعمل - غالبا - إلا في العقلاء. أي ولا تسبوا آلهة الذين يدعون. وفيه تكلف. وقال أبو السعود: ولا تشتموا الذين يعبدون آلهة من دون الله - من حيث عبادتهم لآلهتهم - كأن تقولوا: تبا لكم ولما تعبدون. وما ذكرناه في الشرح، هو اختيار القرطبى.

{ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: ثم إِلى مالك أَمرهم رجوعهم بالبعث بعد الموت. فيخبرهم ويجزيهم بما كانوا يعملونه باختيارهم: من طاعة أَو معصية. وفقا لما تأَثرت به نفوسهم، وكسبته أَيديهم من دواعى هذه الأَعمال. وقد دلت الآية الكريمة، على أَن الأَعمال تظهر لبعض الناس في الدنيا بغير صورتها الحقيقية: التي تكون لها في الآخرة. فالكفر والمعاصي - مع كونها سموما قبيحة قاتلة، شائهة - تبدو في الدنيا، بصورة تستحسنها نفوس الكفرة والعصاة. والإيمان والطاعات، تظهر لديهم فيها على العكس من ذلك. ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "حُفَّتِ الجنَّةُ بالْمَكارِهِ. وحفَّتِ النارُ بالشَّهَوَاتِ". فإِذا بعثوا يوم القيامة عَرَّفهم الله الأَعمال بحقائقها، وجزاهم على تقصيرهم. وهذا هو قوله سبحانه: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. 109 - {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ... } الآية. سبب نزولها - على ما ذكره القُرَظِىُّ وغيره - أَن قريشا قالت: يا محمد، تخبرنا أن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. وأَن عيسى كان يُحْيِى الموتى وأَن ثمود كانت لهم ناقة .. فائتنا ببعض هذه الآيات حتى نُصدقك. فقال: "أَىُّ شيءٍ تحبون"؟ قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا. فوالله، إِن فعلت لنتبعنك أَجمعون. فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو. فجاءَه جبريل فقال: "إِن شِئْتَ أَصبح ذهبا: ولئن أَرسل الله آية ولم يصدقوا عندها، ليعذبنهم، فاتركهم حتى يتوبَ تائبهم .. ". فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل يتوب تائبهم" فنزلت هذه الآية. وجَهْدُ اليمين: أَشَدُّها، وغايتها التي بلغها علمهم، وانتهت إِليها طاقتهم وقدرتهم.

وذلك أَنهم كانوا يعتقدون أَن الله هو الإِله الأَعظم. وأَن هذه الآلهة إِنما يعبدونها، ظنًّا منهم أَنها تقربهم إِلى الله زلفى. كما أَخبر الله عنهم بقوله: { ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (¬1). وكانوا يحلفون بالأَصنام والآباءِ وغير ذلك. وكانوا إِذا حلفوا باللهِ سموه جهد اليمين. ذكر ذلك القرطبى. والمعنى: وأَقسموا بالله - جاهدين في أَيمانهم، بالغين فيها غاية الطاقة - لئن جاءَتهم معجزة كونية من جنس آيات المرسلين السابقين، ليؤْمِنُن بها .. ولا ريب أَن طلبهم هذه الآيات، ناشئ عن تماديهم في العناد، فإِن القرآن: هو الآية العلمية التي تخضع لها شم الجبال، وتلين لها الصخور. وكان عليهم - لو كانوا طلاب حق - أَن يؤمنوا بها، ويقفوا عند حدودها. فكيف وقد انضم إِليها عديد من المعجزات الكونية: كانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتَبْع الماء من بين أَصابعه الشريفة، ونزول المطر، ورفعه؛ بدعائه - صلى الله عليه وسلم -. ولهذا، لم يستجب الله لما طلبوا، وأَمر نبيَّهُ أَن يغلق باب اقتراح الآيات. فقال: {قُلْ إنَّمَا اْلآيَاتُ عِندَ اللهِ}: قل أيها الرسول لهؤُلاءِ المقترحين: إِنما الآيات عند الله، فهو صاحب المشيئة والأَمر في شأْنها: يتصرف فيها كما يريد حسب حكمته البالغة. وليس لأَحد مشيئة فيها ولا قدرة عليها حتى يمكننى أَن أُحققها لكم بأَى وجه من الوجوه. وقد حقق لكم من الآيات ما ينبغي لتأْييد رسالتى. فسؤالكم آيات أُخرى، ما هو إلا مكابرة وعناد. ¬

_ (¬1) سورة الزمر، من الآية: 3

وصدق الله إذ يقول: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ... } (¬1). ثم خاطب الله المسلمين: مبينا الحكمة في عدم تحقيق مطالبهم، التي أشار إليها هذا الجواب. فقال تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}: أي: وما يعلمكم - أَيها المؤمنون - أَن الآيات التي طلبها المشركون - إذا جاءَت - كما طلبوا - لا يؤْمنون بما دعاهم إِليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ وقد بين الله - بهذه الجملة - أَن أَيْمَانُهم فاجرةٌ. وأَنهم لا يؤْمنون إذا حُقِّق لهم ما طلبوه. وإِنما خاطب الله المسلمين بقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}؛ لأَنهم تَمَنَّوْا تحقيقها ومجيئها، طمعا في إيمانهم. وكأَن الله تعالى، يقول لهم: أنتم لا تعلمون أَنهم لا يؤْمنون بعد مجيئها. فلذلك تمنيتم تحقيقها، طمعًا في إيمانهم. فكأَن الله تعالى - إذ يقول - يبسط عذر المسلمين في تمنيهم. 110 - {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... } الآية. معطوف على قوله: {لَا يُؤْمِنُونَ} داخل معه في حكم ما يشعركم مقيَّدٌ بما قُيد به. والمعنى: وما يشعركم أَيها المؤْمنون، أَننا نقلب ونحول قلوبهم عن الحق فلا يعرفونه. ونقلب كذلك أبصارهم عن معالمِهِ فلا يبصرونه، ولا يؤمنون به. كما لم يؤْمنوا به أَول مرة حينما جاءَهم القرآن. والآيات السابقة. ونحن نتركهم في طغيانهم يتحيرون، فلا يهتدون لفساد طويتهم. وقد دلّ قوله تعالى: {وَنَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} على أَن تقليبه تعالى لأَفئدتهم وأَبصارهم - ليس بطريق الإجبار والقهر - مع توجههم إلى الحق - بل بأَن يُخلَّيَهم وما انطوت عليه نفوسهم من الطغيان، ونعوذ باللهِ من ذلك. ¬

_ (¬1) سورة العنكبوت، من الآية: 51

{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)}. المفردات: {حَشَرْنَا}: جمعنا وعرضنا. {قُبُلًا}: أي مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم، أو هو جمع قابل بمعنى: مقابل لحواسهم. أو جمع قبيل بمعنى: كفيل - أو جمع قبيلة بمعنى: جماعة. التفسير 111 - {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ... } الآية. بينت الآيتان السابقتان: أَن كفار مكة - وهم المشركون - اقترحوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - لإِيمانهم به - آياتٍ كونيةً غير ما أَيَّدَهُ الله به، وأَن الله كَذَّبهم في دعواهم الإِيمان. إِذا أَنزلها. وجاءَت هذه الآية الكريمة، تؤكد إصرارَهم على الكفر، مهما نزل لهم من الآيات. والمعنى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} مؤَيدة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بحيث يرونهم عِيَانا، ويسمعون تأَييدهم لرسالته. {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى}: شاهدين بصدق نبوته، بعد أن أحييناهم كما طلبوا بقولهم: {ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (¬1) وجمعنا كل شيءٍ من الآيات الكونية: مقابلة ومواجهة - لو فعلنا كل ذلك - ما كانوا ليؤْمنوا مستجيبين لهذه الآيات، إِلا أَن يشاءَ الله. وهيهات ذلك، وهم مُصِرُّونَ على الكفر والعصيان. ¬

_ (¬1) سورة الجاثية، من الآية: 25.

{وَلَكِن أكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}: فيقترحون الآياتِ سَفَهًا، دون رغبة في الإِيمان. وصدق الله إذْ يقول: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (¬1). وأَجاز بعضهم أن يكون المعنى: ولكنَّ أَكثرَ المسلمين يجهلون أَنهم لا يؤمنون. فلذا يقترحون نزول الآية طمعا في إيمانهم. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)}. المفردات: {شَيَاطِينَ}: جمع شيطان، وهم المتمردون من الجن أَو الإِنس. {يُوحِي}: يُوَسْوِسُ. {زُخْرُفَ الْقَوْلِ}: أي الْقول المزيَّن ظاهره، الباطل باطنه. {وَلِتَصْغَى}: ولتميل. {أَفْئِدَةُ}: قلوب. {وَلِيَقْتَرِفُوا}: وَلِيَكْتَسبُوا القبائح. ¬

_ (¬1) سورة الأعراف، الآية: 146

التفسير 112 - {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... } الآية. بعد أَن بين الحق تبارك وتعالى، حال أُولئكَ الذين طُبِعَ على قلوبهم، بسبب إصرارهم على الكفر والطغيان - سلَّى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ببيان أَنَّ مَا حدث من تكذيب قومه له، سبقت أمثاله مع الرسل السابقين. والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمَّد - أعداءً يخالفونك ويعادونك - جعلنا لكل نبي من قبلك - أيضًا - أعداءً من شياطين الإِنس والجن ذوى الضرار، يلقى بعضهم إلى بعض القول الزين ظاهره، الفاسد باطنه. ومن ذلك ما أَلقاه شياطين الجن في نفوس شياطين مكة. من اقتراح آيات خاصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}: ولو شَاءَ ربك أَلَّا يحدث من قومك ما كان منهم، من اقتراح الآيات - عنادا - بتزيين شياطينهم إليهم - ما كانوا يفعلون ذلك. ولكنه - تعالى - تخلَّى عنهم لانصرافهم عنك .... فاتركهم وما يفترونه عليك في شأْن رسالتك، فإِننا سنجزيهم على افترائهم أَشد الجزاءِ، وسنثيبك على صبرك أَحسن الثواب. التفسير 113 - {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ}: هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ... }. والمعنى: يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغُرُّوهم، ولِتَمِيلَ إليه قلوبُ الذين لا يؤْمنون بالآخرة، وليرضَوهُ لأَنفسهم، بعد ما، مالت إليه أفئدتهم، وليكتسبوا ما هم مكتسبون من القبائح بمقتضى ارتضائهم لها.

وقد جعل عدم إيمانهم بالآخرة، سببا لإِصغائهم إلى شياطين الإنس والجن، وما يزخرفونه لهم من الكفر والمعاصي؛ لأَنهم لو كانوا يعتقدون البعث والحساب والجزاءَ - لفكروا فيما يلقيه الشياطين، ولخافوا سوءَ عاقبته. {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)}. المفردات: {أَبْتَغِى}: أَطلب. {حَكَمًا}: حاكما يفصل بيني وبينكم. {مُفَصَّلًا}: مبيَّنا. {الْمُمْتَرِينَ} الشاكِّين. التفسير 114 - {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ... } الآية. لما بين اللهُ في الآيتين السابقتين: أَنهم يستمعون إلى زخارف الشياطين، ويصغون إليها في شأْن نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، أَتبعَ ذلك بيان أَن الله هو الذي يحكم على ما هم فيه بأَنه باطل، وعلى ما جاءَهم به الرسول بأَنه حق، بما أَنزله إليهم من كتابه الْمُعْجِز، ليكون آية لهم على ذلك.

والمعنى: قل لهم يا محمد: أَيصح أَن أَطلب غير الله حكمًا يفصل بيني وبينكم، فَيُظهِرَ بَاطلَكم الذي اعتمدتم فيه على زخارف الشياطين، ويُبيِّنَ الحق الذي جئتكم به مؤيدا بالبراهين، وهو - سبحانه - الذي أَنزل إليكم القرآن مفصلا ومبينا فيه الحق والباطل .. ولا حَكَمَ خيرٌ منه!! {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ}: والذين آتيناهم الكتاب - من علماءِ اليهود والنصارى - يعلمون أَن القرآن هو الحق من ربهم، بما جاءَ في كتبهم من التنويه به، والنصِّ على رسالة محمَّد الذي جاءَ به: اسما ونعتا، وإِن كفروا به وكتموه: { ... حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ .. } (¬1). وَمَنْ هذا شأْنه، فكيف أَعدِلُ عن حكومته - في كتابه الفصل - إلى حكومة غيره: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} (¬2). وقيل: المراد من الذين أُوتوا الكتاب - مَنْ آمَنَ بالرسول من علمائهم. فلذلك استشهد الله بهم، لأَنهم لا يكتمون مَا عَلمُوه في شأنه من كتبهم، فإِنه هو الذي حدا بهم إِلى تصديقه، وترك ما كانوا عليه من دينهم. {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}: الخطاب - هنا - لكل أَحد. على معنى أَن الأَدلة على كون القرآن منزلا بالحق - من الله سبحانه وتعالى - قد بلغت من الوضوح والقوة، بحيث لا تترك مجالا للافتراءِ والشك فيها من أحد من العقلاءِ. فكأَنه يقول: فلا تكونن - أَيها العاقل - من المتشككين في كون القرآن منزلا من ربك بالحق، وأنه هو الحَكَمُ بين الرسول وبين الكافرين. 115 - {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ المراد بِـ (كَلِمَة رَبِّكَ): القرآن الكريم. والمفرد إذا أَضيف: يعم، فكأَنه قيل: {كَلِمَاتُ رَبِّكَ} وبها قرىء. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، من الآية: 109. (¬2) سورة الأنعام، من الآية: 57

والمعنى: وتمَّ كتاب ربك الذي أَنزله إِليك، صادقا في أخباره ووعده ووعيده، عاد لا في أَحكامه ... فقد بلغ الغاية القصوى في ذلك؛ لا مبدل لهذا الكتاب. فهو محفوظ بعناية الله تعالى، من عَبث العابثين، وتبديل المبدلين. كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (¬1) فهو- بذلك - مخالف لما سبقه من الكُتب السماوية التي لحقها التبديل، وأضاع أصلها التغيير. فطمست فيها معالم الحقائق الدينية، التي تبَيِّن صدق الرسول فيما جاءَ به، وتظهر وحدانية الخالق وتنزهه عن الجسمية، وسائر صفات البشرية. وإنما تكفَّل الله بحفظ القرآن دون غيره؛ لأَنه تضمَّن شريعة الله الباقية إلى قيام الساعة، الصالحة لكل زمان ومكان. بخلاف ما تقدمه من الكتب، فإِنه كان لوقت محدود. ثم ختم الله الآية بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ}: أي عظيم السمع لما يقال، وفي جملته ما افتَرَوْهُ عَلى القرآن العظيم. {الْعَلِيمُ}: أي واسع العلم بكل ما كان وما يكون. وفي جملته ما أَضمروه من العداوة لكتابه ورسوله: وسعيهم في إبطال دينه. وحيث كان سميعا لأَقوالهم الفاسدة، عليما بنياتهم وأحوالهم الخبيثة، فإنه - قطعا - سيجزيهم بما يستحقون من سوءِ العقاب. {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)}. المفردات: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}: ما يتبعون في عقائدهم وأَحوالهم إلاَّ التخمين الباطل. ¬

_ (¬1) سورة الحجر، الآية: 9

{وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}: وما هم إِلا يَكْذِبون على الله سبحانه. وأصل الخرص: الظن والتخمين. ومنه خرص النخل وهوتقدير ما عليها من التمر ظنا. التفسير 116 - {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... } الآية. بعد أن بيَّن الله تعالى، أن كتابه الذي أَنزله على محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، هو الحَكمُ الفاصل بين الحق والباطل، والعدل والظلم - جاءَت هذه الآية، للحض على التمسك بما جاءَ فيه، وطرح ما عداه، مما يُضل عن سبيل الله. والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمراد به: كل من يصلح للخطاب، والمراد: بـ {أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ}: الكفار أو أصحاب الهوى، وهم يمثلون أكثرية البشرية. والمعنى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} في عقائدهم وأهوائهم {يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الذي شرعه لعباده متسما بالصدق والعدل. {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}: ما يتبع أكثر الناس إلا الظن المفضى إلى الباطل الذي لا يستند إِلى دليل، وما هم إلا يكذبون على الله، في عَزوِ أَحكامهم إِليه تعالى، افتراءً وزورًا. ومن ذلك زعمهم: أَن الله اتَّخَذ ولدَا، وأَن الأَوثان تُقَرَّبُهم إِلى الله زُلْفَى، وأَن الله أَحلَّ أكْلَ المَيتةِ، وشَرَع البَحيرةَ والسائِبة. ويجوز أَن يكون المعنى: وما هم - فيما يزعمون من الآراءِ الفاسدة - إِلا يتوهمون أَنهم على شَىءٍ وجانب من الحق، دون أَن يكون لهما على ذلك دليل وبرهان. وأَصل الخَرْصِ: الحَدْسُ والتَّخْمِين. ومنشؤه الظن: { ... وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (¬1) والخارص يقطع بما لا يمكنه القطع به، إِذ لا يقين عنده. وكثيرا ما يتعرض للخطإِ والكذب في التقدير. ولذلك استعمل في الآية بمعنى الكذب. ¬

_ (¬1) سورة النجم، من الآية: 28

والخَرْصُ - وإِن جاز في بعض المعاملات (¬1)، وفي تقدير الزكاة في الرطب والعنب بتقديرهما تمرا وزبيبا، وإخراج الزكاة وفقا لهذا التقدير. إلا أنه - في العقائد - لا يجوز لأنها لا تبنى إِلا على الدليل القطعى. 117 - {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}: إِن ربك هو أعلم بمن يبتعد عن سبيله، وينحرف إِلى العقائد الزائفة، والأهواءِ الباطلة. وهو أَعلم بالمهتدين إِلى دينه العاملين بشرعه. فاحذر - أَيها المكلف - أَن تكون من الضالين، وكن - دائما - من المهتدين. {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)}. التفسير 118 - {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}: كان المشركون المكِّيُّون - وقد ذكروا في هذه السورة عشرين مرة - يأْكلون مما ذكِر اسم أَوثانهم عليه عند ذبحه، ويأَكلون الميتة، ويمتنعون من ذبح البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من الإِبل، ويحرمون ذبحها وأَكلها، زاعمين أَن الله شرع ما أَحلوا وما حرموا، فأَنزل الله هذه الآية آمرا المسلمين أَن يخالفوهم، فيأْكلوا مما ذكر اسم الله ¬

_ (¬1) كالعوايا: وهى أن يشترى تمر النخلات لطعام أهله رطبا بخرصها تمرا للحاجة إليه، وقد رخص فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم -. أخرج البخاري عن زيد بن ثابت "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا، قال موسى بن عقبة: والعرايا: نخلات معلومات نأتيها فنشتريها".

عليه من الذبائح، ولو كانت من هذه الأَصناف الأربعة، وأَن يقتصروا في التحريم على ما حرمه الله عليهم، إِلا ما اضطروا إليه اضطرارا. والمعنى: فكلوا - أَيها المؤْمنون مما ذكِرَ اسم الله عليه من الماشية والطير عند ذبحه، إِن كنتم مؤْمنين بآياته التي أَنزلها في شأْن المطاعم وغيرها، فإِن شأْن المؤْمن: أَن يمتثل ما أَمره به مولاه سبحانه وتعالى. 119 - {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ... } الآية. المعنى: وأَى غرض لكم في تَرْك الأَكل مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه، والتحرج من تناوله، إذا كان مما حرّمه المشركون زورا وافتراءً على الله، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فإِنها حلال في شرع الله، كسائر ما يذبح من الماشية والطير، مذكورا عليه اسم الله، وقد فصل الله لكم ما حرم عليكم في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... } (¬1). فكونوا عند حدود الله، فلا تعتدوها. لكن ما اضطررتم إِلى أَكله من المحرمات، فإِنه حلال لكم، بقدر الضرورة التي تحيا بها النفس. {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}: وإِن كثيرا من الكفار ليُضِلُّون الناس بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، بأَهوائهم الزائفة، وشهواتهم الباطلة، بغير علم مستند إِلى وحىِ الله تعالى. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}: في هذه الجملة وَعيدٌ لمن يعتدون على شريعة الله، والعبث بها: بتحريم ما أَحل، وتحليل ما حرم. والمعنى: إن ربك هو أعلم بما يفترونه عليه من ذلك، فيجازيهم عليه شَرَّ الجزاءِ. وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (¬2). ¬

_ (¬1) سورة المائدة، من الآية: 3 (¬2) سورة النحل، الآية: 116

{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)}. المفردات: {وَذَرُوا}: واتركوا. {ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}: أي الذنب الظاهر والخفى. {يَقْتَرِفُونَ}: الاقتراف، الاكتساب مطلقا، ولكنه في الإِساءَة أَكثر. التفسير 120 - {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ... } الآية. واتركوا الذنب ظاهره وباطنه: جَهْرَهُ وخَفِيَّهُ، إن الذين يكسبون الإِثم - بنوعيه - سيجزيهم الله بما كانوا يكتسبون منه، على حسب درجته من القبح { ... وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (¬1). 121 - {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ... } الآية. ولا تأْكلوا - أيها المؤْمنون - مما لم يذكر اسم الله عليه من الحيوانات. وإِن الأَكل منه لخروج عن طاعة الله تعالى وإِثم، إِذا ذكر عليه اسمُ غَيْرِ الله أَو كان ميتة. فإِن ¬

_ (¬1) سورة الكهف، من الآية: 49

الشياطين ليوحون إلى أَوليائهم ليجادلوكم بالباطل، ويزينوا لكم أكله لتطعموهم، ومن ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره، فقد أَشرك باللهِ. وظاهر الآية يقتضي تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه - عمدا أَو نسيانا - ولو من المسلم. وإليه ذهب داود الظاهرى وأَحمد بن حنبل. وقال مالك والشافعى: لوترك المسلم التسمية - ولو عمدا - جاز أكل الذبيحة؛ لأنه وإِن لم ينطق اسم الله الكريم بلسانه، فقلبه مؤمن به ذاكرٌ له. وفَرَّق أبو حنيفة بين العمد والنسيان، فحَرَّم أَكُلَ ما تُرِك ذِكْرُ اسْمِ اللهِ عليه عمدا، وأَحَلَّ ما تُرِكَ سَهْوًا ونسيانا. وعلى هذه المذاهب تكون الآية محمولة على ما ذكر اسْمُ غير الله عليه والميتة؛ لأَنهما كانا موضع الجدال بين المشركين والمؤمنين. فاتجه النهي إليه. ويعززه قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... } الآية (¬1). {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)}. المفردات: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}: أَوَ مَنْ كان كافرا فهديناه؟ جعل الكفر موتا، والهداية إِحياءً. التفسير 122 - {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}: ¬

_ (¬1) سورة الأنعام، من الآية: 145 وسيأتي تفسيرها.

أشارت الآية السابقة - إِلى أَن طاعة المشركين، قد تؤَدى بالمؤْمنين إِلى الشرك. وجاءَت هذه الآية لتؤَكد التحذير من متابعتهم. والمعنى: لستم أَيها المسلمون مثل المشركين حتى تَتَّبِعوهم في جاهليتهم .... فإن الله أحياكم بالهداية بعد موتكم الروحى بالكفر والشرك، وأَنعم عليكم بأَن جعل لكم نورا تمشون به في الناس، بما أَنزله إِليكم من أَنوار القرآن والهَدْىِ النبوى. فهل يصح لكم أن تتَّبعوا من يعيشون في الظلمات؟! أوَ مَن كَان في غَيِّه وضلاله ميتا، فأحييناه بالهُدَى ودين الحق، كمن صِفَتُهُ أنه غارق في الظلمات ليس بخارج منها؟! ... فإذا كان الفرق بينهما كبيرا، والبَوْنُ شاسعا، فلا يليق بكم أَن تتركوا نوركم، وتتَّبعوهم في ظلامهم. {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَي: مثل ما زين الله للمؤْمنين إِيمانهم وأَعانهم عليه، بعد ما أَخذوا بأسبابه، ترك - سبحانه وتعالى - الكافرين لشياطينهم: يزينون لهم ما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي، وتخلى عنهم حين انصرفوا عن هُدَاه. كما قال تعالى: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} (¬1). {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)}. التفسير 123 - {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} الآية. وكما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها، جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها كذلك ... ¬

_ (¬1) سورة التوبة، من الآية: 127

فإن كبار الشرِّيرين، هم الذين يضعون أُسس الشر، ليمكروا بالناس ويضلوهم عن سواءِ السبيل ... وذلك أمر مشاهد ملموس .. فلا ينبغي للعاقل الفطن، أَن يتبع زعماءَ الشَّرِّ في غوايتهم. بل يتدبر فيما يعود بالخير على نفسه أَو على الناس فيتبعه، وفيسا يعود بالشر - عليه أَو عليهم - فيتنكب طريقه. فقد بين الله نَدَامَةَ الذين يتبعون الكبراءَ يوم القيامة فقال سبحانه: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} (¬1). وإنما جعل الله أَكابر المجرمين في كل قرية ليمكروا فيها، امتحانا لعباده، كما امتحنهم بشياطين الجن، حتى يظهر الصادق في إِيمانه من الكاذب ويجزىَ الله كلاًّ بما هو أَهله. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: { ... وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ... } (¬2). {فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}: وما يعود وَبَالُ مكرِهم إلا عليهم، وما يشعرون بذلك، لفرط جهلهم وقصر نظرهم. قال تعالى: { ... وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ ... } (¬3). والآية مسوقة، لتسلية الرسول عما يلقاه من مكر عتاة المشركين. {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)}. المفردات: {أَجْرَمُوا}: اكتسبوا جرما، والجرم: الذنب. {صَغَارٌ}: ذل وهوان. ¬

_ (¬1) سورة الأحزاب، من آية: 67. (¬2) سورة الفرقان، من الآية: 20 (¬3) سورة فاطر، من الآية: 43

التفسير 124 - {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... } الآية. في هذه الآيةِ، رجوع إلى بيان حال مجرمى أَهل مكة، بعد ما بين في الآية السابقة - بطريق التسلية - أَن حال غيرهم أيضًا كذلك، وأَن عاقبة مكر المجرمين في مكة - وغيرها - ما ذكرته تلك الآية. وسبب نزول هذه الآية: أَن الوليد بن المغيرة، قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كانت النبوة حقا، لكنت أولى بها منك؛ لأَنى أكبر منك سنًّا، وأكثر منك مالًا. فأَنزل الله تعالى الآية. وقال مقاتل: نزلت في أَبي جهل، وذلك أَنه قال: زاحَمَنَا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إِذا صرنا كفَرَسَىْ رهان، قالوا: منا نَبِىٌّ يُوحَى إليه ... واللهِ، لا نؤمن به، ولا نتَّبعه أَبدا، إلا أَن يأْتينا وحى كما يأْتيه، فأَنزل الله سبحانه الآية. المعنى: وإِذا أُنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم -، آية، تدعو قريشا إِلى الإيمان بما جاءَهم به، امتنعوا عن الإِيمان به: حسدا واستكبارا. وقالوا: لن نؤمن حتى نؤتَى من الوحى، مثل ما أُوتِىَ رسل الله، وتكونَ لنا بذلك نبوة، كما لبنى عبد مناف ... وإِلا، فلن نؤمن بمحمد ... وقد جهل هؤلاءِ، حيث ظنوا أَن الرسالة تأْتي بالاشتهاءِ وَتَتْبَع العصبيات .. وما دَرَوْا أنها لا تكون إِلا لمن هو أَهل لها .. والله - وحده - هو الذي يعلم المستحق لها، حيث يجعل فيه رسالته، ويعهد إِليه بهداية البشر. ثم بيَّن الله مآل أُولئك المستكبرين، فقال تعالى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}: أي: سيصيب أُولئك المستكبرين المجرمين، ذلة عند الله بدل العزة التي أمَّلوها

بالاشتراك في النبوة. ويصيبهم - إِلى جانب ذلك - عذاب شديد بسبب مكرهم بنبى الهدى ... {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ... } (¬1). {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)}. المفردات: {حَرَجًا} الحرج: شدة الضيق. وفعله حَرِجَ حَرَجًا، من باب تَعِبَ تَعَبًا. وقد وُصِفَ الصَّدرُ بالحَرَج الذي هو المصدر، للمبالغة. والمراد: أَنه شديد الضيق. {الرِّجْسَ}: العذاب، أو ما لا خير فيه. {دَارُ السَّلَامِ}: دار المسالمة .. والمراد بها: الجنة. التفسير 125 - {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ... } الآية. الشرح فِي اللغة معناه: الفتح والشق. وشَرْحُ الصَّدْرِ للإسلام؛ كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مُهَيَّأةً لحلوله فيها، مُحَصَّنَةً مما يمنعه وينافيه. ¬

_ (¬1) سورة فاطر، من الآية: 43

وإليه أشار النبي - صلى الله عليه وسلم -، حين سُئِلَ عن هداية الله تعالى حيث قال: "نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ في قَلْبِ الْمُؤْمِن فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَتِحُ" فقالوا: هل لذلك من أَمارة يُعرف بها؟ فقال: "نَعَمْ. الْإِنَابَةُ إلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالإِعْرَاضُ عَن دَارِ الْغُرُورِ وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْل نَزُولِهِ" (¬1). والمعنى: فمن يرد الله أن يهديه للحق ويعينه عليه، يشرح صدره ويهيىء نفسه لقبول الإِسلام، لما علمه من حسن استعداده له، وسعيه في قبوله. ومن يرد أَن يضله ويبعده عن الحق، يجعلْ صدره ضيقا شديد الضيق؛ لتمسكه بضلاله: لا يبغى به بديلا. وقد وَصف الله تَبَرُّمَ الضالِّ عن الحق وضيقه به، أَبلغ وصف، حيث قال تعالى: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}. ولا شك أَن تكلُّفَ الصعود في المراقى الصعبة، يثقل على القلب، ويجهد الصدر أَيما إجهاد. فكان شأْن الكافر المصرِّ - في صعوبة تقبله للإِسلام - كشأْن هذا الذي يتكلف الصعود في المراقى الصعبة في ضيق صدره وحرجه. (¬2) {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}: أَي: كما جعل الله صدر أُولئك المشركين ضيقا عن قبول الإِسلام حيث تخلى عن معونتهم. وتركهم للشيطان: يضلهم ويقويهم يسبب إِصرارهم ... يفعل مثل ذلك في أمثالهم: الذين لا يؤْمنون، ويصرون على الكفر، فيترك الشيطان مسلطا عليهم، ولا يلطف بهم. والعياذ بالله تعالى. وخلاصة الآية: أَن من تقرب إِلى الله سبحانه أَعانه، ومن بَعُدَ عنه خذله. 126 - {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}: أي: وَهذا القرآن، المشتمل على الآيات المفصلة لعقائد الإِسلام وشرائعه، هو طريق ربك الموصل إلى مرضاته: مستقيما لا عوج فيه - قد بينا آياته مفصلة لقوم يتذكرون بمواعظه، ويزدجرون بزواجره. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود، ذكره ابن كثير ص 174 - جـ 2 ط عيسى البانى الحلبي. (¬2) من المسلم به علميا: أن الإنسان، كلما ارتفع في طبقات الجو، حس بضيق شديد. والطيارون يعرفون ذلك. ولا ريب أن هذا كان غير معروف وقت نزول القرآن. فحديثه عن ذلك، يعتبر من آيات إعجازه.

127 - {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أي: لمن يتذكر بآيات القرآن العظيم، دار السلامة من كل المكاره - وهى الجنة - فلا يعترهيم فيها خوف، ولا يصيبهم مكروه: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (¬1). وهذه الدار ذخيرة لهم عند ربهم، لا يعلم كنه عظمتها سواه تعالى. وهو متولى أُمورهم فيها بعنايته وتكريمه، من أَجل ما كانوا يعملونه في دنياهم من الأعمال الصالحة. ابتغاءَ مرضاته. وفي ذلك يقول الله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (¬2). {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)}. المفردات: {يَا مَعْشَرَ} المعشر: الجماعة المختلطون بالعِشرة. {مَثْوَاكُمْ}: مقركم ومآلكم. ¬

_ (¬1) سورة الحجر، الآية: 48 (¬2) سورة السجدة، الآية: 17

التفسير 128 {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ... } الآية. تحدثت الآية السابقة، عن أَن دار السلام مثوى المؤمنين. وجاءَت هذه الآية لتبين أَن النار مثوى الكافرين. والمعنى: وِذَكِّر الخلائقَ - يا محمد - يوم يحشر الله الثقلين - جميعا - إِلى ساحة القيامة، فيوبِّخ شياطين الجن قائلا لهم: يا جماعة الجن المفسدين، قد استكثرتم من إِغواءِ الإِنس وإِضلالهم، فلم تكتفوا بضلالكم وكفركم، بل تجاوزتموه إِلى إِغواءِ الإِنس، حتىَ وَالَوْكُم وَتَبِعوكم. {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}: أَي وقال أَولياؤهم الذين تبعوهم، وتأَثروا بإِغوائهم من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض، فقد سمعنا لإِغوائهم، ومتَّعنا أَنفسنا بإِشباع شهواتنا، بما زينوه لنا من الآثام، واستمتعوا هم بنجاحهم في إِضلالنا عن سبيل الرشاد والصواب: فمِنَّا من كذبُوا رسلك، وأَنكروا الآخرة وما فيها من بعث وحساب وجزاءٍ ... ومِنَّا من ارتكب - دون ذلك - من الآثام. وبعد هذا الإقرار الذي لم يجدوا عنه محيصا، قالوا - في ندامة وحسرة: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا}: أَي: وصلنا إلى يوم القيامة، الذي أَجَّلته لحسابنا وجزائنا، حيث بُعثنا، وظهرت لنا قبائح أَعمالنا التي نستحق العقاب عليها، لتركنا صراطك المستقيم. {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}: قال الله تعالى: يخاطب الجن والإِنس، بعد اعترافهم بقبائحهم: النار مقركم ودار إِقامتكم، خالدين فيها، لا تخرجون منها، إلا من شاءَ الله إِخراجه، من الذين كانت آثامهم دون الكفر. . فإِنهم يخرجون منها، عندما يتفضل الله تعالى، بالإِذن بخروجهم.

أَما الكافرون فخلودهم في النار أبدى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} (¬1). ثم يختم الله الآية بقوله: {إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}: ليبين أَنه تعالى، لا تخفى عليه خافية من سيئات أَعمالهم، وأَنه حكيم في عقابهم حسب درجات عصيانهم: { ... وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (¬2). 129 - {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: ومثلما استمتع الجن بإِغواءِ الإِنس، واستمتع الإِنس بتقبل إغوائهم - نترك الظالمين من الإِنس والجن في كل عصر وجيل، يتولى بعضهم بعضا، بالإِغواءِ والإفساد - ونتخلى عنهم فلا نخلصهم من آثاره بسبب كسبهم المعاصي، واختيارهم لها وإصرارهم عليها. ولذا؛ لا تجد راعيا ظالما إلا مع رعية ظالمة. وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (¬3). ويفهم من ذلك: أَن صلاح الرعية، يستتبع صلاح راعيها. {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)}. ¬

_ (¬1) سورة المائدة الآية: 37 (¬2) سورة الكهف، من الآية49 (¬3) سورة الزخرف، الآية: 36

المفردات: {يَا مَعْشَرَ} المعشر: جماعةٌ أَمرهم من واحد. {يَقُصُّونَ}: يتلون. {وَغَرَّتهُم}: وخدعتهم. التفسير 130 - {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ... } الآية. جاءتْ هذه الآية، لتقريع الجن والإِنس - في الآخرة - على معاصيهم، إِثر بيان أنهم يشتركون في المظالم والمعاصي في الدنيا. وقد أَفادت الآية: أَن الجن مكلفون بشرائع الله كالإِنس، وأَن الله تعالى يوبخهم ويعاقبهم على عصيانهم الرسل، كما يوبخ الإنس ويعاقبهم. ولَم يثبت إِرسال أحد من الجن إِلى أَقوامهم. فالظاهر أَن المراد بالرسل في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} هم الرسل الذين يبعثهم الله من الإِنس، فيكون الجن مكلفين بالإِيمان بهم، والعمل بشرائعهم كالإِنس. ومعنى كونهم منهم: أَنهم بعثوا من بين الإِنس والجن. فهم مرئيون لهم مشاهَدون منهم. وليسوا غرباءَ عنهم .. فلا شك أن رسل الإِنس كذلك بالنسبة إِلى الجن. وقال ابن عباس: رُسُل الجِنِّ، هم الذين بلَّغوا قومهم، ما سمعوه من الوحى .. ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} (¬1). وقال مقاتل والضحاك: أرسل الله رسلا من الجن كما أرسل من الإنس. وليس لدينا من السنة ما يثبت ذلك أَو ينفيه. والله أَعلم حيث يجعل رسالته. ¬

_ (¬1) سورة الأحقاف، الآية: 29

والمعنى: يخاطب الله الجن والإِنس - يوم القيامة - موبخا، فيقول: يا جماعة الجن والإِنس، أَلم يأْتكم رسلٌ من بينكم: تعرفون صدقهم وأمانتهم، وتفهمون قولهم، وليسوا غرباءَ عنكم، حتى تنكروا عليهم ما جاءُوكم به ... وهؤلاءِ الرسل كانوا يتلون عليكم آياتى ويُخَوفونَكم لقائى في يومكم هذا؟! {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}: أَي: قال كفار الجن والإِنس - بعد ما سمعوا توبيخ الله لهم - شهدنا على أَنفسنا بأَن رسل الله جاءُونا، فلم نؤمن بهم، ولم نصدق قولهم. وقد بيَّن الله سبحانه السرّ، فيها اندفعوا إِليه من الكفر والمعاصي ... والمعنى: وخدعتهم الحياة الدنيا فاطمأَنوا إِليها، ورفضوا العمل للآخرة. ذلك الذي دعاهم الرسل إِليه، وشهدوا على أنفسهم في الآخرة - أَسفًا وندما - أنهم كانوا في الذنيا كافرين .... فلذا استحقوا توبيخ الله وعقابه. 131 - {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}: الإِشارة في قوله: {ذَلِكَ} راجعة إِلى ما تقدم ذكره. من بعثة الرسل إِليهم، وإِنذارهم سوءَ العاقبة. والمعنى: ذلك الذي تقدم من إِرسال الرسل: كان لأَن سنة الله تعالى: أَلا يُهْلِكَ قوما وهم غافلون عن سوءِ عاقبة ما هم عليه من الكفر .. فلذا، بعث إِليهم الرسل لِيُبصِّرُوهم وينذروهم، حتى يقطعوا أَعذارهم. وفي ذلك يقول الله تعالى: { ... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (¬1)، ويقول سبحانه: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} (¬2). ¬

_ (¬1) سورة الإسراء، من الآية: 15 (¬2) سورة طه، الآية: 134

132 - {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}: أي: ولكل من المكلفين، درجاتٌ متفاوتةٌ من أَجل ما عملوه في دنياهم؛ من طاعة أو معصية. فأهل الطاعة؛ ينعمون بدرجات الجنات، حسب تفاوتهم في طاعتهم. وأَهل المعصية، يعاقَبُونَ بالنار، حسب تفاوتهم في معصيتهم .. فالكافرون فيها مخلدون. وعصاة المؤمنين يخرجون بعد انتهاءِ مدة عقابهم. وما ربك بغافل عن أعمالهم: قليلها وكثيرها ... فكلها معلومٌ لديه تعالى، ومسجل في كتب أعمالهم، كما قال الله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا} (¬1). وقد بينت هذه الآية، عدل الله تعالى، بين عباده في جزاءِ الآخرة، كما بينت الآية التي قبلها عدله - سبحانه - في جزاءِ الدنيا. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)}. المفردات: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ}: ومَا أنتم بمعجزين طالبكم .. فلا تقدرون على الإِفلات من عقابه الذي توعدكم به. {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ}: اعملوا على تمكنكم فيما أَنتم فيه، بقدر ما تستطيعون. ¬

_ (¬1) سورة النبأ، الآية: 29

التفسير 133 - {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ... } الآية. بعد أَن بين الله تعالى، عدله بين عباده في جزاءِ الآخرة، عقَّبه بذكر رحمته في معاملة عباده، حيث أَمهلهم وأَنذرهم، ولم يُعَجِّل بعقوبتهم، لعلهم يثوبون إِلى رشدهم، ولا يَغْتَرُّون بإِمهالهم فإِنَّ أَخذه لشديد أَليم. والمعنى: وربك - يا محمد - هو الغنى عن عباده، وعن طاعتهم له، وهو صاحب الرحمة بعباده، حيث بعث إِليهم رسله مبشرين ومنذرين وناصحين، فإِن أَحسنوا فلأنفسهم، وإِن أَساءُوا فعليها. ولا يعود على الله تعالى، من ذلك شىءٌ. أَخرج الإِمام مسلم في صحيحه حديثا قدسيًّا. رواه أبو ذر رضى الله عنه، جاءَ فيه: "يَا عِبَادِى، إِنَّكُمْ لَن تَبْلُغُوا ضُرِّى فَتَضُرُّونِى، وَلَن تَبْلُغُوا نَفعِى فَتَنفَعُونِى ... يَا عِبَادِى، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُم، وَإِنسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ، مَّا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِى شَيْئًا ... يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُمْ وَإِنسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلىَ أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُل وَاحِدٍ مِنكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِى شَيْئًا ... " الحديث. وبعد أَن ذكر الله - عزَّ وجلَّ - رحمته بإرسال الرسل، هدد المشركين بالإهلاك، إِن هم استمروا على كفرهم. فقال تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}: أَي: إن يشأْ يهلكْكمْ بسبب كفركم، ويأْت بِخَلَف لكم من بعدكم أَطوع منكم. فهو - سبحانه - قادر على ذلك، مثلما أَنشأَكم من ذرية قوم آخرين من قبلكم. 134 - {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}: بعد أَن بين الله في الآية السابقة: أَنه الغنى عن أَعمال خلقه، وأَنه رحيم بهم، وأَنه لو شاءَ أن يذهبهم ويستبدل بهم آخرين لفعل ... ولكنه يؤَخرهم إِلى أَجل لا ريب فيه - بين

لهم في هذه الآية: أَن ما يدّعونه من البعث والجزاءِ حق، وسيأْتى لا محالة، ولن يفلتوا من هذا الجزاءِ؛ لأَنهم لا يعجزون الله تعالى. فهو القادر على الإعادة إن صاروا ترابا وعظاما نخرة. كما قال تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} (¬1). 135 - {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}: بعد أَن بين الله لهم: أَن الجزاءَ آتٍ، أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أن يقول لهم: استمروا على ما أَنتم عليه، فإِني مستمر على ما أَنا عليه من دعوتكم إلى الحق، وأَن العاقبة ستكون لي عليكم في الدنيا والآخرة. والأَمر في قوله تعالى: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} للتهديد والإِنذار. والمعنى: قل يا محمد، لهؤُلاءِ الجاحدين المعاندين: اعملوا - جهد طاقتكم - على تثبيت وتمكين أَمركم فيما أَنتم عليه من الضلال والكفر ... فإنى عامل - جهد طاقتى - على تثبيت دعوتى إِلى الله تعالى. فسوف تعلمون أَيُّنا تكون له العاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة؟! قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (¬2). وقد مكَّن الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولأَصحابه من بعده .. وسوف يثيبهم في الآخرة أَجزل الثواب. أما الجاحدون الذين حادوا عن الطريق السوى، فقد خذلهم الله في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك لأَن سنة الله: أَنَّه لَا يُفْلِح الظَّالِمونَ، أن لا يظْفَرُ بمُرادِه مَن كَفَرَ بالله تعالى، وأشرك به سبحانه. ¬

_ (¬1) سورة الذاريات، الآيتان: 5، 6 (¬2) سورة غافر، الآية: 51

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)}. المفردات: {ذَرَأَ}: خلق. {الْحَرْثِ}: الزرع والثمار. {نَصِيبًا}: جُزْءًا. التفسير 136 - {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ... } الآية. أي: وجعل المشركون - مما خلق الله من الزروع ونتاج الأَنعام - نصيبا لله تعالى: للضيفان والمساكين. وكما جعلوا لله نصيبا من ذلك، جعلوا نصيبا منه لآلهتهم: ينفقونه على سدنتها، ويذبحونه عندها؛ تقربا إِليها. ولم يذكر هذا النصيب مقابلا لنصيب الله في الآية الكريمة بأَن يقال: وجعلوا لآلهتهم نصيبا كذلك، لأَنه مفهوم استنتاجا من جعلهم نصيبا لله واكتفاءً بذكره في التفريع في قوله لتعالى: {فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا}، وتعاليًا باللهِ تعالى، عن مقام المقابلة.

أي: فقالوا هذا لله زاعمين أَنه يصرف في مرضاة الله وهم - كاذبون فيما زعموه - كما يدل عليه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ} وسيأْتى تفسيره. أي وقالوا أَيضا هذا النصيب الآخر لآلهتنا، يصرف في مرضاتها. {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ}: أَي: فما خصوه بشركائِهم وأوثانهم، لا يصل منه شىءٌ إِلى وجوه الخير، التي ينبغى أَن ينفق فيها النصيب الخاص باللهِ تعالى. بل هم يقصرونه على أَوثانهم، اهتمامًا منهم بالتقرب إِليها. وأما ما خصوه باللهِ عَزَّ رجلَّ، فإِنهم يقتطعون منه لأَوثانِهم أَو يستبدلون به مالها، ولا يصدقون في تخصيصه بالله والتقرب إليه. فالآية تقرر: أنهم كانوا يُعيِّنُون نصيبا من الزرع ونتاج الأَنعام لله تعالى، ليصرفوه في وجوه البر والخير إِلى الضيفان والمساكين، وكانوا يعينون نصيبا آخر من ذلك لآلهتهم؛ وينفقونه عليها وعلى سدنتها، ويذبحونه عندها تقربا إِليها. ولكنهم إِذا رأَوا ما عينوه لله أزكى وأَكثر نماءً مما عيّنوه لآلهتهم، عكسوا، فجعلوا ما لله لآلهتهم، وما لآلهتهم لله تعالى. وإِذا رأوا ما عينوه لآلهتهم أَزكى مما عينوه لله تعالى، فإِنهم يتركونه لآلهتهم؛ حُبُّا وإيثارًا لها. وفي قوله تعالى: {مِمَّا ذَرَأَ}: تنبيه على فرط جهالتهم، حيث جعلوا للخالق - فيما خلق من الزرع والأَنعام شريكا لا يقدر على شىءٍ، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكى النامى له، سواءً أَكان معينا له أَم لله تعالى. ولذا ختم الله سبحانه الآية بقوله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}: أي: قبح حكمهم الذي اقتضى إِيثار آلهتهم على الله تعالى، فيما خلق الله ... وقبح عملهم بما لم يُشْرَعْ لهم.

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)}. المفردات: {شُرَكَاؤُهُمْ}: أي أولياؤُهم من الشياطين. {لِيُرْدُوهُمْ}: ليهلكوهم. {وَلِيَلْبِسُوا}: وليخلطوا. التفسير 137 - {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ... } الآية. كان من المشركين من يقتل بناتِهِ؛ خشية العار. ومنهم من يقتل أَولاده - ذكورا كانوا أم إِناثا - مخافة الفقر. ومنهم من يذبح آخر أولاده المذكور، إِذا بلغوا عددا معينا. وكان ذلك كله، نتيجة لإغراءِ الشياطين والكهان لهم .. كما فعل عبد المطلب، حينما نذر أَن يذبح آخر أَبنائه. إِذا بلغ عددهم عشرة بنين. وقد جاءَت هذه الآية تنعى عليهم فعلهم، وتخوفهم سوءَ عاقبتهم. والمعنى: وكما زَيَّنَ الشياطِينُ والسَّدَنةُ للمشركين تقسيم هباتهم بين الله وآلهتهم، زينوا لكثير منهم قتل أَولادهم من بنين وبنات؛ ليوقعوهم في الهلاك، وليخلطوا عليهم أَمر دينهم الذي ورثوه عن إِبراهيم وإِسماعيل - عليهما السلام - فإنه كان يحرّم عليهم القتل، وبخاصة قتل الأولاد.

والتعبير عن الكهان والشياطين بأنهم شركاءُ المشركين، لأَنهم جعلوا وَسْوَسَتَهُم وأَمرهم، شرعًا لهم. وبذلك جعلوهم شركاءَ لله في التشريع. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ}: أَي: ولو شاءَ الله عدم فعلهم ذلك لعصمهم منه، ولكنه خَلَّاهم وما يفعلون؛ لأَنه علم منهم إِصرارهم على ضلالهم وكفرهم، ولهذا قال سبحانه: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}: أَي: فاتركهم ودعهم - يا محمد - في غَيهم وضلالهم وما يختلقونه من الكذب على الله، فإِنهم مصرون عليه. وسوف نعاقبهم على ما يفترون. وهذا تهديد لهم ووعيد، كما قال سبحانه: { ... نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (¬1). {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)}. المفردات: {حَرْثٌ}: زرع. {حِجْرٌ}: محجور محرم. {بِزَعْمِهِمْ}: أَي بادعائهم من غير حجة. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، من الآية: 178

التفسير 138 - {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ ... } الآية. تحكى هذه الآية، نوعا آخر من جهالاتهم وكفرهم، وافترائهم الكذب على الله تعالى. والمعنى: أَن هؤُلاءِ المشركين، حلَّلوا وحرَّموا من تلقاءِ أَنفسهم، فجعلوا بعض الأَنعام وبعض الزروع محجورة محرمة على الناس، لا يأْكلها إِلا من شاءُوا من الكهان القائمين على الأَصنام، ومن الرجال دون النساءِ. {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا}: فلا تُركَبُ ولا يُحْمَل عليها. وهى: البحائر، والسوائب، والوصائل، والْحَوامِى. {وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا}: عند الذبح، بل يذكرون أسماءَ أصنامهم عليها. وهذه الجملة ليست واقعة في كلامهم المحكى كنظائرهم السابقة، بل مسوقة من جهته تعالى، لبيان عادتهم عند الذبح. وقال مجاهد: كانت لهم طائفة من أنعامهم: لا يذكرون اسم الله عليها في أَي شأْن من شئونها: لا إِن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نُتِجُوا، ولا إِن باعوا، ولا إِن حَمَلُوا. وقيل: معنى {لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا}: لا يحجون عليها: لأَن الحج لا يخلوا عن ذكر الله تعالى. {افْتِرَاءً عَلَيْهِ}: لأَنهم كانوا قَسَّموا أَنعامهم هذه الأَقسام الثلاثة، زاعمين أَن الله أمرهم بها، اختلاقًا وكذبًا منهم على الله تعالى. فجعلوا منها قسما حِجْرَّا، وقسما لا يُرْكَبُ، لا يَذْكرون اسم الله عليه. ثم بَيَّن اللهُ جزاءَهم على افترائهم، فقال تعالى: {سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: أَي: سيعاقبهم الله بسبب افترائهم الكذب على الله تعالى.

{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)}. التفسير 139 - {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} الآية. أَي: وقال أُولئك المشركون: ما في بطون هذه الأنعام - من أَجنة البحائر والسوائب - خالصة الحِل لذكورنا، ومحرم أكلها على إناثنا. وذلك إِن وُلِدَتَ الأَجنة حيَّة. كما يُشْعِر به قوله تعالى حكاية عنهم: {وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ}: أَي: وإِن يكن ما في البطون ميتة حين يولد، فالذكور والإِناث شركاءُ في أَكله. فهو حلال لهم جميعًا. وكل ما ذكر من التحريم والتحليل، ينسبونه إِلى الله تعالى، زورا وبهتانا. ولهذا قال سبحانه: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}: أي: سيعاقبهم الله جزاءً لهم على وصفهم الكذب (¬1) وحكايتهم إياه على الله سبحانه، بادعائهم أنه تعالى، أحلَّ وحرَّم ما أَحلوه وحرموه. إنه عظيم الحكمة والعلم ... ومَن كان كذلك، فلا يفلت هؤُلاءِ. من عقابه الموافق لمقتضى حكمته، المناسب لما علمه من جرائمهم. ¬

_ (¬1) كما في قوله تعالى: {وتصف ألسنتهم الكذب} النحل من الآية: 62.

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)}. المفردات: {خَسِرَ}: خاب. {سَفَهًا}: السفاهة، الخفة والجهالة. التفسير 140 - {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... } الآية. المعنى: قد خاب هؤُلاءِ المشركون، الذين قتلوا أَولادهم بغير سبب سوى سفاهتهم - أَي خفة عقولهم - وجهلهم أَن الله هو الرازق لهم ولأَولادهم. وسبب هذه السفاهة: انتفاءُ علمهم ... وجهلُهم بأَن الله هو الرازق لهم ولأَولادهم، وأَن مكارم الأَخلاق تحمى من الزلل. فلو نشأَت البنت على الفضيلة، لما زلت في كبرها. قال عكرمة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر. فقد كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والعار، وأَولادهم خشية الفقر، جهلا منهم بأَن الله هو الرازق لأَولادهم وحده. أَما خسرانهم، فلأَن الولد نعمة عظيمة: أَنعم الله بها عليهم، فيه يبقى الذكر ويشتد الظهر. فإِذا فقده بجريمة الوأْد، فقد خسر خسرانا مبينا في الدنيا والآخرة. أَما خسارته في الدنيا، فلأَنه قطع رحمه، وقتل ولده، وأَزال نعمة الله عليه. وأَما خسارته في الآخرة، فلأَنه استوجب عقاب الله الشديد، وقتل نفسا حرَّم الله قتلها. {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ}: من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي وغيرها.

{افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ}: أَي: كذبا عليه سبحانه وتعالى، حيث زعموا أَن الله أَمرهم بذلك. {قَدْ ضَلُّوا}: أَي أَخطأُوا طريق الحق والصواب. {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}: من الأَصل لسوءِ سلوكهم، وفساد قلوبهم. {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)}. المفردات: {جَنَّاتٍ}: بساتين. {مَعْرُوشَاتٍ}: مرفوعات على ما يحملها. {مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} الاشتباه والتشابه؛ بمعنى واحد. والمراد به: التقارب ونحو اللون والطعم. {حَصَادِهِ}: جَنْيِهِ. {وَلَا تُسْرِفُوا}: ولا تجاوزوا الحد في الإِنفاق. التفسير 141 - {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ... } الآية. هذه الآية - وما بعدها - رَدٌّ لافتراءَات المشركين فيما أحَلُّوه وحَرَّمُوه بأَهوائهم .. وذلك

ببيان أَن الله هو الخالق لكل شيءٍ: من النبات والحيوان. وأَنه أَحلَّ من ذلك ما أَحلَّ وحرم منه ما حرم، على مقتضى حكمته. خلافا لما أَحلوه وحرموه بأَهوائهم. والمعنى: هو الله الذي خلق بساتين مختلفة: بعضها مرفوعاتٌ على ما يحملها من العرائش، كبعض الكروم، وبعضها متروكاتٌ بدون عرائش. {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ}: أَي: وأَنشأَ النخل والزرع مختلفا ثمره وحَبُّهُ: في الهيئة، وفي الطعم. {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}: أَي: وأَنشأَ - سبحانه وتعالى - الزيتون والرمان: متشابها في الثمر والشكل والهيئة والطعم، واللون والحجم. وغير متشابه في ذلك. إِبداعا في الخلق والإِعجاز. {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}: هذا أَمرٌ أَباح الله به التناول من ثمر ما ذكر مطلقا، قبل تمام نضجه. بشرط عدم الضرر أو بعده وقبلَ البيع، لعدم تعلق حق شرعى به. قال بعض الفقهاءِ: إِنه رخصة للمالك في الأَكل منه قبل أَداءِ حق الله تعالى فيه، لكن بقدر ودون توسع في الأَكل. ويلاحظ أَن المقصود بأَكل الطعام قبل نضجه، هو تناول نحو القول الأَخضر والباقلاءِ والفريك، ونحو ذلك. {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}: الأمر هنا، للوجوب، بخلاف الأَمر في قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} فهو للإباحه كما سبق بيانه. ولا يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب، عندما تقوم الأدلة على توجيه كل منهما الوجهة التي يستحقها. واختلف العلماء في المراد من: حق الزرع والثمر يوم حصاده، في الآية الكريمة. فمنهم من حمله على الزكاة المفروضة ... وعلى هذا الرأْى كثيرون، منهم ابن عباس وأَنس بن مالك، والحسن. ونقل عن مالك وأَبي حنيفة، وبعض أَصحاب الشافعى رضوان الله عليهم. وقد التزم أَصحاب هذا الرأْى بالقول: بأَن هذه الآية مدنية.

ومن العلماءِ من قال: إِن هذا حق في المال سوى الزكاة، أَمر الله به ندبا بمكة. وعلى هذا جَمْع منهم: عطاءُ، وسعيد بن جبير، ومجاهد، رضى الله عنهم. فالآية مكية كباقي السورة. أَما الزكاة في الثمار والحبوب، فقد فرضت في المدينة. وقد بين ذلك في السور المدنية، وفي أَحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حيث ذكرت فيها أصناف الزَّكَوِيَّاتِ، والنصاب الذي تجب فيه الزكاة، ومقدار الزكاة. ولكنا نرجح الرأى الأَول، وهو أَن الآية مدنية، لأَن مكة ليس فيها جنات معروشات وغير معروشات، وليس فيها زرع، وإِنما ذلك في المدينة. {وَلا تُسْرِفُوا}: أَي لا تتجاوزوا الحد فتبسطوا أيديَكم في الإِعطاءِ وقال زيد بن أَسلم: هو خطاب للولاة. أَي: لا تأْخذوا فوق حقكم، وما لا يجب على الناس. وقال إِياس بن معاوية: ما جاوزتَ به أَمر الله، فهو سرف وإِسراف، يعني أَن هذا هو خطاب للمزكِّى: أَنه لا يزيد على ما فرضه الله في الزكاة. لكن مجاهدا حمل الإِسراف في الآية على الإِنْفاقِ في المعصية. فقال: لو كان أَبو قبيس ذهبا فأَنْفَقَهُ في طاعة الله لم يكن مسرفا. ولو أَنفق درهما أَو مُدًّا في معصية - كان مسرفا. غير أَن هذا الرأْى ضعيف. يردُّه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، أَن ثابت بن قيس بن شماس عَمَدَ إِلى خمسمائة نخلة فجزَّها ثم قسمها في يوم واحد، ولم يترك لأَهله شيئا فنزلت {وَلَا تُسْرِفُوا}. وروى مثله ابن جرير وابن أَبي حاتم عن ابن جريج. والذى ينبغي الاعتماد عليه: أَن التوسط في الإِنفاق هو الأَفضل .. وهذا متفق مع قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ... } (¬1). ¬

_ (¬1) سورة الإسراء، من الآية: 29

فإذا جاوز المزكى ما فرضه الله عليه، فليذكر أولاده ... فلا يدعهم فقراء ... فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لأَحد أَصحابه: "إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكففُونَ النَّاسَ" (¬1) {إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}: أَي: أنه - سبحانه - لا يرضى عمن يسرف في ماله بإِنفاقه كله - أَو أَكثره - في الصدقة أو المتعة. أو بإِنفاقه في معصية، أو بالتقصير في حق الله الواجب في الزكاة، بأَن يعطِىَ أقلَّ مما يجب عليه ... فكل ذلك إِسراف ومجاوزة للحد. والله لا يرضى عن فاعله. بل يعاقبه. {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}. المفردات: {حَمُولَةً}: تحمل الأَثقال. {فَرْشًا}: ما يفرش للذبح. التفسير 142 - {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا .. } الآية. هذا شروع في تفصيل أَحكام الأَنعام، وإِبطال ما افْتَروْه على الله في شأْنها، بالتحليل والتحريم. والمعنى: وهو - سبحانه وتعالى - الذي أَنشأ لكم من الأنعام، ما يصلح للحمل عليه، وما لا يصلح. ولكنه يُفرَش ويُضْجَع للذبح. ¬

_ (¬1) من حديث أخرجه البخاري.

ويصح أن يكون المراد من كونه فَرْشًا: أَنه يُتَّخَذُ من شعره وصوفه ووبره ما يُفْرَش به. وسيأْتى بيان الأَنعام في الآية الآتية. {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}: أَي: كلوا من لحوم هذه الأَنعام وأَلبانها، التي رزقكم الله بها. والأَمر هنا؛ لإِباحة الأَكل، وإِظهار المنَّةِ على عباده، كي يشكروه، ولا يكفروه. {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: أَي: لا تسلكوا سبيل الشيطان في تحريم ما أَحل الله لكم، وتحليل مما حرم عليكم. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}: أَي: إِنه بَيَّنُ العداوة لكم، حريص على إغرائكم وإغوائكم. والشيطان جنس، يشمل كل شياطين الإِنس والجن، ممن يحلُّون الحرام ويحرمون الحلال من الحكام وذوى السلطان. تحقيقا للشهوات والنزوات ونحوها. {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)}.

المفردات: {أَزْوَاجٌ}: جمع زوج. ويطلق على كل واحد من القرينين: الذكر والأُنثى في الحيوانات المتزاوجة، ويطلق أيضًا على مجموعهما. والمراد الأَول. {نَبِّئُونِى}: أَخبروني. التفسير 143 - {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ .. } الآية. هذا بيان لجهل العرب قبل الإِسلام، فيما كانوا يحرمون من الأَنعام، ويجعلونها أَقساما وأَنواعا: بحيرة، وسائبة، ووصيلة وغيرها. فبيّن في هذه الآية - وما بعدها - أَنواع الأَنعام وأَصنافها. فقال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ}: أي ثمانية أصناف: أَربعة ذكور من الإِبل والبقر والغنم والمعز، وأَربعة إِناث من كل منها. وكل ذَكَرٍ من هذه الأَصناف يُزَاوِجُ أُنثاه وبالعكس، والمزاوجة: المثاناة. ثم شرع في تفصيل هذه الأَصناف، على النحو الآتي، فقال: {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ}: أَي من الضأْن زوجين: ذكر وأْنثى. {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ}: أَي ومن المعز زوجين: ذكر وأُنثى .. والمراد كل ذكر وأُنثى من هذين الصنفين الاثنين. {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ}: أَي قل يا محمَّد، لهؤُلاءِ الذين يحرّمون ذكور الأَنعام تارة، وإناثها تارة أُخرى، وينسبون ذلك إلى الله افتراءً عليه - قل لهم: أَكان التحريم في الضأْن والمعز وغيرهما من الأَنعام بسبب الذكورة؟ أَم كان بسبب الأُنوثة؟ أَم هو بسبب الوجود في الرحم؟

فإِن كان التحريم بسبب الذكورة، لزمهم تحريمها، وهم لم يفعلوا ذلك. وإِن كان التحريم بسبب الأُنوثة، لزمهم تحريم جميع الإِناث، ولم يفعلوا ذلك أَيضا. وإِن كان التحريم بسبب اشتمال الرحم على الجنين، لزمهم تحريم جميع الذكور وجميع الإِناث؛ لأَن الكل يشتمل عليه الرحم. ولم يفعلوا. ومثل ذلك. يقال في الإِبل والبقر: الآتيين. {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: أَي: أخبروني بأَمر معلوم من جهة الله تعالى، جاءَ به الأَنبياءُ عليهم الصلاة والسلام، يدل على أَن الله سبحانه، حرم شيئا مما ذكر، إِن كنتم صادقين فيما زعمتموه من أَن التحليل والتحريم هما من عند الله. 144 - {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ... } الآية. أَي: ومن الإِبل اثنين: ذكرٍ وأُنثى. ومن البقر اثنين: ذكرٍ وأُنثى. قل لهم يا محمد، أَكان التحريم بسبب الذكورة في هذين الصنفين؟ أَم كان بسبب الأَنوثة فيهما؟ ... إِلخ ما بَيَّن في الآية قبلها. وإِنما ذكر في هذه الآية، ما ذكر في الآية السابقة - لزيادة الإِلزام والتبكيت والإِفحام. {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا}: هذا انتقال من توبيخهم على تحريم ما حرموه بغير علم، إِلى توبيخهم بنفي حضورهم وصية الله بالتحريم. والمعنى: بل أَكنتم حاضرين مشاهدين حين وصاكم الله، وأَمركم بهذا التحريم؟! والمراد نفى الوصية بالتحريم. فلذا لم يشهدوها. والحاصل: أن العلم بالتحريم، إِما أَن يكون عن رسول أَخبرهم به، وإِما أَن يكون عن مشاهدة لله وسماع منه تعالى ... وكلا الأَمرين منتف. وبذلك يبطل تحريمهم كما حرموه عن الله تعالى.

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... }: أَي: فلا أَحدٌ أَشدَّ ظلمًا ممن اختلق الكذب على الله تعالى، فنسب إِليه تحريم ما لم يحرم، ليوقع الناس - بجهله - في الضلال والبعد عن المنهج القويم، الذي شرعه الله لعباده. وإِنما وصفوا بعدم العلم - وهم متيقنون بأَن الله لم يحرم ذلك - للتنبيه على أنهم خرجوا في ظلمهم عن الحدود والنهايات. فإِن من افترى على الله حكما غير عالم بصدوره عنه - مع احتمال صدوره - كان بعيد الغاية في الظلم ... فما ظنك بمن افترى عليه تعالى، وهو يعلم أَنه لم يصدر عنه جل وعلا!! {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}: أَي: إِن اللهَ لا يرشد إِلى طريق الحق كل من اتصف بالظلم. وإِذا كان المتصف بالظلم لا تناله هداية الله. فما بالك بمن بلغ في الظلم نهاية النهاية!! {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُورَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)}.

المفرادات: {طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}: آكِلٍ يأْكله، من ذكر وأُنثى. {مَسْفُوحًا}: أَي سائلا. {رِجْسٌ}: نجس خبيث. والمراد: حرام. {فِسْقًا}: خروجا عما أَحَلَّه الله. {أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}: ذُكِرَ اسمُ غير الله تعالى عليه، عند ذبحه. {فَمَنِ اضْطُرَّ}: فَمَنْ حملته الضرورة على تناول شيءٍ من ذلك. {غَيْرَ بَاغٍ}: أَي غير ظالم مضطر مثله. {وَلَا عَادٍ}: أَي ولا متجاوز قدر الضرورة. {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}: أَي كلَّ ماله أَصبع من الإِبل، والسباع، والطيور. {شُحُومَهُمَا}: جمع شحم. وهو الدهن. {إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا}: أَي إلاَّ مَا وُجِد من الشحم فوق ظهورهما. {أَوِ الْحَوَايَا}: أي وإِلَّا الشحومَ التي تغطِّى الأَمعاء. {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}: أَي وإِلَّا ما اختلط من الشحم بعظم، كالإلية. {بِبَغيِهِمْ}: أَي بسبب ظلمهم. {بَأْسُهُ}: عقابه. التفسير 145 - {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية. بعد أن بين القرآن الكريم - فيما سبق - خطأَ المشركين فيما يفترونه على الله تعالى، في شأْن التحريم والتحليل لبعض الأَرزاق من الثمار والأَنعام، ووبَّخَهم على ذلك - جاءَت هذه

الآية، تأْمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ببيان أَن الوحى هو الطريق الصحيح فيما حرَّمه الله وأَحلَّه. فقال: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}: أي: قل يا محمَّد، لهؤُلاءِ المشركين المفترين: لقد تتبعت جميع ما أوحاه الله إلىَّ، بحثا عن المحرمات، فلم أَجد فيها طعاما محرما على أي آكل من الذكور أَو الإِناث. {إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}: أَي: لا أَجد طعامًا محرما، إِلا أَن يكون الطعام شيئا من الأَشياءِ الآتية: 1 - (مَيْتَةً) وهو الحيوان الذي زهقت روحه بغير ذبح شرعي. 2 - {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا}: أَي دمًا مصبوبا سائلا من الحيوان، بخلاف الكبد والطحال، فإنهما دمَان غير سائلين. 3 - {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ}: ومثل لحمه، شحمه، وغضاريفه. فإِن جميع أَجزائه قذر نجس، ولو ذبح. 4 - {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}: أَو يكون المطعوم لحم حيوان، ذُكِرَ عليه - عند ذبحه - اسم غير الله تعالى، فإِنه يكون - عند ذلك - فسقًا حيث بَعُدَ، بسبب ذلك، عما أحلَّه الله تعالى. {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَي: فأَى شخص حملته الضرورة على تناول شيء من المحرمات السابقة، لحفظ الحياة، بسبب فقده الطعام الحلال، فإنه رخص له ذلك، بشرط أَلا يبغىَ بأَكل نصيب مضطر آخر مثلِهِ. وأَلا يتجاوز - فيما يتناوله - مقدار الضرورة التي تحفظ عليه حياته، حتى يصل إلى مكان يجد به الطعام الحلال. {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَي: فإن الله عظيم المغفرة والرحمة: لا يؤَاخِذ المضطَّر على تناول شيءٍ من ذلك؛ لأنه أَباحه له لحفظ حياته.

146 - {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ .. } الآية. أَي: وعلى اليهود - دون غيرهم، بسبب ظلمِهم - حرم الله جميع ماله إِصبع غير منفرج: كالإِبل، والطيور، وخصه ابن زيد بالإِبل فقط. {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا}: أَي: وحرَّم عليهم دهون البقر والغنم. {إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا}: أَي: إِلا الدهون التي توجد فوق ظهور البقر والغنم. {أَوِ الْحَوَايَا}: أَي: وإِلَّا الدهون التي تغطى الأَمعاء. {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}: أَي: وإِلَّا الدهون التي تكون متصلة بعظم، كشحم الإِلية، فإِنها متصلة بالسلسلة الفقرية. {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ}: أَي: كان ذلك التحريم، عقابا لهم بسبب عُتُوِّهم وعصيانهم، وتعديهم حدود الله، حيث قتلوا الأَنبياء بغير حق، وأَكلوا الربا، وأَكلوا أَموال الناس بالباطل. كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ... } (¬1). وكانوا كلما أَتوا معصية، عوقبوا بتحريم شيءٍ مما أُحِلَّ لهم. وهم ينكرون ويدعون أنها كانت محرمة على الأُمم قبلهم. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}: هذا إِخبار عن الله عَزَّ وجل، بأنه صادق في كل مَا بيَّنه، ومنه بيان صدقه فيما أَحلَّ وحرَّم، بالنسبة لليهود. ¬

_ (¬1) سورة النساء، من الآية: 160

147 - {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ... } الآية. أَي: فإن كذبك يا محمد، المخالفون لك من اليهود والمشركين، فيما جئتهم به من الحق والهدى - ومنه ما بينته لهم من أحكام الحلال والحرام من المطعومات - فقل لهم؛ ترغيبا لهم في الطاعة، وإنذارا لهم على استمرارهم على الشرك والضلال. {رَبُّكُمْ}: الذي خلقكم وتعهدكم؛ بالتربية، والإِرشاد، وبيان الحق. {ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}: أَي صاحب رحمة واسعة، حيث لم يعاجلكم بالعقوبة: مع قدرته على إنزالها بكم. {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}: أن: ولا يقدر أَحد على دفع عقابه إِن أَراد وقوعه بالمجرمين. فكيف لا تخشون عقابه وأنتم أَشد الناس إِجراما؟! {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)}. المفردات: {تَخْرُصُونَ}: تقدِّرون تقديرا خاطئا.

{الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}: أَي التامة؛ بإِنزال الكتب، وإرسال الرسل، مع تسليم العقل. {هَلُمَّ}: أَحضِروا. {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}: أَي وهم يُسوُّون به غيره. التفسير 148 - {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ... } الآية. هذا إِخبارٌ من الله تعالى، بما سيقولونه، بعد أن أُفحموا وبطل ما كانوا عليه من الشرك، وتحريم ما أحل الله لهم، وتحليل ما حرم عليهم، ولزمتهم الحجة. {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}: أَي لو شاءَ الله أَلَّا نشرك به - نحن ولا آباؤُنا القريبون منهم والبعيدون - ما أشركنا وما أشرك آباؤُنا ... ولو شاءَ أَلا نُحَرِّم شيئا مما حرمناه، لما حدث منا هذا التحريم. فما وقع منا، فهو بمشيئته ورضاه .. أرادوا بذلك، أَنهم على الحق المشروع المرضى عند الله تعالى، وإِلا لَمَا وقع منهم، لأَنه لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. وقد كذبوا في هذا الاحتجاج؛ فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والمعاصي. قال تعالى { ... وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ... } (¬1). {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا}: أَي: مثل تكذيب هؤُلاءِ لك، في أَن الله نهى عن الشرك والتحليل والتحريم بالرأْى والهوى، وإلباس الحق بالباطل - كذب الذين من قبلهم رسلَهُم، واستمروا على التكذيب، إِلى أَن نزل بهم عقابنا، وأَحاط بهم الهلاك. {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا}: أَي: قل لهم يا محمد هل يوجد لديكم أَمرٌ معلوم بَيِّنٌ واضح، يصح الاعتماد عليه، فيما زعمتم، فتظهروه لنا كما أظهرنا لكم خطأَكم فيما ذهبتم إِليه؟! ¬

_ (¬1) سورة الزمر، من الآية: 7

{إن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظنَّ وإنْ أَنتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ}: أَي: ما تتبعون - فيما ذهبتم إليه من باطل - إلا الظن الذي لا يغنى من الحق شيئا ... وما أَنتم إلا تُقدِّرون تقديرا خاطئا، وتكذِبون، إِظهارا للباطل، وإخفاءً للحق الواضح، وهو أنه ليس لديكم ما يصح الاعتماد عليه، والتمسك به. 149 - {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}: أَي: قل لهم يا محمَّد، إن فقدتم كل حجة، ودليل على ما زعمتم، حيث لا حجة لكم .... فلله - وحده - الحجة البينة الواضحة، التي بلغت نهاية القوة، وقد لزمتكم بإرسال الرسل إليكم، وإِنزال الكتب عليكم، وقد بلَّغوكم. {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}: أي: فلو شاءَ الله هدايتكم إلى الحق لوفَّقكم جميعًا إِلى اتباعه، لكنه - سبحانه - شاءَ الهداية للبعض فآمن، دون البعض. 150 - {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ... } الآية. أي: قل لهم يا محمد، أَحضِرُوا من يشهد لكم ويعاونكم، في إثبات أَن الله حرم عليكم ما حرمتموه على أَنفسكم، وعلى أَزواجكم!!. ولن يوجد لهم شاهد يشهد بحق وصدق على ذلك. {فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ}: أي: فإن أَحضروا شهداءَهم المبطلين معهم، وشهدوا لهم، فلا تشهد معهم، ولا تقبل شهادتهم؛ لأَنها نتيجة اتباع الهوى. {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}: أى: ولا تتبع يا محمَّد، أهواء الذين اتصفوا بتكذيب آياتنا، وعدم الإِيمان بالبعث والجزاء.

{وَهُمْ بَرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}: أي: وهم يشركون بربهم. وقد أَدّى بهم ذلك إلى تسويته بغيره، والعدول عن عبادته وحده. {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)}. المفردات: {تَعَالُوْا}: أَقبِلوا وأَحضروا. {أَتْلُ}: أَقرأ. {إمْلَاقٍ}: فقرٍ وفاقةٍ. {الْفَوَاحِشَ}: ما عظم قبحه من المعاصي. {وَصَّاكُمْ بِهِ}: أمركم وأَلزمكم به. {أَشُدَّهُ}: أَي يبلغ قوته البدنيه والعقلية ويحسن التصرف.

{بِالْقِسْطِ}: بالعدل وعدم الجور. {فَاعْدِلُوا}: فاصدُقوا في القول. {وَبِعَهْدِ اللهِ أوْفُوا}: وبما طلب الله منكم من العدل وتأْدية أحكام الشرع، أَوفوا وأَتِمُّوا. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}: لكي تتعظوا. التفسير 151 - {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... } الآية. بعد أَن أَبطل الله تعالى - في الآيات السابقة - دعاوى المشركين في استنادهم إلى مشيئة الله تبريرا لإشراكهم، وإِشراك آبائهم من قبل، وتحريم ما حرموا، وظهر فساد مسلكهم في الاعتقاد والعمل، والتحليل والتحريم - طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يستدعيهم إلى حضرته؛ ليبين لهم ما حرّمه عليهم، وما أوجب فقال سبحانه: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .... } الآية. أي: قل لهم يا محمَّد، أَقبلوا واحضرُوا إلىَّ، لأَقرأَ ما حرَّمه ربكم عليكم وما أَوجبه. وبدأَ بالنهي عن أَكبر المحرمات، فقال تعالى: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}: أَي: أَلاَّ تشركُوا به - سبحانه - شيئا من الشرك: كالرياءِ، وعدم صدق النية في العمل، أَو شيئا من الشركاءِ، حقيرا كان أو عظيما. والنهي عن الإِشراك يقتضي الأَمر بالإِخلاص لله وتوحيده، فإن النهي عن الشىءِ، هو أَمرٌ بضده. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}: هذا من الأُمور التي طلبها الشارع، وحث عليها، بعد الأمر بالتوحيد والإِخلاص لله وحدَه. وقَرن الأَمر بالإِحسان إِلى الوالدين - في هذه الآية وغيرها - بالتوحيد والعبودية

لله؛ لأَن الله هو الموجد الحقيقى لكل إِنسان. وإنما الوالدان سبب عادى في وجوده. فلهما - على الولد - حق الإكرام والطاعة في الخير والبر، ولو كانا كافرين. {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}: بعد أن قرر الله تعالى حق الوالدين على الولد، عقبه بتقرير الأَولاد على والديهم، فنهى عن قتلهم بسبب الفقر، كما كان يحدث في الجاهلية؛ لأَن الله هو الرزاق للوالد والولد، ولكل الكائنات الحية. قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا ... } (¬1). {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ}: هذا نهى عن الاقتراب من المحرمات كلها على وجه العموم. فضلا عن الوقوع فيها. وخاصة: جريمة الزني التي يترتب عليها اختلاط الأَنساب، وضياع الأموال. {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}: أي: مَا يُفعَل منها علانية، وما يفعل منها سرًّا. {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}: هذا نهى عن قتل النفس التي عصمها الله من القتل: بالإِسلام، أو بالعهد - لأى سبب من الأَسباب - إِلا بالحق. وقد ورد في السنة النبوية، بيان الأَسباب التي تجعل قتل الإِنسان لغيره حقا. كالذي جاءَ في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسلِم إِلاَّ بِإحْدَى ثَلاَث: الثيّبِ الزَّانىِ، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْس، والتَّارِكِ لِدِينِهِ المفارِقِ لِلْجَمَاعَةِ" (¬2) فالذي يزنى - بعد أن سبق له الزواج - يقتل شرعا، والقاتل لغيره - عمدا - يقتل، والتارك لدينه - الذي ارتد بعد أَن دخل في الإِسلام - يُقْتَل ... ¬

_ (¬1) سورة هود، من الآية: 6 (¬2) رواه الشيخان.

كل هؤُلاءِ، قتلهم يكون بالحق المشروع. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: أي: ذلك الذي تقدم ذكره من التكاليف الخمسة - أَمركم الله بها أَمرا مؤَكدا؛ لعلكم تستعملون عقولكم في فهم الحِكَمِ التي من أَجلها طلبها الله منكم، وأَلزمكم بها. وبمراعاة هذه التكاليف - كما أمر الله تعالى - تصان الأُسرة والمجتمع، من الفساد، والتفكك، والانهيار. 152 - {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ... } الآية. في هذه الآية، نهىٌ عن القربِ من مال اليتيم - في جميع الأحوال - إلا في حال التصرف فيه على أَحسن الوجوه، التي تؤَدى إلى حفظه ونمائه. ويستمر ذلك حتى يبلغ اليتيم رشده: في دينه ودنياه. وعند ذلك، يُدفَع إليه ماله؛ ليقوم هو على تنميته بنفسه، مع الإِشهاد عليه عند الدفع. قال تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا} (¬1). {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ}: هذا أمرٌ من الله تعالى: بالعدل والتسوية، في الكيل والميزان، عند التعامل بالبيع والشراءِ. فلا تطفيف عند الاستيفاءِ من الغير .. ولا نقص عند الكيل والوزن له: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}: أي: لا يطلب الله من عباده ما لا يستطيعون فعله. وقد جىءَ بهذا النص الكريم - بعد الأَمر بالعدل في الكيل والميزان - للإِشارة إِلى أَن مراعاة الدقة التامة، فيما يكال ويوزن، قد يعسر تحققه. وعلى ذلك، فالمطلوب من المكلف: مراعاة العدل - في ذلك - قدر طاقته. وما وراءَ ذلك، يشمله عفو الله تعالى. ¬

_ (¬1) سورة النساء: من الآية: 6

{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}: أي: إذا صدر منكم قول - في قضاء أَو شهادة أَو غير ذلك - فالتزموا العدل فيما تقولون، بدون محاباة لأحد، ولو كان أقربَ الناس إِليكم. {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا}: أَي: التزموا بما طُلِبَ إليكم الوفاء به، من أَوامر الله ونواهيه. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}: أَي: ما ذكر من التكاليف المتقدمة، أمَرَكم الله به أَمرًا مؤَكدًا؛ لتتعظوا بما احتوته من مصالح دنيوية وأُخروية، فتعملوا بها، وتحرصوا على أدائها؛ لأَن هذه الأَحكام لا تختلف باختلاف الأُمم والأَزمان .. وهي مقررة في جميع الشرائع. {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}. التفسير 153 - {وَأَنَّ (¬1) هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}: أَي: ولأن هذا الذي تقدم - في الآيتين السابقتين، من الأوامر والنواهى - هو صراط الله وطريقه المستقيم، الذي رضيه لعباده. فاتبعوه ولا تنحرفوا عنه، إِذ لا عوج فيه ولا انحراف. {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}: أَي: ولا تخرجوا عن الطريق المستقيم، إلى اتباع الطرق المعوجة، فتفرقَكم وتبعدكم عن دينه الحق. ¬

_ (¬1) فتحت همزة أن على تقدير لام العلة، وارتباطها باتبعوه، أي فاتبعوه لأنه مستقيم.

{ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: أي: هذا الذي تقدم - وهو اتباع دين الله والابتعاد عن غيره من الأديان الباطلة - هو الذي أمركم الله بالحرص عليه، والسير على منهاجه؛ رجاءَ أَن تكونوا من الناجين من عذابه بصيانة أنفسكم عن السير في الطرق المعوجة. روى الدارقطني عن ابن مسعود رضي الله عنهما. قال: "خَطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطًّا، ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه، وخطوطا عن شماله، ثم قال: هذه سُبُلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إِليه. ثم قرأ هذه الآية". وأخرجه ابن ماجة أَيضا. {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)}. المفردات: {تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} أي: إِتماما للنعمة على كل من أَحسن القيام به. أو على موسى الذي أحسن تبليغه. التفسير 154 - {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ... } الآية. أي: ثم أَعطينا موسى التوراة؛ لإِتمام النعمة والكرامة، على كل من أَحسن القيام بما اشتملت عليه عن تكاليف. أو إتماما للنعمة على موسى الذي أحسن تبليغ التوراة. أو تماما على الذي أَحسنه موسى وأجاده، من العلم والتشريع، أي زيادة عليه.

{وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً}: أي: جاءَت التوراة بيانًا وتفصيلا لكل ما يحتاج إِليه في الدين والدنيا، وإِرشادًا إلى طريق الخير، ورحمة واسعة من الله لعباده. {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}: أي: لعل من نزلت لهم التوراة - وهم: بنو إِسرائيل - بلقاءِ ربهم - بعد البعث - يصدِّقون. وفي هذه الآية، إخبارٌ من الله تعالى، بأن الوصايا التي تقدم ذكرها، ثابتةٌ في الكتب المتقدمة، ومنها التوراة. {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)}. المفردات: {دِرَاسَتِهِمْ}: قراءَةِ كتبهم. {وَصَدَفَ عَنْهَا}: أعرض عنها. أو صرف الناس عنها.

التفسير 155 - {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ... } الآية. أي: وهذا القرآن، كتاب الله العظيم، أوحيناه إلى محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. كثير المنافع والخير: دنيا وأُخرى. {فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: أي فاسلكوا - أيها المكلفون - سبيله المستقيم، بالعمل بما فيه من التكاليف، حيث كان منزلا من عند الله تعالى. وذلك موجب لاتباعه، واحذروا مخالفته، رجاءَ أن تعمَّكم رحمة الله. وبذلك تنجون من عذابه الأَليم. 156 - {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا ... } الآية. أي: قد أنزلنا هذا الكتاب المبارك؛ كراهة أن تقولوا معتذرين يوم القيامة إِنما أُنزِل ذلك الكتاب - التوراة والإِنجيل - على طائفتين من قبلنا، وهما: اليهود والنصارى. وتخصيص الإنزال بكتابيهما؛ لأَنهما اللذان اشتهرا من بين سائر الكتب السماوية السابقة، قبل نزول القرآن. {وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ}: أي: وإِننا معشر العرب كُنَّا - عن مطالعة تلك الكتب وقراءَتها - لمنصرفين عن دراستهما وفي هذه الآية قطع الأعذار، وإثبات الحجة عليهم، حيث نزل القرآن بلغة سهلة ميسرة، هي العربية. 157 - {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ... } الآية. أَي: أَو لئلا تقولوا معتذرين بأَمر آخر غير ما سبق - لو أنا أنزل علينا الكتاب - كما أُنزل على اليهود والنصارى - لصرنا أَكثر هداية إِلى الحق منهم، وذلك لجودة إِدراكنا، وفهمنا لما اشتمل عليه الكتاب من الأحكام والتشريعات. وبهذا انتفى ما يمكن أن يعتذروا به، بعد الاعتذار السابق.

{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ}. أَي: فلا مكان لما يمكن أَن تعتذروا به، حيث جاءَكم - على لسان نبي منكم - كتابٌ من ربكم: فيه حجة واضحة على ما شرعه الله من الأَحكام، وإرشادٌ مبين إلى طريق الحق، ورحمةٌ بكم، حيث نزل بلغتكم. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا}: أي: فلا أَحد أكثر ظلما ممن كذَّب بآيات الله تعالى، المشتملة على البيان والهداية والرحمة، وأَعرض عن اتباع الأَحكام التي جاءَت بها، وصرف الناس عنها. فكان بذلك ضالاًّ مضِلاًّ. {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}: أي: سنعاقب الذين يُعرِضون عن اتباع آياتنا، ويصرفون الناس عنها، بالعذاب السىِّءِ، بسبب إعراضهم، ومنعهم غيرهم عن اتباع أَحكامها. {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)}. المفردات: {يَنظُرُونَ}: ينتظرون.

التفسير 158 - {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... } الآية. أَي: لا ينتظر هؤلاء الكافرون - بعد البيان السابق - إِلا مجىء الملائكة لهدايتهم ودعوتهم إِلى الإِيمان. أو أَن تأْتيهم ملائكة العذاب، وهم لم يكونوا منتظرين لذلك. ولكن لما كان العذاب يلحقهم لحوق المنتظِر، شُبِّهوا بالمنتظرين. {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ}: أَوأَن يأتى ربك إليهم، داعيا إياهم إلى الهدى، كما اقترحوا ذلك، في قوله تعالى: { ... لَوْلَا أنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائكَةُ أوْ نَرَى رَبَّنَا ... } (¬1) أَو المراد: إِتيان أمره بالعذاب. {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}: أي: أو تأْتيهم بعض الآيات التي اقترحوها على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - كما ورد في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الْأرْضِ يَنبُوعًا} (¬2) الآيات. والخلاصة: أنهم علقوا إِيمانهم - باللهِ ورسوله - على حصول إِحدى هذه العظائم. وشبهت حالهم بحال المنتظرين لها. ومن المفسرين من فسر {بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}: بأَشراط الساعة، بدليل قوله عقبه: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ}. أَي: يوم يحدث شرط من أَشراط الساعة، لا يُقْبَل من نفس إيمانٌ ولا عملٌ صالح. حصلا بعد ظهور الشرط وحدوثه؛ إِذ لا ينفع النفس إلا ما قدمته قبل ظهور أَيٍّ من أَشراط الساعة؛ لأن وقت التكليف الاختيارى، قد فات. ¬

_ (¬1) سورة الفرقان، من الآية: 21. (¬2) سورة الإسراء، الآية: 90 وما بعدها.

{قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ}: هذا أَمر موجه من الله تعالى، لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، بأَن يأْمرهم - أمر تهديد ووعيد - بقوله لهم: انتظروا ما يأْتيكم من الآيات التي علقتم إيمانكم عليها، والتي لا تنفعكنم إِن وقعت ... إنا منتظرون وقوع ذلك لكم، حَتى نرى ما يحل بكم من سوءِ العاقبة، وما يحل بنا من حسن المآل. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)}. المفردات: {شِيَعًا}: فرقا متعددة. {يُنَبِّئُهُمْ}: يخبرهم ويعلمهم. التفسير 159 - {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ... } الآية. المعنى: إن الذين فرقوا دينهم، باختلافهم فية، فعبَدَ بعضهم الأَصنام، وقالوا عنها: هؤُلاءِ شفعاؤُنا عند الله. وعبد بعضهم الملائِكة، وقالوا؛ إنها بنات الله. وبعض ثالث: عبد الكواكب .... ومنهم من قال: عزير ابن الله. ومنهم من قال: المسيح ابن الله. وهذا كله شرك بالله تعالى، وخروج عن التوحيد الذي ارتضاه الله لعباده؛ لأنه الحقيقة المؤكدة: نقلا وعقلا. فكانوا - بهذا الاختلاف والتفرق - شيعا وأحزابا. كل فريق منهم يتبع طريقا يخالف طريق الآخر.

{لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}: أَي: لست يا محمَّد من عقاب هؤلاءِ المتفرقين في أمر دينهم في شىءٍ ... فلست مسئولا عن تفرقهم .. وحسبك أنك أديت الرسالة وبلغت الأَمانة، وخرجت من عهدة التبليغ. وقيل: هو نهى عن التعرض لهم، حتى نزل الأمر بجهادهم. {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}: أَي: ما أَمرهم ومآل حالهم، إِلا إِلى الله وحده. فيجازيهم على أعمالهم وعقائدهم الباطلة - بما يستحقون. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (¬1). {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)}. التفسير 160 - {مَن جَاَء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَايهَا .... } الآية. بعد أن بين القرآن الكريم، حال الناس من المؤْمنين وغيرهم، من حيث تمسكهم بالدين والعمل، واختلافهم فيه - شرع في بيان جزاءِ كل عامل: محسنا كان أو مسيئا. فقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}: أَي: من عمل عملا صالحا - وهو مؤْمن - فله جزاءٌ عند الله مقدر بعشر أَمثال ما عمل تفضلا عليه من الله تعالى. والْعَشْر أَقل مراتب التضعيف. ولا يقف تضاعف الجزاءِ ¬

_ (¬1) سورة الحج، الآية: 17

عند هذا. فقد يصل إِلى سبعين وإِلى سبعمائة، وإِلى أضعاف كثيرة، وبغير حساب. حسب إِخلاص العبد، وصدقه في العمل. {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا}: أَي: ومَن عمل عملا سيئا، من شرك وغيره، فعقابُه مماثلٌ لما عمل، عدلا. {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: بنقص شيءٍ من ثوابهم أو الزيادة في عقابهم. {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)}. المفردات: {دِينًا قِيَمًا}: دينا مستقيما: لا عوج فيه. {حَنِيفًا}: مائلا عن الأديان الباطلة. {وَنُسُكِي}: عبادتي.

{أَبْغِي رَبًّا}: أَطلب. {وَلَا تَزِرُ}: ولا تحمل. {وَازِرَةٌ}: نفس آثمة. {خَلَائِفَ}: خلفاءَ يخلف بعضكم بعضا. {لِيَبْلُوَكُمْ}: ليمتحنكم ويختبركم. التفسير 161 - {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ... } الآية. بعد أَن بين الله تعالى. فساد ما عليه المشركون بالحجج والبراهين، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أَن يبين الدين الحق الذي هو عليه وهداه الله إليه، وهم يدعون - زورا - أَنهم عليه مع أنهم قد فارقوه كلية. والمعنى: قل يا محمد، لأُولئك المبطلين: إِننى قد أرشدنى ربي إلى طريق مستقيم، موصل إلى الحق، بما أنزله علىَّ في القرآن، وبما نصبه من الآيات التكوينية: في الأنفس، وفي الآفاق. {دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: هذا هو بيان الطريق المستقيم، الذي اختاره الله لرسوله، بأَنه: الدين القيم الذي هدى الله إليه إبراهيم عليه السلام، فسلكه مبتعدا عن كل دين باطل، حيث كان مخلصا في عقيدته وعمله، ولم يك من المشركين. 162، 163 - {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ... } الآيتان. هذا أَمر آخر، من الله تعالى، لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، بأَن يبيّن: أَن صلاته - وسائر عباداته وحياته وموته - خالصةٌ لله رب العالمين - وحده - دون إشراك أَحد معه في تلك الأُمور المذكورة وغيرها.

{وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ}: أي: وبالإِخلاص لله - وحده - في كل عباداتى، أَمرنى الله سبحانه وتعالى. {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}: أي: وأنا أول المنقادين المسارعين إِلى إِطاعة أوامر الله تعالى. وفي هذه الجملة، بيان لموقف النبي - صلى الله عليه وسلم -، من الأَوامر التي أَمر بها، وأَنه قدوة للأُمة من حيث المبادرة إلى امتثال الأَوامر، واجتناب النواهى. 164 - {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ... } الآية. أَي: قل يا محمد، لهؤلاءِ المشركين بالله، معلنا لهم ما أَنت عليه من إخلاص العبادة لله والتوكل عليه: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا}: أي: أَطلب إلَهًا آخر سوى الله ربا ومعبودا. {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}: أَي: وهو المالك والمربى لكل شيءٍ، فيحفظنى ويرعانى ويكلؤنى، ويدبّر أَمرى، كما يقوم بتربية جميع الأَشياءِ، فيرعاها ويحفظها؟ فلا - ولن - أَتوكل إِلا عليه، ولن أَلجأَ إلا إِليه؛ لأَنه رب كل شيءٍ، وله الخلق والأَمر. وفي هذه الآية: الأَمر بإِخلاص التوكل عليه سبحانه، كما تضمنت الآية التي قبلها، الأمر بإخلاص العبادة له عز وجل. وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرًا، كما قال تعالى مرشدا لعباده، أَن يقولوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (¬1). ومثله: { ... فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَلْ عَلَيْهٍ ... } (¬2). {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا}: هذا إِخبار عما يكون عليه الحال يوم القيامة، من أَنَّ ما يعمله العاملون - من خير وشر - لا يعود إِلا عليهم: ثوابا أَو عقابا. ¬

_ (¬1) سورة الفاتحة، الآية: 5. (¬2) سورة هود، من الآية الخاتمة: 123

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}: أي: ولا تحمل نفس آثمة إِثمَ نفسٍ أُخرى بل كل نفس بما كسبت رهينة. فالنفوس إنما تجازى بأَعمالها إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}: أي: اعملوا في الدنيا، فأَعمالكم مسطورة عليكم. ثم يكون مردُّكم ورجوعكم إلى ربكم، مالك أَمركم في الآخرة، فيعلمكم بأَعمالكم، ليتبين لكم ما كنتم فيه من غرور وباطل مخالف للحق، ويجازيكم عليها. 165 - {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ .. } الآية. أي: وهو الله الذي جعلكم تعمرون الأَرض، أُمة تخلف أُمة، وقرنا بعد قرن، وخلفا بعد خلف. والخطاب - على هذا - عام لجميع البشر. أَو هو الذي جعلكم خلفاءَ الأُمم السابقة ... والخطاب على هذا، للمؤمنين. {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}: أي: فضَّل بعضكم على بعض في الرزق، وفاوت بينكم في الأَخلاق، والمحاسن والمساوىءِ. {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}: أَي: ليعاملكم معاملة المختبر - وهو أعلم بكم - فيما أَنعم به عليكم من المال والجاه. هل يقوم الغنِىُّ بحق المال؟ وهل يصبِر الفقير على الحرمان؟. وكما كان التفاوت في الدنيا، فسوف يكون التفاوت في الآخرة، نتيجة التفاوت في الأعمال الصالحة.

{إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}: في هذا، تخويف وترغيب. فعقابه تعالى سريع - إِذا جاء وقته - لمن عصاه وخالف أمره، ولم يتبع رسله. وهو غفور رحيم، لمن أَطاعه ووالاه، واتبع رسله فيما جاءُوا به. والقرآن الكريم، كثيرا ما يجمع بين الترغيب والترهيب؛ كى يحمل الله تعالى عباده على طاعته، ويبعدهم عن معصيته. نسأَل الله التوفيق.

سورة الأعراف

سورة الأعراف مقدمة: هذه هي السورة السابعة في ترتيب المصحف، وهي مكية، ومن السبع الطوال، وعدد آياتها ست ومائتان. وسميت سورة الأعراف، لورود هذا اللفظ فيها، قال الله تعالى: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ... } الآية. ونزلت كلها بمكة - كما قال ابن عباس وابن الزبير. واستثنى غيرُهما ثمانى آيات تبتدىءُ من قوله تعالى:. {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ... } إلى أوَّل قوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ ... } ومنهم من ضم إِليها قوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ ... } الآية فتصير بها المدنيات تسعا. ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أَن سورة الأنعام، ختمت بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ... } الآية (¬1). وجاءَت سورة الأَعراف كالتفصيل لذلك. فسردت قصة آدم، وهو أَول خليفة استخلف في الأَرض. ثم تلتها قصة قوم نوح، ثم عاد مع هود، ثم ثمود مع صالح، إِلى آخر ما اشتملت عليه من القَصَص .. كما أَنهما تشتركان في كونهما مكيتين، أنزلتا لحمل المشركين على ترك شركهم وعاداتهم الجاهلية. من مقاصد السورة: جمعت هذه السورة مقاصد شريفة، منها ما يلي: 1 - الدعوة إِلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. ¬

_ (¬1) سورة الأنعام، من الآية: 165

2 - لا اجتهاد مع النص لقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}. 3 - حوت قَصَص عدد من الأنبياء مع أُممهم، وما انتهت إِليه أحوالهم؛ لنعتبرَ بما حل بالكافرين، ونتبعَ طريق المؤمنين. 4 - بيان عموم رسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. 5 - إِباحة الطَّيبات من الرزق، وأَخذ الزينة عند الذهاب إِلى أماكن العبادة. ومثلها أَماكن الاجتماعات العامة .. 6 - الامتنان على العباد باللباس والرياش، وأَن خير لباس يرتديه الإنسان هو التقوى، التي بها يتفاضل الناس عند الله تعالى. 7 - بيان أَنَّ أوامر الله لعباده كلها خير؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاءِ والمنكر. 8 - بيان أن نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، منصوص عليها في الكتب السماوية السابقة. 9 - بيان أَن العلماءَ مطالبون بالتذكير والموعظة الحسنة، لهداية الناس وإرشادهم إِلى الحق. 10 - ذكر العهد المأخوذ من الله على بني آدم، بأَن يذعنوا ويسلموا بالربوبية لله - وحده - دون سواه. وأنهم أَقروا واعترفوا وسيأتى تفصيل ذلك. 11 - الأمر بالإنصات والاستماع عند تلاوة القرآن، لما اشتمل عليه من الفوائد التي تنفعهم في الدنيا والآخرة: ولما تنزل عند تلاوته بن الرحمات والعطايا الإلهية:

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)}. المفردات: {كِتَابٌ}: المراد به هنا؛ القرآن. أَو سورة الأَعراف. {حَرَجٌ}: الحرج؛ الضيق. وقد يطلق على الشك مجازا، لأَنه يضيق به صدر صاحبه. {لِتُنْذِرَ بِهِ}: الإنذار؛ التخويف. {وَذِكْرَى}: الذكرى؛ التذكير والوعظ. التفسير 1 - {المص} (¬1): افتتح الله تعالى تسعا وعشرين سورة بأسماءِ بعض الحروف الهجائية. وسورة الأَعراف واحدة منها. ويرى بعض العلماء: أن هذه الحروف، من المتشابه الذي استأْثر الله تعالي بعلمه. ولما سئل الشعبي عنها قال: إِن لكل كتاب سرًّا، وإِن سرَّ هذا القرآن فواتح السور. اهـ ويرى آخرون أنها فواصل بين السور، كما تأتى كلمة (هذا) فاصلة بين الآيات. كما في قوله تعالى: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ... } (¬2) إلخ. ¬

_ (¬1) راجع ما كتبناه على الفواتح أول سورة البقرة. (¬2) سورة ص، الآيات: 55،56، 57

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أَسلم: هي أَسماءٌ للِسور .. ويستدل بما ورد في الصحيحين عن أَبي هريرة "أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم: السجدة. وَهَل أَتَى عَلَى اْلإنسَانِ". وقيل: هي أَسماءٌ لله تعالى. وقيل: هي فواتح لتنبيه السامعين إلى ما في القرآن من الآيات والعِبر. وقيل: هي رمز إِلى أَن القرآن مؤَلَّف من كلمات عربية، ذات حروف من جنس ما ينظمون منه كلامهم. فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله، فمحمّد مثلهم. وذلك دليل على أَنه من عند الله تعالى .. واختاره الزمخشرى. 2 - {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}: هذا القرآن كتاب أنزل إليك - يا محمّد - من ربك؛ لتخوِّف به المشركين والكفار من عاقبة شركهم وكفرهم، حتى يضلعوا عَمّا هم فيه، ولتذكِّر به المؤمنين وتعظَهم، ليزدادوا إِيمانا مع إِيمانهم. فلا يكن في صدرك - يا محمّد - ضيقٌ مِن تبليغه، بسبب تكذيب المشركين إيَّاك، وتَجَمُّعِهم عليك. أو بسبب خوفِك من التقصير في القيام بحقِّه. وكن منشرحَ الصدر، مطمئنَ النفس .. فالله ناصرك ومعينك. والتعبير بقوله تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} بدلا من {أُنْزِلَ إِلَيْكَ} جاءَ على سنن الكبرياءِ، وإِيذانًا بالاستغناءِ عن التصريح بِمَنْ أَنزله، سبحانه وتعالى. وإِنما فسرنا الحرج بالضيق، لأَنه أَصل معناه، ولقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ... } (¬1) الآية. وقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} (¬2). ¬

_ (¬1) سورة هود، الآية: 12 (¬2) سورة الحِجْر، الآية: 97

وكما كان يضيق صدرُه الشريف لما يقولون، كان يضيق خوفا من إيذائهم إيّاه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّي أخَافُ أَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِى (¬1) فَيَدَعُوهَا خُبْزَةً (¬2) " أَخرجه مسلم. ولهذا، نهاه الله تعالى، عن أَن يضيقَ صدرُه بذلك. فقد وَفَّر له جميل الرعاية والحماية والتأْييد. والغرض الأساسى من نهيه عن وقوع الحرج في صدره، أَلاَّ يبالِىَ بمعارضة قومه، وأَن يُشعره الله بنصره ومعونته. وتخصيص الذكرى بالمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بها. {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)}. المفردات: {مِنْ دُونِهِ}: "دون" له عدة معان، منها أنه بمعنى غير، وهو المناسب هنا. {أَوْلِيَاءَ}: قادة يوجهونكم، أو يلون أمركم في دينكم. {تَذَكَّرُونَ}: أَصله تتذكرون، مخفف بحذف التاءِ. أَي تتعظون. التفسير 3 - {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... } الآية. المعنى: اتبعوا - أَيُّها المكلفون وخاصَّة أَهل مكة - ما أُنزل إِليكم من ربكم من القرآن وسنة الرسول، فإنها من الوحى. ولا تتبعوا من غير ربكم أَولياءَ من الإنس والجن: يزّينون لكم الأَباطيلَ ويصرفونكم عن الحقِّ إِلى الأَهواءِ والبدع، لأَنكم تتعظون قليلًا من الاتعاظ. ¬

_ (¬1) أي يشدخوها ويكسروها، من ثلغ رأسه - كمنع - أي شدخها. (¬2) الخبزة واحدة الخبز، أي يتركوها مثل الخبزة التي تضرب باليد قبل وضعها في التنور، أو مثل الخبزة إذا دقت وضربت بعد خبزها، فإنها تصير محطمة.

ولهذا لا تنفعكم المواعظ. وإنما قلنا: إِن السُّنة من الوحى، لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (¬1) وقوله عر وجل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (¬2) وقوله عزّ مِن قائل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (¬3). وقد استفيد من الآية الكريمة: أنه لا يُعْدَلُ عن النص إِلى الاجتهاد؛ فإِن اتِّبَاعَ الاجتهاد - مع وجود النص - اتباع لغير ما أنزل إِلينا من ربُّنا. والتعبير بقوله تعالى: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} يحتمل أَن يراد به أنهم يتعظون قليلًا جدا. ولذا أَكد هذه القلَّة بحرف (ما) ولا يلبث هذا الاتعاظ القليل أن ينتهى، فلا يكون له أَثر جذرى في أَعماق النفس. ويحتمل أَن يراد بالقلَّة العدم كما يقال: فلان قلَّما يعضل، أي لا يعقل أصلا .. {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)}. المفردات: {وَكَمْ}: خبرية بمعنى كثير. {قَرْيَةٍ}: المراد من القرية أَهلها. {بَأْسُنَا}: عذابنا. {بَيَاتًا}: ليلا. ¬

_ (¬1) سورة النجم، الآيات: 3، 4، 5 (¬2) سورة النحل، من الآية: 44 (¬3) سورة الحشر، من الآية: 7

{قَائِلُونَ}: نائمون أو مستريحون نهارًا وقت القيلولة. وهي النوم أو الراحة نصف النهار. {دَعْوَاهُمْ}: دعاؤُهم. ومنه قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (¬1). التفسير 4 - {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ}: لما أمرهم الله تعالى باتباع ما أُنزل إليهم، ونهاهم عن اتباع أئمة الكفر والضلال - أتبع ذلك إنذارهم بإنزال العذاب بهم، كما أَنزله بمن قبلهم بسبب إعراضهم عن دين الله، وإصرارهم على أباطيل أوليائهم. والمراد من إهلاك القرى، إرادة إهلاكها، لا إِهلاكها فعلا. لقوله تعالى بعده: {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} إذ البأْس لا يجىءُ بعد الإهلاك، بل بعد إِرادته. وذلك كما في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... } (¬2) الآية. إذ معناه: إذا أَردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا ... إلخ. والمعنى: وكثير من القرى أَراد الله إهلاك أَهلها، فجاءَهم عذابه ليلا - وهم نائمون - كقوم لوط، أَو نهارًا - وهم مستريحون وقت القيلولة غافلون عن مجىء العذاب - كقوم شُعيب. وذلك لكفرهم وإعراضهم عن دين الله. 5 - {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}: فما كان دعاؤُهم - حينما نزل بهم عذاب الله - إلا أَن قالوا تندُّمًا وتحَسُّرًا واعترافا بالذنب وطمعا في النجاة: يا ويلنا، إِنا كنا ظالمين لأَنفسنا بتركنا حقّ الله إلى باطل الطاغوت، ولاتَ ساعة مندم. ولات حين نجاة. ¬

_ (¬1) سورة يونس، من الآية: 10 (¬2) سورة المائدة، من الآية: 6

{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)}. المفردات: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ}. وتقدير أَعمال العباد في هذا اليوم هو الحق والعدل. {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}: فمن رجحت أَعماله التي توزن وتقدر. التفسير 6 - {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}: يؤَكد الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أَنه سوف يسأَل - يوم القيامة - الأُمم الذين أرسلَ إِليهم رسلَه، قائلا لهم: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} (¬1) كما يؤَكد أَنه - تعالى - سَوف يسأل المرسلين، قائلا لهم: "مَاذَا أجِبْتُمْ" (¬2). 7 - {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ}: كما يؤَكد الله تعالى - في هذه الآية - أَنه سوف لا يكتفي بشهادة الرسل على أممهم، ولا بإقرار الأمم على أنفسهم بأعمالهم. بل يقصّ الله على الجميع ما كان منهم - بعلم تام - بجميع أحوالهم. ويقرر الله سبحانه: أنه لم يكن غائبا حين كان الرسل يبلّغون أممهم في صدق وإِخلاص، ولا كان غائبا - سبحانه - عن الأمم حسن كانوا يبَلغون: من آمن منهم برسله ومن كفر. فإنه - عزَّ وجلّ - لا يخفى عليه شيء حدث في الأرض أو في السماء. وقد يقال: إذا كان الله تعالى عالما بما كان منهم، وأنه سيقصّه عليهم، فما فائدة سؤالهم الذي دلت عليه الآية السابقة؟ ¬

_ (¬1) سورة القصص، من الآية: 65 (¬2) سورة المائدة، من الآية: 109

فالجواب: أَن سؤال المكلفين من الأُمم - هو سؤَال تقرير وتوبيخ، وسؤال المرسلين هو سؤَال استشهاد وتشريف لرسله. مع تمام علمه بما يسأَلهم عنه، كما أنه تعالى لا يريد أَن ينزل بهم عقابه، لمجرد ما علمه عنهم، حتى يقرّوا به هم على أَنفسهم. فإن قيل: كيف نوفّق بين ما هنا، وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ}؟ (¬1). فالجواب أن السؤَال المثبت هنا، يكون في موقف الحساب، والمنفى في سورة الرحمن - يكون في موقف العقاب. ولعل الظاهر من الآية أن سؤَال كلٍّ من الرسل وَمَنْ أُرسِلوا إِليهم، هو سؤَال خاص بتبليغ المرسلين إِياهم، وما نتج عنه من كفر أُممهم أو إِيمانهم بهم. وهذا لا يمنع أَن الناس يُسألون - أَيضا - عن جميع أَعمالهم، كما دلَّ عليه قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (¬2) وقوله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاع وَكُلُّ رَاع مسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... (¬3) " الحديث .. إِلى غير ذلك من الأَدلة. والسؤَال عن ذلك كله سؤَال تقرير وإِقامة حجة، لا سؤال استعلام ... ويبدو أَن إِخبار الله تعالى الأُمم عن أعمالها، يكون - بتسليمهم - فرادى - كتب أَعمالهم التي تنطق عليهم أَولهم. أَو بإِخبار الملائكة لهم، والله تعالى أَعلم. 8 - {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: المراد من الموازين، الأعمال. والموازين جمع موزون، أَي مقدّر، والمراد من الوزن الحق، التقدير والقضاء العادل - كما قاله مجاهد، والأَعمش، والضحاك. واختاره كثير من المتأخرين. واستعمال الوزن بمعنى القضاءِ والحكم والتقدير، شائع - لغة وعرفا - بطريق الكناية .. وممّن ذهب إِلى ذلك المعتزلة. وحُجَّة أَصحاب هذا الرأى: أن الأعمال أَعراض تفنى. وعلى فرض بقائها، لا تقبل الوزن بالميزان المعروف، الذي لا توزن به إِلا الجواهر والأعيان. وهذا هو رأْى المحققين. ¬

_ (¬1) سورة الرحمن، الآية: 39 (¬2) سورة التكاثر، الآية: 8 (¬3) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

والجمهور، على أَن الوزن حقيقي. ويكون لصحف الأعمال بميزان له لسانٌ وكفتان: ينظر إِليه الخلائق، تأْكيدا للحجة، وإِظهارًا للنصفة، وقطعا للمعذرة .. كما يسأَلهم الله عن أَعمالهم، فتعترف بها ألسنتُهم، وتشهد بها أَيديهم وأرجلهم وجلودهم - ويشهد عليهم كذلك: الأنبياءُ والملائكة وسائر الأَشهاد. ومما يدل على صحة الرأْى الأَول، ما أَخرجه مسلم في صحيحه بسنده قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى (¬1)؟ قال سمعته يقول: "يُدْنَى المؤْمِنُ مِنْ ربِّه يَوْمَ القِيَامة، حتى يضَعَ عليه كنَفَه فيُقَررُه بذنوبه"، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرف. قال فإن قد سترتها عليك في الدنيا، وإنى أغفرها لك اليوم، فَيُعطَى صحيفةَ حسناتِهِ ... وأما الكفار والمنافقون، فيناديهم على رءُوس الخلائق: هؤُلاءِ الذين كَذَبُوا على الله. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} كما أن الكتب ليست هي الأعمال، فكيف يبين وزنها حقيقة هذه الأعمال من حسنات وسيئات؟ والاحتياط يقتضي التسليم بالوزن. أَما حقيقة هذا الوزن، فيُترك عليها إلى الله تعالى. فالمعنى: وقضاءُ الله بين عباده في يوم القيامة وتقديرُه لأَعمالهم هو القضاءُ والتقديرُ الحقُّ، فَمَنْ رجحت أعمالُه، وكان لها وزنٌ وقيمةٌ لصلاحها، فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العقاب، والحصول على جزيل الثواب. والآية الكريمة قد حصرت الفلاح في الذين رجحت حسناتهم على سيئاتهم، بقولها: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. 9 - {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}: أي وَمَن خفّت أعماله، بأَن كانت لا وزن لها ولا قيمة - لكونها فاسدة - فأُولئك الذين خسروا أنفسهم؛ إذ غيَّروا فطرة الله التي فطرهم عليها كما فطر الناس. وهى فطرة حبِّ الحق، وجلب النفع، ودفع الضر. وقد أَبوا ذلك لأنفسهم، فكفروا، فاستحقوا العذاب، بسبب كونهم مستمرين على تكذيبهم بآيات الله، وَظلمِهم بجحدهم لها. وصدق الله إذ يقول: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (¬2). ¬

_ (¬1) أيُّ مناجاة الله العبد يوم القيامة، والمناجاة المسارة كالنجوى. وناجاه: سارّه. (¬2) سورة الكهف، من الآية: 49

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)}. المفردات: {مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ}: جعلنا لكم فيها مكانا تستقرون فيه. أَو أقدرناكم على التصرف فيها. {مَعَايِشَ}: أَسبابا للعيش. التفسير. 10 - {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}: لما أمر الله المكلفين عامَّة - وأَهل مكة خاصّة - باتباع ما أنزله إليهم، ونهاهم عن اتباع أَولياءِ الضلال، وبيَّن لهم أنهم - جميعًا - مسئولون عن ذلك، ومجزيون عليه، إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، عقَّب ذلك بتذكيرهم - جميعًا - بنعمه الموجبة لشكرهم إِيّاه سبحانه وتعالى: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فقال عزَّ من قائل: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ}: أي: ولقد جعلنا لكم - في هذه الأرض - مكانا تستقرون فيه. وذلك نعمة كبرى يعرف قدرها من سُلِبُوها فَدَأبُوا على الارتحال. أو المعنى: أَقدرناكم على التصرف فيها واستنباط خيراتها. بما أَودعنا فيكم من طاقات. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ}: المعايش: جمع المعيشة. وهي ما يُعَاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. أوهى. ما يُتَوَصَّل به إلى ذلك. والله سبحانه وتعالى يَمُنُّ على عباده، بأنه هيأَ لهم معايشهم،

على أي وجه مما تقدم .. وتلك مِنَّةٌ توجب أَن يشكرها العبد لربِّه، بامتثال أَمره واجتناب نهيه. ومن سلبه الله هذه النعمة فهو من الهالكين. {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}: يخاطب الله الشركين - وأَمثالهم من الجاحدين لِنِعَمِه - بهذه الجملة، ناعيا عليهم سوءَ معاملتهم، حيث شكروه عليها شكرا قليلًا، هو بالنسبة إليها بمنزلة العدم فإن الشكر عليها، لا يكون إِلا بدوام توحيده - سبحانه - بالعبادة، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فإذا كان شكرهم - إِن وقع - فهو دون ذلك - كما هو دأْبهم - فلا كفاءَ فيه. وجدير أَن يكون بمنزلة العدم. وخلاصة معنى الآية: ولقد جعل الله لكم - في الأرض - مكانا تستقرون فيه، وأَبدع - لمصالحكم ومنافعكم - أسبابا تعيشون بها، فكان شكركم لها في غاية القلَّة، فاحذروا عقاب التقصير في شكره. ويجوز أن يكون القصود من قلَّة شكرهم لله انعدامه وانتفاؤه، لأنهم كانوا يتجهون بشكرهم إلى أَوثانهم، فهم ينسبون إِليها النفع والضرّ. وإِن كانوا يؤمنون بأن الله خالقهم. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)}.

المفردات: {مِنَ الصَّاغِرِينَ}: من أَهل الصَّغار والهوان. {أَنْظِرْنِي}: أمهلنى ولا تُمِتْنى. التفسير 11 - {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ... } الآية. الربط: لما ذكَّر الله قريشا بنعمة التمكين لهم في الأرض، وتيسير المعاش، ذكَّرهم عقبه بنعمةٍ تَعُمُّهم وغيرهم، تَقْتضى أجل الشكر، وهي خلقهم وتصويرهم، ضمن خلق أبيهم آدم وتصويره، وأَتبع هذا بذكر عداوة إِبليس للبشر - جميعا - بما كان من وسوسته لأَبيهم آدم، وتسلسل هذه الوسوسة فيهم، ليحذروه. فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}: أي ولقد خلقنا أَباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه، فانتقل إِليكم خلقه وتصويره. وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين من المشركين؛ لأَن لهم نصيبا منه في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السَّلام. وقيل: إِن المعنى؛ خلقناكم نطَفا، ثم صورناكم في أرحام النساءِ. وإِليه ذهب عكرمة وجماعة من النحويين، كعلي بن عيسى والسيرافى. ولكن يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى. قال عقب ذلك: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}؟ وقد أُجيب عنه بأن المراد: ثم إِنَّا نُخبركُم: أَنَّنَا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... وفيه تكلف .. {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}: ظاهره أَن اللائكةَ أُمِروا بالسجود لآدم بعد تصويره. ولكن ظاهر قوله تعالى: {إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِّن طِينٍ. فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (¬1) أَنهم أُمروا به قبل خلقه؟. ¬

_ (¬1) سورة الحجر، آية: 28، 29

وتوفيقا بين هاتين الآيتين، نقول: إِنهم أُمروا بالسجود له مرتين. الأُولى منهما: قبل خلقه، وكان الأَمر فيها معلقا على تسويته ونفخ الروح فيه. والثانية منهما، بعد تمام خلقه، وكان الأَمر فيها منجزا. والله أَعلم. والملائكة - عند جمهور المتكلمين - أجسام لطيفة، قادرة على التشكل بأَشكال مختلفة، بدليل رؤْية الرسل إِياهم كذلك. واختلف فيمن أُمِر منهم بالسجود لآدم، فقيل: ملائكة الأَرض. وقيل: جميع الملائكة. وهو رأى أَكثر الصحابة والتابعين. والسجود في اللغة: الخضوع والتطامن .. وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. وليس في الآية ما يدل على أن السجود مِن النوع الثاني .. فلهذا يحمل على النوع الأول، لخصوص السجود الشرعى بالله تعالي. وقد أمِروا بهذا السجود، أَي بالخضوع لآدم على الوجه المناسب، تحيَّة له وتعظيما واعترافا بفضله. فقد أنبأَهم بأَسماء كل المسميات وخواصها، بعد أَن علَّمه الله إِيَّاها، حين عجزوا عن إِنباءِ الله بها، وقالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} (¬1). وقيل: المعنى؛ اسجدوا لله، لأجل آدم وخلقه البديع، الذي التقى فيه العالم الرُّوحى والعالم الجسدى، وتكون اللام - على هذا - في قوله (لآدَمَ) للتعليل. كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... } (¬2) أَي لأَجل زوالها عن وسط السماء. {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ}: قيل في استثناء إِبليس من الملائكة، إِنه استثناءُ متصل، فإنه - وإن كان من الجن - لقوله تعالى: {كَانَ مِنَ الجِنِّ} إِلاَّ أَنه لما كان مندمجًا مع الملائكة، يعبد عبادتهم، عُدَّ منهم. كالرجلِ يقيمُ في قبيلة أُخرى غير قبيلته، فيعّدُ منها. وقيل هو استثناءٌ منقطع ... ¬

_ (¬1) سورة البقرة، من الآية: 32. (¬2) سورة الإسراء، من الآية: 78

ولعله - على هذا الرأى - مأمور بالسجود لآدم بأمرٍ آخر، غير أَمر الملائكة ... وإِلَّا لما صح اعتباره مذنبًا حين ترك السجود لآدم، لو كان الأمر بالسجود خاصًّا بالملائكة، فإنه ليس منهم ... وكأَن أَصل الكلام: وإِذ قلنا للملائكة ولإبليس: اسجدوا لآدم، فسجدوا إِلاَّ إبليس .. فاختصرت العبارة إِلى ما في النص الكريم لوضوح المراد. والرأى الأَول أوضح وأَقلُّ تكلفا. {لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}: تصريح بما فهم من الاستثناءِ السابق، لتأْكيده؛ ولمزيد التشهير بإبليس والتوبيخ له على جريمة عصيانه ربه، سبحانه وتعالى. وخلاصة معنى الآية: ولقد خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صّورناه، فانتقل إِليكم خلقه وتصويره، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لله لأَجل خَلْقِهِ آدمَ على هذه الصورة الجليلة .. أَو اخضعوا لآدم وعظِّموه، اعترافا بفضله، فسجدوا عقب أَمرنا لهم، إلاَّ إبليس لم يكن من الساجدين. 12 - {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ... } الآية. قال الراغب: المنع في الآية الكريمة، بمعنى الحماية. والمعنى - على هذا - ما حماك من عدم السجود. وقال السكاكى: المنع هنا. مجاز عن الحمل. والمعنى ما حملك على أن لا تسجد .. وكلا المعنيين يدور على أَنه من المنَعَةِ وهي العزَّة، فكأَنه تعالى قال له: أَي شيءٍ جعلك عزيزا وحملك على ترك السجود لآدم؟!. وقيل: إِن (لا) صلة لتوكيد المنع. وكأَنه قيل: ما منعك من أن تسجد. ومعنى الآية: - على هذا - قال الله لإبليس - لعنه الله - أَي شيءٍ منعك من أَن تسجد لآدم حين أَمرتك؟!.

{قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}: قال إبليس: أنا خير من آدم، لأنك خلقتنى من نار وخلقته من طين. والنار أشرف عنصرا من الطين. والمخلوق من العنصر الأَعلى، لا يسجد لمن خُلِق منْ عنصر هو دونه .. وقد وُبِّخ إِبليس هنا على مخالفة الأمر. وَوُبِّخَ في سورة [الحِجْرِ] على مخالفة الجماعة، بقوله تعالى: {مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} (¬1) ووُبِّخ في سورة [ص] على الاستكبار على من خلقه الله بيديه بقوله: { ... مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} (¬2) وكل منها ذنب يستحق أَشد التوبيخ عليه. وإبليس بقوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} يُجِيبُ ربَّه بجواب يرجع إِلى المعنى. ذكره استبعادًا لأَن يؤمر بالسجود لآدم، وهو- في رَأْيه الفاسد - أَفضل منه .. فكأَنه قال: منعنى من السجود أنني أفضل منه. فقد خلقتنى من نار، وخلقته من طين. والفاضل لا يسجد للمفضول .. وهو بهذا يرد أمر ربه له، بسبب القياس الفاسد الذي ذكره. ومن المعلوم شرعا أَن النص لا يصح ردّه بالقياس الصحيح، فكيف بالقياس الفاسد، كالذى قاله إبليس!!. قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أول من قاس: إبليس، فأَخطأ القياس. فَمَنْ قاس الدين برأْيه: قرنه الله مع إِبليس .. وقال ابن سيرين: ما عُبِدَتِ الشمسُ والقمر إِلا بالمقاييس .. وفساد قياس إِبليس ناشئ من أن كلاًّ من التراب والنَّارِ يختص بفوائد ليست لغيره. وكل منهما ضرورى لهذه النشأة. فترجيح أحدهما على الآخر. حاصل بدون مرجح. كما أنه لا يَعْلَمُ أَسرار الترجيح - إِن وُجدت - سوى الخالق جلّ وعلا. على أَنه لا يصحُّ رجوع الفضل إِلى المادة دون النظر إِلى غيرها. فآدم خير منه خَلْقًا، فقد خلقه الله بيديه. أَي بلا واسطة، قال تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ¬

_ (¬1) سورة الحجر آية: 32. (¬2) سورة ص آية: 75

لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... } (¬1) أَي بغير واسطة، وذلك اعتناءً بنشأَته، ولا يعتنى المولى سبحانه إلاَّ بمن هو أهل لهذه العناية .. كذلك هو خير منه روحًا، لقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} (¬2) بإضافة روحه إِلى الله تعالى، تشريفًا لا تبعيضًا. وهو خير منه غايةً، حيث عهد الله إليه بخلافة الأَرض، وأَهَّلَهُ لها بالعلم. وذلك هو ملاك الأمر. ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود له، فسجدوا، بعد ما ظهر لهم أَنه أَعلم منهم، بما يدور عليه أَمر الخلافة في الأرض. 13 - {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)}: المعنى: قال الله لإبليس: انزِل مقهورًا من منزلة الكرامة التي أنت بها، فما يصح لك أَن تتكبر فيها، فإنها للخاشعين المطيعين، فاهبط منها إِنك من أهل الصَّغَار والهوان، جزاءَ كبريائك .. وللعلماءِ في معنى {فَاهْبِطْ مِنْهَا}: آراءٌ غير ما تقدم نجملها فيما يلي: قال بعضهم إِن الضمير في (منها) يرجع إلى الجنة، لشهرة أنه كان من سكانها، وهي الجنة التي وعدت للمتقين. والمعنى: فانزِل من الجنة. وقيل: إنه يرجع إِلى السماءِ. أَي فانزِل من السماءِ. ورُدَّ القولان، بأن وسوسةَ الشيطان لآدم، كانت بعد هذا الطرد. فإذا كان آدم في جنة السماء، فكيف يوسوس له فيها بعد أن طرد منها أَو من السماءِ؟. وأُجيب عن ذلك، بأنه مُنِعَ من دخولها تكريما، ولم يمنع ابتلاءً لآدم. ويرى كثير من العلماء: أن الجنة التي أهبط منها - وكان فيها آدم - هي جنة في الأَرض. إذ أَنه خُلِق من تراب الأرض. ولم يَرد نصُّ أَنه رُفع إِلى الجنة أو إلى السماءِ. ¬

_ (¬1) سورة ص، الآية: 75. (¬2) سورة الحجر، من الآية: 29

وممن قال بذلك: ابن عباس رضي الله عنهما. فقد رُوِىَ عنه أنه قال: أُمِرَ بالهبوط من روضة بعَدَن. وفيها خُلِق آدم عليه السَّلام. وهذا رأى مقبول ولا يمنع من وسوسة إبليس لآدم؛ لأَنه معه في الأَرض، فيستطيع أن يقترب من جنته ويوسوس له. 14 - {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}: قال إِبليس لربه: أمهلنى واتركنى حيًّا إلَى يوم القيامة، الذي يُبْعَثُ فيه آدمُ وذريتهُ. وقد طلب ذلك لغرضين: أَحدهما: أَن يَثْأر من آدم، بالإغواءِ لذريته حتى نهايتهم. وثانيهما: أن ينجوَ من الموت، إِذ لا موت بعد البعث. 15 - {قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}: الإنظار: الإمهال. وقد أُطلِقَ هنا، وقيد في سورة [الحِجْر] وسورة [ص] بأَنه إِلى يوم الوقت العلوم، فيحمل ما هنا عليه. والمراد من الوقت المعلوم، يوم النفخة الأُولى التي يموت عندها جميع الخلائق. قال ابن عباس وغيره: أنظره الله إِلى النفخة الأُولى، حين تموت الخلائق. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية، حتى يقوم الناسُ لربِّ العاليين، فأَبى اللهُ عليه ذلك. فإن قيل: ما فائدة إِجابة إبليس إلى طلبه الإِنظار؟ وما حكمة الغواية مع أَن فيها إضرارا بالعباد؟. فالجواب: أن في إِنظاره ابتلاءً لهم، ليُخْتَبَرَ أهلُ الحق، فيثابوا على مجاهدتهم لوساوسه، وأهلُ الضلال والغواية، فيعاقبوا على استجابتهم إِليها. والحكمة في خلْق الله الغواية في الزخارف والملاهى والملاذ، وفيما فطر في الأنفس من حبِّ الشهوات: أَن يمتحن اللهُ بها عبادَه، كما أَن منها ما هو مرض نفسانى، يعصم منه الله

أَهلَ المناعة الروحية وهم الحريصون على الحق والفضيلة وهو يعادل الأمراض الجسدية التي يعصم الله منها أهل المناعة الجسدية. وفي ذلك - أي في المناعة من غواية الشيطان لمن رضي الله عنهم - يقول الله تعالى، لإِبليس عليه لعنة الله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (¬1). {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)}. المفردات: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي}: الإغواء؛ خلق الغَىّ في القلب. والغىُّ: الضلال. {صِرَاطَكَ}: الصراط؛ الطريق. {مَذْءُومًا}: أَي مذمومًا. من: ذأَمه، إذا ذمَّه. {مَدْحُورًا}: مطرودًا مبعدًا. وفعله: دَحَرَ كجَعَلَ. التفسير 16 - {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}: بعد أَن عرف إِبليس، أَن الله تعالى أَملى له، وأبقاه إِلى قيام الساعة، للحِكَم التي شرحناها في الآية السابقة - قال لربه: فبسبب إِغوائك لي، وجعلى من أَهل الضلال، ¬

_ (¬1) سورة الحجر، الآية: 42

لأَقعدنَّ لآدم وذريته، راصدًا لهم في طريقك المستقيم، الموصل إِلى جنتك، الذي دعت إليه رسلك. وقعود الشيطان لبنى آدم في الصراط المستقيم - وفي تلك الجهات - كناية عن رصده لهم، ومراقبتهم عندما يتجهون إِليه، ليبعدهم عنه. وتفسير الإِغواء بالإِضلال، هو رأْى ابن عباس، ونسبة الإغواء بمعنى الإضلال إِلى الله تعالى، لا يمنعها أَهل السنة. والمحققون منهم: يرون أَن المراد من إضلال الله للعبد: التخلى عن توفيقه إِياه، بعد أن اختار العبدُ سبيل الضلال. والمعتزلة: يمنعون نسبة الإغواء بمعنى الإضلال إِلى الله تعالى، ويقولون: هذا كلام الشيطان فلا يحتج به. كما قالوا أَيضا: يمكن أن يكون المعنى فما خيبتنى من رحمتك أَو فبما أهلكتنى بطردك إياى ولعنك لي .. الخ فكما يطلق الإِغواء لغة على الإضلال، يطلق على التخييب والإِهلاك. 17 - {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ... } الآية. اقتصار إِبليس على تلك الجهات الأربع، دون أن يذكر - فَوْقَهُمْ وتحتهم - لأَنها هي الجهات التي اعتاد العدو الهجوم منها. ومعنى {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}): من أَمامهم. والمقصود من ذكر الشيطان هذه الجهات، هو المبالغة في متابعة إِغوائه لهم. دون حقيقة تلك الجهات. فإن وسوسته لهم قلبية ونفسية. وهو يجرى من ابن آدم مجرى الدم. فلا حاجة له إِلى تلك الجهات. ويجوز أن يكون غرضه من تلك الجهات: أنه سيضلهم عن الحق أينما اتجهوا إليه. إقبالًا أَو إِدبارًا، وميامنة أَو مياسرة. بحيث لا يترك لهم فرصة للإفلات منه. لعنه الله.

ولقد حمى الله سبحانه وتعالى، المؤمنين من هذا الوعيد بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} (¬1). فَعلى المؤمنين أَن ينتبهوا إِلى تلك الحقيقة، ويحتموا بإيمانهم من سلطان إِغوائه، فلا يستمعوا لوسوسته، ولا يأْبهوا بتزيينه، فإنه السمُّ الزعاف: متى استطاع استدراج العبد، جعله في ظلام لا يتبين فيه الحقيقة، ووجد صعوبة في العودة إِلى الجادة المستقيمة، فقد أَبعده اللعين عنها. فعلى كل مسلم أن يصده ويعرض عنه، حتى لا تتأثر نفسُه بالاستماع الدائم إِلى وساوسه، وأَن يتذكر عداوته لآدم وذريته، لينجو من شرِّه. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (¬2) أَي تذكروا عداوته، فاستعاذوا باللهِ تعالى: يطلبون حمايتهم من شرِّه، قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (¬3) حمى الله عباده المؤمنين من شرِّه، وهداهم إلي سواءِ السبيل. ومعنى الآية: ثم لآتينهم من كل وجه يتجهون إليه بعد رصدهم ومراقبتهم، ولا تجد أَكثرهم - بسبب إِضلالى إِياهم - مطيعين لك. تلك هي عداوة إِبليس للجنس البشرى. وهذا هو وعيده لهم. فعلى الإِنسان أَن يكون حذرا من وساوسه، لينجو من عواقبها. 18 - {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}: أَي قال الله لإبليس - مؤكدا طرده السابق - اخرج من منزلة الكرامة أو من الجنة، مذمومًا مِنِّى ومن أَهل طاعتى، مطرودا مبعدا من رحمتى أُقسِم: لَمَنْ تَبعَك منهم - في وسوستك له واستمر عليها - لأملأنَّ جهنم منكم أَجمعين: تابعين ومتبوعين. ¬

_ (¬1) سورة النحل، الآيتان: 99، 100 (¬2) سورة الأعراف، الآية: 201 (¬3) سورة فصلت، الآية: 36

وظاهر النص أن مخاطبات الله لإبليس، كانت بلا واسطة لغرض مزيد التعنيف والتوبيخ والوعيد. واستظهر الجبائى من المعتزلة: أنها كانت بواسطة؛ لأن الله لا يكلم الكافر. {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)}. المفردات: {وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا}: أخفى عن عيونهما من عوراتهما. {وَقَاسَمَهُمَا}: وأقسم لهما، مبالغا في الإقسام. التفسير 19 - {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}: هذا نداءٌ من الله تعالى لآدم عليه السلام يأْمره فيه بسكنى الجنة والتنعم بثمارها. وتنبيه له إِلى الاهتمام بتلقى الأَمر والعمل به. ولم يشرك معه زوجته في الخطاب، للإيذان بأصالته في تلقىّ الوحى، ومباشرة المأْمور به.

والمعنى: وقلنا: يا آدم، اسكن أنت وزوجك الجنة، واستقرا فيها، وتنعما بخيراتها، وكلا من ثمارها - ما أَحببتما - في سعة ورفاهية، من أَي مكان فيها أردتما. ولكن لا تقربا ثمار هذه الشجرة، فتكونا بذلك من الظالمين لأنفسهم، إذ تعديتما حدود الله تعالى. والجنة التي أُمِرَا بسكناها والأكل منها، اختُلِف في المراد منها. فقيل: هي دار الثواب والعقاب؛ لأنها المعهودة شرعا. وقيل: هي بستان في الأرض، فالجنة - في اللغة - بمعنى البستان. واختلف في موقعها، فقيل: بفلسطين .. وقيل: بين فارس وكرمان. وقيل: بعدن. والإِهباط منها: النقل إلى أَرض سواها يكدحان فيها ويعملان لتحصيل رزقهما. ويرجح أَصحاب هذا الرأْى ما ذهبوا إليه، بأن آدم خلق في الأَرض بلا خلاف، ولم يذكر في قصته أَنه رفع إلى السماءِ .. ولو رفع، لكان رفعه أولى بالذكر. ولا يعارض هذا قوله تعالى، فما بعد: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (¬1) فإِن استعمال الهبوط بمعنى الانتقال، وارد في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} (¬2). وقيل: كلا الأَمرين ممكن. والأَدلة متعارضة. فوجب التوقف، وترك القطع. وقد جاءَت هذه الآية في سورة البقرة هكذا {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} فصرَّح فيها بكلمة (رغدا) أي أَكلا واسعا - رافها. والمعنى هنا، على ذلك، وإِن لم يصرح به، أَخذًا من إِطلاق الأكل. واختلف في الشجرة التي نهيا عن القرب منها. فقيل: هي الحنطة. وقيل: هي شجرة العنب. وقيل: هي التينة. ¬

_ (¬1) سورة الأعراف، من الآية: 24 (¬2) سورة البقرة، من الآية: 61

والأولى عدم تعيينها؛ لفقدان الدليل عليه. وتوجيه الخطاب إليهما، في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} لتشريفهما؛ والإيذان بتساويهما في حقِّ الأَكل، ولكى يوجه النهي إليهما صراحة في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. وخوطب آدم - وحده - في السكن؛ لأن حواءَ تابعة له فيه ..... والمقصود من النهي عن قربهما تلك الشجرة، ألاَّ يأْكلا منها. وعبّر عن ذلك بالنهي عن القرب منها، مبالغةً في تحريم الأكل منها. 20 - {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} الآية. الوسوسة - في الأَصل - الصوت الخفى المكرر. ومنه قيل لصوت الحلى؛ وسوسة. وتطلق أَيضا، على حديث النفس. وقد غلبت في حديث إبليس لبنى آدم، لإِغوائهم. فإِنه خفى. وقد كانت وسوسته - لآدم وحوّاء - بطريق الاسترسال، حتى وصل بهما إلى ما يريد من المعصية وإِخراجهما من الجنة. فقد قال لآدم: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} (¬1)؟. وستأْتى بقية كلامه لهما في خفاءٍ وهمس، كما يفعله الناصح الحريص على المصلحة. فإِن قيل: إِذا كان آدم في جنة الجزاءِ وقت وسوسته له، تكون عودته إليهما متعارضة مع طرده منها، ومنعه من دخولها؟ فالجواب: أنه منع من دخولها على وجه التكريم، ولم يمنع من دخولها ابتلاء لآدم وحواء. أَما إِذا كان آدم في جنة الأرض، فلا إِشكال .. فإِن إبليس طرد من جنة الأَرض التي كان فيها آدم خلقا وإِقامة .. فلا تعارض. إذ يستطيع أن يحادث آدم على مقربة منه. وأما على رأْى من يقول: إنَّه أُهبط من منزلة الكرامة عند الله إلى اللعن، بسبب عصيانه لربه، فلا إِشكال في وسوسته لآدم على أي وجه كانت سكناه. ¬

_ (¬1) سورة طه، من الآية: 120

وخلاصة معنى الآية الكريمة: فأَغراهما الشيطان بوساوسه وتزيينه، وقال لهما: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا} عَنْ أكْل ثمار هذه الشجرة، إِلا كراهة أَن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين في الجنة إن أكلتما منها. والخلد: المكث الطويل، أَو بلا نهاية. واستدل بعض العلماءِ، على أن الملائكة أفضل من البشر بأَدلة .. منها هذه الآية - ومنها قوله تعالى: {وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} (¬1) وقوله تعالى: {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} (¬2). ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن إِبليس اعتبرهم فيها أَفضل من البشر: وأغوى آدم وحواءَ على الأكل منها ليرتقيا إلى درجة الملائكة، ولم يُنْكَرْ عليه اعتبارُهم أفضل من البشر، بل أُنْكرَ عليه تحريضهما على الأَكل المنهى عنه، ليكونا مثلهم، كما سيأْتي، وأن آدم لو لم يعلم بفضلهم على البشر، لما سعى إِلى درجتهم بارتكابه ما نُهِىَ عنه. وقد أُجيب عن ذلك: بأن ذلك لا يثبت فضل الملائكة على البشر من كل وجه. فقد يكون ما ذكر لكمالاتهم الفطرية، واستغنائهم عن الأطعمة والأَشربة، وفضلهم في ذلك لا يمارى فيه. والراجح عند العلماءِ: أن المطيعين من بني آدم، أفضل من الملائكة؛ لأنهم غالبوا ما رُكِّب فيهم من الشهوة، وما سُلِّط عليهم من وسوسة إبليس، حتى استقاموا. والملائكة ليسوا كذلك، إِذا لا توجد لديهم دواعى المعصية. وفرق بين من أَطاع وهو مجبول على الطاعة، ومن أطاع مغالبا دواعى المعصية. وعلى هذا الرأى ابن عباس وكثير من العلماء، ومنهم الزَّجَّاج. فإن قيل: كيف صدق آدم إبليس في دعوى الخلود، فاعتقده وسعى إِليه. وذلك كفر؛ لأنه يعلم أَنه لا خلود للبشر، فسوف يصعقون عند النفخة الأولى. فالجواب: أن الخلود الذي اعتقده آدم، وسعى إِليه، هو المكث الطويل، ولا كفر في طلبه وتصديق من يقول به ... ¬

_ (¬1) سورة هود، من الآية: 31. (¬2) سورة النساء، من الآية: 172

وعلى فرض أَنه الخلود الأَبدى .. يُجاب: بأَن آدم لم يكن يعلم - وقتئذ - أنه مقصور على الله تعالى. 21 - {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}: أَي وأقسم لهما - مبالغا في حلفه - إِنى لكما لمن الناصحين، فَكُلَا من الشجرة، واستَمِعَا كلامى. {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)}. المفردات: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ}: فأنزلهما إلى عصيان الله بخديعة. {بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}: فظهرت لهما عوراتهما. {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ}: وشرعا يجمعان. {مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ}: استقرار وتمتيع.

التفسير 22 - {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}: التدلية والإدلاء: إِنزال الشىء من أَعلى إلى أَسفل. وإِبليس قد فعل ذلك بآدم وحواءَ، إذ أَنزلهما - بوسوسته - من رفعة الطاعة، إِلى ضعَةِ المعصية .. وقيل: معنى (دلاَّهما): جرأَهما على العصيَان: من الدالَّة بمعنى الجُرأَة، فَأْبْدِلَ حرفُ التضعيف ياءً. والغرور: هو الخديعة. وسبب خديعتهما هو ظنهما: أَن أَحدا لا يقسم باللهِ كذبا، فلهذا صدَّقَاه فيها زعمه من أَن الأكل من الشجرة، يجعلهما مَلَكين أو من الخالدين. وقال بعض المحققين: إنهما لم يصدقاه. بل أَقدما على المنهى عنه بغلبة الشهوة والرغبة في الإِنسان، كما نُقْدِمُ نحن على الفعل الذي نشتهيه، إِذا زينه لنا أَحد من البارعين في الخديعة، وإِن لم نعتقد أن الأكل كما قال. ولعل كلام إِبليس من قبيل المقدمات المثيرة للشهوة. فلهذا نَسِيَا به المنهى الإلهى، فأَقدما على المنهى عنه بلا رؤية .... انتهى باختصار. {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ}: أَصل الخصف: خرز طاقات النعل ونحوها، بعد إِلصاق بعضها على بعض. والمراد من خصفهما ورق الجنة، هو جمعه وإِلصاق بعضه على بعض، بطريقة تستر العورة قيل: كان من ورق التين. وقيل: من ورق الموز. والله أعلم بالحقيقة. وفي الآية دليل على قيح كشف العورة على كلا الزوجين بلا حاجة، فما ظنك بكشفها على غيرهما؟! {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} ... الآية.

