السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الخطيب الشربيني
مقدمة
مقدمة الحمد لله، الملك السلام، المهيمن العلام، شارع الأحكام، ذي الجلال والإكرام، الذي أنزل القرآن بحسب المصالح منجماً، وجعله بالتحميد مفتتحاً وبالاستعاذة مختتماً، وأوحاه على قسمين: متشابهاً ومحكماً، فسبحان من استأثر بالأوّلية والقدم ووسم كل شيء سواء بالحدوث عن العدم ومنّ علينا بنبيّنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأنعم علينا بكتابه المفرّق بين الحلال والحرام، والصلاة والسلام على خير من أوحي إليه حبيب الله أبي القاسم محمد النبي الأميّ المثبّت بالعصمة المؤيّد بالحكمة، وعلى جميع الأنبياء والملائكة البررة الكرام، عدد ساعات الليالي والأيام، وعلى آله الأطهار وخلفائه وجميع المهاجرين والأنصار وعلى بقية الصحابة الأخيار، صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين آناء الليل وأطراف النهار. أما بعد: فيقول فقير رحمة ربه القريب محمد الشربيني الخطيب: إن الله جلّ ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين بشيراً للمؤمنين ونذيراً للمخالفين، أكمل به تبيان النبوّة وختم به ديوان الرسالة، وأنزل عليه بفضله كتاباً ساطعاً تبيانه قاطعاً برهانه، ناطقاً ببينات وحجج، قرآناً عربياً غير ذي عوج، مفتاحاً للمنافع الدينية والدنيوية، مصداقاً لما بين يديه من الكتب السماوية حسناته ظاهرة باهرة في وجه كل زمان، دائراً من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، أعجز الخليقة عن معارضته وعن الإتيان بسورة من مثله في مقابلته، ثم سهّل علة الخلق مع إعجازه تلاوته، ويسّر على الألسن قراءته، أمر فيه وزجر وبشّر وأنذر فهو كلام معجز في رقائق منطوقة ودقائق مفهومة، لا نهاية لأسرار علومه. وقد ألّف أئمة السلف كتباً
سورة فاتحة الكتاب
في معرفة أحكامه ونزوله كل على قدر فهمه، ومبلغ عمله، فشكر الله تعالى سعيهم ورحم كافتهم، ثم خطر لي أن أقتفي أثرهم وأسلك طريقتهم لعل الله أن يرزقني من مددهم ويعود عليّ من بركتهم فتردّدت في ذلك مدّة من الزمان خوفاً من الدخول في هذا الشأن لقوله صلى الله عليه وسلم «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» وقول سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «من قال في القرآن برأيه» وفي رواية بغير علم: «فليتبوّأ مقعده من النار» وقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه لما سئل عن قوله تعالى: {وفاكهة وأبا} (عيسى، 80) فقال: «أيّ سماء تظلني وأيّ أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا أعلم» إلى أن يسر الله تعالى لي زيارة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى سائر النبيِّين والآل والصحب أجمعين في أوّل عام تسعمائة واحد وستين، فاستخرت الله تعالى في حضرته بعد أن صليت ركعتين في روضته وسألته أن ييسر لي أمري فشرح الله سبحانه وتعالى لذلك صدري فلما رجعت من سفري واستمرّ ذلك الانشراح معي، وكتمت ذلك في سرّي، حتى قال لي شخص من أصحابي: رأيت في منامي إما النبيّ صلى الله عليه وسلم أو الشافعيّ يقول لي: قل لفلان يعمل تفسيراً على القرآن فعن قليل إلا وقد قرّرت في وظيفة مشيخة تفسير في البيمارستان ثم سألني بعد ذلك جماعة من أصحابي المخلصين وعلى اقتباس العلم مقبلين بعد أن رأوني فرغت من شرح «منهاج الطالبين» أن أجعل لهم تفسيراً وسطاً بين الطويل الممل والقصير المخل، فأجبتهم إلى ذلك ممتثلاً وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إنّ رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً» واقتداءً بالماضين من السلف في تدوين العلم إبقاءً على الخلف، وليس على ما فعلوه مزيد، ولكن لا بدّ في كل زمان من تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجدّ والجهد، تنبيهاً للمتوقفين، وتحريضاً للمتثبطين، وليكون ذلك عوناً لي وللقاصرين مثلي، مقتصراً فيه على أرجح الأقوال وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، وحيث ذكرت فيه شيئاً من القراءات فهو من السبع المشهورات، وقد أذكر بعض أقوال وأعاريب لقوّة مداركها أو لورودها ولكن بصيغة قيل ليعلم أن المرضي أوّلها وسميته «السراج المنير» في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، وأسأله من فضله وإحسانه أن يجعله عملاً مقروناً بالإخلاص والقبول والإقبال وفعلاً متقبلاً مرضياً زكياً يعدّ من صالح الأعمال، وقد تلقّيت التفسير بحمد الله من تفاسير متعدّدة رواية ودراية عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، واشتهرت وانتشرت مآثرهم، جمعني الله وإياهم والمسلمين في مستقر رحمته بمحمد وآله وصحابته. وها أنا الآن أشرع وبحسن توفيقه أقول وهو الموفق لكل خير ومعطي كل مسؤول. سورة فاتحة الكتاب
وتسمّى أمّ القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه، ولذلك تسمى أساساً أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على الله تعالى، والتعبّد بأمره، ونهيه وبيان وعده ووعيده أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء، وسورة الكنز لأنها نزلت من كنز تحت العرش، والوافية والكافية لأنها وافية كافية في صحة الصلاة بخلاف غيرها عند القدرة عليها، والشافية والشفاء لقوله عليه الصلاة والسلام: «هي شفاء لكل داء» والسبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق، لكن من عدّ البسملة آية منها جعل السابعة {صراط الذين} إلى آخرها، ومن لم يعدها آية منها جعل السابع {غير المغضوب عليهم} إلى آخرها، وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة أي تكرّر فيها بأن تقرأ في كل صلاة وفي كل ركعة وقول بعضهم تثنى في كل ركعة فيه تجوّز وهي مكية على قول الأكثر. وقال مجاهد: مدنية، وقيل: نزلت مرّتين مرّة بمكة حين فرضت الصلاة ومرّة بالمدينة حين حوّلت القبلة، ولذلك سميت مثاني. قال البغويّ: والأوّل أصح، وقال البيضاويّ: وقد صح: أنها مكية بقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} (الحجر، 87) وهو مكيّ بالنص، انتهى. وأراد بالنص السنة فقد ثبت ذلك عن ابن عباس وقول الصحابي في القرآن خصوصاً في النزول له حكم المرفوع والقرآن العظيم والنور والراقية وسورة الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسألة لاشتمالها على ذلك، وسورة المناجاة، وسورة التفويض وفاتحة القرآن وأمّ الكتاب وسورة الحمد الأولى وسورة الحمد القصوى وسورة السؤال والصلاة لخير: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى عليّ عبدي، يقول العبد: مالك يوم الدين، يقول الله: مجدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله عز وجل: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، يقول الله: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل» ، ولأنها جزؤها فهو من باب تسمية جزء الشيء باسم كله. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وقوله تعالى: {بسم الله} أي: الملك الأعظم الذي لا نعبد إلا إياه، {الرحمن} أي: الذي عمّ بنعمتي إيجاده وبيانه جميع خلقه أسفله وأعلاه أدناه وأقصاه {الرحيم} أي: الذي خص من بينهم أهل ودّه برضاه، آية من الفاتحة وعليه قرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك والشافعيّ وقيل: ليست منها وعليه قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤهما والأوزاعيّ ومالك. ويدلّ للأوّل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم «عدّ الفاتحة سبع آيات وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية منها» ، رواه البخاري في «تاريخه» ، وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أمّ القرآن وأمّ الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» وروى ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عدّ بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين إلى آخرها ست آيات» وآية من كل سورة إلا براءة لإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه أوائل السور
سوى براءة مع المبالغة في تجريد القرآن عن الأعشار وتراجم السور والتعوّذ حتى لم تكتب آمين فلو لم تكن قرآناً لما أجازوا ذلك لأنه يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً وأيضاً هي آية من القرآن في سورة النمل قطعاً، ثم إنا نراها مكرّرة بخط القرآن فوجب أن تكون منه كما أنّا لما رأينا قوله: {فبأيّ آلاء ربكما تكذبان} (الرحمن، الآيات: 13 ـ 16 ـ 18) وقوله: {ويل يومئذ للمكذبين} (المرسلات، 27) (المطففين، 10) مكرّراً في القرآن بخط واحد وبصورة واحدة، قلنا: إن الكل من القرآن. فإن قيل: لعلها ثبتت للفصل، أجيب: بأنه يلزم عليه اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً ولثبتت في أوّل براءة ولم تثبت في أوّل الفاتحة. فإن قيل: القرآن إنما يثبت بالتواتر، أجيب: بأنّ محله فيما ثبت قرآناً قطعاً أمّا ما يثبت قرآناً حكماً فيكفي فيه الظنّ كما يكفي في كل ظنّي خلافاً للقاضي أبي بكر الباقلاني، وأيضاً إثباتها في المصحف بخطه من غير نكير في معنى التواتر، وأيضاً قد يثبت التواتر عند قوم دون آخرين. فإن قلت: لو كانت قرآناً لكفر جاحدها، أجيب: بأنها لو لم تكن قرآناً لكفر مثبتها وأيضاً التكفير لا يكون بالظنيات وقد أوضحت ذلك مع زيادة في شرحي «التنبيه» و «المنهاج» ، أما براءة فليست البسملة آية منها بإجماع. فائدة: ما أثبت في المصحف الآن من أسماء السور والأعشار شيء ابتدعه الحجاج في زمنه. والباء في بسم الله متعلقة بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ لأنّ الذي يتلوه مقروء إذ كل فاعل يبدأ في فعله باسم الله يضمر ما يجعل التسمية مبدأ له كما أنّ المسافر إذا حل أو ارتحل فقال: بسم الله الرحمن الرحيم كان المعنى بسم الله أحل بسم الله أرتحل وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما يطابقه، وما يدل عليه ومن أن يضمر ابتدائي لما ذكرنا. فإن قيل: المصدر لا يعمل محذوفاً، أجيب: بأنه يتوسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما وتقديره مؤخراً كما قال الإمام الرازي أولى كما في {إياك نعبد وإياك نستعين} لأنه أهمّ وأدلّ على الاختصاص وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود فإنّ اسمه تعالى مقدّم ذاتاً لأنه قديم واجب الوجود لذاته فقدم ذكراً. فإن قيل: قال الله تعالى: {اقرأ بسم ربك} (العلق، 1) فقدم الفعل، أجيب: بأنه في مقام ابتداء القراءة وتعليمها لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهمّ باعتبار هذا العارض وإن كان ذكر الله تعالى أهمّ في نفسه، وذكرت أجوبة غير ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة، والباء للاستعانة أو للمصاحبة والملابسة على جهة التبرّك، والمعنى متبرّكاً بسم الله اقرأ، والثاني أولى لما فيه من التحاشي عن جعل اسمه تعالى آلة، والأحسن أن تكون لهما إعمالاً للفظ في معنييه الحقيقيين أو الحقيقيّ والمجازي عند من يجوّزه كإمامنا الشافعيّ، والبسملة وما بعدها إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد ليعلموا كيف يتبرّك باسمه ويحمد على نعمه ويسئل من فضله ويقدر في أوّل الفاتحة قولوا كما قال الجلال المحلى، ليكون ما قبل إياك نعبد مناسباً له بكونه من مقول العباد. فإن قيل: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون نحو واو العطف وفائه، أجيب: بأنها إنما كسرت للزومها الحرفية والجرّ ولتشابه حركتها عملها وحذفت الألف من بسم خطاً كما حذفت لفظاً دون باسم ربك وإن كان وضع الخط على حكم الابتداء دون الدرج لكثرة الاستعمال، وقالوا: طوّلت الباء تعويضاً من طرح الألف
وألحق بها {بسم الله مجراها ومرساها} (هود، 41) و {أنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم} (النحل، 30) وإن لم تكتب في القرآن إلا مرّة واحدة لشبهها لها صورة. فإن قيل: لم حذف في بسم الله دون الله والرحمن الرحيم؟ أجيب: خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف وخط العروضيين، ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم لغير الله ولا مع غير الباء. والاسم مشتق من السموّ وهو العلوّ لأنه رفعة للمسمى وشعار له فهو من الأسماء المحذوفة الإعجاز، كيد ودم، لكثرة الاستعمال وبنيت أوائلها على السكون وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل لتعذر الابتداء بالساكن ولأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرّك ويقفوا على الساكن، وقيل من الوسم، وهو العلامة فوزنه على الأوّل أفع محذوف اللام، وعلى الثاني أعل محذوف الفاء، وفيه عشر لغات نظمها بعضهم في بيت فقال: *سم وسما واسم بتثليث أوّل ... لهنّ سماء عاشر تمت انجلي* والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارّة ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدّد تارة ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون كذلك وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى، وقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} (الأعلى، 1) المراد به اللفظ لأنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب، أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر: *إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر* وإن أريد به الصفة كما هو رأي أبي الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة عنده إلى ما هو نفس المسمى كالواحد والقديم وإلى ما هو غيره كالخالق والرازق وإلى ما ليس هو ولا غيره كالعلم والقدرة فإنهما زائدان على الذات وليسا غير الذات لأنّ المراد بالغير ما ينفك عن الذات وهما لا ينفكان. فإن قيل: لم بدأ ببسم الله دون بالله، أجيب: بأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه وللفرق بين اليمين والتيمن. والله علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد وأصله إله، قال الرافعي: كإمام، ثم أدخلوا عليه الألف واللام ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام فصار اللاه بلامين متحرّكين ثم سكنت الأولى وأدغمت في الثانية للتسهيل، انتهى. والإله في الأصل يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق كما أنّ النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، والحق أنه أصل بنفسه غير مأخوذ من شيء بل وضع علماً ابتداءً فكما أنّ ذاته لا يحيط بها شيء ولا ترجع إلى شيء فكذا اسمه تعالى، وقيل: مأخوذ من أله إذا تحير، إذ العقول تتحير في معرفته، وقيل غير ذلك، وهو عربيّ عند الأكثر وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم وقد ذكره الله تعالى في ألفين وثلثمائة وستين موضعاً واختار النوويّ تبعاً لجماعة أنه الحيّ القيوم قال: ولذلك لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع في البقرة، وآل عمران، وطه. والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة اللازم أو بجعله لازماً ونقله إلى فعل بالضمّ. والرحمة لغة رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان، فالتفضل غايتها. وأسماء الله تعالى المأخوذة من نحو ذلك إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادي التي تكون إنفعالات فرحمة
الله تعالى إرادة إيصال الفضل والإحسان أو نفس إيصال ذلك فهي من صفات الذات على الأوّل ومن صفات الفعل على الثاني، والرحمن أبلغ من الرحيم لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى كما في قطع بالتخفيف وقطع بالتشديد. فإن قيل: حذر أبلغ من حاذر، أجيب: بأنّ ذلك أكثري لا كليّ، وبأنّ الكلام فيما إذا كان المتلاقيان في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغرث وغرثان لا كحذر وحاذر للاختلاف وقدم الله عليهما لأنه إسم ذات وهما إسما صفة، والرحمن على الرحيم لأنه خاص إذ لا يقال لغير الله بخلاف الرحيم، والخاص مقدّم على العامّ، وإنما قدم والقياس يقتضى الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: عالم نحرير لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره ولذلك رجح جماعة أنه علم ولأنه لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم كالتابع والتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف فليس من باب الترقي بل من باب التعميم والتكميل وللمحافظة على رؤوس الآي، وهل الرحمن مصروف أو لا؟ فيه قولان: مال السعد التفتازاني إلى جواز الأمرين لأنّ شرط منع صرف فعلان صفة وجود فعلى وشرط صرفه وجود فعلانة وكلاهما منتف هنا لكن أظهرهما أنه ممنوع الصرف إلحاقاً له بما هو الغالب من نظائره في الزيادة والوصف، والثاني أنه مصروف إلحاقاً له بالأصل في مطلق الاسم وهو الصرف، هذا مع أنّ المختار في منع صرف ما ذكر انتفاء فعلانة لا وجود فعلى، والحاصل أنه تعارض في صرفه وعدم صرفه الأصل والغالب. فإن قيل: هذا إذا لم تدخله ال، أجيب: بأنّ المختار أنّ غير المصروف إذ دخلت عليه ال والعلتان فيه باق على منع صرفه وإن جرّ بالكسرة. فوائد: الأولى: الوقف على الله قبيح للفصل بين التابع والمتبوع وعلى الرحمن كذلك وقيل: كاف وعلى الرحيم تام. الثانية: عدد حروف البسملة الرسمية تسعة عشر حرفاً وعدد ملائكة خزنة النار تسعة عشر قال ابن مسعود: من أراد أن ينجيه الله تعالى من الزبانية فليقلها ليجعل الله تعالى له بكل حرف جنة، أي: وقاية من واحد. الثالثة: قال النسفيّ في {تفسيره} قيل: الكتب المنزلة من السماء إلى الدنيا مائة وأربعة: صحف شيث ستون، وصحف إبراهيم ثلاثون وصحف موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وجميع كل الكتب مجموعة في الفاتحة ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة ومعانيها مجموعة في بائها ومعناها: بي كان ما كان وبي يكون ما يكون. زاد بعضهم ومعاني الباء في نقطتها وتخصيص التسمية بهذه الثلاثة التي هي الله والرحمن الرحيم ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في جميع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها فيتوجه العارف بجملته حرصاً ومحبة إلى جناب القدس ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستمداد به عن غيره. {الحمد} الحمد اللفظي لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على قصد التبجيل، أي: التعظيم، سواء أتعلق بالفضائل وهي النعم القاصرة أم بالفواضل وهي النعم المتعدّية فدخل في الثناء الحمد وغيره وخرج باللسان الثناء بغيره كالحمد النفسي وبالجميل الثناء باللسان على غير الجميل، إن قلنا برأي ابن عبد السلام أن الثناء حقيقة في الخير والشرّ، وإن قلنا برأي الجمهور وهو الظاهر أنه حقيقة في الخير فقط ففائدة
ذلك تحقيق الماهية أو دفع توهم إرادة الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه وبالاختياري المدح، فإنه يعمّ الاختياري وغيره، تقول: مدحت اللؤلؤة على حسنها دون حمدتها، وظاهر قول الزمخشريّ: الحمد والمدح أخوان أنهما مترادفان وبه صرّح في «الفائق» لكن الأوفق ما عليه الأكثر أنهما غير مترادفين بل متشابهان معنى أو اشتقاقاً كبيراً، والاشتقاق ثلاثة أقسام: كبير، وأكبر، وأصغر، وقد يعبر عنه بالصغير، فالكبير أن يشترك اللفظان في الحروف الأصول من غير ترتيب كالحمد والمدح، والأكبر أن يشتركا في أكثر الحروف الأصول كالفلق، والفلج، والفلذ، مع اتحاد في المعنى أو تناسب، والأصغر أن يشتركا في الحروف الأصول المترتبة كضرب والضرب وبعلى قصد التبجيل ما كان على قصد الاستهزاء والسخرية نحو قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) وتناول الظاهر والباطن إذ لو تجرّد الثناء على الجميل عن مطابقة الإعتقاد أو خالفه أفعال الجوارح، لم يكن حمداً بل تهكم أو تمليح، وهذا لا يقتضي دخول الجنان والأركان في التعريف لأنّ المطابقة وعدم المخالفة اعتبرا فيه شرطاً لا شطراً وعرفاً فعل ينبىء عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الحامد أو غيره سواء كان ذكراً باللسان أم اعتقاداً ومحبة بالجنان أم عملاً وخدمة بالأركان كما قيل: *أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا* فمورد اللغويّ: هو اللسان وحده ومتعلقه يعمّ النعمة وغيرها، ومورد العرفي يعمّ اللسان وغيره ومتعلقه يكون النعمة وحدها، فاللغويّ أعمّ باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد، والعرفي بالعكس، والشكر لغة: هو الحمد عرفاً وعرفاً صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله، والمدح لغة الثناء باللسان على الجميل مطلقاً على جهة التعظيم، وعرفاً ما يدلّ على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل، فالشكر أعمّ من الحمد والمدح من وجه لأنه لا يختص باللسان وأخص منهما من وجه آخر لأنه يختص بالثناء على الإنعام، وضدّ الحمد الذم، وضدّ الشكر الكفران، وضدّ المدح الهجو. وجملة الحمد لله خبرية لفظاً؛ إنشائية معنى، لحصول الحمد بالتكلم بها مع الإذعان لمدلولها، ويجوز أن تكون موضوعة شرعاً للإنشاء وقيل: خبرية لفظاً ومعنى، قال بعضهم: وهو التحقيق إذ ليس معنى كونها إنشائية لا أنها جملة إنشاء الحامد الثناء بها وذلك لا ينافي كونها خبرية معنى. ولام لله للملك أو الاستحقاق أو الاختصاص، وقيل: للتعليل والأولى أنها للاختصاص بالمعنى الأعمّ الصادق بالملك وبالاستحقاق، لا بالمعنى الأخص المقابل لهما وعلى كل فهي متعلقة بمحذوف هو الخبر حقيقة، فالحمد مختص بالله كما أفادته الجملة الاسمية سواء أجعلت لام التعريف فيه للإستغراق كما عليه الجمهور وهو ظاهر، أم للجنس كما عليه الزمخشري، لأنّ لام لله للإختصاص كما مرّ فلا فرد منه لغيره أم للعهد كالتي في قوله تعالى: {إذ هما في الغار} (التوبة، 40) كما نقله ابن عبد السلام وأجازه الواحديّ على معنى أن الحمد الذي حمد الله به نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه مختص به والعبرة بحمد من ذكر فلا فرد منه لغيره، وأولى الثلاثة الجنس، زاد بعضهم أو للكمال كما أفاده سيبويه في الداخلة على الصفات كالرحمن الرحيم، قال البيضاويّ: إذ الحمد
في الحقيقة كله له إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو بغير وسط كما قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} (النحل، 53) انتهى. فإن قيل: بل هو موليه مطلقاً بغير وسط، أجيب: بأن المراد بالوسط من تصل إليه النعمة أوّلاً ثم تنتقل منه إلى غيره لا أنه وسط في التأثير. فأن قيل: لم خص الحمد بالله ولم يقل الحمد للخالق أو نحو من بقية الصفات أجيب: بأن لا يتوهم اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف، قال البيضاوي: وفيه إشعار بأنه تعالى حيّ قادر مريد عالم إذ الحمد لا يستحقه إلا من كان هذا شأنه، {رب العالمين} أي: مالك جميع الخلق من الإنس والجنّ والملائكة والدوابّ وغيرهم، إذ كل منها يطلق عليه عالم، يقال: عالم الإنس وعالم الجنّ إلى غير ذلك، وسمي المالك بالرب لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً كقوله تعالى: {ارجع إلى ربك} (يوسف، 50) والعالمين اسم جمع عالم بفتح اللام وليس جمعاً له لأنّ العالم عامّ في العقلاء وغيرهم والعالمين مختص بالعقلاء والخاص لا يكون جمعاً لما هو أعم منه، قاله ابن مالك وتبعه ابن هشام في «توضيحه» ، وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمع ثم اختلفوا في تفسير العالم الذي جمع هذا الجمع فذهب أبو الحسن إلى أنه أصناف الخلق العقلاء وغيرهم وهو ظاهر كلام الجوهريّ، وذهب أبو عبيدة إلى أنه أصناف العقلاء فقط وهو الإنس والجن والملائكة وقيل: عنى به الناس ههنا فإن كل واحد منهم عالم من حيث أنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير ووجه اشتمال الصغير وهو الإنسان على نظائر ما في الكبير وهو ما سوى الله تعالى أنّ تفاصيله شبيهة بتفاصيل العالم الكبير، إذ الكبير ينقسم إلى ظاهر محسوس كالعالم الملك وهو ما ظهر للحواس وتكون بقدرة الله تعالى بعضه من بعض وتضمنه التغيير وإلى باطن معقول كعالم الملكوت وهو ما أوجده سبحانه وتعالى بالأمر الأزلي بلا تدريج وبقي على حالة واحدة من غير زيادة فيه ولا نقصان منه، وإلى عالم الجبروت وهو ما بين العالمين مما يشبه أن يكون في الظاهر من عالم الملك فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت، والإنسان كذلك ينقسم إلى ظاهر محسوس كاللحم والعظم والدم، وإلى باطن كالروح والعقل والإرادة والقدرة، وإلى ما هو مشابه لعالم الجبروت كالإدراكات الموجودة بالحواس والقوى الموجودة بأجزاء البدن. فإن قيل: لم جمع جمع قلة مع أنّ المقام يستدعي الإتيان بجميع الكثرة أجيب: بأنّ فيه تنبيهاً على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه تعالى. {الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة من أسمائه خمسة: الله، والرب، والرحمن، والرحيم، والمالك، والسبب فيه كأنه يقول: خلقتك أوّلاً فأنا الله ثم ربيتك بوجود النعمة، فأنا رب ثم عصيت فسترت عليك، فأنا رحمن ثم تبت عليك، فأنا رحيم، ثم لا بدّ من إيصال الجزاء إليك، فأنا مالك يوم الدين. فإن قيل: إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية ثم ذكرهما مرّة ثانية دون الأسماء الثلاثة الباقية، فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنّ الحكمة في ذلك كأنه قال تعالى: اذكر أني إله ورب مرّة واحدة واذكر أني رحمن رحيم مرّتين ليعلم أنّ العناية بالرحمة أكثر منه بسائر الأمور، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال: لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره، قوله تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} (غافر، 3) وقرأ عاصم والكسائيّ: مالك
بألف بعد الميم، ويعضده قوله تعالى: {لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذٍ} (الانفطار، 19) وقرأ الباقون بغير ألف، ويعضده قوله تعالى: {ملك الناس} (الناس، 2) وبينهما عموم مطلق فكل ملك مالك ولا عكس لعموم ولاية الملك التزاماً لا مطابقة ولا يقدح فيها أن تقول مالك الدواب والأنعام والوحوش والطير دون ملكها لأنّ ذلك ليس من جهة عدم شمول حياطته لذلك، بل من جهة أنه إنما يضاف عرفاً إلى ما فيه انقياد وامتثال وينفذ فيه التصرف بالأمر والنهي، قاله السعد التفتازاني، وقيل: هما بمعنى وهو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر على ذلك إلا الله ويوم الدين يوم الجزاء ومنه قولهم كما تدين تدان وهو يوم القيامة وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى {لمن الملك اليوم} (غافر، 16) . فإن قيل: إضافة اسم الفاعل غير حقيقية فلا تكون معطية معنى التعريف فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟ أجيب: بأنها إنما تكون غير حقيقية إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال فكان في تقدير الانفصال كقولك: مالك الساعة أو غداً فأما إذا قصد به معنى الاستمرار: أي هو موصوف بذلك دائماً فتكون الإضافة حقيقية كغافر الذنب فصح وقوعه صفة للمعرفة. فإن قيل: التقييد بيوم الدين ينافي الاستمرار لكونه صريحاً في الاستقبال، أجيب: بأنّ معناه الثبوت والاستمرار من غير اعتبار حدوث في أحد الأزمنة ومثل هذا المعنى لا يمتنع أن يعتبر بالنسبة إلى يوم الدين كأنه قيل: هو ثابت المالكية في يوم الدين أو المراد أنه جعل يوم الدين لتحقق وقوعه بمنزلة الواقع فتستمرّ مالكيته في جميع الأزمنة. تنبيه: إجراء هذه الأوصاف على الله تعالى من كونه رباً للعالمين موجداً لهم منعماً عليهم بالنعم، كلها ظاهرها وباطنها عاجلها وآجلها مالكاً لأمورهم يوم الثواب والعقاب للدلالة على أنه تعالى الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له. {س1ش5/ش7 إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّآلِّينَ} {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة، 5 7) إيا ضمير منصوب منفصل وما يلحقه من الياء والكاف والهاء حروف زيدت لبيان التكلم والخطاب والغيبة لا محل لها من الإعراب وفيه أقوال أخر ذكرتها في «شرح القطر» . فإن قيل: لم كرر ضمير إياك؟ أجيب: بأنه كرر للتنصيص على أنه المستعان به لا غيره. فإن قيل: لم قدّمت العبادة على الاستعانة، أجيب: لتتوافق رؤوس الآي وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة وأيضاً لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحاً واعترافاً منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله: {وإياك نستعين} ليدل على أنّ العبادة أيضاً مما لا تتم ولا تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق. فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ أجيب: بأنّ عادة العرب التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تحسيناً للكلام وتنشيطاً للسامع فيكون أكثر إسغاءً للكلام فتعدل من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما فهذه أقسام أربعة ذكرها البيضاوي والتحقيق كما قاله بعض المتأخرين: أنها ستة لأنّ الملتفت إليه إثنان وكل منهما إمّا غيبة أو خطاب أو تكلم، من ذلك قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} (يونس، 22) الأصل بكم فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة وقوله تعالى: {وا الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه} (الروم، 48) الأصل فساقه فهو
التفات من الغيبة إلى التكلم. والاستعانة طلب معونة وهي: إمّا ضرورية أو غير ضرورية، فالضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوّره وحصول آلة ومادّة يفعل بها فيها وعند استجماع ذلك يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل، وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي أو يقرّب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف غالباً وقد يتوقف كأكثر الواجبات المالية. فإن قيل: لم أطلقت الاستعانة؟ أجيب: بأنها إنما أطلقت لأجل أنها تتناول المعونة في المهمات كلها أو في أداء العبادات واستحسن هذا الزمخشريّ قال: لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض. تنبيه: الضمير المستكن في نعبد ونستعين للقارىء ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة أو له ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعل عبادته تقبل ببركة عبادتهم وحاجته يجاب إليها ببركة حاجتهم ولهذا شرعت الجماعة في الصلاة. فإن قيل: لم قدم المفعول؟ أجيب: بأنّ تقديمه للتعظيم والاهتمام به والدلالة على الحصر، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرك وتقديم ما هو مقدّم في الوجود والتنبيه على أنّ العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات ومنه إلى العبادة لا من حيث أنها عبادة صدرت عنه بل من حيث أنها نسبة شريفة إليه ووصلة بينه وبين الحق فإنّ العارف إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى أنه لا يلاحظ نفسه ولا حالاً من أحوالها إلا من حيث أنها ملاحظة له ومنتسبة إليه ولذلك فضل ما حكي عن حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: {لا تحزن إنّ الله معنا} (التوبة، 40) على ما حكاه عن كليمه موسى صلى الله عليه وسلم حيث قال: {إن معي ربي سيهدين} (الشعراء، 62) لأنّ الأوّل قدّم ذكر الله تعالى على المعية والثاني بالعكس. {اهدنا الصراط المستقيم} بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم فقالوا: اهدنا والهداية الدلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير. فإن قيل: قال الله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} (الصافات، 23) أجيب: بأنه وارد على التهكم. تنبيه: هدى أصله أن يتعدّى باللام أو بإلى كقوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء، 9) {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الأعراف، 175) فعومل معاملة اختار في قوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا} (الأعراف، 155) وقد يتعدى بنفسه كما هنا وهو حينئذٍ محتمل لإضمار الحرف ولعدم إضماره وهداية الله تعالى تتنوّع أنواعاً لا يحصيها عدد كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم، 34) (النحل، 18) ولكنها تنحصر في أجناس مرتبة، الأوّل: إفاضة القوى التي يتمكن بها المؤمن من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة والثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد، وإليه أشار تعالى حيث قال: {وهديناه النجدين} (البلد، 10) أي طريق الخير والشر وقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} (فصلت، 17) والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} (الأنبياء، 73) وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء، 9) والرابع: أن يكشف لقلوبهم السرائر ويريهم الأشياء
كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى تعالى بقوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (الأنعام، 90) وقوله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} (العنكبوت، 69) . فإن قيل: ما معنى طلب الهداية وهم مهتدون؟ أجيب: بأنهم طلبوا زيادة ما منحوه من الهدى والثبات عليه كقوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} (محمد، 17) والصراط من قلب السين صاداً ليطابق الطاء في الإطباق وقد تشمّ الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه، قرأ حمزة الصراط المعرف في هذه السورة بالإشمام وهو أن ينطق القارىء بحرف متولد بين الصاد والزاي، وأشمّ خلف صراط الثاني كالأوّل وكذا جميع ما في القرآن من معرف ومنكر، وقرأ قنبل جميع ما في القرآن بالسين، وقرأ الباقون بالصاد الخالصة في الجميع، وهذه لغة قريش وهي الثابتة في الإمام وهو مصحف سيدنا عثمان رضي الله عنه تعالى والمستقيم المستوي، والمراد به طريق الحق، وقيل: ملة الاسلام، وهذان القولان مرويان عن ابن عباس وهما متحدان صدقاً وإن اختلفا مفهوماً. {صراط الذين أنعمت عليهم} بالهداية بدل من الأوّل بدل كل من كل والعامل فيه مقدّر على رأي الجمهور، وقيل: العامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو ظاهر مذهب سيبويه، واختاره ابن لك. فإن قيل: ما فائدة ذكر صراط الذين أنعمت عليهم بدلاً تابعاً؟ وهلا اقتصر عليه مع أنه المقصود بالنسبة؟ أجيب: بأنّ فائدته التوكيد والتنصيص على أنّ طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه لأنه جعل كالتفسير والبيان له فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه إنّ الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين وهذا هو الموافق لما خرّج ابن جرير عن ابن عباس، إن المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة والصدّيقون والشهداء ومن أطاعه وعبده وقيل: الذين أنعمت عليهم الأنبياء خاصة صلوات الله وسلامه عليهم، وقيل: أصحاب موسى وعيسى قبل التحريف والنسخ. تنبيه: أطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأنّ من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه ويبدل من الذين بصلته. {غير المغضوب عليهم} وهم اليهود، لقوله تعالى: {فيهم من لعنه الله وغضب عليه} (المائدة، 60) {ولا} أي: وغير {الضالين} وهم النصارى، لقوله تعالى: {قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا} (المائدة، 77) الآية، ونكتة البدل إفادة أنّ المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى وقيل: إنّ غير صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله تعالى والضلال، وقيل: المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون، وذلك لأنه تعالى بدأ في أوّل البقرة بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات ثم أتبعه بذكر الكفار وهو المراد من قوله تعالى: {إنّ الذين كفروا} (البقرة، 6) ثم أتبعهم بذكر المنافقين وهو قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا با} (البقرة، 8) إلخ.. وكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله: {أنعمت عليهم} ثم أتبعهم بذكر الكفار وهو قوله {غير المغضوب عليهم} ثم أتبعهم بذكر المناففين بقوله: {ولا الضالين} . فإن قيل: كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرّف وإن أضيف إلى المعارف؟ أجيب: بأنه يصح بأحد تأويلين؛ أحدهما: إجراء الموصول مجرى النكرة إذ لم يقصد به معهود كالمحلى باللام في قول القائل: *ولقد أمرّ على اللئيم يسبني أي:
لئيما يسبني إذ لا مرور على الكل، والثاني: جعل غير معرفة بالإضافة لأنه أضيف إلى ما له ضدّ واحد وهو المنعم عليه فليس في غير إذن الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرّف. تنبيه: إنما سمى كل من اليهود والنصارى بما ذكر مع أنه مغضوب عليه وضالّ لاختصاص كل منهما بما غلب عليه، وقال صلى الله عليه وسلم «إن المغضوب عليهم اليهود وإنّ الضالين النصارى» رواه ابن حبان وصححه، وقيل: المغضوب عليهم العصاة والضالين الجاهلون بالله لأنّ المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل، به فكان المقابل. له من اختلّ إحدى قوّتيه العاقلة والعاملة والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمداً: {وغضب الله عليه} (النساء، 97) والمخل بالعمل جاهل ضال لقوله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس: 32) . فإن قيل: ما معنى غضب الله لأنّ الغضب ثوران النفس عند إرادة الانتقام أو تغير يحصل عند ثوران دم القلب إرادة الانتقام وهو محال في حقه تعالى؟ أجيب: بأنه إذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية فمعناه إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعل الملك إذا غضب على من تحت يده نعوذ بالله من غضبه ونسأله رضاه ورحمته. فإن قيل: أيّ فرق بين عليهم الأولى والثانية؟ أجيب: بأنّ محل مجرور الأولى النصب على المفعولية ومحل مجرور الثانية الرفع لأنه نائب مناب الفاعل. فإن قيل: لم دخلت لا في {ولا الضالين} ؟ أجيب: بأنها بمعنى غير كما قرّرته تبعاً للجلال المحلى، وأنها مزيدة كما قال الزمخشري لتأكيد ما في غير من معنى النفي، كأنه قال: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، وللتصريح بتعلق النفي بكل من المعطوف والمعطوف عليه. فائدة: أوّل السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له وآخرها مشتمل على الذمّ للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته وذلك يدلّ على أنّ مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله ومطلع الآفات ورأس المخالفات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته. فإن قيل: ما فائدة {غير المغضوب} إلخ بعد ذكر {أنعمت عليهم} ؟ أجيب: بأنّ الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» فقوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} يوجب الرجاء الكامل وقوله: {غير المغضوب عليهم} إلخ يوجب الخوف الكامل وحينئذٍ يتقوّى الإيمان بركنيه وطرفيه وينتهي إلى حدّ الكمال وقرأ حمزة عليهم: غير المغضوب عليهم بضمّ الهاء وفقاً ووصلاً، وكذا جميع ما في القرآن، وقرأ ابن كثير: عليهم بواو، بعد الميم في الوصل فإذا وقف أسقط الواو وكذا يفعل في كل ميم جمع بعدها حرف متحرّك، وأمّا قالون فهو مخير في ميم الجمع إن شاء وصلها بواو كابن كثير وإن شاء لا يصلها بواو، وأمّا ورش فإنه يصل ميم الجمع بواو وإن كان بعدها همزة قطع فيصير عنده مدّ منفصل، وفي {ولا الضالين} مدّان لازم وعارض فاللازم هو الذي على الألف بعد الضاد قبل اللام المشدّدة، والعارض هو الذي على الياء قبل النون، والسنة للقارىء أن يقول بعد فراغه من الفاتحة آمين مفصولاً عن الفاتحة بسكتة وهو اسم الفعل الذي هو استجب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معناه فقال: «افعل» بني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين وجاز مدّ ألفه وقصرها قال مجنون ليلى
سورة البقرة
*يا رب لا تسلبني حبها أبداً ... ويرحم الله عبداً قال آمينا* أي: بالمدّ، وقال جبير لما سأل الأسدي المسمى بفطحل: *تباعد عني فطحل إذ سألته ... آمين فزاد الله ما بيننا بعدا* فذكر مقصوراً وكان من حقه التأخير لأنّ التأمين إنما يكون بعد الدعاء ولكن قدّمه للضرورة وليس آمين من القرآن اتفاقاً بدليل أنه لم يثبت في المصاحف كما مرّت الإشارة إليه ولكن يسنّ ختم السورة به لقوله صلى الله عليه وسلم «علمني جبريل عليه السلام آمين عند فراغي من قراءة الفاتحة» كما رواه البيهقيّ وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم «إنه كالختم على الكتاب» كما رواه أبو داود في «سننه» وقال عليّ رضي الله تعالى عنه: آمين خاتم رب العالمين ختم به دعاء عبده، رواه الطبرانيّ وغيره لكن بسند ضعيف، يقوله الإمام ويجهر به في الجهرية لما روي عن وائل بن حجر: «أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته» . وعن الحسن لا يقوله الإمام لأنه الداعي، وعن أبي حنيفة مثله والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيه، والمأموم يؤمن مع إمامه لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول: آمين وإن الإمام يقول: آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه» . زاد الجرجانيّ في «أماليه» وما تأخر. وأحسن ما فسر به هذا الخبر ما رواه عبد الرزاق عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض تلي صفوف أهل السماء، فإذا وافق تأمين من في الأرض تأمين من في السماء غفر للعبد، قال ابن حجر ومثل هذا لا يقال بالرأي فالمصير إليه أولى وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ: «ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ قال: بلى يا رسول الله قال: فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» رواه الترمذيّ وقال حسن صحيح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ناداه منادٍ فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أعطيته» وما رواه البيضاويّ عن حذيفة بن اليمان أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبيّ من صبيانهم في الكتاب الحمد لله رب العالمين فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة» حديث موضوع. سورة البقرة مدنية وهي مائتان وسبع وثمانون آية الم * ذَالِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} {بسم الله الرحمن الرحيم} قال الشعبي وجماعة: {ألم} وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وهي سرّ القرآن فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله سبحانه وتعالى، وفائدة ذكره طلب الإيمان بها والسبب في ذلك أنّ العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش والله تعالى استأثر بعلم لا تقدر عليه عقول
الأنبياء، والأنبياء استأثروا بعلم لا تقدر عليه عقول العلماء، والعلماء استأثروا بعلم لا تقدر عليه عقول العامّة، وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: في كل كتاب سرّ وسرّ الله في القرآن أوائل السور. وقال عليّ رضي الله عنه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إنّ لكل كتاب سرّاً وإنّ سرّ القرآن فواتح السور فدعها واسأل عما سوى ذلك، وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: معنى {ألم} أنا الله أعلم ومعنى {الر} (يونس: 1) أنا الله أرى ومعنى {المر} (الرحمن، 1) أنا الله أعلم وأرى، قال الزجاج: وهذا حسن فإنّ العرب تذكر حرفاً من كلمة تريدها كقولهم: قلت لها قفي فقالت: قاف، أي: وقفت. وقيل: هي أسماء السور وعليه إطباق أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، سميت بها إشعاراً بأنها كلمات معروفة التركيب فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لم تتساقط قدرتهم عند معارضتها، ونقضه الإمام الرازي بأنها لو كانت اسماً لها لوجب اشتهارها بها وقد اشتهرت بغيرها كسورة البقرة وآل عمران وقيل: أسماء للقرآن قاله قتادة. والحكمة في الإتيان بهذه الأحرف الثلاثة أنّ الألف من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج، واللام من طرف اللسان وهو وسطها، والميم من الشفة وهي آخرها، جمع الله تعالى بينها إيماء إلى أنّ العبد ينبغي أن يكون أوّل كلامه وأوسطه وآخره ذكر الله تعالى ولما تكاثر وقوع الألف واللام في تراكيب الكلام جاءتا في معظم الفواتح مكرّرتين وهي فواتح سورة البقرة وأوّل آل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة. فإن قيل: هلا عددت هذه الأحرف بأجمعها في أوائل القرآن ومالها جاءت مفرّقة على السور، أجيب: بأنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلف منها لا غير وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقرّ له في الإسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرّة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرّر في النفوس وتقريره. فإن قيل: هلا جاءت على وتيرة واحدة ولم اختلفت أعداد حروفها فوردت ص وق ون على حرف، وطه وطس ويس وحم على حرفين، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف، والمص والمر على أربعة أحرف، وكهيعص وحمعسق على خمسة أحرف؟ أجيب: بأنّ هذا على عادة افتنانهم في أساليب الكلام وتصرّفهم فيه على طرق شتى ومذاهب عدّة، وكما أنّ أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك سلك بهذه الفواتح تلك المسالك. فإن قيل: ما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها؟ أجيب: بأنه لما كان الغرض هو التنبيه والمبادي كلها في تأدية هذا الغرض سواء لا مفاضلة كان تطلب وجه الاختصاص ساقطاً كما إذا سمى الرجل بعض أولاده زيداً والآخر عمراً لم يقل له: لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو؟ لأنّ الغرض هو التمييز وهو حاصل بذلك. فإن قيل: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ أجيب: بأنّ لها محلاً عند من جعلها أسماء لأنها عنده كسائر الأعلام محلها يحتمل ثلاثة أوجه: إمّا الرفع بأنها مبتدأ أو خبر لمبتدأ محذوف أي: هذه ألم، أو النصب بفعل مقدّر كاذكر أو اقرأ أو اتل ألم، أو الجرّ بتقدير حذف حرف القسم. {ذلك الكتاب} الذي تقرؤه
يا محمد على الناس {لا ريب فيه} لا شك في أنه من عند الله تعالى. فإن قيل: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ أجيب: بأن الإشارة وقعت فيه للتعظيم ولذلك قال الطيبي: أحسن ما قيل في توجيه ذلك قول صاحب «المفتاح» قال ذلك الكتاب ذهاباً إلى بعده درجة وقيل: وقعت الإشارة إلى {ألم} بعدما سبق التكلم به وتقضى، والمنقضي في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام يحدّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه ويحسب الحاسب ثم يقول: فذلك كذا وكذا وقال تعالى: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} (البقرة، 68) وقال نبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي} (يوسف، 37) ولأنه لما وصل من المرسل سبحانه وتعالى إلى المرسل إليه صلى الله عليه وسلم وقع في حدّ البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك أي: تمسك به، وقيل: معناه ذلك الكتاب الموعود إنزاله بقوله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} (المزمل، 5) أو في الكتب المتقدّمة لأن سورة البقرة مدنية كما مرّ وأكثرها احتجاج على اليهود وعلى بني إسرائيل وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام إن الله يرسل محمداً وينزل عليه كتاباً فقال تعالى: {ذلك الكتاب} أي: الذي أخبر الأنبياء المتقدّمون بأن الله سينزله على النبيّ المبعوث من ولد إسماعيل وقيل: إنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله: وإنه في أمّ الكتاب لدينا وقد كان صلى الله عليه وسلم أخبر أمته بذلك فغير ممتنع أن يقول تعالى: {ذلك الكتاب} ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. والكتاب مصدر سمي به المفعول للمبالغة أو فعال بني للمفعول كاللباس ثم أطلق على المنظوم عبارة قبل أن يكتب لأنه مما يكتب، وأصل الكتب الضمّ والجمع، سمي الكتاب كتاباً لأنه جمع حرف إلى حرف والكتاب جاء في القرآن على وجوه؛ أحدها: الفرض قال تعالى: {كتب عليكم القصاص} (البقرة، 187) {كتب عليكم الصيام} (البقرة، 183) {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} (النساء، 103) وثانيها: الحجة والبرهان قال تعالى: {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} (الصافات، 157) أي: برهانكم، وثالثها: الأجل قال تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} (الحجر، 4) أي: أجل، ورابعها: بمعنى مكاتبة السيد رقيقه، قال تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم} (النور، 33) . فإن قيل: كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق وكم من مرتاب فيه؟ أجيب: بأنّ الله تعالى ما نفى أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه ألا ترى إلى قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (البقرة، 23) فإنه لم ينف عنهم الريب بل أرشدهم إلى الطريق المزيح للريب وهو أن يجتهدوا في معارضة سورة من سوره ويبذلوا فيها غاية جهدهم حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة وقيل: هو خبر بمعنى النهي أي: لا ترتابوا فيه كقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (البقرة، 197) أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. والريب في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيه الريبة وهي قلق النفس واضطرابها سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة، وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإنّ الشك ريبة والصدق طمأنينة» ، رواه الترمذي لكن بلفظ فإنّ الصدق
طمأنينة والكذب ريبة وصححه، ومعناه: اترك ما فيه شك إلى ما لا شك فيه فإذا ارتابت نفسك في شيء فاتركه أو اطمأنت إليه فافعله فإنّ نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية الطاهرة. تنبيه: جملة النفي خبر مبتدؤه ذلك و {هدى} خبر ثانٍ أي هادٍ {للمتقين} الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار. وتخصيص المتقين بالذكر تشريفاً لهم ولأنهم هم المنتفعون بالهدى كما قال تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} (النازعات، 45) وقال تعالى: {إنما تنذر من اتبع الذكر} (يس، 11) وقد كان صلى الله عليه وسلم منذراً لكل الناس لأنّ هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره. ولها ثلاث مراتب: الأولى: التوقي من العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى: {وألزمهم كلمة التقوى} (الفتح، 26) . والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهذا التجنب هو المتعارف بالتقوى في الشرع وهو المعنى بقوله تعالى: {ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا} (المائدة، 65) (الأعراف، 96) وعلى هذا قول عمر بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرّم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير. والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سرّه عن الحق تعالى وهذه هي التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} (آل عمران، 102) وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيراً من أحد. قرأ ابن كثير: فيه هدى، فيصل الهاء من فيه بياء في الوصل لأنها مكسورة وقبلها ساكن فإن كانت هاء الكناية مضمومة وقبلها ساكن وصلها بواو فإن كان قبلها متحرّك وبعدها متحرّك فجميع القرّاء يصلونها مكسورة بياء ويصلونها مضمومة بواو، فمثال المكسورة به أن يوصل، ومثال المضمومة قال له صاحبه وهو وما أشبه ذلك، فإن كان قبلها متحرّك وبعدها ساكن فالجميع على عدم الصلة مثال ذلك به الله وله الملك وما أشبه ذلك، ويدغم أبو عمرو الهاء في الهاء بخلاف عنه، وكذا كل مثلين ما لم يكن الحرف المدغم تاء متكلم مثل: كنت تراباً أو تاء مخاطب مثل أفأنت تكره الناس أو منوّناً مثل: سميع عليم أو مشدّداً مثل: فتمّ ميقات ربه. ثم وصف المتقين بما هو شأنهم بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} أي: يصدّقون بما غاب عنهم من البعث والجزاء والجنة والنار والصراط والميزان، والإيمان لغة التصديق وشرعاً قيل: التصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم كالتوحيد والنبوّة والبعث والجزاء ومجموع ثلاثة أمور اعتقاد الحق والإقرار به والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدّثين والمعتزلة والخوارج والأصح أنه التصديق وحده، ويدل له أنه تعالى أضاف الإيمان إلى القلب فقال: {كتب في قلوبهم الإيمان} (المجادلة، 22) وقال: {وقلبه مطمئن بالإيمان} (النحل، 106) وقال: {ولم تؤمن قلوبهم} (المائدة، 41) وعطف عليه العمل الصالح في مواضع لا تحصى وقرنه بالمعاصي فقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات، 9) {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} (البقرة، 178) فلو لم يكن الإيمان التصديق فقط بل هو وترك المعاصي لم يكونوا مؤمنين. فإن قيل: قال الإمام الشافعيّ رضي الله تعالى عنه وغيره: إنّ الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، أجيب: بأن ذلك محمول على الإيمان الكامل. وقرأ ورش والسوسي بإبدال الهمزة الساكنة في يؤمنون واواً وكذا يقرأ حمزة في الوقف {ويقيمون الصلاة} أي يديمونها
ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهاتها يقال: قام بالأمر وأقامه إذا أتى به يعطي حقوقه لأنّ الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن وحقوقها الباطنة كالخشوع والإقبال على الله تعالى لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذكر في سياق المدح {والمقيمين الصلاة} (النساء، 162) وفي معرض الذمّ {فويل للمصلين} (الماعون، 4) والمراد بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ الوحدان كقوله تعالى: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق} (البقرة، 213) يعني: الكتب، والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: {وصل عليهم} (التوبة، 103) أي: ادع لهم، وفي الشرع إسم لأفعال وأقوال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. وقرأ ورش بتغليظ اللام في الصلاة حيث جاء {ومما رزقناهم} أي: أعطيناهم {ينفقون} يخرجون المال في طاعة الله فرضاً كان أو نفلاً، ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه أو خصصه بها لاقترانها بالصلاة لأنهما يذكران معاً في القرآن ويحتمل أن يراد به الانفاق مما منحهم الله من النعم الظاهرة والباطنة، ويؤيده ما رواه الطبرانيّ في «الأوسط» مرفوعاً: «مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه» وإلى هذا ذهب من قال: ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون. والرزق بالكسر في اللغة: الحظ، قال الله تعالى: {وتجعلون رزقكم} ـ أي: حظكم ونصيبكم ـ من القرآن أنكم تكذبون (النحل، 75) وأمّا بالفتح فهو مصدر بمعنى إعطاء الحظ كما أنه بالكسر يكون مصدراً أيضاً كما قيل به في قوله تعالى: {ومن رزقناه منا رزقاً حسناً} () وفي العرف اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والرقيق، والمعتزلة لما استحالوا من الله أن يمكن من الحرام لأنه تعالى منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه، قالوا: الرزق لا يتناول الحرام ألا ترى أنه تعالى أسند الرزق ههنا إلى نفسه إيذاناً بأنهم ينفقون الحلال الصرف الطيب وأن إنفاق الحرام لا يوجب المدح وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً} (يونس، 59) وأجاب أهل السنة عما ذكر بأن الإسناد التعظيم والتحريض على الإنفاق والذم بتحريم ما لم يحرم واختصاص ما رزقهم بالحلال للقرينة وتمسكوا لشمول الرزق له بما رواه ابن ماجة وغيره من حديث صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه عمرو بن قرّة فقال: يا رسول الله إن الله قد كتب عليّ الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفّي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال: لا آذن لك ولا كرامة، كذبت أي عدوّ الله لقد رزقك الله حلالاً طيباً فاخترت ما حرّم الله عليك من رزقه مكان ما أحلّ الله لك من حلاله» وبأنه لو لم يكن رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً وليس كذلك لقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} (هود، 6) . تنبيه: تقديم رزقناهم على ينفقون للاهتمام به وللمحافظة على رؤوس الآي وإدخال من التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه في حق من لم يصبر على الإضاقة وإلا فليس بإسراف فقد تصدّق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله ولم ينكر عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أولئك عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ] {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} أي القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، وإنما عبر عنه بلفظ المضيّ وإن كان بعضه مترقباً تغليباً للموجود على ما لم يوجد فيكون
مجازاً باعتبار تسمية الكل باسم البعض أو تنزيلاً للمنتظر منزلة الواقع فيكون استعارة باعتبار تشبيه غير المتحقق بالمتحقق، وفي كل من هذين الوجهين جمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند الإمام الشافعي رضي الله عنه {وما أنزل من قبلك} أي: التوراة والانجيل وغيرهما من سائر الكتب السابقة على القرآن والإيمان بالإنزالين جملة فرض عين وبالأوّل دون الثاني تفصيلاً من حيث إنا متعبدون بتفاصيله فرض ولكن على الكفاية لأنّ وجوبه على كل أحد يوجب الحرج ويشوش المعاش، وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وأمثاله. فائدة: الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب أنزل على السيد شيث ستون صحيفة وعلى السيد إبراهيم ثلاثون وعلى السيد موسى قبل التوراة عشر فهذه مائة والأربعة الأخرى التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم، واختلف القرّاء في مدّ وقصر ما أنزل فقالون والدوري عن أبي عمر يمدّان ويقصران، وابن كثير والسوسي يقصران بلا خلاف وباقي القرّاء وهم ورش وعاصم وحمزة والكسائي يمدُّون بلا خلاف ويتفاوتون في طول المدّ فأطولهم مدّاً ورش وحمزة ودونهما عاصم ودونه ابن عامر والكسائي وهكذا كل مدّ منفصل {وبالآخرة هم يوقنون} أي: يعلمون أنها كائنة لأنّ اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه قاله الإمام الرازي، ولذلك لا يوصف به العلم القديم ولا العلوم الضرورية فلا يقال تيقن الله كذا ولا تيقنت أنّ الكل أكبر من الجزء. فائدة: سميت الدنيا دنيا لدنوّها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد فناء الدنيا وهي تأنيث الآخر صفة الدار وبدليل قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة} (القصص، 83) قرأ ورش الآخرة بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها حيث جاء وكذا الأرض، وقد أفلح، ومن آمن، وما أشبه ذلك. {أولئك} الموصوفون بما ذكر {على هدى} أي: رشد {من ربهم} ونكر هدى للتعظيم فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره وأكد تعظيمه بأنّ الله مانحه والموفق له. تنبيه: جميع القرّاء يمدّون أولئك بلا خلاف لأنه متصل لكن مرتبة ابن كثير وأبي عمرو دون مرتبة ابن عامر والكسائي في المتصل والمنفصل، وأولاء كلمة معناها الكناية عن جماعة والكاف للخطاب كما في حرف ذلك {وأولئك هم المفلحون} أي: الفائزون بالجنة والناجون من النار كرّر فيه اسم الإشارة تنبيهاً على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحد من الاختصاصين وأن كلاً منهما كافٍ في تمييزهم بها عن غيرهم فلا يحتاجون فيه إلى مجموعهما. فإن قيل: لم وسط العاطف بين هاتين الجملتين دون قوله تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون} (الأعراف، 179) ؟ أجيب: بأن الجملتين هنا مختلفتان باختلاف المسندين فيهما إذ على هدى من ربهم والمفلحون وإن تناسبتا تعلقاً مختلفتان مفهوماً ووجوداً ومقصوداً لأن الهدى في الدنيا والفلاح في العقبى وإثبات كل منهما مقصود في نفسه بخلاف كالأنعام والغافلون فإنهما وإن اختلفا مفهوماً قد اتحدا مقصوداً ووجوداً إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة في الدنيا فناسب العطف في الأوّل دون الثاني.F تنبيه: تأمّل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد من وجوه شتى بناء الكلام على اسم الإشارة
للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسط الفصل لإظهار قدرهم والترغيب في اقتضاء أثرهم وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحاً لأنه يشق الأرض فهم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. ولما ذكر الله تعالى خاصة عباده وخاصة أوليائه بصفاتهم التي أهلتهم للهدى والفلاح عقبهم بذكر أضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا تغني عنهم الآيات والنذر بقوله تعالى: {إن الذين كفروا} الكفر لغة ستر النعمة وأصله الكفر بالفتح وهو الستر ومنه قيل للزراع والليل كافر ولكمام الثمر كافور، وفي الشرع إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، وينقسم إلى أربعة أقسام: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق، فكفر الإنكار هو أن لا يعرف الله أصلاً ولا يعترف به، وكفر الجحود هو أن يعرف الله بقلبه ولا يقرّ بلسانه ككفر إبليس واليهود قال الله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} (البقرة، 89) وكفر العناد هو أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: *ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا* *لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا* وأمّا كفر النفاق فهو أن يقرّ باللسان ولا يعتقد بالقلب وجيع هذه الأقسام من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} (النساء، 48 ـ 116) . تنبيه: احتجت المعتزلة بما جاء في القرآن بلفظ الماضي نحو: {إن الذين كفروا} (البقرة، 6) {إنا نحن نزلنا الذكر} (الحجر، 9) {إنا أرسلنا نوحاً} (نوح، 1) على حدوث القرآن لاستدعاء ما جاء فيه بلفظ الماضي سابقية المخبر عنه والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بغيره فأجاب أهل السنة: بأن ما جاء فيه بلفظ الماضي مقتضى تعلق الحكم بالخبر عنه وحدوث مقتضى التعلق لا يستلزم حدوث المخبر عنه فلا يستلزم حدوث كلام الله كما في عمله تعالى فإنه قديم ومقتضى تعلقه بغيره حادث والحاصل أنه لا يلزم من حدوث مقتضى التعلق وهو الكلام اللفظيّ حدوث الكلام النفسيّ. {سواء عليهم} أي متساوٍ لديهم {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} أي: خوّفتهم وحذرتهم أم لا والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير فكل منذر معلم وليس كل معلم منذراً وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشدّ تأثيراً في النفس من حيث أن دفع الضرر أهمّ من جلب النفع فإذا لم ينفع فيهم الإنذار كانت البشارة بعدم النفع أولى {لا يؤمنون} بما جئت به وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله تعالى كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما فلا تطمع في إيمانهم، واحتجّ بهذه الآية من جوّز تكليف ما لا يطاق فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان فلو آمنوا وقع الخلف في كلامه تعالى وهو محال والحق أن التكليف بالممتنع لذاته جائز عقلاً غير واقع بخلاف التكليف بالممتنع لغيره كالذي تعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه فإنه جائز وواقع اتفاقاً. تنبيه: هاهنا همزتان مفتوحتان من كلمة فقالون وأبو عمرو يسهلان الثانية ويدخلان بينهما ألفاً وكذا ورش وابن كثير إلا أنهما لم يدخلا ألفاً بينهما ولورش وجه آخر وهو أن يبدل الثانية حرف مدّ، وهشام له وجهان: تسهيل الهمزة الثانية وتحقيقها مع إدخال ألف بينهما
والباقون بالتحقيق والقصر وجميع القرّاء يحققون الأولى. {س2ش7/ش9 خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ? وَعَلَى? أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ? وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ ا?خِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَءَامَنُوا? وَمَا يَخْدَعُونَ إِ? أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} ثم ذكر سبب تركهم الإيمان بقوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} أي: طبع واستوثق فلا يدخلها إيمان ولا خير، والختم: الكتم، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له {وعلى سمعهم} أي: مواضعه فلا ينتفعون بما يسمعونه من الحق، وقوله تعالى: {وعلى أبصارهم} أي: أعينهم {غشاوة} مبتدأ وخبر أي: على أعينهم غطاءً من عند الله تعالى فلا يبصرون الحق وعبر الله تعالى عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} (النحل، 108) وبالإغفال في قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} (الكهف، 28) وبالإقساء في قوله تعالى: {وجعلنا قلوبهم قاسية} (المائدة، 13) وهذه الهيئة من حيث أنّ الممكنات بأسرها مستندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه تعالى ومن حيث أنها مسببة عما اقترفوه بدليل قوله تعالى: {بل طبع الله عليها بكفرهم} (النساء، 155) وقوله تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} (المنافقون، 3) وردت الآية مظهرة عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم. فإن قيل: لم وحد السمع دون القلوب والأبصار؟ أجيب: بأنه على حذف مضاف مثل وعلى حواس سمعهم كمواضعه كما مرّ تقديره أو باعتبار الأصل فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تثنى ولا تجمع والأبصار جمع بصر وهو إدراك العين وقد يطلق مجازاً على القوّة الباصرة وعلى العضو وكذا السمع، قال البيضاويّ: ولعل المراد بهما في الآية العضو لأنه أشدّ مناسبة للختم والتغطية وبالقلب ما هو محل العلم وقد يطلق القلب ويراد به العقل والمعرفة، كما قال الله تعالى: {إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} (ق، 37) أي: عقل، وأمال أبو عمرو ألف أبصارهم وكذا كل ألف بعدها راء مكسورة متطرّفة وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير {ولهم عذاب عظيم} أي: قوي دائم في الآخرة وهذا وعيد وبيان لما يستحقونه، والعذاب كلّ ما يعيي الانسان ويشق عليه، وقال الخليل: العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش وإنما وصف العذاب بالعظيم دون الكبير لأن العظيم فوقه، لأنّ العظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير، وإذا كان الحقير مقابلاً للعظيم والصغير، للكبير كان العظيم فوق الكبير لأنّ العظيم لا يكون حقيراً والكبير قد يكون حقيراً كما أنّ الصغير قد يكون عظيماً، وتنكير الغشاوة والعذاب للتنويع لأنهما لما قرنا بالختم على القلوب كان المعنى نوعاً عظيماً منه أي: على أبصارهم غشاوة ليس وما يتعارفه الناس وهو التعامي عن الآيات ولهم من الآلام العظام نوع لا يعلم كنهه إلا الله. ونزل في المنافقين حكاية لحالهم قوله تعالى: {ومن الناس} أمال أبو عمرو الألف قبل السين المكسورة إمالة محضة، وهكذا كل ألف مثلها والباقون بالفتح {من يقول آمنا با وباليوم الآخر} أجمع المفسرون على أنّ ذلك وصف المنافقين، قالوا: صنف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم وثنى بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً وثلث بالصنف الثالث المذبذب بين القسمين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلاً للتقسيم، وهذا الصنف أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله
تعالى لأنهم مع مشاركتهم للكفار الأصليين في أنهم جاهلون بالقلب كاذبون باللسان من حيث أنهم ينسبون إلى الله تعالى ما هو بريء منه كالولد، والزوجة، والشريك زادوا عليهم بأمور منكرة منها أنهم قصدوا التلبيس ورضوا لأنفسهم بسمة الكذب ولبسوا الكفر على المسلمين فخلطوا به خداعاً واستهزاءً ولذلك طوّل الله في بيان خبثهم وجهلهم واستهزائهم وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم أنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار. واللام في الناس للجنس ومن موصوفة لا للعهد وكأنه قال تعالى: ومن الناس ناس يقولون، وقيل: للعهد والمعهود، هم الذين كفروا، ومن موصولة مراد بها ابن أبيّ وأصحابه ونظراؤه فإنهم من حيث أنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم واختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس. فإن قيل: خصت من بالموصوفة على تقدير الجنس، وبالموصولة على تقدير العهد، أجيب: بأنّ الجنس لإبهامه يناسب الموصوفة لتنكيرها، والعهد لتعيينه يناسب الموصولة لتعريفها واختصاص الإيمان بالله وباليوم الآخر بالذكر تخصيص لما هو المقصود الأعظم من الإيمان وادّعاء بأنهم اختاروا الإيمان من المبدأ والمعاد وإئذان بأنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه فكيف بما يقصدون به النفاق وهو عدم التصديق بالقلب لأنّ القوم كانوا يهوداً وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً كلا إيمان لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد وأنّ الجنة لا يدخلها غيرهم، وأنّ النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة وغير ذلك، ويرون المسلمين أنهم آمنوا مثل إيمانهم، وفي تكرير الباء ادّعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة والاستحكام، والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا ينتهي أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لأنه آخر الأوقات المحدودة بطرفين {وما هم بمؤمنين} لإبطانهم الكفر، وهذا إنكار لما ادّعوا إثباته، ووحد الضمير في يقول نظراً إلى لفظة من لأنها صالحة للتثنية والجمع والواحد وجمع فيما بعدها نظراً إلى معناها. فإن قيل: كيف طابق قوله وما هم بمؤمنين قولهم: آمنا بالله فإنّ الأوّل في ذكر شأن الفعل لا الفاعل والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل فكان المطابق له وما آمنوا، أجيب: بأنه إنما عدل إلى ذلك لردّ كلامهم بأبلغ وجه وآكده لأنّ إخراج ذواتهم عن عداد المؤمنين أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي الزمان ولذلك أكد النفي بالباء ونظيره قوله تعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} (المائدة، 37) هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها، وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء، ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به وهو قوله تعالى: {وباليوم الآخر} لأنّ وما هم بمؤمنين جوابه، والآية تدل على أنّ من ادّعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمناً لأنّ من تفوّه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمناً. {يخدعون الله والذين آمنوا} إذ أظهروا خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية ويحقنوا دماءهم ويحفظوا أموالهم، وأصل الخدع في اللغة الاخفاء ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع، فالمخادع أظهر خلاف ما يضمر والمخادعة تكون بين اثنين وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية ولأنهم
لم يقصدوا خديعته بل المراد إمّا مخادعة رسوله أو أوليائه على حذف المضاف لأنهم لم يعتقدوا أنّ الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى فعلم أنّ خداعهم مع الله ليس المراد ظاهره كما في قوله تعالى: {واسأل القرية} (يوسف، 82) أي: أهلها أو على أنّ معاملة الرسول معاملة الله تعالى من حيث أنه خليفته كما قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء، 80) {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} (الفتح، 10) وأمّا أنّ صورة صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر وصنيع الله معهم من إجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجاً لهم وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم وإجراء حكم الإسلام مجاراة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين، ويحتمل أن يراد بيخادعون يخدعون لأنه بيان ليقول أو استئناف بذكر ما هو الغرض منه إلا أنه أخرج في زنة فاعل للمبالغة فإن الزنة لما كانت للمغالبة والفعل متى غولب فيه كان أبلغ منه إذا جاء بلا مغابلة معارض استصحبت الزنة ما ذكر من المبالغة وقال الجلال المحلى: والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين. {وما يخدعون إلا أنفسهم} لأنّ وبال خداعهم راجع عليهم فيفتضحون في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة والنفس ذات الشيء وحقيقته. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بضمّ الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال، وقرأ الباقون وهم عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وما يخدعون بفتح الياء وسكون الخاء ولا ألف بعدها وفتح الدال ولا خلاف بين القرّاء في الكلمة الأولى وهي يخادعون الله فالجميع قرؤوا بضمّ الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال وأمّا الرسم في الموضعين فبغير ألف {وما يشعرون} أي: لا يحسون بمعنى لا يعلمون أنّ خداعهم لأنفسهم لتمادي غفلتهم جعل لحوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤف الحواس وهو المصاب بآفة. {س2ش10/ش13 فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ? بِمَا كَانُوا? يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تُفْسِدُوا? فِى ا?رْضِ قَالُو?ا? إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَ? إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن s يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْءَامِنُوا? كَمَآءَامَنَ النَّاسُ قَالُو?ا? أَنُؤْمِنُ كَمَآءَامَنَ السُّفَهَآءُ? أَ? إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ وَلَاكِن s يَعْلَمُونَ} {في قلوبهم مرض} (سورة: الآيتان 10، 13) أي: شك ونفاق لأن ذلك يمرض قلوبهم أي: يضعفها، والمرض حقيقة هو فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمال أفعالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والبغض وحب المعاصي لأنها مانعة من نيل الفضائل أو مؤدّية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية، والآية تحتمل الحقيقة والمجاز وعلى المجاز اقتصر أكثر المفسرين لأنه أبلغ من الحقيقة {فزادهم الله مرضاً} بما أنزل من القرآن لأنه كلما أنزل آية كفروا بها فازدادوا شكاً ونفاقاً وإسناد الزيادة إلى الله تعالى من حيث أنه خلقها وأوجدها وإلى السورة في قوله تعالى: {فزادتهم رجساً} (التوبة، 125) لكونها سبباً، وقرأ حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف التي بعد الزاي محضة، والباقون بالفتح {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم بفتح اللام وصف به العذاب للمبالغة إذ الألم إنما هو للمعذب حقيقة لا للعذاب فنسبة الألم إلى العذاب مجاز ويجوز كسر لام مؤلم كسميع بمعنى مسمع وعليه فنسبة الأليم إلى العذاب حقيقة {بما كانوا يكذبون} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضمّ الياء وفتح الكاف وتشديد الذال أي: بتكذيبهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون الكاف وتخفيف الذال أي: بكذبهم في قولهم:
آمنا لأنّ الإيمان التصديق بالقلب والكذب هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، قال البيضاويّ تبعاً للزمخشري: وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب على الكذب وما روي أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاث كذبات أي: لما روى البخاريّ ومسلم في حديث الشفاعة «فيقول إبراهيم: إني كذبت ثلاث كذبات» وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم، فالمراد التعريض أي: وهو اللفظ المشار به إلى جانب والغرض جانب آخر، وقيل: هو خلاف التصريح وهو تضمين الكلام دلالة ليس لها ذكر وسمي تعريضاً لما فيه من التعريض عن المطلوب، ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به، انتهى. وهذا ليس على إطلاقه فإن من الكذب ما هو مباح وما هو مندوب وما هو واجب وما هو حرام لأن الكلام وسيلة إلى المقصود فكل مقصود محمود إن أمكن التوصل إليه بالصدق، فالكذب فيه حرام، وإن لم يمكن إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحاً، ومندوب إن كان المقصود مندوباً، وواجب إن كان المقصود واجباً، وفي حديث الطبرانيّ في «الكبير» «كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاثاً، الرجل يكذب في الحرب فإن الحرب خدعة، والرجل يكذب على المرأة فيرضيها، والرجل يكذب بين الرجلين فيصلح بينهما» ، وفي حديث في «الأوسط» «الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دينه» . {وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء فهو عطف تفسير على يكذبون فمحله نصب لكونه معطوفاً على خبر كان، فيكون جزءاً من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم، أو على يقول، فلا محلّ له من الإعراب لكونه معطوفاً على صلة من فلا يكون جزءاً من السبب، والقائل هو الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو بعض المؤمنين، {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر والتعويق عن الإيمان، والفساد خروج الشيء عن الاعتدال، والصلاح ضدّه، والفساد يعمّ كل ضارّ، والصلاح يعمّ كل نافع، وكان من إفسادهم في الأرض إثارة الحروب والفتن بمخادعة المسلمين، ومعاونة الكفار المتمحض كفرهم على المسلمين فإن ما ذكر يؤدّي إلى فساد ما في الأرض من الناس والدواب والحرث، ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين فإنّ الإخلال بالشرائع والإعراض عنها وما يوجب القتل والاختلاط ويخل بنظام العالم لا أن ذلك إفساد لأن الإفساد جعل الشيء فاسداً وصنيعهم لم يكن كذلك، فقوله تعالى: {لا تفسدوا في الأرض} مجاز باعتبار المآل أي: لا تفعلوا ما يؤدّي إلى الفساد وليس معنى الإفساد هنا الإتيان بالفساد ليصح حمل الكلام على الحقيقة، نبه على ذلك السعد التفتازاني {قالوا إنما نحن مصلحون} جواب لإذا ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك فإن شأننا ليس إلا الإصلاح وإن حالتنا متمحضة عن شوائب الفساد لأن إنما تفيد قصر ما دخله على ما بعده مثل إنما زيد منطلق وإنما ينطلق زيد، وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} (فاطر، 8) . قال الله تعالى يردّ عليهم أبلغ ردّ: {ألا إنهم هم المفسدون} أي: بما ذكر {ولكن لا يشعرون} أي: لا يفطنون بمعنى لا يعلمون أنهم هم المفسدون بذلك أي: لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح، وقيل: لا يعلمون ما أعدّ الله لهم
من العذاب ووجه الأبلغية في ذلك تصديره بألا المنبهة على تحقيق ما بعدها فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقاً وبأنّ المقرّرة للنسبة وتعريف الخبر وتوسط ضمير الفصل والاستدراك بلا يشعرون. {وإذا قيل لهم آمنوا} هذا من تمام النصح والإرشاد فإنّ كمال الإيمان بمجموع أمرين: الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله: لا تفسدوا والإتيان بما ينبغي وهو المطلوب بقوله: {آمنوا} . {كما آمن الناس} أي: كإيمان الناس الكاملين في الإنسانية الموافق باطنهم فيه لظاهرهم العاملين بقضية العقل، فاللام في الناس للجنس فإنّ اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقاً يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، أو للعهد، والمراد به الرسول ومن معه، أو عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. وقرأ هشام والكسائي: قيل، بإشمام القاف وهو أن تضم القاف قبل الباء، ولورش في الهمزة من آمنوا وآمن المدّ والتوسط والقصر {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} أي: الجهال، فاللام في السفهاء للعهد وهم من تقدّم، أو لجنس السفهاء بأسرهم وإنما سفهوهم لاعتقاد فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم فإنّ أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه. قال الله تعالى رداً عليهم أبلغ رد: {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} أنهم سفهاء بما فعلوه من إبطان غير ما أظهروه، ووجه الأبلغية في تجهيلهم أنّ الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر. فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ أجيب: بأنّ هذا القول كانوا يقولونه فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك والسفه خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل والعلم يقابله. فإن قيل: لم عبر في هذه الآية بلا يعلمون وفي التي قبلها بلا يشعرون؟ أجيب: بأنّ التعبير بلا يعلمون أكثر مطابقة لذكر السفه لأن السفه جهل فطابقه العلم ولأنّ أمر الإيمان أخروي يحتاج إلى دقة نظر، فعبر في الآية التي اشتملت عليه بلا يعلمون، وأمر البغي والفساد دنيوي فهو كالمحسوس لا يحتاج إلى دقة نظر، فعبر في الآية التي اشتملت عليه بلا يشعرون، ويشعر مضارع شعر، يقال: شعرت كذا، أي: حسست به أو أدركته، أي: فطنت له، وقد استعمل بالمعنى الأوّل في قوله: {وما يشعرون} وفي الثاني بقوله: {لا يشعرون} كما يعلم مما به قررته في الآيتين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: السفهاء ألا، بتحقيق الهمزتين، وكذا كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا، والباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وبإبدال الثانية واواً خالصة. {س2ش14/ش17 وَإِذَا لَقُوا? الَّذِينَءَامَنُوا? قَالُو?ا? ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا? إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُو?ا? إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُو?لَا??ـ?ِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا? الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا? مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ? ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ s يُبْصِرُونَ} {وإذا لقوا الذين آمنوا} اللقاء المصادقة وهي الإجتماع من غير مواعدة يقال: لقيته ولاقيته إذا صادفته واستقبلته، وأصل لقوا لقيوا حذف الضمة للاستثقال ثم الياء لالتقائها ساكنة مع الواو {قالوا آمنا} أي: كإيمانكم {وإذا خلوا} منهم ورجعوا {إلى شياطينهم} أي: الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وهم المظهرون كفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر، أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم {قالوا إنا معكم} أي: في الدين والاعتقاد خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ومماثلي الشياطين
بالجملة الاسمية المؤكدة بأنّ لأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان، وقصدوا بالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق ورغبة فيما خاطبوا به المؤمنين ولا توقع رواج ادّعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار {إنما نحن مستهزئون} بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أي: نسخر بهم بإظهارنا الإسلام لأنّ المستهزىء بالشيء المستخف به مصرّ على خلافه فهذا تأكيد لما قبله أو بدل منه لأنّ من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو استئناف فكأنّ الشياطين قالوا لهم لما قالوا: إنا معكم، إن صح ذلك: فما بالكم توافقون المؤمنين وتدّعون الإيمان فأجابوا بذلك. تنبيه: بين سبحانه وتعالى بهذه الآية معاملة المنافقين مع المؤمنين والكفار، روى الواحديّ وغيره ولكن بسند ضعيف «أن ابن أبيّ وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة فقال لقومه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه وقال: مرحباً بالصدّيق سيد بني تيم وشيخ الاسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال: مرحباً بسيد بني عديّ الفاروق القويّ في دينه الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد عليّ رضي الله تعالى عنه فقال: مرحباً بابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه» أي: ـ زوج بنته عند العامّة وعند العرب كل من كان من قبل المرأة ـ وكل منهما صحيح هنا، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وما صدّر به قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا} فمسوق لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير. {الله يستهزىء بهم} أي: يجازيهم على استهزائهم، سمي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة بسيئة، إما لمقابلة اللفظ باللفظ أو لكونه مماثلاً له في القدر ومثل هذا يسمى مشاكلة أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزىء بهم أو يعاملهم معاملة المستهزىء، أما في الدنيا فبإجراء أحكام الإسلام عليهم واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة مع التمادي في الطغيان، وأمّا في الآخرة فبأن يفتح لهم وهم في النار باباً إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب وذلك قوله تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} (المصطففين، 34) وإنما استؤنف به ولم يعطف ليدل على أنه تعالى تولى مجازاتهم ولم يحوج المؤمنين أن يعارضوهم وأنّ استهزاءهم لا يبالي به لحقارتهم {ويمدّهم في طغيانهم} أي: في ضلالاتهم {يعمهون} يتردّدون متحيرين، والطغيان بالضم والكسر تجاوز الحدّ في العصيان والغلوّ في الكفر، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه، قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم} (الحاقة، 11) قال البيضاوي: والعمه في البصيرة كالعمى في البصر وهو التحير في الأمر يقال: رجل عامه وعمه وأرض عمهاء لا منار لها اه. وظاهر كلامه اختصاص العمه بالبصيرة والعمى بالبصر وهو ما ذكره ابن عطية فبينهما تباين، وقال الإمام وغيره: العمه في البصيرة والعمى عام فيها وفي البصر، فبينهما عموم مطلق وأمال الدوري عن الكسائي ألف طغيانهم إمالة محضة وفتحها الباقون. {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي: اختاروها عليه واستبدلوها به. وأصل الشراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب
من الأعيان فإن كان أحد العوضين ناضاً تعين من حيث أنه لا يطلب لعينه أن يكون ثمناً وبذله اشتراء وإلا فالثمن ما دخلت عليه الباء فباذله مشتر وآخذه بائع ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشيء طمعاً في غيره، والمعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعله الله لهم بالفطرة التي فطر الناس عليها محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها واختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى، وأمال ألف الهدى حمزة والكسائي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح {فما ربحت تجارتهم} أي: ما ربحوا فيها. والتجارة: التصرف بالبيع والشراء، والربح الفضل على رأس المال، وإسناده إلى التجارة وهو لأربابها على سبيل الاتساع لتلبسها بالفاعل أو لمشابهتها إياه من حيث أنها سبب للربح والخسران واتفق القرّاء على إدغام التاء في التاء وكذا كل مثلين الأوّل منهما ساكن {وما كانوا مهتدين} لطرق التجارة فإنّ المقصود منها سلامة رأس المال والربح وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين لأنّ رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعداهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوصلون به إلى إدراك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين عن الربح فاقدين للأصل. {مثلهم} أي: شبههم وصفتهم في نفاقهم {كمثل الذي} بمعنى الذين بدليل سياق الآية ونظيره {والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون} (الزمر، 33) ، وقوله تعالى: {وخضتم كالذي خاضوا} (التوبة، 69) أو قصد به جنس المستوقد أو الفوج الذي {استوقد} أي: أوقد {ناراً} في ظلمة لما جاء بحقيقة حالهم عقبها بضرب المثل وهو بيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في معرض المشاهد المحسوس زيادة في التوضيح والتقرير فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم، قال البيضاوي: والاستيقاد طلب الوقود والسعي في تحصيله وهو سطوع النار وارتفاع لهبها. اه. والأكثر على أنّ استوقد هنا بمعنى أوقد كما قدرته لا بمعنى طلب الوقود {فلما أضاءت} أي: أنارت النار، وأضاء لازم ومتعدّ، يقال: أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره {ما حوله} أي: المستوقد فأبصر واستدفأ وأمن ما يخافه {ذهب الله بنورهم} أي: أطفأه وهذا جواب لما وإسناد الإذهاب إلى الله تعالى، إما لأن الكل بفعله أو لأن الإطفاء حصل بسبب خفيّ أو أمر سماوي كريح أو مطر أو للمبالغة ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه وأمسكه وما أخذه الله تعالى وأمسكه فلا مرسل له ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور فإنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً ألا ترى كيف قرّر ذلك وأكده بقوله تعالى: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين فذكر الظلمة التي هي عدم النور وانطماسه بالكلية، وكيف جمع الظلمة، وكيف نكرها، وكيف أتبعها بما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله: {لا يبصرون} وظلماتهم: ظلمة الكفر؛ وظلمة النفاق؛ وظلمة يوم القيامة يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم، أو ظلمة الضلال؛ وظلمة سخط الله؛ وظلمة العقاب السرمدي، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمات متراكمة، والآية وهي قوله: {مثلهم} إلخ مثل ضربه الله لإيمان المنافقين من
حيث أنه يعود عليهم بحقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد ومشاركة المسلمين في المغانم والأحكام بالنار الموقدة للاستضاءة ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها، هذا هو الوارد، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وقيل: مثل ضربه الله لمن آتاه ضرباً من الهدى وأضاعه ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد فبقي متحيراً متحسراً تقريراً وتوبيخاً لما تضمنه قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} إلخ.. ويدخل تحت عموم ما تضمنته الآية هؤلاء المنافقون فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان الكفر وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم ومن آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة أو ارتدّ عن دينه بعدما آمن. وقرأ ورش بترقيق راء يبصرون. {س2ش18/ش20 صُمُّ? بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى? ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ? وَاللَّهُ مُحِيطُ? بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ? كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا? فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا?? وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} هم {صم} عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول، وأصل الصمم صلابة من اجتماع الأجزاء ومنه قيل: حجر أصم وقناة صماء وصمام القارورة سمي به فقدان حاسة السمع لأنّ سببه أن يكون باطن الصماخ مجتمعاً لا تجويف فيه يشتمل على هواء يسمع الصوت بتموّجه {بكم} خرس عن الخير فلا يقولونه، والخرس في الأصل عدم القدرة على النطق {عمي} عن طريق الهدى فلا يرونه، والعمى في الأصل عدم البصر عما من شأن أن يبصر، وقد يقال لعدم البصيرة {فهم لا يرجعون} أي: لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه أو عن الضلالة التي اشتروها. {أو} مثلهم {كصيب} فهو معطوف على الذي استوقد أي: كمثل أصحاب صيب لقوله: {يجعلون أصابعهم في آذانهم} وأوفى الأصل للتساوي للشك، ثم اتسع فيها فأطلق للتساوي من غير شك مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، وقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} (الإنسان، 24) فإنه يفيد التساوي في حسن المجالسة في المثال الأول ووجوب العصيان في الثاني ومن ذلك قوله: {أو كصيب من السماء} ومعناه بقرينة السياق أنّ قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيتهما شئت وإن كان الثاني أبلغ كما قاله الزمخشري، قال: لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته، والصيب أصله صيوب من صاب يصوب وهو النزول، يقال للمطر وللسحاب، والآية تحتملهما، أي ينزل {من السماء} ذلك فإن قدّرت الصيب بالمطر فالمراد بالسماء السحاب وإنّ قدرته بالسحاب فالمراد السماء بعينها والسماء كل ما علاك وأظلك وهي من أسماء الأجناس فيكون واحداً وجمعاً {فيه} أي: الصيب، وقيل: السماء {ظلمات} جمع ظلمة فإن أريد بالصيب المطر فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع القطر وظلمة غمامه مع ظلمة الليل وإن أريد به السحاب فظلماته سواده وتكاثفه مع ظلمة الليل {ورعد} وهو صوت يسمع من السحاب قال البيضاوي: والمشهور أنّ سببه اضطراب أجرام السحاب واصطكاكها إذا ساقها الريح من الارتعاد {وبرق} وهو ما يلمع من السحاب من برق الشيء بريقاً، هذا ما جرى عليه الجوهري وغيره، وهو المناسب هنا وإن أطلق الرعد على الملك أيضاً فهو مشترك بين الصوت المذكور والملك الثابت في الأحاديث، ففي بعضها: أنه ملك موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب بسوقه إلى حيث شاء الله وصوته ما يسمع، وفي بعضها: أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه، وفي بعضها: أنه ملك يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادي الإبل بحدائه،
وفي بعضها: أنه ملك مسمى به وهو الذي تسمعون صوته {يجعلون} أي: أصحاب الصيب {أصابعهم} أي: أناملها وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة لما في ذلك من الإشعار بدخول أصابعهم فوق المعتاد فراراً من شدّة الصوت {في آذانهم} وقوله: {من الصواعق} متعلق بيجعلون أي: من أجلها يجعلون وهو جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه ويقال لكل عذاب مهلك: صاعقة وقيل: الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء. روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك. وأمال الدوريّ عن الكسائي الألف التي بعد الذال في آذانهم إمالة محضة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: {حذر الموت} نصب على العلة كقول الشاعر: * وأغفر (أي: أستر) عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئم تكرما* قال البيضاوي: والموت زوال الحياة، زاد في «الطوالع» : عما من شأنه الحياة وفيه تساهل إذ يلزم منه أن يكون الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتاً، والأظهر كما في «شرح المواقف» أن يقال: عدم الحياة عما اتصف بها بالفعل فبينهما تقابل العدم والملكة على التفسيرين، وقيل: عرض يضادّها فبينهما تقابل التضاد لقوله تعالى: {خلق الموت والحياة} (الملك، 2) فجعل الموت مخلوقاً والعدم لا يخلق وردّ بأنّ الخلق بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد والإعدام مقدّرة ولو سلم بأنه بمعنى الإيجاد فالمعنى خلق أسباب الموت والحياة وبذلك علم أنّ القول الأوّل هو المعتمد وكلام أئمة اللغة طافح به وحاصله أنّ الموت مفارقة الروح الجسد وما ورد في الأحاديث من أنه جسم؛ حيث قيل في بعضها: إنه كبش، وفي بعضها: إنه على صورة كبش لا يمر على أحد إلا مات فمؤوّل بأنه لم يقصد بالموت فيها حقيقته بل قصد أنه يصوّر بصورة كبش كما في خبر الشيخين وغيرهما «أنه يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار» إلخ ... {وا محيط بالكافرين} علماً وقدرة فلا يفوتونه كما لا يفوت المحاط، به المحيط لا يخلصهم الخداع والحيل، وقيل: مهلكم دليله قوله تعالى: {إلا أن يحاط بكم} (يوسف، 66) أي: تهلكوا، والجملة اعتراضية لا محل لها، قال أبو حيان: لأنها دخلت بين هاتين الجملتين، وهما يجعلون أصابعهم ويكاد البرق وهما من قصة واحدة، ويميل ورش الألف بعد الكاف بين بين وكذا الكافرين حيث جاء، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالإمالة المحضة فيهما حيث جاء، والباقون بالفتح. {يكاد البرق} يقرب لأن كاد من أفعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لحصول سببه لكنه لم يوجد إما لفقد شرط أو لعروض مانع وخبرها مشروط فيه أن يكون فعلاً مضارعاً تنبيهاً على أنه المقصود بالقرب {يخطف أبصارهم} يختلسها، والخطف: الأخذ بسرعة {كلما أضاء لهم مشوا فيه} أي: ضوئه {وإذا أظلم عليهم قاموا} أي: وقفوا متحيّرين فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفاتها أنّ الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم في آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدّة توقده، فهذا مثل
ضربه الله تعالى للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر: القرآن، لأنه حياة القلوب كما أنّ المطر حياة الأبدان، والظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد: ما خوّفوا به من الوعيد وذكر النار، والبرق: ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة، والكافرون والمنافقون يسدّون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه ولإزعاج ما في القرآن من الحجج قلوبهم، وإنما قال الله تعالى مع الإضاءة: كلما ومع الإظلام: إذا، لأنهم حرّاس على المشي كلما صادفوا منه فرصة مما يحبون انتهزوها ولا كذلك التوقف فيما يكرهون. ومعنى قاموا: وقفوا، كما مرّ، ومنه قامت السوق إذا ركدت، أي: سكنت، ويقال: قامت السوق بمعنى: نفقت، فهو من الأضداد. {ولو شاء الله لذهب بسمعهم} بمعنى: أسماعهم {وأبصارهم} الظاهرة كما ذهب بالباطنة، أي: ولو شاء أن يذهب بسمعهم بشدّة صوت الرعد وأبصارهم بلمعان البرق لذهب بهما فحذف المفعول وهو أن يذهب لدلالة الجواب وهو لذهب عليه، ولقد تكاثر حذف المفعول في شاء وأراد إذا وقعا في حيز الشك كما هنا لدلالة الجواب على ذلك المحذوف حتى لا يكاد يذكر إلا في الشيء المستغرب، كقول القائل: *فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع* وأتى فيه بالمفعول لأنّ بكاء الدم مستغرب ونصب دماً لتضمنه معنى الصب ولو من حروف الشرط، قال البيضاوي: وظاهرها الدلالة على انتفاء الأوّل لانتفاء الثاني ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه. اه. وهذا مذهب ابن الحاجب، وأمّا مذهب الجمهور وهو الأصح فإنها في الأصل لانتفاء الثاني لانتفاء الأوّل، فمعنى لو جئتني أكرمتك أن انتفاء الاكرام لانتفاء المجيء، وقيل: إنها لمجرّد الربط كان ومن ثم قال التفتازاني أنّ لو هنا لمجرّد الشرط بمنزلة أن لا بمعناها الأصلي وفائدة هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه ليتمادوا في الغيّ والفساد ليكون عذابهم أشدّ وللتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى، وقوله تعالى: {إن الله على كل شيء} أي: يشاؤه، {قدير} كالتصريح بما ذكر والتقرير له والشيء يختص بالموجود فلا يطلق على المعدوم. فإن قيل: لو اختص الشيء بالموجود لما تعلقت به القدرة لأنها الصفة المؤثرة على وفق الإرادة وتأثيرها الإيجاد وإيجاد الموجود محال فالذي تعلقت به القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء، أجيب: بأن المحال إيجاد الموجود بوجود سابق وهو غير لازم، واللازم إيجاد موجود هو أثر ذلك الإيجاد وليس بمحال، والقدرة هو التمكن من إيجاد الشيء، وقيل: صفة مقتضى التمكن، وقيل: قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى عبارة عن نفي العجز عنه، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والقدير الفعال لما يشاء ولذلك قلما يوصف به غير الباري تعالى، واشتقاق القدير من القدرة لأنّ القادر يوقع الفعل على مقدرار قوّته أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته، وفي ذلك دليل على أنّ الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران، وأنّ مقدور العبد مقدور الله تعالى خلافاً لأبي علي وأبي
هاشم لأنه شيء وكل شيء مقدور، واحتج بعض الفرق بأن هذه الآية تدل على أن الله تعالى ليس بشيء، قال: لأنها تدل على أنّ كل شيء مقدور لله تعالى والله سبحانه وتعالى ليس بمقدور له فوجب أن لا يكون شيئاً، واحتج أيضاً على ذلك بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} (الشورى، 11) قال: لو كان هو تعالى شيئاً فهو تعالى مثل مثل نفسه فكان يكذب قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فوجب أن لا يكون شيئاً حتى لا يناقض هذه الآية. واعلم أنّ هذا الخلاف في الاسم لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، واحتج أصحابنا بوجهين: الأوّل قوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} (الأنعام، 19) والثاني قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص، 88) والمستثنى داخل في المستثنى منه فوجب أن يكون شيئاً، وأجيب عن قوله: إنّ هذه الآية تدل على أن الله تعالى قادر على نفسه بأنّ تخصيص العام جائز في الجملة وأيضاً تخصيص العام جائز بدليل العقل. فإن قيل: إذا كان اللفظ موضوعاً للكل ثم إنه تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذباً وذلك يوجب الطعن في القرآن، أجيب: بأنّ لفظ الكل كما أنه مستعمل في المجموع فقد يستعمل مجازاً في الأكثر فإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً. ورقق ورش الراء من قدير وصلاً ووقفاً، وباقي القراء بالترقيق وقفاً لا وصلاً. ولما عدّ سبحانه وتعالى فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم أقبل تعالى عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات بقوله تعالى: {يأيها الناس اعبدوا ربكم} تحريكاً للسامع وتنشيطاً له واهتماماً بأمرالعبادة وتفخيماً لشأنها وجبراً لمشقة العبادة بلذة المخاطبة ويا حرف وضع لنداء البعيد وقد ينادى به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد، إمّا لعظمته كقول الداعي: يا رب ويا الله وهو أقرب إليه من حبل الوريد، أو لغفلته وقلة فهمه، أو للاعتناء بالمدعوّ له وزيادة الحث عليه، ولفظ الناس يعم الموجودين وقت النزول لفظاً ومن سيوجد تنزيلاً للمعدوم منزلة الموجود، لما تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أنّ مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل وإن قال الإمام الرازي: الأقرب أنه لا يتناوله لأن {يا أيها الناس} صرف خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز وتناوله له لدليل منفصل وهو ما تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أنّ أحكامه ثابتة في حق من سيوجد إلى قيام الساعة.H فإن قيل: روي عن عقبة والحسن وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن كل شيء نزل فيه {يا أيها الناس} فمكي و {يا أيها الذين آمنوا} فمدني، فكيف تكون هذه السورة مكية وقد نزلت بالمدينة؟ أجيب: بأنّ المراد بقولهم: السورة مكية أو مدنية أنّ غالبها ذلك والأولى أن يقال إنّ ذلك أكثري لا كلي وأن سورة البقرة والنساء والحجرات مدنيات باتفاق وقد قال تعالى في كل منها: {يا أيها الناس} وسورة الحج مكية سوى ما استثنى وفيها من غيره {يا أيها الذين آمنوا اركعوا} ولا يختص ذلك الخطاب بالكفار ولا بأمرهم بالعبادة فإنّ المأمور به هو المشترك بين بدء العبادة والزيادة فيها والمواظبة عليها، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد الإيمان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع فإنّ من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به، وكما أن الحدث لا يمنع وجوب الصلاة فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب رفع الكفر والاشتغال بالعبادة ومن المؤمنين ازديادهم
وثباتهم عليها وإنما قال الله تعالى: {ربكم} تنبيهاً على أنّ الموجب للعبادة هي الربوبية، وقوله تعالى: {الذي خلقكم} أي: أنشأكم ولم تكونوا شيئاً صفة جرت عليه للتعظيم والتعليل، ويحتمل التقييد إن خص الخطاب بالمشركين، وأريد بالرب أعم من الرب الحقيقي والآلهة التي يسمونها أرباباً والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء، وأصله التقدير، يقال: خلق النعل، إذا قدّرها وسوّاها بالقياس. وقرأ أبو عمرو خلقكم بإدغام القاف في الكاف بخلف عنه {و} خلق {الذين من قبلكم} وهذا متناول لكل ما يتقدّم الانسان بالذات أو الزمان كتقدّم الجزء على الكل والواحد على الاثنين، وهو منصوب عطف على الضمير المنصوب في خلقكم كما علم من التقدير والجملة أخرجت مخرج المقرر عندهم، إمّا لاعترافهم به كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله} (الزخرف، 87) {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنّ الله} (الزمر، 38) أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر، وقوله تعالى: {لعلكم تتقون} إما حال من الضمير في اعبدوا كأنه قال: اعبدوا، ربكم راجين أن تدخلوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله تعالى نبه به على أنّ التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبرّي من كل شيء سوى الله إلى الله وأنّ العابد ينبغي أن لا يغترّ بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء، كما قال تعالى: {يدعون ربهم خوفاً وطمعاً يرجون رحمته ويخافون عذابه} (الإسراء، 57) ، وإمّا من مفعول خلقكم والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من ترجى منه التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي إليه وغلب تعالى المخاطبين بقوله: {لعلكم} على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعاً ولعل في الأصل للترجي وفي كلامه تعالى للتحقيق، والآية تدل على أنّ الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته والعلم باستحقاقه للعبادة النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله، وأنّ العبد لا يستحق بعبادته عليه تعالى ثواباً فإنها لما وجبت عليه شكراً لما عدّده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل وقوله تعالى: {الذي جعل} أي: خلق {لكم الأرض فراشاً} أي: بساطاً تفرش صفة ثانية، أو منصوب بتقدير أمدح، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، ومعنى جعلها فراشاً أن جعل بعض جوابنها بارزاً عن الماء مع ما في طبع الماء من الإحاطة بها وصيرها متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط وذلك لا يستدعي كونها مسطحة لأنّ كرية شكلها مع عظم حجمها واتساع جرمها لا تأبى الفراش عليها فليس في ذلك إلا أنّ الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفاريش، وسواء كانت على شكل السطح أو على شكل الكرة {و} جعل لكم {السماء بناء} أي: قبة مضروبة عليكم. والسماء اسم جنس يقع على الواحد وعلى المتعدد كالدينار والدرهم وقيل: جمع سماءة. والبناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء ومنه: بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوّجوا ضربوا عليها خباء جديداً، وقوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء} معطوف على {جعل} والمراد بها، إمّا السحاب فإنّ ما علاك سماء، وإمّا الفلك فإنّ المطر يبتدىء إمّا من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض كما دلت عليه الظواهر من الآيات كقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء} (لقمان، 10) وقوله تعالى: {أنزل من السماء ماءً فسلّكه ينابيع في الأرض} (الزمر، 21) ، وعن خالد بن معدان قال: المطر ماء يخرج من
تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا فيجتمع في موضع فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه فيسوقها الله حيث شاء، وإما من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جوّ الهواء فتنعقد سحاباً ماطراً. {فأخرج به من} أنواع {الثمرات رزقاً لكم} تأكلونه وتعلفون منه دوابكم وخروجها بقدرة الله تعالى ومشيئته، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سبباً في إخراجها ومادّة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما، أو أبدع في الماء قوّة فاعلة وفي الأرض قوّة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار، وهو تعالى قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والموادّ، ولكن له في إنشائها مرتقياً من حال إلى حال صنائع وحكم يجدد فيها لأولي الأبصار عبراً وسكوناً إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إيجادها دفعة. تنبيه: من الأولى للابتداء ومن الثانية للتبعيض بدليل قوله تعالى: {فأخرجنا به ثمرات} (فاطر، 27) لأنّ ثمرات جمع قلة منكر واكتناف المنكرين لها أعني ماء ورزقاً كأنه تعالى قال: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، وهذا التبعيض هو الموافق للواقع إذ لم ينزل من السماء الماء كله ولا أخرج بالمطر كل الثمرات ولا جعل بالمطر كل المرزوق، ويصح أن تكون من الثانية للتبيين ورزقاً مفعول وهو المبين بمعنى المرزوق كقول القائل: أنفقت من الدراهم ألفاً، فإن من الدراهم بيان لقوله عقبه ألفاً. فإن قيل: المحلّ محلّ جمع الكثرة فكيف أتى بجمع القلة؟ أجيب: بأنّ الجموع يتناوب بعضها موقع بعض كقوله تعالى: {كم تركوا من جنات} (الدخان، 25) وأوقع جمع القلة موقع جمع الكثرة بدليل ذكركم وكقوله تعالى: {ثلاثة قروء} (البقرة، 238) فأوقع جمع الكثرة موضع جمع القلة لأن مميز الثلاثة لا يكون إلا جمع قلة أو لأنّ الثمرات لما كانت محلاة باللام خرجت عن حدّ القلة {فلا تجعلوا أنداداً} أي: شركاء في العبادة. فإن قيل: لم سمي ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً مع أنهم ما زعموا أنها تساويه في ذاته وصفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله؟ أجيب: بأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أنها تدفع عنهم بأس الله وتمنحهم ما لم يرد الله بهم من خير فتهكم الله تعالى بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أنداداً لمن يمتنع أن يكون له ندّ ولذلك قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه: *أرباً واحداً أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور* أدين أي: أطيع، من دان أي: انقاد، إذا تقسمت أي: تفرّقت: *تركت اللات والعزى جميعاً ... كذلك يفعل الرجل البصير* *ألم تعلم بأن الله أفنى ... رجالاً كان شأنهم الفجور* *وأبقى آخرين ببرّ قوم ... فيربو منهم الطفل الصغير* وقوله تعالى: {وأنتم تعلمون} حال من ضمير {فلا تجعلوا} ومفعول تعلمون متروك، أي: وحالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي فلو تأمّلتم أدنى تأمّل اضطرّ عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات منفرد بوجود الذات متعال عن مشابهة المخلوقات أو مقدّر وهو أنّ الأنداد لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله، كقوله تعالى: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء وعلى
كون {وأنتم تعلمون} حالاً فالمقصود منه التوبيخ سواء أجعل مفعول تعلمون متروكاً أو مقدراً وإن كان التوبيخ في الأوّل آكد كما صرّح به «الكشاف» لا تقييد الحكم وقصره وهو النهي عن جعلهم لله أنداداً بحال علمهم فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف. تنبيه: قال البيضاوي: واعلم أنّ مضمون الآيتين أي {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} و {الذي جعل لكم} إلى آخرهما هو الأمر بعبادة الله والنهي عن الاشراك به تعالى والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى، وبيانه أنه تعالى رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية إشعاراً بأنها العلة لوجوبها ثم بين ربوبيته بأنه تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معايشهم من المقلة والمظلة أي: الأرض والسماء والمطاعم والملابس فإن الثمرة أعمّ من المطعوم أي: فتعم الثمرات الملابس كالمطاعم والرزق أعمّ من المأكول والمشروب ثم لما كانت هذه أموراً لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته رتب عليها النهي عن الإشراك به. ولعله سبحانه وتعالى أراد من الآية الأخيرة مع ما دلّ عليه الظاهر وسيق فيه الكلام الإشارة إلى تفصيل خلق الانسان وما أفاض عليه من المعاني والصفات على طريقة التمثيل فمثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بوساطة استعمال العقل للحواس وازدواج أي: اقتران القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولدة من ازدواج أي: اقتران القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بقدرة الفاعل المختار فإنّ لكل آية ظهراً وبطناً ولكل حدّ مطلعاً. اه. هذا روي عن الحسن مرفوعاً مرسلاً، وظهر الآية ما ظهر من معانيها لأهل العلم الظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها الخواص، وقيل: ظاهرها تلاوتها، وباطنها فهمها، والحدّ أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على معرفتها. ولما قرّر سبحانه وتعالى وحدانيته وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ذكر عقبه ما هو الحجة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن المعجز بفصاحته التي غلبت فصاحة كل بليغ مع كثرتهم وإفراطهم في المضادّة وتهالكهم على المغالبة بقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب} أي: شك {مما نزلنا على عبدنا} محمد من القرآن أنه من عند الله {فأتوا بسورة} وإنما قال تعالى: {مما نزلنا} لأنّ نزوله نجماً فنجماً بحسب الوقائع على ما يرى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم كما حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} (الفرقان، 22) فكان الواجب تحدّيهم على هذا الوجه إزالة للشبهة وإلزاماً للحجة، فإن أهل الشعر والخطابة يأتون بأشعارهم وخطبهم على قدر الحاجة شيئاً فشيئاً ولما كان القرآن منزلاً كذلك طعنوا فيه بأنه مثل كلامهم فقيل لهم: إن ارتبتم في نزوله منجماً فأتوا بنجم منه لأنهم إذا عجزوا عن نجم منه فعجزهم عن كله أولى. وأضاف العبد إلى نفسه تنويهاً بذكره وتنبيهاً على أنه مختص به منقاد لحكمه. والسورة من القرآن الطائفة منه المترجمة التي لها أوّل وآخر أقلها ثلاث آيات. والحكمة في تقطيع القرآن سوراً إفراد الأنواع وتلاحق الأشكال وتجاوب النظم وتنشيط القارىء وتسهيل الحفظ والترغيب فيه، فإنّ القارىء إذا ختم سورة فرّج ذلك عنه بعض كربه،
كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى بريداً، أو الحافظ إذا حفظ سورة اعتقد أنه أخذ من القرآن حظاً تامّاً وفاز بطائفة محدودة مستقلة بنفسها فعظم ذلك عنده وابتهج به إلى غيرها من الفوائد، وقوله تعالى: {من مثله} صفة سورة أي: بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا ومن للتبعيض، أو للتبيين، وزائدة عند الأخفش، أي: بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، وقيل: الضمير لعبدنا، ومن للإبتداء أي: بسورة كائنة ممن هو على حاله من كونه بشراً أميّاً لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم، والوجه الأول أولى لأنه المطابق لقوله تعالى في سورة يونس: {فأتوا بسورة مثله} (يونس، 38) ولسائر آيات التحدي، ولأنّ الكلام في المنزل لا في المنزل عليه فحقه أن لا ينفك عنه ليتسق الترتيب والنظم إذ المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فأتوا بقرآن من مثله ولأنّ مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء جنسهم أبلغ في التحدي من أن يقال لهم: ليأت بنحو ما أتى به عبدنا آخر مثله ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} (الإسراء، 88) ولأن عود الضمير إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته ولا يلائمه قوله تعالى: {وادعوا شهداءكم من دون الله} فإنه تعالى أمر أن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم سواء كان مثله أم لا والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: شهيد، لأنه حضر ما كان يرجوه أو الملائكة حضروه، ومعنى دون: أدنى مكان من الشيء، ومنه تدوين الكتب لأنه أدنى البعض، من البعض ودونك هذا أي: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للرتب فقيل: عمرو دون زيد، أي: في الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى آخر وتخطي أمر إلى آخر وإن خلى عن الرتبة قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} (آل عمران، 28) أي: لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين، ومن متعلقة بادعوا فهي لابتداء الغاية، والمعنى: وادعوا للمعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وادعوا آلهتكم التي تعبدونها غير الله وتزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة، أي: استعينوا بهم في الإتيان بما ذكر {إن كنتم صادقين} في أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه، وأن آلهتكم تشهد لكم بذلك، وجواب هذا الشرط محذوف تقديره فافعلوا أي: ما ذكر من الإتيان بسورة دل عليه قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا} ذلك والصدق الإخبار المطابق وقيل: مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو إمارة لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم: {إنك لرسول الله} (المنافقون، 1) لما لم يعتقدوا مطابقته، ورد هذا القول بصرف التكذيب إلى قولهم: نشهد لأنّ الشهادة إخبار عما عمله وهم ما كانوا عالمين به، وقوله تعالى: {ولن تفعلوا} جملة معترضة أي: لا يقع منكم ذلك أبداً لإعجاز القرآن {فاتقوا النار التي وقودها} أي: ما تتقد به {الناس والحجارة} التي نحتوها واتخذوها أرباباً من دون الله طمعاً في شفاعتها والانتفاع بها ويدل لذلك قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الأنبياء، 98) عذبوا بما هو منشأ جرمهم كما عذب الكانزون بما كنزوه أو حجارة الكبريت، كما رواه الطبراني عن ابن مسعود، والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما وعليه أكثر المفسرين، وإن قال البيضاوي: إنه تخصيص بغير دليل لأنّ مثل هذا التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حكم المرفوع وأيضاً حجارة الكبريت أشدّ حرّاً وأكثر التهاباً وتزيد على غيرها من الأحجار سرعة الإيقاد ونتن الريح وكثرة الدخان وشدّة الالتصاق بالأبدان وقيل: جميع الحجارة. تنبيه: تفعلوا مجزوم بلم لا بإن لأن لم واجبة الإعمال مختصة بالمضارع متصلة بالمعمول، ولأنها لما صيرته ماضياً صارت كالجزء منه، وحرف الشرط كالداخل على المجموع وكأنه قال: فإن تركتم الفعل ولذلك ساغ اجتماعهما وحاصله أن إن تقتضي الاستقبال ولم تقتضي المضيّ فرجحت لم لما ذكر فيكون المعنى على المضيّ دون الاستقبال وقيل: إنّ إن بمعنى إذ ولا إشكال حينئذٍ، وقيل: كل منهما على حقيقته، والمعنى إن تبيّن في المستقبل عدم فعلكم في الماضي ولن تفعلوا في المستقبل فاتقوا النار، ولن كلا في نفي المستقبل غير أنه أبلغ وهو حرف بسيط ثنائي الوضع، وقيل: أصله لا إن حذفت الهمزة منها لكثرتها في الكلام ثم ألف لا لالتقاء الساكنين. ولما كانت الآية مدنية نزلت بعدما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم: {ناراً وقودها الناس والحجارة} (التحريم، 6) وسمعوه صح تعريف النار ووقوع الجملة صلة فإن الصلة يجب أن تكون معلومة وهي معلومة هنا من سورة التحريم حيث وقعت صفة. فإن قيل: الصفة أيضاً يجب أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف كالصلة وإلا لكانت خبراً ولهذا قالوا: إن الصفات قبل العلم بها أخبار كما أنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف فيأتي في الصفة في آية التحريم ما ذكر في الصلة أجيب: بأنّ الصلة والصفة يجب كونهما معلومين للمخاطب لا لكل سامع وما في التحريم خطاب للمؤمنين وقد علموا ذلك لسماعهم من النبيّ صلى الله عليه وسلم ولما سمع الكفار ذلك الخطاب أدركوا منه ناراً موصوفة بتلك الجملة فجعلت فيما خوطبوا به {أعدّت} أي: هيئت {للكافرين} وجعلت عدّة لعذابهم، وفي ذلك دليل على أنّ النار مخلوقة معدّة لهم الآن، والجملة استئناف أو حال من النار بإضمار قد، والعامل في الحال اتقوا وهي حال لازمة فلا يشكل بأنّ النار أعدّت للكافرين اتقوها أم لا. تنبيه: قال البيضاوي: في الآيتين أي: آية {إن كنتم في ريب} وآية {فإن لم تفعلوا} (البقرة، 24) ما يدل على النبوّة من وجوه: الأوّل: ما فيهما أي: في مجموعهما من التحدي والتحريض على الجدّ وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع والتهديد وتعليق الوعيد على عدم الإيتان بما يعارض أقصر سورة من سور القرآن العزيز ثم أنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادّة لم يتصدّوا لمعارضته والتجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج لأنّ قوله من التحدي راجع للآية الأولى والباقي راجع إلى الثانية، والثاني: تضمنهما أي: مجموعهما الإخبار عن الغيب على ما هو به فإنهم لو عارضوه بشيء لامتنع خفاؤه عادة سيما والطاعنون فيه أكثر من الذابين عنه في كل عصر لأنّ ذلك راجع للآية الثانية، والثالث: أنه عليه الصلاة والسلام لو شك في أمره ـ أي: نفسه ـ لما دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة مخافة أن يعارض فتذهب حجته، وهذا راجع إلى الآية الأولى. ثم عطف سبحانه وتعالى حال من آمن بالقرآن ووصف ثوابه على حال من كفر به وكيفية عقابه على عادة ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع الترغيب
بالترهيب تنشيطاً لاكتساب ما ينجي وتثبيطاً عن اقتراف ما يردي بقوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: الطاعات {أن لهم جنات} أي: حدائق ذات شجر ومساكن، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أو عالم كل عصر، أو كل أحد يقدر على البشارة أن يبشر الذين آمنوا ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنؤوا بما أعد لهم، والبشارة: الخبر الصدق السار أوّلاً فإنه يظهر أثر السرور في البشرة لأن النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجرة ولذلك قال الفقهاء: البشارة هو الخبر الأوّل حتى لو قال الرجل لعبيده: من يبشرني بقدوم ولدي فهو حرّ فأخبروه فرادى عتق أوّلهم ولو قال: من أخبرني عتقوا جميعاً. فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} ؟ أجيب: بأنّ ذلك ورد على سبيل التهكم كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) وعطف سبحانه وتعالى العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأنّ السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإنّ الإيمان الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا نفع تام بأس لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا مفردين وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه، وجمع سبحانه وتعالى الجنة لأنّ الجنان على ما ذكره ابن عباس سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعلييون، وفي كل واحدة من هذه السبع مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال.l واللام في الصالحات للجنس لا للاستغراق إذ لا يكاد المؤمن أن يعمل جميع الصالحات، واللام في لهم تدل على استحقاقهم إياها لأجل ما ترتب عليه من الإيمان والعمل الصالح لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة فضلاً عن أن يقتضي ثواباً وجزاءً فيما يستقبل بل بجعل الشارع ومقتضى وعده ولا على الإطلاق بل بشرط أن يستمرّ عليه حتى يموت وهو يؤمن لقوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} (البقرة، 217) ولعله سبحانه وتعالى لم يقيدها هنا استغناء بهذه الآية وأشباهها {تجري من تحتها} أي: من تحت أشجارها ومساكنها {الأنهار} كما تراها جارية تحت الأشجار الثابتة على شواطئها، وعن مسروق: أنهار الجنة تجري في غير أخدود، قال الجوهري: الأخدود شق مستطيل في الأرض واللام في الأنهار للجنس كما في قولك لفلان بستان فيه الماء الجاري، قال البيضاوي: أو للعهد والمعهود هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى: {أنهار من ماء غير آسن} (محمد، 15) الآية. اه. قال التفتازاني: إنما يصح هذا لو ثبت سبق قوله تعالى: {أنهار من ماء غير آسن} في الذكر. اه. والنهر بالفتح والسكون: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات، والمراد بالأنهار ماؤها على حذف مضاف أو تسمية للماء باسم مجراه مجازاً وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} (الزلزلة، 2) {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً} أي: أطعموا من تلك الجنات ثمرة، ومن صلة {قالوا هذا الذي رزقناكم} أي: أطعمنا {من قبل} أي: من قبل هذا في الدنيا جعل الله تعالى ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس إليه