ودعاهما ربُّهما، لتشديد العتاب لهما، على مخالفة النهي، قائلا لهما: أَلم أنهكما عن الأَكل من تلك الشجرة التي أَكلتما منها، وأَقل لكما إِن الشيطان لكما عدوٌّ بَيِّنُ العداوة؟ وذلك القول حكته سورة طه كما يلي: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} (¬1). وخلاصة معنى الآية - مجتمعة - ما يلي: فأنزلهما الشيطان عن طاعة الله إلى عصيانه، إِذْ أَكلا من الشجرة المحرّمةِ عليهما بسبب ما خدعهما به من فوائدها، وإِقسامه لهما إنه لمن الناصحين. فلما ذاقا ثمرة هذه الشجرة، ظهرت عوراتهما، بتنحية الله الثياب عنهما؛ عقُوبةً لهما. وشرعا يجمعان عليهما من ورق أَشجار الجنة، لاصقين بعضه على بعض، ليسترا به عورتيهما. وناداهما ربُّهما قائلا لهما - على سبيل العتاب - أَلم أَنهكما عن قربان هذه الشجرة وأَقل لكما - محذرا - إِن الشيطان لكما عدو ظاهر العداوة؟ فكيف خُدِعتما بإغوائه؟. 23 - {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: قال آدم وزوجه. ضارعَينِ إِلى الله، معترفينِ بخطيئتهما، مستغفريْنِ منها: ربنا ظلمنا أنفسنا بمخالفة نهيك وتصديق إِبليس، وتعريضها - بسبب ذلك - لسخطك وعقوبتك. وإِن لم تتجاوز عمَّا فرط منا، وترحمنا بالرضا والفضل - لنكونن من الخاسرين. واستدل بالآية بعضُ العلماءِ، على أن الصغائر يعاقَبُ عليها مع اجتناب الكبائر. فإن آدم لم يرتكب كبائر، فلمَّا فعل صغيرة الأكل من الشجرة المحرَّمة - احتاج إلى استغفار ربه ليغفرها له، فلو كان اجتناب الكبائر يكفى في غفران الصغائر، لا كان هناك داع لاستغفار آدم من زلَّة صغيرة. ¬

_ (¬1) سورة طه، من الآية: 117

ورُدَّ هذا الاستدلال، بأَن آدم إِنما طلب الغفران والرحمة مع صغير زلته استعظاما لها في حقِّ الله تعالى - كما هي عادة الصالحين - وإن كانت مكفرة باجتناب الكبائر وإن لم يتب عنها. وإلى هذا ذهب أَهل السنة والمعتزلة. وحمل الإِمام الرازى زَلَّة آدم الصغيرة على أنها وقعت قبل نبوته إِذ لا تجوز الصغائر والكبائر بعدها على الأنبياءِ. وكثير من أهل السنة، جعلوا طلبه الغفران لما وقع منه، من باب هضم النفس فإن ما وقع منه عن نسيان، فلا صغيرة فيه ولا كبيرة. وقد يقال لهم: إن كانت زلتهُ عن نسيان، فكيف يعاتبه الله عليها؟ وكيف يعاقبه بكشف العورة والإهباط من الجنة ولا عتاب ولا عقاب على النسيان، لأنه قهرى لا كسبى؟ فالظاهر: أَن النسيان في قوله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (¬1) بمعنى الإِهمال وترك العزم في تنفيذ ما كلفه الله به. 24 - {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}: اختار الفراءُ: أَن الخطاب في الآية لآدم وحواءَ وذريتهما .... ولا مانع من خطاب الذرية وهي لم توجد بعد، لأَن خطاب الأبناءِ تابع لخطاب الآباءِ ولأن المنتظر، هو في حكم الموجود، كما في قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}. (¬2) وقيل: الخطاب لآدم وحواءَ، لقوله تعالى في سورة طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (¬3). والقصة واحدة. والمراد بالجمع في قوله: (اهبطوا) ما فوق الواحد، أَو لأنهما أصل البشر، فكأنهما جميع الآدميين. ¬

_ (¬1) طه، من الآية: 115 (¬2) يس، من الآية: 41 (¬3) طه، من الآية: 123

والمراد بالعداوة في قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}: الظلم. كنا اختاره بعضُهم - والظلم ناشئ من حبَّ الذات ووسوسة إبليس. وخلاصة معنى الآية: قال الله تعالى لهما: أهبطوا من الجنة أَنتما وذريتكما - تبعا لكما - بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض استقرار وتمتع بنعمائه تعالى، إِلى حينٍ تنتهى فيه أَعماركم. 25 - {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}: قال الله أيضا لآدم وحواء وذريتهما: في الأرض تحْيَوْنَ الحياة المقررة لكل منكم وفيها تموتون عند انقضاءِ آجالكم، ومنها تُخْرَجون إلى الحشر عند بعثكم. {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)}. المفردات: {أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} أي خلقناه لكم بأَسباب أنزلناها من السماءِ كالمطر وحرارة الشمس وأَشعتها، أَو ألهمناكم طريقة صنعه، وسيأْتى مزيد بيان بذلك: {يُوَارِي سَوْآتِكُمْ} يستر عوراتكم {وَرِيشًا} المراد به هنا اللباس الفاخر "وقبيله" وجماعته.

التفسير 26 - {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ... } الآية. هذا خطاب من الله تعالى إِلى الناس كافة. واللباس مخلوق في الأرض، وعَبَّر عن الإنعام به بإنزاله، لصدوره عن الله العلىّ الشأن إلى خلقه. ونظيره قولك: رفعت حاجتى إلي الأمير، ولا رفع في الحقيقة. وإِنما المقصود به التعظيم. قال أبو مسلم: كل ما أَعطاه الله إلى عبده، فقد أَنزله عليه، من غير نظر إلى نقله حقيقة من علو إِلى أَسفل. والمقصود منه التعظيم: أهـ. ومثله قوله تعالى في سورة الحديد: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} (¬1). وقيل: معنى {أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا}: خلقناه لكم بأسباب سماوية، كالمطر الذي ينبت ما يصنع منه الثياب كالقطن. وقيل: المراد قضيناه لكم. والقضاءُ يَنزل من السماء فهو مكتوب في اللوح المحْفوظ. ومعنى {يُوَارِي سَوْآتِكُمْ}: يستر عوراتكم التي تسبَّب إِبليس في كشفها عن أبويكم، حتى اضطرا إلى سترها بأَوراق الشجر، وقد أَغنيناكم عن ذلك ... فالآية واردة على سبيل المنة على أَبناءِ آدم، بعد ما فعله إِبليس بأَبيهم. ولذا ختمت بوجوب اتعاظهم وتَذَكُّرِهم. وقد هدى الله آدم وذريته، إلى المواد التي تصنع منها الملابس، وطريقة الحصول على تلك المواد، وكيفية صنع الملابس منها، على اختلافها، بما أَلقاه في خواطرهم من أسباب المعرفة. فله الحمد على تلك النعمة الساترة للعورات، الحافظة للأجسام، المُضْفِيَةِ للجمال. {وَرِيشًا}: أَي وأنزلنا عليكم ريشا. والريش اللباس الفاخر. {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}: التقوى: الخشية من الله، المستتبعة للأعمال الصالحة. وإِضافة اللباس إِليها؛ لأنها تقى صاحبها من النار، كما يقى اللباس صاحبه من الحر والبرد. فإذا اتقى العبد ربه، ستره من المعايب في الدنيا، ومن العقوبة في الآخرة. ¬

_ (¬1) الحديد، من الآية: 25

[هل نرى الجن]

وخلاصة معنى الآية، ما يلي: يا بنى آدم، قد أنزلنا عليكم، مِن علياء فضلنا، لباسا يستر عوراتكم، وآخر فاخرا تتجملون به فما بينكم. ولباس الخشية من الله. خير لكم مما عداه، لأَنه يقيكم من عذاب الله. ذلك الذي منحناه بني آدم - من أَي نوع كان - هو من آيات الله الشاهدة بقدرته، وفضله ورحمته، لعلهم يتعظون فيتورعون عن معاصيه. 27 - {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ... } الآية. كرر النداءَ لبنى آدم، لأهمية الوصية والوصى لهم. والمعنى: يا بني آدم لا يوقعنكم الشيطان في الفتنة والمحنة بوسوسته بتزيين القبيح وتقبيح الحسن، فَتُحْرَمُوا الجنة وتدخلوا النار - فاحذروا أن تفتتنوا بوسوسته فتعاقبوا .. كما فتن أبويكم آدم وحواء، فأَخرجهما من الجنة بسبب اتباعهما إياه، بعد ما تسبب في نزع لباسهما عنهما ليريهما عوراتهما. وكشف العورات إهدار للآدمية، وإخلال بمستوى البشرية. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}: القبيل: الجماعة. والمراد بقبيل إبليس: جنوده من الجن. وهذه الجملة تعليل للنهى، عن الافتتان بالشيطان، وتأكيد للتحذير منه. فإن العدو إذا كان يستطيع الوصول إليك من حيث لا تراه، كان جديرًا بك أن تحذره أشد الحذر. فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم. فاحذروا خفىّ مكره ومكر قبيله، حتى لا تقعوا في حبائلهم. {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}: إنا جعلنا الشياطين قادة للذين لا يصدقون باللهِ ورسوله، يتولون إغواءهم بسبب إصرارهم على إهدار عقولهم، وإفسادهم فطرة ربهم. [هل نرى الجن] استدل بعض العلماء، بهذه الآية على أن الإنس لا يَرَوْن الجن. وانفسم القائلون بذلك، إلى عدّة فِرق: إحداها: تقرر عدم رؤْيتهم على حقيقتهم، أو متمثلين في أَية صورة.

وبذلك يقول المعتزلة. ومن أَدلتهم: أن القول بقدرتهم على التمثل أَمام بني آدم، يرفع الثقة بحقائق الأشياءِ فمن رأى ولده مثلا، يحتمل أَن يتخيَّل أَنه رأَى جنيًّا، كما أن رؤيتهم - على حقيقتهم - متعذرة لشفافيتهم. وثانيتها: تقول: باستحالة رؤيتهم على حقيقتهم فقط. وأُولئك هم الأَشاعرة. وحجتهم: أَن الله لم يخلق في عيون البشر قدرة على رؤيتهم بحقيقتهم. أما رؤيتهم متمثلين، فجائزة - عند الأشاعرة - مطلقا. وقال النحاس: لا يراهم أحد على حقيقتهم، وإنما يُرَوْن إذا نُقِلوا عن صورهم. ورؤيتهم متمثلين مقصورة على عصر النبوة فحسب؛ لأَنها من المعجزات للأنبياء. فلا تكون إلا في عصرهم، كما حدث لسيدنا سليمان عليه السلام. وقال القشيرى: "أجرى الله العادة، بأنَّ بني آدم لا يرون الشياطين اليوم. وفي الصحيحينِ وغيرهما: "إِنَّ الشَّيْطانَ يَجرى مِن ابنِ آدم مَجْرَى الدَّم". وقال تعالى: "الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ" (¬1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ للمَلَك لَمَّةً، وللشَّيطانِ لَمَّةً .. فأَمّا لَمَّة الملَك فإيعاد بالخير، وأَمَّا لَمَّة ألشيطان فإيعاد بالشَّرِّ وتكذِيبٌ بالحقِّ" أ. هـ". والقشيرى بإنكاره رؤيتهم المطلقة، يذهب مذهب المعتزلة. ويرى كثيرٌ من أهل السنة أن رؤيتهم ممكنة وحاصلة فعلًا. ويشهد لذلك أن عِفْريتًا تَفلَّتَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليشغلَه عن صلاته. فأمكنه الله تعالى منه، وأَراد أن يربطه في سارية المسجد، ثم عدل عن ذلك. ¬

_ (¬1) سورة الناس، الآية: 5.

فقد أَخرج الإِمام مسلم - بسنده - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "واللهِ لَوْلَا دعوة أَخى سليمان لأصبحَ موثقًا يَلعبُ بهِ وِلدانُ أهلِ الدينةِ " ودعوة سليمان هي قوله: " قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِى لِأحَدٍ من بَعْدِىَ" (¬1). وخرّج البخاري عن أبي هريرة قال: "وكلنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِحفظ زكاة رمضان" وحكى قصة طويلة ذكر فيها أَنه أخذ الجنىَّ الذي كان يأْخذ التمر، وأَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "ما صنع أَسيرُك البارحةَ" (¬2)؟ أمَّا ما ورد عن الإمام الشافعى من أنه قال: مَنْ زَعم أَنَّه رآهم رُدَّت شهادتُه وعُزِّرَ؛ لمخالفة القرآن؛ فمحمول على مَنْ زعم رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، وهم متشكلون - يقول بها أَهل السّنة، والشافعى من خيارهم. وأما القول بأَن رؤيتهم متشكلين، يرفع الثقة بحقائق الأشياءِ، فيجاب عنه: بأَن الله تعالى، كَفَل - لهذهِ الأمة - أَن يرفع عنها مثل ذلك، لاستلزامه الرِّيبة في الدين، ررفع الثقة بالعلماء، لاحتمال أن يكونوا متشكلين من الجن. فاستحال - شرعا - الاستلزام المذكور. وأما استحالة رؤيتهم لِلَطافَتهم، وأن الله لم يقدر العيون على رؤيتهم بهذه اللطافة إِذا ظهروا على حقيقتهم - فيجاب عنه: بأَن ذلك مُسَلَّم، فيما عدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إِذ لا مانع أن يخلق الله في بصره - عليه السلام - قوَّة يقدر بها على رؤيتهم على حقيقتهم، كما أقدره على رؤية جبريل على صورته الحقيقية. وقد عمّ الناسَ - قديما وحديثا - القول برؤيتهم متشكلين، وأَصبح هذا حقيقة واقعة معترفا بها في جميع أَنحاءِ العالم. والآية الكريمة مؤولة بأنها لتمثيل دقيق مكرهم وخَفِىِّ حيلهم. وليس المقصود بها نفى رؤيتهم حقيقة. ¬

_ (¬1) سورة ص، من الآية: 35 (¬2) راجع جـ 7 من القرطبى ص: 187

{إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}: إِنا خلَّينا بين الشياطين وبين الذين لا يؤمنون، فكانوا لهم أَولياءَ وقادة، بسبب غفلتهم وسوءِ نياتهم وعماهم عن الهدى. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (¬1). {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)}. المفردات: {فَاحِشَةً} هي الفَعلة الشديدة القبح. ومثلها الفحشاء. {بِالْقِسْطِ} القِسط - بكسر القاف - العدل. وهو التوسط في الأْمور. وضدّه القَسط - بفتح القاف - فهو الظلم. {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}: المراد بالوجوه: الأنفس. وبإقامتها: التوجه إِلى الله تعالى وبالمسجد: مكان العبادة، أَو زمانها. {الدِّين}: المراد منه هنا: الطاعة. ¬

_ (¬1) سورة الأنعام، الآية: 129

التفسير 28 - {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ... } الآية. وإِذا فعل العصاة - الذين لا يؤْمنون - سيئة شديدة القبح كعبادة الأوثان، وكشف العورة في الطواف - قالوا محتجين لمن نهاهم عنها: وجدنا آباءَنا مواظبين عليها .... والله أمرنا بها. وجوابهم هذا، يدلّ على أَنهم جعلوا تقليد الآباءِ، شريعةً متَّبعة لهم، وتقديمهم ذلك على أمر الله تعالى في الاحتجاج، يؤْذن بأنه - في نظرهم - أهم منه. {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: قل لهم - أيها الرسول - إِن الله لا يأمر بالفحشاءِ والقبائح. وإِنما يأْمر بمحاسن العقائد والأعمال. فهو الحكيم. فكيف تنسبون إِليه تعالى ما لا يصحُّ ولا يليق من العقائد والأعمال؟ أَتقولون على اللهِ ما تجهلون، فتهلكون بنسبة الزور والبهتان إِليه سبحانه؟ وهذا ردُّ لحجتهم الثانية. وقد أَغفل الله الرد على حجتهم الأُولى، وهي: تقليد الآباءِ فيما اعتقدوه وما فعلوه؛ لظهور فساد الاحتجاج بها. وقيل: يجوز أن يكون قوله تعالى: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، ردًّا على الحُجَّتين جميعًا، فإنّه إذا كان اللهُ لا يأمر بالفحشاءِ، بل يأمر بالمحاسن، فكيف يتركون اتباع أَمره، إِلى اتباع آبائهم، فيما يقبح عقلا؟! 29 - {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}: قل لهم - أَيها الرسول - أَمَرَ رَبى بالعدل. وهو التوسط في الطاعات بين التفريط والإفراط. فاستقيموا على ذلك، واتجهوا بأَنفسكم نحو الله تعالى عند كلّ مسجد تتعبدون فيه، ولا تنصرفوا عنه إلى سواه. واعبدوه مخلصين له الطاعة.

ومن العلماء من فسَّر قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}: تَوَجَّهُوا إلى الجهة التي أمركم الله تعالى بالتوجه إِليها في صلاتكم. وهي الكعبة، في أي مكان كنتم ... والظاهر أن الوجه الأول هو المقصود من الآية. وخلاصته: توجهوا بنفوسكم وقلوبكم إِلى الله تعالى - وحده - للعبادة، فإنهم كانوا يتجهون بها إلى الأصنام. ولذا عقبه الله بقوله: {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. أمَّا الأمر بالاتجاه إِلى الكعبة، فلا يساعد عليه المقام. {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}: أي: كما أنشأَكم ابتداءً - من غير مثال سبق - تعودون إليه انتهاءً. 30 - {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ}: أي: فَريِقين؛ فريقا هداهم الله إِلى الحق، واستحقوا بذلك المثوبة بالجنة. وفريقا ثبتت عليهم الضلالة، واستحقوا العقوبة بالنار. ومعنى هداية الله للعبد، توفيقه إِياه، عندما أخذ بأسباب الحق مخلصا. والهداية المذكورة، قد تكون من البداية إلى النهاية، وقد تكون في النهاية بعد بداية غير صالحة. نسأَله - تعالى - حسن الختام. ثم علَّل ثبوت الضلالة. وآثارها عليهم بقوله: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}: أي: وفريقا ثبتت عليهم الضلالة وآثارها؛ لأنهم اتخذوا الشياطين أولياءَ وقادة لهم في أمور دينهم، فأطاعوهم من دون الله، وهم يظنون أنهم - بذلك - مهتدون. وفي الآية تحذير شديد من الوقوع في المعاصي، بأنهم - أَي العصاة - عائدون إلى الله تعالى، لحسابهم على أَعمالهم.

{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}. المفردات: {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}: عند بمعنى: في. ومسجد مصدر ميمى بمعنى السجود. مراد منه الصلاة. أَو هو اسم مكان سماعى للسجود بمعنى الصلاة - أي عند كل مُصَلّى - وهو في كل ذلك مجاز - من إطلاق الجزءِ على الكل. {وَلَا تُسْرِفُوا}: أي لا تتجاوزوا الحد الوسط. {وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} المراد بالطيبات: المستلذات. أَو ما أحلَّه الله تعالى. {الْفَوَاحِشَ}: قبائح الذنوب. {سُلْطَانًا}: حُجَّة وبرهانًا. التفسير 31 - {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ... } الآية. بعد أَن بيَّن الله تعالى - في الآيات السابقة: أنه لا يَشرع الفواحش، وأنه يأْمر بالعدل، وهو التوسط في الأْمور، ويأمرنا بالاتجاه إليه - وحده - في العبادة، وبيّن أَن

الناس فريقان يوم القيامة: مهديون طائعون، وضالُّون عاصون ... وكل بسبب نيته وعمله - بعد أَن بيَّن هذا - عقَّبه، ببيان بعض ما شرعه الله وحرَّمه ... ومن ذلك أن يقولوا على الله ما لا يعلمون. ومعنى هذه الجملة ما يأتى: يا بنى آدم، تجمَّلوا بزينتكم للصَّلاة في كل مصلّى، إِجلالًا لربكم الذي تقفون بين يديه في صلاتكم. فهو - سبحانه - أَحق بذلك من الملوك والرؤَساءِ، الذين يتجمل الناس للوقوف بين أيديهم .... وبهذا المعنى، أخذ جماعة، منهم الحسن بن علي رضي الله عنهما، إذ كان يلبَس أَجود ثيابه إذا قام إِلى الصَّلاة، ويقول: "إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" (¬1) فأنا أَتجمل لربى وهو يقول: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. والأَمر بذلك للندب، إِذ الواجب ستر العورة بأَى ساتر. والزينة شاملة للثياب الجميلة، والتمشط والتطيب، وغير ذلك، ممَّا ورد في السُّنة المطهرة أو شمله عموم اللفظ، ممَّا لا إسراف فيه. وقيل: إن معنى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}: إِلبسوا ثيابكم لستر عوراتكم عند كلّ صلاة أو طواف. فالمسجد - بمعنى السجود - مجاز عن الصلاة والطواف، فإن السجود لغة؛ الخضوع، وهو شامل للصَّلاة والطواف. وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وغيره، لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أَنه كان هناك أُناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراةٌ حتى النساءِ، فنزلت الآية ليستتروا. والأَمر على هذا، للوجوب. ولكن هذا الرأْى لا يتفق مع ظاهر الآية. ¬

_ (¬1) هذا جزء من حديث رواه مسلم وغيره.

ولو كان الأمر كذلك، لقيل: خذوا ثيابكم، أَو استروا سوءَاتكم عند كل مسجد. وبما أنه طلب في الآية أَخْذَ الزينة، فذلك أَمر تَجاوَزَ طلبَ السترِ، إِلى ما هو أكمل منه، وهو التجمُّل ... فمن تجمّل بالثياب فقد ستر عورته وزاد التجمل ... {مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}: هنا، أكثر علم الصحة والاقتصاد، ملخصا موجزا في بضع كلمات .... والمعنى: وكلوا واشربوا ما طاب لكم، ولا تسرفوا بالتعدى إِلى الحرام، أَو بتحريم الحلال. أو الإفراط فيه. إن الله لا يحب المسرفين. قيل: كان أَهل الجاهلية: يحرمون الدسم وما زاد على القوت الضرورى، أيام حجّهم تعظيما له - فنزلت هذه الآية، لإباحة ذلك، والنهي عن الإسراف. والظاهر: أن الآية قاعدة عامة، تتناول الحجَّ وغيره. نزلت ناهية عن الإفراط والشرَه، في الطعام والشراب، فإن في ذلك أضرارا كثيرة. أَخرج أبو نعيم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "إِيَّاكم والبطنة من الطعام والشراب، فإنها مَفْسَدة للجسد، مورثة للسَّقَم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أَصلح للجسد وأَبْعَدُ عَن المسرف، وإِن الله ليبغض الحبر السمين. وإِن الرجل لن يهلك، حتى يؤثر شهوته على دينه". وإِنما يكره الله الحبر السمين، لأَن المطلوب من أهل العلم، التقلل في الطعام والشراب وإيثار الآخرة على الدنيا، وطلب السلامة للجسد. أما العالِم المسرف في طعامه وشرابه، المستكثر من الدسم، فهو مؤْثر لشهوة بطنه، مهتم بدنياه عن آخرته. فلذا يكرهه الله تعالى، لأَنه بذلك أسوأُ قدوة لغيره. ولعل الغرض: أَن الله يكره له ذلك، لا أَنه يبغضه فعلا، فإن الله لا يبغض سوى أَهل المعاصي. وقد أجمع الأَطباءُ - قديما وحديثا - على أَن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواءِ، وأن الدواء قلَّما ينفع مع عدم الحمّية. وكثيرا ما اعتمد حكماءُ الهند على حمية المريض أَياما، فَيَصِحُّ جسمه بدون علاج آخر.

واختلف في تناول القَدْر الزائد عن الحاجة ... فقيل: حرام. وقيل: مكروه. قال ابن العرب: وهو الصَّحيح. وقدر الشبع يختلف باختلاف البِلدان، والزمان، والسنّ، والأَشخاص. والأفضل: التقليل الطَّعام، فإن فيه السلامة. قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنه ... بحسْب ابن آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يقمن صلبه .. فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه" (¬1). قال بعض العلماء: لو سمع أَبقراط هذه القسمة، لعجب من هذه الحكمة!! ونحن نقول: ما أَعظمَ حكمةَ سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في هذا الدستور، الذي وضعه لحماية الجسم البشرى من شَرَهِ جَهَازِهِ الهضمىِّ فإنَّ الأكل الكثير يورث التخمة، ونتن الفم، والجَشاء؛ لتخمُّر الطعام وفساده، وذلك يستتبع شتَّى العلِل. وقد يموت المرءُ بسكتة قلبّية بسبب امتلاء بطنه، وضغطه على القلب. فلذا ينبغي اتباع هذا الطب النبوى الذي اشتمل عليه الحديث السابق، لتجتنب المعاطب. {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}: أي لا يرضي الله تعالى عن إسرافهم، ويكرههم من أجله. والجملة تعليل للنهى عن الإسراف .. وقد جمعت هذه الآية وجوه البلاغة وأُصول الأَحكام، باشتمالها على الأمر والنهي والإباحة والخَبَر، كما جمعت - في نصفها - الحكمة. ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدى كرب.

تنبيه: ذهب بعض العلماءِ إِلى أن النهي عن الإِسراف، يشمل: اللباس أَيضا، وهو رأى عكرمة وابن عباس أَيضا. فقد أخرج ابن أَبي شيبة، وكذا البُخارى تعليقا قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "كُلْ ما شئت، والبَسْ ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ وَمَخِيَلَةٌ" والمَخِيلة: الكِبر. 32 - {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}: قل يا أيها الرسول لقومك: مَن حرّم زينة الله التي خلقها لنفع عباده وتجملهم؟ ومَن حرَّم الطيبات من الرزق؟ والطيبات من الرزق: ما طاب طعما وكسبا. واستُدِلَّ بهذه الآية: على أن الأَصل في المطاعم وأَنواع التجملات: الإباحة، لأَن الاستفهام في (مَنْ) لإنكار تحريمها على أبلغ وجه. كما استدل بها من قال بحل لبس الحرير والخزِّ للرجال، نظرا لعمومها. رُوِى عن علي زين العابدين رضي الله عنه، أنه كان يلبَس كِسَاءَ خزٍّ بخمسين دينارا .. يلبسه في الشتاءِ - فإذا كان الصيف تصدق به، أو باعه وتصدق بثمنه .. وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر، مُمَشَّقَيْن (أي مصبوغين بالمَشْق. وهو صبغ أحمر) ويقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}. كما روى أَن الإِمام الحسين رضي الله عنه، أصيب وعليه جُبةُ خَزٍّ، والخزُّ: نوع من الحرير. والذي ينبغي التعويل عليه: أن إِطلاق الإباحة هنا، مقيَّد بأَدلة التحريم لبعض ما دخل فيه، كلبس الذهب والحرير للرجال، فقد حُرِّما بالسُّنة النبوية. والتجمُّل بالحلال مستحب. ففي صحيح مسلم، عن ابن مسعود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن في قلبه مثقال ذرَّة من كِبْر" فقال رجل: إِنَّ الرجلَ يُحبُّ أن يكون

آراء العلماء في طيبات الرزق

ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُه حَسَنًا: قال: "إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ .. الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ". وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يُعْنَى بزينته في حدود التقشف. روى مكحول، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان نفر من أصحاب رسول الله ينتظرونه بالباب، فخرج يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوّى لحيته وشعره .. فقلتُ: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: "نعم، إذا خرج الرجل إِلى إخوانِه فليهيىء من نفسه ... فإِنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ". وكذلك كان يفعل الصحابة والتابعون. فهذا ابن عباس عليه رضوان الله تعالى لمَّا بعثه علىّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه، إلى الخوارج، لبس أفضل ثيابه، وتطيَّب بأَطيب طيبه، وركب أحسن مراكبه، فلما رأَوه قالوا: يا ابن عباس: بَيْنَا أَنت خير الناس، جئتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم؟ فتلا هذه الآية. وهذا أبو حنيفة - رضي الله عنه -، كان يرتدى بردا قيمته أَربعمائة دينار!! وكان الحسن - رضي الله عنه - يقول: "ليس البِرُّ في هذا الكساء - يعني الكساءَ الخشن - إِنما الِبرُّ ما وَقَرَ في القلب، وصدقه العمل". قال أبو الفرج الجوزى: "كان السلف يتخيرون أجود الثياب: للجمعة، والعيد، ولقاءِ الإخوان. وقال: إِن اللباس الذي يزرى بلابسه، ويقصد منه إظهار الزهد والفقر، لهو لباس الشكوى منه تعالى ... وهو موجب للاحتقار ... وهذا مكروه. وقال: إِن السلف لم يكونوا يلبسون المرقعات إِلا للضرورة". آراء العلماء في طيبات الرزق قد علمتَ أَن طيبات الرزق، ما طاب طعما وكسبا، وأَن الله تعالى لم يحرمها، بل أَباحها تَنَاوُلًا وتركا. ولكن العلماءَ اختلفوا في درجة الإباحة.

فمنهم من قال بتساوى التناول والإِعراض. ومنهم من قال: الإعراض عنها أَفضل، فهو قربة من حيث إِنه يؤدى إلى الزهد في الدنيا، ليتفرغ للعمل للآخرة، وما يؤدى إلى ذلك يكون مندوبا، والإقبال عليه يكون مكروها، لأَنه يشغل عن الآخرة، ولقوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} (¬1). ومنهم من قال: إن حَضَرتْ بلا كُلْفَةٍ فلا كراهة، وإلا كرهت ... وصححه أبو الحسن المقدسي. وعلَّل تصحيحه بأَنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، امتناع عن الطعام لأَجل طيبه. بل كان يأكل العسل، والحلوى، والبطيخ، والرطب، وإنما يكره التكلف، لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة. {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: هذا تصريح بِحِلِّ الزينة وطيّبات الرزق ... بعد ما فهم - استلزاما وإشارة - من إنكار تحريمهما السابق ... جىءَ به لتأْكد الحِلِّ .. قل أَيها الرسولَ: زينةُ الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزقِ، مباحة للذين آمنوا في الحياة الدنيا: في الحج وغيره. خالصة من العقوبة يوم القيامة فلا وجه لتحريمهما كما فعل أهل الجاهلية. وتخصيص تحليلها بالمؤمنين، مع أَن لغيرهم حق الانتفاع بها؛ لأَن هذا تشريع. والتشريع يوجّه إلى المؤمنين ليعملوا به. ولا يتحرجوا متأثرين بعادات الجاهلية، ولأنه أكَّدَ حِلّها مرة ثانية، فوصفها بالخلوص من العقوبة يوم القيامة .. وذلك خاص بالمؤمنين .. إذَّ الكافرون يعاقبون على التقصير في شكرها بترك الإيمان ... وبعضهم فسَّر الآية بقوله: قل هي - بالأَصالة - للذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ لمزيد كرامتهم، والكافرون تبع لهم، خالصة للمؤمنين يوم القيامة: لا يشاركهم فيها غيرهم. وما قلناه - أَوَّلًا - أولى. فإن الآية مسوقة للردِّ على الكافرين في تحريمهم لها في الحجِّ، وتأْثيم من يتعاطاها. ¬

_ (¬1) سورة الأحقاف، من الآية: 20

وذلك التفسير يبعدها عن هذا الاتجاه ويخالف ظاهرها. {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: مِثل ذلك التفصيل البَيِّن، نفصِّل الآيات لقوم يفهمون فيعملون بما فهموا .. 33 - {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: قل لهم - أيها الرسول - ما حرّم ربي سوى ما اشتدَّ قبحُه من المعاصي، وما يوجب الإثم من مطلق الذنب (¬1)، وحرّم البغى (¬2) على الناس بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما يستحيل أن يكون له حجة أو برهان، فإن الشرك بالله ظلم عظيم. كما حرَّم أن تقولوا على الله - في الأَحكام والصفات (¬3) - ما تجهلون. أمّا التجُّمل بالثياب، وتعاطى لذائذ الطعام والشراب، فليس مما حرَّمه ربِّى. وتقييد البغى بغير الحق، إخراج البغى بالحق، وهو ما كان عقوبة لمن بغي أولا .. وإطلاق البغى عليه للمشاكلة (¬4). {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)}. المفردات: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} الأُمة: الجيل من الناس. والأَجلُ: مدّة الشىء. وتد يطلق على غاية الوَقْتِ في الموت وغيره. والمراد به هنا، وقت يموتون فيه وتنتهى به حياتُهم. {لَا يَسْتَأْخِرُونَ}: لا يتأخرون. {وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}: ولا يتقدمون. ¬

_ (¬1) هذا تعميم بعد تخصيص. (¬2) وإفراده بالذكر مع دخوله في الفواحش أو في الإثم للبالغة في الزجر عنه. (¬3) كقولهم بتحريم ستر العورة في الطواف، وبوجوب عبادة الأوثان وإسناد شرع ذلك إلى الله. (¬4) والمشاكلة هي التعبير عن الشىء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته، وهي لون من ألوان البديع.

التفسير 34 - {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}: في الآيات السابقة، حثَّنا الله تعالى، على اتخاذ الزينة عند الصلاة، اعتناءً بشأْنها، كما حضَّنا على عدم الإسراف في الأكل والشرب، وفي الأمر كلّه. وبيَّن لنا - سبحانه - أَنه لم يحرّم الزينة والطيبات من الرزق في حدود الاعتدال. وذكر أَنه مما حرّم إِلَّا الإِثم والبغى والإِشراك باللهِ تعالى، وأَن يقول أَحد عنه - عزَّ وجلَّ - ما لا يَعْلَمُ -. وجاءَت هذه الآية، لتبيّن أن مصير الناس إلى الموت، لكي يحذروا حساب الآخرة فيما أحلّ الله لهم وما حرّم. والمعنى: ولكلّ جيل من الناس، وقت ينتهى إِليه عمر كلّ واحد منهبم، بخيره وشرّه. فإذا جاءَ هذا الوقت، فلا يتقدم عنه أحد منهم زمنا، ولو كان قليلًا، ولا يتأَخر عنه زمنا كذلك. فآجال العباد موقوتة. وموافاتها في حينها محتومة. والله غالب على أَمره .. فلتنظر كل نفس ما قدمت لغد. {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)}. المفردات: {يَقُصُّونَ}: يتلون. {وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا}: وتعالَوْا عليها، فلم يقبلوها.

التفسير 35 - {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ... } الآية. بعد أن بيَّن الله أَن الموت نهاية كل حىّ - عقبه بمخاطبة بني آدم - تنبيها لهم أَن رسُلَهُ إذا جاءَتهم وأَنذرتهم حساب هذا اليوم، فعليهم أَن يتَّقوا الله ويصلحوا، لينجوا من عقابه، وينعموا بثوابه. والمعنى: يا بنى آدم - إِن يأْتكم رسل من جنسكم: يعرِّفونكم آياتى، ويعرضون عليكم شرائعى، فاستجيبوا إِلى ما يدعونكم إِليه، فإِن من اتَّقى الله تعالى فآمن بهم، وأصلح عمله - وفْقَ ما جاءُوا به عن الله تعالى - فلا خوف عليهم من مكروهٍ ينالهم في الدنيا والآخرة، ولا هم يحزنون على فوت ثوابٍ لصالح أعمالهم. واعلم أن الآية خطاب لكافة الناس. يؤذن بالاهتمام بما يليه. والمحققون على أنه حكاية إجمالية لا وقع من خطاب الله لكل أمَّة من أُمم الرسل. وليس خاصا بأُمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. و (ما) في قوله: {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} للتأكيد، وليست نافية. 36 - {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. المعنى: والذين جحدوا آياتِنا، وتعالَوْا عليها - مع وضوحها - فكذّبوا الرسلَ الذين جاءُوهم بها - أُولئك الجاحدون المكذِّبون - هم أَصحاب النار، الملازمون لها، وهم فيها خالدون .. لا يبرحونها. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)}.

المفردات: {افْتَرَى}: اختلق وادعى، {نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ}: حظُّهم ممَّا كتبه الله لهم في الدنيا من النِعَم فلا يحرمون منها مع كفرهم، {ضَلُّوا عَنَّا} غابوا عنا ولم ينفعونا. التفسير 37 - {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}: افتراءُ الكذب: اختلاقه. والاستفهام في قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ} للإنكار. والغَرَضُ منه: النفى. والمعنى: لا يوجد أَظلم ممن افترى على الله تعالى الكذب، أَو كذَّب بآياته. وكما أَنه لا يوجد أظلم منه، لا يوجد مَنْ يساويه. فالمراد: أنه أظلم من كل ظالم .. والتكذيب بالآيات يتناول: إِنكار الآيات المنزلة على الرسل، ونفى نزولها من عند الله، كما يتناول عدم الاعتراف بدلالة الآيات الكونية على وحدانية الله تعالى، وسائر صفاته. {أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ}: المقصود من نصيبهم من الكتاب: حظّهم مما كُتِبَ لهم من الأرزاق والأَعمار. والمعنى: أَولئك المفترون المكذِّبون، ينالهم - في الدنيا - حظهم ممَّا كتبه الله وقدَّره، من الأَرزاق والأَعمار لعباده. فلا يحرمون منه مع كفرهم. ثم يعَقِّب الله تعالى، ذلك، ببيان أن أَمرهم - في الآخرة - مخالف لذلك فيقول: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}. أي هم يظلون متمتعين بنصيبهم مما كُتب لهم من الأَرزاق، غير ناظرين إلى عاقبتهم. حتى إذا جاءتهم رسلُنا من الملائكة: يقبضون أرواحهم، قال هؤلاء الملائكة لهم يوبّخونهم: أَين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؛ لتحميكم ممّا ينتظركم من العذاب؟ ثم يحكى الله ردَّهم على هذا التوبيخ فيقول: {قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}.

أَي: قال الكافرون، ردًّا على هذا التوبيخ: غاب آلهتُنا عنا في ساعة المحنة، فلم نعد نراهم .. وأَيقنوا - من هذا - أَنهم خدعوا فيهم، وشهدوا على أنفسهم أَنهم كانوا في دنياهم كافرين بربِّهم، حين عبدوا مِن دونه أُولئك الضَّالين. ثم يحكى الله تعالى ما سيقوله لهم بعد اعترافهم بكفرهم، فيقول سبحانه: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)}. المفردات: {خَلَتْ}: مضت. {لَعَنَتْ أُخْتَهَا}: ذمَّتها، واتهمتها بإِضلالها. {ادَّارَكُوا}: تلاحقوا. {ضِعْفًا}: الضِّعف هو المِثلُ إلى ما زاد. التفسير 38 - {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}: قال الله لهؤلاءِ الكافرين - بعد اعترافهم بكفرهم - ادْخُلُوا النَّارَ بين أُمم كافرة قد مضت من قبلكم - أيها الكافرون - من الجن والإنس.

ثم يبيّن الله حالهم حينما يدخلون النَّار فيقول: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا}: اللعن هنا، بمعنى الذم والدعاء بالطرد عن رحمة الله تعالى. والمعنى: كلّما دخلت في النار جماعة كافرة، ذمَّت أُختها، أَو دعت عليها. بزيادة الطرد عن رحمة الله وزيادة العذاب في جهنم فتلعَن التابعةُ المتبوعةَ، لإِضلالها إيَّاها، وتلعن المتبوعةُ التابعةَ، لتسبّبها في زيادة ضلالها. وهكذا تتبادلان اللعنات. ثم يبيّن الله حال المتبوعين والتابعين بعد هذا التلاعن والاجتماع في النار فيقول: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ}: أَي يدخلون فوجا فوجا: يكفر بعضُهم ببعض. ويلعن بعضُهم بعضًا. حتى إذا تلاحقوا في النار واجتمعوا فيها، قالت أخراهم في المنزلة - وهم الأَتباع - في حقِّ أَولاهم مقاما - وهم القادة (¬1) - ربنا هؤُلاءِ أَضلونا عن الهدى، فآتهم عذابا مضاعفا من النار - لضلالهم وإِضلالهم. ثم حكى الله تعالى ردَّه عليهم قائلا: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}: قال الله للأتباع: لكل منكم ومن المتبوعين عذاب مضاعف .. فالأتباع: لضلالهم وتقليدهم لرؤسائهم، دون تدبّر للعواقب. والقادة: لضلالهم وإضلالهم تابعيهم .. ولكن لا تعلمون ذلك. فلهذا طلبتم المضاعفة لرؤسائكم، مع تساويكم في فظاعة الإثم. ثم يحكى الله ردّ رؤسائهم عليهم فيقول: ¬

_ (¬1) وقيل: المعنى، قالت أخراهم دخولا لأولاهم كذلك.

{وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)}. التفسير 39 - {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}: وقالت أُولاهم - وهم الرؤساءُ المتبوعون - لأُخراهم - وهم المرءُوسون التابعون لهم - بعد ما سمعوا جواب الله لهم - فيما كان لكم علينا من رجحانٍ يقتضي تخفيف عذابكم عنا .. فنحن وأَنتم متساوون في مقدار الذنب، واستحقاق مضاعفة العذاب. فذوقوا - مثلنا - العذاب المضاعف، بسبب ما كنتم تفعلونه كل من الكفر والانقياد لنا .. ومن هنا، يتبيّن أن التقليد في عقائد الناس وآرائهم - بدون رويّة - عظيم الخطورة .. فلا بدّ - لكلِّ عاقل - من التدبر قبل الاعتقاد، ضمانا للسلامة. {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)}. المفردات: {يَلِجَ الْجَمَلُ}: يدخل البعيرُ، ويطلق الجمل أَيضا على الحبل الغليظ. {فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}: في ثقب الإبرة.

{مِهَادٌ}: فراش وأصله ما يمهد للطِّفل لينام عليه. {غَوَاشٍ}: أَغطية تغشاهم. أي تغطيهم: جمع غاشية. التفسير 40 - {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ... } الآية. بعد أن بين الله - في الآيات السابقة - أن مصير الكافرين النار - تابعيهم ومتبوعيهم - جاءَت هذه الآية الكريمة، لإقناطهم من دخول الجنة. والمعنى: إن الذين كذَّبوا بآياتنا، المثبتة لوجود الله ووحدانيته، وسائر صفاته العليَّة، والدَّالة على صدق الرسل وصحة المعاد والجزاء، وبالغوا في الاستكبار عن الإيمان بها والالتفات إِليها - أُولئك المكذِّبون المستكبرون - لا تفتح - لأَدعيتهم وأعمالهم - أبوابُ القبول في السماء .. أو لا تفتح لأَرواحهم - بعد قبضها - أبواب السماءِ لتتصل بالملائكة، وتنعم بالراحة وتقابَل بالترحيب، كما هو شأْن المؤمنين .. بل يُقال لها عند اتجاهها إليها - كما ورد في الحديث الشريف -: "لَا مَرْحَبًا بِالنفْسِ الخَبيثَةِ، كَانَتْ في الْجَسَدِ الخَبِيثِ. ارْجِعِى ذَمِيمَةً .. لاَ تُفْتَح لَكِ أَبْوَابُ السَّماءِ. فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماء. ثم تَصِيرُ إلَى الْقَبْرِ". أَخرجه الإِمام أحمد والحاكم وصححه، والنسائي وغيرُهم عن أبي هريرة برفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وذلك بعكس أرواح المؤمنين التي يقال لها إِذا عُرِجَ بها إِلي السماء: "مَرْحَبًا بالنفْسِ الطيِّبةِ كَانَتْ في الجَسَدِ الطيِّبِ .. ادْخُلِى حَميدَةً، وَأبْشِرِىِ بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَانَ .. فلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلك، حَتى تَنْتَهِىَ إِلَى السَّماء السَّابعة" أخرجه من ذكرناهم سابقا. {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}: أَي: وكما أُوصدت أبواب السماءِ دون أقوالهم وأعمالهم وأرواحهم. فكذلك أَبواب الجنة موصدة في وجوههم لا يدخلونها بأَى حال. كما لا يدخل البعير، أو الحبل الغليظ في ثقب الإبرة. والمراد: استحالة دخولهم الجنة: والجمله تأكيد للجملة السابقة.

{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ}: ومثك ذلك الجزاءِ الفظيع، نجزى كلَّ المجرمين من أَهل التكذيب بآيات الله، فلا يختص به بعضُهم دون بعض. 41 - {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}. المقصود بهذه الآية: أَن النار محيطة بأهل النار من جميع الجوانب. والتعبير بالمهاد والغواشي، للتهكم بهم ... والمعنى: لهم من نار جهنم مجلس ومهاد من تحتهم، وأَغطية ودثار من فوقهم .. فالنَّار محيطة بهم. ومثل هذا الجزاء الشديد، نجزى الظالمين لأنفسهم: بكفرهم بآيات الله وتعاليهم عليها، وانصرافهم عن الحق بعد ظهوره. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)}. المفردات: {وُسْعَهَا}: ما تتسع له وتطيقه. {مِنْ غِلٍّ}: من حقد.

التفسير 42 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... } الآية. بيَّن الله تعالى، في الآيات السابقة: أن الكافرين - وهم في النار - يعادى بعضهم بعضا، ويتزايد الحقد بينهم، ويلقى بعضهم اللوم على بعض في كفرهم ... وأَنَّ عذابهم في جهنم دائم لا نهاية له. وجاءَت هذه الآية - وما بعدها - في إثر ذلك، لبيان أن مصير المؤمنين الجنة: خالدين فيها أَبدا، وأن نفوسَهم خالية من الغِلِّ، وأنهم أُورثوا الجنة بأَعمالهم ... وبضدّها تتميز الأَشياءُ. ومعنى الآية: والذين آمنوا باللهِ وشرائعه المنزلة على رسله، وعملوا الصالحات - حسبما جاءَت في شرائعهم سهلة الأَداءِ - لأَن الله لا يكلف نفسا إلا ما تتسع له طاقتها - أُولئك المؤمنون الصالحون أصحاب الجنة الملازمون لها، هم فيها خالدون: لا يبرحونها ولا يُخْرَجُون منها. 43 - {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}: أَي وأَخرجنا ما في صدورهم من حقدٍ وعداوة، بسبب أُمورٍ جرت بينهم في مطالب الدنيا، حتى تصفوَ المودَّة بينهم في نعيم الجنة، الذي هو صفوٌ كلُّه ... ويجوز أَن يكون المعنى: طهرنا قلوبهم وحفظناها من التحاسد على درجات الجنَّة، فلا يحسد أَحدهم أَخاه على منزلة أَعلى من منزلته، بسبب ما قدَّمه في الدنيا من عملٍ أحسنَ من عمله. وهذا في مقابل ما ذكر عن أهل النار من تخاصمهم ... والتعبير عن نزع الغلِّ. بصيغة الماضى - مع أَنه سيحدث يوم القيامة - للإيذان بتحققه .... ويحتمل أَن المراد إزالته، بتوفيق الله تعالى قبل الموت، بعد ما حدث بمقتضى الطبائع البشرية، والمطامع الدنيوية.

ويمكن أَن يخرَّج على أحد هذين الوجهين، ما روى عن عليٍّ رضي الله عنه: أَنه قال: "إِنِّي لأرْجُو أَنْ أكُونَ منهمْ، أَنَا وعُثمان وطَلْحة والزُّبَيْر". {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}: وقالَ أَهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا النعيم المقيم، بما وفقنا إليه من الإِيمان والعمل الصالح، وما كنا لنهتدىَ إليه لولا أن هدانا الله بتحبيب الإيمان إلينا، وتزيين الطاعة في قلوبنا. {لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ}: فاهتدينا بهديهم، ونعمنا بالجنة مصداقا لوعدهم. {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: ونودوا من قِبَلِ الله تعالى، بأَن نادتهم الملائكة. أو ناداهم الله تعالى تشريفا لهم، ورفعا لشأْنهم قائلا: تلكم الجنة الرفيعة القدر، العظيمة الشأْن البعيدة المدى، أُعطيتُمُوها بما كنتم تعملون، من الإيمان والعمل الصالح. وعبَّر عن الإِعطاءِ بالتوريث: للإِيذان بكمال الاستحقاق، كما هو شأْن الميراث، بموجب ربط الله الجزاء بالعمل. وإن كانت الجنة في ذاتها أَعلى شأْنا من العمل، بل هو في جانبها لا يعتبر شيئا مذكورا، ولكن الله - بفضله - جعله سببا لاستحقاقها. ويجوز أَن يكون التعبير عن إعطاءِ الجنة بتوريثها، للإِيذان بأَنهم نالوا الجنة دون كسب منهم موجب لها، كما ينال الوارث ما يرثه دون كسب، فإِن كسبهم - مع أنه لا يذكر بجانب الجنة - إنما كان بتوفيق الله ومعونته، ولولا ذلك ما حدث. والباء في قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: تحمل - في هذا الوجه - على أَنها للسبب الْجَعْلِى من الله تعالى، لا للسبب الذاتى، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنكُمْ الْجَنَّةَ بعَمَلِهِ" أخرجه الصحيحان.

أي لن يدخلها أحد بسبب عمله - وحده - دون فضل الله وهدايته، فإنه - تعالى - خالق النفس ومانحها القوَّة على العبادة، وموفِّقها إليها. فإذا كافأَنا على العبادة بالجنة، فذلك منه تعالى. هو الفضل والمنَّة. {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)}. المفردات: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}: فنادى منادٍ. {يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}: يمنعون الناس عنها. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا}: يطلبونها معوجة ومائلة عن الحق. {الْأَعْرَافِ}: سور بين الجنة والنار. {بِسِيمَاهُمْ}: بعلامتهم المميّزة لهم.

التفسير 44 - {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ}: بعد أن بَيَّن الله تعالى سعادة أهل الجنة بنعيمها، ذكر في هذه الآية، ما يحدث منهم من الشماتة فيمن كانوا يستعلون عليهم في الدنيا من الكافرين. وذكر - كذلك - لعن الله للظالمين. والمعنى: ونادى أصحاب الجنة من المؤْمنين - بعد استقرارهم فيها وفرحهم بها - أصحاب النار من الكافرين - وهم يصطلون بحرِّها - يقولون لهم في ندائهم: قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا من النعيم المقيم حقا .... فهل وجدتم ما توعدكم الله به من العذاب حقا؟! قالوا متحسرين يائسين: نعم .... وجدناه حقا. {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}: فنادى منادٍ - بين أهل الجنة وأهل النار - قائلا: لعنة الله تعالى، واقعة على الظالمين لأنفسهم بكفرهم، وطَرْدُهُ - سبحانه وتعالى - إيَّاهم من رحمته، بسبب نفريطهم وجنايتهم على فطرتهم. واختلف في هذا المنادِى فقيل: هو مالك خازن النار .... وقيل: هو صاحب الصور. وقيل: هو ملك غيرهما. وأَيًّا ما كان، فنداؤُه بأَمر الله تعالى. والغرض من ندائه، إِدخال السرور على أَصحاب الجنة بتعذيب أعدائهم أعداءِ الله تعالى. ومضاعفة حسراتهم، بما ظلموا. 45 - {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}:

أَي لعنة الله على الظالمين، الذين يصرفون الناس عن سبيل دينه القويم، ويصرفونهم عن الإيمان به، بإلقاءِ الشبه في أدلته، ويطلبون لها العوج، بأَن تكون على هواهم: تقرّ الشرك، وتدعو إلى ما هم عليه من باطل. وهم بالآخرة كافرون، فلا يُقِرُّون ببعثٍ ولا جزاءٍ. 46 - {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ}: المراد بالحجاب: السور الذي يفصل بين الجنة والنار، ويمنع أَثر كلتيهما عن الأُخرى .... وشئون الآخرة لا تقاس بشئون الدنيا .. والأَعراف: أَعالى الحجاب الذي ضرب بين الجنة والنار وهي جمع عُرْف. وهو المكان المرتفع من الشىءِ. أَي أَعلى موضع منه. فهو أَعرف ممّا انخفض منه. ومنه عُرف الديك. وعرف الفرس. والمعنى: وبين الجنة والنار، سور يحجب أَثر كلتيهما عن الأُخرى. وعلى أَعالى هذا السور، رجال يعرفون كلا من أَهل الجنة والنار في المحشر بسيماهم - أي بعلاماتهم المميزة لهم. واختلف في هؤُلاءِ الرجال الذين يعتلون الأَعراف. فقيل: هم من الموحدين: "قصرت بهم سيئاتُهم عن الجنة، ومنعتهم حسناتُهم من النار: فجعلوا هناك، حتى يقضى بين الناس. فبينما هم كذلك، إِذ اطلع عليهم ربُّهم، فقال لهم: قُومُوا فادْخُلُوا الجنة فَإنِّى غَفَرْتُ لَكُمْ" أَخرجه أَبوَ الشيْخ والبَيْهَقِىّ من حُذَيْفة. وإلى هذا. ذهب جمع من الصحابة والتابعين. وقيل: هم الأَنبياءُ، عليهم السَّلام: أجلسهم اللهُ على أَعالى ذلك السور، تمييزًا لهم عن سائر أَهل القيامة، وإظهارًا لشرفهم وعُلُوِّ مرتبتهم. وقيل: هم عدول الناس من كلِّ أمة. جعلهم الله شهداءَ على أَعمال أَقوامهم.

حكاه الزُّهْرِىُّ. وقيل: هم ملائكة، يُرَوْنَ في صورة رجال وقيل غير ذلك ... والظاهر أَنهم قوم علت درجاتُهم؛ لأَن المقالاتِ الآتيةَ لا تليق بغيرهم. سواء أَكانوا أنبياءَ أَم سواهم. والسيما التي يَعرفون بها كلا الفريقين من أَهل الجنة والنار: هي العلامة التي جعلها الله مميّزة لكل منهم. والقول بأَنها بياض الوجوه لأَهل الجنة، وسوادها لأَهل النار - تضييق للواسع. فينبغى عدم تحديد العلامة، وتفويض ذلك إِلى الله. ومعرفتهم كلا الفريقين بسيماهم، تكون قبل دخول أَهل الجنةِ الجنةَ وأَهل النارِ النارَ. إِذ لا حاجة بعد دخول كليهما - كلٌّ إلى مصيره المحتوم للعلامة. {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}: أَي ونادى أَصحاب الأعراف أصحاب الجنة - بعد أن عرفوهم بسيماهم في المحشر، داعين ومُحَيِّين لهم بقولهم: سلام عليكم. أَو مخبرين لهم بسلامتهم ونجاتهم من المكاره، لم يدخلوا الجنة حين تحيتهم لهم لأَنهم لا يزالون في المحشر، وهم يطمعون في دخولهم إيَّاها. فلذا أَخبروهم بالسَّلامة والنجاة. وقال صاحب الكشاف: جملة {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}: استئناف كأَن سائلًا سأَل عن أَصحاب الأَعراف، فقيل: لم يدخلوها، وهم يطمعون. ولكن هذا الرأْى، مبنى على أن أصحاب الأعراف قوم موحّدون: قصرت بهم حسناتُهم عن دخول الجنة. ولكنَّها منعتهم من دخول النَّار. والرأْى الراجح: هو أَنهم قوم ممتازون: إمَّا من الأَنبياءِ، أَو من الملائكة أَو هم - كما سبق ذكره - عدول الأُمم.

وعلى هذا، ينبغي أَن تكون جملة: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}: في حق المؤْمنين الذي سلّموا عليهم وهم في المحشر، بعد أَن عرفوهم بسيماهم، كما سبق ذكرنا، قبل رأى صاحب الكشاف. {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)}. المفردات: {صُرِفَتْ}: حُوِّلت. {تِلْقَاءَ}: جهة. التفسير 47 - {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ ... } الآية. لا يزال الكلام موصولا في قصة أصحاب الأعراف، وإنما قيل: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ} ولم يقل: وإذا رأَوْهم للإيذان بأنهم لم يكونوا راغبين في رؤْية أهل النار لسوءِ حالهم. والمعنى: وإذا حُوِّلت أبصار أَهل الأَعراف، جهة أصحاب النار، فرأوا سوءَ حالهم قالوا - متعوذين منه - ربنا لا تجعلنا في النار صحبة هؤُلاءِ القوم الظالمين لأَنفسهم بالكفر والطغيان. {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}.

التفسير 48 - {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ... } الآية. ونادى أصحاب الأعراف رجالا من أَهل النار، كانوا رؤساء الكفر: يعرفونهم بعلامتهم المميّزة لهم، قائلين لهم: ما أَغنى عنكم جمعكم الأَتباع والأَموال؟ ولا استكباركم المستمر على الخَلْقِ وعن قبول الحق؟! فكلّ ذلك، لم يدفع النار الَّتى تستحقونها، بكفركم واستكباركم. ويصحّ أن يكون قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} من باب الاستفهام التوبيخى، بمعنى أىُّ شيءٍ أفادكم جمعُكم (¬1) واستكباركم؟! 49 - {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}: الإشارة في (هَؤلَاءِ) راجعة إلى ضعفاء المؤْمنين في كل ملَّة سماوية. وهذه الآية حكاية لتوبيخ آخر، صادر من أصحاب الأعراف لرؤَساءِ الكفر، بعد ما وبَّخُوهم على كفرهم واستكبارهم، واعتزارهم بجمعهم وكثرتهم، ونَعَوا عليهم: أن ذلك كلَّه لم يغنِ عنهم من الله شيئًا ... والمعنى: وقال أصحاب الأَعراف أيضًا - موبّخين لرؤُساءِ الكفر - أهؤُلاءِ الضعفاءُ المؤْمنون، هم الذين أقسمتم أَن الله لا ينعم عليهم برحمته، احتقارا منكم لهم؟! ثم أشَاحُوا معرضين عنهم - متجهين إلى هؤُلاء المؤْمنين محتفين بهم، قائلين لهم: ادخلوا الجنة ... لا خوف عليكم من مكروه، ولا أنتم تحزنون على فوت مطلوب. فأنتم في كرامة ومسرّة. ويظهر أن أَصحاب الأعراف قالوا للمؤْمنين: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ¬

_ (¬1) يجوز أن يراد من "جمعكم"؛ كثرتكم أي ماذا أفادتكم كثرتكم وقوتكم في دنياكم؟!

وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} حين رأوْهُم يَشرَعُون في دخول الجنة، بعد أن أذِن اللهُ لهم بدخولها ... قالوه فرحا بدخولهم، وكيدا لأَعدائهم. وهذا على القول بأَن أَصحاب الأَعراف من البشر. أَما على القول بأَنهم ملائكة، فلعلَّهم يبلِّغونهم - عن الله تعالى - الإِذن بدخولهم الجنة. وقد دلّت الآية على أَن دخول الجنة تابع للعمل، ربطًا للمسببات بالأَسباب. وفي ذلك حثُّ للناس على العمل الصالح، لكي يكونوا أَهلا لدخول الجنة، ونيل الدرجات العلية فيها. كما دلّت على أن كلاًّ من أهل الشرّ والخير: يُعرَف في المحشر بسيماه. نسأل الله أن يوفقنا - جميعًا - لما نستحق به ثوابه، وننجو به من عقابه. {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)}. المفردات: {أَفِيضُوا}: أَكثروا. {يَجْحَدُونَ}: يكفرون.

التفسير 50 - {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}: المعنى: ونادى أهلُ النار أَهلَ الجنة - بعد استقرار كليهما في دار جزائه - فقالوا لهم: أنزلوا علينا كثيرا من الماء، أو مما رزقكم الله من النعم؛ لما يحسُّونه من حرِّ العطش، وشدَّة الجوع، ووقع العذاب. {قَالُوَا} لهم: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} لكفرهم، فلا نستطع أَن نعطيكم، ونخالف ما حكم به الله عليكم .. والتعبير بقولهم: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا} يؤْذن بعلو الجنة فوق النار. والمراد من تحريم الماءِ والرزق عليهم، حرمانهم منهما. 51 - {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: معظم المفسرين على أَن هذا من جملة كلام أَهل الجنة لأَهل النار. فهو وصف مِنْهُمْ للكافرين ... وبعضُهم يرى أَنه ابتداءُ كلام من الله تعالى تعليقا على هذا الحوار. فكأَنه قيل: هم الذين اتخذوا دينهم ... والمعنى: الذين جعلوا دينهم الذي أوجبه الله عليهم - مجال عبادة وصلاح وإصلاح - جعلوه وسيلة لهو ولعب وأهواء .. فجحدوا منه ما جحدوا وبدَّلوا منه - وفق هواهم - ما أرادوا أَن يبدلوا. كشأن اللاهين العابثين. وخدعتهم الحياة الدنيا بزخارفها، فنسوا الآخرة .. وممّا وقع من اتخاذهم الدِّين لهوا ولعبا - تحريم بعض العرب، البَحيرة والسائبة ونحوهما، ومنه التَّصْدِية والمُكَاءُ حول البيت، والطواف به - عرايا. أَما البَحيرة: فهي الناقة التي تلد خمسا آخرها ذكر. كانوا يبحرون أُذنها أي يشقونها ويحرِّمون ركوبها وحلبها .. والسائبة: هي الناقة المنذورة: كان الواحد منهم يقول:

إذا شفيتُ من مرضى، فناقتى سائبة. فيحرِّم الانتفاع بها كالبَحيرة. وينسبون تحريم ذلك إلى الله تعالى، كذِبا وزورًا. وأمَّا الْمُكاءُ فهو الصفيرُ، وأمَّا التصدية فهي التصفيق، وكانوا يفعلون ذلك عند الكعبة، ويزعمون أنهما من العبادة. والطواف بلا ساتر كانوا يعتبرونه نُسُكًا حتى نهى عنه الرسولُ في حَجَّة الوداع بقوله: "وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ". {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا}: من معانى النسيان في اللغة: الترك والإهمال. وهذا هو المعنى المناسب للآية. والمعنى: فاليوم نتركهم في النَّار، ونهمل أمرهم. فلا نخرجهم منها، كما أَهملوا لقاءَ يومهم هذا، فلم يفكروا فيه. بل جحدوه. وكما استمرّوا على إنكار آيات الله، وعدم الاعتراف بدلالتها على ما يجب له - سبحانه وتعالى - من التوحيد -، وما يجب لرسوله من السمع، والطاعة، والإذعان .. {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)}. المفردات: {فَصَّلْنَاهُ}: أنزلناه مفصلَ الأحكام مبيّنها.

{هُدًى وَرَحْمَةً}: دلالة واضحة على الحقِّ ورحمة للناس. {هَلْ يَنْظُرُونَ}: ما ينتظرون. {تَأْوِيلَهُ}: أَي ما يؤُول إِليه أَمره. {وَضَلَّ عَنْهُمْ}: وغاب عنهم. التفسير 52 - {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: الضمير في قوله: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ} عائد على كل أُمة من أُمم الرسل. فإِن الكلام السابق، كان عن أَحوالهم يوم القيامة: ما بين محسن ومسىء، حسبما يرشد إليه قولُه تعالى: { ... لَقَدْ جَآءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ... } (¬1) وقد مضى شرحُها وكما يرشد إليه قوله تعالى: { ... قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ... } (¬2) وسيأْتى شرحها. والمعنى: ولقد جئنا كلَّ أُمة من الأُمم - على لسان رسولها - بكتاب بيَّنَّا فيه العقائد والأَحكام والمواعظ، مفصَّلة على علمٍ تامٍّ منَّا، بما يناسب حالَ كلِّ أُمَّة في الأَحكام الفرعية - جئناهم بهذه النعم - هدى ورحمة لقوم شأْنهم أَن يذعنوا للحق، فهم المهتدون، بهداه المنتفعون بجدواه، دون المعاندين المكابرين. 53 - {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ}: المعنى: ما ينتظر هؤُلاءِ الكفار - بعدم إيمانهم بالكتاب المفصَّل، الذي أنزلناه - إِلاَّ ما يؤُول إِليه أَمره يوم القيامَة: بظهور صدق وعده ووعيده. والمراد أنهم في حكم المنتظرين لهذا المآل. وفي بالهم عدم توقع صدق ما جاءَ فيه. والكلام - في الحقيقة - جارٍ مجرى التهديد، والإنذار بأَن ما جاءَ فيه - من عقابهم - واقع لا مفرَّ منه، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ¬

_ (¬1) سورة الأعراف، من الآية: 43 (¬2) سورة الأعراف، من الآية: 53

{يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ ... } الآية. وقيل: إنَّ فيهم قومًا يشكون في مآله. ولذلك انتظروه. {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}: المعنى: يوم يأتى مآل هذا الكتاب المفصَّل وعاقبته، يقول الذين أعرضوا عنه وجعلوه مهملا - كالمنسى - يقولون - معترفين نادمين - قد جاءَت رسلُ ربِّنا بالحقِّ، فكذبناهم فهل لنا من شفعاءَ فيشفعوا لنا، ليرفع عنا ما نحن فيه من العذاب؟ أو هل نردُّ إِلى الدنيا - فنعمل غير الذي كنا نعمل من الشرك والمعاصي؟ {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: هذا تقرير لعاقبة ما اعتراهم من غرورٍ دنيوى. أي قد أضاعوا أَنفسهم بانصرافهم عن الهدى، واستحقاقهم بذلك عذاب النار. وغاب عنهم ما كانوا يفترونه على الله من الشركاءِ وشفاعتهم عنده، حيث اتضح لهم بطلانه وظهر لهم فساده. وأنه كان سرابا خادعا!!. {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)}. المفردات: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ}: يغطى الليلَ بالنهار، والمقصود، أَنه - تعالى - يزيل ضوءِ النهارِ بظلام الليل.

{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: استولى على الملك والسلطان. {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا}: يتبعه سريعا. كأنما يطلبه بلا فتور. {تَبَارَكَ اللَّهُ}: تعالى وتنزَّه. التفسير 54 - {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: لمَّا ذكر الله حال الكفار، مشيرا إلى عِبَادتِهم غيره، احتجَّ عليهم في هذه الآية بمقدوراته التي قدّرها، وكائناته التي أظهرها. ودلَّهم بها - وبنظمها - على أَنه الإِله الواحد، ولا معبود سواه. والربُّ: الخالقُ والمالك والمربّى والمنعم. والمراد من خلق السموات والأرض: هو خَلْقُهُمَا وما فيهما. والمقصود من الأيام الستة: هو أزمان بهذا العدد .. لا يَعْلَمُ مقدار كلِّ منها سواه سبحانه وتعالى. فأَيَّام الله، آمادٌ متفاوتة كأَلف سنة، أَو خمسين ألف سنة، ممَّا نحسبه للدنيا - كما صرَّح به القرآنُ الكريم. وقد تكون أَطولَ من ذلك أَو أَقلَّ، حسب سُنَّةِ الله تعالى في مراحل تطوير الكائنات من الدخان، إِلى المادة التي انتهت إليها النجوم والكواكب والأرض. حسبما نطق به قولُه تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (¬1). وقد أيَّد العلماءُ المعاصرون، ما جاءَ في القرآن، إِذ قالوا: إِن أَصل العالَم، غاز شديد الحرارة، تحوَّل - مع الأزمان الطويلة - إِلى هذه السموات والأرض. ولا يصحُّ أَن يراد من اليوم في هذه الآية، الزمنُ الناشىءٌ عن حركة الأرض حول ذاتها - في مدارها حول الشمس، لأَنه - بهذا المعنى - لم يكن موجودا وقت هذا التكوين. ¬

_ (¬1) سورة فصلت، آية: 11

والعرش لغة: سرير الملك، ويكنى به عن العزّ والسلطان والملك، فيقال: الملِك (فلان) ثُلَّ عرشه، أي ذهب عزّه وملكه. وأنشدوا لهذا قول الشاعر: إِذا ما بَنُوا مروان ثُلَّتْ عروشُهم ... وأوْدَت كما أودت إِياد وحِمْيَرٌ أي: زال ملكهم .. ومعنى الاستواء: الاستيلاء، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيفٍ ودم مُهْرَاق أي ثُمَّ - بعد تمام الخلق - استولى على الملك والسلطان بلا شريك. والتعبير (بثم) لإفادة رفعة منزلة الاستيلاءِ على سلطان هذا الكون. وليست للترتيب الزمانى مع التراخى، فإنه لا مهلة بين خلق الكون واستيلائه تعالى على سلطانه فيه. فهو الذي خلقه. وسلطانه عليه منذ البداية إِلى أَن تمَّ خلقه. والجديد الذي أفادته هذه الجملة: أَنها بيَّنت أنَّ أَمر الكون - بعد تمامه - إليه تعالى كأَمره عند بدايته: لا يشركه في ذلك أحد. وأَن تدبيره، إليه - وحده -. ولذا، قال - تعالى - عقب ذلك: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا}: إلى آخر ما ذكر في الآية من شئون تدبيره. فكأَنه قيل: واستولى - سبحانه وتعالى - على سلطان الكون وحده، ليدير شئونه التي منها: أنه يغشى الليل النهار .. الخ. ومن العلماء من قال: إن العرش جسم محيط بسائر الأَجسام سمّى به، لارتفاعه، أو للتشبيه بسرير الملك .. ومنه تتنزل أوامرُ اللهِ في شئون الكون، دون أَن يكون الله فيه لاستحالة ذلك عقلا. والاستواء - على هذا أَيضا - بمعنى الاستيلاءِ. وأضاف الاستيلاءَ إلى العرش وحده - مع أنه تعالى مستولٍ على جميع المخلوقات - لأَن من استولى عليه - وهو أَعظمُها - فهو مستولٍ على سواها من باب أَولى.

فكأَنه قال: ثم استولى على الكون كلِّه .. وذلك مثل قولك: استولى عمر بن الخطاب على عرش الفرس .. فذلك كناية عن استيلائه على جميع بلاد الفرس. ومنهم من فسَّر العرش بهذا المعنى، وتوقف في معنى الاستواء. وأحال العلم - بحقيقته - إِلى الله تعالى. وعلى هذا الرأْى: جعفر الصادق، والحسن، وأبو حنيفة، ومالك - رضي الله عنهم -. روى عنهم: الاستواء معلوم. والكيف مجهول. والإيمان به واجب. والجحود كفر. والسؤال عنه بدعة .. أَمَّا تفسير العرش بالسرير، والاستواءِ بالاستقرار - كما يقول المشبِّهة - فهو باطل وكفر. لأنه - تعالى - كان قبل العرش ولا مكان. وهو الآن كما كان، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (¬1). {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ}: أصل معنى يغشى الليل النهار: يغطِّى اللهُ النهارَ بالليل. وبمَا أَنَّ التغطية تقتضى اجتماع الغطاء والمغطى وجودًا - وذلك لا يتصوّر هنا - لأن النهار أُزيل - تماما - عن السطح الَّذى حلَّ فيه الليل، فضلا عن أن التغطية إِنما تكون للأجسام. والليل والنهار ليسا منها - فلذا تكون التغطية مستعارة للإِزالة، لما في كل من الإِخفاء. فالمعنى المراد لقوله تعالى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} يزيل الله ضياءَ النهار بظلام الليل. {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا}: أي يطلب الليل النهار سريعا، فالحثيث السريع، ومنه ولَّى حثيثا - أي مسرعًا - والمراد أنه يأْتى عقبه ويحل محلّه، بسرعة وبغير مهلة. وإِنما وصف طلبه له بالسرعة، لأنه ناشىءٌ من دوران الأَرض بسرعة حول نفسها في دورانها حول الشمس. وهي كروية. ففي كل ثانية يختفى الضوءُ عن جزء منها، ليحلَّ فيه الليلُ بدل النهار فورا، ولم يذكر العكس للعلم به، أو لأن اللفظ يحتملهما. ¬

_ (¬1) سورة الشورى، من الآية: 11

ولذا قرىءَ بنصب الليل ورفع النهار. {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ}: أَي وخلق الله الشمس والقمر والنجوم: خاضعاتٍ لإرادته وقضائه وتصريفه. وتخصيص الشمس والقمر بالذكر - مع دخولهما في النجوم (بالمعنى اللغوى) - لمزيد فوائدهما، بالنسبة لكوكبنا الأرضى. ثم عقَّب الله ذلك بقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}: لتأكيد ما سبق وتعميم قدرته على ما وراء السموات والأرض. والمعنى: ألا له الخلق والأمر: في كل شيءٍ كان أَو يكون. لا يشاركه في ذلك أَحد .. فيدخل فيه ما ذكر من خلق السموات والأَرض وتسخيرهما - دخولا أَوليًّا. ثم وصف الله نفسه بالتعالى عن العالمين، وربوبيته لهم فقال: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}: أي تعالى الله مالك العالمين ومربيهم، ومدبر أُمورهم - عن أَن يكون له شريك أو نظير. وخلاصة معنى الآية: أنه تعالى، بيّن فيها للكفار الذين اتخذوا من دونه أَربابا: أن المستحق للربوبية إِله واحد، هوالله - تعالى -، لأَنه هو الذي خلق العالَم ودبَّره أحسن تدبير. أَمَّا آلهتهم، فهى مخلوقة له - تعالى -، وعاجزة عن الخلق والتدبير، فلا تصلح للربوبية. {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)}.

المفردات: {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}: تذلُّلًا وسرًّا. {الْمُعْتَدِينَ} المتجاوزين الحدّ في كل شيءٍ. التفسير 55 - {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ... } الآية لمَّا ذكر الله - سبحانه - دلائل عظمته فيما سبق، طلب هنا، من عباده أَن يدعوه في تذلُّلٍ مُسِرِّين، فإن ذلك هو اللائق بجلال الخالق. والمعنى: ادعوا ربكم الذي عرَّفكم عظمته فيما سبق .. وليكن دعاؤكم إيَّاه في تذللٍ وإِسرار يليقان بالأَدب مع الله تعالى، فإن الصياح في الدعاء تجاوزٌ للأَدب، واعتداءٌ والله - تعالى - لا يحبُّ المعتدين. أَخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: "كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ (¬1) فجعل الناسُ يجهرون بالتكبير (¬2) فقال: أَيُّهَا النَّاسُ: ارْبعُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ ... إنَّكُمْ لَسْتُمْ تَدْعُون أصَمَّ ولا غائبًا .. إِنَّكم تَدْعُون سَمِيعًا قريبًا. وهو مَعَكُم .. " الحديث. والاعتداءُ في الدعاءِ أنواع: منها ما كان بالجهر والصياح. ومنها أَن يطلب منزلة نبى أَو يطلب المحال، أَو يُسْهِبَ في الدعاء، أَو يدعو بمعصية. روى ابن مَاجَه: أَن عبد الله بن مُغفل رضي الله عنه، سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأَبيض عن يمين الجنة إِذا دخلتها. فقال له: أيْ بُنَى، سَلِ اللهَ الجنَّة، وعُذْ به من النَّار. فإنِّى سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "سَيَكونُ قومٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ". واختُلِف في رفع اليدين في الدعاءِ. فقال قوم بكراهته، ومنهم جبير بن مطعم، وابن المسيب وابن جُبَيْر ومجاهد. واختاروا أن يشير بالسبابة إِيذانا بالإخلاص. رأى شريح رجلا رافعا يديه بالدعاء. فقال مَن تَتَنَاوَلُ بهمَا؟ لَا أُمَّ لك .. ¬

_ (¬1) وفي رواية أخرى (في غزاة). (¬2) وفي رواية "فجعل رجل كلما علا ثنية قال: لا إله إلا الله".

وسندهم في ذلك ما أَخرجه مسلم عن عمارة بن رُوَيْبَة، وأَنَّه رأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوانَ عَلَى المنبر رافعا يديه فقال: قبَّح اللهُ هاتين اليدين. لقد رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ما يزيد عن أَن يقول بيده هكذا. وأَشار بإصبعه المُسَبِّحة. ورُوى جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين - ورواه البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنده إلى أبي موسى الأشعرى قال: "دعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم رَفَعَ يَدَيْه، ثم رأيْتُ بياضَ إِبْطَيْهِ" وعلى هذا يُحمل إِنكارُ من ينكر سُنيَّة رفع اليدين، على أَنه لم يعلم رواية أَبي موسى الأشعرى. ويؤَيد سنيَّة الرفع، ما أخرجه الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: "كان رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إِذا رفع يديه لم يَحُطَّهُمَا حتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وجْههُ". قال: هذا حديث حسن غريب. قال القرطبى: قلتُ: والدعاءُ حسن .. كيفما تيسر، لإِظهار الحاجة والخضوع له - تعالى - فإن شاءَ الداعى، استقبل القبلة ورفع يديه. وهو حسن. وإِن شاء فلا. فقد فعل ذلك النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - .. انتهى بتصرف. 56 - {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}: أَي ولا تفسدوا فيها بالكفر والمعاصي، بعد إصلاحها ببعثة الأنبياءِ. وقد طلب اللهُ من عباده أَن يكون أَمرهم دائرًا بين الخوفِ والرجاءِ. فقال: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}: أَي وادعو اللهَ خائفين من عقابه، طامعين في ثوابه. فهما كجناحى الطائر: يحملانه في طريق استقامته. فإن انفرد أَحدهما هلك الإنسان. قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة الحجر، الآيتان: 49، 50

وقد بشرنا - سبحانه - بالرحمة لمن أَحسنوا. فقال. {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}: أَي إن رحمة الله قريب ممن أَحسنوا بالطاعة، ودار أَمرُهم بين الخوف والرجاء. وعبّر عن الرحمة المؤنثة لفظا بقريب وهو مذكر، إِمَّا لأن المؤنث غير حقيقى فيجوز تذكير خبره، كما قاله الجوهرى وإمَّا لأَن الرحمة والرُّحْم معناهما واحد وهو العفو والغفران كما قاله الزَّجَّاج واستحسنه النحاس. على أَن "فعيلا " يستوى فيه المذكر والمؤنث .. غالبا ومنه ما هنا. {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)}. المفردات: {بُشْرًا}: أصله بُشُرًا بضمتين. فخفِّف بالإسكات. وهو جمع بشير. أي: مبشرات بالمطر. {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}: أي قبل المطر الذي هو من رحمة الله. {أَقَلَّتْ}: أي حملت.

{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ}: المراد به الأرض الكريمة التربة. {وَالَّذِي خَبُثَ} المراد بالبلد الخبيث: الأَرض السبخة التي لا يجود نباتُها. {لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} أَي: لا يخرج نباته إِلا قليلا عسيرا، عديم النفع. التفسير 57 - {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ... }: لا يزال الكلام موصولا في آيات الله ونعمه. فقد بيَّن الله سبحانه - قبل ذلك - أَنه خلق السموات والأَرض في ستَّة أيام، وأَنه يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا، وأَن الشمس والقمر والنجوم مسخراتٌ بأَمره، وأَن له - وحده - الخلق والأَمر. ثم جاءَت هذه الآية؛ لبيان آية الله في إرسال الرياح، وآثارها. والتعبير بالمضارع في قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ} الخ .. للإيذان بتجدُّد هذه النعمة. فإن المضارع يفيد الاستمرار التجددى. والمعنى: والله هو الذي يثير الرياح بعد سكونها، ويرسلها - مبشرات - لعباده بالمطر الذي هو من رحمته تعالى .. حيث - يجعلها بين يديه - أي سابقة له، فَتَبْعَثُ الراحة والطمأْنينة في نفوس الظماءِ، وتجعلهم منتظرين رحمة الله التي عوَّدهم إِيَّاها بعد هبوب الرياح التي اعتادوا أن يروها سابقة للأمطار. فإنها مؤذنة بمثيلات لها تحمل السحب الحوامل بالأمطار - وذلك قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ}: أي حتى إذا حملت الرياحُ سحائب ثقالا، بما اشتملت عليه من الأمطار - ساق اللهُ ذلك السحاب نحو بلد يابس، يشبه الميِّت في بطلان نفعه، لأَجل إحيائه بالسقى والرىِّ. {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}: أَي فأَنزلنا - بالبلد الميت - الماء من السحاب بقدرتنا، فأَخرجنا بذلك الماء من كل الثمرات.

أَو فأَخرجنا في هذا البلد اليابس، جميع أنواع الثمرات التي يصلح لها. فتبارك اللهُ القادر: "يُسْقى بِمَاَءِ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ في الأُكُلِ" (¬1). {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}: الإِشارة راجعة إِلى إخراج الثمرات أَو إلى إحياءِ البلد الميِّت. وفيما يلي بيان المعنى على الوجه الأخير، لشموله للأَول. المعنى: كما أَحيينا البلدَ الميِّت بالماءِ، بإحداث القوة النامية فيه، حتى جاد بأنواع النبات والثمرات - كما فعلنا ذلك - نُخرج الموتى من القبور، ونحييها: بردّ النفوس والأَرواح إِلى أبدانها، بعد جمعها، وإِفاضة أسباب الحياة على عناصرها، لعلَّكم تذكرون وتتعظون بما تَرَوْن من شئون الأرض الميتة وإِحيائها، فتعلمون أن من قدر على إحيائها وإِنبات النبات فيها، بعد يبسها الشبيه بالموت، فهو- كذلك - قادر على بعث الموتى من القبور وإحيائهم. 58 - {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}: المقصود بالبلد الطِّيب: الأَرض الكريمة ذات التربة الطيبة، التي تجود بخير النبات وكثيره. والمقصود بالبلد الذي خَبُثَ: الأرض الَّتى لا تصلح للإنبات الجيِّد. كالأَرض السبخة. وقد ضرب اللهُ البلدَ الطيِّب للذى ينتفع بالمطر، فيخرج النبات الكثير والثمر الوفير - ضربَهُ مثلًا لمن تدبَّر الآياتِ، وانتفع بها. وضرب البلد الخبيث الذي لا ينتقع بالمطر - ضربه مثلا عن لم ينتفع بالآيات، ولم يرفع لها رأسا. والمعنى: والأرض الطيبة الكريمة التربة، تنتفع بالمطر فَيَخْرُجُ نباتُها زاكيًا، حسنًا، كثيرَ الحَبِّ والثمر، غزير النفع، بتيسير اللهِ ومشيئته .. والأرض الَّتي خَبُثَتْ تُرْبَتُهَا لا تنتفع بالمطر كثيرا. فلهذا لا يخرجُ نباتُها إلا نكدا - أَي قليلا عديم النفع. ¬

_ (¬1) سورة الرعد، من الآية: 4

{كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}: مثل ذلك التبيين الواضح، الوارد في هذه الآية - نبيَّن جميع الآيات، لقومٍ يشكرون نعمة الله، فيتفكرون فيها، ويعتبرون بها. قال الشيخ أَبو السعود - عليه رحمة الله - في هذه الآية: إنها مَثَلٌ لإِرسال الرسل بالشرائع: التي هي ماءُ حياةِ القلوب، إِلى المكلَّفين المنقسمين إلى المقتبسين من أنوارها، والمحرومين من مغانم آثارها: اهـ. وفي ذلك يقول النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَثَلُ مَا بَعَثَنىِ اللهُ بهِ مِنَ العِلمِ والهُدَى، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكثِيرِ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكلأَ والعُشْبَ الكثيرَ. وكانت منها أجادبُ أَمسكتِ الماءَ، فنفع اللهُ بِهَا الناسَ، فَشَرِبوا وسَقَوْا وزَرَعُوا .. وأصَابَ منها طائفةٌ أُخْرَى، إنما هِى قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأ. فَذَلِك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثِنى اللهُ بهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّم. ومَثَلُ مَنْ لَم يَرْفَعُ بْذَلِكَ رأسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِه" أخرجه الشيخان. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)} المفردات: {الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ} الأَشراف منهم - أَي رؤساؤهم الذين يملئون المجالس بمهابتهم وعلو منزلتهم {ضَلَالٍ مُبِينٍ} بُعْدٍ بَيِّنٍ عن الحق - كما يزعمون.

التفسير 59 - {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ... } الآية. بعد أن ضرب الله الأَرض الطيِّبة، مثلا لمن انتفع بآياته، والأرض الخبيثة، مثلا لمن لم ينتفع بها - عقَّب ذلك بقصَّة قوم نوح، وهم ممَّن لم ينتفعوا بآياته. وكان قوم نوح يعبدون الأَوثان. وكان أَشهرها لديهم: وَدًّا، وسُواعًا، ويغوثَ، ويعوقَ، ونَسرًا. وسيأتي بيان ذلك في سورة نوح، بمشيئة الله تعالى. وقد أرسل الله تعالى إليهم نوحًا - عليه السلام -، فدعاهم إلى توحيد الله، والتوبة من عبادة الأَوثان. والمعنى: وتالله، لقد أَرسلنا نوحًا إلى قومه، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، ليس لكم من إله يستحق العبادة سواه. أَمَّا آلهتكم التي صنعتموها بأيديكم، فإِنها لا تستحق أَن تُعبد، لأَنَّها مخلوقة وليست بخالقةٍ، ومصنوعةٌ وليست بصانعةٍ .. إِنِّي أخاف عليكم - إن بقيتم على شرككم - عذابَ يوم عظيم. وهذا اليوم العظيم: إمَّا يوم القيامة، وإمَّا يوم الطوفان، الذي يصلهم بعذاب يوم القيامة. وقد مكث نوح - عليه السَّلام - يدعو قومه إلى الله - تعالى - أَلف سنة إلا خمسين عاما. وقد أمضى فيهم هذه المدَّة في حِجَاجٍ ولَجاجٍ معهم، أَجملته هذه الآية - والتي تليها - على النحو الآتى: 60 - {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}: الملأُ: الأشراف، وأَطلق عليهم ذلك لأنهم يملئون العيون والقلوب بوجاهتهم وجاههم. والمعنى: قال الأَشراف من قومه: إنا لنراك في بعدٍ عن الحقِّ واضح. يقصدون بذلك: أَنهم - وقومهم - على الحق، وأن نوحًا يحيط به الضلال والباطل.

61 - {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: المعنى: قال نوح للأَشراف الذين اتهموه بإحاطة الضلال به: ليس بي أي شيءٍ من الضلالة التي زعمتم إحاطتها بي، ولكنى رسول من رب العالمين. ومَن كان كذلك، فهو في تمام الهدى إِلى الحق .. فكيف تتركون عبادة مالك العالمين إلى عبادة ما لا حول له ولا قوَّة؟. وعقب ذلك، بأنه أَبْرَأ ذِمَّتَهُ بتبليغهم رسالة ربِّه ونصحهم. فقال: 62 - {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: المعنى: أُبلغكُم - من آن لآخر - رسالة ربي، المشتملة على توحيده وعبادته، وعلى قواعد السلوك المرتضى، والأَخلاق الفاضلة، وعلى شئون الآخرة، التي ينتهى إليها الناس .. وأنصح لكم باتباعها؛ لتحصلوا على ثوابه، وتنجوا من عقابه، وأَعلم من شئون الله ما لا تعلمون من عظيم القدرة، وشدَّة البطش بمن يظلُّون - على كفرهم - بعد تبليغ رسالاته - أي أَوامره ونواهيه - إِليهم. {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ}. المفردات: {ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ}: تذكير ووعظ من خالقكم، (الفلك): السفينة، (قوما عمين): قوما عُمْى القلوب.

التفسير 63 - {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ ... } الآية. أنكروا على نوح - عليه السلام - أن يكون رسولًا من رب العالمين - وهو رجل منهم - وكذّبوه. فقال لهم: هل استبعدتم وعجبتم من أن جاءَ وحىٌ مذكِّر لكم من ربكم، على لسان رجل - من جملتكم أو من جنسكم - وقلتم من أجل ذلك ما قلتم: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} (¬1). إِلى غير ذلك ممَّا لا خير فيه، مع أَنه جاءَ: لينذركم ويخوفكم عاقبة شرككم ومعاصيكم، ولتتقوا الله في عقائدكم وأعمالكم، ولعلكم ترحمون، إذا امتثلتم، ولم يأْتكم لأَغراض دنيوية تعود عليه منكم. فكيف تتهمونه بالكذب، وتردُّون قوله، وهو رجل منكم تعلمون حاله من الصدق، ولا مصلحة له سوى هدايتكم؟. 64 - {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}: أَي فأصروا على تكذيبه في رسالته، واستمروا على ذلك أَلف سنة إلا خمسين عاما، وكانوا - طيلة هذه المدة - كلَّما جدَّدُوا تكذيبا، جدَّد لهم دعوةً دون كَلَلٍ أو مَلَلٍ، فلم يزدهم دعاؤه إِيَّاهِم، إلاَّ فِرَارًا من الحقِّ، كما قال تعالى حكاية عنه في سورة نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} (¬2). وبعد أن يئس من إيمانهم، دعا عليهم قائلا: { ... رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} (¬3). وقد استجاب الله دعاءَه، وأمره ببناءِ سفينة ليركبها مع من آمن معه، حتى ينجو معهم من الغرق بالطوفان الذي قدَّر الله إِهلاك قومه به، استجابة لدعوته - عليه السلام - فلما أَتمَّ بناءَها، أَمره اللهُ أَن يركبها ومَن آمن معه. ثم فجَّر اللهُ عيون الأرض، ¬

_ (¬1) سورة المؤمنون، من الآيتين: 24، 25 (¬2) سورة نوح، الآيتان: 5، 6 (¬3) سورة نوح، الآيتان: 26، 27

وفتح أَبواب السماءِ بماءً منهمر. وعمَّ الطوفانُ أَرض قومه فغرقوا، لتكذيبهم بآيات الله .. وأنجاهُ اللهُ ومَنْ آمن معه، وهم رُكّاب الفُلك - أَي السَّفينة التي صنعها - ثم يعلّل اللهُ إِهلاكَ قومِ نوح بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ}: أَي كانوا عُمْى القلوب غيرَ مستبصرين. قال ابن عباس: عميت قلوبُهم عن معرفةِ التوحيد، والنبوةِ، والمعادِ. وقد كان عدد ركاب سفينته من المؤمنين قليلا، فيهم من أولاده: سام وحام ويافث وزوجاتُهم. وعلى أي عدد كان ركاب السفينة، فإن الله لم يبق من ذريتهم أَحدا، سوى ذرية نوح - عليه السلام -، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} (¬1). ولهذا يعتبر نوح - عليه السَّلام -، هو الأَبُ الثَّانِي للبشر، بعد آدم - عليه السَّلام - ... رجميع البشر من أَولاده الثلاثة المذكورين. {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)}. المفردات: {فِي سَفَاهَةٍ}: السفاهة؛ الخفَّة والحماقة. ¬

_ (¬1) سورة الصافات، الآية: 77

التفسير 65 - {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ}: أي وأَرسلنا إلى عاد، أَخاهم هودا. وكانوا يعبدون الأَوثان، بعد ما غيَّروا وبدَّلوا شريعة نوح - عليه السَّلام -. قال لهم هود - بعد ما أُرسل إِليهم - يا قوم اعبدوا الله وحده. واتركوا أَوثانكم. فيما لكم من إلهٍ غيره، أَتغفلون عمَّا حدث لقوم نوح، فلا تتقون الله تعالى؟ وكانت مساكن عاد هذه بين الشَّحْرِ (¬1) وعُمَان، وحضرموت، بالأَحقاف ... وكانوا جبَّارين: طوال القامة. وفيهم يقول الله {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ في الْخَلْقِ بَسْطَةً .. } (¬2) وهي التي سمَّاها الله (عادًا الأُولى) فأرسل الله إليهم هودا. وكان منهم. ولذا ذكره الله بقوله: (أخاهم) فدعاهم إلى توحيد الله، وترك ما هم عليه من طغيانٍ وظلم. فكان ردُّهم عليه ما حكاهُ اللهُ بقوله: 66 - {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ في سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}: قال الأشراف الذين كفروا من قوم هود - ردًّا على دعوته إِيَّاهم إِلى عبادة الله - وحده - وترك ما هم عليه عن طغيانٍ وجبروتٍ - إِنا لنراك مستغرقا في خفَّة العقل، والطيش، والحماقة. حيث فارقتَ دينَ قومِك إلى ما تدعو إِليه. وإِنَّا لنعتقد أَنَّك من الكاذبين فيما تزعمُ من النبوة والرسالة. ووصفُ الملإ في قوم "هود" بالذين كفروا، يؤذن بأَن من أَشرافهم من سارع إِلى الإيمان به ولم يكذبه، ولكنه كان يكتم إِيمانه، بخلاف الملإِ من قوم "نوح" فإنهم جميعًا كانوا كافرين. فلذا لم يقيِّدهم اللهُ بوصف الكفر، كما قيّدوا به في قوم هودٍ ... وقيل: وصفوا به لمجرد الذم. ¬

_ (¬1) سهل من سهول اليمن الشرقية. (¬2) سورة الأعراف، من الآية: 69، وسيأتي تفسيره.

67 - {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: قال هود لقومه متلطفا، ردًّا على اتهامهم إِياه بالسفاهة وخفَّة العقل: يا قوم ليس بي أَي سفاهة، ولكنى رسول من رب العالمين: دعوتكم - بمنتهى الوعى والرشاد وحبّ الخير لكُم - لكي تعبدوا ربَّ العالمين الذي أَرسلنى، وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك والطغيان. 68 - {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}: أُبلغكم ما أرسلنى به ربي إِليكم من العقيدة الرشيدة، والأَخلاق المجيدة، وأنا ناصح أَمين. حيث نصحتُكم بترك ما أَنمتم عليه، لأَنى أَعلم من الله ما لا تعلمون. {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)}. المفردات: {لِيُنْذِرَكُمْ}: ليُحَذِّركُم عاقبة كفركُم. {خُلَفَاءَ}: تخلفونهم في مساكنهم أَو أَرضهم. {بَسْطَةً}: سعة في القامة والقوّة. {آلَاءَ اللَّهِ}: نِعَمه. {تُفْلِحُونَ}: تفوزون.

التفسير 69 - {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ... }: أغفلتم عن الهدى، وعجبتم من مجىء تذكير من خالقكم ومربيكم، على لسان رجل منكم، لكي ينذِركم ويخوِّفكم من عاقبة ما أَنتم عليه من شرك وطغيان!! في حين أَن ذلك لا يدعو إِلى العجب، لأَن الرسول - إِذا كان منكم - كان معروفا لكم في صدقه وأَخلاقه. وذلك أَدعى إِلى اطمئنانكم لما جاءَ به. فإن الرائد الصادق لَا يكذب أهله. ولو كان الرسول غريبًا عنكُم، لكان ذلك أَدعى إلى اتهامه، بأَنه تصنّع النبوة، ليخضعكم إِلى قبيلته. ولو كان مَلَكًا لهلكتم إِن كان بصورته الملَكِيّة، ولاشتبه عليكم أَمرَه إِن تشكل بصورة أحدٍ من البشر. وبعد أن خوَّفهم اللهُ من عقابه، ذكَّرهم نعمَه، فقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ... } الآية. المعنى: وتذكروا نعمةَ اللهِ عليكم، إذ جعلكم خلفاءَ من بعد قوم نوح. حيث ملكتم مساكنهم وبلادهم. أو أَن المعنى: جعلكم خلفاءَ من بعدهم في السيطرة على الأرض وملكها. وكما جعلكم خلفاءَ الأرض، زادكم في الخلق سِعةً، فأَنتم طوالُ القامة أَشدّاءُ الأَجسام، فاذكروا نعم الله التي تتقلبون فيها، لكي يفضى بكم ذكرها إِلى شكرها المؤدى إلى الفلاح. 70 - {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ...... } الآية. استبعد قومُ هودٍ إفرادَ الله بالعبادة، وترك آلهتهم التي عبدها آباؤُهم من قبلهم. وقديمًا كان التقليدُ سببًا للنكَبات.

والمعنى: قال عاد لهود: أَجئتنا بدعواك لكي نعبد اللهَ وحده، ونترك ما كان عليه آباؤُنا من عبادة الأَوثان؟ فأْتنا بما تعدنا به من العذاب، إن كنت من الصادقين في رسالتك، وفيما أنذرتنا به، إِن نحن لم نؤْمن بها. {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)}. المفردات: {قَدْ وَقَعَ}: أي وجب واستحق. {رِجْسٌ}: عذاب - مأْخوذ من الارتجاس وهو الاضطراب. {سُلْطَانٍ}: حجة لها سلطان على القلوب. {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا}: وأَهكْناهم حتى آخرهم، والدابر الآخر. التفسير 71 - {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ... }: الرجس العذاب، ولم يكن العذاب قد وقع على عادٍ حين قال لهم هود: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ ... } الخ. فلذا يفسر الوقوع: إِما بمعنى الاستحقاق والوجوب، أَو ينزل المتوقَّع منزلة الواقع. كما في قوله تعالى: (أتَى أَمْرُ اللهِ فلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) (¬1). ¬

_ (¬1) أول سورة النحل.

والمعنى: قال هود لعادٍ - حين أَصرُّوا على الكفر وطلبوا إِتيان العذابِ الذي توعَّدهم به - قال: قد وجب واستحق عليكم عذاب وغضب من ربّكم، حتَّى كأَنه نزل بكم ووقع فعلا. {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}: كثيرا ما يطلق الاسم على المسمَّى. ومنه قوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (¬1): أَي تبارك ربك وتعالى عن الشبيه والنظير. ومن إطلاق الاسم على المسمى ما جاءَ في هذه الآية الكريمة. والمعنى: أَتخاصموننى وتنازعوننى - بقوّة - في أنصاب وأَوثان سمَّيتموها آلهةً، وليس فيها من مصداق هذه التسمية أي دلالة؟ إِذ المستحق لهذه التسمية هو الموجد لهذا الكون، الخالق له، المدبر لأَمره! أَما هذه الأَنصاب، فهي مخلوقة وليست بخالقة، عاجزة وليست بقادرة .. فكيف زعمتم ألوهيتها، وجادلتمونى فيها، مع أَن الله تعالى هو المستحق للأُلوهية وحده، ولم ينزل سلطانا أَو حجة بعبادتها والتقرب بها إِليه؟! {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ}: وحيث كنتم مصرِّين على عبادتها - بدون سلطان ولا برهان - فقد وجب عليكم عقاب كفركم باللهِ وعصيانكم لرسوله. فانتظروا هذا العقاب، إني معكم من المنتظرين وقوعه. 72 - {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ}: بعد أَن أَنذرهم هود بأَن عقاب اللهِ آتٍ لا محالة، وأَنَّ عليهم أَن ينتظروه - نَزَل العذاب بهم، فأَنجاه الله والذين آمنوا معه - برحمة منه، واستأَصَل جميع الكافِرينَ بآياتِ اللهِ، فلم يُبْق منهم أَحدا. فإن قطع الدابر كناية عن إِهلاك الجميع. ¬

_ (¬1) آخر سورة الرحمن.

وفائدة ذكر قوله تعالى: {وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} بعد قوله: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} الإيذان بأَنهم لو كانوا مؤْمنين، لما أهلكهم اللهُ. بل كان ينجيهم كما نجَّى المؤْمنين. ويجوز أَن يكون المراد وما كان ينتظر منهم الإيمان. وخلاصة ذكره المفسرون والمؤَرخون من قصة عاد: أَنهم كانوا يسكنون بأَحقاف اليمن، وأَنهم تبسَّطوا في البلاد ما بين عُمَان وحضرموت. وكانت لهم أصنام يعبدونها. فبعث اللهُ إِليهم هودا، وكان من أَفضلهم حسبًا، فكذَّبوه وازدادوا عتوًا، وتجبّرًا وأَمسك اللهُ المطرَ عنهم ثلاث سنواتٍ، حتَّى جهدوا - وكان أهل هذه الأَقاليم إِذا نزل بهم بلاءٌ لجأُوا إلى البيت الحرام، وطلبوا من الله أَن يُفرجه عنهم .. وكان أَهل مكة - وقتئذ - هم العماليق، من أَولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام. وسيّدهم معاوية بن بكر، وكان يسكن بظاهر مكة خارج الحرم. فنزل به وفدُ عادٍ. وكانوا سبعين من أشرافهم، وقد جاءُوا يطلبون من اللهِ الغيثَ ورفعَ القحطِ عنهم. فأنزلهم معاويةُ بن بكر عنده وأكرمهم. وكانوا أَخواله وأصهاره، فأَقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، ويسمعون غناءَ القِيان، وشغلوا عمّا جاءُوا من أَجله. وكان معاوية يستحيى أَن يكلمهم، خشية أن يظنُّوا به ثقل مُقامِهم عليه، فأوعز إلى إحدى القينات فغنَّتهم بما ذكَّرهم ما حاءُوا من أَجله. فقال بعضُهم لبعضٍ: إن قومكم بعثوا بكم لِتَتَغوَّثُوا لهم من البلاء، فأبطأْتم عليهم!!! فدخلوا الحرم. وقال رئيسُهم: اللهم اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيهم. ولكنهم حقَّت عليهم كلمةُ اللهِ بما عصَوا رسولَهم هودًا واستعجلوا العذاب. فأَنشأَ اللهُ لهم سحائب ظنوها مطرا، خرجت على عاد من وادٍ .. يقال له: المغيث .. فقالت عادٌ: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} بينما كان هو العذاب الذي استعجلوا به، فهو ريحٌ عقيم. فيها عذاب أَليم: تدمرَّ كلَّ شيءٍ بأمر ربها .. سخَّرها الله عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوما. فأَهلكتهم جميعًا. فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنُهم. وأنجى اللهُ هُودا ومَنْ آمن معه. فجاءُوا مكة. وعبدوا اللهَ حتى أدركتهم مناياهم.

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)}. المفردات: {بَيِّنَةٌ}: معجزة ظاهرةُ الدلالة. {وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ}: وأنزلكم فيها مباءَات ومنازل. {وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ}: النحت نَحْرُ الشىء الصلب. ونحتهم الجبال: اتخاذهم الأَحجار منها. {آلَاءَ اللَّهِ} أَي: نعمه. جمع أَلى وهو النعمة. {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ}: ولا تَسعوْا فيها بالإفساد. التفسير 73 - {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}: أي وأَرسلنا إلى ثمود أَخاهم صالحا، ليتركوا الشرك بالله، ويعبدوا الله وحده. فقال: يا قوم اعبدوا اللهَ ما لكم مِن إلهٍ غيرُه.

وقوم ثمود: من ولد ثمود بن جَائِر بن أرم بن سام. وكانت مساكنُهم بالحِجْر، بين الحجاز والشام. وكانوا عربا بعد عاد. وقد كثُروا وعَتَوْا وعبدوا غير الله. فبعث اللهُ إليهم صالحا ليهديهم سواءَ السَّبيل. وكان واحدا من أَشرافهم. ولذا قال: {أَخَاهُمْ صَالِحًا} فقالوا له: يا صالحُ قد كنتَ فينا مرجوًّا قبل هذا ... أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤُنا؟ وكان في القوم بنَّاءُون مهرة، فكانوا ينحتون من الجبال أَحجارا، ويتخذون منها بيوتا، وكانوا في سعة من معايشهم. فلم يزل صالح يدعوهم .. فم يؤْمن به إلا قليلٌ منهم من المستضعفين. فلما ألحَّ عليهم بالتخويف والإِنذار، طلبوا منه آية تشهد له بأَنه مرسل من عند الله تعالى. فقال لهم: أيّة آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إِلى عيدنا، في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعو إلهك وندعوا آلهتَنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإِن استجيب لنا اتبعتنا. فوافقهم صالح. فلما خرجوا في عيدهم، دَعَوْا أَوثانهم فلم تستجب لهم. فأشار رئيسُهم إِلى صخرةٍ وقال لصالح: أخرج لنا ناقةً - وذَكَرَ أَوْصَافَها - فإن فعلتَ صدقناك. فأَخذ عليهم العهود بذلك. ثم صّلى ودعا الله، فتمخضتِ الصخرةُ عن ناقة حسب الأوصاف التي أَرادوها، فقال لهم صالح: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} وإِضافة الناقة إلى اللهِ لتعظيمها، ولأنها جاءِتهم من عنده - سبحانه - بلا وسائط وأَسباب معهودة. ولذا كانت آية. وكان من عظم جسمها وعجيب أَمرها، أَنها إذا وضعت فمَها في الماء شربته كله. فلذا جُعِلَ لها يوم تختص فيه بشرب الماء، ولهم يوم آخر لا تشاركهم في شربه. وفي ذلك يقول الله تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} (¬1) وكانت تعطيهم لبنا بدل الماء في اليوم الذي تختص فيه بالماء، فيشربون ويدخرون. فآمن بـ "صالح" جماعةٌ، بعد ظهور هذه الآية، وكفر به آخرون. ¬

_ (¬1) سورة الشعراء، من الآية: 155

وكانت أَنعامُهم تهرب منها إِذا أَبصرتها ترعى. فشقَّ ذلك عليهم. ولذا قال لهم صالح - عليه السلام -، محذّرا من مسّها بسوءٍ. {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أي فاتركوها تأَكل العشب في أرض الله، فإن الناقة ناقة الله، والأرض أَرضه - سبحانه -. فليس لكم أن تحولوا بينها وبين رزقها في أَرض الله، ولا أن تتعرضوا لها بشىءٍ يسوءُها، كمنعها الماء والمرعى، وغير ذلك من أنواع الإيذاءٍ، اتقاءَ أَن يأْخذكم عذاب شديد الإيلام، بسبب إِهانتكم لآية الله. 74 - {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ ... } الآية. أَي وتذكروا فضل ربكم عليكم، حين جعلكم خلفاءَ له في الأرض من بعد عاد، أو خلفاءَ لهم من بعدهم في أرضهم، وجعل لكم في أرض الحِجْر - بين الحجاز والشام - منازل أَنزلكم فيها، وبوَّأَكم في مباءاتها ومنازلها. {تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا}: هذا استئناف، لبيان كيف بَوَّأهُم اللهُ في الأرض؟. والمعنى: ومَكَّنَكُم اللهُ من الأرض، بحيث تبنون من سهولها قصورا، وتنحتون الجبال بيوتا. أَمَّا بناؤهم من سهولها قصورا، فمعناه: أَن يُحوَّلُوا السهول إِلى مدائن ذات قصور رفيعة البنيان، ممَّا يجلبون إليها من مواد البناءِ، أو أن يجعلوا نفس السهول موادًا للبناءِ، كالآجر وطين اللصق، وكثير ذلك. وأَمَّا نحتُهم الجبالَ بيوتا، فالمراد منه: اتخاذهم من حجارتها المنحوتة - أَي المنجورة المسوّاة - بيوتا، بوضع بعضها فوق بعض، بطريقة هندسية، يستمسك بها البناءُ ولا يتصدع. وهذه النعمة التي يمنّ الله بها عليهم، تدل على أَنهم بلغوا في فن العمارة والحضارة شأْوا بعيدا، في هذا العهد الضارب في القدم، المتوغل في أَوائل البشرية.، حيث كانت البشربة تغطُّ في نومٍ عميق. وتلك تعمة تُوجِبُ على "ثمود" أَن تذكرها لله فتشكره عليها.

ولذا قال تعالى، حكاية عن وعظ صالح - عليه السلام - لهم. {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)}. التفسير 75 - {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ... } الآية. بعد أَن نصح صالح - عليه السلام - قومه ألَّا يتعرضوا لآيةِ اللهِ - وهي الناقة - بسوءٍ، وذكَّرهم نعمة الله عليهم، ونصحهم أَن يشكروها ولا يكفروها، ولا يعثَوا في الأرض مفسدين - قال أَشرافُ قومه المستكبرون، للذين استضعفوهم، وهم المؤمنون منهم، سائلين - بطريق الاستهزاءِ - هل تعلمون أَن صالحا مرسل من ربه، حتى سارعتم إلى الإيمان به؟ فأَجابهم أَولئك المؤمنون - في ثقةٍ واطمئنانٍ وجرأَةٍ - إِنَّا بما أُرسل به من ربّه مؤمنون، لأَننا نعلم أَنه مرسل من ربه بالحق. 76 - {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}: قال الأَشراف المستكبرون للمستضعفين المؤمنين - بعد أَن سمعوا منهم جوابهم - إنا بـ "صالح" الذي آمنتم به كافرون. ولم يقولوا: إِنا بما أُرسل به كافرون، إظهارا لمخالفتهم إيَّاهم وردًّا لمقالتهم.

{فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)}. المفردات: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ}: العقر، الجرح. ويطلق على النحر. {وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ}: استكبروا عن امتثاله. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ}: فأَهلكتهم الزلزلةُ. {جَاثِمِينَ}: خامدين: ميِّتين. التفسير 77 - {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ... } الآية. كان للناقة شرب يوم، ولهم شرب يوم من الماء. ويقال: إِنها كانت تعوِّضهم عن يومها ماءً باللَّبن. كما يُقال: إِنها كانت حين ترعى صيفا أو شتاءً، تهرب منها أنعامُهم لضخامتها - فعقروها، واقتسموا لحمها، وخالفوا بذلك أمر رسولهم صالح - عليه السلام -. فقال لهم: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} (¬1). وفي اليوم الرابع، أَتتهم صيحةٌ من السماءِ ورجفة من الأرض: أَسكتت قلوبَهم فهلكوا، فأصبحوا - في ديارهم وأرضهم - جاثمين، خامدين، لا حراك بهم. ¬

_ (¬1) سورة هود، من الآية: 65

وأَصل الجثوم: القعود. ويقال للناس: هم جثوم - أَي قعود لا حراك بهم ولا ينبسون. قال أَبو عبيدة: الجثوم للناسِ والطير، والبروك للإبل. والمراد؛ كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب بهم - فلمّا فوجئوا - وَهم كذلك - بالعذاب، هلكوا وهم على حالهم، من غير اضطراب ولا تحرك. ولا يخفى ما فيه من شدّة الأَخذ وسرعة البطش .. 79 - {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}: أَي فانصرف بعد ما شاهد من حالهم، وقال - متحسرا على ما فاتهم من الإِيمان - لقد أَبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم بالترغيب والترهيب، وبذلت فيكم وسعى. ولكنكم لا تحبُّون الناصحين، فبقيتم على غيِّكم، حتى أَصابكم اللهُ بالهلاك. وظاهر الآية أَنه تولّى بعد أن رأَى حالهم من الهلاك، وأنه خاطبهم وهم موتى بقوله: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} الخ. ومثل ذلك ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بصرعى بدر، حين وقف بهم وخاطبهمُ وهم في القليب قائلا: "إنَّا وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبكُمْ حَقًّا"؟. (¬1) وقيل: إنما تولَّى عنهم قبل نزول العذاب بهم حين شاهد علاماته، وانصرف منكرا ما فعلوا، متوجها إلى فلسطين بمن معه من المؤمنين، ثم رجعوا - بعد هلاك الكافرين - فسكنوا ديارهم. والله تعالى أَعلم. {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)}. ¬

_ (¬1) انظر سيرة ابن هشام وغيرها.

المفردات: {الْفَاحِشَةَ}: الفعلة الشديدة القبح - والمراد بها هنا اللواط. {مُسْرِفُونَ}: مجاوزرن الحد في المعصية. التفسير 80 - {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ}: المعنى: وأرسلنا لوطا إِلى قومه حين قال لهم - موبِّخا منكرا زاجرا - أتأْتون الفعلة المتناهية في القبح، المتمادية في الشرّ والسوء؟ ما سبقكم بفعلها أَحد من العالمين، بل اخترعتموها أَنتم. وقد أنكر اللهُ عليهم أَولا: إِتيان هذه الفاحشة. ثم وبَّخهم ثانيًا: على أَنهم أوَّل من ارتكبها، فإنه ليس المراد من قوله تعالى: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} نفى سبق غيرهم لهم فحسب، بل المراد أَيضًا: أَنهم أَسبق العالمين إِليها. فهم أَول من أحدثها. وذلك على حدِّ ما قيل في قوله تعالى: {فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا} (¬1)، فليس المراد منها أَنه لا يوجد أَظلم منهم فقط، بل المراد أنهم أَظلم من كل ظالم. ثم بيَّن اللهُ هذه الفاحشةَ المهينة الشائنة فقال: 81 - {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}: إِنكم لتباشرون المذكور لمجرد الاشتهاء الفاجر، تاركين النساء اللاتى جعلهن الله مواضع الاشتهاء، عن طريق الزواج!! بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في المعاصي. وكان لوط عليه السَّلام يقيمُ بقريةِ "سدوم" فأَرسله اللهُ إلى أَهلها، وكانوا أَهل كفر بالله وعصيانٍ له. وكان من أَخطره: إِتيان الذكران في أَدبارهم، وقطع السبيل على الغرباء لممارسة الفاحشة معهم. وكان من أَمر لوط معهم ما سبق بيانه مجملا في الآيتين الماضيتين. وفيما يلي بيانُ ما أَجاب به قومه وعقاب الله لهم، على إصرارهم ومضيهم في الكفر والفاحشة. ¬

_ (¬1) سورة الكهف، من الآية: 15

{وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)}. المفردات: {يَتَطَهَّرُونَ}: يتنظفون من الفواحش. {مِنَ الْغَابِرِينَ}: من الباقين. وفي المصباح: غَبَرَ. تُسْتَعمَلُ للماضى وللباقى. فهي من الأَضداد. التفسير 82 - {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ... } الآية. المعنى: وما كان جواب قوم لوط على زجرهم عن الفاحشة، إلا أَن قال بعضُهم لبعضٍ: أخرجوا لوطا ومن آمن معه من قريتكم "سدوم " فإنهم أُناس يتطهرون. وغرضهم من وصفهم بالتطهر الاستهزاءُ والسخرية بتطهرهم من الفواحش، والافتخار بما هم فيه من القذارة الخلقية. كما هو شأْن أَهل الدعارة. 83 - {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}: المعنى: فأَنزلنا بهم العذاب: فأنجينا لوطا وأَهله، إِلا أمر أَنه كانت من الباقين بالقرية، حتى نزل بأَهلها الكافرين العذاب، فهلكت معهم، لأَنها كانت تُبْطِن الكفر وتظهر الإيمان .. والنفاق أَخطر أَنواع الكفران. والمراد بأَهله الذين أَنجاهم الله معه: المؤمنون من أَهل القرية. سواء أَكانوا من أَقاربه أَم لا. وكانت نجاتُهم بتدبير اللهِ - تعالى -. فقد أَرسل الله جبريل وبعضَ الملائكة معه، لإهلاك قوم لوط، فأخبروه بمقصدهم، وأَمروه أَن يخرج ومن آمن معه إلى الشَّام، ويدع امرأَته فإنها من الهالكين.

وفي ذلك يقول الله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} (¬1). 84 - {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}: المعنى: وأَرسلنا عليهم مطرا عجيبا .. بيَّنه اللهُ بقوله: { ... وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} (¬2). فهلكوا جميعا. فانظر، أَيها العاقل، متعجبا: كيف كانت عاقبة المجرمين الذين يفسدون في الأَرض ولا يصلحون. وكانت قراهم خمسًا، تسمَّى "المؤتفكة" بين الشام والمدينة المنورة. {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)}. ¬

_ (¬1) سورة الحجر، من الآية: 65 (¬2) سورة الحجر، من الآية: 74

المفردات: {مَدْيَنَ}: اسم قبيلة شعيب، وهم أَولاد مدين بن إِبراهيم. وتطلق على المدينة التي كانوا يقيمون فيها، وهي واقعة قرب "معان"، بطريق الحجاز. {بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}: حجة واضحة. {تَبْخَسُوا} البخس: النقص مطلقا. ويدخل فيه نقص الكيل والميزان. {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}: تمنعون الناسَ عن دين اللهِ. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا}: وتطلبون أَن تكون معوجة. {فَكَثَّرَكُمْ}: زاد في عددكم وأَموالكم. {يَحْكُمَ}: يَفصل. التفسير 85 - {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ... } الآية. ذُكِرَت هذه القصة في القرآن الكريم عدّةَ مرَّات. فقد وردت في الأَعراف، وهود، والشعراء. وتخنلف في عدد آياتها إيجازا وإِطنابا. وأَطولها ما ذكر في سورة هود. المعنى: وأَرسلنا إلى أهل مدين واحدا منهم، هو أَخوهم في النسب "شعيب" - عَليه السَّلام -. وهو من سلالة إبراهيم - عليه السلام - من فرع إسحق. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إِذا ذُكر "شعيب" قال: "ذاك خطيب الأنبياء"، لحسن مراجعته قومه. وقد بعثه اللهُ - عزَّ وجلَّ - رسولا إِلى أهل مدين، فدعاهم إِلى عبادته تعالى، ونهاهم عن أَكل أَموال الناس بالباطل. فكذَّبوه وعاندوا. فأَخذهم اللهُ بالصيحة. وبعثَهُ اللهُ إلى أَصحاب الأَيكة ولم يكن شعيب منهم نسبا، فكذَّبوه فأَخذهم اللهُ بعذاب يومِ الظُّلَّةِ.

وفيما يلي قصته مع أهل مدين. {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}: هذه دعوة إِلى توحيد اللهِ - عزَّ وجلَّ - وهي دعوة الرسل جميعا .. فيما من نبىًّ إلاَّ دعا قومه إلى توحيد الله تعالى، ونبذ عبادة غيره، وإِفراده بالعبادة. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (¬1). {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}: أي وقال لهم: قد جاءتكم حجة واضحة ومعجزة ظاهرة، شاهدة على صدق نبوتى من ربَّكم، ومالِك أُموركم. ولم تُذْكَرْ معجزتُه في القرآن، كما لم تُذْكَرْ معجزاتُ بعض الأَنبياءِ عليهم الصلاة والسلام. ويكفى أن الله أخبر بمجيئه بالبينة. الواضحة لهم. أَمَّا تعيينُها بشخصها، فلا ضرورة تدعو إليه. {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ}: بعد أَن أَمرهم شُعيب بتوحيد الله، وعظهم بالحفاظ على حقوق الناس، بإيفاء الكيل والميزان. ثم قال لهم: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}: أي ولا تنقصوا الناس أَشياءَهم، بأَخذها على وجه البَخْسِ. وهو النقص فيها خفيةً وتدليسًا. ويدخل في البخس، وصفُ الأشياءِ بما ينقص قيمتَها، ويصرفُ الناسَ عنها. ويدخل فيه أَيضا نقصُ الكيل والميزان عند البيع، والمبالغة في استيفائه عند الشراءِ، وغير ذلك مما يسلب الحقوق. {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}: أَي ولا تفسدوا في الأرض بالجور والكفر بعد إصلاح شأْن أَهلها بالشرائع التي جاءَ بها الأَنبياءُ - عليهم الصلاة والسلام -. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}: أي ذلكم المذكور من العمل بما أَمركم به الله تعالى، من توحيد الله، وإِيفاءِ الكيل والميزان، وترك ما نهاكم عنه من البخس والإفساد في الأَرض - خير وزيادة لكم في كل شىءٍ، لأَن الناس إِذا عرفوكم بالأَمانة والصدق والوفاءِ، رغبوا في معاملتكم لثقتهم فيكم. {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: أي إِن كنتم مصدَّقين لي فيما دعوتكم إليه، من توحيد الله تعالى، والعمل بسائر ما شرعه الله لكم من الأَحكام. ¬

_ (¬1) سورة الأنبياء، من الآية: 25

86 - {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ}: أَي ولا تقعدوا بكل طريقٍ من الطرق المسلوكة: تخوّفون من آمن بشعيب ودينه بالقتل. أو تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ}: أَي: وتمنعون من آمن بدين الله الذي جاءَ به "شُعَيب" من الاستمرار عليه، وتحملونه - بشَتَّى الأَساليب - على الرجوع عنه، كالطعن في "شُعَيب" بأَنه كذَّاب، جاءَ ليفتن الناس عمَّا هم عليه من تَدَيُّن. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا}: أَي وتطلبون لسبيل الله الاعوجاج بوصفها للناس بما يعيبُها وينقصُها. وهي أبعد ما تكون عن العوج والنقص. {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ}: أي وتذكروا نعمة الله عليكم، حيث كنتم قليلى العدد والمال، فوفَّر عددَكم بكثرة النسل. وزاد أَموالكم فأَغناكم. {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}: أَي وتفكَّروا في عاقبة من أَفسدوا قبلكم من الأُمم المجاورة لكم، مثل قوم نوح، وعاد، وثمود. واعتِبروا بما حلّ بهم بعد عصيانهم. 87 - {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا}: يقول شُعَيب عليه السلام: وإِن وُجدَ منكم جماعةٌ صدّقوا بالذى أُرسلت به من الشرائع والأَحكام، وجماعة أُخرى استمروا على التكذيب، فلم يصدقوا بذلك. {فَاصْبِرُوا}: الخطاب للمؤمنين بشُعيب - عليه السلام -، حثًّا لهم على الصبر، واحتمال ما ينزل بهم من إيذاءِ الكفار لهم. {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا}: أي واصبروا إِلى أَن يقضى الله بيننا وبينهم، وهو- ولا شك - ناصر للمؤمنين، ومنتقم من الكافرين .. فهذا وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين. {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} أي: وهو- عزَّ وجلَّ - خير من يفصل بين الناس بالحق، ويميز المحقَّ من المبطل. فهو الحكم العدل: لا مُعَقِّب لحكمهِ ولا جَور فيه.

{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)}. المفردات {الْمَلَأُ}: الرؤساءُ وَالوُجَهَاءُ. {قَرْيَتِنَا}: هي مدين {مِلَّتِنَا}: دِيننا {افْتَرَيْنَا}: الافْتِراء: أَقْبَح الْكَذِب. {وَمَا يَكُونُ لَنَا}: أي وَمَا يَنبغىْ وَمَا يَصِحُّ لَنَا (افتَحْ): احكم (الفَاتِحِين): الحاكمين. التفسير. 88 - {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ}: بعد أن سمع قوم شعيب مواعظه ودعوته إِياهم إلى التوحيد واتباع الحق قال الرؤساء من قومه غير مكتفين بتكذيبه وعصيانه - قالوا - استعلاء عليه واستكبارًا وتطاولًا: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} .. أي والله لنخرجنك يَا شُعَيْبُ وَالَّذينَ آمنوا معك من قريتنا - مدين - قهرا، استصغارًا لشأْنكم واستهانة بدينكم كى نستريح من مواظبتك على دعوتنا لاتباعك، وعقابا لكم على ترك ملتنا. إلا أن تعودوا إليها فنصفح عنكم ونبقيكم في وطنكم.

{قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ}. أَي قال شعيب جوابًا لقولهم - أو لتعودن - أنعود في ملتكم حتى في حال كرهنا لها لن يكون منا ذلك مطلقا في أَي حال يعد أَن نجَّانا الله من ظلمة الكفر والضلال ومنّ علينا بنعمة الإِيمان. وتوسيطهم النداء بقولهم (يا شعيبُ) بين تهديدهم له ولمن آمن معه بالإِخراج، لزيادة تهديدهم الناشىء عن غاية طغيانهم واستكبارهم. 89 - {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا}: أَي نكون قد اختلقنا على الله كذبًا عظيما بلغ غاية القبح والشناعة إن رجعنا إلى الشرك الذي أنتم عليه بعد أن خلصنا الله منه وهدانا إِلى الإيمان إِذ يكون الرجوع حينئذ اعترافًا منا بظهور أَن ما كنا عليه من الإِيمان والتوحيد باطل وكذب. وما أَنتم عليه من الكفر والضلال حق وصدق - وهذا منتهى التناقض - ولا كذب أَقبح وأَشنع من هذا. {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا}: أي وما يصح وما يتصور منَّا الرجوع إلى الشرك في حال من الأَحوال إلاَّ في حال مشيئة الله - تعالى - خالقنا ومربينا، وحاشا أَن يشاء الله - ذلك بعد إنقاذه - سبحانه - لنا من الوثنية والضلال وعنايته بإِرشادنا وإبلاغنا إلى الكمال اللائق بنا فهو ربنا الرحيم بنا، الذي أبلغنا بتربيته لنا إلى ما نحن فيه من الكمال الدينى. {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}: أَي أحاط علم خالقنا الذي ربَّانا وأَبلغنا إلى الكمال اللائق بنا، - أحاط علمه - بكل ما كان وما سيكون من الأَشياءِ، ومن جملة ذلك أَحوال عباده ونياتهم فلا يعيدنا إلى الكفر بعد أن أَنقذنا منه ما دمنا معتصمين بحبله المتين ودينه القويم {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا}: أَي على الله وحده توكلنا وفوضنا إليه أَمر تخليصنا من الأشرار وتثبيتنا على الإيمان. وبعد أن ظهر لشعيب ما عليه قومه من العتو والطغيان، وأَنه لا أَمل في إيمانهم، أَعرض عنهم ونادى ربه طالبا أَن يفصل بينه وبينهم بالحق. فقال:

{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}: أَي يا ربنا اقض بيننا وبينهم بالقضاء الحق حتى يتميز الخبيث من الطيب وأنت خير الحاكمين - والتعبير بقوله "افتح": لأن القضاء بالحق يفتح الأَمر المغلق. {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}. المفردات: {الرَّجْفَةُ}: الزلزلة الشديدة. {جَاثِمِينَ}: باركين على الركب أَذلاء. {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}: أي كأَن لم يقيموا في مدينتهم. والمراد: أنهم استئصلوا بالمرة يقال غَنِىَ بالمكان يَغْنَى أَقام به - والمَغْنَى - المنزل. {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ}: أَعرض عنهم وبعُدَ. {آسَى}: أحزن. التفسير بعد أن بيَّن القرآن الكريم إصرار شعيب ومن آمن معه على دين الله وعدم عودتهم إلى ملة قومهم انتقل إِلى بيان ما قالوه تخويفًا لأَتْباعهم من اتِّباع رسالة شعيب. فقال تعالى:

90 - {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ}: أَي وقال الرؤساءُ المستكبرون الذين أصروا على الكفر من قوم شعيب - عليه السلام - بعدما أَيقنوا بصلابته ومن آمن معه في الإيمان وإِصرارهم عليه، وخافوا إقبال الناس على دعوته. اتجهوا إِلى تخويف عامة الناس من قبول دعوته بقولهم: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ}: أي لئن اطَعْتُم شُعَيبًا فَدَخَلْتُمْ في دِينِه وَتَرَكتُمْ مِلَّةَ آبَائكمْ إنَّكْم حينَئِذٍ لخَاسِرُونَ دينكم الَّذِى أَنتم عليه، وخاسرون دنياكم بفقدان مزاياكم التي تتمتعون بها بيننا في المسالمة والتبادل التجارى، والرضا عنكم، والإخلاص لكم، وفقدان المكاسب التي تحصلون عليها بالبخس وتطفيف الكيل والميزان وغير ذلك. وبعد أَن حكى القرآن الكريم تكذيب أَهلِ مدين أَخاهم شعيبا وأنهم رفضوا دعوته عُتوًّا واستكبارًا وحث رؤساؤهم أَتباعَهم على عدم اتباعه، شرع يبين كيفية إهلاك هؤلاء الطغاة المتجبرين فقال تعالى: 91 - {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}: أَي فأَهلكتهم الزلزلة الشديدة فأَصبحوا باركين على ركبهم هالكين هلاك الذلة والصغار في أَماكنهم لا ينتقلون منها. وقد جاءَ في سورة هود أَن قوم شعيب أُهلكوا بالصيحة كما قال - تعالى -: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} وفي الشعراءِ أنهم أُهلكوا بعذاب يوم الظلة {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} ويوجَّه هذا الاختلاف فيما أُهلكوا به بأَن شعيبا أُرسل إِلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، فأَما أَصحاب الأَيكة فقد أُهلكوا بعذاب يوم الظلة، كما سيأْتى بيانه في سورة الشعراءِ، وأَما أَهل مدين فقد أُهلكوا بعذابين، أَحدهما سبب والآخر مسبب، فأَما السبب فهو الصيحة، والمراد بها صيحة جبريل عليه السلام بهم، وأَما المسبب فهو الزلزلة فقد أَصابتهم من صيحته رجفة وزلزلة قضت عليهم فنسب هلاكهم تارة إلى السبب الأَول وهو الصيحة، وتارة إلى السبب الثاني وهو الرجفة التي ترتبت على الصيحة - فلا تعارض بين الآيات. وزيادة في إِيضاح ما حل بهم من أَهوال قال تعالى: 92 - {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ}:

أَي: هؤلاءِ الذين كذبوا دعوة شعيب إلى توحيد الله والإِصلاح وترك الفساد في الأَرض. {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أَي: كأَنهم بعد إِهلاكهم بالزلزلة الشديدة لم يقيموا أَبدًا بديارهم حيث استُؤْصِلُوا بالرجفة. وكانوا وحدهم الخاسرين في الدنيا بالهلاك الشديد وفي الآخرة بعذاب النار - خسروا وحدهم دون شعيب ومن آمن معه كما كانوا يظنون. اقرأ قولهم فيما سبق: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ}. وبمقابلة هذه الآية بما قبلها يتبين أمران: 1 - أن استئصالهم بارتجاف الأَرض حتى كأَنهم لم يقيموا فيها كان في مقابلة تهديدهم لشعيب بقولهم: "لنخرجنك يا شعيب". 2 - أن ما جاءَ في هذه الآية من خسران الكافرين من قوم شعيب وحدهم، جاءَ في مقابلة قول رؤسائهم لأتباعهم تحذيرًا من اتّباع شعيب: "لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذًا لخاسرون". وبهذا ظهر أن جزاءهم كان من جنس ما كانوا يقولون، ولكنه يفوقه في الشدة. 93 - {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ}: أي فأَعرض شعيب وابتعد عن قومه حين رأَى الهلاك الذي نزل بهم وقال معتذرًا عن عدم حزنه عليهم وأَسفه على ما حل بهم، ومتبرئًا من ظلمهم يا قوم والله: لقد اجتهدت في إبلاغكم رسالات الله الذي خلقنى وربانى وبينت لكم ما فيها من سعادة دنياكم وأُخرا كم، وبذلت وسعى في توضيح طريقى الخير والشر فلم تستجيبوا لي - وكان الواجب أن تسمعوا قولى وتقبلوا نصحى. فحقت عليكم كلمة العذاب - بما قدمتم - فكيف أحزن على هلاك قوم بالغوا في الكفر، وأصروا عليه، واستكبروا استكبارًا، لن يكون ذلك مني.

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)}. المفردات: {بِالْبَأْسَاءِ}: بالبؤس وشدة الفقر. {وَالضَّرَّاءِ} الضراءُ المرض. {السَّيِّئَةِ}: هي كل ما يسوء. {الْحَسَنَةَ}: كل ما يستحسنه العقل والطبع. {عَفَوْا}: أَي كثروا عددًا ومالًا. يقال عفا النبات إذا كثر. {مَسَّ آبَاءَنَا}: أَي: أَصاب آباءَنا. {بَغْتَةً}: فجأة. التفسير 94 - {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ... } الآية: بعد أَن بين القرآن الكريم - فيما سبق - أَحوال الأُمم مع أنبيائهم وذكر منا حل بهم من الهلاك والدمار جزاء تكذيبهم. انتقل في هذه الآية إلى بيان سنة الله - تعالى - في إنذار المكذبين من الأُمم قبل إِهلاكهم: والمعنى: وما أَرسلنا في قرية من القرى المهلكة أىَّ نبى من أَنبيائنا يدعو أَهلها إِلى عبادة الله - تعالى - فكذبوه وآذوه. إلا أَصبناهم قبل إهلاكهم بالشدة والضرر،

كإصابتهم بالمرض ونقص الأَموال والأنفس والثمرات - إِنذارًا لهم - {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}: أَي ابتلاهم الله بذلك رجاء أن يلجأُوا إِليه - سبحانه - طالبين كشف البلاءِ ويتذللوا له، ويخلعوا عن أنفسهم أَردية العتو والاستكبار فيؤمنوا باللهِ ربهم ولا يشركوا به أَحدا. ويجب أَن نلاحظ أَمرين: 1 - أَن إِصابتهم بنحو الفقر والمرض لم تترتب على مجرد الإرسال. بل على تكذيب المرسلين، بعد أَن بذلوا غاية الجهد في إِبلاغ ما أُرسلوا به. 2 - أن تكذِيب الأُمم للرسل مستتبع لنزول البلاء بهم بسبب عتوهم واستكبارهم. وكما أنذر الله المكذبين بالفقر والمرض تارة. كذلك ابتلاهم وامتحنهم بالسعة والصحة مكانهما تارة أُخرى. يدل لذلك قوله تعالى: 95 - {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا}: أَي: ثم أَعطينا أُولئك المكذبين المُصِرِّين على الكفر، مكان ما ساءهم من البأْساء والضراء، أَعطيناهم مكان ذلك السلامة والرخاء. كما قال تعالى: "وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون" واستمر عطاوُّنا لهم حتى كثر مالهم وزاد عددهم فأَبطرتهم النعمة وأَطغتهم الكثرة ولم يشكروها. {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ}: أي وقالوا جحودا للنعمة وكفرانا بالإِحسان بعد البأساء والضراء، وإعراضا عن العظة بنزول البلاءِ ورفعه بالنعماءِ: قد أصاب آباءنا من قبلنا البأْساءُ والنعماءُ ولسنا بدعا منهم فما أَصابنا على نمط ما أَصابهم، وهذا شأْن الدهر يداول السراء والضراء بين الناس فليس ذلك إنذارًا لنا. {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: أَي: فأَهلكناهم إثر ذلك أشد الإِهلاك وأقطعَه فجأَة، والحال أنهم لا يحسون أَدنى إِحساس بما سيلحقهم، ودون أَن يفكروا في أن شيئًا من المكاره سيحيق بهم، ليكون ذلك حسرة في قلوبهم وعبرة لغيرهم، كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً

فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} فينبغى لكل عاقل أن لا يغتر بالنعماء، وهو مقيم على معصية الله {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)}. المفردات: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}: أَي ليسرنا لهم الخير من كل جانب. {بَيَاتًا}: أي وقت بياتهم. {ضُحًى}: أَي ضحوة النهار وهى أَوله. {مَكْرَ اللَّهِ}: المراد بمكره تعالى إهلاكه لهم من حيث لا يحتسبون. {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ}: أفلم يصنع الهداية لهم. {يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا}: يخلفون من مضى قبلهم من الأُمم المهلكة.

التفسير 96 - {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .. } الآية: بعد أَنْ بَيَّنَ القُرآنُ الكرِيمُ، عاقبة المُكَذِّبين، جَاءتْ هَذِه الآية وَمَا تَلاهَا لتنْعَى على المكذبين من أَهل مكة ومن كان قبلهم وتوبخهم على إِصرارهم على الكفر إذ كان سببًا في إهلاكهم وحرمانهم من الخير. أَي: ولو أَن كفار مكة والذين أُهلكوا قبلهم بسبب تكذيبهم آمنوا باللُه وبما أَنزله من الشرائع على أَنبيائهم، واعتبروا بما أَصابهم من الضراء والسراء قبل إِهلاكهم، وجعلوا بينهم وبين الكفر والمعاصي وقاية بامتثال أَوامر الله واجتناب نواهيه، ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}: أي ليسَّرْنا لهم سبل الخيرات الكثيرة والأَرزاق الوفيرة ووسعناها عليهم من كل باب فأَنرلنا عليهم من السماء ماء مباركًا فأَنبت الزرع وأَدرَّ الضرع وأَخرجنا لهم الكثير من كنوز الأَرض وذللنا لهم ما على ظهرها من الدواب والأنعام {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ}. {وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: أَي ولكن كذبوا الرسل واستمروا على الكفر والقبائح، ولم يؤمنوا ولم يعتبروا بما أَصابهم فعاقبناهم جزاء ما قدمت أيديهم وَعِبْرَة لغَيرهمْ، وَمِن ذلكَ مَا أصَابَ قُرَيْشًا مِنَ الجَدب وَالْقَحْط بَعْدَ هِجْرَة النَّبِي - صَلى الله عليه وسلم - عنهم، لإِصرارهم على الكفر فلما آمنوا فتح الله عليهم بركات من السماء والأرض وقد عبر الله تعالى عن إِفاضة النعم والبركات علي من يؤمن بالأَنبياءِ بقوله: (فتحنا) للإِيذان بأَنها ميسرة وكثيرة كأَنها تتدفق عليهم من أبواب مفتحة. وفي سياق الحديث عن تقريع المكذبين من أَهل القرى يقول الله تعالى: 97 - {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ}: أي أَغفل أَهل القُرَى عَمَّا في الإنْذَار بِالبَأْسَاءِ والضرَّاء مِنَ العِبْرة وما يليه مِنَ الأخْذ وَالإهْلاَك، فأمِنُوا أَنْ ينزلَ عليهم عذابُنا وقت بياتهم في منازلهم وهم غارقون في النوم؟

وأهل القرى كما تقدم - يعلم كفار مكة ومن حولها، والمكذبين للرسل من الأُمم قبلهم، فتكون غفلة كفار مكة عدم اعتبارهم بإنذار من قبلهم ثم إِهلاكهم إنْ أصرُّوا، وغفلة المكذبين من قبلهم عدم اعتبار كل أُمة بإنذار من قبلها ثم إهلاكهم، أَو عدم اعتبار الأُمة الواحدة بإنذار الله لها بالبأْساء والضراء قبل إِهلاكها كما جرت سنة الله في إهلاك المكذبين. ويقول الله تعالى في سياق توبيخهم: 98 - {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}: أَي أَغفل أَهل القرى عما في إِنذار المكذبين ثم إهلاكهم من عظة وعبرة وأَمنوا أَن ينزل عليهم عذابنا في صدر النهار وقت الضحى عند انتشار ضوءِ الشمس إِذا ارتفعت {وَهُمْ يَلْعَبُونَ}: أي وحالهم أنهم يلهون ويشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون لشدة غفلتهم. وجاءت الآية بأْسلوب التوبيخ كسابقتها للمبالغة في التقريع والتشديد. والمراد استنكار أن يأْمن أهْل القرى نزول العذاب عليهم ليلًا أو في أَول النهار، وتقريرًا للاستنكار السابق قال تعالى: 99 - {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}: أَي أَجهلوا سنة الله في خَلْقِه فأمِنُوا استدرَاجه إِيَّاهُمْ بإِغدَاق نِعَمِه عَلَيْهِم، وَأخْذه لَهُم فَجأةً من حيث لا يحتسبون؟ إِن هذا لمنكر وعجيب. لأَنه لا يأْمن نزول الهلاك إِلا الذين خسروا أنفسهم بالكفر. وأضاعوا فطرة اللهِ التي فطر الناس عليها بترك النظر والاعتبار: وإشباعًا لاستنكار كفر المكذبين يعقب الله ما تقدم بقوله: 100 - {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}: أَي أَو لم يجلب الهداية للكافرين الذين يرثون الأَرض من بعد إهلاك أَهلها، أن الشأْن لدينا لو نشاءُ لأصبناهم بالعذاب بسبب ذنوبهم، كما أَصبنا مِنْ قبلهم الذين ورثوهم الأَرض بعد هلاكهم بسبب ذنوبهم، فشأْننا في الوارثين هو شأْننا في الموروثين إذا كانوا على سنتهم، والمراد بالوارثين كل من كفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.

وكذَّب دعوته {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}: أَي ونحن نحكم إغلاق قلوبهم دون الخير بسبب إِساءتهم لأَنفسهم باختيار الكفر والضلال فهم لا يسمعون إِنذارا ولا يتدبرون إِرشادًا ولا يعتبرون بهلاك السابقين. {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)}. المفردات: {بِالْبَيِّنَاتِ}: أَي بالمعجزات الواضحة الدلالة. {وَمَا وَجَدْنَا}: أي وما علمنا. {مِنْ عَهْدٍ}: أَي من وفاءٍ بعهد. والمراد ما عهد الله إليهم من الإيمان والتقوى. {وَإِنْ وَجَدْنَا}: إِن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأْق، والتقدير: وإِنه وجدنا أي وإِن الشأْن وجدنا. {لَفَاسِقِينَ}: أَي لخارجين عن الإِيمان والطاعة. التفسير 101 - {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}: أي تلك القرى المهلكة سبب بلوغ أَهلها غاية العتو والاستكبار. نذكر لك يا محمد من أخبارها وأخبار أهلها ما فيه تسلية وعبرة لمن أَرسلك الله إِليهم. وحسبكم في الدلالة على صدقها، ما نقل

إِليكم أَباؤُكم من أَنبائها، وما ترونه من آثار تدميرها، وما تسمعونه من أَهل الكتاب عنها {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. على حين أَن نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم -، أَولى بالتصديق من أهل الذكر، فهو المؤَيد بالمعجزات الباهرات، وهو الصادق الأمين. {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ}: أي وتالله لقد جاء كل أُمة من تلك الأُمم التي خلت، رسولُها الذي بعثه الله إِليها بالمعجزة الخاصة به الواضحة الدلالة على صدقِ رسالته الموجبة للإيمان على ما قضَت به حكمته تعالى: {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ}: أي فما حدث لأُمة من تلك الأُمم الضالة الرجوع عمَّا هم عليه من كفر وضلال إلى هداية الرسل وإرشادهم، بل استمرُّوا على التكذيب وعَدم الإِيمان طول حياتهم ولم تغنهم الآيات والنذر، لكمال عتوهم وشدة طغيانهم، فاستحقوا بذلك ما نزل بهم من العذاب. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}: أي مثل هذا الختم الذي أغلقَ الله به قلوب هؤلاءِ السابقين بسبب اختيارهم الكفر على الإِيمان يختم الله على قلوب جميع الكافرين، ويجعل عليها سدًّا يغلقها. فلا يسمعون نصحًا ولا يبصرون حقًا، ولا تلين قلوبهم. إذ تركوا الحق واتبعوا الباطل واختاروا طريق الفساد. ثم أضاف القرآن إلى ما تقدم شيئًا مِن سوء سلوكهم فقال تعالى: 102 - {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}: أي وما علمنا لأَكثر الأُمم إلتى مضت من عهد (¬1) - أَي رعاية لحرمة - وإن الشأْن معهم أنا وجدنا أَكثرهم فاسقين خارجين عن القيم الخلُقية والدينية، وما آمن وأَصلح منهم إلا قليل. ¬

_ (¬1) من جملة معانى العهد رعاية الحرمة، وهذا المعنى هو المناسب لقوله تعالى في ختام الآية: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) راجع المادة في القاموس.

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)}. المفردات: {مَلَئِهِ}: الملأُ رؤَساءُ القوم. التفسير 1030 - {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا ... } الآية: أَي: ثم أَرسلنا من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب الذين تقدمت أَخبارهم أَرسلنا بعدهم - موسى - بآياتنا. أَي: بمعجزاتنا التسع الدالة على صدقه رسالته، وهي العصا تنقلب حية واليد تخرج من جيبه بيضاء، والسنون المجدبة ونقص الأنفس والثمرات، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وطمس الأموال (¬1). {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}: أَي إلى ملك مصر ورؤَساء قومه ووجهائهم. وخصوا بالذكر مع أَن رسالته لفرعون وقومه أَجمعين. لأَنهم يقومون بتدبير الأُمور، وغيرهم تبع لهم. {فَظَلَمُوا بِهَا}: أَي فكفروا بهذه الآيات وكانوا بهذا الكفر ظالمين، لأَنها واضحة الدلالة على صحة رسالة موسى عليه السلام، ولم يؤمنوا بها. أو المعنى: فظلموا أنفسهم إذ عرضوها للهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة بسبب تكذيبهم بهذه الآيات، وظلموا غيرهم بمنعهم من الدخول في دين الله. ¬

_ (¬1) هذه الآيات ستذكر في هذه السورة، عَدا طمس الأموال، فهو مذكور في سورة يونس في قوله تعالى: "ربنا اطمس على أموالهم".

{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}: أي فتأمل بفكرك مآل هؤلاء الذين أفسدوا في الأَرض بالشرك وقتل الأَنفس البريئة وتعذيب الضعفاء وسلب الأَموال، لا شك في أن مآلهم لا تحيط العقول بأَهواله وشدته. فقد أَغرقهم الله جميعًا بمرأَى من موسى ومن معه وتلك عاقبة الظالمين. {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)}. المفردات: {جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ}: جئتكم بآيات وِاضحة الدلالة على نبوتى. التفسير 104 - {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: لما أجمل القرآن آيات موسى عليه السلام في قوله سابقًا: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا} شرع يفصل تلك الآيات في هذه الآية. والمعنى: قال موسى مخاطبًا فرعون: - يا فرعون - إني رسول من عند رب العالمين خالق كل شيء ومربيه ومتعهده، أرسلنى لأُبلغك الحق الذي جئت به. 105 - {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}: أَي إن رسول من رب العالمين محقق الرسالة ثابِتها، ورسالتى قائمة على أن لا أَقول على الله إلا الحق، أَو حقيق بمعنى حريص أي: حريص على أن لا أَقول على الله غير الحق والصدق فلا إِهمال ولا تفريط. أو المعنى: جدير بأن لا أَقول على الله إِلا الحق فتكون (على) في قوله تعالى: {عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ} ... إلخ. بمعنى الباءِ إذ أَن كلا منهما يأْتى مكان الآخر.

{قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}: أَي قد جئتكم بآيات بينة واضحة الدلالة على صدق رسالتى من عند خالقكم ومربيكم الرحيم بكم فكانت صادقة لذلك. {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}: أَي فخل يا فرعون أَمر بني إِسرائيل وأَطلق سراحهم ولا تعترض طريقهم وأَخرجهم من دائرة قهرك واتركهم أَحرارًا يعبدون الله وحده ولا تعذبهم. {قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)}. المفردات: {ثُعْبَانٌ}: هو الذكر من الحيات. {مُبِينٌ}: بَيِّنٌ ظاهرَ لا يشك أَحد في أَنه ثعبان. {وَنَزَعَ يَدَهُ}: أَي وأَخرج يده من جيبه. {بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} أي: بيضاء بياضًا خارجًا عن العادة يجتمع الناس عليه لينظروه تعجبًا من شدته. التفسير 106 - {قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}: أي قال فرعون لموسى حين قال له ما قال: إِن كنت يا موسى جئت بمعجزة واضحة الدلالة من عند إلهك الذي أَرسلك كما تدعى {فَأْتِ بِهَا}: أَي فأَحضرها وأَظهرها لنا، إِن كنت في دعواك الرسالة من جملة الصادقين وفي عدادهم.

107 - {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ}: أَي فأَلقى موسى عصاه على الأرض فور طلب فرعون ففاجأَتهم بكونها ثعبانًا عظيم الجثة مفزعًا لا يشك أَحد في أَنه ثعبان يسعى ويتحرك حقيقة لا متخيلا كما في سحرهم، وذلك لظهور أَمره ووضوح شأْنه. وتلك هي الآية الأُولى المؤيدة لصدقه، ثم بيَّن القرآن الكريم الآية الثانية بقوله: 108 - {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ}: أَي وأَخرج موسى يده من جيبه بعد أَن أَدخلها فيه أَمامهم على لونها الأَصلى فإِذا هي بعد إخراجها منه قد تغيرت على الفور من لونها الأَسمر إِلى لون أَبيض خارج عن العادة، جعل الناس ينظرون إليها وتتعجبون من أَمرها. {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)}. المفردات: {لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}: لساحر ماهر عظيم العلم في سحره يأْتى بأَفعال عجيبة. {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ}: أَي أرجئهما وأَخرهما لننظر في أَمرهما. {الْمَدَائِنِ}: أَي المدن حيث يوجد السحرة. {حَاشِرِينَ}: جامعين. التفسير 109 - {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}: أَي قال الرُّؤساء أصحاب الرأْى من قوم فرعون حينما جاءهم موسى بالآية التي طلبها فرعون - قالوا - فزعًا وخوفًا ومجاراة لفرعون: إِن هذا الذي يدعى أَنه رسول رب العالمين لساحر ماهر في سحره بلغ الغاية في إتقانه.

110 - {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}: صَدْرُ هذه الآية من جملة حديث الملأ لفرعون، أَي وقالوا له أيضًا: يريْد موسى الساحر الماهر أَن يخرجكم من أَرضكم - مصر - بسحره العظيم، لينتزع ملكها من أَيديكم، ويرثها من بعدكم {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}: أَي قال فرعون بعد أن سمع مقالة أَصحاب الرأَى من قومه فبأَى أَمر تأَمرون وبأَى رأْي تشيرون في شأن موسى؟ 111 - {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ}: أَي قال أَصحاب الرأْى - إِبداء للمشورة التي طلبها فرعون منهم أَخر القضاء في أَمرهما حتى يتضح للناس أَنهما ساحران حين ظهر عليه بسحرنا، وأَشاروا عليه بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ}: أَي وابعث في مدائن مصر وقراها رجالا يجمعون السحرة من حيث يوجدون ويحضرونهم إِليك كما قال تعالى: 112 - {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}: أَي: يجيئوك بكل ساحر ماهر بلغ الغاية في إتقانه علم السحر. {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)}. التفسير 113 - {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}: تحكى هذه الآية أَن فرعون عمل بمشورة ملئه، فاستدعى السحرة من المدائن، فجاءُوه وقالوا له: {إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}: أي هل يكون لنا أجرٌ مؤَكد، إن تحققت لنا الغلبة بسحرنا على موسى يريدون بسؤَاَلهم هذا أَن يتحققوا من أَن لهم أجرًا على سحرهم إِن غلبوا، حتى يبذلوا الجهد الموصل إلى تلك الغاية بزعمهم، والاستفهام في الآية ملاحظ، وقرىء:

{أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا}: بإِظهار همزة الاستفهام، وقد أَجابهم فرعون على استفهامهم هذا بما يطمئنهم على أَن لهم أَجرًا مؤَكدًا، وذلك فيما حكاه الله بقوله: 114 - {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}: أَي قال فرعون استجابة لهم: نعم لكم ما طلبتموه من الأَجر، وإِن لكم عندي زيادة على ذلك المكان القريب والمنزلة الرفيعة، فلا أَقف في تكريمكم عند إِعظام أَجركم وإِغداق المال عليكم. وإِنما أَعلمهم بالأَجر والزلفى عنده قبل أَن يباشروا سحرهم، تحريضًا لهم على بذل الوسع في عمل السحر عند التقائهم بموسى - عليه السلام -. {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)}. المفردات: {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}: بالغوا في إِرهابهم وتخويفهم. التفسير 115 - {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}: أَي قال السحرة عند مواجهتهم لموسى في ساحة التحدى: يا موسى إما أَن تلقى عصاك التي تنقلب حية قبلنا، وإِما أَن نكون نحن الذين نلقى حبالنا التي تنقلب أَفاعى قبل إِلقائك، وكان هذا التخيير في البدءِ، ناشئًا عن ثقتهم بالغلبة، سواء أَتأَخروا عنه أَم تقدموا عليه فكأَنهم قالوا: إِن أَمرك لا يهمنا فالغلبة لنا عليه، سواء أَبدأت أَم كنا نحن البادئين. 116 - {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}: أَي: قال لهم موسى عليه السلام - استهانة بشأْنهم ووثوقًا بتأْييد الله - تعالى - له

{أَلْقَوْا}: أَي ابدأَوا بإِلقاء ما تريدون إلقاءَه فسترون ما يحل بكم من افتضاح أَمركم وظهور كذبكم وتمويهكم. {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}: أَي فلما أَلقى السحرة ما عندهم من حبال وعصى صرفوا أَعين الناس عن إِدراك حقيقة هذه الأَشياءِ لكثرة ما أَتوا من أُمور عجيبة وتمويهات كثيرة أَثرت على الناس تأَثيرًا نفسيا بالغًا فخفيت عليهم الحقائق حتى خيل لهم مالًا حقيقة له كأَنه حقيقة، وأَرهبوهم بذلك إِرهابًا شديدًا وملأُوا قلوبهم رعبًا وخوفًا. {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} أَي: وأَتوا في باب السحر بأَنواع كثيرة وأَعمال عجيبة خيل للناظرين أَنها حقائق ثابتة: وليست كذلك فكان سحرهم عظيمًا عندهم لا في واقع الأمر. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)}. المفردات: {تَلْقَفُ}: أَي تأْخذ وتبتلع بسرعة. {مَا يَأْفِكُونَ}: ما يكذبون ويموهون الحقائق بقلبها - والإِفك في الأَصل قلب الشىء عن وجهه ومنه قبل للكذاب أَفاك لأَنه يقلب الكلام عن وجهه الحق إِلى الباطل. {فَوَقَعَ الْحَقُّ}: ثبت وظهر. {وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: ظهر بطلان السحر الذي كانوا يعملونه. {وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ}: وعادوا من مبارزة موسى مستسلمين وصاروا أَذلاء.

التفسير 117 - {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}: أَي: وبعد أَن أَلقى السحرة حبالهم وعصيهم، وجاءُوا بأَنواع كثيرة من السحر البارع الذي سحروا به أَعين الناس، وخيل، لهم ما خيل، وأَرهبوهم إِرهابًا شديدا. بعد ذلك أَمر الله - تعالى - موسى - عليه السلام - بطريق الوحى تقوية لعزمه، وتسكينًا لروحه وإِذهابا للخوف عنه - أَمره - أَن يلقى عصاه فأَلقاها. {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}: أَي فإِذا هي حية عظيمة. تلتقم وتبتلع في سرعة فائقة عجيبة ومخيفة ما قلبوه واختلقوه من السحر. 118 - {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَي فثبت وظهر بهذا أَن آيات الله لا تقف دونها الأَباطيل، وأَن موسى رسول رب العالمين، الذي أَعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، بعثه الله إِلى فرعون بالحق المبين، وبطل بهذا التأْييد من الله ما كان يعمله الساحرون. 119 - {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ}: أَي فانهزم هؤلاء السحرة أَمام صدق موسى - عليه السلام - ومعجزته الواضحة التي جاء بها في المكان الذي وقع فيه بحضرة بحضرة تلك الحشود الكثيرة التي جمعها فرعون لشهود ما يجرى بين موسى - عليه السلام - وعلماء السحر يوم الزينة وقت الضحى، ورجع أولئك السحرة صاغرين أَذلاء لهزيمتهم، بعد ما كانوا يزعمون أَنهم هم الغالبون. 120 - {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}: أَي فخر السحرة وقوعًا على وجوههم بقوة - كأَنما أُلقوا من علو ساجدين لله رهبة وخشوعًا، مؤمنين برب موسى مصدقين برسالته حينما وضح الحق لهم، كما قال تعالى - حكاية عنهم. 122،121 - {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}:

: أَي وبعد أن تيقنوا أَن ما شاهدوه من أَن أَمر عصا موسى لا يمكن أَن يجىء من السحر. قالوا آمنا وصدقنا برب جميع المخلوقات ومبدع الكائنات وهو رب موسى وهارون الذي بعثهما إِلى فرعون وملئه بالقول اللين والحجة الواضحة وجاءَ تصديقهم غير مقتصر على ذكر وصفه تعالى بأَنه رب العالمين - بل ذكروا أَيضًا فيه - رب موسى وهارون دفعًا لتوهم أَنهم أَرادوا - فرعون - إذ حكى القرآن عنه قوله لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (¬1). كما لم يكتفوا بذكر {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} خَشية أَن يتوهم معاند: أَن لموسى وهارون ربًّا سوى رب العالمين. {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)}. التفسير 123 - {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}: أي: قال فرعون حينما آمن السحرة بموسى وصدقوا برسالته - قال - موبخا لهم ومهدِّدًا، أَقدمتم أَيها السحرة على التصديق بموسى والإِيمان بالإِله الذي دعاكم إِلى عبادته وتوحيده - أَقدمتم على ذلك بغير إِباحة مني وبدون رضاى فلسوف ترون ما أنزله بكم من العقاب الذي لا طاقة لكم به. وكلام فرعون للسحرة يحتمل الإِخبار ويحتمل الاستفهام التوبيخى على جرأَتهم على الإِيمان به قبل أَن يأْذن لهم، تمهيدًا لوعيده الآتى لهم، وعلى الاستفهام تقدر الهمزة قبل آمنتم، وحذف حرف الاستفهام معهود في لغة العرب. ¬

_ (¬1) سورة النازعات من الآية: 24

{إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا}: أَي إن إِيمانكم بموسى لم يقع منكم لوضوح حجته وصدق معجزته بل هو حيلة احتلتم بها وخديعة اتخذتموها بالاتفاق مع موسى في مدينة مصر لتخرجوا منها سكانها الأَصليين - القبط - فيزول ملكهم وتدول دولهم ويستقر لكم الأَمر من بعدهم. وقد قصد الطاغية بهذا الأُسلوب: أَن يلقى في أَسماع عامة القبط بشبهتين: الأُولى: أَن إِيمان السحرة كان بناءً على اتفاق سابق وتواطُؤ موسى. الثانية: أَن ذلك كان لإخراج أَهل مصر من ديارهم، وقصده تثبيت أَهل مصر على ما هم عليه من عبادته والخضوع له وإِذكاء نار عداوتهم لموسى وحقدهم عليه إِذ ليس أَشق على النفوس من مفارقة الأَديان، وترك الأَوطان. وبعد أَن أَلقى بهاتين الشبهتين توعد السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام فقال: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}: أَي فسوف تعلمون الأَهوال التي سأُنزلها بكم جزاءَ إِيمانكم بموسى وتواطئكم معه. وقد عَقَّب وعيده المجمل بتفصيله كما حكاه الله تعالى بقوله: 124 - {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ}: أَي لأَقطعن اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أَو بالعكس. {ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}: أَي ثم بعد تقطيع أَيديكم وأَرجلكم على الوجه المتقدم لأَربطنكم بالحبال على جذوع النخل، كما قال تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} (¬1). وغرض هذا الأَثيم من صلب السحرة بعد تقطيع أَطرافهم زيادة التنكيل بهم، وأَن يكونوا عبرة لغيرهم. ¬

_ (¬1) سورة طه الآية: 71

{قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)}. المفردات: {مُنْقَلِبُونَ}: راجعون. {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا}: أَفِضْهُ علينا وعُمَّنا به. التفسير 125 - {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ}: أَي: إِننا إِلى نعيم ربنا الدائم وثوابه الجزيل ورحمته الواسعة لصائرون إِذا نفذت فينا وعيدك. فعجل كى تتحقق أَحب الأَمانى إِلى قلوبنا أَلا وهي الفوز بلقاءِ ربنا. وهذا أَسمى ما ترقى إليه درجات الإِيمان والثبات على الحق. أَو المعنى: إِننا جميعًا إِلى جزاءِ ربنا لراجعون بالموت لا محالة بأَى سبب سواء أكان بطريقتك أَم بغيرها، فلن يزيدنا هذا التهديد إِلا إيمانًا. أَو المراد: إِننا جميعًا نحن وأَنت إِلى حساب ربنا لراجعون بالموت فمصيرنا ومصيرك إِليه تعالى. فيحكم بيننا بالحق وهو خير الحاكمين. 126 - {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا}: أَي وما تنكر منا وما تعيب علينا أَمرا من الأُمور وفعلا من الأَفعال سوى إيماننا بربنا - وهو الحق - وتصديقنا بآياته البينات حينما جاءَتنا واضحة هادية إِلى الخير على يد موسى - عليه السلام - فصدقنا بها وآمنا برب العالمين رب موسى وهارون. والإِيمان باللهِ خير الأَعمال وأَساس كل سعادة، وأَصل المفاخر، فلا نَعدِلُ عنه أَبدًا، طلبًا لمرضاتك يا فرعون ورغبة في رحمتك، أو خوفًا من عقابك.

وتقريرًا لما في قلوبهم من قوة الثبات على ما قالوه رغبوا عن خطاب فرعون ولجأُوا إلى الله يطلبون منه صبرًا جميلًا، وثباتًا على الإسلام إِذ قالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}: أَي: يا ربنا أَفِضْ علينا صبرًا عظيما صادقًا يغمرنا كما يغمر الماء الذي يصب بغزارة ما ينزل عليه - صبرًا - يكون عونًا لنا على تحمل الشدائد عند تنفيذ وعيد فرعون كى لا نعود بعد الإيمان كفارًا، وأَمِتْنا ثابتين على الإِسلام غير مفتونين بوعيد فرعون. {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)}. المفردات: {أَتَذَرُ مُوسَى}: أَي أَتترك موسى. {وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}: ونستبقى نساءهم أَحياءً. التفسير 127 - {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}: أَي وقال أَصحاب الرأْى من قوم فرعون حين شاهدوا صدق موسى وغلبته وإِيمان السحرة به وظهور أَمره. قالوا يحرضون فرعون على إيذاء موسى ويشيرون عليه بمطاردته. والتخلص منه ومن أَتباعه: أتترك موسى وقومه أَحرارًا آمنين يعيثون في أَرض مصر فسادًا يصرفون الناس عن اتباعك ويحولونهم عن عبادتك. ويترك هو تعظيمك وتعظيم آلهتك التي شرعت لهم عبادتها، وجعلت نفسك الإِله الأَكبر لهم. كما حكاه القرآن عنه في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (¬1) إن هذا لا ينبغى أَن يكون كما زعموا. ¬

_ (¬1) سورة النازعات، من الآية: 24

وأُضيفت الآلهة إِلى فرعون لأَنه الآمر بعبادتها لتقربهم إِليه. ويجوز أَن تكون له آلهة كان يعبدها مثل الشمس والكواكب، فأُضيفت إليه آلهته، إِضاقة المعبود للعابد، وأَما قوله تعالى حكاية عنه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} فيحملان على أَنه كان يؤله نفسه زاعمًا أَنه يمثل الآلهة السماوية، وأَنه بذلك يكون إِلههم الأَعلى من البشر، وأَنه لا يعلم لهم إِلها يستحق أَن يعبد سواه، لأَنه يمثل الآلههَ، ومثل هذا الاعتقاد موجود في اليابان، حيث يزعم الإِمبراطور أَنه يمثل الآلهة، ولذلك يعبده قومه الذين هم على مذهبه، وبعد أَن استعدى الملأُ فرعون على موسى وقومه بني إِسرائيل أَجابهم بقوله: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}: أَي: قال فرعون للملأ من قومه تهديدًا لقوم موسى سنعيد سيرتنا الأُولى معهم فنفعل بهم ما كنا نفعله من قبل فنقتل الذكور عند ولادتهم ونستبقى النساء أَحياء ليزدادوا بهن ضعفا، وليعلم موسى ومن معه أَننا ما زلنا الأقوياء الغالبين، وأَنهم ما زالوا الأَذلاء المقهورين كما قال تعالى: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}: أَي وإِننا مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان لم يتغير لنا حال ولم يتبدل لنا نظام. {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)}. التفسير 128 - {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا}:

لما سمع أَتباع موسى عليه السلام، وعيد فرعون وتهديده الذي مر بيانه، ملأ الخوف والفزع قلوبهم فدعاهم إِلى الاستعانة بالله وأَمرهم بالصبر ووعدهم النصر كما حكاه القرآن الكريم في هذه الآية. والمعنى: قال موسى - عليه السلام - للمؤمنين به تثبيتًا لقلوبهم وتسلية لهم اطلبوا العون من الله فإِنه وحده القادر على إهلاك أَعدائكم الطغاة الظالمين، واثبتوا على الإِيمان والطاعة واصبروا على أذى فرعون وقومه ولا تجزعوا. {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}: أي: اصبروا ولا تجزعوا لأَن الأَرض ملك خالص لله وحده وفي قبضته. يمنح الحكم فيها من يشاء من عباده، فلا تجزعوا لوعيده، فسوف ينجيكم الله بنزع الملك منه، وتوريث الأَرض لمن يشاء توريثه إِياها من عباده، والعاقبة الحميدة لمن يتقى الله. وستكون لكم هذه العاقبة بالنجاة، وسيأْتى الحديث عن عاقبتهم. وفي حزن عميق ومسكنة شديدة رد بنو إسرائيل على موسى فيما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: 129 - {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}: أَي قال بنو إسرائيل لموسى - عليه السلام - أُوذينا من فرعون وقومه من قبل أَن تأْتينا برسالتك - أُوذينا - بقتل أَبنائنا وبسائر انواع العذاب والاضطهاد، وأُوذينا من بعد ما جئتنا رسولا بكل أَلوان الظلم والجور والاستعباد مع توعده لنا بمزيد من قتل الأَبناء واستبقاءِ النساءِ أَحياء مبالغة في إِذلالنا، ونكاية فيك يا موسى. {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ}: أَي قال موسى - عليه السلام - لبنى إسرائيل تسلية لهم وتطييبًا لقلوبهم، وبعثًا للأَمل في نفوسهم: عسى ربكم أَن يدمر عدوكم الذي أَذاقكم العذاب أَلوانا بالقتل والعسف

والجور، ويجعلكم خلفاء في أَرض مصر ولعل هذا الوعد الكريم يشير إلى حكمهم لمصر في عهد يوسف عليه السلام (¬1). {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}: أَى فيرى ربكم كيف تعملون في عبادته ومعاملة خلقه حين تحكمون مصر، أَتتبعون سبيل الرشاد فتنجوا وتسعدوا؟ أَم تسلكون سبيل الغى والفساد فتؤاخذوا. ثم بدأَ الله تعالى يحدثنا عن النذر التي سبقت عقابه لفرعون وآله بالإِغراق في اليم وهو مُليم فقال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)}. المفردات: {بِالسِّنِينَ}: السنون جمع سنة والمراد بها هنا القحط والجدب، يقال أصابتهم سنة أي جَدْبٌ. {الْحَسَنَةُ}: كل خير والأَقرب هنا السعة والخصب. {سَيِّئَةٌ}: السيئة كل ما يسوء والأَقرب هنا الجدب والقحط. {يَطَّيَّرُوا}: يتشاءموا. {طَائِرُكُمْ}: يطلق الطائر على الحظ والنصيب والعمل والرزق. ¬

_ (¬1) أو لعله يشير إلى حكهم سابقا في أرض فلسطين، فقد كانوا فيها خلفاء لمن قبلهم، فيكونون قد وعدوا بإهلاك عدوهم، وبإبدالهم من بعد العبودية في مصر، ولاية الحكم في فلسطين، وصدْق هذا الوعد أو ذاك يتحقق ولو بمرة، وقد أزال الله دولتهم لبغيهم، وقطعهم في الأرض أمما، فخسروا استحقاقهم الوعد بميراثهم الأرض. واحتمال ميراثهم حكم فلسطين - مؤقتا - هو الأقرب إلى قوله تعالى "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون" وسيأتي قريبا الكلام عليها.

التفسير 130 - {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}: أي والله لقد أَصبنا فرعون وقومه بالقحط الشديد والجدُوب المتراكمة. وأَنقصنا من ثمرات زروعهم وبساتينهم بتسليط الآفات والأَمراض التي فتكت بأَكثرها لعلهم يتعظون ويتدبرون في أمرهم. فيعلموا أَن ما نزل بهم إِنما هو بسبب كفرهم وطغيانهم فيرجعوا عما هم عليه من العتو والفساد، ويؤمنوا بالله الواحد القهار، فإِن الشدة ترقق القلوب، وترَغِّب فيما عند الله - تعالى - وتفتح أَبواب الضراعة إِليه. كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} (¬1) ولكنهم لم يتعظوا وظلوا في طغيانهم يعمهون. 131 - {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ}: أَي: فإِذا جاءَت هؤلاءِ المكذبين بموسى السعة وأَثمرت أَراضيهم وتوالت عليهم الخيرات قالوا هذا حق لنا قد جاءَ لأَجلنا، أَصابنا عن استحقاق له وجدارة به، ينكرون بذلك إِنعام الله عليهم وإِحسانه إِليهم. {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ}: أَي: وإِن تنزل بهم الخطوب والأَمراض، ويحل بهم الجدب والقحط يتشاءَموا بموسى ومن معه، وينسبوا ذلك إِليهم، ويقولوا ما حلت بنا الكوارث، وما أَصابتنا النوازل إلا بشؤم موسى ومن معه. وذلك لقسوة قلوبهم وتركهم التدبر في الآيات والنذر. {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ}: أَي أَلا إن ما قدر لهم من الخير والسعة، وما أَصابهم من السوءِ والبلاءِ، إِنما هو من عند الله وبتقديره، وليس شرهم بسبب موسى وقومه، ولا خيرهم باستحقاقهم، وكل من الشر والخير ابتلاءٌ من الله تعالى لعباده، {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: أَي ولكن أَكثر هؤلاءِ الطغاة الجبارين جهلاء لا يعلمون أن ما حل بهم من الشدائد والنوازل ما هو إِلا بلاءٌ من عند الله وحده بسبب ذنوبهم واستعلائهم في الأَرض بغير الحق ليزدجروا، لا بسبب موسى ومن معه. وما أَصابهم من الخير ما هو إلا فتنة لعلهم يتذكرون ربهم فيشكرون. ¬

_ (¬1) سورة فصلت، من الآية: 51

وقد صدرت جملة - ألا إِنما طائرهم - بأَلا التي للتنبيه لإِظهار كمال عناية القرآن الكريم بردّ قولهم الباطل وزعمهم الفاسد. وأَصل التطيُّر من الطِّيرَة، وقد كانوا إذا أَرادوا سفرًا أو فعل أَي شيءٍ أَثاروا الطير. فإِن اتجه يمينًا تفاءَلوا وأَقدموا على ما أَرادوا سفرًا كان أم غيره. وإِن اتجه شمالًا تشاءَموا وقعدوا. ثم كثر استعماله في معنى التشاؤم. وقد كانت العرب تتيامن بالسانح - وهو الذي يأْتى من جهة اليمين - وتتشاءَم بالبارح - وهو الذي يأْتى من جهة الشمال - وكانوا يتطيرون ويتفاءَلون بغير ذلك فسموا توقع الشر ممّا يزعمون تطيرًا، وسموا توقع الخير مما يزعمون تفاؤلًا، مع أَن كلًا من عند الله. وليس للطير وغيره دخل في قدر الله تعالى. {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)}. التفسير 132 - {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}: أَي وقال فرعون وآله بعد ما رأَوا من أَمر العصا والسنين ونقص الثمرات وعاينوا ما عاينوا ولم يعتبروا - قالوا بعد ذلك - أَىُّ آية تأْتينا بها يا موسى وإِن عظمت وكثرت لتسحر أَعينَنا بها وتموه عينا وتصرفنا عن ديننا فلسنا لك بمصدقين ولا برسالتك مؤمنين. {مَهْمَا}: اسم شرط، {تَأْتِنَا}: فعل الشرط، و {مِنْ آيَةٍ}: بيان وتفسير للضمير في {بِهِ} وجواب الشرط {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} - وسموا ما يأْتى به موسى آية - مجاراة لتسمية موسى مع قصد السخرية والاستهزاءِ.

{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)}. التفسير 133 - {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ ... } الآية: أَي: فعاقبنا فِرعون وقومة بأَنواع أُخرى من العقوبات لا أَصروا على الكفر ولم يعتبروا بما رأَوا من الآيات. وتلك العقوبات - هي: 1 - إفاضة الماء الكثير وتسليطه عليهم حتى أَحاط بهم وملأَ بيوتهم وغطَّى أَرضهم وزرعهم. فأَتلف الزروع ومنع الناس من حرث الأَرض والسير في الطرق لقضاءِ حوائجهم وتدبير شئون حياتهم. وسلط عليهم: 2 - الجراد الذي أَكل الزرع والغرس والثمار، وأَلحق بأَبواب بيوتهم وسقوفها التلف والدمار؛ وأَرسل عليهم: 3 - الْقمَّلَ أَيضًا فملأَ ثيابهم وأَجسامهم وشعورهم وعيونهم - وهو الْقَمْل المعروف - وكذلك أَرسل عليهم: 4 - الضفادع فملأَت المنازل والمضاجع والاَّطعمة - والأَشربة حتى أَقلقتهم وصاروا لا يطيقون الحياة معها. وأَيضًا أَصابهم: 5 - الدم الذي اختلط بالماءِ فصاروا لا يستسيغون شربه، أَو ابتلاهم بالرعاف، وكانت هذه الآيات مفصلات، أَي بيّنات واضحات الدلالة على أَنها عقوبات لهم على كفرهم وبغيهم لا يشتبه في ذلك عاقل، وقيل: إِن تفصيلها هو تفريقها في أَزمان مختلفة، لامتحان أَحوالهم. {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}: أَي: فاستكبر هؤلاءِ الطغاة عن الإِيمان بموجب آيات الله وصاروا باستكبارهم قومًا مبالغين في الكفر والعدوان ومصرّين عليهما.

{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)}. المفردات: {الرِّجْزُ}: العذاب. {يَنْكُثُونَ}: ينقضون العهد بعد توكيده وأَصل النكث فك الغزل ثم استعير لنقض العهد كما هنا. التفسير 134 - {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}: أَي ولما نزل بفرعون وقومه العذاب الشديد لجأُوا إِلى موسى يطلبون منه أَن يدعو لهم، ويتوسلون إِليه بالنبوة التي هي عهد الله عنده، أَو يطلبون منه الدعاءَ المستجاب الذي هو عهد الله عنده، ووعدوه إِن دعا لهم أَن يؤمنوا به، ويرسلوا معه بنى إِسرائيل، ليذهبوا معه حيث شاء. ثم بيّن القرآن الكريم أَنهم لم يوفُوا بعهدهم ولم يَبَرُّوا بقسمهم بعد أَن كشف الله عنهم ما نزل بهم من ضر، كما قال تعالى: 135 - {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ}: أَي فلما كشفنا عنهم ما نزل بهم من العذاب ورفعنا عنهم الضرَّ ورحمناهم بذلك إِجابة لدعاءِ موسى - عليه السلام - ونجيناهم إِلى وقت محدودٍ هم واصلون إِليه يعذبون بعده

بأَنواع المصائب، ثم يهلكون إِن لم يؤمنوا وفاءً بعهدهم لموسى فلما كشفنا عنهم العذاب المذكور، إِذا هم يسارعون إِلى نقض العهد الذي وثقوه على أَنفسهم بالقسم حين قالوا لموسى: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ} - إِذا هم ينقضون العهد - ويعودون إِلى اللجاج فيما كانوا فيه من التكذيب والطغيان من غير تدبر ولا تفكير. 136 - {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ في الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}: أَي فعاقبناهم بسبب نقض العهد وعودهم إِلى تكذيب الآيات وارتكاب المعاصي والآثام، وكان هذا الانتقام هو إِغراقهم في البحر بإِطباقه عليهم حين أَرادوا اللحاق بموسى وهو يعبره بقومه إِلى سيناءَ بعد أن انشق له بضربة من عصاه، ثم صرح القرآن بسبب إِغراقهم في قوله تعالى: {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}: أَي كان إِغراق الله لهم في البحر بسبب تكذيبهم بآيات الله التي ساقها إِليهم مفصلة، آية بعد أُخرى لعلهم يعقلون، ولكنهم كانوا عنها غافلين، فلم يتدبروا فيها، ونقضوا العهد الذي قطعوه على أَنفسهم بالإِيمان إِن كشف الله العذاب عنهم، وقد مرّ بيانه وهو عذاب الطوفان والجدب والجراد والقمل والضفادع والدم، وفي هذه القصة زجر للمكذبين بنبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - الجاحدين لآياته. {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)}. المفردات: {وَتَمَّتْ}: تحققت ومضت.

{كَلِمَتُ رَبِّكَ}: وعد ربك بالنصر. {الْحُسْنَى}: تأْنيث الأَحسن صفة للكلمة. التفسير 137 - {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}: أَي وبعد أَن أَغرق الله فرعون وقومه في البحر أَورث بني إِسرائيل الذين ظل فرعون زمنًا طويلا يطاردهم ويستذلهم ويستعبدهم ويذبح أَبناءهم، أَورثهم الأَرض التي عبروا البحر إِليها مع موسى ومكّن لهم بالتصرف في جوانبها الشرقية والغربية التي بارك الله فيها بالخصب وسعة الأَرزاق - مَكَّن لهم ووسع عليهم - بعد أَن أَذاقهم فرعون الهوان أَلوانًا، وهذا لطف عظيم من الله بهم وإِحسان جميل إِليهم. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا}: أَي وتحقق وعد الله - تعالى - الخالق الرزاق لبنى إِسرائيل بالنصر والتمكين في الأَرض. وهو ما جاءَ في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (¬1). وذلك بسبب صبرهم على إِيذاءِ فرعون لهم وتعذيبه إِياهم تنفيذًا لما أَوصاهم به موسى بقوله: {اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا}. {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}: أَي وأَهلكنا ما كان يشيده فرعون وقومه من القصور والصروح والعمارات، وما كانوا يهتمون بغرسه من البساتين والجنَّات. وتلك نهاية عادلة لطغيان فرعون واستعلائه في الأَرض بغير الحق وفيها إِنذار لكل من يسير على دربه. وفي الآية دعوة قوية إلى الصبر على البلاءِ. إِذْ كان صبرهم على الخطوب طريقًا إِلى تفريج الكروب. ¬

_ (¬1) سورة القصص الآية: 5

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)}. المفردات: {وَجَاوَزْنَا}: وعبرنا وقطعنا بهم البحر. {فَأَتَوْا}: مَرُّوا، {يَعْكُفُونَ}: يقيمون ويلازمون. {مُتَبَّرٌ}: هالك {وَبَاطِلٌ}: ومضمحل زائل. التفسير 138 - {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ .. } الآية. بعد أَن بين القرآن هلاك فرعون بطغيانه, وتحدث عن إِنجاءِ الله بنى إِسرائيل من ظلمه، وإِنعامه عليهم بنعم لم يعطها أُمة قبلهم - كانت تستوجب الشكر والطاعة - شرع يبيّن ما أَحدثوه من الأُمور الشنيعة كعبادة البقر وطلبهم رؤية الله جهرة وغير ذلك. وذلك تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمَّا رآه من الكفار ويهود المدينة وإِيقاظًا للمؤمنين حتى لا ينسوا محاسبة أَنفسهم ومراقبة أَحوالهم. والمعنى: وعبرنا ببنى إِسرائيل البحر إِلى شاطئه الشرقى، وسلكناه بهم بعد أَن انفلق وانشق بضربة من عصا موسى - عليه السلام - والمراد بالبحر هنا البحر الأَحمر. والمراد به جزؤُه المسمى الآن بخليج السويس. إِذ العبور كان من الشاطىءِ الغربى. حيث تقع مصر إلى الشاطىءِ الشرقى حيث توجد سيناء.

{فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ}: أَي: فمر بنو إِسرائيل على جماعة من الناس يقيمون ويواظبون على عبادة أَصنام صنعوها بأَيديهم ويلتزمون بتعظيمها وتقديسها. {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}: أَي: قال بنو إِسرائيل لموسى حين شاهدوا هؤلاءِ الذين مروا عليهم يواظبون على عبادة أَصنام سموها آلهة: اصنع لنا إِلها نختص به وننفرد بعبادته يكون مماثلا لتلك الآلهة التي اختص بها هؤلاءِ وانفردوا بعبادتها من دون الله. {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}: أَي قال موسى - عليه السلام - يرد عليهم متعجبًا مما طلبوه بعد ما عاينوا الآية الكبرى والنعمة العظمى. نعمة نجاتهم وإِغراق عدوهم, وكيف حدث ذلك بانشقاق البحر لهم وانطباقه على فرعون وقومه. قال موسى يرد عليهم: إِنكم قوم تتصفون بالجهل التام بما يتعلق بالله الواحد القهار، وتتسمون بالغباءِ الكامل إِذ لم تدركوا عظم نعمة الله عليكم. ولم يكتف القرآن بوصفهم بالجهل والسفه بل أَكد ذلك ببيان مآل الباطل الذي عكف عليه هؤلاءِ في قوله: 139 - {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَي: إِن هؤلاءِ الذين عكفوا على عبادة الأَصنام واستمروا على الغلو في الضلال، مدمر وهالك ما انغمسوا فيه من الشرك والفساد، وذاهب كل باطل استمروا على عمله وحرصوا على فعله.

{قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)}. المفردات: {أَبْغِيكُمْ}: أَطلب لكم. {الْعَالَمِينَ}: جمع عالَم وهو ما سِوَى الله. والمراد هنا عالمو زمانهم وعصرهم. {يَسُومُونَكُمْ}: يلزمونكم إِياه. يقال: سامه الأَمرَ يسومه. كلفه إياه وأَلزمه به، وأَكثر ما يستعمل في العذاب. {بَلَاءٌ}: اختبار. التفسير وبعد أَن وصف القرآن الكريم بنى إِسرائيل بالجهل في طلبهم إِلهًا خاصًا بهم كما كان لغيرهم آلهة، وبيّن لهم بطلان جميع أَعمالهم، أَنكر عليهم طلبهم ووبخهم على مسلكهم بقوله: 140 - {قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}: أَي قال لهم موسى - عليه السلام - إِنكارًا عليهم، وتوبيخًا لهم: أَغير الله المستحق للعبادة وحده أَطلب لكم معبودًا آخر من صنع البشر، أَو من مخلوقات الله في السموات والأَرض، وقد خصكم بنعم عظيمة لم يعطها غيركم من أَهل عصركم. ثم زاد في توبيخهم بتذكيرهم بإنقاذ الله لهم من عذاب فرعون حيث لم يشكروا نعمته فقال تعالى:

141 - {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}: أَي واذكروا وقت أَن أَنقذناكم وخلصناكم من شر فرعون وقوله الذين أَذاقوكم أَشد أَلوان العذاب وسخروكم في أَشق الأَعمال، وأَنزلوا بكم من الذل والهوان صنوفا، وذبحوا أَبناءَكم واستبقوا نساءَكم أَحياءً لتزدادوا ضعفًا وذلا وهوانًا. {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}: وفيما أَصابكم من سوء العذاب وقتل الذكور واستبقاءِ النساءِ لخدمة أَعدائكم، مصاب عظيم وغم جسيم، فاذكروا نعمة الله عليكم, إِذ نجَّاكم من هذا كله، واشكروه على ذلك ليزيدكم من نعمه {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}. المفردات: {مِيقَاتُ رَبِّهِ}: أَي الوقت الذي وقته ربه وحدده لمناجاته وتلقى أَلواح التوراة. {تَجَلَّى}: انكشف وظهر، {دَكًّا}: أَي مدكوكًا مُنْهارًا مهدومًا {خَرَّ}: سقط. {صَعِقًا}: مغشيًا عليه.

التفسير 142 - {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} الآية. أَي ووعد الله موسى بعد أَن نجاه وقومه من فرعون بعبور البحر - وعده - بإِنزال كتاب يهتدى به بنو إِسرائيل إِلى ما يصلح شئون دينهم ودنياهم ويبيَّن لهم الحلال والحرام ويكون ذلك بعد مضى ثلاثين لَيْلَةً يقضيها في التوجه إِلى الله بالصيام والعبادة. وقد أَكملها - سبحانه وتعالى - بعشر ليالٍ يخلص فيها موسى العبادة لله والمناجاة لخالقه، فتم الزمن الذي وقَّته ربه وحدده لحصول هذه النعمة له أَربعين ليلة، أَنزل الله التوراة بعدها عليه وكلمه عند انتهائها. وتعبير القرآن الكريم عن الميقات بقوله: (ثلاثين ليلة) لأَن التوقيت كان بالحساب القمرى، وهو يعرف بالأَهلة. والهلال يرى بالليل، وقد استفيد من هذا التوقيت: أَن ضرب الأَجل للمواعدة، سُنَّةٌ ثابتة مضت، ومبدأ قديم أَسس الله عليه قضايا العباد وحكم به في شئون الأُمم وأَحوالها، كما استفيد منه أَيضًا أَن التأَنى في الأَعمال هو الطريق إِلى إِجادتها وإِتقانها. ولهذا أَقَّت الله تلك المدة الطويلة لموسى قبل مناجاته لربه، ليحسن الاستعداد لها. {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}: أَي وحين أَراد موسى التوجه لمناجاة ربه تنفيذًا لأَمره قال لأَخيه هارون: كن خليفة عنى في قومى، ترعى شئونهم وتدبر أُمورهم وتراقب أَحوالهم فيما يأْتون ويذرون، واعمل على إِصلاح عيشهم وحياتهم وعقيدتهم حتى أَرجع إِليهم، ولا تسلك طريق الذين انغمسوا في الغواية والفساد ولا تطعهم في ذلك بل ردّهم إلى الحقّ والصواب وبيّن لهم طريق الهدى والرشاد. 143 - {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}: أَي ولما جاء موسى إِلى الجبل، لأَجل ميقات ربه وموعد كلامه معه, قال: يا رب أَسأَلك أَن تمكننى من النظر لكي أَراك. {قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}:

أَي قال الله لموسى، جوابًا له: لن ترانى في دنياك، ولكن انظر إِلى الجبل، فإِن رأَيته سكن وثبت في مكانه فسوف ترانى. وقد جاءَ هذا الاستدراك، لبيان أَنه لا يطيق رؤيته - سبحانه وتعالى - ولا يتحمل ذلك لعدم إِعداده بعد لتلك الحالة. {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}: أَي فلما ظهر كبرياءُ ربه وبدت عظمته وقدرته جعل الجبل مفككا مهدماً وسقط موسى مغشيًا عليه من هول ما رأَى وشدة ما عانى. {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}: أَي فلما عاد إِلى موسى وعيه وفهمه وذهبت عنه تلك الشدّة قال تعظيما لله وإِجلالا لمقامه: أُنزهك يا رب عن مشابهتك لشىءٍ من خلقك وأُجلُّك عن أَن أَسأَلك شيئًا بغير إِذن منك، وأَنا أول من أَسلم وجهه لك في هذه الأُمة وآمن بكبريائك وعظمتك فيها. والجبل قيل: إِنه جبل زبير أَو جبل أُردن. وقد دلت الآية على أَن الله تعالى كلم موسى، وكلامه تعالى له، مخالف لكلام الحوادث، فليس بحرف ولا صوت ولا يعلمه إِلا الله تعالى وقد دلت الآية أَيضًا على أَن الله تعالى لم يمكِّن موسى من رؤيته، وليس هذا دليلًا على استحالة رؤيته, بل على عدم وقوعها لموسى في الدنيا, لأَنه لم يهيأْ لهذه الرؤية بالتكوين المناسب لها، فإِن رؤْية الحادث للقديم تحتاج إِلى تكوين مناسب لها، كما حدث للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج، وكما سوف يحدث للمؤمنين في الجنة، ولهذا قال سبحانه لموسى في رده عليه: {لَنْ تَرَانِي} ولم يقل لن يرانى أَحد، أَو لن أُرى من أَحد من خلقى. {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)} المفردات: {اصْطَفَيْتُكَ}: اخترتك.

التفسير 144 - {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي .... } الآية. أَي قال الله تعالى يخاطب موسى - عليه السلام - بأُسلوب النداءِ إعظامًا لقدره وإِعلاءً لمكانته: إِنى فضلتك على جميع الناس المعاصرين لك، باختيارك رسولا دون أَحد سواك وآثرتك عليهم بإِنزال التوراة تبيانا لطريق الخير وإرشادا إلى ما يأْتون وما يذرون كما آثرتك بكلامى إِياك من غير واسطة. {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}: فتقبل ما أَنعمت به عليك من شرف الرسالة، وارض بنعمة المناجاة وطب نفسًا بجعلك من المصطفين الأَخيار الذين يبلغون رسالات ربهم، واندمج في عداد الشاكرين، بأَداءِ الشكر على تلك النعم بدوام الطاعة والخشوع والإِخلاص لله. وهارون وإن أَرسله الله مع موسى ردءًا يشد به عضده ويصدقه إِلا أَنه كان مأْمورًا باتباعه, فلم يكن صاحب شريعة خاصة به، ولم يكن كليما لله. وفي الآية تسلية عظيمة لموسى - عليه السلام - عن عدم إِجابته إِلى الرؤية التي طلبها. فكأَنه - سبحانه - قال له: إِن مَنَعْتُكَ الرؤيةَ التي طلبتها فقد أَعطيتك نعمًا عظيمة لم يعط مثلها أَحد من أَهل زمانك فاحرص عليها، وثابر على شكرها بدوام العبادة وبذل الجهد في دعوة الناس إِلى شريعة الله. {وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}. المفردات: {وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ}: أَي وخلقنا له الكتابة فيها؛ والأْلواح الصحف التي كتبت فيها التوراة. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}: أَي فتناولها وتقبلها بجد وعزيمة.

التفسير 145 - {وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ}: أَي وبينا لموسى في التوراة التي أَنزلناها عليه مكتوبة في الأَلواح والصحف من كل شيءٍ يحتاج إِليه بنو إِسرائيل لإِصلاح شئونهم في الدين والدنيا من المواعظ وتفصيل الأَحكام وبيان الحلال والحرام والحسن والقبيح وغير ذلك من أَنواع الهداية والإِرشاد. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}: أَي وبينا لموسى - عليه السلام - كل شيءٍ في الأَلواح وقلنا له: فتقبلها يا موسى بصدق وتناولها بحرصٍ وعزيمة كما يفعل أُولو العزم من الرسل وأْمر بني إِسرائيل أَن يمتثلوا مواعظها، ويتبعوا أَحكامها وشرائعها البالغة غاية الحسن والكمال بالنسبة لهم: إِذ فتحت أَمامهم أَبواب سعادة الدنيا والآخرة. ويلاحظ أَن التوراة الأَصلية فقدت في الغزو البابلى، أَما توراة اليهود التي بأَيديهم فهى من صنعهم وتأْليفهم {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}: أَي: سأُرى قومك - بنى إِسرائيل - ديار الهالكين، من عاد وثمود وأَمثالهم من الذين خرجوا عن طاعة الله وعصوا أَمر ربهم. والحكمة في ذلك بعثهم على الجد والاجتهاد في امتثال ما أُمروا به، وتحذيرهم من الكفر والعصيان حتى لا يحل بهم ما حل بأُولئك الذين مردوا على الفسوق والطغيان، لأَن رؤية الديار خالية من أَهلها، خاوية على عروشها تدعو إِلى مزيد من الحذر والاعتبار، وقيل معنى: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}: سأُورثكم حكم الوثنيين في تلك الديار التي هاجرتم إِليها، بدليل قراءة: "سَأُورِثُكَم دَارَ الفَاسِقِينَ". وقيل: المراد بدار الفاسقين جهنم فإِنها دارهم في الآخرة. وإراءتهم إِياها كناية عن إِدخالهم فيها، إِن عصوا التوراة. وخوطب قوم موسى - عليه السلام - بقوله: - سأُريكم - دون قوله - سأُريهم - التفاتًا إِليهم بعد الغيبة، ليكون أَبلغ في حملهم على الطاعة والامتثال وتخويفهم من اتباع طريق الظالمين.

{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)}. المفردات: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ}: سأُبعد عن التدبر في آياتى, والمراد سأَطبع على قلوبهم وأُغلقها بسبب كبريائهم. {سَبِيلَ الرُّشْدِ}: طريق الحق، {سَبِيلَ الْغَيِّ}: طريق الضلال. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}: بطلت أَعمالهم فلم ينتفعوا بها. التفسير 146 - {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ .. } الآية: بعد تحذير قوم موسى من مخالفة التوراة، جاءَت هذه الآيات لتأْكيد هذا التحذير. والمعنى: سأُبعد عن الانتفاع بآياتى المرشدة إِلى مصالح الدين والدنيا، أُولئك الذين يتطاولون في الأَرض على الناس، ويرون لأَنفسهم مكانة فوق مكانتهم، ويأْنفون من اتباع الحق إصرارًا منهم على التمسك بباطلهم {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا}: أَي ومع تعاليهم على الناس في الأَرض إِن يسمعوا كل آية من الآيات التنزيلية، أو يبصروا أَي معجزة من المعجزات المشاهدة المرئية لا يصدقوا بواحدة منها، بل يكفرون

بجميع ما رأَوا، إِمعانًا منهم في التكذيب والإِعراض، لانغلاق قلوبهم دون الهدى، إِذ أَساءُوا اختيار الطريق. {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا}: أَي وإِن يبصروا ويعرفوا طريق الهدى والخير لا يتوجهون إِليه ولا يسلكونه. لاختيارهم الشياطين أَولياء لهم من دون الله. {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا}: أَي وإِن يتضح لهم طريق الغواية والفساد والانحراف، بتحذيرهم منه، يختاروه لأَنفسهم مسلكًا مستمرًا لا يعدلون عنه، مع وضوح التحذير منه، كى يصلوا إلى تحقيق شهواتهم ومآربهم وإِشباع أَطماعهم. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}: أَي ذلك التكبر وعدم الإِيمان واتباع طريق الغى والإِعراض عن طريق الهدى - ذلك فعلوه - بسبب كفرهم بآياتنا الدالة على صدق ما أَرشدنا إِليه ودعونا إلى التمسك به، وفساد ما أَقاموا على فعله من القبائح والمنكرات، وبسبب غفلتهم عن التأَمل في الحق الذي أَنزلناه، ولو أَنهم تدبروا ما جئنا به وعقلوه لما فعلوا الأَباطيل، ولما سلكوا طريق الشيطان وتأْكيدًا للتحذير قال تعالى: 147 - {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَي الذين لم يصدقوا بآيات الله الداعية إِلى الإِيمان المحذرة من الكفر والعصيان، وضموا إِلى ذلك إِنكارهم لمجىءِ الدار الآخرة ووقوع الجزاء فيها على الخير والشر - هؤلاءِ - بطل ما عملوه في الدنيا من بِرٍّ وصلة رحم وإِغاثة ملهوف وغير ذلك، ولا يجزون إلا على ما عملوه من الكفر والمعاصي، إِذ الشرط في قبول أَعمال الخير والإِثابة عليها في الآخرة تحقيق الإِيمان باللهِ وشرائعه قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة النور: الآية 39

{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)}. المفردات: {جَسَدًا}: جسد عجل مصنوعًا من الذهب لا روح فيه. {خُوَارٌ}: صوت البقر. {سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ}: ندموا ندمًا شديدًا لأَن النادم يعض يده ويسقط ذقنه فيها غما فتصير يده مَسقوطًا فيها. التفسير 148 - {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ .. } الآية. لما توجه موسى عليه السلام لمناجاة ربه وترك أَخاه هارون خليفة عنه في قومه بنى إِسرائيل يرعى شئونهم ويصلح أَحوالهم، ويدعوهم إِلى الثبات على الحق والهدى. صنع لهم السامرى تمثالًا مجوفًا من الذهب على شكل عجل من البقر، وكان دقيق الصنع، ووضعه في مهاب الريح، فإِذا هبت أَحدثت صوتًا كخوار البقر، ثم قال لبنى إِسرائيل: هذا إِلهكم وإِله موسى، ودعاهم إِلى عبادته فعبدوه وتقربوا إِليه، وكان هارون يدعوهم إِلى عبادة الرحمن واتباع أَمره، فلم يستجيبوا له. وظلوا عاكفين على هذا حتى رجع إِليهم موسى، وقد حكى القرآن الكريم تلك الحالة في هذه الآية التي سنشرحها فيما يلى: المعنى: واتخذ قوم موسى من بعد ذهابه - عليه السلام - لمناجاة ربه، اتخذوا من حليهم المصنوع من الذهب الخالص تمثالًا على سورة العجل، يحدث خوارا كخوار البقر وصوتا

كصوته إِذا وضع في مهاب الرياح، بسبب ما وضعه في حلقه من أَداة تحدث هذا الصوت إِذا دخلت الرياح جوفه، وكان السامرى خبيرًا بهذا الفن، وهو الذي صنعه لهم، ودعاهم إِلى عبادته. والمراد من اتخاذهم العجل إِما صنعه - وقد نسب إِليهم لرضاهم به - وإِما جعلهم إِياه إِلهًا بعد أَن صنعه لهم السامرى. {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا}: أَي ألم يدركوا حين أَقدموا على هذا المنكر أَن هذا العجل لا يتصف بصفة من صفات الأُلوهية ولا بحكم من أَحكامها إِذ كان لا يقدر على كلام ولا يرشد إِلى طريق، فضلا عن أَنه لم يصل إلى أَحط درجات الحيوان، فكيف يكون إلهًا شأنه أَن يخلق ويبدع ويحيى ويميت؟ ويتكلم ويهدى إِلى سبيل الرشاد. {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} أَي فعلوا ذلك المنكر الشنيع وكان شأْنهم الظلم، والاستمرار عليه دائما - ووضع الأشياءِ في غير موضعها الصحيح، فلم يكن اتخاذهم العجل إِلها بدعا وما كان أَول منكر فعلوه. وكان هذا الاستفهام لتقريعهم على فرط جهالتهم وحماقتهم وسفاهة أَحلامهم وقد كرر القرآن ذمَّهم بذكر "اتخذوه" أَي العجل همزة ثانية للتنبيه على عظم جرمهم والتمهيد لوصفهم بالظلم. 149 - {وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: أَي: ولما ندموا أَشد الندم على ما فعلوا من عبادة العجل ومخالفتهم تعاليم موسى وإِرشاد خليفته هارون، واستضعافهم إياه وهمهم بقتله، وعلموا أَنهم بفعل هذه المنكرات قد تنكبوا الصواب وجاوزوا طريق الهدى {قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: أَي قالوا مقسمين والله لئن لم يغمرنا إِحسان ربنا ويتقبل توبتنا رحمة بنا، فيكفر عنا سيآتنا ويتجاوز عن خطيآتنا لنكونن من جملة الذين خسروا حسن العمل في دنياهم، وخير الجزاءِ في أُخراهم فكانوا في جهنم خالدين. وفسِّر - سُقِطَ في أَيدِيهم - بما تقدم على طريق الكناية, لأَن النادم المتحسر يعض يده غمًّا وحزنًا فتصير يده مسقوطًا فيها. كما تقدم في المفردات.

والمراد بقوله تعالى: {رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا} علموا وتيقنوا ضلالهم. وإِنما عبر العلم بالرؤية للإِشارة إلى أَنهم تبيَّنوا خطأَهم بوضوح كامل حتى كأَنهم رأَوه بأَعينهم. وما حكاه القرآن عنهم من الندم والرؤية، وما قالوه وإِن كان بعد رجوع موسى - عليه السلام - إِليهم من الميقات كما دلت عليه آيات سورة طه. لكن أُريد بتقديمه هنا على رجوع موسى أَن يكون ما صدر عنهم من اتخاذ العجل والندم عليه في موضع واحد، مسارعة إِلى تذكير أَهل مكة، بندم بنى إِسرائيل على اتخاذهم العجل الذهبى الذي يخور خوار البقر، فهم أَحق منهم بالندم على عبادة ما هو دون ذلك من الأَحجار، أَمَّا ما جاءَ في سورة طه فهو تفصيل كامل للقصة يقتضي وضع كل حادث في موضعه. {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا في رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)}. المفردات: {أَسِفًا}: شديد الغضب أَو حزينا. {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي}: أَي بئس ما فعلتموه من بعد غيبتى. {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}: أَي أَسبقتم ما أَمركم به ربُّكم من التوحيد فعبدتم العجل قبل أَن يعود موسى من ميقات ربه، ليكون أَمام الأْمر الواقع، يقال: عجل الأْمر سبقه

{وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ}: طرحها على الأَرض. {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ}: أَي وأَمسك بشعر رأْس أَخيه يجره به إِليه. {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ}: أَي فلا تفعل ما يكون سببًا لشماتتهم بى. التفسير 150 - {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ... } الآية: أَي: ولما رجع موسى - عليه السلام - إِلى قومه من الميقات الذي ناجى فيه ربه - رجع - وهو شديد الغضب والحزن على ما أَحدثه قومه في غيبته من الردة وإِهمال وصاياه، وكان الله - تعالى - قد أَخبره وهو في مكان المناجاة بما أَحدثوه. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي}: أَي: قال موسى - عليه السلام - بعد رجوعه من الميقات يذم قومه جميعًا المؤمنين منهم والمرتدين: بئس ما أَحدثتموه أَيها المؤمنون وأَيها المرتدون. أَما ذمّه المؤمنين فلأَنهم لم يكفوا عبدة العجل عما فعلوه وأَما ذم المرتدين فلعودتهم إلى الشرك بعد أَن رأوا حرص موسى - عليه السلام - على دعوتهم إِلى توحيد الله، وترك الشرك، وإِخلاص العبادة لله وحده - وواجب الخلفاءِ أَن يسيروا على نهج المستخلف - فالخطاب للجميع ويجوز أَن يكون الخطاب لعبدة العجل فذمهم على ما أَحدثوه من تغيير شريعة الله، كما يجوز أَن يكون الخطاب لهارون والمؤمنين معه، فالَّلوْمُ لهم إِذ لم يمنعوا عبدة العجل مما فعلوا. أَي بئس قيامكم مقامى إِذ لم تراعوا عهدى. {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}: أَي أَسبقتم ما أُمرتم به من البقاءِ على ما أَوصيتكم به من التوحيد حتى أَعود إِليكم من الميقات بكتاب من عند ربكم، حين سارعتم إِلى مخالفة أَمرى فغيرتم دينكم وعبدتم العجل. وتراخى المؤمنون في نصحكم. {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ}: أَي وطرح موسى - عليه السلام - أَلواح التوراة جانبًا، ليتمكن من إِمساك أَخيه وتعنيفه حين رأَى قومه وقد فتنوا بالعجل فعكفوا على عبادته.

{وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}: أَي: وأَمسك موسى بشعر رأْس أَخيه هارون يجذبه إِليه منه، لظنه أَنه أَهمل في توعية قومه وإِرشادهم وإِصلاح حالهم، ونهيهم عن الإِشراك باللهِ. {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي}: أَي قال هارون يدفع تهمة التقصير في نصحهم عن نفسه يا ابن أُمى: إِننى بذلت قصارى جهدى في ترشيدهم وتوضيح سوء العاقبة لما فعلوا، حتى قهرونى، واستضعفونى وهموا بقتلى واقتربوا منه. {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ}: أْى: فلا تفعل بي أَمام هؤُلاء الأعداء ما يكون سببا لشماتتهم بى وفرحهم فيما يصيبنى من إِيذاءٍ وتعنيف. والشماتة فرح العدو فيما يصيب عدوه من مكروه. {وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: أَي ولا تنظمنى بغضبك علىَّ في سلك الذين ارتكبوا أَقبح الظلم بعبادة العجل، ونقض العهد والفساد في الأَرض، ولا تجعلنى في عدادهم مع براءَتى من جرائمهم، وفيا بما استخلفتنى فيه. وكان هارون لين الجانب كثير التحمل، ولذا نراه يخاطب موسى مما يرقق قلبه، وهو قوله له (يا ابن أُمَّ) إِلخ إذ الأُم عنوان الحنان وموطن العطف والرحمة، كما يشعر بلين عريكته ما في باقى أُسلوبه من توسل ورجاءٍ. وبعد أَن سمع موسى عليه السلام مقالة هارون - عليه السلام - قال ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى: 151 - {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي}: أَي قال موسى مناديًا ربه يطلب منه غفران فعله بأَخيه من غير جريرة ارتكبها، وغفران ما عساه أَن يكون قد وقع مع أَخيه من تقصير في نصحهم وتحذيرهم. ولا يخفى: أَن كل إِنسان في حاجة إِلى استغفار ربه، طاعة له وطلبًا لرفع الدرجات، مع ما في استغفار موسى لنفسه من الترضية لهارون وإِعلان الشامتين بتمام رضاه عما فعله حتى ترد شماتتهم إِليهم كمدًا وحسرة.

{وَأَدْخِلْنَا في رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}: أَى: ومُنَّ علينا بمزيد من الإِنعام بعد غفران ما سلف منا، وشأْنك يا أَلله أَن رحمتك بجميع مخلوقاتك أَعظم من رحمة الخلائق بعضهم ببعض، ومن رحمتهم بأَنفسهم، فلا تحرمنا من واسع رحمتك في الدنيا والآخرة فهي كما قلت سبحانك: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (¬1). {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)}. المفردات: {غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ}: المراد بغضب ربهم عذاب الآخرة. {وَذِلَّةٌ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: أَي وتشريد في الأَرض وإِخراج من الديار، بحيث لا تكون لهم عزة كعزة أَصحاب الوطن. {الْمُفْتَرِينَ} أَي: المختلقين أشنع الكذب على الله تعالى. التفسير 152 - {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: أَي إِن الذين اتخذوا العجل إِلهًا يعبدونه من دون الله واستمروا على عبادته كالسامرى وأَتباعه من بنى إِسرائيل، وأَشربوا في قلوبهم حبه، سيصيبهم في الآخرة عذاب شديد ¬

_ (¬1) سورة الزخرف: من الآية 32

من خالقهم ومربيهم الذي تفضل عليهم بأَجزل النعم فجحدوها ولم يشكروها، وسينزل بهم في الحياة الدنيا الذل الشديد والهوان المميت بتشريدهم من ديارهم وإجلائهم عن أَوطانهم. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}: أَي: ومثل هذا العقاب الشديد الذي حل ببنى إِسرائيل نعاقب كل مفتر كذاب، وليست هناك فرية أَقبح مما افتراه هؤلاءِ الذين صنعوا العجل بأَيديهم ثم عبدوه وقالوا: هذا إِلهكم وإله موسى، بل لم يعرف أَن أَحدًا افترى مثل فريتهم. ولذا استوجبوا بالأَصالة هذا العقاب الأَليم. وبعد أَن بين القرآن عقاب المصرين على الجرائم، وافتراءِ الكذب على الله، رغَّب في التوبة من السيئات وإِن كثرت وعظمت، ببيان أَن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن أَخلص في التوبة وصدق في الإِيمان باللهِ فقال تعالى: 153 - {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَي والذين اقترفوا الكفر وسائر أَنواع المعاصي من الكبائر والصغائر ثم تابوا من بعدها وآمنوا باللهِ، إِيمانًا صادقًا يستتبع ما يقتضيه من أَعمال البر والطاعات، وإِقلاع عن المعاصي, يغفر الله لهم ما وقع من ذنوبهم مهما عظمت, لأَن ربك المنعم عليك بالخلق والتربية من بعد حصول تلك التوبة الخالصة لَعَظِيمُ المغفرة لذنوب التائبين واسعُ الرحمة بالخلق أَجمعين قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} فتتسع من صدق في إِيمانه بعد الكفر، وأَخلص في الإِقلاع عن سائر المعاصي والآثام. ولما بين القرآن الكريم طرفًا من قصة موسى مع قومه، شرع يكملها فقال: 154 - {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}: أَي ولما ذهب عن موسى الغضب وسكن وهدأَ روعه بعد اعتذار أَخيه وتوبة من تاب، وبيان أَنه قام بموجبات الخلافة عنه، ولكن القوم كانوا لنصحه كارهين، لما حدث هذا أَخذ ألواح التوراة التي أَلقاها.

وفيما نسخ في هذه الصحائف وكتب فيها، هدايةٌ وإِرشادٌ إِلى خير الدنيا وصلاح الآخرة، ورحمة عظيمة واسعة للذين هم لعظمة مربيهم وحافظهم يخضعون ويخافون سوءَ العذاب. وفي أُسلوب الآية الكريمة من البلاغة ووضوح المعنى وتأْكيده ما يبهر العقول ويأْخذ بالأَلباب، إِذ أَبان أَن الغضب بلغ بموسى - عليه السلام - حدا من الشدة والتسلط جعله كالآمر له بما قال وبما فعل، حتى إِذا سكت هذا الغضب عن إِثارة موسى سكن وأَخذ الأَلواح التي أَلقاها، ومضى في شأْن رسالته. {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)}. المفردات: {لِمِيقَاتِنَا}: الميقات المكان الذي حدده الله ليذهب موسى وقومه إِليه. {الرَّجْفَةُ}: الزلزلة الشديدة. التفسير 155 - {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ... } الآية: أَي واختار موسى سبعين رجلًا من فضلاءِ قومه الذين لم يبدلوا دينهم وذهب بهم إِلى المكان والزمان اللذين حددهما الله لهم، ليعتذروا عمن عبدوا العجل وعمن قصروا في نهيهم.

{فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ}: أَي: فلما فاجأَتهم الزلزلة الشديدة ورجفوا وارتعدوا حتى كادت تنخلع مفاصلهم وتتمزق أَبدانهم وأَشرفوا على الهلاك وكان ذلك تأْديبا لهم على تقصيرهم في زجر قومهم عن عبادة العجل وسائر المنكرات، - لمَّا حدث ذلك - خشى موسى هلاكهم فتوسل إِلى الله - تعالى - فيما حكاه القرآن في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ}: أَي قال موسى راجيًا عفو ربه عنهم في هذا اليوم: يا رب إِنك لو شئت إِهلاكهم من قبل هذا اليوم، حين قصروا في النهي عن عبادة العجل، وعدم مفارقتهم لعبدته حين أَيقنوا فيهم الإِصرار على الكفر والمعاصي، وكذلك لو شئت يا رب إِهلاكى من قبل ذلك حين طلبت رؤيتك، لفعلت يا إِلهى ذلك فقد استوجبنا الهلاك جميعًا بذنوبنا, ولكنك لم تفعل رحمة بنا، وتجاوزًا عما فرط من سيآتنا، فلا عجيب يا رب إِذا أَطْمَعنَا لطفُك السابق في طلب المزيد من عفوك وإِحسانك في هذا الموقف، ثم أَكد موسى - عليه السلام - عظم ثقته في عفو الله فيما حكاه القرآن. {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}: أَي قال موسى - عليه السلام - إِيمانًا بسعة رحمة الله تعالى - وإِيقانا بشمول إِحسانه: لا يكون منك يا عظيم العفو إِهلاكٌ لنا بسبب ما فعله الذين يجهلون قدرتك وما يليق بمقام أُلوهيتك، ولا يثبتون على الحق الذي أَظهرت معالمه وأَوضحت مسالكه فقد وسعت رحمتك كل شيء. {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ}: أَي ما كانت عبادتهم للعجل إِلا ابتلاءً منك تهلك بسببه من تشاء إِضلاله بتجاوزه حدود أَوامرك ونواهيك، وترشد به إِلى الحق من تشاءُ هداه فيقوى إِيمانه. {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}: أَي أَنت وحدك يا الله القائم بتدبير أُمور دنيانا وأُخرانا, وناصرنا وحافظنا دون سواك، فاغفر لنا ما اقترفناه من الذنوب والآثام وتجاوز عنه إِذ من شأْن الولى الإِحسان إِلى المقصرين، والتجاوز عن ذنوب الآثمين {وَارْحَمْنَا}: أَي وأَفض علينا من آثار رحمتك التي وسعت كل شيءٍ

ما نسعد به في الدين والدنيا, وأَنت وحدك الذي تغفر السيئآت وتمن بالحسنات، ولا يملك ذلك سواك، وعفو غيرك بتوفيق منك. وخصت المغفرة بالذكر في قوله: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} حيث لم يذكر معها الرحمة لأَن المقام مقام اعتذار عن الذنوب فيقتضيها. {وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)}. المفردات: {وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً}: المراد بحسنة الدنيا ما يعم العيشة الراضية، والعمل

الصالح والمراد بكتابتها تقديرها وإِبرازها, عبر عنها بالكتابة مجازًا، أو الكتابة على حقيقتها فإِن ما يقدر الله تنفيذه يكتب في اللوح المحفوظ، أو عند الملائكة المدبرات أَمرا. {هُدْنَا إِلَيْكَ}: تبنا إِليك ورجعنا. {إِصْرَهُمْ}: الإِصر في اللغة الأَمر الثقيل، والمراد به هنا التكاليف الشاقة على اليهود بسبب ظلمهم، كتحريم بعض الطيبات عليهم. {الْأَغْلَالَ}: المواثيق الشديدة المشبهة للأَغلال في الأَعناق. {وَعَزَّرُوهُ}: عظموه ووقروه، أَو أَعانوه. التفسير 156 - {وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ... } الآية. بين القرآن الكريم فيما سبق، كيف بدأَ موسى توسله إِلى ربه ودعاءَه إِياه حين رأَى الرجفه تأْخذ الصفوة من قومه في الميقات، وجاءَت هذه الآية لإِكمال توسله. والمعنى: وحقق لنا بفضلك في هذه الحياة الدنيا عيشة طيبة راضية وعافية وافرة، وتوفيقًا في الطاعة، ومُنَّ علينا بنعمك السابغة واجعل لنا في الآخرة المثوبة الحسنى والنعيم المقيم في جناتك الواسعة. {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}: أَي: أَعطنا ذلك لأَننا تبنا إِليك من ذنوبنا توبة صادقة، وأَتيناك مخلصين في الاعتذار عن آثامنا فاقبل دعاءنا - وجاءَت هذه الجملة "إِنا هدنا إِليك" لتعليل ما سبقها من الدعاءِ، رجاءَ قبوله وتحقيقه، وتصديرها بإِن التى هي للتأْكيد، للإِيذان بكمال صدقهم في توبتهم، طمعًا في أَن يقبلها الله الكريم منهم: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ}: أَي: قال الله تعالى جوابًا عما طلب موسى لجميع قومه: شأن عذابى أَن أُصيب به من أَشاءُ تعذيبه ممن لا يتقون الله {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}: أَي: وإِحسانى شمل كل شيءٍ من المكلفين وغيرهم ممن شئت له ذلك.

{فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}: أَي: فسأَجعل رحمتى في الآخرة، للذين يحفظون أَنفسهم من المعاصي؛ بحيث لو أَصابوها تابوا إِلى ربهم، وأَجعلها للذين يؤدون الزكاة لمستحقها. وخصت الزكاة بالذكر مع شمول التقوى لها لثقل إِخراجها على النفوس، إِذ المال عِدْل الروح وسأَجعل رحمتى الواسعة للذين يستمرون على الإِيمان بآياتنا كلها. وفي الآية تعريض ببنى إِسرائيل إِذ كانوا لا يتقون الكفر والمعاصي ولا يخرجون الزكاة لشدة حرصهم على المال، كما كانوا يكفرون بآيات الله العظام التي جاء بها موسى - عليه السلام -. ثم أَكمل القرآن الكريم أَوصاف المتقين الذين وعدهم الله بالحياة الرغيدة في الدنيا والنعيم في الآخرة بقوله تعالى: 157 - {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}: أَي: هؤُلاء المتقون الذين وعدهم برحمته وفضله هم الذين يتبعون محمدا - صلى الله عليه وسلم - - النبىَّ - الذي جاء بأَكمل الاعتقادات والأَعمال والأَخلاق - الأُمىَّ - الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إِلى معلم ولم يخط بقلم ومع ذلك فقد جمع الكتاب الذي جاءَهم به علوم الأَولين والآخرين، قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ... } والأُمى نسبة إِلى الأُم كأَنه باق على حاله التي ولد عليها. {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ}: أَي أَن الله تعالى يكتب رحمته للذين يؤمنون بالنبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من اليهود والنصارى: يؤمنون بهذا النبي الذي يجدونه مكتوبًا باسمه ونعوته عندهم في التوراة والإِنجيل التي كتمها الكافرون منهم، أو أَساءُوا تأْويلها. ثم شرع القرآن الكريم يفصل بعض آيات محمَّد وعلاماته في التوراة والإِنجيل فقال:

{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ}: أَي يأْمرهم النبي الأُمى عن الله تعالى ويكلفهم بفعل كل ما عرفته الفطر السليمة وأَقرته واستحسنته، فإِن فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة، وينهاهم عن فعل كل ما أَنكرته الفطر السليمة ونفرت منه، فإِن فيه خسران الدنيا والآخرة. {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ}: أَي: ويبيح لهم ما حرم عليهم بسبب ظلمهم ومعاصيهم كالشحوم. {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}: أَي: ويحرم عليهم كل ما هو خبيث وضار مما كانوا يتناولونه كالدم والميتة ولحم الخنزير، أَو يفعلونه كالربا والرشوة {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ}: أَي ويخفف عنهم ما ثقل عليهم من التكاليف الشاقة كتعيين القصاص في القتل العمد والخطأ من غير شرع الدية، وكقطع الأَعضاء الخاطئة وإِحراق الغنائم. {وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}: أَي ويخفف عنهم كذلك الشروط المحرمة والمواثيق الشديدة التي كانت في شريعة موسى - عليه السلام - لتناسب ظلم بنى إِسرائيل وطغيانهم وغلوهم في الفساد والضلال. والأَغلال جمع غُل وهو في الأَصل ما يوضع في العنق أَو اليد من الحديد يستعار للمواثيق الشديدة والتكاليف الشاقة. ثم أَرشد الله تعالى إِلى كيفية اتباع محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن علوَّ منزلة أَتباعه فقال: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ}: أَي فالذين آمنوا بنبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وصدقوا برسالته وأطاعوه فيما أَمر ونهى من اليهود وغيرهم وعظموه ووقروه وأَعانوه بمنع أَعدائه عنه ونصروه على أَعدائه في الدين واهتدوا بهدى القرآن الذي أَنزله الله مع نبوته ليضىء الطريق أَمام السالكين: وسُمِّى القرآن نورًا لكونه ظاهرا واضحا في آياته، مظهرا للحقائق كاشفا لها، يهدى متبعه إِلى العقيدة السليمة والعمل الصالح، كما يهدى النور الحسى من يتبعه إِلى سواء السبيل. ولا يقال: القرآن نزل مع جبريل فما معنى أنزل معه؟ لأَن المعنى أَنزل مع نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - كما تقدمت الإِشارة إِليه, لأَنها كانت مصحوبة مشفوعة به.

{أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: أَي: أُولئك المتقون الذين علت درجاتهم وسمت منزلتهم، الموصوفون بتلك الصفات الجليلة هم وحدهم دون غيرهم الذين بلغوا غاية الفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة. {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)}. المفردات: {الْأُمِّيِّ}: المنسوب إِلى الأم، لأَنه لا يقرأ ولا يكتب، فهو على فطرته التي ولدته مه عليها، من حيث عدم القراءَة والكتابة. التفسير 158 - {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ}: لما حكى الله ما في الكتابين من نعوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرف من يتبعه من أَهلهما ونيلهم سعادة الدارين - أَمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ببيان أَن تلك السعادة غير مختصة بأَهل الكتابين إِن آمنوا به بل هي شاملة لكل من يتبعه من جميع الناس، سواء أَكانوا في عصره أَم فيما تلاه من عصور إِلى يوم القيامة. فإِن رسالته - صلى الله عليه وسلم - عامة لجميع الناس في كل عصر من العصور قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (¬1) فتلك من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه. ¬

_ (¬1) سورة سبأ: الآية 28

أَما سائر الرسل فقد كانوا يبعثون إِلى أُمم خاصة، وقد يتعدد الرسل في وقت واحد لأُمم مختلفة أَو لأُمة واحدة، فقد كان لوط وإِبراهيم مرسلين في عصر واحد، كلاهما إِلى غير أمة الآخر، وكان موسى وهارون مرسلين معا إِلى فرعون وقومه وبنى إِسرائيل. والمعنى: قل يا محمَّد مناديا الناس جميعًا من عاصرك منهم ومن بعدهم إِلى يوم القيامة حيث يبلغ عنك الحاضر منهم الغائب، والموجود منهم من سيوجد: قل يا أيها الناس إِنى رسول الله إِليكم جميعًا الذي له ملك السموات والأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما خلقا وملكا وتصرفا، ومن كان كذلك فلا معبود بحق سواه، ولا يصح أَن يكفر برسوله المؤيد بآياته. {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: هذا من جملة ما أُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبليغه للناس، مفرع على ما بين لهم من رسالته إِليهم. والمعنى: وحيث كنتُ رسوله إِليكم فآمنوا بالله الذي بينت لكم عظمته وآمنوا برسوله النبي الأمى، الذي جاءكم بكتاب فيه علوم الأولين والآخرين. وهو لا يقرأ ولا يكتب، وذلك من براهين رسالته، ومع كونه رسولا إِليكم فهو يؤمن باللهِ تعالى وبكتبه التي أَنزلها على رسله السابقين له، ويؤمن بالقرآن الكريم الذي هو من كلمات الله وكتبه، فهو يسبقكم إِلى الإِيمان به، واتبعوه في كل ما دعاكم إِليه فعلا وتركًا رجاء أَن تهتدوا باتباعه إِلى مطلوبكم من سعادة الدارين. ووصفه - صلى الله عليه وسلم - بالنبي الأُمى بعد وصفه بالرسالة لمدحه والإِشارة إِلى نعته في الكتابين - التوراة والإِنجيل - تقريرا لأَمر نبوته حتى يقبلوا على الإيمان به.

{وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)}. المفردات: {يَهْدُونَ بِالْحَقِّ}: يرشدونهم بكلمة الحق. {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}: وبالحق يعدلون في الأَحكام. {أَسْبَاطًا أُمَمًا}: أَي قبائل صارت أمما، وأَصل السبط ولد الابن أَو البنت. {فَانْبَجَسَتْ}: فانفجرت. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ}: وجعلنا السحاب يظلهم من الشمس. {الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}: المن صمغة حلوة، والسلوى السُّمانى. التفسير 159 - {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}: كلام مستأنف لدفع توهم حرمان أَسلاف قوم موسى من كل خير، بعد تخصيص من يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتابة الرحمة والتقوى والإِيمان بكلمات الله في الآية السابقة، ولبيان أَن اليهود ليسوا كلهم كما حكيت أَحوالهم، بل منهم أُمة يهدون الناس بالحق وبه يعدلون.

والمعنى: ومن قوم موسى جماعة يهدون الناس بهدى الحق، وبالحق يعدلون في الأَحكام الجارية فيما بينهم، وذلك قبل أَن يبدلوا توراتهم، ويدخلوا فيها ما لم ينزله الله تعالى بها، فقد كان فيها هدى ونور حينئذ، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ .. } الآية (¬1). وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} الآيات (¬2). ويجوز أَن يكون المراد بهم من آمنوا منهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأَن يكون المراد بتلاوتهم آيات الله تلاوة القرآن الكريم، وهذا هو الظاهر. 160 - {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا}: شروع في بيان بعض النعم التي أَنعم الله بها على قوم موسى، برهم وفاجرهم واعلم أَن السبط في اللغة معناه ولد الولد، ولما كان بنو إِسرائيل هم ذرية أَولاد إِسرائيل (¬3) الاثنى عشر، فلذا أطلق عليهم أَسباط, لأَنهم أَولاد أَولاده، وقد شاعت هذه التسمية فيهم حتى أَصبحت حقيقة عرفية، وهي فيهم كالقبيلة في ولد إِسماعيل عليه السلام. والمعنى: وصيرناهم اثنتى عشرة أُمة، كل أُمة منهم ترجع إِلى ولد من أَولاده الاثنى عشر فكانوا لهذا أَسباطًا له، أَي أولادًا لأَولاده هؤلاء .. وتأنيث اثنتى مع أَن المعدود مذكر وهو أَسباط، لتفسيره بالأُمم ولأَن الجمع يؤنث وصفه وكذا فعله الذي يسند إِليه. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}: كان العطش قد استبد بقوم موسى، وهم في التيه، فاستسقوه - أَي طلبوا منه أَن يدعو الله تعالى أَن يسقيهم الماء الذي لم يجدوه في صحراء التيه - فاستسقى موسى ربه بأَن دعاه أَن يمن على قومه بالماءِ ليشربوه حتى لا يهلكوا عطشًا، فأَوحى الله إِليه أَن اضرب ¬

_ (¬1) سورة المائدة: الآية 44 (¬2) سورة آل عمران: الآيات 113 إلى 115 (¬3) إسرائيل هو يعقوب عليه السلام.

بعصاك الحجر ليخرج منه الماء لهم، فضربه فورًا بعصاه كما أَمره ربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بقدرة الله تعالى، لكل سبط من أَسباطهم عين خاصة بهم، عرفوها بذاتها حتى لا يختلفوا على مائهم. ويفهم من ذلك أَن كل سبط منهم كان عدد أَفراده كثيرًا، حتى جعل لهم هذا العدد من العيون بعدد أَسباطهم. وقد أَباح الله لموسى أَن يختار أَىَّ عصا ليضرب بها، وأَى حجر ليضربه بالعصا التي يختارها، فلم يعين له هذا ولا تلك، قال الحسن: ما كان إِلا حجرا اعترضه، وإِلا عصا أَخذها, ولعل الله تعالى أَراد بتكليف موسى - عليه السلام - بضرب الحجر بعصاه، ليكون خروج الماء بذلك معجزة له، حتى يزدادوا بنبوته استيقانا، ويقبلوا على العمل بما جاء به من التوراة، فلقد كان إِيمانهم ضعيفًا، ولذا عبدوا العجل وطلبوا من موسى أَن يرحمهم الله جهرة. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}: كانت حال بنى إِسرائيل في التيه سيئة، فإِن صحراءَ التيه كانت عديمة الشجر مفقودة الظلال، فلذلك كانوا في أَشد الحاجة إِلى ما يقيهم حرارة الشمس التي يزيدها اتقادًا انعكاسها على رمال الصحراء. ولقد تفضل الله فأَزال متاعبهم من جهة الماءِ بتفجير تلك العيون التي مر بيانها، ومن جهة الحر بأَن جعل الغمام يلقى ظلاله عليهم، ويقيهم حرارة الشمس، حيث أَرسل السحاب فوقهم في مقامهم ومسيرهم، فحال دون وصول أَشعة الشمس إِلى حيث يقيمون أَو يسيرون، وبقيت مشكلة الغذاءِ الذي لا مصدر له في التيه ولا يصل إِليهم به أَحد، فتفضل الله عليهم بإِنزال المن والسلوى ليكونا طعامًا لهم. أَما السنن فهو صمغة حلوة تشبه البرَدَ في منظره (¬1)، والشهد في حلاوته، ويسمى الترنجين، وأَما السمانى: فهى طيور معروفة بلذة لحومها، مطبوخة أَو مشوية، فكانوا يتغذون بالسلوى ويتحلون بالمن حيثما شاءُوا. ¬

_ (¬1) البرد: قطع من الثلج كحب الحمص غالبا، ينزل مع المطر.

وحين أَنزلهما الله عليهم، قال لهم متفضلا على لسان نبيه موسى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وبذلك الأَمر الكريم أَباح الله لهم أَن يغتذوا بلذائذ هذا الرزق الكريم الذي أَنقذهم به من الهلاك جوعًا، وهم في تيههم منقطعون عن العالم، وكان من حق هذه النعم أَن تقابل منهم بشكرها. {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: أَي وما ظلموا الله ولا بغوا عليه بكفرانهم نعمته، ولكنهم ظلموا أَنفسهم خاصة، فلا يتخطاهم ضرره وسوء عاقبته. {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)}. المفردات: {هَذِهِ الْقَرْيَةَ}: هي بيت المقدس أَو أَريحاء - على ما قيل. {وَقُولُوا حِطَّةٌ}: من الحط وهو الوضع والطرح، والمراد بها أَن يطلبوا حط ذنوبهم وطرحها عنهم بغفران الله لهم. {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}: وادخلوا باب القرية التي أمرتم بدخولها خاشعين خاضعين لله شكرًا له على تمكينكم من دخولها. {رِجْزًا}: أَي عذابًا.

التفسير 161 - {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}: بين الله في الآية السابقة أَنه أَنعم على بنى إِسرائيل وهم في التيه فأَنقذهم من الهلاك في صحرائه، بما أَخرجه لهم من ينابيع الماءِ،، وأَنزله إِليهم من لذيذ الغذاءِ، كما بين أَنهم ظلموا أَنفسهم بكفران تلك النعم التي لا يستحقونها، وكان عليهم أَن يشكروها ويعتبروا بما أَصابهم من العقوبات على مخالفاتهم. وجاءت هذه الآية وما بعدها في إِثرها لبيان طرف آخر من آثامهم غير ما مر من كفرانهم بتلك النعم الجليلة، والغرض من سوق ذلك كله تذكير اليهود المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - بما صنعه أَسلافهم، حيث قابلوا فضل الله عليهم ونعمه بالجحود والتنكر لها، وأَنه إِذا خبث الأَصل كان فرعه مثله، فلا غرابة أَن يتنكروا للحق كما تنكر أَسلافهم. والمعنى: واذكرْ أَيها الرسول لليهود المعاصرين لك، إِذ قيل لأَصولهم من قِبَلِ الله تعالى, على لسان موسى، أَو على لسان يوشع بعد موته - عليهما السلام - اسكنوا هذه القرية - بيت المقدس أَو أريحاء - بعد أَن نصركم الله على قومها الجبارين عباد الأَوثان - حين استجبتم لما أمرتم به من جهادهم. وادخلوا من بابها سجدا خاشعين خاضعين لله شاكرين له على نصركم عليهم، لا دخول المتجبرين المستكبرين أهل البطر والخيلاءِ فإِن نصركم من عند الله لا من عند أَنفسكم فلا يليق بكم أَن تشمخوا بأَنوفكم وتستكبروا على من حولكم، واتجِهوا إِلى ربكم قائلين له: حِطَّةٌ وغفرانٌ منك يا الله لذنوبنا، تأْكيدًا لتواضعكم، واعترافًا منكم بتقصيركم، فإِن فعلتم ذلك يغفر لكم الله ما مر من خطيآتكم، ولا نقتصر على ذلك، بل سنزيد المحسنين على المغفرة ثوابًا لا حد له. وقد كان أَمر بنى إِسرائيل بدخولهم تلك القرية، بعد انتهاء مدة عقوبتهم في التيه وكانت أَربعين سنة يتيهون فيها في صحرائه، ولا يجدون لهم منفذًا إِلى أَرض الله، حتى

موازنة بين ما في البقرة وما هنا

إِذا مرَّت تلك المدة، أَمرهم الله بجهاد الجبارين في تلك القرية، التي تعتبر عاصمة لإِقليمها، فإِذا سقطت في أَيديهم سقط إِقليمها معها. وكان موسى قد أَمرهم بدخولها بقوله: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}، ولما كان دخولها يستلزم قتال أَهلها، وهم جبناء لا يحبون القتال فلذا أَجابوه بقولهم: {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} فانظر إلى فساد عقلهم حيث تمنوا خروج الجبارين طواعية بغير قتال ليحلوا محلهم بعد خروجهم، ولما أَجابوا موسى بهذا الجواب الحقير: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فأَصروا على موقفهم وقالوا: {يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} فطلب موسى عقابهم بقوله: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} فأَجابه بقوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} راجع الآيات من 21 إِلى 26 من سورة المائدة. فلمَّا مرَّت مدة التيه، دعاهم يوشع لقتال الجبارين بعد وفاة موسى (على الراجح) فاستجابوا له فنصرهم الله تعالى عليهم. موازنة بين ما في البقرة وما هنا جاء الأَمر هنا بالسكنى حيث قيل: {اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا} ولكنه في البقرة أَمر بالدخول حيث قيل: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا} ولا تناقض في ذلك، فإِن الدخول لغرض السكنى، وعطف الأَكل هناك بفاء الترتيب (فكلوا) لأَنه يكون بعد الدخول، وعطف بالواو "وكلوا" لأَن السكنى أَمر ممتد، والأَكل يكون معها لا بعدها، والواو للمعية وذكر هناك "رَغَدًا" ولم يذكر هنا, لأَن الأَكل بعد الدخول عقب النصر يكون أَلذ، أَما بعد السكنى والاعتياد على المكان، فإِنه يكون أَقل لذة فلذا لم يذكر معها, ولا تنافى بين قوله هنا: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} بتقديم القول على الدخول، وقوله في البقرة {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} بتقديم الدخول على القول, لأَن المأمور به في الآيتين

هو الجمع بين الفعلين من غير اعتبار الترتيب بينهما، فإِن الواو لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبا. 162 - {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ}: أَي فبدل الذين ظلموا من هؤُلاء - وكلهم كانوا ظالمين (¬1) - قولًا غير الذي قيل لهم، فقد أُمروا بالتوبة والاستغفار بأَن يقولوا حطة لذنوبنا وغفران لها، فوضعوا مكان ذلك قولًا آخر لا خير فيه تكبرًا وعتوا, ولم يذكروا فضل الله عليهم في الانتصارات ونعمته عليهم بالإِسكان في تلك القرية بعد التشريد في التيه أَربعين عامًا وهكذا يفعل عتاة الجيوش المنتصرة, يتكبرون في الأَرض، ويستَعْلون على الناس وينسبون الانتصار لأَنفسهم، وينسون فضل الله - تعالى - عليهم. ومن المفسرين من ذكروا أَنهم قالوا بدل (حطة) حنطة بزيادة النون، استخفافًا باللهِ واستهزاءً بموسى - لعنهم الله - ولكنا لم نجد نصًا في ذلك يمكن الاعتماد عليه، سوى قوله - تعالى - عقب ذلك: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} فَهُو يفيد أَن التبديل كان بِقَوْلٍ ظالم شديد الظلم بحيث استحقوا بسببه أَن ينزل الله عليهم عقبه (رِجْزًا) أَي عذَابا {مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} أَما حقيقة العبارات التي قالوها وظلموا بها ظلمًا فظيعًا، فلم يرد بها نص، فلهذا لم نشأْ أَن نتحمل عهدته ونقدمه للقارىء تفسيرًا لما قالوه. ولا تنافى بين قوله هنا: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ}، وَقوله في البقرة: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} فإِن ظلمهم يستلزم فسقهم، فهم ظالمون فاسقون فكلا الوصفين فيهم. ¬

_ (¬1) لأن (من) في (منهم) للبيان وليست للتبعيض.

{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)}. المفردات: {الْقَرْيَةِ}: مدينة أَيلة، {حَاضِرَةَ الْبَحْرِ}: قريبة منه. {يَعْدُونَ في السَّبْتِ}: يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت. {حِيتَانُهُمْ}: المراد بها أَنواع السمك المختلفة. {شُرَّعًا}: جمع شارع أَي: ظاهرة على وجه الماءِ. من شرع علينا إِذا دنا وأَشرف. التفسير 163 - {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ... } الآية: لا يزال الحديث عن سيئات اليهود وآثامهم موصولا، فقد أَمر الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية، أَن يسأَل يهود زمانه المعاصرين له سؤَال تقرير وتقريع بما يفيد أَنهم عريقون في تجاوزهم لحدود الله تعالى. والمراد: إِعلانهم بأَن ما أَخفوه عن غيرهم من مآثمهم، أَطلع الله رسوله عليه ولك شاهد بنبوته - صلى الله عليه وسلم - فإِن مثل ذلك لا يقوله إِلا من اطلع على كتبهم، أَو سمعه من علمائهم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أُمى لا يقرأُ ولا يكتب, فلا سبيل له إِلى اطلاعه عليها، وعلماؤُهم لا يصرحون له ولا لغيره بما يفضح أَسرار أَصولهم وأَجدادهم من المخازى والسيئات، فلا سبيل إِلى معرفتها إِلا أَن يوحى الله إِليه بها، والقرية التي كانت حاضرة البحر هي أَيلة، وهي قريبة بين مدين والطور، وهذا هو ما نقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن ابن شهاب هي طبرية. وقيل غير ذلك والمعنى: واسأَل أَيها الرسول

من عاصرك من اليهود عن حال أَهل القرية التي كانت مشرفة عل البحر، حين يظلمون ويتجاوزون حدود الله في يوم السبت بالصيد فيه وهو محرم عليهم، تعظيمًا لهذا اليوم الذي كان يوم راحة وعبادة لديهم، كما حرم عليهم فيه الاشتغال بغيرها، وكانت تأْتيهم حيتانهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماءِ، حيث أَدركت بغريزتها هدوء حركة الصيد في هذا اليوم، فكانت تطفو على وجه الماءِ آمنة. وكأَن الله تعالى - يبعثها على الظهور في هذا اليوم ابتلاء لهم، وحين لا يكونون في يوم السبت لا تظهر على وجه الماءِ ولا تكون كثيرة لديهم. {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: أَي مثل ذلك الابتلاء الشديد نبتليهم بسبب فسقهم وخروجهم على طاعة الله - تعالى - السبت اسم لليوم المعروف، وأضيف إِليهم في قوله تعالى: "يوم سبتهم" لاختصاصهم بأَحكامه، ويجوز أَن يكون مَصْدَرَ سَبَتَ اليهود إِذا عظمت السبت بالتجرد للعبادة فيه ويؤيده قراءة: "يَوْمَ إِسْبَاتِهمْ" وكذا قوله تعالى "وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ": أَي ويوم لا يعظمون السبت, لأَنهم في يوم آخر سواه. {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)}. المفردات: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ}: قال الأَزهرى؛ المعذرة بمعنى الاعتذار، وَعُدَّىَ بإِلى متضمنة معنى الإِنهاء والإِبلاغ.

{بَئِيسٍ}: شديد، {عَتَوْا}: تكبروا وأَعرضوا. {خَاسِئِينَ}: أَذلاء صاغرين. التفسير 164 - {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا .. } الآية: لا يزال الحديث موصولا عن مساوئ اليهود منذ عهد بعيد، فقد بينت هذه الآية الكريمة: أَن جماعة صالحة من أَهل القرية التي كانت حاضرة البحر ومشرفة عليه، دأَبوا على وعظ أَهلها وتذكيرهم بوجوب تنفيذ أَوامر الله والانتهاءِ عن محارمه، وفي جملة ذلك الصيد في يوم السبت الذي جعله الله يوم عبادة، وحرم الاشتغال فيه بغير العبادة من صيد وسواه، كما بَيَّنَتْ أَن جماعة أُخرى من أَهل الصلاح رأَوا أَن لا فائدة من وعظ أولئك القوم المُصِرِّين على المخالفة والعصيان فقالوا للواعظين: لماذا تشتغلون بوعظ هؤلاءِ المقيمين على العصيان، الذين سيهلكهم الله ويستأْصلهم بذنوبهم، أو يعذبهم عذابًا شديدًا دون استئصال. يريدون بمقالهم هذا أَن يكف الواعظون عن وعظهم لعدم فائدته في قومهم فيجيبهم أولئك الوعاظ قائلين: إِنما نواصل وعظهم اعتذارًا إِلى الله ورجاء أَن يتقى قومنا ربهم بتوالى وعظهم، يقصدون أَنهم باستمرارهم على وعظ أولئك المعرضين، يهدفون إِلى تحقيق غرضين، (أَولهما): أَن يقدموا معذرة إِلى الله حتى لا ينسبهم إلى نوع من التفريط في النهي عن المنكر، فإن الله أَخذ العهد على أَهل العلم أَن يعلموا الناس وأَن لا يقنطوا من عدم الاستجابة السريعة إِلى تعليمهم وإِرشادهم (وثانيهما): أَن يستجيب الناس إِلى الوعظ فكم من عاص تاب إِلى الله بعد حين من وعظه. والموعظة: العذر الذي يُتَنصَّل به من الذنب. وهذا التقاول الذي حدث، إِما أَن يكون بين فريقين من الوعاظ، كأَنه قال بعضهم لبعض: لماذا نشتغل بما لا يفيد، وإِما أَن يكون بين فريق صالح من الأُمة لم يرضهم رفض قومهم للوعظ، وبين طائفة الوعاظ إِشفاقًا عليهم من جهدهم الضائع في أُمتهم، كأَنهم يقولون لهم: كفوا عن وعظهم فإِنه عدم الفائدة.

أَما قولهم: {اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} فالمقصود منه أَن المعاصي والذنوب مآلها الاستئصال بالهلاكِ في الدنيا، أَو العذاب الشديد في الدنيا بدون هلاك، أَو في الآخرة وقد يجمع الله في الدنيا على العصاة الأَمرين الإهلاك وتعذيبهم عذابًا شديدًا، دون الاستئصال أو المراد تعذيبهم في الآخرة، أَو الجمع بين ذلك كله. وليس المقصود من قول السائلين: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ ... } إلخ: مجرد السؤال عن سبب وعظهم أولئك المعرضين أَو عن حكمته، بل المقصود منه نهيهم عن وعظهم لعدم فائدته كما تقدم بيانه، وقد عدل به إِلى هذا الأُسلوب, لأَنه آكد في النهي، كأنه قيل: أَي حكمة من الاستمرار في وعظهم مع أَنهم مصرّون على الذنب ومعاقبون من الله عليه أَي: لا حكمة فيه فكفّوا عنه. {قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}: أَي قال المرشدون للعصاة مجيبين من أنكر عليهم وعظ العصاة ومعتذرين عن مواصلة وعظهم: إِنما نفعل ذلك ليكون معذرة لنا عند الله، حتى لا نكون من المقصرين في النهي عن المنكر، ولعل ذلك يكون سببًا لإِقلاعهم عما هم فيه من المعاصي. 165 - {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: أَي فلما تركوا ما ذكرهم به وعاظهم ترك الشىء المنسى، وأَعرضوا عنه إِعراضًا تامًّا، أَنجينا الذين ينهون عن المعصية التي من شأْنها أَن تسوءَ فاعلها وعاقبنا الذين ظلموا أَنفسهم بمخالفة أَوامر الله ونواهيه، بعذاب شديد لا رحمة فيه، بسبب استمرارهم على الفسق والخروج عن طاعة الله تعالى. 166 - {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}: بينت الآية السابقة أَن الله تعالى عذبهم بعذاب بئيس لا رحمة فيه بسبب معاصيهم لعلهم يرتدعون، وجاءت هذه الآية لتقرر أَنهم لم يتأَثروا بهذا العذاب، بل استمروا في ارتكاب ما نهوا عنه وزادوا في طغيانهم فعوقبوا بمسخهم قردة في خلقهم أَو أَخلاقهم أذلاء بعيدين عن الإِنسانية صورة أو معنى.

وتحويل من عصى بالصيد يوم السبت، إلى قردة حقيقة هو رأْى جمهور المفسرين، ومن العلماء من يرى: أَن ذلك من باب التمثيل لسوءِ رأيهم وعدم اعتبارهم بالمواعظ، فكما أَن القردةَ لا تهتم بما وراء طعامها وإِشباع غريزتها فكذلك هؤلاء فكأَنه تعالى قال لهم: كونوا مثل القردة في عدم الفهم والإدراك وسوء تقدير العواقب. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ في الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)}. المفردات: {تَأَذَّنَ رَبُّكَ}: تأَذن بمعنى آذن أَي أَعلم، كتوعد بمعنى أَوعد. {مَنْ يَسُومُهُمْ}: من يذيقهم. التفسير 167 - {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ... } الآية. لا توجد أُمة تلاعبت بشريعتها وعبثت بها، ما بين إِيمان وكفر، وطاعة وعصيان مثل بنى إِسرائيل. ونظرا لتأَصُّل الشر فيهم، وسريانه في دمائهم، وتنقله في أَجيالهم سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إِلى يوم القيامة، كما تشير إِليه هذه الآية الكريمة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ... }:

أَي: واذكر يا محمَّد وقت أَن أَعلم ربك الناس بما قضاه على بنى إسرائيل جزاء سيئاتهم وتمردهم المستمر، ليسلطن عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم سوء العذاب، من إِجلاءٍ وتشريد، وقد بعث الله عليهم بعد سليمان عليه السلام بختنصر، فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقى منهم ثم سلط عليهم الرومان مرة بعد أخرى - بسبب جرائمهم - فشردوهم، وهدموا هيكلهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا (¬1). ولما جاء نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق تآمروا على قتله, وعاهدوا قريشًا عليه في غزوة الخندق، فقاتلهم وأَجلى من بقى منهم، ثم توالى عليهم الإِذلال والتشريد والقتل بعد ذلك, أَما نشاطهم الحالى في كثير من المجتمعات - فإِلى حين، ولسوف يعود إِليهم الإِذلال والتشريد، وما ربك بغافل عما يعملون. ثم ختم الله الآية بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ليشير بذلك إِلى أَنه لا ينبغي لأَحد عصى الله أَن يأْمن جانبه ويطمئن إِلى حلمه فيستمر في معاصيه، فهو سريع العقاب لمن رأَى الحكمة في تعجيل عقابه، ويشير بذلك أيضًا إِلى أَنه عظيم الغفران واسع الرحمة لمن تاب وآمن. 168 - {وَقَطَّعْنَاهُمْ في الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ .. } الآية: توعدهم الله في الآية السابقة بأَن يبعث عليهم - إِلى يوم القيامة - من يذيقهم سوءَ العذاب، وجاءت هذه الآية لتبين أثرا من آثار هذا الوعيد وهو تفريقهم في الأَرض حتى لا تكون لهم شوكة، وهذا التفريق والتقطيع في الأَرض بتسليط الله عليهم من يفرقهم فيها بسبب عصيانهم لله وإيذائهم للأُمم التي يعيشون فيها. والمعنى: وفرقناهم في الأَرض فرقًا وقطعًا (¬2) كل فرقة في قطر من أَقطارها, وقلما يخلو قطر فيها منهم، حتى لا تكون لهم شوكة ومنعة باجتماعهم في قطر واحد يترتب عليه أَذى ¬

_ (¬1) ولما جاءت المسيحية لقوا من أهلها أذى كثيرًا، بغير شفقة ولا رحمة، حيث شردوهم في أنحاء الأرض, وأحرقوهم وفرضوا عليهم أفدح الضرائب واستعبدوهم وكل ذلك بسبب جرائمهم ومؤامراتهم. (¬2) والتعبير عن فرقهم بالأمم في قوله تعالى: "وقطعناهم في الأرض أمما" للإشارة إلى أنهم حينما يتفرقون في الأرض يكونون أمما أَي جماعات، فتراهم يتجمعون ولا يسمحون بدخيل يكون بينهم، يتعرف مكرهم ويطلع على مكايدهم، وينبه الدولة التي هم فيها إلى مؤامراتهم وخطرهم.

كثيرًا لعباد الله، أَلا ترى أَنهم لما اجتمعوا وصارت لهم دولة في فلسطين تنفيذًا لوعد - بلفور - الإِنجليزى في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادى، آذوا جيرانهم من عرب فلسطين والأُردن وسوريا ومصر، وعدوا على أَراضيهم، ولكن الله العلى القدير، سلط عليهم جيش مصر وجيش سوريا في العاشر من رمضان سنة 1393 الموافق 6 من أُكتوبر سنة 1973، فدكا حصونهم وأَوقعا بجيشهم، فقتلا منهم وجرحا وأَسرا عددًا كبيرًا، وحطما أَسلحتهم وأَجهزة الحرب لديهم، من طائرات ودبابات وغيرها، في حرب خاطفة أَذهلت أُمم العالم، وحملتهم على تأييد العرب ضدهم في استردادهم الأَرض التي سلبوها منهم وسيتحقق بإِذن الله للعرب والمسلمين مزيد من النصر عليهم، حتى تزول دولتهم من أَرض العرب، وتنتهى شوكتهم ومنعتهم، ويعودوا إِلى سوءِ العذاب والنكال الذي توعدهم الله به في قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ... } الآية. أَمَّا الصالحون منهم في قوله تعالى: {مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ} فالمقصود بهم كما قال الطبرى من آمنوا بالله ورسله الذين أرسلوا إِليهم، وثبتوا على دينهم قبل عيسى عليه السلام. وقيل: هم الذين أَدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به، ونسب ذلك إلى ابن عباس - رضي الله عنهما -. وأَما من هم دون ذلك في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} فالمقصود بهم كفارهم وفساقهم فهم دون الصالحين وأَحط منهم. {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: أَي وامتحناهم بالنعم المختلفة من مال وخصب وعافية وولد وغير ذلك من الحسنات, كما امتحناهم بالمحن المتنوعة من الجدب والتشريد، والقتل والأَسر وغير ذلك من السيئات التي تسوءهم لعلهم يرجعون إِلى طاعة ربهم, ويتوبون من غيهم.

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)}. المفردات: {خَلْفٌ}: المراد بهم هنا الأَولاد، وأَكثر ما يستعمل الخلْف بسكون اللام في الشر ومنه: سكت ألْفًا ونطق خَلْفًا، وأَكثر ما يستعمل الْخَلَفُ بفتح اللام في الخير وأَصل الخلف بصيغتيه ما يكون وراء غيره أَو بعده. {عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى}: الْعَرَضُ: ما لا ثبات له، وفي النهاية: العرَض - بالفتح - متاع الدنيا وحطامها. والمراد بهذا الأَدنى: الدنيا. وأُشير إِليها "بهذا" وهو للمذكر، على تقدير: هذا الشىءُ الأَدنى (¬1). {مِيثَاقُ الْكِتَابِ}: المراد بالكتاب: التوراة. وبميثاقه: عهده الوثيق المؤكد. {يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ}: يتمسكون به. التفسير 169 - {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ... } الآية: ¬

_ (¬1) ويصح أن يكون المشار إليه ملحوظا، وهو متاع الدنيا، والأدنى: صفة لعرض، والمعنى: يأخذون العرض الأدنى من متاع الدنيا وهو الحرام، ولا يقتصرون على حلاله.

أَي: فجاء من بعد الصالحين والطالحين الأَولين من بنى إِسرائيل ذرية خلفهم ورثوا كتاب التوراة عن أَسلافهم - وهم الذين عاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعاطون العرض الأَدنى من هذا المتاع الدنيوى، وهو ما حرمه الله في كتابهم من الأَموال والعروض والوجاهة القائمة على الأَضاليل، ولا يقتصرون على ما أَحله الله منها، فقد كانوا يأْخذون الرشوة على القضاء لصالح من يدفعها وعلى تغيير حكم الله في التوراة عند الفتوى لقاء عرض زائل (¬1) وعلى تحريفها وسوء تأْويلها لصالح زعمائِهم ليحتفظوا بوجاهتهم لديهم، ويقولون في أَنفسهم لا يؤاخذنا الله بما نأخذ ولا بما نقول، بل سيغفر لنا، زاعمين أَنهم أَبناء الله وأَحباؤُه، ولهذا يصرون على الذنب، وهذا هوالمقصود بقوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} أَي يرجون المغفرة والحال: أَنهم إن يأْتهم عرض محرم مثل الذي أَخذوه يعودون لأَخذه مصرَّين على الذنب، زاعمين المغفرة مع الاستمرار فيه، فهم لا يرعوون ولا يتوبون {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ}: أَي أَلم يؤخذ على بنى إِسرائيل ميثاق التوراة وعهدها أَن لا يقولوا على الله إِلا الحق ودرسوا ما فيه دراسة تامة، فعرفوا حلاله وحرامه، فما بالهم يتعاطون الحرام ويصرون عليه، ويقطعون بمغفرة الله لذنوبهم. {وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: أَي وثواب الدار الآخرة خير للذين يتقون الله فيتوبون إِليه من كفرهم ومعاصيهم وقولهم على الله غير الحق وأَخذهم ما لا يحل لهم، فإِن متاع الدنيا قليل ومتاع الآخرة كثير دائم. 170 - {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}: أَي: والذين يتمسكون في أُمور دينهم بالكتاب، يقال مَسَّك بالشىءِ وتمسك به بمعنى واحد والمراد بهم - كما قال مجاهد وابن زيد - الذين آمنوا من أَهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأَصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى - عليه السلام - فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة. ¬

_ (¬1) قيل: كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون كتاب الله فيحكمون له به, فإذا جاءهم المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم تحريفا وتبديلا لما في التوراة - فحكموا له به.

وقد كان تمسكهم بكتابهم على هذا طريقًا إِلى إِيمانهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به من عند الله تعالى، وذلك أَنهم رأَوا ما فيه من أَوصاف خاتم النبيين، فوجدوها منطبقة عليه - صلى الله عليه وسلم - وعلى ما جاء به من الهدى، فسارعوا إلى الإيمان به، والعمل بكتابه، تمسكًا منهم بكتابهم الذي يوجب عليهم حينما يتحققون من أَمارات نبوته، أَن يسارعوا إِلى الإِيمان به والعمل بكتابه، فهو مهيمن على جميع الكتب السماوية، مشتمل على أُصول ما جاءَ فيها، فمن عمل بالقرآن، فقد تمسك بجميع الكتب السماوية لاشتماله عليها وانفراده عنها بما جاءَ فيه من الفروع المناسبة لحال الأُمة الإِسلامية، التي جعلها الله خير أُمة أُخرجت للناس. ويئول الأَمر إِلى أَنهم يتمسكون بالقرآن الكريم (¬1). وقال عطاء: المراد من الذين يمسكون بالكتاب أمة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - والمراد من الكتاب القرآن الكريم. ومعنى الآية: والذين يتمسَّكون في أمرهم كله بكتاب الله تعالى ويعلمون بما فيه دائما واهتموا بالصلاة خاصة فأَقاموها في أَوقاتها بأَركانها وشروطها، إِن الله لا يضيع أَجرهم فهم مصلحون، والله لا يضيع أَجر المصلحين. وتخصيص إِقامة الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات مع دخولها في التمسك بالكتاب: لأَنها تنهى عن الفحشاءِ والمنكر، فإِن من يقف مخلصًا بين يدي ربه خمس مرات في اليوم والليلة يناجيه ويدعوه، يستحى أَن يفعل ذلك وهو مرتكب للفحشاءِ والمنكر، ولهذا اعتبرت عماد الدين (¬2). ¬

_ (¬1) لأن العمل بالتوراة بعد نزول القرآن قد نسخ بوجوب العمل بما في القرآن، فقد اشتمل على فروع تناسب مصالح المجتمع بعد بعثة محمَّد إلى يوم القيامة. (¬2) والتعبير عن التمسك بالكتاب بصيغة المضارع (يمسكون) للدلالة على أن التمسك به يجب أن يستمر ويتجدد في جميع الأزمنة، أما التعبير عن إقامة الصلاة بصيغة الماضي (وأقاموا الصلاة) فلأنها مختصة بأوقاتها الخمسة.

{وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)}. المفردات: {نَتَقْنَا}: رفعنا - {ظُلَّةٌ}: الظلة ما أَظلك. {بِقُوَّةٍ}: بجد وعزيمة - {وَظَنُّوا}: أَي تيقنوا - وكثيرًا ما يستعمل الظن بمعنى التيقن كما هنا. التفسير 171 - {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ .. } الآية: الربط: هذه الآية الكريمة متصلة بالآيات السابقة التي سجلت على بنى إِسرائيل عنادهم وكفرهم بعد ما رأَوا الآيات، وبعد أَن حقق الله لهم كثيرًا من الرغبات التي كانت تقتضى منهم الإيمان والشكر، بدلا مما هم عليه من العصيان والكفر، وقد كان مما طلبوا أَن يأْتيهم نبى الله موسى بكتاب من عند الله، فيه بيان للتشريعات، وتوضيح لمعالم الحلال والحرام، وقد جاءَهم موسى بالتوراة مكتوبة في الأَلواح، قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} (¬1). فلما قرأَ عليهم التوراة، بادروا نبيهم بأَن ما فيها لا يتحملونه, لأنه إِصر وحمل ثقيل عليهم لا يطيقونه، وكان هذا منهم عنادًا, فحملهم الله على العمل بما في التوراة بعد أَن لم يجد معهم اللين، بأَن نتق الجبل فوقهم ورفعه رفعا حقيقيا كأَنه ظُلَّة. ¬

_ (¬1) الأعراف: من الآية 145 وقد مضى تفسيرها.

المعنى: واذكر يا محمَّد وقت أَن رفعنا الجبل فوق بنى إِسرائيل فظللهم وتيقنوا أَنه واقع بهم وساقط عليهم لعدم ثبات الأَجسام الثقيلة في الفضاءِ، وقلنا لهم في هذه الحالة المخيفة تقبلوا ما فرضناه عليكم في التوراة، وخذوه بجد وعزيمة وصدق، {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: أَي تدارسوا تعاليمه وأَحكامه واذكروها، واعملوا بما فيها حتى لا تنسوها فإِن الدراسة والعمل تجعل كتابكم غير منسىّ ولا متروك, وفي دراسته على هذا النحو تطهير لقلوبكم وتزكية لنفوسكم وسلوك بكم سبيل الوصول إِلى درجة المتقين. وقد يقال: إِن إِيمانهم بعد رفع الجبل فوقهم حاصل بالإِلجاءِ والإِكراه وهو مناف للإِيمان الصادق, لأَنه إِنما يكون بالاختيار. ويردُّ على ذلك بأَن الله قد ترك لهم فرصة الاختيار مدة كافية قبل رفع الجبل، ولم يؤمنوا لقسوة قلوبهم، فكان هذا الإِلجاء في آخر أَمرهم بمنزلة جهاد الكافرين والمشركين بعد أَن وجهت الدعوة إِليهم ليؤمنوا اختيارًا فأعرضوا وفي كلا الأَمرين مصلحة لهم. {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)}. المفردات: {مِنْ ظُهُورِهِمْ}: من أَصلابهم - {الْمُبْطِلُونَ}: المتبعون للباطل.

التفسير 172 - {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ .... } الآية: الربط جاء فيما سبق بيان أَخذ العهد على بنى إِسرائيل ليأْخذوا التوراة ويعملوا بما فيها، وفي هذه الآيات بيان أَخذ العهد على بنى آدم جميعًا ويدخل فيهم بنو إِسرائيل لتتأَكد مسئوليتهم عن عهدهم بدخولهم في العهد العام. المعنى: واذكر يا محمَّد الوقت الذي أَخذ الله فيه العهد على ذرية آدم في عالم الغيب. {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}: أَي طلب منهم أَن يعترفوا ويقروا بأَن الله ربهم ومالك أمرهم، وأَنه لا إِله إِلا هو، بعد أَن غرس في نفوسهم ذلك وفطرهم عليه، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (¬1) وفي الصحيحين: عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كل مولود يولد على الفطرة ... " وبعد أَن هيأَهم الله لقبول ذلك وجَّه إِليهم الخطاب بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فكان جوابهم أَن {قَالُوا بَلَى} أَي أَنت ربنا وحدك لا شريك لك، وبذلك الاستفهام التقريرى من الله بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} والإِجابة منهم بقولهم: (نعم) تَمَّ أَخْذُ الميثاق من الله على عباده. {شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}: أَي: قال الله شهدنا عليكم بما اعترفتم به حتى لا ترجعوا يوم القيامة فيما أَقررتم به معتذرين بقولكم: إِنا كنا عن هذا العهد غافلين - أَي لا علم لنا به - ولا ندرى أَننا عاهدنا هذا العهد، ويجوز أَن يكون بنو آدم هم الذين قالوا {شَهِدْنَا} تأْكيدًا لموافقتهم على العهد بقولهم {بَلَى} فتكون هذه الشهادة من جملة مقول القول. ويقول بعض المحققين: إن هذا العهد تمثيل لخلقه تعالى إِيَّاهم على الفطرة السليمة، الصالحة للاستدلال بالآيات الكونية على وجوده وربوبيته لهم، وأن ذلك هو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يُولد على الفِطْرة .. " الحديث. ¬

_ (¬1) سورة الروم: من الآية 30

173 - {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ .. } الآية: أَي أَن الله تعالى أَخذ عليهم العهد بربوبيته حتى لا يعتذروا عن شركهم بغفلتهم، كما مر في الآية السابقة، أَو يعتذروا بأَن يقولوا: إِنما أشرك، آباؤُنا من قبلنا وكنا ذرية لهم من بعد شركهم، فأَشركنا بشركهم، ونشأْنا نقتدى بهم - كما قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (¬1). والمراد بيان أَن الله أَثبت بالحجة على كل نفس أَنه أَخذ الميثاق عليهم بتوحيده وأَنه لا يقبل منهم عن الشرك الاعتذار بالغفلة والجهل أَو التقليد للآباء. {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}: أَي أَتؤَاخذنا فتعذبنا بما فعل المشركون من آبائنا والذنب ذنبهم وتجعل عذابنا مثل عذابهم، مع قيام عذرنا بتقليدنا لهم وحسن الظن بهم؟ ولكن هذا الاعتذار لا يجديهم، بعد إِرسال الرسل مرشدين لهم، مؤيدين لفطرة الله فيهم. 174 - {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: أَي ومثل هذا البيان البليغ الواضح نبين الآيات الناطقة بمصير المقلدين لآبائهم ليتفكروا هم ومن على شاكلتهم، ولعلهم يرجعون عن غيهم وجهلهم وتقليدهم، ويعودون إِلى الرشد والهداية الصحيحة, بحيث يعرفون ما وجب عليهم نحو خالقهم. {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}. ¬

_ (¬1) سورة الزخرف من الآية 23.

المفردات: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ}: واقرأ عليهم - {نَبَأَ}: خبر - {فَانْسَلَخَ مِنْهَا}: فخرج منها وتركها {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ}: أَدركه وتمكن من الوسوسة له. {الْغَاوِينَ}: المُبْعَدِين في الضلال - {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ}: مال وسقط. {يَلْهَثْ} اللهث: التنفس الشديد مع إِخراج اللسان. {سَاءَ}: كلمة ذمٍّ مثل بئس ومعناها قبح. التفسير 175 - {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا (¬1) ..... } الآية: أَي واقرأ يا محمَّد على من بعثت إِليهم ومنهم اليهود، خبر الذي آتاه الله الدلائل والبراهين الدالة على الهدى والداعية إِلى الرشاد فترك العمل بها كلية ونبذها وراء ظهره ولم يعرها التفاتًا وتفكرا، فأَدركه الشيطان بالوسوسة والغواية، وصار قرينًا وملازما له، وازداد عصيانًا وضلالا بذلك {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}: أَي فصار من الراسخين في الغواية والضلال بإِعراضه عن الآيات البينات التي آتاه الله إياها. 176 - {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا .. } الآية: أَي ولو أَردنا هدايته إِلى الحق بما أَعطيناه من الآيات، لرفعناه إِلى الانتفاع بها والعمل بمقتضاها والوصول إِلى الدرجات العالية والمنازل الرفيعة. {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ}: أَي ولكنه مال إِلى الهبوط بسوءِ اختياره. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}: بالإِعراض عن تلك الدلائل الواضحة، فانحط أَشد انحطاط وارتدَّ أَسفل سافلين. وحرم بذلك من مشيئتنا هدايته، ورفعه من كبوته. ¬

_ (¬1) اختلف في تعيين الشخص الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، فقيل هو بلعم بن باعوراء, أو بلعام بن ياعر من الكنعانيين, أوتى علم بعض كتب الله تعالى, فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وقيل هو أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل في هذا الزمان رسولًا ورجا أن يكون ذلك الرسول، فلما بعث نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - حسده وكفر به، وقد أغفلنا ذكر اسم هذا الغاوى في التفسير، نظرًا للاختلاف فيه، ولأنه ليس هناك سند مقبول يعتمد عليه. في تعيينه، والله أعلم به والمهم هو مغزى قصته لا شخصه لأن شخصه لا يتعلق بتعيينه غرض، فلذا غفل القرآن ذكر اسمه، وقد تبعناه في ذلك.

ثم ضرب الله لصاحب هذه القصة مثلا يصور مبلغ تسفله وانحطاطه فقال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}: أَي فصفة وحال هذا العالم في الخسة والدناءَة كصفة وحال أَخس الحيوانات في أَخس أَحواله، وهي اللهث دائمًا في حالتى الراحة والتعب، كما قال سبحانه: {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}: أَي إِن تطارده بالضرب والإِهانة يخرج لسانه من آثار الإِرهاق والمطاردة وإِن تتركه دون مطاردة وإِيذاء يخرج لسانه كذلك، فشأَنه واحد في الحالين، كذلك شأن ذلك العالم الذي آتاه الله علم آياته ولم يعمل بعلمه، فإِنه لم ينتفع بما علمه سواء أَوَعَظْتَهُ أَم تركته فهو في الحالين باق في ظلمات الجهل، والمراد من التشبيه ذم هذا الذي آتاه الله الآيات البينات، فترك العمل بها. {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}: أَي ذلك المثل الذي تقدم هو صفة وحال كل الذين كذبوا بآياتنا التي أَوضحت لهم سبل الهداية والرشاد فلحقهم الذم لهذا الوصف القبيح {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}: أَي فاذكر يا محمَّد لقومك المخالفين لك والمكذبين لرسالتك قصص المكذبين السابقين عن عناد واستكبار رجاءَ أَن يتدبروا أَمرهم ويعتبروا بما في القصص من عبر ومواعظ {لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (¬1) ثم ختم الله هذه الآيات بقوله: 177 - {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... } الآية: أَي قَبُح مثلا حالُ المكذبين لآياتنا التاركين لها عنادا واستكبارا مع وضوحها، وقد ظلموا أَنفسهم دون غيرهم حيث عرضوها للعذاب والعقاب بسبب ما اختاروا من التكذيب والعصيان. والمراد من هذه الآية المبالغة في ذم هؤُلاءِ الذين جمعوا بين التكذيب بالآيات وظلم أَنفسهم بالمعاصى. ¬

_ (¬1) سورة يوسف: من الآية 111

{مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)}. المفردات: {ذَرَأْنَا}: خلقنا - {لَا يَفْقَهُونَ}: لا يفهمون ولا يدركون. {الْغَافِلُونَ}: التاركون لما ينفعهم الساهون عنه. التفسير 178 - {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}: لما أَمر الله النبي عليه الصلاة والسلام بأَن يقص على أُمته - عظة واعتبارا - قصص الذي آتاه الله الآيات فتركها عنادا واستكبارا، عقب ذلك بقوله: {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ليبين أَن الهداية إِلى الحق بتوفيق الله للعبد؛ وذلك لا يكون إِلا لمن نظر في آيات الله، وسلك سبيل هداه. والمعنى: من يهده الله إِلى دينه الحق بعد أَن سلك طريق هداه، فهو المهتدى دون سواه، ممن سلك سبيل هواه, ومن يتركه في ضلاله لغفلته عن هداه، فأولئك هم الخاسرون دنياهم وأُخراهم.

179 - {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا ... } الآية: أَي والله لقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب فيها خلقا كثيرا من الثقلين؛ الجن والإِنس، بسبب صرف وسائل الإِدراك والمعرفة التي أَودعناها فيهم إِلى طريق الشر، لسوءِ اختيارهم، وكان من الممكن أَن يسلكوا بها طريق الخير لو استعملوا عقولهم وأَسماعهم وأَبصارهم فيما ينفعهم، فاستعملوا عقولهم في فهم الآيات التي أَنزلها الله إِليهم، وأَسماعهم في سماع الحجج التي أَتتهم على لسان رسلهم، وأَبصارهِم في النظر في آيات الله التي نصبها لهم في الآفاق، وحثهم على النظر فيها والاعتبار بها ولكنهم لم يفعلوا فاستحقوا الخلود في جهنم. {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}: أَي هؤلاءِ الموصوفون بتلك الصفات المتقدمة، الذين أَوغلوا في الضلالة من الجن والإِنس، قد انحطت منزلتهم إِلى الحضيض، فأَشبهوا الأَنعام التي لا تعقل ولا تدرك إِلا بعض وسائل معيشتها {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}: أَي بل هم أَكثر ضلالا منها؛ لأَن الأَنعام عندها شعور بالحاجة إِلى الغذاءِ، والبعد عما يضرها، وهؤلاءِ ليسوا كذلك، حيث عرفوا ما يؤدى إِلى هلاكهم ووقعوا فيه، {أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}: أَي أُولئك المماثلون للأَنعام بل الأضل منها هم الكاملون في الغفلة، عما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية الكريمة تقرير لمضمون ما سبق في قوله: {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)}. التفسير 180 - {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ... } الآية: بعد أَن بين القرآن الكريم غفلة الغافلين التامة عن الله سبحانه وتعالى، وما يحيق بهم من العذاب، جاء يعلم المؤْمنين كيف يذكرونه تعالى، وكيف يعاملون

المخلين بذلك، الغافلين عن الله، وعما يليق بمقامه العظيم؟ فقال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا .... } الآية: أَي ولله تعالى وحده أَجمل الأَسماءِ الدالة على أَحسن المعانى وأَشرفها فسموه أَيها المؤمنون بتلك الأَسماء العظيمة التي علمكم إِياها في دعائكم إِياه وندائكم له إِجلالا لقدره وتعظيما لمقامه {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِهِ}: أَي واجتنبوا الذين يميلون عن الحق في أَسمائه تعالى - حيث اشتقوا منها أَسماء لآلهتهم، كاشتقاقهم "اللاَّت" من الله، "والعُزْى" من العزيز، "ومَنَاةَ" من المنان - أَو معنى يلحدون في أَسمائه، يسمونه سبحانه بغير ما سمى الله تعالى نفسه به، مما لم يرد به كتاب ولا سنة, لأَن أَسماءَ الله تعالى توقيفية - فيجوز أَن يقول المؤمن في دعائه مثلا: يا جواد - ولا يجوز أَن يقول يا سخى، ويجوز أَن يقول: يا عالم، ولا يجوز أَن يقول: يا عاقل، وهكذا .... {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَي سيعاقبون بإِلحادهم فلا تتبعوا سبيلهم كى لا يحل بكم من العقاب ما سينزله الله بهم عقوبة ضلالهم المبين، وانحرافهم عن الحق بتسميته بما لم يأْذن به الله. وبعد أَن أَوضح القرآن حال الملحدين ومصيرهم، شرع يبيَّن حال المهتدين الداعين إِلى الخير وإِلى الصراط المستقيم، القائمين بالعدل بين الناس فقال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)}.

المفردات: {أُمَّةٌ}: جماعة، {كَذَّبُوا}: جحدوا. {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ}: والاستدراج النقل درجة بعد أخرى صعودا ونزولا والمراد منه هنا نقلهم وتقريبهم إِلى الهلاك بالنعم التي اغترُّوا بها ولم يؤدُّوا حقها. {كَيْدِي}: تدبيرى. {مَتِينٌ}: قوى. {وَأُمْلِي}: أمهل. التفسير 181 - {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ .. } الآية: أَي وممن خلق الله من الثقلين جماعة تمسكوا بالحق، وعملوا به، ودعوا الناس إِلى اتباعه والتزام طريقه، فكانوا كاملين في أَنفسهم مكملين لغيرهم. {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}: أَي وبالحق يقيمون العدل بين الناس والوزن في قضاياهم بالقسطاس المستقيم، حتى يكونوا على الحق في كل شئونهم، وأطلق على الطائفة الهادية المهتدية كلمة - أُمة - لأَنها تطلق على الطائفة، التي توحدت كلمتها، واتخذت منهجا واحدا في طريقها إِلى الحق، فسلكت سبيل الله المستقيم الذي دعا إِليه. 182 - {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}: بعد أَن ذكر القرآن الكريم حال الهادين المهديين، بين حال المكذبين بآيات الله التنزيلية والكونية ومآلهم، ترغيبا في طريق الأولين وتنفيرا من سبل المكذبين فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}: أَي والذين أَنكروا وجحدوا آياتنا ولم يعملوا بها، بعد أَن علموا عظيم نفعها وعلو شأْنها، وأنها معيار الحق، ومصداق الصدق، وميزان العدل، كما يستفاد من إضافة الآيات إِلى نون العظمة في - آياتنا - {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}: أَي جزاؤهم أَننا سننقلهم ونقربهم إِلى الهلاك شيئًا فشيئا وقليلا قليلًا بسبب النعم التي اغتروا بتواليها عليهم فقد كانوا كلما أَتوا ذنبا أعطوا نعمة (¬1) استدراجًا لهم (¬2) فظنوا لعظم غفلتهم عن الله وعن سننه في خلقه أَن ذلك إِكرام لهم، حتى يكون أَخذه على حين غفلتهم عن العبرة به أَخذا قويا، كما يشير إِليه قوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}: أَي وامهل ¬

_ (¬1) ونسوا الشكر عليها. (¬2) قال في الشهاب: إذا رأيت الله أنعم على عبده وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه استدراج.

هؤلاء المكذبين وأَمدّ لهم في حبل النعم. {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}: أَي إِن انتقامى للممستدرَجين قوى لا يدافع, وسمّى الانتقام كيدًا لأَن فيه أَخذ الظالمين المكذبين وعقابهم على خلاف ما كانوا يظنون، فقد كانوا مغرورين بتوالى العطاء، ويظنونه لطفًا بهم وإِكرامًا لهم، ليكون العقاب شديدًا ومضاعفا عند المفاجأَة، وتلك نتيجة الغفلة عن الله، فيكون الجزاء من جنس العمل حيث يأْتيه على حين غفلة منه فينزل به بأْس الله {بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ}. أَي في الوقتين اللذين هما مظنة الراحة والأَمن والطمأْنينة. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)}. المفردات: {جِنَّةٍ}: بكسر الجيم جنون، {مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أَي العوالم التي اشتملت عليها السموات والأَرض {يَذَرُهُمْ}: يتركهم، {يَعْمَهُونَ}: يتحيرون. التفسير بعد أَن بين القرآن الكريم تكذيبهم بالآيات التي جاءَت بها الرسل لهدايتهم، شرع ينكر عليهم عدم تدبرهم في رسالة الرسول مع قيام الأَدلة على صحة رسالته وسلامة عقله فقال تعالى: 184 - {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ... } الآية: أَي أَغفلوا عما امتاز به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم من رجاحة العقل، وصدق القول، والأَمانة الكاملة

فقد عرفوه بالصادق الأَمين والمفكر السليم، ولم يسبق منه ما يقتضي وصفه بخلاف ما عرفوه به، فكيف أجازوا لأَنفسهم وصفه بالجنون، بعد أن جاءهم بالهدى والبينات من ربه؟ إِن هذا لشىء عجاب، فقد صاحبوه أربعين سنة قبل البعثة عرفوه فيها بسلامة العقل وصدق الحديث، وبما أن وصفه بالجنون صادر عن حقد وحسد دون تدبر ودون إنصاف فلذا أنكره الله عليهم، وخصه بكونه منذرا ومبلغا لهم عن ربهم بقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ}: أَي ما محمَّد إلا محذر ومخوف من عقاب الله مُبين شرع الله بالحجة الواضحة والبرهان الصادق. ثم وجه الله تعالى أَنظارهم إِلى ما في الكون من آيات مرئية تثبت قدرته تعالى وحكمته في إرسال الرسل لتصحيح عقائدهم الباطلة، والسير بهم إِلى ما يوصلهم إِلى نعيم الآخرة التي أَنكروا مجيئها، وكذبوا بالبعث بعد الموت فقال تعالى: 185 - {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ... } الآية: أَي أعَمُوا عن التدبر فيما بين أَيديهم من آثار قدرته تعالى، ولم ينظروا نظر اعتبار وتدبر فيما يشاهدونه في عالم السموات، وعالم الأَرض، وفي مخلوقات الله جميعًا {وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}: أَي أَغفلوا كذلك ولم ينظروا إِلى انتهاء حياتهم بالموت الذي يقتربون منه يوما بعد يوم ولحظة بعد لحظة فيقطع عليهم آجالهم وآمالهم قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (¬1). وفي هذا حث أَكيد على المبادرة إِلى التدبر فيما يرشدهم ويردهم إِلى الصواب، ويردعهم عما هم فيه من ضلال قبل ذوات الأَوان بحلول الموت الذي يعقبه الثواب والعقاب. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}: أَي وإِذا لم يؤمن هؤلاء بالله ولم يصدقوا بالقرآن الكريم فبأَى حديث بعد القرآن يصدقون؟ - ولا حديث أَصدق منه -، فقد اشتمل على ما يحقق سعادة العباد في الدنيا والآخرة، فقد كثر فيه الحديث عن ثواب الطائعين ترغيبا في الطاعة، كما أَنذر العصاة كثيرًا ليقوِّم اعوجاج العاصين، قال تعالى: {اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}. 186 - {مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ... } الآية: أَي - من يوقعه الله في الضلال الذي اختاره فلا يجد هاديا يهديه من دون الله لأَنه وحده يهدى من يشاء ويضل من يشاء ¬

_ (¬1) الأنبياء: الآية 1

{وَيَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}: أَي ويتركهم في تجبرهم الذي جاوزوا به حدود الله التي بينها لعباده وأَرشدهم إِلى الوقوف عندها - يعمهون - يتحيرون ويتخبطون في ظلمات البغى والضلال {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)}. المفردات: {السَّاعَةِ}: المراد بها هنا يوم القيامة وقد يراد بها لغة جزء من الزمن. {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}: أَي متى حصولها. أَو متى وقوعها؟ {لَا يُجَلِّيهَا}: لا يظهرها ويكشفها على وجه التحديد. {ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: عظم أَمرها على أَهل السموات والأَرض لما فيها من الأَهوال. {بَغْتَةً}: فجأَة. {حَفِيٌّ عَنْهَا}: بالغ العلم بها. التفسير بعد أَن تحدث القرآن الكريم في الآيات السابقة عن المهتدين والضالين، تحدث عن الساعة التي هي مبدأ القيامة، وبعدها يكون الثواب والعقاب فقال تعالى: 187 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا .... } الآية: أَي يسأَلك الناِس يا محمَّد عن وقت مجىء الساعة التي يموت فيها الناس جميعًا استبعادا لحصولها وتكذيبا لوقوعها إِن كان السؤال من المشركين أَو اختبارًا لصدق نبوتك إِن كان السؤال من جهة أَهل الكتاب، {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أَي متى يكون مجيئها وثبوتها.

وليس لهم من هذا السؤال هدف صحيح، وإنما قصدوا التهكم والإِنكار أَو امتحان محمَّد - صلى الله عليه وسلم - في صدق رسالته كما تقدم وفي ذلك يقول الله تعالى حكاية عنهم: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (¬1)، وقد أَمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أَن يجيب السائلين بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ}: أَي قل لهم يا محمَّد: لا يعلم وقت مجيئها واستقرارها إِلا الله وحده لا يتعداه إِلى أَحد من خلقه، حتى الأَنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ}: أَي لا يظهرها ولا يأتى بها في وقتها غير الله تعالى وحده، وفي هذا القول تأكيد بليغ وزيادة تقرير لما سبق من اختصاص علم الله تعالى بذلك {ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أَي عظم أَمرها واشتد وقعِها على أَهل السموات والأَرض بعد أَن أَعلمهم الله تعالى بما سيكون فيها من الشدائد والأَهوال كما قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3)} وقوله: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2)}، {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً}: أَي لا تأْتيكم إلا فجأَة وعلى حين غفلة، وحينئذ تشعرون بثقلها لهول المفاجأَة بها، وبشدائدها وعقابها وفي هذا تقرير لنفى العلم بوقتها عمّن سوى الله تعالى واختصاصه سبحانه، به وحده. {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}: أَي يسأَلك الناس يا محمَّد عن وقت وقوع الساعة، مقدرين أَن علمك بها كعلم من أَحاط بالشيء وأَدركه على حقيقته، وهم مخطئون، في تقدير إحاطتك بوقت وقوعها، يوضح ذلك أَمره تعالى لنبيه بإعادة ما سبق أَن ردّ به عليهم حيث قال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ}: لا يعلم وقت مجىء الساعة إلا الله وحده دون سواه، وفي هذا تأْكيد وتعميق للمعنى المستفاد من الرد الأَول مع ما يفيده ذكر لفظ الجلالة من هيبة ورهبة في مقابلة جهلهم وتعنتهم في طلب أُمور لا يعلمها إلا الله وحده. وفي ختم الآية بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} إِشعار بأَن منشأَ السؤال هو جهل أَكثرهم وأَنهم لا يعلمون اختصاص الله بالعلم بها كما تقرر فيما سبق ولا يعلمون حكمة هذا الاختصاص، وكلمة {أَكْثَرَ}، تدل على أن القليل من الناس يعلمون تلك الحكمة بإِرشاد من النبي - صلى الله عليه وسلم -. ¬

_ (¬1) سورة الملك: الآية 25

وفي إِخفاء أَمر الساعة حمل للمكلفين على العمل والجد في الطاعة قبل أَن تأْتيهم بغتة، إذ لو علموا وقتها لأَهملوا واستمروا في لهوهم وعصيانهم إلى أَن يقترب وقتها فيتوبوا وقد لا يستطيعون ذلك لمفاجأة الموت لهم أَو لتمكن عادة العصيان في نفوسهم، ومن هذا القبيل إِخفاءُ وقت الموت، وإِخفاء قبول الدعاء، وإِخفاء ليلة القدر، ليظل المكلف مقيما على عبادة الله تعالى وطاعته، وقد استأْثر الله بعلم الساعة لمصلحة المكلفين كما فهم مما تقدم، غير أَنه ورد في "السُّنَّةِ" ذكر علامات تدل على قرب وقوعها منها ضياع الأَمانة. {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)}. المفردات: {نَذِيرٌ}: منذر بوعيد الله للعصاة والكافرين. {وَبَشِيرٌ}: ومبشر بوعد الله لكل من يؤمن بالله. التفسير 188 - {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ .... } الآية: أَي قل يا محمَّد لهؤلاء الذين يسأَلونك عن وقت مجىء الساعة لا أَملك جلب نفع لنفسى ولا دفع ضر عنها، {إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ}: أَي إلا الشىء الذي أراد الله تعالى تمكينى من فعله، فإنى أَقدر عليه وأَستطيعه باختيارى إِياه، وبهذا الاستثناء لا يقال: كيف لا يملك الإنسان لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، مع مشاهدته. يفعل ما يصلح شأنه، ويبتعد عما يضره؟ {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}: أَي ولو كنت أَعلم الغيب، والمناسبات التي تربط بين الأَشياءِ، ويصح بها ترتيب المسببات على أَسبابها لحصلت كثيرًا من الخير الذي ينفعنى ويمكن للإِنسان تحصيله بأَفعاله الاختيارية، وفي هذا القول الكريم برهان واضح

على نفى علم الأَنبياء بالغيب، إذ لو ثبت لهم ذلك لاستكثر - صلى الله عليه وسلم - من الخير الذي ينفعه, وابتعد عما وقع له من ضرر وسوء وبخاصة في سبيل تبليغ الدعوة، وفي جهاد الكفار والمشركين، {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: أَي ما أَنا إِلا رسول من البشر اصطفاه الله لإنذار العصاة والكفار من النار، وبشارة الذين يؤمنون باللهِ بالجنة، خصنى الله بمعرفة ما يتعلق بهما من العلوم الدينية والدنيوية لا أَتعدى ذلك إِلى العلم بالغيب الذي لا يتوقف العلم بالأَحكام والشرائع عليه، قال تعالى: {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا}. وقد كشف الله من أَمر الساعة ما يتعلق بمصلحة الإِنذار من أَنها آتية لا ريب فيها وأَنها اقتربت. وأَما تعيين وقتها فليس مما يقتضيه الإِنذار، بل مما يضربه؛ لأَن إِيهام وقتها أَدعى إِلى التخويف والترهيب، ويجوز أن يكون قوله تعالى {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} متعلقا بالوصفين [النذارة والبشارة]، ولا يقال حينئذ إِذا كان الله قد أَرسله بشيرًا ونذيرا للناس كافة، فما وجه التقييد بقوله: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأَن ثمرة الرسالة بالبشارة والنذارة إِنما ظهرت في المؤمنين خاصة، فنص القرآن على محل النفع والفائدة، على حد قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، وقوله: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)}. المفردات: {زَوْجَهَا}: الزوجة والمراد بها حواء.

{لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}: ليطمئن إِليها. {تَغَشَّاهَا}: غشيها وهو كناية عن الوقاع. {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا}: أَي كان حملها خفيفا لا يمنعها من القيام والقعود وقضاء المصالح. {فَمَرَّتْ بِهِ}: فمضت به وترددت في قضاء مصالحِها من غير مشقة ولا كلفة. {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ}: صارت ذات ثقل بسبب كبر الولد وقرب وضعه. {دَعَوَا اللهَ}: تضرُّعا إِليه. التفسير 189 - {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .... } الآية. بَيَّن الله في أَول السورة إِجمالا كيفية خلق الناس، وتصويرهم ضمن خلق آدم أَبي البشر وتصويره، ثم حتمها بنوع من التفصيل لكيفية هذا الخلق فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: أَي هو الله العظيم الذي بدأَ خلقكم وحده أَيها الناس، من نفس واحدة، هي نفس آدم عليه السلام، دون أَن يكون له شريك في ذلك، فتمت بهذا أَعظم نعم الله على عباده، أَلا وهى إِخراجهم من العدم إِلى الوجود، فالخلق هو النعمة الأولى على الإِنسان. والخطاب في {خَلَقَكُمْ} لبنى آدم، و {مِنْ} هنا ابتدائية كما أُشير إِليه في المعنى كما أَفادت الجملة الحصر - أَي هو وحده الذي خلقكم. ووصف النفس بواحدة للإِشارة إِلى وحدة الأبوة، وللتعجيب بقدرته تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أَي وصيّر من جنسها زوجها وهى حواء، وكانت من جنس النفس إِتماما للنعمة، إِذ الجنس إِلى الجنس أَميل، حتى يتم الإنس بين الزوجين، والزوج يطلق على الاثنين اللذين بينهما تزاوج، {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أَي ليستقر نفسًا ويطمئن قلبا إليها، وتزول الوحشة الحاصلة بالانفراد، ويصير منهما بعد ذلك الذكر والأنثى، فيبقى الجنس كما شاءَ الله بسبب التزاوج بين الرجل والمرأَة، وفي هذا النص بيان للغاية المقصودة من الزوجة المجانِسة، وهي سكون الروح وإِيناس النفس وبقاء الجنس وعمارة الأَرض

فأَنت ترى أنه لما أَراد الله تعالى بقاءَ العمران في الدنيا وشاءَ له أَن يكون منظمًا ومستقرًّا جعل السكن بين الزوجين، حتى لا يملاَّ من الاختلاط، فينصرف كل منهما عن الآخر فينقطع النسل، {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا}: أَي فلما غَشى الزوج منكم زوجته {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا}: أَي حملت حملا خفيفا في بادئ الأَمر، لا يمنعها من القيام والقعود وقضاءِ المصالح، فإن كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة أَخف مما يكون في المراتب التي بعد ذلك. {فَمَرَّتْ بِهِ}: أَي فمضت به، وترددت في قضاء المصالح من غير مشقة ولا عناء {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ}: أَي فلما صارت ذات ثقل، وقرب وقت وضع حملها، وأَشفقا أَن يكون غير سوى، واهتمت هي وآدم بهذا الأَمر الذي لم يعهداه من قبل، تضرعا إِلى الله ربهما كما قال تعالى: {دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}: أَي تضرعا إلى الله ربهما المتولى وحده شئونهما بالتربية والرعاية، القادر دون سواه على تحقيق رجائهما وإِجابة دعائهما أَن يعطيهما ولدا صالحا، إِذ قالا مقسمين: والله لئن أَعطيتنا ورزقتنا ولدا صالحا سويا مستقيم الخلقة لنكونن من المخلصين لك في الشكر على نعمائك التي لا تحصى، ومن أَعظمها تلك النعمة الجليلة، نعمة الولد الصالح السوى. 190 - {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ... } الآية. أَي فلما استجاب الله تعالى دعاءَ الزوجين من ذرية آدم وحواء, وأَعطاهما ولدا صالحا، أَي كامل التكوين والخلقة {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}: أَي جعل الزوجان من ذرية آدم وحواءَ لله تعالى شركاءَ في الولد الصالح في تكوينه، حيث نسباه لبركة أوثانهم مع الله تعالى فالاشتراك وقع من ذرية آدم وحواء. ويجوز أن يكون التأْويل في قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} بتقدير مضاف محذوف أَي جعل أَولادهما لله شركاءَ، وجعل الكلام على حذف مضاف كثير ومعهود. ومنه قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}: أَي واسأَل أَهل القرية - وبهذا التفسير أو ذاك يندفع ما عساه يفهم من ظاهر الآية الكريمة من أَن آدم وحواءَ هما اللذان جعلا لله شركاءَ فيما آتاهما، وذلك يتنافى مع مقام خليفة الله في الأَرض الذي يقتضي التوحيد والشكر على إِنعام الله باستجابة دعائه وزوجه.

ومما يدل على استبعاد وقوع الشرك من آدم وحواءَ أَنفسهما قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فإِنه يدل على أَن الذين وقع منهم الشرك جماعة أَكثر من اثنين، وكذلك قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: أَي فَعَلا مقام الله وارتفع، وسما قدره وتنزه اسمه عمَّا يشركه معه هؤلاء الأَغبياء، ويسوونهم به في إِطلاق اسم الله عليهم ومن أوثانهم، حيث اعتبروها شريكة الله في الولد الذي أَتاهما. ولصاحب الانتصاف تأويل في الآية قال: وأسلم الأَقوال أَن يكون المراد بالتثنية جنس الذكر والأنثى من غير قصد إِلى معين بالشخص، فكأَنه قال جل شأنه، خلقكم جنسا واحدًا، وجعل أزواجكم منكم أيضًا لتسكنوا إِليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى وقع من هذين الجنسين ما قد كان من شركَ، وكَيْتُ وكَيْتُ، فالتثنية في قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} مراد بها الجنسان من ذكر وأنثى وليس المراد خصوص آدم وحواء اهـ وهذا التأْويل هو الذي نرتضيه ويشبه ما قلناه أولا. ثَم بيَّن الله بعد هذا جهلهم وسخافة عقولهم، وفساد آرائهم بهذا الشرك فقال تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)}. المفردات: {صَامِتُونَ}: تاركون دعوتهم.

التفسير 191 - {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا}: أَي أَبعد أَن منح الله هؤلاء المشركين العقل وأَرسل إِليهم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم -، داعيا إِلى توحيد الله، وسراجا منيرا، أَبعد هذا كله يشركون معه سبحانه في الألوهية صنما أَو غيره من مخلوقات الله مما ليس له قدرة على أَن يخلق شيئًا ولو كان ذبابا {وَهُمْ يُخْلَقُونَ}: أَي والحال أَن ما عبدوهم يُخْلَقُون، والمخلوق يكون محتاجا إلى غيره فلا يصلح أَن يكون إِلهًا معبودا. وقد أَفاد أسلوب الاستفهام في الآية الكريمة الإِنكار عليهم، والتعجيب من حالهم وتوبيخهم على أَن أَشركوا مع الله ما لا يصلح أَن يكون إِلهًا، كما نَبَّه على سخافة عقولهم، وبطلان عقيدتهم. ثم بين القرآن الكريم: أَن هذه الأَصنام التي لم تخْلُقْ شيئًا بل إِنها مخلوقة وعاجزة، لا تنفع غيرها ولا تدفع التفسير عن نفسها فقال تعالى: 192 - {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}: أَي ولا يستطيع هؤلاء الشركاء دفع أَي ضر ينزل بمن عبدوهم مع الله ولا تحقيق أَي نفع لهم، بل ولا يستطيعون نصر أَنفسهم بدفع أَي معتد عليهم، وإِن بلغ هذا المعتدى غاية الضعف كالذباب أَو ما هو دون الذباب قال تعالى: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} (¬1) وفي هذا بيان لتمام عجزهم وغاية ضعفهم. ثم انتقل القرآن الكريم يبين عجزهم عما هو أَيسر من نصر أَنفسهم وعابديهم، وهو مجرد إِرشاد عابديهم إِلى طريق مطالبكم دون تحصيلها فقال تعالى: 193 - {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ}: أَي وإِن تدعوا أَيها المشركون آلهتكم من دون الله لهدايتكم وإِرشادكم إلى مصالحكم .... لا يَتبعوكم إِلى مرادكم ولا يجيبوا لكم طلبا بإِرشادكم، ولا يحققوا لكم رغبة، كما يحقق الله رغبة العباد إِذا لجأُوا إِليه، فالخطاب للمشركين، وضمير "هم" لآلهتهم، ¬

_ (¬1) سورة الحج: الآية 73

ويجوز أَن يكون الخطاب للمؤمنين، والضمير "هم" في تدعوهم للمشركين. أَي وإِن تدعوا أَيها المؤمنون هؤلاءِ المشركين إِلى الهدى والعمل الصالح لا يتبعوكم، ولا يستجيبوا لكم, لأَن الله طمس على بصيرتهم، وختم على قلوبهم، والقول الأَول هو الظاهر المناسب للسياق، ليكون الكلام سائرا على نمط واحد في مرجع الضمائر ... {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} أَي سواءٌ عليكم أَيها المشركون في عدم الإِفادة من هذه الآلهة طلبكم منها، وعدم طلبكم، فحالكم لا يتغير في الحالتين، كما أَن حالها لا يتغير فإِنها لا تضر ولا تنفع ... وفي هذا الأسلوب البليغ إِرشاد إلى عدم اتباع هذه المعبودات الباطلة. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)}. المفردات: {تَدْعُونَ}: تعبدون. {وَلِيِّيَ اللهُ}: متولى أَمرى وناصرى. التفسير 194 - {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ .... } الآية: في الآيات السابقة طائفة من الحجج والبراهين جاءَت لإبطال الشرك وتسفيه عقول المشركين.