أوّل ما يرى فإنّ الطبائع مائلة إلى المألوف مستنفرة من غيره أي: هذا من نوعه لتشابه ما يؤتون به في الصورة كما قال تعالى: {وأتوا به متشابهاً} أي: في اللون والصورة مختلفاً في الطعم وذلك أبلغ في باب الاعجاز، والداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم وافتخارهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة، وقيل: في الجنة لأن طعامها متشابه الصورة كما حكي عن الحسن أنّ أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل كل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك فتقول الملائكة: كل فاللون واحد والطعم مختلف أو كما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «والذي نفس محمد بيده إنّ الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدّل الله مكانها مثلها» وعن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى والعنقود اثنا عشر ذراعاً. فإن قيل: على الأوّل التشابه هو التماثل في الصفة وهو مفقود بين ثمرات الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس: ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء. أجيب: بأن التشابه، بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون المقدار والطعم وهو كاف في إطلاق التشابه، وللآية كما قال البيضاوي محمل آخر وهو أنّ مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها فيحتمل أن يكون المراد من هذا الذي رزقنا أنه ثوابه ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والرتبة وعلوّ الطبقة، فيكون هذا في الوعد نظير قوله تعالى: {ذوقوا ما كنتم تعملون} (العنكبوت، 55) في الوعيد {ولهم فيها} أي: الجنات {أزواج} من الحور العين والآدميات {مطهرة} مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهنّ كالحيض والدرن أي: الوسخ ودنس الطبع وسوء الخلق فإنّ التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال ومعنى تطهيرهنّ مما ذكر كما قال التفتازاني: إنها منزهة عن ذلك مبرأة عنه بحيث لا يعرض لهنّ لا التطهر الشرعي بمعنى إزالة النجس الحسي أو الحكمي، كما في الغسل عن الحيض والزوج يقال: للذكر والأنثى، قال تعالى: وأصلحنا له زوجه، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف. فإن قيل: فائدة المطعوم هو التقوى ودفع ضرر الجوع وفائدة المنكوح التوالد وحفظ النوع وهذه الفوائد مستغنى عنها في الجنة. أجيب: بأن مطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثيل ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدتها {وهم فيها خالدون} أي: دائمون أحياء، لا يموتون ولا يخرجون، والأصل في الخلود الثبات المديد دام أو لم يدم إذ لو كان وضعه للدوام لكان التقييد بالتأبيد في قوله تعالى: {خالدين فيها أبداً} تأكيداً لا تأسيساً والأصل خلافه لكن المراد به الدوام في الآية عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن. فإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادّة الكيفية معرضة للاستحالات المؤدّية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنات؟ أجيب: بأنه تعالى يعيدها بحيث لا تعتريها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلاً متقاومة في الكيفية متساوية في القوّة لا يقوى شيء منها على
إحالة الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن، ولما كان معظم اللذات الحسية مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكح على ما دلّ عليه الاستقراء وكان مآل ذلك كله الثبات والدوام وأنّ كل نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر المؤمنين بالمساكن والمطاعم والمناكح فبشر بالأوّل بقوله تعالى: {جنات تجري من تحتها الأنهار} وبالثاني بقوله تعالى: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً} الآية وبالثالث بقوله تعالى: {ولهم فيها أزواج مطهرة} ومثل ما أعدّ لهم في الآخرة بأحسن ما يستلذ منها، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور. ولما ضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالذباب والعنكبوت في قوله تعالى: {وإن يسلبهم الذباب} (الحج، 73) وقوله تعالى: {كمثل العنكبوت} (العنكبوت، 41) قالت اليهود: ضرب المثل بذلك مما يستحيا منه لخسته فليس من عند الله تعالى فنزل ردّاً عليهم. {إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئك هُمُ الْخَاسِرُونَ * كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} {إن الله لا يستحيي} أي: لا يترك {أن يضرب مثلاً مّا بعوضة} وهي صغيرة البق ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها وأن بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار من منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذف من عند سيبويه، ويجوز كما في «الكشاف» نصبه بإفضاء الفعل إليه بنفسه فإن استحيا يتعدّى بنفسه أيضاً، يقال: استحييت منه واستحييته، وما إمّا إبهامية تزيد النكرة قبلها إبهاماً وإمّا مزيدة لتأكيد معنى مضمون الجملة قبلها كالتي في قوله تعالى: {فبما رحمة من الله} (آل عمران، 159) ولا يراد بالمزيد اللغو الضائع فإن القرآن كله هدى وبيان بل المراد بالمزيد ما لم يوضع لمعنى يراد منه وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيده وثاقة وقوّة وهو زيادة في الهدى غير قادح في القرآن، وبعوضة عطف بيان أو بدل من مثلاً أو مفعول ثان ليضرب بمعنى يجعل، والحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها وبين الخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً فإذا وصف به الباري سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث «إنّ الله يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه» «إنّ الله حييّ كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردّهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً» فالمراد به الترك كما قدّرته اللازم للانقباض كما أنّ المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما، وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيء الحياء فيها للمشاكلة وهو أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ولو تقديراً كما هنا وهو قول الكفرة: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت. ولما كان التمثيل ويصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه فإنّ المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم لأنّ من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل سبحانه وتعالى في الإنجيل غلّ الصدر بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة ومخالطة السفهاء بإثارة الزنابير ونصه على ما حكاه الفخر الرازي في الأوّل: لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل
في صدوركم. وفي الثاني: قلوبكم كالحصاة التي لا تطبخها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الريح. وفي الثالث: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخالطوا السفهاء فيشتموكم، وجاء في كلام العرب أسمع من قراد لأنّ العرب تزعم أنه يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرّك لها، وقيل: من مسيرة سبع ليال وأعز من مخ البعوض يضرب لمن يكلف الأمور الشاقة {فما فوقها} أي: ما زاد على البعوضة في الجثة كالذباب والعنكبوت، والمعنى أنه لا يستحيي من ضرب المثل بالبعوضة فضلاً عما هو أكبر منه، أو المعنى الذي جعلت فيه مثلاً وهو الصغر والحقارة كجناحها فإنه عليه الصلاة والسلام ضرب جناحها مثلاً للدنيا بقوله في خبر الترمذي: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء» ونظيره في احتمال الفوقية للجثة وللمعنى ما روى البخاري وغيره: أنّ رجلاً بمنى خر على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في الألم كالسقوط على الطنب وما زاد عليها في القلة كقرصة النملة، والطنب حبل الخباء، والفسطاط بيت من شعر. {فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنه} أي: ضرب المثل بذلك {الحق} أي: الواقع موقعه {من ربهم} لأن الحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وهم يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة من قولهم: حق إذا ثبت ومنه ثوب محقق، أي: محكم النسج، وأمّا حرف تفصيل يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء، قال سيبويه: أمّا زيد فذاهب معناه مهما يكن من شيء فزيد ذاهب أي: هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة، وكان الأصل دخول الفاء على الجملة لا الخبر لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا الفاء على الخبر وعوضوا المبتدأ عن جملة الشرط لفظاً {وأمّا الذين كفروا فيقولون ماذا} يحتمل وجهين: أن تكون ما استفهامية وذا بمعنى الذي وما بعده صلته والمجموع خبر ما، وأن تكون ما مع ذا اسماً واحداً بمعنى أيّ شيء {أراد الله بهذا} فهو منصوب المحل على المفعولية لأراد فما وذا كما في «الكشاف» في حكم ما وحده لو قلت ما أراد الله وكان من حقه، وأمّا الذين كفروا فلا يعلمون ليطابق قرينه وهو الذين آمنوا ويقابل قسيمه وهو يعلمون أنه الحق، لكن لما كان قولهم هذا دليلاً واضحاً على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية عن عدم علمهم ليكون كالبرهان عليه والإرادة صفة ذاتية قديمة زائدة على العلم ترجح أحد مقدوريه على الآخر وتخصصه بوجه دون وجه بخلاف القدرة فإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجوه بل هي موجدة للفعل مطلقاً وقوله تعالى: {مثلاً} نصب على الحال من اسم الإشارة والعامل فيه اسم الإشارة أو التمييز والمعنى أي فائدة في ذلك فقال تعالى: {يضلّ به كثيراً} بأن يكذبوا به {ويهدي به كثيراً} بأن يصدقوا به وكثرة كل واحد من القبيلين بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس أي: لا بالنظر إلى مقابليهم فإنّ المهتدين قليلون بالإضافة إلى أهل الضلال كما قال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} (سبأ، 13) ويحتمل أن تكون كثرة الضالين من حيث العدد وكثرة المهتدين باعتبار الفضل والشرف كما قال المتنبي في مدح علي بن يسار: *
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد* *ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... قليل إذا عدّوا كثيراً إذا شدوا* وقال: إن الكرام كثير (أي: كرماً) في البلاد وإن قلوا (أي: عدداً) ، كما غيرهم (قل بضم القاف وكسرها أي: قليل كرماً) وإن كثروا. أي: عدداً {وما يضلّ به إلا الفاسقين} أي: الخارجين عن حدّ الإيمان بالكفر كقوله تعالى: {إنّ المنافقين هم الفاسقون} (التوبة، 67) وتخصيص الإضلال بهم مرتباً على صفة الفسق يدل على أنه الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال بالمثل وسبب ضلالتهم به أن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل صرفت وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم وازدادت به ضلالتهم فأنكروا المثل واستهزؤوا به، وأمّا الفاسق في الشرع فهو الخارج عن أمر الله بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم تغلب طاعاته على معاصيه ولا يخرجه ذلك عن الإيمان إلا إذا اعتقد حل المعصية سواء أكانت كبيرة أم صغيرة قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات، 9) والمعتزلة جعلوا الفاسق قسماً ثالثاً نازلاً بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركة كل واحد منهما في بعض الأحكام. ثم بين سبحانه وتعالى صفة الفاسقين بقوله: {الذين ينقضون عهد الله} وهو إمّا المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسله وعليه يدلّ قوله تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم} (الأعراف، 172) وإمّا المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدّق بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه وعليه يدل قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} (آل عمران، 187) الآية وقيل: عهود الله ثلاثة: عهد أخذه بواسطة العقل على جميع ذرّية آدم بأن يقروا بربوبيته، وعهد أخذه بواسطة الملك على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وعهد أخذه بواسطة الرسل على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه، وقوله تعالى: {من بعد ميثاقه} أي: توكيده، يحتمل عود الضمير للعهد فهو من إضافة المصدر إلى المفعول أو لله فهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، قال البيضاويّ: ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر واعترض: بأنّ النحويين لم يذكروا مفعالاً في صيغ المصادر، وأصله أن يكون وصفاً كمطعام ومسقام. وأجيب: بحمل ذلك على أنه اسم واقع موقع المصدر كما يشير إليه قوله بمعنى المصدر: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} وهو الرحم لأنهم قطعوا رحم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمعاداة معه، ويحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى كقطع الرحم والإعراض عن موالاة المؤمنين والتفرقة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والكتب في التصديق وترك الجماعات وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شرّ فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل والأمر هو القول الطالب للفعل، وقيل: مع العلوّ، وقيل: مع الاستعلاء، وأن يوصل بدل من الهاء، وقرأ ورش بتغليظ اللام وصلاً وإذا وقف رقق وغلظ وأدغم خلف النون في الياء بغير غنة {ويفسدون في الأرض} بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه {أولئك هم الخاسرون} بفوات التوبة والمصير إلى العقوبة بإهمال
العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها، واشتروا النقض بالوفاء؛ والفساد بالصلاة؛ والعقاب بالثواب. ثم وبخ سبحانه وتعالى الكفار بقوله: {كيف تكفرون با} أي: أخبروني على أي حال تكفرون {وكنتم أمواتاً} أي: نطفاً في أصلاب آبائكم لا إحساس لكم {فأحياكم} في الأرحام ثم في الدنيا بخلق الأرواح ونفخها فيكم وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه غير متراخ عنه بخلاف البواقي، وقرأ الكسائي بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} للبعث يوم ينفخ في الصور أو للسؤال في القبور. قال التفتازاني: ولم لا يجوز أن يراد مطلق الإحياء بعد الإماتة على ما يعم الإحياء في القبور والنشور، ولا بعد فيه لشدّة ارتباط الإحياءين واتصالهما في الانقطاع عن أمر الدنيا {ثم إليه ترجعون} تردّون بعد الحشر فيجازيكم بأعمالكم أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب فما أعجب كفركم مع عملكم بحالكم هذه. فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون أجيب: بأن تمكنهم من العلم بما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر سيما في الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولاً قدر على أن يحييهم ثانياً فإنّ بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته. فإن قيل: كيف تعدّ الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ أجيب: بأنها لما كانت وصلة للحياة الدائمة التي هي الحقيقية كما قال تعالى: {وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان} (العنكبوت، 64) يعني: الحياة، كانت من النعم العظيمة مع أنّ المعدود عليهم نعمة هو المعنى المتنزع من القصة بأسرها كما أن الواقع حالاً هو العلم بها لا كل واحدة من الجمل فإنّ بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا يصح حالاً ويصح أن يكون الخطاب مع الكفار والمؤمنين فإنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد والنبوّة ووعدهم على الإيمان وأوعدهم على الكفر أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامّة والخاصة واستبعد صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم الجليلة فإنّ عظم النعم يوجب عظم معصية المنعم وأن يكون مع المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم وتبعيد الكفر عنهم على معنى كيف يتصوّر الكفر منكم وكنتم أمواتاً أي: جهالاً فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان ثم يميتكم الموت المعروف ثم يحييكم الحياة الحقيقية ثم إليه ترجعون فينبئكم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والحياة حقيقة في القوّة الحاسة أو ما يقتضيها وبها سمي الحيوان حيواناً مجاز في القوّة النامية لأنها من طلائعها ومقدّماتها وفيما يخص الإنسان من الفضائل كالعلم والعقل والإيمان من حيث أنه كمالها وغايتها والموت بإزائها، يقال على ما يقابلها في كل مرتبة مثال ما يقابل الحقيقة قوله تعالى: {قل الله يحييكم ثم يميتكم} (الجاثية، 26) ومثال ما يقابل المجاز الأوّل قوله تعالى: {اعلموا أنّ الله يحيي الأرض بعد موتها} (الحديد، 17) ومثال ما يقابل المجاز الثاني قوله تعالى: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} (الأنعام، 122) وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوّة فينا
أو معنى قائم بذاته تعالى، ثم أومأ إلى مشيئته وقدرته فقال: {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ا?رْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى? إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّ?ـاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ? وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَا??ـ?ِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى ا?رْضِ خَلِيفَةً? قَالُو?ا? أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ? قَالَ إِنِّي? أَعْلَمُ مَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَءَادَمَ ا?سْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَا?ئِكَةِ فَقَالَ أَن?بِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَا?ؤُ?ءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا? سُبْحَانَكَ عِلْمَ لَنَآ إِs مَا عَلَّمْتَنَآ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} {هو الذي خلق لكم ما في الأرض} أي: لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط كالأدوية المركبة، أو غير وسط كالثمرة والأدوية المفردة، وفي دينكم بالاستدلال على موجدكم ففي ذلك نعمة على عباده سبحانه وتعالى وما نعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إن أريد بالأرض جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو وقوله تعالى: {جميعاً} حال من الموصول الثاني وهو ما وهي حال مؤكدة لما لاتحادهما في العموم وهذا أقرب من جعله حالاً من ضمير لكم لأنّ سياق الآيات إنما هو في تعداد النعم لا في تعداد المنعم عليهم، ولأنّ المنة بتعداد النعم أظهر من المنة بتعداد المنعم عليهم لأنّ مقدار النعم يصل إلى كل أحد {ثم استوى إلى السماء} أي: قصد إلى خلقها بإرادته، وأصل الاستواء طلب السواء وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء ولا يمكن حمله على الله تعالى لأنه من خوّاص الأجسام وقيل: استوى استولى كما قيل: *قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق* والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية أو جهات العلو ليطابق قوله تعالى: {فسوّاهنّ سبع سموات} فجمع الضمير العائد إلى السماء لإرادة الجنس، وقيل: لأنّ السماء جمع سماءة أي: جعلهنّ مستويات لا شقوق فيهنّ ولا تفاوت، قال البيضاويّ: وثم لعله لتفاوت ما بين الخلقين أي: في القدر والعظم وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} (البلد، 17) لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات، 30) فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدّم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها. اه، وأجيب: بأنه لا يدل على ذلك لأن تقدّم خلق جرم الأرض على خلق جرم السماء لا ينافي تأخر دحوها عنه وهو بسطها، وردّه التفتازانيّ بأنه ليس على ما ينبغي لأن ثم تدل على تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض من عجائب الصنع حتى أسباب اللذات والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام لا عن مجرّد خلق جرم الأرض قال: وسنذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر خلق السماء عن خلق الأرض ودحوها جميعاً حتى قيل: إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء وما فيها في يومين وكثر ذلك في الروايات فلا يفيد حمل ثم على تراخي الرتبة، اه. والأوجه كما قاله بعض المفسرين الموافق لظاهر ما هنا وما سيأتي في فصلت تأويله مع الإيضاح أن يقال: إنّ خلق جرم الأرض مقدّم على خلق جرم السماء، وخلق وصفها ـ أعني: دحوها ـ مقدّم على خلق وصف السماء أعني تسويتها سبعاً، فمرجع الإشارة في قوله تعالى بعد ذلك جرم السماء لا وصفها وبذلك علم أن جعل ثم للتراخي في الوقت لا يخالف ما ذكر خلافاً لما زعمه البيضاويّ. فإن قيل: أليس أنّ أصحاب الأرصاد أثبتوا بالبراهين تسعة أفلاك وهي كرة القمر، فكرة عطارد، فكرة الزهرة، فكرة الشمس، فكرة المريخ، فكرة المشتري، فكرة زحل، فالفلك الذي فيه الكواكب الثابتة، فالفلك الأعظم وهو متحرّك كل يوم وليلة على التقرب دورة واحدة؟ أجيب: بأنّ ما ذكروه ليس مستنداً إلى دليل شرعي فلا ينبغي اعتباره. قال البيضاويّ:
وإن صح فليس في الآية نفي الزائد مع أنه إن ضمّ إليها العرش والكرسي لم يبق خلاف وقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} أي: مجملاً ومفصلاً فيه تعليل كأنه قال: ولكونه عالماً بكيفية الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع واستدلال بأنّ من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليماً فإنّ إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع لا يتصوّر إلا من عالم حكيم رحيم أفلا تعتبرون أنّ القادر على خلق ذلك ابتداءً وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم. وقرأ حمزة والكسائي ثم استوى وفسوّاهنّ بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائيّ وهو بسكون الهاء، والباقون بضمها، {و} اذكر يا محمد {إذ قال ربك للملائكة} وقيل: إذ زائدة أي: وقال ربك: وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وهو إلا إما يقدّر اذكر وهو الأولى أو تكون إذ مزيدة وإذ وإذا ظرفا توقيت إلا أنّ إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر، قال المبرد: إذا جاء إذ مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله تعالى: {وإذ يمكر} (الأنفال، 30) يعني: وإذ مكروا، وإذا جاء إذا مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله تعالى: {إذا جاء نصر الله} (الفتح، 1) أي: سيجيء، وقرأ أبو عمرو بإدغام اللام في الراء بخلاف عنه، والباقون بالإظهار، والملائكة جمع ملك أصله ملاك والتاء لتأنيث الجمع وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة لأنهم وسايط بين الله تعالى وبين الناس فهم رسل الله أو كالرسل إليهم لتوسط الأنبياء بينهم وبين الناس واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام لطيفة شفافة ويعبرون عنها بنورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة والجنّ قادرة على ذلك واستدلوا على ذلك بأنّ الرسل كانوا يرونهم أجساماً لطيفة متشكلة بأشكال مختلفة وزعم الحكماء ـ يعني الفلاسفة ـ أنهم جواهر مجرّدة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة أي: المتصفة بفضائل العلم والعمل، بخلاف الشرّيرة فإنها عندهم: الشياطين البشرية الناطفة. قوله: البشرية وما بعده صفة للنفوس المفارقة للأبدان يعني: ما دامت في الأبدان تسمى النفوس، فإذا فارقتها كانت الملائكة، والمقول له الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص، وقيل: ملائكة الأرض وذلك أنّ الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجنّ فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجنّ في الأرض فمكثوا فيها دهراً طويلاً ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا فيها فبعث الله تعالى إليهم جنداً من الملائكة يقال له: الجنّ وهم خزان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة رأسهم إبليس فكان رئيسهم ومن أشدّهم وأكثرهم علماً فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجنّ إلى شعوب الجبال وبطون الأودية وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله تعالى عنهم العبادة وأعطى الله تعالى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب وقال: ما أعطاني الله تعالى هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال الله
تعالى له ولجنده: {إني جاعل في الأرض خليفة} وجاعل من جعل الذي له مفعولان وهما في الأرض خليفة أعمل فيهما لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه ويجوز أن يكون بمعنى خالق فيتعدّى لمفعول واحد وهو خليفة والخليفة من يخلف غيره وينوب عنه، أي: جاعله بدلاً منكم ورافعكم إليّ فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة، والهاء فيه للمبالغة والمراد به لآدم صلى الله عليه وسلم لأنه كان خليفة الله في أرضه وكذا كل نبيّ استخلفه الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فبضه وتلقي أمره بغير وسط ولذلك لم يستنبىء ملكاً كما قال تعالى: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} (الأنعام، 9) أي: في صورة رجل ألا ترى أنّ الأنبياء لما فاقت قوّتهم واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار أرسل إليهم الملائكة ومن كان من الأنبياء أعلى رتبة كلمه بلا واسطة كما كلم موسى صلاة الله وسلامه عليه في الميقات ومحمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وقيل: إنه خليفة من سكن الأرض قبله، وقيل: المراد آدم وذرّيته لأنهم يخلفون من قبلهم أو يخلف بعضهم بعضاً وإفراد اللفظ إمّا للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه أو على تأويل من يخلف، وفائدة قوله هذا للملائكة تعليم المشاورة وتعظيم شأن المجعول بأن بشر تعالى بوجود سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه وبيان أنّ الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثير إلى غير ذلك {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} بالمعاصي {ويسفك الدماء} أي: يريقها بالقتل كما فعل بنو الجان تعجبوا من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد وقصدهم استكشاف ما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: {بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء، 26) وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى أو تلق من اللوح أو استنباط عما ركز في عقولهم أنّ العصمة من خواصهم أو قياس لأحد الثقلين على الآخر وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب {ونحن نسبح} متلبسين {بحمدك} أي: نقول سبحان الله وبحمده وهذه صلاة ما عدا الآدميين وعليها يرزقون قال تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (الإسراء، 44) أي: يقول: سبحان الله وبحمده. روي عن أبي ذرّ: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله ملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده» وقيل: ونحن نصلي بأمرك، قال ابن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة {ونقدّس لك} ننزهك عما لا يليق بك، فاللام صلة والجملة حال مقرّرة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج، والمعنى: أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك، والمقصود منه الاستفسار عما رجحهم مع ما هو متوقع منهم على الملائكة المعصومين في الاستخلاف لا العجب والتفاخر، وقيل: نقدّس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح
وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة بتطهر النفس عن الآثام {قال} تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} من المصلحة في استخلاف آدم وأنّ ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم، وقيل: إني أعلم أنّ فيكم من يعصيني وهو إبليس وجنوده، وقيل: إني أعلم أنهم مذنبون وأنا أغفر لهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الباء، والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المدّ. {وعلم آدم الأسماء} أي أسماء المسميات {كلها} حتى القصعة والمغرفة، وقيل: علمه اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وقيل: صيغة كل شيء. قال أهل التأويل: إنّ الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم كل واحد من أولاده بلغة فتفرّقوا في البلدان واختص كل فرقة منهم بلغة وذلك إمّا بخلق علم ضروري بها فيه أو ألقى في قلبه علمها أو بإرسال ملك أو بخطاب الله له أو بخلق الأصوات في الأجسام المسميات، والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالباً، ولذلك يقال: علمته فلم يتعلم. وآدم اسم أعجمي كسائر الأنبياء إلا صالحاً وشعيباً ولوطاً ومحمداً بل قيل: إنّ آدم أيضاً عربي وعلى هذا فاشتقاقه من الأدمة بضم الهمزة وسكون الدال بمعنى السمرة، أو الأدمة بفتح الهمزة والدال بمعنى الأسوة أي: القدوة أو من أديم الأرض أي: ظاهر وجهها. روى الحاكم وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها» ـ وهو بفتح الحاء المهملة ما غلظ من الأرض وصلب أي: وعجنت بالمياه المختلفة ـ فخلق منها آدم ونفخ فيه الروح فصار حيواناً حساساً بعد أن كان جماداً فلذلك يأتي بنوه مختلفين في الألوان والأخلاق والهيئات، وأمّا على الأوّل فلا اشتقاق له لأنّ ذلك إنما يأتي في الأسماء العربية والأعجمي لا اشتقاق له، وكنيته أبو محمد وأبو البشر والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباعدة مستعدّاً لإدراك أنواع المدركات والمعقولات والمحسوسات والمخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. وقرأ ورش في الهمزة من آدم بالمدّ والتوسط والقصر حيث جاء، وقوله تعالى: {ثم عرضهم على الملائكة} الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمناً في قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء} إذ التقدير أسماء المسميات كما مرّ تقريره فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام في الأسماء كقوله تعالى: {واشتعل الرأس شيباً} (مريم، 4) لأنّ العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأسماء إذ العرض لا يصح فيها لأنها من المسموعات والعرض يختص بالمحسوسات بالعين تقول: عرضت الجند عرض العين إذا مررتهم عليك ونظرت ما حالهم. فإن قيل: لم قال عرضهم ولم يقل عرضها؟ أجيب: بأنّ الأسماء إذا جمعت جمع من يعقل ومن لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور، وقال مقاتل: خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة، والكناية راجعة إلى الشخوص فلذلك قال: {عرضهم على الملائكة} {فقال} لهم سبحانه وتعالى تبكيتاً لهم وتنبيهاً على عجزهم عن أمر الخلافة {أنبئوني} أي: أخبروني {بأسماء هؤلاء} المسميات {إن كنتم صادقين} أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل وأعلم منه وذلك أنّ الملائكة قالوا لما قال: {إني جاعل في الأرض خليفة} : ليخلق ربنا
ما يشاء فلن يخلق خلقاً أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم، وجواب الشرط دل عليه ما قبله. {قالوا} أي: الملائكة إقراراً بالعجز وإشعاراً بأنّ سؤالهم كان استفساراً ولم يكن اعتراضاً وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه وإظهاراً لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما التبس عليهم {سبحانك} تنزيهاً عن الاعتراض عليك {لا علم لنا إلا ما علمتنا} إياه وفي هذا مراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه سبحانه وتعالى وتصدير الكلام بسبحان إعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال فإنه تعالى منزه عن أن يفعل ما يخرج عن الحكمة، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى عليه الصلاة والسلام: {سبحانك تبت إليك} (الأعراف، 143) وقال يونس عليه الصلاة والسلام: {سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء، 87) . تنبيه: اجتمع في قوله تعالى: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} أربع مدّات، الأولى: أنبئوني، والثانية بأسماء، والثالثة والرابعة هؤلاء إن، فالأول مدّ بدل، والثاني مدّ متصل، والثالث مدّ منفصل، والرابع مخير لا متصل قطعاً ولا منفصل قطعاً عند من يقول بإسقاط إحدى الهمزتين، فأمّا الأوّل فلورش فيه المدّ والتوسط والقصر، وأمّا الثاني فبالمدّ للجميع لأنه متصل، وأمّا الثالث ففيه المدّ والقصر كما تقدّم لأنه منفصل، وأمّا الرابع وهو أولاء إن ففيه همزتان مكسورتان من كلمتين فقالون والبزي يسهلان الأولى مع المدّ والقصر، وورش وقنبل يسهلان الثانية ويجعلانها حرف مدّ، وأبو عمرو يسقط الأولى والثانية فمن قال بإسقاط الأولى مدّ وقصر، ومن قال بإسقاط الثانية فبالمدّ فقط، وباقي القرّاء يحققون الهمزتين وهم على مراتبهم في المدّ {إنك أنت العليم} الذي لا يخفى عليه خافية {الحكيم} المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة، وأنت ضمير فصل، وقيل: تأكيد للكاف كما في قولك: مررت بك أنت وإن لم يجز مررت بأنت إذ التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن. {قَالَ يَاَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَاَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَتَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} {قال} تعالى: {يا آدم أنبئهم} أي: أخبر الملائكة {بأسمائهم} أي: المسميات فسمى آدم كل شيء باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق {فلما أنبأهم بأسمائهم قال} الله تعالى لهم موبخاً {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} أي: ما غاب فيها {وأعلم ما تبدون} أي تظهرون من قولكم: {أتجعل فيها} إلخ: {وما كنتم تكتمون} أي: تسرون من قولكم: لن يخلق أكرم عليه منا ولا أعلم، وقيل: ما أظهروا من الطاعة وأسره إبليس من المعصية، والهمزة في {ألم أقل} للإنكار بمعنى النفي دخلت على حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير. تنبيه: هذه الآيات وهي آية {وعلم آدم} وآية {سبحانك} وآية {قال يا آدم} تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة وإلا لأظهر فضل آدم بها، وأن العلم بما يستخلف فيه شرط في الخلافة بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به وأنّ اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجنّ فيكون من الله وأنّ مفهوم الحكمة زائد على مفهوم
العلم لتغاير المتعاطفين وإلا لتكرر قوله: {إنك أنت العليم الحكيم} ، وأنّ علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة وأنّ آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر، 9) وأن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها لأنه أخبر عن علمه تعالى بأسماء المسميات جميعها ولم تكن موجودة قبل الإخبار. {و} اذكر {إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لما أنبأهم بالأسماء وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له واعترافاً بفضله وأداء لحقه واعتذاراً عما قالوا فيه أو أمرهم به قبل أن يسوي خلقه لقوله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (الحجر، 29) (ص، 72) امتحاناً لهم وإظهاراً لفضله، وقضية الأوّل تأخير الأمر به عن تسوية خلقه بدليل تأخيره عن أنبائهم وتعليمهم المستلزمين لتسوية خلقه، وعلى الثاني اقتصر بعض المفسرين وهو الظاهر، وأجيب عن دليل الأوّل بأنّ الواو في قوله: وإذ قلنا لا تقتضي الترتيب والسجود في الأصل تذلل مع تطامن وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة، والمأمور به إمّا المعنى الشرعي فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيماً لشأنه أو سبباً لوجوبه كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله فمعنى اسجدوا له أي: إليه وكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون أنموذجاً أي: مثالاً للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها ومجمعاً لما في العالم الروحاني والجثماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدّر لهم من الكمالات ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات أمرهم بالسجود تذللاً لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته وشكراً لما أنعم عليهم بواسطته، وأما المعنى اللغويّ وهو التواضع لآدم تحية وتعظيماً له كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: {وخروا له سجداً} (يوسف، 100) ولم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض إنما كان الانحناء فلما جاء الإسلام بطل ذلك بالسلام والكلام في أنّ المأمورين بالسجود الملائكة كلهم أو طائفة منهم مثل ما مرّ {فسجدوا} أي: الملائكة {إلا إبليس أبى واستكبر} أي: امتنع عما أمر به استكباراً من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه أو يعظمه أو يتلقاه بالتحية أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه، وقال: أنا خير منه، والإباء امتناع واختيار، والتكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره، والاستكبار طلب ذلك بالتشبع وهو التزين بأكبر مما عنده يتكبر بذلك ويتزين بالباطل {وكان من الكافرين} أي: في علم الله أو صار منهم باستقباحه أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقاداً بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله تعالى: {أنا خير منه} جواباً لقوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين} (ص، 75) لا بترك الواجب وهو السجود وحده، والآية تدل على أنّ آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له وأنّ إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم ولا يرد على ذلك قوله تعالى: {إلا إبليس كان من الجنّ} (الكهف، 50) لجواز أن يقال: كان من الجنّ فعلاً ومن الملائكة نوعاً. فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأنّ ابن عباس روى أنّ من الملائكة نوعاً يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس،
وقيل: إن الله تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أنّ من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: {إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه} (الكهف، 50) وهو أصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: والأوّل أصح لأنّ خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: {كان من الجنّ} أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إنّ الجنّ أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضاً أن الأصاغر وهم الجنّ مأمورون به أيضاً والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمناً. {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي: اتخذ الجنة مسكناً لتستقر فيها لأنها استقرار ولبث ولفظة أنت تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه وإنما لم يخاطبهما أوّلاً بأن يقول اسكنا تنبيهاً على أنه المقصود بالحكم وهو الأمر بالسكنى التي هي الأصل بالنسبة إلى ما عطف عليها من الأكل وغيره والمعطوف عليه تبع له حتى في الوجود إذ لم يكن له من يؤنسه في الجنة فخلقت حوّاء ـ بالمدّ ـ من ضلعه الأقصر من جانبه الأيسر وهو نائم فلما استيقظ من نومه رآها جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله فقال: من أنت؟ قالت: زوجتك خلقني الله لك أسكن إليك وتسكن إليّ. وسميت حوّاء لأنها خلقت من حيّ خلقها الله من غير أن يحس بها آدم ولا وجد لخلقها ألماً ولو وجد له ألماً لما عطف رجل على امرأة قط، وإنما صح العطف على المستكن مع أنّ المعطوف لا يباشر فعل الأمر لأنه وقع تابعاً ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، والجنة دار الثواب لأنّ اللام للعهد ولا معهود غيرها، ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال: إنّ الجنة بستان كان بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحاناً لآدم وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند كما في قوله تعالى: {اهبطوا مصراً} {فكلا منها} أكلاً {رغداً} أي: واسعاً لذيذاً لا حجر فيه فرغداً صفة مصدر محذوف وقيل: مصدر في موضع الحال {حيث} أي: أي مكان من الجنة {شئتما} وسع الأمر عليهما إزالة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر. وقرأ أبو عمرو بإدغام الثاء في الشين بخلاف عنه وأبدل السوسي الهمزة وقفاً ووصلاً وحمزة في الوقف فقط {ولا تقربا هذه الشجرة} بالأكل منها وهي شجرة الحنطة أو الكافور أو شجرة
العنب والتين شجرة من أكل منها أحدث والأولى كما قال البيضاوي: أن لا تعين من غير دليل قاطع أو ظاهر كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود على التعيين {فتكونا} أي: فتصيرا {من الظالمين} أي: العاصين. تنبيه: في هذه الآية مبالغتان: الأولى: تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ووجوب الاجتناب عنه وتنبيهاً على أن القرب من الشيء يورث داعية وميلاً يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع كما روى أبو داود: حبك الشيء يعمى ويصم أي: يخفى عليك معانيه ويصم أذنيك عن سماع مساويه فينبغي أن لا يحول ما حول ما حرّم عليهما مخافة أن يقعا فيه. الثانية: جعل قربانهما إلى الشجرة سبباً لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي {فأزلهما الشيطان} أي: إبليس سمي به لبعده عن الخير والرحمة وقرأ حمزة بألف بعد الزاي وتخفيف اللام أي: نحاهما والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد اللام أي: أذهبهما {عنها} أي: الجنة وإزلاله قوله: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وقوله: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ومقاسمته إياهما بقوله: إني لكما لمن الناصحين واختلف في أنه تمثّل لهما فقال لهما ذلك أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة وكيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له: اخرج منها فإنك رجيم فقيل: إنه منع من الدخول بعد خروجه. الأول: على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ولم يمنع أن يدخل لوسوسة ابتلاء لآدم وحواء فلما دخل وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما وهو أول من ناح فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة، وكان آدم لما رأى ما في الجنة من النعيم قال: لو أن خلدا فاغتنم الشيطان ذلك منه فإتاه الشيطان من قبل الخلد فوقع قوله في أنفسهما واغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد؟ فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين فاغترّا وما قلنا أن أحداً يحلف بالله كاذباً فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت حواء آدم حتى أكلها وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى سكر فأدّته إليه فأكل وقيل: قام عند الباب فناداهما وقيل: تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة وقيل: دخل في فم الحية حتى دخلت به وكانت صديقاً لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم البعير وكانت من خزان الجنة فسألها إبليس أن تدخله الجنة في فمها فأدخلته ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة وقيل: أرسل بعض أتباعه فأزلهما والعلم في ذلك كما قال البيضاوي عند الله {فأخرجهما مما كانا فيه} من الكراخة والنعيم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال الله تعالى لآدم: أليس فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كداً، فأهبطا من الجنة وكانا يأكلان فيها رغداً فعلم من صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم درسه ثم ذرّاه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه،
ما شاء الله. قال إبراهيم بن أدهم أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ آدم لما أكل من الشجرة التي نهي عنها قال الله عز وجل: يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حوّاء، قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً ودميتها في الشهر مرتين، فرنت حوّاء عند ذلك، فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك فلما أكلا منها سقطت عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأُخرجا من الجنة فذلك قوله تعالى: {وقلنا اهبطوا} خطاب لآدم وحوّاء لقوله تعالى: {قال اهبطا منها جميعاً} (طه، 123) وجمع الضمير لأنهما أصل الإنس فكأنهما الإنس كلهم أو هما وإبليس أخرج منها ثانياً بعدما كان يدخلها للوسوسة أو دخلها مسارقة أو من السماء لا من الباب على الخلاف المتقدّم، وقيل: هما وإبليس والحية فهبط آدم بسرنديب بأرض الهند على جبل يقال له: نود وحوّاء بجدّة وإبليس بالإبلة وقيل: ببيسان بالبصرة على أميال والحية بأصبهان، وقوله تعالى: {بعضكم لبعض عدوّ} حال استغنى فيها عن الواو بالضمير والمعنى متعادين، فإن كان الخطاب لآدم وحوّاء فقط فالمراد ببعضكم: بعض الذرّية أي: بعض ذرّيتكم لبعض عدوّ من ظلم بعضهم بعضاً، وإن كان الخطاب لهما ولإبليس والحية فالمراد العداوة بين المؤمنين من ذرّية آدم والحية وبين إبليس، قال الله عز وجل: {إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين} (الأعراف، 22) ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من تركهنّ خشية أو مخافة تأثر فليس منا، وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ، وروي أنه نهى عن ذوات البيوت. وروي عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنّ بالمدينة جناً قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» {ولكم في الأرض مستقرّ} أي: موضع قرار {ومتاع} ما تتمتعون به من نباتها {إلى حين} أي: وقت إنقضاء آجالكم {فتلقى آدم من ربه كلمات} أي: استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها وهي {ربنا ظلمنا أنفسنا} (الأعراف، 23) الآية، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «قال آدم: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ فيّ الروح من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم» ، رواه الحاكم وصححه. وقول آدم أراجعي بتخفيف الياء اسم فاعل أضيف إلى المفعول وأنت فاعل لاعتماده على الاستفهام، أو مبتدأ خبره ما قبله، وقرأ ابن كثير بنصب الميم من آدم ورفع التاء من كلمات على أنها تلقته، والباقون برفع الميم وكسر التاء والكسر هذا علامة النصب لأنه جمع مؤنث سالم فينصب بالكسرة {فتاب عليه} أي: قبل توبته وإنما رتب تاب عليه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمن تلقي الكلمات معنى التوبة وهو الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه وردّ المظالم إن كانت واكتفى بذكر آدم لأنّ حوّاء كانت تبعاً له في الحكم، ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن {إنه هو التوّاب} الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، وإذا وصف بها البارىء
أريد بها الرجوع من العقوبة إلى المغفرة {الرحيم} البالغ في الرحمة، وفي الجمع بين التوبة والرحمة وعد للتائب بالإحسان مع العفو. {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا? وَكَذَّبُوا? بِ?َايَاتِنَآ أُو?لَا?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَابَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ اذْكُرُوا? نِعْمَتِيَ الَّتِى? أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا? بِعَهْدِى? أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ * وَءَامِنُوا? بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَتَكُونُو?ا? أَوَّلَ كَافِر? بِهِ?? وَتَشْتَرُوا? بِ?َايَاتِى ثَمَنًا قَلِي? وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ} {قلنا اهبطوا منها} أي: من الجنة {جميعاً} كرّر للتأكيد أو لاختلاف المقصود فإنّ الأوّل دل على هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى لهذا نجا ومن ضله هلك، وقيل: الهبوط الأوّل من الجنة إلى السماء الدنيا، والهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى الأرض {فإمّا} فيه إدغام إنّ الشرطية في ما المزيدة {يأتينكم} يا ذرّية آدم {مني هدى} أي: رشد وبيان شريعة، وقيل: كتاب ورسول {فمن تبع هداي} بأن آمن بي وعمل بطاعتي وكرّر لفظ الهدى ولم يضمر إمّا لإظهار شأنه وفخامته خصوصاً مع إضافته إليه، أو لأنه أراد بالثاني أعمّ من الأوّل وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل أي: فمن تبع ما أتاه راعياً فيه ما يشهد به العقل {فلا خوف عليهم} فضلاً من أن يحل بهم مكروه {ولا هم يحزنون} بفوات محبوب عنهم وهو النظر إلى وجهه تعالى فيحزنوا عليه بل يتنعمون بالنظر إلى وجهه تعالى فإنه المقصود الأعظم فالخوف على الواقع نفى عنهم العقاب فأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه، وقيل: لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة. وأمال الدوري عن الكسائي ألف هداي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، وإنما جيء بحرف الشك وإتيان الهدى واقع كائن لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلاً. {والذين كفروا} أي: جحدوا {وكذبوا بآياتنا} أي: كتبنا {أولئك أصحاب النار} يوم القيامة {هم فيها خالدون} ماكثون فيها أبداً لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، والآية في الأصل العلامة الظاهرة وتقال للمصنوعات من حيث أنها تدل على الصانع وعلمه وقدرته ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل. تنبيه: في هذه الآيات دلالة على أنّ الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأنّ التوبة مقبولة، وأنّ متبع الهدى مأمون العاقبة، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: {هم فيها خالدون} (المجادلة، 17) واستدلّ بعض الخوارج كالحشوية وهم قوم جوّزوا الخطاب بما لا يفهم بها على عدم عصمة الأنبياء بوجوه: الأوّل: أنّ آدم عليه السلام كان نبياً وارتكب المنهي والمرتكب له عاص، والثاني: أنه جعله بارتكابه من الظالمين، والظالم ملعون لقوله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} (هود، 18) ، والثالث: أنه أسند إليه العصيان وألغي وقال: {وعصى آدم ربه فغوى} (طه، 121) ، والرابع: أنه تعالى لقنه التوبة وهي الرجوع عن الذنب والندم عليه، والخامس: اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة الله له بقوله: {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين} (الأعراف، 23) والخاسر من يكون ذا كبيرة، والسادس: أنه لو لم يذنب ما جرى عليه ما جرى. وأجيب عن ذلك بوجوه: الأوّل: أنه لم يكن نبياً حينئذٍ والمدّعي مطالب بالدليل ولا دليل. الثاني: أن النهي للتنزيه، وإنما سمي ظالماً وخاسراً لأنه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الأولى وإنما أجرى الله تعالى ما جرى معاتبة على ترك الأولى ووفاء بما قاله تعالى للملائكة قبل خلق آدم: {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة، 30) ولا يكون خليفة في الأرض إلا بالإهباط إليها، وأمر بالتوبة تلافياً لما فاته. الثالث: أنه فعله ناسياً لقوله تعالى: {فنسي
ولم نجد له عزماً} (طه، 115) ولكن عوقب بترك التحفظ عن أسباب النسيان إذ رفع الإثم بالنسيان من خصائص هذه الأمّة كما ثبت في الأخبار الصحيحة كخبر الشيخين: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان» . وروى الترمذيّ وصححه: «أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» رواه الحاكم بلفظ «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون. الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه فإنه ظنّ أن النهي للتنزيه أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها، وكان المراد بالإشارة الإشارة إلى النوع لا إلى شجرة معينة كما روى أبو داود وغيره «أنه عليه الصلاة والسلام أخذ حريراً وذهباً بيده وقال: هذان حرام على ذكور أمّتي حلّ لإناثها» . فإن قيل: المجتهد إن أخطأ لا يؤاخذ. أجيب: بأنه إنما عوتب على ذلك تعظيماً لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. وقرأ ورش بإمالة ألف النار بين بين، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالامالة المحضة، والباقون بالفتح. {يا بني إسرائيل} أي: أولاد يعقوب وإسرائيل لقبه، ومعنى إسرا بالعبرانية عبد وإيل الله فمعناه: عبد الله، وقيل: صفوة الله صلى الله عليه وسلم {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي: بالتكثر فيها والقيام بشكرها، والذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط وإن نظر إلى ما أنعم به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر لله، وقيل: أراد بها ما أنعم على آبائهم من فلق البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك من النعم التي لا تحصى قال الله تعالى: {وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم، 34) (النحل، 18) {وأوفوا بعهدي} أي: بامتثال أمري ومنه ما عهدت إليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {أوف بعهدكم} أي: الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة. تنبيه: للوفاء بالعهد درجات كثيرة: فأوّل مراتبه منا هو الإتيان بكلمتي الشهادتين، ومن الله تعالى حقن الدماء والمال، وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلاً عن غيره، ومن الله تعالى الفوز بالغنى الدائم، وأمّا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن {أوفوا بعهدي} في اتباع محمد {أوف بعهدكم} في رفع الآصار أي: الأثقال والأغلال، وعن غير ابن عباس: أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرامة والنعيمم المقيم فبالنظر إلى الوسايط {وإياي فارهبون} فيما تأتون وتذرون وخصوصاً في نقض العهد، والرهبة خوف مع تحرز. تنبيه: الآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وأنّ المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله. {وآمنوا بما أنزلت} من القرآن، وقوله تعالى: {مصدّقاً} حال مؤكدة مما أنزلت أو من ضميره المحذوف {لما معكم} من التوراة بموافقته له ولغيره من الكتب الإلهية في القصص ونعت النبيّ صلى الله عليه وسلم والمواعيد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث أن كل واحد منها
حق بالاضافة إلى زمانها مراعى فيها صلاح من خوطب بها حتى لو نزل المتقدّم في أيام المتأخر لنزل على وفقه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما رواه الإمام أحمد وغيره: «لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» وفي ذلك تنبيه على أن اتباع تلك الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه ولذلك عرّض بقوله: {ولا تكونوا أوّل كافر به} أي: بالقرآن بل يجب أن تكونوا أوّل مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه. فإن قيل: كيف نهوا عن التقدّم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب أجيب: بأن المراد به التعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم لا الدلالة على ما نطق الظاهر، كقولك لمن أساء: أمّا أنا فلست بجاهل، أو ولا تكونوا أوّل كافر من أهل الكتاب لأن خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم أو ممن كفر بما معه فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر من مشركي مكة. تنبيه: أوّل كافر به وقع خبراً عن ضمير الجمع بتقدير أوّل فريق أو فوج أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقولك: كسانا حلة أي: كل واحد منا {ولا تشتروا} تستبدلوا {بآياتي} التي في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {ثمناً قليلاً} أي: عوضاً يسيراً من الدنيا أي: لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم وذلك أنّ رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل سنة شيئاً معلوماً من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا أنهم إن بينوا صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن يفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة فنهوا عن ذلك فإنّ حظوظ الدنيا وإن جلت قليلة مسترذلة بالاضافة إلى ما يفوت من حظوظ الآخرة {وإياي فاتقون} خافون في ذلك دون غيري. {س2ش42/ش46 وَتَلْبِسُوا? الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا? الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا? الصلاةَ وَءَاتُوا? الزكاةَ وَارْكَعُوا? مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ? أَفَ تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا? بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِs عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا? رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} {ولا تلبسوا} أي: تخلطوا {الحق} الذي أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم {بالباطل} الذي تخترعونه وتكتبونه بأيديكم من تغيير صفته {و} لا {تكتموا الحق} أي: تكتموا نعت النبيّ صلى الله عليه وسلم {وأنتم تعلمون} أنكم لابسون الحق بالباطل كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل يعذر. {وأقيموا الصلاة} أي: الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها {وآتوا الزكاة} أي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة. أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصوله وفيه دليل على أنّ الكفار مخاطبون بها والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما وكثر أو من الزكاة بمعنى الطهارة وكلا المعنيين موجود في الزكاة فإنّ إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم ويطهر المال من الخبث والنفس من البخل {واركعوا مع الراكعين} أي: صلوا مع المصلين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جماعتهم فإنّ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ أي: الفرد بسبع وعشرين لما فيها من تظاهر أي: تعاون النفوس، وعبر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود لأنّ صلاتهم لم يكن فيها ركوع أي: صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، وقيل: الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع، قال الشاعر: لا تذلّ الضعيف (وروي لا تهين الفقير) علك (أي: لعلك) أن تركع يوماً والدهر قد رفعه. فتركع من الركوع بمعنى الانحناء والميل وأراد به الانحطاط من الرتبة. ونزل في علماء اليهود
وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين سراً: اثبتوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه حق ولا يتبعونه. {أتأمرون الناس بالبرّ} أي: بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في ذلك تقريع مع توبيخ وتعجيب، والبرّ شرعاً التوسع في الخير من البرّ بالفتح وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير ولذلك قيل: البر ثلاثة: برّ في عبادة الله، وبر في معاملة الأقارب، وبر في معاملة الأجانب {وتنسون أنفسكم} أي: تتركونها من البرّ كالمنسيات، وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون {وأنتم تتلون الكتاب} أي: التوراة وفيها الوعيد على العناد وترك البرّ ومخالفة القول العمل {أفلا تعقلون} سوء فعلكم فيصدّكم عنه، أو فلا عقل لكم يمنعكم عما تعملون من عدم موافقة عاقبته لكم والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه بسوء صنيعه وخبث نفسه وإن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل فإنّ الجامع بين العلم والعقل يأبى عن كونه واعظاً غير متعظ نفسه، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لها ليقوّم نفسه ثم يقوم غيره لا منع الفاسق عن الوعظ فإنّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر، ولكن روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمّتك يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب» وعن أسامة رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه أي: فتنقطع أمعاؤه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه» وقال شعبة عن الأعمش: فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه {واستعينوا} أي: اطلبوا المعونة على أموركم {بالصبر} أي: الحبس للنفس على ما تكره {والصلاة} أفردها بالذكر تعظيماً لشأنها فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين وهما الأكل والجماع. روى الإمام أحمد وغيره «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة» أي: لجأ إليها، وحز به ـ بالحاء المهملة وزاي وباء موحدة: أهمه ونزل به، وقيل: الخطاب لليهود فهو متصل بما قبله كأنهم لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال أمروا بالصبر وهو الصوم ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر لأنه يكسر الشهوة ويزهد في الدنيا، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر وترغب في الآخرة، وقيل: الواو بمعنى على أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة كما قال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (طه، 132) ويحتمل أن يراد بالصلاة: الدعاء {وإنها} أي: الصلاة ردّ الكناية إليها لأنّ الصبر داخل فيها لاستجماعها ضروباً من الصبر كما قال تعالى: {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة، 62)
ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله عز وجل أو لأنها أعم، كما في قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} (التوبة، 34) ردّ الكناية إلى الفضة لأنها أعم وقيل: ردّ الكناية إلى كل منهما وأن كل خصلة منهما كما قال تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها} (الكهف، 33) أي: كل واحدة منهما، وقيل: معناه: واستعينوا بالصبر وإنه لكبير والصلاة وإنها لكبيرة فحذف أحدهما اختصاراً، وقال الحسين بن الفضل: ردّ الكناية إلى الاستعانة {لكبيرة} أي: ثقيلة شاقة كقوله تعالى: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} (الشورى، 13) {إلا على الخاشعين} أي: الساكنين إلى الطاعة، والخشوع: السكون، قال تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن} (طه، 108) والخضوع: اللين والانقياد، ولذا يقال: الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب. {الذين يظنون} أي: يستيقنون وأطلق الظنّ على العلم لتضمنه معنى التوقع {أنهم ملاقو ربهم} بالبعث {وأنهم إليه راجعون} في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم، وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم لأنّ نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجل مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» . {س2ش47/ش50 يَابَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ اذْكُرُوا? نِعْمَتِىَ الَّتِى? أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا? يَوْمًا s تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَيُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَيُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَهُمْ يُنصَرُونَ * وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُو?ءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ? وَفِى ذَالِكُم بَ?ءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَآءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} بالشكر عليها بطاعتي، كرره للتوكيد وتذكير التفضل الذي هو أجل النعم خصوصاً، وربطه بالوعيد الشديد تخويفاً لمن غفل عنها وأخلّ بحقوقها وعطف على نعمتي {وأني فضلتكم} أي: آباءكم الذين كانوا في عصر موسى صلى الله عليه وسلم وبعده قبل أن يغيروا {على العالمين} أي: عالمي زمانهم بما منحهم الله من العلم والإيمان والعمل وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف في الأبناء. واستدل بذلك على أن الأصلح لا يجب على الله لأنّ تفضيلهم لو وجب عليه لم يجز جعله منة عليهم لأنّ من أتى بما وجب عليه لا منة له به على أحد. {واتقوا} خافوا {يوماً} أي: ما فيه من الحساب والعقاب وهو يوم القيامة {لا تجزى} أي: لا تقضى {نفس عن نفس} فيه {شيئاً} أي: حقاً لزمها. تنبيه: قول البيضاوي وإيراده أي: شيئاً منكراً مع تنكير النفسين للتعميم والإقناط الكلي تبع فيه صاحب «الكشاف» وهو جار على مذهب المعتزلة من أنهم ينكرون الشفاعة للعصاة وسيأتي الجواب عن مذهبهم {ولا تقبل} بالتاء على التأنيث كما قرأ به ابن كثير وأبو عمرو بالياء على التذكير كما قرأ به الباقون {منها شفاعة} أي: من النفس الثانية لقوله تعالى: {ولا يؤخذ منها عدل} أي: فداء {ولا هم ينصرون} أي: يمنعون من عذاب الله إذ الضمير في الجملتين للنفوس العاصية ويصح رجوعه للنفس الأولى لأنها المحدّث عنها في قوله تعالى: {لا تجزى نفس عن نفس} والثانية مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة وتذكير ضمير ولا هم ينصرون مع أنّ الضمير راجع للنفوس، وكان المناسب هنّ بالتأنيث لأنه بمعنى العباد أو الأناس كما تقول ثلاثة أنفس بالتاء مع تأنيث النفس لتأويل النفوس بالأشخاص أو الرجال والنصرة أخص من المعونة لاختصاصه بدفع الضرر وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها: أن الآية مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة ويؤيد هذا أنّ الخطاب معهم وعلى هذا يتمشى قول البيضاوي المارّ
ويكون المراد حينئذٍ أنه ليس لها شفاعة فتقبل كما قال تعالى حاكياً عنهم {فما لنا من شافعين} . ومنها: أنّ الآية نزلت ردّاً لما كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم تشفع لهم. ومنها: أنها لا تشفع إلا بإذن الله. {و} اذكروا {إذ نجيناكم} أي: آباءكم الخطاب به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بما أنعم على آبائهم تذكيراً لهم بنعمة الله ليؤمنوا {من آل فرعون} أي: أتباعه وأهل دينه، والمشهور أن أصل آل: أهل، لأن تصغيره أهيل، وقال الكسائيّ وغيره: أصله أول من آل يؤل أي: رجع، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وتصغيره أويل. فإن قيل: يردّ الأوّل اختلاف أهل وآل معنى إذ الأهل القرابة والآل من يؤل إليك بقرابة أو رأي أو مذهب ولأن الألف يثبت إبدالها من الهاء. أجيب: بأن القائل بالأول جرى على القول بأن اللفظتين بمعنى، أو أراد بالأهل أحد معاني آل وأبدل الواو من الهاء لتقاربهما مخرجاً، وخص بالاضافة إلى أولي القدر والشرف كالأنبياء والملوك، وإنما قيل آل فرعون لتصوره بصورة الأشراف أو لشرفه في قومه عندهم، وفرعون هو الوليد ابن مصعب بن ريان وكان من القبط من العمالقة وعمر أكثر من أربعمائة سنة {يسومونكم} يولونكم ويذيقونكم {سوء العذاب} أي: أشدّه، والجملة حال من الضمير في نجيناكم، أو من آل فرعون، أو منهما جميعاً لأنّ فيها ضمير كل واحد منهم {يذبحون أبناءكم} المولودين {ويستحيون نساءكم} أي: يتركونهنّ أحياء، هذا بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف وذلك أنّ فرعون لعنه الله رأى في منامه كأنّ ناراً أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرّض لبني إسرائيل فهاله ذلك، وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا يسقطنّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت ووكل بالقوابل فكنّ يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في طلب موسى اثني عشر ألف صبيّ، وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى تسعين ألفاً، قالوا: وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها {وفي ذلكم بلاء} إن أشير به إلى صنيعهم فهو محنة أو إلى الإنجاء فهو نعمة فإنّ البلاء يكون بمعنى الشدّة وبمعنى النعمة ويجوز أن يشار بذلكم إلى الأمرين فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر وعلى الشدّة بالصبر قال تعالى: {ونبلوكم} (الأنبياء، 35) أي: نختبركم بالشرّ والخير فتنة {من ربكم} أي: بتسليطهم عليكم، أو ببعثة موسى وتوفيقه لتخليصكم، أو بهما، وقوله تعالى: {عظيم} صفة بلاء. وفي الآية تنبيه على أنّ ما يصيب العبد من خير أو شرّ إختبار من الله تعالى فعليه أن يشكر عند مسارّه ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين. {و} اذكروا {إذ فرقنا} فلقنا {بكم} أي: بسببكم {البحر} حتى دخلتموه هاربين من عدوّكم وذلك أنّ فرعون لما دنا هلاكه أمر الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلاً فأمر موسى
قومه أن يسرجوا في بيوتهم السرج إلى الصبح وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدّون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب عليه الصلاة والسلام اثنين وسبعين إنساناً ما بين رجل وامرأة فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم ثم علم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك، قال ابن مسعود رضي الله عنه: فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة ثم خرج فرعون في طلبهم وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفاً من دهم الخيل سوى سائر الشيات، قال محمد بن كعب: وكان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات وكان فرعون في الدهم، وقيل: كان فرعون في سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب حراب ومائة ألف أصحاب الأعمدة فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية الزيادة ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين وقالوا: يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا، قال الله تعالى: {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إنّ معي ربي سيهدين} (الشعراء، 61) فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله تعالى إليه أن كنه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فظهر فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبساً، فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضاً فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء أن تشبكي فصارت شبكاً كالطاقات يرى بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى: {فأنجيناكم} أي: من آل فرعون {وأغرقنا آل فرعون} وذلك أنّ فرعون لما وصل البحر فرآه منفلقاً قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه، وقيل: قالوا له: إن كنت رباً فادخل البحر كما دخل ـ يعني: موسى ـ وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى فتقدّمهم وخاض البحر فلما شمّ أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر، في أثرها وهم لا يرونه ولا يملك فرعون من أمره شيئاً وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول خلفه في البحر وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر وخرج جبريل من البحر وهمّ أوّلهم بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وفرّقهم أجمعين وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم طرف من بحر فارس. قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له: أسان وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى: {وأنتم تنظرون} إلى مصارعهم، أو إطباق البحر عليهم، أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل، أو ينظر بعضكم بعضاً، واعلم أنّ هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن
الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى الكليم، ثم إنهم اتخذوا العجل وقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} (البقرة، 55) فهم بمعزل من الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمّة محمد صلى الله عليه وسلم مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل القرآن والتحدّي به والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة يدركها الأذكياء. {وإذ وعدنا موسى} بغير ألف بين الواو والعين، كما قرأ به أبو عمرو، والباقون بألف بين الواو والعين لأنه تعالى وعد موسى الوحي ووعد موسى ربه المجيء للميقات إلى الطور، وقيل: هذا من المفاعلة التي تكون من الواحد كعاقبت اللص وطارقت النعل. وأمال حمزة ألف موسى محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين {أربعين ليلة} أن يعطيه عند انقضائها التوراة ليتعلموا بها وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور، وقيل: لأنّ الظلمة أقدم من الضوء وخلق الله تعالى الليل قبل النهار قال الله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} (يس، 37) وقول البيضاوي: إنّ ذلك الوعد لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون تبع في ذلك «الكشاف» ولم يعرف ذلك لغيرهما وإنما كانوا بالشام لأن إتيان موسى للمقيات كان بطور سينا وهو بالشام لا بمصر وقد قال البهاء بن عقيل في «تفسيره» : لم يصرّح أحد من المفسرين والمؤرّخين بأنهم دخلوا مصر بعد خروجهم منها. فإن قيل: قوله تعالى: {فأخرجناهم من جنات} إلى قوله تعالى: {وأورثناها بني إسرائيل} يقتضي أنهم عادوا إليها. أجيب: بأن المعنى أن الله تعالى أورثهم وملكهم إياها ولم يردّهم إليها وجعل مساكنهم الشام. {ثم اتخذتم} قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم اتخذتم بإظهار الذال قبل التاء، والباقون بإدغام الذال في التاء. {العجل} الذي صاغه لكم السامريّ إلهاً ومعبوداً {من بعده} أي: بعد ذهابه إلى ميقاتنا، وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوّهم ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتمون إليها فوعد الله تعالى موسى أن ينزل عليهم التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون واستخلف أخاه هارون فلما أتاه الوعد جاءه جبريل على فرس يقال له: فرس الحياة، لا يصيب شيئاً إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه، فلما رآه السامريّ وكان رجلاً صائغاً من قبيلة يقال لها: سامرة، ورأى موضع قدم الفرس يخضر من ذلك وكان منافقاً يظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر ألقى في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيراً من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعمل عرس لهم فأهلك الله تعالى فرعون وقومه فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل قال السديّ: فأمرهم هارون أن يلقوها في حفرة حتى يرجع موسى ففعلوا فلما اجتمعت الحلي صاغها السامريّ عجلاً من ذهب في ثلاثة أيام مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون ثم ألقى فيه القبضة التي أخذها من تراب حافر فرس جبريل فصار يخور ويمشي فقال السامريّ: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، أي: فتركه ههنا، وخرج يطلبه وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوماً ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة، وقيل: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة قال تعالى:
{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} (الأعراف، 142) وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في محله فكانت فتنتهم في تلك العشرة، فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ورأوا العجل وسمعوا قول السامريّ عكف منهم ثمانية آلاف رجل على العجل يعبدونه، وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل، قال البغويّ: وهو الأصح، وقال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون، ولذلك قال تعالى: {وأنتم ظالمون} أي: باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها. {ثم عفونا} محونا {عنكم} ذنوبكم حين تبتم، والعفو محو الجريمة من عفى إذا درس {من بعد ذلك} أي: الاتخاذ {لعلكم تشكرون} أي: لكي تشكروا نعمتنا عليكم. تنبيه: إنما قدرت لعل بكي أخذاً مما قيل: إن لعل في القرآن بمعنى كي غير قوله تعالى في الشعراء: {لعلكم تخلدون} (الشعراء، 129) فإنها بمعنى كأنّ أي: كأنكم تخلدون. {و} اذكروا {إذ آتينا موسى الكتاب} أي: التوراة، وقوله تعالى: {والفرقان} عطف تفسير أي: الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقيل: أراد بالفرقان معجزات موسى كانفلاق البحر الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى وبين الكفر والإيمان {لعلكم تهتدون} أي: لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات من الضلال. {و} اذكروا {إذ قال موسى لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم} قرأ ورش بتغليظ اللام والباقون بالترقيق {أنفسكم باتخاذكم العجل} إلهاً قالوا: فأيّ شيء نصنع؟ قال: {فتوبوا} أي: ارجعوا عن عبادة العجل {إلى بارئكم} أي: خالقكم، وقرأ أبو عمرو بإسكان الهمزة، وروي عن الدوري باختلاس الحركة، وروي عن السوسي إبدالها ياء ساكنة، وأمال الدوري عن الكسائي الألف بعد الباء الموحدة، وإذا وقف حمزة على بارئكم سهل الهمزة بين بين، قالوا: كيف نتوب؟ قال: {فاقتلوا أنفسكم} أي: ليقتل منكم البريء من عبادة العجل من عبده، وقيل: المراد بالقتل قطع الشهوة كما قيل: من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها، وردّ هذا جماعة بإجماع المفسرين على أنّ المراد هنا القتل الحقيقيّ {ذلكم} أي: القتل {خير لكم عند بارئكم} من حيث أنه طهرة عن الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم: من حلّ حبوته أو مدّ طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته وأسلت القوم عليهم الخناجر فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه فلم يمكنه المضيّ لأمر الله فقالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله عليهم ضبابة تشبه سحابة تغشى الأرض كالدخان وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضاً فكانوا يقتتلون إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وبكيا وتضرّعا وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف الله تعالى السحابة عنهم وأمرهم أن يكفوا عن القتل فكشفت عن ألوف من القتلى. روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: عدد القتلى سبعون ألفاً فاشتدّ ذلك على موسى فأوحى الله تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة؟ فكان من قتل منهم شهيداً ومن بقي مكفراً عنه ذنوبه فذلك قوله تعالى: {فتاب عليكم} أي فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم أي: فتجاوز عنكم وقبل توبتكم. تنبيه: ذكر البارىء في قوله تعالى:
{فتوبوا إلى بارئكم} وترتيب الأمر بالقتل عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثلهم في الغباوة وأنّ من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن يستردّ منه ما أنعم به عليه ولذلك أمروا بفك تركيب ذواتهم بالقتل {إنه هو التوّاب} أي الذي يكثر قبول التوبة من المذنبين {الرحيم} أي: البالغ في الإنعام على خلقه. {س2ش55/ش58 وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن? بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى? كُلُوا? مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ? وَمَا ظَلَمُونَا وَلَاكِن كَانُو?ا? أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا? هَاذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا? مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا? الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا? حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ? وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وذلك أنّ الله تعالى أمر موسى عليه الصلاة والسلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار موسى سبعين رجلاً من خيار قومه وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا ذلك فخرج موسى إلى طور سينا لميقات ربه فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام فغشي الجبل كله فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخرّوا سجداً وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله تعالى: إني أنا الله لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل عليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة عياناً وذلك أنّ العرب تجعل العلم بالقلب رؤية فقالوا جهرة: ليعلم أنّ المراد منه العيان، روي عن السوسي إمالة الألف بعد الراء في نرى وترقيق اللام من اسم الله، وروي عنه تفخيم اللام مع الإمالة وله وجه ثالث كالجماعة وهو عدم الإمالة مع تفخيم اللام. فإن قيل: كيف تمال الألف وهي تسقط عند التقاء الساكنين؟ أجيب: بأنه لولا إمالتها ما أميلت الراء لأنّ القارىء إذا أراد أن يميل الألف لا يتمكن من الإمالة إلا بإمالة ما قبله {فأخذتكم الصاعقة} أي: الصيحة فمتم، وقيل: جاءت نار من السماء فأحرقتهم وذلك لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي وهي محال بل المراد أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا {وأنتم تنظرون} أي: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت، وقيل: تعلمون ويكون النظر بمعنى العلم فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرّع ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلاً بعد رجل بعدما ماتوا ليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون كما قال تعالى: {ثم بعثناكم} أي: أحييناكم والبعث إثارة الشيء عن محله يقال: بعثت البعير فانبعث وبعثت النائم فانبعث {من بعد موتكم} بسبب الصاعقة. قال قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، وقيد البعث بعد الموت لأنه قد يكون عن إغماء أو نوم كقوله تعالى: {فضربنا على آذانهم في الكهف} (الكهف، 11) إلى أن قال: {ثم بعثناهم} أي: من النوم {لعلكم تشكرون} نعمة لبعث أو ما كفرتموه من النعم المتتابعة. {وظللنا عليكم الغمام} في التيه يقيكم حرّ الشمس،
والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماماً لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كنّ يسترهم فشكوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم عليه فأرسل الله غماماً أبيض رقيقاً أطيب من غمام المطر وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن قمر يسيرون في ضوئه وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلي وغلظ ورش اللام المفتوحة بعد الظاء {وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى} في التيه، والأكثرون على أنّ المنّ هو الترنجبين، قال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد وكان يقع كل ليلة على أشجارهم مثل الثلج لكل إنسان منهم صاع فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المنّ بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم، فأنزل الله عليهم السلوى جمع سلواة وهو الطير السماني بتخفيف الميم والقصر جمع سماناة وهو الطير المعروف، وقيل: هو طائر يشبهه بعث الله سحابة فمطرت السماني في عرض ميل وطول رمح في السماء بعضه على بعض فكان الله تعالى ينزل عليهم المنّ والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فكان كل واحد منهم يأخذ ما يكفيه يوماً وليلة وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت. وقرأ السلوى حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين. فإن قيل: لم قدّم في الآية المنّ على السلوى مع أنها غذاء والمنّ حلواء والعادة تقديم الغذاء على الحلواء؟ أجيب: بأنّ نزول المنّ من السماء أمر مخالف للعادة فقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة وأيضاً هو مقدّم في النزول عليهم {كلوا} على إرادة القول أي: قلنا لهم كلوا {من طيبات} حلالات {ما رزقناكم} ولا تدخروا لغد فكفروا النعمة وادّخروا فقطع الله ذلك عنهم ودوّد وفسد ما ادّخروه وقوله تعالى: {وما ظلمونا} أي: بذلك فيه اختصار وأصله فظلموا بأن كفروا بهذه النعم وما ظلمونا {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} لأنّ وباله عليهم. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها الدهر» . {وإذ قلنا} لهم بعد خروجهم من التيه {ادخلوا هذه القرية} أي: بيت المقدس كما قاله مجاهد، أو أريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء وبالحاء المهملة كما قاله ابن عباس وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم: العمالقة ورأسهم عوج بن عتق، قال ابن الأثير وهي قرية بالغور قريبة من بيت المقدس، وقيل: البلقاء، وقيل: الرملة والأردن وفلسطين، وقيل: الشام سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها ومنه المقرّة للحوض لأنها تجمع الماء {فكلوا منها حيث شئتم رغداً} أي: واسعاً لا حجر فيه {وادخلوا الباب} أي: باب من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب {سجداً} أي: متطامنين منحنين أو ساجدين السجود الشرعيّ لله شكراً على إخراجكم من التيه {وقولوا} مسألتنا {حطة} أي: أن تحط عنا خطايانا، قال قتادة: أمروا بالاستغفار، وقال ابن عباس: بلا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب، وقيل: معناه أمرنا حطة أي: شأننا أن نحط في هذه القرية ونقيم فيها حتى ندخل الباب سجداً مع التواضع {نغفر لكم خطاياكم} بسجودكم ودعائكم. وقرأ نافع بباء مضمومة على التذكير مع فتح الفاء، وقرأ ابن عامر تغفر بتاء مضمومة
على التأنيث مع فتح الفاء أيضاً، وقرأ الباقون بالنون مفتوحة مع كسر الفاء، وقرأ الكسائي خطاياكم بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح {وسنزيد المحسنين} بالطاعة ثواباً جعل الله تعالى امتثال قوله: {قولوا حطة} توبة للمسيء وسبب زيادة الثواب للمحسنين. فإن قيل: كيف عطف وسنزيد مع أنه مرفوع على نغفر مع أنه مجزوم جواباً للأمر؟ أجيب: بأنه أخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاماً بأنّ المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وإنه يفعل لا محالة، وسبب إخراج ما ذكر عن صورة الجواب إلى الوعد أنّ الزيادة إذا كانت من وعد الله كانت أعظم مما إذا كانت مسببة عن فعلهم. {فبدّل الذين ظلموا} منهم {قولاً غير الذي قيل لهم} فقالوا: حبة من شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول. روى معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة» وفي رواية: في شعيرة. وقوله تعالى: {فأنزلنا على الذين ظلموا} فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعاراً بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه أو على أنفسهم بأنهم تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها {رجزاً} أي: عذاباً مقدراً {من السماء} وقيل: أرسل الله عليهم طاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً، وقيل: أربعة وعشرون ألفاً {بما كانوا يفسقون} أي: بسبب فسقهم، أي: خروجهم عن الطاعة. {وإذ استسقى موسى} طلب السقيا {لقومه} وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} وكانت من آس الجنة بالمدّ أي: شجرها وهو المرسين. وروي عن ابن عباس أنها كانت من عوسج طولها عشرة أذرع على طول موسى وكان لها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً واسمها عليق، وقال مقاتل: اسمها بنفة حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى. واللام في الحجر للعهد على ما روي أنه كان حجراً طورياً مكعباً حمله معه كان له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلاً أو حجراً أهبطه آدم من الجنة ودفع إلى شعيب فأعطاه لموسى مع العصا أو الحجر الذي فرّ بثوبه لما وضعه عليه ليغتسل ومرّ به على ملأ من بني إسرائيل وهو حجر خفيف مربع كرأس الرجل رخام أو كذان وبرأه الله تعالى به عما رموه به من الأدرة وهي بضمّ الهمزة كبر الأنثيين فلما وقف أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: إنّ الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة أو للجنس. قال البيضاويّ: وهذا أظهر في الحجة ويدل له قول وهب: لم يكن حجراً معيناً بل كان موسى يضرب أي حجر كان فينفجر عيوناً لكل سبط عين ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً ولكن لما قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها حمل حجراً في مخلاته وكان يضربه بعصاه إذا نزل فينفجر ويضربه بها إذا ارتحل فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً فأوحى الله تعالى إليه لا تقرع
الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون وقوله تعالى: {فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً} متعلق بمحذوف أي: فضربه فانفجرت أي: سالت، قال أبو عمرو بن العلاء: انبجست: عرقت وانفجرت: سالت، وقال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على كل موضع ضربة مثل ثدي المرأة فيعرق ثم تنفجر الأنهار ثم تسيل {قد علم كل أناس} أي: سبط منهم {مشربهم} أي: عينهم التي يشربون منها لا يدخل سبط على غيره في شربه وقلنا لهم: {كلوا واشربوا من رزق الله} أي: كلوا من المنّ والسلوى واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة {ولا تعثوا} أي: لا تعتدوا {في الأرض مفسدين} أي: حال إفسادكم وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدي بفعله ومنه ما يتضمّن صلاحاً راجحاً على الفساد كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة. تنبيه: من أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله تعالى وقلة تدبره في عجائب صنعه فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر كالنورة ويجذب الحديد كالمغناطيس وينفر الخل كالكهربان فإنه إذا وضع في إناء لا يحصل الخل في ذلك الإناء لم يمتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجوانب الأربعة ويصيره ماء بقوّة التدبير ونحو ذلك. فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأنّ ابن عباس روى أنّ من الملائكة نوعاً يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس، وقيل: إن الله تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أنّ من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: {إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه} (الكهف، 50) وهو أصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: والأوّل أصح لأنّ خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: {كان من الجنّ} أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إنّ الجنّ أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضاً أن الأصاغر وهم الجنّ مأمورون به أيضاً والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمناً. {مصراً} من الأمصار، والمصر البلد العظيم
لا العلم بفتح اللام، وقيل: أراد به العلم وهي مصر موسى وفرعون، قال البيضاويّ: ويؤيده ـ أي: القول ـ بأن المراد بمصر العلم أنه غير منوّن في مصحف ابن مسعود أي: وهي قراءة شاذة وإنما صرفه على هذا مع أنّ فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في هند ودعد لمعادلة أحد سببي منع الصرف بخفة الاسم لسكون وسطه أو على تأويل مصر بالمكان فذكره فيبقى فيه سبب واحد فانصرف {فإنّ لكم} فيه {ما سألتم} من نبات الأرض {وضربت عليهم} أي: أحيطت إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم من ضرب الطين على الحائط {الذلة} أي: الذل والهوان، وقيل: الجزية، {والمسكنة} أي: الفقر وسمي الفقير مسكيناً لأنّ الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة وفعل بهم ذلك مجازاة لهم على كفران النعمة ولذلك تجد اليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين إمّا على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم، وقيل: الذلة فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود. وقرأ حمزة والكسائي: عليهم بضمّ الهاء والميم وصلاً، وفي الوقف حمزة على أصله، والكسائي بكسرها، وأبو عمرو بكسر الهاء والميم وقفاً ووصلاً، وباقي القرّاء بكسر الهاء وضم الميم وصلاً وفي الوقف بكسر الهاء وسكون الميم {وباؤوا} رجعوا {بغضب من الله} ولا يقال باء إلا بشر، وأصل البوء المساواة، وقال أبو عبيدة: احتملوه وأقروا به ومنه الدعاء: «أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي» أي: أقرّ، وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما مرّ من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآبات الله} بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالانجيل والقرآن وبالمعجزات التي من جملتها ما عدّ عليهم من فلق البحر وإظلال الغمام وإنزال المنّ والسلوى وانفجار العيون من الحجر {ويقتلون النبيين بغير الحق} أي: ظلماً فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم. روي أن اليهود قتلوا سبعين نبياً في أوّل النهار وقامت سوق بقلهم آخر النهار. فإن قيل: لم قال: {بغير الحق} وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ أجيب: بأنه ذكره وصفاً للقتل والقتل يوصف تارة بالحق وتارة بغير الحق وهو مثل قوله تعالى: {قل رب احكم بالحق} (الأنبياء، 112) ذكر الحق وصفاً للحكم لا أنّ حكمه ينقسم إلى الجور والحق، أو أنه بغير الحق عندهم إذ لم يروا منهم ما يعتقد به جواز قتلهم. فإن قيل: إنّ الله تعالى قد أخبر بقتل الأنبياء ونصر الرسل فكيف الجمع؟ أجيب: بأن المحل مختلف إذ الرسول غير النبيّ وبأنّ المراد بالنصر الغلبة بإظهار الحجة لا العصمة من القتل وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه تعالى بقوله: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي: جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين، فإنّ صغار الذنوب أسباب تؤدّي إلى ارتكاب كبارها كما أنّ صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحرّي كبارها، وكرر الإشارة للدّلالة على أنّ ما لحقهم كما هو بسبب الكفر والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله، وقيل: الإشارة إلى الكفر والقتل والباء بمعنى مع وعلى هذا إنما جوّزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين فصاعداً على تأويل ما ذكر والذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع، وقرأ النبيئين
نافع بالهمزة، والباقون بالياء، وورش على أصله في الهمز بالمدّ والتوسط والقصر. {إنّ الذين آمنوا} بالأنبياء من قبل {والذين هادوا} أي: اليهود سموا به لقولهم: إنا هدنا إليك أي: ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا أي: تابوا من عبادة العجل وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهوّدون أي: يتحرّكون عند قراءة التوراة ويقولون: إنّ السموات والأرض تحرّكت حين آتى الله موسى التوراة {والنصارى} جمع نصراني كندامى، والياء في نصراني للمبالغة سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح، {قال الحواريون نحن أنصار الله} (آل عمران، 52) (الصف، 14) . فإن قيل: هذا ليس جارياً على قواعد الاشتقاق فإنه يقال للواحد: ناصر وفاعل لا يجمع على فعالى. أجيب: بأنّ ذلك كاف في الاشتقاق وإن لم يجمع المفرد على فعالى أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة، فسموا باسمها على الأول أو من اسمها على الثاني {والصابئين} هم طائفة من النصارى، وقيل: من اليهود، وقيل: قوم بين النصارى والمجوس، وقيل: أصل دينهم دين نوح عليه الصلاة والسلام، وقيل: هم عبدة الملائكة أو الكواكب، وقرأ نافع وحده بالياء إمّا لأنه خفف الهمزة، أو لأنه من صبا إذا مال لأنهم مالوا عن سائر الأديان إلى دينهم، أو من الحق إلى الباطل، والباقون بالهمزة بعد الباء الموحدة {من آمن با واليوم الآخر وعمل صالحاً} أي: من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدّقاً بقلبه وبالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعه، وقيل: من آمن من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ودخل الاسلام دخولاً صادقاً {فلهم أجرهم} أي: ثواب أعمالهم {عند ربهم} بأن يدخلهم الجنة {ولا خوف عليهم} في الدنيا {ولا هم يحزنون} في الآخرة أو حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب. تنبيه: روعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها ومن مبتدأ خبره فلهم أجرهم والجملة خبر إن، أو بدل من اسم إن وخبرها فلهم أجرهم والفاء لتضمن المسند إليه معنى الشرط وقد منع سيبويه دخولها في خبر إن من حيث أنها لا تدخل الشرطية ورد بقوله تعالى: {إنّ الذين فتنوا الؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} (البروج، 1) . {س2ش63/ش67 وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا? مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا? مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن? بَعْدِ ذَالِكَ? فَلَوْ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ? لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا? مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا? قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَا? لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ? إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا? بَقَرَةً? قَالُو?ا? أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا? قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} {و} اذكروا {إذ أخذنا ميثاقكم} أي: عهدكم باتباع موسى والعمل بما في التوراة {و} قد {رفعنا فوقكم الطور} أي: الجبل حتى أعطيتم الميثاق. روي أنّ موسى عليه الصلاة والسلام لما جاءهم بالتوراة ورأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم لأنها كانت شريعة ثقيلة وأبوا قبولها فأمر الله تعالى جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم وكان على قدر عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة رجل كالظلة وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم، وقال عطاء عن ابن عباس: رفع الله فوق رؤوسهم الطور وبعث ناراً من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم، وقيل لهم: فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل أو أغرقتكم في هذا البحر أو أحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم من ذلك قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصارت سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا {خذوا} هو على إرادة القول أي: وقلنا خذوا
{ما آتيناكم} من الكتاب {بقوّة} بجدّ وعزيمة {واذكروا ما فيه} بالعمل فيه أو تفكروا فيه فإنه تذكر بالقلب كما أنّ الدرس ذكره باللسان أو ادرسوه ولا تنسوه {لعلكم تتقون} لكي تتقوا النار أو المعاصي. {ثم توليتم} أعرضتم عن الوفاء بالميثاق {من بعد ذلك} أي: بعد أخذه {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} أي: بتوفيقكم للتوبة أو بالإمهال وتأخير العذاب عنكم أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه {لكنتم من الخاسرين} أي: من المغبونين بالانهماك في المعاصي أو بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة. تنبيه: لو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره فإذا دخل على لا أفاد إثباتاً أو هو امتناع الشيء لثبوت غيره والاسم الواقع بعده عند سيببويه مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسدّه وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف. {ولقد علمتم} اللام موطئة للقسم أي: عرفتم {الذين اعتدوا} تجاوزوا الحدّ {منكم في السبت} بصيد السمك وذلك أنهم كانوا زمن داود عليه الصلاة والسلام بأرض يقال لها إيلة حرم الله تعالى عليهم صيد السمك يوم السبت فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه حتى لا يرى الماء من كثرتها فإذا مضى تفرّقت ولزمت قعر البحر فذلك قوله تعالى: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} (الأعراف، 163) ثم إنّ الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فإذا كان يوم الأحد أخذوها فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ففعلوا ذلك زماناً ولم تنزل عليهم عقوبة فتجرؤوا على الذنب وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأكلوا وملحوا وباعوا فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية وكانوا نحواً من سبعين ألفاً ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفاً فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار {فقلنا لهم} لإصرارهم على المعصية {كونوا قردة خاسئين} أي: مبعدين فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم فلما أبطؤوا تسوروا على الحائط فإذا هم جميعاً قردة لها أذناب يتعاوون، قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث ممسوخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا، وقال مجاهد: ما مسخت صورتهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار كما في قوله تعالى: {كمثل الحمار يحمل أسفاراً} (الجمعة، 5) رواه عنه ابن جرير وردّه وقال: إنه مخالف لظاهر القرآن والأحاديث والآثار وإجماع المفسرين وقوله تعالى: {كونوا} ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه وإنما المراد به سرعة التكوين وإنهم صاروا كذلك كما أراد بهم.l {فجعلناها} أي: تلك العقوبة {نكالاً} أي: عبرة تنكل المعتبر بها أي: تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع {لما بين يديها وما خلفها} أي: للأمم التي في زمانها وبعدها أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد
عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها {وموعظة للمتقين} الله من قومهم أو لكل متق سمعها وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. {و} اذكر {إذ قال موسى لقومه إنّ الله يأمركم} قرأ أبو عمرو بسكون الراء. وروي عن الدوري اختلاس الحركة، والباقون بالحركة الكاملة، والحركة ضمة {أن تذبحوا بقرة} أوّل هذه القصة قوله تعالى: {وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها} (البقرة، 72) وإنما فكت عنه وقدّمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال وقصته أنه كان فيهم رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى فألقاه ببابها ثم أصبح يطلب ديته وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل فسألهم فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى ليدعو الله ليبيّن لهم بدعائه فدعا فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة ويضربوا القتيل ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله فقال موسى: إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة {قالوا أتتخذنا هزواً} أي: أتستهزىء بنا نحن نسأل عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة، وإنما قالوا ذلك استبعاداً لما قاله واستخفافاً به، قرأ حمزة بسكون الزاي في الوصل وإذا وقف قال: هزواً بنصب الزاي من غير همز، وروي عنه الإدغام، وهو أن يشدّد الزاي، وقرأ حفص هزواً بضم الزاي بعدها واو مفتوحة وقفاً ووصلاً والباقون بضم الزاي بعدها همزة مفتوحة {قال أعوذ} أي: أمتنع {با} من {أن أكون من الجاهلين} لأنّ الهزء في مثل ذلك جهل وسفه، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعاً له فلما علم القوم أنّ ذبح البقرة عزم من الله استوصفوه ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وكان تحته حكمة وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة أتى بها إلى غيضة وقال: اللهمّ إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل فسارت العجلة في الغيضة عواناً وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن كان باراً بوالدته فكان يقسم الليل أثلاثاً يصلي ثلثاً وينام ثلثاً ويجلس عند رأس أمّه ثلثاً فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدّق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه فقالت له أمّه يوماً: إنّ أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع الله إله إبراهيم وإسمعيل وإسحق أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل لك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تلك البقرة تسمى الذهبية لحسنها وصفرتها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب فأقبلت تسعى إليه حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة بإذن الله وقالت: أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإنّ ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إنّ أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبداً فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن يتقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمّك، فسار الفتى
بها إلى أمّه فقالت له: إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، فقال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها إلى السوق فبعث الله ملكاً ليري خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بوالدته وكان الله به خبيراً، فقال الملك له: بكم تبيع هذه البقرة؟ فقال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضا والدتي، فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلا برضا أمي، فردّها إلى أمّه وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال: استأمرت أمّك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها، فقال الملك: إني أعطيك اثني عشر ديناراً على أن لا تستأمرها فأبى الفتى ورجع إلى أمّه وأخبرها بذلك، فقالت: إنّ الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل فقال الملك له: اذهب إلى أمّك وقل لها: امسكي هذه البقرة فإنّ موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها ـ أي: جلدها ـ ذهباً دنانير فأمسكوها وقدّر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة مكافأة له على بره بوالدته فضلاً منه تعالى ورحمة فذلك قوله عز وجل: {س2ش68/ش71 قَالُوا? ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ? قَالَ إِنَّهُ? يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ s فَارِضٌ وَبِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَالِكَ? فَافْعَلُوا? مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا? ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا? قَالَ إِنَّهُ? يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا? ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ? يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ s ذَلُولٌ تُثِيرُ ا?رْضَ وَتَسْقِى الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ s شِيَةَ فِيهَا? قَالُوا? الْـ?َانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ? فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا? يَفْعَلُونَ} {قالوا ادع لنا ربك يبيّن لها ما هي} أي: ما سنها وكان من حقه أن يقولوا أيّ بقرة هي أو كيف هي لأن لفظ ما يسأل به عن الجنس غالباً لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله {قال} موسى {إنه} أي ربي {يقول إنها بقرة لا فارض} أي: مسنة، وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي: قطعته وبلغت آخره {ولا بكر} أي: صغيرة {عوان} أي: نصف أي: وسط قال الشاعر: *نواعم بين أبكار وعون جمع عوان {بين ذلك} أي: بين ما ذكر من الفارض والبكر. فإن قيل: بين يقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك؟ أجيب: بأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر كما تقرّر وعود هذه الكنايات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أنّ المراد بها معينة ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب بالأمر ومن أنكر ذلك زعم أنّ المراد بها بقرة من جانب البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم ويلزمه النسخ قبل الفعل فإن التخصيص إبطال التخيير الثابت بالنص والحق جواز تأخير البيان عن الوقت المذكور والنسخ قبل الفعل ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ والمروي عنه عليه الصلاة والسلام: لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وتقريعهم بالتمادي وزجرهم عن المراجعة بقوله: {فافعلوا ما تؤمرون} به من ذبحها. {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال} موسى {إنه} أي: ربي {يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها} أي: شديد الصفرة ولذلك تؤكد به الصفرة فيقال: أصفر فاقع كما يقال: أسود حالك، وعن الحسن: سوداء شديدة السواد وبه فسر قوله تعالى: {جمالات صفر} (المرسلات، 33) قال البيضاويّ: ولعله عبر بالصفرة عن السواد لأنه من مقدّماته، قال البغويّ: والأوّل أصح لأنه لا يقال أسود فاقع إنما يقال: أصفر
فاقع، وأسود حالك وأخضر ناصح {تسرّ الناظرين} إليها أي: يعجبهم حسنها وصفاء لونها، والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي: أسالمة أم عاملة؟ وعلى هذا فليس تكراراً للسؤال الأوّل {إنّ البقر} أي: جنسه المنعوت كما ذكر {تشابه} أي: التبس واشتبه أمره {علينا} لكثرته فلم يهتدوا إلى المقصود. تنبيه: لم يقل تشابهت علينا لأنّ المراد الجنس كما مرّ أو لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى: {أعجاز نخل منقعر} (القمر، 20) {وإنا إن شاء الله لمهتدون} إلى وصفها وفي الحديث: «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» . واحتجّ به أصحابنا على أنّ الحوادث بإرادة الله تعالى وأنّ الأمر قد ينفك عن الإرادة وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى. والمعتزلة والكرامية على حدوث الإرادة لأنها وقعت شرطاً والشرط أمر يحدث في المستقبل، وأجيب: بأنّ تعليق الاهتداء بالمشيئة التي هي الإرادة باعتبار تعلق المشيئة بالاهتداء وهذا التعلق هو الحادث ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث به تعالى لأن التعلق أمر اعتباري. {قال} موسى {إنه} أي: ربي {يقول إنها بقرة لا ذلول} أي: غير مذللة بالعمل {تثير الأرض} أي: تقلبها للزراعة، والجملة صفة ذلول داخلة في النفي {ولا تسقي الحرث} أي: الأرض المهيأة للزراعة، ولا الثانية مزيدة لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قال: لا ذلول مثيرة وساقية {مسلمة} من العيوب وإثارة العمل {لا شية} أي: لا لون {فيها} سوى لون جميع جلدها، قال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد {قالوا الآن جئت} أي نطقت {بالحق} أي: بالبيان التامّ الشافي الذي لا إشكال فيه فطلبوها فوجدوها عند الفتى البارّ بأمّه فاشتروها بملء مسكها أي: جلدها ذهباً كما قال له الملك، وقوله تعالى: {فذبحوها} فيه اختصار، والتقدير فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها {وما كادوا} أي: ما قاربوا {يفعلون} لتطويلهم وكثرة مراجعتهم، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها ولا ينافي قوله: {وما كادوا يفعلون} قوله: {فذبحوها} لاختلاف وقتيهما إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم ففعلوا كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل. {وإذ قتلتم نفساً} خطاب للجمع لوجود القتل فيهم {فادّارأتم} فيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي تخاصمتم وتدافعتم {فيها} أي: في شأنها، إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضاً، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه {وا مخرج} أي: مظهر {ما كنتم تكتمون} فإن القاتل كان يكتم القتل، وقوله تعالى: {فقلنا اضربوه} أي: القتيل، عطف على ادّارأتم وما بينهما اعتراض، والضمير للنفس وتذكير الضمير على تأويل الشخص أو القتيل {ببعضها} أي: ببعض البقرة واختلفوا في ذلك البعض فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو ما لان من العظام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: بعجب الذنب لأنه أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق، وقال الضحاك: بلسانها، قال الحسين بن الفضل: لأنه آلة الكلام، وقال عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك فقام القتيل حياً بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث وقتل وفي الخبر «ما ورث
قاتل بعد صاحب البقرة» وفيه إضمار تقديره: فضرب فحيي، قال تعالى: {كذلك} الإحياء {يحيي الله الموتى} والخطاب مع من حضر حياة القتيل أو نزول الآية {ويريكم آياته} دلائل قدرته {لعلكم تعقلون} لكي يكمل عقلكم وتعلموا أنّ من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها فتؤمنون. قال البيضاويّ: ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرّب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل أي: توكل أبي اليتيم والشفقة على الأولاد وأن من حق الطالب أن يقدم قربة والمتقرّب أن يتحرّى الأحسن ويغالي بثمنه كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضحى بنجيبة ـ أي: من الابل ـ بثلثمائة دينار، وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى إلى إذ لا يتصوّر حياة ميت من غيره تعالى والأسباب أمارات لا أثر لها وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوّه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوّة الشهوية حين زال عنها أثر الصبا أي: عدم التكليف، وهو نظير لا بكر ولم يلحقها ضعف الكبر أي: وهو نظير لا فارض، وكانت معجبة رائقة المنظر أي: وهو نظير تسرّ الناظرين غير مذللة في طلب الدنيا أي: وهو نظير لا ذلول تثير الأرض مسلمة من دنسها، {لا شية} أي: لا علامة بها من قبائحها بحيث يصل أثره أي: الذبح إلى نفسه فتحيا حياة طيبة، ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع أي: لأن العقل يأمر بالخير والوهم يأمر بالشهوات. {ثم قست قلوبكم} أيها اليهود أي: ضلت عن قبول الحق لأن القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر وقساوة القلب مثل في بعده عن الاعتبار، وثم لاستبعاد القسوة عن الأحياء لا للتراخي في الزمان بل للاستبعاد مجاز القرينة ما قبلها بمعنى أنه يبعد من العاقل قسوة القلب بعد ظهور تلك الآية العظيمة {من بعد ذلك} المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات فإن ذلك مما يوجب لين القلب {فهي كالحجارة} في قسوتها، قرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها {أو أشدّ قسوة} من الحجارة، وقيل: أو بمعنى الواو كقوله تعالى: مائة ألف أو يزيدون وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة لأنّ الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار وقد لان لداود عليه الصلاة والسلام والحجارة، لا تلين قط ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال: {وإنّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} أي: من بعض الحجارة وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط {فإنّ منها لما يشقق} فيه إدغام التاء في الأصل في الشين {فيخرج منه الماء} أي: عيوناً دون الأنهار {وإنّ منها لما يهبط} أن ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله {من خشية الله} وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم فكيف يخشى؟ أجيب: بأنّ الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه، قال البغويّ: ومذهب أهل السنة أنّ لله تعالى علماً في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح كما قال جلّ ذكره: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (الإسراء، 440) وقال تعالى: {والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} (النور، 41) (الحج، 18) وقال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر} (الحج، 18) الآية فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى. روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان على
ثبير والكفار يطلعونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ عليّ فيعاقبني الله بذلك، فقال له جبل حرا: إليّ إليّ يا رسول الله. وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن» . وروي عن عليّ أنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فرحنا في نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر فلم يمرّ بشجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» . وروي عن جابر أنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت، وقال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله ويشهد لذلك قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله} (الحشر، 21) {وما الله بغافل} أي: بساه {عما تعملون} وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به، وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. {س2ش75/ش78 أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا? لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ? مِن? بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا? الَّذِينَءَامَنُوا? قَالُو?ا? ءَامَنَّا وَإِذَا خَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُو?ا? أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ? عِندَ رَبِّكُمْ? أَفَ تَعْقِلُونَ * أَوَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِ? أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِs يَظُنُّونَ} {أفتطمعون} أي: أفترجون أيها المؤمنون {أن يؤمنوا} أي: اليهود {لكم} أي: لأجل دعوتكم أو يصدّقوكم بما تخبرونهم به {وقد كان فريق} أي: طائفة {منهم} أي: أحبارهم {يسمعون كلام الله} أي: التوراة {ثم يحرّفونه} يغيرونه كنعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم، وقيل: هؤلاء من السبعين المختارين الذين سمعوا كلام الله حين كلم موسى عليه الصلاة والسلام بالطور ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا {من بعد ما عقلوه} أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة {وهم يعلمون} أنهم مفترون والهمزة للإنكار أي: لا تطمعوا في إيمانهم فلهم سابقة في الكفر. {وإذا لقوا} أي: منافقو اليهود {الذين آمنوا قالوا آمنا} بأنكم على الحق وإنّ رسولكم هو المبشر به في التوراة {وإذا خلا} أي: رجع {بعضهم إلى بعض قالوا} أي: رؤساؤهم الذين لم ينافقوا ككعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا لمن نافق {أتحدّثونهم} أي: المؤمنين {بما فتح الله عليكم} بما بين لكم في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {ليحاجوكم} أي: ليخاصموكم {به عند ربكم} أي: بما أنزل ربكم في كتابه ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه جعلوا محاجتهم بكتاب الله محاجة عند الله كما يقال: عند الله كذا، ويراد به أنه في كتابه وحكمه، وقيل: بين يدي رسول ربكم، وقيل: عند ربكم في الآخرة، وقوله تعالى: {أفلا تعقلون} إمّا من تمام كلام اللائمين وهم خلص اليهود وتقديره أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم فيحجونكم، وإمّا من خطاب الله للمؤمنين متصل بقوله تعالى: {أفتطمعون} والمعنى: أفلا تعقلون حالهم وأنه لا مطمع لكم في إيمانهم. {أولا يعلمون} أي: اللائمون أو المنافقون أو كلاهما {إنّ الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون} من إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله عليهم وإظهار غيره وغير ذلك فيرعووا عن ذلك. {ومنهم} أي: اليهود {أمّيون} أي: عوام جهلة {لا يعلمون الكتاب} أي: لا يعرفون التوراة أو الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما، فيها، وقوله تعالى: {إلا أمانيّ} استثناء منقطع، أي: لكن أكاذيب تلقوها من رؤسائهم فاعتمدوها
{وإن هم} أي: ما هم {إلا} قوم {يظنون} ظناً لا علم لهم وقد يطلق الظنّ بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع وإن جزم به صاحبه كاعتقاد المقلد وكالزائغ عن الحق بسبب شبهة قامت عنده. {س2ش79/ش82 فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَاذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا? بِهِ? ثَمَنًا قَلِي?? فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ * وَقَالُوا? لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِ? أَيَّامًا مَّعْدُودَةً? قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ??? أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ? خَطِي?ـئَتُهُ? فَأُو?لَـ?ائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَءَامَنُوا? وَعَمِلُوا? الصَّالِحَاتِ أُو?لَا?ئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {فويل} أي: واد في جهنم كما رواه الترمذيّ، قال سعيد بن المسيب: لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدّة حرّه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو شدّة العذاب {للذين يكتبون الكتاب} أي: المحرف من التأويلات الزائغة، وقوله تعالى: {بأيديهم} تأكيد كقولك: كتبته بيميني {ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً} من الدنيا وهم اليهود غيروا صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة: وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ما أنزل الله فكانت صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: أكحل العينين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فكتبوها طويلاً: أزرق العينين، سبط الشعر، وغيروا آية الرجم بالجلد والتحميم أي: تسويد الوجه {فويل لهم مما كتبت أيديهم} من المحرف {وويل لهم مما يكسبون} من الرشا. {وقالوا} أي: اليهود لما وعدهم النبيّ صلى الله عليه وسلم النار {لن تمسنا} أي: تصيبنا {النار إلا أياماً معدودة} محصورة قليلة. روي أنّ بعضهم قالوا: نعذب بعدد أيام عبادتنا العجل أربعين يوماً وبعضهم قالوا: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً واحداً ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام. فإن قيل: لم وصف الأيام مع أنها جمع بالمفرد؟ أجيب: بأنها في معنى الجماعة فتكون مفرداً تقديراً ولأنّ جمع القلة ـ كما قاله الرضي ـ في حكم المفرد فيوصف بالمفرد كما هنا يوصف المفرد به كما في قوله تعالى: {نطفة أمشاج} (الإنسان، 20) وقيل: الأمشاج مفرد وعلى هذا فلا إشكال ثم كذبهم الله تعالى بقوله: {قل} لهم يا محمد {أتخذتم} حذف منه همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام {عند الله عهداً} أي: ميثاقاً منه بذلك، وقوله تعالى: {فلن يخلف الله عهده} جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده وفيه دليل على أن الخلف في خبر الله تعالى محال {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} أم إما منقطعة بمعنى بل أتقولون على التقرير والتقريع، وإمّا معادلة بهمزة الاستفهام بمعنى أيّ الأمرين كائن على سبيل التقرير للعلم بوقوع أحدهما، وقوله تعالى: {بلى} إثبات لما نفوه من مساس النار لهم فإن بلى وبل حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل أي: بل تمسكم وتخلدون فيها {من كسب سيئة} أي: قبيحة {وأحاطت به خطيئته} وقرأ نافع وحده خطيئاته بالجمع أي: استولت عليه وشملت جميع أحواله حتى صار كالمحتاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأنّ غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه لم تحط الخطيئة به ولذلك فسرها السلف بالكفر، وقيل: السيئة الكبيرة، والإحاطة أن يصرّ عليها لأنّ من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجرّه إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي مستحسناً إياها معتقداً أن لا لذة سواها مبغضاً لمن يمنعه عنها مكذباً لمن ينصحه فيها كما قال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السواى أن كذبوا بآيات الله} (الروم، 10) الآية، والفرق بين السيئة
والخطيئة أنّ السيئة قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ، والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على التهكم كقوله تعالى: {فبشره بعذا أليم} (لقمان، 7) (يس، 11) (الجاثية، 8) {فأولئك أصحاب النار} أي: ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمو أسبابها في الدنيا {هم فيها خالدون} أي: دائمون روعي فيه معنى من والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة لأنها في الكافر كما مرّ. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} جرت عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيده لترجي رحمته ويخشى عذابه. تنبيه: عطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه. {و} اذكر {إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} في التوراة وقلنا لهم: {لا تعبدون إلا الله} هذا إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: {ولا يضارّ كاتب ولا شهيد} (البقرة، 282) وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أنّ المنهي سارع إلى الانتهاء فهو مخبر عنه، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. {وبالوالدين إحساناً} أي: برّاً بهما وعطفاً عليهما ونزولاً عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. قال البيضاويّ: وهذا متعلق بمضمر تقديره: وتحسنون أو أحسنوا، انتهى. ويلزمه أنّ إحساناً في الآية منصوب على المصدر المؤكد لعامله المحذوف مع أن حذف عامل المؤكد ممنوع أو نادر وقوله تعالى: {وذي القربى} أي: القرابة {واليتامى والمساكين} عطف على الوالدين، ويتامى جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له كنديم وندامى وهو قليل، ومسكين مفعيل من السكون كأنّ الفقر أسكنه {وقولوا للناس حسناً} من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد صلى الله عليه وسلم والرفق بهم، وقيل: هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين، والباقون بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، قال البيضاوي: يريد ـ أي: الله ـ بهما ما فرض عليهم في ملتهم {ثم توليتم} في هذا التفات عن الغيبة، قال البيضاوي: ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب أي: أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه {إلا قليلاً منكم} أي: وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم {وأنتم} قوم {معرضون} أي: عادتكم الإعراض عن المواثيق والتولية كإعراض آبائكم. {و} اذكروا {إذ أخذنا ميثاقكم} وقلنا {لا تسفكون دماءكم} أي: تريقونها بقتل بعضكم بعضاً {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي: لا يخرج بعضكم بعضاً من داره وإنما جعل غير الرجل نفسه لاتصاله به نسباً أو ديناً، وقيل: لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم فإنه الجلاء الحقيقيّ {ثم أقررتم} بهذا العهد أنه حق وقبلتم {وأنتم تشهدون} على أنفسكم، هذا توكيد كقولك أقر فلان شاهداً على نفسه، وقيل: أنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازاً. {ثم أنتم} يا {هؤلاء تقتلون أنفسكم} فيه استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار والشهادة عليه أي: ثم بعد ذلك يقتل بعضكم بعضاً {وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم
تظاهرون} قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الطاء، والباقون بتشديدها، أي: تتعاونون {عليهم بالإثم} أي: المعصية {والعدوان} أي: الظلم {وإن يأتوكم أسارى} قرأ حمزة بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعد السين، والباقون بضمّ الهمزة وفتح السين وألف بعدها {تفادوهم} قرأ عاصم والكسائيّ بضمّ التاء وفتح الفاء وألف بعدها، والباقون بفتح التاء وسكون الفاء ولا ألف بعدها، أي: تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره، وقوله تعالى: {وهو} أي: الشأن {محرّم عليكم إخراجهم} متعلق بقوله تعالى: {وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم} وما بينهما اعتراض، ومعنى الآية قال السدي: إنّ الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه في بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وكانت قريظة حالفوا الأوس وحالفت النضير الخزرج فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم وكانوا إذا سئلوا: لم تقاتلونهم؟ وتفدونهم قالوا: أمرنا بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن يستذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى بقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} وهو الفداء {وتكفرون ببعض} وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي} أي: هوان وعذاب {في الحياة الدنيا} فكان خزي قريظة القتل والسبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام {ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب} أي: عذاب جهنم وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشدّ العذاب لأنّ عصيانه أشدّ {وما الله بغافل عما تعملون} قرأ نافع وابن كثير وشعبة بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. {أولئك الذين اشتروا} أي: استبدلوا {الحياة الدنيا بالآخرة} بأن آثروها عليها {فلا يخفف عنهم العذاب} في الدنيا بنقصان الجزية والتعذيب في الآخرة {ولا هم ينصرون} أي: بدفعها عنهم {ولقد آتينا} أي: أعطينا {موسى الكتاب} أي: التوراة جملة واحدة {وقفينا من بعده بالرسل} أي: أتبعناهم رسولاً في إثر رسول كقوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى} (المؤمنون، 44) يقال: قفاه إذا أتبعه إياه {وآتينا عيسى بن مريم البينات} أي: المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات أو الإنجيل. وعيسى بالعبرانية أيشوع، ومريم بمعنى الخادم {وأيدناه} أي: قويناه {بروح القدس} قرأ ابن كثير بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها، وهذا من إضافة الموصوف إلى الصفة أي: الروح المقدسة وهو جبريل وصف به لطهارته وتأييده به أن أمر أن يسير معه حيث سار حتى يصعد به إلى السماء، وقيل: روح عيسى عليه الصلاة والسلام ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث أي: الحيض، وقيل: اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى. ولما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام قالوا: يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً فقال الله تعالى: {أفكلما جاءكم} يا معشر اليهود {رسول بما لا تهوى} أي: تحب {أنفسكم} من الحق،
وقوله تعالى: {استكبرتم} أي: تكبرتم عن اتباعه، جواب كلما وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ {ففريقاً} أي: طائفة {كذبتم} كموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والفاء لسببية الاستكبار للتكذيب أو التفصيل {وفريقاً تقتلون} كزكريا ويحيى عليهما السلام. فإن قيل: هلا قال: وفريقاً قتلتم؟ أجيب: بأنه إنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها في النفوس فإنّ الأمر فظيع ومراعاة للفواصل. قال الزمخشري: أو أن يراد وفريقاً تقتلونهم بعد أي: الآن، لأنكم درتم حول قتل محمد لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، وقال صلى الله عليه وسلم عند موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري» . {وقالوا} للنبيّ صلى الله عليه وسلم استهزاءً: {قلوبنا غلف} جمع أغلف أي: مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقولهم: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} (فصلت، 5) ، وقيل: أصل غلف بالسكون غلف بالضم فخفف، والمعنى أنها أوعية العلم لا تسمع علماً إلا وعته ولا تعي ما تقول أي: فما تقوله ليس بعلم أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره، ثم ردّ الله تعالى عليهم أن تكون قلوبهم كذلك بقوله تعالى: {بل} للإضراب {لعنهم الله بكفرهم} أي: بسبب كفرهم، والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ولكنّ الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم كما قال تعالى: {فأصمهم وأعمى أبصارهم} أو هم كفرة ملعونون فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عنك {فقليلاً ما يؤمنون} ما مزيدة لتأكيد القلة أي: إيمانهم إيمان قليل جدّاً وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل: أراد بالقلة العدم. {س2ش89/ش91 وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا? مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا? فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا? كَفَرُوا? بِهِ?? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا? بِهِ?? أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا? بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ? عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ?? فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْءَامِنُوا? بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا? نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ? وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ? قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَن?بِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {ولما جاءهم كتاب من عند الله} هو القرآن {مصدّق لما معهم} من كتابهم وهو التوراة لا يخالفه {وكانوا} أي: اليهود {من قبل} أي: من قبل مجيئه {يستفتحون} أي: يستنصرون {على الذين كفروا} أي: مشركي العرب إذا قابلوهم يقولون: اللهمّ انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته ونعته في التوراة ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم {فلما جاءهم} أي: اليهود {ما عرفوا} من الحق وهو بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم {كفروا به} حسداً أو خوفاً على الرياسة وجواب لما الأولى دل عليه جواب لما الثانية {فلعنة الله} أي: عذابه وطرده {على الكافرين} أي: عليهم، وإنما أتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم فتكون اللام للعهد ويجوز أن تكون للعموم ويدخلون فيه دخولاً أولياً أو قصدياً لأنهم المقصودون بالذات وتناول الكلام لغيرهم على سبيل التبع فهو كما إذا ظلمك إنسان فقلت: ألا لعنة الله على الظالمين كان ذلك الظالم أوّلياً أو مقصوداً في الدعاء والباقون تبعاً. {بئس ما اشتروا} أي: باعوا {به أنفسهم} أي: حظها من الثواب، وما نكرة بمعنى شيئاً مميزة لفاعل بئس المستكن أي: بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم {أن يكفروا} أي: كفرهم {بما أنزل الله} من القرآن {بغياً} أي: حسداً وطلباً لما ليس لهم وهو علة يكفروا ـ كما قال البيضاوي ـ دون اشتروا، وإن قاله الزمخشري لفصل المخصوص بين {بغياً} الذي هو العلة وبين المعلول وهو {اشتروا} . وحسدوه على {أن ينزل الله من فضله} أي: الوحي {على من يشاء} للرسالة
{من عباده} وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون نون ينزل وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي {فباءوا} أي: رجعوا {بغضب على غضب} أي: مع غضب، واختلف في معنى ذلك فقال ابن عباس ومجاهد: الغضب الأوّل: بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني: بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال السديّ: الأوّل: كفرهم بعبادة العجل، والثاني: الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: الأوّل: بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {وللكافرين عذاب مهين} أي: ذو إهانة بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه. {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} من القرآن وغيره فيعم سائر الكتب المنزلة {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} أي: التوراة يكفينا ذلك {ويكفرون} الواو للحال {بما وراءه} أي: بما سواه من الكتب كقوله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك} (المؤمنون، 7) أي: سواه وقال أبو عبيدة: بما بعده أي: من القرآن. وقوله تعالى: {وهو} أي: ما وراءه {الحق} حال، وقوله: {مصدّقاً لما معهم} أي: من التوراة حال ثانية مؤكدة تتضمن ردّ مقالهم فإنهم كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض الله تعالى عليهم بقتل الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة بقوله تعالى: {قل} لهم يا محمد {فلم تقتلون} أي: قتلتم {أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} بالتوراة، والتوراة لا تسوغه بل نهيتم فيها عن قتلهم، والخطاب للموجودين في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بما فعل آباؤهم لرضاهم به وعزمهم عليه، قرأ نافع وحده: أنبياء الله، بالهمز في كل القرآن، والباقون بالبدل، وليس لورش إلا المدّ فقط لأنه متصل. {س2ش92/ش94 وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن? بَعْدِهِ? وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا? مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا?? قَالُوا? سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا? فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ? قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ? إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ ا?خِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا? الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} {ولقد جاءكم موسى بالبينات} أي: الآيات التسع في قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات كالعصا} (الإسراء، 101) واليد وفلق البحر {ثم اتخذتم العجل} أي: إلهاً {من بعده} أي: من بعد ذهابه إلى الميقات، وقوله تعالى: {وأنتم ظالمون} أي: باتخاذه، حال أي: اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو بالإخلال بآيات الله، أو اعتراض أي: وأنتم عادتكم الظلم. {وإذ أخذنا ميثاقكم} على العمل بما في التوراة {و} قد {رفعنا فوقكم الطور} أي: الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم، وقلنا: {خذوا ما آتيناكم بقوّة} أي: بجد واجتهاد {واسمعوا} ما تؤمرون به سماع قبول {قالوا سمعنا} قولك {وعصينا} أمرك وقيل: سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب، قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوا بالآذان وتلقوه بالعصيان نسب ذلك إلى القول اتساعاً {وأشربوا في قلوبهم العجل} أي: خالط حبه قلوبهم كما يتداخل الشراب أعماق البدن، وفي قلوبهم بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى: {إنما يأكلون في بطونهم ناراً} (النساء، 10) . فائدة: قال البغويّ في «القصص» : إنّ موسى عليه الصلاة والسلام أمر أن يبرد العجل بالمبرد ثم يذر في النهر وأمر بالشرب منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه. {بكفرهم} أي: بسبب كفرهم وذلك أنهم كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن من قلوبهم ما سوّل لهم السامري {قل} لهم يا محمد {بئسما} أي: شيئاً {يأمركم به إيمانكم} بالتوراة عبادة العجل، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب: {أصلواتك تأمرك} (هود، 87) وكذلك إضافة الإيمان إليهم في قوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} بعبادة العجل. {قل} لهم {إن
كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} أي: خاصة {من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} في قولكم وذلك أنّ اليهود ادعوا دعاوى باطلة مثل قولهم: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} (البقرة، 80) {ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً} (البقرة، 111) وقولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} (المائدة، 18) فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد ذلك لأنّ من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب. كما روي عن المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم فقد كان علي رضي الله تعالى عنه يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن: ما هكذا نرى المحاربين، فقال له: يا بني لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة أنه كان يتمنى الموت فلما احتضر قال: حبيب ـ أي: الموت ـ جاء على فاقة، أي: وقت حاجتي إليه. وقيل: بل أراد بالحبيب لقاء الله لا أفلح من ندم يعني على التمني أراد به أنه كان يتمنى الموت وما ندم على التمني حين جاء الموت. وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه. وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحن إليه. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهوديّ إلا مات» . تنبيه: خالصة نصبها على الحال من الدار، أو من الضمير في خبر كان العائد إلى الدار، وتعلق بتمنوا الشرطان على أنّ الأوّل قيد في الثاني. {ولن يتمنوه أبداً بما قدّمت أيديهم} من موجبات النار من الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به وتحريف كتاب الله وسائر أنواع الكفر والعصيان، ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها أكثر منافعه عبر بها عن النفس تارة كما هنا وعن القدرة أخرى كما في قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (الفتح، 10) وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان أخبر به كقوله تعالى: {ولن تفعلوا} (البقرة، 24) . فإن قلت: من أعلمك أنهم لم يتمنوا؟ أجيب: بأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولي المطاعن في الإسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل ذلك. فإن قيل: التمني من أعمال القلوب وهو سرّ لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا؟ أجيب: بأنّ التمني ليس من أعمال القلوب إنما هو قول الانسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى. وليت كلمة تمنّ ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك. فإن قيل: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدقون أجيب: بأنه كم حكي عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب الصرف ولم يبالوا فكيف يمنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وأخبارهم عن ضمائرهم وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كذباً لأنه أمر خفي لا سبيل إلى الاطلاع عليه {وا عليم بالظالمين} أي: الكافرين فيجازيهم في ذلك فيه تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ونفيه عمن هو لهم. {ولتجدنهم} اللام لام القسم والنون تأكيد القسم تقديره: والله لتجدنهم يا محمد
أي: اليهود {أحرص الناس على حياة} هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين ومفعولاه هم أحرص. فإن قيل: لم قال على حياة بالتنكير؟ أجيب: بأنه أريد حياة مخصوصة هي فرد من أفرادها وهي الحياة المتطاولة {و} أحرص {من الذين أشركوا} أي: المنكرين البعث عليها لعلمهم بأنّ مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له. فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ أجيب: ببلى، ولكنهم أفردوا بالذكر؛ لأنّ حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم؛ لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ {يودّ} يتمنى {أحدهم لو يعمر ألف سنة} لو مصدرية بمعنى أن وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول، يودّ يقول الله تعالى: اليهود أحرص الناس على الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك؛ لأنّ تحية المجوس فيما بينهم عش ألف سنة {وما هو} أي: أحدهم {بمزحزحه} أي: مبعده {من العذاب} أي: النار وقوله تعالى: {أن يعمر} فاعل مزحزحه أي: تعميره {وا بصير بما يعملون} فيجازيهم به. «وسأل عبد الله بن صوريا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه؟ فقال: جبريل فقال: ذاك عدوّنا عادانا مراراً وأشدّها أنه لما نزل على نبينا أخبرنا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر وأخبرنا بالحين الذي يجيء فيه فلما كان وقته بعثنا رجلاً من بني إسرائيل في طلبه ليقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه وكبر بختنصر وقوي فنزل. {قل} لهم {من كان عدواً لجبريل} . روي أنه كان لعمر رضي الله تعالى عنه أرض بأعلى المدينة وكان ممرّه على مدارس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أحبكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدوّ لنا يطلع محمداً على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام أي: السلامة، فقال عمر: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة فقال: لئن كان كما تقولون فليسا بعدوّين أي: لقرب منزلتهما عند الله ولأنتم أكفر من الحمير أي: لأنّ الكفر نتيجة الجهل والبلادة والحمار مَثل فيهما، ومن كان عدوّ أحدهما فهو عدّو الله تعالى ثم رجع فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال عليه الصلاة والسلام: «لقد وافقك ربك يا عمر» قال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. وقال مقاتل: قالت اليهود إنّ جبريل عدوّنا؛ لأنه أمر أن يجعل النبوّة فينا فجعلها في غيرنا ومعنى جبريل عبد الله، فجبر هو الله وإيل هو العبد، وقرأ حمزة والكسائيّ بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء مكسورة ممدودة أي: بعدها ياء لفظية وقرأ شعبة كذلك إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز بعد الراء إلا أن ابن كثير فتح الجيم ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة {فإنه} أي: جبريل {نزله} أي: القرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لا
يسبق ذكره فيه. فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدلّ على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته {على قلبك} يا محمد وقوله تعالى: {بإذن الله} أي: بأمره حال من فاعل نزل {مصدقاً} أي: موافقاً {لما بين يديه} لما قبله من الكتب {وهدى} من الضلالة {وبشرى} بالجنة {للمؤمنين} هذه أحوال من مفعول نزل وجواب الشرط فإنه نزله والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقة الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياك لنزوله عليك بالوحي؛ لأنه نزل كتاباً مصدّقاً للكتب المتقدّمة فحذف الجواب وأقيم علته مقامه، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزل عليك، وقيل: الجواب محذوف مثل فليمت غيظاً أو فهو عدوّ لي وأنا عدوّ له كما قال تعالى: {من كان عدوّاً وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنّ الله عدوّ للكافرين} والمراد بمعاداة الله مخالفته عناداً أو معاداة المقرّبين من عباده وصدر الكلام بذكره تعالى تفخيماً لشأنهم كقوله تعالى: {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة، 62) . فإن قيل: لم أفرد الملكين بالذكر مع دخولهما في الملائكة؟ أجيب: بأنّ ذلك لفضلهما، فكأنهما من جنس آخر وهو مما ذكر أن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات وبأن المحاجة كانت فيهما والواو فيها بمعنى أو يعني من كان عدوّاً لأحد هؤلاء؛ لأنّ الكافر بالواحد كافر بالكل، وقدم جبريل لشرفه، وقدم الملائكة على الرسل كما قدم الله على الجميع؛ لأنّ عداوة الرسل بسبب نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب، قرأ أبو عمرو وحفص ميكال بغير همز ولا ياء بين الألف واللام وقرأ نافع بهمزة بعد الألف ولا ياء بعد الهمزة والباقون بهمزة بعد الألف وياء وهم على مراتبهم في المدّ. ونزل في ابن صوريا لما «قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية أي زائدة فنتبعك» . {ولقد أنزلنا إليك} يا محمد {آيات بينات} واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام {وما يكفر بها إلا الفاسقون} أي: المتمرّدون من الكفرة والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على أعظميته كأنه متجاوز عن حدّه. {أو كلما عاهدوا عهداً} الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا الله عهداً على الإيمان بالنبيّ أو إن خرج النبيّ أن لا يعاونوا عليه المشركين وقوله تعالى {نبذه} أي: طرحه {فريق منهم} أي: اليهود بنقضه جواب كلما وهو محل الاستفهام الانكاري وإنما قال فريق؛ لأنّ بعضهم لم ينقض وقوله تعالى: {بل} للانتقال {أكثرهم لا يؤمنون} ردّ لِما يتوهم أنّ الفريق هم الأقلون. وقوله تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله} هو محمد صلى الله عليه وسلم {مصدّق لما معهم} من التوراة {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله} أي: التوراة؛ لأنّ كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدّقه ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات وقيل: كتاب الله هو القرآن نبذوه بعدما ألزمهم تلقيه بالقبول وقوله تعالى: {وراء ظهورهم} أي: لم يعملوا بما فيها من الآيات بالرسل وغيره مًثل لإعراضهم عنه بالكلية بالاعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه {كأنهم لا يعلمون} ما فيها من أنه نبيّ حق أو فيه شك يعني أنّ علمهم بذلك رصين ولكنهم كابروا وعاندوا. وعن سفيان
أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه. وقوله تعالى: {واتبعوا} عطف على نبذ {ما تتلو} أي: ما تلت {الشياطين} والعرب تضع المستقبل موضع الماضي والماضي موضع المستقبل، وقيل: ما كانت تتلو أي تقرأ {على} عهد {ملك سليمان} من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه فلم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوه وقالوا للناس: إنما ملَككم سليمان بهذا فتعلموه، فأمّا علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا من علم سليمان عليه الصلاة والسلام، وأمّا سفلاؤهم فقالوا: هذا علم سليمان وأقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم وبقيت الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عليه براءة سليمان هذا قول الكلبيّ. وقال السديّ: كانت الشياطين تسترق السمع فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كلّ كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني إسرائيل أنّ الجنّ تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيه وقال: لا أسمع أنّ أحداً يقول: إنّ الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثل شيطان على صورة إنسان فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم قال: فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وأقام ناحية فقالوا: أُدن فقال: لا ولكني ههنا فإن لم تجدوه فاقتلوني وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق فحفروا وأخرجوا تلك الكتب قال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والانس والشياطين والطير بهذا ثم طار الشيطان وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برأ الله سليمان من ذلك وأنزل تكذيباً لمن زعم ذلك واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان {وما كفر سليمان} إذ لم يعمل السحر وعبر عنه بالكفر ليدلّ على أنه كفر إذا استحله أو احتيج فيه إلى تقدّم اعتقاد مكفر هذا مذهب الشافعيّ وعند أحمد يكفر مطلقاً {ولكنّ الشياطين} هم الذين {كفروا} باستعمال السحر وتدوينه، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسر النون من ولكن مخففة ورفع نون الشياطين والباقون بنصب النون من ولكن مشدّدة ونصب نون الشياطين {يعلمون الناس السحر} يقصدون به إغواءهم وإضلالهم والجملة حال من ضمير كفروا. تنبيه: السحر لغة صرف الشيء عن وجهه يقال: ما سحرك عن كذا أي: ما صرفك عنه واصطلاحاً مزاولة النفوس الخبيئة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة للعادة. واختلف فيه هل هو تخييل أو حقيقة؟ قال بالأوّل المعتزلة واستدلوا بقوله تعالى: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} (طه، 66) وقال بالثاني أهل السنة ويدلّ لذلك الكتاب والسنة الصحيحة، والساحر قد يأتي بفعل أو قول يتغير به حال المسحور فيمرض أو يموت منه ويفرّق به بين المرء وزوجه ويحرم تعليمه أو تعلمه، قال إمام الحرمين: ولا يظهر السحر إلا على يد فاسق ولا تظهر
الكرامة على يد فاسق ويحرم أيضاً تعليم أو تعلم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والحصى والشعير والشعبذة ويحرم إعطاء العوض أو أخذه عنها بالنص الصريح في حلوان الكاهن والباقي بمعناه، والكاهن من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل بخلاف العرّاف فإنه الذي يخبر عن المغيبات الواقعة كعين السارق ومكان المسروق والضالة قال في «الروضة» : ولا يغتر بجهالة من يتعاطى الرمل وإن نسب إلى علم. وأمّا الحديث الصحيح «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك» فمعناه من علمتم موافقته له فلا بأس ونحن لا نعلم الموافقة فلا يجوز لنا ذلك. وقول البيضاويّ: وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات كالأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم وتسميته سحراً على التجوّز لما فيه من الدقة؛ لأنه أي: السحر في الأصل أي: اللغة لما خفي سببه مردود بل هو مذموم أي: حرام كما صرّح به النوويّ في «الروضة» وغيرها، وقوله تعالى: {وما أنزل على الملكين} عطف على السحر أي: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين وقيل: عطف على ما تتلو أي: واتبعوا ما أنزل أي: ما ألهماه وتعلماه من السحر فالانزال بمعنى الإلهام والتعليم. قال البيضاويّ: وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس وتمييزاً بينه وبين المعجزة. قال: وما روي أي: في كتب السير أنهما مثلا بشرين وركب فيهما الشهوة فتعرّضا لامرأة يقال لها زهرة فحملتهما على المعاصي والشرك ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكيّ عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله أي: الرمز أو ما روي لا يخفى على ذوي البصائر اه. قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا: بأن يقال عُبر عن العقل والنفس المطمئنة بالملكين وعن النفس الأمّارة بالسوء بالزهرة وعن مفارقتها بالموت بالصعود إلى السماء وقيل: هما رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما وقيل: ما أنزل نفي معطوف على ما كفر تكذيباً لليهود في هذه القصة، وقد طوّل البغوي في هذه القصة. واعتمد ما ردّه البيضاويّ، وقال شيخنا المذكور عن شيخه ابن حجر إنّ لها طرقاً تفيد العلم بصحتها فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد وابن حبان والبيهقيّ وغيرهم وموقوفة على عليّ وابن مسعود وابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة والبيضاويّ لما استبعد ما روي ولم يطلع عليه، قال ولعله إلخ.. وقوله تعالى: {ببابل} ظرف أو حال من الملكين أو الضمير في أنزل وهي بلد في سواد العراق وقوله تعالى: {هاروت وماروت} بدل أو عطف بيان للملكين ومنع صرفهما للعلمية والعجمة ومن جعل ما فيما أنزل نافية أبدل هاروت وماروت من الشياطين بدل البعض وما بينهما اعتراض {وما يعلمان} أي: الملكان {من أحد} أي: أحداً ومن صلة {حتى} ينصحاه و {يقولا} له {إنما نحن فتنة} أي: ابتلاء من الله تعالى للناس لنمتحنهم بتعليمه وأصل الفتنة الاختبار والامتحان من قولهم: فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار لتميز الجيد من الرديء، وإنما وحد الفتنة لأنها مصدر والمصادر لا تثنى ولا تجمع {فلا تكفر} بتعليمه أي: فلا تتعلمه معتقداً حله فتكفر على ما تقدّم، فإن أبى إلا التعليم علماه قيل: إنهما يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرّات، قال عطاء والسديّ فإن أبى إلا التعليم؟ قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه فيخرج منه نور ساطع في السماء فتلك المعرفة وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه
وذلك غضب الله تعالى وعلى القول بأنهما رجلان فلا يعلمانه حتى يقولا له: إنا مفتونان فلا تكن مثلنا {فيتعلمون منهما} الضمير لما دل عليه من أحد أي: فيتعلم الناس من الملكين {ما} أي: سحراً {يفرّقون به بين المرء وزوجه} بأن يبغض كلاً منهما في الآخر بسبب حيلة أو تمويه كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله تعالى عنده الفراق ابتلاءً منه لا أنّ السحر له أثر في نفسه بدليل قوله تعالى: {وما هم} أي: السحرة {بضارّين به} أي: السحر {من أحد} أي: أحداً ومن صلة {إلا بأذن الله} أي: إرادته؛ لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات بل بإرادته تعالى: {ويتعلّمون ما يضرّهم} في الآخرة {ولا ينفعهم} وهو السحر؛ لأنهم يقصدون به العمل أو لأنّ العلم يجرّ إلى العمل غالباً {ولقد} اللام لام القسم {علموا} أي: اليهود {لمن} اللام لام الابتداء علقت علموا عن العمل ومن موصولة {اشتراه} أي: استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى {ما له في الآخرة من خلاق} أي: نصيب في الجنة {ولبئس ما} أي: شيئاً {شروا} أي: باعوا {به أنفسهم} أي: الشارين أي: حظها من الآخرة أن يتعلموه حيث أوجب لهم النار {لو كانوا يعلمون} حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلموه. وقيل: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم فإنّ من لم يعمل بما علم كان كمن لم يعلم. {س2ش103/ش105 وَلَوْ أَنَّهُمْءَامَنُوا? وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ? لَّوْ كَانُوا? يَعْلَمُونَ * يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? تَقُولُوا? رَاعِنَا وَقُولُوا? انظُرْنَا وَاسْمَعُوا?? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا? مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ? وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ? مَن يَشَآءُ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} {ولو أنهم} أي: اليهود {آمنوا} بالنبيّ والقرآن {واتقوا} عقاب الله بترك معاصيه كنبذ كتاب الله تعالى واتباع السحر وجواب لو محذوف أي: لأثيبوا دلّ عليه {لمثوبة} أي: ثواب وهو مبتدأ واللام فيه للقسم وقوله تعالى: {من عند الله خير} خبره أي: خير مما اشتروا به أنفسهم {لو كانوا يعلمون} أنّ ثواب الله تعالى خير لما آثروه عليه فجهلهم الله تعالى لترك التدبر والعمل بالعلم. {يأيها الذين آمنوا لا تقولوا} للنبيّ صلى الله عليه وسلم {راعنا} أمر من المراعاة و «كانوا يقولون ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين وكانت كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهو راعنا قالوا فيما بينهم: كنا نسب محمداً سراً فأعلنوا به الآن فكانوا يأتون ويقولون: يا محمد راعنا وهم يعنون به تلك المسبة ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربنّ عنقه فقالوا: أولستم تقولونها فأنزل الله تعالى النهي عن ذلك لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلاً إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمروا بما هو في معناها وهو قوله تعالى: {وقولوا انظرنا} » أي: انظر إلينا وقيل: اسمع منا قاله مجاهد وقيل: لا تعجل علينا قاله ابن زيد {واسمعوا} ما تؤمرون به سماع قبول لا كسماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قولكم: راعنا {وللكافرين} أي: الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه {عذاب أليم} أي: مؤلم وهو النار. ونزل في تكذيب جمع من اليهود يظهرون مودّة المؤمنين ويزعمون أنهم يودّون لهم الخير. {ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب} وقوله تعالى: {ولا المشركين} أي: من العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان؛ لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون كقوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} (البينة، 1) والمودّة محبة الشيء مع تمنيه ولذلك
تستعمل في كل منهما {أن ينزل عليكم من خير من ربكم} فسر الخير بالوحي والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم من شيء منه وفسر بالعلم والنصرة والمراد به ما يعمّ ذلك كما قاله البيضاويّ: ومن الأولى مزيدة للاستغراق ومن الثانية لابتداء الغاية {وا يختص برحمته} أي: بنبوّته كما قاله عليّ رضي الله تعالى عنه ومجاهد، أو بالإسلام كما قاله ابن عباس ومقاتل {من يشاء} ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ولا يجب عليه شيء وليس لأحد عليه حق {وا ذو الفضل} وهو ابتداء إحسانه بلا علة وقوله تعالى: {العظيم} فيه إشعار بأن إتيان النبوّة والاسلام من الفضل العظيم ويدل للأوّل قوله تعالى: {إنّ فضله كان عليك كبيراً} (الإسراء، 87) . ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا: إنّ محمداً يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً كما أخبر الله تعالى بقوله: {وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر} (النحل، 101) . {ما ننسخ من آية} فبين وجه الحكمة في النسخ بهذه الآية والنسخ في اللغة شيئان، أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحوّل من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ؛ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ، والثاني: بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي: ذهبت به وأبطلته فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخاً وبعضه منسوخاً وهو المراد من الآية وهذا على وجوه: أحدها: أن تثبت التلاوة وينسخ الحكم كآية الوصية للأقارب وآية عدّة الوفاة بالحول، والثاني: أن ترفع التلاوة ويبقى الحكم كآية الرحم والثالث: أن يرفع الحكم والتلاوة كما روي: أنّ قوماً من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال صلى الله عليه وسلم «تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها» وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة فرفع أكثرها تلاوة وحكماً ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه كما أنّ القِبلة نسخت من بيت المقدس إلى الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث، وعدّة الوفاة نسخت من الحول إلى أربعة أشهر وعشر ومصابرة الواحد للعشرة بمصابرته للاثنين. قال البغويّ: والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الإخبار اه. والنسخ اصطلاحاً رفع تعلق حكم شرعيّ بدليل شرعيّ ويفارق التخصيص بأنّ التخصيص لا يرد إلا على متعدّد وبأنه غير مشروط بالنص بخلاف النسخ فيهما وبأنه يفيد عدم إرادة المخرج في الأصل والنسخ يفيد إرادة المنسوخ في الأصل لكن غير مستمرّ. وقرأ ابن عامر: ننسخ بضمّ النون الأولى وكسر السين من أنسخ أي: نأمرك أو جبريل بنسخها والباقون بفتح النون والسين وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية {أو فنسأها} أي: نؤخرها فلا نزل حكمها ولا نرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون الأولى وفتح السين وهمزة ساكنة بعد السين ولم يبدل هذه الهمزة أحد من السبعة وقرأ الباقون بضم النون وكسر السين ولا همزة بعد السين أي: ننسها أي: نمحها من قلبك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه نتركها لا ننسخها قال الله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} (التوبة، 67) أي: تركوه فتركهم وجواب الشرط {نأت بخير منها} أي: بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم وإن كان
كلام الله كله خيراً {أو مثلها} في التكليف والثواب والمنفعة وتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار {ألم تعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير} فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير والآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة وذلك؛ لأنّ الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً من الله ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في غيره. واحتج بها من منع النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل، ومن منع نسخ الكتاب بالسنة فإنّ الناسخ هو المأتي به بدلاً والسنة ليست كذلك، قال البيضاويّ: والكل ضعيف إذ قد يكون عدم الحكم والأثقل أصلح والنسخ قد يعرف بغيره والسنة ما أتى به الله واستدل بهذه الآية المعتزلة على حدوث القرآن فإنّ التغير والتفاوت من لوازم الحدوث وأجاب أهل السنة بأنهما من عوارض الأمور المتعلق بها المعنى القائم بالذات القديم لا من عوارض هذا المعنى. وقوله تعالى: {ألم تعلم} هنا وفيما مرّ خطاب لمنكري النسخ فالهمزة للإنكار وقيل: خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته فالهمزة للتقرير {أنّ الله له ملك السموات والأرض} يفعل فيهما ما يشاء ويحكم ما يريد فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ وهذا كالدليل على قوله: {إنّ الله على كلّ شيء قدير} أو على جواز النسخ، ولذلك ترك العاطف {وما لكم من دون الله} أي: غيره {من وليّ} أي: وليّ يحفظكم ومن صلة {ولا نصير} يمنع عنكم عذابه. وفرق بين الوليّ والنصير بأنّ الوليّ قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور فبينهما عموم وخصوص من وجه. ونزل لما سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يوسعها لهم وأن يجعل الصفا ذهباً. {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى} أي: سأله قومه {من قبل} أي: من قولهم له {أرنا الله جهرة} (النساء، 153) وقيل قالوا له لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله من السماء علينا وفجر لنا أنهاراً حتى نتبعك، وقال عبد الله بن أمية: لن نؤمن لك حتى تأتي بكتاب فيه من الله ربّ العالمين إلى ابن أمية، أعلم أني أرسلت محمداً إلى الناس. وأم إمّا معادلة للهمزة في ألم تعلم أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى عليه الصلاة والسلام، وإمّا منقطعة والمراد أن يوصيهم بالثقة وترك الاقتراح عليه {ومن يتبدّل الكفر بالإيمان} أي: يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها {فقد ضلّ سواء السبيل} أي: أخطأ الطريق الحق والسواء في الأصل الوسط. وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار قد عند الضاد حيث جاء، وأدغمها الباقون ونزل في نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلاً منكم فقال لهم عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد قال: فإني قد عاهدت الله أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت، فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبا، وقال حذيفة: وأمّا أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً وبالاسلام ديناً وبالقرآن
إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك فقال: أصبتما الخير وأفلحتما» . {ودّ} أي: تمنى {كثير من أهل الكتاب} من اليهود {لو يردونكم} أي: يردّوكم يا معشر المؤمنين فلو مصدرية بمعنى إن، فإنّ لو تنوب عن أن في المعنى دون اللفظ {من بعد إيمانكم كفاراً} مرتدّين وقوله: {حسداً} مفعول له كائناً {من عند} أي: من تلقاء {أنفسهم} أي: لم يأمرهم الله بذلك وإنما حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة {من بعدما تبين لهم} في التوراة {الحق} في شأن النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم {فاعفوا} عنهم أي: اتركوهم {واصفحوا} أي: أعرضوا عنهم فلا تجازوهم وكان هذا قبل آية القتال، ولهذا قال تعالى: {حتى يأتي الله بأمره} فيهم من القتال وقد أذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} الآية (التوبة، 29) ، وأبى النسخ جماعة من المفسرين والفقهاء واحتجوا بأنّ الله تعالى لم يأمر بالعفو والصفح مطلقاً وإنما أمر به إلى غاية وما بعد الغاية يخالف ما قبلها وما هذا سبيله لا يكون من باب النسخ بل يكون الأوّل قد انقضت مدّته والآخر يحتاج إلى حكم آخر {إنّ الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على الانتقام من الكفار: وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} عطف على قوله: فاعفوا كأنه تعالى أمرهم بالصبر والمخالفة واللجوء إليه بالعبادة والبرّ {وما تقدّموا لأنفسكم من خير} أي: طاعة كصلاة وصدقة {تجدوه} أي: ثوابه {عند الله} فيجازيكم به {إنّ الله بما تعملون بصير} لا يضيع عنده عمل عامل. {وقالوا} أي: كثير من أهل الكتاب من اليهود والنصارى {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً} جمع هائد كعائد وعود {أو نصارى} قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية، فجمع الله بين القولين ثقة بأنّ السامع يرد إلى كلّ فريق قوله وأمنا من الالباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كلّ واحد منهما لصاحبه ونحوه {تلك} أي: القولة {أمانيهم} أي: شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله تعالى بغير حق {قل} لهم يا محمد {هاتوا برهانكم} أي: حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة {إن كنتم صادقين} في دعواكم إذ كل قول لا دليل عليه فهو غير صحيح وهذا متصل بقولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض وقوله تعالى: {بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة {من أسلم وجهه} أي: انقاد لأمره وخص الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة فغيره أولى {وهو محسن} في عمله وقيل: مخلص وقيل: مؤمن {فله أجره} أي: ثواب عمله ثابتاً {عند ربه} لا يضيع ولا ينقص والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الردّ بقوله: بلى وحده ويحسن الوقف عليه ويصح أن يكون قوله: من أسلم فاعل فعل مقدّر مثل بلى يدخلها من أسلم فلا يحسن الوقف عليه ويصح أن يكون قوله فله أجره عند ربه كلاماً معطوفاً على يدخلها من أسلم {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة. ولما قدم نصارى نجران
على النبيّ صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل وقالت النصارى لليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بموسى والتوراة أنزل الله تعالى. {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} أي: يعتدّ به وكفروا بعيسى والإنجيل {وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} أي: يعتدّ به وكفروا بموسى والتوراة {وهم} أي: الفريقان {يتلون الكتاب} أي: المنزّل عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى، والجملة حال وأل في الكتاب للجنس أي: قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب {كذلك} أي: كما قال هؤلاء {قال الذين لا يعلمون} كعبدة الأصنام، والمعطلة وهم الذين لا يثبتون الصانع وقوله تعالى: {مثل قولهم} بيان لمعنى ذلك أي: قال كلّ ذي دين ليسوا على شيء وبخهم الله تعالى على المكابرة والتشبه بالجهال. فإن قيل: لم وبخهم وقد صدقوا فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء أجيب: بأنهم لم يقصدوا ذلك وإنما قصد به كلّ فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيه وكتابه كما مرّ، مع أن ما لم ينسخ حق واجب القبول والعمل به. تنبيه: إذا وقف حمزة وهشام على شيء فلهما أربعة وجوه: السكون، والروم، والادغام، والروم معه وسكن حمزة قبل الهمزة بخلاف عن خلاد في الوصل وأدغم أبو عمرو الكاف في القاف بخلاف عنه {فا يحكم بينهم} أي: بين الفرق الثلاثة وهم: اليهود والنصارى والذين لا يعلمون {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} من أمر الدين فيقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه، وعن الحسن حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. وقرأ أبو عمرو يحكم بسكون الميم عند الباء والاخفاء بخلاف عنه. {ومن أظلم} أي: لا أحد أظلم {ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} بالصلاة والتسبيح {وسعى في خرابها} بالهدم أو التعطيل هذا عام لكل من خرب مسجداً أو سعى في تعطيله وإن نزل في أهل الروم الذين خربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير فكان خراباً إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أو في المشركين لما صدّوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن البيت. فإن قيل: قد قال مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام أجيب: بأنه لا يمنع أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً ومن أظلم ممن آذى الصالحين وكما قال الله تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} (الهمزة، 1) والمنزول فيه الأخنس بن شريق {أولئك} أي: المانعون {ما كان لهم أن يدخلوها} أي: مساجد الله {إلا خائفين} أي: على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها أو يخربوها أو يمنع النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انهمك ضرباً وأبلغ إليه في العقوبة. وروي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة وقيل: «نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا لا يحجنّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان» وقيل: إن هذا خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمناً. واختلف في جواز دخول الكافر المسجد، فجوّزه أبو حنيفة ومنعه مالك، وفرق
الشافعيّ بين المسجد الحرام وغيره فمنع من الأوّل، وجوّز في الثاني بشرط إذن المسلم والحاجة، وغلّظ ورش اللام من أظلم بعد الظاء {لهم في الدنيا خزي} أي: هوان بالقتل والسبي والجزية {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} بكفرهم وظلمهم وهو النار. ونزل لما عيرت اليهود المؤمنين في نسخ القبلة وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هذا وتارة هذا كما قاله عكرمة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت به راحلته كما قاله ابن عمر. {ولله المشرق والمغرب} أي: ناحيتا الأرض أي: له الأرض كلها لا يختص به مكان دون مكان فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام والأقصى فقد جعلت لكم الأرض كلها مسجداً {فأينما تولوا} وجوهكم أيّ جهة وهو الصدر في الصلاة {فثم} أي: هناك {وجه الله} أي: قبلته كما قاله مجاهد، وقال الكلبيّ: فثم الله يعلم ويرى والوجه صلة كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص، 88) أي: إلا هو {إن الله واسع} أي: غنيّ يعطي من السعة يسع فضله كلّ شيء {عليم} بتدبير خلقه. ونزل لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله. {وقالوا اتخذ الله ولداً} فقال الله تعالى ردّاً عليهم: {سبحانه} تنزيهاً له عن ذلك فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء وقرأ ابن عامر قالوا: بغير واو قبل القاف والباقون بالواو وقبل القاف {بل له ما في السموات والأرض} ملكاً وخلقاً ومن جملة ذلك العزير والمسيح والملائكة والملكية تنافي الولدية وعبر بما تغليباً لما لا يعقل لكثرته {كلّ له قانتون} أي: منقادون كلّ بما يراد منه لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه وفي ذلك تغليب للعاقل لشرفه والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه الأول: قوله: سبحانه والثاني: قوله: بل له ما في السموات والأرض والثالث: كل له قانتون واحتج بها الفقهاء على أنّ من ملك ولده عتق عليه؛ لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك وذلك يقتضي تنافيهما. {بديع السموات والأرض} أي: موجدهما لا على مثال سبق وهذا وجه رابع يشعر بفساد ما قالوه أيضاً؛ لأنّ الوالد عنصر الولد المنفصل بانفصال مادّته عنه والله سبحانه وتعالى مبدع الأشياء كلها فاعل على الإطلاق منزه عن الصفات فلا يكون والداً {وإذا قضى أمراً} أي: أراد إيجاد شيء وأصل القضاء إتمام الشيء قولاً كان كقوله تعالى: {وقضى ربك} (الإسراء، 23) أو فعلاً كقوله تعالى: {فقضاهنّ سبع سموات} (فصلت، 12) وأطلق على تعليق الارادة الإلهية وجود الشيء من حيث أنه يوجبه {فإنما يقول له كن فيكون} وهذا مجاز من الكلام وتمثيل وإنما المعنى أنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أنّ المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء، وفيه تقرير لمعنى الإبداع دائماً وهذا وجه خامس يشعر بفساد ما قالوه أيضاً؛ لأن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة وفعله تعالى مستغن عن ذلك، وقرأ ابن عامر بنصب النون: من يكون جواباً للأمر والباقون بالرفع على معنى فهو يكون. فإن قيل: المعدوم لا يخاطب أجيب: بأنه لما قدّر وجوده وهو كائن لا محالة كان كالموجود فُصحّ خطابه. {وقال الذين لا يعلمون} للنبيّ صلى الله عليه وسلم وهم اليهود كما قاله ابن عباس أو النصارى كما قاله مجاهد أو مشركو العرب كما قاله
قتادة ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به {لولا} أي: هلا {يكلمنا الله} كما يكلم الملائكة أو يوحى إلينا بأنك رسوله {أو تأتينا آية} أي: علامة مما اقترحناه على صدقك {كذلك} أي: كما قال هؤلاء: {قال الذين من قبلهم} من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم {مثل قولهم} من التعنت وطلب الآيات فقالوا: أرنا الله جهرة وهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء {تشابهت قلوبهم} أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في الكفر والعناد، وفي هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} الحقائق ولا يعتريهم شبهة ولا عناد. وفيه إشارة إلى أنهم قالوا ذلك لا لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد يقين وإنما قالوه عتوّاً وعناداً. {إنا أرسلناك} يا محمد {بالحق} أي: القرآن كما قاله ابن عباس كما قال تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} (ق، 5) أو الاسلام وشرائعه كما قاله ابن كيسان قال تعالى: {وقل جاء الحق} (الإسراء، 81) {بشيراً} أي: مبشراً من أجاب إلى ذلك بالجنة {ونذيراً} أي: منذراً من لم يجب إليه بالنار أي: إنما أرسلناك؛ لأن تبشر وتنذر لا لتجبر الناس على الإيمان وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر {ولا تسئل عن أصحاب الجحيم} أي: النار وهم الكفار ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بيّنت وبلغت جهدك في دعوتهم كقوله تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} (الرعد، 40) وقرأ نافع: تسأل بفتح التاء وسكون اللام على النهي. قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «ليت شعري ما فعل أبواي» فنزلت هذه الآية فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله تعالى لكن الخبر ضعيف والمختار أنها نزلت في كفار أهل الكتاب، وقرأ الباقون بضم التاء واللام على النفي أي: ولست بمسؤول عنهم كما قال تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} (الرعد، 40) . {س2ش120/ش124 وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ? قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ? مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَنَصِيرٍ * الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ? حَقَّ تِ وَتِهِ? أُو?لَا?ئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ?? وَمن يَكْفُرْ بِهِ? فَأُو?لَا??ـ?ِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * يَابَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ اذْكُرُوا? نِعْمَتِىَ الَّتِى? أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا? يَوْمًا s تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَيُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَتَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَهُمْ يُنصَرُونَ * وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِ?مَ رَبُّهُ? بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ? قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا? قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى? قَالَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} أي: دينهم أي: لن ترضى عنك اليهود إلا باليهودية ولا النصارى إلا بالنصرانية. وفي هذا مبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم عن اسلامهم وذلك أنهم كانوا يسألونه الهدنة ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم فكيف يتبعون ملته؟ قال البيضاوي: ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولذلك قال: {قل} تعليماً للجواب {إنّ هدى الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} أي: هو الذي يصح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدي إنما هو أهواء ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولئن} اللام لام القسم {اتبعت أهواءهم} أي: آراءهم الزائغة التي يدعونك إليها الخطاب معه صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمّته كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} (الزمر، 65) {بعد الذي جاءك من العلم} أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة {ما لك من الله من وليّ} يحفظك {ولا نصير} يمنعك منه. ونزل في جماعة من أهل الكتاب قدموا من الحبشة وأسلموا. {الذين آتيناهم الكتاب} وهو مبتدأ {يتلونه حق تلاوته} أي: يعرفونه كما أنزل لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والجملة حال مقدّرة وحق نصب على المصدر والخبر {أولئك يؤمنون به} أي: بكتابهم دون المحرفين {ومن يكفر به} أي: بالكتاب المؤتى بأن يحرفه {فأولئك
هم الخاسرون} لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم. ولما صدر قصة بني إسرائيل بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة وأحوالها في قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي} (البقرة، 40) إلخ.. كرر ذلك بقوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} أي: عالمي زمانهم. {واتقوا} أي: خافوا {يوماً لا تجزى} أي: لا تغني {نفس عن نفس} فيه {شيئاً ولا يقبل منها عدل} أي: فداء {ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} أي: يمنعون من عذاب الله وختم بالمكرّر الكلام معهم مبالغة في النصح. تنبيه: اتفق القراء على قراءة يقبل هنا بالياء على التذكير. {و} اذكر {إذ ابتلى} أي: اختبر {إبراهيم ربّه بكلمات} أي: بأوامر ونواه وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء لأنه عالم بهم ولكن ليعلم العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضاً. واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال عكرمة عن ابن عباس: هي ثلاثون من شرائع الإسلام: عشر في براءة {التائبون العابدون} (التوبة، 112) إلخ.. وعشر في الأحزاب، {إن المسلمين والمسلمات} (الأحزاب، 35) إلخ.. وعشر في المؤمنين إلى قوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} (المؤمنون، 9) وفي سأل سائل إلى قوله تعالى: {والذين هم بشهاداتهم قائمون} (المعارج، 33) . وقال طاووس عن ابن عباس: ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي: الفطرة خمس في الرأس أي الشامل للوجه قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وخمس في الجسد تقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء، وفي الخبر: «أن إبراهيم أوّل من قص الشارب وأوّل من اختتن وأوّل من قلم الأظافر وأوّل من رأى الشيب، فلما رآه قال: يا رب ما هذا؟ قال: الوقار قال: «يا رب زدني وقاراً» وقال قتادة: هي مناسك الحج أي فرائضه وسننه كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهنّ، وقال الحسن: ابتلاءه بالكواكب والقمر والشمس فأحسن فيها النظر وعلم أنّ ربه دائم لا يزول وبالنار فصبر عليها. وبالختان وبذبح ولده وبالهجرة فصبر عليها وقال مجاهد: هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً} إلى آخر القصة. وقرأ ابن عامر إبراهام بفتح الهاء وألف بعدها جميع ما في هذه السورة وهي خمسة عشر حرفاً، وفي النساء ثلاثة أحرف وهي الأخيرة، وفي الأنعام الحرف الأخير، وفي التوبة الحرفان الأخيران، وفي إبراهيم حرف، وفي النحل حرفان، وفي مريم ثلاثة أحرف، وفي العنكبوت حرف، وفي الشورى حرف، وفي الذاريات حرف، وفي النجم حرف وفي الحديد، حرف، وفي الممتحنة الحرف الأوّل، فذلك ثلاثة وثلاثون حرفاً، وقرأ ابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين. وإبراهيم اسم أعجمي ولذلك كان غير منصرف وهو ابن آزر كما في سورة الأنعام وكان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقيل: بابل وقيل: حران ولكن نقله أبوه إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان، والضمير في ربه لإبراهيم وحسن لتقدمه لفظاً وإن تأخر رتبة، لأنّ الشرط تقدمه لفظاً أو رتبة {فأتمهنّ} أي: أداهنّ تامات وقام بها حق القيام لقوله: {وإبراهيم الذي وفى} (النجم، 37) {قال إني جاعلك للناس إماماً} يقتدى بك في الخير وجاعل من جعل الذي له مفعولان، والإمام اسم من يؤتم به وإمامة إبراهيم عامة مؤبدة؛ إذ لم يبعث من بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً
باتباعه {قال} إبراهيم صلى الله عليه وسلم {ومن ذريتي} أي: أولادي أجعل أئمة يقتدى بهم في الخير {قال} الله تعالى: {لا ينال} أي: لا يصيب {عهدي} بالإمامة {الظالمين} منهم ففي ذلك إجابة إلى مطلوبه. وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وإنهم لا ينالون الإمامة؛ لأنها إمامة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة والأتقياء منهم وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة وأنّ الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدّم للصلاة، وقرأ حفص وحمزة عهدي بسكون الياء وفتحها الباقون، ومن سكن الياء أسقطها في الوصل لفظاً لالتقاء الساكنين. {و} اذكر {إذ جعلنا البيت} أي: الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا وأدغم أبو عمرو وهشام ذال إذ في الجيم وأظهرها الباقون {مثابة} أي: مرجعاً {للناس} من الحجاج والعمار وغيرهم يثوبون إليه من كل جانب {وأمناً} أي: مأمناً لهم من الظلم وإيذاء المشركين والإغارة الواقعة في غيره قال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت، 67) كان الجاني يأوي إليه فلا يتعرّض له حتى يخرج وهذا على طريق الحكم لا على وجه الخبر فقط، فلا ينافي ذلك الوقوع، قال القاضي أبو يعلى وصف البيت بالأمن والمراد جميع الحرم كما قال تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} (المائدة، 95) والمراد الحرم كله؛ لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وهذا أمر استحباب ومقامه الحجر وهو بفتح الحاء والجيم الذي فيه أثر قدميه كان يقوم عليه عند بناء البيت أو عند دعاء الناس إلى الحج وهو موضعه اليوم. روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بيد عمر فقال: «هذا مقام إبراهيم فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ فقال: لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت» وعن ابن عباس أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: وافقت الله تعالى في ثلاث، ووافقني ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى هذه الآية وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر لو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب وقال: وبلغني معاتبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهنّ وقلت لهنّ: إن انتهيتن أو ليبدلنّ الله تعالى لرسوله خيراً منكنّ فأنزل الله تعالى {عسى ربه إن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ} (التحريم، 5) . وفي الخبر الركن والمقام يا قوتتان من يواقيت الجنة ولولا ما مسهما من أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» وقيل: المراد باتخذوا إلخ.. الأمر بركعتي الطواف لما روى جابر «أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» ، وللشافعيّ في وجوبهما قولان أرجحهما عدم الوجوب وقيل: مقام إبراهيم الحرم كله وقيل: مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها ويتقرّب إلى الله تعالى. تنبيه: من في {من مقام إبراهيم} للتبعيض. وقيل: بمعنى في وقيل زائدة وقرأ نافع وابن عامر واتخذوا بفتح الخاء بلفظ الماضي عطفاً على جعلنا أي: واتخذ الناس من مقام إبراهيم مصلى والباقون بكسرها بلفظ الأمر {وعهدنا} أي: أمرنا {إلى إبراهيم وإسمعيل} قيل: سمي به؛ لأنّ إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً ويقول: اسمع يا إيل، وإيل هو الله فلما رزق الولد سماه به {أن} أي: بأن {طهرا بيتي}
من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به أو أخلصاه {للطائفين} حوله {والعاكفين} المقيمين عنده أو المعتكفين فيه {والركع السجود} جمع راكع وساجد وهم المصلون وقرأ نافع وهشام وحفص بيتي بفتح الياء والباقون بالسكون. {و} اذكر {إذ قال إبراهيم رب اجعل} هذا أي مكة أو الحرام {بلداً آمناً} أي: ذا آمن كقوله تعالى: {في عيشة راضية} (القارعة، 7) أو آمناً أهله كقول القائل ليل نائم {وارزق أهله من الثمرات} إنما دعا بذلك؛ لأنه كان بواد غير ذي زرع. وفي القصص أنّ الطائف كانت من مدائن الشام بأردن فلما دعا إبراهيم هذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل عليه الصلاة والسلام حتى قطعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعاً ثم وضعها موضعها الآن فمنها أكثر ثمرات مكة. وقوله تعالى: {من آمن منهم با واليوم الآخر} بدل من أهله قاس إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه الرزق على الإمامة حيث قيده بالمؤمن كما قيدت به {قال} تعالى: {و} أرزق {من كفر} لأنّ الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدم في الدين {فأمتعه} في الدنيا بالرزق. وقرأ ابن عامر بسكون الميم وتخفيف التاء والباقون بفتح الميم وتشديد التاء، وأمّا الهمزة بعد الألف فالجميع اتفقوا على ضمها {قليلاً} أي: مدّة حياته والكفر وإن لم يكن يسبب التمتع لكنه يسبب تقليله بأن يجعله مقصوراً بحظوظ الدنيا غير متوصل به إلى نيل الثواب ولذلك عطف عليه {ثم أضطرّه} أي: ألجئه في الآخرة {إلى عذاب النار} فلا يجد عنها محيصاً {وبئس المصير} أي: المرجع والمخصوص بالذمّ محذوف وهو العذاب قال مجاهد: وجد عند المقام أنا الله ذو بكة أي: صاحبها صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض وحففتها بسبعة أملاك حنفاء يأتيها رزقها مباركة لأهلها في اللحم والماء. {و} اذكر {إذ يرفع إبراهيم القواعد} أي: الأسس والجدر {من البيت} حكاية حال ماضية كأنه قال إذ كان يرفع. فإن قلت: وأي فرق بين العبارتين؟ أجيب: بأنّ في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم شأن المبين، وقوله تعالى: {وإسمعيل} عطف على إبراهيم يقولان يا {ربنا تقبل منا} بناءنا {إنك أنت السميع} للقول فتسمع دعاءنا {العليم} بالفعل فتعلم بنياتنا. روت الرواة أنّ الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام فكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض استوحش فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع البيت وقال: يا آدم إني أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشي وتصلي عنده كما يصلى حول عرشي وأنزل الحجر الأسود وكان أبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشياً وقيض الله تعالى له ملكاً يدله على البيت فحج البيت وأقام المناسك. قال ابن عباس: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أيام الطوفان فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه وبعث جبريل حتى خبأ الحجر الأسود في
جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق فكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم ثم إنّ الله تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسمعيل وإسحق ببناء بيت يذكر فيه اسمه تعالى فسأل الله عز وجل أن يبين له موضعه، قال ابن عباس فبعث الله له سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافت به مكة ووقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص وقيل: أرسل الله تعالى جبريل ليدله على موضع البيت فذلك قوله تعالى: {وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت} (الحج، 26) . فبنى إبراهيم وإسمعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسمعيل يناوله الحجارة ولما كان له مدخل في البناء عطف عليه وقيل: كانا يبنيان في طرفين أو على التناوب. قال ابن عباس: بني البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان وهو جبل بالشأم، والجوديّ وهو جبل بالجزيرة، وبنيا قواعده من جبل حراء وهو جبل بمكة، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسمعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علماً فأتاه بحجر فقال: ائتني بأحسن من هذا فمضى إسمعيل يطلبه فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة فخذها فأخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه. وقيل: أوّل من بنى الكعبة آدم ثم اندرس من الطوفان ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه وقيل: بنته الملائكة قبل آدم وقد بني إلى يومنا هذا سبع مرّات: المرّة الأولى هل كان الباني الملائكة أو آدم؟ ثم إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قريش وقد حضر النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا البناء وكان ينقل معهم الحجارة ثم ابن الزبير في خلافته ثم الحجاج الثقفي وهو الموجود اليوم. {ربنا واجعلنا مسلمين} أي: منقادين مخلصين خاضعين {لك} والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان {و} اجعل {من ذريتنا} أي: أولادنا {أمّة} أي: جماعة {مسلمة} خاضعة منقادة {لك} ومن للتبعيض أي: واجعل بعض ذرّيتنا وإنما خصا الذرّية بالدعاء؛ لأنهم أحق بالشفقة؛ ولأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم الأتباع. ألا ترى أنّ المتقدّمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم وخصا بعضهم لتقدّم قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} (البقرة، 124) فعلما أنّ في ذرّيتهما ظلمة وأنّ الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاق الناس كلهم على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى الذين صرفوا أنفسهم إلى الدنيا، لخربت الدنيا ويصح أن تكون من للتبيين كقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم} (النور، 55) قدم على المبين وفصل به بين العاطف وهو واو ومن والمعطوف وهو أمة كما في قوله تعالى: {خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهنّ} (الطلاق، 12) وقيل: أراد بالأمّة أمّة محمد صلى الله عليه وسلم {وأرنا} علّمنا {مناسكنا} شرائع ديننا وإعلام حجنا، والنسك في الأصل غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن المعتاد كالصيد والتمتع باللباس وغيره، والناسك العابد فأجاب الله تعالى دعاءهما وبعث لهما جبريل عليه السلام فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم قال: نعم فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات، وقرأ ابن كثير والسوسي أرنا بسكون الراء وقرأ الدوري عن أبي عمرو باختلاس حركة والراء والباقون بالحركة الكاملة {وتب علينا} سأله التوبة مع عصمتهما هضماً لأنفسهما
وإرشاداً لذرّيتهما أو لما سلف منهما سهواً قبل النبوّة {إنك أنت التوّاب} لمن تاب {الرحيم} به. {ربنا وابعث فيهم} أي: الأمة المسلمة من ذرّية إبراهيم وإسمعيل {رسولاً منهم} أي: من أنفسهم. روي أنه قيل له: قد استجيب لك وهو في آخر الزمان، فبعث الله فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم إذ لم يبعث من ذرّيتهما غير محمد صلى الله عليه وسلم إذ لم يأت نبيّ من ولد إسمعيل إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم والكل من ولد إسحق، فهو المجاب به دعوتهما كما قال عليه الصلاة والسلام: «إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأوّل أمري أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أميّ التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت له قصور الشام» وأراد بدعوة إبراهيم هذا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين {يتلو} أي: يقرأ {عليهم آياتك} القرآن ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل التوحيد والنبوّة {ويعلمهم الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام، وقال ابن قتيبة: هي العلم والعمل ولا يكون الرجل حكيماً حتى يجمعهما. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة، وقيل: هي فهم القرآن، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: السنة {ويزكيهم} أي: يطهرهم من الشرك وقيل: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذ اشهدوا هم للأنبياء بالتبليغ والتعديل {إنك أنت العزيز} الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد، وقيل: هو الذي لا يوجد مثله وقيل: هو المنيع الذي لا تناله الأيدي ولا يصل إليه شيء {الحكيم} في صنعه. {ومن} أي: لا {يرغب} أحد {عن ملة إبراهيم} فيتركها لظهورها ووضوحها {إلا من سفه نفسه} أي: جهل أنها مخلوقة لله تعالى يجب عليه عبادته، وذلك أنّ عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أنّ الله عز وجل قال في التوراة: إني باعث من ولد إسمعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله البيضاوي وغيره. قال السيوطي: لم أقف على ذلك في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المسندة والمثبت مقدّم على غيره وقد جاء: من عرف نفسه فقد عرف ربه. وفي الأخبار أنّ الله أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام: اعرف نفسك واعرفني فقال: يا رب كيف أعرف نفسي وأعرفك؟ فأوحى الله تعالى إليه: اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء واعرفني بالقوّة والبقاء، وهذا معنى من عرف نفسه فقد عرف ربه {ولقد اصطفيناه} أي: اخترناه {في الدنيا} بالرسالة والخلة {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} الذين لهم الدرجات العلا وفي هذا حجة وبيان لخطأ من رغب عن ملته؛ لأنّ من جمع الكرامة عند الله في الدارين وكان مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة كان حقيقاً بالاتباع لا يرغب عنه إلا سفيه أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر. تنبيه: قال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. وقوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} إمّا ظرف
لاصطفيناه أي: اخترناه في ذلك الوقت، وإمّا منصوب بإضمار أذكر كأنه قال: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدّم وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين دعاه ربه فكأنه قال له كما قال عطاء: أسلم نفسك إلى الله عز وجل وفوّض أمرك إليه قال: أسلمت أي: فوّضت، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار. {ووصى بها} أي: بالملة المتقدّم ذكرها أو بأسلمت على تأويل الكلمة أو الجملة وقيل: بكلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله، وقرأ نافع وابن عامر وأوصى بسكون الواو الثانية وهمزة مفتوحة بين الواوين، والباقون بواوين مفتوحتين ولا همزة بينهما وهذا أبلغ قال الزجاج: لأنّ أوصى يصدق بالمرة الواحدة، ووصى لا يكون إلا لمرّات كثيرة، وأمال ورش بينَ بينْ، وحمزة والكسائي محضة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: {إبراهيم بنيه} قال مقاتل: وهم أربعة: إسمعيل وإسحق ومدين ومدان، وقد ذكر غير مقاتل أنهم ثمانية وقيل: أربعة عشر {و} وصى بها أيضاً {يعقوب} بنيه وهم اثنا عشر: روبيل وشمعون ولاوا ويهوذا ويشنيوخور وزبويلون وودّان ويفتوني وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف وسمي بذلك؛ لأنه والعيص كانا توءمين فتقدّم عيص في الخروج من بطن أمّه وخرج يعقوب عقبه، وقوله تعالى: {يا بنيّ} على إضمار القول عند البصريين متعلق بوصّى عند الكوفيين {إنّ الله اصطفى لكم الدين} أي: دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى: {فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون} نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادقة الموت، وعن الفضيل بن عياض أنه قال: إلا وأنتم مسلمون أي: محسنون بربكم الظن لما روى جابر رضي الله عنه أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتنّ أحد إلا وهو يحسن الظن بربه» . ولما قالت اليهود للنبيّ صلى الله عليه وسلم ألست تعلم أنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية نزل. {أم كنتم شهداء} جمع شهيد بمعنى الحاضر أي: ما كنتم حاضرين وقول الأسيوطي: لم أقف على ذلك فيه ما مرّ {إذ حضر يعقوب الموت} أي: حين احتضر وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: {إذ} بدل من إذ قبله {قال لبنيه ما تعبدون من بعدي} أي: بعد موتي أي: أيّ شيء تعبدونه أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات فليس الاستفهام على حقيقته قال عطاء: إنّ الله تعالى لم يقبض نبياً حتى يخيره بين الموت والحياة فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به فجمع ولده وولد ولده وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك} وقوله تعالى: {إبراهيم وإسمعيل وإسحق} عطف بيان لآبائك وجعل إسمعيل وهو عمه من جملة آبائه تغليباً للأب إسحق والجدّ إبراهيم أو لأن العم أب والخالة أمّ لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوّة لا تفاوت بينهما ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «عم الرجل صنو أبيه» أي: لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنو النخلة وقال في العباس: هذا بقية آبائي وقال: ردوا عليّ أبي فإني أخشى أن تفعل بي قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن
مسعود وقوله تعالى: {إلهاً واحداً} بدل من إله آبائك كقوله تعالى: {بالناصية ناصية كاذبة} (العلق، 19) وقوله تعالى: {ونحن له مسلمون} حال من فاعل نعبد أو من مفعوله أو منهما وأم منقطعة ومعنى الهمزة فيه للإنكار أي: لم يحضروه وقت موته فكيف ينسبون إليه ما لا يليق به أو متصلة بمحذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شهداء. وقيل: الخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقوله تعالى: {تلك} مبتدأ والإشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، وأنت لتأنيث خبره وهو {أمّة قد خلت} أي: سلفت وقوله تعالى: {لها ما كسبت} أي: من العمل جزاؤه استئناف {ولكم} الخطاب لليهود {ما كسبتم} والمعنى أنّ أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدّماً كان أو متأخراً فكما أنّ أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما كسبتم وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» {ولا تسئلون عما كانوا يعملون} كما لا يسئلون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها. {وقالوا} أي: أهل الكتاب {كونوا هوداً أو نصارى} أي: قالت اليهود: كونوا هوداً وقالت النصارى: كونوا نصارى فأو للتفصيل. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: نزلت في رؤوس يهود المدينة وفي نصارى نجران وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن. وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقال كل من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا ذاك، وقوله تعالى: {تهتدوا} جواب الأمر وهو كونوا. قال الله تعالى: {قل} لهم يا محمد {بل} نتبع {ملة إبراهيم} وقال الكسائي: وهو نصب على الإغراء كأنه يقول: اتبعوا ملة إبراهيم، وقيل معناه بل تكون على ملة إبراهيم فحذف على فصار منصوباً وقوله تعالى: {حنيفاً} حال من المضاف إليه كقولك: رأيت وجه هند قائمة لكن هذا جزء حقيقة وملة كالجزء والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق وقوله تعالى: {وما كان من المشركين} تعريض لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأنّ كلاً منهم يدّعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك. {قولوا آمنا با} خطاب للمؤمنين وقول «الكشاف» : ويجوز أن يكون خطاباً للكافرين أي: قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله تعالى: {قل بل ملة إبراهيم} يجوز أن يكون على تأويل اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته يرده قوله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} (البقرة، 137) {وما أنزل إلينا} أي: من القرآن وإنما قدّم ذكره؛ لأنه أوّل الكتب بالنسبة إلينا أو لأنه سبب للإيمان بغيره {وما أنزل إلى إبراهيم} من الصحف العشرة {وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط} جمع سبط وهو الحاقد وكان الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد حفدة يعقوب أو أبناؤه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحق.n فإن قيل: الصحف إنما أنزلت على إبراهيم أجيب: بأنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها كانت أيضاً منزلة
إليهم كما أنّ القرآن منزل إلينا {وما أوتي موسى} من التوراة {و} ما أوتي {عيسى} من الإنجيل. فإن قيل: لم أفرد التوراة والإنجيل بحكم أبلغ وهو الإيتاء؛ لأنه أبلغ من الإنزال لكونه مقصوداً منه ولم يقل والأسباط وموسى وعيسى أجيب: بأنّ أمرهما بالإضافة إلى موسى وعيسى مغاير لما سبق والنزاع وقع فيهما فلهذا أفردا بالذكر {وما أوتي} أي: أعطى {النبيون} أي: المذكورون {من ربهم} من الكتب والآيات، وقرأ نافع بالهمزة، والباقون بالياء، ولورش في الهمز المدّ والتوسط والقصر {لا نفرق بين أحد منهم} كاليهود والنصارى فنؤمن ببعض ونكفر ببعض بل نؤمن بجميعهم. فإن قيل: كيف صح إضافة بين إلى أحد وهو مفرد؟ أجيب: بأنه في معنى الجماعة وعلله السعد التفتازاني بأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث قال: ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام غير موجب {ونحن له} أي: لله {مسلمون} أي: مذعنون أي: مخلصون. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا» الآية. وقوله تعالى: {فإن آمنوا} أي: اليهود والنصارى {بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} من باب التعجيز والتبكيت كقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} (البقرة، 23) لأنّ دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} (آل عمران، 85) وأمّا أن مثل صلة أي: آمنوا بما آمنتم به كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} (الشورى، 11) أي: ليس كهو شيء وكما في قوله تعالى: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} (الأحقاف، 10) أي: عليه وقيل: الباء صلة كما في قوله تعالى: {وهزي إليك بجذع النخلة} (مريم، 25) وقيل: معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم فقد اهتدوا. {وإن تولوا} أي: أعرضوا عن الإيمان به {فإنما هم في شقاق} أي: في خلاف ومنازعه معكم يقال شاق مشاقة إذا خالف كان كل واحد من المتخالفين يحرص على كل ما يشق على صاحبه {فسيكفيكم الله} يا محمد شقاقهم في ذلك تسلية وتسكين للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصر على من عاداهم وقد كفاه إياهم بقتل بني قريظة ونفي بني النضير وضرب الجزية على اليهود والنصارى وقوله تعالى: {وهو السميع العليم} إما من تمام الوعد بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة، وإمّا وعيد للمعرضين بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخفون وهو معاقبهم عليه ولا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معاً. أي: دينه الذي فطر الناس عليه بظهور أثره على صاحبه كالصبغ للثوب أو للمشاكلة، فإنّ النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يقال له المعمودية ويقولون هو تطهير لهم مكان الختان، فإذا فعلوا به ذلك قالوا: الآن صار نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله وصبغَنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيركم، أو يقول المسلمون: صبغَنا الله بالإيمان صبغة ولا نصبغ صبغتكم وهو مصدر مؤكد لآمنا ونصبه بفعل مقدر أي: صبغنا الله تعالى وقيل: نصب على البدل من ملة إبراهيم وقيل: نصب على الإغراء {ومن} أي: لا أحد {أحسن
من الله صبغة} أي: لا صبغة أحسن من صبغته أي: لا دين أحسن من دينه وصبغة تمييز وقوله تعالى: {ونحن له عابدون} عطف على آمنا بالله قال الزمخشري: وهذا العطف يردّ قول من زعم أنّ صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول: ما قالت حذام اه. نعم إن قدر قولوا في {ونحن له عابدون} معطوفاً على الزموا بتقدير الإغراء أو اتبعوا ملة إبراهيم بتقدير البدل لم يلزم ما قاله. ولما قالت اليهود للمسلمين: نحن أهل الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب؛ لأنهم عبدة الأوثان ولو كان محمد نبياً لكان منا؛ لأنا أهل الكتاب. نزل {قل} لهم {أتحاجوننا} أي: تجادلوننا أو تخاصموننا {في الله} أي: في شأنه أن اصطفى النبيّ صلى الله عليه وسلم من العرب دونكم ويقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترون أنكم أحق بالنبوّة منا {وهو ربنا وربكم} نشترك جميعاً في أننا عباده، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشأ من عباده هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلاً للكرامة {ولنا أعمالنا} نجازي بها {ولكم أعمالكم} تجازون بها أي: كما أنّ لكم أعمالاً يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك، فالعمل هو أساس الأمر وبه العبرة {ونحن له مخلصون} في الدين والعمل دونكم فنحن أولى بالاصطفاء فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة والهمزة للإنكار، والجمل الثلاث أحوال، وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام بخلاف عنه وله فيه الروم والإشمام. وقوله تعالى: {أم يقولون} قرأه ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي بالتاء، والباقون بالياء على الغيبة، فعلى القراءة الثانية أم منقطعة والهمزة للإنكار، وعلى القراءة الأولى يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في أتحاجوننا بمعنى أيّ الأمرين تأتون المحاجّة وادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء في قولكم: {إنّ إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل} لهم يا محمد {أأنتم أعلم أم الله} الله أعلم، وقد نفى الله تعالى الأمرين عن إبراهيم بقوله تعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلمًا} (آل عمران، 67) واحتج تعالى على ذلك بقوله تعالى: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} (آل عمران، 65) والمذكورون معه تبع له، فهم أتباعه في الدين وفاقاً. {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن كتم} أي: أخفى عن الناس {شهادة عنده} كائنة {من الله} أي: شهادة الله تعالى لإبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية وهم أهل الكتاب؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وكتموا شهادة الله تعالى لمحمد بالنبوّة في كتبهم وغيرها، ومن للابتداء كما في قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله} (التوبة، 1) أي: شهادة كائنة من الله، فمن الله صفة لشهادة وقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} تهديد لهم. وقوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطبائع من الإفتخار بالآباء والإتكال عليهم وقيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا تحذيراً عن الاقتداء بهم وقيل: المراد بالأمة في الأوّل الأنبياء، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى. {سيقول السفهاء} أي: الجهال الذين خفت
أحلامهم {من الناس} وهم اليهود؛ لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ {ما ولاهم} أي: أيّ شيء صرف النبيّ والمؤمنين {عن قبلتهم التي كانوا عليها} وهي بيت المقدس وقيل: هم المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء، وقيل: المشركون قالوا قد تردّد على محمد أمره واشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب. فإن قيل: ما فائدة الإخبار بذلك قبل وقوعه أجيب: بأن فائدة توطين النفس وإعداد الجواب، فإنّ مفاجأة المكروه أشدّ والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع وقبل الرمي يراش السهم، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان مأخوذة من الاستقبال، وصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة قال الله تعالى {قل} لهم يا محمد {المشرق والمغرب} أي: الجهات كلها ملكاً والخلق عبيده لا يختص به مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه وإنما العبرة بامتثال أمره لا بخصوص المكان فيأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء لا اعتراض عليه {يهدي من يشاء} هدايته {إلى صراط} أي: طريق {مستقيم} وهو ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة. وقوله تعالى: {وكذلك} الكاف فيه للتشبيه أي: كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناكم {جعلناكم} يا أمة محمد {أمة وسطاً} أي: خياراً عدولاً قال تعالى: {قال أوسطهم} (القلم، 28) أي: خيرهم وأعدلهم، وخير الأشياء أوسطها لا إفراطها ولا تفريطها؛ لأنّ الإفراط المجاوزة لما لا ينبغي والتفريط التقصير عما ينبغي كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة وبين الجبن؛ لأنّ الأفراد يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية محفوظة. روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد العصر فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان فقال: أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي أخيرها وأكرمها على الله عز وجل» وقوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} أي: يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم {ويكون الرسول عليكم شهيداً} أي: يزكيكم ويشهد بعدالتكم علة للجعل أي: لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد ولا ظلم بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات والإعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين قبلكم وبعدكم. روي أن الله تعالى يجمع الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير، فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم من أين علموا أنهم قد بلغوا، وإنما أتوا بعدنا فتسأل هذه الأمة، فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق، على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد
وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} (النساء، 41) . فإن قيل: هلا قيل لكم شهيداً إذ شهادته لهم لا عليهم أجيب: بأنّ الشهيد لما كان كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى: {وا على كل شيء شهيد} (المجادلة، 6) . فإن قيل: لم أخرت صلة الشهادة أوّلاً وقدّمت آخراً أجيب: بأنّ الغرض في الأوّل إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم {وما جعلنا} أي: صيرنا لك {القبلة} الآن وقوله تعالى: {التي كنت عليها} ليس بصفة للقبلة إنما هو ثاني مفعولي جعل أي: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها أولاً وهي الكعبة وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إليها، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفاً لليهود فصلى إليها ستة أو سبعة عشر شهراً ثم حوّل إلى الكعبة {إلا لنعلم من يتبع الرسول} فيصدّقه {ممن ينقلب على عقبيه} أي: يرجع إلى الكفر شكاً في الدين وظناً أنّ النبيّ في حيرة من أمره، وفي الحديث: «أنّ القبلة لما حوّلت ارتدّ قوم من المسلمين إلى اليهودية وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه» . فإن قيل: كيف: قال الله تعالى لنعلم وهو عالم بالأشياء كلها أجيب: بأنه أراد به علم ظهور وهو العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد، ومعناه أي: لنعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ونظيره قوله تعالى: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران، 142) وقيل: ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته تعالى؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده وقيل: معناه لتمييز التابع من الناكص كما قال الله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} (الأنفال، 37) فوضع العلم موضع التمييز التابع؛ لأنّ بالعلم يقع التمييز، فالعلم سبب والتمييز مسبب، فأطلق السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز. تنبيه: العلم في الآية إمّا بمعنى المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو من يتبع، وإمّا معلق لما في من معنى الاستفهام، وإمّا أن يكون مفعوله الثاني ممن ينقلب أي: ليعلم من يتبع الرسول مميزاً ممن ينقلب. فإن قيل: على الأوّل كيف يكون العلم بمعنى المعرفة والله تعالى لا يوصف بها؛ لأنها تقتضي سبق جهل والله منزه عن ذلك أجيب: بأنّ ذلك لشيوعها فيما تقتضي أن يكون مسبوقاً بالعدم وليس العلم الذي بمعنى المعرفة، كذلك إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين، بل قال الوليّ العراقي: قد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة أو كلام أهل اللغة وقوله تعالى: {وإن} هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: وإنها {كانت} أي: التولية {لكبيرة} شاقة على الناس {إلا على الذين هدى الله} منهم وهم الثابتون على الإيمان {وما كان الله ليضيع أيمانكم} أي: ثباتكم على الإيمان، وإنكم لم تزلزلوا ولم ترتابوا بل شكر سعيكم وأعدّ لكم الثواب العظيم أو صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه؛ لأنّ سبب نزولها «أنّ حييّ بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحوّلتم عنها، وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال المسلمون: إنّ الهدى ما أمر الله تعالى به، والضلالة ما نهى الله تعالى عنه قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا، وكان قد مات قبل أن تحوّل القبلة
من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله لقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى هذه {إن الله بالناس لرؤف رحيم} فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاتهم» . فإن قيل: لم قدم الرؤوف على الرحيم مع أنه أبلغ؟ أجيب: بأنه قدم محافظة على الفواصل، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي لرؤوف بقصر الهمزة، والباقون بمدّها ولورش في الهمزة المدّ والتوسط والقصر على أصله. {قد} للتحقيق {نرى تقلب} أي: تردّد {وجهك في السماء} أي: في جهتها متطلعاً إلى الوحي ومتشوّقاً إلى الأمر باستقبال الكعبة، وهذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدّمة في المعنى، فإنها رأس القصة، وأمر القبلة أوّل ما نسخ من أمور الشرع وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن يصلي إلى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدونه من نعته في التوراة، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، لأنها كانت قبلة إبراهيم أبيه صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد: كان يحب ذلك من أجل أنّ اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا، فقال لجبريل عليه السلام: وددت لو حوّلني الله تعالى إلى الكعبة، فإنها قبلة أبي إبراهيم، فقال جبريل: إنما أنا عبد ملك وأنت كريم على ربك، فسل أنت ربك فإنك عند الله بمكان، فعرج جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، فنزل قوله تعالى: {فلنولينك} أي: فلنحوّلنك {قبلة} أي: إلى قبلة {ترضاها} أي: تحبها وتهواها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته {فول} أي: اصرف {وجهك شطر} أي: نحو {المسجد الحرام} أي: الكعبة أي: استقبل عينها بصدرك في الصلاة وإن كنت بعيداً عنها. وقول البيضاوي: والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإنّ في استقبال عينها حرجاً عليه وجه ضعيف، والحرام المحرم فيه القتال وممنوع من الظلمة أن يتعرّضوه. وقوله تعالى: {وحيث ما كنتم} من بحر أو برّ، شرق أو غرب خطاب للأمة {فولوا وجوهكم} في الصلاة {شطره} وكان تحويل القبلة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين. وقول البيضاوي: وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين فيه تحريف، فإن ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم كان إماماً في قصة بني سلمة وأنه تحول في الصلاة وليس كذلك، فقد روى البخاريّ عن ابن عمر أنه قال: «بينما الناس يصلون في صلاة الصبح إذ أتاهم آت أي: من بني سلمة فقال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة» . ولما تحوّلت القبلة قالت اليهود: وما هو إلا شيء يبتدعه محمد من تلقاء نفسه، فتارة يصلي إلى بيت المقدس، وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون
صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله تعالى {وإنّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه} أي: التولي إلى الكعبة {الحق} أي: الثابت {من ربهم} لما في كتبهم من نعت النبيّ صلى الله عليه وسلم من أنه يحوّل إليها وقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب للمؤمنين أي: وما أنا بغافل عن جزائكم وثوابكم، والباقون بالياء على الغيب أي: عما يعمل اليهود أي: فأجازيهم في الدنيا والآخرة، ففي الآية وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، ولما قالت اليهود والنصارى ائتنا بآية على أنّ الكعبة قبلة. {ولئن} اللام موطئة للقسم {أتيت الذين أوتوا الكتاب} أي: اليهود والنصارى {بكل آيةٍ} أي: برهان وحجة على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق وقوله تعالى: {ما تبعوا قبلتك} جواب للقسم المضمر والمعنى أن تركهم اتباعك ليس على شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو على مكابرة وعناد مع علمهم لما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. تنبيه: كان مقتضى الظاهر ما يتبعون لكن أتى بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى: {أتى أمر الله} وقوله تعالى: {وما أنت بتابع قبلتهم} قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره تغريراً منهم له وطمعاً في رجوعه {وما بعضهم بتابع قبلة بعضٍ} أي: أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة، فإن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا ترجى موافقتهم لك لتصلب كل حزب فيما هو فيه. فإن قيل: كيف قال تعالى: {وما أنت بتابع قبلتهم} ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ أجيب: بأن كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق فكانتا لحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة وقوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} خطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة أو على سبيل الفرض والتقدير {من بعدما جاءك} بين لك {من العلم} بالوحي في القبلة {إنك إذاً} إن اتبعتهم {لمن الظالمين} أي: من المرتكبين الظلم الفاحش، وفي هذا لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من ترك الدليل بعد إنارته وتتبع الهوى وتهييج للثبات على الحق، وقد أكد سبحانه وتعالى التهديد في ذلك وبالغ فيه.) قال البيضاوي من سبعة أوجه: الأوّل: الاتيان باللام الموطئة للقسم، الثاني: القسم المضمر، الثالث: حرف التحقيق أي: التأكيد وهي أن الرابع تركيبه من جملة إسمية، الخامس: الاتيان باللام في الخبر أي: وهو من الظالمين، السادس: جعله من الظالمين أي: تعريف الظالمين الدال على المعروفين ولم يقل إنك ظالم، فإن في الإندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم؛ لأنّ أل في الظالمين للاستغراق، السابع: التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم وتحريضاً على اقتضائه وتحذيراً عن متابعة الهوى واستفظاعاً لظهور الذنب عن الأنبياء. {الذين أتيناهم الكتاب} أي: علماؤهم {يعرفونه} أي: محمداً صلى الله عليه وسلم لسبق ذكره بلفظ الرسول مرّتين، وقول البيضاويّ تتبعاً للزمخشري وإن لم يسبق ذكره ممنوع، وقيل: القرآن وقيل: التحويل، ويدل للأوّل قوله تعالى: {كما يعرفون أبناءهم} أي: من بين الصبيان، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: كيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشدّ من معرفتي بابني فقال عمر: وكيف
ذلك؟ قال: لست أشك في محمد أنه نبي وأمّا ولدي فلعل والدته خانت فقال عمر: وفقك الله تعالى يا ابن سلام فقد صدقت. فإن قيل: لم خص الأبناء من الأولاد؟ أجيب: بأنّ الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق {وإنّ فريقاً منهم} أي: أهل الكتاب {ليكتمون الحق} أي: صفته صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة {وهم يعلمون} ولا يظهرونه عناداً. وقوله تعالى: {الحق من ربك} كلام مستأنف، والحق إما مبتدأ خبره من ربك والمعنى أنه الحق أي: ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب، وإما خبر مبتدأ محذوف أي: هذا الحق ومن ربك حال أو خبر، بعد خبر والمعنى أنّ ما جاءك من العلم أو ما يكتمونه هو الحق لا ما يزعمون {فلا تكونن من الممترين} أي: من الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به أي: فلا تكونن من هذا النوع وهو أبلغ من لا تمتر وليس فيه نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك فيه؛ لأنه غير متوقع منه بل إما لتحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، وإمّا أنّ المراد به أمته. {ولكل} أي: أمة من الأمم {وجهة} أي: قبلة أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة {هو موليها} وجهه في صلاته، وقرأ ابن عامر وحده مولاها بفتح اللام وألف بعدها أي: هو مولى تلك الجهة قد وليها، والباقون بكسر اللام وياء بعدها وعلى هذا فأحد المفعولين محذوف أي: هو موليها وجهه كما مرّ تقديره أو الله تعالى موليها إياه {فاستبقوا الخيرات} أي: بادروا إلى الطاعات وقبولها من أمر القبلة وغيره مما تناولوا به سعادة الدارين {أين ما تكونوا} أنتم وأهل الكتاب {يأت بكم الله جميعاً} يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم {إنّ الله على كل شيء قدير} فيقدر على الإحياء والجمع. تنبيه: رقق ورش الراء المفتوحة بعد الياء الساكنة. واتفق المصاحف على قطع أين من ما هنا. فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأنّ ابن عباس روى أنّ من الملائكة نوعاً يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس، وقيل: إن الله تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أنّ من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: {إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه} (الكهف، 50) وهو أصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: والأوّل أصح لأنّ خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: {كان من الجنّ} أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إنّ الجنّ أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضاً أن الأصاغر وهم الجنّ مأمورون به أيضاً والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمناً. تنبيه: ما مقطوعة من حيث في موضعي هذه السورة، وكرر سبحانه وتعالى التولي لشطر المسجد الحرام ثلاث مرات لتأكيد أمر القبلة وتشديده؛ لأنّ النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، فكرر عليهم ليثبتوا ويقوموا ويجدّوا؛ ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر؛ لأنه تعالى علق بكل آية فائدة، ففي الأولى أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد أو أمر القبلة حق لمشاهدتهم له في التوراة والإنجيل، وفي الثانية أنه تعالى شهد أنه حق وشهادة الله تعالى مغايرة لعلم أهل الكتاب، وفي الثالثة بيان العلة وهي قطع حجة اليهود أو لأن الأحوال ثلاثة أوّلها: أن يكون الانسان في المسجد الحرام وثانيها: أن يخرج عنه ويكون في البلد وثالثها: أن يخرج عن البلد، فالآية محمولة على الأوّل والثانية على الثاني والثالثة على الثالث وقوله تعالى: {لئلا يكون الناس} أي: اليهود والمشركين {عليكم حجة} أي: مجادلة في التولي علة لقوله: قولوا والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وأن محمداً يجحد ديننا ويتبعنا
في قبلتنا ويدفع احتجاج المشركين بأنه يدّعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، وقرأ ورش بإبدال الهمزة من لئلا ياء مفتوحة وقفاً ووصلاً وحمزة يبدلها وقفالاً وصلاً، والباقون بهمزة مفتوحة وصلاً ووقفاً وقوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} بدل واستثناء متصل أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين منهم، فإنهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحبه لبلده أو بدا له فرجع إلى دين آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم {فلا تخشوهم} أي: فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، فإنهم لا يضرونكم {واخشوني} بامتثال أمري فلا تخالفوا ما أمرتكم به. تنبيه: الياء هنا ثابتة في الرسم وهي في القراءة ثابتة وقفاً ووصلاً. فإن قيل: أي حجة تكون لغير الذين ظلموا لو لم تحوّل حتى احترز من تلك الحجة ولم يبال بحجة المعاندين؟ أجيب: بأنهم كانوا يقولون: ما له لا يحوّل إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة. فإن قيل: كيف أطلق الحجة على قول المعاندين؟ أجيب: بأنّ المراد بالحجة ما يتمسك به حقاً كان أو باطلاً كما قال تعالى: {حجتهم داحضة} (الشورى، 16) وقوله تعالى: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} أي: إلى الحق علة لمحذوف أي: وأمرتكم بذلك لإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أو عطف على علة مقدرة كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، قال «الكشاف» : وقيل: هو معطوف على لئلا يكون، وجرى عليه البيضاوي والسيوطي. قال البيضاويّ: تبعاً «للكشاف» وفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة» أي: ورؤية الله تعالى وعن علي رضي الله تعالى عنه تمام النعمة الموت على الاسلام، قال شيخنا القاضي زكريا: روى الحديث الترمذيّ وذكره مع الأثر بعده ربما يرجح العطف على المقدر. وقوله تعالى: {كما أرسلنا} إما متعلق بما قبله وهو أتم أي: ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة أو في أمر الآخرة إتماماً كإتمامها بإرسالنا {فيكم رسولاً منكم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم وإما متعلق بما بعده وهو فاذكروني أذكركم أي: كما ذكرتكم بالإرسال فاذكروني {يتلو عليكم آياتنا} أي: القرآن {ويزكيكم} أي: يطهركم من الشرك {ويعلمكم الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: ما فيه الأحكام. تنبيه: قدم هنا يزكيكم على يعلمكم باعتبار القصة وأخر في دعوة إبراهيم يزكيكم على يعلمكم باعتبار الفعل {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي: بالتفكر والنظر إذ لا طريق لمعرفته سوى الوحي. {فاذكروني} بالطاعة كالصلاة والتسبيح {أذكركم} قال ابن عباس: بمعونتي، وقال سعيد بن جبير: بمغفرتي وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدّة والبلاء كما قال تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (الصافات، 144) . وفي الحديث عن الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، وإن تقرب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، وإن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . وفي رواية أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّ الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منه، وإن دنوت مني شبراً دنوت منك ذراعاً، وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن مشيت إليّ هرولت إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك» . وفي رواية أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«يقول الله عزّ وجلّ: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحرّكت بي شفتاه» . وفي رواية: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله» . وقرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المدّ {واشكروا لي} نعمتي بالطاعة {ولا تكفرون} بجحد النعم وعصيان الأمر، فإن من أطاع الله فقد شكره، ومن عصاه فقد كفره. {يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر} على الطاعة والبلاء وعلى المعاصي وحظوظ النفس {والصلوة} خصها بالذكر؛ لأنها أم العبادات لاشتمالها على فعل القلب وغيره ومناجاة رب العالمين {إن الله مع الصابرين} بالنصر وإجابة الدعوة. هم {أموات بل} هم {أحياء ولكن لا تشعرون} أي: لا تعلمون كيف حالهم في حياتهم. قال البيضاويّ: وهو تنبيه على أنّ حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي اه. وهذا ما عليه أكثر المفسرين، قال ابن عاد: ويحتمل أنّ حياتهم بالجسد وإن لم تشاهد وأيد بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق، فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ولم تكن له مزية اه. وقد يرد بأنّ الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم من المؤمنين منعمون بما دون ذلك. وفي الحديث: «أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش» وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح أي: الاستراحة أي: التلذذ والتنعم والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدّواً وعشياً، فيصل إليهم الوجع والغم. وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله ومزيد السرور والكرامة والأرواح جواهر قائمة بأنفسها تبقى بعد الموت دراكة كما عليه جمهور الصحابة والتابعين ونطقت به الآيات والسنن. {ولنبلونكم} أي: ولنختبرنكم يا أمّة محمد صلى الله عليه وسلم واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء إظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً لم يكن عالماً به {بشيء} أي: بقليل {من الخوف} أي: خوف العدوّ {والجوع} أي: القحط وإنما قلله بالنسبة لما وقاهم عنه فيخفف عنهم ويريهم أنّ رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة وإنما أخبرهم قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم {ونقص من الأموال} بالخسران والهلاك {والأنفس} بالقتل والموت وقيل: بالمرض والشيب {والثمرات} بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن أبي سنان قال: دفنت ولدي سناناً وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني، فقال: ألا أبشرك؟. حدّثني الضحاك بن عروب عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» . وقوله تعالى: {وبشر الصابرين} أي: على
ما يصيبهم من المكروه عطف كما قال التفتازاني على ولنبلونكم عطف المضمون على المضمون أي: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر، ثم بينهم بقوله: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا} عبيداً وملكاً {وإنا إليه راجعون} في الآخرة والمصيبة تعمّ ما يصيب الانسان من مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم «كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» وعن أمّ سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ورضي عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مصيبة تصيب عبداً فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهمّ اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف عليه خيراً منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة استرجعت الله لي فقلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها قالت: فأخلف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: «من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه» ، وقال سعيد بن جبير: ما أعِطى أحد ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطى يعقوب في قصة فقدِ يوسف ألا تسمع إلى قوله: {يا أسفاً على يوسف} (يوسف، 84) وليس الصبر بالإسترجاع باللسان بل باللسان مع القلب بأن يتصوّر ما خلق لأجله، فإنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم الله عليه، فيرى ما أبقى عليه أضعاف ما استردّه منه، فيهوّن على نفسه ويستسلم لربه، والمبشر به محذوف دلّ عليه. {أولئك عليهم صلوات} أي: مغفرة {من ربهم ورحمة} أي: لطف وإحسان والصلاة في الأصل من الآدمي أي: ومن الجنّ تضرّع ودعاء، ومن الملائكة إستغفار، ومن الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم وجمع الصلاة للتنبيه على كثرتها كالتثنية في لبيك بمعنى لا انقطاع لمغفرته {وأولئك هم المهتدون} إلى الصواب حيث استرجعوا وسلّموا لقضاء الله تعالى. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: نِعم العدلان ونعمت العلاوة، والعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة: الهداية، وقد ورد أخبار في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين منها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيراً يصب منه» ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا غم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» ومنها: أن امرأة جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وبها لمم، فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يشفيني فقال: «إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك قالت: بل أصبر ولا حساب عليّ» . ومنها: «أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن أشدّ الناس بلاءً قال: «الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً ابتلى على قدر ذلك، وإن كان في دينه رقة هوّن عليه، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض ما له ذنب» ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» . ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» . ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يثنيه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد» . ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمره» .
{إن الصفا والمروة} هما على جبلين بمكة في طرفي المسعى، قال القرطبيّ: وذكر الصفا؛ لأن آدم وقف عليه، وأنث المروة؛ لأنّ حوّاء وقفت عليها {من شعائر الله} أي: أعلام دينه جمع شعيرة وهي العلامة أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته {فمن حج البيت أو اعتمر} أي: تلبس بالحج أو العمرة، والحج لغة: القصد. والاعتمار: الزيارة، فغلبا شرعاً على قصد البيت وزيارته على الوجهين المعروفين {فلا جناح} أي: لا إثم {عليه أن يطوّف} فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء {بهما} أي: بأن يسعى بينهما سبعاً. فإن قيل: كيف أنهما من شعائر الله، ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ أجيب: بأنه كان على الصفا آساف، وعلى المروة نائلة وهما صنمان، يروى أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فلما طالت المدّة عبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسخوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية، فأذن الله تعالى فيه وأخبر أنه من شعائر الله، والإجماع على أنّ السعي بين الصفا والمروة مشروع في الحج والعمرة، وإنما الخلاف في وجوبه، فعن أحمد أنه سنة وبه قال أنس وابن عباس لقوله تعالى: {فلا جناح عليه} فإنه يفهم منه التخيير. قال البيضاويّ وهو ضعيف؛ لأنّ نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب فلا يدفعه. وعن أبي حنيفة أنه واجب يجبر بدم. وعن مالك والشافعيّ أنه ركن لقوله صلى الله عليه وسلم «اسعوا فإنّ الله تعالى كتب عليكم السعي» رواه البيهقيّ وغيره. وقال صلى الله عليه وسلم «ابدؤوا بما بدأ الله به» يعني: الصفا رواه مسلم {ومن تطوّع خيراً} أي: فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة أو طواف، ونصب خيراً على أنه صفة مصدر محذوف أي: تطوّعاً أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه أي: بخير. وقرأ حمزة والكسائيّ يطوّع بالياء على التذكير وتشديد الطاء والواو وسكون العين وأصله يتطوّع فأدغم مثل يطوف، والباقون بالتاء على الحضور وتخفيف الطاء وفتح العين {فإنّ الله شاكر} لعمله بالإثابة عليه {عليم} بنيته. تنبيه: الشكر من الله أن يعطى العبد فوق ما يستحقه فإنه يشكر اليسير ويعطي الكثير. ونزل في علماء اليهود: {إن الذين يكتمون} الناس كأحبار اليهود {ما أنزلنا من البينات} كآية الرحم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم {والهدى} أي: ما يهدي إلى وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم والإيمان به {من بعدما بيناه} أوضحناه {للناس في الكتاب} أي: التوراة أي: لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، فعمدوا إلى ذلك المبين الواضح، فكتموه ولبسوا على الناس {أولئك يلعنهم الله} وأصل اللعن الطرد والبعد {ويلعنهم اللاعنون} أي: يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ الَعنهم. تنبيهان: أحدهما: اختلف في هؤلاء اللاعنين، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم جميع الخلائق إلا الجنّ والإنس، وقال عطاء: هم الجنّ والإنس، وقال الحسن: هم جميع عباد الله، وقال مجاهد: البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر وتقول: هذا من شؤم ذنوب بني آدم. ثانيهما: هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة ومستنبطة وتدل على امتناع أخذ الأجرة على ذلك. وقد روى الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنكم تقولون أَكثر أبو هريرة عن النبيّ صلى
الله عليه وسلم وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحداً بشيء أبداً وتلا: {إنّ الذين يكتمون} الآية» . {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب منه {وأصلحوا} ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم {وبينوا} ما بيّنه الله تعالى في كتابهم فكتموه {فأولئك أتوب عليهم} أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم {وأنا التوّاب} أي: الرجّاع لقلوب عبادي المنصرفة عني إليّ {الرحيم} بهم بعد إقبالهم عليّ. {إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار} أي: من لم يتب من الكاتمين حتى مات {أولئك عليهم لعنة الله و} لعنة {الملائكة و} لعنة {الناس أجمعين} لعنهم الله أحياء، ثم لعنهم أمواتاً، وقال أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم تلعنه الناس. فإن قيل: قد قال الله تعالى: {والناس أجمعين} وفي الناس المسلم والكافر وأهل دينه لا يلعنونه؟ أجيب بأجوبة: منها: أنّ المراد منهم من يعتد بلعنه وهم المؤمنون، قاله ابن مسعود: وعلى هذا فيكون من العام الذي أريد به الخاص. ومنها: أنهم يلعنونه في القيامة قال تعالى: {يلعن بعضكم بعضاً} (العنكبوت، 25) وقال: {كلما دخلت أمّة لعنت أختها} (الأعراف، 38) . ومنها: أنّ اللعنة من الأكثر يطلق عليها لعنة جميع الناس تغليباً لحكم الأكثر على الأقلّ. ومنها: أنهم يلعنون الظالمين والكافرين، ومن لعن الظالمين أوالكافرين وهم منهم، فقد لعن نفسه، ومعنى لعنة الله لهم تبرّؤه منهم وطردهم وتبعيدهم عن الرحمة والثواب أو دعاؤه عليهم بذلك. {خالدين فيها} أي: اللعنة أو النار المدلول بها عليها {لا يخفف عنهم العذاب} طرفة عين {ولا هم ينظرون} من الانظار أي: لا يمهلون ولا يؤجلون أو لا ينظرون ليتعذروا كقوله تعالى: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات، 36) أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. ولما قال كفار قريش: يا محمد صف لنا ربك وانسبه لنا. نزل {وإلهكم إله واحد} وسورة الإخلاص، والواحد هو الذي لا نظير له ولا شريك وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} تقرير للوحدانية ودفع؛ لأن يتوهم أنّ في الوجود إلهاً ولكن لا يستحق منهم العبادة وقوله تعالى: {الرحمن الرحيم} كالدليل على الوحدانية، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها بقوله: الرحمن، فإنه مولى جلائل النعم وفروعها بقوله: الرحيم، فإنه مولى لطائف النعم ودقائقها وما سواه تعالى. إما نعمة أو منعم عليه، فلم يستحق العبادة أحد غيره وهما خبران آخران لقوله: إلهكم أو لمبتدأ محذوف. وعن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم وإلهكم إله واحد» إلخ.. {وا لا إله إلا هو الحيّ القيوم} . ولما سمع المشركون هذه الآية وكان لهم حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فائت بآية نعرف بها صدقك. {إن في خلق السموات والأرض} إلى آخر الآية. فإن قيل: لم جمع السموات وأفرد الأرض؟ أجاب البيضاويّ: بأنّ السموات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين اه. وهذا إنما يأتي على قول بعض الحكماء أنّ المراد بالأرضين الأقاليم، والأولى ما أجاب به البغوي من أنّ كلاً منها جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب أي: فهي طبقات كالسموات، والآية في السموات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك والآية في الأرض
مدّها أو بسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات وغير ذلك. {واختلاف الليل والنهار} أي: تعاقبهما في المجيء والذهاب يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي: بعده قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} (الفرقان، 63) قال عطاء: أراد اختلافهما في النور والظلمة، والزيادة والنقصان، والليل: جمع ليل، والليالي: جمع الجمع، والنهار: جمع نهر. وقدّم الليل على النهار في الذكر؛ لأنه أقدم قال تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} (يس، 37) {والفلك} أي: السفن {التي تجري في البحر بما ينفع الناس} من التجارة والحمل، والآية فيها تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقورة لا ترسب تحت الماء. تنبيه: أنث الفلك؛ لأنه بمعنى السفينة؛ لأنّ واحد السفن وجمعه سواء إذ لو كانت بمعنى المركب لذكرها مع أنها في اللغة تذكر وتؤنث، قال تعالى: {إذ أبق إلى الفلك المشحون} (الصافات، 140) وضمة الجمع غير ضمة الواحدة تقديراً؛ إذ هي في الجمع كالضمة في حمر، وفي الواحد كالضمة في قفل، قال البيضاوي: والقصد به أي: الفلك إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص الفلك بالذكر؛ لأنه سبب الخوض فيه أي: البحر والإطلاع على عجائبه، ولذلك قدّمت على ذكر المطر والسحاب؛ لأنّ منشأهما البحر في غالب الأمر اه. فجعل الآية في البحر لا في السفن، والأولى جعل الآية فيها وقوله؛ لأنّ منشأهما البحر هو قول الحكماء والإشارة على خلافه وهو الذي دلت عليه الأخبار. قال شيخنا القاضي زكريا: وحاصله: أنّ السحاب من شجرة مثمرة في الجنة، والمطر من بحر تحت العرش {وما أنزل الله من السماء من ماء} أي: مطر. تنبيه: من الأولى للابتداء، والثانية للبيان، قال البغويّ: قيل: أراد بالسماء السحاب يخلق الله الماء في السحاب، ثم من السحاب ينزل. وقيل: أراد بالسماء المعروفة يخلق الله الماء في السماء، ثم ينزل من السماء إلى السحاب؛ ثم من السحاب ينزل إلى الأرض اه. وفيه ما مرّ {فأحيا به الأرض} بالنبات {بعد موتها} أي: يبسها وجدوبتها {وبث} أي: فرّق ونشر بالماء {فيها} في الأرض {من كلّ دابة} . فإن قيل: هل بث عطف على أنزل أو أحيا؟ أجيب: بأنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة؛ لأن قوله: فأحيا به الأرض عطف على أنزل، فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد، فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة، ويجوز عطفه على أحيا على معنى، فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة؛ لأن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي: المطر {وتصريف الرياح} إلى قبول ودبور، وجنوب وشمال، فالقبول: الصبا وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، والدبور: تقابلها، والشمال: التي تهب من جانب القطب، والجنوب: تقابلها. قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء، وسميت الريح ريحاً؛ لأنها تريح النفوس. قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح. فائدة: البشارة في ثلاث: من الرياح في الصبا، والشمال والجنوب. أمّا الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها، وقيل الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وهي: المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات، وأربعة: للعذاب وهي العقيم والصرصر في البر، والعاصف والقاصف في البحر. وقرأ حمزة والكسائيّ: الريح بالتوحيد، والباقون بالجمع. فائدة أخرى: كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القرّاء على توحيدها،
وما فيها ألف ولام كما هنا، اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا الحرف الأوّل في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها، والريح تذكر وتؤنث {والسحاب} أي: الغيم {المسخر} أي: المذلل بأمر الله يسير حيث شاء الله {بين السماء والأرض} بلا علاقة لا ينزل ولا يرتفع مع أنّ الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله. وقيل: تسخير السحاب تقليبه في الجوّ بمشيئة الله واشتقاقه من السحب؛ لأنّ بعضه يجر بعضاً {لآيات} أي: دلالات واضحات على وحدانية الله تعالى {لقوم يعقلون} أي: ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة. وقول البيضاويّ: وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» . أي: لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. قال الوليّ العراقيّ: لم أقف عليه. وقال السيوطي: لم يرد في هذه الآية ولا بهذا اللفظ، ثم قال عن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل عليّ الليلة {إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} » ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» . قيل: للأوزاعيّ ما غاية التفكر فيهنّ؟ قال: يقرأهنّ وهو يعقلهنّ انتهى ولا ينافي هذا أنه ورد أيضاً في هذه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال البيضاويّ: وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه انتهى. ولا ينافي هذا قول الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام؛ لأنه محمول على التوغل فيه، فيصير فلسفياً. {ومن الناس} وهم المشركون {من يتخذ من دون الله} أي: غيره {أنداداً} أي: أصناماً يعبدونها {يحبونهم} بالتعظيم والخضوع {كحبّ الله} أي: كحبهم له كما قال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله، فسووا بين الله وبين أصنامهم في المحبة أو يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله {والذين آمنوا أشدّ حباً} أي: أثبت وأدوم على حبه؛ لأنهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون محبتهم لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا إذا اتخذوا صنماً أحسن منه طرحوا الأوّل واختاروا الثاني، وربما يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عند المجاعة، ويُعرضون عن معبودهم في وقت البلاء، ويقبلون على الله كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} (العنكبوت، 65) والمؤمن لا يعرض عن الله تعالى في السرّاء والضرّاء، والشدّة والرخاء. وقيل: إنما قال الله تعالى: {والذين آمنوا أشدّ حباً} لأنّ الله أحبهم أولاً ثم أحبوه، ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتمّ قال الله تعالى: {يحبهم ويحبونه} (المائدة، 54) فمحبة العبد لله طاعته والإعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي {ولو يرى الذين ظلموا} أي: باتخاذ الأنداد {إذ يرون} أي: يبصرون {العذاب} يوم القيامة وإذ بمعنى إذا أو أجري المستقبل وهو يرى مجرى الماضي لأنّ إذ موضوعة للماضي؛ والمعنى هنا على الاستقبال لتحققه كقوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة} (الأعراف، 44) {أنّ} أي: بأنّ {القوّة} أي: القدرة والغلبة {} وقوله تعالى: {جميعاً} حال {وأنّ الله شديد العذاب} وجواب لو محذوف، والتقدير لو يعلمون أنّ القدرة لله جميعاً؛ إذ عاينوا العذاب لندموا أشدّ الندم، والفاعل ضمير السامع أو الذين ظلموا، ويرى بمعنى يعلم، وأنّ وما بعدها سدّت مسدّ المفعولين.