ونظرًا لتأصل عادة الشرك في نفوس المشركين بتقليد من قبلهم واتباعهم إِياهم، فقد جاءَت هذه الآيات الكريمة، تحكى طائفة اخرى من الحجج التي تدحض الشرك وتدمغ المشركين بالخزى والجهل والعار، مع بيان الفرق بين من تجب عبادته لقدرته، وما لا تصح عبادته لعجزه، حتى يمكن اقتلاع تلك العقيدة الفاسدة عن جذورها واستئصالها من منابتها، لتنتصر كلمة التوحيد وتعلو على أَساس ثابت، وتتضح بدليل قاطع فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ .... } الآية: أَي إِن الأَصنام وسائر الآلهة التي تعبدونها أَيها المشركون من دون الله وتنادونهم لنصرتكم في الشدائد، عباد مماثلون لكم في العبودية, لأَنهم مخلوقون لله ومسخرون وخاضعون لما خلقوا له مثلكم، والأَصنام جمادات، مسخرة لأَمر الله كما سخرت الأَرض والسموات لأَمره سبحانه وسنته في الكون. وإِذا كانوا أَمثالكم فإِنه يمتنع عقلا، أَن تطلبوا منهم ما قد عجزتم عن مثله. وإِذا كان الذين تدعون من دون الله أَحياء مثلكم، فالمماثلة تقتضى عجزهم كما عجزتم، وإِن كان ما تدعونه جمادا فهو أَقل منكم حيث لا حياة له ولا عقل، بل هو دون المماثلة لكم حينئذ، فكيف ترفعونهم إلى مقام الألوهية، وهم مثلكم أو أَعجز منكم وأَقل شأْنا، وفي قوله تعالى: {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: تقرير لعجزهم أَي فنادوا أَيها المشركون هذه الأَصنام، فإِذا سمعوا نداءَكم فلتكن منهم الإِجابة لكم، إِن كنتم صادقين في زعمكم أَنهم قادرون على النفع والضر - ولام الأَمر في "فليستجيبوا" للتعجيز والسخرية والتهكم بهم. وبعد أَن قرعهم القرآن الكريم على عبادة عباد مماثلين لهم في التسخير والخضوع لأَمر الله، عاجزين عما عجز عنه العابدون لهم، أَكد تقريعهم ببيان غاية عجزهم وفضل عابديهم عليهم، إِذ أَوضح أَنهم أَحط منهم مرتبة وأَقل درجة لفقدانهم وسائل جلب النفع ودفع التفسير في قوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا .... } الآية:

أَي ليس لهؤلاءِ الأَصنام أَرجل يمشون بها كما تمشون بأَرجلكم إِلى أَغراضكم، بل ليس لهم أَيد يأخذون بها بالعنف والقوة ما يريدون من غيرهم أويدفعون بها عن أنفسهم وعابديهم بل ليس لهم أَعين يبصرون بها أَحوالكم ليحققوا لكم أَغراضكم، بل ليس لهم آذان يسمعون بها كلامكم، ليستجيبوا لرغباتكم، وإذا كان هذا هو شأن الجمادات التي تعبدونها من دون الله، فلماذا ترفعونهم إِلى مقام الألوهية، ثم ترفضون الاستماع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والاستجابة لأَمر الله تعالى؛ ومن كان هذا شأنه فهو أَحط منزلة من مستوى المماثلة بينكم وبينهم، فكيف يكون لهم مقام الألوهية والعبودية، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}، تعالى الله عما يشركون. وبعد أَن بين القرآن الكريم أَن شركاءَهم لا يقدرون على شيء أَصلا، وأَنهم أَحط منهم درجات، أَمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أَن يلزم المشركين ويفحمهم بعجزهم وعجز آلهتهم. فطلب منهم أَن يلحقوا به ضررا ما فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ .... } الآية: أَي قل يا محمَّد لهؤلاء المشركين للتهكم بهم وإفحامهم وإِلزامهم الحجة، نادوا شركاءَكم وأَحضروهم واستعينوا بهم علىَّ، ثم اجتمعوا أَنتم وهُمْ وبالغوا في بذل أَقصى ما تستطيعون في تدبير الكيد والمكر فلا تمهلونى ساعة بعد ترتيب أُموركم وإِحكام مكركم، ولا تؤخروا مما قررتم إنزاله بى من عقاب فإِنى لا أبالى بكم ولا أَعبأ بمكركم، وأَساس هذا القول عظم الثقة باللهِ تعالى وأَنه ولى الصالحين, كما قال تعالى. حكاية عن حال نبيه {إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}: أَي لا أَبالى بكم وبشركائكم، لأَن المتولى لأَمرى وناصرى هو الله وحده، الذي نزل الكتاب الناطق بأَنه وليَّى وناصرى وأَن شركاءَكم لا يستطيعون نصر أَنفسهم فضلا عن نصركم {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}: أَي وقد جرت سنته تعالى، أَن يتولى وحده رعاية الصالحين من عباده، وحفظهم، وأَنه ينصرهم ولا يخذلهم. وممّا تقدم يتبين أَن الاستفهام في قوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ} ... الخ للإِنكار المراد منه النفى، كما أَفاد الأسلوب غاية التهكم بهم والسخرية من تدبيرهم.

{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)}. المفردات: {تَدْعُونَ}: تعبدون. التفسير 197 - {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ .... } الآية: بعد أَن بيَّن الله في الآية السابقة، أَن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، عزيز بولاية الله ومعتصم بنصرته، جاءَ ببيان أَن الأَصنام التي يعبدها المشركون من دون الله عاجزة لا تستطيع نصرهم في الشدائد، بل ولا تستطيع دفع التفسير عن نفسها إِذ قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ... } الآية: أَي والأَصنام التي تعبدونها أَيها المشركون من دون الله لا تستطيع نصركم في الشدائد والنوازل، بل ولا تستطيع دفع التفسير عن نفسها إِذا هو لحق بها. وهذه الآية وإِن تقدم معناها، إِلا أَن تكرار هذا المعنى مطلوب لاقتلاع جذور الشرك التي تأَصلت في نفوس المشركين، ثم ذكر القرآن الكريم حالة أخرى من أَحوال ضعفها وهوانها تنفرهم من عبادتها، والاعتماد عليها فقال تعالى: 198 - {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}: أَي وإِن تنادوا أَيها المشركون آلهتكم من الأَصنام لترشدكم إِلى ما تطلبون من صلاح الحال لا يسمعوا نداءَكم ولا يستجيبوا لطلبكم لتمام عجزهم وضعفهم: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}.

أَي وتراهم أَيها الناظر يقابلونك بعيون وصورة كأنها ناظرة إِليك وهى لا تنظر، إِذ هي جماد لا يرى ولا يبصر. ويجوز أَن يكون الخطاب في الآية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وضمير {تَدْعُوهُمْ} للمشركين أَي وإِن تدعو أَيها النبي هؤلاءِ المشركين إِلى الهدى والإِيمان لا يسمعوا لك سماع فهم وإِدراك، لأَن سبل الهداية قد سدَّت عليهم بسوء اختيارهم، وتراهم أَيها النبي ينظرون إليك وهم لا يبصرون رفعة مقامك وجلال قدرك لعمى قلوبهم وطمس بصيرتهم فلم يدركوا ما في دعوتك من الهدى والرشاد. وعلى هذا تكون الآية السابقة للتنديد بنفس الأَصنام، وهذه الآية للتنديد بعبَدة الأَصنام والأَوثان. وفي هذا التفسير - على الرأْى الثاني - إشارة لطيفة تؤخذ من قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}: لإِدراك الفرق بين طمس البصيرة في الكافرين حتى ينظروا وهم لا يبصرون، وبين ما منحه الله للمؤمنين من منارة الإِيمان التي تنير للبصيرة ما هو كامن مستتر في بعض النفوس بمجرد النظر إِليها ثم يتبين له صدق فراسته بالمخالطة والمعاشرة، كما يشير إِلى ذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ في خطابه لنبيه محمَّد - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} (¬1) فالكافر ينظر ببصره، وهو أَعمى البصيرة، بسبب ما ران على قلبه من حجب الكفر والمعاصي والمؤمن ينظر بالفطرة مع فراسة الإِيمان، فيرى ببصيرته بعض صفات المرئى, قبل أَن ينطق ويتكلم، ولهذا كان يوجّه إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - سؤال واحد في الأُسلوب من عدة أَشخاص، فيجيب بعضهم بقوله: "اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ" ويجيب آخر بقوله: "أطِعُ أَبَوَيْكَ"، ويجيب ثالثا بقوله: "أَحْسِنْ إلَى جَارِكَ"، ومنشأ ذلك أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم كالطبيب, فيوصى كل شخص بما يناسبه حسب ما انكشف له من التقصير والعيوب بإِلهام من الله، ونور بصيرته، وهكذا من هذا القبيل نظرة سيدنا أَبي بكر - رضي الله عنه - إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استجاب له من غير تردُّدٍ, لأَنه رأَى منه بأَصل الفطرة ما لم يَرَهُ غيره، وكذلك السيدة ¬

_ (¬1) سورة محمَّد، من الآية: 30

خديجة - رضي الله عنها - حينما أَدركت فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمست فيه كمال صفاته، فآمنت به، وكانت من قبل قد اختارته زوجًا لها مع فقره وغناها، وكان ذلك بعد أَن رفضت كثيرا من أَشراف قريش ليكون أَحدهم زوجًا لها. {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)}. المفردات: {الْعَفْوَ}: السهل اليسير من أَخلاق الناس. {بِالْعُرْفِ}: بالمعروف وهو ما شرعه الله لعباده وعرف حسنه شرعا وعقلا من عادات الناس. التفسير 199 - {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}: لما بين الله في الآيات السابقة فساد عبادة الأَصنام وعناد الكافرين جاءَ بعد ذلك بإِرشاد نبيه - صلى الله عليه وسلم -، إِلى اللين في معاملة الناس عامَّةً تيسيرا عليهم وتأْليفا لقلوب الجاحدين، وتسكينا لثورة جماحهم لعلهم يعودون إِلى الحق وحسن الاستماع فقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}: أَي أَقبل يا محمَّد السهل اليسير من أَخلاق الناس، وتساهل معهم فيما اعتادوه، من أَعمال وعادات لا تخالف ما جئت به, وأْمرهم بما شرعه الله لهم، وهو ما تقر بحسنه وصلاحيته العقول السليمة وذهب بعض المفسرين إِلى أَن معنى العفو: الفضل الزائد عن حاجة الناس من أَموالهم، ليكون الأَخذ مستعملا في المُحَسّ دون تجوز، كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}. أَي الزائد عن حاجتهم. والأَظهر حمل الآية على المعنى الأَول، وهو العفو بمعنى القبول .... مع مراعاة تقييده بقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أَي بالمعروف لك عن طريق الوحى، فلا عفو حينئذ فيما هو مطلوب شرعا، ويبقى العفو عامًّا فيما يجوز التسامح فيه.

قال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ" والمعروف مأْمور به في العبادات والمعاملات، ومنها المبايعات وأَحكام النكاح، ولأَن المعروف هو شريعة الله للناس، وعليه يتوقف إِصلاح حالهم في الدنيا والآخرة جاءَ القرآن الكريم مقررا له في آيات كثيرة، من ذلك: ما حكاه عن التوراة والإِنجيل من وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -. وذلك في قوله: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وما جاءَ في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وفي مبايعة النساء: {وَلَا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ} وفي معاشرتهن بالمعروف، وفي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}. ولما كان الأَمر بالمعروف قد يؤدى إِلى سفاهة بعض الجاهلين وإِيذائهم للنبي - عليه السلام - أمره الله تعالى بالتسامح في قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}: أَي وأَعرض عن سفاهة الجاهلين الناشئة عن حقدهم وحسدهم، وجهلهم، واترك مؤاخذتهم بمثل سفههم، فقد يؤثر الحلم والعفو في السفيه فيرجع إِلى الصواب ويلوم نفسه. ولقد كان لحلمه - صلى الله عليه وسلم - وإِعراضه عما يسوءه من قومه أثر كبير في إِسلام من كان يسفّه ويعارض، بعد أَن لمسوا منه - صلى الله عليه وسلم -، هذا الخلق الكريم، قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا بُعِثْتُ لأِتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ" وإِنما يحسن العفو إِذا لم يؤد إِلى تعطيل ما شرعه الله. {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)}.

المفردات: {يَنْزَغَنَّكَ}: يَجُرَّنَّك للشر والإِفساد، ونَزْغُ الشيطان وساوسه. {فَاسْتَعِذْ}: استَجِرْ باللهِ وتحصن. التفسير 200 - {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: روى عن ابن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فَكَيْفَ الغَضَبُ يَا رَب؟ " فنزل قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. أَي وإن يوسوس لك الشيطان أَيها المؤْمن وسوسة شديدة ويدفعك إلى فعل الشر والإِفساد دفعا قويا بالتشكيك في الحق وتزيين الباطل، {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ}: أَي فالتجئ إِلى الله وتحصن واستعن به على دفع وساوسه ونزغاتك {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أَي إِنه تعالى وحده عظيم السمع لكل مسموع، {عَلِيمٌ} محيط علمه بكل شيءٍ فيسمع دعاءَك ويعلم إخلاص قلبك وصدق نيتك فإِذا صدقت في القول وأَخلصت في التضرع إِليه عصمك من شره، والخطاب في الآية للرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمراد أمته لأَن الله قد عصم رسوله - صلى الله عليه وسلم - من نزغات الشيطان وقبول وسوسته. وفيما يلى بيانه: فإِن العبد إِذا التجأَ إِلى الله واستعان به، دخل في مقام العبودية الخاصة، فيتحصن بها من الشيطان، وقد قال جل شأْنه: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}. فالشيطان لا سبيل له يسلكه إِلى قلب العبد إِلا إِذا وجد في عمله ثلمة يدخل منها إِلى قلبه، كما يؤخذ ذلك من قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}. فالانسلاخ من الآية ثُلْمة نَفَذَ منها الشيطان لمن انسلخ عن آياته

ثم أتبع هذه الآية قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)}. المفردات: {مَسَّهُمْ}: أَي أَصابهم. {طَائِفٌ}: أَي خاطر. {الْغَيِّ}: الضلال والفساد. التفسير 201 - {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}: أَي إِن الذين اتقوا ربَّهم وخافوا عذابه فامتثلوا أَوامره واجتنبوا نواهيه، من عادتهم أَنهم إِذا نالهم وأَصابهم خاطر من خواطر الشيطان، وأَصابتهم منه وسوسة تزين لهم المعصية، تذكروا مقام ربهم، واستحضروا هيبته وجلاله، وتذكروا أَوامره ونواهيه، ووعده، ووعيده، فإذا هم مبصرون بنور ربهم طريق الهدى والرشاد. والمراد بالشيطان شيطان الجن. 202 - {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}: بعد أَن نبه الله، وحذر من وسوسة شياطين الجن، جاءَت هذه الآية للتحذير من إِخوانهم شياطين الإنس. أَي وإخوان شياطين الجن من شياطين الإِنس مثلهم في الإِفساد يساعدونهم في الإِغواء فما يزالون يعضدونهم بتزيين المعاصي لبعض الناس، {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}: أَي لا يمسكون عن إِغوائهم، حتى يُصِرَّ من وقع في حبائلهم على تنفيذ غوايتهم، وسلوك طريق الضلال.

{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)}. المفردات: {اجْتَبَيْتَهَا}: طلبتها. {بَصَائِرُ}: ما تبصر به عقولكم من الآيات. {فَاسْتَمِعُوا}: فاقصدوا سماعه. {وَأَنْصِتُوا}: واسكتوا متأَملين معناه. {تَضَرُّعًا}: تذللا. {وَخِيفَةً}: وخوفًا. {الْغُدُوِّ}: أَول النهار. {الْآصَالِ}: جمع أَصيل: وهو آخر النهار والمقصود من الغدو والآصال هنا جميع الأَوقات. التفسير 203 - {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ... } الآية. بدأَت هذه الآيات ببيان نوع من الغيِّ المشار إِليه في الآية السابقة {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} وذلك ما حكاه الله بقوله تعالى: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} الآية.

أَي وإذا لم تجىء إِليهم أَيها الرسول بما طلبوا من الآيات والمعجزات قال هؤلاءِ المتعنتين ساخرين: هلاَّ جئتنا بما طلبناه من الآيات كى نصدق رسالتك. فأَمر الله نبيه أَن يسمعهم الجواب الشافى ردًّا على سخريتهم بقوله: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي}: أَي قل لهم يا محمَّد ليس لى طريق أَتبعه سوى اتباع ما يوحى به الله إِليَّ من شرائعه أَعمل بها وأَبلغها وليس لى أَن أَقترح شيئًا من المعجزات والآيات، ثم أَرشِدْهم يا محمَّد إلى أَن هذا القرآن هو أَعظم المعجزات وقيل لهم: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ}: أَي هذا القرآن الذي أَوحاه الله إليَّ يبصِّر عقولكم ويهدى قلوبكم إِلى قبول الحق {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: وهذا القرآن أَيضا بما اشتمل عليه من الحجج الواضحة والدلالات الظاهرة يوصلكم إِلى أَعلى درجات الإِيمان وهو كذلك رحمة شاملة جاءَ بها نبى الرحمة المهداة. وتلك الهداية وهذه الرحمة لا ينالهما ساخر ولا مستهزىء. {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}. 204 - {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: أَشار الله تعالى إلى القرآن وثمراته في نفع العباد بقوله في الآية السابقة: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. وفي ذكر هذه الفوائد حمل للناس على أَن يقرأوا القرآن ليتعبدوا بتلاوته، وليتبصروا في آياته، حتى يكون لهم هدى ورحمة. وأَشار في هذه الآية إِلى ما ينبغي إِذا قرئ القرآن من الاستماع والإِنصات إِليه توصلا إِلى الانتفاع به. أَي وإِذا قرئ القرآن من أَي قارئ، فيجب على من حضر مجلس القرآن، أَن يحسن الاستماع إليه بوعى وقصد وتدبر، وأَن ينصت فلا يتكلم احتراما لكلامه العزيز، وتعظيما له، راجين بحسن الاستماع والإِنصات إِليه رحمة الله. وإِنما جمع بين الاستماع والإِنصات, لأنهما معا أَعون على الفهم والتدبر وأَتمُّ في الانتفاع وأَرجى لرحمة الله سبحانه وتعالى، فضلا عما فيه من الأَدب مع الله واحترام كلامه جلّ شأْنه؛ والأمر بالاستماع والإِنصات عند قراءة القرآن عام في جميع الأَحوال التي يقرأ فيها القرآن.

205 - {وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ .... } الآية. بعد أَن أَمرنا الله تعالى بالاستماع والإِنصات لتلاوة القرآن، أَمرنا بذكره تعالى بصفة عامة، تزكية للنفس. أَي واذكر ربك أَيها المسلم في نفسك بينك وبين ربك، بعيدا عن الرياءِ والسمعة: متذلِّلًا، خاشعا لربك، خائفا من عذابه، واذكره بلسانك ذكرا وسطا بين السر والجهر: كما تذكره في نفسك، وليكن ذكرك له في الغدو والآصال، أَي في أَول النهار وآخره, والمراد بهما هنا جميع الأَوقات، حسبما يتيسر للذاكرين، ثم ختم الله الآية الكريمة بقوله: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ}: أَي ولا تكن أَيها المسلم من جملة الغافلين عن ذكر ربك بأَن لا تذكره تعالى، أَو بأَن تكون غائب القلب حين الذكر. 206 - {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}: أَي: إِن الملائكة الذين هم في مكان الرفعة عند ربك، والقرب من رضاه، لا يستكبرون عن عبادته، بل يؤدونها حسبما أُمروا بها كاملة وافية كما أَمر الله، وينزهونه عن كل ما لا يليق به سبحانه، وله وحده يخضعون. ويتذلَّلون. والمقصود من ذكر الملائكة حث البشر على أَن لا يستكبروا عن عبادته، ولا يقصروا في أَدائها في أَوقاتها، فإِنهم أَولى بالتزلف إِلى الله لشدة احتياجهم إِلى عفو الله عن ذنوبهم، من الملائكة الذين خلقوا للطاعة: {لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

سورة الأنفال

سورة الأنفال آيات هذه السورة خمس وسبعون آية، وهي مدنية إِلا من قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. } الآية (30) إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ .. } الآية (36) لأَن موضوعها ائتمار قريش بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة. وشأْن هذه السورة شأْن سائر المدنى من القرآن، إِذ يكثر فيها قواعد الشرع التفصيلية، كالجهاد والغنيمة والأَسرى وأَحكام القتال. موجز لما اشتملت عليه السورة: 1 - بدئت سورة الأَنفال بالسؤال عن الغنائم، ومن له الحكم فيها وجاءَ من بعده ما يلي: 2 - صفات المؤمنين الكاملين. 3 - ذكر نعمة الله على المؤمنين بإِمداده إِياهم بالملائكة تبشيرًا لهم. 4 - بيان حرمة الفرار من القتال إِلا لخُطَّة مرسومة كأَن يكون الفَارُّ متحرفا لقتال أَو متحيزا إلى فئة. 5 - بيان أَن النصر بتوفيق الله تعالى {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}. 6 - الأَمر بطاعة الله ورسوله والنهي عن الإعراض عنه. 7 - الاستجابة لأَمر الله ورسوله قبل فوات الأَوان. 8 - وجوب اتقاء الفتن حتى لا تصيب الصالحين بشؤم الظالمين. 9 - النهي عن الخيانة. 10 - تقوى الله سبب للنصر وتكفير السيئات. 11 - ذكر نعمة الله الخاصة برسوله - صلى الله عليه وسلم -، {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. }.

12 - عناد الكفار ووصفهم القرآن بأَنه أَساطير الأَولين، وطلبهم العذاب إِن كان القرآن حقا بدلا من أَن يطلبوا الهداية. 13 - إِنفاق الكفار الأَموال للصد عن سبيل الله، ثم تكون عليهم، حسرة وسببا للغلبة عليهم. 14 - بيان أَن دخول الكفار في الإِسلام سبب لغفران ما سبق من ذنوبهم. 15 - الأَمر بقتال الكفار حتى ينتهى الشرك ويكون الدين لله. 16 - بيان مستحقى الغنائم. 17 - ذكر نعم الله على المؤمنين في "بدر". 18 - بيان أَن أسباب النصر على الأَعداءِ: هي الثبات وذكر الله تعالى، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، والصبر، وترك الرياء والبطر، والتوكل على الله تعالى. 19 - ذكر عاقبة تزيين الشيطان للكفار. 20 - بيان أَن تغيير أَحوال الأُمم والأَقوام أَثرٌ لتغيير ما بأَنفسهم من الأَخلاق والعقائد والأَعمال. 21 - بيان أَن نقض العهود سبب للتنكيل بمن غدر ونبذ العهد. 22 - وجوب الاستعداد للعدو بقدر الطاقة للإِرهاب، حتى لا يُؤْخَذُوا على غرة. 23 - الحث على الإنفاق في سبيل الله. 24 - الجنوح للسلم متى جنح العدو لها لأَن الحرب في الإِسلام ضرورة تقدر بقدرها. 25 - إيجاب الله على المؤمن قتال عشرة ثم تخفيف ذلك بأَن أَوجب عليه قتال اثنين. 26 - بيان أَن قتل الكفار أَولى من أَخذ الفدية في بدءِ الإِسلام. 27 - الأَمر بعرض الإِسلام على الأَسرى وإِنذارهم سوءَ عاقبتهم إِن خانوا. 28 - ذكر ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، والإنذار بسوءِ عاقبة الفرقة.

29 - بيان أَن الكفار بعضهم لبعض ولى، وأَن المؤمنين أَولى بذلك. 30 - بيان أَن المهاجرين والأنصار هم المؤمنون حقا، وأَن ثوابهم عظيم. 31 - بيان أَن المتأَخرين في الإِسلام والهجرة مؤمنون، وأَن أُولى الأَرحام بعضهم أَولى ببعض في كتاب الله. بسم الله الرحمن الرحيم {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)}. المفردات: {الْأَنْفَالِ}: هي الغنائم واحدها نَفَل بتحريك الفاء، وقد تطلق على ما يعطى زيادة على السهم من المغنم. {فَاتَّقُوا اللهَ}: فاجعلوا لأَنفسكم وقاية من عقوبة الله تعالى بالإِيمان والعمل الصالح {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}: وأَصلحوا الأَحوال التي بينكم بالمساواة والمساعدة، وقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل أَي: فاتقوا الله وكونوا مجمعين على ما أَمر الله ورسوله. {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}: خافت وفزعت.

وجه المناسبة بينها وبين سورة الأعراف

التفسير 1 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ .. } الآية. وجه المناسبة بينها وبين سورة الأَعراف: جاءَ في الأَعراف بيان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أَقوامهم، وجاءَ في الأَنفال: ذكر ما جرى بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قومه. وجاءَ في الأعراف: أَن القرآن هدى ورحمة، وذلك في قوله تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، كما جاءَ فيها الأَمر بالاستماع له إِذا قرئ، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}. وجاءَ في الأَنفال: ذكر حال المؤمنين عند ذكر الله فيه، وذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، إِلى غير ذلك من المناسبات. وقدمت سورة الأَنفال على التوبة لتصديرها بالبسملة، وحذفها من التوبة ليكونا كسورة واحدة فإِن موضوعهما واحد. سبب النزول: أَن المسلمين اختلفوا في قسمة غنائم "بدر" فسأَلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف تقسم، ولمن الحكم في قسمتها, للمهاجرين، أَم للأَنصار، أَم لهم جميعًا، فنزلت الآية لبيان أَن الحكم في قسمتها بين المقاتلين يرجع إِلى الله ورسوله. والأَنفال الغنائم، وسميت الغنائم أَنفالا, لأَنها زيادة فيما أَحلَّ الله لهذه الأُمة، مما كان محرما على غيرها، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث له: "وَأُحِلَّتْ لى الْغَنَائِمُ وَلمْ تُحلَّ لِأَحدٍ قَبْلىِ" أَو لأَنها عطية من الله تعالى زائدة على ما هو أَصل الأَجر في الجهاد من الثواب الأُخروى أَو زيادة على السهم لمصلحة يراها الإِمام. والسائلون هم أَصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد سأَلوه عن قسمة الغنائم، وعمّن له الحكم فيها كما تقدم في بيان سبب النزول، فأُجيبوا بقوله تعالى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} أَي حكمها مختص بالله ورسوله، يحكم الله فيها بحكمته، والرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى، وليس الأَمر في قسمتها مفوضا إلى رأْى أَحد.

وقد قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم غنائم بدر بالسواءِ. {فَاتَّقُوا اللهَ}: أَي إِذا كان أَمر الغنائم لله وللرسول، فاجعلوا لكم وقاية تقيكم من شر الاختلاف والتخاصم والتنازع وذلك بالرضوخ لحكم الله ورسوله، لتنجوا من عذاب الله تعالى، أَو فاتقوه تعالى في كل ما تأْتون وتذرون من النِّيَّات والعقائد والأَعمال، {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أَي: وأَصلحوا ما بينكم من الأَحوال والصلات التي تربط بعضكم ببعض، وإِصلاحها بالوفاق والتعاون، والمساواة، وترك الأثرة، لأَن إِصلاح ذات البين واجب، يتوقف عليه قوة الأُمة وعزتها، ومنعتها، وتحفظ به وحدتها. {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ}: أَي في أَمر الغنائم وغيرها بامتثال أَمر الله، واجتناب نهيه حسبما أبلغنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالرسول يطاع في أَمر الدين، لأَنه مبلغ عن الله تعالى، ومبين لوحيه بالقول والفعل والحكم. ويتوقف على طاعة الله ورسوله النجاة والفوز بالثواب في الآخرة. عن أَبي أمامة الباهلى قال: سأَلت عبادة بن الصامت عن الأَنفال فقال: "فِينَا مَعْشرَ أَصحابِ بدرٍ، نزلتْ حين اختلفنَا في النَّفَل، وساءَت فيه أَخلاقُنا فنزعه اللهُ من أَيدينا، وجعله إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقسَّمه عن بَوَاءٍ - يقول على السواء" يفسر الراوى البواءَ بالسواءِ، فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين. وعن عطاء: كان الإِصلاح بينهم أن دعاهم وقال: اقسموا غنائِمكم بالعدل فقالوا: قد أَكلنا وأَنفقنا فقال: لِيَرُدَّ بعضُكم على بعضَ، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: أَي إِن كنتم مؤْمنين، فاتقوا الله، وأَصلحوا ذات بينكم وأَطيعوا الله، ورسوله، فإن كمال الإِيمان يدور على امتثال هذه الأَوامر. ولأَهمية إصلاح ذات البين، وكمال العناية به وسط الأَمر به، بيْن الأَمر بالتقوى والأَمر بطاعة الله ورسوله. وفي التعبير بقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} تنشيط للمخاطبين، وحث لهم على المسارعة إِلى الامتثال. 2 - {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}:

قال العلماءُ: هذه الآية تحريض على التزام طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أَمر به من قسمة الغنيمة، والمراد بالمؤمنين الكاملو الإِيمان، والمراد بذكرهم الله تعالى ذكرهم بقلوبهم لعظمته وسلطانه وجلاله، أَو لوعده ووعيده، ومحاسبته لخلقه، سواء صحب ذلك ذكر اللسان أَم لم يصحبه، وسواء ذكروه بأَنفسهم أَم ذُكِّرُوا به. وقد وصف الله تعالى المؤْمنين بخمس صفات: الأُولى: أَنهم إِذا ذكر الله تعالى، خافت وفزعت قلوبهم، استعظاما لشأْنه الجليل وتهيبا منه، ولا شىءَ أَعظم من القرآن في التذكير بالله والتخويف من مخالفته، قال تعالى في سورة الزمر: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (¬1) والاطمئنان المذكور في قوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (¬2) لا ينافى الخوف من الله تعالى، لأَنه عبارة عن شرح الصدور بنور المعرفة والتوحيد، وهو يجامع الخوف، وقيل ذكر الله: هو أَن الرجل يهم بمعصيه فيقال له: اتق الله، فيبتعد عنها خوفا من عقابه عز وجل. الصفة الثانية: أَنه إذا تليت عليهم آيات الله تعالى قوى إِيمانهم وتصديقهم وتيقنهم بربهم، ونشاطهم في أَعمالهم، وزيادة الإِيمان ثابتة بنص القرآن، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} (¬3)، والآيات كثيرة في ذلك، وأَيضا فإِن كثرة الأَدلة تقوى المدلول عليه، وتثبته. الصفة الثالثة: أَنهم على ربهم يتوكلون، فلا يعتمدون على غيره ولا يفوضون أُمورهم لسواه، والتوكل أَعلى مقامات التوحيد، فالمؤْمن يتوجه إليه، وإِياه يدعو فيما يطلب منه، مع الأَخذ بالأَسباب وعدم تركها، ومراعاة سنن الله في الكون التي لا تتبدل، ولا تتغير، ومن تركها كان جاهلا مؤَاخذا. ¬

_ (¬1) الزمر: الآية 23 (¬2) الرعد الآية: 28 (¬3) الفتح: الآية 4

الصفة الرابعة: إِقامة الصلاة، وإِقامتهم الصلاة، قيامهم بها مستوفية لأَركانها من قيام وركوع وسجود، وقراءَة وذكر، ومحافظتهم على مواقيتها، مع الخشوع لله، والاتعاظ بتلاوة القرآن، وهذه هي الإقامة التي يستفيد بها صاحبها ما جعله الله تعالى ثمرة للصلاة، الانتهاءُ عن الفحشاءِ والمنكر. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: أَي ومما أَعطيناهم من الرزق، ينفقون في وجوه البر والخير، امتثالا لأَمر الله عز وجل، ثم وصف الله تعالى إِيمانهم بقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}: أَي أُولئك الذين ذكرت صفاتهم الحميدة، هم المؤْمنون حيث جمعوا، بين أَفاضل الأَعمال القلبية، وأَعمال الجوارح، وفي التعبير بقوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} إِشارة إِلى علو مكانة أُولئك المؤْمنين، المتصفين بتلك الصفات، وانحصار الإِيمان فيهم، حتى كأَن سواهم ليسوا بمؤْمنين، لأَن الإِيمان بلا ثمرة، هو والعدم سواء، ثم بين جزاءهم بقوله عز وجل: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} من الكرامة والزلفى، والدرجات العلية في الجنة، وفي التعبير بقوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ} إيذان بأَن ما وعدهم الله به من الدرجات، متيقن الحصول، مأْمون الفوات حيث إِنه ربهم ومالك أَمرهم. {وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أَي وستر لذنوبهم وعطاء كريم لا ينقضى أَمده، ولا ينتهى عدده، وهو ما أَعده لهم في الجنة مما لا عين رأَت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والكريم من كل شيءٍ أحسنه.

{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ في الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)}. المفردات: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ}: أَي أَخرجك من بيتك بالمدينة إلى بدر {بِالْحَقِّ}: أَي بالحكمة والصواب {يُجَادِلُونَكَ}: يراجعونك، {في الْحَقِّ} المراد بالحق هنا القتال - وسيأتى بيانه {إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ}: العير أَو النفير. {غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ}: الشوكة الشدة والقوة، ويقال: السلاح، وغير ذات الشوكة: العير التي ليس فيها قتال. {يُحِقُّ الْحَقَّ}: يظهره ويعلنه - {بِكَلِمَاتِهِ}: بأَمره لكم بالقتال أَو بوعده لكم بإِظهار الدين وإِعزازه. {لِيُحِقَّ الْحَقَّ}: ليظهر الإِسلام - {وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ}: المراد بإبطال الباطل أَن لا يجعل له شوكة.

التفسير 5 - {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}: هذه الآية الكريمة هي بداية الحديث عن غزوة بدر، وقد تقدمها بيان حكم الأَنفال، أَي الغنائم, لأَن السورة نزلت بعد اختلاف المسلمين على قسمة أَنفالها - كما تقدم بيانه - فكانَ بيان حكمها أَهم ليحسم الخلاف بين المسلمين. قال المبرد في معنى الآية ما يلى: الأَنفال ثابتة لله والرسول وإِن كرهوا، كما أَخرجك ربك من بيتك بالحق وإِن كرهوا، وقال غيره: امض لحكم ربك في الغنائم وإِن كرهوا، كما مضيت لأَمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وإِن كرهوا. وأَقرب المعانى في وصل هذه الآية بما قبلها أَن يقال: حال المؤْمنين في كراهتهم قسمة الغنائم بحكم الله بعد اختلافهم عليها كحالهم في كراهتهم القتال حينما أَخرجك ربك من بيتك بالحق - وهو الظفر بإِحدى الطائفتين العير أَو النفير - وهم لقتال النفير كارهون - وسبب كراهتهم لقتال الكفار في غزوة بدر، أَنهم خرجوا وهم غير مستعدين استعدادا كاملا للقتال, فإِنهم خرجوا للقاءِ أَبي سفيان ومن معه للاستيلاء على القافلة التي قدموا بها من الشام بتجارتهم، ولم يكن فيها سوى قلة من الرجال وكان الاستيلاء عليها أَمرا يهم المسلمين، لأَن ذلك يقصم ظهور المشركين الذين أَخرجوهم من ديارهم وأَموالهم واستولوا عليها، وتفصيل ذلك أَن عير قريش لما أَقبلت أَخبر جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمقدمها، فعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين أَن يخرجوا للاستيلاءِ عليها، فأَعجبهم تلقى العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أَهل مكة خبر خروجهم فنادى أَبو جهل فوق الكعبة: يا أَهل مكة. النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم أَموالكم إِن أَصابها محمَّد لم تفلحوا بعدها أَبدا، فخرج أَبو جهل بجميع أَهل مكة، فقيل له: إِن العير أَخذت طريق الساحل ونجت فأرجع بالناس إِلى مكة فقال: واللات والعزى لا يكون ذلك أَبدا حتى ننحر الجزر ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف بِبَدْرٍ، فيتسامع جميع العرب بخروجنا وأَنَّ محمدا لم يصب العير، وأَنَّا قد أَخفناه، فمضى بهم إِلى "بدر" (¬1)، فنزل ¬

_ (¬1) بدر: اسم بئر حفرها بدر بن قريش بين مكة والمدينة، كان العرب مجتمعون حولها في سوق سنوية لهم.

جبريل عليه السلام، وقَال يا مُحَمِدُ إِنَّ اللهَ وعَدكم إِحدى الطائفتينِ، إِمّا العيرُ، وإِمّا النفير - أَي مشركى مكة - فاستشار النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَصحابه فقال ما تقولون؟ إِن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أَحب إِليكم أَم النفير .. ؟ فقالوا: بل العير أَحب إِلينا من لقاءِ العدو، فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رد عليهم فقال: "إِنَّ العيرَ قد مضَت على سَاحِل البحر، وَهَذا نَفِيرُ قريشٍ قَد أَقبَلَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ عَليَك بالعيرِ ودعِ العدو ... فقام أَبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - فتحدثا فأَحسنا، ثم قال المقداد بن عمرو رضي الله عنه: يا رسول الله، امض لما أَمرك الله فإِنا معك حيثما أَحببت، لا نقول لك كما قال بنو إِسرائيل لموسىِ عليه السلام: "اذْهَب أَنتَ وربُّك فقاتِلا إِنَّا هَاهنَا قَاعِدونَ؛ وَلَكنِ اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ .... ، فوالَّذِى بعثَك بالحقِّ لو سِرتَ بنَا إِلى بَرْك الغِماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له - صلى الله عليه وسلم - خيرا ودعا له ثم قال: أَشِيرُوا عَلىَّ أَيُّها الناسُ - وهو يريد الأَنصار - لأَنهم قالوا له حين بايعوه عند العقبة, إِنَّا برآء من ذمتك (¬1) حتى تصل إِلى ديارنا، فإِذا وصلت إِلينا فأَنت في ذِمَّتِنا، نمنعك مما نمنع منه أَبناءَنا ونساءَنا، فكان - صلى الله عليه وسلم - يتخوف أن تكون الأَنصار لا ترى عليهم نصرته، إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ فقال: لكأَنك تريدنا يا رسول الله: قال: أَجل، قال: آمنَّا بِك، وصدَّقناك وشهدنا أَنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ وأَعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمعِ والطاعةِ، فامضِ يا رسولَ اللهِ لما أَردتَ فنحنُ معك، فوالَّذى بعَثك بالحقَّ لَوْ استعرضتَ بِنَا هذا البحرَ فخضتَه لخضنَاه معك ما تخلف منَّا رجل واحد، وما نكره أَن تَلقى بِنَا عدونا، وإِنَّا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاءِ، ولعلَ الله يُريك منَّا مَا تقرّ به عينُك, فَسِر بِنَا على بركة الله ... ففرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسرّه قول سعد بن معاذ ثم قال: سيروا على بركة الله، وأَبشروا فإِن الله قد وعدنى إِحدى الطائفتين والله لكأَنى الآن أَنظر إِلى مصارع القوم. 6 - {يُجَادِلُونَكَ في الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}: المعنى: يراجعونك في الحق - وهو لقاءِ النفير - أَي جيش العدو - ويؤثرون عليه لقاءَ العير للاستيلاءِ على تجارتهم، مع أن في لقاءِ النفير عز المسلمين وإِلقاء الرعب في قلوب أَعدائهم، فلقد قال بعضهم: إِنما خرجنا للقاءِ العير، ولم نستعد للقاءِ العدو. ¬

_ (¬1) الذمة: العهد.

وقد وعدهم الله تعالى إِحدى الطائفتين من غير تعيين، فتعلقت آمالهم بطائفة العير القادمة من الشام لأَنها كسب عظيم لهم لا يحتاج إلى مشقة كبيرة، في إحرازه والحصول عليه لضعف حاميته، ولذلك لم يستعدوا للقاءِ العدو، وتخلف كثير من الصحابة بالمدينة. ثم ظهر لهمَ أنَّها فاتتهم وقد بنت، وأَن طائفة النفير قد خرجت من مكة بكل ما عند قريش من قوة، وقد قربتَ منهم، وأَنه تعيّن عليهم قتالها، وأَنها هي الطائفة التي وعدهم الله - تعالى - لأَنه لم يبق غيرها، فصعب على بعضهم لقاؤها لقلة عددهم وعُدَدِهم، ولعدم استعدادهم، فطفقوا يعتذرون للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم تبين لهم الحق، فقالوا ما قالوه من عبارات الإِقدام على لقاءِ العدو كما مرّ بيانه. {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}: أَي كأنهم لفرط جزعهم ورعبهم يساقون إِلى الموت سوقا لا مهرب منه، وهم ينظرون إِليه بأَعينهم، ولم يدر بخلدَهم أَن الله تعالى وعد رسوله والمؤمنين الظفر بالمشركين وذلك ما حكاه الله بقوله: 7 - {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}: هذا كلام مستأْنف مسوق لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما هم فيه من الجزع وقلة الحزم، لعدم استعدادهم الحربى لقتال جيش فاجأَهم، ولم يكونوا يدرون أَنه ملاقيهم، فقد خرجوا للقاءِ - العير كما تقدم -. والمعنى: واذكروا وقت أَن وعدكم الله إِحدى الطائفتين - العير أَو النفير - أَنها لكم تتسلطون عليها، وتتصرفون فيها كيف شئتم: طائفة أَبي سفيان مع التجارة، أَو طائفة أَبي جهل مع الرجال الذين خرجوا من مكة لحربكم. {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}: المراد بغير ذات الشوكة: العِير، فإنها لم يكن لها شوكة أَي قوة لقلة الرجال فيها حيث لم يكن فيها إلا أَربعون فارسا. وفي هذا التعبير تعريض بكراهيتهم للقتال وطمعهم في المال. {وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}: هذا معطوف على تودون منتظم معه في سلك التذكير ....

والمعنى: واذكروا وقت وعده تعالى إِياكم إِحدى الطائفتين، وأَنتم تحبون ملاقاة أَدناها، والله يحب أَن تلاقوا أَعلاها ليظهر الحق الذي أَراده بوعده لكم إِحدى الطائفتين من غير تعيين، وبينه بكلماته المنزلة على رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - في محاربة ذات الشوكة، أَو يريد الله ذات الشوكة ليثبت الحق ويعليه بأَمره الملائكة بإِمدادكم، وبما قضى من أَسر المشركين وقتلهم وطرح صناديدهم في قليب بدر، وإِظهار الدين وإعزازه. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}: أَي ويفنى آخر مشركى مكة وأَعوانهم ويستأْصلهم فإِن دابر القوم آخرهم الذي يكون من ورائهم، ولن يصل إِليه الهلاك إِلا بهلاك من قبله, والمراد إِهلاكهم جميعا، وقد هلك أَكابرهم وعصابة المستهزئين، وهم أَئمة الكفر في مكة ... والمعنى: أَنكم تريدون سَفْسَافَ الأُمور، والله يريد معاليها، فإِنه يريد ما يُعْلِى كلمة الحق، ويسمو برتبة الدين وأنتم تريدون الغنائم السهلة، وشتَّان بين المرادين. 8 - {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ}: أَي يقره ويُثَبَّتهُ لأَنه الحق والمراد به الإِسلام أَي أَنه تعالى اختار لكم ذات الشوكة: ليظهر الإِسلام - وهو الحق - ويبطل الباطل - وهو الشرك، بنصركم على أَهله. {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}: أَي ولو كره المشركون أَصحاب الاعتداءِ والطغيان. وليس في الآية تكرار، فالحق الأَول هو القتال لطائفة النفير مع ضمان النصر، والحق الثاني هو الإِسلام، وهو المقصد: والأَول هو الوسيلة له. {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)}. المفردات: {تَسْتَغِيثُونَ}: تطلبون الغوث والنصر على عدوكم، والغوث التخليص من الشدة. {فَاسْتَجَابَ}: فأَجاب دعاءَكم.

{مُرْدِفِينَ}: أَي مُتْبِعين بعضهم بعضا، بأَن يكون بعضهم في إِثر بعض، أَو مُتْبِعين المؤْمنين لهم، بأَن يكونوا خلفهم. {وَلِتَطْمَئِنَّ}: لتسكن. {عَزِيزٌ}: لا يغالَب في حكمه. {حَكِيمٌ}: يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. التفسير 9 - {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}: سبب النزول: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إِلى أَصحابه وهم ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا، ونظر إِلى المشركين فإِذا هم أَلف وزيادة، فاستقبل نبى الله القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه: اللهم أَنجز لى ما وعدتنى، اللهم إِن تَهْلَكْ هذه العصابةُ لا تُعْبدْ في الأَرض، فما زال يهتف مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أَبو بكر - رضي الله عنه - فأَخذ رداءه فأَلقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبى الله: كفاك مُنَاشدَتَك ربّك فإِنه سينجز لك ما وعدك. فأَنزل الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} الآية .... فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا وأُسر سبعون. وقد جاءت هذه الآية الكريمة تذكيرًا للمؤمنين بأَنه تعالى لم يتخل عنهم حين لجأْوا إِليه واستغاثوا به، وقتما رأَوا قلتهم وضعف استعدادهم أمام جيش المشركين الكثير العدد، القوى الاستعداد، بل أَمدهم بالملائكة من عنده. وقد أسندت الاستغاثة في الآية إِلى المؤمنين، مع أَن سبب النزول الذي تقدم ذكره يحكى أنها كانت من النبي - صلى الله عليه وسلم - , لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعبّر باستغاثته عمّا في نفوس المؤمنين، وجرت به أَلسنتهم من لجوئهم إِلى الله - تعالى - لينصرهم.

والمعنى: واذكروا أَيها المؤمنون حين كنتم تستغيثون ربكم، وتطلبون منه النصر على عدوكم الذي جاء بخيله ورجله، وعَدَدِه، وعُدَّتهُ، وأَنتم لم تكونوا مستعدين للقائه حيث كنتم تريدون العِير، ولا علم لكم بالنفير، فأَجاب استغاثتكم ودعاءَكم بأَنى ممدكم بأَلف من الملائكة مردفين أَي متتابعين، بعضُهم في إِثر بعض، كأَنما يردف بعضهم بعضا، أَي يتبعه إِياه .... ويجوز أَن يكون معنى {مُرْدِفِينَ} متبعين المؤمنين لهم بأَن يتقدموهم في المعركة ليطمئنوهم ويثبتوهم. 10 - {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ}: أَي وما جعل الله إِمدادكم بالملائكة عيانا لأَمر من الأُمور، إِلا ليبشركم بأَنكم منتصرون، ولتطمئن به قلوبكم، وتسكن به نفوسكم، ويزول خوفكم واضطرابكم. فتثبتوا ويتم لكم النصر. وفي قصر الإِمداد بالملائكة على البشرى والطمأْنينة: إِشعار بعدم مباشرتهم للقتال وأَن الغرض منه هو تقوية قلوب المؤمنين المقاتلين، وتكثير عددهم. أَمام المشركين، وسيأْتى بسط الكلام في ذلك قريبا. {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ}: أَي وما النصر في الحقيقة إلا من عند الله تعالى، ولكنه - سبحانه - أَجرى سنته على ربط المسببات بالأَسباب، ليأْخذ بها العباد. {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ}: لا ينَازَعُ في حُكْمِه، ولا يغالَبُ في أَقضيته. {حَكِيمٌ}: يفعل كل ما يفعله لحكمة ومصلحة، ولذا أَمدكم بأَسباب النصر على عدوكم، فتمَّ لكم بفضله النصر عليهم، وكذلك يسلط الله الحق على الباطل ليدمغه فإِذا هو زاهق، فثقوا باللهِ وتوكلوا عليه، ولا تقنطوا من حصول النصر إذا كثر أَعداؤكم، بل أَدوا واجبكم من الثبات والصبر، والكفاح على قدر طاقتكم، والله يعينكم وينصركم، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (¬1). ¬

_ (¬1) البقرة: الآية 249

{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)}. المفردات: {يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ}: أَي يُغَطِّيكم الله ويشملكم بالنعاس، والنعاس فتور في الحواس وأَعصاب الرأْس، يعقبه النوم، يضعف الإِدراك ولا يزيله. {أَمَنَةً مِنْهُ}: أَي أَمنا من الله وطمأْنينة. {رِجْزَ الشَّيْطَانِ}: أَي وسوسته وتخويفه لهم. {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ}: الربط الشد، ويقال لكل من صبر على أَمر ربط على قلبه. {الرُّعْبَ}: الخوف والفزع. {كُلَّ بَنَانٍ}: أَي كل طرف من أَطراف الأَصابع من اليدين والرجلين، وقيل: كل أصبع من الأَصابع، وتطلق البنان أيضًا على كل طرف من أَطراف الإِنسان كاليد والرجل. {شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ}: المشاقة: المعاداة والمخالفة.

التفسير 11 - {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} الآية. بعد أَن ذكر الله سبحانه استغاثة النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤْمنين بربهم في غزوة بدر، واستجابته لهم، بإِمدادهم بالملائكة للبشرى بالنصر، ولاطمئنان قلوبهم، ذكر منَّةً أُخرى، هي جعله النعاس غالبا عليهم، مغطيا لمشاعرهم، تأْمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم، من الفَرْق العظيم بينهم وبين عدوهم، في العدد والعدة. وإِنما كان النعاس مانعا من الخوف, لأَنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر، وكان في الليلة السابقة للقتال، لتستريح أَعصابهم، فيصبحوا مقبلين على المعركة بجد ونشاط، وقد جاء في هذا النعاس عن على بن أبي طالب - رضي الله عنه - أَنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأَسود ولقد رأَيناه وما فينا إِلا نائم، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يصلى تحت شجرة حتى أَصبح. {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ .... } الآية. تحكى هذه الجملة نعمة أُخرى، كان لها شأْن كبير في النصر على المشركين، وكان جيش المسلمين قد نزل بعدوة الوادى القريبة من المدينة، بعيدا عن الماءِ في أَرض رملية وسبخة، أَمّا المشركون فقد نزلوا على ماءِ بدر بالعدوة القصوى في أَرض جلدة، فأَصبح المسلمون لا يجدون الماء ليشربوا ويغتسلوا ويتوضأُوا. فكان هذا الموقف مزرعة لأَحاديث الشيطان النَّفْسِيَّة، المحطمة للعزائم المدمرة للقلوب، فلقد حدثهم أَن العطش سوف يضعف قواهم، ويساعد المشركين في القضاء عليهم، فأَدرك الله المؤمنين بلطفه، وأَنزل عليهم من السماءِ مطرا سال به الوادى، فشربوا واتخذوا الحياض على عدوة الوادى الدنيا، واغتسلوا وتوضأُوا وملأُوا الأَسقية وتلبدت الأَرض السبخة حتى ثبتت عليها الأَقدام، على حين كان المطر كارثة على المشركين، فقد تحولت به أَرضهم الجلدة إلى أَو حال لا يقدرون معها على الحركة في القتال. وبهذه النعمة أَذهب الله عن المسلمين رجز الشيطان ووسوسته وحقق لهم النصر، والمعنى: وينزل عليكم من السماءِ غيثا، لكي يطهركم به من الأَحداث، ومن وعثاءِ السفر، ولكى

يذهب عنكم وسوسة الشيطان، وليربط على قلوبكم ويشدها بالصبر والطمأْنينة وليثبت به الأَقدام عند لقاءِ المشركين. 12 - {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}: أَي واذكر يا محمَّد للمؤمنين نعمة أُخرى أَنعم الله بها عليهم، حين يوحى ربك إِلى الملائكة أَنى معكم في تثبيتكم للمؤمنين، فثبِّتوا الذين آمنوا لينتصروا على أَعدائهم. واختلفوا في كيفية تثبيت الملائكة للمؤمنين في غزوة بدر الكبرى، فقال جماعة: إِنهم ثبَّتوهم بالبشارة وتكثير عددهم، ونحوهما، مما تقوى به قلوبهم، وتشتد عزائمهم في القتال، فإِن الآية لم تصرح بأُسلوب التثبيت حتى يحمل عليه فيها, ولم يكن تثبيتهم بالقتال معهم، لأَن الملك الواحد كفيل بإِهلاك قريش لو كان يقاتل المشركين مع المؤْمنين، فحيث كان المثبتون من الملائكة أَلفا أَو أَكثر، فلا بد أَن تثبيتهم معنوى لا قتالى، ولذا - قال تعالى -، عقب الأَمر بالتثبيت: {سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} وقد روى أن الملك كان يتشبه بالرجل الذي يعرفونه، فيقول: أَبشروا فإِن الله ناصركم. وقال آخرون: أُمروا بمحاربة المشركين، وجعلوا قوله تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} تفسيرًا لقوله سبحانه: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} روى أَنهم كانوا يرَوْن رءُوسا تسقط عن الأَعناق من غير ضارب، وروى عن سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال: لقد رأَيتُنا يوم بدر، وإن أَحدنا ليشير بسيفه إِلى المشرك، فتقع رأْسه عن جسده قبل أَن يصل إِليه السيف. والمتأَمل في هذه الروايات يجدها بلا أَسانيد صحيحة، فلا يمكن التعويل عليها، فالراجح أَن الملائكة لم يقاتلوا، بل كانوا يثبتون المؤمنين بالقول ويكثرون عددهم أَمام العدو، ليُصابُوا بالرعب منهم. وعلى هذا يكون قوله تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} خطابا للمؤمنين، فكأَنه - تعالى - يقول لهم: سأُلقى في قلوب الذين كفروا الفزع والخوف منكم، لتتمكنوا من إِصابتهم، فاضربوهم فوق الأَعناق، واضربوا منهم كل بنان،

فلن يقدروا عليكم، والمراد بالضرب فوق الأَعناق، ضربهم في أَعاليها سواء أَكان الضرب في الرقاب أَم في الرءوس، والمراد بضرب كل كان: أَن يضربوا أَصابعهم أَو أَطراف أَبدانهم، كالأيدى والأَرجل، فكل ذلك يطلق عليه كان، حقيقة أَو مجازا. 13 - {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: أَي ذلك الذي تقدم من الجمع بين ضرب الرقاب وضرب الأَطراف، حاصل بسبب أَنهم خالفوا الله ورسوله، ومن يخالف الله ورسوله ويتنكر لدينه، عاقبه الله فإِن الله شديد العقاب وقد عاقبهم الله بذلك في الدنيا، وسوف يعاقبون بأَشد منه في الآخرة، ولذا عقبه - تعالى - بقوله: 14 - {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ}: أَي ذلكم العقاب العاجل في الدنيا فذوقوه، وأَن لكم في الآخرة عذاب النار بسبب كفركم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)}. المفردات: {زَحْفًا}: الزحف في الأَصل مصدر زحف الصبى إِذا دبَّ قليلًا قليلًا وهو جالس، أَو حبا وهو يجُرُّ رجليه، ثم أُطلق على المشى الثقيل المتوالى وعلى الجيش إذا كثر، لأَن حركته بطيئة بالنسبة لحركة الفرد، والمراد به في الآية المعنى الأَخير. {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}: فلا تديروا ظهوركم لهم، والمقصود نهيهم عن الفرار من قتال العدو بأَية صورة.

{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ}: قال في مجمع البيان: التَّحرُّفُ في الأَصل الزوال عن جهة الاستواء إِلى جهة الحرف. اهـ والمقصود من قوله: {إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} إباحة استدبار العدو والفرار من وجهه لغرض حربى، كالوقوف في موقف أَصلح للقتال، أَو قتال طائفة أُخرى أَهم ممن يلاقونهم. {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ}: أَي منحازا ومنضما إلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم. {بَاءَ}: أَي رجع. التفسير 15 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}: هذا خطاب للمؤمنين الذين هم في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن سيأْتى بعدهم إِلى يوم القيامة، كلفهم الله فيه بالثبات عند لقاءِ الكفار في حروبهم معهم، جىءَ به في تضاعيف قصة بدر، إظهارًا للاعتناء به، وحثًّا على المحافظة عليه، فإِن فيه عزّ المسلمين وسلامتهم وسلامة دينهم. والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا إذا لقيتم في القتال أَعداءكم الكفرة، وهم جمع كثير، وأنتم عدد قليل - كما كان الحال في غزوة بدر - أَو كنتم مثلهم أَو أكثر منهم عددا، فلا تولوهم أَدباركم، ولا تَفرُّوا من لقائهم، بل اصبروا واثبتوا، فإِن النصر مع الثبات والصبر. 16 - {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ .... } الآية. ومن يولّ الكفار يوم اللقاء دبره، ويفر من القتال، إِلا متحرفا لقتال بأَن يترك موقفه إلى موقف أصلح منه للظفر بالعدو، أَو يتجه إِلى قتال طائفة أُخرى من الأَعدءِ، أَو كان منحازا إِلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم: من يول الكفار في القتال دبره في غير هذه الأَحوال المستثناة، فقد رجع من الغزو بغضب عظيم من الله، ومرجعه في الآخرة ومآله جهنم وبئس المرجع والمصير.

وفي الآية دليل على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف لقتال أَو المتحيز إِلى فئة - أَخرج الشيخان وغيرهما عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنه قاله: "اجْتَنِبُوا السَّبعَ الموبقَاتِ، قالوا يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والسِّحْرُ، وقتلُ النفسَ الَّتي حرَّم اللهُ تَعَالَى إِلَّا بالحقِّ، وَأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتولىّ يومَ الزَّحفِ، وقذفُ المحصَناتِ الغافِلَاتِ المؤمِناتِ". واعلم أَن أَكثر أَهل العلم ذهبوا إِلى أَن حرمة الفرار إذا لم يكن العدو أَكثر من الضعف، لقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (¬1) وأَخرج الشافعى وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنه قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فَقَدْ فَرَّ. وعن محمَّد بن الحسن: أَن المسلمين إذا كانوا اثنى عشر أَلفا لم يجز الفرار أصلا لحديث ورد في ذلك (¬2). والظاهر أَن الأمر متروك لقائد المعركة الأَمين الشجاع، فإِن رأَى الثبات أمام العدو: ثبت، وإِن رأَى غير ذلك: انسحب بجيشه حتى تتاح فرصة الاستعداد القَوِىِّ للقاء العدو، لئلا يلقى بجنود الله إلى التهلكة في معركة غير متكافئة بسبب كثرة العدد، أَو قوة الأَسلحة وفتكها الذريع. {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)}. ¬

_ (¬1) سورة الأنفال الآية: 66 (¬2) جاء في هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة" وأحد رواة هذا الحديث أبو سلمة العاملى، وهو متروك الحديث.

المفردات: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا}: أَي وليعطى الله المؤمنين إعطاءً حسنا من عنده، فهو من الإِبلاء بمعنى الإِعطاء، ومنه قول زهير: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فَأَبْلاَهمَا خير البلاء الذي يُبْلَى (¬1) {مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}: أَي مُضعِفُ كيد الكافرين ومبطل حيلهم. التفسير 17 - {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ}: عادت هذه الآية بالحديث إِلى غزوة بدر. والمعنى: إِذا كان الله تعالى: قد أَمدكم أَيها المؤمنون بأَسباب النصر، من إِنزال الملائكة لتأْييدكم وإِنزال المطر عليكم، وأَمره لكم بالثبات وغير ذلك، فأَنتم لم تقتلوهم بقوتكم وقدرتكم، ولكن الله قتلهم بتأْييدكم وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتسليطكم عليهم. وقيل إِن المعنى: إِن افتخرتم بقتلهم فلا وجه لافتخاركم، فأَنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وذلك لما روى أَنهم حين انصرفوا من معركة بدر غالبين غانمين، أَقبلوا يتفاخرون، بقول قائلهم: قتلت وأَسرت، وفعلت وتركت، فنزلت الآية لينتهوا عن الافتخار، وليعْزُوا النصر إِلى الفاعل المختار سبحانه وتعالى. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}: بعد أَن خاطب الله المؤمنين بما تقدم، خاطب نبيه - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ليبين للمؤمنين أَن الأَمر لله في شأْن رسوله، كما أَن الأَمر له - سبحانه - في شأْنهم، حتى يتمكن هذا المعنى من نفوسهم، ويستقر في قلوب المؤمنين إِلى يوم الدين. والمقصود من رميه - صلى الله عليه وسلم -، ما حدث منه من قذف التراب في وجوه المشركين كما ذكره الحافظ بن حجر وأيَّده بعدة طرق، فعن حكيم بن حزام (¬2) قال: (لما كان يوم بدر، ¬

_ (¬1) أَي فأعطاهما خير العطاء الذي يعطى. (¬2) كان حكيم بن حزام مشركا في وقت غزوة بدر، ثم من الله تعالى عليه بالإِسلام، وكان من خيرة المسلمين.

أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1) فأَخذ كفًّا من الحصى فاستقبلنا به، فرمى به وقال: (شاهت الوجوه) فانهزمنا، فأَنزل الله عز وجل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} أَخرجه الطبرانى وإسناده حسن. وعن ابن عباس أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلى: نَاوِلنى كفًّا من حصى، فناوله فرمى به وجوه القوم، فما بقى أَحد من القوم إِلا امتلأَت عيناه من الحصباء، فنزلت: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} الآية. أَخرجه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح (¬2). وقد اشتمل النص الكريم على نفى الرمى من النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ} وإِثباته له بقوله: {إِذْ رَمَيْتَ} وليس هذا من باب التناقض بنفى الشىءِ وإِثباته، فإِن النفى منصب على الرمى من جهة خلقه وخلق آثاره، فِإنه فعل الله وليس فعل الرسول، والإِثبات موجه إِلى كسب الرسول أَي إلى فعله الظاهر. المعنى: وما رميتَ يا محمَّد الحصباء المخلوطة بالتراب بقدرتك الذاتية، حين رميتها يوم بدر في وجوه المشركين، فامتلأَت بها عيونهم، وشغلوا بها عن قتالكم، ولكن الله تعالى هو الذي أَلهمك إِلقاءها، وأقدرك على رميهم بها، وأَوصلها مع قلتها إلى عيون المشركين جميعهم، - وهم نحو الأَلف - فالله تعالى هو الذي رماهم بها حقيقة، وأَما رميك لهم فهو بإِقدار الله، ربطا للمسببات بأَسبابها الظاهرة، ولولا ذلك ما حدث الرمى ولا آثاره، واستدل بالآية على أَن أَفعال العباد بخلقه تعالى، وإِنما لهم كسبها ومباشرتها، قال الإِمام الرازى: أَثبت - سبحانه - كونه - صلى الله عليه وسلم - راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه - صلى الله عليه وسلم - رمى كسبا، والله رمى خلقا. وقال ابن المنبر: علامة المجاز أَن يصدق نفيه حيث يصدق ثبوته، ثم قال: فلمَّا أَثبت الله سبحانه الفعل للخلق ونفاه عنهم، دل على أن نفيه على الحقيقة، وثبوته على المجاز بلا شبهة. ¬

_ (¬1) أَي أمر عليا - رضي الله عنه - بإحضار كف من حصباء الوادى فأحضرها فأخذها الرسول - الخ وسيأتى في الحديث التالى ما يدل على ذلك. (¬2) مجمع الزوائد جـ 6 ص 84

وقد كتب علماء التوحيد في خلق أَفعال العباد، وكتب علماء التفسير في هذه الآية كلاما طويلًا، فمن شاءَ المزيد فليطلبه في المطولات. {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: أَي ولكى يعطى المؤمنين عطاء حسنًا في غزوة بدر، سمع استغاثتهم وعلم إِخلاصهم فنصرهم، إن الله سميع لدعائهم واستغاتهم ولكل مسموع، عليم بنياتهم وإِخلاصهم وبكل معلوم. 18 - {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}: الإِشارة بـ {ذَلِكُمْ} راجعة إِلى ما تقدم من البلاء الحسن، والبلاء بمعنى العطاء كما تقدم بيانه. والمعنى: ذلكم البلاء أَي العطاء الحسن للمؤمنين، وتوهين الله كيد الكافرين وإِبطاله، هما المقصودان من تهيئة أَسباب النصر للمؤمنين على الكافرين. {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)}. المفردات: {تَسْتَفْتِحُوا}: تطلبوا الفتح وهو النصر. {فِئَتُكُمْ}: جماعتكم. التفسير 19 - {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... } الآية. الخطاب في هذه الآية للمشركين، نزلت بعد غزوة بدر وسبب خطابهم بما جاءَ فيها، أَنهم حين أَرادوا الخروج تعلقوا بأَستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أَعلى الجُنْديْن، وأَهدى الفئتين، وأَكرم الحزبين، وفي رواية أَن أَبا جهل قال حين التقى الجمعان: اللهم ربنا، ديننا القديم، ودين محمَّد الحديث، فأَى الدينين كان أَحب إليك وأَرضى عندك، فانصر أَهله اليوم.

والمعنى: إِن تطلبوا - أَيها المشركون - الفتح - أَي النصر - فقد جاءَكم النصر على خلاف ما تشتهون - حيث نصر الله رسوله ودينه - عليكم وعلى دينكم، وإِن تنتهوا عن حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاداته، فالانتهاء خير لكم من مواصلة حربه، فقد ذقتم بسببها القتل والأَسر والهوان، وإِن تعودوا إِلى قتاله، نعد إِلى نصره عليكم، وتمكينه من إِذلالكم، ولن تدفع عنكم جماعتكم شيئًا من الأَضرار ولو كثرت حشودكم ومقاتلوكم، وحقيقة الأَمر أَن الله مع المؤمنين بالنصر والتأْييد. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)}. التفسير 20 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ}: بعد أَن بين الله تعالى في آخر الآية السابقة أَنه سبحانه مع المؤمنين، أَمرهم بطاعته. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا أَطيعوا الله ورسوله، بالعمل بما أَنزله الله إِليكم في كتابه، وبينه لكم رسوله، ولا تنصرفوا عن رسوله فيما بيَّنه لكم عن الله، وأَنتم تسمعون القرآن الناطق بالحثِّ على طاعته والثواب عليها، والزجر عن مخالفته والعقاب عليها. 21 - {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}: أَي ولا تكونوا أَيها المؤمنون مثل المنافقين الذين قالوا بأَفواههم، سمعنا القرآن موهمين بذلك القول أَنهم تَقبَّلُوا ما سمعوه وآمنوا به، وهم في الحقيقة لا يسمعونه سماع تقبُّل وإِذعان، بل سماع نفاق وإِدهان.

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)}. المفردات: {الدَّوَابِّ} جمع دابة، وتتناول الإِنسان والحيوان، مأْخوذة من دبَّ على الأَرض أَي مشى على هِينتِهِ. {الصُّمُّ}: الذين لا يسمعون. {الْبُكْمُ}: الذين لا ينطقون. {لَتَوَلَّوْا}: لانصرفوا. التفسير 22 - {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}: تضمنت هذه الآية الكريمة، بيان سوء حال المشبه بهم في الآية السابقة، وهم الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، مبالغة في تحذير المؤمنين من التشبه بهم. والمعنى: إِن شر من يدب على الأَرض ويمشى عليها، هم أُولئك الصم الذين لا يسمعون، البكم الذين لا ينطقون، الذين لا يعقلون شيئا لفقدهم عقولهم، وقد وصف الله الكافرين بتلك الأَوصاف مع أَنهم يسمعون ويتكلمون ويعقلون، تنزيلا لهم منزلة مَنْ حُرِم من هذه المزايا العظيمة, لأَنهم تركوا الاهتداءَ بها إِلى الحق، وأَهدروا الانتفاع بها فيما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فكانوا كمن فقدها، وقد جاءَ وصفهم بأنهم لا يعقلون، بعد وصفهم بالصم البكم تأْكيدًا لسوءِ حالهم، فإِن الأَصم الأَبكم إِذا كان له عقل، يستطيع أَن يَفْهم ويُفهِم غيره بالإِشارة، فإِن فقد العقل فقد بلغ الغاية في سوءِ الحال. 23 - {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}:

أَي ولو علم الله في هؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، خيرًا يؤدى بهم إلى الحق، لأَسمعهم سماع تدبر، ينتهى بهم إِلى أَن يعقلوا الحق وينطقوا به، ويسيروا على منهاجه، ولو أَسمعهم القرآن مع ما هم فيه من فقدان الخير وسوء الحال، لانصرفوا وهم معرضون عن تقبُّله والإِيمان به، والعمل بموجبه. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)}. التفسير 24 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}: بعد أَن تحدث الله عن الكافرين بأَنهم صم بكم لا يعقلون، عاد بالحديث إِلى المؤمنين، ليرشدهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، وقد تكرر نداؤهم بوصف الإِيمان لتنشيطهم حتى يقبلوا على امتثال ما يَرِدُ بَعْدَهُ من الأَوامر، وتنبيههم إِلى أَن اتصافهم بالإيمان يستوجب ذلك. والمعنى: يأَيها الذين شرفهم الله بالإِيمان المستوجب لكل خير، استجيبوا لله وللرسول بحسن الطاعة، إِذا دعاكم الله على لسان رسوله لما يحييكم في الدارين حياة طيِّبة، من الجهاد والاستقامة على منهاج الحق والعدل، والعلم النافع، والعمل الصالح، وثواب الآخرة. واستدل بعض العلماء بالآية على وجوب إجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا نادى أَحدًا وهو في الصلاة، فإِن الأمر يشملها، وعن الشافعى أَن ذلك يبطلها، وأَيد القول بذلك

بما أَخرجه الترمذي والنسائى عن أَبي هريرة أَنه - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على أُبىِّ بن كعب وهو يصلى، فدعاه فعجل في صلاته، ثم جاءَ فقال له النبي: (ما منعك من إِجابتى؟) قال: كنت أصلى، قال: "أَلَمْ تُخْبَرْ فيما أُوحِىَ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال: بلى ولا أَعود إِن شاء الله تعالى، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: "لأُعلمنَك سورةً أَعظمَ سورةٍ في القرآن: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السبع المثانى". ورأَى بعض العلماء أَن إِجابة الرسول في الصلاة، وإِن كانت واجبة كما دل عليه الحديث والآية، إِلا أَنه لا دلالة فيهما على أَنها لا تقطع الصلاة، بل يجب استئنافها من جديد بعد أَن قطعت بإِجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحكى الرويانى أَنها لا تجب، وتبطل الصلاة بها، فإِن المصلى قائم بين يدي ربه، وهو مشغول بطاعته، وما جاءَت الرسالات إِلا لذلك، وإِنما تجب الاستجابة التي دعت الآية إِليها، فيما عدا وقت الاشتغال بالصلاة، ولعل القائلين بذلك لم يطلعوا على هذا الحديث ... وتوسط بعض العلماءِ بين الرأْيين فقال: إِذا نادى النبي - صلى الله عليه وسلم - أَحدًا وهو يصلى فإنه يقطع صلاته إذا كان الدعاء لأَمر يفوت بالتأْخير، ومثل ذلك مثل ما إِذا رأَى المصلى رجلًا أَعمى وصل إلى بئر, ولو لم يحذره لهلك، فإِنه يقطع صلاته ويحذره، ثم يستأْنفها، وحمل أَصحاب هذا الرأْى دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأُبى بن كعب الذي ورد في الحديث على أَنه كان لأَمر هام بدليل قوله تعالى: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، فلذلك قال له الرسول: (ما منعك من إجابتى؟) يريد بذلك أَنه كان عليه أَن يقطع صلاته ليجيبه - صلى الله عليه وسلم -. ونحن نقول: إن الظاهر أَن ذلك كان في صلاة النافلة، فإِنها لو كانت فرضا لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلى بالمسلمين جماعة وفيهم أُبَىُّ بن كعبِ راوى الحديث، فلا يكون حينئذ مجال لنداء الرسول له، فالأَولى قصر الكلام على صلاة النافلة. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}: قبل الكلام على تفسير هذا النص الكريم نقول: الحول بين الشيئين الفصل بينهما، تقول هذا الشىء يحول بينى وبينك، تعنى أَنه يفصل بينكما، قال صاحب القاموس: (كل ما حجز بين شيئين فقد حال بينهما) يعني فقد فصل بينهما.

وهذا المعنى غير مُتَصَوَّرٍ في حق الله تعالى، فإِنه - سبحانه - ليس جسما متوسطا بين المرءِ وقلبه، يحول بينهما ويفصل اتصالهما, ولهذا يجب تأْويل قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} بما يتفق مع القواعد الشرعية، وقد ذهب المفسرون في تأْويلها مذاهب نختار منها ما يلى: يرى الحسن وقتادة: أَن هذه مجاز عن شدة قربه - تعالى - من عبده بعلمه فهى، مثل قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وفي هذا المعنى تنبيه إِلى أَنه - تعالى - مطلع على مكنونات القلوب، حتى ما يغفل عنه أَصحابها، وأَنه ينبغي أن يبادر العباد إلى تصفيتها من علائق الشيطان، حتى تكون مخلصة لوجه الله الكريم، فكأَنه - سبحانه - بعد أَن أَمرهم في صدر الآية بالاستجابة لله ورسوله، أشار لهم هنا إِلى وجوب الإخلاص في الاستجابة، لأَنه تعالى قريب من قلوبهم بعلمه، يعلم إِخلاصها ونظافتها، ويعلم ضد ذلك، فيجزى كلاًّ منهم حسب حالهم. والمعنى على هذا: واعلموا أَيها المؤمنون أَن الله - تعالى - قريب من قلب عبده، يعلم إِخلاصه ونفاقه في الاستجابة لله ولرسوله، واعلموا أَنكم إِليه يوم القيامة تحشرون لا إِلى غيره، فيجزيكم حسب مراتب أَعمالكم التي أَحاط بها علمه. ويجوز أَن يكون المراد من الآية الحث على المبادرة إِلى الاستجابة لله ورسوله، بالعمل الصالح والنية الطيبة قبل أَن يدرك الإِنسان الموت، فيندم على التقصير. وكأَنه قيل: واعلموا أَن الله يحول بين المرءِ وقلبه بمنع إِمداده له بالدم الذي هو مادة الحياة، إِذ يقبض روحه، ويبطل نبضه ويمنعه بذلك من التصرف، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من العمل الصالح، وإِخلاص النية، فليبادر المرءُ إِلى الاستجابة لله ورسوله، قبل فوات الفرصة، واعلموا أَنكم إِليه تحشرون للحساب والجزاءِ. ويمكن أَيضا أَن يكون المعنى: واعلموا أن الله يحول بين المرءِ وقلبه إِن لم يستجب لله ورسوله، وذلك بأَن يطمس على قلبه فلا يهتدى إِلى رشاد، واعلموا أَنكم إِليه تحشرون، فلا يجد المسىء ما ينقذه من عقابه. 25 - {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}:

أَي واتخذوا لكم وقاية من ذنب لا يقتصر وباله على الذين ظلموا أَنفسهم، بتوريطها في المعاصي، بل يعمهم وغيرهم بشؤمهم. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: يعاقب من خالفه ولم ينفذ أَوامره، أَو وافق على مخالفته، أَو ترك الإِنكار على المخالفين، وأَهمل وعظهم وتذكيرهم. والآية الكريمة خطاب للمؤْمنين في كل عصر، فلا يقتصر حكمها على أَصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمقصود من الآية أَن لا يترك العصاة بدون زجر، بل يؤْخذ على أَيديهم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "من رأَى منكم منكرا فليغيره بيده فإِن لم يستطع فبلسانه، فإِن لم يستطع فبقلبه وذلك أَضعف الإِيمان" (¬1) فإِن لم يفعل المؤْمنون ذلك، وقعوا في الفتنة، أَي أثموا وأَذنبوا, لأَنهم قَصَّرُوا في الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك لم تقتصر الفتنة - أَي الذنب - على من باشر المعصية وحده، بل عمته وغيره، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الناس إِذا رأَوا الظالم فلم يأْخذوا على يده، أَوشك أَن يعمهم الله - تعالى - بعقاب" أَخرجه الترمذي وأَبو داود عن قيس بن حازم عن أَبي بكر - رضي الله عنه -، وأَخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لما وقعت بنو إِسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤُهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ". {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)}. ¬

_ (¬1) أخرجه الإِمام مسلم.

التفسير 26 - {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ... } الآية. الخطاب هنا للمهاجرين من أَصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى: واذكروا أَيها المؤمنون من أهل مكة وقتما كنتم مستضعفين من مشركيها، يؤْذونكم بالقول والفعل، لضعفكم وقلّتكم وهوانِكم عليها، فكنتم لذلك تخافون دائما أَن يتخطفكم مشركو مكة، ويأخذوكم بالإِيذاءِ وسلب الأَموال من آن لآخر، فآواكم الله بالمدينة حين هاجرتم إِليها، إِذ أَنزلكم من أَهلها في مأوى يقيكم شرَّ من استضعفوكم وآذوكم، وأَيدكم وقواكم بنصره بمظاهرة الأَنصار, والإِمداد بالملائكة في بدر، فثأَرتم بذلك ممن أَخرجوكم وآذوكم, ورزقكم الله من الطيبات بما نلتم من المغانم, ولم تحل لأَحد قبلكم، منحكم الله كل هذه النعم لكي تشكروه على إِسدائها. وقيل: الخطاب عام للمؤمنين في كل عصر، يذكرهم الله فيه بإِنعامه عليهم حين يكون عدوهم أَكثر منهم، يخافون أَن يتخطفوهم لكثرتهم، فإِنه - تعالى - حينئذ يؤويهم، أَي يحل لهم مأْوى يتحصنون به من أَعدائهم، ويؤَيدهم وينصرهم عليهم، ويرزقهم من طيبات الأَرض التي يستولون عليها منهم، كما يرزقهم من مغانمهم. والرأى الأَول أنسب بالحديث عن غزوة بدر التي جاءت هذه السورة لتفصيل شئونها. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)}. المفردات: {لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ}: الخيانة بمعنى الانتقاص ممّا ائتمنت عليه، والمراد بها هنا عدم العمل بما أَمر الله به ورسوله.

{فِتْنَةٌ}: أَي ابتلاء وامتحانا، أو سبب فتنة، أَي سبب إثم وعذاب إِذا خولف أَمر الله في الأَموال والأَولاد. التفسير 27 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ .... } الآية. لا يزال الحديث موصولا مع المؤمنين، وسبب نزول الآية، على ما رواه الزهرى وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاصر يهود بنى قريظة واحدا وعشرين ليلة وفي رواية البيهقي خمسا وعشرين ليلة، فسأَلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلح كما صالح إِخوانهم بنى النضير، على أَن يسيروا إِلى إِخوانهم بأَذرعات من أَرض الشام، فأَبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أَن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ (¬1)، فأَبوا وقالوا أَرسل لنا أبا لبابة رفاعة بن عبد المنذر، وكان مناصحا لهم؛ لأَن ماله وعياله كانوا لديهم فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأَتاهم، فقالوا: يا أَبا لبابة ما ترى؟ أَننزل على حكم سعد بن معاذ، فأَشار بيده إِلى حلقه - يعني أنه الذبح فلا تفعلوا - قال أبو لبابة: والله ما زالت قَدمَاىَ عن مكانهما، حتى عرفت أَنى قد خنت الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشد نفسه على سارية من سوارى المسجد، وقال: والله لا أَذوق طعاما ولا شرابا حتى أَموتَ أو يتوب الله علىَّ، فلمَّا بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبره قال: أَمَا لو جاءنى لاستغفرت الله له، أما إِذ فعل ما فعل، فإنى لا أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أَيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خرَّ مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أَبا لبابة قد تيب عليك، فقال والله لا أَحل نفسى حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يحلنى، فجاءه عليه الصلاة والسلام فحله بيده، ثم قال أَبو لبابة: إِن تمام توبتى أَن أَهجر دار قومى التي أَصبت فيها الذنب، وأَن أَنخلع من مالى، فقال - صلى الله عليه وسلم -: يَجْزيك الثلث أَن تصَّدَّق به، ونزلت هذه الآية. ¬

_ (¬1) وسبب امتناع الرسول عن إجابتهم، أنهم خانوا عهدهم معه وانضموا إلى قريش في غزوة الخندق، وكادت تحصل بانضمامهم لهم كارثة للمسلمين، لولا لطف الله، راجع قصتهم في السيرة.

وذكر آخرون في سبب النزول غير ما تقدم، ولا مانع أَن تنزل الآية لعدة أَسباب من نوع خيانة الأَمانة. ومضمون الآية شامل لجميع المؤمنين، ولكل مأمور به أَو منهى عنه، فإِن أمانات الله ورسوله تشمل جميع التكاليف ولذا جاءت بالأسلوب العام. والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا ما كُلِّفتم به من التكاليف فهي أمانات الله لديكم, فلا تتركوا فريضة فرضها عليكم، ولا تباشروا منهيا عنه حرمه عليكم كإِفشاء سرٍّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَو للمسلمين، أَو إِنكار أَمانة مودعة لديكم، أَو غُلول في مغنم، وأَنتم تميزون الحلال من الحرام، والحسن من القبيح والضر من النفع, وتعلمون تبعة خيانة الأَمانة وعقابها. التفسير 28 - {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: أَي وليكن معلوما لديكم ومستقرا في نفوسكم أَن أموالكم وأولادكم امتحان من الله لكم، فلا تجمعوا أَموالكم من مصادر أَثيمة، ولا تصرفوها في أَغراض محرمة، ولا يحملنكم حبكم لأَولادكم على معصية الله تعالى بسرقة مال أَو طلب رشوة، أَو سوء تربية أو غير ذلك مما حرمه الله، واعلموا أن الله عنده أجر عظيم وثواب جزيل، لمن مال إِليه وآثر رضاه على محارم الله، فكسبوا أَموالهم من حلال، وصرفوها في غير معصية، وربوا أَولادهم على طاعة الله وحذروهم من نقمته.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}. المفردات: {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}: يجعل لكم هداية تفرقون بها بين الحق والباطل, أَو نصرا يفرّق بين حقكم وباطل سواكم. التفسير 29 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ..... } الآية: بعد أَن نهى الله المؤمنين عن خيانة الله ورسوله، وخيانة الأَمانات، وحذرهم من الفتنة بالأَموال والأَولاد، كلفهم هنا بأَن بتقوه في أَمرهم كله، ووعدهم على ذلك خير الجزاء. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا إِن تتقوا عقاب الله وتخافوا غضبه وسخطه، يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، من الإِلهام إِلى الخير والطاعة والإِعانة عليهما وكراهة الشر والمعصية والوقاية منهما، ومن النصر الذي يفرق بين حقكم وباطل سواكم بإِعزازكم وتكثير سوادكم، وتوسعة رقعة أَرضكم، وإِذلال الكافرين وانتقاص عددهم والاستيلاء على بلادهم، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يكفر عنكم سيئاتكم ويسترها لكم في الدنيا، ويغفرها لكم ولا يعاقبكم عليها في الأخرى، والله صاحب الفضل العظيم على عباده، فلا يضيق فضله عن تكفير سيئاتكم، وغفران ذنوبكم، وأنتم أَولياؤه.

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)}. المفردات: {يَمْكُرُ}: المكر؛ تبييت نية الشرِّ، {لِيُثْبِتُوكَ}: ليحبسوك ويوثقوك. {وَيَمْكُرُ اللهُ}: أَي يحبط مكرهم. التفسير 30 - {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ .... } الآية. هذه الآية نقلت الحديث من تحذير المؤمنين من مخالفة الله ورسوله، إِلى بيان عداوة الكافرين وسوء مقاصدهم نحو رسولهم ودينهم، وأن الله محبط كيدهم. وسبب نزولها: أَن قريشا لما رأَت أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَصبحت له شيعة وأَصحاب من أَهل المدينة، ورأَوا هجرة مسلمى مكة إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأَصابوا من أَهلها منعةً، فَحَذِرُوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعرفوا أَنه قد أَجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة، وهي دار قصى بن كلاب، التي كانت قريش لا تقضى أَمرا إِلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمره - عليه الصلاة والسلام - فقال بعضهم لبعض: إِن هذا الرجل كان من أَمره ما رأَيتم, وإنا والله ما نأمنه، فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأَغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به أَن يصيبه ما أصاب أَشباهه الشعراء قبله من الموت، فاعترض آخر قائلا: لئن حبستموه كما تقولون، ليخرجن أَمره من وراء هذا الباب إِلى أَصحابه، فَلأوْشكوا أَن يثبُوا عليكم فينزعوه من أَيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أَمركم. ما هذا برأى، فقال آخر: نخرجه من أَرضنا وننفيه من بلادنا، فإِذا خرج عنا؛ فلا نبالى أَين ذهب، وفرغنا منه فأَصلحنا أَمرنا، فرد قائل: والله ما هذا برأى، أَلم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأْتى به، والله

لو فعلتم ما أَمِنْتُم أَن يحل على حىٍّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يبايعوه، ثم يسير بهم إِليكم، فيطؤكم بهم في بلادكم، فيأْخذ أَمركم منكم، ثم يفعل بكم ما أَراد، فَكِّروا في رأى آخر، فقال أَبو جهل: أَرى أَن نأْخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدًا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى سيفا صارما، ثم يعمدون إِليه، فيضربونه بسيوفهم ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه، فإِنهم إِن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فرضوا عنا بالعقل (¬1) فعقلناه لهم فقال قائل: هذا هو الرأى؛ فوافقوا عليه، وتفرَّقوا على ذلك. فأَتى جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة (¬2) من الليل، اجتمعوا على داره يرصدونه متى ينام؟ فيثبون عليه، فلما رأَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكانهم، قال لعلىٍّ - كرم الله وجهه -: ثم على فراشى وتَسَجَّ ببردى (¬3) فإِنه لن يخلص إِليك شيء تكرهه منهم وكان الرسول إِذا نام ينام في برده هذا - انتهى: من ابن إِسحاق بتصرف. والمعنى: واذكر يا محمَّد حين يمكر بك الذين كفروا من مشركى مكة ويُبِيَّتُون نية الشرّ نحوك ليجعلوك حبيسا في محبس يعدونه لك ويقيِّدونك فيه بالحديد، حتى لا يتصل بك أَحد ممن تدعوهم إِلى الإِسلام، أَو يقتلوك بسيوفهم على أَيدى شبان أَقوياء أَنسباءَ منهم، فيتفرَّق دمك في القبائل، فلا يستطيع بنو عبد مناف أَن ينتقموا لك منهم، أَو يخرجوك من مكة، ويمنعوك بذلك من الاتصال بأَهلها لدعوتهم إِلى الإِسلام، ويحرموك بهذا الإِبعاد من وطنك {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}: المكر: تبييت نية الشر مع قصد الضرر بالخصم، فإِذا استعملت هذه الكلمة في جانب الله فالمقصود بها المجازاة على المكر كما هنا؛ لأَنه - تعالى - لا يبيِّت نية الشرّ لعباده، ويحب أَن يتوبوا فيرضى عنهم ويغفر لهم. ¬

_ (¬1) العقل: الدية. (¬2) العتمة: ثلث الليل الأول. (¬3) أَي تغط ببردى, والبرد: ثوب مخطط.

والمعنى: ويمكر مشركو مكة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بتبييت نية قتله بأَيدى شبان من جميع القبائل، ليتفرق دمه بينها، فلا يقدر بنو عبد مناف على قتال جميع العرب، ويرضون بديته، ولكن الله محبط مكرهم، بتيسير خروجه من بين أولئك الشبان الذين اجتمعوا أَمام بابه ليقتلوه عند خروجه. وذلك أَنه - صلى الله عليه وسلم - خرج عليهم ليلا وهم أَيقاظ وبأَيديهم سيوفهم، وكان يقرأ قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} فعموا عنه ولم يبصروه، وسار حتى التقى برفيق هجرته - أَبي بكر رضي الله عنه - وسارا حتى بلغا الغار الذي أَويا إِليه حتى ينقطع الطلب، ثم استأنف رحلته مع أَبي بكر على ظهر ناقتين وافاهما بهما عبد الله بن أريقط - وكان هاديا ماهرا أَمينا وكان على دين قومه - حتى وصلا إلى المدينة بسلامة الله تعالى، وبذلك أحبط اللهُ مكرَ قريشٍ، والله خير من يحبط المكر ويجزى أَهله (¬1). {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)}. المفردات: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}: ما سطره الأَولون من القَصَص. التفسير 31 - {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا ... } الآية: المعنى: وإِذا تتلى على قريش آياتنا التي أنزلناها على محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، قالوا ¬

_ (¬1) انظر تفصيل قصة الهجرة في كتب السيرة، فقد حدثت فيها أحداث نجى الله رسوله منها "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".

عنادا وإِباءً للحق: لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذي جئتنا به، ما هذا إِلا ما سطَّرهُ الأَولون من القصَصِ والحكايات، وليس كلام الله تعالى، وحيث كان كذلك فنحن قادرون على الإِتيان بمثله. وجمهور المفسرين على أَن قائل هذا هو النضر بن الحرث، كان يذهب إِلى أَرض فارس والروم يتسمع أَخبارهم عن كبارهم، ويذهب إِلى اليهود والنصارى فيسمع منهم التوراة والإنجيل، وإِسناد هذا القول إِلى قريش, لأَنه كان من زعمائهم وكانوا موافقين على ما يقول. وهذا القول واضح البطلان، فإنه تحداهم عشر سنين أَن يأتوا بمثله، وجعل يتحداهم حتى نزل بهم إلى سورة واحدة، فلم يستطيعوا إِلى تحقيق زعمهم سبيلا، ثم قارعهم بالسيف فعجزوا عن تحقيق زعمهم، ولو كانوا قادرين لأَبطلوا حجته في إِعجازه وبذلك ينتهى أمره، ولم يزل يكافحهم حتى دانوا للقرآن، ودخلوا في دين الله أَفواجا هم وغيرهم من العرب وسواهم. ولا يزال هذا التحدى باقيا إِلى أَن تقوم الساعة، وسوف يعجز غيرهم كما عجزوا بل غيرهم أَجدر بالعجز منهم، فهم فرسان البلاغة، والمالكون لأَزمة الفصاحة فكيف بسواهم، وإِعجاز القرآن ليس مقصورا على بلاغته وفصاحته، بل لأنه أيضًا شامل لأَخبار الأَنبياء، مصحح لما جاءَ عنها خطأ في التوراة والإِنجيل، كما هو شامل لما جاءَ فيهما من تشريعات صالحة للبقاء ويزيد عليهما ما هو صالح للجنس البشرى إِلى أَن تقوم الساعة ومن إِعجازه أنه تحدث عن خلق هذا الكون من دخان (غاز) ولم يعرف ذلك العلماء إِلا حديثا، كما تحدث عما سوى ذلك من الكونيات التي أَقرها العلمُ الحديث، إِلى غير ذلك مِن فنون إِعجازه، وكل ذلك جاءَ به سيَّدٌ كريم لا يعرف القراءَة ولا الكتابة كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)} (¬1). ¬

_ (¬1) العنكبوت الآية: 48، 49

{وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)}. المفردات: {يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}: أَي يمنعون المسلمين من الطوافِ بالمسجد الحرام عام الحديبية، حيث كانوا يريدون العمرة. التفسير 32 - {وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ .... } الآية. لا يزال الحديث موصولا في بيان معارضة قريش للدعوة الإِسلامية. وقائل هذا الكلام هو أَبو جهل بن هشام، كما أَخرجه البخاري والبيهقي في الدلائل, وقيل: قائله النضر بن الحارث، روى أَنه لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن القرآن {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} قال له: ويلك إِنه كلام الله تعالى فقال: { ... اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ... } الآية. والمعنى: واذكر أَيها الرسول حين قالت قريش تهكما وكذبا، على لسان زعمائهم: اللهم إن كان هذا الذي جاءَنا به محمَّد هو الحق المنزل من عندك فأَنزل علينا حجارة كثيرة من السماءِ،

أَو ائتنا بعذاب شديد الإِيلام غير إِنزال الحجارة، ليكون ذلك برهانا لنا على أَنه من عندك، أَو ليكون عقوبة لنا على إنكاره ولو كان هؤلاء طلاب حق لطلبوا الهداية إِليه، بدل طلبهم إِنزال العذاب بهم، ولكنه العناد والتكبر على حق جاءَ به سواهم، وإسناد القول إليهم جميعًا مع أن القائل أحدهم، لموافقتهم على ما قال: 33 - {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}: جاءَت هذه الآية لبيان السبب في إِمهالهم وعدم التعجيل بعقوبتهم استجابة لدعائهم والمعنى: وما كان الله ليستأصلهم بالعذاب الذي طلبوه وأَنت بينهم، فقد أَكرمهم الله برسالتك فيهم، فمنع عنهم عذاب الاستئصال الذي كان ينزل بمن قبلهم لكفرهم برسلهم. والمقصود من الآية الكريمة الإِخبار بأَن تعذيب قريش بعذاب الاستئصال - والنبى - صلى الله عليه وسلم - بين أَظهرهم - غير مستقيم في حكم الله وقضائه. {وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}: أَي وما استقام في حكمنا وقضائنا أيضًا أن يعذبهم الله وفيهم من يستغفره، وإِسناده الاستغفار إِلى جميعهم، مع أَنه صادر من المؤمنين وحدهم، لأَنهم موجودون بينهم. وعن ابن عباس أَن المراد بالاستغفار استغفار من سيؤمن بعد: والمقصود من كلام ابن عباس أَن السبب الثاني لعدم تعذيبهم، هو أَن الله ادخر لهم الإِيمان, وأَنهم سوف يستغفرون الله تعالى بعده، وقد حدث ذلك عام فتح مكة. 34 - {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}: وأَى سبب لهم يقتضي أَن لا يعذبهم الله، وهم يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام، ويمنعونهم منه حقيقة كما كان ذلك عام الحديبية، أَو حكمًا كما فعلوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابه، حتى أَلجئوهم إِلى الهجرة، وحرموهم بذلك من المسجد الحرام، ولكن الله تعالى إِنما حماهم من عذاب الاستئصال لوجود الرسول فيهم، واستغفار المؤمنين منهم، ولولا ذلك لاستحقوا العذاب لصدهم عن بيت الله وعن دينه.

{وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: وما كان أولئك المشركون الصادون عن المسجد الحرام مستحقين ولاية أَمره حتى يصدوا المؤمنين عنه بحكم ولا يتهم له، وما المستحقون لولايته إلا المتقون الذين آمنوا بالله ورسوله، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، فلذا كان منهم ما كان من صدهم المؤمنين عنه. ونسبة عدم العلم إِلى أَكثرهم، يؤذن بأَن بعضهم يعلمون ذلك، ولكن يجحده عنادا، أَو المراد بالأَكثر الجميع، كما يراد بالقلة العدم، يقال: هذه أَرض قلَّما تنبت، أَي لا تنبت أصلًا. {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)}. المفردات: {صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ}: المراد بالبيت الكعبة، وبصلاتهم عنده الصلاةُ في المسجد الحرام حوله. {مُكَاءً}: صفيرا، من مكا يمكو إذا صفر. {تَصْدِيَةً}: تَصفيقًا، من الصَّدى، وهو رجع الصوت، أَو منِ الصَّدِّ وهو المنع معَ قَلْب إِحدى الدالين ياء. {لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ}: ليمنعوا الناس عن دينه، فهو سبيل موصل إلى رضوانه. {حَسْرَةً}: نَدَمًا وَغمًّا. {يُحْشَرُونَ}: يساقون. التفسير 35 - {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}: تضمنت الآية السابقة أَن المشركين لا يصلحون لولاية المسجد الحرام، وجاءَت هذه الآية والتي تليها لبيان السبب في عدم صلاحيتهم لذلك، وهو عدم استقامتهم في عبادة ربهم، وصدَّهم الناس عن دين الله.

روى أَنهم كانوا يطوفون عراة رجالا ونساءً، مشبكين بين أَصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، فنزلت الآية لذلك، وعلى هذا تكون تسمية الطواف صلاة لأَنهم يفعلون ذلك عبادة وصلاة في زعمهم، أَو لعلَّهم كانوا يدعون الله - تعالى - أَثناء ذلك والدعاء يسمى في اللغة صلاة. وروى أَنهم كانوا يفعلون ذلك عندما يصلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، يزعمون أَنهم يصلون، في حين أَنهم كانوا يزيدون بذلك أَن يخلطوا على الرسول صلاته، فنزلت الآية تحكى قبح ما صنعوا. والمعنى: وما كان دعاؤهم عند البيت الحرام، أَو ما يسمونه صلاة ويضعونه موضعها، إِلا صفيرا وتصفيقا، ومن كانوا كذلك فلا يصلحون لولاية أَمر البيت ولا يصح لهم أَن يصدُّوا ويمنعوا الناس عنه، إذ أَنهم لا يعرفون ما ينبغي في عبادة رب هذا البيت. {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}: قيل: المراد بالعذاب القتلُ والأَسر يوم بدر، وقيل: عذاب الآخرة ويبدو من إطلاق العذاب، أَن الآية وعيد لهم بما يعمُّ عذاب الدنيا والآخرة، لا بأَحدهما. والمعنى: وحيث كانت صلاتكم عند البيت على هذه الصورة من الصفير والتصفيق فإنكم تستحقون عذاب الله، فذوقوا العذاب بسبب كفركم باللهِ وبما يجب له من الإِعظام والإِجلال، في العقيدة والعبادة. 36 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ .... } الآية. نزلت هذه الآية في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلًا، يطعم كل منهم يوما يذبح فيه عشرا من الإِبل، والآية عامة الحكم وإِن نزلت بسببٍ خاص.

والمعنى: إِن الذين كفروا بما جاءَ به دين الإِسلام، ينفقون أَموالهم الآن في حرب المسلمين، ليصدُّوا الناس عن دين الله، فسينفقونها مستقبلا في هذا الغرض، ثم تكون عاقبتها عليهم ندما وغمًّا، لضياعها وتلفها دون تحقيق مرادهم، ثم يغلبون آخر الأَمر. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}: بعد أَن بين الله في صدر الآية المصير الدنيوى للذين ينفقدن أَموالهم ليصدّوا عن سبيل الله، وهو الحسرة والندامة والهزيمة بيّن - سبحانه - في عجزها المصير الأخروى للكافرين، محاربين وغير محاربين. والمعنى: والذين أَصرُّوا على الكفر، إلى جهنم يُساقون لا يبرحونها، فليس بعد الكفر ذنب. {لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)}. المفردات: {لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ}: ليعزله ويفرزه: {فَيَرْكُمَهُ}: فيجمعه ويضم بعضه إِلى بعض، قال صاحب القاموس: مازَه يَمِيزُه مَيْزًا عزله وفرزه. التفسير 37 - {لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ... } الآية. هذه الآية مرتبطة بالآية السابقة.

والمعنى: والذين كفروا يُحشرون ويُساقون إِلى جهنم لكي يميز الله الكافر والخبيث المستحق للعقاب، ويفرقه ويعزله عن المؤمن الطيِّب المستحق للثواب، ويجعل الله الخبيث من الكفار بعضه على بعض، فيجمع هذا الصنف الخبيث كله، فيجعله في جهنم جزاء وفاقا لما فعلوا، أولئك هم الخاسرون الكاملون في الخسران، لأَنهم خسروا أَنفسهم والنعيم المقيم الذي فاتهم. ويجوز أن يكون المعنى: والذين كفروا يُحشرون إِلى جهنم، ليميز الله الخبيث من الطَّيِّب من الناس والأَموال، ويجعل الخبيث من الكفار وأَموالهم، بعضه على بعض، فيجمعه جميعًا، فيجعله في جهنم .... الخ. وإِنما جمعت أَموالهم معهم على هذا الرأْى ليزداد بها عذابُهم، كما هو الشأْن فيمن يكنزون الذهب والفضة، كما قال تعالى: { ... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)} (¬1). {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)}. المفردات: {سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}: طريقتهم في انتقام الله منهم، {فِتْنَةٌ}: شركٌ وضلال، {مَوْلَاكُمْ}: ناصركم. ¬

_ (¬1) سورة التوبة الآيتان: 34، 35

التفسير 38 - {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}: تحدثت الآيات السابقة عن مساوئ الكافرين, من الصدِّ عن المسجد الحرام وعن الإِسلام، وإِنفاقهم المال في سبيل ذلك، كما بيَّنت عقوبتهم عليهما. وجاءَت هذه الآية لتفتح لهم باب الأَمل في رحمة الله وغفرانه إن انتهوا عن غيهم، وتتوعَّدهم إِن هم أَصرُّوا على كفرهم بالانتقام منهم. والمعنى: قل أيها الرسول للذين كفروا فأَشركوا باللهِ وأَنفقوا المال ليصدوا عن سبيله - وهو الإِسلام - قل لهم: إِن ينتهوا عمَّا هم فيه ويتركوه ويؤمنوا بما جئتهم به، يغفر لهم ما قد مضى من شركهم ومعاصيهم - فإِن الإِسلام يطهرهم من ذنوبهم قبله - وإِن يعودوا إِلى مناوأة الإِسلام، مصرِّين على عداوته والكفر به، فلينتظروا انتقام الله منهم، فقد مضت سنة عقاب الأَولين الذين تَحزَّبُوا على رسلهم وكفروا بهم إِذ عاقبهم الله بشتى العقوبات، ونصر أَنبياءَهم عليهم، وأَعلى كلمتهم، ولستم بأَعظم شأْنا منهم, وقد رأَيتم باكورة انتقامه منكم في غزوة بدر. 39 - {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: وقاتلوا أَيها المؤمنون هؤلاء المشركين إِن لم ينتهوا عمَّا هم عليه من الشرك - وقاتلوهم - حتى لا يوجد شرك بالقرب منكم، ويكون الدين حولكم لله لتأمنوا غدرهم وشرَّهم، فإِن انتهوا عن الكفر بعد ما أَظهرتم الشدة عليهم، وكَفُّوا عن القتال فكُفُّوا عنهم ودعوهم لله، فإِن الله بما يعملون بصير، فيجازيهم على إِسلامهم، وما يحدث منهم بعده من طاعة ومعصية. 40 - {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}: وإِن استمَروا على توليهم وإِعراضهم عن الإِسلام، فاستمِروا على قتالهم، واعلموا أن الله - تعالى - متولّ أُموركم، فثقوا به وتوكلوا عليه ولا تبالوا بهم، نعم المولى لا يضيع من تولى أَمره، ونعم النصير لا يغلب من نصره.

بسم الله الرحمن الرحيم {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ في الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)}. المفردات: {غَنِمْتُمْ}: الغَنِيمَةُ؛ من الغنم وهو الفوز، والمراد بها هنا ما أُخذ من أَموال الكفار بالقتال. {الْجَمْعَانِ}: جمع المؤمنين وجمع الكفار. {الْعُدْوَةِ}: طرف الوادى وحافته. {الدُّنْيَا}: أَي القريبة من المدينة.

{الْقُصْوَى}: البعيدة من المدينة. {الرَّكْبُ}: العير وراكبوها وهم أَبو سفيان ومن معه. {عَنْ بَيِّنَةٍ}: أَي عن حُجَّة واضحة. {لَفَشِلْتُمْ}: لجبنتم وتهيبتم لقاءَ العدو: من الفشل وهو ضعف مع جبن. {بِذَاتِ الصُّدُورِ}: أَي بما تنطوى عليه القلوب. التفسير 41 - {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..... } الآية. أَمر الله رسوله بقتال الكفار حتى تنقطع فتنتهم، بقوله قبل هذه الآية: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} الآية. وجاءَت هذه الآية تبين حكم الغنائم المتخلفة من قتالهم، وطريق قسمها. والمعنى: واعلموا أَيها المقاتلون في سبيل الله أَن ما أَخذتموه من الكفار قهرا فواجب أَن لله تعالى وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل خُمْسَهُ، أَما أَخماسه الأَربعة، فهى للمقاتلين. وذِكرُ الله تعالى مع الرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل مع أَنه تعالى لا يأْخذ من الغنائم شيئًا، لتعظيم حق هذه الجهات في الخمس، ولهذا كان الخمس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يُخَمَّسُ خمسةَ أَسهم تُوَزَّعُ على هذه الجهات الخمس وأَما بعده - صلى الله عليه وسلم - فيسقط سهمه، أما سهم ذوى القربى فقد اختلف فيه، فقيل إِنه باق بعده، فيعطى منه للغنى والفقير منهم، وقيل إنه لا يعطى منه لغنيهم، بل يدخلون في سهم اليتامى والمساكين ويسقط سهمهم، فيعطون لفقرهم، وقيل إِن الأَمر مفوض في شأْنهم إِلى اجتهاد الإِمام، وقيل غير ذلك.

ورأَى بعض الفقهاءِ أَن سهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينفق في مصالح المسلمين, كشراءِ السلاح، وتحصين الحدود، وبناءِ المدارس والمستشفيات وغير ذلك، والمراد بذوى القربى بنو هاشم وبنو المطلب دون من عداهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبَّك بين أَصابعه". ولاقتصاره - صلى الله عليه وسلم - في القسم عليهم دون غيرهم من بني نوفل وعبد شمس قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إِسلام" كما في البخاري. واليتامى: هم أَطفال المسلمين الذين مات آباؤهم. والمساكين: أَهل الفاقة والحاجة من المسلمين. وابن السبيل: هو المسافر المحتاج، بشرط أَن يكون سفره في غير معصية. وقد اختلف العلماءُ في قسمة الأَربعة الأَخماس التي يستحقها المقاتلون، فالذي عليه عامة أَهل العلم، فيما ذكره ابن المنذر أَنه للفارس منهم سهمان، وللراجل سهم، وممن قال بذلك الإِمام مالك والشافعى وأَبو حنيفة، ويرى الصاحبان أَن للفارس ثلاثة أَسهم وهو رأَى ابن عمر، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأَخرجه البخاري. ثم أَكد الله تعالى قسمة الغنائم على هذا النحو بقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ}: أَي إِن كنتم مؤمنين باللهِ فانقادوا وسلموا الأَمر لله فيما أَعلمكم به من حال قسمة الغنيمة: بأَن يكون خمسها لله وللرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأَربعة أَخماسها للمقاتلين، فاقنعوا بذلك ونفذوا أَمر الله في شأْن الخمس. {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}: أَي إِن كنتم آمنتم باللهِ وبما أنزلناه على عبدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من الآيات والملائكة والنصر في يوم بدر، الذي جعله الله فرقانا بين الحق والباطل، يوم التقى الجمعان من المؤمنين والكافرين، وكان أولَ مَشْهَدٍ شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابه، وكان فيه رؤوس المشركين، التقوا يوم الجمعة لسبع عشرة من

رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة وأَصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا والمشركون ما بين ألف وتسعمائة فهزم الله المشركين وقُتل منهم سبعون وأُسر منهم مثل ذلك، وانتصر الإِسلام على الشرك وأَصبحَت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى: ومن هنا سمى يوم الفرقان، والإِضافة في (عبدنا) لتشريف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث نسبه إِليه تعالى بالعبودية له، ثم ختمت الآية بقوله سبحانه: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: ليعلموا أَن نصرهم على أَعدائهم، ما كان يمكن تحقيقه إلا بمعونة الله الذي هو على كل شيء قدير، فقد كانوا قليلى العدد, ولم تكن معهم أَسلحة كافية، ولا مراكب، كما أَنهم لم يخرجوا للقتال، بل لتلقى العير، فلذا يعتبر نصرهم على المشركين من خوارق العادات، التي لا يقدر عليها إِلا الله القادر على كل شيء. ولما علَّم سبحانه عباده المؤمنين كيفية قسم الغنائم وتوزيعها وبيان المستحقين لها، ذكر شيئًا من نعمه تعالى عليهم في غزوة بدر ليبين أَن عونه تعالى وتأْييده لهم كان ظاهرا في هذه الغزوة حيث خرجوا إِلى هذا المكان لأَخذ العير واجتمعوا على غير ميعاد ولم يكونوا مستعدين للقتال، فقال سبحانه: 42 - {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ}: والمعنى: اذكروا نعمة الله عليكم معشر المسلمين إذ كنتم بشط الوادى القريب من المدينة، والمشركون بطرف الوادى المقابل البعيد عن المدينة، وركب أبي سفيان وأَصحابه أَسفل منكم أَيها المؤمنون، حيث كانوا ناحية الساحل ومعهم عيرهم على بعد ثلاثة أَميال من بدر. {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ}: أَي ولو تواعدتم مع المشركين على القتال، ثم علمتم ضعفكم وقوتهم، لاختلفتم أنتم في الميعاد، هيبة منهم، ويأْسا من الظفر عليهم.

{وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}: ولكن جمع الله بينكم على غير ميعاد، ليبرز أَمرا كان لا بد من وقوعه طبقا لعلم الله تعالى وقضائه، وهو نصر أَوليائه، وإِعزاز دينه. قال الزمخشرى: فإِن قلت - ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين: وأَن العير كانت أَسفل منهم - قلت - الفائدة فيه: الإِخبار عن الحال الدالة على قوة شأْن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهيد أَسباب الغلبة له وضعف شأْن المسلمين والْتبَاس أَمرهم (¬1) وأَن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إِلا صنعا من الله سبحانه ودليلا على أَن ذلك أَمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته. وذلك أَن العدوة القصوى التي أَناخ بها المشركون. كان فيها الماء. وكانت أَرضا لا بأْس بها للحرب. ولا ماءَ بالعدوة الدنيا وهي رملية سبخة تسوخ فيها الأَرجل ولا يمشي فيها أَحد إِلا بتعب ومشقة وكانت العير وراءَ ظهور العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها (¬2) تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها ثباتهم. وفي ذلك تصوير ما دبر الله سبحانه من أَمر وقعة بدر، ليقضى الله أَمرا كان مفعولا من إِعزاز دينه، وإِعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إِحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأْخذوا العير راغبين في الخروج وشخص (¬3) بقريش مرعوبين مما بلغهم، من تعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأَموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، فأَناخ المسلمون بالعدوة الدنيا وأَناخ المشركون بالعدوة القصوى ووراءَهم العير. يحامون عليها حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان. اهـ من الكشاف باختصار. ¬

_ (¬1) التباس الأمر اختلاطه والتفافه عل صاحبه، ويطلق الالتباس أيضًا على الضعف. (¬2) أَي الدفاع عنها. (¬3) أَي أَتى الله بهم إلى المعركة بأشخاصهم.

وإِنما فعل الله ذلك: 42 - {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}: أَي فعل الله لقاءَكم من غير ميعاد، ليموت من يموت عن بيِّنة وعبرة شاهدها، وحجة قامت عليه بأَن الله ينصر أَولياءَه على أَعدائهم، وليعيش من يعيش عن بينة كذلك. وقال محمَّد بن إِسحاق في معنى الآية: ليصدر كُفر من كَفر وإِيمان، من آمن عن وضوح وبينة، فقد فسر ابن إسحاق الهلاك بالكفر، والحياة بالإِيمان, إِذ الكفر طريق الهلاك، والإِيمان طريق الحياة الأَبدية. فإِن واقعة بدر من الآيات البينات التي من كفر بعدها كان مكابرًا للحق, ظالمًا لنفسه وهالكا، ومن أسلم فقد أَسلم عن يقين وعلم بأَن الإِسلام دين الحق الذي يجب التمسك به، للتأْييد الواضح له من الله - تعالى - في هذه الغزوة فأَحيا بهذا الإِسلام نفسه {وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}: أَي وإِن الله لعظيم السمع لكل مسموع، محيط علمه بكل معلوم، ومن ذلك كفر الكافرين، وإِيمان المؤمنين, فيجزى كلا حسب حاله. 43 - {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ في الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: واذكر لهم يا محمَّد عظيم صنع الله وبالغ علمه بمصالح من اتبعك من المسلمين، وقت أَن أَراك الله المشركين في منامك قليلًا، فأَدركت بذلك قلَّة شأْنهم عند الله، لتخبر بذلك أَصحابك تَثْبِيتًا لهم، وتشجيعًا على عدوهم. ولو أَراكهم كثيرًا كواقع أَمرهم لفشل أَصحابك وهابوهم وجَبُنوا عن لقائهم، وتنازعوا في الرأْى وتفرقت كلمتهم فيما عساهم أن يصنعوهُ مع عدوهم. {وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ}: أَي سلَّمكم من القتل والتنازع وعصمكم من الاختلاف، وأَنعم عليكم بما أَراه لنبيه ليخبركم به.

{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: يعني أَنه يعلم بكل ما سيكون في قلوبكم من الجراءَة والجبن والصبر والجزع، فلذا لطف الله بكم، فأَرى النبي - صلى الله عليه وسلم - أَعداءَكم في منامه قليلًا، لتثبتوا ولا تجزعوا. 44 - {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ}: أَي: واذكر يا محمَّد ومن معك من المؤمنين وقت أَن أَراكم الله إِياهم عند لقائكم بهم في المعركة عددًا قليلًا في رؤيا العين, ليتحقق لكم صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أَخبركم به مما رآه في النوم فيزداد يقينكم فتجدّوا وتثبتوا في لقاءِ عدوكم. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: لقد قُلِّلوا في أَعيننا حتى قلت لرجل إِلى جنبى أَتراهم سبعين. قال: أَراهم مائة فأَسَرْنا رجلًا منهم فقلت له كم كنتم؟ قال: أَلفًا. فعل الله ذلك مع المسلمين عند اللقاء ليزدادوا ثباتًا، كما قلل المسلمين في أَعين الكافرين قبل القتال ليجترئوا عليهم, ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم عند اللقاءِ حتى رأَوهم مثليهم، لتفاجئهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم. روى أَن أَبا جهل حين رأَى المسلمين قبل القتال، استقلَّهم وقال: إِنما هم أَكَلة جزور خذوهم أَخدًا، واربطوهم بالحبال، فلما أَخذوا في القتال عظم المسلمون في أَعينهم فكثروا كما قال تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} (¬1). وفي هذا المعنى يقول الزمخشرى: فإِن قلت: الغرض من تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين في أعين الكفار؟ قلت: قد قللهم في أَعينهم قبل اللقاءِ ليجترىءَ الكفار على المؤمنين لقلة عددهم وعدم المبالاة بهم ثم كثركم في أَعينهم عند اللقاءِ لتفجأَهم الكثرة فَيُبْهتُوا ويهابوهم وتقل شوكتهم ¬

_ (¬1) سورة آل عمران من الآية: 13

حين يرون ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم وذلك قوله: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ}. ولئلا يستعدوا لهم. وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البيِّنة من قلتهم أَولا - وكثرتهم آخرًا. {لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}: أَي قلل الله المؤمنين في نظر الكافرين أَولا ثم كثَّرهم عند اللقاءِ لِيُنَفِّذَ الله قضاءَه بهزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، وقد كرَّر قوله تعالى: {لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}. لأَنَّ ما عَلَّل له أَوَّلًا هو اجتماعهم على غير ميعاد، وما عَلَّلَ له ثانيًا، هورؤية المؤمنين قلة في أَعين الكافرين أَولا وتكثيرهم ثانيًا، فاختلفت الجهتان فلزم التكرار. والأَمر المفعول الذي قضاه الله هو أَن يَنْصر المؤمنين فكان ما قضى وحكم. {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}: أَي وإلى الله - وحده - ترجع أُمور الناس لا إِلى غيره, فيدبرها كما يشاءُ ويحاسب عليها يوم القيامة حسبما يشاءُ. ولما انتهى الحديث عن المدد المعنوىِّ الذي قوَّى به نفوسهم وقت التقاءِ الجمعين استعداد كلٍّ منهما للقتال أَخذ يعلّمهم فنون الحرب فقال جل شأْنه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)}. المفردات: {فِئَةً}: جماعة. {وَلَا تَنَازَعُوا}: ولا تختلفوا.

{تَفْشَلُوا}: تجبنوا وتضعفوا والفشل في الأَصل: الخيبة والنكول عن إِمضاءِ الأَمر وأَكثر أَسبابه: الضعف والجبن ولذلك فسَّروه هنا بهما. {تَذْهَبَ رِيحُكُمْ}: تذهب قوتكم. {بَطَرًا}: طغيانًا وتجبرًا - والبطر في اللغة: الفخر والاستعلاء بنعمة الغنى أَو الرياسة أَو غيرهما، يعرف في الحركات المتكلفة والكلام الشاذ. {رِئَاءَ النَّاسِ}: مرائين الناس. والرياء والمراءَاة: إِظهار العمل رغبة في ثناء الناس والإِعجاب به وهو محبط للأَعمال الأُخروية. {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ}: رجع القهقرى، أَي تولى إِلى الوراء جهة العقبين، والمراد كف الشيطان عن وسوسته وذهب ما خيله من المعونة لهم. {جَارٌ لَكُمْ}: أَي مجير وناصر، والجار الذي يجير غيره أَي يؤمنه ممَّا يخاف. {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ}: أَي خدع هؤلاءِ المسلمين دينهم، فظنوا أَنهم ينصرون به فأَقدموا على ما أَقدموا عليه مما لا طاقة لهم به. التفسير 45 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا}: ينادى الله - تعالى - المؤمنين مبيِّنًا لهم آداب الحروب في الإِسلام فيقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: بالله وبرسوله وبكتابه إِذا جاهدتم جماعة من الكفار فأثبتوا لقتالهم ولا تفروا أَمامهم، أَمَّا قتال المسلمين بعضهم لبعض فله حكم آخر مذكور في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (¬1). {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: ¬

_ (¬1) سورة الحجرات الآيتان: 9، 10

أَي واذكروا الله - تعالى - عند لقاءِ العدو، بأَن تتذكروا نصرته للمؤمنين، فتتضرعوا إِليه كثيرًا، مع اليقين بأَنه لا يعجزه شىءٌ وذلك أَن تقولوا كما قال مَنْ قبلكم: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (¬1). ثم ذكر الغاية من ذكره - سبحانه - فقال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أَي رجاءَ أَن تظفروا بمرادكم من النصرة والمعونة على أَعدائكم. وكان رسول الله وأَصحابه يكثرون من الدعاءِ خصوصًا عند اللقاءِ. رجاءَ النصر من الله - تعالى - ولما أَمرهم الله تعالى بذكره ودعائه عند اللقاءِ، أَتبعه الأَمر بطاعة الله ورسوله وعدم التنازع لتتوفر لهم أَسباب النصر، فقال - سبحانه -: 46 - {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}: أَي واستجيبوا لأَمر الله ورسوله واعملوا به، فإِن طاعة القائد من أَهم أَسباب النصر. والاختلاف عليه يُفضى إِلى الهزيمة، فما ظنُّكم إِذا كان القائد رسول الله المنفذ لأَوامر الله فلا تختلفوا عليه ولا تتنازعوا فما بينكم، فتتفرق كلمتكم وتذهب قوتكم ودولتكم، وتجرى الأُمور على غير ما تريدون من النصر. {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}: أَي واصبروا على ما تكرهون وما تلاقون من بأْس العدو، إِن الله مع الصابرين بالعون والنصر. قال - تعالى - يمدح الصابِرين في الشدائد: {وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (¬2). ¬

_ (¬1) سورة البقرة الآية: 250 (¬2) سورة البقرة (177)

47 - {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}: أَي امتثلوا ما أُمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، ولا تكونوا كأَعدائكم المشركين الذين خرجوا يوم بدر لنصرة العير ومعهم القيان والمغنيات، فأَتاهم رسول أَبي سفيان وهم بالجحفة أَن ارجعوا فقد سَلِمَتْ عِيرُكم. فأَبى أَبو جهل وقال: "والله لا نرجع عن قتال محمَّد حتى نَرِدَ بَدْرًا، فنشرب فيها الخمر، وتعزف علينا القيان، وننحر الجُزُرَ ونطعم بها من حضرنا من العرب" فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإِطعامهم. قال الزمخشرى: فوافوها فسُقُوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. فنهاهم الله أَن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين الناس بأَعمالهم، وأَمرهم أَن يكونوا من أَهل التقوى مخلصين أَعمالهم لله. ثم ختمت الآية الكريمة بقوله: {وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}: أَي والله - وحده - محيط علمًا بجميع ما يعمله هؤلاءِ المشركون، من البطر والمراءَاة والصدِّ عن سبيل الله، والمكر والتدبير لإِحباط دعوة الرسول فيجازيهم عليه، وقد جازاهم في الدنيا بالقتل والأَسر وأَخذهم أَخذًا شديدًا بالهزيمة يوم بدر ولهم في الآخرة عذاب أليم لا نهاية له. وقد أَتبع الله تعالى هذه الآية، بيان ما أَصاب المشركين من الهزيمة، بعد تزيين الشيطان لهم بالنصر، واغترارهم بذلك فقال: 48 - {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ}: أَي واذكر لهم يا محمَّد وقت أَن حسن الشيطان للمشركين أَعمالهم في معاداة الرسول، وبلغ به التزيين أَن قال: لا غالب لكم اليوم من المؤمنين وإنى معين لكم وناصر.

{فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ}: العقب: مؤخر القدم، ونكوصه على عقبيه، رجوعه إِلى الوراءِ، والمراد به بطلان كيده. والمعنى: فلما أَبصر كلٌّ من الفريقين الآخر، وقد رجحت كفة المؤمنين بإِمداد الملائكة لهم، بطل كيد الشيطان وتزيينه، بظهور عجزه عن نصرتهم وتبرئه منهم، وانتحاله العذر لنفسه في خلف وعده، وذلك ما يحكيه الله بقوله: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ}: أَي إني برىءٌ من نصرتكم لأَننى أَرى من أَسباب نصرة المسلمين ما لا ترون. {إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: أَي إِنى أَخشى عقاب الله، والله شديد العقاب، ذكر الكشاف عن الحسن - رحمه الله -: كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم. وقيل: لما اجتمعت قريش على السير ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الشاعر الكنانى - وكان من أَشرافهم - في جند من الشياطين معه راية. وقال: لا غالب لكم اليوم إِنى مجيركم من بني كنانة فلما رأَى الملائكةَ تَنْزل نكص. وفي موطأ مالك أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما رأَى الشيطان نفسه يومًا هو فيه أَصغر ولا أَحقر ولا أَدحر ولا أَغْيَظَ منه في يوم عرفة، وما ذاك إِلا لِما رأَى من تنزل رحمة الله، وتجاوزه عن الذنوب العظام، إلا ما رأَى يوم بدر - قيل وما رأَى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أَما إِنه رأَى جبريل يَزَع (¬1) الملائكة". ثم ذكَّر الله المؤمنين بموقف المنافقين ليحذروهم فقال: ¬

_ (¬1) يزع الملائكة: أَي يصفهم ويغريهم، والوازع في الأصل الذي يتقدم الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر ويطلق أيضًا على الرادع الذي يزجر غيره.

49 - {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ}: المنافقون: هم الذين أظهروا الإِيمان وأَبْطنوا الكفر. والذين في قلوبهم مرض: إِما المنافقون والعطف للتفسير، وإِما أَنهم قوم أَسلموا حديثًا, ولم تطمئن قلوبهم بالإِيمان, وإِما أَنهم المشركون لمرض قلوبهم. والمعنى: واذكر يا محمَّد حين يقول المنافقون ومرضى القلوب من هؤلاءِ أَو أُولئك، خدع هؤلاءِ المؤمنين دينهم، فخرجوا مع قلتهم وضعف استعدادهم لقتال المشركين مع كثرتهم وقوة استعدادهم، إِذ كان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا, ولم تكن معهم أَسلحة كافية ولا إِبل ولا خيل إِلا قليلًا فقد خرجوا للقاءِ عير قريش، ولم يخرجوا لقتالهم كما تقدم بيانه، وكان عدد المشركين ثلاثة أَمثالهم. وقد جاءُوا مستعدين تمام الاستعداد لقتال المسلمين، فزعم المنافقون كما زعم مرضى القلوب أَن المسلمين خرجوا مغترين بدينهم ظانِّين أَنهم ينصرون به فيرد الله - تعالى - عليهم قائلًا: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أَي ومن يكل أَمره إِلى الله مؤمنًا بأَنه ناصره, ينصره الله فهو - سبحانه - يكفى المؤمنين ما أَهمهم، وينصرهم على أَعدائهم وإِن كثروا وعظم استعدادهم، وهو كذلك حكيم يضع كل أَمر في موضعه، على ما جرى عليه النظام والتقدير في سننه، ومنه نصر الحق على الباطل، وكثيرًا ما تدخل عنايته بالمتوكلين في باب الآيات وخوارق العادات. وكم لله من لطفٍ خفىّ ... يدق خفاه عن فهم الذكىِّ 50 - {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}: أَي ولو عاينت يا محمَّد وشاهدت حال هؤلاءِ الكفار حين تتوفاهم الملائكة ببدر وتنتزع أَرواحهم، وهم يضربون وجوههم عند اللقاءِ وظهورهم عند الفِرار، لشاهدت أمرًا فظيعًا يدل على شدّة ما أَصابهم من الخزى والعار والهزيمة. {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}: أَي تضرب وجوههم وظهورهم، وتقول لهم: ذوقوا عذاب اللهيب المحرق، والمراد بضرب وجوههم وأَدبارهم، ضربهم من كل ناحية.

51 - {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}: ويقولون لهم أَيضا: ذلك العذاب الذي حل بكم بسب ما فعلتموه من الآثام، وأَن الله عادل في جزائه، وليس بظالم لعبيده، حين يعاقبهم على معاصيهم الَّتي حذَّرتهم منها رسلهم. جاءَ في الحديث القدسى: "يا عِبَادِى إِنَّى حَرَّمْتَ الظُّلْمَ عَلىَ نَفْسى، وَجَعلْتُه بيْنكُم مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا .. إِنَّما هِى أَعْمالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ فَمَنْ وَجَد خَيْرًا فَمِنَ اللهِ، وَمَنْ وَجَد غَيْرَ ذَلكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَه" أَخرجه مسلم. {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)}. المفردات: {كَدَأْبِ} الدأْب: العادة التي يدأَب عليها الإِنسان ويعتادها. التفسير 52 - {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: المعنى: شأْن هؤلاءِ في عنادهم المستمر ومقاومتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كشأْن آل فرعون والأُمم التي كانت قبلهم، في استمرارهم على كفرهم باللهِ ورسوله

إِذْ كذبوهم وعاندوهم وكفروا بآيات الله وعظيم الدلائل على قدرته ووحدانيته، فأَخذهم الله بسبب ذنوبهم وكفرهم، أَخذا شديدا، ثم أَكد ذلك وقواه وعلله فقال: {إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ}: غالب لا يغلبه أَحد. {شَدِيدُ الْعِقَابِ}: لمن خرج عن طاعته وأَصر على كفره وعناده. 53 - {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: المعنى: ذلك العذاب الذي نزل وينزل بهم, بسبب أَنهم غيَّروا وبدَّلوا نعمة الله عليهم كفرا، فقابلوا الأَمن والعافية والسَّعة بالكفر والصدِّ عن سبيل الله، فبدَّل الله نعيمهم عذابا، والله لا يغيِّر نعمةً أَنعمها على قوم بنقمة، إلاَّ لأَنهم بدَّلوا نعمة الله عليهم كفرا، فوضعوه مكان الشكر. {وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: أَي ذلك الجزاءُ على كفرهم بسبب تبديلهم نعمة الله كفرا، وبسبب أَنَّ الله قوى السَّمع لِمَا يقولون محيط علمًا بما يعملون. 54 - {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ}: قارىءُ هذه الآية يظن أَنها مكررة مع مثيلتها السابقة، والذي يبدو لنا أَنها لا تكرار فيها، فقد جاءَت الآية السابقة لبيان أَن عادة هؤلاءِ وأُولئك الكفر، أَما هذه الآية فقد أَفادت أَن الله تعالى غيَّر نعمته عليهم لأَنهم لم يغيِّروا ما هم فيه من التكذيب، بدليل قوله تعالى قبل هذه الآية: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. فكأَنه قال عقبها: كدأَب آل فرعون. غير الله نعمته عليهم لمداومتهم التكذيب بآيات الله فأَهلكهم وانتقم منهم، فقوله تعالى في الآية الأُولى: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} تفسير لدأْبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم، وقوله سبحانه في الآية الثانية: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} تفسير لدأْبهم الذي فُعِل بهم، من تغييره - تعالى - ما بهم من نعمته بإِهلاكهم، وأَما دأْب قريش في العقوبة، فمستفاد من تشبيههم بآل فرعون، والمقصود جنس العقوبة لا نوعها، فإن آل فرعون أُهلكوا بالإِغراق، أَما قريش فقد أُنذروا بعقوبة مطلقة، ويرى بعض المفسرين: أَنها مؤكدة ومقررة لِما أَفادته مثيلتها السابقة.

والمعنى: أَن أَمر كفار قريش، مثل ما اعتاده قوم فرعون والذين من قبلهم من الكفار، كذبوا بآيات ربهم المنزلة على رسلهم وبآياته الكونية، واستمروا على ذلك فأَهلكهم الله جميعًا بذنوبهم، وكان عقاب آل فرعون الإِغراق، وكل من هؤلاءِ الكفار المكذِّبين كانوا ظالمين: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. ولسوف يعاقب الله أَشباههم من قريش إِن استمرُّوا على تكذيبهم, كما عاقب آل فرعون، فليسوا أَشد منهم قوة، ولا أَكثر جمعا. {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ في الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)}. المفردات: {الدَّوَابِّ}: جمع دابة وهي كل ما يدب على وجه الأَرض. {يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ}: أَي يفكُّونه، والمراد أَنهم لا يوفون له.

{تَثْقَفَنَّهُمْ}: تلقاهم وتجدهم. {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ}: فافعل بهم فعلا يخيف مَنْ وراءَهم ويشُرِّدُهم. والتشريد: التبديد والتفريق. {تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً}: أَي تتوقع من قوم خيانة بنقض العهد ونكثه. {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}: فاطرح إِليهم عهدهم على طريق سوى من العدل بأَن تخبرهم بذلك. {سَبَقُوا}: فاتوا وأَفلتوا من عقابنا. {لَا يُعْجِزُونَ}: لا يفوتون ولا يفلتون من عقاب الله بل هو قادر عليهم. {مِنْ قُوَّةٍ}: من كل ما يتقوى به في الحرب. {رِبَاطِ الْخَيْلِ}: المكان الذي ترابط فيه الخيل المعدَّة للقتال. {تُرْهِبُونَ}: تُخَوِّفون. {لَا تَعْلَمُونَهُمُ}: لا تعرفونهم بأَعيانهم أَو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة. التفسير 55 - {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: نزلت الآيات في بني قريظة. عاهدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن لا يمالئوا عليه أَعداءَه فنكثوا بأَن أَعانوا مشركى مكة بالسلاح وقالوا نسينا وأَخطأَنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالوا مع الكفار يوم الخندق، وكان كعب بن الأَشرف قد انطلق إِلى أهل مكة قبل غزوة الخندق فحالفهم على محاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغزو المدينة، فأَنزل الله هذه الآيات، ليبيِّن أَنهم شرّ من دب على وجه الأَرض في حكم الله وقضائه، لا شرُّ الناس فقط، وفي ذلك إِشارة إِلى أَنهم بمعزل عن الناس، فهم من جنس الدَّواب ومع ذلك فهم شرُّ من جميع أَفرادها، ومثله: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}. والمعنى: إِن شر جميع ما يدب على وجه الأَرض، هم اليهود الذين كفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاءَ به، فهم مستمرُّون على عدم إِيمانهم به، مع قيام الحجة عليهم

وثبوت أَماراته في كتبهم، ثم استمر في بيان قبائح هؤلاءِ الكفار الموصوفين بأَنهم شرُّ الدواب فقال: 56 - {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ}: بيَّنت هذه الآية الكريمة أَن هؤلاءِ اليهود الذين هم شر الدواب عاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فغدروا, ثم عاهدهم فغدروا، وتكرَّر منهم نقض العهد في كل مرة، وهم لا يتقون الله، ولا يخشون عقابه لهم على نكث العهد، وما يجره عليهم من نكبات تحلُّ بهم. 57 - {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ في الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}: المراد من (ما) في قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} التأْكيد، والمعنى: إِذا كان حالهم ما ذكر من نقض العهود، ففي أَي وقت أَو مكان تصادفهم وتظفر بهم في الحرب فشتِّت بقتالهم والتنكيل بهم مَنْ خلفهم من الناكثين للعهود، والمتربصين لقتال المسلمين، لعل الأَعداءَ من ورائهم يتعظون بما فعلت مع هؤلاءِ من حرب ونكاية وتشريد. 58 - {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}: المراد من لفظ (ما) في قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} التأْكيد كسابقتها. والمعنى: وإِن خفت في أَي وقت، من قوم خيانة في عهد بينك وبينهم، بأَمارة تلوح لك كما ظهر من بني قريظة وبنى النضير, فاطرح إِليهم عهدهم وأَعلمهم بذلك وأَنه لا عهد بعد اليوم، ولتكن أَنت وهم في ذلك العلم وطرح العهد على سواءٍ، أَي مستويًا أَنت وهم في ذلك، لئلاَّ يتهموك بالغدر إِن أَخذتهم بغتة قبل أَن تبلغهم. ثم علل هذا الأَمر بقوله: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}: أَي لا يرضى عن الغادرِين الذين يغدرون بمن كان في أَمانٍ وعهدٍ، هذا إِذا لم يتحقق نقضهم للعهد، وإِلاَّ حاربهم كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقريش، حينما

نقضوا عهد الحديبية، حيث لم يوجه إِليهم من يعلمهم بنقض العهد، بل توجه بجيشه إِلى مكة حتى فتحها، دون سابق إِنذار بذلك، بل أَخفى قصده إِليها. ثم أَخبر أَن من أَفلت يوم بدر من القتل أَو الأَسر لن يعجز الله أَن يوقع به فقال: 59 - {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ}: أَي: ولا يظنَّن الذين كفروا من قريش أَنهم سبقوا عقاب الله بأَن أَفلتوا ونجوا منه؛ كلاَّ إِنهم لا يعجزون الله في الدنيا والآخرة، فلسوف يذيقهم الله ذلّ الهزيمة والقتل والأَسر في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة، خالدين فيها أَبدا، وفي الآية بشرى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بما يطمئن قلبه على مستقبل الدعوة الإِسلامية, وأَنها إِلى نصر وأَن أَعداءَه إِلى هزيمة، ثم أَمر الله - تعالى - بإِعداد العدة للقاءِ أَعداءِ الإِسلام حتى لا يؤخذ المسلمون على غرَّة وضعف فقال: 60 - {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}: أَي وأَعدوا لهؤلاءِ الكفار الناقضين للعهد، كل ما تستطيعون إِعداده لقتالهم، من أَنواع السلاح وأَدوات الدفاع، حسب المتقدم العلمى في جميع ما يتقوى به على العدو في الحرب، فكل ما يستعان به في الجهاد فهو من جملة القوة المأْمور بإِعدادها. ومن ذلك إِحكام التدبير، وتدريب الجنود على استعمال الأَسلحة، وتقوية الروح المعنوية، ببيان فضل الثبات والاستشهاد في سبيل الله. {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}: رباط الخيل: هو المكان الذي ترابط فيه الخيل عند الحدود، ليحرس فرسانه الثغور، ويراقبوا العدو، وقد كان رباط الخيل في عهد نزول الآية الكريمة، أَهم الأَسباب لتحقيق ذلك، فلذا نص عليه فيها, ولكن الحروب تطورت، ورباط الخيل لا يكفى فلذا يعتبر ضربَ مثل لكيفية حراسة الثغور، والمناسب في عصرنا هذا هو إِقامة حصون

ثابتة، مزودة بأَحدث الأَسلحة والمناظير القوية البعيدة المدى، لإِحكام مراقبة تصرفات العدو عن بُعد، وتنبيه قيادة الجيش إِلى خططه، والمسارعة إِلى ردِّه إِن باغتهم، وأَمَّا تفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - للقوة بقوله: "أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْى" كما رواه مسلم. فالمقصود به ما يعم الرمى بالسهام والنبال - كما كان ذلك في عهده - صلى الله عليه وسلم - والرمى بالقنابل والصواريخ وغير ذلك مما يرمى به العدو لكسب المعركة منه. {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ}: أَي تُرهْبُون وتخيفون بما أَعددتم من أَسباب القوة, عدوَّ الله وعدوَّكم من الكافرين الذين يجاهرونكم بالعداوة، وترهبون به أَيضًا أَعداءً آخرين من وراءِ أُولئك المجاهرين، لا تعلمونهم لتستّرهم في عداوتهم، والله - تعالى - يعلمهم، ويعلم ما انطوت عليه جوانحهم، ولا شك أَن العدو المجاهر والمستخفى إِذا عرف قوة استعدادنا الحربى فإِنه يجبن عن قتالنا، وأَن يجرب حظه في الهزيمة منا. {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ}: أَي وأَى شيءٍ تقدمونه من مال قل أَو كثر في إِعداد الجيوش ومراعاة أُسرهم بما يحتاجون إِليه. {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}: أَي تعطون جزاءَه وافيًا من الله - تعالى -: {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}: أَي وأَنتم لا تنتقصون شيئًا من ثواب أَعمالكم مهما قلت وقد جاءَ في فضل تجهيز الغزاة في سبيل الله أَحاديث كثيرة منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من جهَّز غازيا فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيا في أَهله بخير فقد غزا" رواه البخاري أَي أَن تجهيز الغازى أَو رعاية أَهله من ورائه يعتبر في الثواب كالجهاد في سبيل الله تعالى، وثواب الجهاد شىءٌ عظيم.

{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)}. المفردات: {جَنَحُوا لِلسَّلْمِ}: مالوا إِلى المسالمه والصلح. {فَاجْنَحْ لَهَا}: فصل إِليها. {يَخْدَعُوكَ}: يظهروا لك السلم ويبطنوا الغدر والخيانة. {حَسْبَكَ اللهُ}: كافيك الله. {أَيَّدَكَ}: قواك. {أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}: جمع بين قلوب الأَوس والخزرج. التفسير 61 - {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: يقول الله سبحانه وتعالى: وإِن مال الذين يحاربونك من الكفار إِلى المسالمة ونبذ الحرب، بالدخول في الإِسلام أَو المهادنة أَو المصالحة, فاجنح لما جنحوا إِليه من السلام، وعاهدهم عليه، وتوكل على الله وفوض أَمرك إِليه فهو وحده الذي يستطيع أَن ينصرك ويحفظك من خياناتهم، على أَن يقترن ذلك بالحذر منهم. {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: أَي إِنه تعالى هو العظيم السمْع لكل مسموع، الواسع العلم لكل معلوم، ومن ذلك أَقوالكم وأَقوالهم وأَعمالكم وأَعمالهم من وفاءٍ وغَدْر، والآية أَصل عظيم من أُصول الإِسلام فهو دين سلام لا حرب، سلام لمن سالمنا حرب لمن حاربنا أَو مكر بنا.

62 - {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ}: يقول الله سبحانه وإِن يريدوا أَن يخدعوك بجنوحهم إِلى السلم ظَاهرًا، فلا تخف من إِبطانهم المكر والخديعة، فإِن الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم, ومن تولى الله كفايته وحفظه لا يضره شيء. {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}: أَي هو الذي قضى بأَن يؤيدك بنصره في حربك معهم، ويؤيدك بالمؤمنين من الأَنصار والمهاجرين ونفَّذَ ما قضى به وحقَّقَه. 63 - {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}: إِذ أَلف بين قلوب الأَوس والخزرج من الأَنصار، وقد كانت الحرب سجالا بينهما فكان تأْليف قلوبهم وجمعها من آيات الله الكبرى. كما أَلف بالإِيمان بين قلوب المؤمنين من الأَنصار والمهاجرين، وجعلهم حربًا على أَعدائك، حتى قاتَل الرجل أَباه وأَخاه بسبب الدين، ثم بين عظم هذه الآية فقال: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}: أَي: لو جمعت يا محمَّد ما في الأَرض من مال وأَنفقته في سبيل جمع قلوبهم على كلمة واحدة، ما ألفت بينهم ولكن الله أَلف بينهم بفضله وكرمه، لأَن قلوبهم بين يديه يقلبها كيف يشاء، فلذا نزع ما في قلوبهم من غل وحقد، وملأَها حبًّا ورحمة ومودة وعطفًا، فأَصبحوا بنعمة الله إِخوانًا. {إِنَّهُ عَزِيزٌ} غالب لا يعجزه أمرٌ أَراده. {حَكِيمٌ} لا يخرج شيء عن حكمته، وإِذا كان الله تعالى قد أَكرمك؛ بالنصر في بدر وتأْليف قلوب المؤمنين، فلا تخف من خديعتهم لك إِن جنحت لمسالمتهم بعد أَن يجنحوا لها، فإِنه تعالى سيحفظك من مكرهم وخداعهم. ثم نزل في بدر بالبيداء قبل بدء القتال في غزوة بدر.

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)}. المفردات: {حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}: حثهم وحضهم. {لَا يَفْقَهُونَ}: لا يدركون ولا يفهمون. التفسير 64 - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: المعنى: يأَيها النبي كافيك الله تعالى ومن معك من المؤمنين في تحقيق النصر الذي وعدك به على أَعدائك المخادعين. والآية وما بعدها رفع لروح المؤمنين المعنوية بالوعد بتأْييد الله لرسوله عند الجهاد. 65 - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}: بعد ما بين الله كفايته إِياهم بالنصر، أَمر نَبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بترتيب مبادئ نصره وإِمداده.

والمعنى: يأَيها النبي رغِّب المؤمنين في القتال وسهل لهم مشقته ببيان فائدته وعظيم أَثره من الفوز أَو الشهادة. ثم قال تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}: يعني: أن الله معكم بنصره وعونه ولو قل عددكم وضعفت عدتكم: فإِن وجد منكم عشرون صابرون عند لقاء العدو فيهم قوة وشجاعة يغلبوا مائتين من الكفار، لأَنهم وإِن كثروا فلا قوَّة لهم، لأَنهم يحاربون للدنيا لا للآخرة، وللطاغوت لا لمالك الملك والملكوت. {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: وهذا وما قبله خبر بمعنى الأَمر أَي ليقاتل العشرون منكم مائتين والمائة الأَلف ثم علل هذا الأَمر بقوله: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}: أَي ما ذكر من كفاية الواحد منكم لعشرة منهم، بسبب أَنهم جهلة بالله واليوم الآخر، فهم لا يقاتلون احتسابًا وامتثالا لأَمر الله تعالى وإِعلاءً لكلمته وابتغاءَ رضوانه كما يفعله المؤمنون طالبين الفوز أَو الشهادة، وإِنما يقاتل أولئك الكفار لحمية الجاهلية، واتباع خطوات الشيطان فلا تثبت أَقدامهم في القتال أَمامكم - مع قلتكم وكثرتهم - ثم لما شق ذلك على المسلمين خفف الله عنهم فقال: 66 - {الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}: بين الله في الآية السابقة أَنه أَوجب على المسلمين أَن يثبت الواحد منهم لعشرة، لقوة الواحد بالإِيمان، وضعف العشرة بالكفر، ولما شق ذلك عليهم خفف عنهم بما جاءَ في هذه الآية من وجوب ثبات الواحد لاثنين. والمعنى: الآن خفف الله عنكم إِيجاب ثبات الواحد لعشرة، وقد علم أَن فيكم ضعفا يستوجب التخفيف، فإِن يكن منكم مائة صابرة عند اللقاءِ ثابتة في محاربة الأَعداء مطمئنة إِلى نصر الله للصابرين، فإِنهم يغلبون مائتين من الأَعداء، وإِن يكن منكم أَلف صابرون يغلبوا أَلفين، بالنصر والمعونة الإِلهية.