وقرأ نافع وحده بالتاء على الخطاب أي: ولو ترى يا محمد ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وأمال السوسي الألف المنقلبة بعد الراء في الوصل بخلاف عنه، وغلظ ورش اللام بعد الظاء، وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء، والباقون بفتحها. {إذ} بدل من إذ قبله {تبرأ الذين اتبعوا} وهم الرؤساء {من الذين اتبعوا} وهم الأتباع أي: ينكر الرؤساء إضلال الأتباع يوم القيامة حين يجمع الله القادة والأتباع {و} قد {رأوا العذاب} أي: رائين له فالواو للحال، وقد مضمرة كما قدرتها وقيل: عطف على تبرأ، وقوله تعالى: {وتقطعت} عطف على تبرأ، وقوله تعالى: {بهم} بمعنى عنهم {الأسباب} أي: الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصدقات وصارت مخالفتهم عداوة. {وقال الذين اتبعوا} أي: الأتباع {لو أنّ لنا كرّة} أي: رجعة إلى الدنيا {فنتبرأ منهم} أي: الرؤساء {كما تبرّأوا منا} اليوم، ولو للتمني ولذلك أجيب بالفاء {كذلك} أي: مثل ذلك الإراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم} أي: السيئة وقوله تعالى: {حسرات} أن تنقلب ندمات {عليهم} ثالث مفاعيل يرى إن كان من رؤية القلب والافحال، وقوله تعالى: {وما هم بخارجين من النار} أصله وما يخرجون؛ لأنّ المناسب أن تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، لكن عدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا. واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً} فقال البيضاويّ: نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس أي: لا على وجه التورّع كما تفعله الصوفية، وما قاله قول مرجوح كما قاله شيخنا القاضي زكريا والمشهور أنها نزلت فيهم آية المائدة وهي {يأيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم} (المائدة، 87) وأمّا هذه الآية، فإنها نزلت في الكفار الذين حرموا البحائر والسوائب والوصائل ونحوها ومن ثم عبر هنا بيأيها الناس وثم بيأيها الذين آمنوا. تنبيه: حلالاً مفعول كلوا أو حال وقوله تعالى: {طيباً} إمّا صفة مؤكدة وإما طاهراً من كلّ شبهة وهو ما يستطيبه الشرع. قال «الكشاف» : ومن للتبعيض؛ لأن كلّ ما في الأرض ليس بمأكول هذا إن جعلنا حلالاً حالاً، فإن جعلنا مفعولاً فمن للابتداء كما قاله السعد التفتازاني؛ لأن من التبعيضية في موضع المفعول أي: كلوا بعض ما في الأرض {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: طرقه كما قاله الزجاج أو المحقرات من الذنوب كما قاله أبو عبيدة فتدخلوا في حرام أو شبهة أو تحريم حلال أو تحليل حرام. وقرأ ابن عامر وقتيل وحفص والكسائي بضمّ الطاء والباقون بالسكون {إنه لكم عدوّ مبين} أي: بيّن العداوة أو مظهر العداوة عند ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، وقد أظهر عداوته بامتناعه من السجود لآدم، ثم بيّن سبحانه وتعالى عداوته بأنه لا يأمر بخير قط بقوله: {إنما يأمركم بالسوء} أي: القبيح شرعاً {والفحشاء} أي: ما تجاوز الحدّ في القبح من العظائم. وعن ابن عباس أنّ السوء من الذنوب ما لا حدّ فيه، والفحشاء من المعاصي ما يجب به حدّ. وقال السُديّ: الفحشاء هي الزنا وقيل: البخل. قال البيضاوي: واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم انتهى. قال شيخنا القاضي زكريا: ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره؛ لأنّ حقيقته طلب الفعل
ولا ريب أنّ الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه {و} يأمركم أيضاً {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} كتحليل المحرّمات وتحريم الطيبات واتخاذ الأنداد. وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} من التوحيد وتحليل الطيبات متصل بما قبله وهو نازل في مشركي العرب وكفار قريش والضمير في لهم عائد على الناس المذكورين في قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} عدل عن الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون وقيل: مستأنف والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. روي عن ابن عباس أنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فأنزل الله تعالى هذه الآية {قالوا} لا نتبعه {بل نتبع ما ألفينا} أي: وجدنا وأدركنا أو علمنا، وألفى تتعدّى إلى مفعولين وهما قوله {عليه آباءنا} من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، فإنهم كانوا خيراً وأعلم منا قال الله تعالى: {أولو كان} أي: أيتبعونهم ولو كان {آباؤهم لا يعقلون شيئاً} أي: من أمر الدين لا شيئاً مطلقاً، فإنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، فلفظه عام ومعناه الخصوص {ولا يهتدون} أي: الحق والهمزة للإنكار والواو للحال أو العطف وجواب لو محذوف أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. {ومثل} أي: صفة {الذين كفروا} ومن يدعوهم إلى الهدى {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} أي: صوتاً ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل: *فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا* وأمّا تعق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم. وقيل: معنى الآية مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى: {وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} (فاطر، 14) ثم وصف سبحانه وتعالى الكفار بصفات ذم فقال: {صمّ} أي: هم صم عن سماع الحق، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ما يقال له إنه أصم {بكم} عن الخير لا يقولونه {عمي} عن الهدى لا يبصرونه {فهم لا يعقلون} الموعظة لإضلال نظرهم {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات} أي: حلالات {ما رزقناكم} . قال البيضاوي: واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم انتهى. قال شيخنا القاضي زكريا: ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره؛ لأنّ حقيقته طلب الفعل ولا ريب أنّ الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه {و} يأمركم أيضاً {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} كتحليل المحرّمات وتحريم الطيبات واتخاذ الأنداد. وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} من التوحيد وتحليل الطيبات متصل بما قبله وهو نازل في مشركي العرب وكفار قريش والضمير في لهم عائد على الناس المذكورين في قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} عدل عن الخطاب عنهم للنداء على ضلالتهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون وقيل: مستأنف والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. روي عن ابن عباس أنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فأنزل الله تعالى هذه الآية {قالوا} لا نتبعه {بل نتبع ما ألفينا} أي: وجدنا وأدركنا أو علمنا، وألفى تتعدّى إلى مفعولين وهما قوله {عليه آباءنا} من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، فإنهم كانوا خيراً وأعلم منا قال الله تعالى: {أولو كان} أي: أيتبعونهم ولو كان {آباؤهم لا يعقلون شيئاً} أي: من أمر الدين لا شيئاً مطلقاً، فإنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، فلفظه عام ومعناه الخصوص {ولا يهتدون} أي: الحق والهمزة للإنكار والواو للحال أو العطف وجواب لو محذوف أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. {ومثل} أي: صفة {الذين كفروا} ومن يدعوهم إلى الهدى {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} أي: صوتاً ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل: *فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا* وأمّا تعق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم. وقيل: معنى الآية مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى: {وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} (فاطر، 14) ثم وصف سبحانه وتعالى الكفار بصفات ذم فقال: {صمّ} أي: هم صم عن سماع الحق، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ما يقال له إنه أصم {بكم} عن الخير لا يقولونه {عمي} عن الهدى لا يبصرونه {فهم لا يعقلون} الموعظة لإضلال نظرهم {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات} أي: حلالات {ما رزقناكم} . روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس إنّ الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يأيها الرسل كلوا من الطيبات} (المؤمنون، 51) وقال: {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} » ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟» . ولما وسع الله تعالى الأمر على الناس كافة، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرّم عليهم، أمر المؤمنين منهم أن يتحرّوا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال: {واشكروا} على ما رزقكم وأحل لكم {إن كنتم إياه تعبدون} أي: إن صح
أنكم تخصونه بالعبادة وتقرّون أنه مولى النعم، فإن عبادته لا تتم إلا بالشكر فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو يعدم عند عدمه. روى البيهقيّ وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: إني والجنّ والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» . ثم بيّن سبحانه وتعالى المحرّمات بقوله: {إنما حرّم عليكم الميتة} أي: أكلها إذ الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية وألحق بها بالسنة ما أبين من حيّ وخص منها السمك والجراد والحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفاً حرمة التصرّف فيها مطلقاً إلا ما خصه الدليل كالتصرّف في المدبوغ {والدم} أي: المسفوح كما قال تعالى في سورة الأنعام: {أو دماً مسفوحاً} . روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» وهو في حكم المرفوع بل رفعه ابن ماجه وغيره لكن بسند ضعيف {ولحم الخنزير} أي: جميع أجزائه وعبر عن ذلك باللحم؛ لأنه معظم المقصود منه وغيره تبع له {وما أهلّ به لغير الله} أي: ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم {فمن اضطرّ} أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله. {غير باغ} أي: خارج على المسلمين وقيل: مجاوز للمقدار الذي أحلّ له {ولا عاد} أي: متعدٍ على المسلمين بقطع الطريق وقيل: لا يقصر فيما أبيح له فيدعه، وقال سهل بن عبد الله: غير باغ مفارق للجماعة، ولا عاد مبتدع مخالف للسنة فلم يرخص للمبتدع في تناول المحرّم عند الضرورة. وقال مسروق: من اضطرّ إلى الميتة والدم ولحم الخنزير، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. واختلف العلماء في قدر ما يحل للمضطرّ أكله من الميتة على قولين: أحدهما أن يأكل مقدار ما يمسك رمقه وهو قول ابن أبي حنيفة، والراجح عند الشافعيّ والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال مالك: {فلا إثم} أي: لا حرج {عليه} في أكل ما ذكر وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون، فمن اضطرّ في الوصل والباقون يضمها. فائدة: قال البغويّ {غير} نصب على الحال وقيل على الاستثناء وإذا رأيت غير تصلح في موضعها لا فهي حال، وإذا صلح في موضعها إلا فهي استثناء {إنّ الله غفور} لمن أكل في حال الاضطرار {رحيم} حيث رخص للعباد في ذلك. فإن قيل: إنما تفيد قصر الحكم على ما ذكر وكم من محرّم لم يذكر أجيب: بأنّ المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحله الكفار لا مطلقاً وقصر ما ذكر على حال الاختيار كأنه قيل: إنما حرّم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطرّوا إليها. تنبيه: ألحق بالباغي والعادي كل عاص بسفره كالآبق والمكاس فلا يحلّ لهم أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا وعليه الشافعيّ. ونزل في علماء اليهود ورؤسائهم الذين كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المنعوت منهم، فلما بعث صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم، فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه. {إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم {ويشترون به} أي: بالمكتوم {ثمناً} أي: عوضاً {قليلاً} أي: يسيراً أي: المآكل التي
يصيبونها من سفلتهم {أولئك ما يأكلون في بطونهم} أي: ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه {إلا النار} أي: ما يؤدّيهم إلى النار وهو الرشوة وثمن الدين، ولما كان يقضي بهم إلى النار؛ لأنها عقوبة عليهم فكأنهم أكلوا النار، وقيل: معناه أنه يصير ناراً في بطونهم {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} أي: لا يكلمهم بالرحمة ربما يبشرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ أو يكون عليهم غضبان كما يقال: فلان لا يكلم فلاناً إذا كان عليه غضبان لما ثبت بالنصوص أنه تعالى يسألهم والسؤال كلام، فحمل نفي الكلام على الغضب فهو كناية ويجوز بقاء الكلام على ظاهره وتحتمل نصوص السؤال على أنه يقع بألسنة الملائكة {ولا يزكيهم} أي: ولا يطهرهم من دنس الذنوب {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم وهو النار.I {أولئك الذين اشتروا} أي: استبدلوا {الضلالة بالهدى} فأخذوها بدله في الدنيا {و} استبدلوا {العذاب بالمغفرة} أي: المعدّة لهم في الآخرة لو لم يكتموا الحق للمطامع والأغراض الدنيوية {فما أصبرهم على النار} أي: ما أشدّ صبرهم وهو تعجب للمؤمن من ارتكاب موجباتها من غير مبالاة وإلا فأيّ صبر لهم كما قال الحسن: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقرّبهم إلى النار. وقال الكسائي: فما أصبرهم على عمل أهل النار أي: ما أدومهم عليه. روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال: ما أصبرك على عذاب الله تعالى. {ذلك} أي: الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده {بأنّ} أي: بسبب أنّ {الله نزل الكتاب} وقوله تعالى: {بالحق} متعلق بنزل فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان وقوله تعالى: {وإنّ الذين اختلفوا في الكتاب} اللام فيه إما للجنس واختلافهم إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعضها، وإما للعهد وحينئذٍ الإشارة إما للتوراة واختلافهم حيث آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها بكتمه، وإما إلى القرآن واختلافهم فيه قولهم: سحر وتقوّل وكلام علمه بشر وأساطير الأوّلين {لفي شقاق} أي: خلاف {بعيد} عن الحق واختلف في المخاطب بقوله تعالى: {ليس البرّ} أي: وهو كلّ فعل مرضي {أن تولّوا وجوهكم} أي: في الصلاة {قبل المشرق والمغرب} على قولين: أحدهما أنهم المسلمون، والثاني أهل الكتابين، فعلى الأوّل معناه ليس البرّ كله في الصلاة ولكن البرّ ما في هذه الآية، قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء. وعلى الثاني ليس البرّ صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة النصارى إلى المشرق، فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّلت وادّعى كل طائفة أنّ البرّ هو التوجه إلى قبلته، فردّ الله تعالى عليهم وقال: ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما في هذه الآية قاله قتادة والربيع ومقاتل، وقال قوم هو عام لهم وللمسلمين أي: ليس البرّ مقصوراً بأمر القبلة. وقرأ حفص وحمزة بنصب البر على أنه خبر مقدّم، والباقون برفعه وقوله تعالى: {ولكنّ البر من آمن} على تأويل حذف المضاف أي: بر من آمن أو بتأويل البرّ بمعنى ذي البر أي: ولكن البرّ الذي ينبغي أن يهتمّ به بر من آمن أو لكن ذا البرّ من آمن {با واليوم الآخر والملائكة والكتاب} أي: الكتب إن أريد به الجنس وإلا فالقرآن {والنبيين} والتأويل الأوّل أولى؛ لأن السابق في الآية إنما هو نفي كون البر، تولية الوجه والذي يستدرك إنما هو من جنس
ما ينفى. وقرأ نافع وابن عامر بكسر نون ولكن مخففة ورفع راء البر والباقون بنصب النون مشدّدة ونصب الراء والنبيين تقدّم أنّ نافعاً يقرؤه بالهمزة والباقون على البدل وورش على أصله من المدّ والتوسط والقصر. {وآتى المال على} أي: مع {حبه} له كما قال عليه الصلاة والسلام لما سئل أيّ الصدقة أفضل؟: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ـ أي الحياة ـ وتخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» . قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان وقيل: الضمير لله أي: على حب الله {ذوي القربى} أي: القرابة قال صلى الله عليه وسلم «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» {واليتامى} جمع يتيم وتقدّم تعريفه {والمساكين} جمع مسكين وهو من له مال أو كسب يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه بخلاف الفقير، فإنه من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من كفايته وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في سورة براءة {وابن السبيل} أي: المسافر يقال للمسافر: ابن السبيل لملازمته الطريق وقيل: هو الضيف ينزل بالرجل، قال صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» {والسائلين} أي: الطالبين الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، قال صلى الله عليه وسلم «للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه» رواه الإمام أحمد. وفي رواية: «ردّوا السائل ولو بظلف محرق» {وفي الرقاب} أي: فكها معاونة المكاتبين وقيل: فرض الأسراء وقيل: ابتياع الرقاب لعتقها {وأقام الصلوة} المفروضة {وآتى الزكوة} المفروضة. فإن قيل: قد ذكر إتيان المال في هذه الوجوه ثم ثنى بإتيان الزكاة، فقد دل ذلك على أنّ في المال حقاً سوى الزكاة أجيب: بأنّ المتقدّم في التطوّع، وإن قال الشعبي: إنّ في المال حقاً سوى الزكاة وتلا هذه الآية، ففي الحديث: «نسخت الزكاة كل صدقة» . رواه الدارقطني والبيهقيّ أي: نسخت الزكاة وجوب كل صدقة. وروي ليس في المال حق سوى الزكاة {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} فيما بينهم وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو نذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدّوا. تنبيه: الموفون عطف على من آمن وقيل: رفع على المبتدأ والخبر أي: وهم الموفون وقوله تعالى: {والصابرين في البأساء} أي: شدة الفقر {والضرّاء} أي: المرض {وحين البأس} أي: وقت شدّة القتال في سبيل الله تعالى نصب على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. وروي عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا إذا حمي البأس ـ أي: اشتدّ الحرب ـ ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه {أولئك} الموصوفون بما ذكر {الذين صدقوا} في الدين واتباع الحق وطلب البر {وأولئك هم المتقون} الله التاركون للكفر وسائر الرذائل. قال البيضاويّ رحمه الله تعالى: والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحاً أو ضمناً، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأوّل بقوله تعالى: {من آمن} إلى {والنبيين} وإلى الثاني بقوله تعالى: {وآتى المال} إلى {وفي الرقاب} وإلى الثالث بقوله: {وأقام الصلاة} إلى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه
واعتقاده وبالتقوى اعتباراً بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان» . ونزل في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان بينهما قتلى وجراحات يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور، فأقسموا لنقتلنّ بالعبد الحرّ منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، فرفعوا أمرهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم {يأيها الذين آمنوا كتب} أي: فرض {عليكم القصاص} وهو المساواة والمماثلة {في القتلى} وصفاً وفعلاً {بالحرّ} يقتل {الحرّ} ولا يقتل بالعبد {و} يقتل {العبد بالعبد و} يقتل {الأنثى بالأنثى} وبينت السنة أنّ الذكر يقتل بالأنثى وأنّ المماثلة تعتبر في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر وللأئمة في ذلك خلاف وأدلة مذكورة في الفقه وكلهم على هدى من ربهم {فمن عفي له} أي: من القاتلين {من} أي: دم {أخيه} المقتول {شيء} بأن ترك القصاص منه وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ولو من بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطف على العفو وإيذان بأنّ القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر {فاتباع} أي: فعلى العافي اتباع للقاتل {بالمعروف} بأن يطالبه بالدية لا عنف وترتيب الاتباع على العفو يفيد أنّ الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعيّ، والثاني وهو الأصح عنده الواجب القصاص عيناً، والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء. فإن قيل: إن عفا يتعدّى بعن لا باللام فما وجه قوله فمن عفي له أجيب: بأن عفا يتعدّى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه قال تعالى: عفا الله عنك وقال: عفا الله عنها، فإذا تعدّى إلى الذنب والجاني معاً قيل: عفوت لفلان عما جنى كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه وعلى هذا ما في الآية كأنه قيل: فمن عفي له عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية {وأداء} أي: وعلى القاتل أداء الدية {إليه} أي: العافي وهو الوارث {بإحسان} أي: بلا مطل ولا بخس {ذلك} الحكم المذكور في العفو والدية {تخفيف من ربكم ورحمة} لما فيه من التسهيل والنفع؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً {فمن اعتدى} أي: ظلم القاتل بأن قتله {بعد ذلك} أي: العفو على الدية أو مجاناً {فله عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل أو أخذ الدية إن عفى عنها وقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} كلام في غاية الفصاحة والبلاغة حيث جعل الشيء محل ضدّه وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعاً من الحياة عظيماً وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. قال الزمخشريّ: وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التشاجر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لأنّ القاصد للقتل؛ إذا علم أنه إن قتل يقتل يمتنع فيكون فيه بقاؤه وبقاء من
يهتم بقتله وفي المثل: القتل أنفى للقتل وقيل في المثل: القتل قلل القتل وقيل: المراد بالحياة، الحياة الأخروية، فإنّ القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة هذا بالنسبة للآدميّ وأمّا بالنسبة لله تعالى، فإن تاب فكذلك وإلا فهو تحت المشيئة، ثم نادى ذوي العقول الكاملة بقوله: {يا أولي الألباب} للتأمّل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، ثم بين سبحانه وتعالى مشروعية ذلك بقوله: {لعلكم تتقون} القتل مخافة القود أو تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. {كتب} أي: فرض {عليكم إذا حضر أحدكم الموت} أي: حضرت أسبابه وظهرت أماراته {إن ترك خيراً} أي: مالاً نظيره قوله تعالى: {وما تنفقوا من خير} (البقرة، 272) وقيل: مالاً كثيراً لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رجلاً أراد الوصية فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف فقالت: كم عيالك؟ قال: أربعة قالت: إنما قال الله تعالى إن ترك خيراً وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك. وعن عليّ رضي الله تعالى عنه أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم فمنعه وقال: قال الله تعالى: {إن ترك خيراً} والخير هو المال الكثير وقوله تعالى: {الوصية} مرفوع بكتب وذكر فعلها للفاصل ولأنها بمعنى أن يوصي ولذلك ذكر الراجع في قوله: فمن بدّله بعدما سمعه والعامل في إذا مدلول كتب لا الوصية لتقدّمه عليها وجواب أنّ أي: فليوص {للوالدين والأقربين بالمعروف} بالعدل فلا يفضل الغني ولا يتجاوز الثلث لما روي عن سعيد بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «جاءني النبيّ صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله قال: لا قلت: فالشطر قال: لا قلت: فالثلث قال: الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم» أي: يسألون الناس الصدقة بأكفهم، وقوله تعالى: {حقاً} مصدر قال البيضاويّ تبعاً للزمخشريّ وغيره مؤكد لمضمون الجملة قبله أي: حق ذلك حقاً وردّه أبو حيان بأنّ قوله تعالى على المتقين متعلق بحقاً أو صفة له وكل منهما يخرجه عن التأكيد، أما الأوّل فلأن المصدر المؤكد لا يعمل إنما يعمل المصدر الذي ينحل إلى حرف مصدري، والفعل أو المصدر الذي هو بدل من اللفظ بالفعل، وأمّا الثاني فلأنّ حقاً مصدر مخصص بالصفة فلا يكون مؤكداً وقيل: حقاً نعت لمصدر كتب أو أوصى أي: كتباً أو إيصاء حقاً وقيل: حال من مصدر أحدهما معرّفاً وقيل: نصب على المفعولية أي: جعل الوصية حقاً {على المتقين} الله وهذا منسوخ بآية المواريث وبقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» بناءً على الأصح من أن الكتاب ينسخ بالسنة وإن لم تتواتر وبذلك ظهر ما في قول بعضهم: إنّ الكتاب لا ينسخ بالسنة وإن الحديث من الآحاد. أي: غيره من الأوصياء والشهود {بعدما سمعه} أي: وصل إليه علمه وتحقق عنده {فإنما إثمه} أي: الإيصاء المبدل {على الذين يبدّلونه} والميت بريء منه، وفي هذا إقامة الظاهر مقام المضمر {إنّ الله سميع} لما وصى به الموصي {عليم} بفعل الوصي فيجازيه عليه وفي هذا وعيد للمبدّل بغير حق. {فمن خاف من موص} أي: توقع وعلم كقوله تعالى: {فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله} (البقرة، 229) أي علمتم وقرأ حمزة بإمالة الألف بعد الخاء من خاف حيث جاء، وقرأ شعبة وحمزة
والكسائي بفتح الواو من موص وتشديد الصاد، والباقون بسكون الواو وتخفيف الصاد {جنفاً} أي ميلاً عن الحق بالخطأ في الوصية {أو إثماً} بأن تعمد الحيف في الوصية {فأصلح بينهم} بين الوصي والموصى لهم بإجرائهم على نهج الشرع {فلا إثم عليه} في هذا التبديل؛ لأنه تبديل؛ باطل إلى الحق بخلاف الأوّل {إن الله غفور رحيم} فيه وعد للمصلح وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم. {يأيها الذين آمنوا كتب} أي: فرض {عليكم الصيام} هو لغة: الإمساك عما تنازع فيه النفس ومنه قوله تعالى: {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً} (مريم، 26) أي: صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام. وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات مع النية فإنها معظم ما تشتهيه النفس {كما كتب على الذين من قبلكم} من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال عليّ رضي الله تعالى عنه: أوّلهم آدم يعني أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم. وفي قوله تعالى: {كتب عليكم} إلخ.. توكيد للحكم وترغيب على الفعل وتطييب على النفس وفي موضع التشبيه في كاف كما كتب قولان: أحدهما أنّ التشبيه في حكم الصوم وصفته لا في عدده. قال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم أنه لم يحل له أن يطعم إلى الليلة القابلة والنساء عليهم حرام ليلة الصيام وهو عليهم ثابت وقد أرخص لكم هذا، فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث} (البقرة، 187) الآية فإنها فرقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين، والثاني: إنه كصومهم في عدد الأيام لما روي أنّ رمضان كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان ـ أي: وهو بضم الميم ـ موت يقع على الماشية فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده، فجعلوه خمسين وقيل: كان يقع في الحرّ الشديد وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرّهم في معايشهم فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف فجعلوه في الربيع وقالوا: نزيد عشرين يوماً تكفر ما صنعنا. قال السديّ عن مشايخه، وقيل: زادوا فيه عشرة أيام أولاً كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوماً ثم أن ملكهم اشتكى فمه فجعل لله عليه إن هو شفي من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعاً، فبرأ فزاد فيه أسبوعاً ثم مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموه خمسين يوماً وعلى هذا تكون الآية محكمة لا منسوخة. {لعلكم تتقون} بصومكم للمعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ـ أي: مؤن النكاح ـ فليتزوّج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي: قاطع لشهوته أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم وقوله تعالى: {أياماً} نصب بصوموا مقدّراً بينهما لدلالة الصيام عليه بالصيام لوقوع الفصل بينهما {معدودات} أي: قلائل كقوله تعالى: {دراهم معدودة} (يوسف، 20) وأصله أنّ المال القليل يقدر بالعدد ويحكر فيه والكثير يهال هيلاً ويحثى حثياً أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلله تسهيلاً على المكلفين وقيل: هي عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر كتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامها حين هاجر ثم نسخت بشهر رمضان {فمن كان منكم مريضاً} مرضاً يضرّه الصوم ويعسر معه {أو على سفر} أي: مسافراً
سفر قصر {فعدّة من أيام أخر} أي: فعليه صوم عدّة أيام المرض والسفر من أيام أخر إن أفطر، فحذف الشرط وهو إن أفطر والمضاف وهو صوم والمضاف إليه وهو أيام المرض والسفر للعلم بها. واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، والأصح فيه ما قدّرناه وذهب أهل الظاهر إلى أنّ ما ينطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين: فقد دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه وفي السفر الذي يباح فيه الفطر والأصح فيه أيضاً ما قدّرناه وهو مرحلتان. وقال الأوزاعي: أقله مرحلة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ثلاثة أيام {وعلى الذين يطيقونه} أي: إن أفطروا {فدية} هي {طعام مسكين} أي: قدر ما يأكله في يوم وهو مدّ على الأصح من غالب قوت بلده وقال بعضهم: نصف صاع من القمح أو صاع من غيره وقال بعضهم: ما كان المفطر يتقوّته يومه الذي أفطره وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها، فذهب أكثرهم إلى أنها منسوخة وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا وإنما خيرهم الله تعالى؛ لأنهم كانوا لم يتعوّدوا الصيام ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على الولد، فإنها باقية بلا نسخ في حقهما، وذهب جماعة منهم إلى أن لفظة لا مقدّرة في الآية أي: وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فدية وهو قول سعيد بن جبير وجعل الآية محكمة، وقرأ نافع وابن ذكوان بغير تنوين في فدية وخفض الميم من طعام والباقون بتنوين فدية ورفع الميم من طعام، وقرأ نافع وابن عامر مساكين بفتح الميم والسين وألف بعد السين وفتح النون، والباقون بكسر الميم وسكون السين ولا ألف بعدها وكسر النون منونة {فمن تطوّع خيراً} بالزيادة على القدر المذكور في الفدية {فهو} أي: التطوع {خير له} فيثيبكم الله عليه {وأن تصوموا} أي: أيها المطيقون مبتدأ خبره {خير لكم} أي: من الإفطار والفدية {إن كنتم تعلمون} أي: ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمّة وجواب: إن كنتم محذوف دلّ عليه خير لكم أي: فالصوم خير لكم وقوله تعالى: {شهر رمضان} مبتدأ خبره ما بعده أو بدل من الصيام في قوله: {كتب عليكم الصيام} بدل اشتمال أو بدل كل من كل إن قدر مضاف أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم شهر رمضان أو الشهر من الشهور ورمضان مصدر رمض إذا أحرق فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون. فإن قيل: إذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله صلى الله عليه وسلم «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه» وقوله صلى الله عليه وسلم «بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له» أجيب: بأنّ ذلك على حذف المضاف لا من اللبس قال التفتازاني: وجاز الحذف من الاعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة؛ لأنهم أجروا مثل هذا العلم مجرى المضاف والمضاف إليه حيث أعربوا الجزأين وإنما سماه العرب بذلك إمّا لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، وإمّا لارتماض الذنوب فيه. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة
التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمضان الحر قال أئمة اللغة: كان أسماء الشهور في اللغة القديمة: مؤتمر ناجر خوان وبصان حنين ورنه الأصم وعل ناتق عادل هواع يراك فغيرت إلى محرّم صفر ربيع الأوّل ربيع الثاني جمادى الأول جمادى الثانية رجب شعبان رمضان شوّال ذي القعدة ذي الحجة على الترتيب وسمي المحرم لتحريم القتال فيه وصفر لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب، والربيعان لارتباع الناس فيهما أي: إقامتهم وجماديان لجمود الماء فيهما ورجب لترجيب العرب إياه أي: تعظيمهم له وشعبان لتشعب القبائل فيه، ورمضان لرمض الفصال فيه، وشوّال لشول أذناب اللواقح فيه، وذو القعدة للقعود فيه عن الحرب، وذو الحجة لحجهم فيه {الذي أنزل فيه القرآن} جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر ثم تنزل منجماً إلى الأرض وقيل: ابتدىء فيه إنزاله وكان ذلك ليلة القدر وقيل: أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين» رواه الإمام أحمد وغيره. تنبيه: قال ابن عادل: يروى أنّ جبريل عليه السلام نزل على آدم اثنتي عشرة مرّة، وعلى إدريس أربع مرّات، وعلى إبراهيم اثنين وأربعين مرّة، وعلى نوح خمسين مرّة، وعلى موسى أربعمائة مرّة، وعلى عيسى عشر مرّات، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرّة، وقرأ ابن كثير القرآن بنقل حركة الهمزة إلى الراء وتصير الراء مفتوحة وألف بعدها في المعرف والمنكر حيث جاء وكذا يقرأ حمزة في الوقف وقوله تعالى: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} حالان من القرآن أي: أنزل وهو هداية للناس لإعجازه من الضلالة إلى الحق وهو آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل مما فيه من الحكم والأحكام. فإن قيل: فما معنى قوله: وبينات من الهدى بعد قوله هدى للناس؟ أجيب: بأنه تعالى ذكر أولاً أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق به الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال {فمن شهد} أي: حضر {منكم الشهر فليصمه} وقوله تعالى: {ومن كان مريضاً أو على سفر} أي: فأفطر {فعدّة من أيام أخر} تقدّم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم من شهد {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} أي: يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر ولذلك أباح لكم الفطر في المرض والسفر. واختلفوا هل الفطر في السفر أفضل أو الصوم؟ والأصح أنه إن شق عليه الصوم فالفطر أفضل وإلا فالصوم. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا: لا يجوز الصوم في السفر، ومن صام فعليه القضاء واحتجوا بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم «ليس من البرّ الصيام في السفر» وأجاب الأوّل عن الحديث بأنه محمول على من يشق عليه الصوم فقول جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا صائم فقال صلى الله عليه وسلم «ليس من البرّ الصيام في السفر» والدليل على جواز
الصوم في السفر قول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» . وقوله تعالى: {ولتكملوا العدّة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} أي: الله على نعمه، علل لفعل محذوف دلّ عليه ما سبق أي: وشرع جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخص له بالقضاء، وبمراعاة عدّة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله تعالى: {ولتكملوا العدّة} علّة الأمر بمراعاة العدّة، وقوله تعالى: {ولتكبروا} علّة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر، وقوله تعالى: {ولعلكم تشكرون} علّة الترخيص من تعظيم الله تعالى بالحمد والثناء عليه، ولذلك عدّ نوعاً من اللف والنشر لطيف المسلك. ومعنى التكبير تعظيم الله تعالى بالحمد والثناء عليه، ولذلك عدّي بحرف الاستعلاء لكونه مضمناً معنى الحمد كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، وقيل: تكبير عيد الفطر وقيل: التكبير عند الإهلال، وقرأ شعبة ولتكملوا بفتح الكاف وتشديد الميم والباقون بسكون الكاف وتخفيف الميم. تنبيه: ورد في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين أخبار منها ما رواه أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ومردة الجنّ وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» ومنها ما رواه أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه» . ومنها ما رواه سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: «أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعاً، من تقرّب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه الرزق؛ من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذْقَة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن سقى صائماً سقاه الله عز وجل من حوضِي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى لكم عنهما فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأمّا اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار» . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة» . وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم «في الجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصائم: رب إني منعت الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان» . وسأل جماعة النبيّ صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزل {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} أي: فقل لهم إني قريب وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم، ونحوه قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق، 16) وقوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} أي: بإنالته ما سأل تقرير للقرب، ووعد للداعي بالإجابة، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما وصلاً لا وقفاً، واختلف عن قالون فيهما والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً. فإن قيل: ما وجه قوله تعالى: {أجيب دعوة الداع} وقوله: {ادعوني أستجب لكم} () وقد يدعى كثيراً فلا يجيب؟ أجيب: بأنهم اختلفوا في معنى الآيتين فقيل: معنى الدعاء هنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب، وقيل: معنى الآيتين خاص وأن لفظهما عام، تقديره: أجيب دعوة الداع إن شئت كما قال تعالى: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} (الأنعام، 41) أو أجيب دعوة الداع إن وافق القضاء، أو أجيبه إن كانت الإجابة خيراً له، أو أجيبه إن لم يسأل محالاً. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل» قالوا: وما الاستعجال يا رسول الله؟ قال: يقول قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي فيتحسر عند ذلك فيدع، أي: يترك الدعاء» وقيل: هو عام، ومعنى قوله أجيب أي: أسمع ويقال: ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما إعطاء الأمنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، أو الوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله، فالإجابة لا محالة عند حصول الدعوة، وقيل: معنى الآية: أنه لا يخيب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدر له ادخر الثواب له في الآخرة، أو كف عنه به سوءاً لقوله صلى الله عليه وسلم «ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء بمثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . وقيل: إنّ الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته. وقيل: إنّ للدعاء آداباً وشرائط، وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخلّ بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الجواب. {فليستجيبوا لي} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أجيبهم إذا دعوني بمهماتهم، وقوله تعالى: {وليؤمنوا بي} أمر بالثبات والمداومة على الإيمان {لعلهم} أي: لكي {يرشدون} والرشد إصابة الحق. أي: الليلة التي تصبحون منها صائمين {الرفث إلى نسائكم} الرفث: كناية عن الجماع؛ لأنه لا يكاد يخلو عن رفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ الوطء والجماع، فإنه يجب أن يكنى عنه بلازم من لوازمه كالرفث وعُدّي بإلى لتَضَمُّنه معنى الإفضاء، وكني عن الجماع هنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} () استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، ولذلك سماه فيما يأتي خيانة قال: ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما إنّ الله تعالى حيّ كريم يكني كل ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول، فالرفث إنما عني به الجماع، وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء، قال أهل التفسير: كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حلّ له الطعام والشراب والنساء إلى أوان العشاء الآخرة، أو يرقد قبلها فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى الليلة القابلة، ثم إنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسوّلت لي نفسي، فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «ما كنت جديراً بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه هذه الآية، وفي تجويز المباشرة في جميع الليل دليل على جواز تأخير الغسل إلى الفجر وصحة صوم الصبح جنباً. {هن لباس} أي: سكن {لكم وأنتم لباس} أي: سكن {لهنّ} كما قال تعالى: {وجعل منها زوجها ليسكنإليها} (الأعراف، 189) وكما قيل: لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقيل: سمي كل واحد من الزوجين لباساً؛ لتجرّدهما عند النوم وتعانقهما واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل واحد من الزوجين لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. قال الجعدي: *إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا* والضجيع: المضاجع، وما زائدة، وثنى عطفها: أمال شقها، وتثنت مالت، والشاهد في قوله: فكانت عليه لباساً وقيل: إنّ كلاً منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور، كما جاء في الخبر: «من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه. {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} أي: تظلمونها بتعريضها للعقاب، وتنقيص حظها من الثواب بالمجامعة بعد العشاء كما وقع ذلك لعمر وغيره، وقال البراء: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله هذه الآية. {فتاب عليكم} أي: قبل توبتكم {وعفا عنكم} أي: محا ذنوبكم، ولم يمل أحد ألف عفا لأنه واوي {فالآن} أي إذا نسخ عنكم التحريم {باشروهن} أي: جامعوهنّ حلالاً، وسمى المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهما بصاحبه {وابتغوا} أي: واطلبوا {ما كتب الله لكم} أي: ما قسم لكم، وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو قصد العفة، وقال مجاهد: ابتغوا الولد فإن لم تلد هذه فهذه، وقال مقاتل: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع. في اللوح المحفوظ، وقيل: وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم وقيل: هو نهي عن العزل لأنه في الحرائر. فقوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} أي: الصادق، نزل في رجل من الأنصار، قال عكرمة: اسمه أبو قيس، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، فقال لامرأته: قدّمي الطعام وأرادت المرأة أن تطعمه شيئاً، سخناً فأخذت تعمل له في شيء وكان في ابتداء الإسلام
من صلى العشاء أو نام قبلها حرم عليه الطعام والشراب، فلما فرغت من طعامه إذ هو قد نام وكان قد أعيا وكلّ، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله، وأبى أن يأكل، فأصبح صائماً مجهوداً فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليحاً، فذكر له حاله فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية» . وقد شبّه سبحانه وتعالى أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، وما يمتدّ معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: من الفجر عن بيان الخيط الأسود؛ لدلالته عليه ويصح أن تكون من للتبعيض، فإنما يبدو بعض الفجر، وعلى كل منهما فهي مع مدخولها في محل الحال، والمعنى على التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضاً من الفجر وعلى البيان حال كونه هو الفجر. فإن قيل: كيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أقوم من الليل فلا يتبين لي الأسود من الأبيض، فلما أصبحت غدوت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك وقال: «إن كان وسادك إذاً لعريضاً» وروي: «إنك لعريض القفا إنما ذاك بياض النهار من الليل» أجيب: بأنه غفل عن البيان ولذلك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه؛ لأنه مما يستدل به على بلادة الرجل وقلة فطنته، وقال سهل بن سعد الساعدي نزلت ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فأنزل الله تعالى بعد ذلك من الفجر. فإن قيل: كيف جاز فعل ذلك في رمضان مع تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد؟ أجيب: بأنّ ذلك كان قبل دخول رمضان، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز، واكتفى أوّلاً باشتهارهما في ذلك، ثم صرح بالبيان لمَّا التبس على بعضهم. {ثم أتموا الصيام} من الفجر {إلى الليل} أي: إلى دخوله بغروب الشمس، كما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» أي: دخل وقت إفطاره. تنبيه: إنما قدّرت في الآية الكريمة من الفجر ليدل على عدم جواز النية في النهار في صوم رمضان كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ ولأنّ إلى يكون المغيا بها ينقضي شيئاً فشيئاً، والإتمام فعل الجزء الأخير فقط، وهو ينقضي كذلك، وفي الآية دليل على نفي الوصال؛ لأنه تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشيء منتهاه، وما بعدها يخالف ما قبلها. {ولا تباشروهنّ} أي: نساءكم {وأنتم عاكفون} أي: مقيمون {في المساجد} بنية الاعتكاف، والمراد بالمباشرة الوطء، والآية نزلت في نفر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها، ثم اغتسل ثم يرجع إلى المسجد، فنهوا عن ذلك ليلاً ونهاراً حتى يفرغوا من اعتكافهم، وفيه دليل على أنّ الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد، وأن يكون في المسجد لا في غيره؛ إذ ذكر المساجد لا جائز أن يكون لجعلها شرطاً في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها، وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره أيضاً منها
فيها، فتعين كونها شرطاً لصحة الاعتكاف، وأنّ الوطء محرّم في الاعتكاف ويفسده؛ لأنّ النهي في العادات يوجب الفساد، أما ما دون الجماع من المباشرات فإن كان بشهوة فحرام، ولا يبطل اعتكافه إن لم ينزل، فإن أنزل وكان بلا حائل فكالجماع وإلا فلا، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إليّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» {تلك} الأحكام المذكورة وهي قوله تعالى: {الآن باشروهنّ} إلى قوله تعالى {في المساجد} {حدود الله} حدها لعذابه ليقفوا عندها {فلا تقربوها} نهى تعالى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل؛ لئلا يداني الباطل فضلاً أن يتخطى عنه، وهذا أبلغ من قوله تعالى في آية أخرى {فلا تعتدوها} (البقرة، 229) ، لكن في ذلك مأمورات وهي لا ينهى عن قربانها، فالمراد منها أضدادها بناء على أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه أو مستلزم له؛ ليصح النهي عن قربانها، ويجوز أن يراد بحدود الله محارمه ونواهيه. وعلى هذا فالنهي عن القربان ظاهر كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنّ لكل ملك حمى، وإن حمى الله في أرضه محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» رواه الشيخان {كذلك} أي: كما بيّن لكم ما ذكر {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} أي: لكي يتقوا مخالفة الأوامر والنواهي فينجوا من العذاب. {ولا تأكلوا أموالكم بينكم} أي: لا يأكل بعضهم مال بعض {بالباطل} أي: الحرام شرعاً كالغصب والسرقة وقوله تعالى: {وتدلوا} مجزوم داخل في حكم النهي، أو منصوب بإضمار، أن والإدلاء الإلقاء أي: ولا تلقوا {بها} أي: بحكومتها وبالأموال رشوة {إلى الحكام لتأكلوا} بالتحاكم {فريقاً} أي: طائفة {من أموال الناس بالإثم} أي: بما يوجب إثماً كشهادة الزور واليمين الكاذبة أو متلبس بالإثم، فالباء إمّا للسببية فتكون متعلقة بتأكلوا، أو للمصاحبة فتتعلق بمحذوف، وتكون مع مدخولها حالاً من فاعل تأكلوا {وأنتم تعلمون} أنكم مبطلون فإن ارتكاب المعصية مع العلم أقبح. روي «أن عبدان الحضرمي ادّعى على امرىء القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهمّ بالحلف فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} (آل عمران، 77) فارتدع عن اليمين، وسلّم الأرض لعبدان» فنزلت، وهو دليل على أنّ حكم القاضي لا ينفذ في باطن الأمر وفيه خلاف ظاهر، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لخصمين اختصما إليه: «إنما أنا بشر وأنتم تختصمون لديّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته ـ أي: أقوم وأقدر ـ عليها من بعض فأقضي له على ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار» قبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي، فقال: «اذهبا وتواخيا ثم استهما ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه» و «سأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال الهلال يبدو دقيقاً كالخيط ثم يزيد حتى يمتلىء نوراً ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقاً كما بدا ولا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزل: {يسئلونك} يا محمد {عن الأهلة} جمع هلال مثل رداء وأردية، والهلال اسم له: أوّل الليلة الأولى والثانية والثالثة، وبعدها يسمى قمراً، وهنا سماه بأوّل حالاته لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم: استهل الصبيّ إذا صرخ حين يولد {قل} لهم
{هي مواقيت} جمع ميقات أي: معالم {للناس} يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصيامهم وإفطارهم وعدد نسائهم وأيام حيضهنّ ومدّة حملهنّ وغير ذلك. وقوله تعالى: {والحج} عطف على الناس أي: يعلمون بها وقته أداء وقضاء، هذه هي الحكمة الظاهرة في ذلك، ولهذا خالف بين الأهلة وبين الشمس فلو استمرّت الأهلة على حالة لم يعرف حال ما ذكر، ولما كان الناس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته ويدخل منه ويخرج، أو يتخذ سلماً فيه فيصعد منه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك براً، إلا أن يكون من الحمس وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وبنو عامر بن صعصعة، وبنو نضر بن معاوية، سموا حمساً لشدّتهم في دينهم، والحماسة: الشدّة والصلاة، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار فدخل رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم دخلت من الباب وأنت محرم؟» قال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإني أحمس» فقال الرجل: فإن كنت أحمس فإني أحمس رضيت بهداك وبسمتك ودينك فأنزل الله تعالى {وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البر} أي: ذا البر {من اتقى} الله، بترك مخالفته، ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنهم سألوا عن الحكمة في اختلال حال القمر وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير أبوابها أو أنه تعالى لما ذكر أنها مواقيت الحج، وهذا أيضاً من أفعالهم في الحج ذكره للاستطراد، وأنهم لما سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوّة وتركوا السؤال عما يعنيهم وهو معرفة الحلال والحرام، ويختص بعلم النبوّة، عقب بذكره جواب ما سألوه تنبيهاً على أنّ اللائق بهم أن يسألوا عن أمثال ذلك، ويهتموا بالعلم بها، أو على أنّ المراد به التنبيه على تعكيسهم السؤال وتمثيلهم بحال من ترك باب البيت، ودخل من ورائه، والمعنى وليس البرّ أن تعكسوا في مسائلكم ولكن من اتقى ذلك ولم يجسر على مثله. {وائتوا البيوت من أبوابها} في الإحرام كغيره؛ إذ ليس في العدول برأ، وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها والمراد توطين النفوس وربط القلوب على أنّ جميع أفعال الله تعالى حكم وصواب من غير اختلاج شبهة، ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه كما في السؤال من الاتهام بمقارنة الشك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. {واتقوا الله} في تغيير الأحكام {لعلكم تفلحون} لكي تفوزوا بالهدى والبرّ، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيُوت بضمّ الباء حيث جاء معرفاً كان أو منكراً، وكسرها الباقون، ولا خلاف في وليس البرّ هنا، أنّ الراء مرفوعة للجميع، وقرأ نافع وابن عامر: ولكن بكسر النون مخففة ورفع الراء، والباقون بفتح النون مشدّدة ونصب الراء، ولما صدّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه للعمرة، وكانوا ألفاً وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون
من البيت الحرام، وصالحوه على أن يرجع من قابل، فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم، والإحرام والشهر الحرام، وكره المسلمون ذلك نزل. {وقاتلوا} أي: جاهدوا {في سبيل الله} لإعلاء كلمته وإعزاز دينه {الذين يقاتلونكم} من الكفار {ولا تعتدوا} عليهم بالابتداء بالقتال {إنّ الله لا يحب المعتدين} أي: لا يريد بهم الخير؛ لأنه غاية المحبة إذ المحبة حقيقتها محال في حقه تعالى؛ لأنها ميل النفس، وسبب ذلك أنهم كانوا منعوا من قتال الكفار وأمروا بالصبر على أذاهم بقوله تعالى: {لتبلون في أموالكم} (آل عمران، 186) الآية، ثم أمروا به إذا ابتدؤوا به بهذه الآية، ثم أبيح لهم ابتداؤه في غير الأشهر الحرم بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} (التوبة، 5) الآية، ثم أمروا به مطلقاً من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: وجدتموهم في حل أو حرم، وقرأ أبو عمرو بإدغام الثاء في الثاء بخلاف عنه، حيث جاء {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي: من مكة وقد فعل ذلك بمن لم يسلم عام الفتح {والفتنة} أي: الشرك منهم {أشدّ} أي: أعظم {من القتل} لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه، أو المحنة التي يفتتن بها الإنسان: كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها. قيل لبعض الحكماء: ما أشدّ من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. وقال القائل: *لقتلٌ بحد السيف أهون موقعاً ... على النفس من قتل بحدّ فراق وقيل: الفتنة عذاب الآخرة كما قال تعالى: {ذوقوا فتنتكم} (الذاريات، 14) . {ولا تقاتلوهم} أي: لا تبدؤوهم {عند المسجد الحرام} أي: في الحرم {حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم} فيه {فاقتلوهم} فيه فإنهم هم الذين هتكوا حرمته، وقرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم بفتح التاء الفوقية من تقتلوهم والياء من يقتلوكم وسكون القاف ولا ألف بعد القاف وضم التاء فيهما، والباقون بفتح التاء والياء وفتح القاف وبعد القاف ألف وكسر التاء، وأمّا فإن قاتلوكم فحذف حمزة والكسائي الألف وأثبتها الباقون، والمعنى على قراءة حمزة والكسائي: حتى يقتلوا بعضكم، جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم كقول بعض العرب: قتلنا بني أسد أي: بعضهم، وقال بعضهم: وإن تقتلونا نقتلكم. {كذلك} أي: القتل والإخراج {جزاء الكافرين} أي: يفعل بهم مثل ما فعلوا {فإن انتهوا} عن الكفر وأسلموا {فإنّ الله غفور} يغفر لهم ما قد سلف {رحيم} بهم فلا يؤاخذ بذلك. {وقاتلوهم حتى لا تكون} أي: توجد {فتنة} أي: شرك {ويكون الدين} أي: العبادة {} وحده لا يعبدون سواه {فإن انتهوا} عن الشرك فلا تعتدوا عليهم. دل على هذا {فلا عدوان} أي: اعتداء بقتل أو غيره {إلا على الظالمين} أي: فلا تعتدوا على المنتهين؛ إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم والفاء الأولى للتعظيم والثانية للجزاء وسمي جزاء، الظالمين عدواناً للمشاكلة كقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} . {الشهر الحرام} أي: المحرم مقابل {بالشهر الحرام} وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج معتمراً في ذي القعدة سنة ست، وصدّه المشركون عن البيت بالحديبية، ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع واستعظم المسلمون قتالهم في الشهر الحرام
نزلت هذه الآية، أي: هذا الشهر بذلك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به. وقوله تعالى: {والحرمات قصاص} احتجاج عليه أي: كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، أي: فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليه عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم، أي: كما قال تعالى: {فمن اعتدى عليكم} بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} سمي الجزاء باسم الاعتداء على ازدواج الكلام كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) . {واتقوا الله} في الانتصار لأنفسكم منهم، ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم {واعلموا أنّ الله مع المتقين} بالعون والنصر فيحرسهم ويصلح شأنهم. {وأنفقوا في سبيل الله} أي: طاعته سواء الجهاد وغيره {ولا تلقوا بأيديكم} أي: بأنفسكم، عبر بالأيدي عن الأنفس كقوله تعالى: {بما كسبت أيديكم} (الشورى، 30) أي: بما كسبتم والباء زائدة {إلى التهلكة} أي: الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو الإسراف فيها، حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن ترك الزور الذي هو تقوية للعدوّ. روي أنّ رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم بهذه الآية، وإنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه، وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهلنا وأولادنا وأموالنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت الحرب أوزارها رجعنا إلى أهلينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية، فتوفي هناك ودفن في أصل سورها وهم يستسقون به. وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله، تعالى قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليست لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك كما قال تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف، 87) {وأحسنوا} أي: بالنفقة وغيرها {إنّ الله يحب المحسنين} أي: يثيبهم. {وأتموا الحج والعمرة} أي: أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذٍ دليل على وجوبهما، إذ الأصل في الأمر الوجوب وما روي عن جابر أنه قال: «يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال: لا» معارض بما روي أن رجلاً قال لعمر رضي الله تعالى عنه: إني وجدت أي: علمت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً، فقال: هديت لسنة نبيك، ولا يقال إنه فسر وجدانهما مكتوبين بقوله: أهللت بهما؛ لأنه رتب الإهلال بهما على الوجدان، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال دون العكس وقيل: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، روي ذلك عن عليّ وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وقيل: إن تفرد لكل واحد منهما سفراً، وقيل: أن تكون النفقة حلالاً وقيل: أن تخلصهما للعبادة ولا تشوبهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية. {فإن أحصرتم} أي: منعتم عن إتمامهما يقال: حصره وأحصره العدوّ إذا منعه قال
تعالى {الذين أحصروا في سبيل الله} (البقرة، 273) وقال القائل: *وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا إن أحصرتك شغول* لكن الأشهر: أن يقال في العدوّ وحصره وفي المرض أحصره، والمراد هنا حصر العدوّ لقوله تعالى: {فإذا أمنتم} ولنزول الآية في الحديبية ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا حصر إلا حصر العدوّ، أما ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل» فمحمول على من شرطه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لضباعة بنت الزبير: «حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» ومحِلي بكسر الحاء: محل الحبس والحصر ويجوز أن يكون مصدر اسمياً. {فما استيسر من الهدي} أي: فإن أردتم التحلل فعليكم ما استيسر أو فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر من الهدي، وهو بدنة أو بقرة أو سبع من أحدهما أو شاة يذبحها، حيث أحصر في حل أو حرم عند الأكثر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل وقيل: لا بدّ أن يبعث بها إلى الحرم لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله} (البقرة، 196) أي: لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي: مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، وحمل الأوّلون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً، لكن يندب إرساله إلى الحرم خروجاً من خلاف أبي حنيفة واقتصاره تعالى على الهدي دليل عدم القضاء كما قاله الشافعيّ، وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء، ولا بدّ من نيّة التحلل عند الذبح أو الحلق أو التقصير بعده مع نية التحلل، وبذلك يحصل التحلل والمحل بالكسر يطلق للمكان والزمان. {فمن كان منكم مريضاً} أي: مرضاً يحوجه إلى الحلق {أو به أذى من رأسه} كقمل وصداع فحلق في الإحرام {ففدية} أي: فعليه فدية إن حلق ولو بعض شعر رأسه، ثلاث شعرات فأكثر ولاء {من صيام} وهو ثلاثة أيام {أو صدقة} وهي ثلاثة آصع من غالب قوت البلد على ستة مساكين، لكل واحد نصف صاع {أو نسك} وهو بدنة أو بقرة أو سبع واحد منهما أو شاة، وعن كعب بن عجرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك آذاك هوامّ رأسك قال: نعم يا رسول الله قال: احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» وكان كعب يقول: أنزلت فيّ هذه الآية، وللتخيير وألحق بالمعذور من حلق لغير عذر؛ لأنه أولى بالكفارة، وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب والدهن واللبس لعذر أو غيره. {فإذا أمنتم} من العدوّ بأن ذهب أو كنتم في حال سعة وأمن {فمن تمتع بالعمرة} أي: بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام {إلى الحج} أي: الإحرام به، بأن يكون أحرم بها في أشهره {فما استيسر} أي: فعليه ما تيسر {من الهدي} وهو ما تقدّم بذبحه بعد الإحرام بالحج ويجوز تقديمه على الإحرام به بعد الفراغ من العمرة {فمن لم يجد} أي: الهدي لفقده أو فقد ثمنه {فصيام} أي: فعليه صيام {ثلاثة أيام في الحج} أي: في حال إحرامه به، ولا يجوز له أن يقدّمه على الإحرام؛ لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمه على وقته ولا تأخيره عنه، والأفضل أن يحرم قبل السادس لكراهة صوم عرفة، ولا يجب عليه أن يحرم قبل زمن يسع الصوم بل يستحب له لكن إذا أحرم وجب عليه الصوم، ولا يجوز أن يصوم يوم النحر ولا أيام التشريق على أصح قولي الشافعيّ وهو ما عليه
الأكثر. {وسبعة} من الأيام {إذا رجعتم} إلى وطنكم مكة أو غيرها، وقيل: إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه النفقات عن الغيبة، وفائدة قوله تعالى: {تلك عشرة} أن لا يتوهم أنّ الواو بمعنى أو كقولك جالس الحسن وابن سيرين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعاً أو واحداً منهما كان ممتثلاً، وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً؛ ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، فإن أكثر العرب لم يحسنوا الحساب. وفي أمثال العرب: علمان خير من علم، وأنّ المراد بالسبعة العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما، وقوله تعالى: {كاملة} صفة مؤكدة تفيد المبالغة في محافظة العدد بأن لا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها كما تقول للرجل ـ إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزلة ـ الله الله لا تقصر. أو مبينة كمال العشرة فإنه أوّل عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها وقيل: كاملة في وقوعها بدلاً من الهدي، بحيث لا يقصر ثواب الصوم عن ثواب الهدي. {ذلك} أي: الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} وهم من مساكنهم دون مرحلتين من الحرم لقربهم منه والقريب من الشيء يقال: إنه حاضره قال تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} (الأعراف، 163) أي: قريبة منه، وفي ذكر الأهل إشعار باشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ذلك، وهو أصح قولي الشافعيّ والثاني لا، والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن: وهو من يحرم بالعمرة والحج معاً أو يدخل الحج عليها قبل الطواف. {واتقوا} بالمحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصاً في الحج {واعلموا أنّ الله شديد العقاب} لمن خالفه ليكون عملكم بشديد عقابه لطفاً لكم في التقوى. {الحج أشهر} أي: وقته كقولك البرد شهران {معلومات} وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر عندنا، والعشر كله عند أبي حنيفة وذو الحجة كله عند مالك، وعلى الأوّلين إنما سمي شهرين وبعض شهر أشهراً إقامة للبعض مقام الكلّ، وإطلاقاً للجمع على ما فوق الواحد كما في قوله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} (التحريم، 4) لحفصة وعائشة. {فمن فرض} على نفسه {فيهنّ الحج} بالإحرام به عندنا أو بالتلبية أو بسوق الهدي عند أبي حنيفة، وفيه دليل على أنّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعيّ، وقال: ينعقد إحرامه عمرة؛ لأنّ الله تعالى خص هذه الأشهر بفرض الحج فيها، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، كما أنه تعالى علق الصلاة بالمواقيت، ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لم ينعقد إحرامه عن الفرض، وإنما انعقد عمرة لأنّ الإحرام شديد التعلق، وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة، أما العمرة فجميع السنة وقت لها إلا أن يكون عليه بقية من أعمال الحج كالرمي. {فلا رفث} أي: جماع فيه كما قال ابن عباس وجماعة من الصحابة، وقيل: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام، وقيل: هو الفحش والقول القبيح. {ولا فسوق} أي: ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات وقيل: هو السباب والتنابز بالألقاب {ولا جدال} أي: خصام مع الخدم
والرفقة وغيرهما {في الحج} أي: في أيامه، فنفى الثلاث على قصد النهي للمبالغة وللدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون وما كان منها مستقبحاً في نفسه، ففي الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب بقراءة القرآن، وهو مدّ الصوت وتحسينه بحيث يخرج الحروف عن هيأتها، فإنه يقبح في كل كلام لكنه في قراءة القرآن أقبح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الثاء من رفث والقاف من فسوق، والتنوين فيهما على معنى لا يكون رفث ولا فسوق والباقون بنصبهما ولا خلاف في {ولا جدال} فالجميع بالنصب ولا تنوين على معنى الإخبار، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، وذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة، فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، واستدل على أنّ المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلى الله عليه وسلم «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه» فإنه لم يذكر الجدال {وما تفعلوا من خير} كصدقة {يعلمه الله} فيه حث على الخير حيث عقب به النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق: البر والتقوى، ومكان الجدال: الوفاق والأخلاق الجميلة {وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى} أي: وتزوّدوا امعادكم التقوى فإنها خير زاد، روى البخاري وغيره أنّ أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت الله تعالى أفلا يطعمنا فيكونون كلاً على الناس فيسألونهم، وربما يفضي الحال بهم إلى النهب والغصب، فقال الله جل ذكره: {وتزوّدوا} أي: ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم، قال أهل التفسير: الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها، {فإن خير الزاد التقوى} أي: ما يتقي به سؤال الناس وغيره. {واتقون يا أولي الألباب} أي: يا ذوي العقول فإن قضية اللب خشية الله تعالى وتقواه وحثهم على التقوى، ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل العريّ عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب. {س2ش198/ش200 لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا? فَضْ? مِّن رَّبِّكُمْ? فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا? اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ? لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا? مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا? اللَّهَ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا? اللَّهَ كَذِكْرِكُمْءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا? فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ? فِى ا?خِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} {ليس عليكم جناح} في {أن تبتغوا} أي: تطلبوا {فضلاً} أي: رزقاً {من ربكم} بالتجارة، في الحج نزلت ردعاً لناس من العرب كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفّوا عن البيع والشراء، فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة: الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج. وروى البخاري: أنه كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية، يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج. وعكاظ سوق لقيس ومجنة وهي بفتح الميم أشهر من كسرها وبفتح الجيم وتشديد النون سوق لكنانة بمرّ الظهران وذو المجاز وهو بفتح الميم وبالزاي سوق لهذيل. {فإذا أفضتم} دفعتم {من عرفات} وأصله أفضتم أنفسكم، فحذف المفعول كما حذفوه من دفعوا من موضع كذا، أي: دفعوا أنفسهم، واختلفوا في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة، فقال عطاء: كان جبريل عليه السلام يري إبراهيم
عليه الصلاة والسلام المناسك ويقول: عرفت فيقول: عرفت فسمي المكان لذلك عرفات واليوم عرفة. وقال الضحاك: كان آدم عليه الصلاة والسلام لما أهبط وقع في الهند وحوّاء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة فتعارفا فسمي المكان واليوم بما ذكر. وقال السدي: لما أذن إبراهيم في الناس بالحج وأجابوا بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله تعالى أن يخرج إلى عرفات ونعتها له، فلما بلغ الجمرة الأولى استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات يكبّر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبّر، فطار ووقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر، فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي المكان واليوم بما ذكر. فإن قيل: هلا منعت الصرف وفيها السببان: العلمية والتأنيث أجيب: بأن التأنيث لا يخلو: إما أن يكون بالتاء التي في لفظها وأما بتاء مقدرة كما في سعاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع التأنيث ولا يصح تقدير التاء فيها لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما، لا تقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي فيها هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها، وفي الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ إذا تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه، فكأنه قيل بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا الله، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها، فوجب أن يكون الوقوف بها واجباً، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» .k {فاذكروا الله} بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات وقيل: بصلاة المغرب والعشاء {عند المشعر الحرام} وهو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح، وفي الحديث «أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله تعالى ويدعو حتى أسفر جدّاً» رواه مسلم. وقال جابر «دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى بالمزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام استقبل القبلة فدعا وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفاً حتى أصبح جداً» . وقوله تعالى: {عند المشعر الحرام} معناه مما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، ويسمى مشعراً من الشعار وهي: العلامة؛ لأنه من معالم الحج، ووصف بالحرام لحرمته وتسمى المزدلفة جمعاً؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون، وقيل: سميت جمعاً لأنّ آدم اجتمع فيها مع حوّاء عليهما الصلاة والسلام وازدلف إليها أي: دنا منها وقيل: وصفت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي: يتقرّبون بالوقوف فيها. {واذكروه كما هداكم} لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل. {وإن كنتم من قبله} أي: الهدى {لمن الضالين} أي: الجاهلين بالإيمان والطاعة، وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وقيل: إن هي النافية واللام بمعنى إلا كقوله تعالى: {وإن نظنك لمن الكاذبين} (الشعراء، 186) أي: ما نظنك إلا من
الكاذبين. {ثم أفيضوا} يا قريش {من حيث أفاض الناس} وذلك أنهم وحلفاءهم ومن دان بدينهم وهم الحمس كانوا يقفون بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعاً عليهم، ويقولون: نحن أهل الله وقطان حرمه، ولا نخرج منه، فأمروا أن يساووهم، وثم للترتيب في الذكر، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فمن فرض فيهن الجمع فلارفت ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وقيل: لتفاوت ما بين الإفاضتين أي: لتراخي الثانية عن الأولى رتبة إذ الأولى هي الصواب والثانية خطأ كما في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فإنك تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم وإلى غيره وبعد ما بينهما وقيل: ثم بمعنى الواو كما في قوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} (البلد، 17) {واستغفروا الله} من ذنوبكم في تغيير المناسك وغيره {إنّ الله غفور رحيم} يغفر ذنوب المستغفر وينعم عليه. {فإذا قضيتم} أي: أديتم {مناسككم} أي: عبادات حجكم كأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى، وأدغم أبو عمرو الكاف في الكاف بخلاف عنه، ولم يدغم مثلين من كلمة في القرآن إلا هنا وفي سورة المدثر وهو قوله تعالى: {ما سلككم في سقر} (المدثر، 42) . {فاذكروا الله} بالتكبير والتحميد والثناء عليه {كذكركم آباءكم} وذلك أنّ العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم، فأمرهم الله تعالى بذكره وقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم، وأحسنت إليكم وإليهم، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، وذلك أنّ الصبيّ أولّ ما يتكلم يلهج بذكر أبيه ولا يذكر غيره، فقال الله تعالى: {فاذكروا الله} لا غير كذكر الصبيّ أباه. {أو أشد ذكراً} من ذكركم إياهم ونصب أشدّ على الحال المنصوب باذكروا إذ لو تأخر عنه لكان صفة له {فمن الناس من يقول ربنا آتنا} نصيبنا {في الدنيا} وهم المشركون كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا، يقولون: اللهمّ أعطنا غنماً وإبلاً وبقراً وعبيداً وكان الرجل يقوم فيقول: اللهمّ إنّ أبي كان عظيم الفئة كبير الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته {وما له في الآخرة من خلاق} أي: نصيب لأنّ همَّه مقصور على الدنيا. {س2ش201/ش204 وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ا?خِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُو?لَا?ئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا?? وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا? اللَّهَ فِى? أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ? فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَ? إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَ? إِثْمَ عَلَيْهِ? لِمَنِ اتَّقَى? وَاتَّقُوا? اللَّهَ وَاعْلَمُو?ا? أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ? فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ? وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} {ومنهم} أي: الناس {من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} بعدم دخولها، وهم المؤمنون، واختلفوا في معنى الحسنتين فقال عليّ رضي الله تعالى عنه: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة، والحسنة في الآخرة: الجنة، يدل له قوله صلى الله عليه وسلم «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» . وروي عنه أيضاً أنه قال: «الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء» . وقال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، والحسنة في الآخرة الجنة. وقال السدي: الحسنة في الدنيا الرزق الحلال، والحسنة في الآخرة المغفرة والثواب، وأدغم أبو عمرو اللام في الراء بخلاف عنه. {أولئك} الداعون بالحسنتين {لهم نصيب} أي: ثواب {مما كسبوا} أي: من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، أو من أجل ما كسبوا كقوله تعالى: {مما خطاياهم أغرقوا} (نوح، 25) ، ويجوز أن يكون أولئك للفريقين جميعاً، وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا {وا سريع الحساب}
أي: إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا روية فكر، قال الحسن: أسرع من لمح البصر، وفي الحديث: «يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا» . {واذكروا الله} أي: كبروه أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها، {في أيام معدودات} أي: أيام التشريق الثلاثة وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى: {دراهم معدودة} (يوسف، 20) ، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر، والتكبير في الأيام المعدودات عقب كل صلاة ولو فائتة ونافلة مشروع في حق الحاج وغيره، لكن غير الحاج يكبر من صبح يوم عرفة إلى عقب عصر آخر أيام التشريق للاتباع، رواه الحاكم وصحح إسناده. وأما الحاج فيكبر من ظهر يوم النحر لأنها أوّل صلاته بمنى، ولا يسن التكبير عقب صلاة عيد الفطر لعدم وروده. {فمن تعجل} أي: استعجل بالنفر من منى {في يومين} أي: في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره بعد الزوال عند الشافعيّ وأصحابه قال في «الكشاف» وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر {فلا إثم عليه} بالتعجيل {ومن تأخر} حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره بعد زواله عندنا، أو قال في «الكشاف» : يجوز تقديم الرمي على الزوال عند أبي حنيفة {فلا إثم عليه} بذلك أي: هم مخيرون في ذلك. فإن قيل: أليس التأخير أفضل؟ أجيب: بأنّ التخيير يقع بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل عند عدم المشقة، وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من جعل المتعجل آثماً ومنهم من جعل المتأخر آثماً، فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعاً، وذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر {لمن اتقى} الله تعالى في حجه، لأنه الحاجّ على الحقيقة عند الله تعالى، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . {واتقوا الله} في مجامع أموركم ليعبأ بكم {واعلموا أنكم إليه تحشرون} في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. {ومن الناس من يعجبك قوله} أي: يعظم في نفسك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس، وهو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبيّ وسمي الأخنس، لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منافقاً حلو المنظر، حلو الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم يحلف أنه مؤمن به ومحب له، ويقول: يعلم الله أني صادق، وكان رسول صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه. وقوله تعالى: {في الحياة الدنيا} متعلق بالقول، أي: يعجبك ما يقول في أمور الدنيا وأسباب المعاش أو في معنى الدنيا، لأن ادعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظاً من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، كما يراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة للرسول صلى الله عليه وسلم فكلامه إذاً في الدنيا لا في الآخرة أو يعجبك قوله في الحياة الدنيا حلاوة وفصاحة، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الدهشة واللكنة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه. {ويشهد الله على ما في قلبه} أنه موافق لكلامه {وهو ألدّ الخصام} أي: شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وقال الحسن: ألدّ الخصام أي: كاذب بالقول، وقال قتادة: شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل، يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. وفي الحديث: «أن أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم» . {س2ش205/ش210 وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى ا?رْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِا?ثْمِ? فَحَسْبُهُ? جَهَنَّمُ? وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ? وَاللَّهُ رَءُوفُ? بِالْعِبَادِ * يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? ادْخُلُوا? فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَتَتَّبِعُوا? خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ? إِنَّهُ? لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُم مِّن? بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُو?ا? أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * هَلْ يَنظُرُونَ إِ? أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَا??ـ?ِكَةُ وَقُضِىَ ا?مْرُ? وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ ا?مُورُ} {وإذا تولى}
أي: انصرف عنك بعد إلانة القول وحلاوة المنطق {سعى} أي: مشى {في الأرض ليفسد فيها} قال ابن جرير بقطع الرحم وسفك دماء المسلمين {ويهلك الحرث والنسل} وذلك أنّ الأخنس كان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً فأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم، وقيل: وإذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل، وحكى الزجاج عن قوم: أنّ الحرث النساء والنسل الأولاد قال: وهذا ليس بمنكر لأنّ المرأة تسمى حرثاً أي: ويدل له قوله تعالى: {فائتوا حرثكم أنى شئتم} (البقرة، 223) {وا لا يحب الفساد} أي: لا يرضى به؛ لأنّ المحبة وهي ميل القلب محالة في حقه تعالى: فهي مستعملة في حقه تعالى في معنى الرضا. {وإذا قيل له اتق الله} في فعلك {أخذته العزة} أي: حملته الأنفة والحمية على العمل {بالإثم} الذي يؤمر باتقائه {فحسبه} أي: كافيه {جهنم} جزاء وعذاباً، وهي علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار، وسميت بذلك لبعد قعرها، وأصلها من الجهم وهو الكراهة والغلظ فالنون زائدة، وقيل: معرّب نقل من العجمية إلى العربية وتصرف فيه، وأصله كهنام أبدلت الكاف جيماً وأسقطت الألف وقوله تعالى: {ولبئس المهاد} جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف للعلم به تقديره: جهنم، والمهاد الفراش. {ومن الناس من يشري} أي: يبيع {نفسه} أي: يبذلها في الجهاد أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل {ابتغاء مرضاة الله} أي: طلباً لرضاه، وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذبوهم، فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا وكان شرط عليهم راحلة ونفقة فأقام بمكة ما شاء الله، ثم خرج إلى المدينة، فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في رجال فقال له أبو بكر: «ربح بيعك أبا يحيى» فقال: وما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك قرآناً وقرأ عليه هذه الآية، فعلى هذا يكون يشري بمعنى يشتري لا بمعنى يبيع ويبذل. وقيل: نزلت في الزبير والمقداد بن الأسود وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكراً منهم فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة: عشرة ومن جملتهم خبيب فقتلوهم وأسروا خبيباً قال آسره: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، والله وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثوق بالحديد وما بمكة من ثمرة إن كان إلا رزقاً رزقه الله خبيباً، ثم أرادوا قتله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا أن يصلبوه فقال: دعوني أصلي ركعتين فتركوه حتى صلاهما ثم قال: لولا أخشى أن تحسبوا أنّ ما بي من جزع لزدت اللهمّ أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً ثم أنشأ يقول: *ولست أبالي حين أُقْتَل مسلماً ... على أيّ شق كان في الله مصرعي* *وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع* ثم صلبوه حياً فقال: اللهمّ إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي، ثم قام عقبة بن الحارث فقتله فلما بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال: «أيكم ينزل خبيباً عن خشبته
وله الجنة؟» . فقال الزبير: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد، فخرجا يسيران بالليل ويكمنان بالنهار حتى وصلا إليه ليلاً، وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام فأنزله الزبير وحمله على فرسه وسارا فانتبه الكفار فلم يجدوه فأخبروا قريشاً فركب منهم سبعون فلما لحقوهما قذف الزبير خبيباً فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض، ثم رفع الزبير العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد بن الأسود، فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده، فقال: يا محمد إن الملائكة لتتباهى بهذين من أصحابك فنزلت فيهما هذه الآية {وا رؤوف بالعباد} حيث أرشدهم لما فيه رضاه. ونزل في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه: {يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم} أي: الإسلام وقوله تعالى: {كافة} حال من السلم لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، كما قال القائل: *أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع* *في السلم تأخذ منا ما رضيت به ... والحرب تكفيك من أنفاسها جزع* أي ادخلوا في جميع شرائعه، وذلك أنهم يعظمون السبت، ويكرهون لحوم الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأمروا أن يدخلوا في جميع شرائعه. {ولا تتبعوا خطوات} أي: طرق (الشيطان) ، أي تزيينه من تحريم السبت ولحوم الإبل وألبانها. وقرأ نافع وابن كثير والكسائي: السَّلْم بفتح السين، والباقون بكسرها، وتقدم الكلام في خطوات لابن عامر، وقنبل وحفص والكسائي بضم الطاء {إنه لكم عدوّ مبين} ظاهر العداوة. {فإن زللتم} أي: مِلْتم عن الدخول في جميعه {من بعد ما جاءتكم البينات} أي: الحجج الظاهرة أنه حق {فاعلموا أن الله عزيز} لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم {حكيم} في صنعه. تنبيه: قول البيضاوي: حكيم لا ينتقم إلا بحق تبع فيه الزمخشري، وهو مذهب المعتزلة فإنهم يقولون: لا ينتقم إلا بقدر ما يستحقه العاصي، ومذهب أهل السنة أنه ينتقم ويعاقب من شاء بما شاء وإن كان مطيعاً؛ إذ هو متصرّف في ملكه يفعل ما يشاء بمن شاء وإن لم يقع منه الانتقام إلا ممن أساء. وروي أنّ قارئاً قرأ غفور رحيم بدل عزيز حكيم فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه. قوله تعالى: {هل ينظرون} استفهام في معنى النفي أي: ما ينظرون {إلا أن يأتيهم الله} أي: أمره أو بأسه كقوله تعالى: {أو يأتي أمر ربك} (النحل، 33) أي: عذابه وقوله تعالى: {جاءهم بأسنا} (الأنعام، 43) أو {يأتيهم الله ببأسه} (،) فحذف المأتيّ به للدلالة عليه بقوله تعالى: {إن الله عزيز حكيم} . {في ظلل} جمع ظلة وهي ما أظلك {من الغمام} أي: من السحاب الأبيض سمي غماماً لأنه يغم أي: يستر، وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة وهي نزول المطر فإذا جاء منه العذاب كان أفظع؛ لأنّ الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير. {و} تأتيهم {الملائكة} فإنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة ببأسه. قال البغويّ: والأولى في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله تعالى منزه عن
سمات الحوادث وعلى ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة انتهى. وأما أئمة الخلف فإنهم يؤوّلون هذه الآية بنحو ما أوّلنا به وأمثالها، بحسب المقام وهو أحكم، ومذهب السلف أسلم، وكان مكحول ومالك والليث وأحمد يقولون في هذا وأمثاله: أمرّوها كما جاءت بلا كيف. {وقضي الأمر} أي: أمر هلاكهم وفرغ منهم ووضع الماضي موضع المستقبل لدنوّه وتيقن وقوعه {وإلى الله ترجع الأمور} في الآخرة فيجازيهم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضمّ التاء وفتح الجيم وقوله تعالى: {س2ش211/ش214 سَلْ بَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ كَمْءَاتَيْنَاهُم مِّنْءَايَة? بَيِّنَةٍ? وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن? بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا? الْحياةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا? وَالَّذِينَ اتَّقَوْا? فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّ?نَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا? فِيهِ? وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِs الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن? بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَ?ابَيْنَهُمْ? فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا? لِمَا اخْتَلَفُوا? فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ?? وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا? الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا? مِن قَبْلِكُم? مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا? حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَءَامَنُوا? مَعَهُ? مَتَى نَصْرُ اللَّهِ? أَ? إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} {سل} أمر للرسول أو لكل أحد {بني إسرائيل} توبيخاً {كم آتيناهم} كم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتيناهم ومميزها {من آية} أي: معجزة {بينة} أي: ظاهرة في الدلالة على صدق من جاء بها كقلب العصا حية، وإبراء الأكمه والأبرص وفلق البحر وإنزل المنّ والسلوى فبدّلوها كفراً. {ومن يبدّل نعمة الله} أي: ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية التي هي أجل النعم كفراً {من بعدما جاءته} أي: وصلته وتمكن من معرفتها {فإنّ الله شديد العقاب} فيعاقبه أشدّ عقوبة لأنه ارتكب أشدّ جريمة وهي التبديل. {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} أي: حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى، إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، وكل من الشيطان والقوّة الحيوانية، وما خلق الله فيها من الأمور البهيمية والأشياء الشهية مزين بالعرض، واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل: نزلت في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه وكانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد {ويسخرون من الذين آمنوا} أي: يستهزئون بالفقراء من المؤمنين قال ابن عباس: أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيباً وبلالاً وخباباً وأمثالهم، وقال قتادة: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه كانوا يتنعمون في الدنيا، ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم، وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال. {والذين اتقوا} أي: الشرك وهم هؤلاء الفقراء {فوقهم يوم القيامة} لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين، أو حالهم غالبة لحالهم؛ لأنهم في كرامة وهم في هوان أو هم غالبون عليهم متطاولون يضحكون منهم، كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا، ويرون الفضل لهم عليهم، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. روي عن أسامة بن زيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقفت على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين، ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها النساء، وإذا أهل الجدّ محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى النار» . وروي عن سهل سعد الساعدي أنه قال: مرّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» قال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرّ رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول
الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري ـ أي حقيق ـ إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» . {وا يرزق من يشاء} في الدارين {بغير حساب} أي: رزقاً واسعاً بغير تقدير في الدنيا للكافر استدراجاً، كما وسع على قارون، وللمؤمن ابتلاء كما وسع على عبد الرحمن بن عوف، وفي الآخرة للمؤمن خاصة تفضلاً. {كان الناس أمّة واحدة} أي: متفقين على الحق. روي عن أبي العالية عن كعب قال: كان الناس حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ظهره، وأقرّوا بالعبودية أمّة واحدة مسلمين، ولم يكونوا أمّة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم، وقال الكلبي: هم أهل سفينة نوح، كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح، وقال قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح، وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح، وقال مجاهد: أراد آدم وحده كان أمّة واحدة سمي الواحد بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله حوّاء ونشر منهما الناس فكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل وهابيل فاختلفوا. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الناس على عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمّة واحدة كافرين كلهم، فبعث الله، إبراهيم وغيره من النبيين عليهم السلام كما قال تعالى: {فبعث الله النبيين} أي: اختلفوا فبعث الله وإنما حذف لدلالة فيما اختلفوا فيه عليه، وجملة الأنبياء، كما رواه الإمام أحمد مرفوعاً في حديث ورد عن كعب «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر» والمذكور منهم في القرآن باسمه العلم الموضوع له ثمانية وعشرون نبياً، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسمعيل، وإسحق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وموسى، وهرون، وشعيب، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وذو الكفل، وأيوب، ويونس، ومحمد، عليهم أجمعين، وذو القرنين وعزير ولقمان على القول بنبوّة الثلاثة. {مبشرين} من آمن وأطاع بالجنة {ومنذرين} من كفر وعصى بالنار {وأنزل معهم الكتاب} المراد به الجنس فهو بمعنى الكتب لكنه تعالى لم ينزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإنّ أكثرهم لم يكن له كتاب يخصه، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وقوله تعالى: {بالحق} حال من الكتاب أي: متلبساً بالحق شاهداً به {ليحكم بين الناس} أي: الله، أو الكتاب، أو النبيّ المبعوث، ورجح الثاني التفتازاني، وقال: لا بدّ في عوده إلى الله من تكلف في المعنى أي: ليظهر حكمه، وإلى النبيّ من تكلف في اللفظ حيث لم يقل: ليحكموا، ورجح أبو حيان الأوّل، وهو الظاهر قال: والمعنى أنه أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس ونسبة الحكم إلى الكتاب مجاز كما أن إسناد النطق إليه في قوله تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} (الجاثية، 29) كذلك {فيما اختلفوا فيه} من الدين {وما اختلف فيه} أي: الدين {إلا الذين أوتوه} أي: الكتاب المنزل لإزالة الخلاف أي: عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيلاً للاختلاف سبباً لاستحكام الخلاف، فآمن بعض وكفر بعض. {من بعدما جاءتهم البينات} أي: الحجج الظاهرة على التوحيد،
ومن متعلقة باختلف وهي وما بعدها مقدّم على الاستثناء في المعنى {بغياً} من الكافرين {بينهم} حسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} وقوله تعالى: {من الحق} بيان لما اختلفوا فيه أي: فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف {بإذنه} أي: بإرادته قال ابن دريد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، ومنهم من يصلي إلى المقدس، فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود: كان يهودياً وقالت النصارى: كان نصرانياً فهدانا الله للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعله النصارى إلهاً فهدانا الله للحق فيه. {والله يهدي من يشاء} هدايته {إلى صراط مستقيم} هو طريق الحق لا يضل سالكه. {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل} أي: شبه {الذين خلوا من قبلكم} من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال قتادة: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدّة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى، كما قال تعالى: {وبلغت القلوب الحناجر} (الأحزاب، 10) وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتدّ عليهم الأمر؛ لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسرّ قوم النفاق، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطميناً لقلوبهم. وقيل: نزلت في حرب أحد، واختُلف في معنى أم فقال الفرّاء: الميم صلة أي: أحسبتم، وقال الزجاج: هي بمعنى بل أي: بل حسبتم، ولما بمعنى لم أي: ولم يأتكم. وقوله تعالى: {مستهم البأساء} أي: شدّة الفقر {والضرّاء} أي: المرض والجزع، جملة مستأنفة مبينة لما قبلها {وزلزلوا} أي: أزعجوا إزعاجاً شديداً بما أصابهم من الشدائد {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه} لتناهي الشدّة واستطالة المدّة، بحيث تقطعت حبال الصبر {متى} يأتي {نصر الله} الذي وعدناه استطالة لتأخره، فأجيبوا من قبل الله {ألا إنّ نصر الله قريب} إتيانه وفي هذا إشارة إلى أنّ الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات، كما قال عليه الصلاة والسلام كما رواه الشيخان وغيرهما: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» . وفي رواية لهم: حجبت أي: جعلت المكاره حجاباً دون الجنة فمن خرقه دخلها. والشهوات حجاب دون النار فمن اقتحمه دخلها وقرأ نافع يقول: بالرفع على أنها حكاية حال ماضية، وفائدته تصوّر تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها وقرأ الباقون بالنصب. {يسئلونك} يا محمد {ماذا} أي: الذي {ينفقون} ، والسائل كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخاً فانياً ذا مال عظيم، فقال: يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزل: {قل} لهم {ما أنفقتم من خير} أي: مال قليلاً كان أو كثيراً، {فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي: هم أولى به سأل عن المنفق فأجيب: ببيان المصرف؛ لأنه أهمّ فإنّ اعتداد النفقة باعتباره، ولأنه كان في سؤال
عمرو وإن لم يكن مذكوراً في الآية، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه قوله ما أنفقتم من خير {وما تفعلوا من خير} إنفاق وغيره {فإن الله به عليم} فيجازيكم به. تنبيه: ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل؛ لأنّ الزكاة لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد، فالآية محمولة على الإنفاق على من ذكر تطوّعاً أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين والأولاد وأولاد الأولاد، وذلك ليس بمنسوخ. {كتب} أي: فرض {عليكم القتال} للكفار {وهو كره} أي: مكروه {لكم} طبعاً للمشقة {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} وهو جميع ما كلفتم به فإنه الموجب لسعادتكم، فلعل لكم في القتال ـ وإن كرهتموه ـ خيراً؛ لأنّ فيه إمّا الظفر والغنيمة وإمّا الشهادة والأجر {وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرّ لكم} وهو جميع ما نهيتم عنه، فإنّ النفس تحبه وتهواه، وهو يهوي بها إلى الردى، ففي ترك القتال ـ وإن أحببتموه ـ شرّ؛ لأنّ فيه الذل والفقر وحرمان الأجر، وإنما ذكر عسى؛ لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها {وا يعلم} ما هو خير لكم {وأنتم لا تعلمون} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به. {يسئلونك} يا محمد {عن الشهر الحرام} المحرّم، روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة؛ ليترصد عيراً لقريش فيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي، وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها تجارة من تجارة الطائف، وكان ذلك غرّة رجب، وهم يظنونه جمادى الآخرة فقالت قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام الذي يأمن فيه الخائف، ويتفرّق فيه الناس إلى معايشهم، فسفك فيه الدماء، وأخذ الأسارى، وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة وهي أوّل غنيمة في الإسلام» والسائلون هم المشركون، كتبوا إليه تشنيعاً وتعييراً، وقيل: أصحاب السرية قالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة، 5) . وقوله تعالى: {قتال فيه} بدل اشتمال من الشهر {قل} لهم {قتال فيه كبير} أي: عظيم وزر، أو قد تمّ الكلام ههنا، ثم ابتدأ فقال: {وصدّ} فهو مبتدأ أي: منع الناس {عن سبيل الله} أي: دينه {وكفر به} أي: الله {و} صدّ عن {المسجد الحرام} أي: مكة {وإخراج أهله منه} وهم النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وخبر المبتدأ وما عطف عليه {أكبر} أي: أعظم وزراً {عند الله} مما فعلته السرية من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام خطأ، وبناء على الظنّ. ومما تقرّر علم أنّ {والمسجد الحرام} معطوف على سبيل الله وقول البيضاوي: ولا يحسن عطفه على سبيل الله لأنّ عطف قوله تعالى: {وكفر به} على {وصدّ} مانع منه مجاب عنه بأنّ الكفر بالله والصدّ عن سبيله متحدان معنى فكأنه لا فصل بالأجنبيّ بين سبيل الله وما عطف عليه، ويصح أيضاً أن يكون معطوفاً على الهاء من به، إذ يجوز العطف بدون إعادة الجار كما جرى
عليه ابن مالك، وإن كان مذهب البصريين خلافه، وجرى عليه البيضاوي. {والفتنة} أي: الشرك منكم {أكبر من القتل} لكم فيه، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة، ومنعهم المسلمين عن البيت. {ولا يزالون} أي: الكفار {يقاتلونكم} أيها المؤمنون {حتى يردّوكم عن دينكم} إلى الكفر، في ذلك إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم، وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، وحتى للتعليل لا للغاية كما قيل؛ لأنه أفيد من حيث أنّ فيه ذكر الحامل على المقاتلة بخلاف الغاية أي: يقاتلونكم كي يردّوكم وقوله تعالى: {إن استطاعوا} فيه استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت} أي: بطلت {أعمالهم} أي: الصالحة {في الدنيا والآخرة} فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها، والتقييد بالموت يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله كما هو مذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، خلافاً لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، حيث قال: إنّ الردّة تحبط الأعمال مطلقاً لقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} (المائدة، 5) وأجيب: بأنه محمول على المقيد عملاً بالدليل، فلا يجب عليه أن يعيد الحج الذي أتى به قبل الردّة كذا غيره، لكن يبطل ثوابه كما نص عليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه وإن خالف فيه بعض المتأخرين {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} كسائر الكفرة. ولما ظنّ السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر أنزل الله تعالى. أي: فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم {وجاهدوا} المشركين {في سبيل الله} لإعلاء دينه، وكرّر سبحانه وتعالى الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد، وكأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء {أولئك يرجون رحمة الله} أي: ثوابه أثبت لهم الرجاء إشعاراً بأنّ العمل غير موجب، ولا قاطع في الدلالة، سيما والعبرة بالخواتيم {وا غفور} للمؤمنين لما فعلوه خطأ وقلة احتياط {رحيم} بهم بأن يجزل لهم الأجر والثواب. {يسئلونك عن الخمر والميسر} . روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} (النحل، 67) كان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذٍ، ثم إنّ عمر ومعاذاً في نفر من الصحابة قالوا: «أفتنا في الخمر يا رسول الله فإنها مذهبة للعقل» فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون، ثم إنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً، فدعا ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، فحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون، هكذا إلى آخر السورة بحذف لا فأنزل الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (النساء، 403) فحرم السكر في أوقات الصلاة فتركها قوم وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير وقتها، حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر، ثم إنّ عتبان بن مالك صنع طعاماً ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص رضي الله
تعالى عنه، وقد كان شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى اشتدّت فيهم، ثم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار، وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا له الأنصاري فقال عمر: اللهمّ بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل: {إنما الخمر والميسر} إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} (المائدة، 91) فقال عمر رضي الله تعالى عنه: انتهينا يا رب، قال القفال الحكمة في وقوع: التحريم على هذا الترتيب أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيراً، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق، وسمي عصير العنب والتمر إذا اشتدّ وغلا خمراً؛ لأنه يخمر العقل، كما سمي سكراً؛ لأنه يسكره أي: يحجزه وهو حرام مطلقاً. وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتدّ حل شربه ما دون السكر. وسمي القمار ميسراً؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر والمعنى يسئلونك عن تعاطيهما؛ لقوله تعالى: {قل} لهم {فيهما} أي: في تعاطيهما {إثم كبير} أي: عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش، وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة والباقون بالباء الموحدة. {ومنافع للناس} باللذات والفرح، ومصادقة الفتيان، وتشجيع الجبان، وتوفر المروءة، وتقوية الطبيعة في الخمر، وإصابة المال بلا كدّ في الميسر {وإثمهما} أي: ما ينشأ عنهما من المفاسد {أكبر} أي: أعظم {من نفعهما} المتوقع منهما ولذا قيل: إن هذا هو المحرّم للخمر، فإن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل، والظاهر أن المحرم لها آية المائدة كما مرّ. {ويسئلونك} يا محمد {ماذا ينفقون} وذلك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثهم على الصدقة فقالوا: ماذا ننفق؟ فقال الله تعالى {قل} لهم {العفو} » ، قرأ أبو عمرو برفع الواو بتقدير هو والباقون بنصبها بتقدير أنفقوا، واختلفا في معنى العفو وهو نقيض الجهد فقيل: أن ينفق مالاً يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، كما قال الشاعر: *خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب وسَوْرة الغضب: شدّته وحِدَّته، وقال قتادة وعطاء والسدّيّ: هو ما فضل عن الحاجة، وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يكتسبون المال، ويمسكون قدر النفقة، ويتصدّقون بالفضل بحكم هذه الآية، وقال مجاهد معناه التصدّق عن ظهر غنى. روي: «أن رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض الغنائم فقال: خذها مني صدقة، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى كرّر مراراً، فقال: هاتها مغضباً فأخذها، فحذفه بها حذفاً لو أصابه لشجه ثم قال: «يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» قال ابن الأثير: والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قويّ من المال. وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار كما قال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} (الفرقان، 67) {كذلك} كما بين لكم ما ذكر {يبين الله لكم الآيات} قال الزجاج: إنما قال كذلك على
الواحد وهو يخاطب جماعة؛ لأنّ الجماعة معناها القبيل كأنه قيل: كذلك أيها القبيل وقيل: هو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم لأنّ خطابه يشتمل على خطاب الأمّة كقوله تعالى: {يأيها النبيّ إذا طلقتم النساء} (الفرقان، 67) {لعلكم تتفكرون} . {في} زوال {الدنيا} وفنائها فتزهدوا فيها {و} في إقبال {الآخرة} وبقائها فترغبوا فيها {ويسئلونك} يا محمد {عن اليتامى} وقد مرّ أنهم جمع يتيم، وأن اليتيم طفل لا أب له، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزل قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} (الأنعام، 152) وقوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} (النساء، 10) الآية تحرّج المسلمون من أموال اليتامى تحرّجاً شديداً، فإن واكلوهم يأثموا، وإن عزلوا مالهم من مالهم وصنعوا لهم طعاماً وحدهم فحرج، فاشتدّ ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {قل إصلاح لهم} أي: اليتامى في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم معهم {خير} من مجانبتكم. {وإن تخالطوهم} أي: تخلطوا نفقتهم بنفقتكم {فإخوانكم} أي: فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي: فلكم ذلك. وقيل: المراد بالمخالطة المصاهرة، {وا يعلم المفسد} لأموالهم بمخالطته {من المصلح} بها فيجازي كلاً منهما، ففي ذلك وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح. {ولو شاء الله لأعنتكم} أي: لضيق عليكم بتحريم المخالطة وما أباح لكم مخالطتهم، وأصل العنت الشدّة والمشقة، ومعناه: كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم {إنّ الله عزيز} غالب على أمره، يقدر على الإعنات وغيره {حكيم} يحكم بما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة. {س2ش221/ش224 وَتَنكِحُوا? الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ? وَ?مَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ? وَتُنكِحُوا? الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا?? وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ? أُو?لَا?ئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ? وَاللَّهُ يَدْعُو?ا? إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ?? وَيُبَيِّنُءَايَاتِهِ? لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَيَسْـ?َلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ? قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا? النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ? وَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ? فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا? حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ? وَقَدِّمُوا? ?نفُسِكُمْ? وَاتَّقُوا? اللَّهَ وَاعْلَمُو?ا? أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَتَجْعَلُوا? اللَّهَ عُرْضَةً ?يْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا? وَتَتَّقُوا? وَتُصْلِحُوا? بَيْنَ النَّاسِ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} {ولا تنكحوا} أي: لا تتزوّجوا أيها المسلمون {المشركات} أي: الكافرات {حتى يؤمنّ} . روي «أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناساً من المسلمين سرّاً، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها: عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا مرثد ألا تخلو فقال لها: ويحك يا عناق، إنّ الإسلام قد حال بيننا وبينك، فقالت: هل لك أن تتزوّج بي؟ فقال: نعم ولكن أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع إليه قال: يا رسول الله أيحلّ لي أن أتزوّج بها؟ فأنزلت هذه الآية» ، هذا ما أورده الواحدي وغيره، ولكن الذي رواه أبو داود وغيره أنه سبب في نزول آية النور: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} (النور، 3) الآية، والآية وإن كانت شاملة للكتابيات، لكنها مخصوصة بغيرهنّ بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} (المائدة، 45) وقد تزوّج عثمان بنصرانية فأسلمت وتزوّج حذيفة بيهودية، وطلحة بن عبيد الله بنصرانية. فإن قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو الحسن بن فارس: لأنه يقول: القرآن كلام غير الله، ومن يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غير الله انتهى. وقال تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} إلى قوله: {سبحانه عما يشركون} (التوبة، 31) . {ولأمة مؤمنة خير من} أي: من حرّة {مشركة ولو أعجبتكم} لجمالها ومالها، نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك، فأعتقها وتزوّج بها. وقال السديّ: نزلت في عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها، وتزوّج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة وعرضوا عليه
حرة مشركة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} أي: ولا تزوّجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا، وهذا على عمومه بإجماع {ولعبد مؤمن خير من} أي: حرّ {مشرك ولو أعجبكم} لماله وجماله وقيل: المراد بالأمة والعبد المرأة والرجل، حرّين كانا أو رقيقين؛ لأنّ الناس عبيد الله وإماؤه {أولئك} أي: أهل الشرك {يدعون إلى النار} أي: إلى الكفر المؤدّي إلى النار، فلا تليق مصاهرتهم وموالاتهم {وا يدعو} أي: أولياءه المؤمنون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، تفخيماً لشأنهم، أو يدعو على لسان رسله، وهذا كما قال أبو حيان: أبلغ في التباعد من المشركين إجراءً للفظ على ظاهره، والأوّل ذكر لطلب المعادلة بين المشركين والمؤمنين {إلى الجنة والمغفرة} أي: العمل الصالح الموصل إليها، فهم الأحقاء بالمواصلة {بإذنه} أي: بأمر الله ورضاه على التفسير الأول، أو بقضائه وإرادته على التفسير الثاني فتجب إجابته بتزويج أوليائه {ويبين} أي: الله {آياته للناس لعلهم يتذكرون} أي: لكي يتذكروا فيتعظوا.F {ويسئلونك} يا محمد {عن المحيض} أي: الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء فيه. روي أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيض ولم يؤاكلوهنّ كفعل اليهود، فإنّ اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، واستمرّ ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح في نفر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الله تعالى: {قل} لهم {هو} أي: الحيض أو مكانه {أذى} قذر أو محله قذر. فإن قيل: لماذا ذكر الله تعالى يسئلونك بغير واو ثلاثاً ثم بها ثلاثاً؟ أجيب: بأنّ السؤالات الأول كانت في أوقات متفرّقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد، فلذلك ذكرها بحرف الجمع، وهو واو العطف، وهي الجمع في الحكم لا الزمان، واعترض هذا الجواب بأنه كان يجب على هذا أن تدخل الواو على اثنين من الثلاثة الأخيرة؛ لأنّ العطف يكون في الثانية والثالثة منها، وأجيب: بأنهم لما سألوا عما كانوا ينفقون، فأجيبوا بمصرف النفقة أعادوا سؤالهم بالواو ما ينفقون، فأجيبوا: بالعفو، ولما كان السؤال الثاني عن مخالطة اليتامى في النفقة، وهو مناسب لما قبله عطف بالواو، ولما كان الثالث سؤالاً عن اعتزال الحيض كما تعتزل اليتامى فناسب ما قبله في الاعتزال عطف بالواو، ولا كذلك الثلاثة الأول؛ إذ لا تعلق بينها. {فاعتزلوا النساء} أي: اتركوا وطأهنّ {في المحيض} أي: وقته أو مكانه؛ لأنّ ذلك هو الاقتصاد بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض، وما استدلّ به البيضاوي من قوله صلى الله عليه وسلم «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم نأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم» قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره بهذا اللفظ في بعض التفاسير لغيره. وقوله تعالى: {ولا تقربوهنّ} أي: بالجماع {حتى يطهرن} تأكيد للحكم وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع، ويدل عليه صريحاً قراءة شعبة وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء أي: يتطهرن بمعنى يغتسلن والباقون بسكون الطاء وضمّ الهاء مخففة والتزاماً. قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهنّ} أي: للجماع فإنه يقتضي تأخر جواز الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: إن طهرت لأكثر الحيض وهو
عنده عشرة أيام جاز قربانها قبل الغسل. {من حيث أمركم الله} بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدّوه إلى غيره. أمّا الملامسة فيما عدا ما بين السرّة والركبة والمضاجعة معها قبل الغسل، ولو قبل إنقطاع الحيض فجائز، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان يأمرني صلى الله عليه وسلم فأتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض» . وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «حضت وأنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الخميلة فانسلت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضتي، فلبستها فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة» {إن الله يحب} أي: يثيب ويكرم {التوّابين} من الذنوب {ويحب المتطهرين} أي: المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان في غير القبل. {نساؤكم حرث لكم} أي: مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات {فأتوا حرثكم} أي: محله وهو القبل {أنى} أي: كيف {شئتم} من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار. وروى الشيخان أنّ اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها أي: خلفها في قبلها جاء ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. {وقدّموا لأنفسكم} من الأعمال الصالحة، كالتسمية عند الجماع وطلب الولد أي: ما يدخر لكم من الثواب {واتقوا الله} في أمره ونهيه {واعلموا أنكم ملاقوه} بالبعث، فتزوّدوا ما لا تُفْتَضَحون به فإنه يجازيكم بأعمالكم {وبشر المؤمنين} بالكرامة والنعيم الدائم، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم. وقوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لإيمانكم} نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه، لما حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك لافترائه على عائشة رضي الله تعالى عنها، أو في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلم ختنه أي: زوج أخته بشير بن النعمان، ولا يصلح بينه وبين أخت. فالعرضة كل ما يعرض فيمنع عن الشيء أي: لا تجعلوا الحلف سبباً مانعاً لكم من البرّ والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو برّ فيقول: حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البرّ كما قال تعالى: {أن تبرّوا} أي: مخالفة أن لا تبرّوا، فهو في موضع نصب مفعول من أجله. وعند الكوفيين لئلا تبرّوا كقوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} (النساء، 176) أي: لئلا تضلوا، وقال أبو إسحق في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف أي: أن تبرّوا وتتقوا خير لكم وقيل: التقدير في أن تبرّوا، فلما حذف حرف الجرّ نصب، وقيل: هو في موضع جرّ بالحرف المحذوف. {وتتقوا وتصلحوا بين الناس} فتكره اليمين على ذلك، ويسنّ فيه الحنث ويُكَفّر، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف بيمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير» بخلافها على فعل البرّ ونحوه فهي طاعة {وا سميع} لأقوالكم {عليم} بأحوالكم. {في أيمانكم} واللغو: كل مطروح من الكلام لا يعتدّ به. واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكور في الآية، فقال قوم: هو ما سبق إلى اللسان على عجلة، لصلة كلام من غير عقد ولا قصد، كقول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: لغو اليمين كقول الإنسان:
لا والله، وبلى والله، ورفعه بعضهم، وبهذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال قوم: هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم يتبين أنه خلاف ذلك وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه كقول الإنسان: أعمى الله بصري إذا لم أفعل كذا، وكذا فهذا لغو لا يؤاخذ الله به، قال تعالى: {ويدعو الإنسان بالشرّ دعاءه بالخير} (الإسراء، 11) وقال تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشرّ استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم} (يونس، 11) . {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي: قصدته من الإيمان إذا حنثتم {وا غفور} حيث لم يؤاخذكم باللغو {حليم} حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجدّ تربصاً للتوبة. تنبيه: اليمين لا ينعقد إلا بالله العظيم، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، فاليمين بالله كأن يقول: والذي أعبده والذي نفسي بيده وبأسمائه، كأن يقول: والله والرحمن وبصفاته، كأن يقول: وعزة الله، وعظمة الله وجلال الله فإذا حلف بشيء من ذلك على أمر مستقبل، ثم حنث وجبت عليه الكفارة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في سورة المائدة، وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن، وهو عالم به حالة ما حلف فهي اليمين الغموس، وهي من الكبائر ويجب بها الكفارة، كما قاله الشافعيّ رضي الله تعالى عنه. وقال بعض العلماء: لا كفارة فيها كأكثر الكبائر. وأما الحلف بغير ما ذكر كالحلف بالكعبة وبيت الله ونبيّ الله أو بأبيه ونحوه فلا يكون يميناً ولا تجب به الكفارة إذا حنث وهو يمين مكروه. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر وهو يسير في ركب، وهو يحلف باسمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» . {للذين يؤلون من نسائهم} أي: يحلفون أن لا يجامعوهنّ، والإيلاء: الحلف، وتعديته بعلى، ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن، قال قتادة: كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية كان الرجل لا يحب المرأة ولا يريد أن يتزوّجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبداً، فيتركها أبداً لا أيماً، ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله لهم أجلاً في الإسلام كما قال تعالى: {تربص} أي: انتظار {أربعة أشهر} أي: للمولى حق التثبت في هذه المدّة فلا يطالب بفيئة ولا طلاق، ولذا قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، ويؤيده {فإن فاؤا} أي: رجعوا في المدّة أو بعدها عن اليمين إلى الوطء؛ لأنّ الفيئة وعزم الطلاق مشروعان عقب الإيلاء وحصول التربص، فلا بدّ أن يكون مدخول الفاء واقعاً بعدهما {فإنّ الله غفور} لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف {رحيم} بهم. {وإن عزموا الطلاق} أي: صَمّموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه، {فإنّ الله سميع} لقولهم {عليم} بعزمهم أي: ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها؛ لأنه شرط فيه العزم وقال: فإنّ الله سميع فدل على أنه يقتضي مسموعاً. والقول: هو الذي يسمع وقال بعض العلماء: إذا مضت أربعة أشهر يقع عليه طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وأصحاب الرأي، وقال سعيد بن المسيب والزهري: يقع عليه طلقة واحدة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً، بل حالفاً، إذا وطئها قبل مضي تلك المدّة وجبت عليه كفارة يمين إن كان الحلف بالله، ولا يختص الإيلاء بالحلف
بالله تعالى، فلو قال لزوجته: إن وطئتك فعبدي حر، أو ضرّتك طالق، أو لله عليّ عتق رقبة أو صوم أو صلاة، فهو مولٍ، لأنّ المولى من يلزمه أمر يمتنع بسببه من الوطء. {والمطلقات يتربصن} ينتظرن {بأنفسهن} عن النكاح {ثلاثة قروء} تمضي من حين الطلاق جمع قرء بفتح القاف وضمها، وهو يطلق للحيض لقوله عليه الصلاة والسلام كما رواه أبو داود وغيره: «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، وللطهر الفاصل بين حيضتين وهو المراد في الآية؛ لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض، كما قال به بعض العلماء، لقوله تعالى: {فطلقوهنّ لعدّتهنّ} أي: وقت عدّتهنّ والطلاق المشروع لا يكون في الحيض، وأمّا ما رواه أبو داود والترمذيّ وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم «طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان» فلا يقاوم ما رواه البخاريّ في قصة ابن عمر «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» أي: بقوله تعالى: {فطلقوهنّ لعدّتهن} . فإن قيل: ما معنى ذكر الأنفس فهلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء؟ أجيب: بأنّ في ذكر الأنفس تهييجاً لهنّ على التربص، وزيادة بعث؛ لأنّ فيه ما يستنكفن منه، فيحملهنّ على أن يتربصن، وذلك أنّ نفس النساء طوامح أي: نواظر إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهنّ ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص، وكان القياس في جمع قرء أن يذكر بصيغة القلة، التي هي الإقراء، ولكنهم يتوسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر، ألا ترى إلى قوله: بأنفسهنّ وما هي إلا نفوس كثيرة. قال البيضاويّ: ولعلّ الحكم لما عمّ المطلقات ذوات الإقراء تضمن معنى الكثرة، فحسن بناء الكثرة ووجوب ذلك في المدخول بهنّ، أمّا غيرهنّ فلا عدّة لهنّ لقوله تعالى: {وإن طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها} (الأحزاب، 49) وفي غير الآيسة والصغيرة فعدّتهنّ ثلاثة أشهر، والحوامل فعدّتهنّ أن يضعن حملهنّ كما في سورة الطلاق: والإماء فعدّتهنّ قرآن بالسنة. {ولا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ} من الولد إن كانت حاملاً ومن الحيض إن كانت حائضاً {إن كنّ يؤمن با واليوم الآخر} قال البيضاويّ: ليس المراد تقييد نفي الحل بإيمانهنّ، بل التنبيه على أنه ينافي الإيمان أي: كماله، وأن المؤمن لا يجترىء عليه ولا ينبغي له أن يفعل {وبعولتهنّ} أي: أزواج المطلقات، والبعولة جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كالعمومة والخؤولة ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك: بعل حسن البعولة نعت به مبالغة كما في رجل عدل أو أقيم مقام المضاف المحذوف أي: وأهل بعولتهنّ {أحق بردّهنّ} أي: بمراجعتهنّ {في ذلك} أي: في زمن التربص. فإن قيل: كيف جعلوا أحق بالرجعة فكان للنساء حقاً فيها؟ أجيب: بأن أفعل ههنا بمعنى الفاعل فإنّ غير البعل لا حق له في الردّ فكأنه قيل: وبعولتهنّ حقيقون بردّهنّ. وقيل: إنه على بابه للتفضيل أي: أحق منهنّ بأنفسهنّ لو أبين الرد، أو من آبائهنّ، وسمي الزوج بعلاً لقيامه بأمر زوجته وأصل البعل السيد والمالك. {إن أرادوا} أي: البعولة {إصلاحاً} بالرجعة، لإضرار المرأة وليس المراد من هذا اشتراط قصد الإصلاح للرجعة
{ولهنّ} على الأزواج {مثل الذي} لهم {عليهنّ} من الحقوق {بالمعروف} شرعاً من حسن العشرة وترك الضرر ونحو ذلك. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في معنى ذلك: إني أحب أن أتزين لامرأتي، كما تحب أن تتزيّن لي لهذه الآية، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهن خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم» . فإن قيل: ما المراد بالمماثلة؟ أجيب: بأنّ المراد أنّ لهنّ حقوقاً على الرجال مثل حقوقهم عليهنّ في الوجوب، واستحقاق المطالبة عليها لا في الجنس إذ ليس الواجب على كلّ منهما من جنس ما وجب على الآخر، فلو غسلت ثيابه أو خبزت له لم يلزمه أن يفعل مثل ذلك، ولكن يقابلها بما يليق بالرجال {وللرجال. عليهنّ درجة} أي: فضيلة في الحق؛ لأنّ المرأة تنال من الرجل من اللذة مثل ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وانفاقه في مصالحها؛ ولأن حقوقهم في أنفسهنّ بالوطء والتمتع، وحقوقهنّ المهر والكفاف وترك الضرار، وقيل بصلاحيته للإمامة والقضاء والشهادة، وقيل: بالجهاد، وقيل: بالميراث وقيل: بالدية، وقيل: بالعقل {وا عزيز} في ملكه قادر على الانتقام ممن خالف الأحكام {حكيم} فيما دبره لخلقه يشرعها لحكم ومصالح. {الطلاق} أي: التطليق كالسلام بمعنى التسليم أي: الذي يراجع به {مرّتان} أي: اثنتان. روي عن عروة بن الزبير قال: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، كان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء عدّتها راجعها، ثم طلقها كذلك ثم راجعها بصد مضارتها، فنزلت هذه الآية. وروى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أين الثالثة؟ فقال صلى الله عليه وسلم «أو تسريح بإحسان» {فإمساك} أي: فعليكم إمساكهنّ إذا راجعتموهنّ بعد الطلقة الثانية {بمعروف} وهو كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة {أو تسريح بإحسان} بالطلقة الثالثة، أو بأن لا يراجعها حتى تبين منه. تنبيه: اختلف العلماء فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقاً، فذهب الأكثر ومنهم الشافعيّ رضي الله تعالى عنه إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحرّ يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات، والعبد لا يملك على زوجته الحرّة إلا طلقتين وذهب الأقلّ ومنهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق كالعدّة، فيملك العبد على زوجته الحرّة ثلاث طلقات ولا يملك الحرّ على زوجته الأمة إلا طلقتين. {ولا يحلّ لكم} أيها الأزواج {أن تأخذوا مما آتيتموهنّ} من المهور {شيئاً} إذا طلقتموهنّ. روي أنها نزلت في جميلة أخت عبد الله بن أبيّ ابن سلول، كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فشكته إلى أبيها فقال: ارجعي إلى زوجك، فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها، فلما رأت أباها لم يشكها رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل خلفه فجاءه، فقال له: «مالك ولأهلك؟» قال: والذي بعثك بالحق نبياً ما على وجه الأرض أحبّ إليّ منها غيرك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تقولين؟» فقالت: هو مني أكرم الناس حباً لزوجته ولكن، لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي، ورأسه شيء والله لا أعيبه في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضاً أي: أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر بغضاً فيه، ويحتمل أن تريد كفران العشرة ـ إني رفعت
جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً، فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة فقل لها فلتردّها عليّ وأخلي سبيلها، فقال لها: «تردّين عليه حديقته وتملكين أمرك؟» قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها» ففعل. وفي رواية: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» . {إلا أن يخافا} أي: الزوجان {أن لا يقيما حدود الله} أي: لا يأتيا بما حدّه لهما من الحقوق، وقرأ حمزة يخافا بضمّ الياء بالبناء للمفعول، فإن مع صلتها بدل اشتمال من الضمير في يخافا والباقون بفتحها بالبناء للفاعل {فإن خفتم} أيها الأئمة والحكام {أن لا يقيما حدود الله} أي: ما حدّه من الأحكام {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} نفسها من المال ليطلقها أي: لا حرج على الزوج في أخذه، ولا على الزوجة في بذله، وهذا هو الأصل، وإلا فيجاز على عوض وإن لم يخافا. تنبيه: علم مما تقرّر: أنّ الخطاب في الأوّل للزوجين، وثانيها للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً} لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون. {تلك} أي: الأحكام المذكورة {حدود الله} وهي ما منع الشرع من المجاوزة عنه {فلا تعتدوها} أي: فلا تتعدّوها بالمخالفة وقوله تعالى: {ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون} تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد. تنبيه: ظاهر الآية يدلّ على أنّ الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلاً عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه البيهقيّ: «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس ـ أي: ضرر فحرام عليها رائحة الجنة» . وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لجميلة: «أتردّين عليه حديقته؟ فقالت: أردّها وأزيد عليها، فقال عليه الصلاة والسلام: أمّا الزائد فلا» فالجمهور استكرهوا الخلع، ولكن نفذوه فإنّ المنع عن العقد لا يدل على فساده وإنه يصح بلفظ المفاداة فإنه سماه افتداء. {فإن طلقها} أي: الزوج الثنتين {فلا تحل له من بعد} أي: بعد الطلقة الثالثة {حتى تنكح} أي: تتزوّج {زوجاً غيره} أي: المطلق والنكاح يتناول العقد والوطء، وتعلق بظاهر الآية من اقتصر على العقد كابن المسيب، والجمهور على أنه لا بدّ من الإصابة، لما روى الشيخان «أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ رفاعة طلقني وإنّ عبد الرحمن بن الزَّبِير ـ أي: بفتح الزاي وكسر الباء ـ تزوّجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ، فالآية مطلقة قيدتها السنة، ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة، ويكون العقد مستفاداً من لفظ الزوج، والعسيلة مجاز عن قليل الجماع، إذ يكفي قليل انتشار، شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت ولحقتها الهاء؛ لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري. وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إنّ زوجي قد مسني فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم «كذبت في قولك الأوّل فلن أصدقك في الآخر» فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر فقالت: يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأوّل
فإنّ زوجي الآخر مسني وطلقني فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته، وقال لك ما قال، فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر أتت عمر، وقالت له مثل ذلك فقال لها عمر: لئن رجعت إليه لأرجمنك» . والحكمة في التحلل الردع عن المسارعة إلى الطلاق، والعود إلى المطلقة ثلاثاً والرغبة فيها، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر، وجوّزه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه مع الكراهة، وقد «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له» رواه الترمذيّ والنسائيّ وصححه. وعن عمر رضي الله تعالى عنه: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. تنبيه: شملت الآية الكريمة: ما إذا طلق الزوج زوجته الأمة ثلاثاً ثم ملكها، فإنه لا يحلّ له أن يطأها بملك اليمين، حتى تنكح زوجاً غيره {فإن طلقها} الزوج الثاني بعدما أصابها {فلا جناح عليهما} أي: المرأة والزوج الأوّل {أن يتراجعا} إلى النكاح بعقد جديد بعد انقضاء العدّة {إن ظنا} أي: إن كان في ظنهما {أن يقيما حدود الله} أي: ما حدّه الله وشرعه من حقوق الزوجية، هذا هو الأصل، وإلا فهو ليس بشرط للجواز ولم يقل إن علما أنهما يقيمان؛ لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. قال في «الكشاف» ومن فسر الظنّ هنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى؛ لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن علمت أنه يقوم؛ ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظنّ ظناً {وتلك} أي: الأحكام المذكورة {حدود الله بينها لقوم يعلمون} أي: يتدبرون ما أمرهم الله تعالى به ويفهمونه، ويعلمونه بمقتضى العلم. {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ} أي: قاربن انقضاء عدّتهن ولم يرد انقضاء العدّة حقيقة؛ لأنّ العدّة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ ههنا بلوغ مقاربة. وفي قوله تعالى بعد ذلك: {فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهنّ} حقيقة انقضاء العدّة والبلوغ يتناول المعنيين، يقال: بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها {فأمسكوهنّ} بأن تراجعوهنّ {بمعروف} من غير ضرار، وقيل: بأن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء {أو سرّحوهنّ بمعروف} أي: اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ، فيكنّ أملك بأنفسهنّ {ولا تمسكوهنّ} بالرجعة وقوله تعالى: {ضراراً} مفعول له {لتعتدوا} أي: لا تقصدوا بالمراجعة المضارة بتطويل الحبس. نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدّتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها، {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي: أضرّ بها بتعريضها إلى عذاب الله، وقرأ أبو الحارث الليث بإدغام اللام من يفعل في الذال حيث جاء والباقون بالإظهار {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} أي: مهزؤاً بها بمخالفتها؛ لأنّ كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزواً، وقيل: كان الرجل يتزوّج ويطلق ويعتق ويقول: كنت ألعب فنزلت. وروي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث جدّهنّ جدّ: وهزلهنّ جدّ الطلاق والنكاح والرجعة» {واذكروا نعمت الله عليكم} التي من جملتها الإسلام والإيمان وبعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم {وما أنزل عليكم من الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: السنة، أفردهما بالذكر إظهاراً لشرفهما وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقوقها {يعظكم به} أي: بما أنزل عليكم ليدعوكم به إلى دينه {واتقوا الله واعلموا أنّ الله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه شيء ففي ذلك تأكيد وتهديد.
{وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ} أي: انقضت عدّتهنّ {فلا تعضلوهنّ} أي: تمتعوهنّ من {أن ينكحن أزواجهنّ} أي: المطلقين لهنّ. وعن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه دل سياق الكلامين أي: وهما أمسكوهنّ إلخ.. و «فلا تعضلوهنّ» على افتراق البلوغين، فالمراد بالأوّل المقاربة، وبالثاني الوصول كما تقرّر، والعضل الحبس والتضييق، ومن العضل بهذا المعنى عضلت الدجاجة إذا علقت بيضتها فلم تخرج. فائدة: رسمت التاء في نعمت بالتاء المجرورة، ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ بالهاء، ويميلها الكسائيّ في الوقف، ووقف الباقون بالتاء على الرسم والمخاطب بذلك الأولياء لما روي أنه نزلت في معقل بن يسار، حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل، ففي الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ، وقبل الخطاب للأولياء والأزواج، وقيل: للناس كلهم أي: لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر، فإنه إن وجد بينهم وهم راضون به كانوا كالفاعلين. له وقوله تعالى: {إذا تراضوا بينهم} أي: الأزواج والنساء ظرف؛ لأن ينكحن أو لا تعضلوهنّ وقوله تعالى: {بالمعروف} أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال حال من ضمير تراضوا، أو صفة مصدر محذوف أي: تراضياً كائناً بالمعروف وفيه دلالة على أنّ العضل عن التزوج من غير كف غير منهي عنه {ذلك} أي: النهي عن العضل {يوعظ به من كان منكم يؤمن با واليوم الآخر} لأنه المتعظ أو المنتفع به. فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: {ذلك يوعظ به} ؟ أجيب: بأنه يجوز أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد كما في قوله تعالى: {يأيها النبيّ إذا طلقتم النساء} (الطلاق، 1) ونحوه {ذلكم} أي: ترك العضل {أزكى} أي: أنفع {لكم وأطهر} لكم ولهنّ من دنس الآثام لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما {وا يعلم} ما فيه المصلحة {وأنتم لا تعلمون} ذلك لقصور علمكم، وقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهنّ} خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ} وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهنّ الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد، لقوله تعالى في سورة الطلاق: {فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ} فإن رغبت الأمّ في الإرضاع فهي أولى من غيرها، أمّا إذا لم يوجد من يرضعه فيجب عليها إرضاعه، والوالدات يعمّ المطلقات وغيرهنّ وقيل: يختص بالمطلقات إذ الكلام فيهنّ {حولين} أي: عامين {كاملين} صفة مؤكدة كما في قوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} (البقرة، 196) لأنّ العرب قد تسمي بعض الحول حولاً، وبعض الشهر شهراً، كما قال الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} (البقرة، 197) وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} (البقرة، 203) وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم. وقال قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال: {لمن أرد أن يتم الرضاعة} أي: هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك حدّ محدود، إنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به. {وعلى المولود له} أي: الوالد {رزقهنّ} أي: إطعام الوالدات {وكسوتهنّ} أجرة لهنّ على الإرضاع إذا كنّ مطلقات، واختلف في استئجار الأم للإرضاع فجوّزه الشافعيّ ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدّة نكاح.
فإن قيل: لِمَ قال تعالى: {المولود له} دون الوالد؟ أجيب: بأنه تعالى إنما ذكر ذلك ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأنّ الأولاد للآباء ولذلك ينتسبون إليهم لا إلى الأمّهات. وأنشد للمأمون بن الرشيد: *فإنما أمّهات الناس أرعية ... مستودعات وللآباء أبناء* فكان عليهم أن يرزقوهنّ ويكسوهنّ إذا أرضعن ولدهم ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى: {واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً} (لقمان، 33) وقوله تعالى: {بالمعروف} يفسره ما يعقبه وهو قوله تعالى: {لا تكلف نفس إلا وسعها} أي: طاقتها فلا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه {لا تضارّ والدة بولدها} أي: بسببه، بأن تكره على إرضاعه أو تكلف فوق طاقتها {ولا} يضار {مولود له بولده} أي: بسببه، بأن يكلف فوق طاقته، وإضافة الولد إلى كلّ منهما للاستعطاف، وللتنبيه على أنّ الولد حقيق بأن يتفقا على استصلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو تضار بضمّ الراء بدل من قوله: لا تكلف والباقون بفتحها {وعلى الوارث} أي: وارث الأب، وهو الولد أي: على الوليّ في مال الولد {مثل ذلك} أي: الذي كان على الأب للوالدة من الرزق والكسوة، وقيل: هو وارث الولد الذي لو مات الولد لورثه، وقيل: الباقي من الأبوين أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم «اللهمّ متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث ـ أي: الباقي ـ منا» والمعنى واجعل كل منهما في لزومه لنا مدّة الحياة كأنه باق بعد الموت {فإن أرادا} أي: الوالدان {فصالاً} أي: فطاماً له صادر {عن تراض} أي: اتفاق {منهما وتشاور} بينهما فتظهر مصلحة الولد فيه {فلا جناح عليهما} في ذلك، زاد على الحولين أو نقص، وهذه توسعة بعد التحديد، وإنما اعتبر تراضيهما مراعاة لصلاح الولد، حذراً أن يقدم أحدهما على ما يضرّ به لغرض أو غيره {وإن أردتم} خطاب للأولياء {أن تسترضعوا} مراضع غير الوالدات {أولادكم} يقال: أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه، فحذف المفعول الأوّل للاستغناء عنه كما يقال: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته وكذلك حكم كل مفعولين يكون أحدهما عبارة عن الأوّل، هذا ما جرى عليه الزمخشريّ، من أن استرضع يتعدّى لمفعولين بنفسه، والجمهور على أنه إنما يتعدّى إلى الثاني بحرف الجرّ، وتقديره هنا لأولادكم {فلا جناح عليكم} في ذلك {إذا سلمتم} إليهن {ما آتيتم} أي: أردتم إيتاءه لهن من الأجرة، كقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (المائدة، 6) وإنما قدّر ذلك؛ لأنّ ما تحقق إيتاؤه لا يتصوّر تسليمه في المستقبل، وقوله تعالى: {بالمعروف} صلة سلمتم أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى والأصلح للطفل. وقرأ ابن كثير بقصر همزة أتيتم، من أتى إليه إحساناً إذا فعله ومنه قوله تعالى: {إنه كان وعده مأتياً} (مريم، 61) أي: مفعولاً والباقون بالمد وهم على مراتبهم، وقوله تعالى: {واتقوا الله} مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع ثم حثهم على ذلك وهدّدهم بقوله تعالى: {واعلموا أنّ الله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه شيء منه. { والذين يُتوفَّون} أي: يموتون {منكم ويذرون} أي: يتركون {أزواجاً يتربصن}
أي: ينتظرن {بأنفسهنّ} وهو خبر بمعنى الأمر، وهو أمر إيجاب أي: يجب عليهن أن يتربصن بعدهم عن النكاح {أربعة أشهر وعشراً} أي: عشرة أيام وكان القياس تذكير العدد بأن يؤتى فيه بالثاء ولكن لما حذف المعدود جاز فيه ذلك كما في قوله تعالى: {إن لبثتم إلا عشراً} (طه، 103) ثم {إن لبثتم إلا يوماً} (طه، 104) لأنّ قوله في سورة طه: {إن لبثتم إلا يوماً} بعد قوله: {إن لبثتم إلا عشراً} يدل على أنّ المراد بالعشر الأيام وإن ذكر بما يدل على الليالي، لأنهم اختلفوا في مدّة اللبث، فقال بعضهم: عشر وبعضهم يوم فدل على أنّ المقابل باليوم إنما هو أيام الليالي، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم «من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوّال» . قال البيضاويّ: ولعلّ المقتضي لهذا التقدير أي: بهذه المدّة أنّ الجنين في غالب الأمر يتحرّك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً، ولأربعة إن كان أنثى، فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشر استظهاراً، إذ ربما تضعف حركته في المبادي، فلا يحسن بها أي بالحركة اه. وهذا في غير الحوامل أمّا هن فعدّتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق، وفي غير الإماء فإنهن على النصف من ذلك بالسنة. وعن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنّ الحامل تعتدّ بأقصى الأجلين احتياطاً. وحكي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفِّى؟ بكسر الفاء فقال الله: وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله تعالى عنه على أن أمره أن يضع كتاباً في النحو، لكن يجوز الكسر على معنى أنه مستوف أجله، ويدل له قوله تعالى: {والذين يتوفون} بفتح الياء على قراءة شاذة نقلت عن علي، أي: يستوفون آجالهم. {فإذا بلغن أجلهن} أي: انقضت عدّتهن {فلا جناح} أي: لا حرج {عليكم} أيها الأولياء {فيما فعلن في أنفسهن} أي: من التعرّض للخطاب وسائر ما حرم عليهن للعدّة دون العقد، فإنّ العقد إلى الولي وقيل: المخاطب بذلك الأئمة أو المسلمون جميعاً. {بالمعروف} أي: بالوجه الذي لا ينكره الشرع ومفهومه أنهن لو فعلن ما ينكر فعلى المخاطب أن يكفهن، فإن قصر فعليه الجناح {وا بما تعملون خبير} عالم بباطنه كظاهره فيجازيكم عليه. {ولا جناح} أي: لا حرج {عليكم فيما عرضتم به} والتعريض في الكلام ما يفهم منه السامع مراده بما لم يوضع له حقية ولا مجازاً كقول السائل: جئتك لأسلّم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا: *وجئتك بالتسليم مني تقاضيا* ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده، والفرق بينه وبين الكناية أنّ الكناية: هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه كقولك: طويل النَّجاد للطويل، وهو بكسر النون حمائل السيف، وكثير الرماد للمضياف {من خطبة النساء} المعتدات للموفاة، والخطبة بالضم والكسر اسم الهيئة، غير أنّ المضمومة خصت بالموعظة، والمكسورة بطلب المرأة للنكاح والتعريض بالخطبة مباح في عدّة الوفاة، وهو أن يقول: رب راغب فيك من يجد مثلك، إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لعليّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنّ من غرضي أن أتزوّج، وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبتني، ولأن تزوّجتك لأحسنن إليك، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، من غير أن يصرح بالنكاح فلا يقول: انكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه. روى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته قالت: دخل عليّ أبو جعفر محمد بن علي، وأنا في عدّتي
فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدّي عليّ وقدمي في الإسلام، فقلت: قد غفر الله لك أتخطبني في عدّتي، وأنت يؤخذ عنك، فقال: أوقد فعلت إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، «قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمّ سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله تعالى وهو متحامل على يديه حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة» . وأمّا عدّة الفرقة في الحياة فيحل لغير صاحب العدّة التعريض في غير رجعية، لعدم سلطنة الزوج عليها. أمّا التصريح فحرام إجماعاً وأما الرجعية فلا يحل التعريض لها؛ لأنها في حكم الزوجة أما صاحب العدّة فيحل له التعريض والتصريح إن حل له نكاحها، وإلا فلا. {أوأكننتم} أي: أضمرتم {في أنفسكم} من نكاحهنّ، فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً، قال السّدّي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء، ولا يتكلم بشيء {علم الله أنكم ستذكرونهنّ} بالخطبة ولا تصبرون عنهنّ فأباح لكم التعريض وفيه نوع توبيخ {ولكن لا تواعدوهنّ سراً} أي: نكاحاً فالسر كناية عن النكاح الذي هو الوطء؛ لأنه مما يسر قال الأعشى: *ولا تقربنّ جارة إنّ سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا* وقال امرىء القيس: *ألا زعمت ساسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي* ثم عبر بالسر الذي هو كناية عن الوطء عن عقد النكاح؛ لأنّ العقد سبب في الوطء وقيل: هو الزنا، كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزينة، وهو يعرض بالنكاح ويقول لها: دعيني فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك قاله الحسن. وقيل: هو أن يصف نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحو ذلك. فإن قيل: أين المستدرك بقوله: ولكن لا تواعدوهنّ سراً؟ أجيب: بأنه محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهنّ سراً. {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} أي: ما عرف شرعاً من التعريض فلكم ذلك، فإن قيل: أين المستثنى منه؟ أجيب: بأنه محذوف أي: لا تواعدوهنّ مواعدة إلا مواعدة معروفة غير منكرة، أو إلا مواعدة بقول معروف. قال في «الكشاف» : ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعاً من «سراً» لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهنّ إلا التعريض، وقال البيضاوي: وقيل: إنه استثناء منقطع من سراً وهو ضعيف لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو ـ أي: التعريض ـ غير موعود أي: بل منجز سراً أي: في السر على أن المواعدة في السر عبارة عن المواعدة بما يستقبح لأنّ مسارتهنّ في الغالب مما يستحيا من المجاهرة به. {ولا تعزموا عقدة النكاح} أي: على عقده، وفي ذلك مبالغة في النهي عن عقد النكاح في العدّة؛ لأنّ العزم يتقدّم على العقد فإذا نهي عما يتقدمه فهو أولى بالنهي، كما في قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} (الإسراء، 42) {حتى يبلغ الكتاب} أي: المكتوب {أجله} بأن ينتهي ما فرض فيه من العدّة {واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم} من العزم وغيره {فاحذروه} أى:
خافوا عقابه {واعلموا أنّ الله غفور} لمن عزم ولم يفعل خوفاً من الله {حليم} لا يعاجلكم بالعقوبة. أي: تجامعوهنّ {أو} لم {تفرضوا لهنّ فريضة} أي: مهراً، وما مصدرية ظرفية، أي: لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر، والتبِعة بكسر الباء: ما يتبع المال أو البدن من نوائب الحقوق، وهو من تبعت الرجل بحقي. وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم. وقوله تعالى: {ومتعوهن} عطف على مفسد، ولأنه طلب فلا يعطف على «لا جناح» ؛ لأنه خبر أي: فطلقوهنّ ومتّعوهن، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق، ويسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهماً أو ما قيمته ذلك، وإذا تراضيا بشيء فذاك، وإن تنازعا في قَدْرِها قَدّرَها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره وإعساره، ونسبها وصفاتها، كما قال تعالى: {على الموسع} أي: الغني منكم {قدره} أي: ما يطيقه ويليق به {وعلى المقتر} أي: ضيق الرزق {قدره} أي: ما يطيقه ويليق به. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لأنصاري طلق امرأته المفوّضة قبل أن يمسها: «أمتعتها» قال: لم يكن عندي شيء قال: «متعها بقلنسوتك» . ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوّضة التي لم يمسها الزوج، وألحق بها الشافعي رضي الله تعالى عنه الممسوسة المفوّضة وغيرها قياساً وهو مقدّم على المفهوم. وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الدال، والباقون بسكونها وقوله تعالى: {متاعاً} تأكيداً لمتعوهن بمعنى تمتيعاً وقوله تعالى: {بالمعروف} أي: شرعاً صفة «متاعاً» وقوله تعالى: {حقاً} صفة ثانية لمتاعاً أي: متاعاً واجباً عليهم، أو مصدر مؤكد أي: حق ذلك حقاً {على المحسنين} أي: المطيعين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال، أو إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ترغيباً وتحريضاً. ولما ذكر الله تعالى حكم المفوّضة أتبعها حكم قسيمها بقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} يجب لهن ويرجع لكم النصف، وهو دليل على أنّ الجناح المنفي ثم تبعة المهر، وأن لا متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها {إلا} لكن {أن يعفون} أي: الزوجات فلا يأخذن شيئاً. فإن قيل: أي فرق بين قولك: الرجال يعفون والنساء يعفون؟ أجيب: بأن الواو في الأوّل ضمير هم، والنون علم الرفع والواو في الثاني لام الفعل، والنون ضميرهن، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، وهو في محل النصب. {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} وهو الزوج المالك لعقده وحله، كما يعود إليه بالتشطير فيترك لها الكل. وقيل: هو الولي إذا كانت المرأة محجورة، وهو قول قديم للشافعيّ، وهو مروي عن ابن عباس، وقوله تعالى: {وأن تعفوا} مبتدأ خبره {أقرب للتقوى} والخطاب للرّجال والنساء جميعاً؛ لأنّ المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر أي: وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي: أن يتفضل بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو بترك المرأة نصيبها، حثهما جميعاً على الإحسان {إنّ الله بما تعملون بصير} لا يضيع فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم به. {حافظوا على الصلوات} الخمس بأدائها في أوقاتها، ولعل الأمر
بالصلاة إنما وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج؛ لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها. {والصلاة الوسطى} أي: الوسطى بين الصلوات أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط، وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل، وهي صلاة العصر على الراجح لقوله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً» وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها واجتماع الملائكة قال صلى الله عليه وسلم «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» وقيل صلاة الصبح، لأنها بين صلاتي الليل والنهار، والواقعة في الجزء المشترك بينهما لأنها مشهودة تشهدها الملائكة الحفظة، نصّ عليها الشافعيّ رحمه الله تعالى لكن رجح الأصحاب الأوّل عملاً بقوله: حيث صحّ الحديث فهو مذهبي وقيل: صلاة الظهر؛ لأنها وسط النهار، وكانت أشق الصلوات عليهم، فكانت أفضل لأنه صلى الله عليه وسلم «سئل: أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: «أحزمها» وهو بحاء مهملة وزاي أقواها وأشدها، وقيل: صلاة المغرب لأنها متوسطة بالعدد لأنّ عددها بين عددي الركعتين والأربع، وقيل: صلاة العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي النهار لا يقصران، وهما المغرب والصبح وقال بعضهم: هي إحدى الصوات الخمس لا بعينها أبهمها الله تعالى تحريضاً للعباد في المحافظة على أداء جميعها، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها {وقوموا} في الصلاة {قانتين} أي: مطيعين لقوله صلى الله عليه وسلم «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» أو ساكنين لحديث زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» ، رواه الشيخان.I وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح. {فإن خفتم} من عدوّ أو سبع أو سيل أو نحو ذلك {فرجالاً} جمع راجل أي: مشاة صلوا {أو ركباناً} جمع راكب أي: كيف أمكن مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها ويومىء بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع. والصلاة في حال الخوف على أقسام وهذه صلاة شدّة الخوف وسيأتي بقية الأقسام إن شاء الله تعالى في سورة النساء. ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم. وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين» وفي الخوف ركعة، وفي الآية دليل على وجوب الصلاة حال المقاتلة، وإليه ذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يصلي حال المشي والمقاتلة ما لم يمكن الوقوف، وقال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: إذا كنت في القتال وضرب الناس بعضهم بعضاً فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر واذكر الله فتلك صلاتك {فإذا أمنتم} من الخوف {فاذكروا الله} أي: صلوا الصلوات الخمس تامّة بحقوقها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها، والكاف بمعنى مثل وما موصولة أو مصدرية. {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم} قرأ نافع وابن كثير وشعبة والكسائي وصية بالرفع أي: فعليهم وصية، والباقون بالنصب أي: فليوصوا وصية، وقوله تعالى: {متاعاً} نصب على المصدر أي: متعوهنّ متاعاً أي: يتمتعن به من النفقة والكسوة {إلى} تمام {الحول} من
موتهم الواجب عليهنّ تربصه، وقوله تعالى: {غير إخراج} نصب على الحال أي غير مخرجات من مسكنهنّ. نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف، يقال له الحكم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته، فمات فأنزل الله هذه الآية، «فأعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئاً وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً» ، وكانت عدّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة، ما لم تخرج ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث ففسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدّة الحول بآية {أربعة أشهر وعشراً} السابقة. فإن قيل: كيف نسخت الآية السابقة المتأخرة؟ أجيب: بأنها متقدّمة في التلاوة متأخرة في النزول كما في قوله تعالى: {سيقول السفهاء} (البقرة، 142) مع قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} (البقرة، 144) {فإن خرجن} من قبل أنفسهنّ قبل الحول من غير إخراج الورثة {فلا جناح عليكم} يا أولياء الميت {فيما فعلن في أنفسهنّ من معروف} شرعاً كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها، خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولاً ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج ولا نفقة لها ولا سكنى، إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشراً {وا عزيز} في ملكه {حكيم} في صنعه لا يسئل عما يفعل. {وللمطلقات متاع} أي: يعطينه {بالمعروف} بقدر الإمكان وقوله تعالى: {حقاً} نصب بفعله المقدّر {على المتقين} الله. فإن قيل: لم كرر الله تعالى ذلك؟ أجيب: بأنّ ذلك لحكمة، وهي أن الآية السابقة في غير الممسوسة وهذه أعم منها، فتشمل الممسوسة أيضاً. {كذلك} أي: كما بيّن لكم ما سبق من أحكام الطلاق والعدد {يبيّن الله لكم آياته} وعد سبحانه وتعالى أنه سيبيّن لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشاً ومعاداً، {لعلكم تعقلون} أي: تتدبرون فتستعملون العقل فيها وقوله تعالى: {ألم تر} استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده، لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ، وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع، وهذا هنا أولى، فإنه صار مثلاً في التعجيب، أي: ينته علمك {إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفاً، وقوله تعالى: {حذر الموت} مفعول له، هم قوم من بني إسرائيل كانوا في قرية يقال لها: داوردان، جهة واسط وقع بها الطاعون، فخرجت، طائفة منها وبقيت طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانياً لنخرجنّ إلى أرض لا وباء بها، فوقع الطاعون من قابل فهرب عنها أهلها، وخرجوا حتى نزلوا وادياً أفيح، فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا جميعاً، ثم أحياهم الله تعالى كما قال تعالى: {فقال لهم الله موتوا} أي: فماتوا {ثم أحياهم} ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله وقدره. وقيل: قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، ففروا حذر الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام أو أكثر،
ثم أحياهم بدعاء نبيهم حِزْقِيل ـ بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي ـ ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى، وكان يقال له ابن العجوز؛ لأنّ أمّه كانت عجوزاً، فسألت الله الولد بعدما كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها. قال الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل، وسمي حزقيل ذا الكفل؛ لأنه كفل سبعين نبياً وأنجاهم من القتل، قال: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيراً من أن تقتلوا معي جميعاً، فلما جاء اليهود وسألوا حِزْقِيل عن الأنبياء السبعين، قال لهم: ذهبوا وما أدري أين هم، ومنع الله حِزْقِيلَ من اليهود، فلما مر حِزْقِيل على تلك الموتى وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم فبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك، ويسبحونك، ويقدّمونك، ويكبرونك، ويهللونك، فبقيت وحدي لا قوم لي، فأوحى الله تعالى إليه أن ناد: أيتها العظام إنّ الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه، حتى التزق بعضها ببعض، كل عظم جسد التزق بجسده، فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله تعالى إليه: أن ناد أيتها الأجسام إنّ الله يأمرك أن تكسي لحماً، فاكتست لحماً، ثم أوحى الله إليه أن ناد: أيتها الأجساد إنّ الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء ورجعوا إلى بلادهم. وقال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهراً عليهم أثر الموت، لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن حتى ماتوا لآجالهم، التي كتبت لهم، ولو جاءت آجالهم ما بعثوا، واستمرّ ذلك في أسباطهم، قال ابن عباس: وأثر ذلك ليوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود. وفائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى {إنّ الله لذو فضل على الناس} أي: عامّة فليذكر كل أحد ماله عليه من الفضل {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} كما ينبغي أمّا الكفار فلم يشكروا، وأمّا المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره. تنبيه: إنما كرّر الناس، ولم يضمر ليكون أنصّ على العموم لئلا يدّعي مدع أنّ المراد بالناس الأوّل أهل زمان فيخص بالثاني أكثرهم. {وقاتلوا في سبيل الله} أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا {واعلموا أنّ الله سميع} لأقوالكم فيسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون {عليم} بأحوالكم فيعلم ما تضمرونه فيجازيكم. {من ذا الذي يقرض الله} الذي تفرد بالعظمة بإنفاق ماله في سبيل الله ومن استفهامية مرفوعة، الموضع بالابتداء، وذا خبره، والذي: صفة ذا أو بدل، وإقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه، فهو اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعد لهم من الثواب قرضاً؛ لأنهم يعملون لطلب ثوابه، وأصل القرض في اللغة القطع، سمي القرض به؛ لأنه يقطع من ماله شيئاً يعطيه ليرجع إليه مثله وقيل: في الآية اختصار، معناه: من ذا الذي يقرض عباد الله المحتاجين من خلقه كقوله تعالى: {إنّ الذين يؤذون الله} (الأحزاب، 57) أي: عباد الله كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الله يقول يوم القيامة: ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟» {قرضاً حسناً} أي: جامعاً لطيب النفس وإخلاص النية، وقيل: لا يمنّ به ولا يؤذي. ولما كانت النفس مجبولة على الشح بما عندها إلا لفائدة رغبّها سبحانه وتعالى في ذلك بقوله: {فيضاعفه} أي: جزاءه {له} في الدنيا والآخرة، وأوّل هذه المضاعفة أنّ الزائد ضعف ليس كسراً، «كان صلى الله عليه وسلم لا يقترض قرضاً إلا وفى عليه زيادة وقال: خياركم أحسنكم قضاء» ، وقد أنبأ سبحانه وتعالى أن اقتراضه بما هو فوق ذلك، لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله بقوله: {أضعافاً كثيرة} (البقرة، 545) من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي. روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح الأنصاري: «يا رسول الله إنّ الله ليريد منا القرض قال: نعم يا أبا الدحداح قال: أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وحائطه فيه ستمائة نخلة وأمّ الدحداح فيه وعيالها فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أمّ الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي فقد أقرضت ربي عز وجل» . وقرأ ابن عامر وعاصم فيضاعفه بنصب الفاء على جواب الاستفهام حملاً على المعنى، فإنّ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً في معنى أيقرض الله أحد، والباقون برفعها، وأسقط الألف وشدّد العين ابن كثير وابن عامر، والباقون بإثبات الألف وتخفيف العين، ولما رغّب سبحانه وتعالى في إقراضه، أتبعه جملة خالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال: {وا يقبض} أي: يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء {ويبسط} أي: يوسعه لمن يشاء امتحاناً، بحسب ما اقتضته حكمته سبحانه وتعالى، وقرأ قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحفص وحمزة وبالسين، بخلاف عن ابن ذكوان وخلاد، والباقون بالصاد والرسم بالصاد {وإليه ترجعون} أي: فيجازيكم على ما قدّمتم. {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} أي: إلى قصتهم، والملأ من القوم أشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط، والإبل، والخيل والجيش، ومن للتبعيض {من بعد} موت {موسى} ومن للابتداء {إذ قالوا لنبيّ لهم} أكثر المفسرين على أنه شمويل، قال مقاتل: هو من نسل هرون، وقيل: هو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه الصلاة والسلام وقيل: هو شمعون، وإنما سمي بذلك؛ لأنّ أمّه دعت الله أن يرزقها غلاماً فاستجاب دعاءها فسمته شمعون تقول: سمع الله دعائي والسين تصير شيناً بالعبرانية وسبب سؤال بني إسرائيل نبيهم، ذلك أنه لما مات موسى عليه الصلاة والسلام وخلف، في بني إسرائيل الخلوف وعظمت الخطايا سلّط الله عليهم قوم جالوت وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم، وسَبَوا كثيراً من ذراريهم، وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاماً، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، ولقي بنو إسرائيل منهم بلاءً كثيراً وشدّة، ولم يكن لهم حينئذٍ نبيّ يدبر أمرهم، وكان سبط النبوّة هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً فولدت غلاماً فسمته شمعون، تقول: سمع الله دعائي فكبر الغلام فأسلمته لتعليم التوراة في بيت المقدس، فكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإنّ الله قد بعثك فيهم نبياً، فلما أتاهم
كذّبوه وقالوا: استعجلت بالنبوّة فإن كنت صادقاً {ابعث} أي: أقم {لنا ملكاً نقاتل} معه {في سبيل الله} فتنتظم به كلمتنا، ونرجع إليه، ويكون ذلك آية من نبوّتك. وإنما كان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءهم، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبيّ يقيم له أمره ويشير عليه برشده، ويأتيه بالخبر من ربه. ولما قالوا له ذلك {قال} لهم {هل عسيتم} قرأ نافع بكسر السين، والباقون بفتحها، وقوله تعالى: {إن كتب} أي: فرض {عليكم القتال} مع ذلك الملك {أن لا تقاتلوا} خبر عسى والاستفهام لتقرير المتوقع بها بمعنى التثبت للمتوقع، وإن كان الشائع من التقرير هو الحمل على الإقرار. {قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} بسبيهم وقتلهم أي: أي غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان، والإفراد عن الأولاد. {فلما كتب عليهم القتال تولوا} عنه وجبنوا وضيعوا أمر االله تعالى {إلا قليلاً منهم} وهم الذين عبروا النهر مع طالوت وانتصروا على الفرقة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقوله تعالى: {وا عليم بالظالمين} وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد. تنبيه: هذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثاً عن الماضين، وإنما هو إعلام بما يستقبل الآتون، كما قال القائل: إياك أعني واسمعي يا جارة، فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذ بجملته خطاباً لهذه الأمّة بكل ما قص له من أقاصيص الأوّلين. ثم سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم ربه أن يبعث لهم ملكاً فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصا، وانظر القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل عليك رجل ونشّ الدهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل، فادهن به رأسه وملّكه عليهم، وكان طالوت واسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب، سمي طالوت لطوله وكان أطول من كل أحد أي: في زمانه برأسه ومنكبه، وكان رجلاً دباغاً، يعمل الأديم قاله وهب، وقال السدّي: كان سقاء يسقي على حمار له من النيل، فضلّ حماره، فخرج في طلبه، وقال وهب: بل ضلت حمر لأبي طالوت، فأرسله وغلاماً له في طلبها، فمرّ ببيت شمويل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبيّ فسألناه على أمر الحمير ليرشدنا، ويدعو لنا، فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر، إذ نش الدهن الذي في القرن، فقام شمويل فقاس طالوت بالعصا، فكانت على طوله، فقال لطالوت: قرب رأسك فقرّبه فدهنه بدهن القدس ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكه عليهم، فقال طالوت: أما علمت أنّ سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى قال: فبأي آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجدت الحمر، فكان كذلك ثم، أخبرهم نبيهم بذلك كما قال تعالى: {وقال لهم نبيهم} الذي تقدّم ذكره {إنّ الله قد بعث لكم} أي: لأجل سؤالكم {طالوت ملكاً} وهو اسم أعجمي كجالوت، وداود، وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته {قالوا أنى} أي: كيف {يكون له الملك علينا} أي: من أين يكون له ذلك؛ {ونحن} أي: والحال أنا نحن {أحق} أي: أولى {بالملك منه} وإنما قالوا ذلك لأنه كان من بني إسرائيل سبطان سبط نبوّة، وسبطُ مملكة، فكان سبط النبوّة سبط لاوي بن يعقوب، ومنه كان موسى وهرون عليهما الصلاة والسلام، وسبط
المملكة سبط يهوذا بن يعقوب، ومنه كان داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ولم يكن طالوت من أحدهما، إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكانوا عملوا ذنباً عظيماً كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق جهاراً، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوّة منهم، وكانوا يسمون سبط الإثم، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا؛ لأنه لم يكن من سبط المملكة، ومع ذلك قالوا: هو دباغ {ولم} أي: والحال أنه لم {يؤت سعة من المال} يستعين بها على إقامة الملك ولما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه، ردّ عليهم ذلك بأمور حكاها الله تعالى عن نبيهم بقوله تعالى: {قال} أي: نبيهم {إنّ الله اصطفاه} أي: اختاره للملك {عليكم} والعهدة في التملك اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم هذا الأمر الأوّل، والثاني قوله: {وزاده} عليكم {بسطة} أي: سعة {في العلم} الذي يحصل به نظام المملكة ويتمكن به من معرفة الأمور السياسية {و} في {الجسم} الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران، ويكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على مقاومة العدوّ، ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم وقد زاده الله في العلم، فكان أعلم بني إسرائيل يومئذٍ، والجسم فكان أجملهم وأتمهم خلقاً، كان الرجل القائم يمدّ يده فيتناول رأس طالوت. والثالث قوله: {والله يؤتي ملكه} أي: الذي هو له وليس لغيره فيه شيء {من يشاء} فإنه تعالى مالك الملك على الإطلاق، فله أن يؤتيه من يشاء سواء كان غنياً أم فقيراً، كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون والرابع قوله: {وا واسع} أي: واسع الفضل يوسع على الفقير، ويغنيه {عليم} بمن يليق بالملك من النسيب وغيره. {وقال لهم نبيهم} لما أذعنوا لذلك وطلبوا منه آية تدلّ على أنه سبحانه وتعالى اصطفى طالوت وملكه عليهم {إنّ آية} أي: علامة {ملكه أن يأتيكم التابوت} أي: الصندوق وكان فيه صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أنزله الله تعالى على آدم صلى الله عليه وسلم وكان من عود الشِّمشار ـ بمعجمتين أولاهما مكسورة وبينهما ميم ساكنة ـ خشب تعمل منه الأمشاط، مموّهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات ثم عند شيث ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، ثم كان عند إسمعيل؛ لأنه كان أكبر ولده ثم عند يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى، ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل، ثم استمرّ عند بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم أو حكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوّهم كما قال تعالى: {فيه سكينة} أي: طمأنينة لقلوبكم {من ربكم} ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا قاله قتادة والكلبي: لما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة أصحاب جالوت، فغلبوهم على التابوت وأخذوه. وقال علي: هو صورة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وقال مجاهد: هي شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرّة وذنب كذنب الهرّة وله جناحان، وقيل: له عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي طشت من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقال وهب: هي روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون. ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائهم قال: {و} فيه {بقية مما ترك آل موسى
وآل هرون} وآلهما أنفسهما والآل مقحم لتفخيم شأنهما. وقيل: أبناؤهما، وقيل: أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عمّ موسى وهرون والبقية هي رضاض الألواح أي: فتاتها وعصا موسى وثيابه ونعلاه وعمامة هرون وقفيز من المنّ، الذي كان ينزل عليهم. وقوله تعالى: {تحمله الملائكة} حال من فاعل يأتيكم {إنّ في ذلك لآية لكم} على ملكه وقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يكون من كلام نبيهم، وأن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى، فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه، وقيل: رفعه الله تعالى بعد موسى، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه، فلما رأوه لم يشكوا في النصر به، فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في كل ما أرى لا يخرج معي رجل يبني بناء لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوّج امرأة ولم يبن بها، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع عليه ممن اختاره ثمانون ألفاً وكان الوقت صيفاً في حرّ شديد فشكوا قلّة الماء بينهم وبين عدوّهم وقالوا: إن المياه لا تحملنا فادعو الله أن يجري لنا نهراً كما قال تعالى: u {فلما فصل} أي: خرج {طالوت} أي: الذي ملكوه {بالجنود} من بيت المقدس أي: التي اختارها والجنود، جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع {قال إنّ الله مبتليكم} أي: مختبركم ليظهر منكم المطيع والعاصي وهو أعلم {بنهر} قال ابن عباس والسدّي: هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين عذب {فمن شرب منه} أي: من مائه فليس مني أي: من أتباعي {ومن لم يطعمه} أي: يذقه {فإنه مني} أي: من أتباعي، وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبياً كما قيل أو بإخبار النبيّ عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى: {إلا من اغترف غرفة بيده} أي: فاكتفى بها ولم يزد عليها، «فإنه مني» استثناء من قوله تعالى: فمن شرب، وإنما قدّمت عليه الجملة الثانية؛ للعناية بها كما قدّم الصابئون على خبر إن في قوله: {إنّ الذين آمنوا والذين هادوا} (البقرة، 62) والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو غرفة بفتح الغين والباقون بضمها. فائدة: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابياً ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجاً مما نالني من طلب الحجاج: *صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال* *لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف لأواؤها بغير احتيال* *ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال* *قد يصاب الجبان في آخر الص ... ف وينجو مقارع الأبطال* فقلت ما وراءك يا أعرابي؟ قال: مات الحجاج فلم أدر بأيهما أفرح أبموت الحجاج أم بقوله فرجة؛ لأني كنت أطلب شاهداً لاختيار القراءة في سورة البقرة غرفة بالضم. {فشربوا منه} لما وافوه بكثرة وقوله تعالى: {إلا قليلاً منهم} أي: فاقتصر على الغرفة، نصب على الاستثناء. روي أن من اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالماً، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وأروته، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم، وغلبهم العطش، فلم يرووا وبقوا على
شط النهر وجبنوا عن لقاء العدوّ، واختلفوا في عدد الذين لم يشربوا قال البغوي: الصحيح أنهم ثلثمائة وبضعة عشر أي: عدد أهل بدر، وقال السدّي: كانوا أربعة آلاف ويؤيد الأوّل ما روي عن البراء أنه قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدّث أن عدّة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر، وثلثمائة. ويروى ثلثمائة وثلاثة عشر وفي هذا إيذان بأن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد التائبين من أصحاب طالوت، الذين كان بعددهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم ثلثمائة وثلاثة عشر، عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ولما كان قصص بني إسرائيل مثلاً لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر، فابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها، وفي إفراد اليد إيذان بأنّ الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين، لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشرّ. {فلما جاوزه} أي: النهر {هو} أي: طالوت {والذين آمنوا معه} أي: وهم الذين اقتصروا على الغرفة {قالوا} أي: الذين شربوا {لا طاقة} أي: لا قوّة {لنا اليوم بجالوت وجنوده} أي: بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه. ولما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بهذا القول نبّه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظنّ أنّ أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام، ولا ينقص بالجراءة والإقدام، وأنه يلقى الله تعالى، فيجازيه على عمله، وأنّ النصر من الله لا بالقوّة والعدد فقال: {قال الذين يظنون} أي: يوقنون {أنهم ملاقوا الله} بالبعث وهم الذين جاوزوه {كم من فئة} أي: جماعة، وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض، وكم يحتمل أن تكون خبرية بمعنى كثير، ومن مبينة وأن تكون استفهامية، ومن مؤكدة والأوّل أولى بقرينة المقام {قليلة} كما كان في هذه الأمة في يوم بدر {غلبت فئة كثيرة بإذن الله} أي: بإرادته وتيسيره، ثم انظر إلى هذا الحال العجيب؛ وهو أنه لما ندبهم انتدب جيش لا يحصون فاشترط عليهم الشاب الفارغ من بناء دار، وبناء بامرأة، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفاً، ثم امتحنوا بالنصر، فلم يثبت منهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط، من الذين هم دون الدون من المنتدبين، الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك الخارجين معه كما قال القائل: *ألم تعلم بأني صيرفي ... أحك الأصدقاء على محكي* *فمنهم بهرج لا خير فيه ... ومنهم من أجوزه بشك* *وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي ومثلي من يزكي* ثم بين سبحانه وتعالى أنّ ملاك كل ذلك الصبر بقوله: {وا مع الصابرين} بالنصر والمعونة فلا يخذل من كان معه. {ولما برزوا} أي: ظهروا وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة {لجالوت} اسم ملك من ملوك الكنعانيين بالشأم في زمن بني إسرائيل، جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد {وجنوده} على ما هم فيه من القوّة والكثرة التجؤا إلى الله بالدعاء كما نبه على ذلك بقوله: {قالوا ربنا أفرغ} أي: أصبب {علينا صبراً وثبت أقدامنا} بتقوية قلوبنا على الجهاد {وانصرنا
على القوم الكافرين} وفي الدعاء ترتيب بليغ إذ سألوا: أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدوّ المترتب عليهما غالباً. {فهزموهم بإذن الله} أي: بإرادته {وقتل داود جالوت} قال أهل التفسير: عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابناً له، وكان داود أصغرهم، فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إليّ أو أبرز من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره: من قتل جالوت زوّجته ابنتي وناصفته ملكي، فهابوا لقاء جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا في ذلك، فأوحى الله تعالى إليه أن في ولد إيشا من يقتل الله تعالى به جالوت، وكان داود أصغرهم يرعى الغنم، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوّجك ابنتي وأناصفك ملكي؟ قال: نعم قال: آنست من نفسك أن تقوى به قال: نعم أنا أرعى فيجيء الأسد فيأخذ شاة فأقوم إليه وأفتح لحييه عنها وأشقهما إلى قفاه، فمرّ داود في الطريق فكلمه ثلاثة أحجار، وقالت له: إنك تقتل جالوت بنا، فحملها في مخلاته فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة وكان من أشدّ الناس وأقواهم، كان يهزم الجيوش وحده، وكان له بيضة فيها ثلثمائة رطل حديد، انتدب له داود وأخذ مخلاته وتقلد بها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب فقال له: أنت تبرز لي قال: نعم، وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام، فقال: أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم أنت شر من الكلب قال: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء، قال داود: أو يقسم الله لحمك، فقال داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجراً ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحق، ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال: بسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجراً واحداً، ودوّر المقلاع ورمى به، فسخر الله له الريح حتى أصاب أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلاً، وهزم الله تعالى الجيش وخرّ جالوت قتيلاً، فأخذه داود يجرّه حتى ألقاه بين يدي طالوت، وفرح المسلمون فرحاً شديداً وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فجاء داود إلى طالوت وقال: أنجزني ما وعدتني فزوّجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه، وأكثروا ذكره فحسده طالوت، وأراد قتله فأخبر بذلك فهرب، فسلط عليه العيون وطلبه أشدّ الطلب، فلم يقدر عليه. ثم إنّ طالوت ركب يوماً فوجد داود يمشي في البرية فقال: أقتله فركض على أثره فاشتدّ داود وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غاراً، فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه بيتاً فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت فقال: لو كان دخل ههنا لخرق بناء العنكبوت، فتركه ومضى وانطلق داود إلى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه إلى أن قتل طالوت، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة، وأتى بنو إسرائيل بداود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم. قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت سبعين سنة ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: {وآتاه الله الملك والحكمة} أي: النبوّة بعد موت شمويل
وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله بل كان الملك في سبط والنبوّة في سبط وقيل: الملك والحكمة العلم والعمل. {وعلمه مما يشاء} كصنعة الدروع كان يصنعها ويبيعها، وكان لا يأكل إلا من عمل يده، ومنطق الطير والصوت الطيب، والألحان، ولم يعط الله تعالى أحداً من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وتظله الطير ويركد الماء الجاري ويسكن الريح والسلسلة، كان لا يمسها ذو عاهة إلا برأ، وكانوا يتحاكمون إليها بعده إلى أن رفعت، فمن تعدى على صاحبه وأنكر له حقاً أتى السلسلة، فمن كان صادقاً مد يده إليها فتناولها، ومن كان كاذباً لم ينلها وكان ذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة، فأودع بعض ملوكهم رجلاً جوهرة ثمينة فلما طلبها منه أنكرها، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي عنده الجوهرة، إلى عكازة فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة فقام صاحب الجوهرة فتناول السلسلة بيده ثم قام المنكر وقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فقال الرجل: اللهمّ إن كنت تعلم أنّ الوديعة التي يدعيها قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة فمدّ يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها، فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. {ولولا دفع الله الناس بعضهم} بدل بعض من الناس {ببعض} أي: ولولا دفع الله بجنود المسلمين الكفار {لفسدت الأرض} بغلبة المشركين وقتل المسلمين، وتخريب المساجد، أو لفسدت الأرض بشؤم الكفر فيكون المعنى: ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر. وقد روي أنّ الله عز وجلّ ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرأ ابن عمر الآية. وروي عن ابن عباس أنه قال: «يدفع الله تعالى بمن يصلي، عمن لا يصلي وبمن يحج، عمن لا يحج وبمن يزكي عمن لا يزكي» وعن جابر بن عبد الله «أنّ الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده، وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» . وعن ابن مسعود «أنّ لله عز وجلّ في الخلق ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبرائيل، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، ولله في الخلق واحد قلبه في قلب إسرافيل، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة وإذا مات واحد من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات واحد من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات واحد من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات واحد من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلثمائة، وإذا مات واحد من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامّة فيهم يحيي ويميت قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون ويدعون على الجبابرة فينقصمون ويستسقون، فيسقون ويسألون فتنبت لهم الأرض ويدعون فيدفع الله أنواع البلاء» . {ولكن الله ذو فضل على العالمين} أي: كلهم أوّلاً بالإيجاد، وثانياً بالدفاع، فهو يكف عن ظلم الظلمة، إمّا بعضهم ببعض أو بالصالحين ويسبغ عليهم غير ذلك من أنواع نعمه ظاهرة وباطنة. {تلك} أي: هذه الآيات التي قصصناها عليك من حديث الأوّلين، وتمليك طالوت وإتيان
التابوت، وانهزام الجبابرة على يد صبيّ وهو داود، وقتل داود جالوت {آيات الله} الذي جلّت عظمته وتمت قدرته وقوّته {نتلوها} أي: نقصها {عليك} يا محمد {بالحق} أي: بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنهم يجدونه في كتبهم كذلك وأرباب التواريخ {وإنك} أي: والحال إنك {لمن المرسلين} بما دلّت هذه الآية عليه من علّمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر، ولما تقدّم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صلى الله عليه وسلم منهم تشوّفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون، فأشار إلى علوّ مقادير الكل في قوله: {تلك الرسل} بأداة البعد إعلاماً ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يطال. تنبيه: تلك مبتدأ والرسل صفة أي: الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جماعة الرسل واللام للاستغراق، والخبر {فضلنا بعضهم على بعض} بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، لما أوجب ذلك من تفضيلهم في الحسنات بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة، ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل، وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسلام ذكر وصفه مع وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {منهم من كلم الله} بلا واسطة وهو موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، كلّم موسى ليلة الحيرة وهي بفتح الحاء، تحيره في معرفة طريقه من مسيره من مدين إلى مصر وفي الطور، ومحمداً ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى، وبين التكليمين بون عظيم، ومنهم أيضاً آدم كما ورد في الحديث. {ورفع بعضهم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {درجات} على غيره بعموم الدعوة وختم النبوّة به، والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة وينسخ جميع الشرائع، وبكونه رحمة للعالمين وبتفضيل أمته على سائر الأمم، وبالمعجزات المتكاثرة المستمرّة، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السموات والأرض عن الإتيان بسورة من مثله، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الغالبة للحصر، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده كفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء؛ لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات وبانشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع بمفارقته، وتسليم الحجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» . وروي عنه أنه قال: «أعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامّة» . وروي عنه أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون» . {وأتينا عيسى ابن مريم البينات} من إحياء الموتى وغيره {وأيدناه} أي: قويناه {بروح القدس} وهو جبريل
يسير معه حيث سار، وخص عيسى صلى الله عليه وسلم باسمه لإفراط اليهود في تحقيره، والنصارى في تعظيمه حيث قالوا: هو ابن الله وأبهم محمداً صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {بعضهم} حيث لم يقل ورفع محمداً صلى الله عليه وسلم لما في الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول أحدكم أو بعضكم، يراد به الذي تعورف واشتهر، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي لم يفخم أمره. {ولو شاء الله} أي: الذي له جميع الأمر، هدى الناس جميعاً باتفاقهم على دين واحد {ما اقتتل الذين من بعدهم} أي: بعد الرسل أي: ما اقتتلت أممهم {من بعد ما جاءتهم البينات} أي: المعجزات الواضحات على أيدي رسلهم؛ لاختلافهم في الدين وتضليل بعضهم بعضاً {ولكن اختلفوا} لمشيئته تعالى ذلك {فمنهم} أي: فتسبب عن اختلافهم إن كان منهم {من آمن} أي: ثبت على إيمانه {ومنهم من كفر} كالنصارى بعد المسيح. ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالاً، قال الله تعالى معلّماً: أنّ الكل بخلقه تأكيداً لما مضى من ذلك ومعيداً ذكر الاسم الأعظم: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} بعد اختلافهم بالإيمان والكفر {ولكنّ الله يفعل ما يريد} فيوفق من يشاء فضلاً منه، ويخذل من يشاء عدلاً منه، والآية دليل على أنّ الأنبياء متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، ولكن بنصّ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد، وأن الحوادث بيد الله لقوله تعالى: {يفعل ما يريد} تابعة لمشيئته تعالى خيراً كان أو شرّاً إيماناً أو كفراً. ولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد، الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أوّل السورة من هنا إلى آخرها، وأتى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدّم الحثّ عليه من أمر النفقة. {يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} أي: مما أوجبت عليكم إنفاقه من الزكاة، قاله السديّ وقال غيره أراد به صدقة التطوّع والنفقة في الخير، أي: فلا تبخلوا بالإنفاق فإنه لا داء أدوأ من البخل. قال تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} (الحشر، 9) (التغابن، 16) وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب يمنع احتجاج المعتزلة بها، في أنّ الرزق لا يكون إلا حلالاً، لكونه مأموراً به. وأتبعه بما يرغب ويرهب من حلول يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال: {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه {لا بيع فيه} أي: فداء {ولا خلّة} أي: صداقة تنفع {ولا شفاعة} بغير إذنه والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ولا يراعي الصداقة من مساو، ولا الشفاعة من كبير، لعدم إرادة الله تعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنصب في بيع وخلة وشفاعة، ولا تنوين على الأصل، والباقون بالرفع والتنوين على أنها في تقدير جواب هل فيه بيع أو خلة أو شفاعة. ولما حثّ سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذمّ الكافرين، بكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة، لتخليصهم من الإيمان وبعدهم منه وتكذيبهم بذلك اليوم، فهم لا ينفقون لخوفه وإرهابه فقال بدل ولا نصرة لكافر {والكافرون} أي: المعلوم
كفرهم في ذلك اليوم {هم} المختصون بأنهم {الظالمون} أي: الكاملون في الظلم لا غيرهم. وقوله سبحانه: {الله لا إله إلا هو} مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير {الحيّ} أي: الدائم البقاء {القيوم} أي: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم {لا تأخذه سنة} وهي ما يتقدّم النوم من الفتور، الذي يسمى النعاس، قال ابن الرقاع العاملي: *وسنان أقصده (أي: أصابه) النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم* أي: لا يأخذه نعاس {ولا نوم} وهو حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس. فإن قيل: تقديم السنة على النوم قياس المبالغة عكسه، أجيب: بأنّ هذا ذكر ترتيب الوجود، إذ وجود السنة سابق على وجود النوم، فهو على طريقة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، قصداً إلى الإحاطة والإحصاء؛ ولأنه لمّا عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، وجملة لا تأخذه سنة ولا نوم نفي للتشبيه بينه وبين خلقه وتأكيد لكونه حياً قيوماً فإن من أخذه نعاس أو نوم كان بآفة تخلّ بالحياة قاصراً في الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه.e وفي الجمل التي بعده من قوله: {له ما في السموات وما في الأرض} إلخ.. وقوله تعالى: {له} أي: بيده وفي تصرّفه واختصاصه {ما في السموات وما في الأرض} أي: ملكاً وخلقاً تقرير لقيوميته، واحتجاج على تفرّده في الألوهية، والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلاً في حقيقتهما كالكواكب والنبات والمعادن، وخارجاً عنهما متمكناً منهما، كالملائكة والإنس والجنّ. وقوله تعالى: {من ذا الذي} أي: لا أحد {يشفع عنده إلا بإذنه} له بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة وتواضعاً فضلاً أن يدفعه عناداً ومخاصمة {يعلم ما بين أيديهم} في الخلق من أمر الدنيا {وما خلفهم} أي: من أمر الآخرة قاله مجاهد، وقال الكلبي: ما بين أيديهم يعني: الآخرة؛ لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم وقيل: ما بين أيديهم ما قدّموا من خير وشرّ وما خلفهم ما هم فاعلوه {ولا يحيطون بشيء} أي: قليل ولا كثير {من علمه} أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته {إلا بما شاء الله} أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل {وسع كرسيه السموات والأرض} اختلف في الكرسي فقال الحسن: هو العرش نفسه، وقال أبو هريرة: هو موضع أمام العرش، والأحاديث تدل عليه، ومعنى وسع أنّ سعته مثل سعة السموات والأرض، وفي الأخبار أن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة. ويروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ السموات السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس، وقال علي ومقاتل: كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام، ملك على صورة أبي البشر آدم عليه الصلاة والسلام، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة، إلى السنة وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور،
يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة، وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل، وملك على صورة سيد السباع، وهو الأسد يسأل الرزق للسباع من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر، يسأل للطير الرزق من السنة إلى السنة، وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش وقيل: المراد بالكرسي علمه، وقيل: ملكه وقيل: تصوير لعظمته وتمثيل مجرّد {ولا يؤده} أي: لا يثقله ولا يشق عليه {حفظهما} أي: السموات والأرض {وهو العليّ} أي: الرفيع فوق خلقه المتعالي عن الأشباه والأنداد {العظيم} أي: الكبير الذي لا شيء أعظم منه، المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه. وهذه الآية تسمى آية الكرسي، مشتملة على أمّهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه موجود واحد في الإلهية، متصف بالحياة واجب لوجود لذاته، موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول، مبرّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة، إذ المقدور كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه لا يؤده شاق ولا يشغله شان، عن شان متعال عما يدركه وهم عظيم فلا يحيط به فهم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إنّ أعظم آية في القرآن الكرسي» رواه مسلم، وروى النسائيّ وابن حبان وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» أي: فإذا مات دخل الجنة. وروى البيهقيّ في «شعبه» أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يواظب عليها إلا صديق أو عابد» ، وروي البيهقي أيضاً «أنّ من قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه، وجاره وجار جاره والأبيات حوله» . وعن أبيّ بن كعب أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سأله: «أيّ آية من كتاب الله أعظم؟» قال: قلت الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم، قال: فضرب في صدري ثم قال: «ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إنّ لها لساناً وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش» وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أوّل حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم حفظ في يومه ذلك حتى يمسي فإن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح» . وروي: «ما قرئت آية الكرسي في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا علي علّمْها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها» وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم عليّ رضي الله تعالى عنه: أين أنتم عن آية الكرسي ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عليّ سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال، الطور وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة، آية الكرسي» . {لا إكراه في الدين} أي: على الدخول فيه أي: فمن أعطي الجزية لم يكره على الإسلام فهو عام مخصوص بأهل الكتاب. لما روي أنّ أنصارياً كان له ابنان تنصرا قبل المبعث ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله
أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فنزلت وقيل: عام منسوخ، فكان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال فصارت الآية منسوخة بآية السيف، قاله ابن مسعود: {قد تبين الرشد من الغيّ} أي: ظهر بالآيات البينات أنّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، وأنّ الكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان، طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، فلم يحتج إلى الإكراه والإلجاء {فمن يكفر بالطاغوت} أي: فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام {ويؤمن با} أي: بالتوحيد وتصديق الرسل {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي: تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين {لا انفصام} أي: لا انقطاع {لها} . قال التفتازاني: شبه التديّن بالدين الحق، والثبات على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى المأخوذة من الحبل المحكم المأمون تقطعها، ثم ذكر المشبه به وأراد المشبه وقال الزمخشريّ: وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به اه. والوثقى تأنيث الأوثق، وقيل: العروة الوثقى السبب الذي يتوصل به إلى رضا الله تعالى {وا سميع} لما يقال: {عليم} بالنيات والأفعال وقيل: سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إيمانهم. أي: ناصر ومعين {الذين آمنوا} أي: أرادوا أن يؤمنوا لقوله تعالى: {يخرجهم} أي: بلطفه وتأييده {من الظلمات} أي: الكفر {إلى النور} أي: الإيمان أو أنهم الثابتون على الإيمان بأن يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت، لهم بما يهديهم ويوفقهم له من أجلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. وعن ابن عباس: أنهم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} أي: الشيطان وقال مقاتل: هو كعب بن الأشرف وحييّ بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة {يخرجونهم} أي: يدعونهم {من النور} الذي منحوه بالفطرة {إلى الظلمات} أي: الكفر. فإن قيل: كيف يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط، أجيب: بأنّ الطبرانيّ روى عن ابن عباس أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به» ، أو أنه تعالى ذكر الإخراج في مقابلة يخرجهم من الظلمات، فهو على العموم في حق جميع الكفار كما يقول الرجل لأبيه: أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، كما قال تعالى إخباراً عن يوسف عليه الصلاة والسلام: {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون با} (يوسف، 38) ولم يكن قط في ملتهم وقيل: نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام، وإسناد الإخراج إلى الطاغوت باعتبار السبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به، والطاغوت يكون مذكراً ومؤنثاً وواحداً وجمعاً، قال تعالى في المذكر: والواحد {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} ، (النساء، 60) وقال تعالى في المؤنث {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} (الزمر، 17) وقال في الجمع: {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} (البقرة، 257) . وقوله تعالى: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وعيد وتحذير. قال البيضاويّ: ولعلّ عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم. ولما كان النمروذ المحاجج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ذكره عقب ذلك فقال: {ألم تر} أي: تعلم بما نخبرك به علماً هو عندك كالمشاهدة لمالك من كمال البصيرة، وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة
{إلى الذي} وهو نمروذ {حاج} جادل وخاصم {إبراهيم في ربه} وهو أوّل من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادّعى الربوبية {أن} آي: لأن {آتاه الله الملك} فطغى أي: كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه، فأورثه الكبر والعتق، فحاج لذلك. وقال مجاهد: ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فسليمان صلى الله عليه وسلم وذو القرنين، وأمّا الكافران فنمروذ بن كنعان وبختنصر، لم يملكها غيرهم. وفي الآية دليل على أنّ الله تعالى يعطي الكافر الملك، ففيها حجة على من منع إيتاء الملك للكافر من المعتزلة، وأوّل الملك بالمال والخدم الذي يتسلط به على غلبة الناس لا الملك الحقيقيّ وبهذا أوّل الزمخشريّ. {إذ قال إبراهيم: ربي الذي} قرأ حمزة ربي بسكون الياء والباقون بنصبها {يحيي ويميت} أي: يخلق الموت والحياة في الأجساد، وهذا جواب سؤال غير مذكور تقديره، قال له نمروذ: من ربك؟ فقال له إبراهيم ذلك. واختلفوا في وقت هذه المناظرة فقال مقاتل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمروذ، ثم أخرجه ليحرقه بالنار، فقال له: من ربك الذي تدعونا إليه؟ قال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار، وذلك أنّ الناس قحطوا على عهد نمروذ، وكان الناس يمتارون من عنده، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال: أنت باع منه الطعام فأتاه إبراهيم فقال له: من ربك؟ فقال له ذلك. {قال أنا أحيي وأميت} قرأ نافع بمدّ الألف من أنا فيصير مدّاً منفصلاً والباقون بالقصر، قال أكثر المفسرين: دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياءً، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى لا عجزاً بل رآه من غباوته، فإنّ حجته لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت، فكان له أن يقول: فأحي من أمتّ إن كنت صادقاً، لكنه انتقل إلى حجة أوضح من الأولى ذكرها الله تعالى بقوله: {قال إبراهيم فإنّ الله يأتي بالشمس} وهو الذي أوجدها {من المشرق} أي: في كل يوم قبل أن توجد أنت بدهور. {فأت بها} أنت {من المغرب} إن كنت صادقاً فيما تدعيه، ولو يوماً واحداً، وفي ذلك إشعار بأنّ الله تعالى لا بدّ وأن يأتي بالشمس من المغرب، ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت، ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة لقيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها {فبهت الذي كفر} تحير ودهش وانقطعت حجته، ولم يعط إبراهيم طعاماً فرجع فمّر على كثيب رمل أعفر، فأخذ منه تطييباً لقلوب أهله إذا دخل عليهم، فلما أتى أهله ووضع متاعه نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام رأته، فأخذته وصنعت له منه وقربته له فقال لها: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعرف أنّ الله تعالى رزقه فحمد الله تعالى. فإن قيل: كيف بهت نمروذ وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب؟ أجيب: بأنّ الله تعالى صرفه عن ذلك إظهاراً للحجة عليه، أو معجزة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أو أنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكانت زيادة في فضيحته وانقطاعه. ثم بعث الله تعالى إلى نمروذ بن كنعان ملكاً أن آمن بي وأتركك على ملكك قال: فهل رب غيري، فجاءه الثانية، فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له ذلك الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام،
فجمع الجبار جموعه، فأمر الله تعالى الملك، ففتح عليه باباً من البعوض فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت شحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلا العظام ونمروذ كما هو لم يصبه من ذلك شيء فبعث الله عليه بعوضة فدخلت، في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه، ثم ضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله تعالى أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي بنى صرحاً طويلاً ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها فأرسل الله تعالى عليه الريح فهدمته، وستأتي قصته في غافر إن شاء الله تعالى {وا لا يهدي القوم الظالمين} بالكفر إلى محجة الاحتجاج. {أو كالذي مرّ على قرية} فيه حذف تقديره أوَ رأيت مثل الذي، فحذف لدلالة ألم تر عليه، لأن كلتيهما كلمة تعجب، وتخصيصه بحرف التشبيه، لأنّ المنكرين للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدّعي الربوبية وقيل: الكاف مزيدة، وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو إلى الذي مرّ، والمار عزير بن شرحيا أو الخضر أو الكافر بالبعث، ويؤيد هذا نظمه مع نمروذ في سلك وكلمة الاستبعاد التي هي. أنّى يحيي، وأكثر المفسرين على الأوّل والقرية بيت المقدس حين خربها بختنصر وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه تراباً فيقذفه في بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثاً قتلهم، وثلثاً سباهم وثلثاً أقرهم بالشأم وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف وقيل غيرهما {وهي خاوية} أي: ساقطة {على عروشها} أي: سقوفها بأن سقط السقف أولاً ثم سقطت الجدران عليه، لما أخربها بختنصر {قال أنى} أي: كيف {يحيي هذه الله بعد موتها} أي: بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل، فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة، وهذا اعتراف بالعجز من معرفة طريق الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي، إن كان القائل مؤمناً واستبعاد إن كان كافراً. {فأماته الله} وألبثه {مائة عام} ميتاً {ثم بعثه} بالإحياء ليريه كيفية ذلك {قال كم لبثت} أي: مكثت أي: لما أحياه الله بعث إليه ملكاً فسأله كم لبثت؟ وعن ابن عباس أن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيماً خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة فأصابه الحرّ، فدخل الخربة وهو على حمار له فنزل عن حماره ومعه سلّة فيها تين وسلة فيها عنب، فنزل في ظلّ تلك الخربة وأخرج قصعة كانت معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في تلك القصعة في العصر ليبتل فيأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي ساقطة على عروشها ورأى عظاماً بالية فقال: {أنى يحيى هذه الله بعد موتها} فلم يشك أنّ الله يحييها ولكن قالها تعجباً، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام، وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث فبعث الله إلى عزير ملكاً فخلق قلبه ليعقل به وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركّب خلقه وهو ينظر ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك يرى
ويعقل فاستوى جالساً فقال له الملك: كم لبثت؟ {قال لبثت يوماً} وذلك أنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس فقال: لبثت يوماً وهو يرى أنّ الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: {أو بعض يوم} أي: بل بعض يوم {قال} أي: الله أو الملك له {بل لبثت مائة عام} قرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة في كم لبثت، وفي قال: لبثت وفي بل لبثت، والباقون بالإدغام. ثم قال له الله أو الملك {فانظر إلى طعامك} وكان تيناً أو عنباً {وشرابك} وكان عصيراً أو لبناً {لم يتسنه} أي: لم يتغير بمرور الزمان فكان التين أو العنب كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر أو اللبن قد حلب من ساعته قال الكسائيّ أي: كأنه لم يأت عليه السنون، وإنما أفرد الضمير لأنّ الطعام والشراب كالجنس الواحد. فإن قيل: إذا كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ أجاب الزمخشريّ بأنّ الكلام كان بعد البعث ولم يك إذ ذاك كافراً وقال أبو حيان: لا نص في الآية، إنّ الله كلمه شفاهاً، وقرأ حمزة والكسائيّ لم يتسنّ بإسقاط الهاء إذا وصلها بما بعدها، والباقون بإثباتها وفي الوقت ثابتة للجميع. {وانظر إلى حمارك} كيف هو فرآه ميتاً وعظامه بيض وكان له حمار قد ربطه، وقيل: رآه حياً مكانه كما ربطه حفظ بلا ماء ولا علف، كما حفظ الطعام والشراب من التغير. وقوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} معطوف على محذوف تقديره فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية وقيل: الواو زائدة مقحمة أي: لنجعلك عبرة ودلالة على البعث بعد الموت {وانظر إلى العظام كيف ننشرها} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالراء ومعناه نحييها، والباقون بالزاي ومعناه نرفعها من الأرض ونردّها إلى أماكنها من الجسد. وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها: وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشرها ولنجعلك آية للناس، واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون: إنه أراد به عظام حماره وهذا يؤيد كون حماره كان ميتاً قال السديّ: إن الله أحيا عزيراً ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل، الذي ذهبت به الطيور والسباع، فاجتمعت فركب بعضها في بعض، وهو ينظر فصار حماراً من عظام ليس فيه لحم ولا دم ثم كسا العظام لحماً ودماً كما قال تعالى: {ثم نكسوها لحماً} فصار حماراً لا روح فيه ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى، وقال الأقلّون: أراد به عظام هذا الرجل فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائماً واقفاً كهيئته يوم ربطه، وهذا يؤيد كون حماره كان حياً وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء قال الضحاك وقتادة: وتقدير أي على هذا وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشرها. روي أن عزيراً لما أحياه الله تعالى ركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله، فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عزير عنهم وهي بنت عشرين سنة فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت، وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً فقال: فإني أنا عزير فقالت: سبحان الله فإن عزيراً فقدناه من مائة سنة، لم نسمع له بذكر، قال: إنّ الله أماتني مائة سنة ثم
بعثني قالت: فإنّ عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية، فادع الله أن يردّ عليّ بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك، فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله تعالى، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت إليه فقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، قال الضحاك: عاد إلى قريته شاباً وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز، وهو أسود الرأس واللحية، فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فردّ عليّ بصري وأطلق رجلي، وزعم أنّ الله أماته مائة عام ثم بعثه، فنهض الناس وأقبلوا عليه ونظروا إليه، وقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير، فقال بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير، فقرأ لهم التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك وقالوا: هو ابن الله.u وسيأتي الكلام على ذلك في سورة براءة إن شاء الله تعالى. {فلما تبين له} ذلك بالمشاهدة وفاعل تبين مضمر تقديره: فلما تبيّن له أنّ الله على كل شيء قدير {قال أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير} فحذف من الأوّل لدلالة الثاني عليه كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً، وقرأ حمزة والكسائيّ بوصل الهمزة قبل العين وسكون الميم، والباقون بقطع الهمزة ورفع الميم. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَاكِن لِّيَطْمئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا? وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَن?بَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُن?بُلَةٍ مِّا?ئَةُ حَبَّةٍ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا? مَنًّا وَ? أَذًى? لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى? وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ * يَ?اأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? تُبْطِلُوا? صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَا?ذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ? رِئَآءَ النَّاسِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ا?خِرِ? فَمَثَلُهُ? كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ? وَابِلٌ فَتَرَكَهُ? صَلْدًا? s يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا?? وَاللَّهُ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} {و} اذكر {إذ قال إبراهيم رب أرني} أي: أبصرني، قرأ ابن كثير والسوسي بسكون الراء من أرني، وقرأ الدوريّ باختلاس الكسرة، والباقون بكسرة كاملة {كيف تحيي الموتى} قال الحسن وقتادة والضحاك: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام أنه مرّ على دابة ميتة، قال ابن جرير: كانت جيفة حمار فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبرّ، فكانت إذا مدّ البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها، وما وقع منها، يصير في البحر وإذا انحسر البحر جاءت السباع فأكلت منها وما وقع منها يصير تراباً فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها وما سقط قطعته الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم تعجب منها وقال: يا رب قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر، فأرني كيف تحييها فأزداد يقيناً فعابه الله بقوله: {قال أولم تؤمن} بقدرتي على الإحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيب بما أجاب به، فيعلم السامعون غرضه {قال بلى} يا رب آمنت {ولكن ليطمئن قلبي} أي: ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن يصير له بعد علم اليقين عين اليقين، فإن العيان يفيد في المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم «نحن أحق بالشك من إبراهيم ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» فقال أبو سسليمان الخطابي: ليس فيه اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، وقيل: سبب سؤاله أنه لما قال له نمروذ أنا أحيي وأميت قال له: إن إحياء الله بردّ الروح إلى بدنها، فقال نمروذ: هل عاينته فلم يقدر أن يقول: نعم، وانتقل إلى تقرير آخر ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه في الجواب إن سئل عنه مرّة
أخرى. فإن قيل: بم تعلقت اللام في ليطمئن؟ أجيب: بأنها تعلقت بمحذوف تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب. وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيى ولكنه طلبها تلويحاً، فأجيب بالمنع منها تلويحاً، وموسى عليه الصلاة والسلام لما سألها تصريحا أجيب بالمنع تصريحاً. قال تعالى: {فخذ أربعة من الطير} قال مجاهد وابن جرير: أخذ طاوساً وديكاً وحمامة وغراباً، وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان شبهاً، كتدوير الرأس والمشي على رجلين، وأجمع لخواص الحيوان لأنّ فيها ما يتكلم، وما يهتدي للطريق كالقطاة، وللمياه كالهدهد، وفي هذا إيماء إلى أنّ إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف، التي هي صفة الطاوس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس، وبعد الأمل المتصف بهما الغراب والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة. وروي بدلها البطة وبدل الغراب الغرنوق. {فصرهنّ} أي: فأمسكهن واضممهنّ {إليك} قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها. فإن قيل: ما معنى أمره بضم الطير إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ أجيب: بأنه ليتأمّلها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها، لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك، ولذلك قال: {يأتينك سعياً} . وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال كما قال تعالى: {ثم اجعل على كلّ جبل منهنّ جزأ} واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ابن عباس وقتادة: أمره الله تعالى أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على أربعة أجبل، على كل جبل جزء من كل طائر، وقال السديّ وابن جريج: جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل، وأمسك رؤوسهنّ ثم دعاهنّ: تعالين بإذن الله، فجعل كل قطرة من دم طائر تصير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة إلى الريشة الأخرى، وكل عظم يصير إلى العظم الآخر، وإبراهيم ينظر حتى صارت جثثاً بغير رؤوس ثم أقبلن إلى رؤوسهن سعياً فالتقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى: {ثم أدعهنّ يأتينّك سعياً} أي: سريعاً، وقيل: مشياً لأنها لو طارت لربما توهم متوهم أنها غير تلك الطير، وإنّ أرجلها غير سليمة قال البيضاويّ: وفي ذلك إشارة إلى أنّ من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية فعليه أن يقبل على القوى البدنية كالشهوة والغضب فيقتلها، ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها فتطاوعنه مسرعات متى دعاهنّ بداعية العقل أو الشرع، وكفى لك شاهداً على فضل إبراهيم ويمنه أي: بركته حيث سلك مسلك الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، أنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه، وأراه عزيراً بعد أن أماته مائة عام {واعلم أنّ الله عزيز} لا يعجز عما يريد {حكيم} ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله. {مثل الذين ينفقون} أي: يبذلون {أموالهم} بطيب النفس {في سبيل الله} الذي له الكمال كله أي: في طاعته كمثل زراع ومثل ما ينفقون {كمثل حبة} مما زرعه فلا بدّ من حذف كما تقرّر أو يقال مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة {أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} والمنبت هو الله سبحانه وتعالى، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم
بإظهار تاء التأنيث عند السين، والباقون بالإدغام، ومعنى إنباتها سبع سنابل أن يخرج منها ساق يتشعب منه سبع شعب لكل واحدة سنبلة، وهذا التمثيل تصوير الأضعاف كأنها مصوّرة بين عيني الناظر. فإن قيل: كيف صح هذا التمثيل ولم نر سنبلة فيها مائة حبة؟ أجيب: بأنّ ذلك موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأرض القوية المغلة فبلغ حبها هذا المبلغ، وعلى تقدير عدم وجوده هو غير مستحيل وما لا يكون مستحيلاً يجوز ضرب المثل به وتأوّل ذلك الضحاك فقال: كل سنبلة أنبتت مائة حبة. فإن قيل: هلا قال الله تعالى سبع سنبلات، لأنه جمع قلة كما قال الله تعالى {وسبع سنبلات خضر} (يوسف، الآيات: 43 ـ 46) ؟ أجيب: بما تقدّم في قوله تعالى {ثلاثة قروء} (البقرة، 228) . {وا يضاعف لمن يشاء} بفضله تلك المضاعفة أو يضاعف على هذا ويزيد لمن شاء ما بين سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، ومن أجل ذلك تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب {وا واسع} أي: غنيّ يعطي عن سعة {عليم} بنية المنفق وقدر إنفاقه وبمن يستحق المضاعفة. {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي: طاعته، قال الكلبيّ: نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» وأمّا عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وألف دينار. قال عبد الرحمن بن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبيّ صلى الله عليه وسلم فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ويقلبها ويقول: «ما ضرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم وقال: يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه» . {ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً} أي: على المنفق عليه بقولهم مثلاً: قد أحسنت إليه وجبرت حاله، فيعدّدون عليه النعمة، فحذر الله عباده المن بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه؛ لأنه من العباد تعيير وتكدير ومن الله إفضال وتذكير وكان السلف يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها، والعرب يمتدحون بترك المن ويذمون عليه فمن الأوّل قول القائل: *زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير* *تتناساه كأن لم تأته ... وهو في العالم مشهور كبير* ومن الثاني قول القائل *وإنّ امرأ أسدى إليّ صنيعة ... وذكرنيها مرّة لبخيل* وقيل: طعم الآلاء أحلى من المنّ، وهي أمر من الآلاء مع المنّ، ويطلق المنّ أيضاً على النعمة، يقال: لفلان عليّ منة أي: نعمة وأنشد ابن الأنباري: *فمني علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودرّ منظم وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً} (آل عمران، 164) الآية {ولا أذى} له كأن يذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه، أو يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه، وثم للتفاوت بين الإنفاق وترك المن
والأذى {لهم أجرهم} أي: ثواب إنفاقهم {عند ربهم ولا خوف عليهم} أي: فلا يخافون فقد أجورهم {ولا هم يحزنون} في الآخرة بسبب أن لا يوجد. {قول معروف} أي: كلام حسن وردّ على السائل جميل، لأنّ القول الجميل وإن كان يردّ السائل يفرح قلبه، ويروح روحه وقيل: عدة حسنة {ومغفرة} أي: بأن يستر عليه خلته ولا يهتك ستره، ويتجاوز عنه إذا وجد منه ما ينقل عليه عند ردّه {خير من صدقة} يدفعها إليه {يتبعها أذى} أي: منّ وتعيير السائل أو قول يؤذيه. فإن قيل: لِمَ لم يعد ذكر المنّ فيقول: يتبعها منّ أو أذى؟ أجيب: بأنّ الأذى يشمل المنّ وغيره، كما تقرّر وإنما نصّ عليه فيما مرّ لكثرة وقوعه من المتصدّقين، وعسر تحفظهم منه، ولذلك قدّم على الأذى قال بعضهم: الآية واردة في صدقة التطوّع؛ لأنّ الواجب لا يحل منعه ويحتمل أن يراد بها الواجب، فإنه قد يعدل به عن سائل إلى سائل، وعن نفر، إلى نفر وإنما صحّ الابتداء بالنكرة وهي قول لاختصاصها بالصفة وهي معروف، وأمّا المعطوف وهو مغفرة فلا يحتاج إلى مخصص لتبعيتها {وا غنيّ} عن صدقة العباد، وإنما أمرهم ليثيبهم عليها {حليم} بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي بصدقته. {يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} أي: أجورها لأنّ الصدقة وقعت فلا يصح أن تبطل {بالمنّ والأذى} . فإن قيل: ظاهر هذا اللفظ أنّ مجموع المنّ والأذى يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الآخر، لا يبطل الأجر، أجيب: بأنّ الشرط أن لا يوجد واحد منهما دون الآخر لأنّ قوله تعالى: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً} ولا أذى يقتضي أن لا يقع هذا ولا هذا أي: فتبطل لكل واحد منهما إبطالاً. {كالذي} أي: كإبطال أجر نفقة الذي {ينفق ماله رئاء الناس} أي: مرائياً لهم، ليروا نفقته، ويقولون: إنه كريم سخي {ولا يؤمن با واليوم الآخر} وهو المنافق لأنّ الكافر معلن بكفره غير مراء {فمثله} أي: هذا المرائي في إنفاقه {كمثل صفوان} وهو الحجر الأملس {عليه} أي: استقرّ عليه {تراب} والتراب معروف وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع. وقال المبرد: هو جمع واحده ترابة، وفائدة هذا الخلاف أنه لو قال لزوجته: أنت طالق عدد التراب أنه يقع عليه طلقة على الأوّل وهو الأصح وثلاث على الثاني {فأصابه وابل} وهو المطر الشديد العظيم القطر {فتركه صلداً} أي: أملس نقياً من التراب وقوله تعالى: {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رياء أي: لا يجدون له ثواباً في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له. فإن قيل: كيف قال تعالى لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق؟ أجيب: بأنه تعالى أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ولأن من والذي يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء يقول الله تعالى لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» وروى أبو هريرة: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ـ أي: أمره ـ ليقضي بينهم وكل أمة جاثية وأوّل من يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول
الله تعالى للقارىء: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وأناء النهار فيقول الله تعالى: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان قارىء، وقد قيل، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدّق فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: فيماذا قتلت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قيل، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أوّل خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» . {وا لا يهدي القوم الكافرين} إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأنّ الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق صفة الكفار ولا بد أن تجتنبوا عنها. {ومثل} نفقات {الذين ينفقون أموالهم ابتغاء} أي: طلب {مرضاة الله} أي: رضاه {وتثبيتاً من أنفسهم} أي: تثبيتاً بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم، والصبر على جميع مشاق التكاليف، فإن من راض نفسه يحملها على بذل المال، الذي هو شقيق الروح، فإن بذله أشق شيء على النفس؛ لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكاليفها بما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها، وقلّ طعمها في اتباعه لشهواتها فيسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طَعَمُها في اتباع الشهوات، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قوله: هز من عطفه وحرك من نشاطه. فإن قيل: ما معنى التبعيض؟ أجيب: بأنّ معناه إنّ من بذل ماله لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه فهو الذي ثبتها كلها أو تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله تعالى علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه، فمن على هذا لابتداء الغاية كقوله تعالى: {حسداً من عند أنفسهم} {كمثل جنة} أي: بستان {بربوة} وهي المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار، فلا يعلوه الماء ولا يعلو هو على الماء، وإنما جعلها بربوة، لأنّ النبات عليها أحسن وأزكى، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء والباقون بضمها {أصابها وابل} أي: مطر شديد كثير. {فأتت} أي: أعطت {أكلها} أي: ثمرتها، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بسكون الكاف، والباقون بضمها {ضعفين} أي: مثلي ما يثمر غيرها بسبب الوابل والمراد بالضعف المثل وقيل: أربعة أمثاله، لأنّ الضعف قدر الشيء ومثله معه، فيكون الضعفان أربعة واستظهره البقاعي، وقال أبو حيان: يحتمل أنها للتكثير أي: ضعفاً بعد ضعف أي: أضعافاً كثيرة، لأنّ النفقة لا تضاعف بحسنة فقط، بل بعشر وسبعمائة وأزيد، ونصبه على الحال أي: مضاعفاً. {فإن لم يصبها وابل فطل} أي: مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، والمعنى تثمر وتزكو كثر المطر أو قل، فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أو قلت {وا بما تعملون بصير} فيجازيكم به ففيه وعد ووعيد. {أيودّ أحدكم} أي: أيحب حباً شديداً {أن تكون له جنة} أي: بستان {من نخيل} جمع نخلة، وهي الشجرة القائمة على ساق،
ثمرها من أعلاها في كلها نفع حتى في خشبها مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله {وأعناب} جمع عنب وهو شجر الكرم لا يختص ثمره بجهة العلو اختصاص النخلة، بل يتفرّع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة، مثله كمثل المؤمن المتّقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة. ولما كانت الجنان لا تقوم ولا تدوم إلا بالماء قال تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} أي: من تحت هذه الأشجار {له فيها} أي: الجنة ثمر مع ثمر النخل والعنب {من كل الثمرات} فهي محتوية على سائر أنواع الأشجار، وإنما خص النخل والعنب بالذكر لشرفهما وكثرة منافعهما وحسن منظرهما {وأصابه} أي: والحال أنه أصابه {الكبر} أي: كبر السنّ فصار لا يقدر على اكتساب. {وله ذرية ضعفاء} بالصغر كما ضعف هو بالكبر {فأصابها} أي: الجنة {إعصار} وهو الريح العاصف الذي يرتفع إلى السماء كأنها عمود، وتسميها العامة الزوبعة وجمعه أعاصر، والإعصار من بين سائر الرياح مذكر، ولهذا رجع إليه الضمير مذكراً في قوله: {فيه نار فاحترقت} تلك الجنة ففقدها أحوج ما كان إليها، وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم. وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بها فإذا كبر وضعف وصار له أولاد ضعفاء صغار أصاب جنة إعصار فيه نار فاحترقت أحوج ما يكون إليها، وضعف عن إصلاحها لكبره، وضعفت أولاده عن إصلاحها، ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده، ما يعودون به عليه، فبقوا جميعاً متحيرين عجزة لا حيلة لهم، كذلك يبطل الله تعالى عمل المنافق والمرائي في الآخرة، حين لا مغيث لهما ولا توبة ولا إقالة، والاستفهام بمعنى النفي. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضرب لرجل عمل بالطاعات، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله. {كذلك} أي: مثل هذا البيان {يبين الله} أي: الذي له الكمال كله {لكم الآيات لعلكم} أي: لكي {تتفكرون} فيها فتعتبرون بها. ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الإنفاق على قسمين وبين كل قسم وضرب له مثلاً ذكر كيفية الانفاق بقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أنفقوا} أي: زكوا {من طيبات} أي: جياد {ما كسبتم} من المال والتجارة والصناعة، وفيه دلالة على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإنّ ولده من كسبه» وقال صلى الله عليه وسلم «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده» وكان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده. والزكاة واجبة في مال التجارة فبعد الحول تقوم العروض، فيخرج من قيمتها عشرين ديناراً، أو مائتي درهم فضة فيزكيها، قال سمرة بن جندب: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعدّ للبيع» . {ومما} أي: ومن طيبات ما {أخرجنا لكم من الأرض} من الحبوب والثمار والمعادن فحذف المضاف وهو طيبات من الثاني لتقدّم ذكره. وفي هذا أمر بإخراج العشر من الثمار والحبوب، واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقياً بماء السماء، أو من نهر يجري الماء فيه من غير مؤنة، وإن كان مسقياً بساقية أو نضح ففيه نصف العشر، لقوله صلى الله عليه وسلم «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما يسقي بالنضح نصف العشر»
وعنه: «ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» وقال قوم الآية في صدقة التطوع قال صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة» . {ولا تيمموا} أي: لا تقصدوا {الخبيث} أي: الرديء {منه} أي: المذكور {تنفقون} في الزكاة حال من ضمير تيمموا {ولستم بآخذيه} أي: الخبيث {إلا أن تغمضوا} أي: تسامحوا {فيه} بالحياء مع الكراهة مجاز من أغمض بصره إذا غضه. وروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشواره فنهوا عن ذلك، هذا إذا كان المال كله أو بعضه جيداً فإن كان كل ماله ردياً فلا بأس بإعطاء الرديء {واعلموا أنّ الله غنيّ} عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لانتفاعكم {حميد} أي: يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب. {الشيطان يعدكم الفقر} أي: يخوّفكم به إن تصدّقتم ويقال: وعدته خيراً ووعدته شراً قال تعالى في الخير: {عدكم الله مغانم كثيرة} (الفتح، 20) وقال في الشر: {النار وعدها الله الذين كفروا} (الحج، 72) فإذا لم يذكر الخير والشر قلت: في الخير وعدته، وفي الشر: أوعدته والفقر سوء الحال وقلة ما في اليد وأصله من كسر الفقار ومعنى الآية أن الشيطان يخوّفكم بالفقر، ويقول للرجل: أمسك مالك فإنك إذا تصدّقت افتقرت. {ويأمركم بالفحشاء} أي: بالبخل ومنع الزكاة قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فهو الزناء إلا في هذا الموضع. {وا يعدكم مغفرة منه} لما وقع منكم من تقصير وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لما له من الإحاطة بصفات الكمال، ولما جبل عليه الإنسان من النقص. {وفضلاً} بالزيادة في الدارين وكل نعمة منه فضل ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {وا واسع} فضله {عليم} بالمنفق وغيره. وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دقّ، وعن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الله تعالى قال: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مند خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه» قال: «وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض» وعن أسماء أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى الله عليك» . {يؤتى الحكمة} أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل. وقال السدّي: هي النبوّة وقال ابن عباس وقتادة: علم القرآن ناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثال ذلك وقال الضحاك: هي القرآن والفهم فيه وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهنّ وقال مجاهد: هي القرآن والعلم والنفقة. وقوله تعالى: {من يشاء} مفعول أوّل أخر للاهتمام بالمفعول الثاني وهو الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} لمصيره إلى السعادة الأبدية {وما يذكر} فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي: ما يتعظ بما قص من الآيات أي: ما يتفكر فإنّ المتفكر كالمتذكر لما أودع الله تعالى في قلبه من العلوم بالقوّة {إلا أولوا الألباب} أي: أصحاب العقول الخالصة من
شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى. {س2ش270/ش274 وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ?? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * إِن تُبْدُوا? الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ? وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ? وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّ?َاتِكُمْ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَ?ـاهُمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ فَ?نفُسِكُمْ? وَمَا تُنفِقُونَ إِs ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا? فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ا?رْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ يَسْـ?َلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا? وَمَا تُنفِقُوا? مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ? عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَ نِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ} {وما أنفقتم} أي: أديتم {من نفقة} قليلة أو كثيرة سراً أو علانية زكاة أو صدقة تطوع {أو نذرتم من نذر} بشرط أو بغير شرط فوفيتم به {فإنّ الله يعلمه} فيجازيكم به. فإن قيل: لِمَ وحّد الضمير في يعلمه وقد تقدّم شيئان: النفقة والنذر؟ أجيب: بأنّ العطف بأو وهي لأحد الشيئين تقول: زيد أو عمرو أكرمته، ولا يجوز أكرمتهما بل يجوز أن يراعى الأول نحو زيد أو هند منطلق، والثاني نحو زيد أو هند منطلقة، والآية من هذا، ومن مراعاة الأوّل {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} (الجمعة، 11) ولا يجاز أن يقال: منطلقان ولهذا أوجل النحاة قوله تعالى: {إن يكن غنياً أو فقيراً فا أولى بهما} (النساء، 135) كما سيأتي إن شاء الله تعالى {وما للظالمين} بمنع الزكاة والنذر أو بوضع الإنفاق في غير محله من معاصي الله تعالى {من أنصار} أي: من ينصرهم من الله ويمنعهم من عذابه فهو على طريق التوزيع والمقابلة أي: لا ناصر لظالم قط فسقط ما يقال إنّ نفي الأنصار لا يوجب نفي الناصر. {إن تبدوا} أي: تظهروا {الصدقات} أي: النوافل {فنعما هي} أي: فنعم شيئاً إبداؤها، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، والباقون بكسرها، وقرأ قالون وأبو عمرو باختلاس كسرة العين، والباقون بالكسرة الكاملة. {وإن تخفوها} أي: تسروها {وتؤتوها الفقراء} أي: تعطوها لهم في السر {فهو خير لكم} أي: أفضل من إبدائها وإيتاؤها للفقراء أفضل من إيتائها للأغنياء. سئل صلى الله عليه وسلم هل صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت هذه الآية، وفي الحديث: «صدقة السر تطفىء غضب الرب» وقال صلى الله عليه وسلم «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله تعالى فاجتمعا على ذلك وتفرّقا، ورجل ذكر الله تعالى خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» نعم إن كان ممن يقتدى به فالإظهار في حقه أفضل، أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في البيت أفضل وليقتدى به، لئلا يتهم ولا يجوز دفع شيء منها للأغنياء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً» . تنبيه: الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} (هود، 103) وقال عليه الصلاة والسلام: «نفقة المرء على عياله صدقة» والزكاة لا تطلق إلا على الفرض» {ونكفّر عنكم من سيآتكم} أي: بعضها وقيل: من صلة، وقرأ ابن عامر وحفص بالياء التحتية، والباقون بالنون. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بجزم الراء بالعطف على محل فهو، والباقون بالرفع على الاستئناف. وقوله تعالى: {وا بما تعملون خبير} فيه ترغيب في الإسرار لأنه عالم بباطن الشيء كظاهره ولا يخفى عليه شيء منه. ولما منع النبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين من التصدّق على فقراء المشركين، كي تحملهم الحاجة ليسلموا نزل: {ليس عليك هداهم} أي: لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، وإنما عليك الإرشاد
والحث على المحاسن والنهي عن القبائح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث. وقوله تعالى: {ولكن الله يهدي من يشاء} أي: هداية التوفيق صريح بأنّ الهداية من الله وبمشيئته وإنما تخص بقوم دون قوم، أما هدى البيان فكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطوهم بعد نزول الآية {وما تنفقوا من خير} أي: من مال. وقوله تعالى: {فلأنفسكم} خبر لمبتدأ محذوف أي: فهي لأنفسكم؛ لأنّ ثوابه لها فلا تمنوا به على غيركم ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ولا تنفقوا الخبيث. وقوله تعالى: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} عطف على ما قبله أي: وليس نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله، ولطلب ما عنده، فما لكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله تعالى {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} ثوابه أضعافاً مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا على إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجلها، والجملتان تأكيد للأولى وهي وما تنفقوا من خير فلأنفسكم أو ما يخلف المنفق استجابه لقوله صلى الله عليه وسلم «اللهمّ اجعل لمنفق خلفاً ولممسك تلفاً» رواه البخاري. {وأنتم لا تظلمون} أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً تفضلاً من الله تعالى عليكم، وهذا في صدقة التطوّع أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطيها فنزلت. وروى النسائي والحاكم أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم فنزلت. وعن بعض العلماء: لو كان المنفق عليه أشر خلق الله كان لك ثواب نفقتك. وأمّا الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين أهل السهمان المذكورين في سورة التوبة، لكن جوّز أبو حنيفة رحمه الله صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة. وقوله تعالى: {للفقراء} خبر مبتدأ محذوف أي: صدقاتكم للفقراء أو متعلق بفعل مقدر كاجعلوا ما تنفقون للفقراء {الذين أحصروا في سبيل الله} أي: حبسوا أنفسهم على الجهاد وهم فقراء المهاجرين، كانوا نحواً من أربعمائة لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، كانوا يسكنون صفّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المشهورون بأصحاب الصّفّة، فحث الله عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. {لا يستطيعون ضرباً} أي: سفراً {في الأرض} للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد {يحسبهم الجاهل} بحالهم {أغنياء من التعفف} أي: لأجل تعففهم عن السؤال. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين، والباقون بكسرها {تعرفهم} أيها المخاطب {بسيماهم} أي: بعلامتهم من التخشع والتواضع، وصفرة الوجوه، ورثاثة الحالة {لا يسألون الناس} شيئاً فيلحفون {إلحافاً} أي: لا سؤال لهم أصلاً فلا يقع منهم إلحاف ومثل ذلك قول الشاعر: *لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر* أي: ليس فيها أرنب فيفزع لهولها ولا ضب فينجحر، وليس المعنى أنه ينفي الفزع عن الأرنب والانجحار عن الضب والإلحاف الإلحاح، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده وقيل: إنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا.