فإِن قلت: قد علم الله ضعف المؤمنين في الحالين، فلماذا أَوجب اللهِ عليهم أَولًا الثبات لعشرة أَمثال من الكفار، ثم عاد فخفف عنهم بإِيجاب الثبات لمثلين. فالجواب: أَن الضعف وإِن كان موجودًا في الحالين، لكن الأَعداءَ كانوا شديدى الطمع - أَولا - في المسلمين لقلتهم، فلما ثبتوا لهم وهم عشرة أَمثالهم، وقهروهم وظهرت قوتهم عليهم مع قلتهم، تفضل الله فخفف عنهم، فقد نصروا بالرعب وآن أَوان التخفيف عنهم؛ ومع هذا يجب على القائد أَن يقدر الموقف، ويفعل ما فيه المصلحة، فإِن كانت في الثبات وجب الثبات، وإِن كانت في الانسحاب لترقب فرصة أَفضل فله أَن يتخذ القرار الملائم. {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)}. المفردات: {أَسْرَى}: جمع أَسير وهو من يؤخذ في الحرب حيًّا، وتُشَدُّ يده بالإِسار وهو القيد.

{يُثْخِنَ في الْأَرْضِ}: أَي يبالغ فيها بالقتل والجرح حتى تظهر شوكة المسلمين وقوتهم. {عَرَضَ الدُّنْيَا}: حطامها - سمى عرضا لسرعة زواله. {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ}: أَي لأَصابكم بسبب ما أَخذتموه من الفدية. {خِيَانَتَكَ}: أَي الغدر بك بنقض العهد. {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ}: لأَقدرك عليهم قتلًا وأَسرًا. التفسير 67 - {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ .... } الآية. سبب نزول هذه الآية: أَن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، استشار أَصحابه في أَسارى بدر بعد انتهاء وقعتها, فقال أَبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله: أَهلك وعشيرتك فَمُنَّ عليهم بالفداء، وقال عمر - رضي الله عنه -: يا رسول الله: لقد آذوك وأَخرجوك فاقتلهم فإِنهم أَئمة الكفر، فأَخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - برأى أَبي بكر وأَطلق سراحهم في مقابل فدية من كل واحد منهم، فنزلت الآية، وظاهرها أَنها عتاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين الذين وافقوا على قبول الفدية، ولكن المقصود بها الإِيذان باستحقاق أولئك الأَسرى أَن يقتلوا بسبب موقفهم من الدعوة الإِسلامية ومن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بمكة وبعد الهجرة، وأَنهم ليسوا أَهلا لهذه المنَّة التي مَنَّ بها عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى: ما ينبغي لنبى ومن معه من المؤمنين، أَن يستبقوا الأَسرى أَحياءً، قبل أَن يثخنوا في الأَرض ويغلظوا فيها بقتل الأَعداء، حتى تتربى المهابة في نفوس المشركين وكان هذا مشروعًا في أَول فرض الجهاد، ثم أَنزل الله تعالى بعد ذلك: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}.

وبهذه الآية شرع الفداء للأَسرى بعد أَن ذاق المشركون بأْس المؤمنين وعرفوا قوتهم، ووقر في قلوبهم الرعب منهم. {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أَي: تريدون أَيها المؤمنون عرض الدنيا وحطامها بأَخذ الفداءِ والرضا به، والله يرضى لكم الآخرة أَي ثوابها بقتلهم، إِعزازًا لدين الله بتخويف المشركين وإِذلالهم بالقتل، والله غالب عظيم الحكمة، ولذلك دعاكم إِلى ما فيه عزتكم وذل أَعدائكم. 68 - {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: لولا قضاء مكتوب من الله سبق بأَنه لا يعذب قومًا حتى يبين لهم ما يتقون من المحاذير، لأَصابكم بسبب ما أَخذتم من فداء الأَسرى عذاب عظيم. 69 - {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: روى أَنهم أَمسكوا عن الغنائم، ولم يمدوا أَيديهم إِليها حتى نزلت الآية لتبيح لهم الغنائم، وقد كانت الغنائم لا يحل أَخذها لأَحد قبل هذه الآية. فلما نزلت أَباحت لهم أَخذ الغنائم، والانتفاع بها أَكلا وغير أَكل، وإِنما عبر بلفظ الأَكل لأَنه المقصود المهم. {وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَي وخافوا الله في أَمركم كله، فإِنكم إِذا اتقيتموه بعد ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن يؤذن لكم فيه غفر لكم ورحمكم وتاب عليكم. 70 - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَي: يأَيها النبي قل لمن وقع في أَيديكم من الأَسرى إِن يعلم الله في قلوبكم خيرًا وحبًّا للدين وخلوصَ إِيمانٍ ونيَّة. يؤتكم في الدنيا والآخرة خيرًا مما أُخذ منكم من الفداء ويغفر لكم ما فرط منكم من الذنوب، والله تعالى عظيم الغفران والرحمة. 71 - {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}:

أَي: وإِن يُرِدِ الأَسرى خيانتك حينما وعدوا أَن لا يحاربوك ولا يعاونوا عليك أَحدًا من المشركين, فقد خانوا الله من قبل بدر بالكفر، فأَمكنك منهم في بدر فليتوقعوا مثل ذلك إِن عادوا إِلى خيانتهم لله ورسوله، والله عليم بخلقه، حكيم في صُنعِه، ثم تحدث القرآن عن الروابط بين المهاجرين والأَنصار ومن تصح موالاتهم ومن لا تصح فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوالْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)}. المفردات: {آوَوْا}: أَي آووا المهاجرين في المدينة وأَسكنوهم.

{مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}: أَي ما لكم من توليهم في الميراث وإِن كانوا من أَقرب أَقاربكم حتى يهاجروا. {تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ}: تحصل فتنة بظهور الشرك. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: في الجنة. {فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ}: أَي من جملتكم أَيها المهاجرون والأَنصار. {أُولُو الْأَرْحَامِ}: أَصحاب القرابات. التفسير 72 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا} الآية. المعنى: إِن الذين آمنوا بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وهاجروا من مكة إِلى المدينة فرارًا بدينهم، وبذلوا أَموالهم ونفوسهم في سبيل الله دفاعًا عن الدين بقتال أَعدائه. والذين آوَوْا النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين من أَهل المدينة، فأَسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أَموالهم، وآثروهم على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ونصروا دين الله بنصرة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}: أَي أُولئك المهاجرون والأَنصار بعضهم أَولياءُ بعض في الميراث، وكان المهاجرون والأَنصار, يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأَقارب (¬1)، حتى نزل قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} فتوارثوا بالقرابة مع الإِسلام، ونسخ التوارث بالهجرة والمؤاخاة، وكان الأَنصار يؤثرون المهاجرين على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة، كما كانوا يتعاونون معهم في نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك في أَن ذلك كله كان فيه عز الإِسلام ومجد المسلمين. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}: ¬

_ (¬1) أَي دون الأقارب الذين لم يهاجروا أو كانوا مشركين.

والذين آمنوا باللهِ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأَقاموا بمكة فلم يهاجروا إِلى المدينة ولم يلحقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشتركوا مع المؤمنين المهاجرين والأَنصار في نصر الدين وحرب الكافرين ما لكم شيء من توليهم، فلا إِرث بينكم وبينهم - أَيها المهاجرون والأَنصار - وإِن كان بينكم وبينهم قرابة حتى يهاجروا، والحكمة في عدم التوارث بينهم مع قرابتهم. إِيثار المؤاخاة التي تمت بين المهاجرين والأَنصار عليها, لما كان لها من أَثر بعيد في عز الإِسلام والمسلمين. {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}: المعنى: أَن المؤمنين الذين لم يهاجروا من أَهل مكة إِن استنصروكم في الدين يجب عليكم أَن تنصروهم على أَعدائهم، ما لم يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم معاهدة سلام، فلا تعينوهم حتى لا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين الكفار، وهذا ما حدث في صلح الحديبية، فقد حافظ النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون على عهدهم معهم، وردوا من لجأَ إِليهم من المسلمين الذين كانوا بمكة قبل صلح الحديبية. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: فلا تخالفوا أمره حتى لا يحل بكم عقابه. 73 - {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}: المعنى: والذين كفروا بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بعضهم أَولياءُ بعض في الميراث، فلا يرثهم المسلمون، ولا يرثون المسلمين، كما أَنهم أولياءُ بعض في المؤازرة والنصرة, فلا تستعينوا بهم - أَيها المؤمنون - فإِنهم لا يوالونكم ولا يحبون الخير لكم، وإِنما يوالى بعضهم بعضا، فكونوا على حذر منهم. {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}: أَي: إِلا تفعلوا ما أَمرتكم به من التناصر والتوارث والتواصل والتعاون، وقطع الصلات بينكم وبين الكفار حتى تجعلوا قرابتهم كلا قرابة، إِلا تفعلوا ذلك كله، تحصل

فتنة في الأَرض وفساد كبير، لظهور الشرك وغلبَته, لأَن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على أَعدائهم، طمع فيهم أولئك الأَعداء واستولوا على ديارهم، كما حدث في الحقبة التي غفل فيها المسلمون عن موالاة بعضهم لبعض، واتخذوا أَعداءَهم أولياءَ لهم. 74 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: المعنى: والذين آمنوا بالله ورسوله وهاجروا من وطنهم وجاهدوا أعداء الإِسلام في سبيل طاعة الله ونصرة دينه، والذين آووا رسول الله والمهاجرين وأنزلوهم في ديارهم. ونصروهم على من أَخرجوهم من وطنهم، أُولئك هم المؤمنون المستكملون لعناصر الإِيمان حقا لأَنهم حققوا من إِيمانهم مقتضاه، من هجرة الوطن ومفارقة الأَهل، والانسلاخ عن الأَموال لأَجل الدين، كما حقق الأَنصار نصرة النبي وإِيواءَه والمهاجرين في بيوتهم. وقد ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وعدا سخيًّا من الله لهم على ما تقدم من صفاتهم، والمراد من الرزق الكريم، الثواب الجزيل الذي ينعمون به في رياض الجنة، أَكلا وتفكها من غير منة ولا تبعة ولا مسئولية، ويلاحظ أَن هذه الآية ليست متكررة مع ما قبلها، فإِن هذه للثناء عليهم والشهادة بفضائلهم, مقترنة بالوعد الكريم بالمغفرة والرزق الكريم، أَما تلك فهي للأَمر بالتواصل والتوارث والنصرة بينهم. 75 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ}: أَي: والذين آمنوا وهاجروا من بعد هجرة الرسول إِلى المدينة، كالذين هاجروا بعد بيعة الرضوان في الحديبية، ثم جاهدوا معكم فهؤلاءِ من جملتكم أيها المهاجرون، فلهم مثلكم حق النصر والموالاة، وقد رفع عنهم إِثم التأَخر في الهجرة. وبقى وجوب الهجرة على المسلمين حتى فتحت مكة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" وهذا عندما يكون المسلم آمنا على عقيدته، فإِن خاف الفتنة وجبت عليه الهجرة إِلى مكان يأمن فيه على نفسه وأَهله ودينه وماله.

سورة التوبة

{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ}: أَي: وأَصحاب القرابات، بعضهم أَحق ببعض في التوارث بالقرابة، وبذلك النص انتهى حكم التوارث بالمؤاخاة والحلف والمعاهدة والتبنى وثبت حكم التوارث بالقرابة. {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: أَي أَن علمه تعالى محيط بكل شيء وفي جملة ذلك امتثال المؤمنين وتنفيذهم أمر الله، بالتوريث بالقرابة، أَو مخالفتهم له، فيثيب الأوَّلين ويعاقب الآخرين. سورة التوبة مقدمة سورة التوبة من السور المدنية، إلا الآيتين الأَخيرتين منها فهما مكيتان على الراجح وتشتمل على تسع وعشرين ومائة آية. قال ابن كثير: هذه السورة من أَواخر ما نزل من القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أَخرجه البخاري عن أَبي إِسحق قال: سمعت البراءَ يقول آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ}. وآخر سورة نزلت "براءَة" وقد جاءَ ترتيبها في المصحف بعد الأَنفال لما يلى: 1 - أَن في سورة الأَنفال حثا على الوفاءِ بالعهود وفي سورة التوبة دعوة إلى نبذها مع الكفار الناكثين لها. 2 - أَن الأَنفال قد اختتمت بفرض الموالاة بين المؤمنين وأَن التوبة قد بدئت بوجوب قطعها بينهم وبين الكفار. 3 - أَن التوبة تشتمل على تفصيل كثير للإِجمال الذي جاءَت به الأَنفال. 4 - أَن كلتا السورتين نزلتا في القتال، وأَنهما دعامتا النظام العسكري في الإِسلام، وفيهما تقرير لأصول إِسلامية كثيرة. ودعوة إِلى تكوين المجتمع الإِسلامى المعتمد على القوة، والاستعداد العسكري القائم على الإِيمان والعلم والطاعة، والحرص على تحمل

المسئولية, والمحافظة على الأَمانة والإِخلاص، وبذل المال في سبيل الله، ومحاربة النفاق والمنافقين. وسمّيت هذه السورة "سورة التوبة": لما فيها من توبة الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأَنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، وعلى الثلاثه الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك - وسيأْتى بيان ذلك. وفي التوبة تحديد لعلاقة المسلمين بأَعدائهم في آخر عهد النبوة وكانوا ثلاث طوائف: 1 - طائفة مشركى العرب، وقد دعت السورة إلى نبذ عهود الذين لم يوفوا عهودهم منهم وأُمهلوا فيها أَربعة أَشهر يسيحون في الأرض. كما دعت إِلى الوفاءِ بالعهد إِلى مدته مع الذين لم ينقضوا عهودهم، لتخلص جزيرة العرب للمسلمين وحدهم، حتى تكون كلمة الله هي العليا في مشرق الإِسلام. 2 - أَهل الكتاب الناكثين لعهودهم فعلا، ومن قامت الأمارات القوية على أَنهم بصدد خيانتها ونكثها، وقد أَمَر الرسول بقتالهم حتى يخضعوا ويدفعوا الجزية. 3 - المنافقين وقد فضحوا في هذه السورة وكشفت أَسرارهم، وأُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون بجهادهم والحذر منهم والإِعراض عنهم. وجملة القول: أَن الله - تعالى - أَعلن في سورة التوبة وجوب انتهاءِ الشرك من الجزيرة العربية، وحرب أَهل الكتاب وقتالهم إِن لم يؤمنوا أَو يدفعوا الجزية. وتحدث عن الذين جاهدوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، ومنزلتهم في الدنيا والآخرة، وعن الذين تخلَّفوا عن الغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعظم جريمتهم، ثم توبة الله على ثلاثة منهم اعترفوا بزلتهم وأَحسنوا التوبة منها. وحارب النفاق حربا شديدة تماثل حربه للشرك أَو تزيد، كما بين الله فيها منزلة الشهداءِ ومكانتهم عند الله، ودعا إِلى تعلم العلم وجعل طلبه فريضة.

وقد ختم الله سورة التوبة ببيان حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على المؤمنين, ووجوب الإِقبال على الإِسلام وعدم التولى عنه. وتسمى هذه السورة بأَسماءٍ أُخرى. منها: سورة براءَة. وسورة العذاب. وسورة الفاضحة لأَنها فضحت المنافقين، وكشفت نفاقهم الذي أجهدوا أَنفسهم في إِخفائه, إِلى غير ذلك من أَسمائها. {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)}. المفردات: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ}: المراد من البراءَة قطع العهد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين الناكثين للعهد من المشركين. {عَاهَدْتُمْ}: عاقدتم.

{فَسِيحُوا في الْأَرْضِ}: فسيروا فيها أَحرارا. {غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ}: أَي غير مفلتين من انتقامه. {مُخْزِي الْكَافِرِينَ}: مذلُّهم في الدنيا والآخرة. {وَأَذَانٌ}: الأَذان، الإِعلام بأَمر مهم، وشاع إِطلاق الأَذان على النداءِ للصلاة. {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}: المراد به يوم عيد النحر وقيل، يوم عرفة. {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: أَي وأَنذرهم بعذابه فإِن التبشير كما يستعمل كثيرًا في الإِخبار بما يسرُّ، يستعمل قليلًا في الإِخبار بما يسوءُ، لغرض الإِهانة والتحقير. {وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ}: أَي ولم يعينوا عليكم ... التفسير 1 - {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: انفردت سورة التوبة بترك البسملة في أَولها، دون باقى سور القرآن، لأَنها بدئت بالبراءَة من المشركين الناقضين لعهودهم وإِنذارهم، والبسملة فيها رحمة لا تلتقى مع هذا الإِنذار. روى أَنه لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى تبوك، جعل المشركون ينقضون العهود التي كانت بينهم وبين رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إِلا بعض القبائل، منهم بنو ضَمْرة وبنو كنانة، فأَمره الله بنبذ عهود الناكثين، وأُمهلوا أَربعة أَشهر يسيرون في الأَرض أَحرارًا كيف شاءُوا. والمعنى: براءَة صادرة من الله أَمرًا، ومن رسوله - صلى الله عليه وسلم - تبليغًا إِلى المشركين، الذين خانوا عهودهم ونقضوها. والمقصود من هذه البراءة، إِنهاء حكم الأَمان الذي تتضمنه هذه العهود بسبب سبق المشركين إِلى نكثها. 2 - {فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ}:

أَي فسيروا في الأَرْض آمنين على أَنفسكم من قتال المسلمين مدَّة أَربعة أَشهر، لا تتعرضون للإِيذاءِ فيها، واعلموا أَنكم غير معجزى الله بسياحتكم في الأَرض أَو قتالكم المسلمين، وأن الله مخزى الكافرين في الدنيا بالهزيمة، وفي الآخرة بسوءِ العذاب. وقد عُلِم من الآية الكريمة أَن الناكثين لعهودهم يمهلون أَربعة أَشهر، سواء أَكانت مدتهم كذلك، أَم أقل منها أَم أَكثر، وابتداء هذا الأَجل من يوم الحج الأَكبر، وانقضاؤه بعد تمام أَربعة أَشهر كوامل. 3 - {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}: أَي وإِعلام من الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إِلى الناس كافة مسلمهم وكافرهم في يوم الحج الأَكبر، أَن الله برىءٌ من عهود المشركين الناكثين، وأَن رسوله - صلى الله عليه وسلم - برىءٌ منهم كذلك (¬1)، والمراد بيوم الحج الأَكبر يوم النحر، أَما العمرة فهي الحج الأَصغر، وقد تولى إِبلاع هذا الإِعلام أَبو بكر وعلى - رضي الله عنهما -، كما رواه البخاري وغيره، وخلاصة تلك الروايات أَنه - صلى الله عليه وسلم - أَمَّر أَبا بكر - رضي الله عنه - على موسم الحج سنة تسع، ثم أَتبعه عليا - رضي الله عنه - على ناقته العضباء، ليقرأَ صدر سورة التوبة على أَهل الموسم، فقيل له عليه الصلاة والسلام: لو بعثت بها إِلى أَبي بكر فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُؤَدِّى عَنِّي إِلاَّ رَجُلٌ مِنِّي" وذلك لأَن عادة العرب أَن لا يتولى أَمر العهد والنقض على القبيلة إِلا رجل منها، فلما قَرُبَ عَلىٌّ سمع أَبو بكر صوت ناقة مقبلة فقال هذا رغاءُ (¬2) ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما لحقه علىٌّ قال له أَبو بكر: أَمير أَم مأْمور، قال بل مأْمور، ومضيا، فلمَّا كان قبل يوم التروية خطب أَبو بكر - رضي الله عنه - وحدثهم عن مناسك الحج، وقام على - رضي الله عنه - يوم النحر عند جَمْرَة العقبة فقال: يأَيها الناس إِنى رسولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِليكم فقالوا بماذا؟ فقرأَ عليهم ثلاثين أَو أَربعين آية من أَول سورة التوبة ثم قال: أُمرت بأَربع: أَن لا يقرب ¬

_ (¬1) ولا تكرار بين ما جاء في هذه الآية، وما جاء في الآية الأولى، فإن الأولى فيها إخبار بثبوت البراءة من الناكثين لعهدهم وأما هذه ففيها وجوب إعلام جميع الناس بذلك، ولم يخصه بالمعاهدين. (¬2) الرغاء: صوت الإبل.

البيت بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إِلا كل نفس مؤمنة، وأَن يُتَمَّ إِلى كل ذى عهد عَهْدُه. والمقصود من براءَة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من المشركين الناكثين لِعهودهم، هو مقابلتهم بمثل ما فعلوا، وذلك بقطع عهودهم بعد مهلة أَربعة أَشهر، يتدبرون فيها أَمرهم، حتى لا يؤخذوا على غِرَّة, ولكى يكون لديهم وقت كاف في التدبر في قبول الإِسلام - وترك الشرك. {فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ}: أَي فإِن رجعتم خلال هذه المهلة عمَّا أَنتم فيه من الشرك وسائر المعاصي، فرجوعكم هذا أَنفع لكم في دنياكم وأُخراكم، وإِن أَعرضتم عن الإِيمان، وآثرتم البقاءَ على ما أَنتم عليه من الشرك وآثامه، فاعلموا أَنكم لا تعجزون الله عن الانتقام منكم، فهو قادر عليكم وقاهر لكم. {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: أَي وأنذر يا محمَّد أُولئك الذين كفروا بالإِسلام وعادَوْه ووقفوا له بالمرصاد، أَنذرهم بعذاب شديد الإِيلام في الدنيا بالقتل والخزى والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأَغلال. والتعبير بالتبشير عن الإِنذار, لغرض التهكم والسخرية بمن يتولى عن الإِيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - مع وضوح الحق في جانبه. كما أَن العدول عن خطابهم بالوعيد، إِلى تكليف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتبليغه إياهم، يشعر أُولئك المنذَرِين بأَن الوعيد أَمر تقرر نزوله بهم ولا بد منه، إِلى جانب إِيلامهم بالإِعراض عنهم. 4 - {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا ... } الآية. أَمر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أَن ينبذ المسلمون عهود المشركين، وجاءَت هذه الآية، لتبين أَن هذا النبذ ليس عامًّا لهم جميعًا، بل هو خاص بأُولئك الذين تلاعبوا بعهودهم، وظاهروا على المسلمين.

والمعنى: ولا تمهلوا الناكثين لعهودهم فوق أَربعة أَشهر، لكن الذين عاهدتموهم، ثم لم ينقصوكم شيئًا مما عاهدوكم عليه، ولم يعينوا عليكم أَحدًا من أَعدائكم، فلا تعاملوهم معاملة الناكثين لعهودهم, بالمسارعة إِلى قتالهم بعد هذه المهلة المضروبة للناكثين، بل أَتموا إِليهم عهدهم مهما كانت مدتهم، وقد ختم الله الآية بقوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}: للتنبيه على أنَّ عدم مراعاة حقوق العهد مع الوفى ولو كان مشركًا ليست من التقوى في شيءٍ. والآية تدل على أَن الوفاءَ بالعهد من فرائض الإِسلام، ما دام العهد معقودًا، وعلى أَن العَهْدَ المؤقت لا يجوز نقضه إِلا بانتهاءِ وقته، وأَنَّ شرط وجوب الوفاء به علينا أَن يحافظ العدو عليه بحذافيره فإِن أَخل بشىء منه أَو عاون أَحدًا من الأَعداءِ ضدنا وجب نبذ عهده. {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)}. المفردات: {انْسَلَخَ}: انقضى. {وَخُذُوهُمْ}: وَأْسِرُوهم، والأَخيذ؛ الأَسير. {وَاحْصُرُوهُمْ}: وضيقوا عليهم وامنعوهم من الإِفلات. {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}: وراقبوهم في كل مكان يرى فيه تحركهم، حتى تمنعوهم من التجمع ضدكم، أَو الفكاك منكم.

{فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}: أَي فاتركوهم أَحرارًا. {اسْتَجَارَكَ}: أَي سأَل جوارك ليكون في حماك وأَمانك. {فَأَجِرْهُ}: أَي فأَمَّنْه. التفسير 5 - {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... } الآية. المراد بالأَشهر الحرم، الأَشهر الأَربعة التي أُبيح للمشركين الناكثين لعهدهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أَن يسيحوا فيها في الأَرض آمنين، وجعلت حُرُمًا لأَن الله حرم قتالهم فيها، وقد علمت من قبل أَنها بدأَت من يوم النحر. والمعنى: فإِذا انقضت الأَشهر الأَربعة التي حرم فيها قتال المشركين الناكثين العهودهم - لعلهم يثوبون فيها إِلى رشدهم - فاقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أَوحرم، لإِصرارهم على الخيانة والشرك. {وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}: وَأْسروهم وضيقوا عليهم، وترصدوا لهم في كل مكان لئلا ينتشروا في البلاد. ويستثنى من هؤلاءِ النساءُ والرهبان والشيوخ والصبيان والضعفاءُ فهؤلاءِ لا يتعرض لهم بقتل ولا تضييق إِلا إِذا عاونوا أُولئك الناكثين. {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: أَي فإِن رجعوا عن الشرك فأَسلموا وأَقاموا الصلاة بشروطها في أَوقاتها، وأَدُّوا الزكاة لمستحقيها، برهانًا على صدق توبتهم وإِيمانهم، فخلوا سبيلهم ولا تتعرضوا لهم بشىءٍ مما تقدم، إِن الله عظيم الغفران والرحمة، فلهذا يقبل توبتهم من الغدر والكفر. وقد جاء بمعنى هذه الآية قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ الله وَيُقيمُوا الصَّلاة ويُؤتوُا الزَّكاة" الحديث. أَخرجه الشيخان. وقد استند أَبو بكر - رضي الله عنه - إِلى الآية والحديث فحارب مانعى الزكاة.

6 - {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ... } الآية. أَي وإِن أَحد من المشركين طلب جوارك ليكون في حماك وأَمانك، فأَجبه إِلى طلبه حتى يسمع كلام الله، أَي القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من أَمر الدين تقيم به عليه حجة الله، ثم أَبلغه مكان أَمنه إِن لم يسلم. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ}: أَي أَنَّ تأْمينهم وإِسماعهم كلام الله بسبب أَنهم قوم يجهلون حقيقة الإِيمان وما تدعوهم إِليه، فلا بد من تمكينهم من ذلك ببذل الأَمان لهم، حتى يزول عذرهم وتقوم لك الحجة عليهم، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} ... الآية. والآية تظهر سَماحة الإِسلام وحرصه على السلام وتهيئة أَسباب الوصول إِلى الحق في غير إِكراه ولا إِعْنَاتٍ، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)}. المفردات: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ}: فما وفوا بعهدهم لكم. {يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ}: يغلبوكم. {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}: لا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدًا.

التفسير 7 - {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } الآية. هذه الآية الكريمة شروع في بيان الحكمة في البراءَة من عهود المشركين بعد أَن نكث بعضهم عهودهم، والغرض من الاستفهام (بكيف) استبعاد أَن يكون لهم عهد مع الله ورسوله ولا ينقضوه مع أَن صدورهم مليئة بكراهية المسلمين، أَو استبعاد أَن يفى الله ورسوله بالعهد وهم ناكثوه. والمعنى على هذا: كيف يوجد لهؤلاءِ المشركين عهد معتد به عند الله وعند رسوله يستحق أَن تراعى حقوقه، ويحافظ عليه إِلى إتمام المدة؟ لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فتربصوا بهم، وانظروا أَحوالهم، وعاملوهم حسب تصرفهم، والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام، لزيادة بيان أَصحابها (¬1)، والإِشعار بسبب توكيد احترامها وتنفيذها. {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}: فَأَىَّ وَقْتٍ استقام أُولئك المشركون الذين عاهدتموهم عند المسجد الحرام، وكانوا أَوفياء بمعاهدتهم، فاستقيموا لهم بإِتمام عهدهم إِلى مدتهم، فإِن هذا من التقوى، والله يحب المتقين. 8 - {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ... } الآية. في تكرار الاستفهام بكيف، تكرار وتأْكيد لاستبعاد ثباتهم على العهد أَو بقاء حكمه مع التنبيه على السبب. والمعنى على الثاني: كيف يكون للمشركين عهد مُعْتَدٌّ به، ومراعاةٌ لأَحكامه عند الله وعند رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وحالهم أَنهم إِن يظفروا بكم أَيها المؤمنون ويظهروا عليكم ويغلبوكم، لا يراعوا في شأنكم قرابة ولا عهدًا، فإِذا كانوا لا يراعون عهودهم وقرابتهم معكم، فكيف تحافظون على عهود ضيعوها ونكثوها، وشرط وجوب مراعاة حقوق العهد، أَن تكون محترمة من المتعاقدين، فإِن ضيعها أَحدهما، حلَّ للآخر معاملته بالمثل. ¬

_ (¬1) وهم بنو بكر - كما قال محمَّد بن إسحاق - أَي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا عهدهم بعد.

{يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}: يرضيكم أُولئك المشركون بإِظهار الوفاءِ والمصافاة بأَفواههم، ويؤكدون ذلك بالأَيْمَانِ الفاجرة، ويتعللون عند ظهور خلافه بالمعاذير الكاذبة، وتمتنع قلوبهم عن إِقرار ما نطقت به أَلسنتهم، وأَكثرهم متمردون على الفضائل، فلا عقيدة تكفهم ولا مروءَة تردعهم. وتخصيص الأَكثر بِوصْفِ الفِسْقِ والغدر لما في بعض الكفرة من البعد عن الغَدْرِ، والتعفف عما يؤدى إِلى سوء الأُحدوثة وقبح السيرة. {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}. المفردات: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ}: استبدلوا بالقرآن. {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ}: فأَعرضوا عن دينه الموصل إِليه. التفسير 9 - {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... } الآية. استبدل المشركون بالقرآن الذي هو أَعظم آيات الله التنزيلية، استبدلوا به شيئًا حقيرا من حطام الدنيا هو اتباع أهوائهم وشهواتهم، فأَعرضوا عن دين الله الموصل إِلى مرضاته، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأَنوا إِليها، إِنهم بئس الذي كانوا يعملونه من إِعراضهم عن الحق وإِقبالهم على الباطل.

10 - {لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}: هذه الآية الكريمة نعت على المشركين عدم مراعاتهم لحقوق المؤمنين على الإِطلاق، أَما مثيلتها السابقة، فقد نعت عليهم ذلك عندما يظهرون عليهم، كما أَن في هذه الآية توكيدًا لما جاءَ في الآية السابقة. والمعنى: لا يراعى المشركون في مؤمن قرابة ولا عهدًا في أَي حال، فقلوبهم مفعمة بكراهيتهم، وأولئك هم المغالون في الاعتداء، بعدم مراعاة حقوق أَهل الدين الحق. {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)}. التفسير 11 - {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ ... } الآية. فإِن رجعوا عما هم عليه من الكفر ومعاداة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، والتزموا إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة في مواقيتهما، وفق ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهم إِخوانكم في الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، ونبيَّن الآيات المتعلقة بأَحوال المشركين من الناكثين وغيرهم، الموضحة لأَحكامهم حالتى الكفر والإِيمان، نبيِّنها لقوم يعلمون ويفهمون ما فيها من الأَحكام فيطبقونها عند مقتضياتها.

{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)}. التفسير 12 - {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ ... }. بينت الآية السابقة كيف نعامل المشركين إِن تابوا عن الشرك وأَقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وجاءَت هذه الآية لتبين كيف نعاملهم إِن ظلوا على شركهم ونقضوا العهد بيننا وبينهم. والمعنى: وإِن نقض هؤلاء المشركون ما وثقوه من العهود بالأَيمان ولم يوفوا بها وطعنوا في دينكم وعابوه بصريح التكذيب وتقبيح الأَحكام، فقاتلوا أَئمة الكفر وأَصحاب القدوة فيه، لنقضهم عهدهم وحنثهم في أَيمانهم، إِنهم لا يقصدون بأَيمانهم توثيق عهدهم حقيقة بل يقصدون بها الخداع والمكر مع تبييت نية الشر، فهم لا أَيمان لهم يوثق بها ويركن إِليها, وليكن غرضكم من قتالكم لهم أَن ينتهوا عما هم فيه من الشرك والطعن في الدين، لا إِيصال الإيذاءِ لهم كما هي طريقة أَهل الإِيذاء والشر. {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)}. التفسير 13 - {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ....... } الآية.

في هذه الآية تحريض على قتال أُولئك الناكثين لعهودهم، مؤكد للأَمر السابق بقتالهم. والمعنى: لا ينبغي أَن تتأَخروا عن قتالهم، بل تقبلون عليه: أَلا تقاتلون قوما نقضوا عهودكم وطعنوا في دينكم وظاهروا عليكم أَعداءَكم، وهموا بإِخراج الرسول حين تشاوروا في دار الندوة على التخلص منه. ونسب إِليهم الهمُّ بإِخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم ينسب إِليهم إِخراجه، لأَن الله تعالى هو الذي أمره بالخروج، بعد أَن أَعلمه بما دبروه من قتله. {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: بالقتال في بدر. {أَتَخْشَوْنَهُمْ}: أَتخافونهم أَيها المؤمنون فتتركوا قتالهم خوفا على أَنفسكم لا ينبغي ذلك منكم. {فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ}: أَي فالله أَجدر بأَن تخافوا عقابه إِذا تركتم قتالهم، وأَن تحذروا سخطه عليكم فإِن هؤلاءِ المشركين لا يملكون لكم نفعا ولا خيرا والله تعالى وحده هو الذي بيده النفع والضر. {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: فاخشوه وحده، فإِن شأْن الإِيمان أَن يدفع أَصحابه، إِلى عدم الخوف إِلا من الله تعالى. {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)}. التفسير 14 - {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}:

بعد أَن بين الله فيما سبق ما يستوجب قتال المشركين، ووبخ على التراخى فيه، وتوعد على تركه، أَتبعه الأَمر بقتالهم والتبشير بالنصر عليهم في هذه الآية. والمعنى: قاتلوا المشركين، ولا تخافوهم واحرصوا على النصر، فإِنكم إِن صدقتم في القتال: {يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ}: قتلا. {وَيُخْزِهِمْ}: أَسْرًا {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ}: عاقبة {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}: موتورين من هؤلاءِ المشركين. وقيل المراد من القوم المؤمنين هنا؛ بطون من اليمن وسبإِ. قدموا مكة فأَسلموا فلقوا من أَهلها أَذى كثيرا، فبعثوا إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشكون إِليه فقال - صلى الله عليه وسلم - "أَبشروا فإِن الفرج قريب" وعزى هذا القول لابن عباس. وقيل هم خزاعة فإِن قريشًا أَعانت بني بكر عليهم، وكانت خزاعة حلفاءَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأَنشد رجل من بني بكر هجاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رجل من خزاعة لئن أَعدته لأَكسرن فمك، فأَعاده فكسر فاه وثار بينهم قتال: فقتلوا من الخزاعيين أَقوامًا، فخرج عمرو بن سالم الخزاعى في نفر إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأَخبره بما حدث، فدخل منزل ميمونة وقال: "اسكبوا إِليَّ ماءً" فجعل يغتسل وهو يقول: "لا نُصِرت إِن لم أَنْصُر بني كعب" ثم أَمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتجهز والخروج إِلى مكة فكان الفتح. ونسب هذا القول إِلى مجاهد - ولكن العبرة بعموم اللفظ، فقد فعل المشركون مع المؤمنين بمكة منذ أَول الدعوة الإِسلامية حتى الفتح، ما يقتضي الثأْر منهم للمؤمنين. 15 - {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}: أَي ويذهب الله بنصركم على المشركين غيظ قلوبكم أَيها المؤمنون بسبب ما نالكم منهم من متاعب ومشاق، وقد أَنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أَحسن الوجوه، فكان إِخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة له. {وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ}: هذا كلام مستأْنف يُنبِىءُ عما سيكون من إِيمان بعض

المشركين؛ حسب مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة، وقد تحقق ذلك حيث أَسلم كثير منهم. {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: والله شامل العلم فيعلم تحول قلوب هؤلاءِ من الكفر إِلى الإِيمان فيعينهم على توبتهم وإِيمانهم، والله عظيم الحكمة في إِقامة دينه وإِظهاره على الدين كله، وإِعانة التائبين على متابهم. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)}. المفردات: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ}: لما حرف يفيد نفى وقوع الفعل إِلى زمن التكلم مع توقع وقوعه في المستقبل، والمراد أَنه إِلى الآن لم يتحقق وقوع الجهاد منكم، لعدم حصوله وقت نزول الآية، ولكنه ينتظر وقوعه وفق ما في علم الله. {وَلِيجَةً}: الوليجة الصديق الذي تطلعه على سرك وخفايا أَمرك من الولوج وهو الدخول، ويطلق عليه لفظ بطانة أَيضًا، لأَنك تباطنُهُ بأَسرارك. التفسير 16 - {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ... } الآية. هذه الآية إِلى خاتمة السياق في الآيات التالية، جاءَت كسابقتها للحث على جهاد المشركين لتطهير جزيرة العرب من الشرك حتى يسلم المسلمون ودينهم من أَذى أَهله.

وفي الآية توبيخ للمسلمين ولوم لهم على ظنهم أَن يتركوا دون أَن يبلوهم الله بجهاد المشركين، ليتبين المخلص في إِيمانه وجهاده من غيره، إِثر توبيخهم في الآية السابقة على تراخيهم في الجهاد. والمعنى: بل أَظننتم أَن تتركوا على ما أَنتم عليه من القعود عن الجهاد دون اختبار منا بتكليفكم به، ولما يتحقق بعد الذين جاهدوا في سبيل الله بإِخلاص وهمة، غير متخذين لهم أَولياءَ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين يباطنونهم بأَسراركم الخفية، ويطلعونهم على عوراتكم. {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}: أَي والله عظيم العلم بما يعمله عباده، فلا تخفى عليه منهم خافية، فإِن هم جاهدوا - بإِخلاص؛ أَحسن مثوبتهم، وإِن هم قعدوا عنه أَو قَصَّروا فيه أَو أَبلغوا أَسراره وخططه إِلى أَعداءِ الإِسلام أَغلظ عقوبتهم. {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)}. المفردات: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ}: أَي ما صح ولا استقام لهم. {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}: المراد من شهادتهم على أَنفسهم إِظهارهم آثاره، من نصب الأَوثان حول البيت وعبادتها - وإِن أَبوا أَن يعترفوا بكونهم كفارًا.

{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}: أَي بطلت فلا ينتفعون بها. {مَسَاجِدَ اللهِ}: أَي أَماكن عبادته. التفسير 17 - {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}: أَمر الله تعالى قبل هذه الآية بقتال المشركين الذين أَخرجوهم من ديارهم وأَلا يتخذوا منهم بطانة، وفي هذه الآية يبين الله تعالى أَن هؤلاءِ المشركين ليسوا أَهلا لعمارة المسجد الحرام ولا للإِقامة حوله، وإِنما أَهل ذلك هم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخشون الله تعالى فلذا ينبغي أَن يبعدوا المشركين عن جوار البيت وشرف عمارته، بقتالهم ما لم يهتدوا إِلى دين ربهم. والمعنى: ما صح ولا استقام في دين الله وشرعه أَن يتولى المشركون عمارة الأَماكن المعدة لعبادة الله المبنية على اسمه وحده لا شريك له، فضلًا عن عمارتهم المسجد الحرام الذي هو أَشرفها وأَعزها، إِذ كيف تستقيم عمارتهم له وهم معترفون بكفرهم شاهدون به على أَنفسهم، بما قَدَّسُوه من أَوثان، وما قدموه لها من قربان، وإِن زعموا أَنهم بذلك غير كافرين. {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}: أُولئك الذين يفخرون بعمارة المسجد الحرام والقيام على خدمته، بطلت أَعمالهم البارَّة جميعًا فصارت هباءً منثورًا، لاقترانها بالشرك وكبائر الذنوب، فلا هم عليها يثابون بل هم في النار خالدون. روى أَن المهاجرين والأَنصار أَقبلوا على أَسارى "بدر" يعيرونهم بالشرك، وطفق على - رضي الله عنه - يوبِّخ عمه العباس بقتال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقطيعة الرحم، وأَغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، فقال: ولكم محاسن؟ قالوا نعم: إِنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونسقى الحجيج ونفك العانى (¬1) فنزلت هذه الآية وما بعدها ردًّا عليهم. ¬

_ (¬1) العانى: بمعنى الأسير.

18 - {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ ... } الآية. المعنى: إِنما الجدير بأَن يعمر مساجد الله ويثاب على عمارتها، من آمن بالله - وحده - ربًّا ومعبودًا، وصدَّق باليوم الآخر موعدًا ومصيرًا، وحسابًا وجزاءً، وأَدى الصلاة على وجهها المشروع في مواقيتها، وأَعطى الزكاة بأَنواعها ومقاديرها لمستحقيها، وفقًا لما جاءَ به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وامتثالا لأَمره وإِيمانًا به، ولم يخف في الحق غير الله تعالى، فهؤلاءِ الجديرون وحدهم بعمارة مساجد الله دون من أَشرك بالله وكفر برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}: كلمة (عَسَى) من الله تفيد وقوع ما بعدها حتما، قال ابن عباس وغيره: "عسى" من الله واجبة، وقال محمَّد بن إِسحق: عسى من الله حق. نقول: ومن ذلك قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}. أَي أَنه تعالى سيبعث نبيَّنا يوم القيامة ذا مقام يحمده له الأَولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة العظمى وأَن ذلك حاصل بفضل الله ولا بد من حصوله. والمعنى: فعسى أُولئك المؤمنون باللهِ واليوم الآخر المقيمون الصلاة المؤتون الزكاة الخائفون من الله - وحده - عسى هؤلاءِ أَن يكونوا من المهتدين إِلى ما يحبون، من الجنة وما فيها من المطالب العلية. وإِنما عبر عما ينتظر هؤلاءِ الكرماءَ على الله، من الاهتداءِ إِلى مطالبهم العليَّة، بعبارة تفيد التوقع دون القطع، لتنحسم أَطماع المشركين في الانتفاع بأَعمالهم التي حسبوا أَنها نافعة لهم، ولتوبيخهم بقطعهم أَنهم مهتدون، فإِن المؤمنين - على ما بهم من الكمالات - إِذا كان أَمرهم دائرا بين "لعل وعسى" فما بال الكفرة، كما أَن فيه ترغيبًا للمؤمنين في أَن يكون لهم مع الرجاءِ في فضل الله خوفٌ من عقابه على ما عسى أَن يكون لهم من تقصير في العمل أَو النية.

والآية شاهد على فضل عمارة المساجد بالبناءِ أَو العبادة، وفي ذلك يروى الترمذي بسنده عن أَبي سعيد الخدرى أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِذَا رأَيْتُم الرَّجُلَ يعتادُ المسْجدَ فاشْهدوا لَهُ بالإِيمان". {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)}. المفردات: {سِقَايَةَ الْحَاجِّ}: المراد من الحاج جنس الحجاج ومن سقايتهم إِعطاؤهم ما يَشْرَبون. التفسير 19 - {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ}: لما زعم المشركون أَن لهم محاسن تقتضى فضلهم على المؤمنين، أَنكر الله عليهم حتى مجرد المساواة بهم فضلا عن سبقهم، ووبَّخهم على زعمهم الفاسد الذي خدعوا به أَنفسهم، روى أَن المشركين سأَلوا اليهود قائلين: نحن سقاة الحاج وعمَّار المسجد الحرام، أَفنحن أَفضل أَم محمَّد وأَصحابه، فقالت اليهود عنادًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أَنتم أَفضل - فردَّ الله على الجميع مُنْزِلًا هذه الآية الكريمة. والمعنى: أَجعلتم أَصحاب سقاية الحجاج في طريقهم إِلى مناسكهم أَو عند عودتهم منها وهم مشركون بالله، أَجعلتموهم مشابهين لمن آمن باللهِ ورسوله وآمن باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاءِ، وجاهد الكفار في سبيل الله وطلبًا لمرضاته.

وبعد أَن أَنكر الله على المشركين زعمهم أَفضليتهم على المؤمنين، عن طريق إِنكاره لما هو أَخف منه من المشابهة، حكم الله تعالى بعدم تساويهما عنده، وتوعَّد المشركين فقال: {لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}: أَي: لا يستوى المشركون - وإِن تقربوا إِلى الله بالسقاية وعمارة المسجد الحرام - مع المؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر المجاهدين في سبيل الله، فالأَولون خالدون في النار أبدًا، والآخرون خالدون في الجنة أَبدًا، والله - تعالى - لا يهدى إِلى الرشد من ظلم نفسه، وظلم الحق بإِصراره على الشرك بالله، والكفر برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد جاءَ في سبب نزول هذه الآية رواية أُخرى في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: "كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رجل ما أُبالى أَن لا أَعمل عملا بعد الإِسلام إِلا أَن أَسقى الحاج، وقال آخر: ما أُبالى أَن لا أَعمل عملا بعد الإِسلام إِلا أَن أَعْمُرَ المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أَفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أَصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة ولكن إِذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه فأَنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... } الآية. وهذا المساق يقتضي أَن الآية نزلت عند اختلاف المسلمين في الأَفضل من هذه الأَعمال، وأَن الآية نزلت بتمامها إِلى قوله تعالى: {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} في شأْن خلافهم، وهذا مشكل بالنسبة إِليهم. فإِنهم مهديون وليسوا بظالمين. وأُجيب عن هذا الإِشكال بأَنه لما قرأَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية ظن الراوى أَنها نزلت حينئذ فقال إِنها نزلت بهذا السبب في حين أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا استفتاه عمر فيما اختلفوا فيه قرأَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية التي نزلت من قبل بشأْن المشركين، مستدلًا بها على أَن الجهاد أَفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد

الحرام، ليعلم المختلفون الحكم، فالآية في الحقيقة لم تنزل بسبب هذا الخلاف، والراوى أَخطأَ في ظنه نزولها بسببه أَو تسامح في التعبير. قال القرطبى: نقلا عن غيره: لا يستبعد أَن ينتزع ممَّا أُنزل في المشركين أَحكام تليق بالمسلمين، قال عمر: إِنا لو شئنَا لاتخذنا سلائق وشواءً وتُوضَعُ صَحْفَةٌ، وتُرْفَعُ أُخرى، ولكنَّا سمعنا قول الله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} (¬1). وهذه الآية نص في الكفار ولكن عمر - رضي الله عنه - فهم منها زجر المسلمين أيضًا عمَّا يناسب أَحوال الكافرين بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أَحد من الصحابة فهذه الآية من هذا النوع - قال القرطبى: وهذا تأْويل نفيس وبه يزول الإِشكال اهـ. {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)}. المفردات: {وَهَاجَرُوا}: تركوا مكة إِلى المدينة خوفًا على دينهم وأَمنا على أَنفسهم من أَذى المشركين. {يُبَشِّرُهُمْ}: البشارة الإِعلام بالخبر السَّار، وسمَّيت بذلك لظهور أَثرها على البشرة. ¬

_ (¬1) سورة الأحقاف من الآية: 20

التفسير 20 - {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... } الآية. لما أَنكرت الآية السابقة استواءَ الذين يسقون الحجاج ويعمرون المسجد الحرام - وهم مشركون - مع المؤمنين المجاهدين في سبيل الله, جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان عظيم درجاتهم عند الله، بسبب ما اتصفوا به من الكمالات: والمعنى: الذين آمنوا بالله تعالى ربًّا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، وهجروا وطنهم مكة إِلى المدينة، حماية لدينهم وأَمنا على أَنفسهم وعقيدتهم، وجاهدوا الكفار بأَموالهم وأَنفسهم، في طريق مرضاة الله وإِعزاز دينه، لا طلبًا للشهرة والاتسام بالشجاعة والفتوة، ولا تهافتًا على نيل الغنيمة من غير تطلع إِلى جانب الله، أُولئك {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ}. أَعلى رتبة وأَكثر كرامة ممن لم يتصف بها من هؤلاءِ الذين أَشركوا بالله، وخلطوا بشركهم سقاية الحجاج وعمارة المسجد الحرام. وأَفعل التفضيل في قوله تعالى: {أَعْظَمُ دَرَجَةً} على غير بابه، فليس للمشركين أَي درجة من الفضل والثواب بسبب شركهم، ولذلك عقبه بقوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}: وأُولئك المنعوتون بهذه الكمالات هم المختصون بالفوز العظيم والظفر بالبغية دون سواهم، فكيف يزعم أُولئك المشركون علوهم في الفضل على المؤمنين، من أَجل سقايتهم الحجاج وعمارتهم المسجد الحرام وهم بربِّهم يشركون: ثم يبين الله عظيم درجاتهم وفوزهم ويبشِّرهم فيقول: 21 - {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ}: يخبرهم الله مُبَشِّرًا برحمة عظيمة منه في دنياهم وأُخراهم، ورضوان كريم عن فضائلهم، وجنات يقصر الوصف عن بيان عظمتها, لهم فيها نعيم لا يقادر قدره، دائم لا نفاذ له ولا شك في أَن الإِخبار بذلك يسرُّهم ويرضى قلوبهم ويَغيظ عدوهم.

22 - {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: أَي أَن الله تعالى يبشرهم بدخولهم تلك الجنات خالدين فيها لا يخرجون منها أَبدًا، فإِن الله لديه أَجر عظيم، فلا يبخل به على أَوليائه. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)}. المفردات: {أَوْلِيَاءَ}: أَحباءَ وأَصفياء. {وَعَشِيرَتُكُمْ}: أَي أَقرباؤكم، من العشرة وهي الصحبة. {فَتَرَبَّصُوا}: فانتظروا. {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}: أَي لا يعينهم على الهدى لخروجهم عن طاعة الله بموالاة أَعدائه.

التفسير 23 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ}: بعد أَن بين الله فيما تقدم أَن المشركين لا يستوون عند الله مع المؤمنين مهما قدَّموا من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وغيرهما، - وأَن المؤمنين أَعلى منزلة وأَعظم كرامة لديه منهم، فهم الفائزون دونهم برحمة الله ورضوانه ونعيمه المقيم. بعد أَن بيَّن الله ذلك أَتبعه في هذه الآية نهى المؤمنين عن موالاة أَقاربهم إِن هم استمروا على كفرهم وشركهم، وهذه الآية نزلت في المهاجرين، فإِنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا إِن هاجرنا قطعنا آباءَنا وأَبناءَنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا وهلكت أَموالنا، وخربت ديارنا وبقينا ضائعين، فنزلت: فهاجروا، فجعل الرجل يأْتيه ابنه أَو أَبوه أَو أَخوه أَو بعض أَقاربه فلا يلتفت إِليه، ولا ينزله ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم في ذلك: والآية عامة الحكم وإِن كان السبب خاصًّا. والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا يَتَّخذ أَحد منكم أَباه أَو أَخاه حبيبًا يصافيه ويخلص له الودَّ إِن استحب الكفر وآثره على الإِيمان، وأَصرَّ عليه إِصرارًا لا يرجى منه الإِقلاع عنه. والنهي عن موالاتهم في تلك الحالة يقتضي جواز موالاتهم قبلها، على أَمل أَن تؤدي بهم إِلى الإِسلام، بسبب شعورهم بسماحته. {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: ومَن يحبهم ويخلص لهم الودَّ، وهم على ما هم عليه من الإِصرار على الكفر بالله ورسوله، فأُولئك هم الظالمون - وحدهم - دون سواهم فإِن ظلم غيرهم يتلاشى أَمام ظلمهم، لأَنهم أَحبُّوا من كفر باللهِ ورسوله، وليس بعد الكفر ذنب، فكيف يحبون من يتصف به. 24 - {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ .. } الآية.

تضمنت هذه الآية أَمرًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أَن يقوى عزائم المؤمنين على الانتهاءِ عما نهوا عنه، من موالاة الأَقربين من المشركين ومن يجرى مجراهم. والمعنى: قل أَيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمؤمنين إِن كانَ آباؤكم وأَبناؤكم وإِخوانكم وأَزواجكم وأَقرباؤكم الذين نهيتم عن موالاتهم لكفرهم، وأَموالكم التي اكتسبتموها بسعيكم، وبضاعتكم التي اشتريتموها لتجارتكم وتخشون كسادها بهجرتكم أَو بجهادكم، ومنازل تعجبكم الإِقامة فيها، وتودون أَن لا تبرحوها. إِن كان كل ذلك أَو بعضه أَحب إِليكم من الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن الجهاد في سبيله. {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ}: فانتظروا حتى يأْتى الله بما يأْمر به من عقوبة عاجلة أَو آجلة لكم. {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}: والله لا يوفق إِلى الرشد القوم الخارجين عن طاعته فيما أَمرهم به، من ترك موالاة أَقاربهم الكافرين، والهجرة لإِعزاز الدين، والجهاد لحماية الإِسلام والمسلمين، وقد استفيد من الآية الكريمة، وجوب أَن يكون الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أَحب، إِلى المسلم مما سواهما، وأَن يكون لهذا الحبِّ أَثره من طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أَمر به الله أَو نهى عنه، أَخرج الإِمام أَحمد بسنده عن زهرة بن معد عن جده قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، قال: واللهِ لأَنت يا رسول الله أَحب إِلىَّ من كل شيء إِلا من نفسى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أَحدكم حتى أَكون أَحب إِليه من نفسه، فقال عمر: فأَنت الآن والله أَحب إِلىَّ من نفسى فقال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: الآن يا عمر".

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)}. المفردات: {حُنَيْنٍ}: وادٍ بين مكَّة والطائف، حدثت فيه المعركة التي نسبت إِليه وكانت عقب فتح مكة. {بِمَا رَحُبَتْ}: أَي برحبها وسعتها، والباءُ فيه بمعنى "مع". {سَكِينَتَهُ}: رحمته التي تسكن عندها النفوس. التفسير 25 - {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ... } الآية. بيَّن الله في الآيات السابقة فضل الجهاد، وأَنذر المؤمنين عاقبة التقصير فيه وفي حبِّ الله ورسوله بقوله: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} وبيَّن في هذه الآية أَنه تعالى عودهم النصر حين يخلصون في جهادهم، ويعتمدون فيه على ربهم، وأَن كثرة الجنود لا تنفع بغير معونة الله وإِخلاص النية لله. والمعنى: لقد نصركم الله - أَيها المؤمنون - في مواقع كثيرة خصم فيها معارك مع أهل الشرك، كبدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر ومكة، وذلك لأَنكم نصرتموه بصدق

جهادكم فهيأَ لكم ثمار النصر، وفاءً بوعده الكريم في قوله تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} وقوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا}: أَي ونصركم يوم حنين مع أَنكم قصَّرْتُم فيه، إِذ أَعجبتكم كثرتكم، فتراخَيْتَم في القتال اعتمادا عليها، فلم تفدكم هذه الكثرة شيئًا في دفع العدو. {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}: وضاقت عليكم الأَرض مع رحبها واتساعها من شدَّة الرعب والفزع، فقد خيِّل إِليكم أَن رحابها أَغلقت في وجوهكم، فلا تجدون فيها موضعا تطمئنون فيه وتثبتون، فصرتم بذلك كمن ضاقت عليم الأَرض مع اتساعها، فلا يجدون فيها مكانا يسعهم ثم انصرفتم من وجه العدو متقهقرين. وكانت هذه الغزوة بعد فتح مكة مباشرة، وسببها: أَن أَشراف هوازن وثقيف اجتمعوا وتشاوروا قائلين: إِن محمدا قد فَرَغَ من قتال قومه ولا ناهِيَةَ له عنَّا، فلنبدأْه بالغزو قبل أَن يغزونا، وأَجمعوا أَمرهم على ذلك، واجتمعت إِليهم عدة قبائل، منهم قبيلة سعد بن بكر الذي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسترضعا فيهم، وجعلوا قيادتهم لمالك بن عوف النصرى (¬1)، وكانوا عددًا كثيرًا، فلما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك, أَزمع المسير إِليهم، وخرج معه اثنا عشر أَلفا، منهم عشرة آلاف ممن شهد فتح مكة من المهاجرين والأَنصار، والباقون من الطلقاءِ، أَي من أَهل مكة الذين أَسلم كثير منهم، وعفا عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال لهم: اذهبوا فأَنتم الطلقاءُ، وكان فيهم بعض المشركين. فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة بن سلامة الأَنصارى: لن نغلب اليوم من قلة، فساءَت هذه الكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فاقتتلوا قتالا شديدًا، فانهزم المشركون وتركوا ذرياتهم ونساءَهم وأَموالهم، وكانوا قد جعلوهم خلفهم في المعركة ¬

_ (¬1) من بنى نصر بن مالك.

ليقاتلوا مستبسلين دفاعًا عنهم فأَكبَّ المسلمون على الغنائم، فنادى المشركون يا حماة السوءِ: اذكروا الفضائح، فتراجعوا يحملون على المسلمين فانكشف المسلمون منهزمين، فقد أَدركهم شؤم إِعجابهم بكثرتهم وتراخيهم بسبب ذلك في القتال إِلى جانب اشتغالهم بجمع الغنائم والسبايا، ووجود عناصر مشركة وأُخرى حديثة العهد بالإِسلام من أَهل مكة، لم يزل للشرك أَثر في نفوسهم، حتى قال أَبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر وقال أَخ لصفوان بن أُمية: الآن بطل السحر، فقال له صفوان وهو على شركه: اسكت فَضَّ الله فَاكَ، والله لأَن يَرُبَّنى رجل من قريش خير من أَن يَرُبَّنى رجل من هوازن. 26 - {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}: ثم بعد أَن ضاقت عليكم الأَرض بما رحبت ووليتم مدبرين منهزمين، أَنزل الله رحمته التي تسكن بها القلوب، أَنزلها على رسوله وعلى المؤمنين، فأَما سكينته التي أَنزلها على رسوله، فقد كان من أَثرها ثباته في أَرض المعركة، وأَمره العباس أَن ينادى المنهزمين ليعودوا إِلى لقاءِ العدو، وأَمَّا سكينته التي أَنزلها على المؤمنين فقد كان من أَثرها بقاءُ عدد منهم حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعودة المنهزمين إِلى أَرض المعركة، حين رأَوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يزال فيها يُنَازل العدو، وحوله نحو مائة من أَصحابه وقد سمعوا العباس بن عبد المطلب يناديهم بأَعلى صوتة - وكان جَهْوَرِىَّ الصوت - ليعودوا إِلى أَرض المعركة، وكان الرجل من المهزومين، إِذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه ثم انحدر عنه وأَرسله، ورجع بنفسه إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما رجعت شرذمة منهم، أَمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أَن يصدقوا الحملة، وأَخذ قبضة من التراب ودعا ربه واستنصره قائلا: "اللهم أَنجز لي ما وعدتنى"، ثم رمى بها القوم، فما بقى إِنسان إِلا أَصابه منها في عينه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا فتبعهم المسلمون يقتلون ويأْسرون، ثم جاءُوا بالأَسارى بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تلك هي خلاصة القصة مستقاة من مصادرها من السنَّة (¬1). ¬

_ (¬1) راجعها مفصلة في ابن كثير والقرطبى وأبى السعود وسيرة الخضرى.

ومما جاءَ عنها في الصحيحين: أَن البراءَ بن عازب قال له رجل: يا أَبا عمارة: أَفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فقال: لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر، إِن هوازن كانوا قوما رماة، فلمَّا لقيناهم وحَمَلْنا عليهم انهزموا, فأَقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأَيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَبو سفيان بن الحرث آخِذٌ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيضاءِ وهو يقول: "أَنا النبي لا كذب، أَنا ابن عبد المطلب" (¬1). وأَخرج مسلم عن أَنس قال: "قال العباس: وأَنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَكُفُّهَا إِرادةَ أَلاَّ تسرع، وأَبو سفيان (¬2) آخذ بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أَي عباس: ناد أَصحاب السَّمُرةِ (¬3) - وكان رجلًا صَيِّتًا - فقلت بأَعلى صوتى: أَين أَصحاب السَّمُرة، قال: فوالله لكأَن عَطْفَتَهُمْ حين سمعوا صوتى، عطفةُ البقر على أَولادها، فقالوا: "يا لبيك يا لبيك: قال: فاقتتلوا والكفار" .. الحديث - وفيه قال - ثم أَخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزَمُوا وربِّ محمَّد، قال: فذهبت أَنظر، فإِذا القتال على هيئته فيما أَرى، قال: فوالله ما هو إِلا أَن رماهم بحصياته، فما زلت أَرى جَدَّهم - أَي حظَّهم - كليلا وأَمرَهُم مُدْبِرًا قال أَبو عمر: روينا من وجوه عن بعض من أَسلم من المشركين ممن شهد حنينا أَنه قال: وقد سئل عن يوم حنين: "لقينا المسلمين فما لبثنا أَن هزمناهم واتبعناهم حتى انتهينا إِلى رجل راكب على بغلة بيضاء، فلمَّا رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا وأَخذ بكفه حصى وترابا فرمى به وقال: شاهت الوجوه فلم تبق عين إِلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أَنفسنا أَن رجعنا على أَعقابنا" (¬4). ¬

_ (¬1) ابن كثير ج 4 ص 70 طبعة الشعب. (¬2) هو أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وليس أبا سفيان بن حرب والد معاوية. (¬3) واحدة من شجر السمر، وكانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية. (¬4) انظر القرطبى - 8 ص 98 مطبعة دار الكتب.

{وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}: المراد بهؤلاءِ الجنود الملائكة، أَنزلهم الله تعالى ليُقَوّوا المؤمنين بما يُلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعفوا الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال، أَخرج البيهقي عن مصعب بن شيبة عن أَبيه قال: "خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، والله ما أَخرجنى إِسلام ولا معرفة به ولكنى أَبيت أَن تظهر هوازن على قريش فقلت وأَنا واقف معه: يا رسول الله: إِنى أَرى خَيلا بُلْقًا، فقَال: يا شيبة إِنه لا يراها إِلا كافر، فضرب بيده في صدرى، ثم قال: اللهم اهدِ شيبة، ثم ضربها الثانية ثم قال: اللهم اهد شيبة، ثم ضربها الثالثة ثم قال: اللهم اهد شيبة، قال: فوالله ما رفع يده عن صدرى في الثالثة حتى ما كان أَحد من خلق الله أَحبّ إِلىَّ منه" الحديث. وهو يدل على أَن الملائكة نزلت على خيل بلق، وأَن المسلمين لم يروها مصداقا لقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} بل كان يراها الكافرون، ولذا رآها - شيبة راوى هذا الحديث - رآها قبل أَن يسلم فضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدره ودعا له فاهتدى، وكان الغرض من إِنزالها إِلقاء الرعب في قلوب الكافرين، حين يرونهم في صفوف المؤمنين، قال سعيد بن السائب بن يسار عن أَبيه قال: "سمعت يزيد بن عامر السوائى وكان شهد حنينا مع المشركين يوم حنين، فكان يأْخذ الحصاة فيرمى بها في الطست فَيَطِنُّ (¬1)، فيقول: كنا نجد في أَجوافنا مثل هذا" يقصد بذلك تصوير أَثر الرعب في قلوبهم. {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}: المراد بتعذيبهم ما حدث لهم من القتل والجرح، والسبى وغنيمة الأَموال، والهزيمة بعد الانتصار، روى أَن عليًّا - رضي الله عنه - قتل بيده أَربعين رجلًا في هذه الغزوة وذلك غير ما فعله سواه من المقاتلين، وكان قتلاهم عددًا كبيرًا، وسبق أَصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَربعة آلاف نفس وغنموا اثنتى عشرة أَلف ناقة, سوى مالًا يحصى ¬

_ (¬1) أَي فيحدث طنينا، والطنين الصوت كالرنين.

من الغنائم كما روته السنن, وفي هذه الغزوة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من قتل قتيلا له عليه بيِّنة فله سلَبهُ" وجرح خالد بن الوليد في هذه الغزوة جراحات بالغة، وأَسلم ناس كثيرون من مشركى مكة، لما رأَوه من عناية الله بالمسلمين. والذي حدث في هذه الغزوة كان درسا استفاد منه المسلمون، فإِن الأَخلاط من حديثى العهد بالإِسلام والمشركين والأعراب، كانوا من أَسباب الهزيمة فيها أَول الأَمر، فلذا ينبغي أَن لا يكون في جيش المسلمين مَنْ لم يخالط الإِسلام دمه، ويثبت في أَعماق نفسه. 27 - {ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ...... } الآية. أَي ثم يوفق الله من بعد تلك الغزوة من يشاءُ من هؤلاءِ ومن غيرهم، ليتوب من تركه ويؤمن بالله ورسوله. {وَاللهُ غَفُورٌ}: يتجاوز عما سلف من الكفر والمعاصي بقبول توبتهم. {رَحِيمٌ}: فيتفضل بقبول توبتهم. لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائم حنين بالجعرانة، أَتاه وفد هوازن مسلمين، راغبين في عطفه عليهم، وقالوا: يا رسول الله إِنك خير الناس وأَبَرُّ النَّاس، قد أَخذت أَبناءَنا ونساءَنا وأَموالنا، فقال لهم: إِنى قد استأْنيت بكم، وقد وَقَعت الْمَقَاسِمُ وعندى من ترون، وإِنَّ خَيْرَ القول أَصدقُه، فاختاروا إِمَّا ذراريكم وإِمَّا أَموالكم فقالوا: لا نعدل بالأَنساب شيئًا، فقام خطيبا وقال: "هؤلاءِ جاءُونا مسلمين وخيَّرناهم، فلم يعدلوا بالأَنساب، فَرَضُوا بِرَدِّ الذرية، وما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لهم، وقال المهاجرون والأَنصار، أَمّا ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وامتنع الأَقرع ابن حابس وعيينة بن حصن في قومهما من أَن يردُّوا عليهم شيئًا ممَّا وقع لهم في سهامهم، وامتنع العباس بن مِرداس السُّلَمىُّ كذلك، وطمع أَن يساعده قومه, كما ساعد الأَقرعَ وعُيينةَ قومُهُمَا، فقالوا ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤيدوه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "من ضَنَّ منكم بما في يديه فإِنا نعوضه منه" فرد عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءَهم وأَولادهم، وعوَّض مَنْ لم تَطِبْ نفسُه بترك نصيبه أَعْوَاضًا رضوا بها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)}. المفردات: {نَجَسٌ}: المراد بنجاستهم خبث باطنهم: فكأَنهم عين النجاسة، لشدة خبثهم وكراهتهم للإِسلام والمسلمين. {عَيْلَةً}: فقرًا. التفسير 28 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}: المقصود من خطاب المؤمنين بذلك أَن لا يمكنوا المشركين من دخول المسجد الحرام بعد العام الذي نزلت فيه هذه الآية، وهو العام الهجرى التاسع الذي كان أَبو بكر - رضي الله عنه - يحج فيه بالناس، واختلف في المراد من نجاستهم، فقيل هي خبث طويتهم وشركهم - وهو الراجح - وقيل هو عدم تطهرهم من النجاسات العينية. والمراد من عدم قربهم من المسجد الحرام بعد هذا العام أَلا يحجوا ولا يعتمروا بعده، وأَن تختص شعائر الحج والعمرة بالمسلمين، ولهذا نادى علي بن أَبي طالب بعد قراءَته التوبة في موسم الحج المذكور بأَمر النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلا: أَلا لا يحج البيت بعد عامنا هذا مشرك (¬1). ¬

_ (¬1) والتعبير عن ذلك بالنهي عن قربهم من المسجد الحرام للمبالغة في منعهم من أداء المناسك.

أَما دخول الكفار الحرم والمسجد الحرام لغير الحج والعمرة فجائز عند الحنفية كسائر المساجد أَما الشافعية فيمنعونهم من المسجد الحرام خاصة، وعند مالك يمنعون من جميع المساجد (¬1). والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا لا تمكنوا المشركين من أَداءِ مناسك الحج والعمرة بعد عامهم هذا, حتى لا يحج البيت إِلا من يوحد الله ويمجده وحده دون سواه. ولما كان هذا المنع سيترتب عليه حرمانهم من الأَرزاق التي تأْتى مع هؤلاءِ المشركين، طمأَنهم الله وبشرهم بالغنى من فضله فقال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: أَي وإِن خفتم فقرا بسبب انقطاع المشركين عن الحج والعمرة، وفقدان ما كانوا يجلبونه من الأَرزاق والمكاسب، فاطمئنوا فسوف يغنيكم الله من فضله بوجوه أُخرى - إِن شاءَ - إِن الله محيط العلم، بليغ الحكمة، فلهذا شرع لكم ما شرع ودبر لكم من الأَرزاق، أَوسع مما فاتكم. ولقد بَرَّ الله تعالى بوعده، فأَرسل السماءَ عليهم مدرار، ووفق أَهل تبالة وجرش فأَسلموا وجاءُوهم بالأَرزاق والنعم وكانت أَرضهم مخصبة، ثم فتح الله عليهم البلاد والغنائم، وتوجه إِليهم الناس من أَطراف الأَرض قاصيها ودانيها. ¬

_ (¬1) ذكر ذلك العلامة أبو السعود: والصحيح أن الشافعية كالمالكية يحرمون دخول الكفار جميع المساجد إلا بإذن لمجرد المرور، وذكر القرطبى أنه يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم كله، فإذا جاء رسول منهم خرج الإِمام إلى الحل ليسمع ما يقول ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات، نبش قبره وأخرجت عظامه، وهذا هو المفهوم من مذهب عطاء وفي المسألة آراء نفيسة تراجع في الموسوعات. ويلاحظ أن المراد بالمشرك فيما تقدم كل كافر.

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)}. المفردات: {الْجِزْيَةَ}: هي ضريبة لنا على أَهل الكتاب جزاءَ حمايتهم وحقن دمائهم. {عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}: أَي عن يد مواتية منقادة وهم خاضعون. {يُضَاهِئُونَ}: المضاهأَة والمضاهات المشابهة. {أَنَّى يُؤْفَكُونَ}: كيف يصرفون عن الحق إِلى الباطل. التفسير 29 - {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ... } الآية. يأْمر الله المؤمنين في هذه الآية الكريمة بقتال أَهل الكتاب، بعد ما أَمرهم من قبل بقتال المشركين، ومنعهم من قرب المسجد الحرام بحج أَو عمرة. والتعبير عن أَهل الكتاب بالذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر, لأَن إِيمانهم بهما كالعدم، فاليهود قالوا عزير ابن الله وأَنكروا أَن يعذبهم الله في الآخرة بذنوبهم,

والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وإِن الله ثالث ثلاثة، وإِن قتل المسيح وصلبه سبب لغفران ذنوبهم يوم القيامة، فضلا عن قولهم جميعًا نحن أَبناءُ الله وأَحباؤه، وغير ذلك من العقائد الفاسدة. والمعنى: قاتلوا أَيها المؤمنون برسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، أولئك الذين لا يصدقون باللهِ ولا باليوم الآخر، على الوجه الذي يعتبره الله إِيمانا وتصديقا, ولا يلتزمون تحريم ما حرم الله ورسوله محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، أَو رسوله الذي يزعمون أَنهم أَتباعه وأَنهم يعملون بشرعه، مع أَنهم يخالفونه اعتقادا وعملًا، فأَقوالهم مناقضة لعقائدهم وأَفعالهم، ولا يدينون دين الإِسلام الحق الناسخ لدينهم، قاتلوا هؤلاءِ الذين اجتمعت فيهم كل هذه النقائص من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم يهودا أَو نصارى. {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}: أَفاد هذا النص الكريم أَننا لا نكف عن قتالهم إِلا إِذا استسلموا وأَعطوا الجزية وهم أَدلاءُ مغلوبون، حتى لا تكون لهم شوكة ضد المسلمين فيفتنوهم عن دينهم. والجزية مأْخوذة من جزى دينه إِذا قضاه، والمقصود أَنها جزاء مقابل للعفو عن القتل وحمايتهم من الأَذى وتوفير الحرية لهم في دينهم ودنياهم، ويقابلها في الإِسلام الزكاة على المسلمين. والمراد من إِعطاءِ الجزية عن يد، دفعها بانقياد. وطاعة وأَنهم يسلمونها بأَيديهم مباشرة بغير توكيل، أَو اليد بمعنى الغنى، ولذلك لم تجب على الفقير العاجز، أَو عن يد من المسلمين أَي إِنعام منهم عليهم، فإِن إِبقاءَهم بالجزية نعمة من المسلمين على أَهل الكتاب. المعنى: قاتلوا أَهل الكتاب إِلى أَن يستسلموا ويدفعوا الجزية منقادين أَو منعما عليهم منكم وهم أَذلاءُ لا شوكة لهم.

ويرى الشافعية أَن الجزية لا تؤخذ إِلا من أَهل الكتاب والمجوس، أَما أَهل الكتاب فمن هذه الآية، وأَما المجوس فمن السنة قال - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سنة أَهل الكتاب" أَخرجه مالك في الموطَّأ (¬1) فلا تقبل عندهم من المشركين لقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (¬2) ورأَى الحنفية رأْيهم. أَما المالكية فإِنهم يرون أَخذ الجزية من جميع أَصناف الشرك والجحد عربا كانوا أَو عجما إِلا المرتد، وقال الأَوزاعى مثل قولهم فقد قال: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أَو نار أَو جاحد أَو مكذب. وقال ابن القاسم وأَشهب وسحنون، تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأُمم كلها، وأَما عبدة الأَوثان من العرب فلم يستن الله فيهم جزية، ولا يبقى على الأَرض منهم أَحد وإِنما لهم القتال أَوالإِسلام، ولابن القاسم رأى آخر بأَخذ الجزية منهم كمالك، ونقل القرطبى عن الشافعى أَنه يؤخذ من الغنى والفقير من الأَحرار البالغين دينار لا ينقص منه شيء، وإِن صولحوا على أَكثر من دينار جاز. ولأَهل المذاهب فيما تقدم آراء مفيدة يرجع إِليها في الموسوعات. 30 - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ}: بعد أَن شرع الله في الآية السابقة قتال أَهل الكتاب إِلى أَن يستسلموا أَو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أَتبعه بيانا لبعض ما كفروا به واستوجبوا بسببه القتال وفرض الجزية. وقد أَفادت الآية، أَن كلا من اليهود والنصارى كفروا بادعاء البُنُوَّة لله تعالى، فأَما اليهود فقد زعموا أَن عزيرا ابن الله، وأَما النصارى فقد زعموا أن المسيح ابن الله، وسبب قول اليهود مقالتهم، أَن بختنصر أَخذ جميع نسخ التوراة منهم وأَعدمها لمَّا غزاهم، ولم يوجد فيهم بعد حين من يحفظها، حتى ظهر عزير فأَملاها عليهم حفظا كما ¬

_ (¬1) وذلك لأن لهم شبهة كتاب: قال ابن عطية: روى أنه قد كان بعث فيهم نبى اسمه زرادشت والله أعلم. (¬2) سورة التوبة من الآية: 5

زعموا، فتعجبوا من ذلك وقالوا: ما ذاك إِلا أَنه ابن الله، والدليل على أَن هذا القول كان فيهم؛ أَن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب، فإِن كانوا ينكرون ذلك اليوم ويدعون أَنهم أَهل التوحيد، فذلك رجوع منهم عما كانوا يقولونه من قبل. والمحققون من المؤرخين يقولون إِن عزيرا (عزرا) جمع محفوظات من صدور القوم ومن أَوراق متناثرة، وسماها التوراة، ولا يوجد دليل على أَنها طبق الأَصل، فإِن الأَصل مفقود، كما أَن فيها وصف الله بما لا يليق به كالندم والضعف أَمام إِسرائيل وغير ذلك مما يقطع بوضعها. وسبب قول النصارى ذلك، ادعاؤهم أَن عيسى عليه السلام ما كان يستطيع إِبراءَ الأَكمه والأَبرص وإِحياءَ الموتى إِلا لأَنه ابن الله، لأَن ذلك من خصائص الأُلوهية، ولهذا ملأُوا كتبهم المقدسة لديهم بدعوى البنوة، وقد شاءَ الله أَن يكذبهم ويكشف جهلهم وزيفهم بما تضمنته أَناجيلهم من التصريح بأَنه ابن الإِنسان، وتكرار هذا التصريح عشرات المرات في كل إِنجيل من أَناجيلهم. {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ}: يريد الله بهذه الجملة الإِشعار بأَنه قول مجرد عن البرهان وخال عن الدليل، فإِن مجىء عزير بالتوراة - على فرض صحته - لا يقتضي بنوته لله، فلم لا يكون بإِلهام أَو بوحى، وقد علمت أَنه لم يصح، وإِحياء عيسى للميت وإِبراؤه الأَكمه والأَبرص، معجزة لتأْييد نبوته - كشأْن معجزات الأَنبياء، فكلها بفعل الله وخلقه، وليس جريانها على يديه بفعله لأَنه ابن الله، كما ادعى النصارى ولذا كانت حوادثها محدودة على قدر قيام المعجزة المؤيدة لرسالته، وشأْنه في ذلك كشأْن (موسى) في أَمر عصاه، بل هي أَعظم إِعجازا، فإِن جعل الحياة في العصا حتى تبتلع السحر، أَبلغ من إِحياءِ الميت، لأَن العصا ليست أَهلا للحياة بخلاف الميت فإِنه أَهل لها، كما أَنها أَعظم من إِبراءِ الأَكمه والأَبرص بالأَولى. {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ}: أَي يشابه أَهل الكتاب المعاصرون للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما قالوه في عزير

وعيسى من سبقهم من أَهل ملتهم، فالكفر قديم فيهم، أَو يشابهون المشركين الذين قالوا الملائكة بنات الله. {قَاتَلَهُمُ اللهُ}: هذا التعبير ظاهره الدعاء عليهم بالإِهلاك، فإِن من قاتله الله هلك، والمقصود منه التعجب من شناعة قولهم، حكى النقاش أَن أَصل (قاتله الله) الدعاءُ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر، وهم لا يريدون الدعاء، وأَنشد الأَصمعى: يا قاتَلَ اللهُ ليلى كيف تعجبنى ... وأَخبر الناس أَنى لا أُباليها {أَنَّى يُؤْفَكُونَ}: كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه، والغرض من الاستفهام هنا التعجيب والتوبيخ. {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}.

المفردات: {أَحْبَارَهُمْ}: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان كما قال الفراء - ويطلق على العالم مطلقا وغلب في عالم اليهود. {وَرُهْبَانَهُمْ}: جمع راهب مأْخوذ من الرهبة وهي الخوف، والمراد به هنا عابد النصارى الذي اعتزل ملذات الحياة. التفسير 31 - {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ ... } الآية. لا يزال الكلام متصلًا في عقائد أَهل الكتاب التي كفروا بسببها فقد بينت هذه الآية أَنهم تجاوزوا زعم البنوة لعزير والمسيح إِلى ما هو أَشد وهو اتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أَربابا. والمعنى: اتخذ اليهود علماءَ دينهم أَربابا من دون الله فأَطاعوهم في تحريم ما أَحلّ الله وتحليل ما حرّم الله وجعلوهم بطاعتهم لهم كأَنهم آلهة لهم يطاعون فيما يشرعون، ظانين أَنهم مقدسون، مع أَن كثيرا منهم آثمون، كما سيبينه الله تعالى، قال الربيع: قلت لأَبى العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إِسرائيل قال: ربما وجدوا في كتاب الله - يعني التوراة - ما يخالف قول الأَحبار، فكانوا يأْخذون بأَقوالهم، ويتركون حكم كتاب الله: اهـ. واتخذ النصارى رهبانهم - أَي علماءَهم المتعبدين - اتخذوهم آلهة من دون الله بأن أَطاعوهم فيما لم يحل، كما يطاع الله فيما شرعه لعباده مع أَنهم آثمون. روى الترمذي عن عدى بن حاتم قال أَتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقى صليب من ذهب (وكان نصرانيا وقتئذ) فقال: ما هذا يا عدى اطرح عنك هذا الوثن, وسمعته يقرأُ في سورة براءَة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} ثم قال: "أَما إِنهم لم يكونوا يعبدونهم كانوا إِذا أَحلوا لهم شيئًا استحلوه, وإِذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" وقد أَسلم عدى بعد ذلك وكان من خيرة الصحابة.

{وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ}: أَي واتخذ النصارى المسيح، ابن مريم إِلهًا (¬1)، وكان ذلك على صور شتى فمرَّة عبدوه على أَنه ابن الله، وأُخرى عبدوه على أَنه إِله، وثالثة على أَنه ثالث آلهة ثلاثة، وكل ما فعله هؤلاءِ لم يأْمر به الله ولذا قال سبحانه وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: أَي وما أَمرهم الله في كتبه التي أَنزلها إِليهم، إِلا ليطيعوا إِلها واحدا فيما أَمرهم به أَو نهاهم عنه، هو الله لا إِله إِلا هو، فلا يصلح أَن يطاع أَو يعبد غيره - سبحانه - وتنزيها له عن أَن يكون له شريك بأَية صورة مما يفعلون. 32 - {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}: المقصود بنور الله، إِما حجته النيرة الدالة على وحدانيته، وتنزهه عن الشركاء والأَولاد، أَو القرآن العظيم الناطق بذلك، فهو الذي أَنار العقول والقلوب بالحق كما تنير الشمس وجه الأَرض. والمعنى: أَن أَهل الكتابين يريدون أَن يطفئوا نور القرآن الذي أَوضح الله به وجه الحق، وكذبهم في دعاوى بنوة عزير وعيسى لله وربوبية الأَحبار والرهبان والمسيح ابن مريم، وبين شرائع الله على وجهها الحق، حيث يحاربونه بأَلسنتهم وأَقاويلهم الباطلة الخارجة من أَفواههم، وأَنى لهم إطفاؤه وهو نور الله تعالى. ويجوز أَن يكون المقصود تشبيه حالهم في محاربة النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن الكريم، بحال من يريد طمس نور عظيم نشره الله في الآفاق وإِطفاءَه بنفخة بالفم، والمقصود بهذا التشبيه إِقناطهم من نيلهم ما يبتغون من هدم الإِسلام ورسالته الهادية، ولهذا قال سبحانه عقب ذلك: ¬

_ (¬1) راجع ما كتبناه عن السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في ربع (إن الله اصطفى) وما بعده من سورة آل عمران, وفي ربع (إنا أوحينا إليك) في آخر سورة النساء، وفي الربع الأخير من سورة المائدة.

{وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}: أَي ولا يريد الله إِلا أَن يتم نوره بإِعلاءِ كلمة الإِسلام، وإِتمام مجده ولو كره الكافرون ذلك، فسواء رضي أَهل الكتاب أَم كرهوا، فنور الإِسلام سيتم ويعم المشارق والمغارب فهذا ما يريده الله ويأْبى نقيضه. 33 - {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}: هذه الآية جاءَت لتؤكد ما تضمنه قوله تعالى في الآية السابقة: {وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} مع بيان ظهوره على جميع الأَديان. والمعنى: هو الله الذي بعث رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن الذي يهدى الناس إِلى معرفة ربهم، وبدين الإِسلام المشتمل على الحق الواضح الذي لا يعتريه شك، أَرسل الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليظهر دين الحق على الأَديان كلها ولو كره المشركون، وإِظهاره عليها إِما بالنسخ، وإِما بالحجة والبرهان إِلى جانب النسخ وإِما بالغلبة والقهر لأَهلها، وقد حدث كل هذا وسيحدث بعون الله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ}. طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية رئيس مجلس الادارة محمَّد حمدى السعيد رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1979 الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 1548 - 1979 - 25004

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)}. المفردات: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ}: المراد بأَكلها بالباطل: أَخذها بغير حق. {يَكْنِزُونَ}: أَي يجمعون, والكنز لغة: الضم والجمع, ويطلق أَيضا على كل شيءٍ مجموع بعضه إِلى بعض في بطن الأَرض أَو على ظهرها. {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: أَي فأَنذرهم, والتعبير بالتبشير عن الإِنذار للتهكم وتشديد الوعيد. {جِبَاهُهُمْ}: جمع جبهة, وهي من الوجه ما بين الحاجبين إِلى منابت شعر الناصية. التفسير 34 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ... } الآية. بعد أَن عاب الله على أَهل الكتاب اتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم أَولياءَ, وتقديسهم كأَنهم أَرباب, وكراهيتهم الإِسلام الذي هو نور الله, بَيَّن سوءَ أَخلاق أُولئك الأَحبار والرهبان, حتى يعلم أَهل الكتاب أَنهم غير جديرين بتقديسهم لهم والأَخذ عنهم.

والمعنى: يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِن أَحبار اليهود ورهبان النصارى ليأْخذون أَموال الناس بالباطل, حيث يرتشون بها للتخفيف والمسامحة في تنفيذ شرع الله. وتغيير الأَحكام والشرائع إِرضاءً لمن يرشونهم, كما كانوا يأْخذون من أَتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وشئون الدين, ويستولون عليها أَو على بعضها لشهواتهم وأَغراضهم, ولا يكتفون بذلك بل يصدون أَتباعهم ويمنعونهم عن الدخول في دين الإِسلام واتباع محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: المقصود بهم أُولئك الأَحبار والرهبان الذين يأْكلون أَموال الناس بالباطل, مبالغة في وصفهم بالحرص على المال, والاهتمام بكنزه وجمعه بأَى صورة. ويجوز أَن يراد بهم أَهل الكتاب والمسلمون الذين لا يزكون, فالمراد بعدم إِنفاقهم لها في سبيل الله أَنهم لا يخرجون زكاتها. ولما نزلت هذه الآية ظن المسلمون أَنه لا يحل كنز المال وأَنه يجب إِنفاقه كله في سبيل الله, فكبر ذلك على المسلمين فقال - صلى الله عليه وسلم - "مَا أُدَّى زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكنزٍ" (¬1) أَي فليس بكنز معاقب عليه بما جاءَ في الآية. وروى البخاري من حديث الزهرى عن خالد بن أَسلم قال: "خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أَن تنزل الزكاة, فلما نزلت جعلها الله طهرًا للأَموال". وقال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك: نسخها قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}. وكان أَبو ذر الغفارى يرى أَن الكنز ما فضل عن الحاجة, وقد حدث خلاف بين معاوية وبينه في تفسير الآية, رواه البخاري في حديثه عن زيد بن وهب قال: "مررت ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة.

بالربذة (¬1) فإِذا أَنا بأَبى ذر فقلت له: ما أَنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أَنا ومعاوية في: {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ} فقال معاوية: نزلت في أَهل، الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إِلى عثمان يشكونى، فكتب إِلىَّ عثمان أَن اقْدَمِ المدينة فقدمتُها, فأكثر علىَّ الناس حتى كأَنهم لم يرونى قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إِن شئت تنحَّيت فكنتَ قريبا، فذاك الذي أَنزلنى هذا المنزل، ولو أَمَّروا علىَّ حبشيًّا لسمعتُ وأَطعتُ". وقد علمتَ ممَّا تقدم مذهبه الذي اختلف بموجبه مع معاوية وهو أن الكنز ما فضل عن الحاجة وأَن الآية في المسلمين وأَهل الكتاب، وتفسير الكنز بذلك انفرد به أَبو ذر، وهو من شدائده المنقولة عنه كما قال القرطبى، وقد عرفت آراءَ غيره في الآية قبل الحديث عن مذهبه. وقيل: الكنز مَا لَمْ تُؤَدَّ منه الحقوق العارضة، كفك الأَسير وإِطعام الجائع وغير ذلك من الحقوق، والله تعالى أَعلم. والمعنى: والذين يجمعون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله، وهو ما تشتد حاجة المسلمين إليه من زكاة وفك أَسير وإِطعام جائع وتفريج ضائقة، وغير ذلك من الحقوق التي أَوجبها الشرع في المال، فأَنذرهم بعذاب أَليم، وهو ما بينه الله بقوله: 35 - {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ ... } الآية. أَي يعذب الكانزون يوم يوقد على أَموالهم من الذهب والفضة، في نار جهنم، فتكوى بها بعد إِحمائِها واتقادها جباههم التي يترفعون بها على الناس، وجنوبهم التي يعرضون بها عن الفقراء وظهورهم التي أَداروها لهم، ويقال لهم تأْنيبا وتوبيخا: {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ}: أَي هذا جزاءُ كنزكم المال لأَنفسكم، دون أَن تؤَدوا حق الله فيه. {فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}: فذوقوا وبال كنزكم للمال وتأَلموا بعذاب حرمانكم للمستحقين فيه. ولما كان الكى في الوجوه أَشنع، وفي الجنوب والظهور أَوجع، خصت من بين سائر الأَعضاءِ، وقال بعض العلماءِ: إِنما خصت هذه الأَعضاءُ؛ لأَن الغنى إذا رأَى الفقير جمع ¬

_ (¬1) الربذة: موضع قريب من المدينة.

ما بين عينيه وقبض وجهه, وإِذا سأَله طوى كشحه - أَي جنبه - فأَعرض عنه, وإِذا زاده في السؤَال وأَكثر عليه ولاه ظهره, فرتب الله العقوبة على حسب حال المعصية, والله تعالى أَعلم. {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)}. المفردات: {عِدَّةَ الشُّهُورِ}: أَي عددها. {في كِتَابِ اللهِ}: المراد به, إِمَّا علمه تعالى, أَو اللوح المحفوظ, أَو ما كتبه وأَوجبه. {حُرُمٌ}: جمع حرام, والمراد من كون الشهر حراما أَن القتال محرم فيه. {الدِّينُ الْقَيِّمُ}: الدين المستقيم السليم من العوج {كَافَّةً}: جميعًا. التفسير 36 - {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .... } الآية. بعد أَن أَوجب الله تعالى قتال أَهل الكتاب حتى يعطوا الجزية, وبيَّن أَنهم يريدون أَن يطفئوا نور الله وهو الإِسلام, بدعايتهم المسمومة الخارجة من أَفواههم, وأَنهم مشركون باتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم أَربابا من دون الله, عقب ذلك بذكر آثام المشركين تمهيدا للأَمر بقتالهم. والمعنى: إِن عدد المشهور المعتبر عند الله تعالى اثنا عشر شهرا فيما كتبه الله وقدَّره يوم أَبدع السموات والأَرض, وأَوجد الليل والنهار, وأَضاءَ الليل بالقمر, ونوَّر النهار

بالشمس، فلا يصح أَن يزاد عليها كما كان يفعله المشركون, والمراد منها الشهور القمرية التي يعرفها العرب، وعليها يدور كثير من الأَحكام الشرعية. {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}: من هذه الشهور الإِثنى عشر، أَربعة حرم، حرم الله فيها القتال منذ شريعة إِبراهيم وإِسماعيل عليهما السَّلام، وهي ثلاثة متتالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد هو رجب الذي بين جمادى وشعبان، قال - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: "أَلا إِنَّ الزمانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوَم خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرضَ، السنة اثنا عشر شهرا، منها أَربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" إِلى آخر الحديث - وقد أَخرجته كتب الصحاح. ومعنى: استدارة الزمان كهيئته، رجوع الأَشهر إِلى ما كانت عليه من الحل والحرمة كل منها في موضعه من الزمان، وعاد الحج إِلى ذى الحجة في حجة الوداع سنة عشر وكانت حجة أَبي بكر في ذى القعدة سنة تسع قبل حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة. {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}: الإِشارة هنا راجعة إِلى تحريم الشهور الأَربعة المحرمة في مواضعها. والمعنى: ذلك التحريم لهذه الشهور في مواضعها التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الدين القويم الذي دان به إِبراهيم وإِسماعيل عليهما السلام وتوارثه العرب منهما. {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}: المراد من عدم ظلمهم أَنفسهم فيها: أَن لا يهتكوا حرمتها بارتكاب ما حرم فيها من القتال ومحرمات الإِحرام، ما لم يعتد العدو على بلادنا أَو يكون وشيك الاعتداءِ عليها فيحل قتاله. عن عطاءِ: أَنه لا يحل للناس أَن يغزوا في الحرم ولا في الأَشهر الحرم، إِلا أَن يُقاتَلوا، لقوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}، {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ

كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أَي وقاتلوا المشركين مجتمعين غير متفرقين, كما يقاتلونكم كذلك. ومن العلماءِ من قال: إِن الآية أَوجبت القتال على كل قادر, ثم نسخ ذلك فجعل فرض كفاية, وقد أَنكر ذلك ابن عطية قائلا: لم يعلم قط عن شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنه أَلزم الأُمة جميعًا النفر, وإِنما معنى هذه الآية الحض على قتال المشركين وجمع الكلمة. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}: هذه بشارة وضمان لنصر المؤمنين بسبب تقواهم, أَي واعلموا أَيها المؤمنون أَن الله تعالى مع أَهل التقوى بالنصر والمعونة على الأَعداءِ. {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)}. المفردات: {النَّسِيءُ}: تأْخير حرمة الشهر إِلى شهر آخر. {لِيُوَاطِئُوا}: ليوافقوا. {عِدَّةَ}: عدد. التفسير 37 - {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ... } الآية. كان العرب إِذا جاءَ شهر حرام وهم محاربون أَحلوه واستمروا في القتال, وحرموا شهرا آخر مكانه, حتى رفضوا خصوص الأَشهر الأَربعة, واعتبروا مجرد العدد, وربما

زادوا في عدد الشهور، بأَن يجعلوها ثلاثة عشر أَو أَربعة عشر، ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أَربعة أَشهر من السنة حرما كما يريدون، ولذلك نص على العدد المعين في كتاب الله حتى يتركوا ما هم عليه. والمعنى: إِنما تأْخير حرمة شهر إِلى شهر آخر زيادة في الكفر، لما فيه من تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أَحله الله، فهو كفر آخر مضموم إِلى كفرهم، يُضَلُّ به المرءوسون الذين كفروا من رؤسائهم, حيث يأْتمرون في التحريم والتحليل بأَمرهم. فيزدادون بذلك ضلالا فوق ضلالهم. {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ}: أَي: يحلون الشهر الحرام عاما ويجعلون مكانه في التحريم شهرا حلالًا، ويحافظون على حرمته كما كان في شرع إِبراهيم عاما آخر، إِذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم، يفعلون ذلك لكي يوافقوا عدد ما حرَّم الله كل من الأَشهر الحرم، وهو أَربعة أَشهر، فينتهى أَمرهم فيما فعلوا إِلى أَن يحلوا ما حرم الله، وهو تغيير حكم الشهور من حرمة إلى حل، ومن حل إِلى حرمة. {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}: أَي جُعِلت لهم أَعمالهُم السيئة حسنة، بأَن زينها لهم رؤساؤهم وشياطينهم، فعدوها حسنة مع أَنها قبيحة، لمخالفتها أَحكام الله تعالى والله لا يهدى القوم المصرين على كفرهم. قيل أَول من أَحدث النسىء جنادة بن عوف الكنانى، وكان مطاعا في الجاهلية كان يقوم على جبل في الموسم فينادى بأَعلى صوته: إِن آلهتكم قد أَحلت لكم المحرم فأَحلوه، ثم يقوم في العام القابل فيقول: إِن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، وقيل غير ذلك.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)}. المفردات: {انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ}: اخرجوا للجهاد في سبيله. {اثَّاقَلْتُمْ}: تباطأْتم. {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: المراد من متاعها التمتع بلذائذها. التفسير 38 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ..... } الآية. لما ندب الله المؤمنين قبل هذه الآية لقتال أَهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وقتال المشركين كافة، جاءَت هذه الآية وما بعدها لحث المؤمنين وتقوية عزائمهم على قتال هؤلاءِ وأُولئك. وسبب نزول هذه الآية وما بعدها: أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - استنفر أَصحابه ليخرجوا معه في غزوة تبوك، وكان الحر شديدا وبالناس عسر وقحط، وقد أَدركت ثمار المدينة وطلبت ظلالها، وكانت تبوك تبعد عن المدينة، والعدو قوى وكثير فشق عليهم ذلك وتباطأُوا في الاستجابة.

ويروى أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج في غزوة غزاها إِلا ورَّى بغيرها، ما عدا تبوك، فإِنه - صلى الله عليه وسلم - بين المقصود فيها؛ ليستعدوا لها، والخطاب لعموم المؤمنين، وإِن كان التثاقل في طائفة منهم ليشعر من تثاقل منهم بالتقصير، وليزداد حرص من نفروا للقتال على دوام الاستجابة للجهاد مهما كانت الأَحوال، حتى لا يقعوا تحت طائلة اللوم والتوبيخ كهؤلاءِ المقصرين، وليجتهدوا في أَن لا يكون بينهم من يتكاسَل في تلبية نداءِ الجهاد في سبيل الله. والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا، أَي شيء حصل لكم فثبطكم عن النهوض للجهاد، حين قال لكم النبي - صلى الله عليه وسلم - انفروا واخرجوا للقتال في سبيل الله في غزوة تبوك، تثاقلتم وتباطأْتم وحرصتم على البقاءِ في الأَرض التي أَنتم بها، مائلين إِلى لذائذ الدنيا وشهواتها السريعة الفناءِ، وكرهتم مشاق الغزو ومتاعبه، وتعللتم للتخلف بِأَعذار ليس من شأْنها أَن تمنعكم من شرف الجهاد. {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}: أَرضيتم بمتاع الحياة الدنيا ولذائذها الزائلة، بدلا من متاع الآخرة ونعيمها الدائم، إِن ذلك فساد في الرأْى والاختيار، فما متاع الحياة الدنيا في جنب متاع الآخرةِ إِلا قليل لا ينبغي أَن يحرص عليه. 39 - {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ... } الآية. أَي إِلا تخرجوا للقتال في سبيل الله حين يطلب منكم الخروج إِليه، يعذبكم الله عذابًا شديدا بما يصيبكم به في الدنيا من البلايا والمحن، ويأْت بقوم آخرين بدلا منكم، يسارعون إِلى نصرة الحق وتأْييد رسوله ويؤثرون الآخرة على الدنيا. {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: أَي ولاَ تضروا الله شيئًا بتخلفكم وتثاقلكم، فهو الغنى عنكم وعن جهادكم والله على كل شيء قدير، فلا يصعب عليه أَن يؤيد دينه بغيركم، كما لا يشق عليه أَي شيء يريده في ملكه.

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)}. المفردات: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}: أَي أَحد اثنين، هما الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وأَبو بكر - رضي الله عنه -. {الْغَارِ}: هو في اللغة فجوة في الجبل تشبه البيت، كالمغارة والكهف، والمراد به هنا غار جبل ثور الواقع على بعد ساعة سيرا من مكة، وقد مكثا فيه ثلاثة أَيام. {سَكِينَتَهُ}: طمأْنينته التي تسكن عندها القلوب. التفسير 40 - {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ... } الآية. أَي إِلا تنصروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين يطلب منكم الجهاد معه فسينصره الله بغيركم، فقد نصره في وقت أَشد وأَقسى مما هو فيه، وذلك حين أَخرجه الذين كفروا من مشركى مكة، حيث حملوه بمؤامرتهم وتوالى إِيذائهم له على الهجرة، وهو واحد من اثنين فحسب, إِذ كان معه أَبو بكر - رضي الله عنه - فقد حماهما الله تعالى وهما يسيران وحدهما نحو الغار للاختفاءِ فيه حتى ينقطع الطلب عنهما، ثم حماهما وحرسهما بينما كانا في الغار ثلاث ليال، حين كان يقول الرسول لصاحبه أَبي بكر الصديق وهو مشفق عليه من أَن يصل إِليه المشركون: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} بالعون والحماية من المكاره، فلن تصل إِلينا أَيديهم بسوءٍ.

روى أَن المشركين طلعوا فوق الغار, فأَشفق أَبو بكر - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" فأَعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. وفي ذلك أَخرج البخاري ومسلم عن أَنس أَن أَبا بكر حدثه قال: "قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الغار - لو أَن أَحدهم نظر إِلى قدميه لأَبصرنا تحت قدميه, قال: فقال: "يا أَبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما". {فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا}: أَي فأَنزل الله طمأْنينته على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال لصاحبه ما قال, وأَيده بجنود خفية لم تقع عليها أَبصاركم, فلم يستطع أَعداؤه بسبب هذه الحراسة الربانية, أَن يصلوا إِلى مأْربهم فيه, وإِن وصلوا إِلى الغار الذي يؤْويه وعادوا خائبين. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أَي وكان من تمام نصره لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أَنه تعالى جعل كلمة الشرك التي يتمسك بها المشركون ويحرصون عليها, جعلها هي السفلى, حيث غلبت على أَمرها, وكلمة الله التي يفادى بها الإِسلام هي العليا, التي تغلب ولا تُغلب. وذلك بتمكينه من الهجرة إِلى المدينة ونصره على أَهل الشرك, في المعارك التي حدثت بينه وبينهم قبل غزوة تبوك, والله عزيز يقهر كل جبار عنيد, حكيم في أَمره وتدبيره, فلا تخالفوا أَمره وأَمر رسوله.

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)}. المفردات: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}: أَي اخرجوا للجهاد على أَي حال، سواءٌ سهل على نفوسكم فخفت ونشطت، أَو شق عليها فثقلت. {عَرَضًا قَرِيبًا}: نفعًا سهل المأْخذ. {سَفَرًا قَاصِدًا}: سفرًا قريبًا سهلًا. {الشُّقَّةُ}: المسافة التي تقطع بمشقه. التفسير 41 - {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ ... } الآية. قيل: المراد من الخفاف والثقال الشباب والشيوخ، روى ابن عباس عن أَبي طلحة في قوله تعالى: {خِفَافًا وَثِقَالًا} قال: شبانًا وكهولا، ما سمع الله عذر أَحد (¬1)، فخرج إِلى الشام فجاهد حتى مات. ويروى بعض المفسرين أَن ذلك إِنما يجب إِذا غلب العدو على بلد من بلاد الإِسلام أَو كاد، فيتعين الجهاد على الشباب والشيوخ من أَهله جميعًا كل على حسب طاقته، كما يتعين مثل ذلك على من قارب هذا البلد، إِذا عجز أَهله عن دفعه. أَما في غير هذه الحالة، فالجهاد قد يكون فرض كفاية، وقد يكون سنة، وتفصيل ذلك في الموسوعات. ¬

_ (¬1) أَي ما قبل الله عذر أحد في التخلف عن القتال.

وفسر بعض العلماءِ الخفة بالغنى والثقل بالفقر وقيل: إِن الخفاف هم الذين يسبقون إِلى الحرب كالطليعة وهم مقدمة الجيش, والثقال الجيش بأَسره. والمعنى: اخرجوا للجهاد في سبيل الله على أَي حال كنتم شبانًا أَو شيوخًا، أَغنياءً أَو فقراءَ، نفوسكم خالية مما يشغلها، أَو لديها من الشواغل ما يثقلها، وارضوا بمواقعكم في الجيش كيف كانت، وجاهدوا في سبيل الله بأَموالكم وأَنفسكم، ولا تدخروا وسعًا في تجريد نياتكم لله والحصول على النصر، ذلكم الذي أَمرناكم به خير لكم وأَنفع من تركه، إِن كنتم تعلمون مصلحتكم فاعملوا به ونفذوه، ففيه عز الإِسلام ومجد المسلمين. 42 - {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ... } الآية. أَي لو كان ما دعوا إِليه نفعًا دنيويًا قريب المنال سهل المأْخذ، وسفرًا متوسطًا لا مشقة فيه، لاتَّبعوك طمعًا في الحصول على المغانم السهلة القريبة، ولكن بعدت عليهم المسافة الشاقة من المدينة إِلى تبوك، فلهذا تخلفوا عن اتباعك، وآثروا الراحة والدعة. {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}: وسيحلف بالله أُولئك المتخلفون عن تبوك، بعد رجوعك منها، قائلين على سبيل الاعتذار عن تخلفهم: لو كنا نستطيع الخروج معك إِلى تبوك لخرجنا إِليها، يريدون بذلك أَنهم لم تكن لهم قدرة على الجهاد لضعف الصحة، أَو عدم وجود المال أَو الراحلة, أَو غير ذلك من الأَعذار، يهلكون أَنفسهم بهذه اليمين الفاجرة يقسمون بها على الادعاءِ الكاذب، والله يعلم إِنهم لكاذبون في أَيمانهم واعتذارهم، فقد كانوا يستطيعون الخروج ولم يكن لهم عذر في التخلف، فكيف يجرءُون على الكذب على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

قال - صلى الله عليه وسلم -: "اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع" (¬1). {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)}. المفردات: {عَفَا اللهُ عَنْكَ}: لم يؤاخذك بالإِذن لهم في التخلف. {ارْتَابَتْ}: وقعت في الريب وهو الشك. {يَتَرَدَّدُونَ}: يتحيرون. التفسير 43 - {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}: قال مجاهد أُنزلت هذه الآية في أُناس قالوا: استأْذنوا رسول الله فإِن أَذن لكم فاقعدوا وإِن لم يأْذن لكم فاقعدوا. وهؤلاءِ المعتذرون كانوا منافقين ولذا قال الله في شأْنهم: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... } الآية. وسيأْتى الحديث عنها. ¬

_ (¬1) وفي مجمع الزوائد للهيثمى حديث طويل عن أبي هريرة جاء في آخره "اليمين الغموس تذهب المال وتثقل في الرحم وتذر الديار بلاقع"، وفي المتفق والمفترق للخطيب عن علي - رضي الله عنه - إياكم واليمين الفاجرة فإنها تدع الديار بلاقع والكذب كله إثم.

وتصدير الآية بقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ} قَبْل عتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإِذن لهم بالتخلف، من باب التلطف في العتاب، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أَذن لهؤلاءِ المنافقين بالتخلف من غير وحى نزل فيه، قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر بهما، إِذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه، ولم يكن له أَن يمضي شيئًا إلا بوحى، وأَخذة من أَسارى بدر الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون. قال المحققون: وهذا ترك للأَولى، وليس من باب ارتكاب المحرم؛ لأَنه لم يكن هناك أَمر خالفه الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى: عفا الله عنك أَيها النبي فلم يؤاخذك في الإِذن لبعض المنافقين في التخلف عن الغزو، لماذا أَذنت لهم بذلك بعد اعتذارهم، ولم تنتظر حتى يظهر لك الصادقون فيما أَبدوه من المعاذير، وتعلم الكاذبين فيها منهم، ثم شاءَ الله تعالى أَن يفضحهم بعد أَن تستروا بمعاذيرهم الكاذبة فقال سبحانه: 44 - {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ .. }: أَي ليس من عادة المؤمنين الصادقين أَن يستَأْذنوك في الجهاد بأَموالهم وأَنفسهم في سبيل الله، بل يبادروا إِليه من غير إِذن، إِذا سمعوا النداءَ العام إِلى الجهاد، فضلا عن أَنهم لا يستأْذنونك في التخلف، وحيث استأْذنك هؤلاءِ في التخلف كان ذلك دليلًا على نفاقهم، فكان الأَولى أَن لا تأْذن لهم فيه حتى يتخلفوا دون إِذن فينكشف حالهم لك وللمؤمنين، ويتجلى للجميع أَنهم غير صادقين في إِيمانهم لتخلفهم عن الجهاد بدون عذر. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}: أَي أَنه تعالى محيط علمه بالمتقين وما اشتملت عليه قلوبهم من الإِخلاص في سبيل الله والاستجابة لداعى الجهاد بنشاط وهمة، فيجزيهم على ذلك الجزاءَ الأَوفى. 45 - {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}:

أَي إِنما يطلب منك الإِذن بالتخلف عن الجهاد، الذين لا يصدقون في قرارة نفوسهم بالله ولا باليوم الآخر، وارتابت قلوبهم فيما جاءَ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم في شكهم يترددون بين الإِقدام على الجهاد والإِحجام عنه، ويتحيرون في قبول الحق الذي جاءَ به القرآن أَو رَدِّه، ولهذا تخلصوا من حيرتهم بطلب الإِذن بالتخلف عن الجهاد، محافظة منهم على الشكل الظاهرى وقلوبهم لا تستقر على حال. {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)}. المفردات: {انْبِعَاثَهُمْ}: نهوضهم للخروج. {فَثَبَّطَهُمْ}: فحبسهم وعوَّقهم. {خَبَالًا}: فسادًا وشرًّا. {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ}: ولسعوا فيما بينكم بالنميمة والوشاية، وهومأْخوذ من أَوضعتُ البعير أَي حملته على السرعة، يقال: وضع البعير أَي أَسرع، وأَوضعته أَنا، أَي جعلته يسرع. {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}: يطلبون لكم الفتنة والشر بإِيقاع الخلاف بينكم. التفسير 46 - {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ... } الآية. لا يزال الكلام متصلًا بشأْن المنافقين الذين اعتذروا عن الخروج، في غزوة تبوك، زاعمين أَنهم كانوا يريدون الخروج ولكن منعهم أَن أَسبابه لم تتيسر لهم. والمعنى: ولو أَراد هؤلاءِ المعتذرون أَن يخرجوا معكم في غزوة تبوك لأَعدوا له مبكرين ما ينبغي من الزاد والراحلة والسلاح، وغير ذلك مما لا بد منه للسفر، وهو مقدور لهم،

ولكنهم لم يريدوه لأَن الله - تعالى - كره انبعاثهم ونهوضهم للخروج معكم، لما فيه من المفاسد التي سيأْتى بيانها، فلذلك ثبطهم وحبسهم عن الخروج، بما استقر في نفوسهم من الجبن والكسل وكراهة الغزو في سبيل الله. {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}: يحتمل أَن يكون هذا القول من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله لهم للإِذن بالتخلف بعد اعتذارهم، وهو يحمل في طيات عبارته اللوم والذم، وكأَنه يقول لهم: اقعدوا مع القاعدين بعذر أَو بغير عذر، فأَنتم لا تستحقون شرف الجهاد في سبيل الله والثواب المترتب عليه. ويحتمل أَن تكون العبارة من قول بعضهم لبعض متأَثرين بجبنهم الكامن في نفوسهم، وكراهيتهم للدفاع عن الإِسلام قالوها تنفيذًا لتثبيط الله لهم. والمعنى على هذا: وقال بعضهم لبعض: اقعدوا عن الخروج في هذه الغزوة مع القاعدين، فلا مصلحة لنا فيها, ولا يهمنا الغرض الذي خرج الغزاة من أَجله، وقيل: غير ذلك وحسب القارىءُ ما تقدم. 47 - {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا}: أَي لو خرج هؤُلاءِ المنافقون فيكم وأَنتم ذاهبون إِلى تبوك، ما زادوكم بخروجهم إِلا شرًّا وفسادًا, ولم يزيدوكم قوة وتأْييدًا، فهم دعاة فتنة وليسوا أَسباب قوة. {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}: هذا تصوير للخبال والفساد الذي كان ينتظر من المنافقين لو خرجوا في غزوة تبوك. بجعلهم كالذين يسرعون بركائبهم خلالهم، مبالغة في إِسراعهم بالنميمة والوشاية بينهم. والمعنى: لو خرجوا فيكم لأَسرعوا بركائبهم بينكم، يسعون بالنمائم والوشايات وإِفساد الصلات، رغبة في توهين عزائمكم، وصرفكم عن الجهاد أَو هزيمتكم، وفيكم ضعاف خفاف يتأَثرون ويهتمون بسماعهم ونقل نمائمهم, والله عليم بهؤلاءِ الظالمين فهو محيط - بضمائرهم وظواهرهم، وما فعلوه فيما مضى وما سيفعلونه فيما سيأْتى.

وقد تضمنت هذه الآية أمرين: (أَحدهما) أن من أَذن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم الخروج من المنافقين كانوا دعاة فتنة، وأَنهم لو خرجوا فيهم زادوهم خبالا، وإِذا كان أَمرهم كذلك فلماذا عاتب الله رسوله على الإِذن لهم بالتخلف مع أَن تخلفهم فيه مصلحة للجيش، والجواب: أَنهم كانوا سيتخلفون عن الغزوة قطعًا, وقد تآمروا على ذلك، إِذ قال بعضهم لبعض: {اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} وكان الأَولى أَن لا يأْذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم ليكون قعودهم بغير إِذن، حتى يظهر نفاقهم بين المسلمين من أَول الأَمر، فلا يقدروا على مخالطتهم والسعى فيما بينهم بالأَراجيف, ولا يتسنى لهم التمتع بالعيش إِلى أَن يظهر حالهم بنزول الآيات التي كشفتهم. (والأَمر الثاني) الذي تضمنته الآية: أَن الجيش الذي سافر لغزوة تبوك كان فيه بعض ضعاف الإِيمان بدليل وصفهم بقوله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} فلماذا أَخذهم النبي - صلى الله عليه وسلم - معه مع خطورتهم على الجنود. والجواب: أَنهم لم يكونوا في كيفية الفساد وكمية العدد بحيث يخل مكانهم بين المؤْمنين بأَمر الجهاد، وكأَن وجودهم فيه منفعة تكثير سواد المسلمين، على أَن الرسول - صلى الله عليه وسلم - معذور في استصحابهم فإِنه لم يكن يعلم بحالهم قبل أَن يكشفهم الله تعالى له فهو الذي يعلم أَسرار القلوب. {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)}. المفردات: {ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ}: طلبوا تفريق المسلمين. {وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ}: اجتهدوا في استعراضها لتدبير المكايد من أَجلك. {وَلَا تَفْتِنِّي}: ولا توقعنى في المعصية بتخلُّفِى من غير إِذن.

التفسير 48 - {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ}: أي لقد رغبوا في فتنة المسلمين من قبل هذه الغزوة، فقد أَرادوا تشتيت أَصحابك أَيها الرسول وتفريقهم من حولك، وكان ذلك يوم أُحد حين انصرف رأْس المنافقين عبد الله بن أُبى بن سلول من الطريق، بعد أَن خرج مع الجيش للمشاركة في غزوة أُحد يريد بذلك أَن تضعف قلوب المجاهدين، وتتحلل عزائهم برجوعه ومن تبعه من المنافقين، وقد كرروا هذه المأْساة في غزوة تبوك، فقد تخلف ابن سلول بمن معه بعد خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إِليها مع أَصحابه، ووصولهم إِلى ذى جُدَّةٍ أسفل من ثنية الوداع، وقد كانت لهم في الفتنة صفحات سوداءُ يطول الحديث عنها، وحسبنا ما ذكرنا. {وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}: أَي: وقلبوا من أَجلك الأُمور ورددوها, ليدبروا لك الحيل والمكايد، وعرضوا الآراءَ المختلفة لإِبطال أَمرك، حتى ظهر الحق على الباطل وانتصر عليه، على الرغم منهم وهم لذلك كارهون. وهذه الآية والتي قبلها لتسلية الرسول والمؤْمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله لأَجله، وهتك أَستارهم وإِزاحة أَعذارهم. 49 - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا}: أَي ومن هؤلاءِ المنافقين من يقول لك أَيها الرسول: ائذن لي في التخلف عن الغزوة ولا توقعنى في الفتنة - أَي المعصية - إِذا تخلفتُ بدون إِذنك (¬1)، متظاهرًا بالحرص على رضاه، وهو خبيث النية سىءُ الطوية - أَلا فليعلم هو وأَمثاله أَنهم في الفتنة الكاملة المهلكة سقطوا، وذلك بعقدهم العزيمة على التخلف بلا عذر، والجراءَة على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعة والتماسهم الأَعذار الكاذبة, ونفاقهم وعدم إِخلاصهم. ¬

_ (¬1) ومن العلماء من فسر "ولا تفتنى" بمعنى ولا تلقنى في الهلكة فإنى إن خرجت هلك مالى وعيالى لعدم من يقوم بمصالحهم. وقيل: أن الجد بن قيس قال للرسول: قد علمت الأنصار أنى مشتهر بالنساء فلا تفتنى ببنات الأصفر - يعني الروم - ولكن أعينك بمالى فاتركنى: فنزلت الآية.

{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}: هذا وعيد لهم على ما فعلوا، أَي: وإِن جهنم لجامعة لهؤُلاءِ المنافقين يوم القيامة محيطة بهم من كل جانب لكفرهم، ويجوز أَن يكون المعنى: وإِن جهنم لمحيطة بهم الآن، تنزيلا للعذاب المحقق وقوعه مستقبلا منزلة الواقع، أَو وضعًا لأَسباب التعذيب بجهنم موضع جهنم، فإِن مبادىءَ إِحاطة النار بهم من الكفر والمعاصي محيطة بهم من كل جانب وقت نزول الآية - وقيل غير ذلك. {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)}. المفردات: {حَسَنَةٌ}: نعمة، والمراد بها هنا: النصر والغنيمة. {مُصِيبَةٌ}: شدة، كهزيمة أُحد. {كَتَبَ اللهُ}: أثبت في علمه أَو في اللوح المحفوظ. {مَوْلَانَا}: متولى أُمورنا. {تَرَبَّصُونَ}: أَصله تتربصون فخفف بحذف إِحدى التاءَين، ومعناه تنتظرون. {الْحُسْنَيَيْنِ}: الغايتين المستحسنتين النصر والشهادة في سبيل الله. التفسير 50 - {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ ... }:

هؤُلاءِ المنافقون الذين استأْذنوك في التخلف عن الجهاد ليس عندهم شىءٌ من الميل نحوك، ولا الرغبة في مرضاتك كما يزعمون، ذلك أَنه إِن تصبك نعمة من الله بنصر وغنيمة تسؤْهم وتحزنهم، لفرط حسدهم وكراهتهم لك، وإِن تُصِبْكَ مصيبة تؤْلمك كالذى أَصابك يوم أُحد من الجراح والهزيمة، يقولوا مغتبطين لتخلفهم، حامدين لرأْيهم وسياستهم، قد احتطنا وأَخذنا أَمرنا من قبل المصيبة بتلافى ما يهمنا، حيث اعتزلنا المقاتلين، وقعدنا عن الحرب، ودارينا الكفرة بذلك، حيث اعتزلنا المسلمين وهم في قوتهم قبل أَن يهزموا، وسلمنا مما أَصاب المقاتلين من قتل وجرح. {وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ}: أَي وينصرفوا عن المجلس الذي كانوا يتحدثون فيه حديثهم هذا، وهم كثيرو الفرح بهزيمة المسلمين، ونجاة أَنفسهم بأَخذهم حذرهم واحتياطهم بالتخلف عنهم، ...... وقيل: المراد بتوليهم إِعراضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهزيمة. 51 - {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: قل أَيها الرسول لهؤُلاءِ المنافقين الشامتين ردًّا على شماتتهم: لن يحدث لنا إِلا ما قدره الله علينا، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم، فإِن نصرنا فلا أَثر لكم في النصر إِن وجدتم معنا، وإِن هزمنا فلا أَثر لكم في الهزيمة إِن تخلفتم عنا، والله وحده هو ناصرنا، وعليه لا على غيره فليعتمد المؤْمنون. 52 - {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} قل أَيها الرسول لهؤُلاءِ المنافقين الشامتين إِمعانًا في الرد عليهم، وبيانًا لحسن عاقبة المؤْمنين المجاهدين: ما تنتظرون بنا إِلا إِحدى العاقبتين الحسنيين - وهما النصر والشهادة - وما تتمنونه لنا وتفرحون به من القتل لتتخلصوا منا، هو أَنفع لنا من النصر والغنيمة اللذين تعدونهما منفعة لنا، وتتأَلمون من حصول المجاهدين عليهما. {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ}:

ونحن ننتظر بكم أَن يصيبكم الله بعذاب من عنده، كما أَصاب من قبلكم من الأُمم المهلكة كعاد وثمود، أَو بعذاب بأَيدينا هو القتل، وهذا أَو ذاك بسبب كفركم الذي انطوت عليه قلوبكم، وتربصكم بنا الموت والهزيمة، وكراهتكم للإِسلام والمسلمين، وإِذا كان أَمرنا وأَمركم ما تقدم فانتظروا بنا ما ترونه شرًّا ونراه خيرًا - وهو الشهادة في سبيل الله -، إِنا معكم منتظرون ما تستحقونه من عذاب الله أَو العذاب بأَيدينا. {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)}. المفردات: {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا}: أَي طائعين أَو كارهين. {فَاسِقِينَ}: متمردين خارجين على حدود الله بإِبطان الكفر مع إِظهار الإِيمان وبغير ذلك من المعاصي. {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ}: وتخرج بصعوبة، والزهوق الخروج بمشقة. التفسير 53 - {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ}: لا يزال الكلام متصلًا بشأْن المنافقين.

والمعنى: قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وعرضوا المساهمة في تفقاتها بأَموالهم: أَنفِقوا أَموالكم في سبيل الله طائعين راضين، أَو متورطين كارهين، فلن يتقبل الله منكم ما تنفقون، ولن يثيبكم عليه، ولن يشفع لكم في تخلفكم عن تبوك لأَغراض خبيثة في نفوسكم، إِنكم كنتم وما زلتم قومًا عتاة متمردين، فقد أَبطنتم الكفر ونافقتم الإِسلام، فكيف يتقبل الله من الكافرين المرائين، وقد بين الله فسقهم الذي كان سببًا في عدم قبول إِنفاقهم بقوله: 54 - {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ}. الآية. أَي: وما منعهم شىءٌ من قَبُول نفقاتهم إِلا كفرهم القلبى باللهِ وبرسوله، وأَنهم لا يؤدون الصلاة في نشاط وإِقبال بل يؤدونها وهم كسالى متثاقلون، ولا ينفقون من أَموالهم في سبيل الله عن رضا وراحة نفس، بل يفعلون ذلك وهم كارهون، لأَنهم لا يرجون بها ثوابا, ولا يخافون على تركها عقابا. 55 - {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}: فلا تستحسن أَموالهم ولا أَولادهم يأَيها المتأَمل ولا تكن مغتبطا مسرورا بحالهم، فكل ذلك وبال عليهم واستدراج لهم، فما يريد الله بتلك النعم إِلا تعذيبهم بها في الحياة الدنيا، بما يكابدون من المشقة في تحصيل الأَموال وحفظها، ومن المتاعب في تربية الأَولاد، وما يريد لله بها أَيضا إِلا أَن تخرج أَنفسهم وأَرواحهم من أَجسادهم بعد ذلك بمشقة شديدة، وهم كافرون باللهِ ورسوله، حيث شغلتهم دنياهم عن أُخراهم، وغفلوا عما أُعد لهم فيها من عذاب مقيم.

{وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)}. المفردات: {يَفْرَقُونَ}: يخافون. {مَلْجَأ}: مكانا حصينًا يلجأُون إِليه. {مَغَارَاتٍ}: كهوفًا في الجبال. {مُدَّخَلًا}: (¬1) نفقا في الأَرض. {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ}: لانصرفوا نحوه. {وَهُمْ يَجْمَحُونَ}: وهم يسرعون أَشد الإِسراع. التفسير 56 - {وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}: ويحلف هؤلاءِ المنافقون بالله تعالى إِنهم من جملتكم في الدين والعمل، يريدون بذلك أَن يدلسوا على المؤْمنين بعد افتضاح أَمرهم، والحقيقة أَنهم ليسوا منكم أَيها المؤْمنون، فقلوبهم خالية من الإِيمان الذي امتلأَت به قلوبكم، ولكنهم قوم يخافون خوفا شديدا من أَن يفعل بهم ما يفعل بالمشركين، فلهذا يظهرون الإِسلام ويشاركونكم في شعائره ويؤَيدون ذلك بالأَيمان الفاجرة، ولو استطاعوا لهربوا منكم وفي ذلك يقول الله تعالى: 57 - {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}: هذه الآية مقررة لما جاءَ في الآية التي قبلها من أَن المنافقين ليسوا من المؤمنين، وأَن نسبتهم أَنفسهم إِلى المسلمين أَرادوا بها أَن يحموا أَنفسهم من القتل. والمعنى: لو يجد أُولئك المنافقون مكانا حصينا في جبل أَو قلعة أَو نحوهما يلجأُون إِليه، أَو كهوفا خفية يخفون فيها أَنفسهم، أَو نفقا في الأَرض يدخلون فيه ويندسون، ¬

_ (¬1) على وزن مفتعل من الدخول.

لانصرفوا إِليه عنكم، وهم يسرعون إِسراع الفرس الجموح الذي لا يثنيه اللجام، إِيثارا للإِقامة في هذه الأَماكن على الإِقامة مع المؤمنين، حتى يكونوا فيها على سجيتهم من الكفر، ولا يخشون من المؤمنين انتقاما. {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ (59)}. المفردات: {يَلْمِزُكَ}: يعيبك سرا. {في الصَّدَقَاتِ}: في شأْن قسمة أَموال الزكاة. {يَسْخَطُونَ}: يغضبون. {حَسْبُنَا اللهُ}: أَي كافينا. التفسير 58 - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا ... } الآية. نزلت هذه الآية في أَبي الجواظ المنافق قال: أَلا ترون إِلى صاحبكم إِنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أَنه يعدل. وقال أَبو سعيد الخدرى: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم مالًا إِذ جاءَه حُرْقُوص بن زهير - أَصل الخوارج - ويقال له: ذُو الخُوَيْصِرة التميمى، فقال: أَعدل يا رسول الله، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ويلك ومن يعدل إِذا لم أَعدل"؟ فنزلت الآية - حديث صحيح أَخرجه مسلم بمعناه - وعندها قال عمر - رضي الله عنه -: دعنى يا رسول الله فأَقتلَ هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أَن يتحدث الناس أَنى

أَقتل أَصحابى، إِن هذا وأَصحابة يقرأُون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمِيَّةِ". المعنى: ومن هؤلاءِ المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات زاعمين أَنك تركت بعض من يستحقون وأَنهم منهم، وأَعطيت بعض من لا يستحقون، وهذا زور وبهتان، فإِن هؤلاءِ الكاذبين لو أُعطوا منها كما يشتهون رضوا ولم يلمزوا ولم يعترضوا، وإِن لم يعطوا منها كما يحبون يفاجئون الناس بالسخط والغضب، ويعيبون على النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقسيمها، فرضاهم وسخطهم ليسا لوجه الحق والدين، بل لحظوظ أَنفسهم، وإِيثارهم لها على أَهل الاستحقاق. 59 - {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ}: ولو أَن هؤلاءِ اللامزين المعترضين أَخذوا ما أَعطاهم الله ورسوله من الصدقات ونفوسُهم راضية بما أَخذوه وإِن قل، وقالوا: كافينا فضل الله وما قسمه لنا في هذه المرة، سيعطينا الله من فضله ورسوله بعدها من صدقات أَو مغانم أُخرى حسبما نرجو ونأْمل، إِنا إِلى الله راغبون في زيادة الخير والفضل، لو أَن ذلك كله حدث منهم، لكان خيرا لهم وأَزكى مما قالوه، واستحقوا غضب الله من أَجله. {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}. المفردات: {لِلْفُقَرَاءِ}: جمع فقير وهو من لا مال له، أَو له مال لا يقع موقعا من كفايته. {وَالْمَسَاكِينِ}: جمع مسكين، وهو من لا مال له، أو له مال يقع موقعًا من كفايته، فالفقير أَسوأُ حالًا من المسكين وقيل بالعكس.

التفسير لما عاب المنافقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قسم الصدقات بقولهم: أَترون إِلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أَنه يعدل، جاءَ القرآن الكريم يقرر صواب طريقته وأَنه أَعطاها لمن يستحقونها, ولم يأْخذ لنفسه شيئًا منها فقال تعالى: 60 - {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية. أَي إِنما تصرف الصدقات للفقراءِ والمساكين، والمراد بالصدقات ما يشمل أَنواع البر المختلفة من زكاة مفروضة، أَو صدقة متطوع بها، والفقير والمسكين كلاهما لا يجد ما يكفيه، وهل الفقير أَسوأُ حالا من المسكين أَو العكس خلاف بين الفقهاءِ. {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}: أَي وتصرف الصدقات أَيضا للذين يعملون في جمعها وتحصيلها، ويقومون بكتابة ما أَعطاه أَرباب الأَموال، وجمع المستحقين لها وتوزيعها عليهم. {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}: وهم أَصناف، فمنهم قوم أَسلموا ولم يستقر الإِسلام بعد في قلوبهم، فكان رسول - صلى الله عليه وسلم - يؤلف قلوبهم بإِجزال العطاءِ لهم، ومنهم أَشراف من العرب كان الرسول يتأَلفهم ليسلموا، ومنهم آخرون أَقوياءُ الإِيمان كانوا يُعطون أَملا في إِسلام نظرائهم، فينتصر، بهم الإِسلام. {وَفِي الرِّقَابِ}: أَي ويصرف منها في فك الرقاب وذلك بإِعانة المكاتبين بشىء منها على أداء مال الكتابة وتخليص الأَسارى من أَيدى الكفار، وشراءِ الأَرقاءِ وعتقهم، لتحرير رقاب الجميع من ربقة الرق والعبودية. {وَالْغَارِمِينَ}: وهم الذين استدانوا في غير معصية، فيعطون منها ليتمكنوا من أَداءِ ديونهم إِذا لم يكن لهم مال يفى بديونهم، أَو هم الذين غرموا في سبيل الإِصلاح بين الناس وإِن كانوا أَغنياء. {وَفِي سَبِيلِ اللهِ}: أَي ويصرف منها للغزاة القائمين بالجهاد، ليستعينوا بها على القتال في سبيل نصرة الدين. {وَابْنِ السَّبِيلِ}: وهو المسافر الذي قطعه السفر عن أَهله وماله، فيأْخذ منها ما يستعين به على الوصول إِلى غرضه. هؤلاءِ الثمانية تصرف لهم الصدقات وتختص بهم وحدهم، لا يعطى منها أَحد سواهم، وإِذا كانت الصدقات لا تعطى لغيرهم، فما لهؤلاءِ الذين لا يستحقون شيئًا منها يعيبون قاسمها ويتكلمون في شأْنه وشأْنها بما لا يليق.

{فَرِيضَةً مِنَ اللهِ}: أَي فرض الله لهؤلاءِ المذكورين الصدقات فريضة محكمة ثابتة لإِصلاح شئونهم، فلا يعطى منها غيرهم ولا يمنع منها من وجد منهم. {وَاللهُ عَلِيمٌ}: أَي والله محيط علمه بكل شيء فيعلم أَحوال الناس وما يصلح شئونهم. {حَكِيمٌ}: يفعل كل شيء بحكمة بالغة ومنها وضع الصدقات في مواضعها النافعة. {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)}. المفردات: {أُذُنُ}: يسمع كل ما يقال ويصدقه، كأَنه من فرط استماعه صار آله للسماع. {يُحَادِدِ}: يجانب ويخالف ويعادى. {الْخِزْيُ}: الذل والهوان. التفسير كان جماعة من المنافقين يعيبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتكلمون في شأْنه بما لا ينبغي، فقال بعضهم لا تفعلوه خشية أَن يبلغه ذلك فيعاقبنا، وقال بعضهم: قولوا ما شئتم ثم إِذا بلغه ذلك ذهبنا إِليه وأَنكرناه وحلفنا فيصدقنا، فإِنه أُذن يسمع كل ما يقال له فيصدقه، فأَنزل الله قوله تعالى: 61 - {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ... } الآية.

أَي ومن المنافقين جماعة يؤْذون النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعييبه والطعن في رسالته فيما بينهم, ويزيدون في تعييبه وتنقيصه أَن يسموه فيما بينهم أُذنًا، يريدون بذلك أَنه يسمع كل كلام يلقى إِليه ويقتنع به ويصدقه. فأَمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أَن يقول لهم: {هُوَ أُذُنٌ} كما تقولون ولكن لا من الجهة التي تذمونه بها وهي سماعه كل ما يقال، بل من حيث إِنه كثير الاستماع إِلى الخير والحق يقبله ويعمل به. ثم بين القرآن الكريم كونه أَذن خير بقوله: {يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}: أَي يصدق باللهِ الذي لا يشك فيه عاقل، ويصدق المؤْمنين ويُسَلِّمُ لَهُمْ، لظهور إِخلاص نياتهم واطمئنان قلوبهم. وكان إِيمانه - صلى الله عليه وسلم - باللهِ واطمئنانه إِلى المؤمنين خيرًا للمخاطبين ولسائر العالمين, لأَنه الإِمام الداعى إِلى التوحيد وإِلى كل خير. {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ}: أَي وهو - صلى الله عليه وسلم - رحمة للذين أَظهروا الإِيمان منكم، إِذ قبله لا تصديقًا لهم، بل رفقا بهم، فلم يهتك لهم سترا, ولم يكشف لهم سرًّا، بل أَحسن إِليهم وتجاوز عن سيئاتهم، رجاءَ أَن يتوبوا من نفاقهم، ويخلصوا الإِيمان لربهم. {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ} - صلى الله عليه وسلم - بتهوين شأْنه والانتقاص من قدره بما قالوا. {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: شديد الإِيلام بسبب إِيذائه. والإِخبار في نهاية الآية عن شدة عذاب الذين يؤْذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للتهديد والوعيد على إِيذائه، وفي ذكره - صلى الله عليه وسلم - بوصف كونه رسول الله تعالى إِعظام لشأْنه وإِجلال لقدره، وتنبيه على أَن إِيذاءَه موجب لسخط الله تعالى. وكان المنافقون يتحدثون بما يؤْذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعيبه وينتقص من قدره، ثم يجيئون إِلى المؤمنين وينكرون ذلك ويؤكدون إِنكارهم بالإِيمان ليرضوا عنهم، فبين القرآن الكريم أَنهم كاذبون في إِنكارهم بقوله تعالى:

62 - {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}: أَي يقسم هؤُلاءِ المنافقون باللهِ لكم أَيها المؤْمنون، أَنهم ما أَساءُوا إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بكلام يعيبه وينتقص من قدره، يريدون بذلك أَن ترضوا عنهم، بتصديقهم في نفى ما نقل عنهم من قالة السوءِ في حقه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يعنيهم إِرضاءُ الله ورسوله باتباع سبيل المؤْمنين، مع أَنه هو الواجب كما قال الله تعالى: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}: أَي والله أَحق أَن يرضوه بإِرضاءِ رسوله إِن كانوا صادقين في إِيمانهم، وذلك باتباعه فيما جاءَ به عن ربه، والقيام بما يجب له من الإِجلال والإِكبار حاضرا وغائبًا، فطاعته طاعة لله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}. 63 - {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}: أَي أَغاب عن هؤُلاء المنافقين ولم يصل إِلى علمهم، أَنه من يعادى الله ورسوله فإِن له نار جهنم، يعذبه الله بها ماكثًا فيها لا يخرج منها، ذلك العذابُ الدائمُ الذي بلغ الغاية في الهول والشدة، هو العار الفاضح والذل الدائم، والهوان الشديد، حين يفتضح أَمرهم وينكشف حالهم يوم القيامة على رءُوس الأَشهاد. {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)}.

المفردات: {يَحْذَرُ}: يخاف. {اسْتَهْزِئُوا}: استخفوا واسخروا. {مُخْرِجٌ}: مظهر. {نَخُوضُ}: ندخل ونمضى في الكلام نشغل به أَنفسنا. {وَنَلْعَبُ}: ونعبث. {لَا تَعْتَذِرُوا}: لا تطلبوا قبول المعذرة والحجة التي تبرئون بها أَنفسكم. {مُجْرِمِينَ}: مرتكبين للجرم وهو الذنب العظيم. التفسير 64 - {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهِمْ ... } الآية. أَي: يخشى المنافقون ويفزعون أَن ينزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - في شأْنهم سورة تتلى عليهم وتخبرهم بما أَخفوه في قلوبهم، وبما كانوا يتحدثون به فيما بينهم، من سخرية واستهزاءٍ بالرسول، وبما أَنزل الله عليه من كتاب، واستخفاف بالمؤْمنين، وفي إِنزالها على الرسول وتلاوتها عليهم، إِعلام للناس تنكشف به أَستارهم، وتفتضح به أَحوالهم، فهم لذلك يخافون نزولها ولا ينفعهم حذرهم هذا بشىءٍ. {قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ}: أَي قل لهم أَيها الرسول: استهزئوا واسخروا من النبي والمؤْمنين ما شئتم، وبالغوا في حذركم وتخفيكم ما أَردتم إِن الله معلن ومظهر ما تخافون إِظهاره، وتخشون انكشافه, من مخازيكم التي تضمرونها في قلوبكم وتخفونها في صدوركم. أَخرج ابن المنذر وابن أَبي حاتم عن قتادة قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوته إِلى تبوك، إِذ نظر إِلى أُناس بين يديه من المنافقين يقولون: أَيرجو هذا الرجل أَن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأَطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك، فقال: احبسوا علىَّ الركبَ، فأَتاهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: قلتم كذا وكذا, قالوا يا نبى الله: إِنما كنا نخوض ونلعب فنزلت. وفي رواية: قالوا: يا نبى الله - لا - والله ما كنا في شيءٍ من أَمرك ولا من أَمر أَصحابك، ولكن كنا في شيءٍ مما يخوض فيه الركب ليُقَصِّر بعضنا على بعض السفر فكشف الله أَحوالهم في قوله تعالى: 65 - {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ... } الآية.

أَي: والله لَئِن سألتهم يا محمَّد عما كانوا يتحدثون به استهزاء وهم سائرون معك إِلى تبوك، بعد أَن فضح الله أَمرهم بما أَوحاه الله إِليك. {لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}: أَي ليقولن معتذرين كذبًا، إِنما كنا ندخل ونمضى في أَحاديث مختلفة للتسلية وتقصير السفر، ولم نكن جادين فيما تحدثنا به، بل كنا لاهين ولاعبين، لا نقصد بذلك سخرية ولا استهزاء، فلما قالوا ذلك أَمر الله تعالى، رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أَن يقول لهم ردًّا لاعتذارهم: {أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}: أَي قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنافقين، غير ملتفت إِلى اعتذارهم فليسوا فيه بصادقين، - قل لهم - تقريعا: أَبالله القادر على كشف أَسراركم، وآياته المجيدة ورسوله الصادق، كنتم تلهون وتعبثون وتسخرون، إِنّ هذا منكم لمنكر وعجيب لا يصدر إِلا عن كفر عميق وعقل مريض. 66 - {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... } الآية. أَي: لا تشغلوا أَنفسكم بتلمس المعاذير وانتحالها، رغبة في دفع اللوم والعتاب عنكم، لتحقق كذبها وظهور بطلانها، فإِنكم قد كفرتم بالاجتراءِ على الله والاستهزءِ به وبآياته وبرسوله، بعد أَن أَعلنتم الإِيمان وأَظهرتم الإِسلام. {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ}: أَي إِن نتجاوز عن ذنوب جماعة منكم - فلا نعاقبهم بها - لصدق توبتهم وإِخلاص إِيمانهم، وابتعادهم عن الإِيذاءِ والاستهزاءِ، بعد أَن خاضوا في ذلك مع الخائضين. {نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}: أَي نعاقب جماعة أُخرى بالعذاب الشديد لإِصرارهم على الكفر والنفاق ومضيهم في السخرية والاستهزاءِ.

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)}. المفردات: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ}: هم الذين يظهرون غير ما يضمرون. {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ}: أَي متشابهون في النفاق والبعد عن الإِيمان. {يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} كناية عن شدة بخلهم. {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ}: أَي تركوا حق الله عليهم فحرمهم فضله. {الْفَاسِقُونَ}: الخارجون عن دين الله. التفسير 67 - {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .. } الآية. بعد أَن بينت الآية السابقة عدم قبول أَعذار المنافقين لبطلانها وكذبها واجترائهم على الله واستهزائهم بآياته ورسوله، بيَّن سبحانه هنا صفات المنافقين وشرح طريقتهم وأَخلاقهم مع الله ورسوله كاشفًا سبب عقابهم فقال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ}: أَي متشابهون في أَخلاقهم وسلوكهم، وشرح تشابههم في ذلك بقوله سبحانه: {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}: أَي يأْمرون بالمعاصى وكل ما هو قبيح في الشرع والطبع السليم وينهون عما عرف حسنه من الإِيمان والطاعة. {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}: على المال ضنا به وحرصًا عليه وشُحًّا به، فقبض اليد كناية عن شدة بخلهم بالإِنفاق في أَي وجه من وجوه البر والخير والطاعات، وأَنهم لا يخرجون من أَموالهم واجبًا ولا مندوبًا {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ}: أَي تركوا حق الله عليهم وأَغفلوا أَمره حتى لم يعد يخطر لهم على بال فتركهم الله تعالى ولم يُقم لهم وزنًا، فهم بمعزل عن فضله ورحمته. {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: أَي إِن المنافقين الذين تقدم شرح حالهم، هم الذين بلغوا الغاية في الخروج عن دين الله وطاعته والتمرد عليه.

{وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)}. المفردات: {حَسْبُهُمْ}: كافيهم. {وَلَعَنَهُمُ}: وطردهم من رحمته. {مُقِيمٌ}: دائم لا يزول ولا يتحول. {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ}: فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من الملاذ والشهوات. {وَخُضْتُمْ}: ومضيتم في أَحاديث الاستهزاءِ والسخرية. {حَبِطَتْ}: بطلت وضاع ثوابها. التفسير 68 - {وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ ... } الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم طائفة من جرائم المنافقين والمنافقات جاءَت هذه الآية ببيان جزائهم وعقابهم في الآخرة وكذلك عقاب الكفار الصرحاء في الكفر فقال تعالى: {وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ ... }: والمعنى: وعد الله المرائين بالإِيمان والمبطنين للكفر، من الرجال والنساء، كما وعد الكفار الصرحاء {نَارَ جَهَنَّمَ} يصلون سعيرها، {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يبرحونها, ولا ينقطع عنهم عذابها {هِيَ حَسْبُهُمْ} أَي جهنم وحدها تكفيهم عقابًا وعذابًا على نفاقهم وكفرهم، {وَلَعَنَهُمُ اللهُ} أَي وأَبعدهم عن رحمته وطردهم منها {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} أَي ولهؤلاءِ نوع شديد من العذاب في النار دائم لا يفارقهم, جزاءَ ما اقترفوا من جرائم وآثام.

69 - {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا ... } الآية. أَي: أَنتم أَيها المنافقون وكفار مكة حالكم مثل حال الذين مضوا من المنافقين والكفار من الأُمم المهلكة قبلكم, في الاستمتاع بالحياة الدنيا والغفلة عن الآخرة, والجرأَة على الحق, واستحقاق العقاب, وذلك أَنهم كانوا أَعظم منكم قوة أَيها المخاطبون, وأَكثر أَموالًا وأَولادًا, فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من حظوظ الدنيا وطيباتها, وأَفرغوا كل جهد لهم في التمتع بالملذات والشهوات, ونسوا حق الله عليهم ولم يلتزموا بطاعته, واستخفوا بأَنبيائهم وسخروا منهم, فكذلك كنتم بعدهم مثلهم انتفعتم بنصيبكم الذي قدر لكم من متاع الدنيا وزينتها, وحرصتم عليه وجعلتم الاشتغال به غاية الغايات, كما تمتع الذين من قبلكم. {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا}: أَي ودخلتم أَيها المنافقون والكافرون في الباطل وانغمستم فيه كانغماس الذين مضوا قبلكم من الأُمم. {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}: أَي أُولئك الذين انغمسوا في الباطل إِلى الأَذقان من الفريقين، وجعلوا كل همهم التمتع بالشهوات - أُولئك المذكورون - بطلت أَعمالهم المشتملة على الخير، فلم تنفعهم في الدنيا والآخرة, إِذ لا اعتبار للعمل الطيب بغير إِيمان وتصديق. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}: أَي وأُولئك هم الذين خسروا خسرانًا مبينا لا خسران بعده، إِذ قضوا حياتهم فيما يضرهم ولا ينفعهم. {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)}. المفردات: {نَبَأُ}: خبر له شأْن. {الْمُؤْتَفِكَاتِ}: المنقلبات وهي قرى قوم لوط. {بِالْبَيِّنَاتِ}: بالحجج الواضحات.