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب الحييّ الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف» ، وقال صلى الله عليه وسلم «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه» وقال صلى الله عليه وسلم «من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خدوش» قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «خمسون درهماً أو قيمتها» {وما ينفقوا من خير} أي: مال {فإنّ الله به عليم} فيجازيكم وفي هذا ترغيب في الإنفاق. {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار وسراً وعلانية} أي: يعمّون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: تصدّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر، وعشرة بالعلانية. وفي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانية. وقال الأوزاعي: نزلت في الذين يربطون الخيل للجهاد فإنها تعلف ليلاً ونهاراً سراً وعلانية. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» وقوله تعالى: {فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} خبر الذين ينفقون والفاء للسببية. فإن قيل: أيّ فرق بين قوله هنا {فلهم أجرهم} (البقرة، 274) وفيما مرّ {لهم أجرهم} (البقرة، 262) ؟ أجيب: بأنّ الموصول ثم لم يضمن معنى الشرط وضمنه هنا. أي: يأخذونه وهو لغة الزيادة وشرعاً عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وهو ثلاثة أنواع: ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النساء وهو البيع إلى أجل وإنما ذكر الأكل؛ لأنه أعظم منافع المال كقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} (النساء، 10) فنبه بالأكل على ما سواه من وجوه الإتلافات؛ ولأنّ نفس الربا الذي هو الزيادة لا يؤكل وإنما يصرف في المأكول وقال صلى الله عليه وسلم «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له» فعلمنا أنّ الحرمة غير مختصة بالأكل. ولما كان بين الصدقة والربا مناسبة من جهة التضادّ؛ لأنّ الصدقة عبارة عن تنقيص المال بأمر الله بذلك والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه فكانا كالمتضادين ذكر عقب الصدقة ويرسم بالواو والألف بعد الواو وإنما رسم على لغة من يفخم وهو يميل الألف أي يخرج الواو كما كتبت الصلاة والزكاة. وقيل: لأنّ أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو بالواو الساكنة، فعلموهم الخط على لغتهم وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع {لا يقومون} إذا بعثوا من قبورهم {إلا} أي: قياماً {كما يقوم الذي يتخبطه} أي: يصرعه {الشيطان} وقوله تعالى: {من المس} أي: الجنون متعلق بتخبطه من جهة الجنون فيكون في موضع نصب قاله أبو البقاء: والمعنى أنّ آكل الربا يبعث يوم القيامة وهو كالمصروع تلك سيماه يعرف بها عند أهل الموقف. فإن قيل: لم نسب هذا للشيطان؟ أجيب: بأنه وارد على ما تزعم العرب أنّ الشيطان يتخبط الإنسان فيصرع والخبط الضرب على غير استواء يقال: ناقة خبوط للتي تطأ الناس
وتضرب الأرض بقوائمها ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه إنه يخبط خبط عشواء وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون؛ لأنه كالضرب على غير استواء في الإدهاش {ذلك} أي: الذي نزل بهم {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قالوا إنما البيع مثل الربوا} في الجواز. فإن قيل: ما الحكمة في قلب القصة ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق؛ لأنّ حل البيع متفق عليه وهم أرادوا قياس الربا عليه فكان نظم الكلام أن يقال إنما الربا مثل البيع؟ أجيب: بأنّ هذا من عكس التشبيه مبالغة إذ به صار المشبه مشبهاً به وبالعكس وشأن المشبه به أن يكون أقوى من المشبه أو بأنهم لم يكن مقصودهم أن يتمسكوا بنظم القياس بل كان غرضهم أنّ البيع والربا متماثلان في جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والآخر بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز وقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرّم الربوا} إنكار لتسويتهم وإبطال القياس لمعارضته النص. تنبيه: أظهر قولي الشافعيّ أنّ هذه الآية عامّة في كل بيع إلا ما خص بالسنة وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع، والثاني إنها مجملة والسنة مبينة لها أو تظهر فائدة الخلاف في الاستدلال بها في مسائل الخلاف فعلى الأوّل يستدل بها وعلى الثاني لا يستدل {فمن جاءه} أي: بلغه {موعظة} أي: وعظ {من ربه} وزجر بالنهي عن الربا {فانتهى} أي: فاتبع النهي وامتنع من أكله {فله ما سلف} أي: ما مضى قبل النهي فلا يستردّ منه ما أخذه من الربا وقيل: ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له {وأمره إلى الله} بعد النهي إن شاء عصمه حتى يثبت على الإنتهاء وإن شاء خذله حتى يعود. وقيل: أمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس له من أمر نفسه شيء {ومن عاد} إلى تحليل الربا مشبهاً له بالبيع في الحل {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} لأنهم كفروا بذلك وورد أنه صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومؤكله والواشمة والمستوشمة والمصوّر وأنه صلى الله عليه وسلم قال: «الربا سبعون باباً أهونها عند الله عز وجل كالذي ينكح أمّه» . {يمحق الله الربوا} أي: يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن مسعود الربا وإن كثر فإلى قل {ويربي الصدقات} أي: يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه. روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم فلوه» . وروى الإمام أحمد: «ما نقص مال من صدقة» {وا لا يحب كل كفار} أي: مصرّ على تحليل المحرّمات كمن يحلّل الربا {أثيم} منهمك في ارتكابه. {إنّ الذين آمنوا} بالله وبرسوله ربما جاء لهم عنه {وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} وإنما عطفهما على ما يعمهما لشرفهما {لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم} من آت {ولا هم يحزنون} على فائت وتقدّم مثل هذه الآية ولكن جرت عادة الله سبحانه وتعالى في القرآن مهما ذكر وعيداً ذكر بعده وعداً، فلما بالغ هنا في وعيد الربا أتبعه بهذا الوعد. فإن قيل: إن الإنسان إذا بلغ عارفاً بالله وقبل وجوب الصلاة والزكاة عليه مات فهو من أهل الثواب بالاتفاق، فدل على أن استحقاق الثواب لا يتوقف على حصول العمل أجيب: بأنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا بل لأجل أن لكل
منهما أثراً في جلب الثواب كما قال تعالى في ضد هذا {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} (الفرقان، 68) ثم قال تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} ومعلوم أنّ من ادعى أنّ مع الله إلهاً آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر وإنما جمع الله تعالى الزنا وقتل النفس مع دعاء غير الله تعالى إلهاً لبيان أنّ كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة. {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا} أي: اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا الذي أخذتم بعضه قبل التحريم {إن كنتم مؤمنين} أي: بقلوبكم أو إن بمعنى إذ فإنّ دليل الإيمان امتثال ما أمرتم به. روي أنها نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان له قبل. {فإن لم تفعلوا} أي: تذروا ما بقي من الربا {فائذنوا} أي: اعلموا، من أذن بالشيء إذا علم به أي: فاعلموا أنتم وأيقنوا {بحرب من الله ورسوله} لكم. فإن قيل: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم إن لم يتوبوا؟ أجيب: بأنّ مقتضى ذلك أنهم يقاتلون إن لم يرجعوا قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب، قال أهل المعاني: حرب الله تعالى النار وحرب رسوله صلى الله عليه وسلم السيف. وقرأ شعبة وحمزة فآذنوا بفتح الهمزة ومدّها وكسر الذال أي: فأعلموا بها غيركم وهو من الإذن وهو الاستماع لأنه من طريق العلم والباقون بسكون الهمزة وفتح الذال {وإن تبتم} أي: تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه {فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون} بطلب الزيادة {ولا تظلمون} بالنقصان عن رأس المال. فإن قيل: هلا قال تعالى بحرب الله ورسوله؟ أجيب: بأنّ هذا أبلغ؛ لأنّ المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولما نزلت هذه الآية قال المرابون: بل نتوب إلى الله، فإنه لا ثبات لنا بحرب من الله ورسوله، فرضوا برأس المال فشكا من عليه الدين العسرة وقال لمن لهم الدين: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة} له أي: عليكم تأخيره {إلى ميسرة} أي: وقت يسره. تنبيه: في كان هذه وجهان: أظهرهما أنها تامّة بمعنى حدث ووجد أي: وإن حدث ذو عسرة، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال، الثاني أنها ناقصة وخبرها محذوف، قال أبو البقاء تقديره: وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو نحو ذلك، وقدره بعضهم وإن كان ذو عسرة غريماً، وقرأ نافع بضمّ السين والباقون بفتحها {وأن تصدقوا} أي: بالإبراء وقرأ عاصم بتخفيف الصاد والباقون بالتشديد على إدغام التاء في الأصل والتخفيف على حذفها {خير لكم} أي: أكثر ثواباً من الإنظار وهذا مما فضل المندوب فيه الواجب، فإنّ الإبراء مندوب إليه والإنظار واجب فيحرم حبس المعسر، وهل القول قوله في إعساره أو لا بدّ من بينة تشهد بذلك ينظر إن كان الدين عن عوض كالبيع والقرض فلا بدّ من بينة، وإن كان عن غير عوض كالضمان والإتلاف والصداق، فالقول قول المعسر بيمينه وعلى الغريم البينة إلا أن يعرف له مال فلا بدّ من بينة {إن كنتم تعلمون} فضل التصدق على الإنظار فافعلوا. وقيل: المراد بالتصدّق الإنظار نفسه ورد هذا كما قال الإمام: بأنّ الإنظار قد علم مما قبل فلا بدّ من حمله على فائدة جديدة قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» .l وروي: «من أنظر معسراً أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة»
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الملائكة تلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا له: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا قالوا: تذكر قال: ألا إني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر فتياني بأن ينظروا الموسر ويتجاوزوا عن المعسر. قال الله تعالى: تجاوزوا عنه» وقال صلى الله عليه وسلم «من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . {واتقوا يوماً ترجعون} أي: تصيرون {فيه إلى الله} هو يوم القيامة أي: فتأهبوا لمصيركم إليه. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الجيم {ثم توفى} فيه {كل نفس} جزاء {ما كسبت} أي: عملت من خير أو شر {وهم لا يظلمون} بنقص حسنة أو زيادة سيئة. فائدة: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل: ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وعشرين يوماً» وقال ابن جريج: تسع ليالٍ وقال سعيد بن جبير: سبع ليالٍ ومات يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل وقيل: ثلاث ساعات. وقال الشعبي عن ابن عباس: آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا. ولما منع الله من الربا أذن في السلم والقرض بما يعمهما فقال: {يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} كسلم وقرض {إلى أجل مسمى} أي: معلوم ولذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا والله سبحانه وتعالى وضع لتحصيل مثل تلك اللذة طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً. فإن قيل: المداينة مفاعلة وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالإتفاق أجيب: بأن المراد من تداينتم تعاملتم والتقدير تعاملتم بما فيه دين. فإن قيل: هلا اكتفى بقوله إذا تداينتم إلى أجل وأي حاجة إلى ذكر الدين؟ أجيب: بأنه ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله: {فاكتبوه} إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولئلا يتوهم من الدائن المجازاة ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال، وفائدة قوله مسمى ليعلم أنّ من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد أو الدراس أو رجوع الحاج لم يجز للجهل بوقت الأجل، وإنما أمر بكتابة الدين؛ لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود. فإن قيل: إنّ كلمة إذا لا تفيد العموم والمراد من الآية العموم؛ لأنّ المعنى كلما تداينتم بدين فاكتبوه، فلم عدل عن كلما وقال: إذا تداينتم؟ أجيب: بأن كلمة إذا وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنها لا تمنع من العموم وههنا قام الدليل على أنّ المراد هو العموم، واختلفوا في هذه الكتابة، فقال بعضهم: هي واجبة والأكثرون على أنه أمر استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} (الجمعة، 10) وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضاً ثم نسخ الكل بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدّ الذين ائتمن أمانته} ثم بيّن كيفية الكتابة، فقال تعالى: {وليكتب} أي: كتاب الدين {بينكم كاتب بالعدل} أي: بالحق في كتابته لا يزيد في المال أو الأجل ولا ينقص وهو في الحقيقة أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقاً به معدلاً بالشرع
مع أنّ ظاهره أمر للكاتب {ولا يأب} أي: لا يمتنع {كاتب} من {أن يكتب} إذا دعي إليها {كما علمه} أي: فضله {ا} بالكتابة فلا يبخل بها بل ينفع الناس بها كما نفعه الله بتعليمها كقوله تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك} (،) والكاف متعلقة بيأب {فليكتب} تلك الكتابة المعلمة أمر بها بعد النهي عن الإباء تأكيداً {وليملل الذي عليه الحق} أي: وليكن المملل على الكاتب من عليه الحق؛ لأنه المقرّ المشهود عليه والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد جاء بهما القرآن فالإملال ههنا وهو لغة الحجاز والإملاء قوله تعالى: {فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} (الفرقان، 5) وهي لغة تميم. {وليتق الله ربه} أي: كل من المملي والكاتب {ولا يبخس} أي: لا ينقص {منه} أي: من الحق أو مما أملى عليه {شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} أي: مبذراً {أو ضعيفاً} أي: صغيراً أو كبيراً اختل عقله لكبره {أو لا يستطيع أن يملّ هو} لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك {فليملل وليه} أي: متولي أمره من والد ووصيّ وقيم ووكيل ومترجم {بالعدل} وفي هذا دليل على جريان النيابة في الإقرار. قال البيضاوي: ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل أي: دون المترجم ودونهما فيما لم يتعاطياه {واستشهدوا} أي: وأشهدوا {شهيدين} أي: شاهدين {من رجالكم} أي: البالغين الأحرار والمسلمين دون الصبيان والعبيد والكفار، وأجاز ابن سيرين شهادة العبيد، وأبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض {فإن لم يكونا} أي: الشاهدان {رجلين فرجل} أي: فليشهدا والمستشهد رجل {وامرأتان} . وأجمع الفقهاء على أنّ شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت برجل وامرأتين، واختلفوا في غير الأموال فذهبت جماعة إلى أنه تجوز شهادتهنّ مع الرجال في غير العقوبات وهو قول سفيان الثوريّ وأصحاب الرأي، وذهب جماعة إلى أنّ غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين، وذهب الشافعيّ إلى أنّ ما يطلع عليه النساء غالباً كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها تثبت بشهادة رجل وامرأتين وشهادة أربع نسوة، واتفقوا على أنّ شهادة النساء غير جائزة في العقوبات {ممن ترضون من الشهداء} أي: من كان مرضياً لدينه وأمانته. تنبيه: شروط قبول الشهادة سبعة: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة فمتى فقد شرط منها لم تصح تلك الشهادة، وإنما اشترط التعدّد في النساء لأجل {أن تضل} أي: تنسى {إحداهما} أي: الشهادة لنقص عقلهنّ وضبطهنّ {فتذكر} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون الذال وتخفيف الكاف، والباقون بفتح الذال وتشديد الكاف، وقرأ برفع الراء والباقون بالنصب {إحداهما} أي: الذاكرة {الأخرى} أي: الناسية قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير فتذكر أي: فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر، وقرأ حمزة وحده أن تضل إحداهما على الشرط فتذكر بالرفع والتشديد كقوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه} (،) وجملة الإذكار محل العلة أي: لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال؛ لأنّ الضلال سبب الإذكار وهم ينزلون كل واحد من السبب والسبب منزلة الآخر {ولا يأب} أي: لا يمتنع {الشهداء إذا ما} أي: إذا {دعوا} لأداء الشهادة والتحمل، فما مزيدة وسموا شهداء على هذا الثاني تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع {ولا تسأموا}
أي: تملوا من {أن تكتبوه} أي: ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوعه أو تكسلوا من أن تكتبوه فكني عن السآمة التي تكون بعد الشروع للكثرة بالكسل الذي يكون ابتداءً لكونها من لوازمه؛ لأنّ الكسل صفة المنافق. قال تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} (النساء، 142) وقال صلى الله عليه وسلم «لا يقول المؤمن كسلت» {صغيراً} كان ذلك الحق {أو كبيراً} قليلاً أو كثيراً وقوله تعالى: {إلى أجله} أي: وقت حلوله الذي أقرّ به المديون حال من الهاء في تكتبوه {ذلكم} أي: الكتب {أقسط} أي: أعدل {عند الله وأقوم للشهادة} أي: أعون على إقامتها لأنه يذكرها. تنبيه: يجوز على مذهب سيبويه أن يكون أقسط وأقوم مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط وأقوم من قويم أو هما مبنيان من أقسط وأقام لا من قسط وقام؛ لأنّ قسط بمعنى جار، والمعنى هنا على العدل والفعل منه أقسط فلزم أن يكون أقسط في الآية من المزيد لقصد الزيادة في المقسط قال تعالى: {إنّ الله يحب المقسطين} (المائدة، 42) لا من المجرّد؛ لأنّ معناه الزيادة في القاسط وهو الجائز قال تعالى: {وأمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} (الجن، 15) وكذا أقوم معناه أشدّ إقامة لا قياماً وبناؤهما من ذلك على غير قياس، والقياس أن يكون البناء من المجرّد لا من المزيد ويجوز أن يكون بناؤهما من قاسط بمعنى ذي قسط أي: عدل وبمعنى قويم أي: ذي استقامة على طريقة النسب كلابن وتامر فيكون أفعل لا فعل له، وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده {وأدنى} أي: وأقرب إلى {أن لا ترتابوا} أي: تشكوا في قدر الحق وجنسه والشهود والأجل ونحو ذلك {إلا أن تكون تجارة حاضرة} وهي تعم المبايعة بدين أو عين {تديرونها بينكم} أي: تتعاطونها يداً بيد {فليس عليكم جناح} أي: لا بأس إذا تبايعتم يداً بيد {أن لا تكتبوها} فهو استثناء من الأمر بالكتابة لبعده حينئذ عن التنازع والنسيان، وقرأ عاصم بنصب التاء فيهما على أنّ تجارة هي الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، والباقون بالرفع فيهما على أنّ تجارة هي الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامّة {وأشهدوا} أي: ندباً {إذا تبايعتم} عليه سواء كان ناجزاً أو كالئاً فإنه أدفع للاختلاف فهو تعميم بعد تخصيص احتياطاً في جميع المبتاعات، ويجوز أن يراد هذا التبايع الذي هو التجارة الحاضرة على أنّ الإشهاد كاف فيه دون الكتابة وقوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} أصله يضار أدغمت إحدى الراءين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين، واختلفوا فمنهم من قال أصله يضارر بكسر الراء الأولى وجعل الفعل للكاتب والشهيد ومعناه نهيهما عن ترك الإجابة وعن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، ومنهم من قال: أصله يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشاهد مفعولين ومعناه النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهمّ ويكلفا الخروج عما حد لهما ولا يعطى الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان، والمنهي حينئذٍ المتبايعان، فالآية محتملة للبناء للفاعل وللبناء للمفعول فتحمل عليهما معاً أو على كل منهما والأولى أولى. {وإن تفعلوا} ما نهيتم عنه من الضرار {فإنه فسوق بكم} أي: معصية وخروج عن الأمر {واتقوا الله}
في مخالفة أمره ونهيه {ويعلمكم الله} أحكامه المتضمنة لمصالحكم {وا بكل شيء عليم} كرّر لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها، فإنّ الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة تعظيم الله لشأنه عز وجل، ولأنه أدخل في التعظيم من الضمير وهذا آخر آية الدين، وقد حث سبحانه وتعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} (النساء، 5) الآية. قال القفال رحمه الله تعالى: ويدلّ على ذلك أنّ ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار. وفي هذه الآية بسط شديد ألا ترى أنه قال: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ثم قال ثانياً: وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ثم قال ثالثا: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} فكان هذا كالتكرار لقوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} لأنّ العدل هو ما علمه الله، ثم قال رابعاً: فليكتب وهذا إعادة للأمر الأوّل ثم قال خامساً: {وليملل الذي عليه الحق} وفي قوله تعالى: وليكتب بينكم كاتب بالعدل كناية عن قوله: {وليملل الذي عليه الحق} لأنّ الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادساً: {وليتق الله ربه} وهذا تأكيد ثم قال سابعاً: {ولا يبخس منه شيئاً} وهذا كالمستفاد من قوله: {وليتق الله ربه} ثم قال ثامناً: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} وهو أيضاً تأكيد لما مضى ثم قال تاسعاً: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة، في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله والإعراض عن مساخط الله تعالى من الربا وغيره والمواظبة على تقوى الله. {وإن كنتم على سفر} أي: مسافرين وتداينتم، فعلى بمعنى في لئلا يتوهم أن المعنى على نية سفر {ولم تجدوا كاتباً فرهان} أي: فعليكم رهن {مقبوضة} تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ومع وجود الكاتب، فقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في المدينة من يهوديّ بعشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله» فالتقييد بما ذكر؛ لأنّ التوثق به أشدّ، وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوزاه إلا في السفر أخذاً بظاهر الآية. وأفاد قوله تعالى: {مقبوضة} اشتراط القبض أي: في لزوم الرهن لا في صحته والإكتفاء به من المرتهن ووكيله ولا يشترط القبض عند مالك، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمّ الراء والهاء ولا ألف بعدها والباقون بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون {فإن أمن بعضكم} أي: الدائن {بعضاً} أي: المديون واستغنى بأمانته عن الإرتهان {فليؤدّ الذي ائتمن} أي: المدين {أمانته} أي: دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الإرتهان به، وقرأ ورش فليودّ بإبدال الهمزة واواً وإذا وصل السوسي وورش الذي بائتمن أبدلا الهمزة ياء وفي الابتداء بهمزة مضمومة للجميع {وليتق الله ربه} في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهرة في الوجوب والجمع بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين {ولا تكتموا الشهادة} أيها الشهود إذا دعيتم لإقامتها أو المديونون، وعلى هذا فشهادتهم إقرارهم على أنفسهم {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} . فإن قيل: هلا اقتصر على قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب؟ ـ والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ـ أجيب: بأن كتمان الشهادة
هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان أي: الكتمان إثماً مقترفاً أي: مختلطاً بالقلب أسند إليه؛ لأنه محل كتمان الشهادة وإسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا ترى أنك تقول: إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظنّ أنّ كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من سائر أفعال الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها، ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: فقد حرم الله عليه الجنة وشهادة الزور وكتمان الشهادة» . تنبيه: آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه ويجوزن أن يرتفع قلبه بالإبتداء وآثم خبر مقدّم والجملة خبر إن وقوله تعالى: {والله بما تعملون عليم} تهديد؛ لأنه لا يخفى عليه منه شيء {لله ما في السموات وما في الأرض} خلقاً وملكاً قال الجلال السيوطي وعبيداً: ولعل ذكره بعد ملكاً لئلا يتوهم أنّ ما لما لا يعقل {وإن تبدوا} أي تظهروا {ما في أنفسكم} من السوء والعزم عليه {أو تخفوه} أي: تسروه {يحاسبكم} أي: يجزكم {به الله} يوم القيامة، والآية حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض {فيغفر لمن يشاء} مغفرته {ويعذب من يشاء} تعذيبه وهذا صريح في نفي وجوبه، وقرأ ابن عامر وعاصم برفع الراء: من يغفر ورفع الباء من يعذب على الإستئناف، والباقون بجزمهما عطفاً على جواب الشرط، وأدغم الراء المجزومة في اللام السوسي، واختلف عن الدوري وقول الزمخشري: ومدغم الراء في اللام لاحن مخطىء خطأ فاحشاً. ورواية عن أبي عمرو يعني السوسي مخطىء مرّتين؛ لأنه يلحن وينسب اللحن إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو مردود؛ لأنه مبنيّ على القول بأنّ الراء إنما تدغم في الراء لتكرّره الفائت بإدغامها في اللام ورد بأنّ ذلك قراءة أبي عمرو وهي متواترة مع أنّ القول بامتناع إدغام الراء في اللام إنما هو مذهب البصريين وأمّا الكوفيون بل وبعض البصريين كأبي عمرو فقائلون بالجواز كما نقله عنهم أبو حيان، ونقل أبو عمرو والكسائي وأبو جعفر صحة إدغام صار لي وصار لك عن العرب ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ووجه الجعبري إدغام الراء في اللام بتقارب مخرجيهما على رأي سيبويه وتشاركهما على رأي الفرّاء وتجانسهما في الجهر والإنفتاح والإستفال {وا على كل شيء قدير} فيقدر على جزائكم ومحاسبتكم وقوله تعالى: {آمن} أي: صدق {الرسول} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {بما أنزل إليه من ربه} أي: من القرآن فيه شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه والإعتداد به وأنه جازم في أمره غير شاك فيه وقوله تعالى: {والمؤمنون} عطف على الرسول
{كل} من الرسول والمؤمنين. واختلف في تنوين كل فقيل تنوين عوض من المضاف إليه وقيل: تنوين التمكين قال الشيخ خالد الوقاد: وهو الأصح {آمن با وملائكته} وقرأ {وكتبه} حمزة والكسائي بكسر الكاف وفتح التاء وألف بعدها على التوحيد على أنّ المراد به الجنس، والباقون بضم الكاف والتاء على الجمع {ورسله} يقولون {لا نفرّق بين أحد} أي: جمع {من رسله} فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى، فأحد: اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث فحيث أضيف بين إليه أو أعيد ضمير جمع إليه أو نحو ذلك، فالمراد به جمع من الجنس الذي يدلّ الكلام عليه، ويجوز أن يقدر القول مفرداً باعتبار كل وإنما احتيج إلى التقدير لأجل قوله تعالى: {لا نفرق} ولو قال تعالى: لا يفرقون لم يحتج إلى ذلك {وقالوا سمعنا} أي: أمرنا به سماع قبول {وأطعنا} أمرك نسألك {غفرانك ربنا وإليك المصير} أي: المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} الآية قال: فاشتدّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب وقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» . فلما قرأها القوم وذلت ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها: {آمن الرسول} الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى بقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} أي: ما تسعه قدرتها وإن شق فضلاً ورحمة {لها ما كسبت} من الخير أي: ثوابه {وعليها ما اكتسبت} من الشر أي: وزره فلا ينتفع بطاعتها غيرها ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكتسبه مما وسوست به نفسه كما يفيده تقديم الخبر وهو لها وعليها من الحصر، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به» . فإن قيل: لم خص الخير بالكسب والشرّ بالإكتساب؟ أجيب: بأنّ في الإكتساب اعتمالاً أي: اضطراباً في العمل مبالغة واجتهاداً، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت أشدّ حباً واجتهاداً في تحصيله وأعملت فجعلت لذلك مكتسبة فيه ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال قولوا {ربنا لا تؤاخذنا} أي: لا تعاقبنا {إن نسينا أو أخطأنا} أي: بما أدّى بنا إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة؛ لأنّ المؤاخذة إنما هي بالمقدور والنسيان والخطأ ليس بمقدورين ويجوز أن يراد نفس النسيان والخطأ أي: لا تؤاخذنا بهما كما آخذت به من قبلنا، قال الكلبي: كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
فإن قيل: النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ أجيب: بأنّ المراد بذكرهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال ألا ترى إلى قوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان} (الكهف، 63) والشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما يوسوس فتكون وسوسته سبباً للتفريط الذي منه النسيان ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته وذكره بلفظ الدعاء على معنى التحدّث بنعمة الله فيه، قال الله تعالى: {وأمّا بنعمة ربك فحدّث} (الضحى، 11) {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} أي: لا تكفنا أمراً يثقل علينا حمله {كما حملته على الذين من قبلنا} أي: بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك قاله «الكشاف» » قال البيضاوي: وخمسين صلاة في اليوم والليلة ونسبها غيره من المفسرين إلى اليهود ولا تنافي بينهما إذ المراد من بني إسرائيل هم اليهود منهم فلا يرد على هذا ما قيل إنّ بني إسرائيل لم يفرض عليهم خمسون صلاة قبل ولا خمس صلوات مع أنّ من حفظ حجة على من لم يحفظ {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة} أي: قوّة {لنا به} من البلاء والعقوبة ومن التكاليف التي لا تفي به الطاقة البشرية وهو يدلّ على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه، والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى مفهول ثانٍ لا للمبالغة {واعف عنا} أي: امح ذنوبنا {واغفر لنا} أي: استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة بها {وارحمنا} وتعطف بنا وتفضل علينا فإننا لا ننال العمل بطاعتك ولا نترك معصيتك إلا برحمتك {أنت مولانا} أي: سيدنا ومتولي أمورنا {فانصرنا على القوم الكافرين} بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من حق المولى أن ينصرموا إليه على الأعداء أو المراد بالكافرين عامة الكفر. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {غفرانك ربنا} قال الله تعالى: {قد غفرت لكم} وفي قوله: {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: لا أؤاخذكم ربنا ولا تحمل علينا إصراً قال: لا أحمل عليكم {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: لا أحملكم {واعف عنا} إلخ.. قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين وكان معاذ إذا ختم سورة البقرة قال: آمين. وروى مسلم وغيره أنه «صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات قيل له عقب كل كلمة: قد فعلت» وعن عبد الله أنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها، ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} (النجم، 16) قال: فراش من ذهب قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات» وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنزل الله تعالى آيتين أوّلهما آمن الرسول من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» والكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما وتقديرهما بألفي سنة تصوير لقدمهما؛ لأنّ مثل هذا يقال لطول الزمان لا للتحديد. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبيّ قبلي» . وروي عنه أنه قال:
سورة آل عمران
«من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» أي: عن قيام الليل أو عن كل ما يسوءه وهذا يردّ قول من استنكر أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة كما قال عليه الصلاة والسلام: «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها، فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة» قيل: وما البطلة؟ قال: «السحرة» أي: أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعليمها أو التأمّل في معانيها أو العمل بما فيها، وسموا بطلة لانهماكهم في الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين، والفسطاط الخيمة أو المدينة الجامعة سميت به السورة لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه والإرشاد إلى كثير من مصالح العباد ونظام المعاش ونجاة المعاد. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه رمى الجمرة ثم قال: من ههنا والذي لا إله إلا هو رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة الزخرف والممتحنة والمجادلة. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فلا يقربها شيطان» انتهى. سورة آل عمران مدنية باتفاق وآياتها مائتان أو إلا آية وثلاثة آلاف وأربعمائةوثمانون كلمة وأربعة عشر ألفاً وخمسمائة وعشرون حرفاً {بسم الله} الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالألوهية {الرحمن} الذي سرت رحمته خلال الوجود فشملت كل موجود بالكرم والجود {الرحيم} لمن توكل عليه بالعطف إليه وقوله تعالى: {ألم} تقدّم الكلام عليه في أوّل سورة البقرة. {الله لا إله إلا هو} لم يقطع أحد من القراء السبعة هذه الهمزة التي في الله في الوصل، وإذا وقف على ألم يبدأ بالهمزة، ولكل من القراء مدّ على الميم ووصل في الوصل وإنما فتح الميم لالتقاء الساكنين كما هو مذهب سيبويه وجمهور النحاة. فإن قيل: أصل التقاء الساكنين الكسر فلم عدل عنه؟ أجيب: بأنهم لو كسروا لكان ذلك مفضياً إلى ترقيق لام الجلالة والمقصود تفخيمها للتعظيم فأوثر الفتح لذلك كما حركوها في نحو من الله، وأيضاً فقبل الميم ياء وهي أخت الكسرة وقبل هذه الياء كسرة، فلو كسرنا الميم الأخيرة لالتقاء الساكنين لتوالى ثلاث متجانسات فحركوها بالفتح، وأمّا سقوط الهمزة فواضح وبسقوطها التقى الساكنان وقيل: إنّ هذه الفتحة ليست لالتقاء الساكنين بل هي حركة نقل أي: نقلت حركة الهمزة التي قبل لام التعريف على الميم الساكنة نحو {قد أفلح} في قراءة ورش وهذا مذهب الفرّاء وجرى عليه الزمخشريّ وأطال الكلام فيه ورده أبو حيان بما يطول ذكره وقوله تعالى {ا} مبتدأ وما بعده خبره وقوله تعالى: {الحيّ القيوم} نعت له والحيّ هو الفعال الدراك والقيوم هو القائم بذاته والقائم بتدبير خلقه. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في البقرة {الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم} (البقرة، 255) وفي آل عمران {الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم} وفي طه {وعنت الوجوه
للحيّ القيوم} (طه، 111) ونقل البندنيجي عن أكثر العلماء أن الإسم الأعظم هو الله قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما: نزلت هذه الآية في وفد نصارى نجران وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم العاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح والسيد صاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة حبرهم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات والحارث بن كعب يقول من ورائهم: ما رأينا وفداً مثلهم وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوهم يصلوا إلى المشرق» فكلم السيد والعاقب، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «أسلما قالا قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاثة أشياء دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما للصليب وأكلكما الخنزير» قالوا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعاً في عيسى، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أنّ ربنا حيّ لا يموت وأنّ عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أنّ ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟» قالوا: بلى قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟» قالوا: لا قال: «ألستم تعلمون أنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» قالوا: بلى قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله؟» قالوا: لا قال: «فإنّ ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب» قالوا: بلى قال: «ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبيّ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث» قالوا: بلى قال: «وكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فسكتوا فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها» . {نزل عليك} يا محمد {الكتاب} أي: القرآن متلبساً {بالحق} أي: بالصدق في أخباره أو بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال أي: محقاً {مصدّقاً لما بين يديه} أي: قبله من الكتب. فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟ أجيب: بأن تلك الأخبار لغاية ظهورها وكونها موجودة سماها بهذا الاسم {وأنزل التوراة} جملة على موسى عليه الصلاة والسلام {والإنجيل} جملة على عيسى عليه الصلاة والسلام. {من قبل} أي: قبل تنزيل القرآن، واختلف الناس في هذين اللفظين هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أو لا يدخلانهما لكونهما أعجميين فلا يناسب كونهما مشتقين، ورجح هذا الزمخشري وقال: قالوا لأنّ هذين اللفظين اسمان عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين وقوله تعالى: {هدى} حال بمعنى هاديين من الضلالة ولم يثنه؛ لأنه مصدر {للناس} أي: على العموم إن قلنا: متعبدون بشرع من قبلنا وهو رأي وإلا فالمراد بالناس قومهما وإنما عبر في التوراة والإنجيل بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضى للتكرير؛ لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه. وقيل: إن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة ومن سماء الدنيا منجماً في ثلاث وعشرين سنة فحيث عبر فيه بأنزل أريد الأول أو ينزل أريد الثاني. فإن قيل: يردّ الأوّل بقوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} وبقوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} (البقرة، 4)
وبقوله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} (الكهف، 1) وبقوله تعالى: {وبالحق أنزلناه} (الإسراء، 105) ويرد الثاني بقوله تعالى: {وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} (الفرقان، 32) أجيب: بأن القول بذلك جرى على الغالب {وأنزل الفرقان} أي: الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد الكتب الثلاثة ليعم ما عداها، فكأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل ولم يجمع؛ لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران والكفران وقيل: القرآن وكرّر ذكره بما هو نعت له مدحاً وتعظيماً وإظهاراً لفضله من حيث أنه يشاركهما في كونه وحياً منزلاً وتمييز بأنه معجز يفرق به بين المحق والمبطل. وقيل: أراد الكتاب الرابع وهو الزبور كما قال تعالى: {وآتينا داود زبوراً} (النساء، 163) قال الزمخشريّ: وهو ظاهر ولما قرّر سبحانه جميع ما يتعلق بمعرفة الإله أتبع ذلك بالوعيد زجراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال: {إنّ الذين كفروا بآيات الله} من القرآن وغيره {لهم عذاب شديد} بسبب كفرهم {وا عزيز} أي: غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده {ذو انتقام} ممن عصاه والنقمة عقوبة المجرم أي: يعاقبه عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها أحد. {إنّ الله لا يخفى عليه شيء} كائن {في الأرض ولا في السماء} لعلمه بما يقع في العالم من كليّ وجزئيّ. فإن قيل: لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب: بأنه تعالى إنما خصهما؛ به لأنّ البصر لا يتجاوزهما. فإن قيل: لم قدّم الأرض على السماء؟ أجيب: بأنها إنما قدمت ترقياً من الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل على كونه حياً وقوله تعالى: {هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} أي: من ذكورة وأنوثة، وبياض وسواد، وحسن وقبح، وتمام ونقص، وغير ذلك كالدليل على القيومية والاستدلال على أنه تعالى عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره، وفي هذا ردّ على وفد نجران من النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله واستدلوا على ذلك بأمور منها: العلم، فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لهذا إنك أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك إنك صنعت في دارك كذا، ومنها القدرة وهي أنّ عيسى كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، فكأنه تعالى يقول: كيف يكون ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أب المصوّر ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم التثليث فقال: {لا إله إلا هو العزيز} في ملكه وفيه إشارة إلى كمال القدرة، فقدرته تعالى أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء {الحكيم} في صنعه. وفيه إشارة إلى كمال العلم فعلمه أكمل من علم عيسى بالغيوب، وأنّ علم عيسى ببعض الصور، وقدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً بل على أنّ الله أكرمه بذلك إظهاراً لمعجزته وعجزه عن الإحياء في بعض الصور يوجب قطعاً عدم الإلهية؛ لأنّ الإله هو الذي يكون قادراً على كل الممكنات عالماً بجميع الجزئيات والكليات. قال عبد الله بن مسعود: «حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك ـ أو قال: يبعث إليه الملك ـ بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وقال: وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم أربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب شقي أم سعيد فيكتبان فيقول: أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان فيكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» . فإن قيل: لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب: بأنه تعالى إنما خصهما؛ به لأنّ البصر لا يتجاوزهما. فإن قيل: لم قدّم الأرض على السماء؟ أجيب: بأنها إنما قدمت ترقياً من الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل على كونه حياً وقوله تعالى: {هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} أي: من ذكورة وأنوثة، وبياض وسواد، وحسن وقبح، وتمام ونقص، وغير ذلك كالدليل على القيومية والاستدلال على أنه تعالى عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره، وفي هذا ردّ على وفد نجران من النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله واستدلوا على ذلك بأمور منها: العلم، فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لهذا إنك أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك إنك صنعت في دارك كذا، ومنها القدرة وهي أنّ عيسى كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، فكأنه تعالى يقول: كيف يكون ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أب المصوّر ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم التثليث فقال: {لا إله إلا هو العزيز} في ملكه وفيه إشارة إلى كمال القدرة، فقدرته تعالى أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء {الحكيم} في صنعه. وفيه إشارة إلى كمال العلم فعلمه أكمل من علم عيسى بالغيوب، وأنّ علم عيسى ببعض الصور، وقدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً بل على أنّ الله أكرمه بذلك إظهاراً لمعجزته وعجزه عن الإحياء في بعض الصور يوجب قطعاً عدم الإلهية؛ لأنّ الإله هو الذي يكون قادراً على كل الممكنات عالماً بجميع الجزئيات والكليات. قال عبد الله بن مسعود: «حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك ـ أو قال: يبعث إليه الملك ـ بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وقال: وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق
عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم أربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب شقي أم سعيد فيكتبان فيقول: أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان فيكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» . {هو الذي أنزل عليك} يا محمد {الكتاب} أي: القرآن {منه آيات محكمات} أحكمت عبارتها بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه فهي واضحات الدلالة {هنّ أمّ الكتاب} أي: أصله المعتمد عليه في الأحكام ويحمل المتشابهات عليها وترد إليها ولم يقل أمّهات الكتاب؛ لأنّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة وكلام الله واحد. وقيل: كل آية منهنّ أمّ الكتاب كما قال تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمّه آية} (المؤمنون، 50) أي: كل واحد منهما آية وقوله تعالى: {وأخر} نعت لمحذوف تقديره وآيات أخر {متشابهات} أي: محتملات لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر. فإن قيل: لم جعل بعضه متشابهاً وهلا كان كله محكماً؟ أجيب: بأن في المتشابه من الإبتلاء حكمة عظيمة وهي التمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه وليظهر فيها فضل العلماء ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها فينالوا بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها والتوفيق بينها وبين المحكمات الدرجات العلى عند الله. فإن قيل: لم فرق هنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكماً في موضع آخر فقال {الر كتاب أحكمت آياته} (هود، 1) وجعل كله متشابهاً في موضع آخر فقال {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً} (الزمر، 23) أجيب: بأنه حيث جعل الكل محكماً فمعناه أنّ آياته حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ. وحيث جعل الكل متشابهاً فمعناه أنّ آياته يشبه بعضها بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ. تنبيه: أخر جمع أخرى وإنما لم ينصرف؛ لأنه وصف معدول عن الأخريات ففيه الوصف والعدل وهما علتان يمنعان الصرف {فأمّا الذين في قلوبهم زيغ} أي: ميل عن الحق كالمبتدعة {فيتبعون ما تشابه منه} أي: فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل {ابتغاء الفتنة} أي: طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه {وابتغاء تأويله} أي: وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه {وما يعلم تأويله} أي: الذي يجب أن يحمل عليه {إلا الله والراسخون في العلم} أي: الذين ثبتوا وتمكنوا فيه وسئل مالك بن أنس عن الراسخين في العلم قال: العالم العامل بما علم المتبع. وقال غيره: هو من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله تعالى، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. تنبيه: اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم: الواو في قوله {والراسخون} واو العطف أي: أنّ تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم
{يقولون آمنا به} وهذا قول مجاهد والربيع وعلى هذا يكون قوله: {يقولون} حالاً معناه والراسخون في العلم قائلين: آمنا به، وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله: والراسخون واو الاستئناف وتم الكلام عند قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} وهو قول أبي بن كعب وعائشة وغيرهما وقالوا: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه لم يطلع عليه أحداً من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وعدد الزبانية، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ونحوها والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به، وفي المحكم بالإيمان به والعمل. وقال عمر بن عبد العزيز في هذه انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: آمنا به قال في «الكشاف» : والأوّل هو الأوجه اه. ووجهه شيخنا القاضي زكريا بقوله: لأنّ المتشابه على الثاني يصير الخطاب به كالخطاب بالمهملات اه. ومع هذا فالوجه هو الثاني؛ لأنه أشبه بظاهر الآية ويدل له وجوه: أحدها أنه ذمّ طالب المتشابه بقوله تعالى: {فأمّا الذين في قلوبهم زيغ} الآية وثانيها: أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون: آمنا به وقال في أوّل البقرة: {فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} (البقرة، 26) فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح؛ لأنّ كل من عرف شيئاً على سبيل التفصيل فلا بد أن يؤمن به وثالثها: لو كان قوله والراسخون معطوفاً لصار قوله: يقولون آمنا به ابتداء وهو بعيد عن الفصاحة، وكان الأولى أن يقال وهم يقولون أو يقال ويقولون. فإن قيل: في تصحيحه وجهان: الأوّل: أن يقولون خبر مبتدأ والتقدير هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا. الثاني: أن يكون يقولون حالاً من الراسخون. أجيب: بأنّ الأوّل مدفوع بأنّ تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى، والثاني أنّ ذا الحال هو الذي تقدّم ذكره وهم الراسخون فوجب أن يكون قوله: آمنا به حالاً من الراسخون لا من الله وذلك ترك للظاهر، ورابعها: قوله تعالى: {كل} أي: من المحكم والمتشابه {من عند ربنا} معناه أنهم آمنوا بما عرفوا تفصيله وبما لم يعرفوا تفصيله ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة، وخامسها: نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحداً جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى، وسئل مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} (طه، 5) فقال: الإستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. فإن قيل: ما الفائدة في لفظ عند، ولو قال كل من ربنا لحصل المقصود؟ أجيب: بأنّ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد. فإن قيل: لم حذف المضاف إليه من كل؟ أجيب: بأنّ دلالته على المضاف إليه قوية فالأمن من اللبس بعد الحذف حاصل {وما يذكر} بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: ما يتعظ بما في القرآن {إلا أولو الألباب} أي: أصحاب العقول.I تنبيه: وجه اتصال هذه الآية وأوّلها {هو الذي أنزل عليك الكتاب} بما قبلها وأوّلها {هو الذي يصوّركم في الأرحام} أنه لما بين أنه قيوم وهو القائم بمصالح الخلق والمصالح قسمان: جسماني وروحاني،
فالجسماني أشرفها تعديل البنية على أحسن شكل وهو المراد بقوله تعالى: {هو الذي يصوّركم في الأرحام} وأمّا الروحاني فأشرفها العلم وهو المراد بقوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} ولما حكى سبحانه وتعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: آمنا به حكى أنهم يقولون: {ربنا لا تزغ} أي: لا تمل {قلوبنا} عن طريق الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه {بعد إذ هديتنا} وفقتنا لدينك والإيمان بالحكم والمتشابه. قال عليه الصلاة والسلام: «قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه ـ أي: القلب على الحق ـ وإن شاء أزاغه عنه» رواه الشيخان وغيرهما، وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا وعلى هذا اقتصر الزمخشري ووجه بأنّ ما ذكر كناية أو مجاز إذ لا تحسن من الله الإزاغة ليشمل نفيها وهذا بناء على مذهبه من الإعتزال، وأمّا مذهب أهل السنة فالزيغ والهداية خلق الله تعالى وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهمّ يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك» وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً وبطناً» {وهب لنا} أي: أعطنا {من لدنك} أي: من عندك {رحمة} أي: توفيقاً وتثبيتاً للذي نحن عليه من الإيمان والهدى أو مغفرة للذنوب {إنك أنت الوهاب} لكل سؤل وفيه دليل على أنّ الهدى والضلال من الله تعالى وأنه متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه شيء ما. {ربنا إنك جامع الناس} أي: تجمعهم {ليوم} أي: في يوم {لا ريب} أي: لا شك {فيه} أي: في وقوعه وما فيه من الحشر والجزاء وهو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت وقوله تعالى: {إنّ الله لا يخلف الميعاد} أي: موعده بالبعث يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، وأن يكون من كلام الراسخين فيكون فيه التفات عن الخطاب وكأنهم لما طلبوا من ربهم الصون عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ووعدك حق فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ومن وفقته وهديته ورحمته بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد. تنبيه: احتج الوعيدية بهذه الآية على القطع بوقوع وعيد الفساق قالوا: لأنّ الوعيد داخل تحت لفظ الوعد لقوله تعالى: {قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً} (الأعراف، 44) والوعد والميعاد واحد وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد. وأجيب: بأنا لا نسلم القول بالقطع بوقوع وعيد الفساق مطلقاً بل ذلك مشروط بعدم العفو كما هو مشروط بعدم التوبة بالإتفاق فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل سلمنا أنه توعدهم ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ويكون قوله: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً} كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران، 21) وكقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) فيكون من باب التهكم، وذكر الواحدي في «البسيط» أنه يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأنّ خلف الوعيد كرم عند العرب لأنهم يمدحون بذلك كما قال القائل:
*إذا وعد السرّاء أنجز وعده ... وإن وعد الضرّاء فالعفو مانعه* وقال الآخر أيضاً: *وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي* ولما حكى الله سبحانه وتعالى دعاء المؤمنين وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدّة عقابهم بقوله تعالى: {إنّ الذين كفروا} وهو عام في الكفرة، وقيل: المراد بهم وفد نجران أو اليهود أو مشركو العرب {لن تغنيَ} أي: لن تنفع ولن تدفع {عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} أي: من عذابه وقيل: من رحمته أو من طاعته على معنى البدلية قاله البيضاوي: أي: على أنّ من للبدل والمعنى لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعته شيئاً أي: بدل رحمته وطاعته. قال أبو حيان: وإثبات البدلية جمهور النحاة تأباه {وأولئك هم وقود النار} أي: حطبها وفي ذلك كمال العذاب؛ لأنّ كماله أن يزول عنه ما ينتفع به ثم يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، فالأوّل هو المراد بقوله تعالى: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم} فإن المرء عند الشدّة يفزع إلى المال والولد؛ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها في دفع النوائب، فبين تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا وإذا تعذر عليه الإنتفاع بالمال والولد وهما أقرب الطرق فما عداه بالتعذر أولى ونظيره {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء، 89) ، وأمّا الثاني من أسباب كمال العذاب وهو اجتماع الأسباب المؤلمة فهو المراد بقوله تعالى: {وأولئك هم وقود النار} وهذا هو النهاية في العذاب، فإنه لا عذاب أعظم من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس وقوله تعالى: {كدأب آل فرعون} إمّا استئناف مرفوع المحلّ خبر لمبتدأ مضمر تقديره دأبهم في ذلك كدأب آل فرعون، وإمّا متصل بما قبله أي: لن تغني عنهم كما لم تغن عن أولئك أو توقد النار بهم كما توقد النار بآل فرعون وقوله تعالى: {والذين من قبلهم} عطف على آل فرعون فيكون في محل جر وقيل: استئناف فيكون في محل رفع على الإبتداء والخبر، وقوله تعالى: {كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم} وعلى الأوّل تكون هذه الجملة مفسرة لما قبلها وقوله تعالى: {وا شديد العقاب} فيه تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف للكفرة. «ولما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع وقال: يا معشر اليهود احذروا من الله تعالى أن ينزل بكم مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبيّ مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا يغرّنك أنك لقيت أقواماً أغماراً أي: جهالاً جمع غمر لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس» نزل. {قل} يا محمد {للذين كفروا ستغلبون} في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية، وقد وقع ذلك بقتل قريظة وإجلاء النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من عداهم {وتحشرون} في الآخرة {إلى جهنم وبئس المهاد} أي: الفراش والمخصوص بالذم محذوف أي: بئس المهاد جهنم. وفي هذه الآية إخبار عن أمر يحصل في المستقبل وقد وقع خبره على موافقته فكان هذا إخباراً بالغيب فكان معجزة ولهذا لما نزلت هذه الآية قال لهم صلى الله عليه وسلم «إنّ الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم» وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على
الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. فإن قيل: أي فرق بين القراءتين من جهة المعنى؟ أجيب: بأنّ معنى قراءة التاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم فهو إخبار بما سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكى لهم ما أخبره به من وعيد بلفظه كأنه قال: أد إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون. {قد كان لكم آية} أي: عبرة ودلالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستغلبون. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل قد كانت؛ لأنّ الآية مؤنثة؟ أجيب: بأنه إنما ذكر الفعل للفصل بينه وبين الإسم المؤنث بلكم فإن الفصل مسوغ لذلك مع المؤنث الحقيقي كقوله: *إنّ امرأ غره منكنّ واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور* قال الفرّاء: وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه والخطاب لمشركي قريش وقيل: لليهود وقيل: للمؤمنين {في فئتين} أي: فرقتين {التقتا} يوم بدر {فئة} مؤمنة {تقاتل في سبيل الله} أي: طاعته وهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلاً من الأنصار، وصاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان فيهم سبعون بعيراً وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبي مرثد وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف {و} فئة {أخرى كافرة} تقاتل في سبيل الشيطان وهم مشركو مكة وقوله تعالى: {يرونهم مثليهم} قرأ نافع بالتاء على الخطاب أي: ترى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويوقنوا بالنصر الذي وعدهم به في قوله: {إن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} (الأنفال، 66) بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} (الأنفال، 65) والباقون بالياء على الغيبة أي: يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين وكانوا تسعمائة وخمسين أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. فإن قيل: هذا مناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال {ويقللكم في أعينهم} (الأنفال، 44) أجيب: بأنه قللهم أوّلاً حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا إمداداً من الله تعالى للمؤمنين في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين {رأي} أي: في رأي {العين} أي: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات وقد نصرهم الله تعالى مع قلتهم {وا يؤيد} أي: يقوي {بنصره من يشاء} نصره كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدوّ {إنّ في ذلك} المذكور {لعبرة} أي: عظة {لأولي الأبصار} أي: لذوي البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون. {زين للناس حب الشهوات} أي: ما تشتهيه النفس، وتدعو إليه، والمزين هو الله تعالى للإبتلاء كقوله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم} (الكهف، 7) أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع الإنساني أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله وقيل: الشيطان هو المزين، وذهب إليه المعتزلة واستدلوا بقول الحسن: الشيطان والله زينها لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها، وإنما سميت شهوات مبالغة وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحيوا شهواتها كقوله تعالى:
{أحببت حب الخير} (ص، 32) والشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: {من النساء} إنما بدأ بهنّ لأنهنّ حبائل الشيطان {والبنين والقناطير} جمع قنطار وهو المال الكثير قيل: ملء مسك ثور أي: ملء جلده وعن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: القنطار مائة ألف دينار. وقال ابن عباس والضحاك: ألف ومائتا مثقال {المقنطرة} أي: المجمعة. وقال السديّ: المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير. وقال الفرّاء: المضعفة فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة {من الذهب والفضة} قيل: سمي الذهب ذهباً؛ لأنه يذهب ولا يبقى والفضة فضة؛ لأنها تنفض أي: تتفرّق {والخيل المسوّمة} أي: الحسان، وقال سعيد بن جبير: هي الراعية يقال: أسام الخيل وسوّمها والخيل جمع لا واحد له من لفظه واحدها فرس كالقوم والنساء {والأنعام} جمع النعم وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه {والحرث} أي: الزرع {ذلك} أي: ما ذكر من النساء وما بعده {متاع الحياة الدنيا} أي: يتمتع به فيها ثم يفنى {وا عنده حسن المآب} أي: المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية دون غيره من الشهوات الناقصة الفانية. فإن قيل: المآب قسمان: الجنة وهي في غاية الحسن والنار وهي خالية عن الحسن كما قال تعالى: {إنّ جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآباً} (النبأ، 21) أجيب: بأنّ المقصود بالذات هو الجنة، وأمّا النار فمقصودة بالعرض والمقصود بالآية الترهيب في الدنيا والترغيب في الآخرة. {قل} يا محمد لقومك {أؤنبئكم} أأخبركم {بخير من ذلكم} أي: المذكور من الشهوات وهذا استفهام تقريري. تنبيه: هنا همزتان مختلفتان من كلمة: الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، قرأ قالون بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وأدخل بينهما ألفاً وورش يسهل الثانية من غير إدخال ألف وينقل حركة الهمزة الأولى إلى اللام من قل فتصير اللام مفتوحة والثانية مضمومة، وابن كثير كورش إلا أنه لا ينقل الحركة إلا في لفظ القرآن وقرآن، وأبو عمرو يسهل الثانية ويدخل بينهما ألفاً كقالون وله وجه آخر وهو عدم إدخال ألف بينهما، والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: {للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي: مقدّرين الخلود فيها إذا دخلوها كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم كما تقول: هل أدلك على رجل عالم عندي رجل عالم من صفته كيت وكيت ويجوز أن تتعلق اللام بخير وترتفع جنات على هو جنات {وأزواج مطهرة} من الحيض وغيره مما يستقذر من النساء وقوله تعالى: {ورضوان من الله} قرأه شعبة بضم الراء، والباقون بكسرها وهما لغتان: الكسر لغة الحجاز والضم لغة تميم. وقيل: بالكسر اسم وبالضم مصدر وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير، في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» . تنبيه: قد نبه سبحانه وتعالى في هذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة الدنيا وأعلاها رضوان الله لقوله
تعالى: {ورضوان من الله أكبر} (التوبة، 72) وأوسطها الجنة ونعيمها {وا بصير} أي: عالم {بالعباد} أي: بأعمالهم فيجازي كلاً منهم بعمله أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدّ لهم جنات وقوله تعالى: {س3ش16/ش22 الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِا?سْحَارِ * شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ? ? اله إِs هُوَ وَالْمَلَا??ـ?ِكَةُ وَأُوْلُوا? الْعِلْمِ قَآ?ـ?ِمَ?ابِالْقِسْطِ? ? اله إِs هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ ا?سْلَامُ? وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا? الْكِتَابَ إِs مِن? بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَ?ابَيْنَهُمْ? وَمَن يَكْفُرْ بِ?َايَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ? وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُوا? الْكِتَابَ وَا?مِّيِّ?نَءَأَسْلَمْتُمْ? فَإِنْ أَسْلَمُوا? فَقَدِ اهْتَدَوا?? وَّإِن تَوَلَّوْا? فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ? وَاللَّهُ بَصِيرُ? بِالْعِبَادِ * إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِ?َايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّ?نَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُو?لَا??ـ?ِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَا?خِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} {الذين} نعت للذين اتقوا أو للعباد أو بدل من الذين قبله {يقولون} يا {ربنا إننا آمنا} أي: صدّقنا {فاغفر لنا ذنوبنا} أي: استرها علينا وتجاوز عنا {وقنا عذاب النار} . تنبيه: في ترتيب سؤال المغفرة وما عطف عليها وسيلة على مجرّد الإيمان دليل على أنّ مجرّد الإيمان كاف في استحقاق المغفرة والإستعداد لأسبابها وأسباب ما عطف عليها وقوله تعالى: {الصابرين} أي: على الطاعة وعن المعصية وعلى البأساء والضرّاء نعت {والصادقين} أي: في إيمانهم وأقوالهم قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السرّ والعلانية {والقانتين} أي: المطيعين لله {والمنفقين} أي: المتصدّقين {والمستغفرين بالأسحار} أي: أواخر الليل كأن يقولوا: اللهمّ اغفر لنا خصت بالذكر؛ لأنها وقت الغفلة ولذة النوم، وفي هذا كما قال البيضاوي: حصر لمقامات السالك على أحسن الترتيب أي: الذكرى فإنّ معاملته مع الله إمّا توسل وإمّا طلب، والتوسل إمّا بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما، وإمّا بالبدن وهو إمّا قولي وهو الصدق وإمّا فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة، وإمّا بالمال وهو الإنفاق في سبيل الخير وإمّا الطلب فالاستغفار؛ لأنّ المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها انتهى. وتوسيط الواو بين الصابرين وما بعده للدلالة على استقلال كل واحد منها وكما لهم فيها أو لتغاير الموصوفين بالصفات. وتخصيص الأسحار؛ لأن الدعاء فيها أقرب من الدعاء في غيرها إلى الإجابة؛ لأنّ العبادة حينئذٍ أشق والنفس أصفى والعقل أجمع لمعاني الألفاظ التي ينطق بها لا سيما للمتهجد قيل: إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون، وعن الحسن كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والإستغفار فذا نهارهم وهذا ليلهم. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله إلى سماء الدنيا ـ أي: أمره ـ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له» . وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: يا بنيّ لا تكن أعجز من هذا الديك يصوّت في الأسحار وأنت نائم على فراشك. وعن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يصلون الصبح في جماعة. وعبر بالسحر لقربه من الصبح. {شهد الله} أي: بين لخلقه بالدلائل وإنزال الآيات {أنه لا إله} أي: لا معبود بحق في الوجود {إلا هو} قال الكلبيّ: «قدم حبران من أحبار الشام على النبيّ صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم قالا له: وأنت أحمد؟ قال: أنا محمد وأحمد قالا: فإنا نسألك عن شيء، فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدّقناك فقال لهما: سلا قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله هذه الآية فأسلم الرجلان» . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الله الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة،
فشهد لنفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا أرض ولا برّ ولا بحر فقال: شهد الله أنه لا إله إلا هو {و} شهد بذلك {الملائكة} أي: أقرّوا بذلك {و} شهد بذلك {أولو العلم} أي: بالإيمان بذلك والاحتجاج عليه. فإن قيل: ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم الله تعالى هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ أجيب: بأنّ المراد بهم أنهم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل والتوحيد من الأنبياء والمؤمنين وفيه دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله وقوله تعالى: {قائماً} أي: بتدبير مصنوعاته حال من الله وإنما جاز إفراده تعالى بها لعدم اللبس، وإن اختلف في جاءني زيد وعمرو راكباً فقد منعه الزمخشري وتبعه البيضاويّ وجوّزه أبو حيان وقال: يحمل على الأقرب كما في الوصف في نحو جاءني زيد وعمرو الطويل أو حال من هو والعامل فيها معنى الجملة أي: تفرّد {بالقسط} أي: بالعدل وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} كرّر للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليبنى عليه قوله تعالى: {العزيز} أي: في ملكه {الحكيم} أي: في صنعه فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم العزيز؛ لأن العزة تلائم الوحدانية والحكمة تلائم القيام بالقسط فأتى بهما لتقرير الأمرين على ترتيب ذكرهما ورفعهما على البدل من الضمير الأوّل أو الثاني أو على الخبر المحذوف. وعن أبي غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش، وكنت أختلف إليه، فلما كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة فقام من الليل يتهجد فمرّ بهذه الآية، أي: شهد الله إلى آخرها ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة إن الدين عند الله الإسلام قالها مراراً قلت: لقد سمع فيها فصليت معه وودّعته ثم قلت: إني سمعتك تردّدها فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدّثك بها إلى سنة فمكثت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة فقال: حدّثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة» ، روى هذا الحديث الطبراني والبيهقيّ لكن بسند ضعيف وقوله تعالى: l {إن الدين} أي: المرضي {عند الله} هو {الإسلام} جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي: لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام وهو الشرع المبعوث به الرسل كما قال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} (المائدة، 3) وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران، 85) وقرأ الكسائي بفتح الهمزة إن قيل على أنه بدل من أنه إلخ.. بدل اشتمال وضعفه أبو حيان؛ لأن فيه فصلاً بين البدل والمبدل منه بأجنبي قال: والصواب أنه معمول للحكيم بإسقاط الجار أي: الحكيم بأن الدين، والباقون بكسرها على الإستئناف {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} أي: من اليهود والنصارى وقيل: من أرباب الكتب المتقدّمة في دين الاسلام فقال قوم: إنه حق. وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقاً أو في التوحيد فثلثت النصارى. وقالت اليهود: عزير ابن الله وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش؛ لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب {إلا من بعد ما جاءهم العلم}
بالتوحيد أنه الحق الذي لا محيد عنه {بغياً} أي: ما كان الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً {بينهم} وطلباً للرياسة. وقيل: هو اختلاف في نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما جاءهم العلم ببيان بعثته في كتبهم حيث آمن به بعض وكفر به بعض وقيل: هو إختلافهم في الإيمان بالأنبياء فمنهم من آمن بموسى ومنهم من آمن بعيسى ولم يؤمن ببقية الأنبياء وقوله تعالى: {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} أي: المجازاة له وعيد لمن كفر منهم. {فإن حاجوك} أي: جادلك الذين كفروا يا محمد في الدين {فقل} لهم {أسلمت وجهي} أي: أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيهما لغيره شركاً بأن أعبده ولا أدعو إلهاً معه يعني: أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبت عندكم صحته كما ثبت عندي، وما جئت بشيء مبتدع حتى تجادلوني فيه وخص الوجه بالذكر لشرفه فهو تعبير عن جملة الشخص بأشرف أجزائه الظاهرة وقوله تعالى: {ومن اتبعن} عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل ويجوز كما قال في «الكشاف» أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولاً معه أي: نظراً إلى أن المشاركة بين المتعاطفين في مطلق الإسلام أي: الإخلاص لا فيه بقيد وجهه حتى يمتنع ذلك لاختلاف وجهيهما {وقل للذين أوتوا الكتاب} وهم اليهود والنصارى {والأمّيين} أي: الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب {أأسلمتم} أي: فهل أسلمتم ما أسلمت أنا فقد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة، أم أنتم بعد على الكفر وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقاً إلا سلكته هل فهمتها؟ وفي هذا الإستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف؛ لأن المنصف إذا انجلت له الحجة لم يتوقف إذعاناً للحق وكذلك في هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة. وقيل: المراد بالإستفهام هنا الأمر أي: أسلموا كما قال تعالى: {فهل أنتم منتهون} (المائدة، 91) أي: انتهوا {فإن أسلموا فقد اهتدوا} أي: نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا فقال لليهود: «أتشهدون أنّ عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله. وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً» فقال عز وجل {وإن تولوا} أي: عن الإسلام لم يضرّوك {فإنما عليك البلاغ} أي: فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى وقد بلغت وليس إليك الهداية {وا بصير بالعباد} أي: عالم بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن فيجازي كلاً منهم بعمله، وهذا قبل الأمر بالقتال. {إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} أي: بالعدل {من الناس} وهم اليهود قتل أوّلهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم، ومن في عصره صلى الله عليه وسلم كفروا به وقصدوا قتله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لكن الله تعالى عصمهم. وعن أبي عبيدة بن الجرّاح قلت: «يا رسول الله أي الناس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ قال رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عنه» . وروي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم وخبر إن {فبشرهم} أي: أعلمهم {بعذاب أليم} أي: مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم. فإن قيل: لم أدخل الفاء في خبر إن مع أنه
لا يقال أن زيداً فقائم أجيب: بأن الموصول متضمن معنى الشرط فكأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم. {أولئك الذين حبطت أعمالهم} أي: ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم {في الدنيا والآخرة} فلا يعتدّ بها لعدم شرطها {وما لهم من ناصرين} أي: مانعين عنهم العذاب. {ألم تر} أي: تنظر {إلى الذين أوتوا نصيباً} أي: حظاً {من الكتاب} أي: التوراة أو جنس الكتب السماوية ومن للتبعيض أو البيان، قال البيضاوي: وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير انتهى. أمّا التعظيم فظاهر وهو ما اقتصر عليه الزمخشريّ، وأمّا التحقير ففيه نظر إذ النصيب المراد به الكتاب أو بعضه لا حقارة فيه وقد يقال: إن تحقيره بالنسبة إليهم حيث لم يعملوا به {يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} الداعي هو محمد صلى الله عليه وسلم وكتاب الله القرآن أو التوراة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس ـ أي: موضع صاحب دراسة كتبهم ـ على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت؟ قال: دين إبراهيم فقالا له: إن إبراهيم كان يهودياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله عز وجل هذه الآية» . وروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنّ رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا أمرهما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ورجوا أن تكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أوفى وعديّ بن عمرو: جرت علينا يا محمد ليس عليهما الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بيني وبينكم التوراة» قالوا: قد أنصفتنا قال: «فمن أعلمكم بالتوراة؟» قالوا: رجل يقال له عبد الله بن صوريا فأرسلوا إليه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب فقال له: اقرأ فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن سلام: يا رسول الله قد جاوزها وقام فرفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجماً، وإن كانت حبلى تتربص حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضب اليهود وانصرفوا فأنزل الله عز وجل هذه الآية {ثم يتولى فريق منهم} » وأتى بثم لاستبعاد توليهم مع علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله تعالى واجب لا للتراخي في الزمان إذ لا تراخي فيه. وقوله تعالى: {وهم معرضون} أي: عن قبول حكمه جملة حالية من فريق وإنما ساغ لتخصيصه بالصفة. {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من التولي والإعراض {بأنهم قالوا} أي: بسبب قولهم {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} أي: قالوا ذلك بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم لهذا الإعتقاد المائل والطمع الفارغ عن حصول المطموع فيه وهو الخروج من النار بعد أيام قليلة وهي أربعون يوماً مدّة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم {وغرّهم في دينهم} والغرور هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء {ما كانوا يفترون} أي: من أن النار لن تمسهم إلا أياماً قلائل أو أن آبائهم الأنبياء يشفعون لهم،
أو أنه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم. تنبيه: في دينهم متعلق بغرّهم ولا يصح تعلقه بيفترون خلافاً للسيوطي؛ لأن ما قبل الموصول لا يتعلق بما بعده. {فكيف} حالهم أو فكيف صنعهم {إذا جمعناهم ليوم} أي: في يوم {لا ريب} أي: لا شك {فيه} وهو يوم القيامة وفي ذلك استعظام لما يحيق بهم في الآخرة. روي أن أوّل راية أي: علم ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يؤمر بهم إلى النار {ووفيت كل نفس} أي: من أهل الكتاب وغيرهم جزاء {ما كسبت} أي: عملت من خير أو شر وفي ذلك دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار وإن دخلها؛ لأن توفية إيمانه وعمله لا يكون في النار ولا قبل دخولها فإذا هي بعد الخلاص إن دخلها؛ {وهم لا يظلمون} أي: بنقص حسنة أو زيادة سيئة. تنبيه: ذكر ضمير وهم لا يظلمون وجمعه باعتبار معنى كل نفس؛ لأنه في معنى كل إنسان، ولما فتح النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم أولم يكف محمداً مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم فأنزل الله سبحانه وتعالى. {قل اللهمّ} أي: يا الله والميم عوض عن ياء النداء ولذلك لا يجتمعان، والتعويض من خصائص هذا الإسم كما اختص بدخولها عليه مع لام التعريف وقطع همزته وكما اختص بدخول تا القسم عليه وأمّا قولهم: ترب الكعبة فنادر {مالك الملك} أي: مالك العباد وما ملكوا قال الله تعالى في بعض الكتب المنزلة: أنا الله ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم «كما تكونوا يولى عليكم» {تؤتي} أي: تعطي {الملك} أي: في الدنيا {من تشاء} من خلقك {وتنزع الملك ممن تشاء} منهم، وقيل: المراد بالملك النبوّة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم، وقال الكلبيّ: تؤتي الملك لمحمد وأصحابه وتنزعه من أبي جهل وصناديد قريش، وقيل: تؤتيه لآدم وذرّيته وتنزعه من إبليس وجنوده {وتعز من تشاء} من خلقك، وقيل: محمداً وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها {وتذل من تشاء} منهم وقيل: أبا جهل وأصحابه حزت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل: تعز من تشاء بالقناعة وتذل من تشاء بالحرص والطمع، وقيل: تعز من تشاء بالتهجد وتذل من تشاء بتركه {بيدك} أي: بقدرتك {الخير} أي: والشر، واقتصر على الأوّل لمسارعة الأدب في الخطاب أو اكتفى بذكر أحد المقابلين كما في قوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحرّ} (النحل، 81) أي: والبرد أو؛ لأن الكلام وقع فيه إذ روى البيهقيّ وغيره: «أنه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق وقطع لكل عشر أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء وأخذ المعول منه فضربها ضربة فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لا بتيها ـ أي: المدينة ـ فكأنّ بها مصباحاً جاء في جوف بيت مظلم فكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها
أنياب الكلاب ـ أي: في بياضها وصفرتها وانضمام بعضها إلى بعض، واللابتان حرّتان يكتنفانها والحرّة كل أرض ذات حجارة سوداء كأنها محترقة من الحرّ ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة على كلها أي: الأراضي التي أضاءت ـ فأبشروا، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم أيها المؤمنون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب ـ أي: المدينة ـ قصور الحيرة وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق ـ أي: الخوف ـ فنزلت» . ونبه أيضاً على أن الشرّ بيده بقوله: {إنك على كل شيء قدير} والشرّ شيء ثم عقب ذلك ببيان قدرته على تعاقب الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله فقال: {تولج} أي: تدخل {الليل في النهار} حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات {وتولج} أي: تدخل {النهار في الليل} حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر {وتخرج الحيّ من الميت} كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة {وتخرج الميت من الحيّ} كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطائر، وقال الحسن وعطاء: تخرج المؤمن من الكافر، وتخرج الكافر من المؤمن فالمؤمن حيّ الفؤاد والكافر ميت الفؤاد قال الله تعالى: {أومن كان ميتاً فأحييناه} (الأنعام، 122) وقال الزجاج: تخرج النبات الغض الطريّ من الحب اليابس وتخرج الحب اليابس من النبات الحيّ النامي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة: {الميت} بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشدّدة. {وترزق من تشاء بغير حساب} أي: رزقاً واسعاً. عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من آل عمران شهد الله إلى قوله: {إنّ الدين عند الله الإسلام} ، {وقل اللهمّ مالك الملك} إلى قوله {بغير حساب} معلقات ما بينهنّ وبين الله عز وجل حجاب قلن يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله عز وجل بي حلفت لا يقرأكنّ أحد دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان فيه ولأسكننه حظيرة قدسي ولأنظرن إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرّة ولأقضينّ له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعيذنه من كل عدوّ وحاسد ولأنصرنه منه» . {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} يوالونهم. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار يرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ونهى المؤمنين أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر وقوله تعالى: {من دون} أي: غير {المؤمنين} إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأنّ في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان {ومن يفعل ذلك} أي: يوالي الكفرة {فليس من الله} أي: من ولاية الله {في شيء} يصح أن يسمى ولاية شرعية فإنّ ولاية المتعاديين لا يجتمعان لما بينهما من التضاد كما قال القائل: *فليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من ودّني في المغايب*
*تودّ عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب* بعين مهملة وزاي أي: بغائب والنوك بضم النون الحمق والجنون ثم استثنى فقال: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي: إلا أن تخافوا منهم مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب كما قال عيسى عليه الصلاة والسلام: كن وسطاً ـ أي: في معاشرتهم ومخالفتهم ـ وامش جانباً ـ أي: من موافقتهم فيما يأمرون ويذرون ـ وهذا قبل عزة الإسلام ويجري في بلد ليس قوياً فيها، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في بدء الإسلام قبل استحكام الدين وقوّة المسلمين وأمّا اليوم فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوّهم {ويحذركم الله} أي: يخوّفكم {نفسه} أن يغضب عليكم إن واليتموهم {وإلى الله المصير} أي: المرجع فيجازيكم فلا تتعرّضوا للسخط بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي عنه في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه فلا يبالي عنده بما يحذر من الكفرة. {قل} لهم يا محمد {إن تخفوا ما في صدوركم} أي: قلوبكم من موالاة الكفار أو غيرها بما لا يرضى الله {أو تبدوه} أي: تظهروه {يعلمه الله} ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به وقال الكلبيّ: إن تسرّوا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه بحربه وقتاله يعلمه الله {و} هو الذي {يعلم ما في السموات وما في الأرض} لا يخفى عليه منه شيء قط فلا يخفى عليه سرّكم وعلانيتكم {وا على كل شيء قدير} فهو قادر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه وهذا بيان لقوله تعالى: {ويحذركم الله نفسه} لأنّ نفسه متصفة بعلم ذاتي يحيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية تعمّ المقدورات بأسرها فلا تعصوه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها لا محالة قادر على العقاب بها ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله بأن يوكل من يتجسس عن مواطن أموره لأخذ حذره منه كل الحذر فما بال من علم أن العالم الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهمّ إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك ونسألك اليقظة من سنة الغفلة. {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً} نصب يوم بمضمر نحو اذكر وقوله تعالى: {وما عملت} أي: عملته {من سوء} مبتدأ خبره {تودّ لو أنّ بينها} أي: النفس {وبينه} أي: السوء {أمداً بعيداً} أي: غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها، وكرّر سبحانه وتعالى: {ويحذركم الله نفسه} ، قال البيضاوي: للتأكيد والتذكير وقال التفتازاني: الأحسن ما قيل أنّ ذكره أوّلاً للمنع من موالاة الكافرين وثانياً للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشرّ وقوله تعالى: {وا رؤف بالعباد} إشارة إلى أنه تعالى: إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة إصلاحهم. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي رؤوف بقصر الهمزة والباقون بالمدّ وورش على أصله في المدّ والتوسط والقصر ونزل في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. {قل} لهم يا محمد {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقف النبيّ صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وهم يسجدون لها فقال: «يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسمعيل» فقال له قريش: إنما نعبدها
حباً لله تعالى ليقرّبونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل لهم يا محمد إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام لتقرّبكم إليه فاتبعوني يحببكم الله فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم أي: اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: {ويغفر لكم ذنوبكم وا غفور} لمن اتبعني ما سلف من ذنبه قبل ذلك {رحيم} به. وعن الحسن زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عملهم، فمن ادّعى محبته وخالف سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب وكتاب الله يكذبه، وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكره ويطرب وينعر ويصعق فلا شك أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة الله، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا؛ لأنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله وادّعائه ثم صفق وطرب ونعر وصعق عند تصوّرها وربما رأيت المنيّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته وحمقى العامة حواليه قد ملؤوا أذقانهم بالدموع لما رأوه من حاله. ولما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى نزل قوله تعالى: {قل} لهم {أطيعوا الله والرسول} فيما يأمركم به من التوحيد {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن الطاعة {فإنّ الله لا يحب الكافرين} أي: لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم وإنما أتى بالظاهر ولم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أنّ التولي كفر وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأنّ محبته مخصوصة بالمؤمنين، ولما أوجب الله سبحانه وتعالى طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبيّن أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً على الطاعة فقال تعالى: {إن الله اصطفى} أي: اختار {آدم ونوحاً وآل إبراهيم} وهم إسمعيل وإسحق وأولادهما الرسل وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم {وآل عمران} موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر {على العالمين} بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم وبهذه الآية استدل على فضل الرسل على الملائكة وقيل: آل عمران عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة وقيل: آل إبراهيم وآل عمران أنفسهما وقوله تعالى: {ذرّية} بدل من آل إبراهيم وآل عمران {بعضها من} ولد {بعض} منهم وقيل: بعضها من بعض في الدين والذرّية تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى {وا سميع} لأقوال الناس {عليم} بأحوالهم فيصطفي من كان منهم مستقيم القول والحال، واذكر. {إذ قالت امرأت عمران} وهي حنة بنت فاقوذ أمّ مريم، وعمران هو عمران بن ماثان رئيس بني إسرائيل وليس هو عمران أبا موسى وهرون إذ كان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة كما مرّ وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم. فائدة: رسمت امرأة بالتاء المجرورة ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ بالهاء، والباقون بالتاء، ووقف الكسائيّ بالفتح والإمالة وإذا وقف حمزة سهل الهمزة. وروي أنّ حنة كانت عاقراً عجوزاً فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهمّ إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدّق به على بيت
المقدس فيكون من خدمه فحملت، فلما أحست بالحمل قالت: يا {رب إني نذرت} أن أجعل {لك ما في بطني محرّراً} أي: عتيقاً خالصاً من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدّس، وكان هذا النذر مشروعاً في عهدهم في الغلمان فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك فوقعا جميعاً في همّ من ذلك وهلك عمران وحنة حامل بمريم {فتقبل مني} ما نذرته {إنك أنت السميع} لقولي {العليم} بنيتي. {فلما وضعتها} أي: ولدتها جارية والضمير لما في بطنها، وإنما أنث على المعنى؛ لأنّ ما في بطنها كان أنثى في علم الله أو على تأويل النفس أو النسمة ولم يكن يحرّر إلا الغلمان وكانت ترجو أن يكون غلاماً ولذلك نذرت تحريره {قالت} معتذرة يا {رب إني وضعتها أنثى} . فإن قيل: كيف جاز انتصاب أنثى حالاً من الضمير في وضعتها وهو كقوله وضعت الأنثى أنثى؟ أجيب: بأنّ الأصل وضعته أنثى وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأنّ الحال وصاحبها بالذات واحد وأما على تأويل النفس أو النسمة فهو ظاهر كأنها قالت: إني وضعت النفس أو النسمة أنثى {وا أعلم} أي: عالم {بما وضعت} قرأ ابن عامر وشعبة بسكون العين وضم التاء فيكون من كلامها قالته تسلية لنفسها أي: ولعل لله فيه سرّاً وحكمة ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر، وقرأ الباقون بفتح العين وسكون التاء فيكون من كلام الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بقدر ما وهب لها منه ومعناه والله أعلم بالأنثى التي وضعت وما علق به من عظائم الأمور وأن يجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت. وقرأ أبو عمرو والله أعلم بسكون الميم وإخفائها عند الباء بخلاف عنه، والباقون بالإظهار وقوله تعالى: {وليس الذكر كالأنثى} بيان لما في قوله: {وا أعلم بما وضعت} من التعظيم للموضوع والرفع منه ومعناه وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها واللام فيهما للعهد أمّا معهود لام الأنثى ففي قولها إني وضعتها أنثى وأمّا معهود لام الذكر ففي قولها محرّراً ويجوز أن يكون معنى قولها وليس الذكر كالأنثى أي: وليس الذكر والأنثى سيين فيما نذرت لما يعتري الأنثى من الحيض والنفاس فتكون اللام للجنس وقوله تعالى: {وإني سميتها مريم} عطف على {إني وضعتها أنثى} وما بينهما جملتان معترضتان كقوله تعالى: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (الواقعة، 76) وإنما ذكرت ذلك لربها تقرّباً إليه وطلباً؛ لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها فإنّ مريم في لغتهم بمعنى العابدة. تنبيه: في قوله تعالى: حكاية عنها {سميتها مريم} دليل على أنّ الإسم والمسمّى والتسمية أمور متغايرة أو معنى سميتها مريم جعلت اسم المولود مريم {وإني أعيذها} أي: أجيرها {بك} أي: بحفظك {وذرّيتها} أي: أولادها {من الشيطان الرجيم} أي: المطرود. روى الشيخان: «ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها» ولا يبعد كما قال الطيبي اختصاص عيسى وأمّه بهذه الفضيلة دون الأنبياء لجواز أن يمكن الله تعالى الشيطان من مسهم مع عصمتهم من الإغواء ولا يمتنع كما قال التفتازاني: أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع وليست تلك المسة للإغواء ليدفع أنه لا يتصوّر في حق المولود حيث يولد وحينئذٍ فقول البيضاويّ معناه أنّ الشيطان يطمع في إغواء كل مولود أي:
لا يمسه فيه إخراج الحديث عن ظاهره، وتبع فيه الزمخشريّ وهو ما سلكه المعتزلة حيث أنكروا هذا الحديث وقدحوا في صحته؛ لأنّ الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل بني آدم يطعنه الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعنه فطعنه في الحجاب» . {فتقبلها ربها} أي: قبل مريم من أمّها ورضي بها في النذر مكان الذكر {بقبول حسن} وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى {وأنبتها نباتاً حسناً} أي: أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام {وكفلها زكريا} قرأ عاصم وحمزة والكسائيّ بتشديد الفاء وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أنّ الفاعل هو الله تعالى وزكريا مفعول أي: جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها فلا بدّ من تقدير مضاف في الآية وهو مصالح؛ لأنّ كفالة البدن لا معنى لها، وقرأ الباقون بتخفيف الفاء ومدّوا زكريا مرفوعاً على الفاعلية. روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد الأقصى ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم الأعظم في العلم والصلاح فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأنّ خالتها عندي، فقالت الأحبار: لا تقل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمّها التي ولدتها لكنا نقترع فيها فتكون عند من خرج سهمه وكانوا تسعة وعشرين رجلاً فانطلقوا إلى نهر الأردن وألقوا فيه أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها غرفة في المسجد وجعل بابها في وسطه لا يرقى إليه إلا بالسلم ولا يصعد إليها غيره. وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء كما قال تعالى: {كلما دخل عليها زكريا المحراب} أي: الغرفة والمحراب أشرف المجالس ومقدّمها وكذلك هو من المسجد ويقال أيضاً للمسجد محراب قال المبرّد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرج {وجد عندها رزقاً} قال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب، فإذا دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فإذا وجد عندها ذلك. {قال يا مريم أنّى لك هذا} أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك {قالت} وهي صغيرة {هو من عند الله} يأتيني به من الجنة قيل: تكلمت في المهد وهي صغيرة كما تكلم ابنها عيسى وهو صغير في المهد ولم ترضع ثدياً قط، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة وفي هذا دليل وأي دليل على كرامة الأولياء وليس ذلك معجزة لزكريا كما زعمه جماعة؛ لأنّ ذلك مدفوع باشتباه الأمر عليه حتى قال لها: أنى لك هذا؟ ولو كان معجزة له لادعاها وقطع بها؛ لأنّ النبيّ شأنه ذلك ويدل عليها غير ذلك كقصة أصحاب الكهف ولبثهم في الكهف سنين عدداً بلا طعام ولا شراب وقصة آصف من إتيانه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف ورؤية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو على المنبر جيشه بنهاوند حين قال: يا سارية الجبل وسماع سارية ذلك وكان بينهما مسافة شهر، وشرب خالد رضي الله تعالى عنه السم من غير أن يضره، وبالجملة فكرامات الأولياء حق ثابتة بالكتاب والسنة
وليس بعجيب إنكارها من أهل البدع والأهواء إذا لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء، فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقونهم ويسمونهم بالجملة المتصوّفة ولم يعرفوا أنّ مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة، وإنما العجب من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال فيما روي عن إبراهيم بن أدهم أنهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة أنّ من اعتقد جواز ذلك يكفر والإنصاف ما ذكره الإمام النسفيّ حين سئل عما يحكى أنّ الكعبة كانت تزور بعض الأولياء هل يجوز القول به؟ فقال: نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة. وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله تعالى عنها رغيفين وبضعة لحم في طبق مغطى آثرته به فرجع بذلك إليها وقال: «هلمي يا بنية» فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنّ ذلك نزل من عند الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنى لك هذا؟» قالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال لها عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل» ثم جمع صلى الله عليه وسلم علياً والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة على جيرانها» . فهذه كرامة لفاطمة رضي الله تعالى عنها وفي هذه الرواية دليل على أنّ قوله تعالى: {إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب} أي: رزقاً واسعاً بلا تبعة من كلام مريم رضي الله تعالى عنها ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى. ولما رأى زكريا كرامة مريم ومنزلتها عند الله قال: إنّ الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب قادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولداً في غير حينه على الكبر فطمع في الولد وذلك أنّ أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد قال الله عز وجل: {هنالك دعا زكريا ربه} أي: في ذلك المكان أو الوقت، قال الزمخشريّ: قد تستعار هنا، وثم وحيث للزمان أي: لمشابهة الزمان للمكان في الظرفية فاستعير له فدخل زكريا المحراب وناجى ربه في جوف الليل {قال} يا {ربّ هب لي} أي: أعطني {من لدنك} أي: من عندك {ذرية طيبة} كما وهبتها لحنة العجوز العاقر أي: ولداً مباركاً تقياً صالحاً رضياً، والذرّية يكون واحداً وجمعاً ذكراً وأنثى وهو هنا واحد بدليل قوله: {فهب لي من لدنك ولياً يرثني} (مريم، 6) وإنما قال طيبة لتأنيث لفظ الذرّية {إنك سميع} أي: مجيب {الدعاء} لمن دعاك فلا تردّني خائباً {فنادته الملائكة} أي: جنسهم كقولهم: فلان يركب الخيل فإنّ المنادى كان هو جبريل وحده، وقرأ حمزة والكسائيّ فناداه بالإمالة والتذكير، والباقون بالتاء {وهو قائم يصلي في المحراب} أي: المسجد وذلك أنّ زكريا كان هو الحبر الكبير الذي يقرب القربان ويفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول فبينما هو قائم يصلي في المحراب والناس ينتظرون أن يؤذن لهم في الدخول، فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض، ففزع منه فناداه وهو جبريل. وقرأ {إن الله يبشرك بيحيى} ابن عامر وحمزة بكسر الهمزة على إرادة القول، أو لأنّ النداء نوع من القول، والباقون بالفتح على بأن، وقرأ حمزة والكسائيّ بفتح الياء من يبشرك وسكون الباء الموحدة وضمّ الشين
مخففة، والباقون بضمّ الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين المشدّدة، واختلفوا في أنه لِمَ سمي يحيى قال ابن عباس: لأنّ الله أحيا به عقر أمّه وقال قتادة: لأنّ الله أحيا قلبه بالإيمان وقيل: لأنّ الله تعالى أحيا قلبه بالطاعة حتى أنه لم يهم بمعصية وهو اسم أعجمي منع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى وقيل: عربي ومنع صرفه للتعريف ووزن الفعل كينسى، وجمعه يحيون كموسون وعيسون {مصدّقاً بكلمة} كائنة {من الله} أي: بعيسى أنه روح الله وسمي كلمة؛ لأنه خلق بكلمة كن وقيل: لأنّ الله أخبر الأنبياء بكلامه في كتابه أنه يخلق نبياً بلا أب فسماه بكلمة لحصول ذلك الوعد، وكان يحيى أوّل من آمن بعيسى وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليهما الصلاة والسلام، وقول البيضاويّ وكان يحيى وعيسى ابن خالة من الأب فيه تجوز إذ يحيى ابن خالة أمّ عيسى لا ابن خالته وعيسى ابن بنت خالة يحيى لا ابن خالته {وسيداً} أي: يسود قومه فيصير متبوعاً. وقال الضحاك: السيد الحسن الخلق. وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه وقال سعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم {وحصوراً} أي: مبالغاً في حبس النفس على الشهوات والملاهي. روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه للعب فقال: ما للعب خلقت. وقال سعيد بن المسيب: الحصور هو المعسر الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور كأنه ممنوع من النساء وقيل: كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوّج مع ذلك ليكون أغض لبصره، وقيل: هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه واختار قوم هذا القول لوجهين: أحدهما أنّ الكلام خرج مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، والثاني أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء {ونبياً} ناشئاً {من الصالحين} لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين فمن على هذا للتبعيض كقوله تعالى: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (البقرة، 130) . {قال رب أنى} أي: كيف {يكون لي غلام} أي: ابن {وقد بلغني الكبر} أي: أدركني كبر السن وأثر فيّ وكان عمره مائة وعشرين سنة وقيل: تسعاً وتسعين سنة {وامرأتي عاقر} أي: لا تلد من العقر وهو القطع؛ لأنها ذات عقر من الأولاد وكانت بنت ثمان وتسعين سنة. فإن قيل: كيف قال زكريا بعدما وعده الله تعالى أن يكون له غلام أنى يكون لي غلام أكان شاكاً في وعد الله وفي قدرته؟ أجيب: بأنه قال ذلك استبعاداً من حيث العادة كما قالت مريم أو استعظاماً وتعجباً أو استفهاماً عن كيفية حدوثه أي: أتجعلني وامرأتي شابين أوترزقنا ولداً على الكبر منا أو ترزقني امرأة أخرى؟ وقيل: إنّ زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إنّ الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعاً للوسوسة {قال} الأمر {كذلك} أي: من خلق غلام منكما {الله يفعل ما يشاء} لا يعجزه عنه شيء ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه الله السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به. {قال رب اجعل لي آية} أي: علامة أعرف بها حمل امرأتي لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر {قال آيتك} عليه {أن لا تكلم الناس} أي: تمتنع من كلامهم {ثلاثة أيام} أي: بلياليها كما في سورة مريم ثلاث ليال {إلا رمزاً} أي: إشارة بيد أو رأس والاستثناء منقطع وقيل: متصل والمراد بالكلام حينئذٍ
ما دل على ما في الضمير وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذلك قال: {واذكر ربك كثيراً وسبح} أي: صل {بالعشيّ} وهو من حين تزول الشمس إلى أن تغيب {والإبكار} وهو من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. فإن قيل: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ أجيب: بأنه إنما فعل به ذلك لتخلص المدّة المذكورة لذكر الله تعالى لا يشغل لسانه بغيره توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها التي طلب الآية من أجله كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقاً من السؤال ومنتزعاً منه وقال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام. {و} اذكر {إذ قالت الملائكة} أي: جبريل قال لها شفاهاً: {يا مريم إنّ الله اصطفاك} أي: اختارك بأن تقبلك من أمّك ولم يقبل قبلك أنثى وفرغك للعبادة وأغناك برزق الجنة عن الكسب وتكليمه لها شفاها كرامة لها. وقيل: كان معجزة لزكريا، وقيل: كان إرهاصاً أي: تأسيساً لنبوّة عيسى صلى الله عليه وسلم بطريق الخوارق قبل البعثة كإظلال الغمام لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بطريق الشام وإنما حمل على هذا التأويل؛ لأنها ليست بنبية على الأصح بل حكى البيضاويّ الإجماع على أنه تعالى لم ينبىء امرأة لقوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً} (الأنبياء، 7) لكن نوزع في دعوى الإجماع؛ لأنّ الخلاف ثابت في نبوّة نسوة خصوصاً مريم إذ القول بنبوّتها مشهور {وطهرك} أي: مسيس الرجال ومما يستقذر من النساء {واصطفاك} ثانياً {على نساء العالمين} بهدايتك وإرسال الملائكة إليك وتخصيصك بالكرامات السنية كالولد من غير أب ولم يكن لأحد من النساء. فائدة: أفضل نساء العالمين مريم كما في الآية إذ قيل بنوّتها ثم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خديجة أمّها ثم عائشة ثم آسية امرأة فرعون. فإن قيل: روى الطبرانيّ: «خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت خويلد ثم فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ثم آسية امرأة فرعون» أجيب: بأنّ خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة. {يا مريم اقنتي لربك} أي: أطيعيه {واسجدي واركعي مع الراكعين} أي: وصلي مع المصلين في الجماعة أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. فإن قيل: لم قدم السجود على الركوع؟ أجيب: باحتمال أنه كان كذلك في تلك الشريعة وقيل: بل كان السجود قبل الركوع في الشرائع كلها أو للتنبيه على أنّ الواو لا تقتضي الترتيب. {ذلك} أي: ما قصصناه عليك يا محمد من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى {من أنباء الغيب نوحيه إليك} أي: من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي {وما كنت لديهم} أي: عندهم {إذ يلقون أقلامهم} في الماء أي: سهامهم التي طرحوها فيه وعليها علامة على القرعة وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة اختاروها للقرعة تبركاً بها ليعلموا {أيهم يكفل مريم} أي: يحضنها ويربيها، فأيّ متعلق بمحذوف كما علم من التقدير {وما كنت لديهم إذ يختصمون} في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته
من جهة الوحي. فإن قيل: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم من غير شبهة وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ أجيب: بأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة ومثل ذلك قوله تعالى: {وما كنت بجانب الغربيّ} (القصص، 44) {وما كنت بجانب الطور} (القصص، 26) {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} (يوسف، 102) واذكر. {إذ قالت الملائكة} أي: جبريل {يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} أي: بابن {اسمه المسيح عيسى بن مريم} وإنما خاطبها بنسبته إليها تنبيهاً على أنها تلده بلا أب إذ عادة الأبناء نسبتهم إلى آبائهم لا إلى أمهاتهم وبنسبته إليها فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قيل: هذه ثلاثة أشياء: الإسم منها عيسى، وأمّا المسيح والابن فلقب وصفة أجيب: بأنّ الإسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز عمن سواه مجموع هذه الثلاثة، والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك لقوله: {وجعلني مباركاً أينما كنت} واشتقاقه من المسح؛ لأنه مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو لأنه خرج من بطن أمّه ممسوحاً بالدهن، أو لأنّ جبريل مسحه بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، أو لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له. وقال ابن عباس: سمي مسيحاً لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برىء، ويسمى الدجال مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين وعيسى معرب إيشوع وهو بالشين المعجمة السيد. قال البيضاويّ اشتقاقه من العيس وهو بياض تعلوه حمرة وهو تكلف لا طائل تحته وقوله تعالى: {وجيهاً} أي: ذا جاه حال مقدّرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة. فإن قيل: لم ذكر ضمير الكلمة أجيب: بأنّ المسمى بها مذكر {في الدنيا} أي: بالنبوّة والتقدّم على الناس {و} في {الآخرة} بالشفاعة والدرجات العلى {ومن المقرّبين} عند الله تعالى لعلوّ درجته في الجنة ورفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. {ويكلم الناس في المهد} أي: صغيراً قبل أوان الكلام كما ذكر في سورة مريم قال: {إني عبد الله آتاني الكتاب} (مريم، 30) الآية. وحكي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدّثني وحدّثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع. والمهد ما يمهد للصبيّ من مضجعه وقوله تعالى: {وكهلاً} عطف على في المهد أي: ويكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولية وحال الكهولية التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء، وقد رفع بعد كهولته، وقيل: إنه رفع شاباً وعلى هذا المراد كهلاً بعد نزوله وذكر تعالى أحواله المختلفة المتنافية إرشاداً إلى أنه بمعزل عن الألوهية. فإن قيل: فما فائدة البشارة بكلامه كهلاً والناس في ذلك سواء؟ أجيب: بأنه بشرها بأنه يبقى إلى أن يتكهل وبعدم التفاوت بين الحالين كما مرّ وقوله تعالى: {ومن الصالحين} أي: من عباد الله الصالحين حال من كلمة أو من ضميرها الذي في يكلم. فإن قيل: لم ختم الصفات المذكورة بقوله: {ومن الصالحين} بعد كونه وجيها في الدنيا وفسرت بالنبوّة ولا شك أنّ النبوّة أرفع من منصب الصلاح بل كل واحدة من الصفات المذكورة أشرف من كونه صالحاً؟ أجيب: بأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على المنهج الأصلح وذلك يتناول جميع
المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح ولهذا قال نبيّ الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعد النبوّة {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} (النمل، 19) فلما عدّد صفات عيسى عليه الصلاة والسلام أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات. {قالت ربّ} أي: يا سيدي فقولها لله عز وجلّ وقيل: قالته لجبريل قاله البغويّ وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن قولها رب نداء لجبريل بمعنى يا سيدي {أنى} أي: كيف {يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} أي: ولم يصبني رجل بتزوّج ولا غيره، قالت ذلك تعجباً إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد مولود بلا أب أو استفهاماً عن أن يكون بتزوّج أو بغيره {قال} الأمر {كذلك} من خلق ولد منك بلا أب {الله يخلق ما يشاء} القائل جبريل أو الله وجبريل حكى لها وقوله تعالى {إذا قضى أمراً} أي: أراد كون شيء {فإنما يقول له كن} صر وقرأ {فيكون} ابن عامر بفتح النون، والباقون بضمها أي: فهو يكون؛ لأنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرّجاً بأسباب وموادّ يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه هناك وقوله تعالى: {ونعلمه الكتاب} أي: الكتابة {والحكمة} أي: العلم المقترن بالعمل {والتوراة والإنجيل} كلام مستأنف ذكر تطييباً لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم حين علمت أنها تلد من غير زوج وقيل: المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة وخص الكتابان لفضلهما، وقرأ نافع وعاصم بالياء والباقون بالنون. {و} نجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل} إما في الصبا أو بعد البلوغ وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثه إليهم وللردّ على من زعم أنه مبعوث إلى غيره. فائدة: كان أوّل أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى عليهم الصلاة والسلام، ولما بعث إليهم قال لهم: إني رسول الله إليكم {أني} أي: بأني {قد جئتكم بآية} أي: علامة {من ربكم} تصدّق قولي، وإنما قال بآية وقد أتى بآيات؛ لأنّ الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة. ولما قال ذلك لبني إسرائيل قالوا: وما هي؟ قال: هي {إني} قرأ نافع وحده بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتح الياء من إني نافع وأبو عمرو، وسكنها الباقون {أخلق} أي: أصوّر {لكم من الطين كهيئة الطير} أي: مثل صورته فيصير طيراً كسائر الطيور وحياً طياراً، والكاف اسم مفعول وقرأ ورش بالمدّ على الياء من هيئة والتوسط كما تقدّم في شيء {فأنفخ فيه} الضمير للكاف أي: في ذلك المماثل للطير أي: في فيه {فيكون طيراً بإذن الله} أي: بإرادته نبه بذلك على أن إحياءه من الله تعالى لا منه، وقرأ نافع بألف بعد الطاء بعدها همزة مكسورة ورقق ورش الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف فقراءة الجمع نظراً إلى أنه خلق طيراً كثيراً وقراءة المفرد نظراً إلى أنه نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يخلق غير الخفاش وإنما خص الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقاً؛ لأنّ له أسناناً وللأنثى ثدياً وتحيض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الخلق من فعل الله وليعلم أنّ الكمال لله عز وجلّ. {وأبرىء} أي: أشفي {الأكمه} وهو الذي ولد أعمى أو ممسوح العينين. قال الزمخشريّ: ويقال لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير» ولعل هذا على التفسير
الثاني {والأبرص} وهو الذي به برص وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته وإنما خص هذين المرضين بالذكر؛ لأنهما أعييا الأطباء وكان الغالب في زمن عيسى الطب فأراهم المعجزة من جنس ذلك، قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً، من أطاق منهم أن يبلغه أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده على شرط الإيمان. وإنما قال ثانياً {وأحيي الموت بإذن الله} وكرّر بإذن الله دفعاً لتوهّم الألوهية، فإنّ الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية، قال ابن عباس: قد أحيا عيسى أربعة أنفس: عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح عليه السلام، فأمّا عازر فكان صديقاً له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام إنّ أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى قبره فدعا الله سبحانه وتعالى فقام وخرج من قبره وبقي وولد له، وأما ابن العجوز فمرّ به ميتاً على عيسى يحمل على سرير فدعا الله تعالى عيسى فجعل على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له، وأما ابنة العاشر فكان رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس فدعا الله تعالى فأحياها فبقيت وولد لها، وأما سام بن نوح فإنّ عيسى عليه السلام جاء إلى قبره ودعا فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة وما كانوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ فقال: لا ولكن قد دعوت الله تعالى فأحياك، ثم قال له: مت فقال: بشرط أن يعيذني الله تعالى من سكرات الموت فدعا الله تعالى ففعل به ما قال. {وأنبئكم} أي: أخبركم {بما تأكلون} بما لم أعاينه {وما تدّخرون} أي: تخبئون {في بيوتكم} حتى تأكلوه فكان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما أكل اليوم وبما ادّخره للعشاء، وقال السدي: كان عيسى في الكتاب يحدث الغلمان بما تصنع آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا وكذا قال: فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا لهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا ههنا قال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير قال عيسى: كذلك يكونوا ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير ففشا ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل فلما خافت عليه أمّه حملته على حمار لها وخرجت هاربة إلى مصر، وقال قتادة: إنما هذا في المائدة وكان خواناً ينزل عليهم أينما كانوا كالمنّ والسلوى وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد فخانوا وخبؤوا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وادّخروا منها فمسخهم الله خنازير {إن في ذلك} الذي ذكرته لكم {لآية لكم إن كنتم مؤمنين} أي: مصدّقين للحق غير معاندين وقوله تعالى: {ومصدّقاً} منصوب بإضمار فعل يدل عليه قد جئتكم أي: وجئتكم مصدّقاً {لما بين يدي} أي: قبلي {من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم} فيها في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام فأحل لهم أكل الشحوم والثروب وهو شحم رقيق يغشى الكرش والسمك ولحوم الإبل والعمل في السبت وقيل: أحل الجميع فبعض بمعنى كل كقول لبيد:
*ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها* يعني كل النفوس. فإن قيل: كيف يكون مصدّقاً للتوراة والإحلال يدل على أنّ شرعه كان ناسخاً لشرع موسى؟ أجيب: بأنه لا تناقض كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بالتناقض والتكاذب، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان وإنما كرر {وجئتكم بآية من ربكم} للتأكيد وليبني عليه {فاتقوا الله} أي: في مخالفة أمره أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير والإبراء والإحياء والإنباء بالخفيات وبغيره من ولادتي من غير أب ومن كلامي في المهد وغير ذلك، فهي في الحقيقة آيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته {وأطيعون} فيما أدعوكم إليه من توحيد الله وطاعته، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: {إنّ الله ربي وربكم} لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه {فاعبدوه} أي: لازموا طاعته التي هي الإتيان بالأوامر والإنتهاء عن المناهي {هذا} الذي دعوتكم إليه {صراط} أي: طريق {مستقيم} أي: هو المشهود له بالإستقامة. روى الإمام أحمد وغيره أنّ رجلاً قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» . ولما قال لهم ذلك كذبوه ولم يؤمنوا به كما قال تعالى: {فلما أحس عيسى} أي: علم {منهم} علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس {الكفر قال من أنصاري} قرأ نافع بفتح الياء والباقون بالسكون أي: أعواني وقوله: {إلى الله} متعلق بمحذوف حال من الياء أي: من أنصاري ذاهباً إلى الله تعالى ملتجئاً إليه تعالى لأنصر دينه وقيل: إلى هنا بمعنى مع أو في أو اللام {قال الحواريون نحن أنصار الله} أي: أعوان دينه واختلفوا في الحواريين، فقال السدي: لما بعث الله تعالى عيسى إلى بني إسرائيل كذبوه وأخرجوه فخرج هو وأمه يسبحان في الأرض فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما، وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوماً مهتماً حزيناً فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيباً؟ قالت: لا تسأليني قالت: أخبريني لعل الله يفرّج كربته قالت: إن لنا ملكاً يجعل على كل رجل منا يوماً أن يطعمه وجنوده ويسقيهم خمراً فإن لم يفعل عاقبه واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة قالت: فقولي له لا تهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفي ذلك، فقالت مريم لعيسى في ذلك قال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شرّ قالت: فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا. قال عيسى: قولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ففعل ذلك فدعا الله عيسى فتحوّل ماء القدور مرقاً ولحماً وماء الخوابي خمراً لم ير الناس مثله قط، فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا قال: فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه قال: هي من أرض أخرى فلما خلط على الملك شدّد عليه قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه وإنه دعا الله فجعل الماء خمراً، فلما أحضره وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام وكان أحب الخلق إليه فقال: إنّ رجلاً دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً ليجأ به إليّ حتى يحيي ابني فدعي بعيسى إليه فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا أفعل فإنه إن عاش وقع شرّ. قال الملك: لا عليك.
قال عيسى: إن أحييته تتركني أنا وأمي نذهب حيث نشاء؟ قال: نعم فدعا الله تعالى فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمّه فمرّوا بالحواريين وهم يصطادون السمك فقال: ما تصنعون؟ قالوا: نصطاد السمك قالوا: ومن أنت؟ قال: عيسى بن مريم عبد الله ورسوله فقالوا: {آمنا} أي: صدقنا {با واشهد} يا عيسى {بأنا مسلمون} لتشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم. {ربنا آمنا بما أنزلت} من الإنجيل {واتبعنا الرسول} عيسى {فاكتبنا مع الشاهدين} لك بالوحدانية أو مع النبيين الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم شهداء على الناس وقال الحسن: كانوا قصارين سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب أي: يبيضونها، وعلى الأوّل سموا حواريين لبياض ثيابهم. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين فدعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر فقال: يا عيسى إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب مختلفة الألوان وقد علمت على كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغاً منها عند قدومي، وخرج فطبخ عيسى جباً واحداً على لون واحد وأدخل فيه جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله تعالى على ما أريد منك فقدم الحواري والثياب كلها في الجب فقال: ما فعلت؟ قال: فرغت منها قال: أين هي؟ قال: في الجب قال: كلها؟ قال: نعم قال: لقد أفسدت تلك الثياب فقال: قم فانظر فأخرج عيسى ثوباً أصفر وثوباً أخضر وثوباً أحمر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواري يتعجب وعلم أنّ ذلك من الله تعالى، فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن هو وأصحابه وهم الحواريون وقال الكلبي وعكرمة: الحواريون الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى أوّل من آمن به وكانوا اثني عشر من الحور وهو البياض الخاص، وحواري الرجل صفوته وخالصته. وقيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهنّ ونظافتهن قال القائل: *فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح* قال الله تعالى: {ومكروا} أي: كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر به، وذلك أن عيسى عليه الصلاة والسلام بعد إخراج قومه إياه وأمّه عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به ووكلوا به من يقتله غيلة ـ وهي بالكسر ـ أن يخدع غيره فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله فذلك مكرهم إذ المكر من المخلوق الخبث والخديعة والحيلة، وأمّا من الخالق وهو قوله تعالى: {ومكر الله} أي: بهم {والله خير الماكرين} أي: أعلمهم به، فقال الزجاج: مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الإبتداء؛ لأنه في مقابلته كقوله تعالى: {الله يستهزىء بهم} (البقرة، 15) وهو خادعهم ومكر الله تعالى بهم في هذه الآية بأن ألقى شبهه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل. روي أنّ عيسى استقبل رهطاً من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه، فلما سمع ذلك عيسى دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير، فلما رأى ذلك
يهودا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى وساروا إليه ليقتلوه فبعث الله تعالى إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها كوة فرفعه الله تعالى إلى السماء من تلك الكوة فأمر يهودا رأس اليهود رجلاً من أصحابه أن يدخل الخوخة ويقتله فلما دخل لم ير عيسى فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه، فلما صلب جاءت أمّ عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله تعالى من الجنون يبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى فقال لهما: على من تبكيان؟ إنّ الله تعالى رفعني ولم يصبني إلا خير وإن هذا شبه لهم، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى: اهبط إلى مريم فإنه لم يبك عليك أحد بكاها ولم يحزن حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل، فأهبطه الله تعالى إليها فاشتعل حين أهبط نور فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله تعالى إليه وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون تحدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه الصلاة والسلام إليهم. وروي أنّ الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها: إنّ القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة، وقالت أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشر سنة وولدته لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، فأوحى الله تعالى إليه على رأس ثلاثين سنة ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين وعاشت أمّه بعد رفعه ست سنين وقوله تعالى: {إذ قال الله} ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو لمضمر مثل اذكر {يا عيسى إني متوفيك} أي: مستوفي أجلك ومعناه إني عاصمك من أن يقتلك الكافر ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم أو قابضك من الأرض. من توفيت مالي أي: قبضته أو متوفيك نائماً كما قال تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} (الأنعام، 60) أي: يميتكم، إذ روي أنه رفع نائماً أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت {ورافعك إليّ} أي: إلى محل كرامتي ومقرّ ملائكتي، إذ روي أنّ الله تعالى رفعه وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وكان إنسياً سماوياً أرضياً، وقال محمد بن إسحاق: النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه. وقال الضحاك: إنّ في الآية تقديماً وتأخيراً معناه إني رافعك إليّ {ومطهرك من الذين كفروا} أي: مخرجك من بينهم ومنجيك منهم ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» . وروى الشيخان حديث: «أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية» وفي حديث مسلم أنه يمكث سبع سنين، وفي حديث عند أبي داود والطيالسي «أربعين سنة» ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، فيحمل على أنّ مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده أربعون، وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد نزول
عيسى في القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى: {ويكلم الناس في المهد وكهلاً} (آل عمران، 46) وهو لم يتكهل في الدنيا وإنما معناه كهلاً بعد نزوله من السماء انتهى. وهذا إنما يأتي على القول بأنه رفع شاباً، وأما على القول بأنه رفع بعد ثلاث وثلاثين فلا دليل فيه إذ الكهولة من الثلاثين إلى الأربعين {وجاعل الذين اتبعوك} أي: صدقوا بنبوّتك من النصارى ومن المسلمين؛ لأنه متبعوه في أصل الإسلام، وإن اختلفت الشرائع {فوق الذين كفروا} بك من اليهود والنصارى أي: يغلبونهم بالحجة والسيف {إلى يوم القيامة} وقيل: المراد بالذين اتبعوه النصارى وبالذين كفروا اليهود إذ لم نسمع غلبة اليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة وملك النصارى قائم إلى قريب من قيام الساعة وعلى هذا يكون الإتباع بمعنى الإدعاء في المحبة لا اتباع الدين {ثم إليّ مرجعكم} الضمير لعيسى ومن آمن معه ومن كفر به وغلب المخاطب على الغائبين {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين ثم بين الحكم بقوله: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا} بالقتل والسبي والجزية والذلة {و} أعذبهم في {الآخرة} بالنار. فإن قيل: الحكم مرتب على الرجوع إلى الله تعالى وذلك في القيامة فكيف يصح في تبيينه العذاب في الدنيا؟ أجيب: بأنّ المقصود التأييد من غير نظر إلى الدنيا والآخرة كما في قوله: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض {وما لهم من ناصرين} أي: مانعين منه. {وأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم} أي: أجور أعمالهم، وقرأ حفص بالياء، والباقون بالنون {وا لا يحب الظالمين} أي: لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما سبق من خبر عيسى ومريم وامرأة عمران وهو مبتدأ خبره {نتلوه} أي: نقصه {عليك} يا محمد وقوله تعالى: {من الآيات} خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو حال من الهاء {والذكر الحكيم} أي: القرآن وصف بصفة من هو سببه أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. وقيل: هو اللوح المحفوظ وهو معلق بالعرش من درة بيضاء. ولما قال وفد نجران للرسول صلى الله عليه وسلم مالك سببت صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب، نزل. {إنّ مثل عيسى} أي: شأنه وحالته الغريبة {عند الله كمثل آدم} أي: كشأنه في خلقه من غير أب وقوله تعالى: {خلقه} أي: آدم {من تراب} جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم أي: خلق آدم من تراب ولم يكن ثم أب ولا أم فكذلك حال عيسى. فإن قيل: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب وآدم بغير أب وأم؟ أجيب: بأنّ مثله في أحد الطرفين ولا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيه به؛ لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران، ولأنّ الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى؛ لأنه لا أبوين له قالوا: كان يحيي الموتى قال فخر قيل أولى؛ لأنّ عيسى أحيا أربعة أنفس؟ قيل ثمانية آلاف فقالوا: كان يبرىء
الأكمه والأبرص قال: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً. ومعنى خلق آدم من تراب أي: صوّر جسده من تراب {ثم قال له كن} أي: أنشأه بشراً بأن نفخ فيه الروح كقوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} (المؤمنون، 14) وقوله تعالى: {فيكون} حكاية حال ماضية أي: فكان وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان ويجوز أن تكون ثم لتراخي الخبر لا لتراخي المخبر عنه وقوله تعالى: {الحق من ربك} خبر مبتدأ محذوف أي: أمر عيسى وقوله تعالى: {فلا تكن من الممترين} أي: الشاكين خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره فحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممترياً. {فمن حاجك} أي: جادلك من النصارى {فيه} أي: عيسى {من بعد ما جاءك من العلم} أي: من البينات الموجبة للعلم بأنّ عيسى عبد الله ورسوله {فقل} لهم {تعالوا} أي: هلموا بالرأي والعزم {ندع} جزم في جواب الأمر وعلامة جزمه سقوط الواو {أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي: ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وإنما قدّمهم على النفس؛ لأنّ الرجل يخاطر بنفسه لأجلهم ويحارب دونهم فنجمعهم {ثم نبتهل} أي: نتضرع في الدعاء ونبالغ فيه {فنجعل لعنت الله على الكاذبين} بأن نقول: اللهم إلعن الكاذب بأمر عيسى، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غداً، فخلا بعضهم ببعض وقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبيّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم والله ما بأهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكنّ، فإن أبيتم إلا الإقامة على دينكم وعلى ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها رضي الله عنها وهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «إذا أنا دعوت فأمنوا» فقال أسقف نجران ـ وهو اسم سرياني لرئيس النصارى وعاملهم وهو غير العاقب: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأيت أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا فقال: «إني أنابذكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تحنفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب تؤديها للمسلمين وعارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يؤدّوها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده إنّ العذاب تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر» ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا كلهم. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه
مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} » (الأحزاب، 33) ، وفي ذلك دليل على نبوّته صلى الله عليه وسلم وعلى فضل أهل الكساء رضي الله تعالى عنهم وعن بقية الصحابة أجمعين. فائدة: رسمت لعنة هنا بالتاء المجرورة، ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي عليها بالهاء، والباقون بالتاء. {إن هذا} أي: الذي قص عليك من نبأ عيسى {لهو القصص} أي: الخبر {الحق} الذي لا شك فيه، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء من لهو والباقون بالرفع حيث جاء وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها وإمّا مبتدأ والقصص الحق خبره والجملة خبران. فإن قيل: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ أجيب: بأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ وأصلها أن تدخل على المبتدأ {وما من إله إلا الله} إنما صرح فيه بمن المزيدة للإستغراق تأكيداً للردّ على النصارى في تثليثهم {وإن الله لهو العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه فلا أحد يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة فلا يشاركه في الألوهية. {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن الإيمان {فإنّ الله عليم بالمفسدين} فيجازيهم وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أنّ التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين والإعتقاد المؤدّي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم. ولما قدم وفد نجران المدينة والتقوا مع اليهود واختصموا في إبراهيم صلى الله عليه وسلم فزعمت النصارى أنه كان نصرانياً وهم على دينه وأولى الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهودياً وهم على دينه وأولى الناس به، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفاً مسلماً وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام» فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير، نزل. {قل يا أهل الكتاب} وهو يعم أهل الكتابين وهم اليهود والنصارى {تعالوا إلى كلمة} العرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنها سميت القصيدة كلمة، وقوله تعالى: {سواء} مصدر بمعنى مستو أمرها لا تختلف فيها الرسل والكتب {بيننا وبينكم} هو نعت الكلمة؛ لأنّ المصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مدّت وإذا كسرت أو ضمت قصرت كقوله تعالى: {مكاناً سوى} (طه، 58) ثم فسر الكلمة بقوله: {أن لا نعبد إلا الله} أي: نوحده بالعبادة ونخلص له فيها {ولا نشرك به شيئاً} أي: ولا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً؛ لأن يعبد {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} أي: ولا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل، لأنهم بشر مثلنا. روى الترمذي لما نزل قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال: «أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم قال: هو ذلك» أي: أخذكم بقولهم {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن التوحيد {فقولوا} أنتم لهم {اشهدوا بأنا مسلمون} أي: موحدون دونكم فقد لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بذلك، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو نحو ذلك:
اعترف بأني الغالب وسلم لي الغلبة. قال البيضاوي: تنبيه: انظر ما راعى أي: الله سبحانه وتعالى في هذه القصة من المبالغة والإرشاد وحسن التدرج في الحجاج أولاً لأحوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للإلهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح أي: يزيل شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الإنقياد عاد إليهم بالإرشاد وسلك طريقاً أسهل وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء والكتب ثم لما لم يجد أي: ينفع ذلك أيضاً عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك، وقال: اشهدوا بأنا مسلمون. {يا أهل الكتاب} وقد مرّ أنه يعم أهل الكتابين اليهود والنصارى {لم تحاجون} أي: تخاصمون {في إبراهيم} بزعمكم أنه على دينكم {وما أنزلت التوراة} على موسى {والإنجيل} على عيسى {إلا من بعده} أي: بزمن طويل إذ كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة وبعد نزول التوراة حدثت اليهودية وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية {أفلا تعقلون} بطلان قولكم حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. {ها أنتم} يا {هؤلاء} ها للتنبيه وأنتم مبتدأ خبره {حاججتم} أي: جادلتم {فيما لكم به علم} من أمر موسى وعيسى وزعمتم أنكم على دينهما {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} من شأن إبراهيم وليس له ذكر في كتابكم {وا يعلم} ما حاججتم فيه {وأنتم لا تعلمون} أي: جاهلون به، ثم قال تعالى تبرئة لإبراهيم: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً} أي: مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيّم {مسلماً} أي: موحداً منقاداً لله تعالى وليس المراد أنه كان على دين الإسلام وإلا لاشترك الإلزام؛ لأنهم يقولون: ملة الإسلام حدثت بعد نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وكان إبراهيم قبله بمدّة طويلة فكيف يكون على ملة الإسلام الحادثة بنزول القرآن، فعلم أن المراد يكون إبراهيم مسلماً أنه كان على ملة التوحيد لا على هذه الملة {وما كان من المشركين} كما لم يكن منكم أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم عزيراً والمسيح. {إنّ أولى الناس} أي: أحقهم {بإبراهيم} من أمّته {للذين اتبعوه} من أمّته {وهذا النبيّ والذين آمنوا وا وليّ المؤمنين} أي: ناصرهم وحافظهم ولما دعا اليهود معاذاً وحذيفة وعماراً إلى دينهم نزل. {ودّت} أي: تمنت {طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم} عن دينكم ويردّونكم إلى الكفر {وما يضلون إلا أنفسهم} أي: أمثالهم أو إن أثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه {وما يشعرون} بذلك. {يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم {وأنتم تشهدون} أنها آيات الله عز وجل أو بالقرآن العزيز وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق. {يأهل الكتاب لم تلبسون الحق} أي: القرآن المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم {بالباطل} أي: بالتحريف والتزوير {وتكتمون الحق} أي: نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وأنتم تعلمون} أنه حق. {وقالت طائفة من أهل الكتاب} أي: اليهود قالوا لجماعة منهم {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} أي: القرآن أي: أظهروا الإيمان به {وجه النهار} أي: أوّله وإنما سمي أوّله وجهاً لأنه أحسنه ولأنه أوّل ما يرى
بعد الليل {واكفروا} به {آخره لعلهم} أي: المؤمنين {يرجعون} عن دينهم إذا رأوكم رجعتم واختلف في هذه الطائفة، فقال الحسن والسديّ: هي اثنا عشر من يهود خيبر وقيل: قريظة تواطؤوا، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك فظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه واتهموه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم. وقال مجاهد ومقاتل والكلبيّ: هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما تحوّلت القبلة وشق ذلك على اليهود آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أوّل النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلهم يقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا. {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع} أي: وافق {دينكم} أي: ولا تقرّوا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار إلا لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أولى وأهمّ فأطلع الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على سرّهم. تنبيه: قال البغويّ: اللام في لمن صلة أي: لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله تعالى: {عسى أن يكون ردفاً لكم} (النمل، 72) أي: ردفكم {قل} يا محمد {إنّ الهدى هدى الله} الذي هو الإسلام وما عداه ضلال وقوله تعالى: {أن يؤتى} بمعنى الجحد أي: ما يؤتى {أحد مثل ما أوتيتم} يا أمّة محمد {أو يحاجوكم} أي: إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم وقوله تعالى: {عند ربكم} أي: عند فعل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والكلبيّ ومقاتل والحسن وهو حسن، وقال الفرّاء: ويجوز أن تكون أو بمعنى حتى كما يقال تعلق به أو يعطيك حقك أي: حتى يعطيك حقك ويكون معنى الآية ما أعطى أحد مثل ما أعطيتم يا أمّة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم أي يوم القيامة. وقال مجاهد قوله: {قل إن الهدى هدى الله} كلام معترض بين كلامين وما بعد متصل بالكلام الأوّل إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض أي: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة والكتاب والآيات من المنّ والسلوى وفلق البحر وغيرها من الكرامات ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح ديناً منهم، وقرأ ابن كثير وحده بهمزة واحدة، وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون هدى الله بدلاً من الهدى وأن يؤتى أحد خبر أن على معنى قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم، قال: ويجوز أن ينتصب أن يؤتى بفعل مضمر يدل عليه قوله: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} كأنه قيل: قل إنّ الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأنّ قولهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم إنكار، لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا قال تعالى: {قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} من عباده {وا واسع} أي: كثير الفضل {عليم} بمن هو أهله {يختص برحمته} أو نبوّته {من يشاء وا ذو الفضل العظيم} ففي ذلك ردّ وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة. {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار} أي: بمال كثير {يؤدّه إليك} كعبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية
ذهباً فأدّاه إليه {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك} كفنحاص بن عازوراء استودعه رجل آخر من قريش ديناراً فجحده {إلا ما دمت عليه قائماً} أي: إلا إن أودعته واسترجعته منه وأنت قائم على رأسه لم تفارقه ردّه إليك وإن فارقته وأخرته نكل ولم يردّه، وقيل: المأمون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم، والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم، وقرأ حمزة وأبو عمرو وشعبة يؤدّه ولا يؤدّه إليك بإسكان الهاء فهو وصل بنية الوقف فهو سكون وقف بالنية لا بالفعل وقالون باختلاس حركة الهاء، وحفص والكسائي بالحركة الكاملة والألف في قنطار ودينار بالإمالة لأبي عمرو والدوري عن الكسائي وورش بينَ بين والباقون بالفتح {ذلك} أي: ترك الأداء المدلول عليه بقوله تعالى لا يؤدّه {بأنهم قالوا} أي: بسبب قولهم {ليس علينا في الأمّيين} أي: العرب {سبيل} أي: إثم لاستحلالهم ظلم من خالفهم ونسبوا ذلك إلى الله تعالى قالوا: لن يجعل الله لهم في التوراة حرمة فكذبهم الله عز وجل بقوله عز من قائل {ويقولون على الله الكذب} أي: في نسبة ذلك إليه {وهم يعلمون} أنهم كاذبون وقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجلاً من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق ولا عندنا قضاء؛ لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، فكذبهم الله تعالى في ذلك. روى الطبراني وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه «كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي» أي: منسوخ متروك إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر أي: والديون من الأمانة؛ لأنّ المراد من الأمانة الرضا بالذمّة وقوله تعالى: {بلى} إثبات لما نفوه أي: بلى على اليهود في الأمّيين سبيل ثم ابتدأ فقال: {من أوفى بعهده} أي: ولكن من أوفى بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة {واتقى} الله بترك المعاصي وفعل الطاعات {فإن الله يحب المتقين} فيه وضع الظاهر موضع المضمر أي: يحبهم بمعنى يثيبهم. فإن قيل: فأين الضمير الراجع من الخبر إلى من؟ أجيب: بأنّ عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. ونزل في أحبار من اليهود حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانة وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة. {إن الذين يشترون} أي: يستبدلون {بعهد الله} إليهم في الإيمان للنبيّ صلى الله عليه وسلم والوفاء بأداء الأمانة {وإيمانهم} أي: حلفهم به تعالى كاذباً من قولهم: والله لنؤمننّ ولننصرنه {ثمناً قليلاً} من الدنيا {أولئك لا خلاق} أي: لا نصيب {لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله} أي: بما يسرّهم أو بشيء أصلاً وأنّ الملائكة يسألونهم يوم القيامة {ولا ينظر إليهم} أي: ولا يرحمهم {يوم القيامة ولا يزكيهم} أي: ولا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به وقيل: نزلت في جماعة من اليهود جاؤوا إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين فقال لهم: أتعلمون أنّ هذا الرجل رسول الله قالوا: نعم قال: لقد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيراً كثيراً فقالوا: لعله اشتبه علينا فرويداً حتى نلقاه فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته ثم رجعوا إليه
وقالوا: لقد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا ففرح ومارهم، وعن الأشعث بن قيس: «نزلت فيّ كان بيني وبين رجل خصومة في بئر وأرض، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: شاهداك أو يمينه فقلت: إذا يحلف ولا يبالي فقال: من حلف على يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك هذه الآية» . وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرّات فقال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» وفي رواية المسبل إزاره، وعن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم رجل حلف على يمين على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف يميناً بعد صلاة العصر أنه أعطى بسلعته أكثر مما أعطى وهو كاذب ورجل منع فضل ماء، فإنّ الله تعالى يقول: «اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» . أي: أهل الكتاب {لفريقاً} أي: طائفة ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب {يلوون ألسنتهم بالكتاب} أي: يقتلونها بقراءته عن المنزل إلى ما حرفوه من نعت النبيّ صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك يقال: لوى لسانه عن كذا أي: غيره {لتحسبوه} أي: المحرف المدلول عليه بقوله تعالى: {يلوون} {من الكتاب} الذي أنزل الله {وما هو من الكتاب} قرأ ابن عامر وعاصم بفتح السين والباقون بكسرها، وقوله تعالى: {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} تأكيد لقوله {وما هو من الكتاب} وزيادة تشنيع عليهم به وبيان لأنهم يزعمون ذلك تصريحاً لا تعريضاً أي: ليس هو نازلاً من عنده. فإن قيل: نفى الله تعالى كون التحريف من عنده وهو فعل العبد فلا يكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى وإلا لما صح نفيه عنه تعالى أجيب: بأنّ المنفي هو الإنزال كما تقرّر ولا كون التحريف غير مخلوق لله تعالى بكسب العبد وقوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} تأكيد أيضاً وتسجيل عليهم بالكذب والتعمد فيه واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {ما كان} أي: ما ينبغي {لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم} أي: الفهم للشريعة {والنبوّة} أي: المنزلة الرفيعة بالإنباء {ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله} فقال مقاتل والضحاك: نزلت في نصارى نجران كانوا يقولون: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه رباً فقال تعالى: {ما كان لبشر} أي: عيسى {أن يؤتيه الله الكتاب} أي: الإنجيل، وقال ابن عباس وعطاء: ما كان لبشر أي: محمد أن يؤتيه الله الكتاب أي: القرآن وذلك «أن أبا رافع القرظي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال: «معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني الله ولا بذلك أمرني» فنزلت. وقيل: «قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: «ما ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» والبشر جميع بني آدم لا واحد له من لفظه كالقوم ويوضع موضع الجمع والواحد {ولكن} يقول: {كونوا ربانيين} أي: علماء عاملين منسوب إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيماً كما يقال رقباني
ولحياني وهو الشديد التمسك بدين الله تعالى وطاعته، وقيل: الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل: الربانيون فوق الأحبار والأحبار العلماء والربانيون الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس. وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء، وحكي عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال: هو الذي يربي علمه بعمله. وقال محمد بن الحنفية: يوم مات ابن عباس رضي الله تعالى عنهم: اليوم مات رباني هذه الأمّة {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} أي: بسبب كونكم تعلمون الكتاب وبسبب كونكم دارسين له، فإنّ فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل فيكتفي بذلك دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جميع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ويجوز أن يكون معناه: تدرسونه على الناس كقوله تعالى: {لتقرأه على الناس} وفيه أنّ من علم ودرس العلم ولم يعمل، فليس من الله في شيء وأنّ السبب بينه وبين الله تعالى منقطع حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء وسكون العين وفتح اللام مخففة، والباقون بضمّ التاء وفتح العين وكسر اللام مشدّدة. {ولا يأمركم} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب الراء عطفاً على يقول أي: البشرط والباقون برفع الراء على أنه استئناف أي: الله {أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيراً والنصارى عيسى وقوله تعالى: {أيأمركم بالكفر} إنكار والضمير فيه للبشر أو لله على الوجهين السابقين وقوله تعالى: {بعد إذ أنتم مسلمون} دليل على أنّ الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون على أن يسجدوا له. {و} اذكر {إذ} أي: حين {أخذ الله ميثاق النبيين} أي: عهدهم {لما آتيتكم من كتاب وحكمة} . قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام من لما فتكون متعلقة بأخذ، والباقون بالفتح على الإبتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق، وما موصولة على الوجهين أي: للذي آتيتكموه لتؤمننّ به، وقرأ نافع: آتيناكم بالنون مفتوحة بعد الياء بعدها ألف، والباقون بتاء مضمومة {ثم جاءكم} تقدّم أنّ حمزة وابن ذكوان يميلان الألف محضة، والباقون بالفتح {رسول مصدّق لما معكم} من الكتاب والحكمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {لتؤمننّ به ولتنصرنه} جواب القسم أي: إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك. وقيل: المراد أولاد النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرائيل أو سماهم نبيين تهكماً لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوّة من محمد؛ لأنا أهل كتاب والنبيون كانوا منا {قال} الله تعالى لهم: {أأقررتم} بذلك قرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وألف بينها وبين الهمزة الأولى وابن كثير كذلك إلا أنه لا يدخل ألفاً بينهما، ولورش وجهان: أحدهما كابن كثير والثاني أنه يبدل الثانية حرف مدّ ولهشام في الهمزة التحقيق والتسهيل مع دخول ألف بينهما، والباقون بتحقيق الهمزتين من غير دخول ألف بينهما {وأخذتم} أي: قبلتم تقدّم أن ابن كثير وحفصاً يظهران الذال المعجمة عند التاء من أخذتم والباقون بالإدغام {على ذلكم إصري} أي: عهدي سمي به؛ لأنه مما يؤصر أي: يشدّ ويعقد ومنه الآصار الذي يعقد به {قالوا أقررنا قال فاشهدوا} على أنفسكم وأتباعكم بذلك {وأنا معكم
من الشاهدين} عليكم وعليهم وهو توكيد وتحذير عظيم من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض، وقيل: الخطاب للملائكة. {فمن تولى} أي: أعرض {بعد ذلك} أي: الميثاق والتوكيد بالإقرار والشهادة {فأولئك الفاسقون} أي: المتمرّدون من الكفرة. روي «أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكل واحد من الفريقين ادّعى أنه أولى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ دينك فنزل. {أفغير دين الله يبغون} » وهذه الجملة معطوفة على الجملة المتقدّمة وهي {فأولئك هم الفاسقون} والهمزة متوسطة بينهما للإنكار ويجوز أن تعطف على محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون وقدم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله؛ لأنه أهمّ من حيث أن الإنكار الذي معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل، وقرأ أبو عمرو وحفص بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب على تقدير وقل لهم: {وله} سبحانه وتعالى: {أسلم} أي: خضع وانقاد {من في السموات والأرض طوعاً} أي: بالنظر في الأدلة واتباع الحجة والإنصاف من نفسه {وكرهاً} بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون وقومه والإشراف على الموت لقوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا با وحده} (غافر، 84) وقال الحسن: أسلم أهل السموات طوعاً وأهل الأرض بعضهم طوعاً وبعضهم كرهاً خوفاً من السيف والسبي وقيل: هذا يوم الميثاق حين قال: {ألست بربكم؟ قالوا: بلى} (الأعراف، 172) فقال بعضهم طوعاً وبعضهم كرهاً قال قتادة: المسلم أسلم طوعاً فنفعه، والكافر كرهاً في وقت البأس فلم ينفعه قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر، 15) وانتصب طوعاً وكرهاً على الحال بمعنى الطائعين ومكروهين {وإليه ترجعون} قرأ حفص بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. {قل} لهم يا محمد {آمنا با وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط} أي: أولاده {وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم} بالتصديق والتكذيب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعمن تبعه بالإيمان، فلذلك وحد الضمير في قل وجمعه في آمنا وعلينا؛ لأن القرآن كما هو منزل عليه منزل على متابعيه بتوسط تبليغه إليهم أو بأن يتكلم عن نفسه بالجمع على طريقة الملوك إجلالاً له. فإن قيل: لم عدي أنزل في هذه الآية بعلى وفيما تقدّم من مثلها في سورة البقرة بإلى؟ أجيب: بأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فعدي تارة بإلى؛ لأنه ينتهي إلى الرسل وتارة بعلى؛ لأنه من فوق وما قيل: من أنه إنما خص ما هنا بعلى وما هناك بإلى؛ لأن ما هنا خطاب للنبيّ وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية فناسب الإتيان بعلى المختصة بالعلوّ، وما هناك خطاب للأمّة وقد وصل إليهم بواسطة النبيّ الذي هو من البشر فناسب الإتيان بإلى المختصة بالإتصال. قال الزمخشري: فيه تعسف ألا ترى إلى قوله: {بما أنزل إليك} و {أنزلنا إليك الكتاب} (النساء، 105) وإلى قوله تعالى: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} (آل عمران، 72) . فإن قيل: لم قدم المنزل عليه على المنزل على سائر الرسل؟ أجيب: بأنه إنما قدم؛ لأن المنزل عليه هو المعرّف للمنزل على سائر الرسل، ولأنه أفضل الكتب
المنزلة {ونحن له مسلمون} أي: موحدون مخلصون له في العبادة لا نجعل له شريكاً فيها. ونزل فيمن ارتدّ ولحق بالكفار وهم اثنا عشر رجلاً ارتدّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً منهم الحارث بن سويد الأنصاري. {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً} أي: غير التوحيد والإنقياد لحكم الله فهو مشتمل على الإيمان بهذا التقدير وديناً تمييز مبين للإسلام والدين يشتمل على التصديق والأعمال الصالحة فالإسلام كذلك؛ لأنّ المبين لا يخالف المبين وعلى هذا حمل الإسلام على الدين في قوله تعالى: {إنّ الدين عند الله الإسلام} (آل عمران، 199) والدين هو الوضع الإلهي السائق لكل خير {فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} لمصيره إلى النار المؤبدة عليه وقوله تعالى: {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} لفظه استفهام ومعناه جحد أي: لا يهديهم الله لما علم من تصميمهم على كفرهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم {و} بعدما {شهدوا أن الرسول حق و} قد {جاءهم البينات} أي: الحجج الظاهرة على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم {وا لا يهدي القوم الظالمين} أي: الكافرين. {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} والمراد بالناس المؤمنون أو العموم، فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه. تنبيه: دلت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم. قال البيضاوي: ولعلّ الفرق أنهم أي: هؤلاء مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدي مايوسون عن الرحمة بخلاف غيرهم أي: فلا يلعن الكافر الأصلي المعين حياً ولا ميتاً ما لا يعلم موته على الكفر، وكالأصلي المرتدّ وأمّا لعن الكافر على العموم فيجوز. {خالدين فيها} أي: اللعنة أو النار أو العقوبة المدلول باللعنة عليها {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي: يمهلون. {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} عملهم تصديقاً لتوبتهم {فإنّ الله غفور} لهم يقبل توبتهم {رحيم} بهم يتفضل عليهم وذلك «أنّ الحرث بن سويد لما ارتدّ ولحق بالكفار ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فأقبل إلى المدينة فتاب وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته» . ونزل في اليهود. {إنّ الذين كفروا} بعيسى والإنجيل {بعد إيمانهم} بموسى والتوراة {ثم ازدادوا كفراً} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل: كفروا بمحمد بعدما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد والطعن فيه والصدّ عن الإيمان ونقض الميثاق {لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} أي: الثابتون على الضلال. فإن قيل: قد وعد الله تعالى قبول توبة من تاب فما معنى قوله تعالى: {لن تقبل توبتهم} ؟ أجيب: بأنّ محل القبول إذا كان قبل الغرغرة وهؤلاء توبتهم كانت بعدها وإنهم لم يتوبوا أصلاً فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها أو أنّ توبتهم لا تكون إلا نفاقاً. {إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء} أي: مقدار ما يملؤها من {الأرض} شرقها إلى غربها {ذهباً} تغليظاً في شأنهم وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة. فإن قيل: لم قال في الآية الأولى لن تقبل بغير فاء وفي هذه بقوله: فلن يقبل بالفاء أجيب:
بأن الفاء إنما دخلت في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذاناً بتسبب امتناع الفدية على الموت على الكفر بخلافه في الآية الأولى لا دليل فيه على السبب كما تقول: الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سبباً لاستحقاق الدرهم بخلاف قولك: فله درهم ونصب ذهباً على التمييز كقولهم: عشرون درهماً وقوله تعالى: {ولو افتدى به} محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً لو تقرّب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، ويجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى: {ولو أنّ للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه} والمثل يحذف كثيراً في كلامهم كقوله: ضربته ضرب زيد وأبو يوسف أبو حنيفة تريد مثله {أولئك لهم عذاب أليم} أي: مؤلم {وما لهم من ناصرين} أي: مانعين عنهم العذاب ومن مزيدة للإستغراق. روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به فيقول: نعم فيقول: أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي» {لن تنالوا البر} أي: لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير أو لن تنالوا بر الله تعالى الذي هو الرحمة والرضا والجنة {حتى تنفقوا مما تحبون} من أموالكم أو ما يعمها وغيرها كبذل الجاه في معاونة الناس والبدن في طاعة الله تعالى والنفس في سبيله، وقال الحسن: لن تكونوا أبراراً. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله. روي لما نزلت هذه الآية جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء ـ وهو بفتح الباء الموحدة وكسرها وبفتح الراء وضمها مع المدّ والقصر ضيعة بالمدينة وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ـ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بخ بخ ذاك مال رابح ـ أو قال رائح ـ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله فقسمها في أقاربه» قوله صلى الله عليه وسلم بخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرّر للمبالغة وهي مبنية على السكون، فإن وصلت كسرت ونونت وربما شدّدت وقوله: رابح أو رائح يقال لضيعة الإنسان: مال رائح بالياء أي: يروح نفعه إليه ورابح بالباء الموحدة أي: ذو ربح كقولك لابن وتامر أي: ذو لبن وذو تمر. وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة فكأن زيداً وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدّق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما إن الله قد قبلها منك» وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعريّ أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال: إن الله قال: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران، 92)
فأعتقها وقال: لولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها {وما تنفقوا من شيء} أي: من أي شيء تحبونه أو غيره ومن بيان لما {فإنّ الله به عليم} فيجازيكم بحسبه. ولما قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها فلست أنت على ملته، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «كان ذلك حلالاً لإبراهيم» فقالوا: كل ما نحرّمه اليوم كان حراماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا» نزل. {كل الطعام} أي: المطعومات أو كل أنواع الطعام {كان حلاً} أي: حلالاً أكله {لبني إسرائيل} والحل مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع قال تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} (الممتحنة، 10) {إلا ما حرم إسرائيل} وهو يعقوب صلى الله عليه وسلم {على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} أي: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم بل كان الكل حلالاً له ولبني إسرائيل وإنما حرمها إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة فليس في التوراة حرمتها. واختلفوا في الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه وفي سببه، فقال مقاتل والكلبي: كان ذلك الطعام لحمان الإبل وألبانها وسبب ذلك أنه مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان ذلك أحب إليه فحرمه، وقال ابن عباس والضحاك: هي العروق وسبب ذلك أنه اشتكى عرق النسا ـ وهو بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ ـ وكان أصل وجعه أنه كان نذر إن وهبه الله اثني عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم فتلقاه ملك من الملائكة فقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا ثم قال له: أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة؛ لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحاً ذبحت ولدك فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجاً فكان لا ينام بالليل من الوجع فحلف يعقوب لئن عافاه الله تعالى أن لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق، فحرّمه على نفسه وكان بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق يخرجونها من اللحم. وقال ابن عباس: لما أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرّمها يعقوب على نفسه، ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرّم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة فقال السدي: حرّم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها. وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراماً عليهم وإنما حرموا على أنفسهم اتباعاً لأبيهم ثم أضافوا تحريمه إلى الله عز وجل وأكذبهم الله تعالى فقال تعالى: {قل} لهم يا محمد {فأتوا بالتوراة فاتلوها} ليتبين صدق قولكم {إن كنتم صادقين} فيه فبهتوا ولم يأتوا بها وفي إخباره صلى الله عليه وسلم عما في التوراة دليل على نبوّته قال الله تعالى: {فمن افترى} أي: ابتدع {على الله الكذب من بعد ذلك} أي: ظهور الحجة بأنّ التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم {فأولئك هم الظالمون} أي: المتجاوزون الحق إلى الباطل وقوله تعالى: {قل} أي: لهم {صدق الله} تعريض بكذبهم أي: ثبت أنّ الله صادق في هذا كجميع ما أخبر به وأنتم الكاذبون {فاتبعوا ملة إبراهيم} أي: ملة الإسلام التي أنا عليها التي هي في الأصل ملة
إبراهيم حتى تخلصوا من اليهودية التي وطنتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله تعالى لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله تعالى لإبراهيم عليه السلام ومن تبعه {حنيفاً} أي: مائلاً عن كل دين إلى دين الإسلام وقوله تعالى: {وما كان من المشركين} فيه إشارة إلى أن اتباع إبراهيم صلى الله عليه وسلم واجب في التوحيد الصرف، والاستقامة في الدين والتجنب عن الإفراط وهو تحريف التوراة وعن التفريط وهو ترك العمل وفيه إشارة إلى التعريض بشرك اليهود.d ولما قالت اليهود للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم وهو مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل نزل. {إن أوّل بيت وضع للناس} أي: جعله الله متعبداً لهم وهو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته بناه الملائكة قبل خلق آدم ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين. ولما أهبط آدم قالت له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام وقيل: أوّل من بناه آدم فانطمس في الطوفان ثم بناه إبراهيم وقيل: كان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح ـ بضاد معجمة وحاء مهملة ـ سمي بذلك؛ لأنه ضرّح من الأرض أي: بعد ويطوف به الملائكة، فلما أهبط أمر بأن يحجه ويطوف حوله، ورفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات. قال البيضاوي: وهذا القول لا يلائم ظاهر الآية وقيل: أول من بناه إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش {للذي} أي: للبيت الذي {ببكة} بالباء لغة في مكة سميت بذلك؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة أي: تدقها فلم يرمها جبار بسوء إلا وقسمه الله وسميت مكة بالميم لقلة مائها من قول العرب: مك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وتدعى أم رحم؛ لأنّ الرحمة تنزل بها وقوله تعالى: {مباركاً} حال من الذي أي: ذا بركة لأنه كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجوا واعتمره واعتكف عنده أو طاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب {وهدى للعالمين} لأنه قبلتهم ومتعبدهم ولأنّ فيه آيات عجيبة كما قال تعالى: {فيه آيات بينات} كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار فلا تعلو فوقه وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرّض لها، وإذا قصدت الجارحة صيداً فدخلت الحرم كفت عنه وأنه بلد صار إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار، وإنّ الصلاة فيه تضاعف بمائة ألف وإن كان جبار قصده بسوء قهره الله تعالى كأصحاب الفيل، وجملة فيه آيات بينات مفسرة لهدى أو حال كمباركاً وهدى وقوله تعالى: {مقام إبراهيم} مبتدأ حذف خبره أي: منها مقام إبراهيم أو خبر مبتدأ محذوف أي: أحدها أو بدل من آيات بدل بعض من كل وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ولعل الذي اندرس بعضه فإني رأيت أثر القدمين فيه، وفي هذا دلالة على قدرة الله تعالى وبنوّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنّ تأثير القدم في الصخرة الصماء وغوصه فيها إلى الكعبين، ولأنه بعض الصخرة دون بعض وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحفظه
مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنين معجزة عظيمة، واختلف في سبب هذا الأثر على قولين: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر، فغاصت به قدماه وهذا هو المشهور، والقول الثاني أنه لما جاز إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حوّلته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. قال البيضاوي: وقيل عطف بيان وردّ هذا القول بأنّ آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف في عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين وقوله تعالى: {ومن دخله كان آمناً} جملة ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي: ومنها أمن من دخله وذلك بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رب اجعل هذا البلد آمناً} (إبراهيم، 35) ، وفي الإقتصار على ذكر هاتين الآيتين وطيّ ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما، ونحوه في طي الذكر قول جرير: *كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة، والأمن من العذاب يوم القيامة» قال عليه الصلاة والسلام: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً» رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الحجون والبقيع يؤخذا بأطرافهما وينثران في الجنة» والحجون مقبرة مكة والبقيع مقبرة المدينة. وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما لم يتعرّض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج فيقتل، وكان عمر بن الخطاب يقول: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، وعند الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: لا يلجأ إلى الخروج بل يقتل للأمر في خبر الشيخين بقتل ابن خطل وقد كان ارتدّ وتعلق بأستار الكعبة وأمّا قوله: ومن دخله كان آمناً وخبر من دخل المسجد فهو آمن فمعناه جمعاً بين الأدلة أنّ من دخله بغير استحقاق قتل كان آمناً، ومن دخله بعد استحقاق قَتل قُتل، وأما إذا ارتكب الجريمة في الحرم فيستوفى منه بالإتفاق {وعلى الناس حج البيت} أي: قصده للزيارة على وجه مخصوص وهو أحد أركان الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» وقرأ حفص وحمزة والكسائي بكسر الحاء وهي لغة نجد وقرأ الباقون بالفتح وهي لغة أهل الحجاز وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد وقوله تعالى: {من استطاع إليه} أي: الحج أو البيت {سبيلاً} أي: طريقاً بدل من الناس مخصص له «وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإستطاعة بالزاد والراحلة» رواه الحاكم وغيره {ومن كفر} أي: بما فرضه الله من الحج أو كفر بالله {فإنّ الله غني عن العالمين} أي: الإنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم وقيل: وضع كفر موضع لم يحج تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» رواه الترمذي وضعفه ونحوه في التغليظ: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» . تنبيه: في هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد على طلب الحج منها قوله تعالى: {وعلى الناس حج البيت} أي: أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته ومنها أنه ذكر الناس ثم أنه أبدل منه من استطاع إليه سبيلاً وفيه ضربان من التوكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أنّ الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ومنها ذكر الإستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان ومنها قوله: عن العالمين ولم يقل عنه وفيه من الدلالة على الإستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الإستغناء لا محالة ولأنه يدل على الإستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: {وعلى الناس حج البيت} جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إنّ الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل وهم المشركون واليهود والنصارى والصابئون والمجوس، قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل: ومن كفر إلخ» . وعنه صلى الله عليه وسلم «حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرّتين ويرفع في الثالثة» . وروي: «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البرّ جانبه» ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت» أي: ماتت. {قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما {وا شهيد} أي: والحال إنّ الله تعالى شهيد {على ما تعملون} فيجازيكم عليه {قل يأهل الكتاب لم تصدّون} أي: تصرفون {عن سبيل الله} أي: دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام {من آمن} بتكذيبكم النبيّ صلى الله عليه وسلم وكتمكم نعته، وكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون في صدّهم عن دين الله ويمنعون من أراد الدخول فيه جهدهم وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العدوان والحروب ليعودوا لمثله، وإنما كرر الخطاب والإستفهام مبالغة في التوبيخ ونفي العذر لهم وإشعاراً بأنّ كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب وقوله تعالى: {تبغونها} أي: السبيل {عوجاً} حال من الواو أي: باغين طالبين لها اعوجاجاً أي: ميلاً عن القصد والإستقامة بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أنّ في دين الإسلام عوجاً عن الحق بمنع النسخ وبتغيير صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوهما. فائدة: قال أبو عبيدة: العوج بالكسر في الدين والقول والعمل وبالفتح في الجدار وكل شخص قائم {وأنتم شهداء} أي: عالمون بأنّ الدين المرضي هو دين الإسلام كما في كتابكم {وما الله بغافل عما تعملون} من الكفر
والتكذيب وإنما يؤخركم لوقتكم فيجازيكم. فإن قيل: لم ختمت الآية الأولى بقوله تعالى: {وا شهيد على ما تعملون} وهذه الآية بقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} ؟ أجيب: بأنه لما كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله تعالى: {وا شهيد على ما تعملون} ولما كان في هذه الآية صدهم المؤمنين عن الإسلام كانوا يخفونه ويحتالون فيه قال: {وما الله بغافل عما تعملون} . ولما مر شاس بن قيس اليهوديّ ـ وكان شيخاً عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم ـ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مسجد لهم يتحدّثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث ـ وهو موضع بالمدينة وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ـ ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ كرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف به بينكم؟» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين» نزل. {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} أي: شاساً وأصحابه {يردوكم بعد إيمانكم كافرين} قال جابر: ما رأيت يوماً قط أقبح أوّلاً وأحسن آخراً مثل ذلك اليوم، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب والتوبيخ. {وكيف تكفرون} أي: ولم تكفرون {وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى من أين يتطرّق إليكم الكفر والحال إنّ آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم غضة طرية وبين أظهركم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم {ومن يعتصم با} أي: ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره {فقد هدى} أي: فقد حصل له الهدى لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كان الهدي قد حصل فهو يخبر عنه حاصلاً ومعنى التوقع في قد ظاهر لأنّ المعتصم بالله متوقع للهدي كما أنّ قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده {إلى صراط} أي: طريق {مستقيم} أي: واضح. {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} أي: واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم. وقال ابن مسعود: بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى. وروي مرفوعاً لما نزلت هذه الآية «قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ فنسخ بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} . وقال مقاتل: ليس في آل عمران منسوخ إلا هذه الآية {ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون} أي: موحدون والمعنى: لا تكونن على حال سوى حالة الإسلام إذا أدرككم الموت، فإنّ النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات إلى القيل تارة وإلى المقيد أخرى وإلى المجموع منهما وهو هنا إلى المقيد كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ ولا تأتني إلا وأنت على حصان بكسر الحاء فلا تناه عن الإتيان
ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان، فالنهي هما متوجه إلى القيد وحده، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، الآية فلو أنّ قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرّت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن هو طعامهم وليس لهم طعام غيره» . {واعتصموا بحبل الله} أي: بدينه وهو دين الإسلام استعار له الحبل من حيث إنّ التمسك به سبب للنجاة من الردى كما أنّ التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردي أو بكتابه وهو القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» وقوله تعالى: {جميعاً} حال أي: مجتمعين عليه {ولا تفرقوا} أي: ولا تتفرقوا بعد الإسلام بوقوع الإختلاف بينكم كأهل الكتاب أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضاً ويحاربه. {واذكروا نعمة الله} أي: إنعامه {عليكم} التي من جملتها الهداية والتوفيق للإسلام المؤدّي إلى التآلف {إذ كنتم أعداء} في الجاهلية بينكم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة {فألف بين قلوبكم} بالإسلام وقذف فيها المحبة {فأصبحتم بنعمته إخواناً} متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد وهو الأخوّة في الله وقيل: هم الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم فوقعت بينهما العداوة بسبب قتيل وتطاولت الحروب والعداوة بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم {وكنتم على شفى} أي: طرف {حفرة من النار} أي: حفرة ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفاراً {فأنقذكم منها} بالإسلام والضمير للحفرة أو النار أو الشفى وأنثه لتأنيث ما أضيف إليه كقول الشاعر: *كما شرقت صدر القناة من الدم* {كذلك} أي: مثل ذلك البيان البليغ {يبين الله لكم آياته} أي: دلائله {لعلكم تهتدون} إرادة أن تزدادوا هدى. {ولتكن منكم أمة} أي: طائفة {يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} فمن للتبعيض؛ لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشره، فإنّ الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وعلى هذا فالمخاطب به الكل على الأصح ويسقط بفعل البعض الحرج عن الباقين وهكذا كل ما هو فرض كفاية، فإن تركوه أصلاً أثموا جميعاً وقيل: من زائدة وقيل: للتبيين بمعنى وكونوا أمة تأمرون بالمعروف كقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} {وأولئك} أي: الداعون الآمرون الناهون {هم المفلحون} أي: الفائزون بكمال الفلاح. روى الإمام أحمد وغيره «أنه صلى الله عليه وسلم سئل وهو على المنبر: من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي
بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم» . وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} (المائدة، 105) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمرّ بالماء على الذي في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك فقال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» وعن حذيفة: يأتي على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجباً فواجب، وإن كان مندوباً فمندوب، وأمّا النهي عن المنكر ـ أي: الحرام ـ فواجب كله لأنّ جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه؛ لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وعن السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا وإنما يجب الأمر والنهي على المكلف إذا لم يخش ضرراً ويجب أن يدفع بالأخف فالأخف كدفع الصائل. فإن قيل: الدعاء للخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك فهو شامل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما فائدة ذكر ذلك؟ أجيب: بأنه من عطف الخاص على العام إيذاناً بفضله كقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} (البقرة، 238) {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} عن دينهم {واختلفوا} فيه وهم اليهود والنصارى {من بعدما جاءهم البينات} أي: الآيات والحجج الموجبة للإتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق، وقيل: هم مبتدعة هذه الأمة وهم المشبهة والجبرية والحشوية وأشباههم وقوله تعالى: {وأولئك لهم عذاب عظيم} وعيد للذين تفرقوا وتهديد للمتشبه بهم. {يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه} هو يوم القيامة ونصب يوم بالظرف وهو لهم لما فيه من معنى الفعل أو بإضمار اذكروا والبياض من النور والسواد من الظلمة فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وأشرقت وسعى النور بين يديه ويمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله {فأما الذين اسودّت وجوههم} فهم الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم توبيخاً {أكفرتم بعد إيمانكم} واختلفوا في كيف كفروا بعد إيمانهم فقال أبي بن كعب: أراد به الإيمان يوم الميثاق حين قال لهم: {ألست بربكم؟ قالوا: بلى} (الأعراف، 72) يقول: أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق؟ وعلى هذا هم جميع الكفرة وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا بالإيمان بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم. وعن عكرمة أنهم أهل الكتابين آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى
الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال قتادة: هم أهل البدع. وقال أبو أسامة: هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال كلاب: أهل النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء وخير قتلى تحت أديم الأرض الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرّة قال: فما شأنك دمعت عيناك قال: رحمة لهم كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية ثم أخذ بيده فقال: إنّ بأرضك منهم كثيراً فأعاذك الله تعالى منهم وقوله تعالى: {فذوقوا العذاب} أمر إهانة {بما كنتم تكفرون} أي: بسبب كفركم أو جزاء كفركم فالباء متعلقة بذوقوا على الأول وبمحذوف على الثاني. {وأمّا الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي: جنته عبر عنها بالرحمة تنبيهاً على أنّ المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله. فإن قيل: كان حق الترتيب أن يقدّم ذكرهم أجيب: بأنّ القصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {هم فيها خالدون} بعد قوله {ففي رحمة الله} أجيب: بأنّ فائدته أنه أخرج مخرج الإستئناف والتأكيد كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقال: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. {تلك} أي: هذه الآيات الواردة في الوعد والوعيد {آيات الله نتلوها عليك} يا محمد {بالحق} أي: متلبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء {وما الله يريد ظلماً للعالمين} إذ يستحيل الظلم منه تعالى؛ لأنه لا يجب عليه شيء بل هو المالك على الإطلاق كما قال تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} ملكاً وخلقاً {وإلى الله ترجع} أي: تصير {الأمور} فيجازي كلاً بما وعد له وأوعد. {كنتم} يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم في علم الله تعالى {خير أمة أخرجت} أي: أظهرت {للناس} وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي خيرها وأكرمها على الله تعالى» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمّتي» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة» وقوله تعالى: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} استئناف بين به كونهم خير أمة كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم أو خبر ثان لكنتم وقوله تعالى: {وتؤمنون با} يتضمن الإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به؛ لأنّ من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتدّ بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله. فإن قيل: لم أخر تؤمنون بالله وحقه أن يقدم؟ أجيب: بأنه إنما أخر؛ لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله تعالى وتصديقاً به وإظهاراً لدينه. تنبيه: استدل بهذه الآية على أنّ إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر إذ اللام فيها للإستغراق فلو أجمعوا على باطل كتحريم شيء هو في نفس الأمر معروف كان أمرهم على خلاف ذلك {ولو آمن
أهل الكتاب} بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم {لكان} الإيمان {خيراً لهم} مما هم عليه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام {منهم المؤمنون} كعبد الله بن سلام وأصحابه {وأكثرهم الفاسقون} أي: المتمرّدون في الكفر. {لن يضروكم} أي: اليهود يا معشر المسلمين بشيء {إلا أذى} أي: ضرراً يسيراً كسب وطعن في الدين وتهديد ونحو ذلك {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} منهزمين ولا يضرّوكم بقتل أو أسر {ثم لا ينصرون} عليكم بل لكم النصر عليهم. وفي هذا تثبيت لمن أسلم منهم؛ لأنهم كانوا يؤذونهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى إلى ضرر يبالي به مع أنه تعالى وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأنّ عاقبة أمرهم الخذلان والذل. فإن قيل: هلا جزم المعطوف في قوله: {ثم لا ينصرون} ؟ أجيب: بأنه عدل به عن حكم الجزاء؛ إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون والفرق بين رفعه وجزمه في المعنى أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها أو أبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوّة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر كما أخبر عن حال بني قريظة والنضير ويهود خيبر. فإن قيل: ما معنى التراخي في ثم أجيب: بأنّ معناه التراخي في الرتبة؛ لأنّ الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. {ضربت عليهم الذلة} أي: هدر النفس والمال والأهل أو ذل التمسك بالباطل والجزية {أينما ثقفوا} أي: حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام في سائر أحوالهم {إلا} في حال اعتصامهم {بحبل من الله} أي: بذمّة الله أو كتابه {وحبل من الناس} أي: بذمّة المسلمين أو بدين الإسلام واتباع سبيل المؤمنين أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوا من الجزية أو دين الإسلام {وباؤا} أي: رجعوا {بغضب من الله} أي: مستوجبين له {وضربت عليهم المسكنة} كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها يظهرون الفقر والمسكنة. وفسر أكثر المفسرين المسكنة بالجزية وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه قال البيضاوي: واليهود في غالب الأمر فقراء مساكين اه. {ذلك} أي: ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب كائن {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك} أي: الكفر والقتل {بما عصوا وكانوا يعتدون} أي: كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى فإنّ الإصرار على الصغائر يقضي إلى الكبائر والإصرار على الكبائر يقضي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى. {ليسوا} أي: أهل الكتاب {سواء} أي: مستوين، وقوله تعالى: {من أهل الكتاب أمّة قائمة} أي: مستقيمة ثابتة على الحق استئناف لبيان نفي الإستواء وهم الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله هذه الآية {يتلون آيات الله} أي: يقرؤون كتاب الله {آناء الليل} أي: في ساعاته وقوله تعالى: {وهم يسجدون} حال أي: يصلون؛ لأنّ التلاوة لا تكون في السجود، واختلفوا في معناها فقال
بعضهم: هي قيام الليل. وقال ابن مسعود: هي صلاة العتمة؛ لأنّ أهل الكتاب لا يصلونها لما روي: «أنه عليه الصلاة والسلام أخرها ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: أما إنه ـ أي: الشأن ـ ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم» رواه الإمام أحمد والنسائيّ وغيرهما وقوله: غيركم بالنصب خبر ليس ومن أهل الأديان حال من أحد قاله التفتازاني. ثم وصف الله تعالى تلك الأمة القائمة بصفات أخر فقال: {يؤمنون با واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك} أي: الموصوفون بما ذكر {من الصالحين} أي: ممن صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناه أي: والأمة الأخرى غير قائمة بل منحرفون عن الحق غير متعبدين بالليل مشركون بالله ملحدون في صفاته واصفون لليوم الآخر بغير صفته متباطئون عن الخيرات فترك هذه اكتفاء بذكر أحد الفريقين. {وما تفعلوا من خير فلن تكفروه} أي: تعدموا ثوابه بل تجازون عليه، وقرأ حفص وحمزة والكسائيّ بالياء فيهما أي: الأمة القائمة والباقون بالتاء على الخطاب أي: أيها الأمة القائمة وقوله تعالى: {وا عليم بالمتقين} بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل وأنّ الفائز عند الله هو أهل التقوى. {إنّ الذين كفروا لن تغني} أي: تدفع {عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله} أي: من عذابه {شيئاً} وخص الأموال والأولاد بالذكر لأنّ الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد {وأولئك أصحاب النار} أي: ملازموها {هم فيها خالدون مثل} أي: صفة. {ما ينفقون} أي: الكفار {في هذه الحياة الدنيا} في عداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم ونحوها {كمثل ريح فيها صرّ} قال أكثر المفسرين: فيها برد شديد وحكي عن ابن عباس أنها السموم الحارّة التي تقتل وقيل: فيها صرّ أي: صوت {أصابت حرث} أي: زرع {قوم ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعاصي {فأهلكته} عقوبة لهم؛ لأنّ الإهلاك عن سخط أشدّ وأبلغ والمعنى مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح الزرع فلم ينتفعوا به فكذلك نفقة هؤلاء ذاهبة لا ينتفعون بها {وما ظلمهم الله} بضياع نفقاتهم {ولكن أنفسهم يظلمون} بالكفر الموجب لضياعها ويجوز أن يعود الضمير لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم أي: وما ظلمهم الله تعالى بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} أي: أصفياء تطلعونهم على سرّكم ثقة بهم شبهوا ببطانة الثوب كما شبهوا بالشعار قال عليه الصلاة والسلام: «الأنصار شعار والناس دثار» رواه الشيخان والشعار ما يلي الجسد والدثار فوقه وقوله تعالى: {من دونكم} أي: من دون المسلمين متعلق بلا تتخذوا أو بمحذوف هو صفة بطانة أي: كائنة من دونكم أي: غيركم من الكفار المنافقين {لا يألونكم خبالاً} أي: لا يقصرون لكم في الفساد والألو التقصير وأصله أن يعدّى بالحرف وعدي إلى مفعولين كقولهم: لا آلوك نصحاً على تضمين معنى المنع أو النقص والمعنى لا أمنعك نصحاً ولا أنقصكه {ودّوا} أي: تمنوا {ما عنتم} أي: عنتكم وهو شدّة الضرر وما مصدرية أي: تمنوا أن يضرّوكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه {قد بدت} أي: ظهرت {البغضاء من أفواههم} أي: في كلامهم بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين
على سركم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، وعن قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضاً على ذلك {وما تخفي صدورهم} من العداوة والغيظ {أكبر} أي: أعظم مما بدا؛ لأنّ بدوّه ليس عن روية واختيار {قد بينا لكم الآيات} الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين {إن كنتم تعقلون} ما بين لكم فلا توالوهم. فإن قيل: كيف موقع هذه الجمل وهي لا يألونكم وودّوا ما عنتم وقد بدت البغضاء وقد بينا لكم الآيات أجيب: بأنها مستأنفات على وجه التعليل بمعنى إنّ كلا علة للنهي عن اتخاذهم بطانة. {ها أنتم أولاء} ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين وأولاء اسم للمشار إليهم وهم المؤمنون وقوله تعالى: {تحبونهم} أي: هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي منكم من القرابة والرضاع والمصاهرة {ولا يحبونكم} لمخالفتهم لكم في الدين بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء {وتؤمنون بالكتاب كله} أي: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم، وفي هذا توبيخ شديد للمؤمنين بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ونحو هذا قوله تعالى: {فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} (النساء، 104) . {وإذا لقوكم قالوا آمنا} أي: نفاقاً وتغريراً {وإذا خلوا} أي: خلا بعضهم ببعض {عضوا عليكم الأنامل} أي: أطراف الأصابع {من الغيظ} أي: شدّة الغضب لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ويعبر عن شدّة الغضب بَعض الأنامل مجازاً، وإن لم يكن ثم عض فيوصف المغتاظ والنادم بَعض الأنامل والبنان والإبهام. قال الحارث بن ظالم المري: *فأقتل أقواماً لئاماً أذلة ... يعضون من غيظ رؤوس الأباهم* {قل موتوا بغيظكم} أي: ابقوا إلى الممات بغيظكم فلن تروا ما يسركم وقوله تعالى: {إنّ الله عليم بذات الصدور} أي: بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء يحتمل أن يكون من المقول أي: وقل لهم: إنّ الله عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظاً وأن يكون خارجاً عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. {إن تمسسكم} أي: تصبكم أيها المؤمنون {حسنة} أي: نعمة كنصر وغنيمة وخصب في معاشكم وتتابع الناس في دينكم {تسؤهم} أي: تحزنهم {وإن تصبكم سيئة} أي: إساءة كهزيمة وجدب واختلاف يكون بينكم {يفرحوا بها} وجملة الشرط متصلة بالشرط، قيل: وما بينهما اعتراض والمعنى إنهم متناهون في عداوتكم فلم توالونهم فاجتنبوهم. فإن قيل: كيف وصفت الحسنة بالمس والسيئة بالإصابة؟ أجيب: بأنّ المس مستعار بمعنى الإصابة فكان المعنى واحد ألا ترى إلى قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء، 79) {وإن تصبروا} على أذاهم {وتتقوا} الله في موالاتهم وغيرها {لا يضركم كيدهم شيئاً} بفضل الله وحفظه الموعود للصابرين والمتقين وهذا تعظيم من الله تعالى وإرشاداً إلى أنه يستعان على كيد العدوّ بالصبر والتقوى، وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكيد من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بكسر الضاد وسكون الراء من ضاره يضيره، والباقون بضم الضاد وضم الراء مشدّدة للإتباع
كضمة مدّ وهي ضمة الأمر المضاعف وكل مجزوم من المضاعف المضموم العين، فإنه يجوز ضمه للإتباع كما يجوز فتحه للخفة وكسر لأجل تحريك الساكن {إن الله بما تعملون محيط} أي: عالم فيجازيكم به. {و} اذكر يا محمد {إذ غدوت من أهلك} أي: من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها {تبوّىء} أي: تنزل {المؤمنين مقاعد} أي: مراكز يقفون فيها {للقتال وا سميع} لأقوالكم {عليم} بأحوالكم. روي «أنّ المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ ابن سلول ولم يدعه قط قبلها واستشاره، فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ـ أي: بكسر الباء وهو مكان لا ماء فيه ولا طعام ـ وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي وقال بعض أصحابه: اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم وضعفنا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم» فقال رجال من المسلمين قد فاتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل، فلبس لأمته أي: درعه فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت فقال: «لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوّال سنة ثلاث من الهجرة ونزل في عدوة الوادي ـ أي: بالعين المهملة وهي جانبه ـ وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس خمسين من الرماة وأمّر عليهم عبد الله بن جبير بسفح الجبل وقال: انضحوا علينا بالنبل لا يأتون من ورائنا ولا تبرحوا غلبنا أو نصرنا» . {إذ} بدل من إذ قبله {همت طائفتان منكم} بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما جناحا العسكر {أن تفشلا} أي: تجبنا عن القتال وترجعا. روي «أنه صلى الله عليه وسلم خرج في زهاء ألف رجل ووعدهم النصر إن صبروا وكان المشركون ثلاثة آلاف فلما بلغوا عند جبل أحد بالمدينة انعزل ابن أبيّ المنافق في ثلاثمائة وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم فقال ابن أبيّ: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم فهمّ الحيان باتباعه فثبتهم الله ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الزمخشريّ: إنها ما كانت إلا همة وحديث نفس وكما لا تخلو النفس عند الشدّة من بعض الهلع ثم يردّها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه كما قال عمرو بن الإطنابة: *أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي* {وا وليهما} أي: ناصرهما فما لهما تفشلان {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: ليثقوا به دون
غيره فينصرهم كما نصرهم ببدر، ونزل لما هزموا من أحد تذكرة لهم بنعمة الله تعالى. {ولقد نصركم الله ببدر} وهو ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به وقوله تعالى: {وأنتم أذلة} أي: بقلة العدد والسلاح والمال حال من الضمير. فإن قيل: قال الله تعالى: {وأنتم أذلة} وقد قال تعالى: {والعزة ولرسوله وللمؤمنين} أجيب: بأنه بمعنى القلة وضعف الحال وقلة السلاح والمال كما مرّ فإن نقيض ذلك العز وهو القوّة والغلبة. روي أنّ المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ولم يكن فيهم إلا فرس واحد وأكثرهم كانوا رجالة وربما كان الجمع منهم يركبون جملاً واحداً والكفار كانوا قريباً من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدّة الكاملة {فاتقوا الله} في الثبات وعدم المخالفة {لعلكم تشكرون} أي: بتقواكم نعمه التي أنعم بها عليكم من نصرته وقوله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين} أي: توعدهم تطميناً ظرف لنصركم وقوله تعالى: {ألن يكفيكم أن يمدّكم} أي: يعينكم {ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} إنكار أن لا يكفيهم ذلك وإنما جيء بلن إشعاراً بأنهم كانوا كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوّة العدوّ وكثرتهم. وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي وقوله تعالى: {بلى} إيجاب لما بعد لن أي: بلى يكفيكم. فإن قيل: قد قال تعالى في سورة الأنفال: {إني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين} فكيف قال هنا بثلاثة آلاف؟ أجيب: بأنه مدهم أولاً بألف ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى: {إن تصبروا} أي: على لقاء العدوّ {وتتقوا} الله في المخالفة {ويأتوكم} أي: المشركون {من فورهم} أي: من وقتهم {هذا} والفور العجلة والسرعة ومنه فارت القدر اشتدّ غليانها وسارع ما فيها إلى الخروج {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين} أي: معلمين وقد صبروا واتقوا وأنجز الله وعده بأن قاتل معهم الملائكة على خيل يلف عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم، وعن عرفة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك، وعن الضحاك معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها، وعن مجاهد مجزوزة أذناب خيلهم. قال أكثر المفسرين: إن الملائكة لم تقاتل في غير يوم بدر. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «تسوموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو والباقون بفتحها. {وما جعله الله} أي: الإمداد {إلا بشرى} أي: بشارة {لكم} أي: بالنصر {ولتطمئن} أي: ولتسكن {قلوبكم به} فلا تجزعوا من كثرة عدوّكم وقلة عددكم كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم {وما النصر إلا من عند الله} لا من العدّة والعدد وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد الملائكة وإنما أمدّهم ووعدهم به بشارة لهم وربطاً على قلوبهم من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر {العزيز} الذي لا يغالب {الحكيم} الذي ينصر ويخذل من يشاء بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة وقوله تعالى: {ليقطع} متعلق بنصركم أي: ليهلك {طرفاً} أي: طائفة {من الذين كفروا} بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم
{أو يكبتهم} أي: لم ينالوا ما راموه وأو للتنويع لا للترديد. ونزل لما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج وجهه يوم أحد وقال: «كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم» . {ليس لك من الأمر شيء} بل الأمر كله لله فاصبر إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «اللهمّ العن الحارث بن هشام اللهمّ إلعن صفوان بن أمية» فنزلت هذه الآية، وقال قوم: نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلاً من القرّاء بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجداً شديداً وقنت شهراً في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين وقوله تعالى: {أو يتوب عليهم أو يعذبهم} عطف على قوله أو يكبتهم وليس لك من الأمر شيء اعتراض، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم، فإمّا أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا {فإنهم ظالمون} بالكفر، وقيل: إنّ أو يتوب عليهم بمعنى إلى أن يتوب عليهم.H {وما في السموات وما في الأرض} ملكاً وخلقاً فله الأمر كله والمقصود من هذا تأكيد ما ذكره أوّلاً من قوله: {ليس لك من الأمر شيء} والمعنى: إنما يكون ذلك لمن له الملك وليس هو لأحد إلا لله تعالى. فإن قيل: ظاهر ما ذكر يدل على أنّ ذلك ورد للمنع من أمر كان صلى الله عليه وسلم يريد أن يفعله وذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى فكيف يمنعه منه وإن كان بغير أمره فكيف يصح مع قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} (النجم، 3) أجيب: بأنّ ذلك كان من باب ترك الأفضل والأولى فلا جرم أرشده الله تعالى إلى اختيار الأولى نظيره قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبروا وما صبرك إلا با} (النحل، 127) فكأنه تعالى قال أوّلاً: إن كان ولا بدّ أن تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ثانياً وإن تركته كان ذلك أولى. ثم أمره أمراً جازماً بتركه فقال: واصبر وما صبرك إلا بالله {يغفر لمن يشاء} مغفرته {ويعذب من يشاء} تعذيبه. ولما كان له فعل ذلك إلا أن جانب المغفرة والرحمة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل التفضل والإحسان قال: {وا غفور} لأوليائه {رحيم} بعباده فلا تبادر بالدعاء عليهم. ولما شرح سبحانه وتعالى عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال: {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً} وهو جمع ضعف. ولما كان جمع قلة والمقصود الكثرة أتبعه بما يدل على ذلك وهو الوصف بقوله: {مضاعفة} بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب والتخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل منهم يرابي إلى أجل ثم يزيد في الدين زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء اللطيف مال الديون وإلا فالربا حرام بلا مضاعفة بل هو من الكبائر مطلقاً، وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد العين ولا ألف قبلها، والباقون بتخفيف العين وألف قبلها {واتقوا الله} بترك ما نهيتم عنه
{لعلكم تفلحون} أي: تفوزون ثم خوّفهم فقال تعالى: {واتقوا النار التي أعدّت للكافرين} بالتحرّز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم، كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: هذه أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه باجتناب محارمه وفي الآية تنبيه على أنّ النار بالذات للكفار وبالعرض للعصاة. {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة على عادته تعالى المستمرّة في القرآن، قال محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد ولعلّ وعسى في أمثال ذلك دليل على عزة التوصل إلى ما جعل خيراً لهما ومن تأمّل هذه الآيات وأمثالها لم يحدّث نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على الله تعالى. {وسارعوا} أي: بادروا وأقبلوا {إلى مغفرة من ربكم} أي: إلى ما تستحق به المغفرة كالإسلام والتوبة وأداء الفرائض والهجرة والجهاد والتكبيرة الأولى والأعمال الصالحات. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو قبل السين والباقون بواو قبلها {و} إلى {جنة عرضها السموات والأرض} أي: عرضها كعرضهما كقوله تعالى: {عرضها كعرض السماء والأرض} (الحديد، 21) وإنما جمعت السماء وأفردت الأرض لأنها أنواع قيل: بعض فضة وبعض غير ذلك، والأرض نوع واحد وذكر العرض للمبالغة في وصف الجنة بالسعة؛ لأنّ العرض دون الطول كما دلّ عليه قوله تعالى: {بطائنها من إستبرق} (الرحمن، 54) على أن الظهارة أعظم يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى وهذا على سبيل التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير بل معناه كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} (هود، 107) أي: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان. وعن ابن عباس: الجنة كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وعنه أيضاً إنّ لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة. وروي أنّ ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة، ومعناه أنه حيث شاء الله. وسئل أنس بن مالك عن الجنة: أفي السماء أم في الأرض وأيّ أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش، وقال قتادة: كانوا يرون أنّ الجنة فوق السموات السبع وأنّ جهنم تحت الأرضين السبع. فإن قيل: قال تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} وأراد بالذي وعدنا الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها ما ذكر؟ أجيب: بأنّ باب الجنة في السماء وعرضها كما أخبر تعالى: {أعدّت} هيئت {للمتقين} الله بعمل الطاعات وترك المعاصي وفي ذلك دليل على أنّ الجنة مخلوقة الآن وقيل: إنّ الجنة والنار يخلقان بعد قيام الساعة. ثم وصف الله تعالى المتقين بصفات فقال: {الذين ينفقون} أي: في طاعة الله {في السرّاء والضرّاء} أي: في العسر واليسر أو الأحوال كلها؛ لأنّ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة أي: لا يخلون عن حال مّا بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير كما يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدّق ببصلة، وعن
عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدّقت بحبة عنب. فأول ما ذكر من أوصافهم الموجبة للجنة ذكر السخاء. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «السخيّ قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد عن النار والبخيل بعيد من الله قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل» {والكاظمين الغيظ} أي: الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظاً وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء» . وروي: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً» . وروي: «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» {والعافين عن الناس} أي: التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم الله» وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت وهذا الإستثناء يحتمل أن يكون منقطعاً وهو ظاهر وأن يكون متصلاً لما في القلة من معنى العدم كأنه قيل: إن هؤلاء في أمّتي لا يوجدون إلا من عصم الله فإنه يوجد في أمّتي وقوله تعالى: {وا يحب المحسنين} يجوز أن تكون اللام فيه للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء وقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة} أي: ذنباً قبيحاً كالزنا {أو ظلموا أنفسهم} أي: بما دون الزنا كالقبلة وقيل: الفاحشة ما يتعدّى وظلم النفس ما ليس كذلك {ذكروا الله} أي: ذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم {فاستغفروا لذنوبهم} بالندم والتوبة عطف على المتقين أو على الذين ينفقون. واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال عطاء: نزلت في أبي سعيد التمار؛ أتته إمرأة حسنة تبتاع منه تمراً فقال لها: إنّ هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفيّ لم يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجاً، وقال الأنصاري: هلكت وذكر القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أنّ الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ثم أتيا عمر، فقال عمر: مثل ذلك ثم أتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: مثل مقالهما فنزلت هذه الآية وقوله تعالى: {ومن} أي: أحد {يغفر الذنوب إلا الله} استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين والمراد به وصفه سبحانه وتعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة والحث على الإستغفار والوعد بقبول
التوبة {ولم يصروا على ما فعلوا} أي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم بل أقلعوا عنه مستغفرين. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» . وروي: «لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» وقوله تعالى: {وهم يعلمون} حال من يصروا أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به وقوله تعالى: {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} إشارة إلى الفريقين ويجوز أن يكون والذين مبتدأ وأولئك خبره وقوله تعالى: {خالدين فيها} حال مقدّرة أي: مقدّرين الخلود فيها إذا دخلوها. تنبيه: لا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم، فقول الزمخشري في «الكشاف» وفي هذه الآيات بيان قاطع على أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصرون وأنّ الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين ومن خلف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه جار على طريق الإعتزال من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرّاً لا يدخل الجنة ونعوذ بالله من ذلك بل كل من مات على الإسلام يدخل الجنة وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه، وإن شاء عفا عنه وقوله تعالى: {ونعم أجر العاملين} المخصوص فيه بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك أي: المغفرة والجنات. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد مؤمن أذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» . وروي: «أيّ عبد أذنب ذنباً فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال ربه: علم عبدي أنّ له رباً يغفر الذنوب ويؤاخذ بها فغفر له فمكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً آخر فقال: يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفر لي قال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويؤاخذ به قد غفرت له فليعمل ما شاء ـ أي: ويستغفر ـ فأغفر له» . وروي أنه تبارك وتعالى قال: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ابن آدم إنك إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئاً، ابن آدم إنك إن تذنب ذنباً حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك» . وروي أنّ الله تبارك وتعالى قال: «من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئاً» قال ثابت البناني: بلغني أنّ إبليس بكى حين نزلت هذه {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى آخرها. وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: «ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي» . وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة، وعن الحسن يقول الله تعالى يوم القيامة: «جوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم» ، وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد: *ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس* ونزل في هزيمة أحد. {قد خلت} أي: مضت {من قبلكم سنن} جمع سنة وهي الطريقة التي يكون عليها الإنسان ويلازمها ومنه سنة الأنبياء عليه الصلاة والسلام أي: قد مضت من قبلكم
طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم {فسيروا} أيها المؤمنون {في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {المكذبين} الرسل من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم. {هذا} أي: القرآن {بيان للناس} عامّة {وهدى} من الضلالة {وموعظة للمتقين} خاصة {ولا تهنوا} أي: تضعفوا عن قتال الكفار بما نالكم من القتل والجراح يوم أحد. {ولا تحزنوا} على ما أصابكم وكان قد قتل يومئذٍ من المهاجرين خمسة: منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وقتل من الأنصار سبعون رجلاً {وأنتم الأعلون} أي: وحالكم أنكم أعلى شأناً منهم فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة أي: وأنتم الأعلون في العاقبة {وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات، 173) وقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} متعلق بالنهي بمعنى لا تهنوا إن صح إيمانكم على أنّ صحة الإيمان توجب قوّة القلب والثقة بالله تعالى وقلة المبالاة بأعدائه أو متعلق بالأعلون أي: إن كنتم مصدّقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة. {إن يمسسكم قرح} جهد من جرح ونحوه يوم أحد {فقد مس القوم} الكفار {قرح مثله} يوم بدر ثم إنهم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى أن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون، وقيل: كلا المسين كان يوم أحد، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بضم قاف قرح في الموضعين، والباقون بالفتح وهما لغتان بمعنى، وقال الفرّاء: القرح بالفتح الجرح وبالضم آلمه {وتلك الأيام} تلك مبتدأ أو الأيام صفته وقوله تعالى: {نداولها} خبره ويصح أنّ تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول هي الأيام تبلي كل جديد والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة أي: نصرّفها {بين الناس} قال البغوي: فيوماً عليهم ويوماً لهم. قال في «الكشاف» كقوله وهو من أبيات الكتاب: *فيوم علينا ويوماً لنا ... ويوم نُساءُ ويوماً نُسَر* تقديره فيوماً يكون الأمر علينا أي: بالأضرار ويوماً لنا أي: بالنفع فيكون يوماً ظرفاً ملائماً لقوله: ويوماً نُساء ويوماً نسر قاله الشيخ سعد الدين. أي: أديل تارة للمسلمين على المشركين وهو يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين وأديل تارة للكافرين على المسلمين وهو يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين. روي أنه صلى الله عليه وسلم جعل عبد الله بن جبير على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً، فقال: «إن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وسوقهنّ رافعات ثيابهنّ» فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يثبت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً فأصابوا منا سبعين وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة وسبعين أسيراً وسبعين
قتيلاً، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرّات فنهاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرّات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرّات، ثم رجع إلى أصحابه وهو يقول: أما هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدوّ الله إنّ الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة ثم أخذ يرتجز: *اعل هبل اعل هبل* فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «ألا تجيبوه؟» فقالوا: يا رسول الله ما نقول قال: قولوا الله أعلى وأجل قال: إنّ لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «ألا تجيبوه» فقالوا: يا رسول الله ما نقول؟ فقال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» . وفي حديث ابن عباس: قال أبو سفيان: يوم بيوم وإنّ الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» وإنما كانت الدولة يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم {وليعلم الله الذين آمنوا} أي: أخلصوا إيمانهم من غيرهم. فإن قيل: ظاهر هذه الآية أنّ الله تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم وذلك في حقه تعالى محال ونظير هذا الإشكال قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران، 142) وقوله تعالى: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين} (،) وقوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا} (الكهف، 12) وقوله: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم} (محمد، 31) وقوله: {إلا لنعلم من يتبع الرسول} (البقرة، 143) وقوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} (الملك، 2) فظاهر هذه الآيات يدل على أنه تعالى إنما صار عالماً بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها، وأجاب المتكلمون عنها بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدرة مجاز مشهور يقال: هذا علم فلان والمراد معلومه، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدّد العلم فالمراد تجدّد المعلوم وإذا عرف هذا فهذه الآية محتملة لوجوه أحدها: ليظهر المخلص من المنافق والمؤمن من الكافر وثانيها: ليعلم أولياء الله وأضاف إلى نفسه تفخيماً وثالثها: ليحكم بالإمتياز فأوقع العلم مكان الحكم بالامتياز؛ لأنّ الحكم لا يحصل إلا بعد العلم ورابعها: ليعلم ذلك واقعاً كما كان يعلم أنه سيقع؛ لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لا يوجد {ويتخذ منكم شهداء} ويكرم ناساً منكم بالشهادة وهم المتشهدون يوم أحد أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما وجد منهم من الثبات والصبر على الشدائد كما قال تعالى: لتكونوا شهداء على الناس وقوله تعالى: {وا لا يحب الظالمين} قال ابن عباس أي المشركين كقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} وهو اعتراض بين بعض التعاليل وبعض وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يظفرهم أحياناً استدراجاً لهم وابتلاء للمؤمنين. {وليمحص الله الذين آمنوا} أي: ليطهرهم من الذنوب بما أصابهم {ويمحق} أي: يهلك {الكافرين} أي: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والإستشهاد والتمحيص وغير ذلك مما هو أصلح لهم، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم. {أمّ} منقطعة مقدّرة ببل ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي: بل أ {حسبتم
أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} في الشدائد وقد مرّ معنى يعلم. تنبيه: قال البيضاوي: والفرق بين لما يعلم ولم أنّ في لما توقع الفعل فيما يستقبل لكن قال أبو حيان: لا أعلم أحداً من النحويين ذكره بل ذكروا أنك إذا قلت لما يخرج زيد دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار، وأمّا أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا انتهى. لكن قال الفرّاء: لما لتعريض الوجود بخلاف لم. {ولقد كنتم تمنون} فيه حذف إحدى التاءين في الأصل أي: تتمنون {الموت} أي: الحرب فإنها من أسباب الموت أو الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج {من قبل أن تلقوه} أي: تشاهدوه وتعرفوا شدّته {فقد رأيتموه} أي: الحرب أو الموت حتى قتل دونكم من قتل من إخوانكم {وأنتم تنظرون} أي: بصراء تتأملون الحال كيف هم فلم انهزمتم. {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد؛ لأنّ الحمد لا يستوجبه إلا الكافل والتحيمد فوق الحمد فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال وأكرم الله تعالى نبيه وصفيه صلى الله عليه وسلم باسمين مشتقين من اسمه جل وعلا محمد وأحمد وفيه يقول حسان بن ثابت: *وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد* وقوله تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} إنكار لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه صلى الله عليه وسلم بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به. فإن قيل: قوله تعالى: {أفإن مات أو قتل} شك وهو على الله محال؟ أجيب: بأن المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجود الإرتداد، قال ابن عباس وأصحاب المغازي: لما رأى خالد بن الوليد الرماة يوم أحد اشتغلوا بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين ثم حمل على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم ورمى عبد الله ابن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرّق عنه أصحابه، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ليعلوها وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوجب طلحة» ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشياً وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية النبيّ صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم فرجع وقال: إني قتلت محمداً وصاح صارخاً، ألا إن محمداً قد قتل فقيل: إن ذلك الصارخ كان إبليس فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: «إليّ عباد الله إليّ عباد الله» فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد
بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته فقال: «ارم فداك أبي وأمي» . وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثاً، فكان الرجل يمرّ ومعه جعبته من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة وكان إذا رمى يشرف النبيّ صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذٍ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبيّ بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت، لا نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبيّ قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل أنا أقتلك إن شاء الله» فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد واحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي: أقتلك فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف» . قال ابن عباس: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ، واشتدّ غضب الله على من رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وفشا في الناس أن محمداً قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأوّل، فقال أنس بن مالك بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ـ يعني المنافقين ـ ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم «فأشار إليّ أن أمسك» فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفرار، فقالوا: يا نبيّ الله فديناك بآبائنا وأمّهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإن قيل: إنه تعالى بيّن في آيات كثيرة أنه عليه الصلاة والسلام لا يقتل فقال: {إنك ميت وإنهم ميتون} (الزمر، 30) وقال: {وا يعصمك من الناس} (المائدة، 67) وقال: {ليظهره على الدين كله} (التوبة، 33) وإذا علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل؟ أجيب: بأن هذا ورد على سبيل الإلزام، فإن موسى عليه الصلاة والسلام مات ولم ترجع أمّته عن دينه، والنصارى زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام قتل ولم يرجعوا عن دينه فكذا ههنا {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً} بارتداده وإنما يضرّ نفسه {وسيجزي الله الشاكرين} على نعمة الإسلام بالثبات عليه
كأنس وأضرابه. {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} أي: بقضائه ومشيئته أو بإذنه لملك الموت في قبضه روحه وقوله تعالى: {كتاباً} مصدر أي: كتب الله ذلك {مؤجلاً} أي: مؤقتاً لا يتقدّم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة. ونزل في الذين تركوا المركز يوم أحد طلباً للغنيمة {ومن يرد} أي: بعمله {ثواب الدنيا نؤته منها} ما نشاء مما قدّرناه له كما قال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} وفي الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا {ومن يرد} أي: بعمله {ثواب الآخرة نؤته منها} أي: من ثوابها {وسنجزي الشاكرين} أي: الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له» وقال صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وقوله تعالى: {وكأين} أصله أي: دخلت الكاف عليها فصارت مركبة من كاف التشبيه ومن أي: وحدث فيهما بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم الخبرية ومثلها في التركيب وإفهام التكثير كذا في قولهم: عندي كذا كذا درهماً وأصله كاف التشبيه، وذا الذي هو إسم إشارة فلما ركبا حدث فيهما معنى التكثير فكم الخبرية وكأين وكذا كلها بمعنى واحد، والنون تنوين في المعنى أثبت في الخط على غير قياس. قال البغوي: لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة وقرأ ابن كثير بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة، والباقون بهمزة بعد الكاف مفتوحة بعدها ياء مشدّدة، ووقف أبو عمرو على الياء والباقون على النون وسهل حمزة الهمزة وحققها الباقون وقوله تعالى: {من نبيّ} تمييز لكأين لأنها مثل كم الخبرية وقوله تعالى: {قتل} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم القاف وكسر التاء ولا ألف بين القاف والتاء والباقون بفتح القاف والتاء وألف بين القاف والتاء وقوله تعالى: {معه} خبر مبتدؤه {ربيون} وهم جمع ربي وهو العالم المتقي منسوب إلى الرب، وإنما كسرت راؤه تغييراً في النسب وقيل: لا تغيير فيه وهو منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة وقوله تعالى: {كثير} صفة لربيون وإن كان بلفظ الإفراد لأنّ معناه جمع {فما وهنوا} أي: ضعفوا {لما أصابهم في سبيل الله} من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم {وما ضعفوا} عن الجهاد {وما استكانوا} أي: خضعوا لعدوّهم كما فعلتم حين قيل: قتل نبيكم {وا يحب الصابرين} على الشدائد فيثيبهم ويعظم أجرهم. {وما كان قولهم} عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم وكونهم ربانيين {إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا} أي: تجاوزنا الحدّ وقولهم: {في أمرنا} إيذان بأنّ ما أصابهم لسوء فعلهم وهضماً لأنفسهم {وثبت أقدامنا} أي: بالقوّة على الجهاد {وانصرنا على القوم الكافرين} أي: فهلا قلتم وفعلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {فآتاهم الله ثواب الدنيا} أي: بالنصر والغنيمة والعز وحسن الذكر {وحسن ثواب الآخرة} أي: بالجنة والنعيم المقيم وخص ثوابها
بالحسن إشعاراً بفضله وأنه المعتدّ به عند الله {وا يحب المحسنين} أي: فيكثر لهم الثواب. {س3ش149/ش153 يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُو?ا? إِن تُطِيعُوا? الَّذِينَ كَفَرُوا? يَرُدُّوكُمْ عَلَى? أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا? خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَـ?ـاكُمْ? وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا? الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا? بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ? سُلْطَانًا? وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ? وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ?? إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ?? حَتَّى? إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى ا?مْرِ وَعَصَيْتُم مِّن? بَعْدِ مَآ أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ? مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ا?خِرَةَ? ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ? وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ? وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَتَلْوُ?نَ عَلَى? أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى? أُخْرَ?ـاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّ?ابِغَمٍّ لِّكَيْ تَحْزَنُوا? عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَمَآ أَصَابَكُمْ? وَاللَّهُ خَبِيرُ? بِمَا تَعْمَلُونَ} {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} أي: اليهود والنصارى فيما يأمرونكم به وقال علي: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم ولو كان محمد نبياً لما قتل {يردّوكم على أعقابكم} أي: إلى الكفر {فتنقلبوا خاسرين} الدنيا والآخرة أمّا خسران الدنيا فلأنّ أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الإنقياد إلى العدوّ وإظهار الحاجة إليه وأمّا خسران الآخرة، فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد. {بل الله مولاكم} أي: ناصركم وحافظكم على دينكم {وهو خير الناصرين} فاستغنوا به عن ولاية غيره ونصره. {سنلقي} أي: سنقذف {في قلوب الذين كفروا الرعب} أي: الخوف وذلك أنّ الكفار لما هزموا المسلمين في أحد أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفرّوا منهم من غير سبب، حتى روي أنّ أبا سفيان صعد الجبل ونادى يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن شاء الله» وقيل: لما ذهبوا متوجهين إلى مكة، فلما كانوا في بعض الطريق ندموا وقالوا: ما صنعنا شيئاً قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم. وقرأ ابن عامر والكسائي بضم العين والباقون بالسكون {بما أشركوا} أي: بسبب إشراكهم {با ما لم ينزل به سلطاناً} أي: حجة على عبادته وهو الأصنام وهذا كقوله: ولا ترى الضبّ بها ينحجر، أي: ليس بها ضب فلا ينحجر فكذلك هؤلاء ليس لهم حجة أصلاً، وأصل السلطنة القوة ومنه السليط لقوة اشتعاله والسلاطة بحدة اللسان {ومأواهم النار وبئس مثوى} أي: مأوى {الظالمين} أي: الكافرين هي. {ولقد صدقكم الله وعده} قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله هذه الآية؛ لأنّ النصر كان للمسلمين في الابتداء كما قال تعالى: {إذ تحسونهم} أي: تقتلونهم من حسه إذا أبطل حسه وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ذال إذ عند التاء والباقون بالإدغام {بإذنه} أي: بإرادته {حتى إذا فشلتم} أي: جبنتم عن القتال {وتنازعتم} أي: اختلفتم {في الأمر} أي: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمقام في سفح الجبل للرمي حين انهزم المشركون، فقال بعضكم: نذهب فقد نصر أصحابنا وقال آخرون: لا تخالفوا أمر النبيّ فاثبتوا مكانكم، فثبت عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة ونفر الباقون للنهبى وهو المعنى بقوله تعالى: وعصيتم أي: أمر النبي وتركتم المركز لطلب الغنيمة {من بعدما أراكم} أي: الله {ما تحبون} من الظفر والغنيمة وانهزام العدوّ وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله أي: منعكم نصره ويجوز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا سواء كانت الدولة للمسلمين أو عليهم، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا
والمسلمون على آثارهم، ثم اشتغل بعضهم بالغنيمة كما قال تعالى: {منكم من يريد الدنيا} وهم التاركون المركز للغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الثابتون مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا. فإن قيل: فإذا كان البعض هو المخالف فكيف جاء العتاب عاماً بقوله: {وعصيتم} أجيب: بأنّ اللفظ وإن كان عاماً فقد جاء المخصص بعده وهو قوله: {منكم} وقوله تعالى: {ثم صرفكم} أي: ردّكم بالهزيمة {عنهم} أي: الكفار عطف على ما قبله والجملتان من قوله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة اعتراض بين المتعاطفين وقيل: عطف على جواب إذا المقدّر {ليبتليكم} أي: ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره {ولقد عفا عنكم} ما ارتكبتموه من مخالفة أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم وميلكم إلى الغنيمة تفضلاً منه تعالى. فإن قيل: إنّ ظاهر الآية يدل على أنّ الذنب من الصغائر لصحة العفو عنه من غير توبة لقيام الدليل على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من أهل العفو والمغفرة أجيب: بأنّ هذا الذنب لا شك أنه كبيرة لأنهم خالفوا صريح نص الرسول صلى الله عليه وسلم وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين فلا بدّ من إضمار توبتهم {وا} أي: المتفضل المنعم {ذو فضل على المؤمنين} أي: يتفضل عليهم بالعفو أو في الأحوال كلها سواء أجعلت الدولة لهم أم عليهم إذ الإبتلاء أيضاً رحمة وقوله تعالى: {إذ} العامل فيها مضمر أي: اذكر إذ {تصعدون} أي: تبعدون في الأرض هاربين {ولا تلوون} أي: تعرجون {على أحد} أي: لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره {والرسول يدعوكم} أي: يقول: إليّ عباد الله إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكرّ فله الجنة {في أخراكم} أي: من ورائكم {فأثابكم} أي: جازاكم {غماً} بالهزيمة {بغمّ} أي: بسبب غمكم الرسول بالمخالفة. وقيل: الباء بمعنى على أي: مضاعفاً على غمّ فوت الغنيمة. والغموم كانت هناك كثيرة أحدها: غمهم بما نالهم من العدوّ في الأنفس والأموال وثانيها: غمهم بما وقع منهم من المعصية وخوف عقابها وثالثها: غمهم بما وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ورابعها: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم؛ لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الإنهزام وذلك من أشق الأشياء؛ لأنّ الإنسان بعد انهزامه يضعف قلبه ويجبن فإذا أمر بالمعاودة فإن فعل خاف القتل، وإن لم يفعل خاف عقاب الآخرة وخامسها: غمهم حين سمعوا أن محمداً قد قتل وسادسها: غمهم حين أشرف عليهم خالد بن الوليد بخيل المشركين وسابعها: غمهم حين أشرف عليهم أبو سفيان. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذٍ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه وأراد أن يرميه فقال: «أنا رسول الله» ففرحوا حين وجدوه وفرح صلى الله عليه وسلم حين رأى من يمتنع به فأقبلوا على المشركين يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم همهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم، فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس لهم أن يعلونا اللهمّ إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض» ثم بدت أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم، وإذا عرفت ذلك فلا يضر اختلاف المفسرين، فإن بعضهم
فسر هذين الغمين بغمين من هذه وبعضهم بخلافه وقال القفال: وعندي أن الله تعالى ما أراد بقوله غماً بغمّ اثنين وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها أي: إن الله تعالى عاقبكم بغموم كثيرة مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، فكأنه تعالى قال: أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زجراً لكم عن الإقدام على المعصية والإشتغال بما يخالف أمر الله تعالى. والغمّ التغطية ومنه غمّ الهلال إذا لم ير وقوله تعالى {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي: من الغنيمة متعلق بعفا أو بأثابكم فلا زائدة {ولا ما أصابكم} أي: من القتل والهزيمة {وا خبير بما تعملون} أي: عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها. {ثم أنزل عليكم} يا معشر المسلمين {من بعد الغمّ أمنة} أي: أمناً والأمن والأمنة بمعنى واحد وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف، والأمنة مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف ههنا قائماً وقوله تعالى: {نعاساً} بدل من أمنة، وأمنة مفعول أو نعاساً هو المفعول وأمنة حال منه متقدّمة {يغشى طائفة منكم} وهم المؤمنون. وقرأ حمزة والكسائيّ بالتاء على التأنيث ردّاً إلى الأمنة والباقون بالياء على التذكير ردّاً إلى النعاس {وطائفة} وهم المنافقون {قد أهمتهم أنفسهم} أي: حملتهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إلا إنجاءها دون النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يناموا، فإن الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان أحدهما: الجازمون بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فهؤلاء كانوا قاطعين بأن الله ينصر هذا الدين وأن هذه الوقعة لا تؤدّي إلى الاستئصال فلا جرم كانوا آمنين وبلغ ذلك الأمن إلى أن غشيهم النعاس فإن النوم لا يجيء مع الخوف، قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه، وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا وهو يميل تحت حجفته من النعاس. قال الزبير: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتدّ الخوف، فأرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن بشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} . والفريق الثاني: هم المنافقون كانوا شاكين في نبوّته صلى الله عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة فهؤلاء اشتدّ جزعهم وعظم خوفهم. قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله والفراغ من الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله. فإن قيل: ما فائدة هذا النعاس؟ أجيب: بأنّ له فوائد: الأولى: أنّ السهر يوجب الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوّة والنشاط والثانية: أنّ الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله تعالى النوم على الباقين لئلا يشاهدوا قتل غيرهم فيشتدّ خوفهم والثالثة: أنّ الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم في النوم مع السلامة في تلك المعركة من أدل الدلائل على أنّ الله تعالى يحفظهم ويعصمهم وذلك مما يزيل الخوف من قلوبهم ويورّثهم الأمن. تنبيه: قوله تعالى: {وطائفة} مبتدأ والخبر {قد أهمتهم أنفسهم} . فإن قيل: كيف جاز الإبتداء بالنكرة؟ أجيب: بأنه جاز لأحد
أمرين: إمّا للإعتماد على واو الحال وقد عدّه بعضهم مسوّغاً وإن كان الأكثر لم يذكروه وأنشد: *سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كل شارق* وإمّا لأنّ الموضع موضع تفصيل، فإنّ المعنى يغشى طائفة وطائفة لم يغشاهم فهو كقوله: *إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وشق عندنا لم يحوّل* وقوله تعالى: {يظنون با غير الحق} أي: أن لا ينصر الله محمداً صفة أخرى لطائفة وغير الحق نصب على المصدر أي: يظنون بالله غير الظنّ الحق الذي يحق أن يظنّ به {ظنّ} أي: كظنّ {الجاهلية} حيث اعتقدوا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قتل أو لا ينصر وقوله تعالى: {يقولون} أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدل من يظنون {هل لنا} أي: ما لنا لفظه استفهام ومعناه جحد {من الأمر} أي: النصر الذي وعدناه {من شيء} أي: شيء ومن صلة زيدت للتأكيد وهو إمّا مبتدأ خبره لنا وإمّا فاعل للنا لاعتماده على الإستفهام ومن الأمر حال من المبتدأ أو الفاعل وهو شيء لكونه مرفوعاً حقيقة لا مجروراً، وقيل: إنّ عبد الله بن أبيا بنُ سلول لما شاوره النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الوقعة أشار إليه بأن لا يخرج من المدينة ثم إنّ بعض الصحابة ألحوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم فغضب ابن أبيّ من ذلك، فقال: عصاني وأطاع الولدان ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع ابن أبي فقيل له: قتل بنو الخزرج فقال: هل لنا من الأمر من شيء يعني أنّ محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن لا يخرج من المدينة والمعنى: هل لنا أمر يطاع فهو استفهام على سبيل الإنكار {قل} لهم يا محمد {إنّ الأمر كله} أي: الغلبة الحقيقية لله ولأوليائه، فإنّ حزب الله هم الغالبون أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقرأ أبو عمرو برفع اللام بعد الكاف على أنه مبتدأ والخبر لله والباقون بالنصب على أنه توكيد.l تنبيه: هذه الآية تدل على أنّ جميع المحدثات خلق الله تعالى بقضائه وقدره؛ لأنّ المنافقين قالوا: لو أنّ محمداً قبل منا رأينا ونصحنا لما وقع في هذه المحنة، فأجابهم الله تعالى بأنّ الأمر كله لله. وهذا إنما ينتظم إذا كانت أفعال العباد بقضائه وقدره، إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب رافعاً لشبهة المنافقين وقوله تعالى: {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون} أي: يظهرون {لك} حال من ضمير يقولون، وقل إنّ الأمر كله لله اعتراض بين الحال وذي الحال أي: يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب وقوله تعالى: {يقولون} بيان لما قبله {لو كان لنا من الأمر شيء} أي: كما وعد محمد وزعم أنّ الأمر كله لله ولأوليائه أو لو كان الإختيار إلينا لم نخرج كما كان رأي ابن أبيّ وغيره {ما قتلنا ههنا} أي: لما غلبنا ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة. {قل} لهم {لو كنتم في بيوتكم} وفيكم من كتب الله تعالى عليه القتل {لبرز} أي: خرج {الذين كتب} أي: قضى {عليهم القتل} منكم {إلى مضاجعهم} أي: مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم؛ لأنّ قضاء الله تعالى كائن لا محالة فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه وقرأ أبو عمرو وحفص وورش بضم الباء في بيوتكم والباقون بالكسر قوله تعالى: {وليبتلي} أي: ليختبر {الله ما في صدوركم} أي: قلوبكم من الإخلاص والنفاق
علة فعل محذوف تقديره فرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد ليبتلي وقيل: معطوف على علة محذوفة تقديره ليقضي الله أمره وليبتلي وقوله تعالى: {وليمحص ما في قلوبكم} فيه وجهان: أحدهما: إنّ هذه الواقعة تخرج ما في قلوبكم من الوساوس والشبهات وتظهرها والثاني: إنها تصير كغارة لذنوبكم فيمحصكم من تبعات المعاصي والسيئات. فإن قيل: قد سبق ذكر الإبتلاء في قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} فلِمَ أعاده؟ أجيب: بأنه أعيد إما لطول الكلام بينهما وإما لأنّ الإبتلاء الأوّل هزيمة للمؤمنين والإبتلاء الثاني بسائر الأحوال {وا عليم بذات الصدور} أي: بما في القلوب قبل إظهارها وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه تعالى: غني عن الإبتلاء وإنما يبتلي ليظهر للناس حال المؤمنين من حال المنافقين. {إنّ الذين تولوا منكم} عن القتال {يوم التقى الجمعان} أي: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلاً: ستة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص {إنما استزلهم الشيطان} أي: طلب منهم الزلل بوسوسته {ببعض ما كسبوا} من الذنوب بترك المركز والحرص على الغنيمة ومخالفة النبيّ صلى الله عليه وسلم فأطاعوه فمنعوا التأييد وقوّة القلب حتى تولوا {ولقد عفى الله عنهم} لتوبتهم واعتذارهم {إنّ الله غفور} للذنوب {حليم} لا يعاجل بعقوبته المذنب كي يتوب. {يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} أي: المنافقين وهم ابن أبي وأصحابه {وقالوا لإخوانهم} أي: في شأنهم ومعنى إخوانهم اتفاقهم في النفاق والكفر وقيل: في النسب {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا فيها لتجارة أو غيرها فماتوا {أو كانوا غزا} أي: غزاة جمع غاز فقتلوا {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} أي: لا تقولوا كقولهم {ليجعل الله ذلك} القول في عاقبة أمرهم {حسرة في قلوبهم} أي: لأنهم إذا ألقوا تلك الشبهة على المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم. وقيل: إنّ اجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحسرة والخيبة وضيق الصدر وهو المراد بقوله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً} (الأنعام، 125) فإن قيل: كيف قيل إذا ضربوا مع قالوا؟ أجيب: بأنّ ذلك هي حكاية الحال الماضية قال التفتازاني معناه: إنك تقدّر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون والمعنى: حين ضربوا إلا أنك جئت بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضربهم في الأرض وقوله تعالى: {وا يحيي ويميت} ردّ لقولهم. أي: هو المؤثر في الحياة والممات لا الإقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والمغازي ويميت المقيم والقاعد {وا بما تعملون بصير} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة ردّاً على الذين كفروا، والباقون بتاء الخطاب ردّاً على قوله: ولا تكونوا وهو خطاب للمؤمنين وفيه تهديد لهم على أن يماثلوهم. {ولئن قتلتم} اللام هي الموطئة لقسم محذوف {في سبيل الله} أي: الجهاد {أو متم} أي: أتاكم الموت في سبيل الله وجواب القسم قوله تعالى: {لمغفرة} كائنة {من الله} وحذف جواب الشرط
لسد جواب القسم مسدّه لكونه دالاً عليه {ورحمة} أي: من الله فحذف صفتها لدلالة الأولى عليها ولا بد من حذف آخر مصحح للمعنى تقديره لمغفرة من الله لكم ورحمة منه لكم. فإن قيل: المغفرة هي الرحمة فلم كررها ونكرها؟ أجيب: بأنه إنما نكرها إيذاناً بأن أدنى خير وأقلّ شيء خير من الدنيا وما فيها وهو المراد بقوله: {خير مما تجمعون} من الدنيا وأما التكرير فغير مسلم؛ لأنّ المغفرة مترتبة على الرحمة فيرحم ثم يغفر. فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما يجمعون أصلاً؟ أجيب: بأنّ الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد خيراً وأيضاً هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات فقيل: المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. {ولئن متم أو قتلتم} على أيّ وجه اتفق هلاككم {لا إلى الله} لا غيره {تحشرون} في الآخرة فيجازيكم وقرأ نافع وحمزة {متم} بكسر الميم والباقون بالضم، وقرأ حفص {يحشرون} بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب ورسمت لا إلى الله بألف بعد اللام. فإن قيل: هنا ثلاثة مواضع فقدّم الموت على القتل في الأوّل والأخير وقدّم القتل على الموت في المتوسط فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنّ الأوّل لمناسبة ما قبله من قوله: {إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا} فرجع الموت لمن ضرب في الأرض والقتل لمن غزا، وأمّا الثاني فلأنه محل تحريض على الجهاد فقدّم الأهم الأشرف، وأمّا الأخير فلأن الموت أغلب. {فبما رحمة} أي: فبرحمة {من الله لنت لهم} فما مزيدة للتأكيد والجار والمجرور مقدّم للدلالة على أنّ لينه صلى الله عليه وسلم ما كان إلا برحمة من الله، ومعنى الرحمة توفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه {ولو كنت فظاً} أي: سيىء الخلق {غليظ القلب} أي: جافياً {لانفضوا} أي: تفرّقوا {من حولك} أي: عنك وذلك؛ لأنّ المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله تعالى إلى الخلق وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه وسكون نفوسهم لديه وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيماً بهم كريماً يتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم ويخصهم بالبر والشفقة فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق وغلظ القلب ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام بإعانة الفقراء. وحمل القفال هذه الآية على واقعة أحد قال: فبما رحمة من الله لنت لهم يوم أحد حين عادوا إليك بعد الإنهزام، ولو كنت فظاً غليظ القلب فشافهتهم بالملامة على ذلك الإنهزام لانفضوا من حولك هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الإنهزام، فكان ذلك مما يطمع العدوّ فيك وفيهم {فاعف} أي: تجاوز {عنهم} أي: ما أتوه {واستغفر لهم} ذنوبهم حتى أشفعك فيهم فأغفر لهم. واختلفوا في معنى قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} على وجوه أحدها: إنّ ذلك يقتضي شدّة محبته لهم فلو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة لهم فيحل سوء الخلق والفظاظة وثانيها: إنه عليه الصلاة والسلام وإن كان أكمل الناس عقلاً إلا أنّ عقول الخلق غير متناهية، فقد يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر ببال آخر لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم» ولهذا السبب قال صلى الله عليه وسلم «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» وثالثها: قال الحسن
وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة وتصير سنة ورابعها: أنه عليه الصلاة والسلام شاورهم في وقعة أحد أشاروا عليه بالخروج وكان ميله أن لا يخرج، فلما خرج وقع ما وقع فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم شيء، فأمر الله تعالى بمشاورتهم بعد تلك الواقعة ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة وخامسها: أمره بالمشاورة لا ليستفيد منهم رأياً ولكن ليعلم مقادير عقولهم ومحبتهم له. وذكروا أيضاً وجوهاً أخر، وفي هذا القدر كفاية واتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور الأمّة فيه؛ لأنّ النص إذا جاء بطل الرأي {فإذا عزمت} أي: قطعت الأمر على إمضاء ما تريد بعد المشاورة {فتوكل على الله} أي: ثق به لا بالمشاورة فليس التوكل إهمال التدبير بالكلية بل بمراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إلى الله تعالى {إن الله يحب المتوكلين} عليه فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح. {إن ينصركم الله} أي: يعنكم على عدوّكم كيوم بدر {فلا غالب لكم} أي: فلا يغلبكم أحد {وإن يخذلكم} بترك نصركم كيوم أحد {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي: من بعد خذلانه أي: لا أحد ينصركم. وفي هذا تنبيه على المقتضي للتوكل وتحريض على ما يستحق به النصر من الله وتحذير عما يستجاب خذلانه {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه؛ لأنّ إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه. {وما كان لنبي أن يغل} أي: ما صح لنبيّ أن يخون في الغنائم فإنّ النبوّة تنافي الخيانة واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض المنافقين لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، وقال مقاتل: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟» فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال لهم صلى الله عليه وسلم «بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم؟» وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي يقول ما كان لنبي أن يكتم شيئاً من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة، كان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفيه سب دينهم وسب آلهتهم فسألوا أن يترك ذلك فنزلت. وروي أنه صلى الله عليه وسلم غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم وتأخرت القسمة لبعض الموانع، فجاء قوم وقالوا: ألا نقسم غنائمنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست عليكم منه درهماً أتحسبون أني أغلكم مغنمكم» فنزلت وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل والباقون بضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول والمعنى على هذا وما صح لنبي أن يوجد غالاً أو ينسب إلى الغلول {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} قال أكثر المفسرين: إنّ هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهي نظير قوله تعالى في مانعي الزكاة {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} (التوبة، 35) ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم «لا ألقين أحدكم يجيء على رقبته يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها نغاء فينادي: يا محمد فأقول: لا أملك لك
من الله شيئاً قد بلغتك» قال المحققون: وفائدته أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك المغلول ازدادت فضيحته. وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: انزل إليه فخذه فينزل إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يكلف أن ينزل إليه فيخرجه ففعل ذلك به. وعن أبي هريرة: قتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه ناراً» فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شراك من النار أو شراكان من نار» وقال أبو مسلم: ليس المقصود من الآية ظاهرها بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل كقوله تعالى: {إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله} (لقمان، 16) فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر بل المقصود إثبات أنّ الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد والمعنى أنّ الله تعالى يحفظ عليه هذا المغلول ويقرّره عليه يوم القيامة ويجازيه به؛ لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية. وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أمّه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا فوالذي نفسي بيده لا يأخذ منها أحد شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغو» ثم رفع يديه حتى رؤيت عفرة إبطه ثم قال: «اللهمّ هل بلغت اللهمّ هل بلغت» {ثم توفى كل نفس} أي: تعطى جزاء {ما كسبت} أي: عملت وافياً الغال وغيره. فإن قيل: هلا قيل: ثم يوفى أي: الغال ما كسب؟ أجيب: بأنه عم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى {وهم لا يظلمون} شيئاً فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم وقوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله} الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف والتقدير أفمن اتقى فاتبع رضوان الله {كمن باء} أي: رجع {بسخط من الله} بسبب المعاصي {ومأواه جهنم وبئس المصير} أي: المرجع هي أي: ليس مثله واختلف في المراد من هذه الآية، فقال الكلبي والضحاك: فمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وقال الزجاج: لما حل المشركون على المسلمين دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين ففعله بعضهم وتركه آخرون فقوله: {أفمن اتبع رضوان الله} هم الذين امتثلوا أمره كمن باء بسخط من الله هم الذين لم يقبلوا قوله. وقيل: {أفمن اتبع رضوان الله} بالإيمان به والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والإشتغال بمعصيته، قال القاضي: وكل واحد من هذه الوجوه صحيح ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه؛ لأنّ اللفظ عام فيجب أن يتناول الكل وإن كانت الآية نزلت في واقعة معينة لكن عموم اللفظ لا يبطل
بخصوص السبب. تنبيه: الفرق بين المصير والمرجع أنّ المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع فإنه قد يوافق المبدأ، وقرأ شعبة {رضوان} بضم الراء والباقون بالكسر وقوله تعالى: {هم درجات} مبتدأ وخبر أي: الفريقان درجات ولا بد من تأويل في الأخبار بالدرجات عن هم؛ لأنها ليست إياهم فيجوز أن يكون جعلوا نفس الدرجات مبالغة، والمعنى: إنهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم كما أنّ الدرجات متفاوتة فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة أي: هم مثل الدرجات في التفاوت ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي: ذوو درجات أي: أصحاب منازل ورتب في الثواب والعقاب {عند الله} فلمن اتبع رضوانه الثواب ولمن باء بسخطه العقاب {وا بصير بما يعملون} أي: عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها. {لقد منّ الله على المؤمنين} أي: أنعم على من آمن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ووجه هذه المنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه كقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء، 107) فإن قيل: لم خصهم بالنعمة مع أن البعثة عامّة؟ أجيب: بأنهم هم المنتفعون بها كقوله تعالى: {هدى للمتقين} {إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي: من جنسهم عربياً مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به ويشرفوا به لا ملكاً ولا عجمياً وقرىء شاذاً من أنفسهم بفتح الفاء أي: من أشرفهم؛ لأنه كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم وقد خطب أبو طالب لما تزوّج صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله تعالى عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم وزرع إسمعيل وضئضىء معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إنّ ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش الإرجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل. ولم أذكر في التفسير قراءة شاذة إلا هذه لكونها في شرف الرسول صلى الله عليه وسلم وقراءة السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها {يتلو عليهم آياته} أي: القرآن بعدما كانوا جهالاً لم يسمعوا الوحي {ويزكيهم} أي: ويطهرهم من دنس الطباع وسوء العقائد والأعمال {ويعلمهم الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: السنة من بعدما كانوا من أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم كما قال تعالى: {وإن كانوا من قبل} أي: قبل بعثته صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال مبين} أي: بين ظاهر. {أو لما} أي: حين {أصابتكم مصيبة} بأحد بقتل سبعين منكم {قد أصبتم مثليها} ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين {قلتم} متعجبين {أنى} أي: من أين لنا {هذا} القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، والجملة الأخيرة محل الإستفهام الإنكاري {قل} لهم {هو من عند أنفسكم} أي: هو مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز، فإن الوعد كان مشروطاً بالثبات في المركز والمطاوعة في الأمر، وعن علي رضي الله تعالى عنه لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم. روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم
الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدّموا ـ أي: الأسارى ـ فتضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عددهم، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل نأخذ منهم فداهم فنتقوّى به على قتال أعدائنا ويستشهد منا عدّتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر» وهذا معنى قوله: {قل هو من عند أنفسكم} أي: بأخذكم الفداء واختياركم للقتل {إنّ الله على كل شيء قدير} فيقدر على النصر وعلى منعه وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى. {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} أي: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة {فبإذن الله} أي: فهو كائن بقضائه وإرادته ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو الذي يأتيني فله درهم {وليعلم المؤمنين} وقد تقدّم أنّ معنى وليعلم الله كذا أي: يميز أو يظهر للناس ما كان في علمه. {وليعلم الذين نافقوا} قال الواحدي: يقال نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الإيمان وأضمر خلافها. قال أبو عبيدة: مشتق من نافقاء اليربوع؛ لأنّ جحر اليربوع له بابان القاصعاء والنافقاء فإن طلب من أيهما كان يخرج من الآخر فقيل للمنافق: إنه منافق وهم اسم إسلامي؛ لأنه صنع لنفسه طريقين إظهار الإسلام وإضمار الكفر فمن أيهما طلب خرج من الآخر وقوله تعالى: {وقيل لهم} عطف على نافقوا أي: وليعلم الذين قيل لهم لما انصرفوا عن القتال وقالوا: لم نلقي أنفسنا في القتل فرجعوا، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه وكانوا ثلاثمائة من جملة الألف الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {تعالوا قاتلوا في سبيل الله} الكفار {أو ادفعوا} عنا أي: إن كان في قلبكم حب الإيمان فقاتلوا للدين، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم، وقال السدي وابن جريج: ادفعوا عنا العدوّ بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا؛ لأنّ الكثرة أحد أسباب الهيبة. روي عن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره: لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوّهم قيل: وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال: لقوله تعالى: {أو ادفعوا} أراد أكثروا سوادهم واختلفوا في القائل فقال الأصم: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى القتال وقيل: أبو جابر الأنصاري قال لهم: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدوّ {قالوا لو نعلم} أي: نحسن {قتالاً لاتبعناكم} فيه قال تعالى تكذيباً لهم: {هم للكفر يومئذٍ} أي: يوم إذ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم {أقرب منهم للإيمان} أي: لانقطاعهم وارتدادهم وكلامهم، فإنّ ذلك أوّل إمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم. وقيل: المعنى على حذف مضاف أي: هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان بما أظهروه من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر. تنبيه: فضلوا هنا على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين، ولولا ذلك لم يجز تقول زيد قاعداً أفضل منه قائماً أو زيد قاعداً اليوم أفضل منه قاعداً غداً ولو قلت: زيد اليوم قاعداً أفضل منه اليوم قاعداً لم يجز {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} أي: يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم بالإيمان فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر. تنبيه:
إضافة القول إلى الأفواه تصوير لنفاقهم، فإنّ إيمانهم موجود في أفواههم فقط وبهذا انتفى كونه للتأكيد، كما قيل به لتحصيل هذه الفائدة وقال ابن عادل: والظاهر أنّ القول يطلق على اللساني وعلى النفساني فتقييده بأفواههم تقييد لأحد محمليه اللهمّ إلا أن يقال إطلاقه على النفساني مجاز {وا أعلم بما يكتمون} أي: عالم بما في ضمائرهم وبما يخلو به بعضهم إلى بعض فإنه يعلم ذلك مفصلاً بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملاً بإمارات وجوّزوا في موضع. {الذين قالوا} ألقاب الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجرّ، فالرفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مرفوعاً على خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين، الثاني: أنه بدل من واو يكتمون، الثالث: إنه مبتدأ والخبر قوله {قل فادرؤا} ولا بد من حذف عائد تقديره قل لهم فادرؤا، والنصب من ثلاثة أوجه أيضاً: أحدها: النصب على الذمّ أي: أذم الذين قالوا، الثاني: أنه بدل من الذين نافقوا، الثالث: إنه صفة لهم، والجرّ من وجهين: أحدهما أنه بدل من الضمير في بأفواههم، والثاني: أنه بدل من الضمير في قلوبهم. كقول الفرزدق: *على حالة لو أنّ في القوم حاتماً ... على جوده لضنّ بالماء حاتم* بجرّ حاتم على أنه بدل من الهاء في جوده وضن مبني للمفعول وهو بالماء أي: ولو أن حاتماً مستقرّاً في القوم كائناً على جوده، وهم بتلك الحالة لبخل بالماء {لإخوانهم} أي: لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب أو في سكنى الدار أو في عداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وقعدوا} حال مقدّرة بقد أي: قالوا: قاعدين عن القتال {لو أطاعونا} في القعود {ما قتلوا} كما لم نقتل. واختلف في قائل ذلك، فقال أكثر المفسرين: هو ابن أبي وأصحابه، وقول الأصم هذا لا يجوز؛ لأنّ ابن أبي خرج مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الجهاد يوم أحد وهذا القول واقع ممن تخلف فيه نظر لاحتمال أنّ المراد بالقعود القعود عن القتال لا عن الخروج إلى القتال {قل:} لهم {فادرؤا} أي: ادفعوا {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} في أن القعود ينجي منه لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة ولا بد لكم أن يتعلق بكم بعضها. وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة: سبعون منافقاً. فإن قيل: ما وجه هذا الاستدلال فإن التحرز عن القتل ممكن وأمّا التحرز عن الموت فغير ممكن؟ أجيب: بأن الكل بقضاء الله وقدره فلا فرق بين الموت والقتل وفي قوله تعالى: {فادرؤا عن أنفسكم الموت} استهزاء بهم أي: إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا، ونزل في شهداء أحد كما رواه الحاكم: وكانوا سبعين رجلاً: أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شاس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار. {ولا تحسبن} أي: ولا تظنن {الذين قتلوا في سبيل الله} أي: لأجل دينه والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {أمواتاً بل} هم {أحياء عند ربهم} أي: ذوو زلفى منه فليس المراد القرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في علمه وحكمه لعدم مناسبة المقام له بل بمعنى القرب شرفاً ورتبة. قال البيضاوي وقيل: نزلت في شهداء بدر أي: وكانوا أربعة عشر رجلاً ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، قال شيخنا القاضي زكريا: وهو غلط إنما نزل فيهم آية البقرة
{يرزقون} من ثمار الجنة. روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش» . وروي أنّ الله تعالى يطلع عليهم ويقول: سلوني ما شئتم فيقولون: يا رب كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا؟ فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا شيئاً قالوا: نسألك أن تردّ أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك لما رأوا من النعيم، كما قال تعالى: {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله والتمتع بنعيم الجنة {ويستبشرون} أي: ويفرحون {بالذين لم يلحقوا بهم} من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا فلذلك يستبشرون {من خلفهم} أي: الذين من خلفهم زماناً أو رتبة وأبدل من الذين {أن} أي: بأن {لا خوف عليهم} أي: الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم {ولا هم يحزنون} في الآخرة والمعنى: إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة لا يكدّرون بخوف وقوع محذور ولا بحزن فوات محبوب وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة والجدّ في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه؛ لأنّ الله تعالى مدحهم على ذلك. {يستبشرن بنعمة من الله وفضل} لما بين تعالى أنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم بين هنا أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم لذلك أعاد لفظ الإستبشار. فإن قيل: أليس ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الإستبشار فلزم التكرار؟ أجيب: بأن الإستبشار هو الفرح التامّ فلا يلزم التكرار بأنّ المراد حصول الفرح بما حصل في الحال وحصول الإستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة والفرق بين النعمة والفضل أن النعمة هي الثواب والفضل هو التفضل الزائد. فإن قيل: لم قال يستبشرون من غير عطف؟ أجيب: بأنه تأكيد للأوّل؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل بيان متعلق الإستبشار الأول {وأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين} لما ذكر إيصال الثواب العظيم إلى الشهداء بين أنّ ذلك ليس مخصوصاً بهم بل كل مؤمن يستحق شيئاً من الأجر والثواب، فإنّ الله تعالى يوصل ثوابه إليه ولا يضيعه وقوله تعالى: {الذين استجابوا والرسول} أي: دعاءه مبتدأ {من بعد ما أصابهم القرح} بأحد وخبر المبتدأ {للذين أحسنوا منهم} بطاعته {واتقوا} مخالفته {أجر عظيم} هو الجنة. روي أنّ أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال: «لا يخرجنّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد» وهي من المدينة على ثمانية أميال وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر.