التفسير 70 - {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ ... } الآية. بعد أَن حكى القرآن الكريم طائفة من جرائم المنافقين ووعيد الله لهم بالعذاب بالنار وحكى مشابهتهم لمن قبلهم في النفاق وتوعدهم بالعقاب انتقل في هذه الآية إِلى توبيخهم على عدم اعتبارهم بإِهلاك من قبلهم حين كذبوا برسلهم فقال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ}: والمعنى: أَلم يصل إِلى علم هؤُلاءِ المنافقين والكافرين خبر الذين كفروا من قبلهم, الجدير بأَن يكون عبرة لهم ولغيرهم كما يتضح مما يأْتى: وهؤُلاءِ هم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إِبراهيم وأَصحاب مدين والمؤْتفكات. {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}: أَي جاءَ كل رسول قومه بالآيات الظاهرة والحجج الواضحة، الدالة على وحدانية الله، الشاهدة بصدق رسالته، فلم يؤْمنوا، وكذبت كل أُمة برسولها، وآذته، فأَهلكهم الله بذنوبهم، وما كان الله ليعذب أَحدًا بغير ذنب. {فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: أَي فما صَحَّ وما استقام في سنة الله في خلقه أَن يعاقبهم بغير ذنب فيظلمهم بذلك، ولكن هؤُلاءِ الطغاة ظلموا أَنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان، حيث عرضوها بذلك لأَشد العقاب، وظلم النفس أَشدُّ أَنواعِ الحمق والقبح. وقد أَهلك الله قوم نوح بالطوفان، وعاد - وهم قوم هود - بالريح العقيم، وثمود - وهم قوم صالح - بالرجفة، وعاقب قوم إِبراهيم بنصره عليهم والانتقام منهم، وأَصحاب مدين - وهم قوم شعيب - بالنار يوم الظلمة. (والمؤْتفكات): أَي المنقلبات هي قرى قوم لوط التي قلبها الله عليهم، فجعل الله عاليها سافلها، وأَمطر عليهم حجارة من سجيل؛ والأُمم المعاقبة أَكثر من هذه الست، ولكنه تعالى اقتصر عليها لأَن آثارهم وبلادهم بالشام والعراق واليمن وهي قريبة من أَرض العرب فكانوا يقرون عليها ويعرفون أَهلها.

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)}. المفردات: {أَوْلِيَاءُ}: جمع ولى وهو المحب. {خَالِدِينَ فِيهَا}: ماكثين فيها مكثًا دائمًا. {جَنَّاتِ عَدْنٍ}: أَي جنات إِقامة وخلود، يقال عدن بالمكان عدنا وعدونا أَقام به. التفسير بعد أَن بين القرآن الكريم سوءَ حال المنافقين والكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بيان حسن حال المؤْمنين في الدارين تنفيرًا من اتباع أُولئك وترغيبًا في التأَسى بهَؤُلاءِ، فقال - تعالى: 71 - {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .. } الآية. أَي: والمؤْمنون والمؤْمنات بعضهم محب لبعض، يجمعهم الإِيمان وحسن الصحبة والتناصر، ويتولى بعضهم بعضًا بما يعود عليه بصلاح الحال في الدنيا والآخرة، ومن مظاهر ولاية بعضهم لبعض أَنهم يأْمرون بما عرف من الشرع والطبع السليم أَنه حَسَنٌ مباح، وينهون عما عرف من الشرع والطبع السليم أَنه مُنْكَر وقبيح، ويؤَدون الصلاة قويمة

سليمة مستوفية الشروط والأَركان، ويعطون الزكاة لمستحقيها، ويطيعون الله ورسوله بامتثال أَوامره واجتناب نواهيه. {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ}: أَي أُولئك الموصوفون بتلك الفضائل العظيمة سيفيض الله عليهم من آثار رحمته ما به ينصرهم على أَعدائهم، ويؤيدهم في كفاحهم وجميع أَحوالهم، ويسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. أَي إِنَّ الله غالب قوى لا يمتنع عليه شيء، فهو قادر على إِعزاز أَوليائه وقهر أَعدائه. {حَكِيمٌ}: يضع كل شيء في موضعه بحكمة بالغة، فينعم على المؤْمنين بسعادة الأُولى والآخرة ويعاقب الكافرين والمنافقين بخسران الدارين. 72 - {وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الآية: أَي: وعد الله المصدقين والمصدقات باللهِ ورسوله وبما أَنزله من شرع وأحكام، أَن يجزيهم على إِيمانهم الصادق وعملهم الصالح جنات تجرى من تحت قصورها وأَشجارها الأَنهار، إِتماما لنعيمها وتكريما لأَصحابها، وقدر لهم الخلود فيها ووعدهم - سبحانه - مساكن طيبة في جنات خلود وإِقامة، يسرون بجمالها وسعتها وما فيها من نعيم مقيم. وأَعظم من ذلك كله رضوان الله تعالى عنهم، فإِن الشعور بلذة رضوان الله أَكبر من الشعور بلذة نعيم الجنة. {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: أَي ذلك الذي وعدهم الله إِياه من النعيم المقيم في دار الخلود الدائم، وما تفضل به عليهم من رضاه هو الفوز الذي بلغ الغاية في العظم فينبغى الحرص عليه والعمل له والتنافس فيه.

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)}. المفردات: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}: واشدد عليهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ورحمة. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}: أَي ومكانهم ومقرهم الذي يأْوون إِليه وينزلون فيه جهنم. {الْمَصِيرُ}: المآل والمرجع. {قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ}: أَي نطقوا بما يدل عليه من الأَلفاظ. {وَهَمُّوا}: المراد من الهم هنا العزم - أَي عزموا. {بِمَا لَمْ يَنَالُوا}: بما لم يستطيعوا الوصول إِليه. {نَقَمُوا}: كرهوا وأنكروا. {وَلِيٍّ}: صديق ينفعهم، أَو سيد متولى أَمرهم. التفسير 73 - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ... } الآية. يا أَيها النبي جاهد الكفار الصرحاءَ الذين يجهرون بالكفر، وجاهد المنافقين الذين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر, أُولئك الكفار بالسيف والسلاح، وهؤلاءِ المنافقين بالحجة والبرهان وإِقامة الحدود {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}: أَي وكن أَيها النبي شديدًا عليهم في جهادك فلا تلاينهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ولا رحمة، هذا جزاؤهم في الدنيا. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: ومقرهم الذي يأْوون إِليه في الآخرة جهنم يعذبون فيها بالنار, وبئس المرجع الذي سيصيرون إِليه والنهاية التي سينتهون إِليها - نار جهنم.

ثم انتقل القرآن الكريم يحكى ما ارتكبوه من جرائم استوجبوا بها ما مر، من الأَمر بجهادهم والغلظة عليهم فيه, ودخول جهنم في الآخرة فقال تعالى: 74 - {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا ... } الآية. روى أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَقَام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه، فقال الجلاس بن سويد لئن كان ما يقول محمَّد حقا لإِخواننا الذين خلَّفْناهم - وهم ساداتنا وأشرافنا - لنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحضره فحلف بالله ما قاله, فنزلت الآية فتاب الجلاس وحسنت توبته. والمعنى: يقسم هؤلاءِ المنافقون بالله أنه ما صدر عنهم ما نسب إِليهم من القول السَّيَّىِء والنطق بكلمة الكفر، وهُمْ كاذبون في دعواهم حانثون في يمينهم، ولهذا كذبهم الله قائلا: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ}: أَي: ولقد صرحوا بكلمة تدل على كفرهم الذي كتموه وتفضح نفاقهم، إِذ قالوا لو كان ما يقوله محمَّد في حق إِخواننا حقا لنحن شر من الحمير، وأعلنوا ما خبأُوه في قلوبهم من الكفر بعد أَن قالوا كلمة الإِسلام بأَفواههم. {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}: أَي وهموا بفعل ما لم يصلوا إِليه ولم يقدروا عليه من قَتْل النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أَن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادى إِذا تَسنَّم العَقبَة بالليل، فأَخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة يسوقها فبينما هما كذلك إِذ سمع حذيفة بوقع أَخفاف الإِبل وقعقعة السلاح، فقال: إِليكم يا أَعداءَ الله, فهربوا. وقيل هموا بإِخراج الرسول والمؤمنين من المدينة، أَو بأَن يُتَوِّجوا عبد الله ابن أُبَىٍّ ملكا عليها فأَحبط الله مُؤَامرتهم. {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}: أَي وما حَمَل هؤلاءِ المنافقين والكفار على بغض الرسول والذين آمنوا معه وكراهتهم لهم - ما حملهم على ذلك - شيء يستوجب البغض والكفر، بل المحبة والإِيمان, فقد كانوا قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إِلى المدينة في غاية من ضنك العيش وشدة الحياة

فأَغناهم الله تعالى من خيره الوفير بمقدم نبى الرحمة، ووسع عليهم أَرزاقهم من الغنائم وغيرها، وقتل للجلاس مولى، فأَمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بديته اثنى عشر ألف درهم فاستغنى، وعرفهم بآياته على لسان رسوله فأَسلموا فحملهم لؤم الطبع وظلام القلب على البغض والحقد والكراهية، بدل أن يشكروا هذا الإِنعام بطاعة الرسول والدخول في دين الإِسلام. {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ}: أَي ومع ذلك فإن يرجع هؤُلاءِ الكفار عما هم عليه من الكفر إِلى الإِيمان ويتوبوا إلى الله من جرائمهم يقبل توبتهم ويكن ذلك خيرا لهم في الدنيا والآخرة. {وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}: أَي وإِن يعرض هؤُلاءِ عن الإِيمان والتوبة، ويستمروا على ما هم عليه من الكفر والنفاق، يعذبهم الله عذابا شديد الإِيلام في الدنيا بالقتل والأَسر والإِذلال، وفي الآخرة بأَشد العذاب في النار. {وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}: أَي وليس لهم في الأَرض على سعتها وكثرة أَهلها صديق ولا ناصر يدفع عنهم عذاب الله. {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)}. المفردات: {مِنْ فَضْلِهِ}: زيادة خيره وإِنعامه. {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا}: أَي جعل الله عاقبة بخلهم نفاقا، أَو أورثهم البخل نفاقا. {أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ}: جعلوا وعدهم لله بالتَّصدُّق خلفهم,

والمراد أَنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من الصدق والصلاح. {سِرَّهُمْ}: أَي ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق. {نَجْوَاهُمْ}: أَي ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين. التفسير بعد أَن بين القرآن الكريم فيما سبق طائفة من جرائم جماعات من المنافقين جاءَت هذه الآيات تحكى قبائح خاصة بفريق منهم. روى أَن ثعلبة بن حاطب أَتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ادع الله أَن يرزقنى مالا، فقال عليه الصلاة والسلام: "يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تؤَدِّى حَقَّهُ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ" فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقنى الله مالًا لأُعطين كل ذى حق حقة، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتخذ غنما فنمت وكثرت حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأَل عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل،: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال: يا ويح ثعلبة، ثم بعث اثنين ممن يعملون في جمع الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسأَلاه الصدقة وأَقرآه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي فيه الفرائض فقال: ما هذه إِلا جزية ما هذه إِلا أُخت الجزية، فارجعا حتى أَرى رأْيى، فنزلت فيه وفي أَمثاله من المنافقين تلك الآيات. 75 - {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ... } الآية. أَي ومن المنافقين من أقسم وأعطى العهد لله قائلا: والله لئِن أعطانا الله من واسع رزقه ومزيد خيره، لنتصدقن على الفقراءِ وعلى من يستحقون الصدقة، ولنكونن في عداد الصالحين الذين يقيمون حدود الله، فنعمل في أَموالنا ما يعمله أَهل الصلاح في أموالهم من الإِنفاق في سبيل الله وسائر وجوه البر والخير وصلة الأَرحام. 76 - {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}: أَي فلما حقق الله لهم ما سأَلوه وأَعطاهم من واسع فضله ما كثرت به أَرزاقهم ضنوا بما أَنعم الله بهِ عليهم، ومنعوا حق الله فيه فلم يعطوا منه لأَهل الاستحقاق شيئا.

{وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}: أَي وأعرض هؤُلاءِ مدبرين عن طاعة الله، وشأْنهم دائما التولى والإِعراض عما يجب الاتجاه إِليه من مقاصد الخير، والإِقبال على صنائع المعروف. 77 - {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}: أَي فجعل الله عقب بخلهم بما رزقهم الله إِياه من واسع فضله, نفاقا متمكنا فِي قلوبهم كالداءِ العضال, يظل فيها إِلى يوم يموتون ويلقون الله وهذا النفاق المتمكن: {بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ}: أَي بسبب أنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من التصدق على المستحقين حتى كأَنهم جعلوه خلف ظهورهم. {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}: وكذلك بسبب استمرارهم على الكذب في جميع أَقوالهم، ومنها كذبهم فيما عاهدوا الله عليه. 78 - {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}: أَى أَغاب عن علم هؤُلاءِ المنافقين الذين حنثوا في أيمانهم، ونقضوا ما عاهدوا الله عليه، أن الله يعلم ما يخفونه في صدورهم من النفاق، وما يجهر به بعضهم لبعض بعيدا عن المسلمين من الطعن فيما شرعه الله للناس، ومن ذلك طعنهم في الزكاة والصدقات بتسميتها جزية أَو أُختها. {وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}: أَي وهل غاب عنهم أيضًا أن الله محيط علمه بكل ما يغيب عنهم وعن غيرهم فلا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماءِ، فكيف يتوهمون أنه تعالى يغيب عنه نفاقهم وسرهم ونجواهم.

{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)}. المفردات: {يَلْمِزُونَ}: يعيبون بالكلام الواضح أَو بالإِشارة بالعين أَو الرأْس، مع كلام خفى. {سَبْعِينَ مَرَّةً}: المراد به المبالغة في العدد {الْمُطَّوِّعِينَ}: المتصدقين تطوعا. التفسير 79 - {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .. } الآية. روى أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَثَّ الناس على الصدقة ودعاهم إِلى إِخراجها فجاءَ عبد الرحمن بن عوف بأَربعة آلاف درهم وقال: كان لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أَربعة، وأَمسكت لعيالي أَربعة، فقال - صلى الله عليه وسلم - بارك الله لك فيما أَعطيت وفيما أَمسكت, فبارك له حتى صولحت تماضر رابعة نسائه عن رُبْع الثُّمُن على ثمانين أَلفا، وتصدق عاصم بن عدى بمائة وسق من تمر، وجاءَ أَبو عقيل الأَنصارى بصاع تمر فقال: بِتُّ ليلتى أَجُرُّ بالجَرير (¬1) على صاعين، فتركت صاعا لعيالى وجئت بصاع، فأَمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن ينثره على الصدقات، فلمزهم المنافقون، أَي عابوهم, وقالوا: ما أَعطى عبد الرحمن وعاصم إِلا رياء، وإِن الله ورسوله لغنيان عن صاع أَبي عقيل ولكنه أَحب أَن يُذكَر بنفسه ليعطى من الصدقات، فنزلت هذه الآية. ¬

_ (¬1) الجرير: حبل يحمل للبعير ليجر به, فهو كالزمام للدابة.

والمعنى: هؤلاءِ المنافقون البخلاءُ، الحانثون في أيمانهم، الناقضون لعهودهم مع الله بالتصدق والصلاح والاستقامة، هم الذين يعيبون المتبرعين الأَغنياءَ, فيتهمونهم بالرياءِ فيما بذلوه بسخاءٍ، ويعيبون الفقراءَ فيما تبرعوا به من طعام قليل حصلوا عليه بجهد ومشقة وعيالهم بحاجة إِليه، فيسخرون منهم ومن تبرعهم القليل، زاعمين أَنهم يذكرون بأَنفسهم ليعطوا من الصدقة. {سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ}: أَي جزاهم على سخريتهم بالإِذلال والإِهانة في الدنيا، ليكونوا موضع سخرية الناس واستهزائهم حزاءً لهم من جنس عملهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أَي ولهم يوم القيامة عذاب شديد الإِيلام. 80 - {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ}: روى أَن عبد الله بن عبد الله بن أَبىٍّ وكان من المخلصين الصادقين، سأَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يستغفر لأَبيه في مرض موته ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِكراما لهذا الصحابي الجليل، وذلك قبل النهي عن ذلك فنزلت الآية: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}: أَي سواءٌ طلبت المغفرة يا محمَّد لهؤلاءِ المنافقين أَو لم تطلبها لهم فإِن الله لا يغفر لهم، حتى إِن بالغت في الاستغفار لهم بأَكثر من هذا العدد. فلن يغفر الله لهم. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ}: أَي ذلك الوعيد بعدم المغفرة لهم، بسبب أَنهم كفروا بالله ورسوله، حين أَشركوا مع الله غيره وكذبوا رسوله ولم يؤمنوا بالدين الذي جاءَ به هدى للناس، وكان أَمرهم معه نفاقا في الظاهر وفسوقا وخروجا عليه في الباطن. {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}: والله لا يهدى القوم المتمردين الذين تجاوزوا الحدود، بل يتخلى عن معونتهم وتوفيقهم لإِصرارهم على الضلالة مع وضوح الحجة. والتعبير بسبعين مرة يراد به الكثرة لا خصوص العدد، فلو زاد على السبعين في الاستغفار فلن يغفر الله لهم، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.

{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)}. المفردات: {الْمُخَلَّفُونَ}: الذين تخلفوا عن الجهاد بأَعذار كاذبة. {بِمَقْعَدِهِمْ}: بقعودهم. {خِلَافَ رَسُولِ اللهِ}: أَي بعده أَو مخالفة له. التفسير 81 - {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ .. } الآية. أَي فرح المنافقون الذين حملهم الكسل والنفاق على الاعتذار الكاذب عن الخروج إِلى غزوة تبوك، فرح هؤلاءِ بقعودهم عن الغزو بعد خروجه - صلى الله عليه وسلم - وكرهوا أن يجاهدوا بأَموالهم وأَنفسهم في سبيل الله لا إيثارًا للراحة والسلامة فحسب، بل استجابة أَيضًا لما استقر في قلوبهم من النفاق الذي أَورثهم بغض الجهاد الذي تتحقق به أَشرف الغايات، ولم يكتفوا بتخلفهم عن الجهاد وفرحهم بهذا القبح، بل كانوا يثبطون غيرهم عن الخروج بقولهم لا تخرجوا في الحر وتتركوا بيوتكم، فإنكم لا تطيقون شدته، فأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أَن يرد على جهلهم بقوله تعالى: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا}: أَي قل لهم أيها النبي: نار جهنم التي سيدخلونها بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهاد هي أَشد حرا من الصيف الذي تخافونه وتحذَّرون الناس منه. {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}: أَي لو كان هؤلاءِ المنافقون يدركون أَن نار الآخرة أَشد حرا، لما فعلوا ما يستوجب العقاب بها، من تخلفهم عن الجهاد والاعتذار عنه بالأَباطيل، وحث غيرهم على عدم الجهاد في الحر.

82 - {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: أَي فليضحك هؤلاءِ المنافقون سرورا بقعودهم وتثبيطهم غيرهم وسخرية من المؤمنين فليضحكوا ضحكا قليلًا مهما طال وكثر، لقصر زمنه بفنائهم {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا}: أَي وليبك هؤلاء بعد انتهاء حياتهم بكاء كثيرًا في الآخرة، حينما ينزل بهم عذاب الله ويقاسون شدائده أَبدًا. {فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)}. المفردات: {رَجَعَكَ اللهُ}: ردك، والمراد هنا الرجوع من تبوك إِلى المدينة، حيث بقيت فيها جماعة من المتخلفين. {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ}: طلبوا منك أَن تأْذن لهم في الخروج إِلى غزوة أُخرى. {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}: فاقعدوا مع المتخلفين، لعدم لياقتهم للجهاد، كالنساءِ والأَطفال والعجزة. التفسير 83 - {فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ... } الآية. أَي فإِن ردك الله أَيها النبي إِلى المدينة، حيث تقيم جماعة من هؤلاءِ المتخلفين المنافقين، ثم أَردت الخروج إِلى غزوة أُخرى، فاستأَذنك الذين أقعدهم النفاق عن غزوة تبوك، لتسمح لهم بالخروج معك، فقل لهم أيها الرسول: لن تنالوا شرف الخروج معى أبدا, ولن تقاتلوا معى عدوا، فلستم أهلًا لنيل هذا الشرف، ولأَنكم رضيتم بالقعود عن الغزو وفرحتم بذلك في غزوة تبوك {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}: أَي فاقعدوا عقوبة لكم مع الذين لا يصلحون للقتال من الشيوخ العاجزين والنساءِ والأَطفال.

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوالطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)}. المفردات: {أُولُو الطَّوْلِ}: أصحاب الغنى والسعة. {ذَرْنَا}: اتركنا. {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}: أَي ختم عليها بطابع, والمقصود أَنها لما لم تقبل هدى الله. التفسير 84 - {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ... } الآية. روى أَنه لما مرض رأْس المنافقين عبد الله بن أُبَىِّ بن سلول, أَرسل إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأْتيه, فلما دخل عليه قال عليه الصلاة والسلام: "أَهلكت حب يهود" فقال يا رسول الله: أَرسلت إِليك لتستغفر لي لا لتُؤَنِّبَنى, وسأَله أَن يكفنه في شعاره الذي يلي جسده ويصلى عليه, فلما مات دعاه ابنه عبد الله - وكان مؤْمنا صالحا - فأَجابه عليه السلام تسلية له, ومراعاة لجانبه, وأَرسل إِليه قميصه فكفن فيه, فلما هم بالصلاة عليه نزلت الآية.

والمعنى: ولا تصل أَيها النبي أبدًا على من مات من المنافقين ولا تدع له في أَي وقت كان. {وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}: أَي ولا تقف عند قبره لدفنه، ولا تذهب لزيارته والدعاءِ له، لأَنهم جحدوا وحدانية الله تعالى وكذبوا رسوله، وأَنكروا شريعته وانتهت حياتهم بالموت، وهم خارجون عن الإِيمان وطاعة الرحمن. 85 - {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ... } الآية. أَي لا تنل إِعجابك وتقديرك أَيها العاقل أَموالُ المنافقين الكثيرة، ولا أَولادهم الذين يعتزون بهم، ولا تحسبن ذلكِ إِكراما لهم، فقد جعله الله استدراجا لهم ووبالا عليهم. {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الدُّنْيَا}: أَي إِنما قدر تعذيبهم بهذه الأَموال والأَولاد في الدنيا، بسبب ما يقاسونه في جمعها وحفظها من المتاعب، وفي رعاية الأَولاد من المشاق والصعاب. {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}: أَي وتخرج أَرواحهم من أَبدانهم عند انتهاءِ آجالهم بشدة وصعوبة، والحال أَنَّهم كارهون للموت، لتعلقهم بالدنيا وزينتها، والاشتغال بذلك عن الإِيمان بالله والعمل للدار الآخرة، فكان ذلك نقمة لا نعمة. وقدمت الأَموال على الأَولاد في هذه الآية وفي آيات أَخرى مع أَن الأَولاد أَعزّ لحاجة كل فرد إِلى المال في كل وقت وزمان، بخلاف الولد فلا يطلب إِلا بعد بلوغ مبلغ الأُبُوَّة. 86 - {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ ... } الآية. أَي وإِذا أنزل الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - سورة من القرآن، يأْمرهم فيها بالإِيمان بالله والتصديق بوحدانيته، ويدعوهم إِلى الجهاد مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - إِعزازا لدين الله وإِعلاءً لكلمته. {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}: أَي طلب منك أَيها النبي أَصحاب الغنى والسعة والقدرة على الجهاد بأَنفسهم وأموالهم، - طلب منك هؤُلاءِ - أَن تأْذن لهم في التخلف عنه وقالوا اتركنا يا محمَّد نقعد مع الذين قعدوا في المدينة، لأَعذار تخلفوا بسببها.

ثم بين القرآن الكريم سوءَ صنيعهم وعدم امتثالهم لما أُمروا به في قوله تعالى: 87 - {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ... } الآية. أَي اختار هؤُلاءِ المنافقون القادرون، وقبلوا أَن تنحط أَقدارهم، بقعودهم في المدينة مع العجزة والضعفاءِ من الرجال والنساءِ والأَطفال. {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}: أَي وختم الله على قلوبهم بخاتم أَغلقها دون الخير لسوءِ اختيارهم، فهم بسبب ذلك لا يدركون ما في الإِيمان بالله تعالى واتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خير وسعادة، وما في الجهاد من رفعة وشرف، وما في التخلف عنه من هوان وهلاك. {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)}. المفردات: {لَهُمُ الْخَيْرَاتُ}: لهم أنواع خيِّرة من نعم الدنيا وثواب الآخرة. {الْمُفْلِحُونَ}: الفائزون. التفسير 88 - {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ... } الآية. هذه الآية مرتبطة بما قبلها ارتباطا واضحًا لا يحتاج إِلى بيان. والمعنى: أَن ذاك الذي تقدم حديث عن الذين انحطت أَقدارهم ورضوا بالخسارة والدناءَة، لكن الرسول والذين آمنوا معه بالله وبما جاءَ به من شرائع وأَحكام كان لهم شأْن آخر يعلى أَقدارهم، ويعظم الخير لهم، إِذ جاهدوا ببذل أَموالهم وأنفسهم رخيصة في سبيل الله، فنالوا الشرف والرفعة، وأُولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة لهم الخيرات، من النصر والغنيمة وغير

ذلك في الدنيا، والتمتع في الآخرة بأَنواع من النعيم لا تحصى، وأُولئك هم الفائزون حقا بما يقصده ويطلبه أَصحاب الفطر السليمة، دون من رضوا بمتاع الدنيا غرضا ومقصدا. ويستفاد من الآية الكريمة أَنه وإِنْ تخلف هؤُلاءِ المنافقون عن الجهاد، فقد نهض به وأَخلص فيه مَنْ هم خير منهم وأَصدق نِيَّة، ومن كانوا فيه كأَعظم ما يكون المجاهدون، حين بذلوا أَموالهم وأَنفسهم، ثم خصَّ القرآن الكريم فوزهم وفلاحهم في الآخرة بالبيان في قوله تعالى: 89 - {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: هؤُلاءِ المؤمنون مع ما يفوزون به في الدنيا من النصر والغنيمة، هيأَ الله لهم في الآخرة جنات من نعيمها أَن الأنهار تجرى من تحت قصورها وأشجارها {خَالِدِينَ فِيهَا}: أَي ماكثين فيها أَبدا فلا ينقطع عنهم نعيمها بالموت أَو الخروج منها {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: أَي ذلك الجزاءُ المذكور من إِعزازهم في الدنيا وإِنعام الله عليهم في الآخرة، هو الفوز العظيم والذى أَعلى الله به قدرهم ورفع ذكرهم. {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)}. المفردات: {الْمُعَذِّرُونَ}: المقصرون المعتذرون بالباطل. {الْأَعْرَابِ}: سكان البوادى. التفسير بعد أَن بين القرآن الكريم أَحوال منافقى أَهل المدينة، جاءَ ببيان أَحوال منافقى الأَعراب في قوله تعالى: 90 - {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ... } الآية.

جاءَ فيما روى أن أَسدا وغطفان جاءوا إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستأْذنون في التخلف عن الخروج للجهاد معتذرين كذبا بالجهد وكثرة العيال, فأَذن لهم فنزلت الآية تكشف كذبهم. {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ}: أَي وجاءَ إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المقصرون من سكان البادية, الذين يظهرون أَن لهم عذرا ولا عذر لهم, جاءُوا يطلبون منه - صلى الله عليه وسلم - , أَن يأْذن لهم في التخلف عن الجهاد, ويعتذرون بكثرة عيالهم وما بهم من جهد ومشقة {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ}: أَي وقعد فريق آخر من منافقى الأَعراب حيث كانوا فلم يجيئوا ليعتذروا ويطلبوا الإِذن بالتخلف, وقد ظهر بذلك أَنهم كذبوا على الله ورسوله في ادعاءِ الإِيمان والطاعة. ثم بين سبحانه عقاب من كفروا منهم بقلوبهم بقوله: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أَي سيقع على الذين كفروا بالله وكذبوا برسوله من هؤُلاءِ الأَعراب عذاب مؤْلم شديد الإِيلام, في الدنيا بالقتل والأَسر والإِذلال, وفي الآخرة بعذاب السعير. {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)}. المفردات: {حَرَجٌ}: المراد به الإِثم والذنب, ومعناه في الأَصل: الضيق ويطلق على الذنب لأَنه

تضيق به صدور المؤمنين. {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}: أَي إذا قاموا بما استطاعوا من قول وفعل يعود بصلاح الحال على الإِسلام والمسلمين. {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}: أَي ما عليهم من طريق إِلى عقابهم أَو عتابهم {تَوَلَّوْا}: انصرفوا راجعين {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ}: أَي تسيل عيونهم دمعا غزيرا فياضا. التفسير بعد أَن بين القرآن الكريم أَحوال الذين اعتذروا كذبا والذين لم يعتذروا من منافقى الأَعراب جاءَت هاتان الآيتان لبيان حال الذين أَعفاهم الله من وجوب الجهاد لقيام أَعذارهم فقال تعالى: 91 - {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ... } الآية. أَي: ليس على الضعفاءِ - كالشيوخ والنساءِ والصبيان - ولا على الذين طرأَ عليهم المرض أَو بهم مرض ملازم - كالعمى والعرج - ولا على الذين لا يجدون ما ينفقونه في شراءِ أُهبة السفر وعدة الجهاد، ليس على هؤلاءِ جميعا إِثم ولا عتاب في التخلف. {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}. أَي إِذا أَخلصوا النصح لله ورسوله، بصدق الإِيمان واتباع شريعة الإِسلام، وقاموا بما يستطيعون من قول وفعل يعود بصلاح الحال على المجاهدين، وبهذا يكونون قد أَحسنوا في جميع أَعمالهم وأَقوالهم حسب طاقتهم، فليس عليهم سبيل إِلى عقاب أَو عتاب، لدخولهم في عداد المحسنين. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. أَي والله عظيم المغفرة واسع الرحمة يغفر للمسىءِ التائب وتسعه رحمته إِن شاءَ فكيف بالمحسنين؟ 92 - {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ... } الآية.

أَي: وكذلك لا حرج ولا إِثم في التخلف عن الجهاد على المؤْمنين الذين إذا ما جاءُوك يطلبون منك أَن تحملهم على ظهور الخيل والإِبل والدواب، أَو تعينهم بما يمكنهم من الغزو معك وليس عندك ما يحقق رغبتهم، فقلت لهم تطييبا لقلوبهم واعتذارا لهم: لا أَجد من الدواب ما أَحملكم عليه، وعندما قلت ذلك انصرفوا وأَعينهم تسيل دمعا غزيرا لحزنهم الشديد بسبب أنهم لا يجدون من المال ما ينفقونه في شراء سلاح الحرب وعدة القتال وأُهبة الجهاد ومراكبه. وهؤُلاءِ الذين جاءُوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ليحملهم، هم سبعة من الأَنصار، معقل بن يسار، وصخر بن خنساءِ، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن مغفل، وعُلْبَةُ بن زيد، أَتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا قد نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك، فقال عليه السلام: لا أَجد ما أَحملكم عليه، فتولوا وهم يبكون وكان يطلق عليهم (البكاءُون). طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية رئيس مجلس الإدارة محمَّد حمدى السعيد رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1979 الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 7441 - 1979 - 25004

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93)} المفردات: (السَّبيلُ): الطريق. (الْخَوَالِفِ): المتخلفين، ويطلق أيضًا على النساء والصبيان، وهو جمع خالفة. (وَطبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ): ختم عليها حتى غفلوا عن وخامة العاقبة. التفسير لما رفع الله تعالي الإثم والعقوبة في الآيتين السابقتين، عمن تخلفوا بأعذار ونصحوا لله ورسوله، بين - سبحانه - من يستحق المؤاخذة بقوله: 93 - {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ .... } الآية. أي إنما سبيل المحاسبة والمؤخذة على الذين يستأذنونك في التخلف عن الجهاد وهم واجدون القدرة على الجهاد بأَموالهم وأَنفسهم ولا عذر لهم في التخلف، ثم أنكر عليهم رضاهم بهذا التخلف بقوله: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ}: أي رضوا بالدناءَة والضعة حين رضوا الانتظام في جملة الخوالف من النساء والصبيان ومن لا يقوى على الجهاد إيثارًا للسلامة والرحاة والدعة. {وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: أَي وأَغلق الله قلوبهم عن الحق بسبب نفاقهم فهم لهذا لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدنيا والدين وما في التخلف عنه من وخامة العاقبة وسوء الحساب.

وقد عرفنا من الآية الكريمة، أَن الأَعمال تابعة لحالة القلوب ودرجات الإيمان، فإن كان الإيمان واهنا، والقلب مريضا، كانت الأَعمال منحرفة عن سواءِ السبيل، وإن كان الإيمان والقلب في عافية وسلامة، كانت الأَعمال في طريق الاستقامة، وكل إناءٍ ينضح بما فيه. {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)}. التفسير 94 - {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ .... } الآية. أَي يعتذر إليكم هؤلاء المنافقون المتخلفون عن الجهاد، بالأَعذار الباطلة إذا رجعتم إليهم من غزوة تبوك. {قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ}: قل لهم أيها الرسول: لا تعتذروا فليس لكم عذر صحيح حتى نستمع إليه ونتقبله منكم لن نصدِّق معاذيركم الكاذبة، لأَن الله قد أَعلمنا بالوحي بعض أخباركم المنافية للصدق مما باشرتموه من الشّرِّ والفساد، وأَضمرتموه في أَنفسكم من الأكاذيب، فلن نخدع بعد ذلك بأَعذاركم. {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}: هذه الجملة يحتمل أَن تكون حثا لهم على التوبة، والمعنى على هذا: وسيعلم الله ما سيقع منكم في المستقبل من توبة أَو إصرار، ويسجله لكم عند وقوعه ويجزيكم عليه، والمقصود أَن حالهم سينكشف في المستقبل، وسيعاملون بمقتضاه: إِن خيرًا فخيرٌ وإِن شرًا فشرٌّ.

ويحتمل أنهم وعدوا بأَن ينصروا المؤمنين في المستقبل، وأن الله ينذرهم بالعقوبة إنْ هُمْ نكثوا وعدهم، أَي وسيعلم الله ما يحدث منكم من الوفاءِ أَو الغدر، ويجازيكم بمقتضاه. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: أي ثم ترجعون إلى الله العالم بكل خفى وظاهر فيخبركم يوم القيامة بما كنتم تعملونه في الدنيا، ويجازيكم عليه. {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)} المفردات: (انْقَلَبْتُمْ): رجعتم. (لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ): لتصفحوا عنهم. (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ): فاتركوهم. (رِجْسٌ): أَي نجس وقذر، والرجس الخبيث من كل شيء. (وَمَأْوَاهُمْ): ومقرهم الذي يأْوون إِليه. (الْفَاسِقِينَ): الخارجين عن الطاعة. التفسير 95 - {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ}: أَي أَن هؤلاءِ المنافقين لا يكتفون بالاعتذار عن تخلفهم، بل يؤكدونه بالقسم تمويها عليكم، وتأكيدا لصدقهم المزعوم في اعتذارهم.

والمعنى: سيحلفون بالله لكم أَيها المؤمنون إذا رجعتم إِليهم من الغزو بأَنهم لم يتخلفوا عنكم إِلا لعذر، وغرضهم من ذلك أَن تعرضوا عنهم وتصفحوا عن تخلفهم. {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ .... } الآية. أَي فاتركوهم أَيها المؤمنون، واجتنبوا مجالستهم والاطمئنان إليهم، ودعوهم وما اختاروه لأَنفسهم من النفاق وعدم الإخلاص في الإِيمان، لأَنهم نجس وقدر، فبواطنهم خبيثة وأَعمالهم قبيحة، ومرجعهم ومقرهم جهنم جزاءً بما استمروا على اكتسابه من النفاق والعصيان. 96 - {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}: أفادت هذه الآية أنهم لا يقصدون بحلفهم الإِعراض عن لومهم والصفح عنهم فحسب بل يحلفون لكم لترضوا عنهم وتطمئنوا إليهم بعد الصفح عنهم، ولكن الله ينهاكم عن الرضا عنهم، فإن ترضوا عنهم فقد خالفتم ربكم لأن الله تعالى لا يرضى عن القوم الفاسقين فكيف ترضون عنهم. {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)} المفردات: (الْأَعْرَابُ): سكان البادية، والعرب: أَهل الحضر والبادية فهو أَعم. التفسير 97 - (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا): لما تحدثت الآيات السابقة عن المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد، عقبها الله سبحانه بهذه الآية وما تلاها، لتضمنها الحديث عن نفاق الأَعراب وكفرهم، وزيادته عما عليه المنافقون بالمدينة.

والمعنى: أَن أَهل البادية من الأَعراب، أَشد كفرًا ونفاقًا من كفار العرب ومنافقيهم المقيمين بالحواضر، لجفائهم وقسوة قلوبهم، وهذا هو الشأن الغالب فيهم، إِذ ليس كلهم بهذا الوصف؛ كما يتبين ذلك مما يأْتي: {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}: أي أَن هؤلاءِ الأَعراب هم أحق وأَولى بأن يجهلوا حدود ما أنزله الله على رسوله من الفرائض والأَحكام، لجفاءِ طباعهم وقسوة قلوبهم ونفرتهم من كل ما يخالف ما أَلفوه من عقائد وعادات. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: والله تعالى عظيم العلم والحكمة، فلا يخفى عليه منحرف عن طاعته، ولا يفلت من عقابه من يستهين بشريعته. {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)} المفردات: (يَتَّخِذُ): يعد ويعتبر. (مَغْرَمًا): غرما وخسارة. (وَيَتَرَبَّصُ): وينتظر.

(الدَّوَائِرَ): جمع دائرة والمراد بها هنا تقلب الزمان من حسن إلى سيىءٍ ومعناها في الأَصل ما يحيط بالشىءِ. (السَّوْءِ): ما يُسىءُ ويؤذي. (قُرُباتٍ): جمع قربة وهى ما يتقرب به العبد إلى ربه تعالى. (صَلَوَاتِ الرَّسُولِ): دعواته صلى الله عليه وسلَّم. التفسير 98 - {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ}: بعد أن بين الله سبحانه أن الأعراب في جملتهم أَشد كفرًا ونفاقًا ذكر في هاتين الآيتين أَنهما فريقان، فريق يُضْمِرُ الشر للمسلمين، وفريق آخر مخلص في إيمانه. والمعنى: وبعض الأعراب يعتقد أَن المال الذي ينفقه في سبيل الله غرم لا غنم، ولهذا لا ينفقه إِلا خوفًا من المسلمين أَو مُرَاءَاةً لهم ولم يرد به وجه الله تعالى، وفاته أَن الصدقات طهارة ونماءٌ للمال، وكما يعتبر ما ينفقه مغرمًا ينتظر بكم تقلب الزمان وتغيُّرَه، فتتبدل حالكم من قوة إلى ضعف ومن نصر إلى هزيمة. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}: هذا وعيد من الله تعالى لهؤلاءِ الأَعراب بأَن تدور عليهم الدائرة وينزل بهم من البلاءِ ما تمنوه للرسول وأَصحابه، وأنهم لا يرون فيهم إِلا ما يسوءُهم من نصر ورفعة شأْن. {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: أَي والله تعالى عظيم السمع واسع العلم فلا تخفى عليه خافية مما أَضمروه من النفاق وإِرادة السوءِ بالمؤْمنين وهو محاسبهم ومجازيهم أَشد الجزاءِ. {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ}: هذا هو الفريق الثاني وهو الذي يصدِّق بوجود الله تعالى وبصفاته وباليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، ويعتبر أَن كل ما ينفعه في سبيل الله هو وسيلة إلى رضا الله

والتقرب منه، كما أَنه سبب في دعاء الرسول واستغفاره لهم حيث كان صلى الله عليه وسلم يدعو للمُصَّدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، عند أَخذه الزكاة الواجبة والصدقات المندوبة ليوزعها على مستحقيها، ولذلك كان من السنة الدعاءُ للمتصدق بالخير والبركة، لكن ليس له أَن يدعو بلفظ الصلاة كما فعله عليه الصلاة والسلام مع بعض المتصدقين، فقد ورد أَنه قال: اللهم صلى على آل أَبي أَوفى فإن ذلك كان مختصًّا به، يتفضل به على من يشاءُ، ثم أَخبر الله عن قبولها منهم بقوله: {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ}: أَي أَلا إن إنفاقهم الصادر عن الإخلاص لله قربة عظيمة لهم عند الله تعالى. وقد وعدهم الله عليها بإِدخالهم الجنة في قوله: {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ}: أَي يشملهم ويغمرهم برحمته وفضله جزاءَ إخلاصهم. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: إنه تعالى عظيم المغفرة واسع الرحمة لا يخلف وعده، فيثيب هؤلاءِ على إخلاصهم في عملهم لله تعالى. {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)}. التفسير لما ذكر الله تعالى فضائل بعض الأَعراب الذين يتخذون ما ينفقونه قربات عند الله وصلوات الرسول وما أُعد لهم من الثواب، أَتبعه ذكر فضائل خيار المسلمين فقال تعالى:

100 - {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ}: فالسابقون الأولون من المهاجرين هم الذين بادروا بالإسلام في فجر الدعوة، ثم هاجروا فرارًا بدينهم، أَما السابقون الأَولون من الأَنصار فهم أَهل بيعة العقبة الأُولى والثانية والذين سارعوا إلى الإسلام عند قدوم مصعب بن عمير، وكان الرسول قد أَرسله بعد البيعة الثانية لينشر الدعوة الإسلامية بين أَهل المدينة وقيل السابقون من المهاجرين والأَنصار هم الذين صلُّوا إلى القبلتين أَو من حضر بيعة الرضوان. {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}: أَي والذين جاءُوا بعدهم متصفين بالإخلاص وبكل خصلة حسنة، أَو المراد والذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة من فريقي المهاجرين والأَنصار وغيرهم إلى يوم القيامة. وقرىءَ الأَنصار بالرفع فعلى هذا فالسابقون الأَولون من المهاجرين فقط، والتابعون عند علماءِ الحديث هم الذين جاءُوا بعد الصحابة رضوان الله عليهم أَجمعين ثم أَخبر الله عن الجميع بقوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ}: بقبول طاعتهم، وارتضاءِ أَعمالهم. {وَرَضُوا عَنْهُ}: بما أَنعم الله به عليهم من النصر والتمكين في الأَرض في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة. {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}: أَي وهيأَ لهم في الآخرة جنات تجرى من تحت قصورها أَو من تحت أَشجارها الأَنهار، مع الإِقامة الدائمة فيها، كما قال تعالى: "وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ". {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: أي ذلك الجزاءُ الذي بلغ الغاية في العظم هو الفوز الذي لا فوز يَعدله أو يدانيه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أَبو سعيد الخدرى: "لا تسُبُّوا أَصحابِى فَلَوْ أَنَّ أَحَدكم أَنْفق مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلغ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نصِيفهُ" أَخرجه الشيخان وغيرهما.

{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)}. المفردات: (حَوْلَكُمْ): أَي حول المدينة بلدكم. (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ): أَي مرنوا عيله واعتادوه. (لَا تَعْلَمُهُمْ): لا تعرف حقيقة أَمرهم لعراقتهم في النفاق. (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ): قبل الآخرة بالفضيحة وعذاب القبر. (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ): ثم يردون في الآخرة إلى عذاب بالنار عظيم. التفسير 101 - {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ}: هذا شروع في ذكر أحوال المنافقين النازلين حول المدينة والمقيمين بها. والمعنى: ومن الأَعراب النازلين حول المدينة أُناس منافقون ومن أهل المدينة نفسها منافقون كذلك. {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}: أي مرن هؤلاءِ وأُولئك على النفاق وبلغوا مبلغًا جعلهم مهرةً فيه، حتى لأن لهم أَمره وسلس لهم قياده ولا تكاد تستعمل كلمة مَرَدوا إلا في الشر.

(لَا تَعْلَمُهُمْ): أي لا تعرفهم أَنت أَيها الرسول بعنوان نفاقهم لأَنهم بلغوا من المهارة فيه، والبعد عن مواقع التهم مبلغًا يُخفى حالتهم عنك، مع كمال فطنتك وصدق فراستك. (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ): أَي أَن الله تعالى هو الذي يعلم حالهم لأَنه لا يخفى عيله من سرائرهم شيءٌ مهما بالغوا في إِخفاءِ أَمرهم. (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ): هذا وعيد بأَنه تعالى سيعذبهم مرتين قبل يوم القيامة، وروي عن ابن عباس رضى الله عنهما: "أَن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا يوم الجمعة فقال اخرج يا فلان فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق فأَخرج ناسًا وفضحهم" فهذا هو العذاب الأَول، والثانى إما القتل وإما عذاب القبر وقيل غير ذلك. (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ): ثم يرجعون في الآخرة إلى عذاب غليظ هو عذاب النار في الآخرة، وبهذا يعلم أَنه تعالى يعذبهم ثلاث مرات مرتين قبل يوم القيامة كما تقدم ومرة يوم القيامة كما يفيده ختام الآية. {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)}. التفسير 102 - (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ): هذا بيان لحال طائفة أُخرى من المسلمين ضعيفة الهمة في أُمور الدين.

والمعنى: ومن أهل المدينة قوم آخرون اعترفوا بتخلفهم عن الغزو إيثارًا للدعة مع إِيمانهم وتصديقهم بما جاءَ به الرسول، ولم يخفوا ما صدر منهم وندموا عليه، ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة كغيرهم من المنافقين، وهم رهط من المتخلفين، منهم أَبو لبابة وجماعة معه (¬1) أَوثقوا أَنفسهم على سوارى المسجد عندما بلغهم ما نزل في المتخلفين من القرآن فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين كعادته الكريمة، ورآهم على تلك الحالة فسأل عن شأْنهم فقيل له إنهم أَقسموا أَلا يحلوا أَنفسهم حتى تحلهم أَنت فلما أَنزل الله هذه الآية أَطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم. (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا): المراد بالعمل الصالح ما سبق أَن عملوه من الطاعات، ومنها خروجهم إِلى المغازى السابقة وما لحق ذلك من الاعتراف بذنب التخلف وندمهم على ذلك، والمراد بالعمل السيىءِ ما صدر منهم من المعاصي، ومنها التخلف عن تبوك دون عذر. (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ): أَي يرجى أَن يقبل الله توبتهم المفهومة من اعترافهم بذنوبهم، وتقوية لهذا الرجاءِ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): أَي أَنه تعالى واسع الغفران والرحمة، فلهذا يرجى رجاءً قويًّا أن يتقبل بفضله توبتهم النابعة من إِخلاصهم، وصدق طويتهم. ¬

_ (¬1) قال ابن عباس نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك، فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سوارى المسجد، وقال بنحوه قتادة وقال: وفيهم نزل "خذ من أموالهم صدقة" ذكره المهدوى.

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)}. التفسير سبب النزول: أَنه لما أَطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراح المعتذرين قالوا يا رسول الله: هذه أَموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال ما أُمرت أَن آخذ من أَموالكم شيئًا، فنزلت وأَخذ منها الثلث وترك لهم الثلثين. 103 - (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً): هذه ليست الزكاة المفروضة وإنما هي كفارة لذنوبهم كما ينطق به قوله تعالى: (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا): والمعنى أن الله تعالى أَمر رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يأْخذ هذا القدر ليكون تطهيرًا لهم مما لحق بهم من آثام التخلف، وتزكية تنمى بها حسناتهم إلى مراتب المخلصين. (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ): المراد من الصلاة هنا الاستغفار لهم والدعاءِ بقبول توبتهم. والمعنى: واستغفر لهم أَيها الرسول، واطلب الرحمة لهم فإِن صلاتك ودعاءك إقرار لنفوسهم المضربة وطمأْنينة لقلوبهم الحائرة، وإِيذان بأَن الله سيقبل توبتهم. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ): أي والله تعالى عظيم السمع، محيط العلم فسمع اعتراف هؤلاءِ بذنوبهم، وعلم صدقهم في توبتهم، فتاب عليهم وعفا عنهم.

{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)} المفردات: (أَلَمْ يَعْلَمُوا): استفهام يرادُ به التقرير أَي قد علموا. (يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ): يقبلها ويثيب عليها. (وَسَتُرَدُّونَ): وسترجعون. (الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ): الخفى والظاهر. التفسير 104 - (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ): أَي أَلم يعلم هؤلاءِ التائبون، أَن الله تعالى هو وحده الذي يقبل التوبة الصحيحة الخالصة من عباده المخلصين رحمة بهم ورأْفة وكرمًا، وأَنه يقبل صدقاتهم التي يؤدونها ابتغاءَ مرضاته، يطهرهم بها من آثامهم، ويزيد من حسناتهم، وأَنه تعالى هو عظيم التوبة على عباده كثير الرحمة بهم، فذلك شأْنه الدائم وسنته المستمرة. 105 - (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): جاءت هذه الآية لزيادة ترغيبهم في العمل الصالح، وتخويفهم من اقتراف السيئات، ومع هذا فهى عامة لجميع المكلفين، فلا يختص حكمها بالمتخلفين عن تبوك.

والمعنى: وقل يا محمد تبليغًا لهؤلاءِ ولجميع المكلفين، اعملوا وراقبوا الله تعالى فيما تعملون، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون في دنياكم، مهما حاولتم إِخفاءَها فاجتهدوا في أَن تكون أَعمالكم في حدود البرِّ والطاعة، بعيدة عن الإثم والمعصية، ليحمدها الله ورسوله والمؤمنون، وستردون في أُخراكم إلى عالم كل غائب خفى، وظاهر جلى، فيخبركم بما كنتم تعملون في دنياكم، فيجزيكم عليه، إِن خيرًا فخير، وإِن شرًا فشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لها بَابٌ وَلاَ كُوَّةٌ، لخرَجَ عَمَلُه لِلنَّاسِ كائِنًا مَا كَانَ" أَخرجه أَحمد وأَبو يعلى وغيرهما عن أَبي سعيد. {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)} التفسير 106 - (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ... ) الآية. نزلت هذه الآية كما قال ابن عباس في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أُمية، فإنهم لم يسرعوا إلى التوبة والاعتذار عن تخلفهم في غزوة تبوك، كما اعتذر أَبو لُبابة وأَصحابه بعد أَن ندموا على تخلفهم، وحزنوا حزنًا شديدًا جعلهم يشدون أَنفسهم على سوارى المسجد، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاءِ الثلاثة، ونهى عن أَن يسلموا عليهم ويكلموهم، حتى يكون أَمرهم عبرة لغيرهم فلا يحاول أَحد أَن يتخلف عن الجهاد وهو قادر عليه، وكان هؤلاءِ الثلاثة من أَصحاب بدر فهجرهم الناس وكانوا مختلفين في شأْنهم، فمن قائل هلكوا، ومن قائل عسى الله أَن يغفر لهم، فصاروا عندهم مرجئين لأَمر الله تعالى، وقد صح رأْى هؤلاءِ فيهم، وبه نزل القرآن الكريم.

والمعنى: ومن المتخلفين عن غزوة تبوك من أَهل المدينة ومن حولها من الأَعراب، قوم آخرون غير المعترفين المذكورين، لم يحاولا أَن يختلقوا أَعذارًا، وأَن يكذبوا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاءِ مرجئون ومؤخرون لأَمر الله في شأْنهم، إِما أَن يعذبهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بدون عذر وقد دعوا إليها، وكانت آخر مغازيه صلى الله عيه وسلم، وإما أَن يقبل توبتهم بعد أَن تتمحص نفوسهم وتخلص قلوبهم من الإِخلاد إلى الدعة، وإِيثار ذلك على الجهاد، والله واسع العلم، فيعلم أَحوالها ويعامله بمقتضاها، حكيم فيما فعل بهم من الإِرجاء وما بعده، حتى يعودوا إلى مثل ذلك، وليكون أَمرهم عبرة لغيرهم. {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)} المفردات: (ضِرَارًا): مضارة للإِسلام وأَهْلِه. (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ): أَي فَصْلًا بينهم، بصرف بعضهم عن مسجد قباء الذي يجمعهم ويوحد كلمتهم. (وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): وانتظارًا للراهب الفاسق الذي حارب الله ورسوله ليصلى فيه. (الْحُسْنَى): أَي الخصلة الحسناء. التفسير 107 - (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) الآية. نزلت هذه الآية في جماعة من المتخلفين عن تبوك، بنوا مسجدًا غير مسجد قباء، بقصد المضارة وتفريق المؤمنين.

وتفصيل ذلك أَن بنى عمرو بن عوف، لما بنوا مسجد قباء بعثوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يأْتيهم فيصلى بهم في مسجدهم فلما فعل النبيى صلى الله عليه وسلم ما طلبوه منه، حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا نبنى مسجدًا ونرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فيه، ويصلى فيه أَبو عامر الراهب أَيضًا إِذا قدم الشام، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه سلم الفاسق. وكان قد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد: لا أَجد قومًا يقاتلونك إِلا قاتلتك معهم، فلم يزل يفعل ذلك إِلى يوم حنين، فلما انهزمت هوزان يومئذ ولى هاربًا إلى الشام، وأَرسل إلى المنافقين أَن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإِنى ذاهب إِلى قيصر وآت بجنود، وَمُخْرِجٌ محمدًا وأَصحابه من المدينة، فبنوا مسجدًا إلى جنب مسجد قباءَ، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنينا مسجدًا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ونحن نحب أَن تصلى لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال صلى الله عليه وسلم: "إِنى على جناح سفر وحال شغل، وإِذا قدمنا إِن شاء الله تعالى صلينا فيه فلما قَفَل صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، سأَلوه إِتيان المسجد فنزلت هذه الآية عليه، فدعا بمالك بن الخشم ومَعْن بن عدى وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة وقال لهم: "انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا المسجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدمُوهُ واحْرِقُوهُ، ففعلوا": وأَمر أَن يتخذ مكانه موضعًا لإِلقاءِ القمامة، حتى لا تقوم له قائمة، وهلك أَبو عامر الفاسق بقُنَّسْرين. والمعنى: ومن المتخلفين عن غزوة تبوك، المنافقون الذين بنوا بجوار مسجد قباء، مسجدًا لمضارة الإِسلام والمسلمين، وللتفريق بين المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد قباء متجمعين تلبية لنداءِ ربهم، يريدون ببنائه أَن يجتذبوا بعضهم إِلى مسجدهم، وإِلى صفوف نفاقهم، كما بنوه أَيضًا لغرض خفى خطير، وهو انتظار وترقب الراهب الفاسق الذي حارب الله ورسوله من قبل، لكي يصلى فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ): وليحلفن بنو غانم الذين بنوا مسجد الضرار، ما أَردنا ببنائه إلى خصلة الحسنى وهى الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين، والله يشهد إِنهم لكاذبون في يمينهم، فقد بنوه للمضارة وغيرها من الأَغراض الفاسدة التي بينتها الآية الكريمة.

{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)} المفردات: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا): لا تؤد فيه الصلاة وغيرها من الطاعات في أَي وقت دائمًا. (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى): يعنى مسجد قباء. (يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا): أَي يرغبون في التطهر الحسى والمعنوى. التفسير 108 - (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ): لا تقم أيها الرسول للصلاة وغيرها من الطاعات في مسجد الضرار في أَي وقت من الأَوقات فقد بنى للإِضرار بالإِسلام وأَهله، والله لمسجد قباء الذي أَسَّسَه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَقامه على تقوى الله ورضوانه من أَول أَيام تأْسيسه أَحق وأَولى أَن تقوم فيه للصلاة وأداءِ الطاعات أَنت وسائر المؤمنين. وقيل المراد بالمسجد الذي أُسس على التقوى هو المسجد النبوى بالمدينة فعن أَبي سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: "سَأَلْتُ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّم عن المسْجِدِ الَّذِى أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فأَخَذَ حَصْباءَ، فضرَبَ بِها الأَرْض وَقالَ: مَسْجِدُكُمْ هَذا مَسْجِدُ الْمَدِينةِ". (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ): أَي في هذا المسجد الذي بنى على تقوى الله رجال صادقون في إِيمانهم وتقواهم، يحبون أَن تتطهر نفوسهم وأَبدانهم من الذنوب والأَوزار طلبا لمرضاة الله، والله يحب الحريصين على الطهارة ويرضى عنهم ويحسن ثوابهم.

{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)} المفردات: (شَفَا جُرُفٍ): الشفا؛ الحرف والحافة والطرف - (والجُرُف) بضمتين ما جرفه السيل أَي استأْصله وحفر ما تحته، فبقى واهيًا. (هَارٍ): مشرف على السقوط وأصله (هائر) (¬1). (فَانْهَارَ بِهِ): فسقط به. التفسير 109 - (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ ... ) الآية. ضرب الله في الآية مثلًا للذين بنوا مسجدهم على تقوى الله ورضوانه، بمن بنى بنيانه على أساس ثابت متين، وضرب مثلا آخر للذين بنوا مسجدهم للإضرار بالإسلام، بمن أَقام بنيانه على أَساس واه مهلك بين والغرض من المثلين أَنهما لا يستويان فالأَول معمر والثانى مدمر. والمعنى: أَفمن أَسس بنيان دينه على قاعدة محكمة، وهى تقوى الله تعالى، وطلب رضوانه خير عند الله تعالى، أَم من أَسس بنيانه على قاعدة منهارة، وهى الباطل والنفاق، فكان ذلك سببا في سقوطه في النار: وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: "صَيَّرهُمْ نِفَاقُهمْ النَّارِ لأَنَّهُمْ بَنَوا المسْجِدَ، قَاصِدينَ بِهِ الكُفْرَ وَالنَّفَاقَ وإِضْرَارَ المؤْمنينَ "لهذا كان أَرْدأ البناء وأحقره، وأَمَّا الأَوَّلُونَ فَكَانَ بِنَاؤهُمْ أَشْرف البناء وأَرضى للهِ تَعَالَى. ¬

_ (¬1) اسم فاعل من هار يهور إذا أشرف على السقوط، فقدمت لامه على عينه، وأجرى في الإعراب مجرى غاز ورام.

(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): أَي لا يوفقهم لفعل الخير والطاعة، لأَنهم لا يريدون ولا يميلون إِليه، فالتوفيق للإيمان لا يكون إِلا لمن علم الله فيهم إِقبالا وإِصرارا على السير في طريقه والتزامه "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ". {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)}. المفردات: (رِيبَةً): شكا ونِفَاقًا. (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ): أَي لا يزال المسجد الذي بنوه شاهدا على تمكن الريبة في قلوبهم من جهة الإِسلام، حتى كأنَّهُ نفس الريبة والشك. التفسير 110 - (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ): أَي لا يزال المسجد الذي بنوه شاهدا على تمكن الريبة في قلوبهم من جهة الإِسلام حتى كأَنه نفس الريبة والشك. أَما أَنه ريبة حال بنائه: فلكونه بنى لتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت وحدتهم وَلِيُثَبِّتُوا ما في قلوبهم من كفر وضلال، وليدبروا فيه المكائد للمسلمين، وأَما أَنه ريبة حال هدمه، فلأنه ثَبَّتَ ما كان في قلوبهم من الشر فتضاعفت آثاره، وظهرت مفاسده غيظا وحقنا على المسلمين. (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ): أَي إِلا أن تتمزق قلوبهم قطعا وأَجزاءً فحينئذ يذهب الشك والريبة، والمراد أَنهم لا يزالون كذلك ما داموا أَحياء، فإذا ماتوا انتهت تلك الريبة.

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أَي والله تعالى شامل العلم بجميع أَحوال العباد، عظيم الحكمة، يضع الأشياءَ في مواضعها في كل ما حكم به ودبر، ومن جملتها أمره تعالى الوارد في حقهم. وفي الآية تحذير للمسلمين من خداع المنافقين، وتنبيه على اليقظة من الوقوع في حبائلهم. {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)} المفردات: (اشْتَرَى): استبدل. (وَمَنْ أَوْفَى): لا أَحد أَعظم وفاء. (فَاسْتَبْشِرُوا): أَي فافرحوا غاية الفرح. 111 - (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ): هذا ترغيب من الله للمؤمنين في الجهاد ببيان فضيلته وثوابه بعد بيان حال المتخلفين عنه. وسبب النزول كما قال محمد بن كعب القرظى: "أَنه لما بايعت الأَنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترط لربى أَن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسى أَن تمنعونى مما تمنعون منه أَنفسكم وأَموالكم قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا ... ؟ قال النبي صَلى الله عَليه وَسَلم: الجنة. قالوا ربح البيع لا نُقيل ولا نَسْتَقيل" فنزلت.

قال أهل المعانى: - لا يجوز أن يشترى الله شيئًا هو له في الحقيقة، لأَن المشترى إِنما يشترى ما لا يملك، والأَشياء كلها ملك لله تعالى. ولهذا قال الحسن: أَنفسنا هو خلقها وأَموالنا هو إِياها، لكن جرى ذلك مجرى التلطف في الدعوة إلى الطاعة، والجهاد وذلك لأَن المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يقتل، أَو أَنفق ماله في سبيل الله عوضه الجنة في الآخرة جزاءً لما فعل في الدنيا، فجعل ذلك استبدالا واشتراءً - فهذا معنى أَنه تعالى اشترى من المؤمنين أَنفسهم وأَمواله ... الخ. (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ): أَي يقاتلون أعداءَ الإِسلام، في سبيل دين الله ورفع كلمته، فيقتلون بعضهم تارة، ويكفون أَذَاهم عن المسلمين ويَقتَلُون منهم تارة أُخرى، راضين ببذل النفس في سبيل الله ربهم. (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ): يعنى أَن وعد الله للمجاهدين بأَن لهم الجنَّةَ، هو وعد حق ثابت في التوراة والإِنجيل وفيه دليل على أَن الجهاد موجود في جميع الشرائع، ومكتوب على الجميع الملل السماوية. (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ): أَي لا أَحد أَعظم وفاءً بالعهد من الله تعالى، لأَن خلف الوعد لا يقدم عليه الكرام من الناس، فكيف بالله الغنى الذي لا تفنى خزائنه، وهو أَكرم من كل كريم. وهو المتصف بالكمال المطلق، "وَمن أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا" والمتأَمل لا يرى ترغيبا في الجهاد أَحسن ولا أَبلغ من هذه الآية الكريمة. (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ): أَي فليفرح غاية الفرح، من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد - فليفرح - بالفوز العظيم والنعيم المقيم.

{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)} التفسير 112 - (التَّائِبُونَ): إلى آخر الأَوصاف الآتية، مدح للمؤمنين الذين اشترى الله منهم أَنفسهم وأَموالهم بأَن لهم الجنة: والمراد من توبتهم تركهم للشرك، وبعدهم عن النفاق والمعاصي، ويجوز أَن يراد بالآية، كل من تاب، فيكون المعنى على هذا كل من تاب واتصف بهذه الصفات يكون من أَهل الجنة أَيضا: واعلم أَنَّ التوبة المقبولة إِنما تحصل بأُمور أَربعة: أَولها: الإِقلاع عن الذنب. ثانيها: الندم على فعل المعاصي فيما مضى. ثالثها: العزم على تركها في المستقبل. رابعها: أَن يكون الحامل عليها رضا الله تعالى. فإن كانت من ذنب يتعلق بحقوق الآدميين، زيد عليها شرط خامس، وهو ردّ الحقوق إلى ذويها أَو استعفاؤهم، فإن كان الغرض منها تحصيل مدح الناس ودفع مذمتهم، أَو تحصيل أَي غرض دنيوى، فلا تكون توبة مقبولة. (الْعَابِدُونَ): أَي الذين يأْتون بالعبادة على وجهها الصحيح مخلصين لله تعالى مواظبين على أَدائها في أَوقاتها.

(الْحَامِدُونَ): أَي الذين يحمدون الله تعالى في السراءِ والضراءِ وفي كل حال. (السَّائِحُونَ): قال ابن مسعود هم الصائمون، لأن الصائم مستمر في طاعة الله والسائح مستمر في سياحته قال النبي صلى الله عليه وسلم: "السائحون هم الصائمون" (¬1). وقيل: هم المهاجرون، وقيل: هم طلبة العلم، وقيل: هم السائحون في الأَرض المتنقلون فيها فإِن السياحة أَثرا عظيما في تهذيب النفوس، لأَنه قد يتعرض السائح للبؤس وللضراءِ، فلا بد له من الصبر، وقد يلقى في سياحته العلماءَ والصالحين فيستفيد علما وحسن سلوك، ويرى عجائب وآثار قدرة الله تعالى، فيصل من طريق ذلك إلى بذل الجهد في طاعة الله تعالى. (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ): يعنى المصلين، وعبر بالركوع والسجود عن الصلاة لأَن بهما تتميز الصلاة عن غيرها، ولأَنهما من أَهم أَركانها. (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ): أَي الذين يأْمرون الناس بكل خير من إِيمان وطاعة ينهون الناس عن الشرك والمعاصي. والأَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بهما صلاح الأُمة واستقامتها، فإِن ضاعا التبس الحلو بالمر، وضاعت أَخلاق الأُمة، وفسدت معايير الاستقامة فيها. (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ): بالعمل بأَحكام الشريعة والوقوف عند أَوامر الله، والبعد عن نواهيه ويَحْمِلُ الناس على طاعة الله تعالى وأَدائها على الوجه الأَكمل. (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ): أَي وأَخبرهم يا محمد بما يسرهم مما وعد الله به من دخول الجنة فإِنه تعالى واف لهم بما وعد. "وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ". ¬

_ (¬1) أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ورمز له بالصحة.

{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116)} المفردات: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا): أَي ما صح وما استقام للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. (أَنْ يَسْتَغْفِرُوا): أَن يطلبوا الغفران. (أُولِي قُرْبَى): أَصحاب قرابة. (مَوْعِدَةٍ): وَعْدٍ. (تَبَرَّأَ مِنْهُ): بَعُد عنه وتنزه عن مصاحبته. (أَوَّاهٌ): أَصل التأَوه قول الرجل آه، أَي أَتوجع وأَواه للمبالغة والمراد: كثير التأوه من خوف الله. (حَلِيمٌ): صبور على الأَذى، صفوح عن الجناية، يقابها بالإِحسان والعطف. (مَا يَتَّقُونَ): ما يجب اتقاؤه والبعد عنه. (وَلِىٍّ): والٍ يلى أُموركم ويدبر شئونكم. (وَلاَ نَصِيرٍ): ينصركم على أَعدائكم ويمنعكم من أَذاهم.

التفسير 113 - (مَا كَانَ لِلنَّبِى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصْحَابُ الْجَحِيمِ): هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أَن النبي صلى الله عليه وسلم أَراد أن يستغفر له، فنهاه الله عن ذلك، فقد روى الزهرى قال حدثني سعيد بن المسيب عن أَبيه قال: لما حضرت الوفاة أبا طالب جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أَبا جهل وعبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة فقال: أَي عم قل لا إِله إِلا الله كلمة أَحاج لك بها عند الله، فقال أَبو جهل وعبد الله بن أَبي أُمية بن المغيرة: أَترغب عن ملة عبد المطلب ... فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان لتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: أَنا على ملة عبد المطلب، وأَبي أَن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أُنه عن ذلك، فأَنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِى وَالَّذِينَ آمَنُوَا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشركِينَ ولَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى): وأنزل الله في أَبي طالب: "إنَّك لَا تَهْدِى منْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنِّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ". هذا لفظ البخاري في تفسير الآية. والمعنى: ما صح وما استقام في حكم الله تعالى للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا للمشركين المغفرة، ولو كانوا أَصحاب قرابة بعد ما ظهر لهم أَنهم أَصحاب النار، بإِصرارهم على الكفر وموتهم عليه، أو بِعِلْم الرسول بالوحى أَنهم سيموتون على الكفر. 114 - (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيم لأبِيهِ إلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ):

جاءت هذه الآية لدفع ما يتوهم من التعارض بين الآية السابقة عليها وبين ما جاءَ في سورة الشعراءِ من استغفار إبراهيم لأبيه حيث قال: "وَاغْفِرْ لأبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ" (¬1). والموعدة التي جاءَت في الآية، صدرت من آزر لإبراهيم عليه السلام، قال ابن عباس: كان أَبو إِبراهيم وعد إِبراهيم الخليل، أَن يؤمن باللهِ ويخلع الأَنداد فلما مات علم أَنه عدو الله، فترك الدعاءَ له. والمعنى: لا حجة لكم أَيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأَبيه، فإن ذلك كان عن موعدة من آزر لابنه إبراهيم بالإيمان، فلما تبين له أَنه مستمر على كفره ترك الدعاءَ له، فلهذا يجب عليكم أن تعملوا بما صدر لكم من النهي عن الاستغفار للمصرين على الشرك ولو كانوا أُولى قربى. وقيل الواعد إِبراهيم عليه السلام، فقد وعد أَباه أن يستغفر له، فلما مات مشركا تبرأَ منه، ودل على هذا قوله: "سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبىِّ" قال القاضى أبو بكر بن العربى: تعلق النبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبى طالب بقوله تعالى: "سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبىِّ" فأخبره الله تعالى أَن استغفار إِبراهيم كان وعدا قبل أَن يتبين الكفر منه، فلما تبين له الكفر منه تبرأَ منه، فكيف تستغفر أَنت لعمك وقد شاهدت موته على الكفر. والمراد: باستغفاره له طلبه من الله أَن يوفقه للايمان ويهديه إليه. (فَلَمَّا تَبيَّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوٌّ لَلهِ تَبرَّأَ مِنْهُ): أي فلما ظهر لإبراهيم بالوحى أَن أَباه مصر على الكفر غيرْ مؤمن أبدًا، بَعُدَ عنه وتجنبه ونزه نفسه عن مصاحبته، وترك الاستغفار له. (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأوَّاهٌ حَلِيمٌ): أي إن إبراهيم عليه السلام كثير التأَوه من خوف الله تعالى متضرع إليه، كثير الدعاء والتوبة، رحيم بعباد الله، عظيم الحلم، كثير الصفح، والمراد وصفه برقة القلب، وسعة الصدر وعظيم الرأْفة والرحمة، وأنه يقابل الإساءة بالإحسان واللطف. ¬

_ (¬1) الآية (86) من الشعراء.

115 - (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ): والمعنى: ما صح وما استقام في حكم الله تعالى وحكمته أَن يقضى ويحكم على قوم بالضلال بعد أن هداهم للإِسلام، ووفقهم للإِيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يبين لهم ما يجب اتقاؤه والبعد عنه من محظورات الدين، فلا ينزجروا عما نهوا عنه، وأَما قبل ذلك فلا يحكم عليهم بالضلال ولا يؤاخذون بفعله وكأَن هذه الآية تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك، وفيه دليل على أَن الغافل الذي لم يبلغه الدليلُ السَّمْعِىُّ غير مكلف بما لا يستقل به العقل (¬1). 116 - (إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ): المعنى أنه تعالى وحده هو مالك السموات والأرض وما فيهما، خلقا وتدبيرا يحكم فيهما بما يشاءُ، يحيى من يشاءُ على الإِيمان ويميته عليه، ويحيى من يشاءُ على الكفر ويميته عليه، تبعا لحكمته وتطبيقا لسنته تعالى في الهداية والضلال والإِضلال. (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ): والمعنى: وليس لكم أَيها المكلفون من غير الله وال يلى أُموركم ويدبر شئونكم، ولا نصير ينصركم على عدوكم ويعينكم عليه، فهو وحده نعم المولى ونعم النصير. ¬

_ (¬1) انظر الآلوسى في تفسير هذه الآية.

{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)} التفسير 117 - (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ): معنى توبته تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم عدم مؤاخذته بإِذنه للمنافقين بالتخلف في غزوة تبوك وهى كقوله تعالى: "عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ" (¬1). فإِذنه لهم من باب ترك الأَولى لا من باب فعل الذنب. لأَنه لم يكن هناك أَمْرٌ خَالفَهُ صلى الله عليه وسلم، وأَما معنى توبته على المهاجرين والأَنصار فلأَجل ما وقع في قلوبهم من الميل إِلى القعود عن غزوة تبوك، لأَنها كانت في وقت شديد، ثم أَعانهم الله على التغلب على ما حدثتهم به نفوسهم من القعود، فسافروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوه في ساعة العسرة كما قال تعالى: (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ): أَي الذين خرجوا معه لقتال الأَعداء في غزوة تبوك، وكانت في وقت شديد الحرارة وضيق في الرواحل، وبعد في المسافة مع كثرة العدو، مما يدعو إِلى إِيثار التخلف فاستعانوا بالله واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ¬

_ (¬1) راجع تفسير الآية (43) من سورة التوبة.

(مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ): أَي من بعد ما قرب أَن تميل قلوب بعضهم من أَجل الشدة والمشقة إِلى التخلف والدعة والراحة، ولكن الله ثبتهم وأَيدهم وقواهم. وزيغ القلب وانحرافه إِن كان في أَصل الدين كان كفرا، وإن كان في شريعته كان بحسب الحكم الذي مال عنه، فإن زاغ عن مجمع عليه الكفر، وإِن زاغ عن راجح عصى. (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ): أَي أَنه تعالى علم إخلاص نيتهم، وصدق توبتهم فتقبلها منهم. (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ): فلهذا منَّ عليهم بالتوبة وقبلها منهم وثبتهم عليها. {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)} المفردات: (خُلِّفُوا): أُخِّرَ أَمرُ قبولِ توبتهم. (بِمَا رَحُبَتْ): أَي مع رحابتها وسعتها، والرحب سعة المكان. (لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ): لا مفر ولا منجى من سخطه وعقابه. التفسير 118 - (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) الآية. قصة هؤلاءِ الثلاثة يرويها ابن هشام فيقول: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عائدا من تبوك، وكان تخلف عنه رهط من المنافقين، وتخلف أُولئك الثلاثة

من المسلمين المخلصين من غير شك ولا نفاق، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أُمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَصحابه، لا تكلمُن أَحدا من هؤلاءِ الثلاثة - لأَنهم لم يقدموا عذرا عن تخلفهم - وأَتاه من تخلف من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاملة لهم بظاهرهم، واعتزل المسلمون أُولئك النفر الثلاثة، ثم نزلت هذه الآية معلنة قبول توبتهم وعفو الله عنهم. والمعنى: وتاب الله أَيضا على هؤلاءِ الثلاثة الذين أَخر قبول توبتهم، إِلى أَن ضاقت عليهم الأَرض مع سعتها ورحابتها، من شدة الأَمر عليهم، والحيرة التي حلت بهم، كأنهم لا يجدون في الأَرض مكانا يستقرون فيه ويطمئنون إليه، لشدة حزنهم وقلقهم، وكذلك ضاقت عليهم أَنفسهم، بسبب إعراض الناس عنهم، وتأَخر قبول توبتهم، واعتقدوا أَن لا عاصم ولا منجى من سخط الله وعقابه، إلا الرجوع إِليه، وطلب الغفران منه. (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ): أَي ثم أَنزل الله قبول التوبة منهم، ليصيروا في جملة التوابين، وليستمروا ويثبتوا على توبتهم، إِن الله تعالى كثير التوبة والعفو عن عباده إن تابوا ولم يصروا على ما فعلوا، عظيم الرحمة بقبول توبتهم وإن كثرت ذنوبهم مع استحقاقهم لأَنواع العقوبات. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} التفسير لما تاب الله على هؤلاء الثلاثة، لصدقهم في القول وإِخلاصهم في التوبة، وبعدهم عن النفاق، أَمر الله المؤمنين أَن يتقوا الله ويكونوا مع الصادقين، ويبتعدوا عن النفاق والمنافقين وفي جملة من أُمروا هؤلاءِ الثلاثة.

والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا بالله ورسوله، اتقوا الله بامتثال ما أَمر به، واجتناب ما نهى عنه، ولا تتخلفوا عن رسول الله إذا دعاكم لما يحييكم من الجهاد والبذل في سبيل الله، وكونوا مع جماعة الصادقين المخلصين في جهادهم إِذا جاهدوا، وفي عهودهم إِذا عاهدوا، وفي أَقوالهم ووعودهم إِذا حدَّثوا ووعدوا، وفي توبتهم إِذا أَذنبوا أَو قصَّروا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصِّدق فَإِن الصدقَ يهدى إِلى البرِّ وإِن البرَّ يهدى إِلى الجَنةِ، وما يزالُ الرجل يَصدقُ ويتحرَّى الصِّدق حتى يكتبَ عِند الله صِدَّيقًا، وإِياكم والكذب فإِنَّ الكذب يهدى إِلى الفجور، وإِنَّ الفُجورَ يهدى إِلى النَّار، وما يَزالُ الرَّجل يكْذب ويتحرَّى الكَذِب، حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا" أَخرجه مسلم. والحكم المأْخوذ من الآية الكريمة يتناول المؤمنين في جميع الأَجيال. {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)} المفردات: (وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه): أَي لا يؤثروا أَنفسهم على نفسه. (وَلَا نَصَبٌ): ولا تعب.

(وَلاَ مَخْمَصَةٌ): ولا مجاعة. (وَادِيًا): الوادى هو الأَرض التي تكون بين جبلين. التفسير 120 - (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ... ) الآية. أَي ما صح وما استقام لأَهل المدينة ومن حولهم من الأَعراب المؤمنين أَن يتأَخروا عن تلبية دعوة رسول الله إِذا دعاهم إِلى الجهاد في سبيل الله ولا يؤثروا أَنفسهم على نفسه، بأَن يطلبوا السلامة بالتخلف عن الجهاد معه فعليهم أَن يصحبوه على البأْساءِ، والضراءِ، وأَن يكابدوا معه الأَهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأَن يلقوا من الشدائد ما تلقاه نفسه الشريفة، مع العلم بأَنها أَعز نفس عند الله وأَكرمها عليه، وذلك يقتضيهم أن يبذلوا أَنفسهم دون نفسه، وأَن يدافعوا عنه بأَنفة وحمية، لا أَن يتخلفوا عنه بغير عذر كما فعل بعضهم، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيْهِ مِن وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين" (¬1). (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ) الآية. ذلك الذي تقدم من وجوب مصاحبة الرسول في الجهاد وإِيثاره على أَنفسهم بسبب أَنهم لا يصيبهم شىءٌ من العطش والتعب والمجاعة في طريق الجهاد من أَجل دين الله، ولا يمشون في مكان يغيظون فيه الكفار، بأَن يحلوا في أَرضهم، ويتصرفوا فيها تصرفا يضيق صدورهم، ولا يصيبوا من عدو إِصابة بقتله أَو أَسره أَو هزيمته أَو الغنيمة منه، إِلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح يستحقون به أَكرم الثواب. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ): أَي أنه تعالى يجزل ثواب المحسنين الذين يمتثلون أَمر الله ورسوله ولا يضيع لهم أَجرا. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان - باب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو متفق عليه.

واعلم أَن خروج المؤمنين للجهاد إِذا دعاهم الإِمام فرض كفاية، ما لم يتعين لأَسباب تقتضى ذلك، أَما خروجهم إِليه إِذا دعاهم الرسول فهو فرض عين (¬1). والذين تخلفوا في بدر لم يدر بخلدهم أَنهم سيقاتلون جيشًا قدم لإِنقاذ العير، ولذلك تخلفوا مترخصين بأَنهم لم يدعوا للجهاد، وبالجملة فإِن التخلف عن دعوة الرسول للجهاد كالنكث للبيعة فلذلك اشتد الرسول مع هؤلاءِ الثلاثة، حتى لا تتكرر من المؤمنين. 121 - (وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): أَي ولا ينفقون في سبيل الله نفقة قليلة ولا كثيرة من مال أَو زاد أَو غير ذلك، ولا يجتازون واديًا إِلى عدوهم إِلا كتب الله لهم ذلك، وجعل في حسناتهم، ليجزيهم الله على كل عمل كسبوه وإِن قل جزاءَ أَفضل عمل عملوه، فيعطى على القليل جزاءً الكثير، كرمًا منه وفضلا. {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}. ¬

_ (¬1) ويرى ابن زيد أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة). وأن حكم وجوب الخروج للجهاد بدعوة الإمام المفهوم من قوله: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) الآية - إنما كان وقت قلة المسلمين، فلما كثروا نسخت وأباح الله التخلف لمن شاء ويرى فريق آخر أنها محكمة، وأنها لأول هذه الأمة وآخرها، ولكن التفصيل الذي ذكرناه أرجح والله تعالى أعلم.

المفردات: (لِيَنْفِرُوا كَافَّةً): ليخرجوا للجهاد ونحوه جميعًا. (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ): فهلا خرج من كل جماعة كثيرة منهم، جماعة قليلة. (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ): وليحذروهم من المخاوف والعواقب السيئة لعصيان الله وعدم التَّدبُّر في الأُمور. التفسير 122 - (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ... ) الآية. كما أوجب الله الخروج للجهاد ووعد بالثواب الجزيل عليه في الآيات السابقة عقبها بهذه الآية ليحض المؤمنين فيها على التفقه في الدين فإِنه أَساس الجهاد، لأَن به الدفاع عن الدين بالحجة وهو الأَساس الأَول للبعثة المحمدية، وباجتماع شعبتى الجهاد للمؤمنين جهاد السيف وجهاد العلم، يتم لهم النصرة والعزة بين العالمين. والمعنى: وما صح ولا استقام أَن يخرج المؤمنون جميعًا للجهاد ونحوه من المقاصد الشريفة كطلب العلم، ويتركوا عيالهم دون عائل أَو راع، فإِن ذلك مضيعة لأُسرهم، فَهَلاَّ خرج من كل بلدة أَو قبيلة أَو جماعة كثيرة، طائفة قليلة ليتعلموا الدين ويتفهموه ويعرفوا براهين عقائده، وأُصول أَحكامه وفروعها، وليخوفوا قومهم من عصيان الله عند رجوعهم إِليهم، ويرشدوهم إِلى مناهج الهدى ومسالك العزة لكي يحذروا ما يضرهم في دنياهم وأخراهم ويقبلوا على ما ينفعهم ويعلى قدرهم، ويستتبع العزة والكرامة لهم. وبعض المفسرين اتجه بمعنى الآية وجهة أُخرى حيث جعل حكمها فيما إِذا لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد وبعث بالمجاهدين في بعض المغازى والمعنى على هذا وما كان المؤمنون ليخرجوا جميعًا للقتال، والنبى صلى الله عليه وسلم مقيم لم يخرج فيتركوه وحده، فلولا خرج من كل فرقة منهم طائفة في السرية التي لا تحتاج إِليهم جميعًا، ليتفقه الباقون منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الدين إِذا عاد

الذين خرجوا في السرية، أَعلمهم المقيمون ما تعلموا من أحكام الشرع، وما تجدد نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم من آيات القرآن وعلى أَي وجه فقد أَفادت الآية إِيجاب التفقه في الكتاب والسنة على سبيل الكفاية، وقد جاءَ إِيجابه عن أَنس بن مالك أَنه قال: "سَمعت رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: طَلَبُ الْعِلْمِ فَريضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ". وحكم المسلمة حكم المسلم وجاءَ في فضله من حديث أَبي الدرداءِ قال: "سَمعتُ رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم يقول: مَن سَلكَ طَريقًا يَلتَمسُ فيه عِلمًا، سَلكَ الله به طَريقًا إِلى الْجَنةِ. وَإِن الملائِكةَ لَتَضَعُ أَجْنحَتها رَضًا لطَالب الْعِلم وإِنَّ العَالِم ليَستغفر لهُ من في السمواتِ ومن في الأَرْض والحيتَان في جَوْف الماءِ، وإِنَّ فَضلَ العَالم عَلى العَابد كَفضْل القَمر ليلةَ البَدْر عَلى سَائر الكَواكب وإِنَّ العُلمَاء وَرثةُ الأَنْبيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبيَاءَ لمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا وَلا دِرهمًا، وإِنما وَرَّثوا العِلم، فَمَنْ أَخَذَ بهِ أَخَذَ بحَظ وافِر" أَخرجه الترمذي، وجاءَ في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُردِ اللهُ بهِ خَيْرًا يُفقِّهُهُ فِى الدِّين" وحسبك في فضله قوله تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ". {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)} التفسير بعد ما أَوجب الله على المؤمنين أَن يتسلحوا بالفقه ويزودوا أَنفسهم بالعلم إِلى جانب اقتدارهم على الجهاد ليتسنى لهم نشر الإِسلام بالأَمرين جميعًا، أَمرهم في هذه الآية أَن يتدرجوا في قتال الكفار وأَن يبدأُوا أَولا بقتال الأَقرب من العدو ثم الذين يلونهم ولهذا بدأَ الرسول بقتال اليهود الذين حول المدينة لنقضهم عهده، وصد هجمات المشركين من

العرب حينًا، وبدأَهم بالقتال حينًا آخر، لوقاية الإِسلام من تربصهم به والتآمر عليه فلما فرغ منهم أَوكاد قصد الروم بالشام، ليحيط الإِسلام في معقله بحزام أَمن واستقرار ولتكون كلمة الله هي العليا. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا قاتلوا الأَقرب لكم من الكفار فالأَقرب، بعد أَن تدعوهم إِلى الإِسلام فلا يستجيبوا، وأَغلظوا في قتالهم واشتدوا فيه حتى يحسوا بذلك فيسلموا لكم ويضعفوا أَمامكم، واعلموا أَن الله مع المتقين بالنصر والمعونة. {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)} التفسير 124 - (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا ... ) الآية. بعد أن بين الله ما يجب على المؤمنين في قتالهم لأَعدائهم، ذكر أَحوال المنافقين المنكرة توبيخًا لهم وتحذيرًا من شرورهم.

والمعنى: وإِذا أَنزلنا عليك يا محمد أَية سورة من سور القرآن فمن المنافقين من يقول لإِخوانه تثبيتًا لهم على النفاق، أَيكم زادته هذه السورة إِيمانًا، ومنحته يقينًا، يريدون بذلك أَنها لم تؤثر فيهم ولم تنتزع الشك والكفر من نفوسهم. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ): هذا وما بعده جواب من جهته تعالى يبين به حال أَهل ايقين، وحال أُولئك المنافقين. والمعنى: فأَما الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله مخلصين، فقد زادتهم السورة يقينًا بتدبُّرِهم فيها، ووقوفهم على ما فيها من الحقائق، وانضمام إِيمانهم بما جاء فيها إلى إيمانهم السابق، وهم يسرون بنزولها وبما فيها من المنافع الدينية والدنيوية. 125 - (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ): وأَما الذين في قلوبهم مرض من كفر وسوءِ عقيدة، فزادتهم السورة التي أَنزلناها كفرًا بها مضمومًا إلى كفرهم بغيرها، وعقائد باطلة وأَخلاقًا ذميمة، وماتوا وهم على هذه الحال المنكرة من الكفر والمفاسد. 126 - (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ): المراد من فتنتهم كشف نفاقهم وفضيحتهم على رءُوس الأَشهاد، وكان ذلك مرة أَو مرتين في كل عام كالذى حدث في غزوة أُحد، حين رجعوا من الطريق وكالذى حدث في غزوة الخندق حين قالوا: "إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا". وغير ذلك مما حدث منهم من المخالفات الخطيرة التي كشفها الله، وفضح فيها نفاقهم وكشف أَستارهم مرة بعد أُخرى.

والمعنى: أَيغفلون ولا يعلمون أَنهم يمتحنون في كل عام مرة أَو مرتين، وذلك بكشف نفاقهم في الأَحداث الجسام، ثم لا يتوبون عن هذا النفاق الذي كان سببًا في فضيحتهم، ولا هم يستغفرون الله مما حدث منهم، تحقيقًا لتوبتهم وندمًا على ما كان منهم، وعدولا عن تلك الأَساليب الذميمة التي توهن من شأْن المجاهدين عند لقاءِ المشكرين. 127 - (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا): بعد أَن بين الله مقالتهم السيئة وهم بعيدون من مكان نزول الوحى، وهى قولهم لإِخوانهم المنافقين: "أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا". جاءَ بهذه الآية لبيان حالهم السيئة، عندما يكونون في مكان نزوله. والمعنى: وإِذا نزلت سورة من القرآن وهم حاضرون، نظر بعضهم إِلى بعض متغامِزيِن بالعيون سخرية بها أَو غيظًا مما جاءَ فيها كشفًا لمخازيهم، يقول بعضهم لبعض إِشارة أَو همسًا: هل يراكم أَحد من المسلمين إِذا خرجتم من المجلس متسللين، ثم انصرفوا جميعًا من مجلس الوحى متفرقين مَللًا من سماع القرآن أَو هربًا من افتضاح أَمرهم. (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ): أَي صرف الله قلوبهم عن الإِيمان وفرائضه بسبب انصرافهم عن القرآن والتدبُّر فيه وجازاهم بعقوبة من جنس عملهم.

{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)} المفردات: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): شاق عليه ما تكرهون من مشاق الحياة، والعنت: المشقة. (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ): لا يفرِّط فيما يصلحكم. (رَءُوفٌ رَحِيمٌ): الرأْفة شدة الرحمة، ولا تكون مع الكراهية، أَما الرحمة فقد تكون مع الكراهية. التفسير 128 - (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ... ) الآية. أَي لقد جاءَكم يا معشر العرب رسول منكم عربى مثلكم ومن أَكرم بيت فيكم، وقد نشأَ بينكم فعرفتموه منشأ وخُلُقًا، وهذا الرسول يشق عليه كثيرًا ما يشق عليكم، حريص عليكم فلا يفرط في أَمر فيه خيركم ومنفعتكم، وبالمؤمنين منكم ومن غيركم عظيم الرأْفة والشفقة، وافر الرحمة. قال الحسن بن فضيل: "لَمْ يَجْمعِ اللهُ لأَحدٍ منَ الأَنبياءِ بينَ اثنينِ من أَسمائه إِلاَّ لِلنَّبى صلَى الله علَيه وسلَّم فَقَد سمَّاه رَؤُوفًا رَّحِيمًا".

وقد جاءَ في طيب أَصله من رواية الإِمام مسلم بسنده عن وائلة بن الأَسقع قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ واصْطَفَى قُرَيْشًا مِن كنانَة، واصْطَفَى مِن قُريْشٍ بَنِى هاشِمٍ، وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ". ويرى بعض المفسرين أَن الخطاب في قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. . .) الآية. للناس عامَّة، لأَن بعثته صلَّى الله عليه وسلَّم عامَّة لجميع الناس في جميع العصور، لقوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ". والمعنى: لقد جاءَكم أَيها الناس رسول من أَنفسكم أَي من جنسكم فهو بشر مثلكم إِذ لو كان من الملائكة، لضعفت قُوَّة البشر عن سماع كلامه والأَخذ عنه، ولا تعارض في هذا الرأْى مع الرأْى السابق، فإِن رسالته للعرب لا تنافى رسالته للناس أَجمعين. 129 - (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ): أَي فإِن أَعرضوا عن الإِيمان بك يا محمد فقل لهم: يكفينى الله ويعيننى عليكم، لا معبود بحق سواه، عليه وحده توكلت واعتمدت، فلا أَرجو سواه، ولا أَخاف إِلا منه، ولا أَستعين إِلا به، وهو رب العرش العظيم. والمراد من العرش إِما الفلك الأَعظم الذي تتنزل منه الأَحكام والمقادير، أَو السلطان والملك العظيم - والله تعالى أَعلم. * * *

سورة يونس

سورة يونس مكية كلها على المشهور وآياتها تسع ومائة ووجه المناسبة بينها وبين سورة التوبة التي قبلها أَن التوبة جاءَ في آخرها الثناءُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمزيد شفقته على المؤمنين، حيث وصف بأَنه يشق عليه ما يلحقهم من المكروه ويحرص عليهم وهو بهم رؤُوف رحيم، وجاءَ في أَول يونس توبيخ الناس على تعجبهم من أَن يوحى الله إِليه وهو رجل منهم - بأَن ينذر الكافرين ويبشر المؤمنين - وجاءَ في الأُولى بيان ما يفعله المنافقون عند نزول سورةٍ من القرآن. "وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ...... " الآية. وجاء في الثانية بيان ما يقوله الكفار في القرآن، فقد جاء فيها قوله تعالى حكاية عنهم: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)} الآية (38). وقوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ... } الآية (15). وجاء في الأُولى ذم المنافقين بعدم التوبة وعدم التذكر والاتعاظ إِذا أَصابهم البلاءُ في قوله سبحانه: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} الآية (126). وجاء في هذه ذم لمن يصيبه البلاء فيرعوى عن إثمه ثم يعود ثانية إليه وذلك في قوله تعالى: "وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ... " الآية (12). وقوله: "فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... " الآيتين (23،22). وفي الأُولى براءَة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المشركين، في قوله تعالى: "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ": وفي هذه أَمره بالإعراض عنهم في

مقدمة السورة

قوله سبحانه: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} الآية (41). وقد اشتركت السورتان في إقامة معالم التوحيد وتجلية آياته إِلى غير ذلك من المناسبات. مقدمة السورة افتتحت هذه السورة الكريمة بوصف القرآن الكريم، بأنه الكتاب الحكيم، وبيان أنه لا عجب في أَن ينزل الله الوحى على رجل من البشر لينذرهم بالعقوبة إن ظلوا كافرين، ويبشرهم بالمثوبة إن استجابوا مؤمنين، ثم تلا ذلك بيان أنه تعالى: أَبدع السموات والأَرض في ستة أَيام، وأنه لا شفيع إلا بإِذنه وأن المرجع إليه بعد الموت فكما بدأ الخلق يعيده، ثم ذكر الله بعد ذلك بعض آياته الكونية وما اشتملت عليه من المنافع لخلقه، ثم حذر من الاطمئنان إلى الحياة الدنيا والغفلة عن آياته، وانذرهم بقوله: {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. وبشر المؤمنين بجنات النعيم بقوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. ثم بين أنه تعالى أهلك القرون السابقة لكفرهم وجعل المعاصرين للرسول - صلى الله عليه وسلم - خلفاءَ في الأرض من بعدهم لينظر كيف يعملون. ثم ذكر تبجيح المشركين بطلبهم أن يأَتيهم الرسول بقرآن غير هذا أو يبدله، فأمر رسوله بأن يقول لهم: إن ذلك ليس من شأْنه فإنه يتبع ما يوحى إليه، وأَنه لبث فيهم عمرا وهو معروف بينهم بالصدق والأمانة فكيف لا يعقلون أَن مثله لا يفترى على الله.

ثم نعى عليهم عبادة غير الله وزعمهم أَن الأَصنام شفعاء لهم عنده، في حين أَن الله لا يسمح لها بالشفاعة فهو أَعلم بحالها، فلماذا ينبئون كذبًا بما هو أعلم بحقيقته من عدم صلاحيتها للشفاعة ولا لضرهم ونفعهم بأَى وجه من الوجوه. ثم ذكر فضله عليهم بتسييرهم في البر والبحر وأنهم حين تحيط بهم أَسباب الهلاك في البحر يدعونه لينقذهم، فإذا أَنقذهم عادوا إلى بغيهم في الأَرض مع أن بغيهم على أنفسهم. ثم ضرب مثلا للحياة الدنيا يفيد أَنها سريعة الزوال فقد مثلها بالأَرض المخضرة، التي أَصاب زرعها اليبس والجفاف فجأَة، فكانت حصيدًا كأَن لم تغن بالأَمس، وذكر أَنه تعالى يدعوهم إلى دار السلام، ويهدى عباده إلى صراط مستقيم فمن آمن فله الحسنى وزيادة، والذين كسبوا السيئات ليس لهم من الله من عاصم، ثم بين أنه هو الذي يرزق عباده من السماءِ والأَرض، ويمنح السمع والبصر ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر الأَمر كله أَما شركاؤهم فليس لهم من ذلك ولا من غيره شيء. ثم بين أنه ليس مستقيمًا ولا معقولًا أن يفترى محمَّد القرآن، وتحداهم أن يأْتوا بسورة مثله ويستعينوا على ذلك بمن شاءُوا من دون الله، ونعى عليهم أنهم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وهددهم بمصير من تقدمهم من المكذبين. ثم بين أَنهم ينقسمون في شأْن القرآن إيمانًا وكفرا، وأَمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أَن يقول لمكذبيه: {لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}. ثم بين أَن مرجعهم إِلى الله وأَنه شهيد على ما يفعلون، وأَنه سيقضى بين الأُمم بالقسط وهم لا يظلمون، وأن مصير الكافرين الظالمين لأنفسهم عذاب الخلد جزاء بما يكسبون من الكفر والمعاصي، وبين أنه لا مجال لقبول فدية من عذاب الله في الآخرة، ثم قال في حق القرآن الكريم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. ثم بين أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأنهم هم. {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ}. ثم أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتلو على قومه لتذكيرهم نبأَ نوح وقومه، كذبوا بآيات الله ولم ينفعهم تذكيره لهم، فنجاه الله ومن معه في الفلك من المؤمنين واغرق جميع المكذبين. ثم ذكر طائفة من أنباءِ المرسلين، وما أصاب أَقوامهم من إِهلاك بسبب تكذيبهم لهم ثم قال في أعقاب قصصهم: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} ثم بين أَن كل قرية لو أَنها آمنت قبل أَن ينزل بها العذاب، لنفعها إيمانها، ولكشف الله عنها عذاب الخزى كما فعل بقوم يونس، فإنهم لما آمنوا قبيل مجىء العذاب كشف الله عنهم عذاب الخزى، ومتعهم إلى حين فكانوا مثلا حسنًا في حسن الرأْى ونضج التفكير. ثم أمر الله نبيه أن يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. ثم أمره في آخر السورة أن يخبر الناس بأن الحق جاءَهم من ربهم. {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} وحضه في ختامها على الصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.

بسم الله الرحمن الرحيم {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} المفردات: {آلر}: قال السلف فيها وفي أَمثالها: الله أَعلم بمراده: ويأْتى تفصيل الحديث عنها في الشرح. {الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}: القرآن المشتمل على الحكمة وهي إِصابة الحق. {قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}: مكانة سابقة محققة في حسن الجزاءِ عند ربهم في الجنة والقدم والقدمة بضم فسكون: السابقة في الآمر. {لَسَاحِرٌ مُبِينٌ}: أي لساحر بين السحر واضحه: كذا قال الكافرون وهم كاذبون. التفسير 1 - {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}: {الر} تقدم الكلام مبسوطا على فواتح السور المماثلة لهذه في البقرة وآل عمران والأَعراف ونجمله هنا فنقول: إن السلف يعدونها من المتشابه الذي استأْثر الله بعلمه ولذا فهم يفوضون في مثل ذلك قائلين: الله أَعلم بمراده، وكثير من العلماءِ جنح إلى التأويل، فمنهم من قال إنها أَسماءٌ للسور التي تصدرتها، ومنهم من قال: هي فواصل بين

السور التي قبلها والسور التى تليها، ومنهم من قال غير ذلك: وخير ما قالوه: إنها أَسماءُ حروف عربية جعلت في صدر السور لتنبيه الأسماع والقلوب إِلى ما فيها من أعظم أَساليب البلاغة والفصاحة وما اشتملت عليه من التشريعات الحكيمة وأَخبار الغيب ونواميس الأخلاق الكريمة، وغير ذلك من الروائع الناطقة بإعجاز القرآن للبشر وصدوره عن الله تبارك وتعالى كما أن فيها الرمز إِلى التحدى، بالإشارة إلى أن القرآن مؤلف من جنس ما ينظم العرب منه كلامهم، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله، وجب التسليم بأنه من عند الله وأن محمدا لايستطيع أن يأْتى به فهو فوق مستوى البشرية جميعًا كما هو فوق مقدرة الإِنس والجن مجتمعين {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}. {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}: هذه الآيات الرفيعة الشأْن، التي اشتملت عليها هذه السورة الكريمة هي آيات القرآن العظيم الذي أُحكمت آياته، واشتمل على ضروب الحكمة وشتي فنونها فهو خاتمة الكتب السماوية والمهيمن عليها. 2 - {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ..... } الآية. كان للمشركين في شأْن الرسالة مواقف، فتارة بنكرون أن يكون الرسول بشرا، كقولهم {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} ويرون أنه تعالى لو أَراد أن يرسل رسولًا فإنه يختاره من الملائكة، وذلك ما حكاه الله عنهم بقوله: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} روى عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أَن الكفار قالوا لما بعث محمد: إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. وتارة يزعمون أن الله لو أَرسل رسولًا من البشر، فإنه يرسله من عظماء قومه في المال والجاه، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (¬1) ومن أَقبح ما جهلوا به في هذا الشأْن قولهم الْعجب أن الله تعالى لم يجد رسولًا يرسله إِلى الناس إِلا يتيم أبي طالب، وتلك النظرة الجاهلة ناشئة عن فرط ¬

_ (¬1) آية 31 من سورة الزخرف.

قصورهم في التفكير، وجهلهم بحقيقة الوحى والنبوة، وقد كان أَكثر رسل الله خفاف الحال في شئون الدنيا، ثقال الموازين في الشرف وطيب المحتد، وكان صلى الله عليه وسلم واسطة عقدهم في جلائل الأَخلاق وشرف المنبع، فقد كان من أَعز أرومة في الجزيرة العربية والآية تنكر عليهم عجبهم من أَن يكون الرسول بشرا. والمعنى: لا يصح لهؤلاءِ الناس أَن يتعجبوا من أننا أَوحينا إلى رجل منهم، أن ينذر الناس ويخوفهم عقاب الله إن عصوه وكفروا به، ويبشر الذين آمنوا برسالته، وعملوا الصالحات بأَن لهم سابقة محققة في الفضل وحسن الجزاءِ عند ربهم، فالنبوة للبشر لا للملائكة، كما تشهد به الكتب السماوية والتفاوت بين الناس ليس بالمال، ولا بالزعامة بل بالعقل والكمال والاستقامة، ورب رجل في أَعلى عليين بعقله وفضله، وآخر في أَسفل سافلين بجهله وحمقه، فما لهؤلاء المشركين ينكرون نُبُوةَ البشر ويطلبون رسلا من الملائكة، مع أنهم يستسيغون أُلوهية الحجر، {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}. وسميت سابقة الفضل قَدَمًا؛ لأَن السبق غالبا يكون بالقدم، فهي التي يسعى بها المؤمن إِلى الصالحات، في أَكثر الحالات، كما سميت النعمة يدا لأَنها تعطى باليد غالبا. وأَضيفت القدم إِلى الصدق للإيذان بأَنهم ينالونها بصدق القول والعمل والنية {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ}: أي قال الكافرون إِن محمدا لساحر ظاهر السحر، والآية تشير إلى أن الرسول لم تقصر معجزاته على القرآن الذي هو أَقوى معجزاته، بل أَظهر لهم خوارق ومعجزات أُخرى غير القرآن الكريم، فوصفوه لهذا كله بأَنه ساحر مبين، وقد كذبوا فيما زعموه، فما هي إِلا آيات الحق المبين: وكيف يترك الله ساحرا متقولًا علي الله ولا ينتقم منه، وصدق الله إِذ يقول {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}.

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} المفردات: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}: أي في ستة أَوقات لا يعلم مداها إلا الله تعالى أمَّا اليوم المعروف فإنه لم يحدث إلا بعد خلق السموات والأرض. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: ثم استولى عليه، ومنه قول الشاعر استوى بشر على العراق. من غير سيف ودم مهراق. أي ثم استولى على العرش ليدبر شئونه وشئون الكون كُله، ولم يغلبه عليه أَحد، فهو وحده الخالق الدبر، وسيأتى في المعنى الحديثُ عن العرش. {بِالْقِسْطِ}: بالعدل. {شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ}: شراب من ماء شديد الحرارة. التفسير 3 - {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}: جاءَت هذه الآية لإظهار بطلان تعجبهم من أن الله أَرسل إليهم رجلًا منهم لينذرهم ويبثسرهم، ولبيان خطيئتهم في وصفه بأنه ساحر مبين.

والمعنى: إن ربكم ومالك أموركم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أَوقات بعيدة المدى لا يعلمها إِلا الله، اقتضاها تطوير خلقها من دخان إِلى نجوم وكواكب وأرضين يابسات، ثم استوى على العرش وملك سلطان الكون وهيمن عليه، فكيف تعجبون من أَنه أَوحى إلى رجل منكم هو في أعلى درجات الكمال الإنسانى ليبلغكم شريعته، ويحذركم نقمته إن عصيتموه، ويبشركم بحسن العاقبة إن أطعتموه، وكيف تصفونه وهو الصادق المصدوق بأنه ساحر مبين، مع أنه لم يمارس السحر طول حياته وقد عرفتموه فيما بينكم بالصادق الأَمين، فهل يعقل عاقل أن يؤيد الله رب هذا الملك والكون وخالق هذه الأرض والسموات وصاحب هذا العرش والسلطان، كيف يعقل أن يؤيد بشرًا بالمعجزات وهو غير صادق في دعوى الرسالة وكيف تصفون من أيده الله بأنه ساحر مبين. واعلم أيها الأخ المسلم، أنه لا ينبغى أَن تورط نفسك في فهم المراد من اليوم، فأَيام الله من شأْنه وحده، ولا علم لنا بها، فتارة يكون يومه تعالى كألف سنة مما تعدون، وأخرى يكون كخمسين أَلف سنة، وثالثة يكون أقل أو أكثر من ذلك بما لا يعلمه إلا الله، واليوم في هذه الأيام الستة يمثل طورًا من أَطوار التكوين، وربما جاوز ملايين السنين فدع تقديره لمن هو أعلم به جل وعلا. أما اليوم الذي يطلق تارة على النهار الواحد أَو على مجموع ليل ونهار فإنه لم ينشأَ إلا بعد تكوين الشمس والقمر والأرض ودورانها حولها وهو خاص بأَرضنا هذه، ولكل كوكب نهاره وليله اللائقان بحجمه وبما خلق من أَجله. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: ويطلق العرش في اللغة حقيقة على سرير الملك ومجازًا على العز والسلطان، ويطلق الاستواء على الاعتدال وعلى الإقبال وعلى الاستيلاء. والمعنى اللائق باستوائه سبحانه على العرش هو استيلاؤه على سلطان الكون وتمكنه منه ومن تدبيره دون شريك، أَما تفسيره بمعنى الاعتدال والجلوس على سرير الملك، فهو أمر يجب تنزيه المولى عنه؛ لأنه ليس جسما ولا مادة وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

والسلف لا يؤولون ويأْخذون بظاهر النص، ولكنهم ينزهون المولى عن أَن يكون استواؤه على العرش، كالذى يحدث من الملوك، بل هو أَمر يليق ينزهه تعالى عن مشابهة الحوادث ويجل عن تصور العقول. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}: شروع في بيان شئونه المترتبة على ملكه وسلطانه سبحانه وتعالى، وتدبير الأمر معناه لغة النظر في أَدبار الأُمور وعواقبها، لتجىءَ محمودة العاقبة. والمعنى: يقدر الله أمور الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به مشيئته، ومن ذلك أَمر الرسالات والرسل كما قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (¬1). {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}: في هذا النص الكريم تقرير لعظمته عَزَّ وَجَلَّ واستقلاله في التدبير، ورد على من زعم منهم أَن آلهتهم تشفع لهم عند الله. والمعنى: ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأَوقات، إِلا من بعد إذن الله المبنى على الحكم الباهرة، وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأَخيار، والمشفوع له ممن تليق به الشفاعة من عصاة المؤمنين. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: ذلكم الموصوف بتلك الأوصاف الجليلة هو الله ربكم المنعم المتفضل عليكم الذي يدعوكم رسوله محمد إلى عبادته، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا، أَتغفلون عن مصلحتكم فلا تتعظون بتلك المواعظ وغيرها مما ينزل به القرآن الكريم. 4 - {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا}: إلى الله تعالى وحده رجوعكم جميعًا بالبعث والحشر لا إلى غيره، وعد الله ذلك وعدا حقا لا خلف فيه، فامتثلوا أمره واجتنبوا نههيه، لتنالوا ثوابه وتنجوا من عقابه. ¬

_ (¬1) سورة الأعراف، من الآية: (54)

ثم بين قدرته على البعث والحكمة فيه فقال: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ..... }: إنه يبدأُ الخلق لا على مثال سبق، ثم يعيده في النشأَة الأُخرى على ما كان عليه، ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات بعدله تعالى على حسب أعمالهم كما وكيفا، ويزيدهم من فضله. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}: والذين كفروا بالله ورسله، ولم يهتموا بالآيات والنذر ولم يؤمنوا بيوم الحساب، لهم شراب من ماءٍ شديد الحرارة يغلى في البطون كغلى الحميم، ولهم فوق ذلك عذاب شديد الإيلام بسبب إصرارهم على كفرهم واستمرارهم عليه. {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} المفردات: {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً}: أَي جعلها ذات ضياءٍ، ويصح أَن يكون هذا التعبير على المبالغة، بجعلها نفس الضياء، ومثل ذلك يقال في جعل القمر نورًا. {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ}: أَي وقدر كلا من الشمس والقمر ذا منازل، ينزل فيها وينتقل إِليها بنظام دقيق في مداره الفلكى. {مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ}: أَي ما خلقه إلاَّ مقرونا بالحكمة والمصلحة.

{إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: أَي في تعاقبهما وكون كل واحد منهما خِلفة للآخر، أَو في تخالفهما ظلمة وضياء وطولا وقصرًا وغير ذلك. التفسير 5 - {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا}: بعد أَن نبه الله عباده إِلى أنه سيعيدهم في النشأة الآخرة كما بدأَهم في النشأة الأُولى، ليجزيهم بما عملوا بالحق والعدل نبههم إِلى آيات قدرته وآثار رحمته، ومظاهر نعمته بجعل الشمس ضياءً والقمر نورًا ليشكروه ولا يكفروه، ويرجوه ويحذروه. والمعنى: هو الذي جعل الشمس مصدر ضياءً ذاتى ساطع تنبعث منه الحرارة، فتنشأُ الكائنات الحية من نبات وحيوان، وتعيش وتنشط بما تبثه فيها من أَسباب الحياة والخفة والنشاط، وتسعى في سبيل رزقها مستضيئة بأَشعتها. وجعل القمر ذا نور هادىءٍ يهتدى به السارون في البر، والماخرون في البحر بعد أَن غابت الشمس بضيائها تحت الأُفق، وأَرخى الليل سدوله على وجه الأَرض. {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}: وقدر الله كل واحد من الشمس والقمر ذا منازل في مداره الفلكى ينتقل إِليها، لتعلموا بانتقال كل منهما إِليها عدد السنين التي تمر بكم وتصبطوا بها مصالحكم ومواقيتكم في مواثيقكم ومختلف شئونكم، ولتعلموا حساب الأوقات من الشهور والأيام، التي نيطت بها مصالحكم الدنيوية والأُخروية ونسبة الضياء إِلى الشمس والنور إِلى القمر؛ لأن ما كان بالذات يطلق عليه ضياء، وما كان بالعرض يطلق عليه نور، ولما كانت أشعة الشمس ذاتية أطلق عليها ضياء، ولما كانت أَشعة القمر منعكسة عليه من أشعة الشمس، أُطلق عليه نور وقيل النور أعم من الضوء، فالنور يشمل القوى والضعيف بخلاف الضوء فإنه خاص بالقوى فلذا يقال نور الشمس وضوؤها أما القمر فيضاف إليه النور دون الضوءِ، وقيل غير ذلك، وبانتقال الشمس في هذه البروج ذات المنازل توجد الفصول الأربعة في العام الشمسى وبانتقال القمر في هذه البروج ذات المنازل تكون أَوائل الشهور وأواخرها والله تعالى أَعلم.

{مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ}: ما خلق الله ذلك الذي تقدم من الشمس والقمر وأَحوالهما إلا مقرونا بالحق، مراعى فيه الحكمة والمصلحة، فلم يخلقه عبثا ولا باطلا. {يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: يفصل الله تعالى هذه الآيات الكونية وغيرها مما اشتمل عليه القرآن الكريم، يفصلها لقوم من ذوى العلم والعقل ليتدبروها ويؤمنوا بمبدعها، ويمتثلوا أَمره ويجتنبوا نهيه. {يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}. 6 - {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ}: بعد أَن بين آياته ونعمه في الشمس والقمر، عقَّبها بالإِشارة إِلى آياته في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض. والمعنى: إن في تعاقب الليل والنهار، وكون كل منهما خلفا للآخر، وفي اختلافهما بالظلام والضياءِ، ليكون الليل بظلامه قرارًا والنهار بنوره نشورًا، وفي تمايزهما بالزيادة والنقصان بالتداول بينهما - إن في ذلك كله - وفيما خلق الله في السموات والأرض من بدائع رائعة، ومنافع كثيرة، ونعم شاملة لآيات شاهدات بوجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته ووافر فضله ورحمته لقوم يتقون المعاطب تنبههم إلى طريق السلامة.

{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} المفردات: {لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}: لا يتوقعون الرجوع إلى الله تعالى. {مَأْوَاهُمُ}: مسكنهم ومقرهم. التفسير 7 - {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ}: هذه الآية والتي تليها تبين مصير من كفر بالبعث وغفل عن آيات الله تعالى. والمعنى: إِن الذين لا يتوقعون لقاءَ الله يوم الحساب، ورضوا بالحياة الدنيا معتقدين أنها لا حياة بعدها، فعملوا لها وغفلوا عن غرورها وخداعها، وسكنوا فيها سكون من لا يبرحها آمنين من المزعجات، والذين هم غافلون عن آيات الله في كونه وعلى أَلسنة رسله فلم يتزودوا ليوم الوعيد. 8 - {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: أُولئك الذين تقدمت صفاتهم السيئة، مرجعهم النار بما واظبوا على كسبه من الكفر والمعاصي.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} المفردات: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ}: تجرى من تحت قصورهم في الجنة. {دَعْوَاهُمْ فِيهَا}: أي دُعَاؤهُم فيهَا. التفسير 9 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}: بعد أن بين الله في الآيتين السابقتين أن الكافرين بلقاء الله الغافلين عن آياته مأْواهم النار، بسبب ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصي، جاءَ بهذه الآية والتي تليها لبيان أَن مصير المؤمنين الجنة، بسبب إيمانهم الممزوج بالعمل الصالح، وَبضِدِّها تتميز الأشياءُ. والمعنى: إن الذين آمنوا بلقائنا وبكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا ما ينبغي لهذا الإيمان من الأَعمال الصالحات، يهديهم ربهم بسبب ذلك إِلى مأْواهم الذي أَعده لهم في الجنة، حسب درجات أَعمالهم، فينزلون فيه مكرمين، تجرى من تحت قصورهم الأنهار في جنات النعيم الخالص من كل شائبة تنغص حياتهم. 10 - {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ}: الدعوى هنا بمعنى الدعاء، أَي: دعاء المؤمنين الصالحين في الجنة قولهم سبحانك اللهم.

وقد جرى عرف الشرع على إطلاق الدعاءِ على التهليل والتحميد والتمجيد والتسبيح ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أكْثر دعائى ودُعَاء الأَنبيَاءِ قَبْلى بِعَرفات: لَا إِله إِلَا الله وَحْدهُ لا شَريكَ لهُ، لَه الملْك ولَه الحَمد، وهُوَ علىَ كلِّ شَىءٍ قَدير"، وفي تعليل ذلك يقول ابن الأثير: إنما سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء، لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله تعالى وجزائه. وفي الحديث: "إذا شَغَل عَبْدى ثَنَاؤُه علىَّ من مسْأَلتى، أَعطَيتُه أفضَل ما أُعطى السَّائِلينَ". {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}: وما يُحيَّونَ به في الجنة لفظ السلام الدال على الأمن والطمأْنينة والسلامة من كل مكروه. وهذا السلام يقوله الله تعالى لهم، كما قال تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ويقوله بعضهم لبعض، ويقوله الملائكة لهم توكيدًا لمعانى الأَمن والسلامة والطمانينة دائمًا. {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: أي وآخر دعائهم وذكرهم لربهم أنهم يقولون الحمد لله رب العالمين، ويُرَى من الترتيب الذكرى في الآية الكريمة أنه حكاية للترتيب الوقوعى في الجنة، وذلك أَن أهلها من المؤمنين حين يشرعون في الدعاء يسبحون الله تعالى وينزهونه فيقابلون بالسلام، وهو دعاء بالسلامة من كل مكروه تقوله الملائكة لهم، ويقوله الله تعالى لا دعاء بل طَمْأنَةً وتحيه لهم منه جل وعلا، ثم يختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين، وهكذا يستمر شأنهم بكرة وعشيًّا كما يشير إليه حديث في وصف أَهل الجنة "يُسَبحُونَ الله بُكْرَةً وَعشِيًّا" أي يسبحونه تعالى من آن لآخر.

{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} المفردات: {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}: لانتهى الأجل الذي قدره ألله لعذابهم وأُميتوا جميعا وما أُمهلوا لحظة واحدة. {لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}: لا يتوقعون الرجوع إلينا لإنكارهم البعث. {فِي طُغْيَانِهِمْ}: الطغيان؛ مجاوزة الحد في الظلم والمراد هنا إِنكارهم البعث وتكذيب الرسل وارتكاب ما يترتب على ذلك من المفاسد والموبقات. {يَعْمَهُونَ}: يترددون ويتحيرون. {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ}: وإِذا أَصابه أَي ضرر. {دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا}: تضرع إلينا وهو مضطجع على جنبه أَو دعانا قاعدا أَو قائما، طالبا إِزالته عنه.

{مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}: أَي مضى واستمر على ما كان عليه قبل البلاء من التكديب، كأَنه لم يلجأ إلينا لإزالة ما أَصابه. {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: حسن للمتجاوزين الحد في ارتكاب القبائح ما عملوه منها. التفسير 11 - {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ}: بعد أَن ذكر القرآن الكريم طائفة من جرائم الذين ينكرون البعث والجزاءَ، جاءَت هذه الآية تحكى معصية أُخرى من أَشنع معاصيهم المترتبة على ذلك، وهي استعجالهم لنزول العذاب الذي توعدهم القرآن به، مبالغة منهم في الاستهزاءِ بمجيئه والتكذيب بوقوعه. والمعنى: ولو يعجل الله تعالَى لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث، ولا يتوقعون الرجوع إِلى الله الواحد القهار، لو يعجل لهم - سبحانه - العذاب الذي كانوا يستعجلون به، مثل إسراعه بتحقيق الخير لهم عند استعجالهم به وطلبهم إِياه. {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}: أي لأَنهى الله إليهم مدتهم التي قدرها الله لعذابهم، واستؤْصلوا بإهلاكهم جميعًا عن آخرهم، وما أُمهلوا لحظة واحدة جزاءَ جرأَتهم، كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ...... } (¬1) ولكنه سبحانه يمهلهم ولا يعجل لهم الشر الذي طلبوه ولا ينهى إِليهم أَجلهم، وإنما يتركهم إمهالا لهم واستدارجا، كما قال تعالى: {فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}: أَي فنترك الذين لا يتوقعون لقاءنا يوم البعث ولا يصدقون بيوم القيامة، غارقين في ظلمهم الذي تجاوزوا فيه ¬

_ (¬1) سورة فاطر الآية: 45

الحدود، وهو إنكارهم البعث وتهاويهم في التكذيب وارتكابهم كل قبيح من الأَقوال والأَفعال - ندعهم في هذا الحال السيء يترددون ويتحيرون، ولا نترفق بهم بسبب تماديهم في البغى. 12 - {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا}: في الآية السابقة إشارة إلى أن الكفار كانوا يستعجلون نزول العذاب الذي توعدهم الله به استهانة بشأْنه، وفي هذه الآية الكريمة بين سبحانه أنه لو نزل بالإنسان أَدنى مكروه، فإِنه يدعو الله في كل حال راجيا إنقاذه منه وإزالته عنه لعجزه عن احتماله وحيث كان أَمرهم كذلك فكيف يستعجلون عذابه. والمعنى: وإذا أَصاب الإنسان أَي ضرر من مرض أو فقر أَو غير ذاك من الشدائد دعا الله طالبا كشفه عنه وتخليصه منه - دعاه - في حال اضطجاعه على جنبه أَو في حال قعوده، أَو في حال قيامه. والمراد أنه يتضرع إلى الله ليكشف ضره على أي حال يكون، وإنما خصت هذه الثلاثة بالذكر لأَنها أَغلب أَحوال الإنسان، ثم بين القرآن أَن هذا الذي تضرع إلى الله لرفع ما نزل به من البلاء رجع بعد تخليصه منه إلى الكفر والضلال، فقال تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}: أَي فلما استجبنا له وأَزَلْنا عنة الضُّرَّ الذي نزل به، مضى واستمر على طريقته التي كان عليها من التكذيب والعناد قبل أن يمسه الضر، وَنَسِى ما كان فيه من الجهد والبلاءِ كأَن لم يدعنا إلى كشف ضُرٍّ مسه، وإزالةِ مكروه نزل به. {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أي مثل هذه الحال العجيبة التي تنكروا فيها لله تعالى ورجعوا إلى الضلال الذي كانوا فيه، زين الشيطان للمسرفين في الكفر والمعاصي، ما كانوا يعملونه من الانغماس

في الشهوات، والانهماك في الفجور والعصيان، والإعراض عن التوحيد والطاعات، وسموا مسرفين لأَن الله أَنعم عليهم بنعمة الفِكْر والعَقْل وسائر قوى الإدراك، ليستعملوها في تحصيل الخير وعمل الصالحات وتعلم العلوم النافعة، فاستحبُّوا العمى على الهدى واستعملوها في الظلم والتكذيب والفساد، وذلك هو الإسراف، ويستفاد من الآية الكريمة ذم الذين يتركون دعاءَ الله فى الرخاءِ ويتضرعون إِليه عند نزول البلاءِ، والجدير بالمؤْمنين أَن يلجأُوا إلى الله في السراءِ أَيضا، فإن ذلك أَرجى للإجابة في الضراء ففي حديث البخاري: "تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِى الرَّخَاءِ يعْرِفْكَ في الشِّدةِ". وفي حديث الترمذي عن أَبي هريرة: "مَنْ سَرَّهُ أَن يَسْتَجِيبَ الله - تَعَالَى - لَهُ عِنْدَ الشدَائِدِ وَالْكُرُوب فَلْيُكْثِر الدُّعَاءَ في الرَّخَاءِ". والآثار في ذلك كثيرة، والمراد من الإنسان: الجنس المتحقق في الكافر الذي يلجأُ إلى الله في الشدة وينساه بعد إنقاذه منها. ثم أخبر القرآن الكريم المخاطبين بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - بإِهلاك المكذبين من الأُمم السابقة ليكون إنذارا لمن جحدوا نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: 13 - {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}: أي ولقد أهلكنا الأُممَ الماضية من قبل زمانكم يا أَهل مكة مثل قوم نوح وعاد وثمود وأَمثالهم حين ظلموا بتماديهم في الغى والضلال وتكذيبهم لرسلهم، وقد جاءوهم بالآيات الواضحة والحجج الظاهرة الدالة على صدقهم، كذبوهم في هذه الحالة التي لا ينبغى فيها التكذيب والكفران، لأنها تدعو إِلى التصديق وتقتضى الإيمان.

ثم بين القرآن أَن هؤلاء لا يستقيم منهم إيمان، ولا يصح منهم إِذعان لفساد فطرتهم بإصرارهم على رد رسالات الله في قوله: {وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا}: أَي وما صح لهؤلاءِ المُصِرين على الكفر والفساد أَن يؤْمنوا لبعدهم عن الإيمان، إذ أَفسدوا فطرتهم بسوء اختيارهم الضلالة على الهدى، مع وضوح الحجة وسطوع البرهان. {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}: أي مثل ذلك الجزاءِ الألَيم الذي حلّ بالمكذبين من الأُمم الماضية، نجزى كل طائفة أَجرمت وطغت وبغت وكفرت بأنعم الله. وفي الآية تهديد لكفار مكة بأَن يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم، فقد اشتركوا مع المهلكين السابقين فما يقتضي الإهلاك وهو كفرهم برسل الله. {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}. المفردات: {خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ}: خلفاءَ في الأَرض بعد إهلاك المكذبين السابقين. التفسير 14 - {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}: بعد أن أوضحت الآية السابقة سبب إِهلاك الأُمم السابقة وهو أَنهم أَتتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا، جاءَت هذه الآية توضح لأُمة محمَّد صلى الله عليه وسلم أَنهم خلف للأمم السابقة، وفي محل الاختبار فقال تعالى:

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}: أَي: ثم جعلناكم أيها المخاطبون بشريعة محمَّد صلى الله عليه وسلم خلفاءَ في الأرض تصلحون ولا تفسدون، من بعد أن أَهلكنا المكذبين قبلكم، الذين تسمعون أخبارهم وتشاهدون آثارهم. {لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}: أي استخلفناكم من بعدهم. لنعلم واقعًا منكم وموجود أَي عمل تعملون خيرًا كان أَو شرًّا، مع ثبوت علمنا أَزلا بما سيكون منكم، ليكون الجزاءُ على ما يقع منكم فعلا. والمراد: أنه تعالى يعاملكم معاملة من يختبر إِنسانًا، ليظهر من أَمركم، ما علم أَزلا أَنه سيحدث منكم باختياركم لتقوم به الحجة عليكم، فيجازيكم على ما صدر منكم. وأُسلوب الآية يشعر باستمالة المخاطبين نحو الإيمان، إذ الأصل أَن يكون الاستخلاف بعد اختيار، فإذا شعر المخاطب أَنه اختير لما استخلف فيه، لَانَ قلبهُ وانجذبتَ نفسه نحو القيام بعمل الصالحات. {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}

المفردات: {لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}: لا يتوقعون مجىءَ البعث، والمراد أَنهم ينكرونه. {وَلَا أَدْرَاكُمْ}: ولا أعلمكم الله بالقرآن عن طريق الوحى به إلىَّ. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ}: أَي فقد أقمت بينكم زمنًا طويلا من قبل نزول القرآن علىَّ. {لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}: أيُّ لا ينجون مما يحذرون ولا يفوزون بما يطلبون. التفسير 15 - {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ....... } الآية. في الآية السابقة خطاب من الله تعالي لأهل مكة يخبرهم فيه باستخلافهم في الأرض، بعد إهلاك المكذبين من الأُمم الماضية، تليينًا لقلوبهم، واستمالة لهم إلى الإِيمان، ثم جاءَت هذه الآية تعدد بعضًا من جرائمهم الدالة على أَنهم لم يستجيبوا لدعوة الإيمان، ولم يقوموا بما يقضى به استخلافهم، فقد بينت إصرارهم على الكفر بآيات القرآن البينات، والتكذيب بكل ما جاءَ به الرسول صلى الله عليه وسلم، كدأْب من أُهلكوا قبلهم بتكذيبهم. والمعنى: وإذا تتلى منك أيها الرسول علي هؤلاءِ المكذبين المعاندين آياتنا العظيمة الصادقة، التي أنزلناها عليك واضحة في دلالتها على التوحيد وإِبطال الشرك، مرغِّبة في الإيمان منفِّرة من العصيان. {قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ}: أَي وإذا تلوت عليهم أَيها الرسول آياتنا العظيمة الصادقة قال الذين لا يتوقعون البعث ولا يؤمنون بيوم القيامة ردًّا لها وكفرًا بها، أحضر يا محمد قرآنًا غير هذا القرآن الذي تتلو منه علينا.

أَي جىءَ بكتاب آخر نقرؤه لا تكون فيه آيات تخبر عن وقوع البعث ويكون خاليًا مما نكره، من ذم آلهتنا ووعيد من يعبدها بالعقاب الشديد، وهم بهذا الطلب يريدون تغيير القرآن كله، بما فيه مما ينكرونه أما قولهم: (أوْ بَدِّلْهُ) فهم يريدون به تبديل الآيات التي تسفه عقولهم وعقول آبائهم وتثبت البعث والعقاب على الشرك بآيات خالية عن ذلك مع استبقاءِ سواها. ولا شك في أنهم قصدوا من هذا الطلب الكيد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بناءً على طمعهم في تحقيق إِجابته لهم، ليتوسلوا بذلك إلى الاستهزاء به والسخرية منه، وإلزامه بما جاءَ به مما يوافق هواهم ورأْيهم في آلهتهم، كما اقترحوه عليه، وحينئذ لا يبقى له ولا لنبوته شأْن فيهم. وقد أَمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أَن يرد عليهم بقوله: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي}: أَي قل أَيها الرسول لهؤلاء المتعنتين، ما يصح وما ينبغي لى أَبدًا أَن أضع آية مكان آية أُخرى من جهتى وبرأْيى دون أَمر من الله سبحانه وتعالى. والمراد بهذا الجواب رد الاقتراحين معًا لأن تبديل آية مكان آية، أخف من الإتيان بقرآن غير هذا القرآن الذي نزل، وإذا امتنع السهل واستحال امتنع الصعب واستحال بالطريق الأولى، ومما أمر به - صلى الله عليه وسلم -، بيانا بشأْنه وحاله في تلقى الشريعة وإِبلاغها للناس قوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}: أَي ما أَتبع أَيها الناس فيما أَفعل وأَترك إلا ما ينزل به الوحى من عند الله دون أَن أُغَيِّر منه شيئًا، وكذلك أَمر الله أن يقول تعليلا لاتباعه الوحى وامتناعه من التبديل: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: أي إني أَخاف إن عصيت مولاى الذي أرسلنى، بترك السير في طريق الوحى المستقيم، أَخاف عذاب يوم عظيم تكثر فيه الأهوال وتشتد الكربات وهو يوم القيامة. 16 - {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ...... } الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم في الآية السابقة أن لا سبيل إلى ما اقترحوه تعنتًا، جاءَت هذه الآية الكريمة تثبت أن القرآن حق، وأنه من عند الله العزيز الحكيم.

والمعنى: قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنكرين عنادًا واستكبارًا: لو شاء الله تعالى أَن لا يجعلْنى رسولًا إِليكم ما تلوته عليكم ولا أَدراكم به عن طريقى، فإِن ذلك مما لا سبيل لى إليه. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: أَي فقد أَقمت بينكم زمنًا طويلًا مقداره أَربعون سنة، عرفتم فيها جميع أَحوالى وأحطتم خيرًا بكل أَقوالى وأَفعالى من قبل أن ينزل القرآن على، فقد كنت لا أتكلم بينكم بما يشبه القرآن فى نظمه المعجز، ومعناه الموضح لأحكام الشريعة من عبادات ومعاملات وأَخلاق، وأَخبار الأمم الماضية مع رسلهم، وغير ذلك مما جاء به القرآن، كما كنت معروفًا بينكم بالصدق والأَمانة، أَتغفلون عن ملاحظة ذلك فلا تدركون وجوب كونه من عند الله العزيز الحكيم، ولا تعقلون امتناع صدوره عن مثلى، وكيف يعقل أَن أُعرف بينكم في هذا العمر الطويل، بأننى لا أَكذب على الناس، ثم أَكذب على الله المنتقم الجبار، إِن استحالة صدوره عني أمر لا يخفى على من كان له أَدنى فكر وأقل تدبر. 17 - {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}: بعد أَن أَفادت الآية السابقة أن القرآن الكريم نزل بأمر الله تعالى ومشيئته على رسوله صلى الله عليه وسلم جاءَت هذه الآية تبين للناس أَن من اختلق كلامًا من عند نفسه ونسبه إلى الله تعالى يكون أَظلم الظالمين. والمعنى: إذا كنت التزمت الصدق والأمانة مع الناس لأن الكذب ظلم، فلهذا يستحيل أن أفترى الكذب على الله فلا أحد أَعظم ظلما من الذين يختلقون على الله ما لم ينزله عليهم، أو يكذبون بآيات الله سبحانه وتعالى. والمراد بيان براءَته - صلى الله عليه وسلم - مما جوزه المشركون في حقه من الافتراءِ عل الله والتنبيه على أنهم هم أظلم من كل الظالمين، إذ كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وكفروا بجميع ما جاءَ به من عند ربه.

{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}: أَي إِن الشأْن الثابت عنه تعالى في علمه القديم - أَنه لا يفوز أَي مجرم بمطلوب بطلبه ولا يسلم من مكروه يخافه فلا ينجوا الذين افتروا على الله وكذبوا آياته بالأَولى لأَن جرمهم أَشد وأَشنع. {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} المفردات: {أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}: أَي أتخبرون الله بشفعاء لا يعلمهم في السموات ولا في الأرض، والمراد نفى وجودهم إِذ لو وجدوا لعلمهم الله سبحانه. {أُمَّةً وَاحِدَةً}: جماعة متفقة على الحق في أصل الفطرة. {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ}: أَي ولولا قضاءُ الله بتأْخير الفصل بين المحق والمبطل إلى يوم القيامة. التفسير 18 - {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ...... } الآية.

بعد أَن ذكرت الآيات السابقة طائفة من جرائم الكفار أهل مكة، جاءت هذه الآية الكريمة تحكى عنهم جناية أُخرى لعلها السبب في تلك الجنايات السابقة. أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كان النضر بن الحارث يقول إذا كان يوم القيامة شفعت لى اللات والعزى فنزلت هذه الآية. {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ}: أَي ويعبد هؤلاء المشركون من أهل مكة غير الله أَصنامًا جعلوها له سبحانه شركاءَ في العبادة في حين أنها لا تستطيع أَن تلحق بهم ضررًا ولا أَن تجلب لهم نفعا، وشأْن المعبود أن يكون قادرًا على الضر والنفع. {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}: أي ويقول هؤلاء المشركون تبريرًا لعبادتهم لها: هؤلاءِ الأوثان شُفَعَاؤُنَا في الحياة الدنيا نتوسل بها إِلى الله لإصلاح معاشنا وكل ما يهمنا من شئون هذه الحياة، وشفعاؤنا في الآخرة إن كان هناك بعث أَو نشور كما زعمتم، يشفعون لنا في تخفيف العقاب عنا. وبهذا التأْويل ظهر أنه لا تنافى بين ما فهم من هذه الآية وبين الآيات الدالة على إِنكارهم البعث كقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} وأمثاله. وحال هؤلاء المشركين إِن دل على شيءٍ فإنَّما يدل على فرط جهالتهم وفظاعة حماقتهم، إذ تركوا اللجوءَ إِلى الخالق النافع الضار، وتوسلوا بما يقطع الحس والنظر بأَنه لا يضر ولا ينفع. ثم أمر الله تعالى، رسوله - صلى الله عليه وسلم - أَن يقول لهم تبكيتًا وتقريعًا: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}: أَي قل أَيها الرسول لهؤلاءِ الحمقى إنكارًا عليهم وتوبيخا لهم، وسخرية منهم، أتخبرون الله تعالى بشىءٍ لا وجود له أصلًا في السموات ولا في الأرض، وهو أَن الاصنام شفعاؤُكم

عند الله تعالى إذ لو وجد ذلك فيهما وثبت، لعلمه الواحد الصمد علام الغيوب في جميع الكائنات، فما لا يعلمه فهو معدوم وليس له وجود، فالمراد من نفى علمه تعالى به نفى وجوده فما لا يعلمه فهو معدوم وليس له وجود. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}: أَي تنزيهًا لله تعالى عن إِشراكهم الذي بنوا عليه هذا القول الزائف، وعن الشركاءِ الذين يشركونهم في العبادة معه تعالى. 19 - {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}: بعد أَن أشار القرآن الكريم إِلى أن التوحيد هو الدين الحق وأَن الشرك والانحراف ظلم عظيم، وجهالات ابتدعها أهل الغى والضلال، جاءت هذه الآية تؤكد هذا المعنى وتقرره، إذْ أَفادت أن التوحيد ملة قديمة اجتمعت عليها الأُمم قاطبة فطرة وتشريعًا. {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا}: أَي وما كان الناس كافة من لدن آدم عليه السلام إلا متفقين على الحق والتوحيد، وظلوا كذلك حتى أَغوى الشيطان فريقًا منهم فكفر، وثبت الآخرون على التوحيد الذي فطروا عليه فخالف كل من الفريقين الآخر. {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ}: أي: ولولا أَن قضى الله في سابق علمهِ بتأْخير الفصل بين المؤمنين وغيرهم إلى الأَجل الذي حدده في سابق علمه وهو يوم القيامة. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}: أي: لحكم بينهم عاجلًا في الدنيا بإهلاك المبطلين.

{وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} التفسير 20 - {وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ}: تحكى هذه الآية الكريمة جناية أُخرى من جنايات أهل مكة، حين بينت أَنهم علقوا إيمانهم على نزول آية سوى ما أنزله الله تعالى من المعجزات وفي مقدمتها القرآن الكريم. والمعنى: ويقول الكافرون من أهل مكة - تعنتًا وعنادًا - هلا أَنزل الله على محمد آية من الآيات التي اقترحناها لنؤمن به رسولا من عند الله. فأَنت تراهم لفرط عتوهم وشدة تماديهم في المكابرة والضلال، لم يعدُّوا ما جاءَ به من الآيات البينات والمعجزات الباهرات كافيًا لقبولهم الهدى والدخول في دين الله وقد أُمر صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم في قوله: {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ}: أي فانتظروا نزوله إني معكم من المنتظرين، لكننى منتظر ما يفعله الله بكم، لاجترائكم جحود آياته. {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} المفردات: {أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً}: أَنعمنا عليهم بالرحمة والمراد بها الصحة والسعة.

{مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ}: أَي من بعد ضراءَ أَصابتهم حتى أَحسوا بشدتها عليهم. {إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا}: المراد بالمكر هنا الطعن في آيات الله وعدم الاهتداءِ بها والاحتيال في ردها، والمكر في الأَصل تدبير الكيد في خفاء. {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا}: المراد بيان أن الله أعجل عقوبة وأشد أخذًا. التفسير 21 - {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ..... } الآية. روى أن الله جل شأْنه سلط على أَهل مكة القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالخصب ووعدوه بالإِيمان، فلما دعا لهم واستجاب الله دعاءَه ورحمهم بإِنزال المطر، أخذوا يطعنون في آيات الله تعالى ويكيدون لرسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. والمعنى: وإذا أنعمنا على هؤلاءِ الكفار وأمثالهم بنعمة الصحة والسعة، وأَفضنا عليهم أَنواع الخير ورحمناهم بكشف ما نزل بهم من المصائب الأليمة والمكاره الشديدة التي خالطتهم وأَحاطت بهم حتى أَحسوا بشدة وطأتها عليهم وسوءِ أَثرها فيهم، إذا رحمناهم بكشفها سارعوا سرًّا وفي خفاءٍ إِلى تدبير ضروب الكيد لآياتنا التي أنزلناها على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم واحتالوا في دفعها وبالغوا في تكذيبها. {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا}: أى قل أيها الرسول لهؤلاءِ الماكرين تهديدا لهم ووعيدًا: الله جلت قدرته أَعجل عقوبة وأَشد أَخذًا فلن يصل من كيدهم شىءٌ إِلى رسول الله، ولا إِلى الحق الذي جاءَ به من عند الله، وتسمية عقاب الله مكرًا لذكره مع مكرهم في سياق واحد (¬1)، ثم أكد القرآن الكريم تهديدهم حين قال تعالى: ¬

_ (¬1) وهذا نوع من البلاغة يسمى مشاكلة.

{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} أي: إِن ملائكتنا الذين أَمرناهم بحفظ أَعمالكم وإحصائها عليكم، مستمرون على كتابة ما دأَبتم على تدبيره من الكيد في خفاءٍ، ولم يخف عنهم ما بالغتم في إِخفائه، وكيف يخفى على منزل الآيات علام الغيوب: وفي إخبار الله بإحصاءِ الحفظة لكيدهم بهذا الأُسلوب المؤكد تحقيق لعقابهم على وجه بليغ. {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} المفردات: {الْفُلْكِ}: السفن. {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ}: بريح لينة الهبوب تسير بهم إلى المقصد. {رِيحٌ عَاصِفٌ}: شديدة الهبوب، وعصفت الريح: اشتدت، وهو من باب جلس يجلس. {الْمَوْجُ}: ما علا وارتفع من الماء بسبب اضطراب مياه البحر من أَثر اشتداد الريح.

{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}: أَي حوصروا بالشدة. {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ}: أي يسارعون إلى الإفساد في أنحاء الأرض متجاوزين حدود ما أمر الله به، والبغى التعدى والطغيان. التفسير 22 - {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ..... } الآية. في هذه الآية والتي بعدها حكاية جناية أُخرى من جناياتهم مترتبة على ما مر من اختلاف أَحوالهم تبعًا لاختلاف ما ينزل بهم من السراءِ والضراءِ. سبب النزول: عن سعد بن أبي وقاص قال: "لمَّا كان يوم الفتح فرّ عكرمة بن أَبي جهل فركب البحر فأَصابهم عاصف فقال أَصحاب السفينة لركابها: أَخلصوا فإِن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئًا فقال عكرمة: لئن لم ينجنى في البحر إلا الإخلاص ما ينجينى في البر غيره، اللهم إنَّ لك عهدًا إِن أَنت عافيتنى مما أنا فيه، أن آتى محمدا حتى أضع يدى في يده، فلأَجدنه عَفُوًّا كريمًا قال: فجاءَ فأَسلم" أخرجه أبو داود والنسائى وغيرهما. والمعنى: هو الله الذي يُيَسِّر لكم أيها الناس سبل السير في البر مشاة وركبانًا - وفي البحر - على ظهور السفن. ثم حكى القرآن الكريم ما كان من أحوالهم بعد ركوبهم السفن وسيرها بهم في البحر في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا}: أي حتى إذا ركبتم السفن أَيها الناس وجرت تلك السفن بمن فيها جريًا هادئًا مريحًا، بسبب هبوب ريح لينة تتجه بسفنهم إِلى الجهة التي يقصدونها، وفرح الراكبون بتلك الريح الطيبةِ الهادئة التي تسير بسفنهم في أَمان واطمئنان إِلى ما يريدون.

{جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}: أي حتى إذا كان راكبو تلك السفن على هذه الحال من الهدوءِ والاستقرار، هبت على تلك السفن ريح شديدة سريعة السير أَهاجت مياه البحر، فارتفعت الأَمواج واضطربت، وأحاطت بالسفن وبمن فيها من كل جانب، وتقاذفتها من موجة إلى أُخرى، وظن راكبوها أن مسالك النجاة قد سدت أمامهم، وأَن الهلاك قد أحاط بهم من كل جانب، وأنهم لا محالة هالكون في هذه الشدة. {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}: أَي في هذا الوقت الذي أوشكوا فيه على الهلاك، رجعوا إلى أصل فطرتهم، فدعوا الله وحده مخلصين له الدين، غير مشركين معه سبحانه شيئًا من الآلهة التي عبدوها من دون اللهِ، دعوا الله قائلين في دعائهم: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}: أَي والله لئن أَنقذتنا من هذه الكارثة المحيطة بنا، لنكونن حتما بعد نجاتنا مما نزل بنا من أَهوال من جملة الشاكرين دائما لنعمك الوفيرة وأَفضالك العميمة، فنشكر تفضلك علينا بالخلاص من أَهوال البحر استجابة لدعائنا. 23 - {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}: أي فلما استجاب الله تعالى لهم وأنفذهم مما نزل بهم من الأَهوال والكربات، بعد تضرعهم إِليه، سارعوا إِلى الإفساد في أَقطار الأَرض بغير حق، ممعنين في ذلك ومستمرين هذا الظلم الظاهر القبيح. ثم خاطب القرآن الكريم هؤلاء الطغاة الباغين بما فيه تهديد لهم ووعيد بليغ على ظلمهم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: أَي ياأيها الناس الطغاة المعتدون إنما ضرر هذا الظلم الشديد الذي ترتكبونه في الأرض، يعود في نهاية الأمر عليكم أنتم، ولا يعود شيء منه على الذين تجاوزتم الحدود في ظلمهم -

فإن ما أَصابهم من آثار ظلمكم لهم في الدنيا، لا قيمة له ما داموا من أهل النعيم الدائم في الآخرة، والآخرة خير وأبقى - وأما أنتم يا أيها الطغاة فإِنما تتمتعون بثمرة بغيكم على الآمنين تمتُّعًا قاصرًا على الحياة الدنيا، ومتاع الدنيا قليل لا يعتد به، فهو سريع الزوال جالب للنكال مستتبع لعقاب العزيز القهار. ثم زاد القرآن الكريم في تهديدهم، وأكد وعيدهم حين قال: {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: أي ثم إلينا وحدنا رجوعكم أيها الباغون يوم القيامة لنذيقكم عقاب ما قدمتم في حياتكم الآثمة، فنخبركم بما كنتم مستمرين عليه في الدنيا من البغى والإفساد في الأرض - نخبركم بذلك - زيادة في إِيلامكم والتنكيل بكم. {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} المفردات: {مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: صفة الحياة الدنيا من حيث سرعة انقضائها وزوال مُتَعِها. {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ}: أي فاختلط بسببه نبات الأَرض، بأن كثر فتشابك بعضه ببعض. {وَازَّيَّنَتْ}: أَي وتزينت بأنواع النباتات وأشكالها وألوانها المختلفة.

{وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا}: ظنوا أنهم متمكنون من تحصيل ثمرات الأرض. {أَتَاهَا أَمْرُنَا}: أي نزلت بها الآفات التي اجتاحت النبات والثمار. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}: أي فجعلنا نبات الأَرض هالكا كأَنه لم يوجد في الأَرض قبل هلاكه. التفسير 24 - {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ......... } الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم في الآية السابقة أن التمتع بالبغى على الناس قاصِرٌ على الحياة الدنيا، جاءَت هذه الآية تقرر هذا المعنى، ببيان قصر أَمدها وسرعة زوال نعيمها، فلا ينبغي قصر الهمة عليها وحدها. والمعنى: إِنما مثل الحياة الدنيا وصفتها العجيبة في سرعة انقضاءِ زمنها وزوال متعها وزينتها وجاهها، بعد إقبالها على الناس واغترارهم بها وركونهم إليها - مثل هذه الحالة - كمثل الحالة الناشئة من نزول المطر من السماءِ على الأَرض، وإِنبات الله به أنواع النبات مما يطعم الناس والأَنعام، واستمرار نموه بالماءِ حتى كثر وتشابك بعضه ببعض، وتزينت الأَرض بأنواع النباتات المتعددة وأشكالها المتفاوتة وأَلوانها المختلفة وطعومها المتنوعة، وصارت كالعروس التي ازدانت بأَلوان الثياب وأنواع الزينة الفائقة، وظن أَصحاب تلك الأرض أنهم متمكنون من تحصيل ثمراتها، جامعون لخيراتها في هذه الحالة. {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا}: أَي أَتاها الهلاك الذي قضاه الله وأَمر به في وقت الغفلة وفي وقت اليقظة، فهما سواءٌ في أَن أَصحاب تلك الأرض التي دنا جنى قطافها لا يستطيعون دفع أَمر الله عنها وحين أصابتها الآفات صيَّر الله نباتها مستأْصلا هالكا كأنه لم يكن موجودا في الأَرض قبل نزول الجوائح.

والخلاصة: أَن القرآن صور للناس حال الدنيا في سرعة انقضاءِ زمانها وزوال نعيمها، بعد إِقبالها على الناس واغترارهم بها واطمئنانهم إِليها - صورها - بصورة ما على الأَرض من أنواع النباتات التي زالت بهجتها ونضارتها فجأَة وصارت حطاما ولم يبق لها على الأرض من أَثر، بعد أَن ترعرعت ونمت وقويت سيقانها وتزينت الأرض بألوانها المختلفة، وأوشك الناس أن يجنوا قطافها وظنوا أنها قد سلمت لهم من المهالك. {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. التفسير 25 - {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ}: بعد أن حذر القرآن الكريم من الاغترار بالحياة الدنيا والعمل لها وحدها رغَّب في العمل للفوز بدار السلام وهي الجنة. والمعني: والله - تعالى - القادر على كل شيءٍ الغنى عن العالمين يدعو الناس إلى دار السلام - وهي الجنة - بِدَعْوَتِهِم إِلى الإِسلام والعمل بشريعة القرآن. وسميت الجنة دار السلام لسلامة أهلها من كل آفة ومكروه، أَو لأن الله تعالى يسلم عليهم فيها، أو لأن الملائكة على أَبوابها يقولون للداخلين فيها: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار}. أَو لأن أهل الجنة يسلم بعضهم على بعض فيها كما قال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}. {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: أَي ويرشد الله من أَراد هدايتهم وهم الذين وفقهم إِلى اختيار الهدى على الضلالة - يرشد هؤلاء - إِلى طريق معتدل لا عوج فيه وهو الإِسلام والعمل بشرائعه.

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. المفردات: {الْحُسْنَى}: أَي المثوبة الحسنى في الجنة، وهى تتفاوت حسب تفاوت درجات الإحسان. {يَرْهَقُ}: يغشى ويغطى. {قَتَرٌ}: أي غَبَرَةٌ فيها سواد كالقترة، ومن معانيهما في اللغة الدخان الكثيف من شواء أو فحم أو حطب أَو غيره. التفسير 26 - {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}: في الآية السابقة دعا الله إلى دار السلام، فمن الناس من أَحسن استجابة الدعوة والعمل بها، ومنهم من انصرف عنها، وقد جاءَت هذه الآية لتبين جزاءَ من أَحسن الاستجابة، وأَول درجات الإحسان بعد الإيمان فعل الواجبات وترك المنهيات، وأكمل درجاته: "أَن تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُن تَرَاهُ فَانهُ يَرَاكَ" كما جاءَ في حديث رواه مسلم. وقد وعد الله تعالى في الآية بمكافأة المحسنين وزيادتهم فوق ما يستحقون، وفي بيان ذلك روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال: "إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لأهْلِ الْجَنَّة يَا أَهْلَ الْجَنَّة فيَقولُون: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعَدَيْكَ وَالْخَيْر في يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ بِى؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبَّنَا وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْط أَحَدًا منْ خَلْقكَ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطيكُم أَفْضَلَ منْ ذَلكَ؟ فَيَقُولُونَ: وَأَى شَىْءٍ أَفْضَل منْ ذَلكَ؟ فَيَقُول: أُحلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانى فَلَا أَسْخَط عَلَيْكُمْ أبَدًا".

وللمفسرين والمتكلمين في الزيادة المذكورة في الآية آراءٌ: فعن الحسن رضي الله عنه أنها مضاعفة الحسنة إِلى عشر أَمثالها فأكثر إِلى سبعمائة ضعف أَو تزيد: وعن مجاهد رضوان الله عليه، هي مغفرة الله تعالى ورضوانه، ويرى جمهرة أهل السنة. أَنها النظر إِلى وجه الله سبحانه بعد حصولهم على ثوابه في الجنة، كما قال تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (¬1). أَي يوم القيامة، فقد أَثبتت هذه الآية لأَهل الجنة أَمرين أَحدهما النضارة وهى حسن الوجوه، والثانى النظر إِلى وجهه الكريم، وإلى الأَول يشير قوله تعالى هنا: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: أَي أَن أُولئك المحسنين مكرمون أَيضًا بأَن تتأَلق وجوههم بنضرة النعيم، فلا يلحقها قتر وهو الغُبْرة في سواد، ولا تلحقها ذلة وهي الخجل والانكسار، والقتر حالة حسية والذلة حالة نفسية، وقد أَخبر الله بعد ذلك بأَنهم أَصحاب الجنة، وذلك يشعر بأَنها كالملك لهم {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: لا يخرجون منها أبدًا، كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (¬2). والآية في أُسلوبها تقصر الحسنى بجميع أَنواعها على المحسنين وحدهم ثم تفيد أَن الله يفيض عليهم زيادة عن الحسنى أَنواعًا من الإِنعام لا تعد ولا تحصى، وأَعلاها النظر إِلى وجهه الكريم، كما جاءَ في الآية السابقة، وأَن يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أَبدًا. كما جاءَ في حديث الشيخين الذي تقدم ذكره، وقد أَعد الله لخيار المحسنين منازل في عليين، وهي أَعلى مكان في الجنة، وفيهم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الرَّجُل منْ أَهْلِ علِّيِّينَ لَيُشْرِفُ عَلَى أهْلِ الْجَنَّةِ فَيُضِىءُ الْجَنَّةَ بوَجْهِه كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّىّ" أَخرجه أبو داود. ¬

_ (¬1) سورة القيامة، الآيتان: 23،22 (¬2) سورة الحجر، من الآية: 48

{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} المفردات: {كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ}: عملوا المعاصي من كفر وغيره. {مِنْ عَاصِمٍ}: من حافظ ومانع. {أُغْشِيَتْ}: غطيت. التفسير 27 - {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}: بينت الآية السابقة جزاءَ المحسنين، وجاءَت هذه الآية لتُبين عقاب المسيئين، وقد أَفادت أَنهم يجازون بالعدل المطلق، فلا تضاعف سيئاتهم كما ضوعفت حسنات المحسنين بل يجزون بقدرها وهم لا يظلمون، ونظرًا لترقُّبِهم وقوع سوء الجزاءِ تعلوهم وتحيط بهم ذِلة وهوان من شدّة الخزى وعقاب الله لهم، فهم بين أَلم حسى وألم نفسى وليس لهم من دون الله منقذ أَو مدافع يحميهم من عذابه الاَّليم، ثم بين الله تعالى أثر حيرتهم ويأسهم على وجوههم فقال: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا}: فإن زيادة آلامهم وشعورهم بالمذلة قد جعل وُجُوَهَهم كأنها مغطاة بقطع متراكمة من الليل المظلم لفرط سوادها وشدّة ظلمتها {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة النور، من الآية: 40

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: أَي أُولئك الموصفون بالصفات الذميمة السابقة أَصحاب النار المستحقون لها فهي مقصورة عليهم لسوء فعلهم جزاءً وفاقًا: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} المفردات: {فَزَيَّلْنَا}: فرقنا وفصلنا. التفسير 28 - {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ}: تعرض الآية الكريمة وما تلاها مشهدًا من أَهوال البعث والنشور {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (¬1) إِذ ينساق الخلائق إِلى موقف الحشر من مشركين وما عبدوه من دون الله ومِن غيرهم لا يتخلف منهم أَحَدٌ، وفي حشر المشركين وما يعبدون يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (¬2) فإذا تقدموا سمعوا زجرًا عنيفًا حين يقال لهم بأمر الله: {مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ}: أَي الزموا مكانكم أَنتم وشركاؤُكم للسؤال والجزاء قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} (¬3). ¬

_ (¬1) المطففين، الآية: 6 (¬2) الفرقان، من الآية: 17 (¬3) الصافات، الآية: 24

{فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}: أَي ففرقنا بين المشركين والشركاء، أَي قطعنا الصلة التي كانت بين العبدة ومعبوداتها في الدنيا، فقد تبين الحال وخابت فيهم الآمال، ولم يعد لهم أَمل في شفَاعَتهمْ فيئسُوا منهم، وابتعدوا عن اللجوء إِليهم، وقيل إن التفريق بينهم في الموقف حسِّىٌّ، والأول هو اللائق بالمقام، وحينئذ تبرأَ الشركاءُ من عابديهم، قائِلين لهم: ما كنتم تخصوننا بالعبادة في الحقيقة، بل كنتم تعبدون شهواتكم وشياطِينكم التي دعتكم إِلى الإشراك، وهؤلاء الشركاءُ المتبرئون إما أَصحاب عقل وإِدراك كالملائكة والبشر، وإِما غيرهم كالأصنام والكواكب، أما تبرّؤ الأَولين من عابديهم فلا يحتاج إلى تأَويل، وأَما تَبرُّؤ نحو الأَصنام، فيكون بلسان الحال أو المقال، بأَن ينطقها الله الذي أَنطق كل شيءٍ {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} (¬1). 29 - {فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}: بَعْدَمَا تبرأَ الشركاءُ من عبادة عابديهم، استشهدوا باللهِ على براءَتهم منها، قائلين: فيكفينا الله شهيدًا بيننا وبينكم على براءَتنا من إشرَاككُمْ، فأننا لم نجبركم عليه، ولا أَشرنا عليكم به وإِن شأْننا معكم أَننا كنا عن عبادتكم لنا غافلين: والمراد من الغفلة هنا عدم رضاهم عنها. {هُنَالِكَ تَبْلُوكُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} المفردات: {تَبْلُو}: تعرف يقينًا ما قدمت. ¬

_ (¬1) البقرة، الآية: 166

التفسير 30 - {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}: أَي: في هذا المكان، وهو موقف الحساب، تعرف يقينًا كل نفس مؤمنة أَو كافرة، سعيدة أَو شقية، ما عملت في الدنيا من خير أَو شر، فتراهما في كتَاب { ..... لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (¬1). وفي قراءَة أخرى (تَتْلُو) أَي تقرأُ صحيفة أعمالها قراءَة تعطيها صورة واضحة صادقة لكل ما عملته في الدنيا {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (¬2). {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: أي ورجعوا إلى الله في الآخرة وعرفوا أَنه تعالى هو المالك الحق وحده دون ما اتخذوه من الأَنداد والشركاء، وهكذا غاب وذهب عنهم ما كانوا يدعون زورًا وبهتانًا من الشفعاءِ والشركاء، وظهر ضلاله وبطلانه، فلم يجدوا أَحدًا ينقذهم ولا ينصرهم من دون الله {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (¬3). {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} المفردات: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}: يصرف شأْن الكائنات بنظام دقيق وحكمة بالغة. ¬

_ (¬1) الكهف الآية: 49 (¬2) الإسراء من الآية: 14 (¬3) الانفطار الآية: 19

التفسير 31 - {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}: بعد أَن صورت الآيات السابقة مشهدًا رهيبًا من مشاهد القيامة يهيىءُ النفوس للتوبة والإِنابة إلى الله، جاءَت هذه الآية وما بعدها تناقش المشركين في قضية الأُلوهية أَهم القضايا الدينية، وتضعهم أَمام البراهين العقلية الواضحة، وتحذرهم وتنذرهم بعد ذلك من الخروج عن دائرة الحق، واعلم أَن المشركين يؤمنون في قرارة نفوسهم بخالق واحد يصرف الأُمور وهوالله تعالى، ولكنهم يتخذون إِليه الشفعاءَ ليقربوهم إِليه زلفى، وقد أَمر الله رسوله أَن يسأَلهم سؤال إِفحام وإِلزام، ليعدلوا عما هم فيه من الإِشراك في العبادة فقال له: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}: وهو سؤال يتناول أُمورًا حسية تتعلق بكيانكم وحياتكم اليومية وهو الرزق المتجدد من السماءِ بإِنزال المطر، ومن الأرض بإِنبات النباتات وخلق الحيوان وتربيته، والإمداد بأَنواع المعادن المختلفة والمياه الجوفية، وما تستخرجونه من البحر من أَسماك وخيرات، وما يدرج على الأَرض أو يحلق في السماءِ من أَنواع الطيور وغير ذلك من سائر الأَرزاق، فلا شك أن هذا الرزق بأَنواعه هو من عند الله تكريمًا لكم وحفظًا لحياتكم - كما سيجىءُ بيانه في آخر الآية: {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ}: هذا هو السؤال الثاني الذي أَمر الله رسوله أَن يوجهه إلى المشركين، أَي أَخبرونى من يملك أَداة السمع وما أُعد فيها من أَسباب إِدراك المسموعات؟ ومن يملك أَداة البصر، وما هيئت به لإِدراك المبصرات؟ وقد جاءَ لفظ السمع مفردًا ولفظ الأَبصار جمعًا لأَن السمع يتناول نوعًا واحدًا هو الأَصوات، أَما الأَبصار فتتناول الأحجام والأَبعاد والأَلوان والأَشكال، والسمعُ والأَبصارُ يدركان الغالبية العظمى من المحسات. {وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}: هذا هو السؤال الثالث، أَي ومن ذا الذي يملك الحياة والموت في العالم كله فيخرج الأَحياءَ والأموات بعضها من بعض فيما تعرفون من المخلوقات التي تحدث أَو تموت، وذلك كالإنسان خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون وهو ميت ثم سواه ونفخ فيه من روحه فدبت فيه الحياة، فهذا

مثل لإخراج الله الحى من الميت وهو الصلصال بعد الحمأْ المسنون، أَما الميت يخرجُهُ اللهُ من الحى، فكالجنين يخرجه الله من أُمه ميتًا، وكالحيوان يميته الله بعد أَن كان حيًّا، وقيل في معناه: يخرج المؤمن من الكافر. والكافر من المؤمن. وقيل غير ذلك. {وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}: أَي ومن يقوم بتدبير أُمور العالم كله بعد إيجاده، فسيكون جوابهم أَن فاعل ذلك كله هو الله رب العالمين وحده بلا تردد في الجواب ولا تأْخير، إذ لا مجال للمكابرة لوضوحه غاية الوضوح، ولأنهم معترفون به، ثم يأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أَن يقول لهم تبكيتًا وتوبيخًا بقوله: {فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}. أَي أَتقرون بأَن الله هو الرزاق، وهو الذي يهب السمع والأبصار ويملكهما، والذي يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى، والذي يدبر أَمر الكائنات بحكمته - أَتقرون بذلك - فلا تقون أَنفسكم من عذابه بترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تقدر على شيءٍ من هذه الأُمور. أَليس الأَجدر بمن يقرون بذلك كله أَن يؤمنوا بالله وحده، ويتقوه ويعبدوه مخلصين له الدين. {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. المفردات: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}: أَي فكيف تتحولون عن الحق. {فَسَقُوا}: خرجوا عن طاعة الله، وأصل الفسق الانسلاخ عن الجلد، ومنه فسقت الرطبة عن قشرها، أَي انسلخت منه، والفاجر فاسق لانسلاخه عن طاعة الله.

التفسير 32 - {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ}: أَي فذلكم القادر على الحق المتصرف فيه باعترافكم هو الله المربى لكم على موائد كرمه، الذي تتوالى عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، الحقُّ الجدير بأَن يعبد وحده دون شريك. {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}: في هذا تقرير بأَن المعبود الحق واحد لا يتعدد وضده الباطل، ولا وسيط بينهما فلا يجتمع الإيمان والشرك في قلب واحد، وهذا استفهام للنفى والتوبيخ. والمعنى إِذا كان الله هو الرب الحق وانصرفتم عن إِفراده بالعبادة فليس بعد ترك الحق إلا الضلال، وهو إِشراك الأَصنام مع الله في العبادة، وهو أَمر لا يختاره عاقل. {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}: يعني إِذا عرفتم هذه الأُمور الواضحة فكيف تنصرفون عن عبادة الله، وكيف تتحولون عن الحق إِلى الضلال بعد العلم بأَنه هو الرازق المحيى المميت المدبر للأمر كله. 33 - {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: أَي وكما ثبت أَن الحق ليس بعده إِلا الضلال أَو كما ثبت أَنهم انصرفوا عن الحق بعد معرفته وجب وثبت حكمه تعالى على الذين تمردوا على طاعته أَنهم لن يكونوا مؤمنين ما داموا مصرين على ما هم عليه، والمقصود من الآية أَن الله يتخلى عنهم فلا يعينهم على الإيمان، فمن بَعُدَ عن الله بَعُدَ الله عنه، {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬1) والمراد من كلمة (الله). حكمه وقضاؤه كما تقدم في بيان المعنى. ¬

_ (¬1) آل عمران، من الآية: 117

{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} المفردات: {أَنَّى}: كيف. {تُؤْفَكُونَ}: أي تصرفون عن الحق إِلى الباطل. التفسير 34 - {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: بعد أن احتج الله على المشركين بما سبق بيانه، جاءت هذه الآية تحكى احتجاجًا آخر على ثبوت التوحيد وبطلان الإشراك، بإظهار كون الشركاء لا يتصفون بصفات الإلَه الحق. والمعنى: قل لهم أَيها الرسول سائلًا إياهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والإلزام، هل يوجد من بين هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء لله في العبادة من له القدرة على بدءِ الخلق ثم إِعادته بعد الفناء؟ ولما كان هذا السؤال مما لا يجيبون عليه لإنكارهم البعث والمعاد: أمر الله رسوله أَن يبين لهم من يستطيع ذلك وهو الله تبارك وتعالى فقال: {قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: لأنه هو القادر وحده على البدءِ باعترافهم، ومن قدر على البدءِ، فهو قادر على الإعادة، كما قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (¬1) وفي قوله تعالى {ثُمَّ يُعِيدُهُ} تهديد بالعقاب لهم يستدعي التفكير في التوبة من الشرك. {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}: أَي إِذا ثبت أَن الله هو القادر على البدءِ والإعادة فكيف تعدلون به غيره فتنقلبون من الحق إِلى الباطل، وتتركون التوحيد إلى الشرك إِن فعلكم هذا لعجيب لا يصح أَن يكون. ¬

_ (¬1) الأعراف، من الآية: 29

{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} المفردات: {يَهْدِي}: يهتدى. {يُهْدَى}: أَي إِلا أَن يهديه الله تعالى. التفسير 35 - {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ}: هذا احتجاج آخر على حَقِّية التوحيد وبطلان الشرك، جىءَ به إِلزامًا بعد إِلزام، والمعنى قل لهم أَيها الرسول هل من هؤلاءِ الشركاءِ من يستطيع أن يرشد عابديه إلى الحق ببيانه أَو بإلهامه وتوفيقه؟ وهو أَقل صفات الأُلوهية، فإِذا قالوا: لا، ولا بد لهم من ذلك: فقل الله وحده يهدى ويرشد إلى الحق بالأدلة والبراهين، وبالإلهام والتوفيق، وبإرسال الرسل وإِنزال الكتب قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} (¬1). {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}: أَي إِذا كان الله هو الحق وهو الذي يهدى إِلى الحق وحده فهل الذي يهدى إِلى الحق أولى بالاتباع، أَم الآلهة الذين عبدتموهم من دونه وهم لا يهتدون إِلى مقصد من المقاصد إِلا أَن يهديهم الله إِليه، ولا شك أَن جواب هذا السؤال يتعين عند العقلاءِ أَن يكون: من يهدى إلى ¬

_ (¬1) الكهف من الآية: 17

الحق - وهو الله - أَحق بالاتباع والعبادة من هؤلاءِ الشركاءِ العاجزين عن الاهتداءِ إلى المقاصد إِلا بهدايته لو أَراد جل وعلا، وكما أَنه لا وجه للموازنة بين القادر والعاجز، ولا بين القوى والضعيف، فكذلك لا وجه للمقارنة بين الهادي وبين من يحتاج إلى الهداية، ولذا عقبه بما يفيد التعجب من حالتهم، وذلك في قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}: أَي فما الذي حملكم على اتخاذكم هؤلاءِ شركاءَ لله سبحانه وتعالى وكيف تحكمون هذا الحكم الجائر وأَنتم تعرفون بطلانه؟ {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} التفسير 36 - {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا}: بعد الأَسئلة السابقة والأَجوبة عليها التي دلت على حقية التوحيد وبطلان الشرك: جاءَت هذه الآية توضح سبب خطئهم في اعتقادهم وهو اعتماد أَكثرهم على الظن في أَحكامهم. والمعنى: وما يتبع أكثر هؤلاءِ المشركين في معتقداتهم وأَحكامهم إِلا أوهامًا يتوارثونها عن آبائهم وأَجدادهم، دون أَن يكون لهم عليها من دليل يدعو إلى الاطمئنان واليقين، والمراد بأَكثرهم جميع المشركين، فكلهم عقائدهم ظنية، ناشئة عن أوهام وخيالات، وقيل الضمير في أَكثرهم للناس جميعًا، وما يتبع أكثر الناس إِلا الظن (¬1)، ثم بين القرآن الكريم أَن الظن لا يقوم مقام اليقين الناشئ عن البراهين القطعية في شئون العقائد فقال: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}: أَي إن الظن لا تثبت به الحقائق، ولا يقوم مقام العلم اليقينى في الاعتقاد الصحيح المطابق للواقع ولا يغنى عنه شيئًا، فكيف سميتم معبوداتكم آلهة زورًا وبهتانا وعبدتموهم من دون الله بغير برهان، وصدق الله إذ يقول في شأْنها: {إِنْ هِيَ إِلَّا ¬

_ (¬1) وعلى هذا فالتعبير بأكثر على حقيقته.

أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} (¬1). والمراد هنا من الحق ما ثبت بطريق وحى سماوى، أو دليل عقلى مبنى على الآيات الكونية، وقد استدل العلماء بهذه الآية وبما ورد في قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (¬2) على أَن العلم اليقينى واجب على كل مسلم في أصول العقائد. {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}: أَي إِنه تعالى واسع العلم فيعلم أَفعالهم، من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق. وفي الآية إِنذار مؤكد لأُولئك الجاحدين بأنهم سينالون ما يستحقون من عقاب أَليم {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} (¬3). {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} المفردات: {وَمَا كَانَ}: ما صح ولا استقام. {يُفْتَرَى}: يختلق. {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}: أَي ولكن أَنزله تصديقًا للكتب السماوية التي سبقته في أصول العقائد والأحكام قبل تحريفها. {وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ}: تبيين ما كتب وأثبت في الكتب السماوية. ¬

_ (¬1) النجم من الآية: 27 (¬2) سورة النجم من الآية: 28 (¬3) سورة البروج من الآية: 20

التفسير 37 - {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ}: بعد أن تناولت الآيات السابقة بالأَدلة القاطعة إِثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى، وقدرته وحكمته وتدبيره، جاءَت هذه الآية وما بعدها تبين استحالة أَن يكون القرآن مفترى من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - نفيًا لما زعم المشركون. والمعنى: ليس يصح في شأْن القرآن وهو على ما هو من العلو أسلوبًا ونهجًا وغاية، أَن يكون مفترى من عند محمد وأَعانه عليه قوم آخرون كما افتراه عليه المشركون، فإِن هذا غير ممكن فهو {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (¬1) فانظر إِليه في أسلوبه ومعانيه واتساق آياته، وفيما جمع من تشريعات. وعقائد وأَخلاق وآداب، وحكم وأَمثال وكشوف غيبية وحقائق علمية، جاءَت في أَقصى درجات الفصاحة والبلاغة والدّقة، وفي أَنماط سامية وآفاق عالية، فإِنك تقطع بأَنه لا يقدر على الإتيان بمثله أَحد من الإِنس والجن {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (¬2) وتتأكد أَنه من عند الله وحده {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (¬3). {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}: أَي ولكن أَنزله الله مصدقًا وموافقًا لما تقدم من الكتب السماوية، في أُصول العقائد والأَحكام قبل أَن يعتريها التحريف، مصححًا للعقائد التي عبثت بها أَهواءُ القسيسين والأَحبار والرهبان حيث ردها القرآن إِلى التوحيد الخالص. {وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: أي وأَنزله أيضًا تفصيلا لما أَجملته الكتب السماوية السابقة من عقائد وتشريع ومواعظ ومن شئون الاجتماع وسنن الله في خلقه وزادها تكميلا، فلا محل لأَى شك في أَنه كلام الله رب العالمين، الذي تعهد النوع الإِنسانى بالتربية والتعليم والهداية. ¬

_ (¬1) سورة هود من الآية: 1 (¬2) سورة الإسراء من الآية: 88 (¬3) سورة النساء من الآية: 82

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} التفسير 38 - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ}: بعد أن بين الله في الآية السابقة أن القرآن يستحيل أن يفترى على الله، وَبَيَّنَ أيضا أَنه أنزل من عند الله مصدقا ومفصلا للكتب السابقة، جاء بهذه الآية حكاية لزعم المعاندين الجاهلين أن محمدًا افتراه، وتعجيبا من قولهم وردا لفريتهم والمعنى: بل أيقولون افتراه محمد عليه الصلاة والسلام واختلقه من قبل نفسه، قل لهم أَيها الرسول الكريم موبخا لهم ومبرهنًا على بطلان مقالتهم: هاتوا سورة مثل أيَّةِ سورة من سوره حتى يصح زعمكم أَن محمدًا افتراه على الله، فأَنتم أَرباب فصاحة وبلاغة، وأَنتم تعرفون أَنه أُمى كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُومِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (¬1). ولم يكن هذا أول ادعاءٍ لهم بالافتراءِ، فقد تكرر منهما إذ تحدثوا به أَول الأَمر فتحداهم القرآن أن يأْتوا بمثل القرآن كله فلم يستطيعوا، وبعد فترة شعروا بقوته تتزايد فعاودوا دعوى الافتراء معاندين، فعاود القرآن التحدى لا فى مثله بل في عشر سور منه فلم يتمكنوا، وتزايد عليهم العجز وظهروا مفحمين لا يجدون جوابًا، ولكنهم عاودوا بعد فترة زعمهم القديم، فعاد القرآن لتحديهم هذه المرة أَن يأْتوا بسورة مثله وهو ما جاءَ في هذه السورة حتى يلجئهم إِلى صمت العاجزين، وهكذا أَثبت القرآن عليهم وعلى أَمثالهم العجز العام عن محاكاته، فمن عسى أَن يزعم مثل هذا الزعم اليوم، فعليه أن يجيب على هذا التحدى وإِلا فليطبق فمه، وليمضغ أَكاذيبه، ومن عجب أن ترى من أعداء الإِسلام اليوم من يزعم أن محمدًا عليه الصلاة والسلام هو صاحب القرآن وقائله: رغم هذا التحدى ¬

_ (¬1) سورة العنكبوت الآية: 48

الدائم: وهكذا كان الإلحاد الجديد صورة منسوخة من الأَول القديم وماله عليه من دليل، وقد بقى القرآن العظيم شامخًا شموخ الجبال الرواسى وتحطمت على صخوره كل مفترياتهم. {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: في هذه الجملة من الآية الكريمة توسع القرآن في دائرة التحدى وطلب منهم أَن يستعينوا بمن يستطعون الاستعانة به بشرًا أَو آلهة، وأَمهلهم ما شاءُوا ولا يزال في تحديه للبشر، ولكنهم - آخرهم كأَولهم - أمام إعجاز بما هو متنوع متفرع، فمنه الإعجاز اللغوى ومنه العلمى والتشريعى والغيبى، وكل منها لم يعارض، ولو كان ممكنًا لأَتُوا بمثله ولكن ظهر عجزهم وبطل ما قالوه ولزمهم الإفحام. وكلمة (إِن) في قوله {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: تفيد التشكيك في صدقهم، ليشعروا بهوانهم وبُقصورهم عن شرف الصادقين، وقوله {مِنْ دُونِ اللَّهِ} يشير إِلى أَنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى. وصدق الله إذ يقول: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (¬1) {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} التفسير 39 - {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}: لما ظهر عجزهم عن الإتيان بسورة مثله وتبين أَن ما قالوه باطل لا وجه له من الصواب بين في هذه الآية ما حملهم على تكذيب القرآن المشتمل على الحق الذي لا غاية وراءَه. ¬

_ (¬1) سورة فصلت الآية: 42

والمعنى: أَن هؤلاءِ الكفار لم يحكموا على القرآن بأَنه مفترى من دون الله بمقتضى برهان يؤدى إِلى ما ذهبوا إِليه، بل كذبوا بكتاب عظيم من غير إِحاطة بعلم ما فيه ولا تدبر لمعانيه، ولا وقوف على ما جاءَ به من الأَدلة الشاهدة بصدقه، من تشريع حكيم، وآداب وحكم عالية، وغير ذلك من أَسرار إِعجازه، ولم يأْتهم بَعْدُ تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أَنه صادق وليس بكاذب، أَو المعنى: ولم يبلغ أَذهانهم ما فيه من المعانى الدالة على عُلوِّ شأْنه. والمقصود: أَن القرآن آية كبرى على صدق الرسول صلى الله علية وسلم، ولكنهم سارعوا بالتكذيب قبل أَن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه والتعبير بلفظ (لَمَّا) المفيدة لوقوع تأْويله مستقبلا، للإيذان بأَنهم لو تريثوا ولم يسارعوا بالتكذيب، لأدركوا تأْويله، وعرفوا فضائله ومعانيه السامية، ولتحققوا من صدقه. {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}: أَي مثل هذا التكذيب الناشىءِ عن عدم التدبر كذب الذين من قبلهم رسلهم، فكلما جاءَهم رسول بما لا تهوى أَنفسهم كذبوه، وكان هذا سببًا في أَن حل بهم جزاءُ ما كانوا به يستهزئون، فكانوا سلفًا ومثلا للآخرين، يعتبر به كل عاقل، فانظر يا محمد أنت وأُمتك والناس جميعا مآل الظلم والظالمين، وصدق الله إِذ يقول: {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬1). ¬

_ (¬1) العنكبوت من الآية: 40

{وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} التفسير 40 - {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ}: أَي ومن أُمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من سيؤمن بالقرآن وما جاءَ به ويتخلى عن عناده بعد الإِحاطة بعلمه وظهور حقيقته، ومنهم من يصر على الكفر والعناد فلا يصدق به في نفسه كما لا يصدق به ظاهرًا، لفرط عناده وغباوته واختلال تمييزه، ويجوز أَن يكون المعنى: ومن هؤلاءِ المشركين من قومك من يصدق به في نفسه، ولكنه يكفر به عنادًا، ومنهم من لا يصدق به في نفسه لفرط جهله فيكفر به اعتقادًا. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ}: أَي وربك يا محمد أَعلم بأُولئك المفسدين في الأَرض بعقائدهم الزائفة وأعمالهم الفاسدة، وسوف يجازيهم بما يستحقون: وهذه الجملة وعيد للمصرين على الكفر مع وضوح البرهان. 41 - {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ...... } الآية. أَي وإِن كذبك هؤلاءِ الكفار - مع علمهم بأَنك الصادق الأَمين - فقل لهم يا محمد: لي جزاءُ عَمَلى، ولكم جزاءُ عملكم، فلا أَحد منا يتحمل مسئولية عمل الآخر، ثم أَمر الله نبيه أَن يؤكد هذا المعنى بأَن يقول لهم: {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ}: فلا تتحملون مسئوليته {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}: فلست مسئولا عنه، ولعل هذه السياسة تترك أَثرًا حسنًا في نفوسهم، يتصاعد شيئًا فشيئًا حتى يستدنى

القلوب، ويأخذ بالأَلباب ويرد العقول الشاردة كما قال الله تعالى: {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (¬1). {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} المفردات: {الصُّمَّ}: فاقدى حاسة السمع. {لَا يُبْصِرُونَ}: أَي لا يدركون ببصيرتهم. التفسير 42 - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ}: لمَّا ذكر القرآن الكريم في الآية السابقة ما أَمر الله به رسوله من أن يقول للمكذبين: {لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} مُعلنا براءَته منهم، بين له هنا مثل الذين فقدوا الاستعداد للإِيمان فقال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}: أَي ومنهم ناس يستمعون إِليك عند قراءَتك للقرآن وتعليمك الشرائع للناس، ولكنهم لا يستمعون حقًّا، إِذًا لا يتدبرون القول، ولا يعقلون ما يراد منه، ولا يفقهون ما يرمى إِليه، وكان شأْنهم في سماعه كما قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} (¬2). فلهذا أنزلهم الله منزلة الصم بقوله: ¬

_ (¬1) الشورى من الآية: 15 (¬2) الأنبياء الآية: 2، 3

{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ}: أي أَنهم لم يستمعوه استماع تفهم وإِقبال، حيث أَغلقوا نوافذ العقل والعلم، فلهذا اعتبرهم الله صمًّا لا يسمعون، وأنزل على رسوله هذه الجملة معذرا له في عدم استفادتهم من تبليغه. والمعنى: أَفأَنت تسمع من فقدوا حاسة السمع، ولو كانوا مع صممهم لا يعقلون، كهؤلاء الذين أَعرضوا عن الإيمان بما دعوتهم إليه، يعني أَن هؤلاء المشركين جمعوا إِلى صممهم عدم العقل {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} (¬1). {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} (¬2). 43 - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ}: أَي يتأمل في شأْنك ويعاين دلائل نبوتك ويشاهد عبادتك وسيرتك في حياتك العملية الكريمة، ومع هذا لا يزال مقيمًا على عناده مصرًّا على كفره وتكذيبه. {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ}: المراد بكونهم لا يبصرون، أَنهم لا بصيرة في قلوبهم، ولا تفكير لديهم، والمعنى: أَفأَنت تستطيع أن تهدى من فقد البصر فكيف إِذا انضم إلى فقد البصر فقدان البصيرة، والمقصود من الآيتين: أن هداية الدين كهداية الحس لا تكون إلا للمستعد لها، ولهذا كان لا بد في هداية الدين من هداية العقل، وهدايةُ العقل لا تحصل إلا بتوجيه النفس وصحة القصد التماسا لهداية الله، وليس عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (¬3) وفي هذا مواساة كريمة من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام. 44 - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: لما بين فيما سبق امتناع اهتدائهم لأَنهم عطلوا أَسماعهم وأَبصارهم وعقولهم، بين في هذه الآية أَنه تعالى لم يظلمهم حيث وهب الناس الأَسماع والأَبصار والعقول وسائر الحواس، ليصرفوها فيما خلقت من أَجله، وشدَّ أَزرَ الحواس بالعقل، وأَزر العقل بالهدى عن طريق إِرسال الرسل والكتب، وسخر لهم ما في السموات وما في الأَرض {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (¬4). ¬

_ (¬1) سورة فاطر من الآية: 8 (¬2) الشورى من الآية: 48 (¬3) البقرة من الآية: 272 (¬4) النساء من الآية: 165

فلا عذر لأَحد بعد ذلك، ولكن من الناس من عطل مشاعره وقواه، وصرفها عن استعمالها فيما يهديه، فظلم نفسه ومجتمعه والإِنسانية كلها، فاستحق من الله الجزاءَ العادل. والمعنى: إِن الله لا يظلم الناس شيئًا من الظلم حين يعاقبهم يوم القيامة على معاصيهم فقد منحهم سائر القوى التي تمكنهم من فعل الخير وتمنعهم عن الشر، فصرفوها في غير ما خلقت له، ولكنهم هم الذين ظلموا أَنفسهم حيث استمروا على السيئات الموجبة للتعذيب فكان عقاب الله لهم جزاءً وفاقًا، فهو عدل من الله تعالى لا ظلم فيه. وفي الآية إشارة إلى أَن عاقبة ظلمهم مقصورة عليهم، وأن للعبد كسبًا وليس مسلوب الاختيار كما زعمت الجبرية، وفي ذلك يقول الله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (¬1). {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} التفسير 45 - {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}: هذه الآية للتذكير بمقدار ظلم الظالمين المشركين لأَنفسهم وخسارتهم في الآخرة بسبب تكذيبهم بها، وكفرهم بالحساب والجزاءِ فيها. والمعنى: وَحَذِّرْهم أَيها الرسول يوم يحشرهم الله ويجمعهم بعد بعثهم من القبور في موقف الحساب والجزاءِ، وحينئذ يدركون قصر مدة مكثهم في الدنيا كأَنها مقدار ساعة قضوها وحين يخرجون من قبورهم يتعارفون بينهم، فلا ينسى أحد منهم من كان يعرفه من قبل، ثم تنقطع المعرفة عندما يشاهدون أَهوال القيامة {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} (¬2). ¬

_ (¬1) الطور من الآية: 21 (¬2) سورة عبس الآيات: 34 - 37

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ}: في هذه الجملة حكم من الله تعالى بخسران المكذبين وتعجيب من حالهم حيث لم يستعدوا ليوم الدين بالإِيمان وعمل الصالحات المزكية للنفوس، وآثروا عليها الدنيا القصيرة الأَمد، المليئة بالأَكدار، والتى يرونها يوم الحشر كأَنها ساعة من نهار، وقد بين الله تعالى ضلالهم فيما ذهبوا إليه فقال: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}: أَي وما كانوا مهتدين إلى الصواب فيما ذهبوا إِليه واختاروه لأَنفسهم، من إِيثارهم الفانى على الباقي. وهو الأَعمال الصالحة التي هي ثمرات الإِيمان الصحيح. والعاقل من يستعمل عقله ويأْخذ حذره، ويختار الأَصلح والأَنفع والأَبقى، والمقصود من لقاءِ الله: حسابه وجزاؤه في الآخرة قال تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (¬1). {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} التفسير 46 - {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ}: أَي أن هؤلاءِ المشركين لن يفلتوا من عقابنا عاجلا أَو آجلا، فإِمَّا أَن ننزله بهم في الدنيا ونريك بعض ما توعدناهم به من قبل وفاتِك. وإِما أَن نتوفاك فإِلينا رجوعهم للحساب والعقاب على ما كسبوا من جرائم، فتراه ماثلا أَمام عينيك. {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}: هذه الجملة فيها تأْكيد للوعيد السابق، والمراد منها أَن أَعمالهم محصاة عليهم وأَنها معلومة بدقائقها لله تعالى، فهو شهيد على ما يفعلون ¬

_ (¬1) سورة الأنعام من الآية: 108

في دنياهم من الشرك والمعاصي، وأَنه لن يفلت أحد من عقابه. والتعبير بـ (ثُمَّ) للإِيذان بسمو شهادة الله عليهم، وعلوّ مرتبة علمه بهم، فإِنه لا تفوته صغيرة ولا كبيرة، وفي ذلك ما فيه من تأكيد الوعيد. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} التفسير 47 - {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ}: أَي ولكل أُمة من البشر رسول يبعثه الله إليهم ليهديهم إلى التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق بشريعة خاصة بهم، فيها صلاح معاشهم ومعادهم، وذلك لأَنه سبحانه يعلم قصور العقل البشرى عن إدراك ما فيه صلاح أُمورهم الدنيوية والأُخروية، مع وجود الصوارف النفسية والشهوانية التي جبل عليها الإنسان، وكثيرًا ما تغريهم بالضلال، فلذلك اقتضت حكمته تعالى أَن لا يعذب عباده، قبل أن يبعث إليهم رسولًا ليبصرهم بعواقب الأُمور، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (¬1) وقال: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (¬2). {فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: أي فإذا جاءَ كل أُمة رسولهم مؤيدًا من الله بالمعجزات المثبتة لرسالته، وانقسموا بشأْنه بين مصدق ومكذب قضى الله تعالى بينهم بالحق وهم لا يظلمون بفوت ثواب أَو زيادة عقاب. ¬

_ (¬1) سورة الإسراء من الآية: 15 (¬2) سورة النساء من الآية: 165

48 - {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: أَي ويقول المشركون من أُمتك وغيرهم استبعادًا لوقوع ما توعدهم به الرسل واستهزاءً بهذا الوعيد، متى يتحقق ما أَنذرتمونا به إن كنتم صادقين في هذا الوعيد. {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} التفسير 49 - {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ..... } الآية. لما استبعد الكفار وقوع ما توعدهم به القرآن من العذاب، وكانوا يستعجلونه استهزاءً وتكذيب أمر الله رسوله أن يقول: (لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا) أَدفعه عنها، أو نفعًا أَجلبه إليها، لكن ما شاء الله من ذلك وقع، فكيف أملك إِخباركم بالموعد الذي حدده الله لعقوبتكم، أَو استعجال وقوعه. {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}: أَي لكل أُمة وقت مضروب لهلاكهم، إذا جاءَ هذا الوقت فلا يتأَخرون ساعة عنه، ولا يتقدمون، فلا يصح لهم أَن يستعجلوه مستهزئين مستنكرين. ولا يمكن أَن يجىء قبل أَوانه، قال تعالى: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة العنكبوت من الآية: 53

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} المفردات: {أَرَأَيْتُمْ}: أَي أخبرونى. {بَيَاتًا}: أَي ليلًا، وقت نومكم وغفلتكم. {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ}: أَي شيءٍ يستعجل المجرمون من العذاب. {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ}: أي أَبعد ما يقع العذاب حقيقة تؤمنون به، ودخول همزة الاستفهام على (ثُمَّ): لإِنكار تأْخيرهم الإِيمان إِلى وقت وقوع العذاب وتوبيخهم عليه. التفسير 50 - {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا}: أمر الله - تعالى - رسوله أَن يبكِّت المشركين على كفرهم واستعجالهم العذاب بأَن يقول لهم ما معناه: أَخبرونى ما حالكم وما شأْنكم إن أَتاكم عذاب الله في ليلكم وأَنتم نائمون، أَو ي نهاركم وأنتم غافلون عنه باشتغالكم في معاشكم. والمراد: أخبرونى عن حالكم إِذا باغتكم العذاب في أَي حال. {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ}: يعني أَي شيءٍ من أنواع العذاب يستعجله المشركون؟ وليس شيءٌ منه يقتضي الاستعجال، فمن له عقل سليم لا ليق به أن يستعجله، فإِنه موجب للفرار منه، لا لاستعجاله.

51 - {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}: أَي أتستعجلون العذاب متهكمين ساخرين، ثم إِذا دهمكم آمنتم به حين: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (¬1) فالله تعالى ينكر عليهم تأخير إِيمانهم إلى الوقت الذي لا يكون فيه إلا الحسرة والندامة قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} (¬2). 52 - {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}: أَي ثم قيل لهم في الآخرة إهانة وإِذلَالًا وتبكيتا، ذوقوا عذاب الخلد في النار، هل تجزون هذا الجزاءَ إِلا بسبب ما كسبتمونه في دنياكم من الكفر بالحق، وغشيان المعاصي على اختلاف أَنواعها، والإصرار عليها. والمراد من قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}: إِثبات عدل الله تعالى ونفى الظلم عنه، ببيان أَن إِصرارهم على الباطل هو الذي انتهى بهم إلى هذا المصير. {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} المفردات: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ}: أَي ويطلبون منك النبأَ وهو لخبر. {إِي وَرَبِّي}: نعم وحق ربي. ¬

_ (¬1) سورة الأنعام، من الآية: 158 (¬2) سورة غافر، الآية: 85

{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}: أَي وما أَنتم بمفلتين من عذاب الله. {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ}: قال أَبو عبيدة: معناه وأَظهروا الندامة، وقال غيره: وأخفوا الندامة - فهو من الأضداد. {بِالْقِسْطِ}: القسط بكسر القاف بمعنى العدل أَما بفتحها فبمعنى الظلم وليس له موضع هنا. التفسير 53 - {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ}: لا يزال الكلام متصلًا في نقاش الكافرين، والنبأُ: الخبر الهامّ والاستنباءُ: طلب النبإِ. والمعنى: ويطلبون منك أَيها الرسول أن تخبرهم عن العذاب أَحق وصدق هو. وأَنهم ملاقوه لا يفوتهم، وهم بسؤالهم هذا لا يريدون الجواب بل يقولونه مستهزئين، معتقدين أَنه وعد باطل. ثم أَمر الله رسوله أَن يجيبهم فقال: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}: أي قل لهم أَيها الرسول - غير مكترث باستهزائهم - نعم وحق رَبِّى إِن العذاب الذي أُوعدتموه وأُنذرتم به لحق ثابت لا شك في وقوعه، فهو مقدور لله وما أنتم بمفلتين منه. 54 - {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ}: أَي ولو أَن لكل نفس ارتكبت الظلم بعصيان ربها، لو أَن لها جميع ما في الأَرض لقدمته فدية من هذا العذاب إِن كان الافتداء يجديها. {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ}: أَي وأَخفوا الندامة على كل ما فعلوا من الظلم، ولم يظهروها لا تصبُّرا ولا تجلدا، بل لأنهم بهتوا عند رؤيتهم فظاعة الحال وشدة الأَهوال التي لم تخطر لهم على بال، فلم يقدروا على النطق بشىء، أَو أَنهم كتموها في أَنفسهم لأنهم رأَوا أَن لا نفع في إِظهارها وقتئذ، وقيل: معناه وأَظهروا الندامة تأَلما وتضجرا. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: أي وحكم بينهم بالعدل التام الذي لا ظلم فيه بوجه من الوجوه {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة النحل، من الآية: 33

{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} التفسير 55 - {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .... } الآية. افتتح الله تعالى هذه الآية بكلمة (ألَا) لينبِّه الغافلين إِلى ما جاءَ فيها من دلائل ربوبيته، والمعنى: ألا إِن للهِ وحده ما في السموات والأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما من الكائنات: له كل ذلك خلقا وملكا وتصرفا، فلا يشاركه فيه شريك، وليس لغيره فيه سلطان، ثم نبه الله عقب ذلك على أَن ما وعد به حق فقال: {أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}: أَي كل ما وعد به الله على لسان رسله حق وواقع لا شك فيه، وفي جملة ذلك البعث والحساب، فهو القادر الذي لا يخلف الميعاد. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: أَي ولكن أَكثر الناس لا يعلمون ذلك، لا عن طريق النظر والاستدلال، ولا عن طريق الكتب السماوية، فإِن معظمهم كفار بذلك عند نزول القرآن. {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. التفسير 56 - {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: أي هو المتصرف وحده بالإحياءِ والإِماتة، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاءِ، ومَن شَأْنه ذلك يجب أن يحذر عقابه العقلاءُ، وأَن يسارعوا إلى الإبمان بما أنزله على رسوله لهداية عباده.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} التفسير 57 - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}: جاءَت هذه الآية خطابًا لمشركى مكة، لاستمالتهم نحو الحق، بعد تحذيرهم من عاقبة ما هم عليه من الضلال بما تقدم من الآيات التي تنعى عليهم سوءَ عاقبتهم، ومع أن الخطاب فيها لأَهل مكة، ولكن الحكم فيها عام لكل من على شاكلتهم من الناس كما يدل عليه لفظ: (يَأيهَا النَّاسُ) حيث عبر به بدلا من يا أهل مكة، والمراد من الموعظة التي جاءَت من ربهم القرآن الكريم، وقد وصف في الآية بأَربعة أَوصاوف، وهي أَنه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. والمعنى: يا أَيُّهَا الناس الذين أَعرضتم عن الإِسلام، قد جاءَكم من مالككم ومربيكم الرءُوف بكم، جاءَكم منه كتاب يدعوكم إلى الإِسلام، اجتمعت فيه أربع صفات أَولها: أَنه موعظة وتذكير منه لكم، فقد عرفكم بالخصال الكريمة، وحثكم عليها، وبيَّن لكم حسن عاقبتها، وكشف لكم عن الخصال الذميمة ونهاكم عنها، وبيَّن لكم سوءَ عاقبتها. وثانيتها: أَنه شفاءٌ لما في الصدور فقد بيَّن الحق وأَقام عليه الدلائل والبراهين المطمئنة للنفوس الحائرة، وبيَّن الباطل وأَقام البراهين على بطلانه ووجوب تركه، ولم يترك مجالا لأمراض الصدور عند العقلاء المنصفين، فهو لهذا كله شاف لما في الصدور من الأَمراض كالجهل والشك والشرك والنفاق وغيرها من العقائد الفاسدة، فكأَنه نفس الشفاءِ.

وثالثها: أَنه هدى، فهو هادٍ إلى طريق الحق واليقين، بالإِرشاد إِلى أَدلته، فكأنه نفس الهدى. رابعها: أَنه رحمة للمؤمنين، فقد نجوا به من ظلمات الكفر والضلال إِلى نور الإِيمان وانتقلوا به من استحقاق العذاب أَيام كفرهم، إِلى استحقاق النعيم المقيم بسبب إِيمانهم. 58 - {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}: هذه الآية مرتبطة بكل ما جاءَ في الآية التي قبلها. والمعنى: قل يا محمد: أَيها الناس قد جاءَكم القرآن واعظًا لكم وشافيًا لصدوركم وهاديًا لقلوبكم، ورحمة للمؤمنين منكم، وهذا كله بفضل الله - تعالى - وبرحمته، فبذلك وحده فليفرح الناس جميعًا، فإِنه خير وأَبقى مما يجمعون من متاع الدينا، فهو زاد الآخرة الذي ليس له فناء، أَمَّا الدنيا ومتاعها فإلى زوال وإلى هباءٍ. هذا: وقده قرئ: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} بأُسلوب الخطاب وبهذه القراءَة وافقت الآية أُسلوب الخطاب الذي جرى في الآية قبلها (¬1). ¬

_ (¬1) يلاحظ أن قراءة حفص التي نقرأ بها (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) جاءت بأسلوب الغيبة على طريق الالتفات من الخطاب في الآية السابقة إلى الغيبة هنا، وهو لون من ألوان البلاغة في التعبير، أما قراءة (فلتفرحوا هو خير مما تجمعون) بأسلوب الخطاب فقد جاءت علي نسق الخطاب في الآية التي قبلها، فلا التفات فيها.

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} المفردات: {رِزْقٍ}: الرزق في اللغة، ما ينتفع به، ومعلوم أنه ليس كله نازلا من السماءِ، وإِنما الذي أُنزل من السماء هو التشريع الذي أَحله أَو أسبابه التي حدث بها كالمطر والهواء وأشعة الشمس، وعلى هذا فالمراد من إنزال الرزق من السماء هو إنزال تشريعه أَو أسبابه، وفسر بعض العلماء إنزال الرزق بمعنى خلقه، وعليه فلا إشكال. التفسير 59 - {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا .... } الآية. لما بين الله تعالى فضله على الناس ورحمته بهم بإنزال القرآن الهادى لهم، شرع يناقشهم فيما حرموه من رزق الله الذي أحله لهم، ويوبخهم على هذا التحريم المخالف لما شرعه لعباده، فقال جل ثناؤه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ..... } الآية. والمعنى: قل أيها الرسول للمشركين الذين يحرمون بعض ما أَحل الله للناس من الرزق أخبرونى: ما خلق الله لكم من رزق، أنزل حله في شريعة إبراهيم وإسماعيل، فجعلتم بعض هذا الرزق حرامًا، وحرمتم منه أَنفسكم، وبعضه حلالًا وتناولتموه، فقد قلتم:

{هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ} (¬1) وحرمتم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى وقلتم: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} إلى غير ذلك مما حرمتموه واحللتموه، مع أنه كله حلال. {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}: قل لهؤلاء الذين يحرمون رزق الله الحلال، هل الله أذن لكم في هذا التحريم، أم لم يأذن لكم، بل تفترونه عليه، ثم توعدهم على هذا الافتراءِ فقال: 60 - {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .... } الآية. الافتراءُ هو الكذب، وجمعهما معا في قوله تعالى: {يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} لإظهار مزيد قبح ما افتعلوه. والمعنى: وأى شيء ظن أُولئك المفترون فيما سيقع يوم القيامة أيحسبون أنهم لا يُسألون عن افترائهم، أَو لا يجازون عليه، أَم أَنهم يجازون جزاءً يسيرا، ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون كلا إِنهم سيلقون أَشد العذاب؛ لأن معصيتهم أشد المعاصي، ومن أَظلم ممن افترى على الله كذبا. {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ}: إن الله لذو فضل عظيم على الناس جميعا، حيث أَنعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح، ورحمهم بإِنزال الكتب وإرسال الرسل، ليبين لهم بذلك الأحكام التي لا تصل إِليها عقولهم، وأَرشدهم إلى ما يهمهم من أَمر المعاش والمعاد، وأَحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ولكن أكثرهم لا يشكرون تلك النعم، فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم إلى ما خلقت له ولا يتبعون دليل العقل فيما يستقل به، ولا يتبعون دليل الشرع فيما لا يدرك إلا به، مع أَنه قد بين لهم ما سيلقونه يوم القيامة إن أعرضوا عن الحق، ولكنهم لا يلتفتون إليه. ¬

_ (¬1) راجع تفسير الآيتين 139،138 من سورة الأنعام والآية 103 من سورة المائدة.

{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُومِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} المفردات: {فِي شَأْنٍ}: في أَمر تقصده. {كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا}: كنا رقباء مطلعين عليكم. {تُفِيضُونَ فِيهِ}: تخوضون وتندفعون فيه، وأَصل الإفاضة الاندفاع بكثرة أَو بقوة. {وَمَا يَعْزُبُ}: ولا يغيب. {مِثْقَالِ ذَرَّةٍ}: المثقال، الوزن، والذرة: النملة والهباء (¬1). {كِتَابٍ مُبِينٍ}: المراد به اللوح المحفوظ أَو هو كناية عن علمه تعالى، ومعنى مبين بين واضح. التفسير 61 - {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ..... } الآية. جاءَت هذه الآية إِثر بيان دعوة المشركين إلى الإيمان بالقرآن، والفرح بما جاء فيه من آيات الحق، ليبين أَن الله يعلم حال الرسول مع قومه في تبليغهم أَمر ربه، وحال قومه معه في شأْن ما دعاهم إِليه وأَنه سيجازى كلا حسب حاله. والمعنى: وما تكون يا محمد في شأن من شئون الإِسلام، وما تتلو من شأْنك هذا من قرآن، ولا تعملون من عمل يا أيها الناس الذين بلغتكم دعوته، واستمعتم منه قرآن ربه، إلا كنا عليكم رقباء وحافظين، حين تخوضون في شأْن هذا القرآن وتندفعون في حقه بالباطل، وما يغيب عن علم ربك من شيء في وزن الهباء الدقيق، سواء أَكان ¬

_ (¬1) يطلق الهباء على الغبار وعلى ما يشبه الدخان وعلى دقاق التراب ساطعة ومنثورة على وجه الأرض قاموس، وفسرت الذرة في المعجم الوسيط بأَصغر جزء في عنصر ما.

ذلك الشئ الدقيق في الارض أو في السماءِ، ولا أصغر من ذلك الهباء ولا أكبر منه إلا في علمه تعالى لا يغيب عنه منه شيء فكيف تخفى عليه تعالى أعمالكم، وكيف يغيب عنه كفركم. {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} المفردات: {أَوْلِيَاءَ اللَّهِ}: أَولياءَ: جمع ولى، ومن معانيه لغة القريب، وقد أَطلق الأَولياء في عرف القرآن على المؤمنين الصادقين، لقربهم الروحى من الله تعالى. {الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}: البشرى: مصدر أُريد به المبشر به، وبشرى الحياة الدنيا خيراتها العاجلة كالنصر والفتح والغنيمة وغير ذلك، وبشرى الحياة الآخرة ما أُعد لهم فيها مما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. التفسير 62 - {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: قَبْلَ هذه الآية توعد الله المفترين عليه بما أشار إليه من عقوبتهم يوم القيامة بقوله: {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: وعقَّب ذلك ببيان أنه تعالى مطلع على جهد نبيه في أُمته، وعالم بما أفاض فيه المشركون نحو دعوته، مشيرًا بذلك إلى أنهم سيجزون عليه وعلى كفرهم سوء الجزاء، وجاءت هذه الآية وما بعدها، لتطمئن المؤمنين على أنفسهم وتبشرهم بالخير الحميم في الدنيا والآخرة، وقد صدرت الآية بحرف التنبيه وهو (أَلاَ) لاسترعاءِ انتباههم إِلى ما بعده من البشائر الإلهية العظيمة، كما أكد مضمونها بحرف (إِنَّ) وبالجملة الإسمية.

والمعنى: أن أحباء الله المقربين إليه بالإيمان والعمل الصالح لا خوف عليهم في الدنيا من قضاءِ أَعدائهم عليهم، فقد مكن لهم في الأرض، وآتاهم فيها العزة كما قال سبحانه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (¬1) ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة كما بشَّر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا مجال للخوف عليهم في دنياهم، ولئن أَصاب منهم أعداؤهم في بعض المواقع، فإن الدائرة بإذن الله ستكون لهم عليهم، فهم في ظل رعاية الله وحمايته، ما داموا على طاعته والإعداد لنصرة دينه {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (¬2). وبالجملة فإنه لا يعتريهم في دنياهم ما يوجب الخوف عليهم ما داموا على ولاية الله والتقرب إليه بالتقوى والاستقامة، والحذر من الاعداءِ، والتأهب لدفع عدوانهم بما استطاعوا من قوة، وكما أنهم لا خوف عليهم في دنياهم فلا خوف عليهم في أُخراهم، فهم في الدنيا دائمو الخشية من الله، يؤدون ما كلفهم به من الطاعات، وينتهون عما نهى عنه من المنهيات، ويستصغرون ما أدوه نحوه من حقوق العبودية، ويجتهدون في تجريد أعمالهم من الرياء، ويرجون منه الفضل بالقبول، ومن كان هذا شأنهم فإنهم لا خوف عليهم أيضًا في أُخراهم. وكما أَنهم لا خوف عليهم في الدارين فإنهم لا يحزنون فيهما على فوت رغيبة من رغائبهم، فإنه تعالى منحهم نعمة الطاعة والرضا في دنياهم، فإن أقبلت عليهم النعمة والصحة والأَمن والرخاء حمدوا وشكروا، وإن فاتهم ذلك أو بعضه رضوا وصبروا، ومن عليهم في أُخراهم بجنة عرضها السموات والأرض ينعمون فيها بنعيم مقيم يفوق أعمالهم، ولا ترقى إِلى مثله آمالهم، فهو فوق ما كانوا يؤملون ويتصورون ثم عقب الله هذا الوعد الكريم لأَوليائه ببيان صفتهم التي تحقق ولايتهم فقال: 63 - {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}: أي أن أولياءَه تعالى هم الذين آمنوا بكل ما جاءَ من عنده، وواظبوا على تقواه - فلا يفعلون إلا ما رضي عنه الله ورسوله، ولا يتركون طاعة من طاعانه، فأَمرهم دائر بين واجب ومسنون، أَما المباحات فهم يمارسونها بقدر ما يعينهم على طاعة الله وكثيرًا ما أَغفلوها ¬

_ (¬1) سورة المنافقون، من الآية: 8 (¬2) سورة الحج، من الآية: 40

وإن أُحل لهم فعلها، وإن فعلوها فلا ينقص فعلها من ولايتهم {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، ومن هذا النص الكريم، نعلم أن الولاية ليست بالادعاء ولا بالتزيى بزى الزاهدين مظهرًا، ولا بالعقل المسلوب، واللعاب السائل ولا بالإسراف في الزهد، ولكنها بالإيمان الصادق، والطبع الصافى والاختيار الكامل حتى يتقى ربه باختيار وكسب وإرادة، أما أُولئك الذي يدعون أنهم مستغرقون في الذات العلية، وأَن التكاليف سقطت عنهم، لأنهم جذبوا إِلى حضرة الله فسقطت عنهم التكاليف، فلذلك لا يشعرون بما يصنعون من حلال ومن حرام، فهم شياطين يتخذون من هذا الزعم وسيلة لغشيان المحرمات وفعل المنكرات، وكذلك ليس من أَولياءِ الله مسلوبو العقول ولا من يلبسون المرقعات، ويحملون العصى الطويلة، ويلبسون المسابح لإيهام السذج والمغفلين أنهم من أَهل القرب والوصول، فهؤلاءِ شياطين سفاحون هاربون من السجون أو دجالون يسلبون الأموال، فاحذروهم أيها المومنون فأولياءُ الله عقلاء، أَطهار الظاهر والباطن، عرفوا بالصدق في طاعة الله، والإقبال عليها في غفلة الغافلين ويقظة المتيقظين، في غير تصنع ولا نفاق سواء أظهرت على أيديهم، الكرامات أَم لم تظهر، فأَصحاب رسول الله أَولياء الله، مع أنهم لم تظهر على أَيديهم من الكرامات إلا القليل. وبالجملة فأَولياءَ الله تعالى هم الذين تولى الله هدايتهم فأقبلوا على عبادته والدعوة إليه، وهم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم، فعن سعيد بن جبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل مَن أَولياء الله؟ فقال: "هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللهُ بِرُؤيَتِهِمْ" أَي بمظهرهم الصالح، ومخبرهم النقى وإِخباتهم إلى الله، وسكينتهم وتواضعهم. 64 - {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ..... } الآية. لما وعد الله تعالى أولياءَه بأَنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ووصفهم بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. جاءت هذه الآية لتبشرهم بما يسرهم في الدارين. والمعنى: أَن هؤلاء الأولياءَ الموصوفين بالإيمان والتقوى، لهم بشرى في الحياة الدنيا والآخرة، والمراد بالبشرى في الدنيا ما وعدوا به من الخيرات العاجلة التي ينالونها في دنياهم، كالنصر والفتح والنعم التي تدفقت عليهم من الفتوحات والغنائم، والاشتغال

بالتجارة والزراعة، وغير ذلك من النعم الدنيوية التي أغدقها الله عليهم بإيمانهم وتقواهم وجهادهم في سبيل الله وسعيهم في جلب أرزاقهم ومن البشرى فيها أن يكونوا مرهوبين من أعدائهم، ومحبوبين من أوليائهم، ومنها الرؤيا الصالحة في النوم يراها المؤمن أوترى له، والبشرى عند الموت، حيث تأتيهم الملائكة بالرحمة، كما قال تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (¬1). وكما أن لهم البشرى في الحياة الدنيا فلهم البشرى في الآخرة بأن تتلقاهم الملائكة مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وبياض وجوههم، وإعطائهم صحائفهم بأيمانهم وما يقرؤونه فيها مما أعده الله لهم من نعيم الجنة، وانتهاء تلك البشارات أضرابها إلى غاية الغايات وهى الجنة وما فيها من نعيم مقيم. {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: أي لا تبديل لأقواله التي من جملتها بشاراته للمؤمنين المتقين: ذلك الذي بشروا به في الدارين هو الفوز العظيم الذي لا غاية وراءَه. {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} المفردات: {الْعِزَّةَ}: الغلبة والقهر. {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}: ما يتبعون إلا التوهم. ¬

_ (¬1) سورة فصلت، من الآية: 30

{يَخْرُصُونَ}: يكذبون. وهو في الأصل بمعنى يقدرون بالاجتهاد الجزافى وكثيرًا ما يحدث فيه الخطأُ، فلذا يطلق على الكذب مجازًا وهو المراد هنا. التفسير 65 - {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}: الخطاب هنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتسليته عما يعتريه في بعض الأوقات من حزن، بسبب ما يجده من قومه من التكذيب والمعارضة والتآمر عليه، بعد أن طمأَنه الله على أوليائه المؤمنين بأَنهم لا خوف عليهم من المكاره، ولا هم يحزنون على فوت بعض الرغائب. والمعنى: ولا تحزن أيها الرسول بسبب ما قالوه فيك من التكذيب والتآمر على إِبطال أَمرك، ووصفك بالسحر والشعر وغير ذلك مما لا خير فيه. {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: هذا تعليل لنهيه عن الحزن، أي لا تحزن لما قالوه في شأْنك، فإن الغلبة والقهر في الأرض والسماء لله، إذ لا يملك أحد من أَمرهما شيئًا لا هم ولا غيرهم، فهو يقهرهم ويعصمك منهم، ويهزمهم وينصرك عليهم، لأنه تعالى هو السميع لكل مسموع، العليم بكل معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ من مؤامراتهم، فهو بإحباطها كفيل، وقد تحقق ما أَشارت إليه الآية الكريمة، من إحباط مؤامراتهم، ونصر الرسول عليهم، وذلك من المبشرات التي عجلها الله لرسوله وللمؤمنين معه في الدنيا، والحمد لله رب العالمين. 66 - {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}: في هذه الآية تأَكيد لما مر من البشارات، ومن أن العزة لله جميعًا، والمراد ممن في السموات والأرض، العقلاء وهم الملائكة والإنس والجن وتخصيصهم بالذكر للإيذان بأَن غيرهم أولى بملكية الله تعالى. والمعنى: أن الله تعالى يملك من في السموات والأرض من الملائكة والجن والإنس مع شرفهم وعلو مكانتهم، فهم جميعا مملوكون له ومقهورون بسلطانه، وعبيد لمشيئته، وكذلك

جميع كائناته، فهي أيضًا تحت قهره وسلطانه، فإنه إذا كان العقلاء مملوكين له، وخاضعين لإرادته فما سواهم مما خلق لأجلهم، مملوك له، وناشئ عن قدرته ومشيئته، وتابع لتدبيره وإرادته، ولم يصرح هنا بدخول غير العقلاء في دائرة ملكية الله؛ لأنه مفهوم بالأولى وغير محتاج إلى التصريح به، فضلا عن أنه مصرح به في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله .... } (¬1). ويجوز أن تكون (مَنْ) في قوله تعالى: (مَن في السَّمَوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ) عامة للعقلاء وغيرهم، كما في قوله تعالى: {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} (¬2). وبعد أن بين ملكيته تعالى لأهل السموات والأرض، عقب ذلك ببيان خطإِ الكافرين في عبادة غيره فقال: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ}: أي وما يتبع الذين يعبدون غير الله شركاء له على الحقيقة، فإنها مملوكة له تعالى ولا شركة لها معه في شئٍ، فلا تستحق أن يشركوها به في العبادة. {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}: أي ما يتبع هؤلاء المشركون في عبادة غير الله تعالى إلا توهمهم الباطل أنه شريك له، دون أن يكون لهم على شركته له برهان عقلى أو نقلى، وما هم في جعلهم شركاء له إلا يكذبون. {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} المفردات: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ}: لتطمئنوا وتستقروا فيه بعد حركتكم بالنهار. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، من الآية: 284 (¬2) سورة النور، من الآية: 45

{مُبْصِرًا}: مضيئًا لتتحركوا فيه وتهتدوا في ضوئه إلى حوائجكم. ونقل القرطبى عن قطرب أَنه قال: أَظلم الليل أَي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأَبصر، أي صار ذا ضياء وبصر - يقصد صاحب ضياءٍ وبصر من الناس فيه. التفسير 67 - {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا}: بعد ما بينت الآية السابقة عقيدة المشركين في إِشراكهم بالله ما لا يملك شيئًا من السموات والأَرض التي يختص بملكها الله، وأوضحت أَنهم ليس لهم على أُلوهيتها دليل بل يتبعون الوهم ويكذبون، جاءَت هذه الآية لتؤكد خطأهم في الإشراك بالله وتقرر ما تقدم من اختصاص الله بملكيته للسموات والأرض ومن فيهما، وأَهليته لإفراده بالعبادة. والمعنى: هو الذي أبدع لكم الليل وجعله مظلمًا لتسكنوا فيه وتستريحوا من متاعبكم نهارًا، وأَبدع لكم النهار وجعله مضيئًا لتتحركوا فيه لمصالحكم. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}: إِن في هذا التدبير الحكيم في شأْن الليل والنهار، لآيات عظيمة على وحدانية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة، فوق ما مر من آياته جل وعلا، وهذه الآيات مسوقة لمن يسمعونها سماع تعقل وتدبر فينتفعون بها ولا يتشبثون بأوهام الشرك الواهنة، أَما أُولئك الذين يعرضون عن سماعها أَو يسمعونها ولا يتدبرون فيها فلا سبيل لهم إلى الانتفاع بها، والانتقال من الضلال إلى الهدى.

{قَالُوا اتَّخَذَ الله وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ في الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}. المفردات: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا}: ليس عندكم من حجة عليه. التفسير 68 - {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ}: الظاهر أن الضمير في: {قَالُوا} يعود على المشركين الذين سبق الحديث عنهم من أول السورة إلى هنا، ويؤيده أن السورة مكية والنقاش في السورة مع المشركين، أما مع أهل الكتاب فإنه بدأ في المدينة حيث يوجد اليهود، ومن المفسرين من جعله شاملا لكل من اعتقد النبوة لله، فيدخل فيهم المشركون واليهود والنصارى، وغيرهم ممن على شاكلتهم والولد يشمل الذكر والأنثى، ويطلق على الواحد والجمع، وقد زعم المشركون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} (¬1). وفي زعمهم هذا يقول الله منكرًا عليهم: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (¬2) وزعم اليهود أن عزيرًا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، ولغير هؤلاء مزاعم تشبههم، فنزلت الآية لإبطال مزاعمهم. ¬

_ (¬1) الإسراء آية: 43 (¬2) الزخرف آية: 19

والمعني: قال الكافررن: اتخذ الله ولدا وجعله له ابنًا، سبحانه وتنزيهًا له عن ذلك الزعم الباطل، هو الغنى على الإطلاق، فأَى حاجة له إِلى التبنى؟ ثم شرع يفند زعمهم بقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: أي له تعالى كل ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وتصرفًا، وفي جملة ذلك من زعموه له ولدًا، ومن كان كذلك فلا حاجة له إلى ولد، ثم بين أنهم لا حجة لهم فيما زعموا ووبخهم عليه فقال: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: أي ما عندكم من حجة بهذا الزعم، والعاقل لا يعتقد إلا ما قامت عليه الحجة، أَيليق بكم أَن تقولوا على الله الذي له ملك السموات والأرض ما لا تعلمون صدقه، ولا تقوم به حجة، ثم أَمر الله رسوله أن يهددهم على هذا الافتراءِ فقال: 69 - {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}: قل أيها الرسول للذين زعموا أَن الله اتخذ ولد، مبينًا لهم سوءَ عاقبتهم، ووخامة منقلبهم: إن الذين يختلفون على الله الكذب بمثل مزاعمكم المستحيلة لا يفلحون، فلا هم ينجون من مكروه ولا هم يفوزون بمطلوب، فالنار مثواهم، والجنة حرام عليهم، وإلى هذا المصير يشير قوله تعالى: 70 - {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}: أَي لهؤُلاءِ المفترين على الله تمتع قليل في الدنيا، فإنهم إليه راجعون مهما طال مكثهم فيها ثم يذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم الذي أصروا عليه في دنياهم.

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} المفردات: {نَبَأَ نُوحٍ}: النبأْ، الخبر الذي له شأْن وخطر. {كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي}: شق وعظم عليكم ق4يامى ووجودى بينكم. {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ}: إجماع الأَمر، العزم عليه، تقول أَجمعت الأَمر وأَجمعت عليه أي عزمته وأردته بهمة ومضاءٍ وعزيمة، والصيغة الأولى أفصح من الثانية وقال أَبو الهيثم: أجمع أَمره جعله مجموعًا بعد ما كان متفرقا. {غُمَّةً}: أي مستورا، من غمة إِذا ستره. {اقْضُوا إِلَيَّ}: أَي أدوا إليّ الأمر الذي تريدونه بي. {وَلَا تُنْظِرُونِ}: ولا تمهلونى. {تَوَلَّيْتُمْ}: أَعرضتم عن تذكيرى. {مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: من المنقادين لحكم الله لا أخالف أَمره. {الْفُلْكِ}: السفينة.

التفسير 71 - {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ}: أي واتل أيها الرسول على المشركين من قومك ومن على شاكلتهم من سائر الكفار، اتل عليهم خبر نوح مع قومه الذين هم على شاكلة قومك في الكفر والعناد، فإنه خبر ذو شأْن وخطر عظيم فلعلهم بتلاوته عليهم، يتدبرون ما فيه من زوال ما تمتع به قوم نوح من النعم، وحلول عذاب الغرق بهم الموصول بعذاب الآخرة، لينزجروا عما هم فيه من الكفر، فإنه خبر صادق موافق لما ذكرته الكتب السماوية عنه، شاهد بصحة نبوتك، فإنهم يعلمون أنه لا سبيل لك إلى علمه إلا بطريق الوحى، والمراد من نبأ نوح مع قومه، بعض أخباره معهم لا كلها، فالموجود منها هنا موجز يسير لقصد العبرة. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ......... } الآية. أي اذكر لقومك نبأ نوح حين قال لقومه مهددًا ومتوعدًا لهم بعد ما عاناه منهم من الإعراض والإصرار على التكذيب، وبذل الجهد الطويل المديد في الوعظ والتذكير، اذكر لهم حين قال نوح لقومه بعد ذلك كله: يا قومى إن كان قد عظم وشق عليكم، قيامى ومكثى بين ظهرانيكم وتذكيرى لكم بآيات الله الذي كان سببا في كراهتكم لوجودى بينكم فعلى الله وحده توكلت، وعلى حمايته وحفظه لى من شركم اعتمدت. فاعزموا أمركم في شأْنى، ووحدوا كيدكم لى، واجعلوا معكم شركاء فيما تريدون بى، واحتشدوا فيه على أي وجه يمكنكم، ثم لا يكن أمركم الذي تدبرونه لى مستورًا مقصورًا عليكم، بل اكشفوه وجاهروا به ولا تخشونى، فإن السر إنما يصان، لمنع الخلاص من المكروه بالهرب ونحوه وذلك لا مجال لى فيه، فأنا واحد وأنتم أُمة، فكيف استطيع الخلاص من كيدكم كما تتوهمون، ثم أوصلوا إلى كيدكم واتجهوا به نحوى ولا تمهلونى، فلن يصل إلى من أذاكم قليل ولا كثير فقد اعتصمت بالله وتوكلت عليه: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (¬1). ولا ترى أبلغ من ذلك في الثقة بنصر الله، والسخرية من أعدائه الغافلين عن عظمة الله وحمايته لأنبيائه وأوليائه. ¬

_ (¬1) سورة يوسف، من الآية: 64

72 - {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ .... } الآية: والمعنى: فإن أعرضتم عن نصيحتى وتذكيرى لكم، بعد ما بينته من أننى لا أخاف من أذاكم ولا أذى آلهتكم المزعومة، وأننى في حرز حصين من حماية ربي، فلا سبيل لكم إلى إهلاكى فإن أعرضتم بعد ذلك كله فما سألتكم على وعظى وتذكيرى لكم من أَجر قل أو كثر، حتى يؤدى ذلك إلى توليكم، أو حتى يضرنى توليكم بالحرمان، فما سأَلتكم على التبليغ من أَجر فما أجرى إلا على الله، فلا وجه لإعراضكم عن الحق، وقد أُمرت من الله بأَن أكون من المسلمين أي المستسلمين الخاضعين لحكمه لا أُخالف أَمره ولا أرجو غيره، ولا أدعو إلى عبادة سواه، فدعوا إعراضكم وأسلموا لله وحده كما أسلمت. ولكن قومه لم يستجيبوا له، وأصروا كعادتهم على التكذيب فعاقبهم الله وذلك ما حكاه الله بقوله: 73 - {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا .... } الآية. أَى فأَصروا على التكذيب بعد ما أَلزمهم الحجة، وأَوضح لهم الطريق المأْمون، وقضى معهم دهرًا طويلا في النصح والإِرشاد، فنجاه الله تعالى من الغرق بالطوفان الذي عوقب به قومه، ونجى من كان معه في السفينة التي صنعها بأمر الله وإرشاده، وهم الذين آمنوا بربهم واستجابوا له وكانوا عددًا قليلًا وجعل الله هؤُلاءِ المؤمنين من قوم نوح خلائفِ لقومهم المكذبين، وأَغرق الذين كذبوا بآياته تعالى، جزاءً لهم على كفرهم وعنادهم، ثم أَمر الله بالتأمل في عاقبتهم الوخيمة فقال: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ}: والخطاب هنا لكل ذى عقل سديد، والمعنى: فانظر أَيها العاقل وتأَمل لتعرف منه أَن بطش الله بالكافرين شديد لا قبل لأَحد به، وفيه تحذير لمن كذب رسول الله، وتسلية له - صلى الله عليه وسلم -.

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} التفسير 74 - {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}: ثم أرسل الله من بعد نوح رسلا كراما كثيرين إلى أَقوامهم، لكل قوم رسولهم الخاص بهم، فجاءُوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم في التبليغ عنه سبحانه، فما حدث لقوم من أقوامهم أن يؤمنوا في آخر دعوته بما كذبوا به من قبل في أَول دعوته، فلم ينفعهم دوام "تذكيرهم"، ولا تواتر البينات الظاهرة والمعجزات الباهرة عليهم. ويجوز أَن يكون معنى {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ}: فما كانت كل أَمة منهم لتؤمن برسولها بسبب تعودهم تكذيب الحق قبل بعثة رسولهم الخاص بهم إليهم، فقد كانوا في فترات الرسل يسمعون من بقايا الأُمم قبلهم أَن مرسلين أُرسلوا بالتوحيد قبلهم، فلما عصوا أُهلكوا، فكانوا يكذبون ذلك، ثم كانت حالتهم بعد مجىءِ الرسل إليهم، كحالتهم قبل ذلك كأَن لم يبعث إليهم أَحد. {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}: والطبع في اللغة معناه الختم، وقد استعمل في الآية مجازًا عن التخلى والخذلان حتى صارت قلوبهم كأنها مغلقة ومختومة ومطبوع عليها. والمعنى: مِثلَ ذلك الخذلان والتخلى عن معرفة هؤُلاء الكافرين فيستمرون على كفرهم يتخلى الله ويخذل جميع المعتدين المتجاوزين لحدود الله، فيبقون فيما هم فيه من عدوان، وذلك لانهماكهم في البغى والضلال، وإعراضهم عن الهدى والرشاد، ولو أنهم تدبروا آياته، وفتحوا قلوبهم للنظر السديد، لأعانهم الله وبصرهم فكانوا من المهتدين.

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} المفردات: {وَمَلَئِهِ}: الملأ أَشراف القوم. {لِتَلْفِتَنَا}: لتصرفنا، واللفت والفتل بمعنى واحد. التفسير 75 - {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا .... } الآية. أَي ثم بعثنا موسى وهارون من بعد أُولئك الرسل الذين تقدموهما إلى فرعون وأَشراف قومه بآياتنا وعلاماتنا الدالة على أَنهما مرسلان منا، والمراد بتلك الآيات ما مر في سورة الأعراف، من انقلاب العَصا حية وابتلاعها سحر الساحرين، وخروج يده من جيبه بيضاءَ من غير سوءٍ والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، إِلى آخر الآيات التسع التي مر بيانها في سورة الأعراف. وتخصيص ملإ فرعون بالذكر مع أَن موسى وهارون أُرسلا إِلى باقى أُمة فرعون، لأن الحديث كان معهم أَولا، رغبة في إيمان منْ خلفهم بإيمانهم، ولم يكتف باندراج قصة موسى وهارون من قوم فرعون فيما أَجمل من أَخبار الرسل بعد نوح، لاختصاصها من بين سائر

القصص بأحداث هائلة مع ملك جبار ومستبد، ولأنها كانت معروفة إِجمالًا للعرب؛ لأن اليهود كانوا يعيشون بينهم، ثم بين الله ما حدث من قوم فرعون بعد ما دعاهم موسى وهارون إِلى الحق المؤيد بالمعجزات، فقال سبحانه: {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}: أي فتعالوا عليهما وامتنعوا عن قبول دعوتهما، وكانوا معتادين الإجرام فلذا اجترءُوا على رفض دعوة الله والكفر بها، ثم فصل الله كفرهم بها نوعًا من التفصيل فقال: 76 - {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ}: أَي فحين جاءَهم الحق من عندنا على لسان موسى وهارون - عليهما السلام - مؤيَّدًا بالمعجزات الباهرات، بادروا إلى ردها فورًا من غير تدبر، وقالوا إِن هذا الذي زعمتماه معجزات مؤيدة لرسالتكما، ما هو إِلا سحر واضح لا يحتاج إلى جهد في إِثبات كونه سحرًا، ثم أخبر الله برد موسى عليهم فقال: 77 - {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ}: أَي قال موسى منكرًا عليهم بعدما اتهموه بأَن معجزاته من قبيل السحر الواضح: أَتقولون للحق عند مجيئه إِليكم من غير تثبت ولا تفكير {إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} ولم يذكر في رده عليهم جملة {إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} اكتفاءً بعلمها من كلامهم السابق، ثم وبخهم على هذا الادعاءِ ودلل على فساده فقال: {أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}: أَي أَسحر هذا الذي جئتكم به، وكيف يكون سحرًا وأتحداكم به وأَنا أعلم أَنه لا يفلح الساحرون فلا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مكروه ولا يثبتون أمام تحدى الساحرين المتمرسين المتفوقين، كالذين ينتشرون في أَطراف مصر وأرجائها، وكيف يفلح الساحرون وهم يفترون على الله، والله لا ينصر من يفترى عليه. ثم حكى الله مقالتهم الواهية لما عجزوا عن رد حجته عليهم فقال: 78 - {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ}: أي قال قوم فرعون لموسى: هروبًا مما أفحمهم به، أجئتنا بدعوى الرسالة عن الله، لتصرفنا

عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون وسائر المعبودات التي ورثناها عنهم، لكي نعبد إلهك الذي طلبت أَن نعبده وحده، ولكى تكون لك ولأَخيك الكبرياءُ والعظمة في الأرض، بتولى الملك والرياسة علينا، فما أَضعف حجتهم، وما أقصر نظرهم، فلا ينبغي لعاقل أَن يحهتج بما كان عليه الآباءُ - فما أَكثر ما يكونون عليه من ضلال - ولا أَن يُتهم من يدعو إلى الله وحده بأَنه يدعو إِلى الرياسة والملك في الناس. {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}: أي وقال فرعون وقومه لموسى وهارون ولسنا لكما بمصدقين فيما جئتما به من الدعوة إِلى توحيد الله وترك ما كان عليه آباؤنا. ولم يخصوا موسى بالخطاب مع أَنه هو الذي خاطبهم بشريعته ودعاهم إِليها، مبالغة في إقناطه من إيمانهم، ولما كان لفتُهم عما وجدوا عليه آباءَهم من خصائص صاحب الشريعة أَسندوه إِلى موسى عليه السلام في قولهم: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}. أَما هارون فوزيره فيها، وتأْكيدًا لإصرارهم على الكفر والعناد كان التعبير بالجملة الإسمية والإتيان بالباءِ وتقديم {لَكُمَا} على {مُؤْمِنِينَ} في قولهِ {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}. وقد رفض هولاءِ دعوة موسى لسببين: 1 - أَنه جاءَ ليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وهم لا يحبون التحول عنه ومفارقته. 2 - أَنهم زعموا أنه أَراد بدعوته أَن يكون له ولأخيه الكبرياءُ في الأرض وهم يحرصون على الانفراد به واستعباد الناس وظلمهم، ويرد السبب الأول بأنه حقا دعاهم إلى نبذ ما كان عليه آباؤهم ولكن ليخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والعرفان، وهذا خير مما عليه آباؤهم، ولا يحتاج رد الثاني إلى فكر ونظر لأن الرسالة لم تكن طريقًا إِلى التسلط والكبرياء، فقد تحمل موسي وهارون في سبيلها متاعب شديدة، ورحلات شاقة وبذلا في تبليغها للناس جهودًا مضنية، من أَجل الله وإِسعادًا للبشر في الدنيا والآخرة، دون أَن يكون لهما مأْرب دنيوى.

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} المفردات: {السِّحْرُ}: يطلق على ما لطف ودق، ويطلق على ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها، مثل ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، ويكون السحر أَيضًا بمباشرة أَقوال وأَفعال حتى يتم للساحر ما يريد من التأثير على الشخص المقصود، بحيث يغير مزاجه ويؤئر في حواسه ووجدانه، كأن يجد الحلو مرًّا، وينقبض صدره وتضعف قواه، ويكثر اضطرابه. {سَيُبْطِلُهُ}: سيمحقه ولا يبق له أَثرًا. {لَا يُصْلِحُ}: لا يثبت ولا يؤيِّد. {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ}: ويثبت الله الحق ويقويه ويؤيده. {بِكَلِمَاتِهِ}: لأَوامره ووحيه. التفسير 79 - {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}: بعد أَن بين القرآن الكريم أن فرعون وقومه لجأُوا إلى التمسك بتقليد آبائهم - حينما لم يجدوا حجة يردون بها دعوة موسى - بعد ذلك جاءَت هذه الآية تبين أَن فرعون اتبع أُسلوبًا آخر في رد رسالة موسى، وهو إِيهام قومه أن ما جاءَ به موسى من قبيل السحر حتى لا يتأثروا بدعوته الواضحة، فيبقى له النفوذ والكبرياء والتسلط.

والمعنى: وقال فرعون آمرا قومه: اجمعوا لى من جميع أنحاء مملكتى كل ساحر واسع العلم بفنون السحر، عظيم الخبرة به قوى التأثير بارع الحيلة كى يعارض بهم معجزة موسى عليه السلام. 80 - {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ}: أي فحشروا لفرعون كل ماهرٍ في صناعة السحر، فلما جاءُوا إليه واجتمعوا لديه قال لهم موسى ألقوا ما استقر رأيكم على إلقائه من أَنواع السحر، وقدموا ما عزمتم على فعله وأَظهروا كل ما في طاقتكم من سحر ليظهر بطلانه على رءُوس الأشهاد. ولم يطلب إِليهم موسى عليه السلام. أن يبدأوا بإظهار سحرهم عقب مجيئهم إِلى فرعون وإنما كان بعد أن خيروه بين أَن يبدأ هو أو يكونوا هم البادئين، كما حكاه القرآن في سورة الأعراف {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} (¬1). ولوثوقهم بتغلبهم عليه خيروه، كما كان طلب موسى منهم أَن يبدأوا ليعطيهم الفرصة كاملة لإظهار ما في طاقتهم من السحر في هدوءٍ تام واطمئنان كامل، وحتى يجد الحق بعد الباطل نفوسًا تتقبله وعقولا تتدبره. 81 - {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}: أي فلما أَلقوا ما لديهم من العصى والحبال وأظهروا كل ما في طاقتهم من فنون السحر استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم. ولثقة موسى - عليه السلام - بصدق رسالته، وإيمانه بنصر الله له، وتثبيت الله لقلبه، وتكذيبًا لما رموه من السحر قال لهم: الذي جئتم به وبذلتم في إِظهاره أَقصى جهدكم هو السحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى، وتأْكيدا لثقته بتحقيق ما تقدم قال فيما حكاه القرآن عنه {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ}: أَي إن الله سيمحق هذا السحر فلا يبقى له من أثر بما يظهره على يدى من المعجزات، فإن الباطل لا يدوم مهما كثر وانتشر. ¬

_ (¬1) الأعراف من الآية: 115

ثم أكد القرآن الكريم ذهاب هذا السحر وزواله بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}: أي إن الله لا يجعل عمل جميع المفسدين صالحًا للبقاءِ ثابتًا، بل يزيله ويذهب به، فلا يبقى لباطل هولاءِ السحرة المفسدين أثرًا. 82 - {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}: أَي ويثبت الله الحق الذي يبعث به رسله رحمة للعالمين، ويؤيده ويقويه بأوامره وتأْييده، ولو كره المجرمون الكافرون إِحقاقه واستقراره، ففي إِحقاقه قطع أطماعهم وتقويض سلطانهم والقضاءُ على باطلهم، واستقرار الأمن وعمارة الأرض وذهاب الفساد. ومن سنن الله في خلقه أن البقاء لمبادىءِ الخير والحق {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (¬1). {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} المفردات: {ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ}: جماعة من قومه، شبابًا أَو كهولا، فقد آمن به السحرة وهم كهول غالبًا كما آمن به غيرهم. {أَنْ يَفْتِنَهُمْ}: أَن يعذبهم. {لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ}: لغالب فيها. ¬

_ (¬1) سورة الإسراء، الآية: 81.

التفسير 83 - {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ (¬1) أَنْ يَفْتِنَهُمْ}: بعد أَن بين القرآن الكريم على لسان موسى أن ما جاءَ به سحرة فرعون هو السحر الذي لا حقيقة له، وأَن الله سيبطله، ويحق الحق بكلماته، جاءَت هذه الآية تخبر بأَنه مع ثبوت الحق بغلبة المعجزة وزهوق الباطل باندحار السحر، لم يؤمن بموسى عليه السلام - إِلا عدد قليل من قومه. والمعنى: فما آمن لموسى وصدق برسالته بعد إِحقاق الله الحق بقضاء عصا موسى كل سحر الساحرين، إِلا عدد قليل من قوم فرعون شرح الله صدورهم للإيمان، بعد ظهور الحق على الباطل، وكان إيمان هؤلاء مصحوبًا بخوف شديد وحذر بالغ من فرعون ورؤساء قومه أن يعذبهم على أَيدى هؤلاء الرؤساءِ ويوقع بهم صنوف الأذى بمعونتهم. وإِنما جاء في القرآن {أَنْ يَفْتِنَهُمْ} دون أن يفتنوهم حتى يشمل فرعون وملأهم، لإفادة أَن الخوف من الملإ كان بسبب أَن كل ظالم في دولة فرعون كان يستمد ظلمه من طغيان فرعون وجبروته، ثم أَكد القرآن الكريم خوف المؤمنين من بطش فرعون بقوله تعالى: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ}: أَي وإِن فرعون لغالب على الناس قاهر لهم في أَرض مصر بالسطان والملك عليهم وادعاء أَنه لا إِله لهم سواه كما حكاه الله عنه بقوله {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (¬2) ثم زاد في تقرير هذا المعنى حين قال: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ}: أَي وإن فرعون لمن جملة الذين دأبوا على تجاوز الحد في الظلم والفساد فقد أَسرف في القتل وسفك الدماء، كما بالغ في الكبر والاستعلاءِ. 84 - {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}: أي وقال موسى لأُولئك الذين أَظهروا إِيمانهم، يا قوم إن كنتم صدقتم بالله، فعليه وحده توكلوا إن كنتم مستسلمين له خاضعين لشرعه. 85 - {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: بعد أَن بينت الآية السابقة أن موسى عليه السلام دعا من آمن به من قومه إلى التوكل على الله والاعتماد عليه في نصرتهم وإصلاح شئونهم كدليل على صدق إيمانهم جاءَت هذه الآية الكريمة لبيان أنهم أسرعوا إلى تلبية ندائه. ¬

_ (¬1) جمع الضمير في (ملئهم) مع أَنه عائد على فرعون، لأنه جاء على طريقتهم في تعظيمه. (¬2) سورة القصص من الآية: 38

والمعنى وقال الذين آمنوا بموسى مستجيبين له في صدق إيمان، وإخلاص يقين، ومن غير إبطاءٍ ولا تردد - على الله وحده اعتمدنا في نصره لنا ودفع الأذى عنا، وإنقاذنا من ظلم الظالمين، وإِعانتنا في كل ما يهمنا من شئون الدنيا وأُمور الآخرة: وفي مبادرتهم إلى إجابة هذا النداءِ، دليل واضح على رسوخ إِيمانهم وقوة إسلامهم، ومصداق لإخلاصهم في التوكل على الله، وقد فزعوا إليه سبحانه بالدعاءِ قائلين: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: أي ربنا لا تجعلنا موضع فتنة لهؤلاءِ القوم الظالمين فلا تسلطهم علينا تعذيبًا ووعيدا ومضايقة فيفتنونا عن ديننا. 86 - {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: أَي وأَنقذنا برحمتك وعطفك من هؤلاء القوم الكافرين بك - إِن هم أرادونا بسوءٍ - فنحن لا قدرة لنا على دفعهم لضعفنا وقوتهم، ومن أظلَّتهم حمايتك، فلا سلطان لجبار عليهم. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}

المفردات: {تَبَوَّا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا}: أي اجعلا لقومكما منازل يقيمون فيها - يقال: تبوأَ المكان وتبوأَ به نزل فيه وأقام به. {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}: أي أجعلوها أماكن للصلاة متجهين فيها إلى القبلة. {اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ}: الطمس في اللغة المحق والمحو، أي أهلكها واجعلها غير صالحة للانتفاع بها. {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ}: أَي اختم عليها واجعلها قاسية لا تنشرح للإيمان لاختيارهم الكفر وإصرارهم عليه. التفسير 87 - {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ... } الآية: أَي وأمر الله تعالى موسى وأخاه هارون - عليهما السلام - بوحى أوحاه الله إليهما أن يجعلا لقومهما بمصر بيوتا خاصة بهم ينزلون بها ويسكنون فيها، وأَمرهما وقومهما أن يجعلوا بيوتهم هذه أماكن للصلاة، وأَن يقيموا الصلاة فيها إلى جهة القبلة، بعيدا عن أعين فرعون وقومه حتى يأْمنوا على أَنفسهم من البطش والإيذاء وعلى دينهم من الفتنة - وكان فرعون قد خرب معابد بنى إسرائيل ومنعهم من الصلاة. ولِمَا للصلاة من الأثر البالغ في تهذيب النفس وصفاءِ القلب، أمرهم الله جميعًا بها فقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}: أَي وأدوا إلصلاة تامة الأَركان والشروط في خشوع وإخلاص لله تعالى لتنشرح صدوركم وتمتلئ نورا وإِيمانا، وتثبت أَقدامكم على طريق الحق والهدى إذ الصلاة عماد كل الديانات التي شرعها الله. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}: أي وبشر المؤمنين يا موسى بالنصر والتأْييد في الدنيا إِجابة لدعائِهم، وفي الآخرة بجنات النعيم جزاء ما قدموا من صالح الأعمال. ومن محاسن النظم الكريم في هذه الآية أن الله أمر موسى وهارون وحدهما باتخاذ البيوت لقومهما لأَن ذلك من شأْن الرؤساء والقادة. وأمرهم جميعًا بإقامة إلصلاة وجعل بيوتهم معابد لوجوب الصلاة على جميع المكلفين وأمر موسى وحده بالبشارة لأنها من وظائف صاحب الرسالة المقدم في قومه، لتكون أوقع في نفوس المؤمنين وأعظم في إدخال السرور عليهم.

88 - {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. } الآية. بعد أن أطمأَن موسى - عليه السلام - إلى استقرار قومه في البيوت التي اتخذها هو وأخوه لسكناهم جاءَت هذه الآية تبين أنه اتجه إِلى الله بالدعاءِ على فرعون وملئه وبعد أن يئس من إيمانهم. والمعنى: وقال موسى - عليه السلام - مناجيا رب العالمين سبحانه وتعالى يا ربنا إنك أعطيت فرعون والرؤساء من قومه زينة من لباس حسن جميل وحلى وجواهر، وأثاث فأخر وقصور عالية، وغير ذلك مما يتزين به، ومنحتهم أَنواعًا كثيرة من الأموال فكانت عاقبة هذه النعم أنهم بالغو في الكفر بك، وجعلوها وسيلة قهر وبطش وطغيان، وضلوا بها وأضلوا عن سواءِ السبيل واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وأغلقوا قلوبهم دون قبول الخير، فاستوجبوا دعائى عليهم {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}: أَي يا ربنا أهلك هذه الأموال التي استعبدوا الناس بها، وأَكثروا في الأرض الفساد بسببها، أهلكها ليزول سلطانهم ويذلوا، واربط على قلوبهم بحيث تكون قاسية جامدة لا تنشرح للإيمان، فإنها ليست له أهلا، لنبذهم شريعتك وتكذيبهم رسالتك بسوءِ اختيارهم، اربط على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم حيث لا ينفع نفسا إِيمانها لم تكن آمنت من قبل أَو كسبت في إيمانها خيرا، ليكون انتقامك منهم شديدًا وعبرة لغيرهم، وهو ما كان من فرعون فيما حكاه القرآن الكريم بقوله: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (¬1). وقدم موسى - عليه السلام - بين يدي دعائه على فرعون وقومه ذكر طغيانهم ليكون أرجى لاستجابة الله له، وتشهيرا بهؤلاء الذين لم يقدروا نعم الله حق قدرها. وكرر النداءَ (ربنا) مبالغة في الضراعة إِليه تعالى، حتى يستجيب له لمبالغتهم في العناد والطغيان، والتنكر لأَنعُم الله ومقابلتهم الإحسان بالكفران. 89 - {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}: أَي قال الله تعالى - خطابا لموسى وهارون عليهما السلام - قد أَجبتُ دعاءكما، وحققت رجاءكما ¬

_ (¬1) سورة يونس الآية رقم (90).

في شأن فرعون وملئه فأهلكتهم وأموالهم لأنهم استمروا على عنادهم، فلم يؤمنوا إلا عند اليأْس من الحياة حين أدركهم الغرق، فلم يقبل الله إيمانهم. وقد ذكر الله تعالى أنه أَجاب دعاء موسى وأخيه، مع أَن موسى هو الذي دعا على الصغاة لأن هارون كان يقول عند دعاءِ موسى: آمين كما دلت عليه الآثار. ومعناه: استجب يا ربنا فكلاهما طلَبَ الإجابة - طلبها موسى بلفظ الدعاء وطلبها هارون بمضمونه فلا تعارض بين إشراكهما في الإجابة وانفراد موسى بالدعاء. وبعد أن طمأنهما الله - تعالى - على إجابة دعائهما أمرهما بالثبات على طريق الحق المستقيم ضمانا لنصرهما فقال - تعالى -: {فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}: أي فاستمرا على طريق الحق طريق الطاعة والعبادة والدعوة إِلى التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحجة على أَعداءِ الله، ولا تسيرا في طريق الجهلاءِ الذين لا يعلمون باستعجال العذاب قبل أوانه، فإنَّ ما طلبتماه سيتحقق في وقته المقدر له وفقا لقضاءِ الله المحكم وحكمته البالغة. {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}.

المفردات: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْر}: أي وجعلناهم يجاوزونه ويعبرونه من الغرب إلى الشرق حتى وصلوا إلى شاطئه الشرقىّ. {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ}: أي تبعهم حتى اقترب منهم، تقول: تبعته حتى أتبعته، إذا كان قد سبقك فلحقته، {بَغْيًا وَعَدْوًا}؛ أي ظلما، وتجاوزا للحد فيه. {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ}: أَي حتى إذا لحقه الغرق. التفسير 9 - {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} الآية. بعد أَن أَخبر الله - تعالى - موسى وهارون - عليهما السلام - باستجابة دعائهما على فرعون وقومه، أَمرهما أن يخرجا ببنى إِسرائيل من مصر، فخرجوا على حين غفلة من فرعون وقومه فلما علم فرعون بخروجهم، خرج بجنوده في طلبهم بغيا وعدوا، فلما أدركهم قالوا يا موسى كيف الخلاص؟ والبحر أمامنا والعدو وراءَنا، فأوحى الله إِليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالظود العظيم، فسلك موسى ببنى إسرائيل طريقا في البحر يبسا ووصل فرعون وجنوده إِلى الساحل وكان طريق بنى إِسرائيل في البحر لا يزال باقيا: فسار فيه فرعون بجنوده فلما اكتملوا جميعًا فيه وهمَّ أَولهم بالخروج، انطبق البحر عليهم وأغرقوا أجمعين. {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ}: أي حتى إذا لحقه الغرق واقترب منه الموت، صحا من غروره، وندم على فجوره وأَعلن إيمانه فيما حكاه القرآن عنه بقوله: {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: أَي قال فرعون آمنت بأَنه لا إله يعبد وحده إِلا الإله الذي آمنت به بنو إسرائيل وصدقت بوحدانيته، وأكد قوله السابق بقوله: {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: أَي وأَنا واحد من جملة الذين أسلموا نفوسهم

لله تعالى - وحده - وبهذا الاعتراف أبطل ما كان يقوله استعلاءً وتجبرا: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}. فأنت تراه في اعترافاته هذه قد بالغ في إعلان إيمانه حيث كرره بثلاث عبارات: 1 - {آمَنْتُ}. 2 - {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}. 3 - {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. وقد حدث منه كل ذلك طمعا في النجاة مما نزل به، وليت شيئا من ذلك كان منه حين ينفعه الإيمان - وذلك قبل اليأْس من الحياة، لأن تأْخير الإيمان إِلى وقت العقاب لا ينجى صاحبه، وقد دلت على ذلك الآية التالية: 91 - {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}: أَي أَتؤمن الآن حين لا ينفع نفسا إيمانها، وقد أَمضيت عمرك في المعصية، وكنت من الملازمين للإفساد في الأرض، أفلا قدمت إِيمانك، وأَجبت داعى ربك، وأَنت في فسحة من الأجل حين كان ينفعك إيمانك؟ ولكنك ندمت وآمنت بعد فوات الأَوان، فلم ينفعك الإيمان، كما قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} (¬1). روى الإِمام أَحمد والترمذي وابن ماجه - رضى الله عنهم - أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِن الله يقبلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغرْ" والغرغرة حشرجة الموت وقال تعالى -: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (¬2). 92 - {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}: بعد أن أَنكرت الآية السابقة على فرعون تأخير الإيمان بلا عذر إلى أَن حضره الهلاك، جاءَت هذه الآية لبيان خيبة أَمله وقطع رجائه وللسخرية منه. ¬

_ (¬1) سورة غافر، الآية: 85 (¬2) سورة النساء، الآية: 18

والمعنى: ففي هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى وهارون وبنى إسرائيل من الغرق، يخرجك من البحر، ويلقى ببدنك على شاطئه خاليا من الروح، لتكون قصتك آية وعلامة لمن وراءك من أهل عصرك ومن يأتى بعدهم ممن يبلغهم خبرك، وتصل إلى أسماعهم عاقبتك، فيعرفون من هذه الآية أن الكفر بالله وخيم العاقبة، وأنه لا يصح للبشر أن يشاركوه في الأُلوهية أَو يستأْثروا بها، قيل إِن فرعون الذي أُرسِل إليه موسى هو منفتاح أَو رمسيس الثاني، وكلاهما جثة موجودة إِلى اليوم في المتحف المصرى والله أعلم، ومع ما في قصة فرعون من العبر فلم يلتفت إلى الإفادة منها كثير من الناس، كما قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}: أي وإِن كثيرًا من أهل مكة ومن غيرهم لغافلون، عن التفكير في آيات الله التي أَقامها أَو أَنزلها للفصل بين الحق والباطل لغافلون أَشد الغفلة، ساهون عن تدبر معانيها، والانتفاع بدلالاتها، ولو فعلوا لما ضلوا عن سواء السبيل. {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} المفردات: {بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ}: أَنزلناهم مكانًا صالحًا آمنًا وأسكناهم فيه. التفسير بعد أَن ذكر القرآن الكريم إِنعام الله على بنى إِسرائيل بإنجائهم وإِهلاك عدوهم جاءَت هذه الآية لبيان أحوالهم وما أَفاض الله عليهم من نعمه الوفيرة وأنهم لم يقوموا بشكرها. 93 - {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... } الآية. يؤكد الله - تعالى - أَنه أَنزل بنى إِسرائيل بعد أَن أنجاهم من طغيان فرعون وجنوده،

وخلصهم من مطاردتهم - أنزلهم - مكانًا صالحًا مرضيا، وأرضًا يجدون فيها الأمن والطمأنينة، ومع تهيئة المكان الآمن رزقهم أرزاقًا طيبة، فأنزل عليهم المن والسلوى وأتم عليهم نعمته. {فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ}: أي ظل هؤلاءِ يرفلون في نعم الله عليهم فما اختلفوا في أمر دينهم وما عصوا رسولهم موسى - عليه السلام - إلى أن قرأوا التوراة وعرفوا أحكامها فاختلفوا في فهمها، وانقسموا فرقًا في تأْويلها، كل فرقة تدعى أنها هي التي على الحق دون سواها، ويجوز أن يكون المراد ببنى إِسرائيل الذين اختلفوا، هم اليهود الذين كانوا في زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك أَنهم كانوا قبل مبعثه عالمين بقرب مبعثه مجمعين على نبوته، مما عرفوه عنه في كتبهم من البشارة به وبيان أحواله وصفاته، فلما بعث اختلفوا فمنهم من آمن به ومنهم من كفر بغيا وحسدا، كما قال - تعالى -: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} (¬1). ثم حذرت الآية المكذبين وطمأنت المصدقين ببيان أَن مصير الكل إلى الله يحاسب كلا على ما قدمت يداه وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}: أَي إِن ربك أيها الرسول سيحاسب كلا بما كسبت يداه، ويحكم بالعدل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب المحقين ويعاقب أهل الباطل الظالمين. {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ¬

_ (¬1) سورة البينة، الآية: 4

المفردات: {مِنَ الْمُمْتَرِينَ}: من الشاكِّين. التفسير 94 - {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ ... } الآية. بعد أن تحدثت هذه السورة عن قصص بعض المرسلين مع أُممهم، وآخرها قصة موسى مع فرعون وقومه، جاءَت هذه الآية تطالب من يشك في صدق هذه القصص التي ساقها الله للعبرة، وللدلالة على صدق محمد في نبوته، تطالبه بأن يسأل الذين يقرءُون الكتاب من علماءِ اليهود والنصارى، ليتأكد من وجودها في كتبهم، وليحمله ذلك على الإيمان بنبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فالخطاب في قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك} .. إِلخ موجه إلى من يتعرض للشك من الأُمة التي أُرسل إِليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس موجهًا للنبي - عليه الصلاة والسلام - لما سنبينه فيما يلي: اعلم أَن القرآن كما أُنزل إِلى الرسول وحيًا وتبليغًا أنزل إِلى أُمته أَفرادًا وجماعات عملًا وتكليفًا، فمن الأَول قوله تعالى في سورة النحل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (¬1) وقوله في سورة النساءِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ .... } (¬2) ومن الثاني قوله تعالى خطابًا للأُمة: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (¬3) وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} (¬4). والمعنى: فإن كنت أَيها المكلف من أُمة الدعوة المحمدية، في شك من صدق ما أَنزلناه من هذه القصص على رسولنا إِليك لتعرف به صحة نبوته ورسالته - صلى الله عليه وسلم - فأسأل علماء اليهود والنصارى الذين يقرءُون كتبهم ويعرفون أَن هذه القصص قد وردت بها منقولة من جيل إلى جيل قبل وجودك، حتى تعلم من وجودها قديمًا في كتبهم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - صادق في نبوته، وَثِقَةٌ في رسالته، فإنه أُمى لا يقرأ ولا يكتب ¬

_ (¬1) سورة النحل، من الآية: 44 (¬2) النساء، من الآية: 105 (¬3) سورة الأنبياء، الآية: 10 (¬4) سورة النور، من الآية: 34

أفهام خاطئة في معنى الآية

ولم يجالس من قرأها وعلم بها، فقد نشأَ بين قريش الوثنية، فهذا برهان واضح على أَن الله تعالى هو الذى أَعلمه بها وأَوحاها إِليه، وأنه صادق فيما أَبلغكم عن الله، وأَن الإيمان بنبوته فيه النجاة، وأَن الكفر بها يستتبع الهلاك. أفهام خاطئة في معنى الآية ويرى بعض المفسرين أَن الخطاب فيها للرسول - صلى الله عليه وسلم - لغرض تهييجه وإثارته، ليزداد ثباتًا على دينه، من غير احتمال وقوع شك منه، وهذا الرأْى لا يصح قبوله بحال من الأحوال، فإن فرض الشك فيه لأى غرض من الأغراض وبأَى تأْويل مما قالوه، مخالف للنقل مرفوض من جهة العقل، وخطأٌ فاحش استغله أعداءُ الإِسلام، وقالوا إن محمدًا لم يكن متيقنًا أنه رسول من الله - تعالى - وساقوا هذه الآية وتفسير المفسرين لها على هذا النحو تأييدًا لفريتهم، فكيف يصح عقلا أَن يفرض الشك في الرسول لغرض إثارته وزيادة تثبيته - كما أَولوا به موضوع فرض الشك فيه - فهل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحاجة إِلى مزيد تثبيته وإِثارته، لكي يزداد استمساكه بتبليغ دعوة ربه، كلا وألف مرة كلا، فقد سجل القرآن الكريم ما يناقض ذلك، قال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (¬1). وكيف يحتاج الرسول إِلى التثبيت وهو الذي كان يقول: "والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى، على أن أَترك هذا الدين، ما تركته حتى يظهره الله أَو أهلك دونه". وكيف يحتاج إلى التثبيت وإِلى سؤال أَهل الكتاب ليزداد طمأْنينة، وهو الذي تحمل من إيذاء قومه ثلاثة عشر عامًا، ما لا تحتمله الشمُّ الرواسى، وشاركه في ذلك من آمن معه من المؤمنين حتى مات بعضهم من شدة العذاب، ألم يقاطعهم المشركون لا يؤاكلونهم ولا يزاوجونهم ولا يبيعونهم الطعام، حتى اضطروهم إلى الإقامة في شعب أَبي طالب ثلاث سنين، ووصل بهم الجوع هناك إِلى أن يأكلوا أَوراق الشجر وهم صابرون، وكيف يستطيع أن يحمل عبءَ هذه الدعوة ¬

_ (¬1) سورة النجم، الآيات: 10 - 18

الضخمة من هو بحاجة إِلى التثبيت، وكيف يعمل لها بهمة وصدق عزيمة لا تعرف الكلل، حتى دخل الناس في دين الله أَفواجا، وذاع في عهده وانتشر حتى غطى الجزيرة العربية كلها، فوالله لولا أَنه ثابت الجنان عظيم الاطمئنان، واثق من دين الرحمن، لما استطاع أَن يفلت من حصار أَهل الشرك له بمكة، بل كان يسلم لهم القياد، ويجيبهم إِلى ما يبتغون فأَسمعهم حين يخاطبهم خطاب الواثق من نفسه بأَنه يبلغ عن الله - تعالى -: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (¬1) ولقد علم الناس من سيرته الوثيقة، أَنهم عرضوا عليه الرياسة والمال بعد أَن يئسوا من استجابته بالإِيذاءِ فأَبى وقرأَ عليهم سورة فصلت، وقد جاءَ فيها: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} (¬2). فهل يكون هذا حال من هو محتاج إِلى التثبيت .. ؟ ولقد أَحسن البيضاوى إِذ حكى في آخر كلامه، رأْيًا لبعض المفسرين أَن الخطاب في قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ .. } إِلخ لكل من يسمع، وقال في معناه على هذا الرأْى: أَي إِن كنت أَيها السامع في شك مما أَنزلنا على نبينا إليك {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ}. ولو أَن الإِمام البيضاوى وغيره اقتصر على هذا الرأْى، ولم يذكر معه سواه - لا قَبْله ولا بَعْده - لكان قد أَسدى خيرًا للحق الذي يجانب غيره من تلك الآراءِ الفاسدة، المخالفة لنص القرآن ولواقع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهمة ومضاءِ العزيمة، ومن ثباته على دينه رغم المغريات من الملك والمال، بعد أَن لم يصرفه عن دينه الإِيذاءُ والاستهزاءُ. {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}: لقد جاءَك أَيها المكلف الحق من ربك فلا تكونن من أَصحاب الشكوك والأَوهام، بل كن من ذوى الإيمان الثابت بهذا الحق المبين. 95 - {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: هذه الآية خير شاهد لما قلناه من أَن الخطاب ليس موجهًا إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ¬

_ (¬1) سورة يونس، الآية 104 (¬2) الآية: 13

بل إِلى كل مكلف من أُمة الدعوة المحمدية، فإِن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لا يتصور منه أَن يكون مكذبا لآيات الله وهو يدعو الناس إلى الإِيمان بربه. والمعنى: وكما نهيناك أيها المكلف عن الشك فيما أَنزلناه إليك على لسان محمد، ننهاك عن التكذيب بآيات الله، فلا تكونن من جملة المكذبين بدين الإِسلام، فتكون بذلك التكذيب في عداد الخاسرين في الدنيا والآخرة. {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} التفسير في هاتين الآيتين بيان شدة إصرار أهل الكفر على الجحود والعصيان ولو جاءَتهم كل آية طلبوها أو لم يطلبوها، وأَن اقتراحهم ما هو إلا تعلة لرفضهم الإِسلام، لعدم تحقيقها وبيان ذلك فيما يلي: 96 - {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ}: أي إن الذين حقت ووجبت عليهم كلمة ربك أي حكمه وقضاؤه بأَنهم لا يؤمنون، بل يموتون على الكفر ويخلدون في النار، بسبب ما علمه منهم من الإِصرار على تكذيب رسوله تكبرًا وعنادًا، وتقليدًا للآباءِ والأجداد، فآثروا الضلالة على الهدى، مع وضوح الحق، ودوام التذكير. 97 - {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}: أَي إن هولاءِ الذين حكم الله بعدم إيمانهم وخلودهم في النار بسبب اختيارهم العمى على الهدى لا يستجيبون لدعوة الحق ولو جاءَتهم كل آية كونية طلبوها أو لم يطلبوها، وكل آية نقلية من شأْنها أَن تجذب

القلوب إلى قبول الهدى والرشاد، كما قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} (¬1). {حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}: أَي هؤلاء يستمرون على كفرهم وعنادهم فلا يصدقون بالآيات الواضحة والبراهين القاطعة ولا يؤمنون إِلى أن يأْتيهم العذاب الأليم على كفرهم، فيؤمنوا حين لا ينفع نفسا إِيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا - كشأْن فرعون وأَمثاله ممن آمنوا عندما شاهدوا العذاب الذي أُنذِروه محيطا بهم من حيث لا يعلمون، وقد فات الأوان الذي ينفع فيه الإيمان. {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} المفردات: {فَلَوْلَا}: لولا كلمة تفيد الحث على الفعل بمعنى هلاَّ. {قَرْيَةٌ}: اسم للمبانى المتصلة التي يسكنها جمع من الناس، وقد جاءَ في القرآن الكريم أَن القرية والمدينة بمعنى واحد قال - تعالى -: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ}. ثم قال: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ}. وقيل القرية بلدة أَصغر من المدينة - والمراد من القرية في الآية أهلها. التفسير 98 - {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ..... } الآية. بعد أَن بينت السورة قبل هذه الآية امتناع الإيمان ممن حكم الله عليهم بالخسران لاختيارهم طريق العصيان، مع تمكنهم من إنقاذ أنفسهم بالإيمان قبل فوات الأَوان، جاءَت ¬

_ (¬1) سورة الأنعام، الآية: 7

هذه الآية الكريمة ترتيبًا على ما تقدم لتقرير هذا المعنى: إذ بينت أَن الله تعالى قد أهلك الذين أَخروا إيمانهم من الأمم السابقة، حتى إذا عاينوا الهلاك قالوا آمنا. والمعنى: فهلا كان أهل كل قرية بعث الله إِليهم رسولا، بادروا إِلى الإيمان بما جاءَهم به قبل أَن يحيط العذاب بهم فيقبله منهم وينجيهم من الهلاك: لكن لم يبادروا بالإيمان قبله فهلكوا. {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}: أَي لكن قوم يونس - عليه السلام - لما آمنوا عندما رأَوا أَمارات العذاب، وتابوا إِلى الله - تعالى - قبل حلوله بهم، أَزال الله عنهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا وكشفه عنهم بعد أن كاد يقع بهم، ومتعهم بما في الدنيا من زينة ونعيم ومتاع إلى انقضاءِ آجالهم، لمسارعتهم إِلى التصديق بما جاءَ به رسولهم عند رؤيتهم أَمارات العذاب. روى عن عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير وعبد الله بن عباس أن يونس - عليه السلام - أرسل إِلى أَهل نينوى من أَرض الموصل - وكانوا أهل كفر وشرك - فكذبوه وأصروا على ذلك، فأوحى الله إِليه أنْ أَنذرهم أن العذاب يصبحهم بعد ثلاث ليال، فأخبرهم بذلك، فلما قرب موعد الإنذار غامت السماء غيمًا أَسود هائلا، ذا دخان شديد، فهبط حتى غشى مدينتهم، فاستولى عليهم الخوف والفزع، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فأَيقنوا صدقه فلبسوا المسوح، وخرجوا إِلى الصحراءِ بأَنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب، فَحَنَّ بعضها إِلى بعض - فَحَنَّت الأولاد إلى الأُمهات والأُمهات إلى الأَولاد وعلت الأَصوات والضجيج، وأَخلصوا النية وأَعلنوا إيمانهم، وتضرعوا إِلى الله فاستجاب دعاءهم فرحمهم، وكشف عنهم العذاب بعد ما أَظلهم، وليس هذا الذي نقلناه عن عبد الله بن مسعود وغيره حديثًا مرفوعًا بل هو أَثر مروى عنهم في تفسير الآية والله تعالى أعلم.

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} التفسير 99 - {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا .... } الآية. كان - صلى الله عليه وسلم - لفرط شفقته على أمته حريصا أَشد الحرص على إِيمان الناس جميعًا، وللوصول إلى تلك الغاية حمل نفسه أَعباء ثقيلة، ومتاعب جسيمة، فخفف الله عنه، ببيان أَنه ليس مكلفًا بإكراه الناس على الإِيمان، وحملهم جميعًا عليه، فليس عليه إلا البلاغ وقد فعل، وحسبه التبليغ الذي لا يرهقه، فإن الهداية من الله. والمعنى: ولو شاء ربك أَيها الرسول إيمان من في الأرض جميعًا من الجن والإِنس لآمنوا كلهم لا يشذ منهم أحد، لكن مشيئته - تعالى - الموافقة لحكمته البالغة اقتضت أن يكون الناس فريقين: فريقا شاءَ الله إيمانه فيؤمن لا محالة وهم الذين اختاروا الهدى فيوفقهم الله - تعالى - إِليه، وفريقًا شاء الله كفره لسوءِ نيته فيكفر لا محالة. {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}: أَي أَفَأَنت مطلوب منك أَن تكره الناس علي دينك حتى يصيروا مؤمنين به؟ كلاّ. فاشفق على نفسك فما عليك إِلا البلاغ، {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} (¬1) ولا تُحَمِّل نفسك المصاعب والمشاق، بالمبالغة في دعوة المعاندين المستكبرين {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (¬2). ¬

_ (¬1) سورة فاطر، من الآية: 8 (¬2) سورة الكهف، الآية: 6

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} المفردات: {بِإِذْنِ اللَّه}: بإِرادة الله. {الرِّجْسَ}: يطلق على القذر حسيًّا كان أَو معنويًّا، ومن المعنوى الذنب والكفر، وَكُلُّ يصح أن يراد هنا، وقد يطلق على العذاب والشك وغير ذلك. التفسير 100 - {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}: أخبرنا الله تعالى في الآية السابقة أَنه لو شاءَ لهدى الناس جميعًا، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم لا يملك إكراه الناس على الإِيمان ولم يكلف به، ثم أَخبرنا في هذه الآية أَن إيمان أَي نفس متوقف على إرادة الله، فلا تستطيع نفس أَن تهتدى إِلا إذا أَراد الله هدايتها، فإِن الهدى هدى الله وحده، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} (¬1) ومن سنن الله في خليقته أَن يهدى من هو أَهل للإيمان به من أصحاب الفطر السليمة {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (¬2). ومن الذين أَحسنوا استعمال حواسهم وعقولهم في سبيل الوصول إلى الحق، أما الذين ألغوا حواسهم وأَهملوا عقولهم، واتبعوا أَهواءَهم واستقبلوا الرسالات السماوية بالعناد واللجاج، وآثروا الضلال على الهدى، فهم غير أهل للهداية والإيمان، فلا يأذن به ولا يعينهم عليه بسبب سوء اختيارهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، من الآية: 73 (¬2) سورة الزمر، من الآية: 18

{بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (¬1). وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (¬2) وهذا الصنف هو الذي يشير إليه قوله تعالى في آخر الآية: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} فالرجس هنا بمعنى الكفر ليقابل الإيمان في صدر الآية. والمعنى: أَنه تعالى يجعل الكفر قضاءً منه على الذين عطلوا عقولهم فلم ينتفعوا بآياته، ولم يهتدوا برسله، كما أَذن بالإيمان وحكم به وأَعان عليه الذين يعقلون ويهتدون بهداه، ويؤمنون برسله. {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} المفردات: {انْظُرُوا}: تفكروا واعتبروا. {النُّذُر}: جمع نذير وهو الذي ينبه الناس إِلى الخطر. التفسير 101 - {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: بينت الآية السابقة أن الهدى بإذن الله لمن هو أهل له، ممن يستعملون عقولهم في فهم آياته، وأن الرجس - أَي الكفر - قضى الله به على من لا يعقلون ولا يتدبرون فيها، وجاءت هذه الآية آمرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يحث الناس على التفكر في آياته حتى يتيسر لهم الإيمان بالحق تبارك وتعالى. والمعنى: قل لهم يا محمد تأملوا وتفكروا في عجائب صنع الله في السموات وما تضمه من مجرات ونجوم وكواكب، وانظروا ما في الأرض وما يتعاقب فيها من ليل ونهار ¬

_ (¬1) سورة الأعراف الآية: 179 (¬2) سورة فصلت، من الآية: 46

وفصول متوالية، وما يطرأْ عليها من زوابع عاتية وهواء عليل، وما تضمه من جبال وبحار، ومحيطات وقارات، ومن صحارى جدباء، وحدائق غناء، ومروج خضراء، وما يجرى على سطحها من جداول وأَنهار، وما يستقر في جوفها من مناجم وكنوز، وما يعتريها من زلازل وبراكين، وما تراه فوقها من إنسان وحيوان ونبات، انظروا في هذا كله وغيره من عجائب خلق الله، فإنه يهديكم إِلى معرفة الله، ويدعوكم إلى إِفراده بالعبادة والتقديس. {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}: "ما": إما أن تكون نافية أو استفهامية، فعلى النفى يكون المعنى: أن آيات الله الكونية وآياته المنزلة على الرسل بالتبشير والإنذار، لا تغنى هؤلاءِ الكفار ولا تنفعهم في الاهتداءِ إِلى الإيمان، ما داموا مصرين على الكفر والضلال، وعلى أَن "ما" استفهامية يكون المعنى: كيف يمكن أَن تنفع الآيات والنذر هؤلاءِ الممعنين في الضلال المصرين على عدم الإيمان؟ {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} المفردات: {يَنْتَظِرُونَ}: يترقبون ويتوقعون. {خَلَوْا}: مضوا. التفسير 102 - {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ}: في هذه الآية الكريمة إنذار بعقاب الله لمن ينصرفون عن الله ويحجبون أَبصارهم وبصائرهم عن الهداية، وتذكير لهم بما أَصاب الأُمم السابقة التي أَصرت على الكفر، وما حل بها من عذاب شديد، قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ

مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (¬1). والمراد من الاستفهام في قوله: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ} النفى، أَي لا ينتظر هولاءِ الكفار أَثرا لكفرهم إلا أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من عذاب ونكال، والمراد أَن العقاب الشديد سيحل بهم لا محالة، فهم في حكم المنتظرين لهذا العقاب {قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ}: قل لهم يا محمد فانتظروا وترقبوا آثار إصراركم على الكفر، فإنى مترقب معكم ما سيصيبكم من عذاب إِن ظللتم مصرين على الكفر والإنكار. 103 - {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا}: بعد أن أفادت الآية السابقة أَن الهلاك يحل بالكفار المعاندين، جاءَت هذه الآية تفيد أن الله سبحانه سينجى رسله والذين آمنوا معهم مما أصاب كفار قومهم من عذاب وتنكيل؛ لأن عدالة الله تقتضى ألا يعذب قوما بذنوب آخرين، قال تعالى في قوم هود: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} (¬2). وقال سبحانه في قوم صالح: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)} (¬3). {كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ}: أَي كما أنجى الله الأنبياء والمؤْمنين مما أَصاب أَقوامهم، كذلك اقتضت عدالته وصدق وعده، أن ينجى المؤْمنين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مما يتعرض له الكفار المصرون على الكفر والضلال، قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} (¬4). ¬

_ (¬1) سورة العنكبوت، الآية: 40 (¬2) سورة هود، الآية: 58 (¬3) سورة هود، الآية: 66، 67 (¬4) سورة الأنبياء، الآية: 9

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} المفردات: {يَتَوَفَّاكُمْ}: يستوفى آجالكم، بقبض أَرواحكم. {وَجْهَكَ}: المراد من الوجه: الذات أَو القلب أو القصد. {حَنِيفًا}: منصرفا عن الباطل مقبلا على الحق. التفسير بعد أَن بينت الآيات السابقة، ما ينتظر الكافرين من الهلاك، وما يتوقعه المؤمنون من الفوز والنجاة - أَمر الله رسوله في هذه الآيات أن يعلن الكافرين أَنه لن يعبد ما يعبدون، وأن الله أَمره بالإِخلاص في عبادته وحده، وفيما يلي بيانها: 104 - {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}: أَي قل يا محمَّد للمشركين باللهِ الشاكين في نبوتك يأَيها الناس، إِن كنتم في ريب وشك من دينى، حتى أدى بكم الشك فيه إِلى تكذيبى فيما جئتكم به، فاعلموا أننى مؤمن إِيمانا راسخا بما أنزله الله تعالى علىّ، ثابت كل الثبات على عقيدتى، فلا تتوقعوا منى أَن أجنح إلى مشاركتكم في عقيدتكم، وعبادة آلهتكم التي عبدتموها من دون الله بغير حق. {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ}: أَي ولكننى أَعبد الله - تعالى - الذي يستوفى آجالكم، بقبض أَرواحكم فهو الجدير بالعبادة والتقديس، فاعرضوا عقيدتى هذه على عقولكم، وانظروا فيها بعين الإنصاف، لتعلموا

صحتها وفساد ما أنتم عليه من عبادة آلهة لا شأْن لها في إحياءٍ ولا إماتة - وإنما خص التوفى بالذكر لتهديدهم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: أَي وأَمرنى الله تعالى أن أَكون من المتمسكين بالإيمان به، وعدم المبالاة بآلهتكم، فإنهم {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} (¬1). 105 - {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: المراد من إقامة وجهه - صلى الله عليه وسلم - للدين، استقامته في الاتجاه إِليه، وقد أكد ذلك بقوله: {حَنِيفًا}: أي مائلا عن الأديان كلها إليه، أي وكما أَمرنى الله تعالى بالإيمان به - أمرنى سبحانه بالإخلاص في الاتجاه إِلى دينه بقلبى وجوارحى، وأَقوالى وأَفعالى، بحيث لا يصرفنى عنه صارف، وأَمرنى أَيضًا أن لا أشرك في عبادته أَحدا حتى لا أَكون كهؤلاءِ الذين قال الله فيهم: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (¬2) وقد عرفت من هذا العرض أن الآية السابقة دعت إلى الإيمان، وأن هذه الآية دعت إلى الإخلاص في الإيمان، والحرص على صفائه ونقائه وثباته، والحذر من أن يتطرق إليه أي شك أَو لبس والخطاب وإِن كان موجها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فالمؤمنون داخلون في حكمه، فهم مطالبون بالإخلاص في دينهم، وقد جاءَ ذلك صراحة في قوله - عز وجل -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (¬3): أَي الذين صدقوا بإِخلاص، ولم يخلطوا إِيمانهم بشرك يظلمون به أَنفسهم، ويعتدون به على الحق، أولئك لهم الأَمن من المكاره، وهم مهتدون إلى الحق وإِلى عظيم الثواب، وقال - ¬

_ (¬1) الفرفان من الآية: 3 (¬2) يوسف من الآية: 106 (¬3) الأنعام الآية: 82

صلى الله عليه وسلم - محذرا من الشرك: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل" أَخرجه الإِمام أحمد والطبرانى. 106 - {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ}: جاءَت هذه الآية، لزيادة تأْكيد ما جاءَ في الآيات السابقة، فقد نهى الله فيها رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن الاتجاه في دعائه وعبادته، إلا إِليه وحده لأنه سبحانه هو الذي يملك جلب المنافع ودفع المضار، أَما الآلهة المزعومة، فلا تملك أَنْ تنفع ذاتها أَو أن تدفع الضر عنها، فكيف تملك لغيرها نفعًا أَو ضرًّا؟! {فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}: الخطاب - هنا وفيما سبق - موجه للمسلمين عامة في جميع العصور، وإن بدا في لفظه إِلى شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - والمعنى: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإنك تكون - حينئذ - من الظالمين لأَنفسهم بالشرك. واستعمال أَداة الشرط (إن) تفيد استبعاد أن يدعو الرسول والمؤمنون غير الله - تعالى - بعد إيمانهم به سبحانه وتعالى. والآية تنهى نهيًا حاسمًا، عن الاتجاه بالدعاء إلى غير الله، كائنا ما كان كما جَاءَ في الحديث الشريف. الذي ذكرت فيه وصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لابن عمه عبد الله بن عباس - رضى الله عنهما -: "وإذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشىءٍ، لم ينفعوك إِلا بشىءٍ قد كتبه الله لك. وإن اجتمعوا على أَن يضروك بشىءٍ لم يضروك إلا بشىءٍ قد كتبه الله عليك. رفعت الأَقلام وجفت الصحف". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} المفردات: {يَمْسَسْكَ}: يصبك. التفسير نهت الآية السابقة، عن الاتجاه بالدعاءِ إلى ما لا ينفع ولا يضر. وقررت أَن هذا إشراك بالله - تعالى - وجاءت هذه الآية لتؤكد أن النفع والضر، من الله وحده. وفيما يلي بيانها: 107 - {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}: أي: وإِن يصبك الله بما يضرك، من قحط أَو فقر أَو مرض. أَو خوف أَو إِيذاءٍ أو غيرها، فإِن أحدًا لن يستطيع أَن يزيل عنك ما أصابك إِلا الله وحده {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} (¬1). والناس يتعرضون للضر، ابتلاءً من الله - تعالى - واختبارًا منه لعباده. ليظهر مدى إيمانهم وصبرهم، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (¬2) وقد يتعرض الناس للضر، عقابًا لهم على ما اجترحوا من آثام لكي يعودوا إلى الله بالتوبة والاستغفار، قال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (¬3) وقال جل شأنه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} (¬4). وقد يكون هذا التعرض تكفيرًا للذنوب أَو رفعة للمنزلة. ¬

_ (¬1) الشورى الآية: 28 (¬2) البقرة: 155 (¬3) الأنعام من الآية: 42 (¬4) الشورى: 30

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَا يُصِيبُ الْمُسِلمَ من نَصَبٍ وَلَا وَصَب، وَلا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ، ولا أَذى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَة يُشَاكها إلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاه" (¬1). وقد جرت سنة الله تعالى، أن لا يديم الضر على عباده، بل يكشفه عنهم، كما يشير إليه قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (¬2). {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}: والمعنى: أَنه - تعالى - إن يرد عبده بخير من فضله، فلن يستطيع أحد منع هذا الخير عنه، فإن إرادته - جل وعلا - نافذة، وفضله سبحانه لا يستطيع أَن يرده أحد من خلقه. وكما يكون الضرُّ ابتلاءً من الله لعباده لإظهار مدى إِيمانهم وصبرهم، يكون الخير كذلك لإظهار مدى شكرهم لله وإقبالهم عليه - تعالى ـ قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (¬3) وقد يكون الخير تكريمًا من الله لعباده الصالحين، وتعجيلا بنصيب من الثواب في الدنيا قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} (¬4). وكما قال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (¬5). {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}: أَي والله - سبحانه وتعالى - عظيم المغفرة واسع الرحمة. يفسح لعباده مجال التوبة والاستغفار قبل أَن ينزل بهم العقاب، فإنه - سبحانه -: {أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} (¬6). ومن فضل الله ورحمته أنه يتجاوز عن كثير من السيئات، كما قال عز وجل: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (¬7). ولا يؤاخذهم عاجلا بما كسبوا، كما قال سبحانه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} (¬8). وكما قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُوالرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} (¬9). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في كتاب المرض عن أبي سعيد الخدرى (باب ما جاء في كفارة المرض). (¬2) سورة الطلاق الآية: 7 (¬3) سورة الأنبياء الآية: 35 (¬4) سورة النحل من الآية: 30 (¬5) سورة الطلاق من الآية: 4 (¬6) ختام المدثر. (¬7) سورة الشورى من الآية: 30 (¬8) سورة فاطر من الآية الأخيرة. (¬9) سورة الكهف: آية 58

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} المفردات: {بِوَكِيلٍ}: الوكيل، من يُوكل إليه الأَمر. التفسير 108 - {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ..... } الآية. أثبتت الآيات السابقة، أن الذي يملك الهداية، والنفع والضرَّ والموت والحياة هو الله وحده، فهو الجدير بالعبادة والتقديس، وجاءَت هذه الآية لتبين أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَدى رسالته للناس على وجهها الحق، وأنه ليس مسئولا عنهم إن أعرضوا عنها. والمعنى: قل يا محمَّد لأُمتك: يا أَيها الناس قد جاءَكم من ربكم الدين الحق، الثابت بالمعجزات والبراهين العقلية والنقلية، وقد أصبح الحق واضحًا لا شك فيه، فلا عذر لأَحد في التكذيب به، أو العمل بما يخالفه. {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}: أي فمن اهتدى إلى هذا الدين الحق بالإيمان والمتابعة فإنما يهتدى لمنفعة نفسه دون سواها. {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}: ومن ضل عن هديه وانصرف عنه، فما وبال ضلاله إِلا على نفسه دون غيرها، فلا منفعة لله ولا لرسوله من اهتدائكم، ولا ضرر على الله ولا على رسوله من ضلالكم، أَخرج مسلم في صحيحه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عزَّ وجلَّ: "يَا عِبَادِى إنَّكُم لَن تَبْلُغُوا ضرِّى فَتَضرُّونِى. وَلَن تَبْلغُوا نَفْعِى فَتَنفَعُونِى يا عبادى لوْ أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم، وإنْسَكُم وِجنَّكُم، كَانُوا عَلَى أَتقى قلب رَجُلٍ واحدٍ مِنْكُم،

مَا زَاد ذَلك فِى مُلكِى شَيئًا .. يا عبادى لو أن أَوَّلكم وآخِرَكم وإنْسكُم وجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قلبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنْكُم، مَا نَقَص ذَلِك مِنْ مُلكِى شيئًا" (¬1).فالله - سبحانه - غنى عن الناس، والناس جميعًا مفتقرون إِلى رحمته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (¬2). {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}: وقل لهم أَيها الرسول: إن الذي كُلِّفتُ به هو أداء، رسالة الله إليكم. وقد أَديتها كاملة ولم يوكل إِلىّ إرغامكم علي اتباعها؛ لأننى لست عليكم بمسيطر. كما قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} (¬3). 109 - {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}: بعد أَن أمر الله رسوله بتبليغ قومه أنه جاءَهم بالحق من ربهم، وأن عاقبة الاهتداءِ إِليه والضلال عنه لا تلحق سواهم، وأَنه ليس مكلفًا بقهرهم على الاهتداءِ، أمره في هذه الآية بالثبات على اتباع وحيه، والصبر حتى يأْتى النصر. والمعنى: دم على ما أنت عليه من اتباع وحى الله - تعالى - ولا تدخل اليأْس على نفسك بسبب إصرارهم على كفرهم، واصبر على ما تتعرض له من إِيذاءِ المشركين وعنتهم وإِمعانهم في الضلال، حتى يقضى الله تعالى فيهم قضاءَه، وينفذ فيهم مشيئته وحكمه، فإنه أَعدل الحاكمين. وقد نفذ الرسول ما أَمره الله به من ملازمة الاتباع، ومداومة الصبر، وصبر معه المؤمنون وتحملوا أَذى المشركين، حتى صدق الله وعده وأعز جنده، وهزم المشركين وحده، وجاءَ نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أَفواجًا، والحمد لله رب العالمين. ¬

_ (¬1) رواه أبو ذر الغفارى - رضى الله عنه - والحديث طويل وهذا جزء منه. (¬2) سورة فاطر الآية: 15 (¬3) الغاشية الآيتين: 21، 22

سورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم سورة هود هذه السورة مكية: روى الترمذي والطبرانى - وغيرهما - أن أَبا بكر - رضى الله عنه - قال للرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ما شيّبَكَ؟ قال: شَيبَتْنى هُودٌ وأَخَواتها". وفي رواية أخرى: "شيبتنى هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون" والمراد: ما فيها من ذكر ما أَصاب الطغاة من عذاب شديد، في الدنيا وما ينتظرهم من أهوال يوم القيامة التي تجعل الولدان شيبا. وأهم مقاصد السورة ما يلي: 1 - الحديث عن القرآن الكريم وأَحكامه من لدن حكيم خبير، ودعوة الناس للعمل بما فيه من عقائد وأَحكام شرعية، ليمتعهم متاعًا حسنا ويؤتى كل ذى فضل فضله، وبيان أن المرجع إليه - سبحانه - وأنه على كل شيءٍ قدير. 2 - الحديث عن علم الله تعالى وإحاطته - عز وجل - بمكنون الظمائر، وتكفله برزق كل دابة ومعرفته جميع أَحوالها وحركاتها وسكناتها. 3 - الإشارة إلى آيات الله الكونية، في خلق السموات والأرض والعرش العظيم، وأنه اختبرنا بالتكاليف ليبلو عباده أيهم أحسن عملا. 4 - الحديث عن إِعجاز القرآن الكريم، وعجز البشر عن محاكاته، وأن هذا كافٍ في الدلالة على أنه من عند الله، وأن الله أيَّد به رسوله، وأَن ما يدعونه من افترائه على الله زعم باطل. 5 - بيان موقف الناس من الإِسلام، وذكر ثواب المطيعين وعقاب المسيئين - وأن مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع، وأَنهما لا يستويان مثلًا. 6 - الحديث عن قصة نوح - عليه السلام - وقوعه، والطوفان، ونجاة المؤمنين وهلاك المكذبين الكافرين ليعتبر كفار قريش ويرجعوا عن كفرهم وتكذيبهم. 7 - بيان قصة هود - عليه السلام - مع قومه عاد، ونجاة المؤمنين منهم وهلاك العاصين المتمردين، ليكون في نبئهم عبرة لأُولى الأَلباب.

8 - قصة صالح - عليه السلام - مع قومه "ثمود" ونجاة المؤمنين منهم وهلاك المكذبين بالصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، جزاءَ كفرهم وتكذيبهم لرسول الله إليهم. 9 - قصة إبراهيم - عليه السلام - وتبشير الملائكة له بإِسحق ومن ورائه يعقوب - عليهما السلام -. 10 - قصة الملائكة وزيارتهم لوطا عليه السلام. وإهلاك الله لقومه بإِبادة قراهم، وإِمطارهم بحجارة من سجيل، جزاءَ شذوذهم الشهوانى، وكفرهم بآيات ربهم. 11 - قصة شعيب - عليه السلام - وتمرد قومه عليه وإهلاكهم بالصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، كما حدث لقوم صالح - عليه السلام - ونجى الله شعيبا ومن آمن معه. 12 - قصة موسى وفرعون، وبيان أَن قوم فرعون اتبعوا أَمره، فأَهلكهم الله وأتبعهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة بسبب كفرهم. 13 - الإشارة إِلى سنة الله في عقاب الكفار في الدنيا، ونجاة المؤمنين بقوله: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وبيان أَن في ذالك آية لمن خاف عذاب الآخرة. 14 - بيان حال الكافرين الأَشقياء في الآخرة من الخلود في النار وزفيرهم وشهيقهم فيها، وبيان حال المؤمنين السعداء فيها، من الخلود في الجنة والنعيم المقيم فيها. 15 - بيان أنه - تعالى - قص على رسوله صلى الله عليه وسلم قَصَصَ إخواته الأنبياء مع أُممهم، ليُثَبِّتَ بها فؤادَه، وموعظة وذكرى للمؤمنين. بسم الله الرحمن الرحيم {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}

المفردات: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}: نظمت آياته نظمًا محكمًا لا خلل فيها ولا تناقض ولا اضطراب. {فُصِّلَتْ}: ذكرت فيها الأُمور التي يحتاج إليها العباد في عقائدهم وسلوكهم ومعادهم ومعاشهم مفصلة مبينة. {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ}: من عند إِله مبدع للأُمور على خير وجه. {خَبِيرٍ}: عليم بما كان وما يكون، ظاهرًا أو خفيًّا. {نَذِيرٌ}: محذر لعباد الله من سوءِ عاقبة الكفر والعصيان. {بَشِيرٌ}: مخبر بما يسر الصالحين من ثواب الله. التفسير 1 - {الر}: تحدثنا في أَول سورة البقرة عما بُدىء به بعض السور من مثل هذه الفواتح، وذكرنا آراءَ المفسرين فيها، وأرجح الآراء في تأْويلها هو أنها ترمز إِلى التحدى بأَن يأْتوا بمثل هذا القرآن المؤلف من كلمات وجمل ذات حروف مما ينظمون منها كلامهم، إِن كانوا صادقين في زعمهم أن الرسول تَقَوَّلَهُ على الله، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه مع ما يمتازون به من الفصاحة والبلاغة وحسن البيان، فمحمد مثلهم وشأْنه شأْنهم فهذا دليل على أَن القرآن من عند الله وأَنه: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (¬1). وتكرارها في القرآن على هذا الرأْى تكرار للتحدى، وقيل: إِن المقصود بها هو تنبيه السامعين إِلى ما يأْتى بعدها. {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}: هذا كتاب كريم، أنزل الله آياته البينات في غاية الإِحكام، فهي فصيحة الكلمات، بليغة العبارات متناسقة الموضوعات، رائعة المعانى غزيرة الفوائد، لا يمكن أَن يتطرق إليها أي اضطراب أَو اختلال كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (¬2). ¬

_ (¬1) فصلت الآية: 42 (¬2) النساء من الآية: 82

وكما هي متقنة في أُصولها، فهي متقنة في تفصيلاتها الفرعية في قوة، ودقة، ووضوح لأنها مُنَزَّلَة من الحكيم الذي يضع الأُمور في مواضعها، الخبير بما كان وما هو كائن والعطف بحرف (ثُمَّ) لإفادة علو مرتبة التفصيل، لوفائه بحاجات البشر. 2 - {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}: جاءَت هذه الآية مبينة المقصود من إنزال القرآن محكما ومفصَّلا - وهو الدعوة إلى الإيمان باللهِ سبحانه وتعالى والتوجه إليه - عز وجل - وحده بالعبادة، دون شريك، وهذا هو جوهر الرسالات السماوية. والمعنى: هذا كتاب أُحكمت آياتُه وفصلت من عند الحكيم الخبير، لكيلا تعبدوا غير الله - تعالى - فإِننى لكم منه منذر فلا تعصوه خوفا من عقابه، ومبشر فأَقبلوا على طاعته طمعا في ثوابه. {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المفردات: {تَوَلَّوْا}: أَصلها تتولوا أَي تعرضوا. {مَرْجِعُكُمْ}: مصيركم. التفسير 3 - {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}: هذه الآية مكملة للآية السابقة في المعنى. والمعنى: هذا كتاب أُحكمت وفصِّلت آياته من عند الله - وحده - لكي تعبدوه دون سواه وتستغفروه وتتوبوا إليه من ذنوبكم ومعاصيكم، على أَن تكون توبة نصوحا، وهى المنبعثة

عن الندم، مع العزم على تجنب المعاصي والآثام والإكثار من الطاعات، فإِنها تمحو السيئات، كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (¬1). وقد بينت الآية أن من ثمرات الاستغفار والتوبة، أن الله يمنُّ على صاحبهما بالثواب العاجل في الدنيا، فيغمره بفضله وإِحسانه فيها، حى يوافيه أجله المحتوم المقدر عند الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} (¬2). وأدنى المتاع الحسن في الدنيا، الأمن والدعة وراحة النفس والرضا بما قسم الله - تعالى - والصبر على المحن. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}: أي ويمنح في الآخرة كل صاحب فضل في دينه جزاء فضله، بعد أن متَّعه في دنياه، متاعًا حسنا. {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}: وإن تنصرفوا عمَّا دعوتكم إليه من طاعة الله والتوبة من المعاصي فإنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم الهول، رهيب الجزاءِ، {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} (¬3). 4 - {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ}: أي إِلى الله - وحده - مصيركم ومآلكم، بعد هذه الحياة. فعليهم أَن تتزودوا لهذا المصير بما يجزل الله لكم به الثواب ويقيكم العذاب - قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (¬4). {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: ختم الله الآية بهذه الجملة، ليعلم العباد أَن من كان قادرا على كل شيء فهو - عز وجل - قادر على بعثهم، ومجازاتهم بما يستحقون من ثواب وعقاب، وأَن عليهم أَن يتقوه ¬

_ (¬1) هود من الآية: 114 (¬2) نوح الآيات: 10 - 12 (¬3) الحج الآية: 2 (¬4) البقرة من الآية: 197

ويحذروا عقابه، ويدعوه مستغفرين تائبين طامعين في فضله وإحسانه، كما قال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (¬1). {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} المفردات: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}: يطوون قلوبهم على ما فيها من نوايا. {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ}: ليستروا أَنفسهم عنه سبحانه. {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}: يوارون أنفسهم بثيابهم. التفسير 5 - {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ}: تحدثت الآيات السابقة عن وجوب الإيمان باللهِ واستغفاره، والتوبة إِليه من الذنوب ليمتعهم في الدنيا متاعا حسنًا، ويؤتى في الآخرة كل ذى فضل ثواب فضله حين يرجعون إِليه، وجاءَت هذه الآية تبيّن إصرار المشركين على الكفر، وتنذرهم بأَن الله يعلم سرهم ونجواهم، وأَنه سيجزيهم بما كانوا يعملون. ورأَى بعض المفسرين: أَن هذه الآية نزلت في المنافقين؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر ويظهرون الإِيمان، ولكن هذا الرأْى لا يناسب ما تقدم عليها وما تأخر عنها، من وعظ المشركين وإِنذارهم مَغبَّة ما هم عليه، في حين أَن السورة مكية، فلا ينبغي أَن يُقْحم أَمر ¬

_ (¬1) الأعراف من الآية: 56

المنافقين بين ما هو مرتبط بمسلك المشركين بمكة، قال العلامَةُ البيضاوى بعد حكايته القول بأنها نزلت في المنافقين وفيه نظر، إذ الآية مكية، والنفاق حدث في المدينة اهـ. ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس في سبب نزولها، فقد روى عنه أَنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلًا حلو المنطق حسن السياق للحديث، يظهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحبة، ويضمر في قلبه ضدها. والمعنى: ألا إن الكافرين الذين لم يتأثروا بآيات القرآن، يطوون صدورهم على الكفر وعداوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا ينتفعون بتلك الزواجر التي تقدمت في صدر السورة، يريدون أن يخفوا أَمرهم عن الله، أو يعتقدون أن أمرهم يخفى عليه، ثم رد الله عليهم وخطَّأَ مسلكهم فقال: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: ليس المراد من استغشائهم ثيابهم المعنى الحقيقى، بل المراد: مبالغتهم في إِخفاء أَمرهم فهو من التعبيرات الكنائية، ويدل لذلك قوله تعالى في ختام الآية: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} والمعنى: ألا إنهم حين يبالغون في ستر حالهم وإِخفاءِ كفرهم وعداوتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويستخفون تحت ظواهرهم من المودة والملاطفة، يعلم الله ما يخفونه من الكفر باللهِ والعداوة لرسوله، وجميع ما تنطوى عليه جوانحهم، ويعلم ما يعلنونه من جميع ظواهرهم، وصدق الله إذ يقول في سورة سبأ: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}. طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية رئيس مجلس الإدارة محمد حمدى السعيد رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1979 الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 693 س 1979 - 25004

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} المفردات: {دَابَّةٍ}: هي اسم لكل حيوان يدب على الأرض زحفا أو على قوائم، مأخوذة من الدبيب وهو الانتقال البطىء، والمقصود منها هنا جنس الحيوان من ماشية وسباع وهوام وحشرات وغيرها ويدخل فيها الإِنسان، فإِنه يدب على الأرض، ومنه قول الشاعر: إِنما الشيخ من يدب دبيبا. {مُسْتَقَرَّهَا}: موضع استقرارها وإقامتها. {وَمُسْتَوْدَعَهَا}: ومكان استيداعها ووجودها إِلى حين تنقل بعده إلى غيره. {كِتَابٍ مُبِينٍ}: هو كناية عن علم الله تعالى، أو هو اللوح المحفوظ. التفسير 6 - {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا .... } الآية. بين الله في الآية السابقة أن الكافرين مهما حاولوا الاستخفاء من الله تعالى بما يظنون أَنه يخفيهم عنه، ومهما تستروا في كفرهم وعداوتهم للرسول فإِنهم لا يخفون على الله العليم بما يسرون وما يعلنون، وجاءَت هذه الآية لتقرر ما سبق، ببيان شمول رزقه تعالى وعلمه لكل دابة في الأرض. والمعنى: وما من حيوان في أي جزءٍ من أَجزاءِ الأرض، ذكرا كان أو أُنثى يمشى على رجلين أَو يمشى على أَربع، أو يمشى على غير هذه الصور، إلا تكفل الله برزقه اللائق به، وأوجبه على نفسه تفضلا وإحسانا. وكما تكفل برزقه أينما كان يعلم مستقره وموطنه الذي ولد ونشأ فيه، ومستودعه الذي يرحل إليه لطلب الرزق وغيره، كما يعلم مساكنه في أدوار حياته ويعلم ما يودع فيه بعد مماته، كل ذلك في كتاب بين واضح.

والكتاب المبين هنا: إما كناية عن علم الله تعالى، وإما حقيقة مراد منها اللوح المحفوظ. وتذييل الآية بهذه الجملة، للإيذان بأَنه تعالى لا يبتدئ العلم بأَحوال الدواب ابتداءً، بل علمه بها أَزلى قديم، وواضح لديه أمرها قبل خلقها ورزقها وإيوائها في مستقرها ومستودعها، وأَنه دبر أَمرها أَزلا على النحو الفائق العجيب الذي أَراده لها، وأَبرزها عليه وفق تدبيره الأزلى القديم فتبارك الله أحسن الخالقين. {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} المفردات: {سِتَّةِ أَيَّامٍ}: المراد بالأيام، أيام الله لا أَيامنا نحن ولا يعلمها إلا الله، وسيأْتى الحديث عنها. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}: وكان عرشه فوق الماءِ، ولا يقتضي هذا أَن يكون العرش فوقه مباشرة، وسيأتى تفصيل الحديث عن هذه الجملة في تفسيرها. التفسير 7 - {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}: بعد أَن بين الله سبحانه في الآية السابقة تكفله بأَرزاق دواب الأرض، وعلمه بجميع أَحوالها، بين في هذه الآية خلقه للسموات والأرض، وأيام خلقه لها، ليعلم الناس عظمته تعالى، فلا يشركوا به في العبادة ما ليس له دخل في خلق ولا رزق، بل يتنافسوا في إِحسان العمل والتقرب به إِليه سبحانه، ونعى عليهم فيها إنكارهم للبعث بعد الموت للحساب والجزاءِ ووصفهم للقرآن الذي أَخبرهم بذلك بأنه سحر مبين.

واعلم أن أصل السموات والأرض الدخان، قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (¬1). وقال جل وعلا في سورة الأنبياء: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} (¬2). ويقول أهل العلمِ الحديثِ: إن أصل العالم غاز الهيدروجبن، وهم بذلك يهتدون إِلى ما سبقهم به القرآن العظيم بأكثر من ألف عام، وتحويلُ هذا الدخان إلى سموات وأرضين، استغرق ستة أَيام كما نصت عليه الآية الكريمة، ولا يصح حمل الأيام هنا على أيامنا في أرضنا، فإنها نشأت بعد خلق السموات والأَرض، وأيامنا على قدر حجم أَرضنا، والأيام في الكواكب الأُخرى على قدر حجمها صغرا أو كبرا. أَما الأيام التي استغرقها خلق السموات والأرض، فهى بقدر عظمة هذا الكون وما يقتضيه من زمان طويل جدًا، حتى يتم تحويل الغاز أَو الدخان إِلى سموات وأَرضين، كما تقتضيه سنة التطوير التي شاءَها الله تعالى، مع أَنه قادر على أَن يقول لها كونى فتكون فورا. ولقد ضرب الله مثلا لأَيامه بقوله سبحانه: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (¬3). وبقوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} (¬4). وذلك يقتضي أن أيام الله ليس لها حد معين وأنها تكون في طولها وامتدادها حسب الأمر الذي تتصل به، وفي موضوع تكوين السموات والأرض قد تكون الأيام أطول من هذين المثلين وربما وصل اليوم فيها إِلى ملايين السنين، وليس من الحكمة تحديد مدى أَيام الله تعالى فذلك شأْنه تعالى، ولا سبيل لنا إِلي علمه، وعلى هذا يكون معنى الجملة من الآية ما يلى: وهو الذي خلق السموات والأرض مادة وصورة، وهيأَ لها كل ما خلقت لأَجله من العناصر والوظائف والمواضع في هذا الفضاء الرهيب، ووصل بينها بالقوى التي تربط بعضها ببعض من غير عمد ترونها، وكان ذلك كله في سته أيام من أيامه تعالى، حتى تمت على أَجمل صورة وأكمل إبداع، وأقوى بناء، فلا ترى فيها من عيب ولا فطور وشقوق. وصدق الله إِذ يقول: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ¬

_ (¬1) سورة فصلت، من الآية: 11 (¬2) سورة الأنبياء، من الآية: 30 (¬3) سورة الحج، من الآية: 47 (¬4) سورة المعارج، من الآية: 3

فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} (¬1). {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}: دلت هذه الجملة على أن عرشه تعالى كان على الماءِ قبل خلق السموات والأرض، فكأَنه قيل: وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام في حال كون عرشه تعالى على الماءِ، ويدل صراحة لهذا المعنى، ما جاءَ في كتاب بدء الخلق بصحيح البخاري من حديث عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيءٍ وخلق السموات والأرض". فهذا الحديث يدل على أَنه تعالى أزلى لا أَول له، وأَنه لم يكن يشاركه شىءٌ غيره في الوجود وأَنه سبحانه كان عرشه على الماء وأنه كتب كل شيء قبل خلق السموات والأَرض، وأنه خلق السموات والأرض بعد ذلك، ومن هذا كله يعلم أن الماءَ مخلوق قبل خلق السموات والأرض، فهو أَصل خلقهما ومادته وأَصل كل شيء حى ويدل لذلك صراحة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (¬2). قال الشيخ رشيد رضا في شرح قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}: نفهم منه أن الذي كان دون هذا العرش من مادة هذا الخلق قبل تكوين السموات والأَرض أو في أَثنائه هو هذا الماءُ الذي أخبرنا عز وجل أَنه جعله أصلا لخلق جميع الأحياءِ، إِذ قال: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}. والرؤية هنا علمية. والمعنى: ألم يعلموا ما ينبغي أَن يعلموه من أَن السموات والأرض كانتا مادة واحدة لا فتق فيها ولا انفصال - وهى ما يسمى في عرف علماءِ الفلك بالسديم، وبلغة القرآن بالدخان - ففتقناهما بفصل بعضهما من بعض، فكان منها ما هو سماء، ومنها ما هو أرض، وجعلنا من الماء في المقابلة لحياة الأحياء كلّ شىءٍ حىّ. اهـ ¬

_ (¬1) سورة الملك، من الآيتين: 4،3 (¬2) سورة الأنبياء، من الآية: 30

واختلف في المراد من عرش الله الذي كان على الماء، فمن العلماء من يفهمه على أَنه جسم كونى عظيم. خلقه الله أول ما خلق، وجعله مصدر أوامره في الكون الذي شاءَ إنشاءَه بعده، والله يعلم مادته وصورته، ومعنى كون عرشه تعالى على الماء على هذا أنه فوقه، وهذا لا يلزم منه أنه فوقه مباشرة بحيث يكون مرتكزا عليه. فأَنت تقول: السحاب على الأرض أو فوق الأرض، مع أنه ليس مباشرا بالعلو والفوقية لها، بل بينهما فراغ. قال الشيخ رشيد رضا بعد ما نقلناه عنه سابقا في شرح الآية: فيفهم من هذا وذاك أن الذي كان تحت العرش فينزل إليه منه أَمر التدبير والتكوين هو الماء الذي هو الأَصل لجميع الأَحياء؛ ثم قال: والعبارة ليست نصا في أن ذات العرش المخلوق كان على متن الماء، كالسفن التي نراها راسية فيه الآن كما قيل - اهـ من ص 16جـ 12 طبعة الشعب. ومن العلماء من ذهب إلى أن العرش كناية عن الملك والسلطان وَرَمزٌ له، ومعنى قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} - على هذا الرأْى - وكان سلطانه على الماء ليخلق منه ما يريد خلقه من السموات والأَرض، وقد تقدم الكلام في سورة الأَعراف - الآية 45 - على قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فارجع إِليه لتعرف تفصيلا أكثر لما قاله العلماء في معنى العرش والله تعالى أعلم. {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}: أي وهو الذي خلق السموات والأرض، وكان سلطانه على الماء في خلق ما يريد، وسخر لكم ما في السموات والأرض ليمتحنكم، فيظهر أَيكم أحسن عملا من سواه، فيجازيكم على عملكم لا ما علمه أزلا بكم. فإِن العمل حجة على صاحبه، ويفهم من ذلك أن الله تعالى خلق الكون ليعبده العقلاءُ من خلقه فيه، فإِنه سبحانه ما خلقهم إلا ليعبدوه كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوالْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (¬1). وإنما جعل الله ذلك غاية لخلقه السموات والأرض، لأَنه تعالى زود عباده بالعقل والاستعداد للنظر في الآيات الكونية التي بثها سبحانه في أرجاءِ السموات والأرض، وجعلها مصدرا ¬

_ (¬1) سورة الذاريات، من الآيتين: 58،56

لخيراتهم ومنافعهم، وجعل ذلك كله شاهدا لأنه هو الخالق المدبر الحكيم، الرءوف الرحيم، المستحق لشكرهم إياه بالإخلاص في عبادته وحده، وإنما اقتصر في البلاء على أيهم أَحسن عملا، مع أن منهم من هو حَسَنُ العمل ومنهم من هو سيئه، ليحثهم بذلك على التنافس في إِحسان العمل، وليرشدهم إلى أن الغاية العظمى من خلق ذلك هو أن يكونوا في عملهم على أحسن وجه وأَكمله، بقدر استطاعتهم واجتهادهم وفي حدود طاقتهم. {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}: أَي ولئن قلت أَيها النبي تبليغا للناس إِنكم جميعًا مبعوثون من بعد الموت للحساب وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب وأقمت الأَدلة عليه. {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}: أَي لانفرد الكافرون بإنكار البعث، وليقولُن تكذيبا لك: ما البعث الذي تخيفنا منه، أو القرآن المشتمل على الإنذار به، إِلا كالسحر يخدع ويغر ولا ثبات له ولا دوام، يعنون بذلك أن لا بعث ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب. {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} المفردات: {أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ}: مدة قليلة. {مَا يَحْبِسُهُ}: ما يمنعه. {مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}: مدفوعا ومتحولا عنهم. {حَاقَ بِهِمْ}: أي نزل وأحاط بهم.

التفسير 8 - {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ}: بعد ما بينت الآية السابقة ما يقوله المشركون إنكارا للبعث، بينت هذه الآية، ما يقولونه إنكارا للعذاب الذي أَنذرهم إياه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى: ولئن أَخرنا عن هؤلاء المكذبين العذاب الموعود الذي أَنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه إن استمروا في كفرهم وعنادهم، لئن أخرناه إلى مدة من الزمن معدودة مقدرة في علمنا، كما هو شأْننا في تحديد الآجال {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} لئن أَخرناه هكذا ليقولن منكرين مستهزئين: أَي شيء يمنع وقوع هذا العذاب بنا؟ يقصدون بذلك التكذيب بوقوعه. فيرد الله عليهم بقوله تعالى: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: والمعنى: أنَّ الله تعالى يؤكد بهذه الجملة وقوع العذاب بهم حينما يأْتى الوقت المقدر لوقوعه، ويومئذ لا يصرفه عنهم صارف ولا يحبسه عنهم حابس وقد أَحاط بهم العذاب الذي كانوا به يستعجلون استهزاءً وتكذيبًا. {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} المفردات: {أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً}: أعطيناه نعمة ذاق لذتها. {نَزَعْنَاهَا}: سلبناها وأخذناها. {لَيَئُوسٌ}: لشديد اليأْس من عود ما سلب منه.

{كَفُورٌ}: مبالغ في جحد النعمة وعدم شكرها. {نَعْمَاءَ}: نعمة من صحة وغنى وغيرهما، ولم يرد في القرآن لفظ النعماءِ إلا في هذه الآية. {ضَرَّاءَ}: من فقر ومرض وغير ذلك. {مَسَّتْهُ}: أصابته ولحقته. {فَرِحٌ}: كثير الفرح بطرا. {فَخُورٌ}: مبالغ في الفخر بها والتعالى على عباد الله. التفسير 9 - {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ}: جاءَت هذه الآية والآيتان بعدها لبيان حال الإِنسان وطبيعته عند الابتلاء بالسراءِ والضراءِ. وأنه لا يصبر على المحن ولا يشكر النعم إلا الصالحون. والمعنى: ولئن أعطينا الإِنسان منا نعمة من النعم وأذقناه حلاوتها ولذتها، كالصحة والمال والولد البار، ثم أخذناها منه فإنه يجمع بين شيئين: المبالغة في اليأس من عودة مثل ما سلب منه، والمبالغة في جحد النعمة وعدم شكر ما بقى منها ونعم الله لا تحصى، وإنما يفعل ذلك لحرمانه من فضيلتى الصبر والشكر، فهو لذلك لا يرجو ثوابا، ولا يخطر بباله أن الله سيردها إليه أو مثلها أو خيرًا منها إِن هو صبر أَو شكر، مع أنه لا يقنط من رحمة الله إِلا الضالون. 10 - {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي}: أَي وإذا أنعمنا على الإِنسان مما تطيب به حياته ويشعر بلذته - أنعمنا عليه بذلك - بعد ضر كان يقاسيه ويعانيه، ليقولن مطمئنا إلى بقاءِ هذه النعمة. قد مضى البأْس وانقضى الضُّرُّ ولن يعود. {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}: أي إِنه نسى ما كان فيه من ضَرَّاءَ، واطمأن إلى بقاء النعمة الطارئة، وفرح بها فرح بطر وغرور وتفاخر بها على عباد الله، وغاب عن ذهنه شكر الله عليها، وأَن الله قد يحرمه منها بعدم قيامه بشكره من أَجلها. 11 - {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: لما بين الله تعالى حال جنس الإنسان الذي يَيْئس من رحمة الله إن أصابته محنة، والدى يكفر بالنعمة بعد التفسير فلا يشكر

الله عليها، ويظن بقاءَها ويتفاخر بها على عباد الله، جاءت هذه الآية لتبين صنفا من الناس ليسوا على شاكلة هؤلاءِ وأُولئك، وهم الذين يصبرون عند نزول المحن والشدائد استسلامًا لقضاءِ الله ويضبطون أنفسهم عند امتحانها بالغنى فلا يفرجون ولا يغترون. شكرًا لنعم الله عند السراءِ، وامتثالا لأَمر الله تعالى وتقربًا إليه في حال النعماءِ. والمعنى: لكن الذين صبروا على الابتلاء، وعملوا الصالحات في الضراء والسراء. {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}: أَي أُولئك الموصوفون بهذه الصفات الحميدة المخالفة لصفات من قبلهم، لهم مغفرة من الله تعالى يستر بها ذنوبهم، وأَجر كبير في الآخرة لصبرهم في الشدة وشكرهم في الرخاء، ولأنهم ردوا ما ينالهم من خير إلى فضل الله، وما يقع عليهم من ضر إِلى قدر الله تعالى الموافق للحكمة والصواب. {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} المفردات: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ}: لعلك راغب في عدم إِسماعم بعض ما يوحى إِلِيك من دلائل نبوتك كراهة معارضتهم لك، وترويضًا لنفوسهم. {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ}: أي هلا أعطى الله محمدًا مالًا ينفقه. {وَكِيلٌ}: حفيظ مطلع يحفظ أَحوالك وأَحوالهم. {افْتَرَاهُ}: اختلقه. {يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ}: يجيبوكم. {مُسْلِمُونَ}: منقادون لله.

التفسير 12 - {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ........ }: هذه الآية واللتان بعدها لتسلية الرسول والتخفيف عن نفسه الشريفة بِسبَبِ ما يجده من عناد المشركين واقتراحهم الآيات، مع كفاية ما جاءهم به منها في الإيمان. كما أنها مسوقة لبيان أنه صلى الله عليه وسلم ليس مسئولا عن كفرهم، فما هو إِلا منذر، والله وكيل ورقيب عليهم. والمعنى: فلعلك يا محمد تارك إسماعهم بعض ما يوحى إِليك من الآيات الدالة على حقيقة نبوتك، المنادية بكونها من عند الله تعالى لمن له أُذن واعية وقلب رشيد، ولعلك يضيق صدرك بتلاوته عليهم وتبليغه إِياهم أثناءَ المحاجة والدعوة إلى الإيمان، بسبب معارضتهم الشديدة لك، وإِصرارهم على رفض ما جئتهم به من التوحيد والوعد والوعيد وبسبب قولهم هلا أُعطى مالًا كثيرًا كما يعطى الملوك والعظماءُ، ليكون ذلك أمارة على أَن ربه يشد أزره ولا يدعه فقيرًا بين الناس، وهلا جاء معه ملك يؤيده ويشهد له بالنبوة. فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تترك تبليغهم شيئًا مما أوحى إِليك، ولا يضق صدرك بما يقولون، فإنه لا ينبغي لمثلك أن يتأثر بمثل هذا القول الدال على ضعف تفكيرهم وشدة وطأة الحق الذي جئت به عليهم، فهم يحاولون التنفيس عن أنفسهم وتخفيف وطأَته عليهم. {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}: ما أنت يا محمد إِلا منذر لكل مكذب ولست عليهم بمسيطر فدع أمرهم لله فإنه هوالموكل بأُمور خلقه والعالم بها، يحصى عليهم أَعمالهم ويجازيهم بها أتم الجزاء، فتوكل عليه وفوض أَمرك إليه. 13 - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}: أَي بل أيقولون إِن محمدًا اختلق القرآن من عند نفسه ونسبه إِلى الله تعالى. قل لهم أَيها الرسول إن كان الأَمر كما تزعمون فأْتوا بعشر سور مفتريات مثل القرآن في بلاغته. وحسن تنسيقه، فإنكم أَهل الفصاحة وفرسان البلاغة الحريصون على إبطال دعوتى. {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: أي واستعينوا على ذلك بما تشاءُون، وادعوا من استطعتم دعوته في المعارضة، أو فادعوهم ليشهدوا لكم إِن كنتم صادقين في دعواكم: أنى اختلقته وأَنه ليس من عند الله تعالى.

14 - {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}: إن كان الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين كان المعنى: فإن لم يستجب هؤلاء المشركون إلى ما دعوتموهم إليه من معارضة القرآن وحدهم أو مع من يشد أزرهم فأثبتوا على العلم الذي أَنتم عليه، وازدادوا يقينا وثباتًا بأنه منزل من عند الله تعالى، وأنه لا إله إلا الله؛ لأنه العالم بما لا يعلمه غيره والقادر على ما لم يقدر عليه سواه، ومن ذلك اختصاصه بالقدرة على إنزال هذا القرآن الذي أعجز البشر. وإن كان الخطاب للمشركين كان المعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونهم للشهادة على أَن محمدًا اختلقه ولم يوافقوكم على دعواكم، فاعلموا أَنما أُنزل بعلم الله المحيط بحاجات البشر في التشريع والسلوك، وأَنه لا سبيل إلى أن يؤلف مثله بشر، واعلموا أَيضًا أَنه لا شريك له تعالى حتى يأْتى بمثل هذا القرآن. {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}: أَي أَسلموا أَيها الكفار وأخلصوا لله وحده حيث ثبت عجزكم وعجز من استعنتم بهم عن معارضة القرآن. هذا إذا كان الخطاب هنا وفيما قبله للكفار، فإن كان للمسلمين على ما تقدم بيانه فالغرض منه حثهم على الثبات أَمام حرب المشركين لهم، أي فهل أنتم ثابتون على إسلامكم أَمام أعدائكم بعد أن وضح الحق، واختفى الباطل، يريد بذلك الأُسلوب إلهاب عزائمهم. {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} المفردات: {وَزِينَتَهَا}: الزينة ما يتزين به من اللباس والأثاث والأَولاد والأَسباب. {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ}: نوصل إليهم جزاء أَعمالهم وافيًا كاملًا.

{لَا يُبْخَسُونَ}: لا ينقصون شيئًا من أجورهم. {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا}: أي بطل وضاع ثواب عملهم في الآخرة. {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أي لا قيمة له حيث لم يعمل لوجه الله. التفسير 15 - {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا .... }: بعد ما ثبت أَن القرآن من عند الله تعالى بعجزهم عن الإتيان بمثله، جاءت هذه الآية والتي بعدها لتبين أن من ينصرف عن العمل به إلى الاهتمام بالدنيا وحدها وترك العمل للآخرة، عاقبتُه الخسران المبين. والمعنى: من كان كل همه ومقصده من وجوده الدنيوى التمتع بلذات الدنيا وما يتزين به فيها فيعمل للتمتع بملذاته فيها، دون أَن يهتم بلقاءِ الله تعالى والعمل للآخرة بالبر والإِحسان وتزكية النفس بالإِيمان والتقوى. {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ}: أَي نعطهم جزاء أعمالهم وافيًا في الدنيا، من الصحة والرياسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد وغير ذلك، وهم فيها لا ينقصون شيئًا من أجورهم الدنيوية {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ثم بين الله تعالى عاقبة أمر هؤلاءِ في الآخرة فقال: 16 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَي أُولئك الذين لا يريدون إلا زينة الحياة الدنيا وبهجتها وإشباع غرائزهم فيها ولم تمتد أَبصارهم وأَعمالهم وآمالهم إِلى ما وراءَ هذه الحياة - أُولئك - ليس لهم في الآخرة مثوى إِلا النار؛ لأنهم استوفَوْا في الدنيا ما تقتضيه صور أعمالهم، وبقيت لهم أَوزار عقائدهم ونياتهم السيئة، وبطل ثواب ما صنعوه في الدنيا، لأنه لم يعمل لوجه الله تعالى، فلا نفع ولا خير لهم فيه قال تعالى {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} (¬1). ¬

_ (¬1) سورة الإسراء الآيتين: 19،18

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} المفردات: {بَيِّنَةٍ}: حجة واضحة وبرهان ظاهر. {وَيَتْلُوهُ}: أي يتبعه. {شَاهِدٌ مِنْهُ}: أَي من الله تعالى يشهد بصحته. {إِمَامًا وَرَحْمَةً}: كتابًا يؤتم به في الدين ورحمة على المنزل عليهم. {الْأَحْزَابِ}: أهل مكة ومن تحزب معهم. {مِرْيَةٍ مِنْهُ}: شك من الوعيد بالنار أو من القرآن. التفسير 17 - {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً}: هذا بيان لحال المسلمين الذين يريدون بأعمالهم وجه الله تعالى إثر بيان حال من يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وحدها. والمعنى: أيكون حال من كان على بينة وبرهان عقلى بما يؤمن به ويدعو الناس إِليه ويتْبعُ هذا النورَ الفطرى والبرهان العقلى شاهِدٌ من الله تعالى يشهد على صحة ما اهتدى إليه العقل وهو القرآن الذي ثبت صدقه وأَنه من عند الله، ويؤيده شاهد آخر من قبله، وهو التوراة كتاب موسى الذي جعله الله إمامًا يؤتم به في الدين، ورحمة لمن عمل به من بنى إسرائيل قبل نسخه بالقرآن فقد بشر بمجىء محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن. أفمن كان على هذا الحال؟ يكون كمن يريد الحياة الدنيا وحدها محرومًا من الحياة الدينية الموصلة إلى السعادة في الدار الآخرة؟! لا يستويان. {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}: أي أُولئك الذين استناروا بالحجج العقلية والنقلية يؤمنون بالقرآن ويعملون به.

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ}: أي ومن لم يؤمن به من أهل مكة ومن تحزب معهم على محمد - صلى الله عليه وسلم - ممن يسير على غير هدى، أو من أهل الكتاب، فموعدهم ومآلهم النار يعذبون فيها ويردونها لا محالة بمقتضى وعيده تعالى لهم ولأَمثالهم، لقيام الحجة عليهم وعدم ما يثير الشكوك والجحود. {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ}: أي فلا تكن أيها العاقل المكلف في شك من أن موعد أهل الكفر النار أو من أَن القرآن من عند الله تعالى. {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}: أَي إِن الوعيد بالنار. أو إنَّ القرآن هو الحق من الله الذي لا شك فيه، فإنه: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (¬1). ولكن أَكثر الناس لا يؤمنون؛ لأنهم لا يمعنون النظر فيه ولا في الادلة التي تهدى إليه. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} المفردات: {وَمَنْ أَظْلَمُ}: لا أحد أَشد ظلما. {يُعْرَضُونَ}: أَي يعرضون ذاتا وعملا. {الْأَشْهَادُ}: جمع شاهد أو شهيد (¬2) وهو من يشهد عليهم. {لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}: إبعاده لهم من رحمته. {يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}: أي يمنعون غيرهم عن دين الله، أو يُعْرِضُون هم عن دينه. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا}: أي يريدونها معوجة. ¬

_ (¬1) سورة فصلت الآية: 42 (¬2) ومن الوزن الأول صاحب وأصحاب، ومن الوزن الثانى شريف وأشراف.

التفسير 18 - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}: بعد أن بينت الآيات السابقة إصرار المشركين على الكفر بآيات الله جاءت هذه الآية وما بعدها لبيان طائفة أخرى من جرائمهم وجزائهم عليها. والمعنى: لا أحد أشد ظلما ممن كذب على الله تعالى فنسب إليه ما لا يليق به كالشريك والولد، أو وصفه بما لا يجوز وصفه به، أو أخبر عنه بما لم يقله، فهؤلاء أعظم الناس ظلما وأشدهم جرما. {أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ}: أي أولئك الكاذبون يعرضون على ربهم ليحاسبهم على أعمالهم. {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ}: المراد من الأشهاد إما من شهدوا كفرهم ومعاصيهم التي اجترحوها في الدنيا، وهم الملائكة والنبيون وصالحو المؤمنين أو أهل الموقف. والمعنى: ويقول هؤلاء الأشهاد مشيرين إليهم عند عرضهم على ربهم هؤلاء هم الذين افتروا على الله كذبا، فنسبوا اليه ما لا يليق به. {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}: يحتمل أن تكون هذه موجهة من الله تعالى إليهم، أو من هؤلاء الأشهاد. والمعنى: ألا بعدًا وطردًا من رحمة الله لهؤلاء الظالمين لأنفسهم المعتدين على الحق. 19 - {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا}: الصد عن سبيل الله، يستعمل بمعنيين (أحدهما): منع الناس عن دين الله (والثانى): الامتناع عنه، وكلاهما يحصل من الكافرين، فكما يكفرون في أنفسهم، يحسون غيرهم على الكفر. والمعنى: هم الذين يمنعون الناس ويصرفونهم عن دين الله الذي هو السبيل إلى معرفته ومرضاته كما صرفوا أنفسهم عنها، ويريدون أن تكون هذه السبيل معوجة حسب أهوائهم.

{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}: أي: وهم مع صدهم عن سبيل الله ينكرون البعث وما بعده، من حساب وثواب وعقاب ويجحدونه، وتكرار الضمير (هُمْ): لتأكيد كفرهم بالآخرة، والإيذان بعمق جذوره. {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} المفردات: {مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ}: مفلتين من عقاب الله. {أَوْلِيَاءَ}: نصراءَ. {خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}: أضاعوها بكفرهم. {وَضَلَّ عَنْهُمْ}: وغاب عنهم. {مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: يدعون من ألوهية الأصنام وشفاعتها. {لَا جَرَمَ}: لا بد. التفسير 20 - {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ}: أي هؤلاء الذين يصدون الناس عن سبيل الله ويطلبون لها اعوجاجا وعدم استقامة - هؤلاء - لم يكونوا ناجين من عذاب الله في الدنيا إذا ما أراد الانتقام منهم في أي جزء من أجزاء الأرض، فهم في قبضته وملكه فلا يقدرون على الامتناع منه.

{وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ}: أي وليس لهؤلاء المشركين من أنصار يتولون أمرهم ويمنعونهم من عذاب الله تعالى إذا ما أراده بهم. {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ}: أي يزاد لهم العذاب مثلا أو مثلين أو أكثر بسبب صدهم الناس عن دين الله وإنكارهم البعث بعد الموت لأنهم ضلوا في أنفسهم أضلوا غيرهم. {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}: أي فقدوا القدرة على السمع والبصر النافع فإنهم أغلقوا نوافذ المعرفة عندهم فأَصموا آذانهم عن سماع الحق بتدبر واعتبار، فلهذا لم ينتفعوا بما يسمعون، وهم مع ذلك ما كانوا يبصرون إبصار تأمل وعبرة فيما ينفعهم ويعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة ويؤهلهم لرضا الله تعالى كما قال سبحانه: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (¬1). 21 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: أي أُولئك الذين أَغلقوا آذانهم عن سماع الحق، وحجبوا أبصارهم عن النظر في آياته باعتبار وتأمل - أولئك - هم الذين جنوا على أَنفسهم فأَوقعوها في الخسران بافترائهم الكذب على الله تعالى، واشترائهم الضلالة بالهدى فضيعوا على أنفسهم حظوظها من رحمة الله تعالى، وقد غاب عنهم في الآخرة الآلهة الذين كانوا يزعمون أنهم شفعاءُ لهم ومنقذوهم من العذاب، فم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا. 22 - {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ}: أَي لابد أَنهم في الآخرة هم أشد الناس خسرانا، لأنهم أَضاعوا منازلهم في الجنة واستبدلوا بها النار. ¬

_ (¬1) سورة المدثر، الآيات: 49 - 51

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} المفردات: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ}: خضعوا إلى الله، واطمأنوا إلى عبادته وحسن جزائه. التفسير 23 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ}: لما ذكر الله تعالى سوءَ أحوال الكفار في الدنيا وخسرانهم في الآخرة أتبعه بيان حسن حال المؤمنين فيهما. والمعنى: إن الذين آمنوا باللهِ ورسله وبكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات من الواجبات والمسنونات، وخشعوا لله واطمأَنت قلوبهم بذكره. فجمعوا بين أعمال الجوارح وأعمال القلوب لتكون أعمالهم مقبولة عِند الله تعالى. {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: أي هؤلاء هم أَهل الجنة وأصحابها دون من عداهم، هم فيها خالدون لا يبرحونها اختيارا، ولا يخرجهم منها أَحد اضطرارًا. كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (¬1). {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} المفردات: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ}: صفة الفريقين، فريق الكفار وفريق المؤمنين. {الْأَعْمَى}: فاقد البصر. {الْأَصَمِّ}: فاقد السمع. {الْبَصِيرِ}: حاد البصر. {السَّمِيعِ}: قوى السمع. ¬

_ (¬1) سورة الحجر، من الآية: (48)

التفسير 24 - {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ .... } الآية. تحدثت الآيات السابقة عن الكفار وإغراقهم في الضلال ومصيرهم الرهيب، كما تحدثت عن المؤمنين وخشوعهم لله وثوابهم الجزيل، وجاءت هذه الآية لتوضيح الفرق الشاسع بين الفريقين. والمعنى: مثل الكفار في عدم الانتفاع بأبصارهم وأسماعهم، كمثل الأعمى الذي لا يبصر والأصم الذي لا يسمع أي كمثل الذي جمع بين العمى والصم (¬1) فهو يتخبط في الضلال كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (¬2). ومثل المؤمنين في معرفة الله والتصديق بوحدانيته وكمالاته، مثل الرجل الحاد البصر القوى السمع فكما أَنه لا يغيب عنه شيء مما يرى ويسمع، فكذلك المؤْمن لا يغيب عن بصيرته وصفاءِ قلبه، شيءٌ مما يليق بكمالات الله تعالى فهو ينتفع بمدركاته العقلية ويميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، فيتبع الخير ويبتعد عن الشر بعكس الأول. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}: الاستفهام هنا بمعنى النفى، أي لا يستويان حالا وصفة. {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: أي أَتغفلون عن عدم استوائهما وما بينهما من الفرق فلا تعتبرون بالفرق بين هؤلاءِ - وهؤلاءِ كما قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} (¬3). فما بالكم لا تدركون الفرق الشاسع بين الفريقين. ¬

_ (¬1) قوله تعالى (كالأعمى والأصم) صفتان لموصوف واحد وكذلك (البصير والسميع) فهى من عطف الصفة على الصفة، ومنه قول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم. (¬2) الأعراف، الآية: 179. (¬3) سورة الحشر، الآية: 20

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} المفردات: {نَذِيرٌ}: محذر من وقوع خطر. {مُبِينٌ}: موضح. {أَلِيمٍ}: شديد الإيلام. التفسير تحدثت الآيات السابقة عن فريق الكفار ومصيرهم الأليم، وفريق المؤمنين وثوابهم العظيم وفي الآيات التالية إلى آخر السورة يقص الله سبحانه وتعالى علينا أمثلة تاريخية واقعية لهذين الفريقين في عصر كل الرسل بالترتيب الزمنى التاريخى، وابتدأَ بقصة نوح عليه السلام فقال: 25 - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}: استهلت الآية بتأْكيد القصة بقوله: (وَلَقَدْ) لأن تاريخ نوح عليه السلام موغل في القدم وفي التأكيد تنبيه على صدق القصة مع جذب انتباه السامعين إليها. والمعنى: ولقد أَرسلنا نوحا إِلى قومه قائلا لهم: إننى لكم محذر من غضب الله وعقابه إن بقيتم على كفركم، موضح لكم ما فيه خلاصكم ورضا ربكم. 26 - {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}: أي أَرسلنا نوحا إلى قومه ليقول لهم: لا تعبدوا إلهًا غير الله فإنه وحده الجدير بالعبادة والتقديس. واستمال قلوبهم إليه بتأْكيد إشفاقه عليهم وحرصه على إنقاذهم، مما يتعرضون له من عقاب يوم رهيب شديد الإيلام، إِذا أَصروا على الشرك والضلال فقال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}: واليوم الأليم هو يوم القيامة الذي يجعل الولدان شيبا. أو يوم الهلاك والاستئصَال في الدنيا أو هما معًا، وقد حل بهم عذاب يوم الطوفان. {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}.

{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} المفردات: {الْمَلَأُ}: الزعماء والقادة. {الأرَاذِلُ}. جمع أَرذل وهو الخسيس الدنئُ. {نَظُنُّكُمْ}: نعتقد ونوقن، مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ}. {بَادِيَ الرَّأْيِ}: ما يبدو من الرأْى للوهلة الأُولى دون إمعان للنظر. التفسير 27 - {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا}: أي فتحدث زعماءُ قوم نوح الذين كذبوا رسالته قائلين له: ما أثبت إلا بشر مشابه لنا في البشرية لا ميزة لك علينا، فكيف نستجيب لك ونتبعك؟ وقد فاتهم أَن البشر لا يقدرون على الأَخذ من الملائكة ولا يستطيعون لقاءهم، وأنهم لو جعلوا في صورة البشر لالتبس الأمر على من أُرسلوا إليهم، كما فاتهم أن البشرية ليست على مستوى واحد، فهي تعلو حتى تفوق الملائكة، وتهبط حتى تصل إلى درك الشياطين. ثم عللوا تكذيبهم بسبب ثان فقالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}: أي ولا نعلم أحدًا اتبعك من الزعماء والأشراف، بل اتبعك الضعفاء والفقراءُ وقد اتبعوك دون روية أو تفكير، لأنهم لا يحسنون التدبر في الأُمور. {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ}: أي وما نعلم لك ولمن اتبعك مزية ولا فضلا في أي شأن حتى نترك مكانتنا في الرياسة والزعامة وننقاد لكم.

ثم ختموا اعتراضهم على رسالته بقولهم له: {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}: أي بل نعتقد أنكم مفترون فيما زعمتموه لأنفسكم من فضل: والظن هنا بمعنى الاعتقاد كما جاء في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (¬1). {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُورَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} المفردات: {أَرَأَيْتُمْ}: أخبرونى عن رأْيكم. {بَيِّنَةٍ}: حجة قوية واضحة. {رَحْمَةً}: نعمة. والمراد بها هنا نعمة النبوة والرسالة. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا}: أنكرهكم على اتباعها. {فَعُمِّيَتْ}: أُخفيت عليكم فلم تدركوها. التفسير 28 - {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}: في هذه الآية وما يليها يرد نوح عليه السلام على الأسباب التي استند إِليها قومه في تبرير كفرهم - ويرد في رفق وأناة - ويجادلهم بالتى هي أحسن، رجاءَ أن يفيئوا إلى الصواب. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، من الآية: 249.

والمعنى: يا قوم إني لا أزعم أنى أمتاز عليكم فإننى بشر مثلكم، ولكن أخبرونى عن رأيكم فيما أعرضه عليكم: إن الله سبحانه قد هدانى إليه فآمنت به إيمانا راسخا ثابتا معتمدا على الحجة والبينة الظاهرة، وتفضل على بنعمة خصنى بها من عنده وهى الرسالة، وأمرنى بإبلاغها إليكم تفضلا منه عليكم، وقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة فخفى أمرها عليكم حين بادرتهم إلى تكذيبها دون تدبر أو تأمل، فأخبرونى ماذا أفعل لكم أنا ومن معى من المؤمنين بعد ذلك؟ أنرغمكم على العمل بشريعة الله التي رحمكم بها وأنتم لها كارهون. وعاد نوح فذكرهم بأنهم قومه قائلًا: 29 - {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}: أَي يا قوم إننى لا أُريد منكم مالا على أَداءِ هذه الرسالة، فما أَجرى إِلا على الله وحده فما بالكم ترفضون ما دعوتكم اليه من الحق، وهذا الذي قاله نوح لقومه من الأُسس الهامة التي تقوم عليها دعوات المرسلين، وينبغى أن تكون قدوة لجميع الدعاة والمصلحين، فإِن الدعوة للإصلاح إذا تجردت عن المطامع الذاتية، تكون أَدعى للاستجابة إليها، واستمالة القلوب نحوها وفي ذلك يقول الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (¬1). {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}: هذا جواب عما طلبوه منه من طرد الفقراءِ بقولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} كأَنهم يرحون إليه بطردهم والتبرؤ منهم. والمعنى: لست بطارد المؤمنين لفقرهم كما أردتم، فإِنهم سيلقون الله فينصفهم منى إذا ظلمتهم وأبعدتهم عني إرضاءً لكم، ولن أَغضب الله بازدرائى لهم كما تحبون وليس الأمر في شرع الله دائما على الصور والأجسام والثياب، بل مرده إلى طمأْنينة القلوب ونظافة الصدور. وفي هذا المعنى يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُبَّ أشْعَث مَدْفُوع بِالأبوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّه" (¬2). ¬

_ (¬1) سورة يس: الآية 21 (¬2) حديث شريف رواه مسلم وأحمد.

{وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}: أي لا تعرفون أقدار هؤلاء المؤمنين حين حكمتم بأنهم أراذل، ولن أكون مثلكم في الخطأ وسوء التقدير. ويجوز أن يكون المعنى: أراكم قوما بكم جهالة وحمق، دفعكم إلى التعالى على هؤلاء المؤمنين والسخرية بهم، والازدراءِ والامتهان لهم. 30 - {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: ويقول لهم مرة أخرى: ويا قوم من يمنعنى من انتقام الله إن طردت هؤلاء الفقراء الذين جعلتموهم أرذلكم، وهم على ما هم عليه من الايمان والاستقامة، أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل والحمق، فلا تتذكرون ولا تتدبرون أن قيمة الناس عند الله ليست في مظاهرهم وثرائهم، بل في صفاء نفوسهم وطواعيتهم للحق، واستقامتهم على جادة الصدق، فكيف أطردهم وهم على النهج المستقيم؟ {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} المفردات: {خَزَائِنُ}: جمع خزانة بكسر الخاءِ وهى موضع المال أَو المتاع والمقصود بخزائن الله ما عنده من خير جزيل. {الْغَيْبَ}: المراد من الغيب ما غاب وخفى عن الإنسان من العوالم المجهولة، أو أحداث المستقبل. {تَزْدَرِي}: تحتقر.

التفسير 31 - {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ}: بعد أن جادلهم في ادعاءاتهم وفنَّد مزاعمهم، أعلن لهم أنه حين يبلغهم رسالة ربه لا يدعى أنه يملك ما عند الله من خير ورزق وفير، حتى يستدلوا بعدمه عنده على كذبه بقولهم له ولمن آمن معه: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}. فإن النبوة لا تنال بالأسباب الدنيوية، ودعواها بمعزل عن ادعاء المال والجاه، ولا تفتقر إليهما. {وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ}: أَي لا أقول لكم حين أُنذركم بقولى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}. {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}: لا أقول لكم إني أعلم الغيب، حتى تسارعوا إِلى الإنكار والاستبعاد. {وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ}: أي لا أزعم أنى ملك حين دعوتكم إلى دين الله، حتى تردوا دعوتى بقولكم: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} على حين أن البشرية لا تمنع من النبوة، بل هي من مقتضياتها. {وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا}: أَي ولا أَقول في شأْن المؤمنين الفقراء الذين تحتقرهم أَعينكم، لا أقول في حقهم ما قلتموه أنتم من أنه تعالى لن يؤتيهم خيرا لرثاثة حالهم، فإن الله لا ينظر إلى الصور والثياب، ولكن ينظر إِلى القلوب، فعسى الله أَن يمنحهم الخير في الدنيا والآخرة. {اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}: أَي أَن الله تعالى أعلم بما انطوت عليه نفوسهم، فكيف أحكم عليهم بأنهم لن ينالوا من الله خيرا، إني لو قلت هذا لكنت من الظالمين لهم بنقص مرتبتهم وغمط حقوقهم، أو لكنت من الظالمين لأنفسهم بالحكم في شيء غير لا سبيل لى إلى معرفته فإن أسرار القلوب بين يدى علام الغيوب.

{قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ الله يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} المفردات: {جِدَالَنَا}: الجدال، مقارعة الحجة بالحجة طلبا لتغليب رأْى على رأى آخر، ويطلق على شدة المخاصمة والقدرة على النقاش. {بِمُعْجِزِينَ}: بسابقين، والمراد أنهم لا يفلتون من عذاب الله. {أَنْ يُغْوِيَكُمْ}: أي يترككم في غيكم ويتخلى عن هدايتكم، أو يوقعكم في الغىِّ وهو العذاب، ومنه قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}. أي هلاكا وعذابا. التفسير أفحم نوح قومه ولم يجدوا مجالا للرد عليه، فتحدوه بأن ينفذ ما وعدهم به من العذاب وذلك ما حكاه الله بقوله: 32 - {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}: المعنى: قالوا يا نوح قد بالغت في مناقشتنا ولسنا مقتنعين برسالتك، ولا بما قدمته عليها من الأدلة والبراهين، ونحن مصرون على تكذيبك فيما تدعيه من ثواب المؤمنين وعقاب الكفار، فأتنا بما أوعدتنا من العذاب الأليم إن كنت صادقا فيما تقول.

33 - {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}: قال نوح مجيبا لهم بما يتفق مع بشريته التي أعلنها لهم من قبل، وبما يتفق مع رسالته عن الله، قال لهم: ما يأتيكم بالعذاب الموعود إلا الله إن شاء أنزله بكم، وليس أمره بيدى حتى تطلبوه مني، ولن تستطيعوا الإفلات منه حين يريد نزوله بكم. 34 - {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ الله يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ}: أي ولا ينفعكم ما أبذله لكم من نصح أَردت بذله لكم، إن كان الله يريد أن يبقيكم في غيكم الذي أَصررتم عليه، ثم بيَّن أن مردهم إلى ربهم صاحب الأَمر فيهم فقال: {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: أي أَنه تعالى هو مالك أَمرهم وحده، وإليه مرجعهم بعد الموتِ للحساب والجزاءِ فأَمر هدايته وجزائهم إليه وحده وليس لي من ذلك شيءٌ. {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} المفردات: {افْتَرَاهُ}: اخترعه من نفسه ولم ينزله الله عليه. {إِجْرَامِي}: إرتكابى إثما كبيرًا. التفسير 35 - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}: لما عجز قوم نوح عن محاجته زعموا أن كلامه كله كذب وادعاء، فأمره الله أن يبرئ نفسه مما يقولون، ويحملهم عاقبة افترائهم عليه.

والمعنى: بل أَيقول قوم نوح بعد عجزهم عن الردَّ عليه - إنه اختلق هذا الدَّين الذي يزعم أَنه من عند الله. {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ}: أَي قل لهم يا نوح إن كنت قد اختلفت ما أَبلغتكم إيَّاه من رسالة الله، فعلىَّ إثم إجرامى بالافتراء على الله، وما يترتب عليه من عقاب يستحقه كل من افترى عليه الكذب، فكيف أَفترى على الله الكذب وأَنا المسئول عنه دون غيرى، وبما أَننى صادق فأَنا برىءٌ من إجرامكم وكفركم. وهذا شبيه بقوله - تعالى - للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (¬1).وهنا يتجلى الإِنصاف الكامل. {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)}. المفردات: {فَلَا تَبْتَئِسْ}: لا تحزن ولا تتأَلم. {الْفُلْكَ}: السفينة الواحدة والجمع. {بِأَعْيُنِنَا}: تحت رعايتنا وتوجيهنا. التفسير نصح نوح - عليه السلام - قومه بكل الوسائل ودعاهم إلى الإيمان بمختلف الأَساليب العقلية في رفق ولين، ولكنهم أَصرُّوا على عنادهم وركبوا رءُوسهم، ورموه بالكذب ¬

_ (¬1) سورة يونس الآية: 41

على الله كما تقدم بيانه، وفيما يلى من الآيات قصة نوح مع قومه وبيان نهايتهم الأَليمة. 36 - {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ}: أي: وأَوحى الله إِلى نوح أَنه لن يستجيب لدعوتك أَحد من قومك سوى الذين آمنوا بك من قبلُ، فلا مجال لبذل النصيحة والدعوة إلى الهداية مع مصرين على الكفر تلك الدهور الطويلة. {فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}: أَي فلا تحزن عليهم ولا يَضِقْ صدرك بكفرهم ومكرهم، وانغماسهم في الآثام والذنوب. 37 - {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}: أي وقم بعمل السفينة طبقًا لوحينا الذي بينا لك فيه كيفية صنعها، وذلك تحت رعايتنا، وبتوجيه وسند منَّا لتؤدى الغرض المقصود منها. {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}: ظاهر الآية أن نوحا عليه السلام شفع في قومه أو كان بصدد أن يشفع فيهم فنهي عن ذلك، وسيأتى في سورة نوح أنه - صلى الله عليه وسلم - طلب من ربِّه أن يُهلكهم بقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (¬1). وتوفيقا بين هذه الآية وبين ما جاءَ هنا نقول: إِنه سبحانه يعلم شفقة نوح بقومه وطول إِقامته - معهم، وأنه قد يدعو ربه أن يتأَنى معهم وأن لا يغرقهم أو كان قد دعاه فعلا، فلهذا نبهه هنا إلى أن لا يطلب منه ذلك مستقبلا، فقضاء الله فيهم لا رجعة فيه بشفاعته، فلا يطلب منه ما سبيل إلى إِجابته. أما ما سيأْتى في سورة نوح من قوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}. فقد صدر منه بعد يأْسه تماما من إيمان قومه. والمعنى: ولا تخاطبنى في تأجيل تعذيب هؤُلاء الذين ظلموا أنفسهم ونبيهم، إِنهم مغرقون ولابُدَّ، فلا مجال للرحمة بهم ولا مفرَّ من إهلاكهم. ¬

_ (¬1) سورة نوح، الآية: 26

{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)}. المفردات: {مَلَأٌ}: جماعة من الأشراف. {سَخِرُوا مِنْهُ}: اتخذوة هدفا للاستهزاءِ ومجالا. للضحك. {يُخْزِيهِ}: يذلُّه ويفضحه. التفسير 38 - {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ}: نفذ نوح أَمر ربه، وظل يباشر صناعة السفينة وكلما رآه جماعة عن أَشراف قومه أثناءَ صنعتها واجهوه بالاستهزاءِ والسخرية منه. فقد عهدوه داعيا إِلى توحيد الله وعبادته، فإذا هو قد انصرف عن الدعوة واشتغل بقطع الأَشجار وتهيئة الألواح وضم بعضها إلى بعض ولم يدركوا السر في هذا التغيير. {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}: لما رأَى نوح قومه يسخرون من اشتغاله ببناءِ السفينة. هدَّدهم بقوله إن تسخروا منا اليوم فإننا عن قريب نجيب على سخريتكم بالفرح بهلاككم، وتخليص الأرض من شروركم وجهلكم في حق ربِّكم وحقِّ أَنفسكم. 39 - {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ}: أَي إنكم تسخرون منا اليوم وسوف تعلمون غدًا من أَهل للسخرية والاستهزاءِ حينما يفجؤكم عقاب من الله يخزيكم في الدنيا، وحينما يحل بكم عذاب خالد يوم القيامة وبئس المصير.

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)} المفردات: {فَارَ}: فاض وارتفع بقوة واشتد اضطرابه. {التَّنُّورُ}: الفرن. {سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}: حق عليه قضاءُ الله. التفسير 40 - {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}: ظل نوح عليه السلام يصنع السفينة ويسمع سخرية الساخرين واستهزاءَ المستهزئين من قومه، حتى إذا أَتم صنعها وحل قضاءُ الله وتدفقت ينابيع الماء من مكان غير مأْلوف وهو جوف الفرْن، وهطل المطر من السماء مدرارًا، كما قال تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} (¬1). حتى إذا حدث هذا كله: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}: أَي قلنا لنوح عليه السلام احمل في سفينتك من كل صنف من الحيوان زوجين اثنين ذكرًا وأُنثى حتى لا تنقرض الأنواع، أَما الأَنواع التي أَمره الله بحملها معه فلم نعلم أَنه ورد في تحديدها نص صريح يوثق به. {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}: أَي واحمل معك في، السفينة أهلك جميعًا إِلاَّ مَن حقَّ علمه - قضاءُ الله بالهلاك مع الكفار لأَنه منهم، ومن سبق عليه القول من أَهله هم: ابنه وزوجته كما ورد في أَكثر من موضع في القرآن الكريم. {وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}: أي واحمل معك الذين استجابوا لدعوتك وآمنوا برسالتك وهم عدد قليل. ¬

_ (¬1) سورة القمر، الآيتين: 11، 12

{وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)} المفردات: {ارْكَبُوا فِيهَا}: أي اركبوا مستقرين فيها. {مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}: أَي جريها في الماء، وإِرساؤها أي إِثباتها في مرساها، ويجوز أن يكون المراد منهما مكان أو زمان جريها وإرسائها. التفسير 41 - {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}: بعد أَن بيَّنت الآية السابقة أَن الله - تعالى - أمر نوحا عليه السَّلام أَن يحمل في السفينة زوجين اثنين من كل الحيوانات المنتفَعِ بها، وأن يحمل فيها أَهلَه إلا من سبق عليه قول الله بالغرق بالطوفان، جاءَت هذه الآية لِتبيِّن أَنه نفَّذ ما أَمره به، وأَوصى أهله أَن يذكروا اسمه - تعالى - عند ركوبهم فيها على النحو الذي سنشرحه، والركوب كما قال العلامة أَبر السعود: هو العلو على شيءٍ له حركة، إِمَّا إرادية كالحيوان أَو قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما، فإذا استعمل في الأَول لم يذكر معه لفظ (في) كما في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} (¬1). وإذا استعمل في الثاني لوحظت الظرفية فذكر معه لفظ (في) كما هنا، وكما في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا}. (¬2) وقوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ}. هذه خلاصة ما أسهب به في هذا الموضوع، وقال البيضاوى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا}: أي صِيرُوا فيها وجعل ذلك ركوبا، لأَنها في الماءِ كالمركوب في الأرض: اهـ. والمعنى: وقال نوح - عليه السلام - لأهله والمؤْمنين الذين أمره الله بحملهم معه: اركبوا في السفينة قائلين بسم الله جريها فوق الماءِ المتلاطم الأَمواج، وبين ¬

_ (¬1) سورة النحل من الآية: 8 (¬2) سورة الكهف، من الآية: 71

الزوابع والعواصف وتحت سُحُبٍ مفتَّحة الأَبواب بماءٍ منهمر، وبسم الله إرساؤُها وإيقافها عن الجرى عند مرْساها الذي شاء الله أَن يوقفها ويثبتها عنده. ويجوز أن يكون نوح بعد أن أمرهم بركوبها، أخبرهم بأَن جريها وإِرساءَها بإِذن الله وحمايته حتَّى لا يخافوا من ركوبها في هذا الفزع الأَكبر، فكأَنه قال لهم: اركبوا في السفينة بإذن الله جريها وإيقافها لا بإِذنى فلا تخافوا من الغرق، ويرشح هذا المعنى ختم الآية بقوله سبحانه: {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}: أي إن ربي لعظيم الغفران لذنوب المؤمنين، واسع الرحمة والرأْفة بهم، ومن كان كذلك فهو الكفيل بنجاتهم من كل خطر يُحيط بهم. {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)}. المفردات: {فِي مَعْزِلٍ}: أَي في مكان عزل نفسه فيه عن أَهله. {يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ}: يمنعنى، يحمينى منه. التفسير 42 - {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ}: هذا الكلام مرتبط بمقدر مفهوم من الآية السابقة، أي فركبوا في السفينة {بِسْمِ اللهِ} الخ، وفي تجرى بهم بعد ركوبهم، في موج مرتفع كالجبال، لشدة العواصف والرياح التي يثأَثر بها الموج ويشتد ارتفاعه.

{وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ... } الآية. في هذه الآية عدة أَسئلة: (أحدها): كيف ينادي نوح ابنه ليركب معه في السفينة مع أَنه نهى عن ذلك بقوله سبحانه: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}؛ ومن سبق عليه قول الله هم الذين قضى بإغراقهم لكفرهم؟ وقد أُجيب عن ذلك: بأَنه لم يقطع الأَهل في إِيمانه إِذ لم يكن لديه علم بأَنه مصرُّ على الكفر وأنه من المغرقين، إلا بعد أَن أَخبره الله بأَنه ليس من أهله المؤمنين وبأنه من المغرقين، ويدل لذلك قوله: {ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ}. فكأَنه يقول له اركب معنا نحن المؤمنين وكن مؤْمنا في جملتنا، ولا .. تكن باقيا على الكفر مع الكافرين حتى لا تغرق بسبب كفرك وعزلتك معهم، وقيل: إنه كان ينافق أباه فيظهر له الإِيمان ويبطن الكفر فلذلك دعاه ليركب مع المؤْمنين ظانًّا أنه مؤمن، والرأْى الأَول أَظهر. (وثانى هذه الأَسئلة): ما المراد بكونه {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ}؟ والجواب: أَنه كان في مكان عزل فيه نفسه عن أَبيه وعن المؤْمنين وقتما كانوا على الشاطىء يستعدون لركوب السفينة، ولكنه كان بحيث يسمع النداءَ، فلذلك ناداه أَبوه بترك العزلة مع الكافرين، والانضمام إِليهم في الإيمان وركوب السفينة معهم. (والسؤال الثالث): ظاهر النص الكريم، أَن نوحا نادى ابنه وكانت السفينة تجرى بهم في موج كالجبال والمعقول أنه يناديه قبل أن تبحر بهم؟ والجواب: أن هذا حكاية لما حدث منه لولده قبل إبحار السفينة، وليس في النص ما يقتضي تأَخره إِلى ما بعد جريانها فكأَنه قيل: وهى تجرى بهم في موج كالجبال، وكان نوح قد نادى ولده ليترك مَعْزلَهُ، ويؤمن ويركب معهم، لينجو من الغرق في طوفان أَمواجه كالجبال، فأَبى وقال: سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء الخ. والمعنى الإجمالى للآية: فركبوا في السفينة بإذن الله جريها وإِرساؤها، وهى تجرى بهم في موج كالجبال، وكان نوح قبل إِبحارها قد نادى ابنيه وكان في مَعزل عنه وعمَّن

آمن معه، قائلا له بحكم الشفقة الدينية والأَبوية: يا بنى اركب معنا نحن المؤْمنين ودع ما أَنت عليه من الكفر، لتنجو من الغرق، ولا تكن منعزلا عنا مع الكافرين، فإنهم سيغرقون ويهلكون. 43 - {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}: توهم هذا الولد المفتون أَنه يستطيع أَن ينجو من الغرق باللجوءِ إلى جبل مرتفع، كما يحدث في بعض المُلمَّات من اللجوءِ إلى أَسباب النجاة العادية، فلهذا رفض دعوة أَبيه وقال له: سأَلجأُ إِلى جبل مرتفع يحمينى من الماء ويمنعنى تسلُّقُه من الغرق بالطوفان، فردَّ عليه أَبوه قائلًا: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ}: أَي ليس هذا الذي نزل بالناس ماءً عاديا يُتَّقى فيضانه بارتقاء الجبال، بل هو عذاب الله وعقابه للكافرين فلا يُنْجِى منه إلا الله الذي رحم عباده المؤْمنين بإركابهم سفينة النجاة فدع عنك هذه الغفلة، وآمن بربك واركب مع المؤمنين سفينة النجاة، لتنجو معهم، ولكنه لم يستمع إلى نصيحة أبيه. {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}. أي قام الموج حائلا بين نوح وابنه فاجتذبه إِليه، وانقطعت صلة التفاوض بينهما، وكان هذا الولد من جملة الذين أَغرقهم الله بالطوفان من الكفار أَمثاله. {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)} المفردات: {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي}: ويا سماءُ أَمسكى عن المطر، والسماءُ هنا؛ السحاب.

{وَغِيضَ الْمَاءُ}: أَي نقص. {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ}: واستقرت السفينة على جبلٍ يُسمَّى بهذا الاسم، واختلف في موقعه على ما سنبينه في الشرح. {بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: أَي هلاكا لهم، يقال: بَعُدَ بُعْدًا وَبَعْدًا، إذا بَعُدَ بحيث لا يرجى رجوعه، ثم استُعِير للهلاك. التفسير 44 - {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي}. بعد ما بيَّنت الآية السابقة شدة الطوفان وإِغراقه لأَهل الأَرض، وأَنه لم يعصم منه إلا من رحمه الله وهم أهل السفينة التي صنعها لهم نوح، جاءَت هذه الآية لتبيِّن انتهاءَ الطوفان بأَمر الله، بعدما أَهلك الله به الظالمين. والمعنى: أَنه - تعالى - بعد إهلاكه الظالمين بالطوفان، أَمر الأَرض أَن تكف عن الفوران وأَن تبتلع ما على ظهرها من الماءِ الذي جاءَ به الطوفان، دون ما فيها من مياه البحار والمحيطات، وأَمر السماءَ أن تكفَّ عن المطر، وتقلع عن إرساله مدرارًا، وظاهر الآية: أن الأرض والسماء نوديا حقيقة، وأنه - تعالى - خلق لهما إدراكا جعلهما أَهلا لتقبُّل التكليف، وَلا يبعد ذلك على قدرة الله تعالى، ويشهد له قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} (¬1). ومن المفسِّرين من جعل ذلك تمثيلا لكمال قدرة الله عليهما، وتمام انقيادهما لما يشاؤه فيهما، قال الإِمام البيضاوى: نوديا بما ينادى به أُولو العلم، وأُمرا بما يؤمرون به تمثيلا لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاءُ تكوينه فيهما، بالآمر المطاع الذي يأْمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أَمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه، انتهى. {وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ}: ونقص الماء حتَّى غاب في الأَرض بعد ما صدر أمر الله للسماء بالإقلاع والأَرض بالابتلاع وتنفيذهما مشيئته فيهما، وأنجز الأَمر الذي جاءَ الطوفان من أجله، وهو هلاك أُولئك ¬

_ (¬1) سورة الأنبياء، من الأية: 79

الظالمين من نوح، وتطهير الأرض منهم، لينشأَ جيل جديد من البشر على توحيد الله وطاعته، واستقرت السفينة بعد أن جف ظاهر الأَرض، على جبل اسمه الجودى. وقد اختلف الناس في بيان موقعه؛ فمنهم من قال: إنه بالموصل، ومنهم من قال: بالشام ومنهم من قال بآمل - بمدّ الهمز وضمّ الميم - ومنذ عدة سنين نشر بالصحف، أَنهم وجدوا أَلواحا طويلة على جبل أرارت تشبه أَلواح سفينة كبرى، وقيل: إنها بقايا سفينة نوح، والله - تعالى - أَعلم بالحقيقة. {وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: إذا قلت: بعدا لفلان، فأَنت تدعو عليه، فهو خاص بدعاءِ السوءِ، وكثيرا ما يستعار للدعاءِ بالهلاك كما هنا. والمعنى: وقيل من جهة الله تعالى: هلاكا لقوم نوح لكونهم ظالمين أَشد الظلم. ويقول العلامة البيضاوى، في وصف بلاغة الآية وفصاحتها ما يلى: "والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإِيجاز الخالى عن الإِخلال، وفي إيراد الإِخبار على البناءِ للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل وأَنه متعين في نفسه، مستغنٍ عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره، للعلم بأَن مثل هذه الأَفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار". انتهى. وقال الألوسى: هذه الآية بلغت من مراتب الإِعجاز أَقاصيها، وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان، إلى آخر ما قال. هل شمل الطوفان جميع الأَرض إذا قرأَنا قصة الطوفان في سور القرآن التي تحدثت عنه، نجد فيها أن الله تعالى جعله عقوبة لقوم نوح لغلوهم في الكفر، وإصرارهم عليه أحقابا ودهورا، وقوم نوح كانوا في إقليم من أقاليم الأَرض يعلمه الله، ولم يكونوا منتشرين في أرجائها كلها، فهل يبعثنا هذا على القول بأَن الطوفان لم يعم الأرض جميعا، بل كان قاصرًا على المنطقة التي كان يوجد فيها قوم نوح لعقابهم، وهل يشهد لصحة هذا الاستنتاج أَن الله تعالى قال هنا في آخر القصة: {وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. كما يشهد له أن نوحا كان قريبا

سؤال

من جدّه لآدم - عليهما السلام - فالبشرية في عهده كانت محصورة في حيِّزٍ ضيق من الأَرض أم أَن الطوفان مع كونه عقوبة لقوم نوح، فإنه كان لجميع أَنحاء الأَرض لحِكَمٍ يخص بعلمها الحكيم الخبير، ولم نجد لهذا السؤال جوابا حاسما يحمل على اعتقاد عمومه أَو خصوصه يقينا، والذى يجب اعتقاده هو عموم الطوفان للكافرين لقوله تعالى: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}. وقوله: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ}. أَما عمومه لجميع بقاع الأَرض، فليس لدينا ما ينفيه على البت والقطع، لاحتمال النصوص لهذا العموم، ولأَنه قد وجدت بعض الأَصداف والأَسماك المتحجرة في أعالى الجبال، لأَن هذه الأَشياءَ لا تتكون إِلاَّ فى البحر، فلا بد أَن تكون هذه مخلفات طوفان عمَّ الأرض، وارتفع إلى أَعالى الجبال .. سؤال قد يقول قائل: ما ذنب الصغار الذين لم يبلغوا حد التكليف حتى يهلكهم الله بالطوفان؟ والجواب: أنه مجرد سبب لموتهم، وليس موتهم به عقوبة لهم، وأَى محذور في إِماتة مين لا ذنب له؟ وفي كل وقت يميت الله من هؤُلاء الصغار بأسباب وبغيرها عددا لا يحصى، فالخلق عباده، والملك له - وحده - يفعل فيه ما يشاءُ حسب حكمته العالية، فهو الحكيم الخبير. {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} المفردات: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}: أَي بعض أَهلى الذين وعدتنى بنجاتهم.

{لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}: أَي لا يستحق الانتساب إليهم، لانقطاع الولاية بين المؤْمن والكافر. {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}: أي إِنه صاحب عمل فاسد، فلا ينسب إلى أَهلك الذين سبق الوعد بإنجائهم. {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: إِنى أُحذرك أن تكون من جملة الجاهلين بسؤالك نجاة ولدك الكافر. التفسير 45 - {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... } الآية. تقدم في الآيات السابقة بيان أَن نوحا دعا ولده هذا إلى أَن يركب معه السفينة، ولا يتخلف مع الكافرين حتى لا يهلك بهلاكهم، وأنه أجابه بأَنه سيأْوى إِلى جبلٍ يعصمه من الماءِ، وأن أَباه أَفهمه أنه لا عاصم من الغرق، إِلا الله الذي رحم المؤْمنين ركَّاب السفينة، وأَن الموج حال بينهما فانقطع الحديث، وكان هذا الولد من المغرقين. وظاهر هذه الآية أن نوحا أراد بقوله: - {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} الخ أن يطلب من الله تعالى نجاته من الغرق بالطوفان، فكيف يطلب ذلك بعد غرق ولده، لأَنه من الكافرين المغرقين. ويجاب عن ذلك، بأَن نوحا لم يكن رآه يغرق، وأَنه ربما ظن أنه نحا باللجوءِ إلى جبل، أَو أَنَّ كفره لم يكن مُؤكدًا لديه، ولذا قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}. ولم يكن يظن أَنه ممن سبق عليه القول بالغرق في قوله - سبحانه -: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}. وأُجيب بغير ذلك وحسبنا ما ذكرناه. والمعنى: ودعا نوح ربه قائلا: يا رب إن ابنى من أهلى، وقد وعدت أن تنجيهم فما حاله؟ أو فما له لم ينج؟ ويجوز أن يكون هذا النداءُ قبل غرقه - كما قال البيضاوى (¬1). {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}: أي وإِن كل وعد يصدر عنك يا رب هو الحق فلا يتطرق إِليه الخُلْف، وقد وعدت أن تنجى أَهلى، وأَنت أَعدل الحاكمين، فلعلك يا ربى نجيته، وقضيت بنجاته. ¬

_ (¬1) وتفصيلا لما أجمله البيضاوى نقوله: الواو في قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ} الخ لمجرد العطف لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا، وإِنما أخر إِلى تمام قصة السفينة ونجاتها بركابها المؤمنين، تقديما للأهم على المهم كما قدم في قصة البقرة أمر ذبحها واختلافهم في صفاتها، على ذكر السبب فيه وهو اختلاقهم فيمن القتيل، فراجعها هناك لتعرف سر تقديم العجز على الصدر.

46 - {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}: قال الله لنوح في إِجابته على سؤاله: يا نوح إن ابنك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم من الطوفان، لأَن عمله لا صلاح فيه، فهو الفساد بعينه، فخرج بذلك عن كونه من أَهلك، لانقطاع الولاية بين المؤْمن والكافر، ولأَن أَساس نجاة أَهلك الإِيمان دون النسب. {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}: أي إذا كنت قد علمت شأْن ولدك الذي ظننت أَنه أَهل للنجاة، وتبيَّن لك أَنه أهل للهلاك لكفره، فلا تسأَلنى فيه ولا في غيره بعد ذلك مطلبا لا تعلم يقينا أَنه صواب وموافق للحكمة. {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: إِنِّى أُحذرك وأنهاك عن أَن تكون من جملة الجاهلين، بسبب سؤَالك إِيانا ما لا تعلم يقينا أنه صواب وموافق للحكمة لدينا. {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)} المفردات: {أَعُوذُ بِكَ}: أَلتجىءُ إليك وأحتمى بك. {بِسَلَامٍ}: بسلامة وأَمن. {وَبَرَكَاتٍ}: ونعم ثابتة.

التفسير 47 - {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ}: تحكى هذه الآية توبة نوح عمَّا سأله في شأْن ولده، ولجوءه إِلى الله أَن يعصمه من أن يعود إلى مثل ما طلبه بشأْته. والمعنى: قال نوح بعد ما وعظه الله وذكَّره: يارب إِنى أَلتجىءُ إليك لتعصمنى من أَن أطلب منك مستقبلا مطلبا لا أَعلم يقينا أَن حصوله مقتضى الحكمة أو أَنه صواب. وهذه الاستعاذة التي صدرت من نوح عليه السلام، هي توبته ممَّا حدث منه، وهى أَبلغ في التوبة من أن يقول: أتوبُ إِليك أن أسأَلك، لما فيها من الدلالة على أن ذلك أَمر لا قدرة للعبد عليه إِلا بالاستعانة بالله واللجوءِ إِلى حمايته وعصمته. {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: وإِن لم تغفر لى يا رب ما طلبته في شأْن ولدى حين قلتُ: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} فقد سأَلتُك بذلك نجاته، وظننتُ أنه داخل في وعدك الحق ولم أَكن عالما بحقيقة أَمره، وأَنسانى ذلك شكر إِنعامك بالنجاة علينا، وإهلاك أَعدائنا إِن لم تغفر ليّ ذلك، وترحمنى بقبول توبتى، أكن من الذين خسروا أَعمالهم وأَضاعوها لأَننى غفلت عن أَنَّ ترك ولدى لركوبه معنا في السفينة التي أَمرنى الله بإِعدادها لنجاة المؤمنين شاهد على أنه لا يأْتمر بأَمر ربه، وأَنه ليس معه بقلبه، وأنه لا يستحق أن يكون داخلا في الوعد بنجاة أَهلى، حتى أستنجز ربي ما وعدنى. واعلم أَن ما فعله نوح في شأْن ولده ناشىءٌ عن اجتهاد منه، وبدافع الشفقة التي أودعها الله قلب كل والد، وهذا لا يعتبر مثله موضع لوم وتحذير من الله، ولا توبة من العبد، لكنه بالنسبة للأَنبياءِ ليس كذلك، فما يعتبر مخالفة يسيرة في حقنا يعتبر ذنبا في حقهم. 48 - {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ... } الآية. أي قالت الملائكة بأَمر الله، أَو قال الله تعالى: يا نوح اهبط من السفينة بسلامة وأمن منَّا إِلى الأرض التي ابتلعت ماءَها وأَصبحت صالحة للنزول بها، وهذه السلامة مصحوبة ببركات وخيرات دنيوية وأخروية، عائدة عليك في نفسك ونسلك، وعائدة

أَيضا على أمم سوف تنشأ ممن معك، وتتشعب منهم وعلى سنتهم من الإيمان إلى يوم القيامة، وهذه البشارة إعلام بقبول توبة نوح ونجاته من الخسران بفيضان الخيرات عليه في كل ما يأتى ويذر، وعلى أُمم مؤمنة تنشأْ ممن ركبوا السفينة معه من المؤمنين. {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}: وأمم من ذريتهم ليسوا على سنتهم من الإيمان والعمل الصالح، سنمتعهم في الدنيا فيستنفدون فيها طيباتهم، ثم يصيبهم في الآخرة أَو فيهما معا عذاب شديد الإيلام فأَنت ترى أَن السلام الذي هبط به نوح ومن آمن معه، دخل فيه كل مؤمن ومؤمنة من ذرياتهم إلى يوم القيامة، وأَن المتاع العاجل والعذاب الآجل دخل فيه كل كافر وكافرة من ذرياتهم إِلى يوم القيامة. وعن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أَخرج منهم نسلا، منهم مَن رحم ومنهم من عذب. {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)} التفسير 49 - {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ... } الآية. بعد أن بيَّن الله قصة نوح وقومه مفصَّلة بدقائقها، جاءت هذه الآية تشير إلى أنَّ إخبار القرآن عن هذا الغيب البعيد يعتبر من آيات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. والمعنى: تلك القصة العجيبة التي فصل فيها ما حدث بين نوح وقومه، وما انتهى إِليه أَمرهم من الهلاك بالطوفان، هي من أَنباء الغيب نوحيها إِليك لتكون برهانا على نبوتك، وذلك لأنك: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا}: فإذا كان قومُك يجهلونها وقد عشتَ بينهم ولم تخالط غيرهم، فإن الذي أخبرك بها. مطابقة لواقعها هو الله الذي أَرسلك، وجعلها وأمثالها آياتٍ تشهد برسالتك، وإن

أَعرض قومك. ولم يصدقوك. {فاصْبِرْ}: كما صبر نوج على معارضة قومه وإيذائهم له ولمن آمن معه. {إِنَّ الْعَاقِبَةَ}: بالظفر في الدنيا والفوز في الآخرة. {لِلْمُتَّقِينَ}: الذين يصبرون ولا يجزعون ولا يفترون، مهما عارضهم الكافرون، فقلوبهم واثقة من نصر الله، وجوارحهم مشغولة بطاعة الله. {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)} المفردات: {مُفْتَرُونَ}: كاذبون. {فَطَرَنِي}: خلقنى ابتداءً من غير مثال سبق، والفطرة؛ الخلقة ابتداءً - كما قاله القرطبى. {يُرْسِلِ السَّمَاءَ}: يرسل السِحاب، فكل ما علاك سماء. {مِدْرَارًا}: كثيرة الدُّرُورِ والسيلان. التفسير 50 - {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا}: بعد أَن ذَكَّرَ الله قريشا بما أَصاب قوم نوح لمّا أَصروا على كفرهم، زادهم تذكيرا ببيان ما أَصاب غيرهم من الأُمم التي كفرت بالرسل، وقدم قصة عاد على ما بعدها لأَنها أقربها إلى قوم نوح، وعاد هذه هي عاد الأُولى، سميت باسم جدها الأَول وهم قوم يسكنون الأَحقاف بين الشحر وعُمَان وحضرموت، وكانوا قوما جبارين عظام

الأَجسام؛ قال تعالى في شأْنهم: { ... وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ... (¬1)}: وهم من ذرية سام بن نوح، وكانوا أَهل أَوثان وطغيان، فأَرسل الله إليهم رسولا من بينهم فطره على التوحيد، وأَنشأه الرسل الأَطهار وهو هود عليه السلام، ليدعوهم إلى التوحيد، وترك ما هم عليه من الشرك والجبروت. وقد عبرت الآية عن هود عليه السلام بأَنه أَخو عاد، للإِيذان بأَنه منهم نسبًا، وأَنه نشأَ بينهم، فهم يعرفونه من منشئه إِلى أن دعاهم إلى الحق، ويعرفون من حسن سلوكه أَنه لا يخدعهم ولا يدعوهم إلا إلى ما تدعو إليه الأُخوة من الخير والحق، فإن الرائد لا يكذب أَهله. والمعنى: وأرسلنا إلى عاد رسولا من بينهم هو هود، ليأْمنوا جانبه ويطمئنوا إِليه لأنه نشأَ فيهم، وعرفوا صدقه وطيب نشأَته. {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ}: تحكى هذه الآية ما جرى بين هود وقومه على وجه الإجمال، فالمعقول والمنقول في سياسة الرسل لأُممهم أَنهم لا يجابهونهم في أَول لقائهم معهم بوصفهم بالافتراء، ففي سورة الأعراف يقول الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ}. (¬2) فقد نصحهم بوقاية أنفسهم من عقاب الله؛ بعبادتة وحده، ولم يصفهم بالافتراء، فلذا يحمل وصفهم به هنا على أنه حدث بعد أَن طال جدالهم ومعارضتهم له. والمعنى: قال هود لقومه بعدما نصحهم وذكرهم مدة طويلة، وأَصروا على شركهم قال لهم: اعبدوا الله، ودَعوا ما أنتم عليه من الإشراك به، فليس لكم عن إله سواه، ما أنتم إلا كاذبون عليه في اتخاذ الأَوثان شركاءَ وجعلها مستحِقة للعبادة معه، وزعمكم أَنها لكم شفعاء. ¬

_ (¬1) الأعراف، من الآية: 69 (¬2) الأعراف، من الآية: 65

51 - {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي}: خاطب هود قومه بأَن دعوته خالية عن المطامع الدنيوية، لبيان إِخلاصه في النصيحة ودفع الريبة عن دعوته، وكذلك فعل كل رسول مع قومه إبعادا للتهمة عنه، وطلبا لنجاح دعوته، فإِن الدعوات المشوبة بالمطامع لا نجاح لها. والمعنى: يا قومى وأَهلى، أنا لا أَطلب منكم أَجرًا، ولا أَبتغى بدعوتى جزاءً دنيويا من مال أَو جاه، فما أجرى في إِرشادكم وهدايتكم على أَحد إلا على الله تعالى، فلا وجه لمخالفتكم وإمعانكم في الإِعراض عما جئتكم به من الله، مع وضوح الآيات والتجرد عن المطامع الدنيوية، ثم دعاهم إلى استعمال عقولهم، وعاب عليهم إِغفالها فقال: {أفَلاَ تَعْقِلوُنَ}: أَي اتغفلون فلا تستعملون عقولكم، لتعرفوا الحق من الباطل والصواب من الخطأ. 52 - {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}: ويا قوم اطلبوا المغفرة من ربكم لما قدمتموه من الشرك والمعاصي بالإِيمان والطاعة، ثم توسلوا إليه بعد الإيمان بالتوبة والندم على ما فاتكم من طاعة الله، وبالعزم علي عدم العودة إلى طريق الشيطان الرجيم. {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}: أَي إن تستغفروا الله وتتوبوا اليه من شرككم وجبروتكم، يرسل السحاب عليكم كثير الدَّر غزير المطر، ويعطكم قوة مضافة إلى قوتكم، بتوفير الأَسباب المؤدية إِلى ذلك من الزرع والضرع والصناعة، والحصون والبروج وغير ذلك، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زرع وضرع ومصانع وحصون وقصور، وكانوا ذوى جبروت وقوة، كما قال تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} (¬1). فرُغِّبوا في الإيمان بتوفير ما يحبون لهم، وسوف يعلمهم الإيمان وشريعة الرحمن كيف ينتفعون وينفعون بتلك النعم، وكيف يوجهون قوتهم وجبروتهم فلا تكون إلا ¬

_ (¬1) الشعراء، الآيات: 128 - 130

في الخير وإرهاب الشر، ثم نصحهم بعدم الإعراض عما دعاهم إليه فقال: {وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}: أَي ولا تنصرفوا معرضين عن دعوة الحق، مصرين على إجرامكم وعصيانكم. {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)} المفردات: {بِبَيِّنَةٍ}: بحجة. {عَنْ قَوْلِكَ}: أي من أجل قولك، {بِمُؤْمِنِينَ}: بمصدقين. {لَا تُنْظِرُونِ}: لا تمهلون. التفسير 53 - {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ}: قال شعب عاد لنبيهم هود، وهم مصرون على رفض دعوته: يا هود أنت ما جئتنا بحجة تدل على صدق نبوتك، يقولون ذلك ليجعلوا منه سبيلا إِلى عدم الاستجابة إلى ما دعاهم إليه، والحق أنهم كاذبون، فقد جاءهم من المعجزات فوق ما يكفى لطمأْنينة من أَلقى السمع، وأَجال البصر، وفكر بعقل حر، فما من نبي إلا أيده الله من الآيات بما يكفى لإيمان أهل الحق. قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِن نَبيٍّ منَ الْأنبِيَاءِ إلا أعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثلُهُ آمَنَ عَلَيْه البَشَر، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذى أُوتِيتُ وَحْيًا أوحَاهُ اللهُ إلَىَّ، فَأرْجُوْ أنْ أكُونَ أكْثَرهُم تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". والمقصود من كون الذي أُوتيه الرسول وحيا، أنه اختص بالقرآن إلى جانب معجزاته الأُخرى التي يشاركه في مثلها الأَنبياءُ، فالقرآن هو أعظم معجزاته التي تحدى

بها البشر، واعلم أَن كل نبي أُوتى معجزة لم يؤْتها غيره، وهى التي تحدى بها قومه وهذا لا ينافى حصول خوارق أُخرى على يديه. وبعد أن نفوا مجىء هود عليه السلام ببينة قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}: أي وما نحن بتاركى عبادة آلهتنا صادرين في تركها عن قولك وما نحن لك بمصدقين نبوتك حتى فرفض آلهتنا بسبب قولك لنا: دعوها واتركوها. 55،54 - {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ... } الآية. أَي ما نقول في شأْن ما أَنت عليه وجئتنا به إلا أَنك أَصابك بعض آلهتنا بشر ساءَك فأَفقدك عقلك، وجعلك تهذى وتتكلم بالخرافات عن آلهتنا، وتدعو إلى إله واحد وتخوفنا بعقابه في الآخرة، إلى غير ذلك مما تقول، ولقد سلك هؤلاء في عنادهم سبيل التدرج والتسلسل، فنفوا مجيئه ببينة ثم نفوا تركهم لآلهتهم لمجرد قوله لهم (اتركوها) دون أَن يقنعهم بحجه تقتضى تركهم لها، ثم نفوا تصديقهم له، لأَنه لا حجة لديه تثبت نبوته، ثم بعد هذا الهذيان كله قالوا فيه ما قالوه من السباب {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. ولقد حكى الله تعالى رده عليهم بعد هذا كله بقوله: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ}: أي أشهد الله على براءَتى مما تجعلونه من غير الله شريكا له سبحانه، واشهدوا أَنتم على براءَتى من ذلك، فليس لكم على ما تزعمون برهان، وما أُنزل به سلطان. {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ}: أَي فدبروا لى المكايد والمحن أَنتم وشركاؤكم جميعًا، بعد ما نلتُ منها وَجَرَّدتُها من وصف الأُلوهية ومقتضياتها، وعاقبونى على امتهانى لها، ولا تمهلونى ولا تتراخوا في عقوبتى إن صح ما زعمتوه من أُلوهيتها.

وخطاب النبي هود عليه السلام لقومه بهذا الأُسلوب الذي بلغ الغاية في التحدى والتحقير لهم ولآلهتهم، والإساءَة لكبريائهم وجبروتهم وحميتهم وعصبيتهم، مع ما عرف عنهم من سفك الدماءِ، والعُنجهية والكبرياءِ، وعجزهم عن تحقيق شىءٍ مما تحداهم به مع كونه وحيدًا لا يؤيده سوى قليل من المؤمنين لا حول لهم ولا قوة، هذا كله فيه برهان واضح على ثقته - صلى الله عليه وسلم - بتأْييد ربه وعنايته به ونصره له، وعصمته من المكاره، كما أَنه برهان على أنه مرسل من الله، حيث أَعجزهم عن الإضرار به والقضاء على دينه، فكأَن المولى يقول لعاد صدق هود فيما يبلغه عنى، وقد عقَّب هذا التحدى الدال على ثقته بربه، ببيان مصدر ثقته فقال: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)} التفسير 56 - {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ}: أي إنكم لن تضروني بكيدكم لى مهما اجتمعتم عليه، فإنى توكلت على الله مالكي ومالككم وخالقى وخالقكم، واعتمدت عليه في دفع ضركم عنى، وتآمركم على. {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. (¬1) ثم أكد ثقته بربه وعدم قدرتهم عليه بقوله: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: أي ما من دابة من حيوانات الأرض وأَناسيِّها إلا الله مالك لها قادر عليها، يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه، إن ربي على سبيل من الحق والعدل مستقيم، فلا يضيع من اعتصم به ولا يفوته ظالم لنفسه أو لعباده. ¬

_ (¬1) يوسف، من الآية: 64

والدابة كل ما يدب على وجه الأرض، أَي يتحرك عليها فيدخل فيها الإأنسان والحيوان والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها، والأخذ بالناصية كناية عن القدرة والتسلط، وفي البحر لأَبى حيان أَن هذا التعبير صار عرفا في القدرة على الحيوان، والتعبير بقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} تمثيل لعدله واستقامة تدبيره لخلقه، وجزائه لهم بالثواب والعقاب، وأَنه كاف لمن اعتصم به، وفي الْكَشْف أَن في قوله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ} إلى آخر الآية، ما يبهرك تأَمله من حسن التعليل، وأَن من توكل على الله لا يبالى بهول ما ناله، ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله: {رَبِّي وَرَبِّكُمْ}. فكيف يصاب من لزم شدة العبودية وينجو من تولى عن ربه - إِلى آخر ما نقله الآلوسى عنه، فارجع إليه إِن شئت. {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)} المفردات: {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ}: يجعلهم خلفاءَ لكم في دياركم {حَفِيظٌ}: عليم. التفسير 57 - {فَإِنْ تَوَلَّوْا (¬1) فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ}: أَي فإن تتولوا وتعرضوا عما دعوتكم إليه، فلا عذر لكم، فقد أَبلغتكم رسالة ربى إليكم، وبذلت لكم النصح، وقدمت الحجج والبراهين، وأديت حق ربي، فلا تفريط منّى، ولا حجة لكم. ¬

_ (¬1) أصله فإن تتولوا، فحذف حرف المضارعة وهو التاء الأولى تخفيفا لثقل تكرار التاء.

{وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ}: كلام مستأْنف مراد به وعيدهم وإِنذارهم، بأَنه تعالى سوف يهلكهم إِن استمروا على كفرهم، ويستخلف مكانهم قوما آخرين في ديارهم وأَموالهم. {وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا}: ولا تضرون ربي شيئا من الضرر، لا بإعراضكم وتوليكم عن دينه، ولا بإِهلاككم بذنوبكم، فإن هلاككم لا ينقص ملكه، ولا يخل بأَمره. {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}: إِن إِلهى وخالقى على كل شيءٍ رقيب، وبكل شيءٍ عليم، فلا يغيب عنه شىءٌ من أعمالكم ولا ما انطوت عليه صدوركم، وسوف يجازيكم على خطاياكم في دنياكم وأُخراكم. {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)} المفردات: {أَمْرُنَا}: عذابنا الذي أَمرْنا به، أَو المراد به الإذن بالعذاب والأَمر به. {مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}: من عذاب شديد لا يحتمل. {جَبَّارٍ عَنِيدٍ}: الجبار؛ العاتى المتسلط، والعنيد هو الذي يرد الحق ويرفضهُ وهو عارف به. {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ}: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين، واللعنة؛ الطرد من الرحمة. {كَفَرُوا رَبَّهُمْ}: جحدوه وأنكروا وحدانيته. {بُعْدًا}: هلاكا.

التفسير 58 - {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا}: أي: ولما نزل عذابنا بقوم هود الكافرين، وكان بحيث يمكن أَن يصيب المؤْمنين نجينا هودًا ومن آمن معه برحمة منا، حيث حفظناهم من العذاب الذي يمر بهم ولا يؤْذيهم، ويفتك بغيرهم ويكون رحمة لهم. {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}: هذه الجملة معطوفة على مثيلتها السابقة لبيان ما نجاهم الله منه. أَي وكانت تنجيتنا لهود والمؤمنين من عذاب شديد الغلظة عظيم الفتك بالكافرين، حيث { ... أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} (¬1). وكان مع هذا رحمة بالمؤْمنين، لا يضرهم ولا يصيبهم بمكروه. 59 - {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}: المعروف من ظواهر النصوص أن عادا الأُولى لم يرسل إليها سوى هود، لكن هذه الآية تقول إنهم عصوا رسله، ويؤول ذلك بجعل عصيانهم لهود عصيانا لجميع رسل الله السابقين واللاحقين، لأَن ما جاءَ به من التوحيد وأصول الشريعة لديه. جاءَ به جميع المرسلين فعصيان أَحدهم يعتبر عصيانا لجميع الرسل. والمعنى: وتلك الأُمة (عادٌ) - التي مضى الحديث عنها - جحدوا بآيات ربهم الكونية الشاهدة بنبوَّة هود، وبالشريعة التي تعبَّدهم الله بها، وعصوا جميع رسل الله الذين أرسلهم لهداية البشر، فقد كذبوا رسولهم مباشرة، وكذبوا جميع الرسل ضمنا بتكذيبهم له، واتبعوا أمر كل متمرد طاغ معاند للحق من رؤسائهم وكبرائهم، فقلبوا بذلك موازين الأُمور، حيث عصوا من دعاهم إِلى ما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إِلى ما يُرْدِيهِمْ. ¬

_ (¬1) سورة الحاقة، الآيات 6 - 8

60 - {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ}: أَي: وأُلزموا في هذه الدنيا لعنة، فلازمتهم ملازمة التابع للمتبوع، حق أَوردتهم موارد الهلاك الغليظ، وأُلزموها يوم القيامة، حتى خلدتهم في النار. {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}: كُفْرُ عَادٍ بربهم أَمر مفهوم من قصتهم التي مر بيانها، وإِنما أُعيد ذكره هنا بهذا الأُسلوب المنبه للسامع، للإيذان بأَن كفرهم هو سبب هلاكهم ولعنتهم حتى يخشى مصيرهم من كان على شاكلتهم. والمعنى: أَلا إِن عادا كذبوا بوحدانية ربهم وجحدوا أنعمه، ألا هلاكا لعاد قوم هود هؤلاءِ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعتوهم وعنادهم، ويلاحظ في الآية الكريمة تكرار حرف التنبيه (أَلا) وأعادة لفظ (عَادٍ) للمبالغة في تفظيع حالتهم، والحث على الاعتبار بقصتهم. والتعبير بقوله: {عَادٍ قَوْمِ هُودٍ} للإِيذان بأَنهم عاد الأُولى تمييزًا لهم عن عاد إرم - وتسمى عادًا الثانية وهم بقية من عاد الأُولى، وإرم مدينتهم وقصبتهم، وكانوا أهل ترف ومال ولكنهم لما كفروا وبغوا في الأرض صب عليهم الله العذاب، قال تعالى في شأْنهم في سورة الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}. إِلى قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)} المفردات: {أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}: ابتدأَ خلقكم من الأَرض وأَوجدكم منها بخلق أبيكم آدم من ترابها. {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}: جعلكم تعمرونها، إِذ مكنكم من العمل فيها واستثمارها والبناء عليها {مَرْجُوًّا}: موضع رجائنا وأَملنا إِذ كان فاضلا خيِّرًا. {مُرِيبٍ}: مُوقِع في الريبة وقلق النفس وعدم الاطمئنان. التفسير 61 - {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ... الآية. وأَرسلنا إلى قبيلة ثمود واحدًا منهم وأخا لهم في النسب يُسمَّى صَالِحًا - أَرسلناه مُبلِّغًا رسالة ربه فناداهم في رفق ولين - (قال يا قوم): يا أْهلى ويا عشيرتى؛ تلبينا لقلوبهم وجذبا لنفوسهم، كى يقبلوا في يسر وسهولة على امتثال ما أمرهم به في قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}. أي آمنوا بالله وحده، وأفردوه بالعبادة، ليس لكم أي إلَه يستحق أَن يعبد سواه. ثم علَّل صالح دعوته إلى توحيد الله بإنعامه - تعالى - عليهم بأعظم النعم فيما حكاه القرآن بقرله: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}: أَي هو الله سبحانه - لا غيره أَوجدكم من الأَرض ابتداءً باعتبار خلقه آدم أبا البشر منها، ويجوز أَن

يكون المراد - أنشأَكم من الأَرض - باعتبار أَن النطف التي خلقت منها ذرية آدم تتكون من الأَغذية التي نحصل عليها من زروع الأَرض وثمارها - أَوجدكم من الأرض - فأَنتم مدينون له بحياتكم ووجودكم. {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}: أَي وأَقدركم على عمارتها، ومكنكم من العمل فيها ومن استثمارها وبناءِ ما تسكنون فيه على ظهرها، بما وهبكم من عقل وقوة، وبما سخر لكم فيها من وسائل تنفذون بها ما ألهمكم معرفة كيفيته. ولمَّا كان إِحسانه - تعالى - عليهم بتلك النعم يستدعى الاستغفار والتوبة، رتب عليه الأمر بهما إذ قال: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}: أي فاطلبوا ممن غمركم بإِحسانه العميم أَن يستر بإيمانكم وأعمالكم الصالحة ما اقترفتموه من الشرك والخطايا، ثم ارجعوا إليه بتخليص أَنفسكم من الذنوب نادمين على ما فرط منها، عازمين على عدم العودة إلى معصيته، مقبلين على طاعته راجين رحمته. ثم رغَّبهم في الاستغفار والتوبة بقوله: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}: أي إِن ربي الذي أَدعوكم إِلى عبادته قريب بعفوه ممن يحسنون إلى أنفسهم بالاستغفار والتوبة منَ الشرك والخطايا، مجيب دعاءَ من رجع إِليه وأَناب. قال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}. وكانت ثمود تقيم بالحجر بين الحجاز والشام. 62 - {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}: قال قوم صالح يردُّون على دعوته إيَّاهم إِلى التوحيد: يا صالح قد كنت بيننا رجلا فاضلا خيرًا نؤَملك لمهمات أُمورنا، كنت كذلك بيننا قبل هذا الذي أَمرتنا به ودعوتنا إِليه من التوحيد وترك عبادة الأَوثان، ثم خاب رجاؤُنا فيك وانقطع أَملنا وساءَ ظننا بعد أن سمعنا منك ما قلته لنا، ثم خاطبوه باستفهام ينكرون به عليه ما دعاهم إليه إذ قالوا: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} أَي أتطلب منا أَن نترك عبادة الأوثان التي أقام على عبادتها آباؤنا طول حياتهم، إن هذا لشىءٌ نرفضه ولا نقبله،

{وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}: أَي أَتنهانا عن فعل ما ورثناه عن آبائنا وإننا لفى شك بالغ من صحة كل ما جئتنا به، مريب موقع في قلق شديد دائم لنفوسنا، ومثير لاضطراب مستمر في قلوبنا. {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)} المفردات: {أَرَأَيْتُمْ}: أَخبرونى عما سأَسأَلكم عنه. {بَيِّنَةٍ}: حجة واضحة وبرهان ظاهر. {وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً}: نبوةً ورسالة فهى من رحمة الله. {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ}: فمن ينجينى ويمنعنى من عذابه. {تَخْسِيرٍ}: تضييع وإِنقاص بإِبطال عملى وتعْريضى لغضب الله. {آيَةً}: معجزة. {فَذَرُوهَا}: فدعوها واتركوها. {فَعَقَرُوهَا}: فنحروها. يقال: عقرت البعير إِذا نَحَرْتَهُ. {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ}: أَقيموا في بلدكم وانتفعوا بأَرزاقكم وبكل ما يسركم. {وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}: وعبد صادق. التفسير 63 - {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} ... الآية. بعد أَن بينت الآية السابقة أَن قوم صالح أنكروا دعوته وارتابوا في صدقها، ورغبوا فى استدراجه

إِلى موافقتهم، جاءَت هذه الآية تحكى ردَّه عليهم وتبيَّن أَنهم لا يستطعيون ولا يستطيع أحد سواهم إِنقاذه من عذاب الله إِن أَطاعهم فيما يرون. والمعنى: قال صالح - عليه السلام - في ردِّه عليهم - ياقوم - أَخبرونى إِن كنت على طريقة واضحة وبصيرة نافذة من لدن ربي، وأَعطاني من عنده نبوة ورسالة - رحمة لى ولكم - أَجيبونى عمَّا أَسأَلكم عنه بقولى: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ}: أي فمن يمنعنى من عذاب الله وينجينى من عقابه إن أَطعتكم وعصيته - سبحانه - فلم أُبلغكم رسالته، ولم أُحذركم من الشرك وعبادة الأصنام؟ لا أَحد مطلقا يستطيع منعى من عقابه - تعالى - إن فعلت ذلك. ثم رتب على عصيانه إن وقع، بعد إنعام الله عليه بالنبوة، إحباط عمله، كما حكاه الله بقوله: {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}: أي فما أستفيد منكم إِن جاريتكم فيما تشتهون سوى أَن تجعلونى بهذا الاتباع خاسرا، بإِبطال عملى وتعريضي لغضب الله وعقابه، ولا شك أن صالحا - عليه السلام - كان جازما بأَنه على بيِّنة من ربه، ولكنه عبر بإِن التي للشك في قوله: {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ}: مجاراة لقومه فيما يزعمون، ورعاية لحسن المحاورة لاستنزالهم عن المكابرة. هذا ويمكن أَن يقال إِن استعمال (إن) في الشك غالب، ولكنها قد تستعمل عند اليقين كما هنا، انظر إِلى لفظ (ما) فإِنه يستعمل في غير العاقل غالبا. ولكنه قد يستعمل في العليم الخبير كما في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا}. 64 - {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً}: أي وقال صالح يخبر قومه بمجىء معجزة عظيمة: يا قوم هذه ناقة عظيمة الشأْن، شرفها الله بنسبتها إليه، وأوجدها على خلاف ما عرفتم وأَلفتم في خلق جنسها، ومن خصائصها المميزة أَنها تشرب الماءَ وحدها في يوم، والقوم جميعا وما معهم من حيوانات يشربونه في آخر. قال تعالى: {هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}. (¬1) أوجدها كذلك لكم خاصَّة لتكون معجزة عظيمة تستدلون بها على قدرته - تعالى - وعلى صدقى فيما أُبلغكم به عن ربي ¬

_ (¬1) سورة الشعراء، الآية: 155

{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ}: أَي فاتركوها تأْكل وترعى. وتشرب في أرض الله دون أَن تكلفوا بتحصيل شى من مؤُونتها. {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ}: أَي ولا تصيبوها بأَدنى سوءٍ ولا بأَقل أَذى، فيأْخَذكم ويستأْصلكم لأجل ذلك عذاب عاجل: 65 - {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}: أي فنحروها مخالفين ما أُمروا به، فقال لهم بوحى من الله: استمتعوا في بلدكم بكل ما يسركم في اطمئنان وَدَعةٍ مدّة ثلاثة أَيام، والمراد أَنهم بعد هذه الأَيام الثلاثة يهلكون، ولذلك قال عقبها: {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}: أَي ذلك العقاب الهائل الذي أَنذرتكم وقوعه بعد عقر الناقة بثلاثة أَيام وعيد صادق يقع حتما ولا يتخلف لأَنه من عند الله. {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)} المفردات: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا}: فلما نزل عذابنا. {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ}: ومن ذل وفضيحة هذا اليوم. {الصَّيْحَةُ}: صوت قوى مفزع زلزل الأرض بهم. {جَاثِمِينَ}: باركين على الركب هامدين موتى لا يتحركون. {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}: كأَنهم لم يقيموا في ديارهم ولم يحيوا فيها.

التفسير 66 - {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}: أَي فلمَّا نزل عذابنا بثمود، بعد مضى المدّة التي أُنذروا العذاب بعدها، نجَّينا صالحا والذين آمنوا معه من الهلاك معهم، بسبب رحمة عظيمة من لدنا وسعتهم وحفظتهم، لإِيمان صالح ونبوته وإِيمان المصدقين برسالته العاملين بشريعته. {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ}: أَي ونجيناهم من ذل وفضيحة يوم العذاب المهين الذي نزل بكفار ثمود. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}: خطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - تخلل الحديث عن قصة صالح تقوية لعزمه، أي إِن ربك الذي يرعاك يا محمد، هو وحده القادر على كل شيء الغالب في كل وقت فلا يعجزه شيء أراده، فلذا أَخذ قوم صالح أخذ عزيز مقتدرٍ، وفيه إنذار شديد للمشركين إن أصرُّوا على الكفر والجحود {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (¬1). 67 - {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}: أَي وأَخذ الذين ظلموا بتكذيب رسالة صالح - أخذهم - العذاب بصيحةٍ قوية مفزعة زلزلت بهم الأَرض فصعقوا وانتهت حياتهم في مساكنهم باركين على ركبهم خامدين لا يتحركون. 68 - {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ}: أَي فأَصبحوا وقد انتهى أَمرهم من ديارهم فلم يبق لهم فيها من أثر يذكرون به - إلا الصورة المفزعة لهلاكهم - كأَنهم لم يقيموا أَصلا في تلك الديار - فليعتبر بحال هؤُلاءِ كل من يجترئ على تكذيب رسل الله والكفر بهم، فما وقع لثمود كان بسبب كفرهم كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ}: أَلاَّ إنَّ ثمود قوم صالح - عليه السلام - قد أنكروا ربهم فاستحقُّوا ما وقع عليهم وأَن يقال فيهم هلاكا وطردا من رحمة الله وإِحسانه لثمود. ¬

_ (¬1) سورة هود، الآية: 102

{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)} المفردات: {بِالْبُشْرَى}: بالخبر السار. {حَنِيذٍ}: سمين أَو مشوى بالدس في النار كما قال ابن عباس، وفسَّره مجاهد بالمطبوخ، وهو أَعم. والعجل ولد البقر. {نَكِرَهُمْ}: جَهلَهُمْ ووجدهم على غير ما يعْهد. {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}: استشعر من جهتهم شيئا يخافه، أَو أَخفى وأَضمر خوفا منهم. التفسير 69 - {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا} الآية. في هذه الآية وما بعدها ذكر طرف من قصة إبراهيم، كالتمهيد للحديث عن قصة لوط - عليهما السلام -. والمعنى: ولقد جاءَت رسلنا من الملائكة إلى إبراهيم يبشِّرونه بما يسرُّه، قائلين له في أول لقائهم له: {سَلَامًا} أَي نسلم عليك سلاما. وهزَّت إبراهيم سجية الجود والكرم فأَشرع بتقديم الطعام، وذلك قوله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}: أي فلم يتأَخر إبراهيم - عليه السلام - في مجيئه بعجل سمين مشوى إلى أضيافه ليأْكلوا منه، بل جاءَ به على عجل كاملا - وإن كان يكفيهم بعضه - مبالغة في إكرامهم ..

واختلف في هذا العجل: هل كان مهيَّئا قبل مجيئهم، أو أَنه هُيىء على عَجَلٍ بعد مجيئهم، واختار الأَول أَبو حيان، واختار الآلوسى الثاني لأَنه أَبلغ في الإِكرام. 70 - {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}: أي فلما رأى إبراهيم - عليه السلام - أَيدى الملائكة لا تمتد إلى لحم العجل الذي قدمه لقِراهم ولا تتناول منه شيئا ليأْكلوه، استنكر ذلك منهم وشعر بالخوف من جهتهم فإنَّ الغريب إذا قدم له الطعام لإِكرامه، يبادر إِليه ولا يمتنع عنه إلا إِذا كان يريد برب البيت سوءًا ... قالوا حين رأوا أَمارات الخوف منهم بادية عليه: لا تخف ضررًا من جهتنا، إِننا أُرسلنا من الله إلى قوم لوط لإِهلاكهم جزاءَ إتيانهم فاحشةً ما سبقهم إلى فعلها أَحد من العالمين. {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} المفردات: {فَضَحِكَتْ}: سرورا بما رأَت وسمعت من زوال الخوف عن زوجها وكلام الملائكة له ومجيئهم لإِهلاك المجرمين. {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}: أي فأَتبعنا سرورها سرورا أَتَم

وأَعظم على ألسنه ملائكتنا. {يَا وَيْلَتَى}: يا عجبًا. وأَصل الويل الهلاك وهو غير مراد هنا. والنساء يستعملنها كثيرا إِذا حدث ما يتعجبن منه. {بَعْلِي}: زوجى، والبعل في الأَصل الذي يقوم على تدبير الأمور، فأَطلق على الزوج لأَنه يقوم علي شئون المرأَة. {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}: أَتعجبين من قدرة الله وحكمته. {وَبَرَكَاتُهُ}: وخيراته التامَّة المتكاثرة. {حَمِيدٌ}: محمود لذاته وأَفعاله. {مَجِيدٌ}: واسع الإِحسان كثير الإِنعام. التفسير 71 - {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}: أَي حدث ما حدث من المحاورة بين الملائكة وإبراهيم، وزوجته قائمة وحاضرة ترى وتسمع ما جرى بينهم، فضحكت فرحا وسرورا بزوال الخوف عن زوجها، واستبشارًا بقرب هلاك القوم المفسدين، وقد فهمت ذلك من قولهم لإِبراهيم: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}. {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}: أَي فأَتبعنا سرورها بما سبق سرورا عظما وذلك بإلقاء البشرى إليها على ألسنة الملائكة بأَنها ستلد "إسحق" وترى من بعد إسحق "يعقوب" ولدا له وحفيدا لها. وقد وجهت البشارة إِليها؛ لبيان أن الولد المبشر به يكون منها ومن إِبراهيم، فإن البشارة لو وجهت لإِبراهيم، لأَدركها الشك بأَنه يأْتى بإسحق من غيرها لعقمها. وكانت حريصةً على أَن يكون لها ولد، وقد تمنته بعد أن ولد إِسماعيل لهاجر. 72 - {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} الآية. أي قالت سارة امرأَة إبراهيم حين بشرت بالولد يا عجبا، أيولد لى وأَنا عجوز عقيم قد تقدمت بى السنُّ وذهبت قوتي وضعف بدنى وغاب الطمث عنى، وهذا الذي تشاهدونه زوجى القائم على رعايتي قد صار شيخا كبير السن لم تجرِ العادةُ أَنَّ مثلنا ينجب الأَولاد.

{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}: أَي إن هذا الذي بشرتم به من حصول الولد من شيخين مثلنا يثير في النفس التعجب، فقد جرت سنة الله في عباده أَن يكون إِنجاب الأَولاد في زمن الصحة والقوة ووجود الطمث غالبا - والطمث الحيض - ولم يكن تعجب زوجة إِبراهيم استبعادًا لحدوث ذلك بالنسبة لقدرة الله - تعالى - وإنما كان استعظامًا لحصول تلك النعمة في غير أَوانها المأْلوف. 73 - {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ}: أَي قالت الملائكة منكرين عليها تعجبها ودهشتها من حصول ذلك، وكان عليها أَن تتريث حتى تتحقق البشارة، فإنه لا عجيب على قدرة الله سبحانه وتعالى، وكأنهم قالوا لها: لا تعجبى مما قدره الله وأَراده على خلاف ما جرت به سنته الغالبة في خلقه، فإن خوارق العادات بالنسبة لآل بيت النبوة ومهبط المعجزات وتخصيصهم بمزيد من النعم والكرامات ليس ببدع ولا غريب كما يؤذن به قوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ}: أي رحمة الله التي وسعتكم بكل خيراتها، وبركاته التامة المتكاثرة تفيض عليكم يا أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمات وهذه البركات هبة الأَولاد في غير أَوانهم المعتاد. {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ}: أي إنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، يصدر عنه ما يستوجب حمده من عباده، كثير الخير والإحسان، رفيع الشأْن، متصف بأَعظم صفات المجد.

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)} المفردات: {الرَّوْعُ}: الخوف والفزع، {لَحَلِيمٌ}: لمتصف يكثرة الحلم لا يعجل بالانتقام من المسىء. {أَوَّاهٌ}: كثير التأَوُّه والتوجع رحمة بالناس. {مُنِيبٌ}. كثير الرجوع إِلى الله بالدعاءِ والاستغفار والعبادة. {غَيْرُ مَرْدُودٍ}: غير مدفوع. التفسير 74 - {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ... } الآية بعد أَن حكى القرآن الكريم بعضا من أَحوال إبراهيم - عليه السَّلام - من وزوجته جاءت هذه الآية والآيتان بعدها تذكر بعضا آخر من أَحواله وشئونه ومجادلته عن قوم لوط. والمعنى: فلما زال عن إبراهيم ما لحقه من الخوف والفزع حينما امتنع ضيوفه من تناول طعامه، واطمأَنت نفسه بعد أَن عرف أَنهم ملائكة الله {وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}: أَي وحل محل الخوف شعور بالسرور في حينما بشَّروه بعد سن اليأْس بغلام عليم، فلمَّا حدث ذلك أخذ إبراهيم - عليه السلام - يجادل رسل الله في شأْن قوم لوط وإهلاكهم وقد حكى القرآن الكريم قصة مجادلة إبراهيم للملائكة بشأْنهم في قوله - تعالى -: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوأَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ... } (¬1) الآية، وقد اعتبر قول إِبراهيم: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} جدالا عنهم ¬

_ (¬1) سورة العنكبوت الآيتين، 31، 32

لأن المراد منه: كيف تهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو مؤمن بالله لا يستحق العذاب، وعلى رأَسهم نبي الله لوط - عليه السلام - ولذا أَجابته الملائكة بقولهم: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ}. وكأَن إبراهيم - عليه السلام - فهم أَن وجود المؤمنين مع الظالمين في قرية واحدة يُبيح له الجدال عن أَهل القرية جميعا؛ حرصا على سلامة المؤمنين يضاف إلى دلك ما فطر عليه من الحلم والرحمة كما بينه القرآن في قوله - تعالى -: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}: أَي كان جدال إِبراهيم لما تقدم. ولأَنه عظيم الحلم يملك نفسه فلا يعاجل بالانتقام من المسىء، كثير التأَوه رقيق القلب عظيم الإشفاق يتأثر كثيرا ويتوجَّع لما يصيب غيره من مكاره وخطوب، متصف بالإنابة إِلى الله والرجوع إِليه يعمل ما يحبه ويرضاه. ولعل جداله عن قوم لوط مع علمه بكفرهم رجاءَ أن يؤمنوا بالله - تعالى - بالإضافة إلى ما سبق بيانه من خوفه على لوط ومن آمن معه. 76 - {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}: أَي قالت الملائكة - بأمر من الله - يا إبراهيم ابتعد عن هذا الذي ترجوه لهؤلاء وتجادل فيه، ولا تلتمس بجدالك رحمة لهولاءِ القوم، ولا تخفيفا عنهم، إنه قد قرب وقت هلاكهم الذي قضاه - سبحانه - وقدره في أَزله القديم، وإن هؤلاء الظلمة من قوم لوط واقع بهم لا محالة عذاب غير مدفوع عنهم بجدال أو دعاءٍ، ولا تستطيع قوة في الأَرض صدّه أو ردّه عنهم.

{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)} المفردات: {سِيءَ بِهِمْ}: أُصيب بالغم والحزن بسبب مجيئهم وساءَه ذلك، {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا}: عجزت طاقته وضعف جهده عن احتمال ما يترتب على مجيئهم من شرور قومه، والمراد أَنه لم يجد لهذا المكروه مخرجا. يقال ضاق بالأَمر ذرعا إِذا لم يطقه ولم يقدر عليه. {عَصِيبٌ}: شديد الإِيذاءِ. والعصْب: الشد بالعصابة. {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ}: يسرعون إليه؛ كأَنما يدفع بعضهم بعضا مسارعة إلى الفاحشة. {وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي}: أَي ولا تفضحونى ولا تلحقوا بى الذل والهوان في شأْن ضيوفى النازلين عندى. التفسير 77 - {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ... } الآية بعد أَن حكى القرآنُ الكريم بعضا من أَحوال إبراهيم وزوجته كالتمهيد لقصة لوط جاءت هذه الآية والآيات بعدها تحكي بشىء من التفصيل ما جرى بين لوط وقومه، من التوسل إليهم ليعدلوا عن الفاحشة إلى آخر ما ستذكره الآيات.

والمعنى: ولما جاءَت رسل الله من الملائكة لوطا من عند إبراهيم حزن بسبب مجيئهم حزنا شديدا، لأَنَّهم جاءُوه في صور شباب من البشر حسان الوجوه، وخشى أَن يقصدهم قومه لارتكاب الفاحشة التي اشتهروا بها فيعجز عن مدافعتهم، وضاقت طاقته وضعف جهده عن احتمال نزولهم عنده، لعدم قدرته على تخليصهم من شر توقع حدوثه لهم من قومه. {وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}: أي وقال لوط - عليه السلام - تعبيرا عن شدة ما لحقه من الهلع والفزع: هذا اليوم الذي نزل فيه هؤلاءِ الضيوف يوم شديد الشر لا أستطيع احتمال ما يحدث فيه لضيوفى. 78 - {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ... } الآية. أَي ولمَّا علم القوم بوجود هؤلاء الضيوف الحسان عند لوط، جاءُوا إليه يسرعون الخُطا في لهفةٍ طلبًا للفاحشة، وتلهفهم على فعل الفاحشة لم يكن غريبا، فقد اعتادوا فعل المنكرات من قبل ذلك كما قال تعالى: {وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}: أَي ومن قبل مجىء الملائكة إِلى لوط كان قومه مستمرين على آرتكاب الآثام، دائمين على فعل الموبقات، فلا عجب إِذا طلبوا الفاحشة مع ضيفه علنا جهارا بغير مبالاة. {قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}: أي وحين أسرع قوم لوط إِلى طلب الفاحشة مع ضيوفه ناداهم قائلا: {يَا قَوْمِ} ليستميلهم ويرقق قلوبهم، واستمر في محاولة تليين قلوبهم وجذب عواطفهم عسى أَن يثوبوا إلى الرشاد، فعرض عليهم عرضا كريما بقوله: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}: أي فتزوجوا بهن، هن أَنظف وأَشرف لكم، وليس فيما دأبتم عليه من إِتيان الرجال شهوة من دون النساءِ شىءٌ من الطهر، فالنظافة والطهارة في التزوج بالنساءِ، والدنس والخبث في إِتيان الذُّكران من العالمين، قال الآلوسى: وكانوا يطلبون التزوج ببناته من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءَتهم، لا لعدم مشروعية زواج المؤمنات من الكفار فإنه كان جائزا، وقد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته زينب لأَبى العاص بن الربيع وكان مشركا قبل أَن ينزل تحريم ذلك إلى آخر ما قال، وقد ذكرنا هنا تلخيصه.

{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي}: أَي فاحفظوا أنفسكم من عذاب الله بترك ذلك الدنس، ولا تلحقوا بى الخزى والذل والعار بسبب إِهانة ضيفى، فإن إهانتهم إهانة لى. {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ}: أي ألا يوجد من بينكم رجل سديد الرأى رشيد العقل يأْمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ويقنعكم بترك الفاحشة أَو يمنعكم من ارتكابها وإِذا كان لا يوجد بينكم هذا الرجل الرشيد فذلك منكر تستحقون عليه شديد اللوم وبالغ التقريع. {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)} المفردات: {مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ}: المراد به هنا؛ ما لنا فيهن من حاجة ولا شهوة فعندنا نساؤنا. {آوِي}: ألجأُ. {رُكْنٍ شَدِيدٍ}: جانب قوى أَتقوى به وأَستند إليه وأعتمد عليه، وكل ما يتقوى به من ملك وجند وقوم يسمى ركنا. التفسير 79 - {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}: أَى قال قوم لوط معرضين عن قبول ما عرضه عليهم ونصحهم من التزوج ببناته: لقد عرفت يا لوط غرضنا وقصدنا، ليس لنا فى بناتك أَي حاجة نعتبرها هدفا لنا وغاية لمجيئنا، وإِنك يا لوط بدون شك وبلا ريب لتعرف قصدنا من المجىءِ وغايتنا من الإِسراع، وتدرك يقينا رغبتنا فيمن عندك. ولما يئس لوط - عليه السَّلام - من إِقناع قومه بترك ما هم عليه من الفساد. تمنى أَن تكون له قوة تردهم عن ضيوفه، وذلك ما حكاه الله بقوله:

80 - {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}. أي قال لوط - عليه السلام - لو أن لي طاقة وقدرة تنهض بردعكم, أو أن لي جانبًا قويا استند إليه. واستنصر به عليكم لردعتكم عن غيكم، وحفظت كرامتى وصنت ضيفي من الاعتداء عليهم وإيذائهم. وقال لوط ذلك لأنه لم يكن في منعة من قومه، وقد أرسل إِلى أهل "سدوم" وهى قرية عند حمص. وقد استغرب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم مقالة لوط، فقد جاءَ فيما رواه البخاري عن النبىِّ صلىّ الله عليه وسلم قال: "رَحِمَ الله أخِى لُوطا كَانَ يَأوِى الَى ركنٍ شَدِيدٍ". يقصد صلى الله عليه وسلم أَنه كان يلجأ إلى الله تعالى فإِنه - لا ركن أشدّ منه، ولكنّه لهول المفاجأة وشدة الكرب قال ما قال وهو يعلم أَنه لا ركن أَشد من الله تعالى. {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)} المفردات: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}: فَسِرْ بهم ليلا. {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ}: في جزء منه. {مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ}: أَي موعد عقابهم الصبح.

التفسير 81 - {قَالُوا يَا لُوطُ ... } الآية. أَي لمَّا رأت الملائكة ما استولى على "لوط" من الكرب قالوا له مطمئنين: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ}: أي إنَّا رسل من عند ربِّك جئنا لإِهلاك قومك وتطهير الأرض من دنسهم. {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ}: أي لن يصل إِليك هؤلاء الآثمون بضرر في نفسك ولا في ضيفك. {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ}: أي فاخرج بأَهلك في جزء من الليل. {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ}: أي ولا تنظر أَنت ولا تترك أحدا من أَهلك ينظر إلى الوراءِ أثناء سيركم، لئلا يرى هول ما نزل بقومهم. فيحصل لهم كرب قد لا يطيقه, لكن امرأتك لا تخرج بها مع أهلك واتركها مع قومك، فإنها خانتك بِممَالأتهم عليك، ونفاقها في الإيمان بالله، وإفشائها أَسرارك إِلى قومها، فدعها معهم ليصيبها ما يصيبهم من عقاب أليم، ثم علل الأمر بالإِسراء بأهله والنهي عن الالتفات بقوله سبحانه: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ}: إي فأسرع السير بأهلك تحت جنح الظلام كى تبتعد عن مواقع العذاب الذي تحدد الصبح وقتا لنزوله. {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}: أي إِن موعد هلاكهم الصبح وهو وقت قريب جدا، وكان الصبح ميقاتا لهلاكهم لأنه وقت الدعة والراحة والهدوء، فيكون نزول العذاب بهم فيه أَشدَّ. {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)} المفردات: {أَمْرُنَا}: أي عذابنا أو الأمر به، وهو على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر. {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}: أي قلبناها فصار أَعلاها إِلى أَسفل وأَسفلها إلى أَعلى. {سِجِّيلٍ}: طين قد تحجر، (مَنضُودٍ): متتابع بعضه إِثر بعض. {مُسَوَّمَةً}: معلمة بعلامات تميزها عن غيرها.

التفسير 82 - {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ}: أي فلما جاء الوقت الذي أمرنا بموقع العذاب فيه - وهو الصبح - أو جاء العذاب الذي قدرنا نزوله بهم في الصبح, جعلنا ما كان عاليا من مباني القري والمدن سافلا. وأنزلنا على أهل تلك القرى مطرًا من حجارة من طين تحجر - هذه الحجارة أنزلناها على هذه القرى متتابعة بعضها إِثر بعض كتتابع المطر النازل من السماء. 83 - {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ... } الآية. أي هذه الحجارة التي أمطروا بها من السماء كانت معلمة ومميَّزة عند ربك بما يدل على أَنها ليست من حجارة الأرض وأنه - سبحانه - أعدّها لعذاب هؤلاء. {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}: أَي وليست تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر ببعيدة من غيرهم من كل ظالم يأثَم إثمهم ويظلم ظلمهم. فلا تكون بعيدة عن الكفار من قومك يا محمد فليسيروا إلى تلك القرى وليعتبروا بما وقع فيها لعلهم يؤمنون.

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)} المفردات: {وَإِلَى مَدْيَنَ}: أي وإلى أهل مدين. (بِخَير): بسعة في الرزق والثروة. {عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}: المقصود من إحاطة اليوم بهم إحاطة عذابه بحيث لا ينجو منه أحد. {أَوْفُوا}: أتموا وأكملوا. {وَلَا تَبْخَسُوا}: ولا تنقصوا. {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}: ولا تمعنوا في الإفساد في الأرض قاصدين إضرار الخلق. {بَقِيَّتُ اللَّهِ}: ما ادخر عنده من ثواب الصالحات. {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}: وما أنا عليكم بمراقب لأعمالكم فذلك لله وحده أما أنا فناصح ومنذر. التفسير 84 - {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ... } الآية. وأرسلنا إلى أَهل مدين واحدًا منهم نسبًا هو شعيب - عليه السلام - وكانوا أهل كفر جشعين يبخسون المكيال والميزان، ولا يوفون الحقوق ولا يحفظون الأمانات.

{قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}: ناداهم متحببًا إليهم بقوله: {يَا قَوْمِ}: أي يا عشيرتي أنا منكم وأنتم مني والرائد لا يكذب أهله. {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}: بعد أن جذبهم إِليه بهذا النداء بدأهم بالدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة لأنه هو الإله وحده، فلا يستحق العبادة سواه، ولقد جرت سنة الأنبياء في دعوة أقوامهم أن يبدأوا بالدعوة إلى التوحيد لأنه أصل الإيمان، وبه صلاح الأمر كله، وهو الأساس الأول، ثم يتبعون ذلك الدعوة إلى ترك ما هم عليه من النقائص والعيوب الظاهرة، لذا عقب شعيب - عليه السلام - دعوتهم إلى التوحيد بالنهي عن نقص المكيال والميزان لأنه أعظم عيب تفشى في قومه فقال: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ}: أي ولا تنقصوهما إذا بعتم للناس إذْ لا يليق بكم أن تخونوا في معاملاتكم بعضكم مع بعض وأن تستحلوا ما تأخذونه من الناس عن طريق النقص في المكيال والميزان، فالحق أحق أن يتبع. {إنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ}: إنى أراكم في سعة من الرزق والمال والولد فيجب أن تقابل هذه النعم بإعطاء الحقوق لا بالإصرار على الشرّ والفساد وسلب حقوق العباد؛ فيسلبكم الله نِعَمَه. {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}: أي وإنى أشفق عليكم وأَخشى إن يحل بكم عذابُ يومٍ يهلككم جميعا في الدنيا ويحيط بكم في الآخرة {وَإِنَّ جَهنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِين} (¬1). 85 - {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ}: كرر النداء بقوله: {يَا قَوْمِ} حين أمرهم ثانيًا بإتمام الكيل والوزن بالعدل من غير زيادة ولا نقصان حرصا منه على مصلحتهم ونفعهم. فهم قومه وعشيرته. ثم عقب أمرهم بإيفاء الكيل والميزان بقوله: ¬

_ (¬1) سورة الحِجْر، الآية: 43

{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}: يريد بذلك إما نهيهم عن أن ينقصوا الناس حقوقهم في جميع أمورهم بصفة عامة، حسية كانت أو معنوية، وإِما تأكيد أمره لهم بالإيفاء بالمكيال والميزان بالقسط خاصة بالنهي عن نقصهم الناس حقهم في الإيفاء بهما. والمعنى على الأول: ولا تنقصوا الناس أمورهم في أموالهم وأعراضهم وعقارهم ومنقولهم، وزرعهم وضرعم، وبيعهم وشرائهم، وغير ذلك مما عز وهان. والمعنى على الثاني: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في بيعهم وشرائهم، بعدم إتمامكم المكيال والميزان لهم. ثم عقب نهيهم عن بخس الناس أشياءهم بقوله: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}: والعُثُوُّ في الأرض؛ الإفساد فيها،. وقد يحدث لغرض الإصلاح كحرب البغاة والمرتدين وقُطَّاع الطريق، وكقتل صاحب موسى للغلام وخرقه للسفينة، وهذا وإِن كان ظاهرهُ الإفساد فهو جائز للضرورة وقد يكون لغرض الإفساد والإصرار بالخلق وهذا هو المذموم والمنهى عنه. والعثو المذموم يعلم جميع أنواع الإفساد والعدوان كقطع الطريق وتهديد الأمن وقطع الشجر وقتل الحيوان وغير ذلك، وقد كانوا يصدون الناس عن اتباع شعيب - عليه السلام - والإيمان به وينشرون الفساد في الأرض قال تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} (¬1). وقيل: معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين أَمر آخرتكم ومصالح دينكم. ثم زهدهم في تلك الأفعال القبيحة وأرشدهم إلى ما هو خير وصلاح فقال: 86 - {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: أي ما أبقاه الله لكم من خيرى الدنيا والآخرة بعد إيفاء الكيل والوزن والتنزه عن المحرمات خير لكم وأَنفع من الكسب الحرام وإن كثر, إن كنتم مصدقين بما شرعه الله لكم ¬

_ (¬1) سورة الأعراف من الآية: 86

على لسان شُعيب - عليه السلاء - لأن الإيمان يستتبع خير الجزاء، فضلا عن أنه يطهر النفس من دناءة الطمع وسائر الخبائث ويحلِّيها بالقناعة وسائر الفضائل، ثم أثار فيهم الوازع النفسي بقوله: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}: ولست عليكم بالحفيظ الذي يملك منعكم من الوقوع في المحرمات، أو معناه: لست أَحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها وإنما أنا ناصح لكم ومبلِّغ {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} (¬1). وقد بذلت الجهد وأَعذرت إذ أنذرت. {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} المفردات: {الْحَلِيمُ}: المتأفي الضابط لنفسه الذي لا يتعجل في الأمور مع القدرة والقوة. {الرَّشِيدُ}: المتصف بحسن التدبير ودقة التقدير. التفسير 87 - {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا}: أي قال قوم شُعيب - ساخرين مستهزئين - ردًّا على دعوته إياهم إلى التوحيد والعدل في المعاملات أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا من الأوثان التي توارثنا عبادتها عن آبائنا، إننا ننكر عليك ذلك ولن نترك عبادتها، وإِنما خصُّوا الصَّلاة بالإنكار دون سائر أحكام النبوة التي دعاهم اليها لأنه كان كثير الصلاة معروفًا بذلك، ولأنهم يغمزونه في صلاته بأنها وسوسة خاصر، وليست وحيًا من السماء، وينكرون بهذا التهكم كل ما دعاهم إِليه من عبادة الله وحده وسائر الفضائل. {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}: هذا جواب منهم عن أمره - عليه السلام - لهم بإيفاء الكيل والوزن مبنى أيضًا على السخرية بما يأمرهم به. ¬

_ (¬1) سورة المائدة من الآية: 99

والمعنى: أصلاتك يا شعيب تأمرك أن نترك عبادة أوثاننا أو أن ندع التصرف في أموالنا حسبما نريد من الزيادة والنقصان، والأخذ والعطاء على النحو الذي تعودناه مع الناس، أتريدنا إن نسير في تجارتنا وشئون أَموالنا على هواك الذي زعمت أنه شرع الله، وهذا الجواب منهم شأن المتكبرين عن اتباع الحق في كل أمة فإنهم لا يجدون جوابا سوى التمسك بما ورثوه عن الآباء والأجداد فهو الذي يعميهم - عن الحق فلا يبصرونه، {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} (¬1)، ثم قالوا مبالغين في السخرية والاستهزاء: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}: أي إنك لأنت الذي - توصف بيننا بالتأني والتريث في معالجة الأُمور، فأين هذه الأوصاف مما تدعوننا إليه، يريدون بذلك تجريده من صفتى الحلم والرشد، بدعوى أن ما دعاهم إليه لا يصدر عن حليم رشيد. {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)} المفردات: {أَرَأَيْتُمْ}: أخبروني. {بَيِّنَةٍ}: حجة واضحة. {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا}: ومنحنى من لدنه النبوة والحكمة وغمرني بنعمه الكثيرة. {أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}: أَن أخالفكم إلى فعل ما نهيتكم عنه. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: وإلى الله أرجع. ¬

_ (¬1) سورة الصافات الآيتان: 69، 70

التفسير 88 - {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا}: في هذه الآية رد شعيب - عليه السلام - عليهم في رفقٍ ولينٍ بقوله: يا عشيرتي وأهلى أخبروني: إِن كنت على حجة واضحة وبينة - ظاهرة من لدن ربي وقد رزقنى منة رزقا حسنا هو النبوة والحكمة، وهما مناط الحياة الأبدية لى ولكم، وكذلك المال الوفير، أَفتجعلوننى في زمرة السفهاء والغواة، حينما دعوتكم إِلى توحيد الله وإيفاء الكيل والميزان. {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}: وما أقصد بدعوتي هذه أن أورطكم فيما دعوتكم اليه لكي أخالفكم إِلى فعل ما نهيتكم عنه بعد أن تستجيبوا لدعوتي فأنا أَسبق منكم إلى ما دعوتكم إليه. {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ}: ما أريد بوعظى وتذكيرى لكم إلا إصلاح حاكم في دنياكم وأَخراكم بقدر جهدى واستطاعتى. {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}: وما توفيقي في التمسك بالحق وحملكم عليه إلا بفضل الله ومعونته. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: عليه وحده اعتمدت في تبليغ الرسالة وأداءَ الأمانَة. وإِليه تعالى - وحده أرجع في كل ما يهمنِى من أمور وشئون - فلا حول لى ولا قوة إِلا بالله فيما أفعل وأقول، وإنما الحول والطول لله وحده فهو الذي يرشدني ويسدّد خطاي, وهو الذي يجازينى على أعمالى فلا أخاف أحدًا سواه. {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)} المفردات: {لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ ... } الخ: أي لا تكسبنكم مشاقتى ومعاداتي عقوبة مثل عقوبة الأمم السابقه. (رَحِيم): واسع الرحمة. (وَدُود): كثير الودّ والمحبة والعطف.

التفسير 89 - {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ}: أي وقال شُعيب لقومه على طريقته في التلطف في خطابهم، حرصا منه على هدايتهم: يا قوم لا يكسبنكم شقاقى ومعاداتي أن يصيبكم بسبب ذلك مثل ما أصاب الأمم التي كذبت رسلها من قبل كقوم نوح، فقد أَهلكهم الله بالطوفان، وما أصاب عادا حين كذبوا هودا، فقد أَهلكم الله بريح صرصرٍ عاتية، وما أصاب ثمود حينما كذبوا صالحا فأهلكم الله بالصيحة والرجفة لإصرارهم على الكفر والفساد. {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ}: وإِن لم تعتبروا بهؤلاء المذكورين فما قوم لوط ببعيدين منكم، فقد عوقبوا بقلب ديارهم، وأمطر الله عليهم حجارةً من سجيل، وقد رأتم ديارهم وما أصابها، فاعتبروا بحالهم واحذروا أن يحل بكم من العذاب ما حل بهم وهذه سنة الله فيمن كذب رسله ولن تجدوا لسنة الله تبديلا. ولما أنذرهم سوء عاقبة صنعهم أرشدهم إلى طريق النجاة طمعا في استجابتهم فقال: 90 - {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}: أَي واتعظوا بما وقع لهؤلاء واطلبوا مغفرة ربكم لما وقعتم فيه من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالإيمان والطاعة ولا تيئسوا من عفو الله ورحمته، لأن ربي وربكم واسع الرحمة كثير الود والمحبة والعطف فيرضى عمن يتوب ويرجع إليه، فسارعوا إِلى ما يستوجب رحمته ومحبته.

{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)} المفردات: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ}: ما نفهم مرادك، والفقه: الفهم الدقيق المؤثر في النفس. {رَهْطُكَ}: الرهط الجماعة من الرجال خاصة من ثلاثة إلى تسعة، ورهط الرجل قومه وقبيلته. {بِعَزِيزٍ}: بصاحب قوة ومنعة. {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا}: تركتموه وراء ظهوركم. والمراد أعرضتم عنه ونسيتموه. {مُحِيطٌ}: أحاط علمه بكل شىءٍ وأحصاه فلا يخفي عليه شيء من أعمالهم. {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُم}: اعملوا على غاية تمكنكم واستطاعتكم. {وَارْتَقِبُوا}: وانتظروا عاقبة ما أَقول. التفسير 91 - {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ}: دعاء شعيب قومه متلطفا في دعوتهم إلى الإيمان والاستغفار والتوبة فأجابوه في جفاء واستعلاء قائلين: ما شعيب ما نفهم كثيرًا من قولك، ولا نعلم حقيقة ما تقصد إليه

من دعوتنا إلى ترك عبادة الأوثان ومنعنا من التصرف في أموالنا، وتهديدك إيانا بعذاب يحيط بنا ويبيدنا، أجابوه بذلك مع وضوح حجته وقوه برهانه وظهور مراده، واشتمال كلامه على فنون الحكم والمواعظ، وأَنواع العلوم والمعارف، ولما عجزوا عن محاجته هددوه باستعمال القوة حين قالوا: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا}: أَي وإنا لنشاهد ضعفك بيننا، ونعلم أن لا قدرة لك على شيء، ولا تستطيع أن تمتنع عنا إن أَردنا أَن نفتك بك. {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}: ولولا احترامنا لعشيرتك وأَهلك الذين ثبتوا على ديننا، ولم يؤثروك علينا، ولولا رهطك هؤلاء لقتلناك رجما بالحجارة. {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}: أي ولست عندنا قويًّا منيعا تستطيع أن تدفع ما نريده بك أو تحول بيننا وبين قتلك وإهلاكك. وما يمنعنا عنك إلا أننا نُقَدِّر رهطك وعشيرتك ونحترمهم ونعزهم، ونسي هؤلاء الغافلون قوته وعزته برب العالمين، فلهذا وبَّخهم شُعيب على غفلتهم هذه - كما حكاه الله عنه بقوله: 92 - {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ}: قال لهم شُعيب ردا على هذا التهديد والاستهزاء: أَعشيرتى وأهلى يا قوم أَعزُّ وأكرم عليكم من الله ذى العزة والقدرة، وقد دعوتكم بأمره إلى ما يصلح شئونكم في الدنيا والآخرة فاعرضتم عنه. {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا}: أَي ونبذتم أَمره وتركتموه وانصرفتم عنه كالشىء المهمل وراء الظهر فلا يلتفت إليه لعدم الاعتداد به. {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}: أَي إن ربي لا يخفى عليه شيءٌ من أموركم فعلمه محيط بجميع أعمالكم وأقوالكم،

وسيجازيكم عليها يوم القيامة حيث لا تغنى قوتكم عنكم شيئا، وهذا تهديد بليغ ووعيد شديد بالعذاب الأليم إن أصروا على الكفر والعناد. 93 - {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ}: وقال لهم مهددًا أيضا: يا قوم اعملوا ما شئتم بقدر استطاعتكم وتمكنكم، وابذلوا جهدكم في مضارتي، فإن ذلك لا يصدني عن الدعوة إلى الله. ثم أكد ذلك بقوله: {إِنِّي عَامِلٌ}: أي إِني سأعمل بقدر استطاعتى وجهدى في الطريق الذي أمرني الله بالسير فيه دون أَن أخشى تهديدكم ووعيدكم. {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ}: أي سوف تعلمون علم اليقين من سيحيق به العذاب المذل المهين جزاءَ ضلاله ومن هو كاذب منا - أنا أم أنتم - وفيه تعريض بكذبهم في ادعائهم القدرة على رجمه - عليه السلام - وفي نسبته إلى الضعف والهوان وأنهم لولا رهطه لرجموه. {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}: وانتظروا ما أتوعدكم به من العقاب على كفركم وعصيانكم إني معكم منتظر عاقبة أمركم، مراقب لها، وفي هذا أبلغ تهديد وأعظم وعيد لهم، وفيه إِظهار ثقة شعيب بنصر ربه وتأييده له. {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)} المفردات: {جَاثِمِينَ}: باركين على الركب من الجثوم، وهو للناس بمنزلة البروك للإبل. {يَغْنَوْا فِيهَا}: كأن لم يقيموا فيها، يقال غنى بالمكان يغني أي أقام به وعاش في نعمة

ورغدا, {بُعْدًا}: هلاكا, يقال: بَعِد بكسر العين يبْعَد بفتحها من باب طرب يطرب: بمعنى هلك, وأما بَعُد بالضم فمعناه ضد قرب. التفسير 94 - {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ... } الآية. بعد أن هددهم شعيب وأوعدهم جاءت هذه الآية تحقيقا لوعيده لهم. والمعنى: ولما جاءَ أمرنا بعذابهم نجينا رسولنا شعيبا والذين آمنوا به وصدقوه، واتبعوه بسبب رحمة منا عظيمة شاملة إذ وفقناهم للإيمان الصادق والطاعة الخالصة ففازوا بالنجاة من الهلاك. {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ}: أي وأخذت الصيحةُ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي من قوم شعيب. {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}: أي فأصبحوا من شدتها ميتين خامدين في أماكنهم, وهذه الصيحة هي التي عبر عنها في سورتي الأعراف والعنكبوت (بالرجفة) أَي الزلزلة ولعل الصيحة من روادف الرجفة، فإن الزلزلة تحدث تموجا في الهواء، يترتب عليه صفير وصباح، فلذا سميت بالصيحة، وقبل صاح بهم جبريل فهلكوا. 95 - {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}: أي كأنهم لم يقيموا في هذه الديار، ولم ينعموا بها ولم يتقلبوا في خيراتها وبركاتها، فقد ذهب ما كانوا يعتزون به، ولم يبق لهم إِلا ما قدموه لأنفسهم مما استحقوا به العذاب والإبعاد من رحمة الله. {أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}: أي ألا هلاكا لم كما هلك سابقوهم وهم ثمود قوم صالح، وإِنما شبه هلاكهم بهلاك ثمود لأن عذاب كليهما كان بالصيحة، قال ابن عباس: ما أَهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، غير أَن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أَخذتهم الصيحة من فوقهم اهـ. ويستفاد من قصة أهل مدين قوم شعيب ما يلي:

- أن نقص الكيل والوزن من الكبائر وتخشى منه العقوبة العاجلة وأنه من أكل أَموال الناس بالباطل. - وأن الصلاة مشروعة للأنبياء السابقين لقولهم لشعيب: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ} الآية. - وأَن من كمال الداعى المبادرة إِلى فعل الخير قبل أن يدعو غيره إِليه. - وأن وظيفة الرسل الإصلاح بقدر الاستطاعة. - وأن العبد يجب عليه أن يتكل على ربه بعد الأخذ بالأسباب ويسأله التوفيق وأن يرجع إليه في كل أموره على الدوام. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)} المفردات: {آيَاتِنَا}: هي الآيات التسع التي أَعطاها الله لموسى عليه السلام معجزة دالة على صدقه. {وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ}: حجة بالغة لها سلطان بيِّن على العقول السليمة. {مَلَئِهِ}: أي رؤساء قومه وزعمائهم، وسموا ملأ لأنهم يملئون العيون بوجاهتهم. {يَقْدُمُ قَوْمَهُ}: يتقدمهم ويقودهم إِلى النار. {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ}: أي تسبب في دخولهم النار. {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}: أي وبئس المكان الذي يردونه - النار. {وبِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ}: بئست اللعنة المعطاة لهم في الدارين عطاؤهم.

التفسير 96 - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ}: بعد أَن بينت الآيات السابقة سوء عاقبة المكذبين من قوم شعيب جاءت هذه الآية وما بعدها لبيان ما آل إِليه أمر المكذبين لموسى من فرعون وملئه تأكيدا للغرض من سوق هذه القصص وهو العظة والاعتبار. والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالآيات التسع وهى العصا واليد يخرجها من جيبه بيضاء من غير سوءٍ، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الأنفس والثمرات وأيدناه بالحجج البينة التي أقامها على فرعون وقومه أثناة دعوته إياهم إلى الإيمان حين قال له فرعون: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى}. وقول: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى}. ونحو ذلك حيث بين لهم الحقائق الإلهية والشريعة التي بعث بها بيانًا لا سبيل إلى رده كقوله له: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}. وقوله عن القرون الأُولى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}. (¬1) إِلى غير ذلك مما حاج به موسى فرعون وقومه. 97 - {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ}: أي أَرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون ورؤساء قومه فانقادوا لأمر فرعون لهم بالكفر بما جاء به موسى من عند الله، وأعرضوا عن الآيات الواضحه والأدلة الباهرة. {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}: أي وما أمرهم به فرعون بصائب وسديد حتى يتبعوه ويتركوا الحق المبين {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (¬2). وقد بين الله مصير فرعون وقومه في الآخرة فقالَ: ¬

_ (¬1) سورة طه الآيات: 49 - 52 (¬2) سورة الزخرف من الآية: 54

98 - {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}: أي إن فرعون كما كان قدوة للكفار من قومه جميعًا في الضلال في دار الدنيا, كذلك بتقدمهم إِلى النار يوم القيامة وهم يتبعونه. وأَصل الورد لغة: الماء الذي يرده الناس ليرتووا منه ويطفئوا به ظمأهم، وقد دلت الآية على فساد رأى فرعون وسوء حاله حيث قادهم إِلى النار وبئس الورد الذي يردونه لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك، ولو أنه قادهم إِلى الحق لنجَّى نفسه وقومه، ولكن صدق الله إذ يقول: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}. وأنما عبر بالماضى في قوله: {فَأَوْرَ