#خطأ روي أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال صلى الله عليه وسلم «إن شاء الله» فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مرّ الظهران فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر وإنّ هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن لا أخرج إليه، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جراءة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحبّ إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يد سهل بن عمرو ويضمنها، فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي ذلك وأنطلق إلى محمد وأثبطه؟ قال: نعم، فخرج نعيم حتى أتى المدينة، فوجد الناس يجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريداً فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد، فكره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي ولو لم يخرج معي أحد» فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل ولم يلتفتوا إلى ذلك القول كما قال تعالى: {فزادهم} ذلك القول {إيماناً} أي: تصديقاً بالله ويقيناً {وقالوا حسبنا الله} أي: كافينا أمرهم {ونعم الوكيل} أي: المفوّض إليه الأمر هو حتى وافوا بدراً الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم يريدون أن يرهبوا المسلمين فيقول المسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حين ألقي في النار، حتى بلغوا بدراً وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان ثمان ليال ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحداً من المشركين ووافوا السوق وكان معهم تجارات فباعوها واشتروا
أدماً وزبيباً وأصابوا الدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين كما قال تعالى: أي: انصرفوا {بنعمة من الله} أي: بعافية لم يلقوا عدوّاً {وفضل} أي: تجارة وربح وهو ما أصابوا في السوق {لم يمسسهم سوء} أي: لم يصبهم أذى ولا مكروه، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق قالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق. تنبيه: الناس الأول المثبطون والآخرون أبو سفيان وأصحابه. فإن قيل: المثبط هو أبو نعيم فكيف قيل: الناس؟ أجيب: بأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد، وبرد واحد ولأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يثبطون مثل تثبيطه بل قيل: إنهم كانوا جماعة فقد مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم. فإن قيل: كيف زادهم القول إيماناً؟ أجيب: بأنهم لما سمعوا ذلك وأخلصلوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم كما يزداد الإيمان والإيقان بتناصر الحجج، ولأن خروجهم على أثر التثبيط إلى وجه العدو طاعة عظيمة والطاعات تزيد الإيمان فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قلنا: يا رسول الله إنّ الإيمان يزيد وينقص قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار» . وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قم بنا نزدد إيماناً، وعنه رضي الله تعالى عنه: «لو وزن إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه بإيمان هذه الأمّة لرجح به» {واتبعوا رضوان الله} الذي هو مناط الفوز بخير الدارين بجراءتهم وخروجهم {وا ذو فضل عظيم} قد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدوّ بالحفظ على كل من يسوءهم وإصابة النفع من ضمان الأجر حتى انقلبوا بنعمة من الله وفضل وفيه تحسر المتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به. {إنما ذلكم} أي: المثبط أو أبو سفيان {الشيطان يخوّف أولياءه} أي: القاعدين عن الخروج مع النبيّ صلى الله عليه وسلم أو يخوّفكم أولياءه وهم أبو سفيان وأصحابه، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون} في مخالفة أمري فجاهدوا مع رسولي {إن كنتم مؤمنين} حقاً فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً، والباقون بالحذف وقفاً ووصلاً. {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أي: يقعون فيه وقوعاً سريعاً حرصاً عليه، وهم المنافقون من المتخلفين أو قوم ارتدوا عن الإسلام أي: لا تهتم لكفرهم {إنهم لن يضرّوا الله شيئاً} بفعلهم وإنما يضرّون به أنفسهم، وقرأ نافع يحزنك بضمّ الياء وكسر الزاي حيث وقع ما خلا قوله تعالى في الأنبياء {لا يحزنهم الفزع الأكبر} (الأنبياء، 103) فإنه على فتح الياء وضمّ الزاي فيه والباقون كذلك في الكل من حزنه لغة في أحزنه {يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً} أي: نصيباً {في الآخرة} أي: الجنة فلذلك خذلهم وهو يدل على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر {ولهم} مع حرمان الثواب {عذاب عظيم} في النار. {إنّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي: أخذوه بدله {لن يضروا الله} بكفرهم {شيئاً ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم وكرّر ذلك للتأكيد أو هو تعميم للكفرة بعد تخصيص من نافق
من المتخلفين أو ارتدوا من الأحزاب. ونزل في مشركي مكة كما قاله مقاتل أو في قريظة أو النضير كما قاله عطاء: {ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي} أي: نمهل {لهم} بتطويل الأعمار {خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} بكثرة المعاصي {ولهم عذاب مهين} أي: ذو إهانة. روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» قيل: فأيّ الناس شرّ؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» وقرأ حمزة: {ولا تحسبنّ الذين كفروا} و {لا تحسبنّ الذين يبخلون} بالتاء فيهما على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة. {ما كان الله ليذر} أي: ليترك {المؤمنين على ما أنتم عليه} أيها الناس من اختلاط المسلم بغيره {حتى يميز} أي: يفصل {الخبيث} أي: المنافق {من الطيب} ، واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال الكلبيّ: قالت قريش: يا محمد تزعم أنّ من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأنّ من اتبعك على دينك فهو في الجنة والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن؟ فنزلت وقال السديّ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عرضت عليّ أمّتي في صورتها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن ومن يكفر» فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا استهزاء: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعده ونحن معه وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا نبأتكم به» فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: «حذافة» فقام عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبك نبياً فاعف عنا عفا الله تعالى عنك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «فهل أنتم منتهون؟» ثم نزل عن المنبر فنزلت. فإن قيل: لمن الخطاب في أنتم؟ أجيب: بأنه للمصدّقين جميعاً من أهل النفاق والإخلاص كأنه قيل: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعاً حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم أو بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون منكم كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله فيختبر بها بواطنكم ويستدلّ بها على عقائدكم ففعل ذلك يوم أحد حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ حمزة والكسائي يميز بضم الياء وفتح الميم وتشديد الياء بعد الميم مع كسرها، والباقون بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء بعد الميم {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز {ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء} فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات أو ينصب له ما يدل عليها {فآمنوا با ورسله} أي: بصفة الإخلاص أو بأن تعلموا أنّ الله وحده مطلع على الغيب وتعلموا أنهم عباد مجتبون لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى ولا يقولون إلا ما يوحى إليهم. روي أنّ الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن ومن يكفر فنزلت الآية {وإن تؤمنوا} حق الإيمان {وتتقوا} النفاق {فلكم أجر عظيم} أي: لا يقادر قدره. {ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو} أي: بخلهم {خيراً لهم بل هو} أي: بخلهم {شرّ لهم} لاستجلاب
العقاب إليهم، واختلفوا في المراد بهذا البخل، فقال أكثر العلماء: المراد به منع الواجب واستدلوا بوجوه: أحدها: أنّ الآية دالة على الوعيد الشديد وذلك لا يليق إلا بالواجب وثانيها: أنّ الله تعالى ذمّ البخل، والتطوّع لا يذمّ على تركه وثالثها: قال عليه الصلاة والسلام: «وأي داء أدوأ من البخل» ، وتارك التطوّع لا يليق به هذا الوصف وإنفاق الواجب على أقسام منها: إنفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين تلزمه مؤنتهم ومنها: الزكوات ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدوّ يقصد أنفسهم وأموالهم فيجب عليهم إنفاق الأموال على من يدفعهم عنهم ومنها: دفع ما يسدّ رمق المضطرّ. {سيطوّقون} أي: سوف يطوّقون {ما بخلوا به يوم القيامة} اختلفوا في هذا الوعيد، فقال ابن عباس وابن مسعود: يجعل ما منعه من الزكاة حية يطوّقها في عنقه يوم القيامة تنهشه من فرقه إلى قدمه وتنقر رأسه تقول: أنا مالك. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا: {ولا يحسبن الذين يبخلون} الآية» ، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده ـ أو الذي لا إله غيره أو كما حلف ـ ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدّي حقها إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت عليه أخراها ردّت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس» وقال مجاهد: معنى سيطوّقون سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة أي: يؤمرون بأداء ما منعوا فلا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته وأراد بالبخل كتمان العلم كما في سورة النساء: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} (النساء، 37) ومعنى قوله: على هذا سيطوّقون أي: يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى: {يحملون أوزارهم على ظهورهم} (الأنعام، 31) وقوله تعالى: {وميراث السموات والأرض} في معناه وجهان أحدهما: أنّ له ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره فهو الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله ونحوه قوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} (الحديد، 7) والثاني: وبه قال الأكثرون: إنّ معناه أنه يفنى أهل السموات والأرض ويفنى الأملاك ولا مالك لها إلا الله فجرى هذا مجرى الوراثة، قال ابن الأنباري: يقال: ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركاً فيه، وقال تعالى: {وورث سليمان داود} (النمل، 16) لأنه انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه. {وا بما تعملون} من المنع والإعطاء {خبير} فيجازيكم به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. {س3ش181//ش186 لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُو?ا? إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ? سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا? وَقَتْلَهُمُ ا?ن?بِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا? عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَالِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُو?ا? إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَs نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ? قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ? وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ? وَمَا الْحياةُ الدُّنْيَآ إِs مَتَاعُ الْغُرُورِ * لَتُبْلَوُنَّ فِى? أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا? الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُو?ا? أَذًى كَثِيرًا? وَإِن تَصْبِرُوا? وَتَتَّقُوا? فَإِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ ا?مُورِ} {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} قال الحسن ومجاهد لما نزل قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} (البقرة، 245) قالت اليهود: إنّ الله فقير ويستقرض منا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أنّ قائل هذه المقالة حييّ بن أخطب، وقال عكرمة والسديّ ومقاتل ومحمد بن إسحق: «كتب النبيّ صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصدّيق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدارسهم فوجد أناساً كثيراً من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم ومعه حبر آخر يقال له أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فآمن وصدّق وأقرض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب، فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أنّ ربنا يستقرض من أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان ما تقول حقاً فإنّ الله إذن لفقير ونحن أغنياء وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنياً ما أعطانا الربا يعني في قوله: {فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} (،) فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدوّ الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال: يا رسول الله إنّ عدوّ الله قال قولاً عظيماً زعم أنّ الله فقير وهم أغنياء فغضبت لله فضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله عز وجل ردّاً على فنحاص وتصديقاً لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: {لقد سمع الله} الآية» . وهذا لا يدل على أنّ غيره لم يقل ذلك؛ لأنّ الآية دالة على أنّ القائل جماعة لقوله تعالى: الذين قالوا: {سنكتب} أي نأمر بكتب {ما قالوا} من الإفك والفرية في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه ونحوه وإنا له كاتبون أو سنحفظه في علمنا لا نهمله؛ لأنه كلمة عظيمة إذ هو كفر بالله واستهزاء بالله والرسول ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء كما قال تعالى: {وقتلهم} أي: وسنكتب قتلهم {الأنبياء بغير حق} وفي نظمه به تنبيه على أنه ليس أوّل جريمة ارتكبوها وأنّ من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذا القول {ويقول} أي: الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة {ذوقوا عذاب الحريق} أي: النار وهي بمعنى المحرق كما يقال عذاب أليم أي: مؤلم وقرأ حمزة: سيكتب بالياء المثناة تحت بعد السين مضمومة وفتح التاء بعد الكاف وضمّ اللام من قتلهم وبالياء في ويقول والباقون بالنون بعد السين مفتوحة وضمّ التاء بعد الكاف ونصب اللام من قتلهم وبالنون في ونقول ويقال لهم: إذا ألقوا في النار. {ذلك} أي: العذاب {بما قدّمت أيديكم} من الإفتراء وقتل الأنبياء وغير ذلك من المعاصي وعبر بالأيدي عن الأنفس؛ لأنّ أكثر أعمالها بهنّ {وأنّ الله ليس بظلام} أي: بذي ظلم {للعبيد} فيعذبهم بغير ذنب. فإن قيل: ظلام للمبالغة المقتضية للتكثير فهو أخص من ظالم ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعمّ أجيب: بأنه لما قوبل بالعبيد وهم كثيرون ناسب أن يقابل الكثير بالكثير وبأنه إذا نفي الظلم الكثير ينفى القليل؛ لأنّ الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه فيمن يجوز عليه النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه أترك وبأن ظلام للنسب كما قدّرته في الآية الكريمة، كما في بزاز وعطار أي: لا ينسب إليه ظلم البتة وقوله تعالى: {الذين} نعت للذين قبله {قالوا} لمحمد صلى الله عليه وسلم تزعم أنّ الله بعثك بالحق رسولاً وأنزل عليك كتاباً وأن نؤمن بك أي: وقالوا {إنّ الله} قد {عهد إلينا} أي: أمرنا
وأوصانا في كتبه {أن لا نؤمن لرسول} أي: لا نصدّق رسولاً أنه قد جاء من عند الله {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} أي: حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل، فيكون دليلاً على صدقه والقربان كل ما يتقرّب به العبد إلى الله من نسيكة وعمل صالح وكانوا إذا قرّبوا قرباناً أو غنموا غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وهفيف فتأكل ذلك القربان وتأكل الغنيمة. ومعنى أكلها أن تحيل ذلك إلى طبعها بالإحراق فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يتقبل بقي على حاله وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم؛ لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات في ذلك سواء، وقال السديّ: هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط آخر وهو أنّ الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدّقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم {قل} لهم يا محمد {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي: بالمعجزات {وبالذي قلتم} من القربان كزكريا ويحيى فقتلتموهم {فلم قتلتموهم} والخطاب لمن في زمن نبينا وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به {إن كنتم صادقين} في أنكم تؤمنون بالرسل عند الإتيان بذلك. ثم قال الله تعالى تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه واليهود: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات} أي: المعجزات {والزبر} أي: الصحف كصحف إبراهيم {والكتاب} أي: التوراة والإنجيل {المنير} أي: الواضح فاصبر كما صبروا، وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالإدغام، وقرأ ابن عامر وبالزبر بالباء الموحدة والباقون بغير باء بعد الواو، وقرأ هشام وبالكتاب بالباء الموحدة بعد الواو والباقون بغير باء وقوله تعالى: {كلّ نفس ذائقة الموت} زيادة تأكيد في تسليته صلى الله عليه وسلم ومبالغة في إزالة الحزن عن قلبه، فإنّ من علم أن عاقبته إلى الموت زالت عن قلبه الغموم والأحزان. روي أنّ الله تعالى لما خلق آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدها أن يردّ فيها ما أخذ منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي أخذ منها، ولأنّ بعد هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن من المسيء والمحق من المبطل ويجازى كلّ بما يستحقه كما قال تعالى: {وإنما توفون أجوركم} أي: جزاء أعمالكم {يوم القيامة} إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ {فمن زحزح} أي: بعد {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} بالنجاة ونيل المراد والفوز بالظفر بالبغية بالنظر إلى وجه الله تعالى الكريم {وما الحياة الدنيا} أي: العيش فيها {إلا متاع الغرور} أي: الباطل يتمتع به قليلاً ثم يفنى. روي أنّ الله تعالى يقول: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» اقرؤوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون} (السجدة، 17) وإنّ في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن شئتم {وظل ممدود} (الواقعة، 30) ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها واقرؤوا إن شئتم {فمن زحزح عن النار} الآية» . وروي: «من أحبّ أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويؤتي الناس ما يحبّ أن يؤتى
إليه» أي: يفعل بهم ما يحبّ أن يفعل به. وقوله تعالى: {لتبلونّ} جواب قسم محذوف تقديره والله لنبلونّ وحذف منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع وحذفت واو الرفع لالتقاء الساكنين أي: لتختبرنّ {في أموالكم} بالفرائض فيها والجوائح {و} في {أنفسكم} بالعبادات والبلاء والأسر والجراح وغير ذلك {ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} أي: اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} أي: مشركي العرب {أذى كثيراً} وذلك أنهم كانوا يقولون: عزير ابن الله والمسيح ابن الله وثالث ثلاثة وكانوا يطعنون في النبيّ صلى الله عليه وسلم بكل ما يقدرون عليه وهجاه كعب بن الأشرف وكانوا يحرضون الناس على مخالفته صلى الله عليه وسلم ويجمعون العساكر لمحاربته ويثبطون المسلمين عن نصرته {وإن تصبروا} على ذلك {وتتقوا} الله {فإنّ ذلك من عزم الأمور} أي: من صواب التدبير والرشد الذي ينبغي لكل عاقل أن يقدم عليه، واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن جريج والكلبيّ ومقاتل: نزلت في أبي بكر وفنحاص وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص اليهودي ليستمدّه وكتب إليه كتاباً لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع إليّ فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: احتاج ربك إلى أن نمدّه فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف فتذكر أبو بكر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم وكف عنه، فنزلت وقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعره ويسب المسلمين ويحرض المشركين على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه في شعره ويتشبب بنساء المسلمين. تنبيه: في الآية تأويلان: أحدهما: المراد بالمصابرة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على الإبتلاء في النفس والمال وتحمل الأذى وترك المعارضة والمقاتلة وذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين كقوله تعالى: {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} (طه، 44) وقال تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} (الجاثية، 14) وقال تعالى: {وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً} (الفرقان، 72) وقال تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} (الأحقاف، 35) وقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم} (فصلت، 34) ، قال الواحدي: وهذا قبل نزول آية السيف، وقال القفال: والذي عندي أنّ هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقب قصة أحد والمعنى أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول عليه الصلاة والسلام من طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة. التأويل الثاني: إنّ المراد الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم، فالصبر عبارة عن احتمال المكروه والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي. اذكر {إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} أي: العهد عليهم في التوراة أي: على علمائهم {ليبيننه} أي: الكتاب {للناس ولا يكتمونه} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بالياء في الفعلين على الغيبة؛ لأنّ أهل الكتاب المخاطبين بذلك غيب، والباقون بالتاء على الخطاب حكاية لمخاطبتهم {فنبذوه} أي: طرحوا الميثاق {وراء ظهورهم} أي: لم يعملوا به ولم يلتفتوا إليه ونقيض هذا جعله نصب عينيه {واشتروا به} أي: أخذوا بدله {ثمناً قليلاً} من حطام
الدنيا وأعراضها من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوتها عليهم وقوله تعالى: {فبئس ما يشترون} العائد محذوف تقديره يشترونه، قال قتادة رضي الله تعالى عنه: «هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم شيئاً فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة» ، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» وقال أبو الحسن بن عمارة رضي الله تعالى عنه: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدّثني فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إمّا أن تحدّثني وإمّا أن أحدّثك فقال: حدّثني فقلت: حدّثني الحكم بن عيينة عن يحيى بن الخراز قال: سمعت عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: فحدّثني أربعين حديثاً. {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} أي: فعلوا من إضلال الناس {ويحبون أن يحمدوا} بما أوتوا من علم التوراة و {بما لم يفعلوا} من التمسك بالحق وهم على ضلال وهذا أيضاً من جملة أذاهم، لأنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البرّ والصدق والتقوى ولا شك أنّ الإنسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالصبر عليها. روي أنه صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوا وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي: لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب وقيل: هم قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في التخلف واستحمدوا به، وقيل: هم المنافقون فإنهم يفرحون بمنافقتهم ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد بما ليس فيه وقوله تعالى: {فلا تحسبنهم} تأكيد {بمفازة} أي: مكان ينجون فيه {من العذاب} في الآخرة بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم فيها وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة والباقون بالكسر، ومفعولا تحسب الأولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فلا يحسبنهم بالياء على الغيبة وضم الباء الموحدة والباقون بالتاء على الخطاب وفتح الباء الموحدة وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة كما تقدّم. {وملك السموات والأرض} فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات وغير ذلك {وا على كل شيء قدير} ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين. {إنّ في خلق السموات والأرض} وما فيهما من العجائب {واختلاف الليل والنهار} بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان {لآيات} أي: دلالات واضحة على قدرته تعالى: وباهر حكمته {لأولي الألباب}
لذوي العقول الذين يفتحون بصائرهم للنظر والإستدلال والإعتبار ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر، وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلها في جملة هذه العجائب متفكراً في قدرة مقدرها متدبراً حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ويحال بينك وبين النظر. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أخبريني بأعجب ما رأيت من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب أتاني ليلة فدخل في لحافي حتى التصق جلده بجلدي ثم قال: «يا عائشة هل لك أن تأذني الليلة في عبادة ربي؟» فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه، فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر فقال: «يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً؟» ثم قال: «وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة {إنّ في خلق السموات والأرض} ـ ثم قال: ـ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» . وروي: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها» ، وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: إنّ في خلق السموات والأرض، وحكي أنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت أمه: لعل فرطة فرطت منك في مدتك فقال: ما أذكر؟ قالت: لعلك نظرت مرّة إلى السماء ولم تعتبر قال: لعل، قالت: فما أوتيت إلا من ذاك. وقوله تعالى: {الذين} نعت لما قبله أو بدل {يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} أي: مضطجعين أي: يذكرونه دائماً على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين؛ لأنّ الإنسان قلّ أن يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث. وروى الطبرانيّ وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هذا في الصلاة يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب، وعن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال: «يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب» . تنبيه: قياماً وقعوداً حالان من فاعل يذكرون وعلى جنوبهم حال أيضاً فيتعلق بمحذوف، والمعنى يذكرون قياماً وقعوداً ومضطجعين فعطف الحال المؤوّلة على الصريحة عكس الآية الأخرى وهي قوله: دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً حيث عطف الصريحة على المؤوّلة {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله تعالى ويعرفون أنّ لهما مدبراً حكيماً. قال بعض العلماء: الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث في القلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. وروي عنه صلى الله عليه وسلم «لا تفضلوني على يونس بن متى» ـ أي: تفضيلاً يؤدي إلى تنقيصه وإلا فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم ـ فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض. قالوا: وإنما كان ذلك
التفكر في أمر الله تعالى الذي هو عمل القلب، لأنّ أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض، وقال صلى الله عليه وسلم «لا عبادة كالتفكر» أي: لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق لكن الحديث رواه البيهقيّ وغيره وضعفوه وقال صلى الله عليه وسلم «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أنّ لك رباً وخالقاً اللهمّ اغفر لي فنظر الله تعالى إليه فغفر له» رواه الثعلبيّ بسند فيه من لا يعرف قال البيضاوي: وهذا دليل واضح على شرف علم أصول الدين وفضل أهله وقوله تعالى: {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} على إرادة القول أي: يتفكرون قائلين ذلك، وهذا إشارة إلى الخلق بمعنى المخلوق من السموات والأرض أو إلى السموات والأرض؛ لأنهما في معنى المخلوق والمعنى ما خلقته عبثاً وضائعاً من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسبباً لمعاشه ودليلاً يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك. تنبيه: نصب باطلاً على الحال من هذا وهي حال لا يستغنى عنها لو حذفت لاختل الكلام وهي كقوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} (الدخان، 38) وقيل: على إسقاط حرف الخفض وهو الباء والمعنى ما خلقتهما بباطل بل بحق وقدرة {سبحانك} أي: تنزيهاً لك عن العبث وهو معترض بين قوله {ربنا} وبين قوله {فقنا عذاب النار} أي: للإختلال بالنظر في خلق السموات والأرض والقيام بما يقتضيه قال أبو البقاء: ودخلت الفاء لمعنى الجزاء والتقدير إذا نزهناك أو وحدناك فقنا قال ابن عادل: ولا حاجة إليه بل التسبب فيها ظاهر تسبب عن قولهم {ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك} طلبهم وقاية النار. {ربنا إنك من تدخل النار} أي: للخلود فيها {فقد أخزيته} أي: أهنته {وما للظالمين} أي: للكافرين فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بتخصيص الخزي بهم {من أنصار} أي: أنصار فمن زائدة زيدت لتأكيد النفي. {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي} أي: يدعو الناس {للإيمان} أي: إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن العظيم {أن} أي: بأن {آمنوا بربكم فآمنا} به. فإن قيل: أي فائدة في الجمع بين منادياً وينادي؟ أجيب: بأنه ذكر المبدأ مطلقاً ثم مقيداً بالإيمان تفخيماً لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام وذلك أنّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإغاثة المكروب أو نحو ذلك وكذا الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك، فإذا قلت: ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي: الكبائر منها {وكفر عنا سيآتنا} أي: الصغائر منها أو يكون ذلك من باب التعميم والإستيعاب كقوله: {الرحمن الرحيم} ولأنّ الإلحاح والمبالغة في الدعاء أمر مطلوب {وتوفنا مع الأبرار} أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم وهم الأنبياء والصالحون وفيه تنبيه على إنهم يحبون لقاء الله تعالى «ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه» ، رواه الشيخان. {ربنا وآتنا} أي: أعطنا {ما وعدتنا} به {على} ألسنة {رسلك} من الرحمة والفضل وسؤالهم ذلك، وإن كان وعده تعالى لا يتخلف سؤال أن يجعلهم من مستحقيه؛
لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها وتكرير ربنا مبالغة في التضرّع. وفي الآثار: من جزبه أي أصابه أمر فقال: ربنا خمس مرات أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد {ولا تخزنا} أي: ولا تعذبنا ولا تفضحنا ولا تهنا {يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} أي: الموعد بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، وعن ابن عباس: الميعاد البعث بعد الموت. فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لا أضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? بَعْضُكُم مِّن? بَعْضٍ? فَالَّذِينَ هَاجَرُواوَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـ?َاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ? وَاللَّهُ عِندَهُ? حُسْنُ الثَّوَابِ *لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ? وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَاكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِّنْ عِندِ اللَّهِ? وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأبْرَارِ * وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِـ?َايَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَا?ئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوااصْبِرُوا وَصَابِرُواوَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} دعاءهم وهو أخص من أجاب؛ لأنه يفيد حصول جميع المطلوب لكثرة مبانيه؛ لأنّ كثرة المباني تدل على كثرة المعاني ويتعدّى بنفسه وباللام {أني} أي: بأني {لا أضيع عمل عامل منكم} وقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} بيان عامل {بعضهم من بعض} أي: يجمع ذكركم وأنثاكم أصل واحد فكل واحد منكم من الآخر أي: الذكور من الإناث والإناث من الذكور وقيل: المراد وصلة الإسلام وهذه الجملة وهي بعضكم من بعض معترضة بين عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى وما فصل به عمل عامل من قوله: {فالذين هاجروا} إلخ.. بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله تعالى عباده العاملين. روي أنّ أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «يا رسول الله أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت» وقوله تعالى: {فالذين هاجروا} أي: من مكة إلى المدينة {وأخرجوا من ديارهم} تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له والتفخيم كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارّين إلى الله تعالى بدينهم من دار الفتنة واضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشؤوا {وأوذوا في سبيلي} أي: ديني {وقاتلوا} الكفار {وقتلوا} في الجهاد، وقرأ حمزة والكسائي بتقديم قتلوا وتأخير قاتلوا وشدد ابن كثير وابن عامر التاء من قتلوا للتكثير {لأكفرن عنهم سيئاتهم} أي: أسترها بالمغفرة {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً} أي: أثيبهم بذلك إثابة {من عند الله} أي: تفضلاً منه تعالى فهو مصدر مؤكد لما قبله؛ لأنّ قوله تعالى: {لأكفّرن عنهم ولأدخلنهم} في معنى لأثيبنهم {وا عنده حسن الثواب} أي: الجزاء. ولما كان المشركون في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون، وقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد نزل. {لا يغرنك تقلب} أي: تصرف {الذين كفروا في البلاد} للتجارات وأنواع المكاسب والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره وقوله تعالى: {متاع قليل} خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك التقلب متاع قليل يتمتعون به في الدنيا يسيراً ويغني فهو قليل في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين من الثواب قال صلى الله عليه وسلم «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» رواه مسلم، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول الله إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» {ثم مأواهم} أي: مصيرهم {جهنم وبئس المهاد} أي: الفراش هي. {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين} أي: مقدرين الخلود {فيها نزلاً من عند الله} وهو ما يعد للضيف ونصبه
على الحال من جنات لتخصيصها بالوصف والعامل فيها معنى الظرف {وما} أي: والذي {عند الله} من الثواب لكثرته ودوامه {خير للأبرار} مما يتقلب فيه الكفار من متاع الدنيا لقلته وسرعة زواله، واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن با} فقال جابر وابن عباس وأنس: نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه الصلاة والسلام للنبيّ صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم» فقالوا: ومن هو؟ قال: «النجاشي» فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبّر عليه أربع تكبيرات واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصرانيّ لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية» ، وقال عطاء: نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب {وما أنزل إليكم} أي: القرآن {وما أنزل إليهم} أي: التوراة والإنجيل وقوله تعالى: {خاشعين} حال من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من لأنها في معنى الجمع أي: متواضعين {لا يشترون} أي: لا يستبدلون {بآيات الله} التي عندهم في التوراة والإنجيل من نعت النبيّ صلى الله عليه وسلم {ثمناً قليلاً} من الدنيا بأن يكتموها خوفاً على الرياسة كما فعل غيرهم من اليهود {أولئك لهم أجرهم} أي: ثواب أعمالهم {عند ربهم} وهو ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} وقوله تعالى: {يؤتكم كفلين من رحمته} {إن الله سريع الحساب} لنفوذ علمه في كل شيء فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر بحساب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا. {يأيها الذين آمنوا اصبروا} على مشاق الطاعة وما يصيبكم من الشدائد وعن المعاصي {وصابروا} أي: غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب فلا يكونوا أشد صبراً منكم {ورابطوا} أي: أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين للغزو قال الله تعالى: {ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم} (الأنفال، 60) وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من رابط يوماً وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» {واتقوا الله} في جميع أحوالكم {لعلكم تفلحون} أي: تفوزون بالجنة وتنجون من النار وقال بعض العلماء: اصبروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا له الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء. روى الطبريّ لكن بإسناد ضعيف: من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس أي: تغيب وما رواه البيضاويّ تبعاً للزمخشري وتبعهما ابن عاد من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أماناً على جسر جهنم» فهو من الأحاديث الموضوعة على أبي بن كعب في فضائل السور فليتنبه لذلك ويحذر منه، وقد نبه أئمة الحديث قديماً وحديثاً على ذلك وعابوا على من أورده من المفسرين في تفاسيرهم والله تعالى أعلم.
سورة النساء
سورة النساء مدنية مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية وثلاثة آلافوخمس وأربعون كلمة وستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفاً {بسم الله} الظاهر الملك العلام {الرحمن} الذي عم عباده بالأنعام {الرحيم} الذي خص أهل ولايته بدار السلام وقوله تعالى: {يأيها الناس} خطاب يعم المكلفين من أولاد آدم من الذكور والإناث الموجودين منهم في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم، وقيل: يختص بالعرب منهم لقوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} إذ المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم فيقولون: أنشدك بالله وبالرحم، وأجيب بأنّ خصوص آخر الآية لا يمنع عموم أوّلها {اتقوا ربكم} أي: عذابه بأن تطيعوه {الذي خلقكم من نفس واحدة} أي: فرّعكم من أصل واحد، وهو نفس آدم أبيكم. وقوله تعالى: {وخلق منها زوجها} معطوف على «خلقكم» أي: خلقكم من شخص واحد هو آدم، وخلق منها أمكم حوّاء بالمدّ من ضلع من أضلاعه اليسرى، أو معطوف على محذوف كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها وابتدأها وخلق منها زوجها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى: شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حوّاء، وهو تقرير لخلقكم من نفس واحدة، وقوله تعالى: {وبث منهما} أي: من آدم وحوّاء {رجالاً كثيراً ونساء} أي: كثيراً بيان لكيفية تولدهم منهما. والمعنى: وبث أي: نشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكنّ أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة، وذكر كثيراً حملاً على الجمع ولا تكرار في الآية؛ لأن خلقكم من نفس واحدة مغاير لخلق حوّاء منها؛ لأنها خلقت من ضلعه وهم من مائهما ولبث الرجال والنساء؛ لأنه بين به أن خلقهم من نفس واحدة معناه من نفس آدم وحوّاء مع زيادة التصريح بالرجال والنساء {واتقوا الله الذي تساءلون} فيه إدغام التاء في الأصل في السين أي: تتساءلون {به} فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله، وأنشدك بالله. فإن قيل: الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبعث عليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجباً للتقوى وداعياً إليها؟ أجيب: بأنّ ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على ذلك كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب العصاة، فالنظر فيه يؤدّي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه؛ ولأنه يدل على النعمة السابقة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها، والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف السين والباقون بتشديدها {و} اتقوا {الأرحام} أي: بأن تصلوها ولا تقطعوها، وكانوا يتناشدون بالرحم، وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكان منه تعالى. روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم معلقة
بالعرش تقول: ألا من وصلني وصله الله تعالى ومن قطعني قطعه الله تعالى» ، وقرأ غير حمزة بالنصب عطفاً على الله تعالى فالعامل فيه اتقوا كما قدرته أو معطوف على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيد وعمراً، وأما حمزة فقرأه بالجر عطفاً على الضمير المجرور، وقول البيضاوي: وهو ضعيف أي: كما هو مذهب البصريين ممنوع، والحق أنه ليس بضعيف فقد جوّزه الكوفيون، وكيف يكون ضعيفاً والقراءة به متواترة؟ فيجب أن يضعف كلام البصريين ويرجع إلى كلام رب العالمين، وتعليلهم عدم الجواز بكونه كبعض كلمة لا يقتضي إلحاقه به في عدم جواز العطف إذ حذف الشيء مع القرينة جائز ومنه: *رسم دار وقفت في طلله* أي: ورب رسم دار وقول الشاعر: *اذهب فما بك والأيام من عجب {إنّ الله كان عليكم رقيباً} أي: حافظاً لأعمالكم فيجازيكم بها أي: لم يزل متصفاً بذلك {وآتوا اليتامى} أي: بعد البلوغ والرشد {أموالهم} وسموا اليتامى بعد البلوغ مع أنّ اليتيم في عرف الشرع صغير لا أب له على معنى أنهم كانوا يتامى، وإن كان اليُتْيم في اللغة الانفراد، ومنه الدرّة اليتيمة، وقيل: اليتيم في الإناس من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وفي الطير من قبلهما، والخطاب للأولياء والأوصياء. روي أنّ رجلاً كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال من عمه فمنعه فترافعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحله داره» أي: جنته، وسيأتي تفسير الحوب الكبير، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «ثبت الأجر وبقي الوزر» فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: «ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده» أي: ولعله كان لا يخرج زكاته {ولاتتبدلوا الخبيث} أي: الحرام {بالطيب} أي: الحلال أي: لا تأخذوه بدله كما تفعلون في أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه. قال الزمخشريّ: وهذا ليس بتبدل، وإنما هو تبديل، قال التفتازانيّ: لأن معنى تبدلت هذا بذاك أنك أخذت هذا وتركت ذاك وكذا استبدلت؛ لأنّ معنى بدلت هذا بذاك أخذت ذاك وأعطيت هذا قال تعالى: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} (البقرة، 108) فإذا أعطى الرديء وأخذ الجيد فقد أعطى الخبيث وأخذ الطيب كما لو أخذ الخبيث وترك الطيب؛ ليكون تبدل الخبيث بالطيب، فالحاصل أنّ في التبدل ما دخلته الباء متروك، وما تعدى إليه الفعل بنفسه مأخوذ وفي التبديل بالعكس اه. وقد أوضحت ذلك في «شرح المنهاج» {ولا تأكلوا أموالهم إلى} أي: مع {أموالكم} كقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} (آل عمران، 52) أي: مع الله، أي: لا تنفقوهما معاً، ولا تسووا بينهما، فأكلكم أموالكم حلال لكم، وأكلكم أموالهم حرام عليكم، فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. فإن قيل: قد حرم الله عليهم أكل مال اليتيم وحده ومع أموالهم فلم ورد النهي عن أكله معها؟ أجيب: بأنهم كانوا يفعلون كذلك فأنكر عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم؛ ولأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال، وهم مع ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغ والذم
أحق {إنه} أي: أكلها {كان حوباً} أي: ذنباً {كبيراً} أي: عظيماً ولما نزلت هذه الآية في اليتامى، وما كان في أكل أموالهم من الحوب الكبير خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك العدل في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست ولا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهنّ نزل. {وإن خفتم} أي: خشيتم {أن لا تقسطوا} أي: تعدلوا {في اليتامى} فتحرّجتم من أمورهم فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات {فانكحوا ما طاب} أي: حلّ {لكم من النساء} ؛ لأنّ منهنّ ما حرم كاللاتي في آية التحريم {مثنى وثلاث ورباع} أي: تزوّجوا اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً؛ لأنّ من تحرّج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب؛ لأنه إنما وجب أن يتحرّج من الذنب ويتاب عنه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب وإنما عبر عنهنّ بما ومن يعقل إنما يعبر عنه بمن ذاهباً إلى الصفة؛ لأنه إنما يفرق بين من وما في الذوات لا في الصفات أو أجراهنّ مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهنّ، وقيل: كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الحوب في حق اليتامى، فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تجولوا حول المحرّمات، وقيل: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال فيتزوّجها ضناً ـ أي: بخلاً ـ بها فربما يجتمع عنده منهنّ عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهنّ. فإن قيل: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع حتى إنّ بعض الرافضة قال: للشخص أن يتزوّج بثمانية عشر؟ أجيب: بأنّ الخطاب للجمع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قيل: لم جاء العطف بالواو دون أو حتى قال بعض الرافضة: إنّ له أن يتزوج بتسعة؟ أجيب: بأنه لو عطف بأو لذهب معنى تجويز أنواع الجمع بين أنواع القسمة التي دلت عليها الواو {فإن خفتم أن لا تعدلوا} بين هذه الأعداد أيضاً بالقسم والنفقة {فواحدة} أي: فانكحوا واحدة وذروا الجمع {أو ما ملكت أيمانكم} أي: اقتصروا على ذلك سواء بين الواحدة من الأزواج والعدد من السراري؛ لخفة مؤنتهنّ وعدم وجوب القسم بينهنّ. تنبيه: هذا في حق الحر أما من فيه رق فلا يتزوّج أكثر من ثنتين بإجماع الصحابة وقد يعرض للحر عوارض لا يزاد فيها على واحدة كجنون أو سفه {ذلك} أي: نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري {أدنى} أقرب إلى {أن لا تعولوا} أي: تجوروا، يقال: عال الحاكم في حكمه إذا جار. وروي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له: أتعول علي وقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن لا تعولوا، أن لا تجوروا» ، وحكي عن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنه فسر «أن لا تعولوا» بأن لا تكثروا عيالكم قال البغويّ: وما قاله أحد إنما يقال: من كثرة العيال أعال يعيل إعالة إذا كثرت عياله، وقال الزمخشريّ: ووجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم؛ لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، ثم قال: وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن
به تحريف تعيلوا إلى تعولوا فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لا تظننّ بكلمة خرجت من في أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً. وكان الشافعيّ رحمه الله تعالى أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا اه. {وآتوا} أي: أعطوا {النساء صدقاتهنّ} جمع صدقة أي: مهورهنّ {نحلة} أي: عطية يقال: نحله كذا نحلة أي: أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض، ونصبها على المصدر؛ لأنّ النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل: وأنحلوا النساء صدقاتهنّ نحلة، قال الكلبيّ وجماعة: والخطاب للأولياء، وذلك أنّ وليّ المرأة كان إذا زوّجها، فإن كان معهم في العشيرة فلم يعطها من مهرها شيئاً، وإن زوجها غريباً حملوها إليه على بعير ولا يعطوها من مهرها غير ذلك، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله {فإن طبن لكم عن شيء منه} أي: الصداق وقوله تعالى: {نفساً} محوّل عن الفاعل أي: إن طابت نفسهنّ لكم عن شيء من الصداق فوهبنه لكم {فكلوه} أي: فخذوه وأنفقوه {هنيئاً} أي: طيباً {مريئاً} أي: محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة. روي أنّ ناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته، فقال الله تعالى: إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه هنيئاً مريئاً. قال الزمخشريّ وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس فقيل: «فإن طبن» ، ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن إعلاماً بأنّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وعن الشعبي: إنّ رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه، وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: ردّ عليها، فقال الرجل: أليس الله تعالى قد قال: {فإن طبن لكم} ؟ قال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وحكي أنّ رجلاً من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبث شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة بها نفسها فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها {ولا تأخذوا منه شيئاً} أردد عليها. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته: إنّ النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. {ولا تؤتوا} أيها الأولياء {السفهاء} أي: المبذرين من الرجال والنساء {أموالكم} أي: أموالهم وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء؛ لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم وقيل: نهي إلى كل أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله من المال فيعطيه امرأته وأولاده، ثم ينظر إلى ما في أيديهم وإنما سماهم سفهاء استخفافاً بعقلهم واستهجاناً لجعلهم قوّاماً وهذا أوفق لقوله تعالى: {التي جعل الله لكم قياماً} أي: تقوم بمصالحكم ومصالح أولادكم فيضعوها في غير وجهها، وعلى القول الأولّ يؤوّل بأنّ أموال السفهاء التي من جنس ما جعل الله لكم قياماً، وسمى الله ما به القيام قياماً للمبالغة. وقرأ نافع وابن عامر «قيماً» بغير ألف بعد الياء والقيم جمع قيمة ما يقوّم به الأمتعة، والباقون بالألف مصدر قام و {وارزقوهم} أي: أطعموهم {فيها واكسوهم} فيها، وإنما قال تعالى: «فيها» لجعله الأموال ظروفاً للرزق، فيكون الإنفاق من الربح لا من الأموال التي هي الظروف بأن يتجروا فيها ويحصلوا من ربحها ما يحتاجون إليه، ولو قيل: منها لكان الإنفاق من نفس الأموال {وقولوا لهم قولاً
معروفاً} أي: عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه فهو منكر، وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك وإذا غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً، وقيل: إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل له: عافانا الله وإياك بارك الله فيك. وقيل: لا يختص ذلك بالأولياء بل هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو أجنبيّ رجل أو امرأة يعلم أنه يضيعه فيما لا ينبغي ويفسده. {وابتلوا} أي: اختبروا {اليتامى} في دينهم وتصرفهم بأن تختبروا ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوّام بها، والمرأة فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرّة ونحوها وحفظ متاع البيت، وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدّة في خبز وماء ولحم ونحوها، كل ذلك على العادة في مثله، ويشترط تكرار الاختبار مرّتين أو أكثر بحيث يفيد غلبة الظنّ برشده، ووقت الاختبار قبل البلوغ ولا يصح عقده بل يمتحن في المماكسة فإذا أراد العقد عقد الوليّ {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: صاروا أهلاً له إمّا بالسنّ وهو استكمال خمس عشرة سنة تحديدية لخبر ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «عرضت على النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت» ، رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين وابتداؤها من انفصال جميع الولد، قيل: عرض عليه صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من الصحابة وهم أبناء أربع عشرة فلم يجزهم وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة فأجازهم. وإما بخروج المنيّ في وقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تحديدية سواء أخرج في نوم أم يقظة بجماع أو غيره وتزيد المرأة على هذين الأمرين الحيض لوقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تقريبية فيغتفر فيها زمن لا يسع حيضاً وطهراً، والولادة لأنها يسبقها الإنزال ويحكم بالبلوغ قبلها بستة أشهر وشيء وإنبات شعر العانة الخشن دليل للبلوغ في حق الكفار لا في حق المسلمين ولا عبرة بإنبات شعر الإبط واللحية. {فإن آنستم} أي: أبصرتم {منهم رشداً} وهو صلاح الدين والمال، أما صلاح الدين فلا يرتكب محرّماً يسقط العدالة من كبيرة أو إصرار على صغيرة ويعتبر في رشد الكافر دينه، وأما صلاح المال فلا يضيعه بإلقائه في بحر أو يصرفه في محرم، أو باحتمال الغبن الفاحش في المعاملة ونحوها، وليس صرفه في الخير بتبذير ولا صرفه في الثياب والأطعمة النفيسة وشراء الجواري والاستمتاع بهنّ؛ لأنّ المال يتخذ لينتفع به، نعم إن صرفه في ذلك بطريق الاقتراض له حرم عليه {فادفعوا إليهم أموالهم} من غير تأخير {ولا تأكلوها} أيها الأولياء وقوله تعالى: {إسرافاً} أي: بغير حق {وبداراً} حالان أي: مسرفين ومبادرين إلى إنفاقها مخافة {أن يكبروا} رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم {ومن كان} من الأولياء {غنياً فليستعفف} أي: يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله {ومن كان فقيراً فليأكل} منه {بالمعروف} أي: بقدر الأقلّ من حاجته وأجرة سعيه كما مرّ، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الوليّ له حق في مال الصبي. وروى النسائيّ وغيره أنّ رجلاً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنّ في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: «بالمعروف» .
تنبيه: إيراد هذا التقسيم بعد قوله: {ولا تأكلوها} يدل على أنه نهي للأغنياء منهم أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى شيئاً، وللفقراء منهم أن لا يأخذوا منها شيئاً بغير المعروف، كما أنّ قوله: {ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا} يدل على أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافاً ومبادرة لكبرهم {فإذا دفعتم إليهم} أي: اليتامى {أموالهم فأشهدوا} ندباً {عليهم} بأنهم قبضوها، فإنّ الإشهاد أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى البينة وهذا يدلّ على أنّ القيم لا يصدّق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة وهو مذهب الشافعيّ ومالك خلافاً لأبي حنيفة {وكفى با حسيباً} أي: حافظاً الأعمال خلقه ومحاسبتهم. {للرجال} أي: الذكور {نصيب} أي: حظ {مما ترك الوالدان والأقربون} أي: المتوفون {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه} أي: المال {أو كثر} جعله الله {نصيباً مفروضاً} أي: مقطوعاً بتسليمه إليهم. روي أن أوس بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه توفي وترك امرأته أم كحة ـ بضمّ الكاف والحاء المشدّدة ـ وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت ووصياه سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصغار وإن كان الصغير ذكراً إنما كانوا يورثون الرجال ويقولون: لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أمّ كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ ـ وهو بالضاد والخاء المعجمتين، موضع بالمدينة، قيل: لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة؛ لأنهم كانوا يرضخون فيه النوى ـ فشكت إليه فقالت: يا رسول الله إنّ أوس بن ثابت مات وترك علي ثلاث بنات، وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهنّ وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته شيئاً، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلأ ولا ينكي عدوّاً، فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهنّ الميراث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقربا من مال أوس شيئاً فإنّ الله جعل لبناته نصيباً مما ترك ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهنّ» فأنزل الله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} فأعطى صلى الله عليه وسلم أمّ كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العمّ» وهذا دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب {وإذا حضر القسمة} للميراث {أولو القربى} أي: ذوو القرابة ممن لا يرث {واليتامى والمساكين فارزقوهم} أي: أعطوهم {منه} أي: المقسوم شيئاً قبل القسمة تطييباً لقلوبهم وتصدّقاً عليهم، وهو أمر ندب للبلغ من الورثة، وقيل: أمر وجوب. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم: هي منسوخة بآية المواريث كالوصية، وعن سعيد بن جبير: إنّ ناساً يقولون: نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها الناس {وقولوا لهم قولاً معروفاً} وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين يعنيان الذهب والورق فإذا قسم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأقربين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً كأن يقولون: بورك فيكم. {وليخش} أي: وليخف على اليتامى {الذين لو تركوا} أي: قاربوا أن
يتركوا {من خلفهم} أي: بعد موتهم {ذرّية ضعافاً} أي: أولاداً صغاراً {خافوا عليهم} أي: الضياع {فليتقوا الله} في أمر اليتامى وغيرهم، وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم {وليقولوا} أي: للمريض {قولاً سديداً} أي: عدلاً وصواباً بأن يأمروه أن يتصدّق بدون ثلثه، ويترك الباقي لورثته، ولا يتركهم عالة، وذلك أنه كان إذا حضر أحدهم الموت يقول له من بحضرته: انظر لنفسك فإنّ أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئاً قدّم لنفسك أعتق وتصدّق وأعط فلاناً كذا وفلاناً كذا حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله عز وجل وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده، ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته. {إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} أي: بغير حق {إنما يأكلون في بطونهم ناراً} أي: ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال الشاعر: *كلوا في بعض بطنكم تعفوا* ومعنى يأكلون ناراً يأكلون ما يجرّ إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة. روي «أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما.... على منخريه والأخرى على بطنه وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً» . {وسيصلون سعيراً} أي: ناراً شديدة يحترقون فيها، وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الياء والباقون بالفتح. {يوصيكم الله} أي: يأمركم {في أولادكم} أي: في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة، وهذا إجمال تفصيله {للذكر} منهم {مثل حظ} أي: نصيب {الأنثيين} إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف، فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإنما فضل الذكر على الأنثى لاختصاصه بلزوم ما لا يلزم الأنثى من الجهاد وتحمل الدية وغيرهما، وله حاجتان: حاجة لنفسه وحاجة لزوجته، والأنثى حاجة واحدة لنفسها بل هي غالباً مستغنية بالتزويج عن الإنفاق من مالها، ولكن لما علم الله تعالى احتياجها إلى النفقة وأنّ الرغبة تقل فيها إذا لم يكن لها مال جعل لها حظاً من الإرث وأبطل حرمان الجاهلية لها. فإن قيل: هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؟ أجيب: بأنه إنما بدأ ببيان حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك؛ ولأنّ قوله {للذكر مثل حظ الأنثيين} قصد إلى بيان فضل الذكر وقولك: للأنثيين مثل حظ الذكر قصد إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصداً إلى بيان فضله كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه؛ ولأنهم كانوا يورّثون الرجال دون النساء والصبيان، وكان في ابتداء الإسلام بالمحالفة قال تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} (النساء، 33) ثم صارت الوراثة بالهجرة قال الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء} (الأنفال، 72) ثم نسخ ذلك كله بالآية الكريمة، واختلف في سبب نزولها، فعن جابر أنه قال: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة» فنزلت، وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أمّ كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد، وترك
امرأة وبنتين وأخاً، فأخذ الأخ المال، فأتت امرأة سعد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بابنتي سعد فقالت: يا رسول الله إنّ هاتين ابنتا سعد وإن سعداً قتل يوم أحد شهيداً وإن عمهما أخذ مالهما، ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال صلى الله عليه وسلم «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» فنزلت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمّهما الثمن وما بقي فهو لك» فهذا أوّل ميراث قسم في الإسلام، وكأنه قيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، ولا يضارون في حظهنّ حتى يحرمن مع إدلائهنّ مع القرابة مثل ما يدلون به. فإن قيل: حظ الأنثيين الثلثان فكأنه قيل للذكر الثلثان؟ أجيب: بأنّ المراد حالة الاجتماع كما مرّ أما في حالة الانفراد فالابن يأخذ المال كله، والبنتان يأخذان الثلثين والدليل على أنّ الغرض حكم الاجتماع أنه اتبعه حكم الانفراد بقوله تعالى: {فإن كنّ} أي: إن كان الأولاد {نساء} خلصاً ليس معهنّ ذكر، وأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات وقوله تعالى: {فوق اثنتين} خبر ثان أو صفة لنساء أي: نساء زائدات على اثنتين. فإن قيل: قوله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله: {فإن كن نساء} وهو لبيان حظ الإناث؟ أجيب: بأنه وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر إلا أنه لما علم منه حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً فلذلك صح أن يقال: فإن كنّ نساء {فلهن ثلثا ما ترك} أي: المتوفى منكم ويدل عليه المعنى {وإن كانت} أي: المولودة {واحدة فلها النصف} وقرأ نافع واحدة بالرفع على كان التامّة، والباقون بالنصب على كان الناقصة. واختلف في ميراث الأنثيين فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: حكمهما حكم الواحدة؛ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الباقون: حكمهما حكم ما فوقهما؛ لأنه تعالى لما بين أنّ حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى، وهو الثلثان، اقتضى ذلك أنّ فرضهما الثلثان ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد ردّ ذلك بقوله تعالى: {فإن كنّ نساء فوق اثنتين} ويؤيد ذلك أنّ البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالأولى والأحرى أن تستحقه مع أخت مثلها، ويؤيده أيضاً إنّ البنتين أمسّ رحماً من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله: {فلهما الثلثان مما ترك} وقيل: فوق صلة وقيل: لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما أفهم استحقاق البنتين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر {ولأبويه} أي: الميت وقوله تعالى: {لكل واحد منهما السدس مما ترك} بدل بعض من كل فالسدس مبتدأ ولأبويه خبر وفائدة البدل دفع توهم أن يكون للأب ضعف ما للأم أخذاً من قوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} وبهذا اندفع كما قال التفتازاني إنّ البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام معنى، وهنا لو قيل: لأبويه السدس لم يستقم هذا {إن كان له} أي: الميت {ولد} ذكر أو غيره وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجدّ {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه} أي: فقط بقرينة المقام {فلأمه الثلث} مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب؛ لأنه لما فرض أنّ الوارث أبواه فقط، وعين نصيب الأمّ علم أنّ الباقي للأب، وكأنه قال: فلهما ما ترك أثلاثاً، ولو كان معهما أحد الزوجين كان لها ثلث ما بقي بعد فرضه كما قال الجمهور
لا ثلث المال كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فإنه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب، وهو كما قال البيضاوي خلاف وضع الشرع {فإن كان له إخوة} أي: اثنان فصاعداً ذكور أو إناث كما عليه الجمهور {فلأمّه السدس} والباقي للأب ولا شيء للإخوة. وقال ابن عباس: لا يحجب الأمّ من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة ذكور، أخذاً بظاهر اللفظ، وإطلاق اللفظ يدلّ على أنّ الإخوة يردّونها من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون مع الأب شيئاً، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأمّ. وقرأ حمزة والكسائي في الوصل فلأمّه بكسر الهمزة فراراً من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين، والباقون بضمها، وقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} متعلق بما تقدّمه من قسمة المواريث كلها أي: هذه الأنصباء للورثة من بعد وصية أو وفاء دين، وإنما عبر بأو دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدّمان على القسمة مجموعين ومفردين. فإن قيل: لم قدّمت الوصية في الذكر على الدين مع أنها متأخرة في حكم الشرع عنه؟ أجيب: بأنها لما كانت شاقة على الورثة لكونها مأخوذة بلا عوض وهي مستحبة لكل مكلف بخلاف الدين فإنه: لا يكون على كل مكلف فقدّمت لذلك، وقرأ ابن كثير وابن عامر وشعبة (يوصى) بفتح الصاد ووافقهم حفص على فتح الصاد في الحرف الثاني، والباقون بكسر الصاد فيهما، وقوله تعالى: {آباؤكم وأبناؤكم} مبتدأ خبره {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فمنكم من يظنّ أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظنّ أنّ الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وإنما العالم بذلك هو الله تعالى، وقد دبر أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه، وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده، وإن كان الولد أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل الله أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته {فريضة} أي: ما قدر من المواريث فرض فريضة {من الله إنّ الله كان عليماً} بأمور عباده {حكيماً} فيما قضى وقدّر أي: لم يزل متصفاً بذلك. {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد} ذكر أو غيره منكم أو من غيركم {فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين} وولد الابن في ذلك كالولد إجماعاً {ولهنّ} أي: الزوجات تعددن أو لا {الربع مما تركتم إن لم يكم لكن ولد فإن كان لكم ولد} منهنّ أو من غيرهنّ {فلهنّ الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} وولد الابن كالولد في ذلك إجماعاً، فقد فرض للرجل بحق العقد الصحيح ضعف ما للمرأة كما في النسب وهكذا قياس كل رجل وامرأة وارثين اشتركا في الجهة والقرب من الميت ولا يستثنى من ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة {وإن كان رجل} أي: الميت {يورث} أي: منه من ورث، صفة رجل وخبر كان {كلالة،} أو يورث خبر كان وكلالة حال من الضمير في يورث واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أنها من لا ولد له ولا والد، قال الشعبي: سئل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن كان
صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد، والولد فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: إني لأستحي من الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر. وذهب طاوس أنّ الكلالة من لا ولد له وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس وأحد القولين عن عبد الله بن عمر، وسأل رجل عقبة عن الكلالة فقال: ألا تعجبون من هذا؟ سألني وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ثلاث لأن يكون النبيّ بينهنّ لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة وأبواب الربا. وقال سعيد بن أبي طلحة: خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن» وقوله: «ألا يكفيك آية الصيف» أراد أنّ الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أوّل سورة النساء، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها. وقوله تعالى: {أو امرأة} عطف على رجل أي: أو امرأة تورث كلالة {وله} أي: الرجل {أخ أو أخت} واكتفى بحكم الرجل عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه، ويصح أن يعود الضمير على الموروث الكلالة فيشمل الرجل والمرأة {فلكل واحد منهما السدس} وقد أجمعوا على أنّ المراد به الأخ والأخت من الأم {فإن كانوا} أي: الأخت والأخوات من الأم {أكثر من ذلك} أي: من واحد {فهم شركاء في الثلث} يستوي فيه ذكورهم وإناثهم؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة {من بعد وصية يوصى بها أو دين} وقوله تعالى: {غير مضارّ} حال من ضمير يوصى أي: غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصى بأكثر من الثلث، وعن قتادة: كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. وعن الحسن المضارّة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه، ومعناه الإقرار، وقوله تعالى: {وصية من الله} مصدر مؤكد ليوصيكم أي: يوصيكم بذلك وصية كقوله: {فريضة من الله} (النساء، 11) {وا عليم} بما دبره لخلقه من الفرائض {حليم} بتأخير العقوبة عمن خالفه. تنبيه: خصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق.u {تلك} أي: الأحكام المذكورة في أمر اليتامى والوصايا والمواريث {حدود الله} أي: شرائعه التي حدّها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدّوها {ومن يطع الله ورسوله} فيما حكما به {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} وقوله تعالى: {خالدين فيها} حال مقدرة كقولك: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً {وذلك الفوز العظيم} . {ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده} أي: الله {يدخله ناراً} وقوله تعالى: {خالداً فيها} حال كما مرّ، ولا يجوز أن يكون (خالدين) و (خالداً) صفتين لجنات ونار؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بدّ من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها هذا على مذهب البصريين، أما على مذهب الكوفيين فهو جائز عندهم عند أمن اللبس كما هنا، وهو الراجح كما جرى عليه ابن مالك وغيره {وله عذاب مهين}
أي: ذو إهانة، وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها. وقرأ نافع وابن عامر (ندخله جنات) و (ندخله ناراً) بالنون فيهما على الالتفات، والباقون بالياء. {واللاتي يأتين الفاحشة} أي: الزنا {من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم} أي: من رجال المسلمين، وهذا خطاب للحكام أي: فاطلبوا عليهنّ أربعة من الشهود، وفيه بيان أنّ الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود {فإن شهدوا} عليهنّ بها {فأمسكوهنّ} أي: احبسوهنّ {في البيوت} واجعلوها سجناً لهنّ وامنعوهنّ عن مخالطة الناس، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضمّ الباء والباقون بكسرها {حتى يتوفاهنّ الموت} أي: ملائكته {أو} إلى أن {يجعل الله لهنّ سبيلاً} أي: طريقاً إلى الخروج منها أمروا بذلك أوّل الإسلام، ثم جعل لهنّ سبيلاً بجلد البكر مئة وتغريبها عاماً ورجم المحصنة، وفي الحديث، لما بين الحدّ قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً» . رواه مسلم {واللذان} أي: الزاني والزانية، وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف {يأتيانها} أي: فاحشة الزنا {منكم} أي: الرجال {فآذوهما} بالسب والضرب بالنعال {فإن تابا} أي: منها {وأصلحا} أي: العمل {فأعرضوا عنهما} ولا تؤذوهما {إنّ الله كان توّاباً} على من تاب {رحيماً} به، وهو علة الأمر بالإعراض وترك المذمة وهذا منسوخ بالحدّ. روى ابن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم فقال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مئة وتغريب سنة وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فردّ عليك» وجلد ابنه مئة وغرّبه عاماً. أي: لأنه كان غير محصن وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. وروى ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إنّ الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ورعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الاعتراف. وجملة حد الزنا أنّ الزاني إذا كان محصناً وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرّية والإصابة بالنكاح الصحيح، فحدّه الرجم مسلماً كان أو ذميّاً، وعند أبي حنيفة أنّ الإسلام من شرائط الإحصان فلا يرجم عنده الذميّ، ويردّه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا» وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر إن كان غير بالغ أو مجنوناً فلا حد عليه وإن كان حرّاً عاقلاً بالغاً غير أنه لم يصب بنكاح صحيح فعليه جلد مئة وتغريب عام وإن كان رقيقاً فعليه جلد خمسين وتغريب نصف عام. ومثل الزنا
اللواط عند الشافعيّ رضي الله تعالى عنه لكن المفعول به لا رجم عليه وإن كان محصناً بل يجلد ويغرّب، وقيل: نزلت آية {واللاتي يأتين الفاحشة} في المساحقات وآية {واللذان يأتيانها منكم} في اللواطين. {إنما التوبة على الله} أي: إن قبول التوبة كالمحتوم على الله تفضلاً منه بمقتضى وعده؛ لأنه تعالى وعد بقبول التوبة فإذا وعد شيئاً لا بدّ أن ينجز وعده؛ لأن الخلف في وعده سبحانه وتعالى محال {للذين يعملون السوء} أي: المعصية وقوله تعالى: {بجهالة} في موضع الحال أي: يعملون السوء جاهلين أي: سفهاً فإن ارتكاب الذنب مما يدعو إليه السفه والشهوة لا ما تدعو إليه الحكمة والعقل، وعن مجاهد: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع أي: يخرج من جهالته، وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، وكل من عصى الله تعالى فهو جاهل {ثم يتوبون من} زمن {قريب} أي: قبل أن يغرغروا لقوله تعالى: {حتى إذا حضر أحدهم الموت} وقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» رواه الترمذي وحسنه. وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة، وعن الحسن إن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده فقال: وعزتي وجلالي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. والغرغرة تردّد الروح في الحلق. تنبيه: معنى (من) في قوله تعالى {من قريب} التبعيض أي: يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمناً قريباً؛ لأن أمد الحياة قريب لقوله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل} (النساء، 77) ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد {فأولئك يتوب الله عليهم} أي: يقبل توبتهم. فإن قيل: ما فائدة ذلك بعد قوله تعالى: {إنما التوبة على الله} ؟ أجيب: بأنّ ذلك وعد بالوفاء بما وعد به وكتبه على نفسه كما يعد العبد الوفاء بما عليه {وكان الله عليماً} بخلقه {حكيماً} في صنعه بهم. {وليست التوبة للذين يعملون السيآت} أي: الذنوب {حتى إذا حضر أحدهم الموت} أي: أخذ في النزع {قال} عند مشاهدة ما هو فيه {إني تبت الآن} حين لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر، 85) ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق {ولا الذين يموتون وهم كفار} أي: إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا ينفعهم ذلك، ولا تقبل توبتهم، فسوى سبحانه وتعالى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضور الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم؛ لأنّ حضور الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما أن المصرين على الكفر قد فاتتهم التوبة على اليقين فكذلك المسوف إلى حضور الموت لمجاوزة كل منهما أوان التكليف والاختيار وقوله تعالى: {أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً} أي: مؤلماً تأكيد لعدم قبول توبتهم وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء والاعتداد التهيئة من العتاد وهو العدة، وقيل: أصله أعددنا أبدلت الدال الأولى تاء. {يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء} أي: ذواتهنّ {كرهاً} نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة وللرجل عصبة وألقى ثوبه على امرأة الميت أو على خبائها صار أحق بها من نفسها ومن غيره، ثم إن شاء تزوّجها بصداقها الأوّل وإن
شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها عصبة الميت ثوبه فهي أحق بنفسها، وكانوا على هذا حتى توفي أبو القيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته، فقام ابن له من غيرها فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفدي نفسها منه، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق عليّ ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر الله» فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ حمزة والكسائي بضم الكاف، والباقون بفتحها قال الكسائي: وهما لغتان، وقال الفرّاء: الكره بالفتح ما أكره عليه، وبالضم المشقة، وقوله تعالى: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} عطف على (أن ترثوا) أي: لا تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهنّ ولا رغبة لكم فيهنّ ضراراً لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر، وقيل: هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح كما قال البغوي: إنه خطاب للأزواج، قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون له المرأة وهو كاره صحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله تعالى عن ذلك. قال الزمخشريّ: والعضل الحبس والضيق ومنه عضلت المرأة بولدها إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} كالزنا والنشوز وسوء العشرة، فحينئذٍ يحل لكم إضرارهنّ ليفتدين منكم قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود، وقرأ ابن كثير وشعبة بفتح الياء المثناة تحت والباقون بالكسر وقوله تعالى: {وعاشروهنّ بالمعروف} قال الحسن: رجع إلى أوّل الكلام يعني وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة وعاشروهنّ بالمعروف وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له {فإن كرهتموهنّ} فاصبروا ولا تفارقوهنّ {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} أي: فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير وأحبت ما هو بضدّ ذلك وليكن نظركم ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير فلعل أن يرزقكم الله تعالى منهنّ ولداً صالحاً أو يعطفكم الله عليهنّ وقد بينت الآية جواز إمساك المرأة مع الكراهة لها ونبهت على معنيين: أحدهما أنّ الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح: والثاني أنّ الإنسان لا يكاد يجد محبوباً ليس فيه ما يكره فليصبر على ما يكره لما يحب وأنشدوا في هذا المعنى: *ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب* *ومن يتتبع جاهداً كل عثرة ... يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب* ولما كان الرجل إذا طمحت عينه إلى استظراف امرأة بهت بالتي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى زوج غيرها نزل. {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} أي: أخذها بدلها بأن طلّقتموها {و} قد {آتيتم إحداهنّ} أي: الزوجات {قنطاراً} أي: مالاً كثيراً صداقاً {فلا تأخذوا منه} أي: القنطار {شيئاً} وقوله تعالى: {أتأخذونه بهتاناً}
أي: ظلماً {وإثماً مبيناً} أي: بيناً حال أي: أتأخذونه باهتين وآثمين، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قام خطيباً فقال: أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء فلو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت له: يا أمير المؤمنين لِمَ تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله تعالى يقول: {وآتيتم إحداهنّ قنطاراً} فقال عمر رضي الله تعالى عنه: كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول ولا تنكرونه عليّ حتى تردّ عليّ امرأة ليست من أعلم النساء. وقوله تعالى: {وكيف تأخذونه} استفهام توبيخ وإنكار أي: تأخذونه بأي وجه {وقد أفضى} أي: وصل {بعضكم إلى بعض} بالجماع المقرّر للمهر وكنى الله تعالى عن الجماع بالإفضاء وهو الوصول إلى الشيء من غير واسطة تعليماً لعباده؛ لأنه مما يستحيا منه {وأخذن منكم ميثاقاً} أي: عهداً {غليظاً} أي: شديداً وهو ما أخذه الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» . وقد قيل: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج. ولما توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار خطب ابنه قيس امرأة أبيه وكان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم فقالت: إني أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره فأتته وأخبرته بذلك فنزل. {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وإنما عبر بما دون من؛ لأنه أريد به صفة ذات معينة وهي كونهنّ منكوحات الآباء، وقيل: ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} استثناء من المعنى اللازم للنهي فكأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف أو من اللفظ للمبالغة في التحريم، والمعنى: لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوه ولا يمكن ذلك والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال في التأبيد في نحو قوله تعالى: {حتى يلج الجمل في سم الخياط} (الأعراف، 40) أو منقطع أي: لكن ما قد سلف من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه وقوله تعالى: {إنه} أي: نكاحهنّ {كان فاحشة ومقتاً} علة للنهي أي: إنه فاحشة فكان مزيدة أي: قبيحاً عند الله تعالى ما رخص فيه لأمّة من الأمم ممقوتاً عند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه: المقتى ويسمي به الرجل المذكور أيضاً قال في «القاموس» : نكاح المقت أن يتزوّج امرأة أبيه بعده فالمقتى ذلك المتزوّج أو ولده أي: ومن ثم قيل: ومقتاً كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين {وساء} أي: بئس {سبيلاً} أي: طريقاً ذلك، روي عن البراء بن عازب أنه قال: «مرّ بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوّج امرأة أبيه آتيه برأسه» . واعلم أن أسباب التحريم المؤبد ثلاثة: قرابة ورضاع ومصاهرة وضابط المحرمات بالنسب والرضاع أن يقال: محرم نساء القرابة إلا من دخلت تحت ولد العمومة أو ولد الخؤولة وقد بدأ الله بالسبب الأوّل وهو القرابة فقال: {حرّمت عليكم
أمهاتكم} أي: العقد عليهنّ وكذلك يقدّر في الباقي؛ لأن تحريم نكاحهنّ هو الذي يفهم من تحريمهنّ كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. والأمّهات جمع أمّ وأصلها أمّهة، قاله الجوهريّ. وضابط الأمّ هي كل من ولدتك فهي أمّك حقيقة أو ولدت من ولدك ذكراً كان أو أنثى كأم الأب وإن علت وأمّ الأمّ كذلك فهي أمّك مجازاً، وإن شئت قلت: هي كل أنثى ينتهي إليها نسبك {وبناتكم} جمع بنت وضابطها هو كل من ولدتها فهي بنتك حقيقة أو ولدت من ولدها ذكراً كان أو أنثى كبنت ابن وإن نزل وبنت بنت وإن نزلت فبنتك مجازاً وإن شئت قلت: كل أنثى ينتهي إليك نسبها، وخرج بالبنت المخلوقة من ماء زنا الرجل فإنها تحل له؛ لأنها أجنبية عنه بدليل منع الإرث بالإجماع فلا تتبعض الأحكام ويحرم على المرأة ولدها من زنا بالإجماع كما أجمعوا على أنه يرثها. والفرق أن الابن كالعضو منها وانفصل منها إنساناً ولا كذلك النطفة التي خلقت منها البنت بالنسبة للأب {وأخواتكم} جمع أخت وضابطها هو كل من ولدها أبواك أو أحدهما فهي أختك {وعماتكم} جمع عمة، وضابطها: هو كل من هي أخت ذكر ولدك بلا واسطة فعمتك حقيقة أو بواسطة كعمة أبيك فعمتك مجازاً وقد تكون العمة من جهة الأمّ كأخت أبي الأمّ {وخالاتكم} جمع خالة وضابطها هو كل من هي أخت أنثى ولدتك بلا واسطة فخالتك حقيقة، أو بواسطة كخالة أمّك فخالتك مجازاً، وقد تكون الخالة من جهة الأب كأخت أمّ الأب {وبنات الأخ وبنات الأخت} من جميع الجهات وبنات أولادهم وإن سفلن. ثم ثنى بالسبب الثاني وهو الرضاع فقال: {وأمّهاتكم اللاتي أرضعنكم} وضابط أمّك من الرضاع هو: كل من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو صاحب اللبن أو أرضعت من ولدك بواسطة أو غيرها أو ولدت مرضعتك بواسطة أو غيرها أو صاحب لبنها وهو الفحل بواسطة أو غيرها فأمّ رضاع {وأخواتكم من الرضاعة} وضابط أخت الرضاع هو كل من أرضعتها أمّك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ولدها الفحل ويلحق بذلك بالسنة باقي السبع لخبر الصحيحين: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» ، وفي رواية: «حرموا من الرضاعة ما يحرم من الولادة» ، وفي رواية: «حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب» . وضابط بنت الرضاع هو كل أنثى ارتضعت لبنك أو لبن من ولدته بواسطة أو غيرها أو أرضعتها امرأة ولدتها بواسطة أو غيرها وكذا بناتها من نسب أو رضاع وإن سفلن، وضابط عمة الرضاع هو كل أخت للفحل أو أخت ذكر ولد الفحل بواسطة أو غيرها من نسب أو رضاع. وضابط خالة الرضاع هو كل أخت للمرضعة أو أخت أنثى ولدت المرضعة بواسطة أو غيرها من نسب أو رضاع، وضابط بنات الإخوة وبنات الأخوات من الرضاع: كل أنثى من بنات أولاد المرضعة والفحل من الرضاع والنسب، وكذا كل أنثى أرضعتها أختك أو ارتضعت بلبن أخيك وبناتها وبنات أولادها من نسب أو رضاع، وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون قبل استكمال المولود حولين لقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين} (البقرة، 233) ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء» ، وعن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
«لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم» وإنما يكون هذا في حال الصغر، وعند أبي حنيفة مدّة الرضاع ثلاثون شهراً لقوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} (الأحقاف، 15) وهي عند الأكثرين لأقل مدّة الحمل وأكثر مدّة الرضاع وأقل مدّة الحمل ستة أشهر وابتداء الحولين من تمام انفصاله. والشرط الثاني: أن توجد خمس رضعات متفرّقات، لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن أي: يقرؤهنّ من لم يبلغه نسخهنّ فقد نسخت تلاوتهنّ وبقي حكمهنّ، وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب، وإليه ذهب سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة، ويقوي الأوّل قوله صلى الله عليه وسلم «لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان» . ثم ثلث بالسبب الثالث وهو النكاح فقال تعالى: {وأمّهات نسائكم} أي: بواسطة أو بغيرها من نسب أو رضاع سواء أدخل بزوجته أم لا لإطلاق الآية {وربائبكم} جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره وسميت ربيبة؛ لأنه يربيها كما يربي ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه وسميت بذلك وإن لم يربها وقوله تعالى: {اللاتي في حجوركم} أي: تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها {من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ} أي: جامعتموهنّ سواء أكان ذلك بعقد صحيح أم فاسد لإطلاق الآية {فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم} أي: في نكاح بناتهنّ إذا فارقتموهنّ. فإن قيل: لم أعيد الوصف إلى الجملة الثانية ولم يعد إلى الجملة الأولى {وهي وأمّهات نسائكم} مع أنّ الصفات عقب الجمل تعود إلى الجميع؟ أجيب: بأنّ نساءكم الثاني مجرور بحرف الجرّ، ونساءكم الأول مجرور بالإضافة، وإذا اختلف العامل لم يجز الإتباع وتعين القطع واعترض بأنّ المعمول الجرّ وهو واحد. تنبيه: قضية كلام الشيخ أبي حامد وغيره أنه يعتبر في الدخول أن يقع في حياة الأمّ فلو ماتت قبل الدخول ووطئها بعد موتها لم تحرم بنتها؛ لأنّ ذلك لا يسمى دخولاً وإن تردّد فيه الروياني. فإن قيل: لِمَ لم يعتبر الدخول في تحريم أصول البنت واعتبر في تحريمها الدخول؟ أجيب: بأنّ الرجل يبتلى عادة بمكالمة أمّها عقب العقد لترتيب أموره فحرمت بالعقد ليسهل ذلك عليه بخلاف بنتها واستدخال الماء المحترم يثبت المصاهرة كالوطء، وتحرم البنت المنفية باللعان وإن لم يدخل بأمّها؛ لأنها لا تنتفي عنه قطعاً {وحلائل} أي: أزواج {أبنائكم} واحدتها حليلة والذكر حليل سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، وقيل: سميا بذلك؛ لأن كل واحد يحلّ إزار صاحبه من الحل وهو ضدّ العقد وقوله تعالى: {الذين من أصلابكم} احتراز عن حليلة المتبنى فإنها لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّج امرأة زيد بن حارثة وكان تبناه صلى الله عليه وسلم لا عن حليلة ولده من الرضاع فإنها تحرم عليه، ولا عن حلائل أبناء الولد وإن سفلوا.x تنبيه: كل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين والوطء بشبهة النكاح، فإذا وطىء امرأة بشبهة أو جارية بملك اليمين حرم على الواطىء أمّها وبنتها، وتحرم الموطوءة على أبي الواطىء وابنه،
ولو زنى بامرأة لم تحرم أمّها ولابنتها على الزاني ولا تحرم الزانية على أبي الزاني وابنه كما قاله ابن عباس، وإليه ذهب مالك والشافعيّ، وذهب قوم إلى التحريم. يروي ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وهو قول أصحاب الرأي. وهل المباشرة بشهوة كلمس وقبلة كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح من مذهب الشافعيّ لا؛ لأنّ ذلك لا يوجب العدّة، فكذا لا يوجب الحرمة. والثاني: نعم؛ لأنّ ذلك كالوطء بجامع التلذذ بالمرأة؛ ولأنه استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء وبهذا قال جمهور العلماء. ثم ذكر سبحانه وتعالى تحريم الجمع بقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} أي: ولا يجوز للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح سواء كانتا من نسب أم رضاع سواء أنكحهما معاً أم مترتباً، فإذا نكح امرأة، ثم طلقها بائناً جاز له نكاح أختها، وخرج بالجمع في النكاح الجمع بملك اليمين، فإنه جائز لكن لا يجوز أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطىء إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرّم الأولى على نفسه، ويلحق بالأختين بالسنة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من نسب أو رضاع ولو بواسطة، قال صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى» ، رواه الترمذي وغيره وصححوه؛ ولما فيه من قطيعة الرحم، وإن رضيت بذلك، فإن الطبع يتغير وإليه أشار صلى الله عليه وسلم في خبر النهي عن ذلك بقوله: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهنّ» . كما رواه ابن حبان وغيره، وضابط تحريم الجمع ابتداء ودواماً هو كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع ولو فرضت إحداهما ذكراً حرم الجمع بينهما بنكاح أو وطء بملك اليمين، وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} استثناء عن لازم المعنى وهو المؤاخذة، فكأنه قال تعالى: تؤاخذون بذلك إلا ما قد سلف قبل النهي فلا تؤاخذون به أو منقطع أي: لكن ما قد سلف من نكاح بعض ما ذكر فإنه مغفور لكم ويؤيد هذا قوله تعالى: {إنّ الله كان غفوراً} لما سلف منكم قبل النهي {رحيماً} بكم في ذلك، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر من رواية ابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند السين والباقون بالإدغام. {و} حرمت {المحصنات} أي: ذوات الأزواج {من النساء} أن تنكحوهنّ قبل مفارقة أزواجهنّ سواء أكن حرائر أم لا، مسلمات أم لا، قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنّ أزواج، فتزوّجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهى الله المسلمين عن نكاحهنّ، ثم استثنى فقال: {إلا ما ملكت أيمانكم} أي: من الإماء بالسبي فلكم وطؤهنّ وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء؛ لأنّ بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها، قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهنّ وتحرجوا فأنزل الله هذه الآية. فائدة: قرأ الكسائي جميع ما في القرآن من لفظ المحصنات ومحصنات بكسر الصاد إلا هذا الحرف فإنه فتح الصاد موافقة للجميع، ووجه تسميتهنّ بذلك؛ لأنهنّ أحصن فروجهنّ بالتزويج فهنّ محصنات، ومحصنات بالكسرة في غير هذه الآية وقوله تعالى: {كتاب الله} مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي
قبله وهي حرمت عليكم إلخ.. أي: كتب الله {عليكم} تحريم هؤلاء كتاباً وقوله تعالى: {وأحل لكم} عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله إذا قرىء بالبناء للفاعل كما قرأه غير حفص وحمزة والكسائي، وأمّا هم فقرؤوه بالبناء للمفعول عطفاً على حرمت {ما وراء ذلكم} أي: سوى ما حرم عليكم من النساء وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلك إرادة أن تبتغوا أي: تطلبوا النساء بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم محصنين أي: متزوّجين غير مسافحين أي: زانين؛ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام والمسافح الزاني من السفح وهو صبّ المني، وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحيني ماذيني من المذي. والأموال المهور وما يخرج في المناكح. تنبيه: يجوز أن يكون مفعول تبتغوا مقدراً وهو النساء كما قدّرته لك، قال الزمخشري: والأجود أن لا يقدر وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم ويجوز أن يكون أن تبتغوا بدلاً مما وراء ذلكم بدل اشتمال؛ لأنّ المبدل منه ذات والمبدل معنى والذات مشتملة عليه {فما} أي: فمن {استمتعتم} أي: تمتعتم {به منهنّ} أي: ممن تزوجتم بالوطء {فآتوهنّ أجورهنّ} أي: مهورهنّ، فإنّ المهر في مقابلة الاستمتاع، وقوله تعالى: {فريضة} حال من الأجور بمعنى مفروضة أو صفة مصدر محذوف أي: إيتاء مفروضاً أو مصدر مؤكد {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم} أنتم وهنّ {به من بعد الفريضة} فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق. وقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخت كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غير ذلك ويقضي منها وطره ثم يسرحها سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أباحها ثم أصبح يقول: «يأيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أنّ الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» . وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لا أوتى برجل تزوّج بامرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة» . وعن ابن عباس أنه قال: هي محكمة أي: تنسخ وكان يقرأ: فما استمتعتم به إلى أجل مسمى، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهمّ إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقيل: إنها أبيحت مرّتين وحرمت مرّتين {إنّ الله كان عليماً} بخلقه {حكيماً} فيما دبره لهم. {ومن لم يستطع منكم طولاً} أي: غنى وأصل الطول الفضل يقال: لفلان على فلان طول أي: زيادة فضل وقد طاله طولاً فهو طائل كما قال القائل: *لقد زادني حباً لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرىء غير طائل* ومنه قولهم: هذا أمر ما تحته طائل أي: شيء يعتد به مما له فضل وخطر، ومنه الطول في الجسم؛ لأنه زيادة فيه كما أنّ القصر قصور فيه ونقصان، والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة {أن ينكح المحصنات} أي: الحرائر وقوله تعالى: {المؤمنات} جرى على الغالب، فلا مفهوم له فإن الحرائر الكتابيات كذلك {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} أي: إمائكم المؤمنات
أي: ومن لم يقدر على مهر الحرّة المؤمنة أي: أو الكتابية كما مرّ فليتزوّج الأمة المؤمنة، وظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرّة ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقاً، وأوّل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه طول المحصنات بأن يملك فراشهنّ على أنّ النكاح هو الوطء وحمل قوله: (من فتياتكم المؤمنات) على الأفضل كما حمل عليه قوله: (المحصنات المؤمنات) . ومن أصحابنا من حمله أيضاً على التقييد وجوّز نكاح الأمة لمن قدر على الحرّة والكتابية دون المؤمنة حذراً من مخالطة الكفار وموالاتهم، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد؛ ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين، وأمّا وطؤها بملك اليمين فجائز باتفاق. فائدة: قوله تعالى: {فمن ما ملكت} من مقطوعة عن ما {وا أعلم بإيمانكم} أي: بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرّة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه فإنه العالم بالسرائر {بعضكم من بعض} أي: أنتم وإماؤكم سواء في النسب والدين نسبكم من آدم ودينكم الإسلام فلا تستنكفوا من نكاحهنّ {فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ} أي: مواليهنّ {وآتوهنّ أجورهنّ} أي: أدوا إليهنّ مهورهنّ بإذن أهلهنّ فحذف بإذن لتقدّم ذكره، أو أدوا إلى مواليهنّ فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد؛ لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدّى إليه، وقال مالك: المهر للأمة ذاهباً إلى ظاهر الآية {بالمعروف} أي: من غير مطل ولا ضرار وقوله تعالى: {محصنات} أي: عفيفات حال من ضمير فانكحوهنّ وهو محمول على الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني {غير مسافحات} أي: زانيات جهراً {ولا متخذات أخدان} أي: أخلاء يزنون بها سراً جمع خدن وهو الصديق في السر، وقيل: المسافحات اللاتي يزنين مع أي رجل، وذوات الأخدان اللاتي يزنين مع معين وذلك بحسب ما كان في الجاهلية. {فإذا أحصن} قرأ شعبة وحمزة والكسائي أحصن بفتح الهمزة والصاد على البناء للفاعل أي: تزوّجن والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول أي: زوّجن، {فإن أتين بفاحشة} أي: زنا {فعليهنّ نصف ما على المحصنات} أي: الحرائر الأبكار إذا زنين {من العذاب} أي: الحدّ فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة، ويقاس عليهنّ العبد. فإن قيل: ما فائدة وجوب تنصيف الحدّ عليهنّ بتقييده بتزوّجهنّ إذ تنصيف العذاب لازم للأمة الزانية تزوّجت أم لا؟ أجيب: بأنّ فائدة ذلك بيان أن لا رجم عليهنّ أصلاً وبأنه إنما ذكر لبيان جواب سؤال إذ الصحابة رضي الله تعالى عنهم عرفوا مقدار حد الأمة قبل التزوّج دون مقداره بعده، فسألوا عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوّج من المماليك إذا زنا أخذاً بظاهر الآية. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحدّ ولا يثربن عليها ثم إن عادت فليجلدها الحد ولا يثربن عليها، فإن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» {ذلك} أي: نكاح الإماء عند عدم الطول {لمن
خشي} أي: خاف {العنت} أي: الزنا، وأصله المشقة سمي به الزنا؛ لأنه سببها بالحدّ في الدنيا أو العقوبة في الأخرى {منكم} أيها الأحرار بخلاف من لم يخفه أمّا العبيد فيجوز لهم نكاح الإماء مطلقاً لكن إن كان العبد مسلماً فلا بد أن تكون الأمة مسلمة {وإن تصبروا} عن نكاح الإماء متعففين {خير لكم} لئلا يصير الولد رقيقاً، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت» {وا غفور} لمن لم يصبر {رحيم} بأن وسع له في ذلك {يريد الله ليبين لكم} شرائع دينكم ومصالح أموركم {ويهديكم} أي: يرشدكم {سنن} أي: شرائع {الذين من قبلكم} من الأنبياء في التحريم والتحليل فتتبعوهم {ويتوب عليكم} أي: ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم {وا عليم} بكم {حكيم} فيما دبره لكم. {والله يريد أن يتوب عليكم} إن وقع منكم تقصير في دينه {ويريد الذين يتبعون الشهوات} قال السدي: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المجوس؛ لأنهم يستحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت فلما حرمهنّ الله قالوا: فإنكم تحلون بنات الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت، وقال مجاهد: هم الزناة {أن تميلوا} أي: تعدلوا عن الحق {ميلاً عظيماً} بارتكاب ما حرم عليكم فتكونوا مثلهم. {يريد الله أن يخفف عنكم} أي: يسهل عليكم أحكام الشرع، وقد سهل كما قال تعالى: {ويضع عنهم إصرهم} (الأعراف، 157) وقال صلى الله عليه وسلم «بعثت بالحنيفية السمحة» أي: السهلة {وخلق الإنسان ضعيفاً} لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات، وعن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ثمان آيات في سورة النساء خير لهذه الأمّة مما طلعت عليه الشمس وغربت، (يريد الله ليبين لكم) (والله يريد أن يتوب عليكم) (يريد الله أن يخفف عنكم) (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم) (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة) (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه) (ما يفعل الله بعذابكم) . {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي: بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار والربا، وقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة} استثناء منقطع أي: لكن أن تقع تجارة على قراءة الرفع وهي قراءة غير عاصم وحمزة والكسائي وأمّا هؤلاء فقرؤوا بالنصب على كان الناقصة وإضمار الاسم أي: إلا أن تكون الأموال تجارة {عن تراض منكم} أي: فلكم أن تأكلوها {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: بارتكاب ما يؤدّي إلى هلاكها في الدنيا والآخرة، وقال الحسن: يعني إخوانكم أي: لا يقتل بعضكم بعضاً أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة. روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة» . وروي أنّ الله تعالى يقول: «بادرني عبدي بنفسه فحرّمت عليه الجنة» . وعن عمرو بن العاص أنه تأوّله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم {إنّ الله كان بكم} يا أمّة محمد {رحيماً} حيث أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه. {ومن يفعل ذلك} أي: ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات،
وقوله تعالى: {عدواناً} حال أي: متجاوزاً للحلال وقوله تعالى: {وظلماً} تأكيد وقيل: أراد بالعدوان التعدّي على الغير وبالظلم ظلم الشخص نفسه بتعريضها للعقاب {فسوف نصليه} أي: ندخله {ناراً} يحترق فيها {وكان ذلك على الله يسيراً} أي: هيناً لا عسر عليه فيه. {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} أي: كلاً منها وفسر جماعة الكبيرة بأنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وقال جماعة: هي المعصية الموجبة للحدّ، والأوّل أولى؛ لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها، وقال الإمام: هي كل جريمة تؤذن أي: تعلم بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، وقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم «ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمّة محمد إنّ الله قد عفا عنكم جميعاً المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي» . وهي أشياء كثيرة، قال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، وقال سعيد بن جبير: هي إلى السبعمائة أقرب أي: باعتبار أصناف أنواعها {نكفر عنكم سيآتكم} أي: الصغائر وهي ما عدا الكبائر أي: نكفر بفعل الطاعات كالصلاة والصوم. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر» . ولا بأس بذكر شيء من النوعين فمن الأوّل تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن، واليأس من رحمة الله وأمن مكره تعالى، والقتل عمداً أو شبه عمد، والكفر، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والإفطار في رمضان من غير عذر، وعقوق الوالدين والزنا، واللواط، وشهادة الزور، وشرب الخمر وإن قل، والسرقة، والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع به في السرقة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وضرب المسلم بغير حق، وقطع الرحم، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب الصحابة، وأخذ الرشوة، والنميمة، وأمّا الغيبة فإن كانت في أهل العلم أو حملة القرآن فهي من الكبائر، وإلا فهي صغيرة، ومن الصغائر النظر المحرم، وكذب لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، وكثرة الخصومات إلا إن راعى حق الشرع فيها، والضحك في الصلاة والنياحة وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناساً لهم، وإدخال مجانين وصبيان يغلب تنجيسهم ونجاسة المسجد، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وقيل: الكبائر الشرك وما عداه من الصغائر قال الله تعالى: {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء، 48 ـ 116) {وندخلكم مدخلاً} قرأ نافع بفتح الميم أي: موضعاً {كريماً} أي: حسناً وهو الجنة، وقرأ الباقون بضمها على المصدر بمعنى الإدخال مع الكرامة. {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} من جهة الدنيا والدين؛ لئلا يؤدّي إلى التحاسد والتباغض؛ لأنّ ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق وقبض {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} (الشورى، 27) فعلى كل
أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأنّ ما قسم له هو المصلحة ولو كان خلافه لكان مفسدة له ولا يحسد أخاه على حظه. قال مجاهد: قالت أمّ سلمة: يا رسول الله إنّ الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعف ما لنا من الميراث فلو كنا رجالاً غزونا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا فنزلت هذه الآية، وقيل: لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث قالت النساء: نحن أحوج إلى الزيادة من الرجال، فإنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر في طلب المعاش منا فنزلت. وقال قتادة والسديّ: لما أنزل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما فضلنا عليهنّ في الميراث فأنزل الله تعالى {للرجال نصيب} أي: ثواب {مما اكتسبوا} أي: بسبب ما عملوا من الجهاد {وللنساء نصيب ما اكتسبن} أي: من حفظ فروجهنّ وطاعة الله وطاعة أزواجهنّ، فالرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أنّ الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي في ذلك الرجال والنساء، وفضل الرجال على النساء إنما هو في الدنيا {واسألوا الله من فضله} أي: لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي لا تنفد، فنهى الله عن التمني لما فيه من دواعي الحسد والحسد، أن يتمنى الشخص زوال النعمة عن صاحبها سواء تمناها لنفسه أم لا، والغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز، قال صلى الله عليه وسلم «لا حسد ـ أي: لا غبطة ـ إلا في اثنتين» الحديث {إنّ الله كان بكلّ شيء عليماً} فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان. {ولكل} من الرجال والنساء {جعلنا موالي} أي: عصبة يعطون {مما ترك الوالدان والأقربون} لهم من المال فالوالدان والأقربون هم المورثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي أي: ورثة مما ترك أي: من الذين تركهم فتكون ما بمعنى من، ثم فسر الموالي فقال: الوالدان والأقربون أي: هم الوالدان والأقربون، فعلى هذا القول الوالدان هم الوارثون {والذين عاقدت أيمانكم} والمعاقدة المعاهدة والمحالفة، والأيمان جمع يمين بمعنى القسم أو اليد وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ومحالفتهم أنّ الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتاً في ابتداء الإسلام، فذلك قوله تعالى: {فآتوهم نصيبهم} (النساء، 109) أي: أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} (الأنفال/ 75.w وسورة الأحزاب، 6) وقال مجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث، وعلى هذا الآية غير منسوخة لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} (المائدة، 1) وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة: «لا تحدثوا حلفاً في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلا شدّة» قال الزمخشريّ: وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافاً للشافعيّ رحمه الله تعالى اه. وقرأ غير عاصم وحمزة والكسائي: عاقدت بألف بين العين والقاف، وأمّا هؤلاء الثلاثة فقرأوا: (عقدت) بغير ألف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف
إليه مقامه، ثم حذف كما حذف في القراءة الأولى {إنّ الله كان على كل شيء شهيداً} أي: مطلعاً فخافوه {الرجال قوّامون على النساء} أي: يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعية وعلل ذلك بأمرين: أحدهما وهبيّ والآخر كسبيّ، وقد ذكر الأوّل بقوله تعالى: {بما فضل الله بعضهم على بعض} أي: بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوّة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالنبوّة والأمانة والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد، والجمعة، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى: {وبما أنفقوا من أموالهم} في نكاحهنّ كالمهر والنفقة. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها» . وروي أنّ سعيد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال: «لتقتص منه» فنزلت فقال: «أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير» ورفع القصاص {فالصالحات} منهنّ {قانتات} أي: مطيعات لأزواجهنّ {حافظات للغيب} أي: لما يجب عليهنّ حفظه في حال غيبة أزواجهنّ من الفروج والبيوت والأموال، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرّتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها» {بما حفظ الله} أي: بما حفظهنّ الله حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «استوصوا بالنساء خيراً» أو بما حفظهنّ الله وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة {واللاتي تخافون} أي: تعلمون {نشوزهنّ} كما في قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً} (البقرة، 182) {فعظوهنّ} أي: خوفوهنّ كأن يقول لزوجته: اتقي الله في الحق الواجب لي عليك واحذري العقوبة ويبيّن لها أنّ النشوز يسقط النفقة والقسم {واهجروهنّ في المضاجع} أي: اعتزلوهنّ في الفراش {واضربوهنّ} وإن لم يتكرّر النشوز إن أفاد الضرب وإلا فلا يضرب كما لا يضرب ضرباً مبرّحاً ولا وجهاً ولا مهالك ومع ذلك فالأولى له العفو، وخرج بالعلم بالنشوز ما إذا ظهرت أماراته فقط إما بقول كأن صارت تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين، وإما بفعل كأن يجد منها إعراضاً وعبوساً بعد تلطف وطلاقة وجه، فإنه يعظها بلا هجر وبلا ضرب لعلها تبدي عذراً أو تتوب عما وقع منها بغير عذر، وخرج بالمضجع الهجر بالكلام، فلا يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام ويجوز فيها للخبر الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» إن قصد بهجرها ردّها لحظ نفسه فإن قصد به ردّها عن المعصية وإصلاح دينها فلا تحريم إذ النشوز حينئذ عذر شرعيّ، والهجر له في الكلام جائز مطلقاً، ومنه هجره صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصحابة عن كلامهم {فإن أطعنكم} فيما يراد منهنّ {فلا تبغوا} أي: لا تطلبوا {عليهنّ سبيلاً} أي: طريقاً إلى ضربهنّ ظلماً
واجعلوا ما كان بينهنّ كأن لم يكن، «فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ، رواه الطبرانيّ وابن ماجة وغيرهما {إنّ الله كان علياً كبيراً} فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهنّ فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم. {وإن خفتم} أي: علمتم {شقاق} أي: خلاف {بينهما} أي: بين المرء وزوجه وذكرهما بضميرهما وإن لم يجر ذكرهما لجري ما يدلّ عليهما وهو الرجال والنساء، وإضافة الشقاق إلى الظرف إمّا لإجرائه مجرى المفعول به كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار، أو الفاعل كقولهم نهارك صائم {فابعثوا} أي: أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما إليهما لكن برضاهما {حكماً من أهله} أي: أقاربه {وحكماً} آخر {من أهلها} أي: أقاربها لينظرا في أمرهما بعد اختلاء حكمه به وحكمها بها ومعرفة ما عندهما في ذلك ويصلحا بينهما، أو يفرّقا إن عسر الإصلاح على ما يأتي، فإنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح. تنبيه: بعث الحكمين على سبيل الوجوب، وكونهما من الأقارب على سبيل الندب وهما وكيلان لهما فاشترط رضاهما لا حكمان من جهة الحاكم؛ لأنّ الحال يؤدّي إلى الفراق، والبضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان فلا يولي عليهما في حقهما، فيوكل هو حكمه بطلاق أو خلع، وتوكل هي حكمها ببذل عوض وقبول طلاق، ويشترط فيهما إسلام وحرية وعدالة واهتداء إلى المقصود من بعثهما، له وإنما اشترط فيهما ذلك مع أنهما وكيلان لتعلق وكالتهما بنظر الحاكم كما في أمينه، ويسنّ كونهما ذكرين ولا يكفي حكم واحد {إن يريدا} أي: الحكمان {إصلاحاً يوفق الله بينهما} أي: الزوجين أي: إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى بورك في وساطتهما وأوقع الله بطيب أنفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والإلفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة، وقيل: الضمير الأوّل للزوجين، والثاني للحكمين أي: إن يرد الزوجان إصلاحاً يوفق الله بين الحكمين اختلافهما حتى يعملا بالصلاح، وقيل: الضميران للحكمين أي: إن قصدا الإصلاح يوفق الله بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما، وقيل: للزوجين أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق: أوقع الله بينهما الإلفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه، وإن لم يرضيا ببعثهما ولم يتفقا على شيء أدب الحاكم الظالم واستوفى للمظلوم حقه {إنّ الله كان عليماً} بكل شيء {خبيراً} بالبواطن كالظواهر، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق قال تعالى: {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألف بينهم} (الأنفال، 63) . {واعبدوا الله} أي: وحدوه وأطيعوه {ولا تشركوا به شيئاً} أي: شيئاً من الإشراك جلياً كان أو خفياً، وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟» قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله تعالى إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنّ حق الناس على الله أن لا يعذبهم» قال قلت: يا رسول الله ألا أبشر الناس؟ قال: «دعهم يعملون» {و} أحسنوا {بالوالدين إحساناً} أي: برّاً ولين جانب {وبذي القربى} أي: صاحب القرابة {واليتامى والمساكين} ويدخل في المساكين
الفقراء. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة» وفي رواية: «من مسح رأس يتيم ولم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمرّ عليها يداه حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن بين أصبعيه» {والجار ذي القربى} أي: القريب منك في النسب أو الجوار {والجار الجنب} أي: البعيد عنك في النسب أو الجوار. روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك باباً» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورّثه» . {والصاحب بالجنب} أي: الرفيق في السفر كما قاله ابن عباس ومجاهد، أو المرأة تكون معه إلى جنبه كما قاله علي والنخعي، أو الذي يصحبك رجاء نفعك في تعلم علم أو حرفة أو نحو ذلك كما قاله ابن جريج وابن زيد {وابن السبيل} أي: المسافر؛ لأنه يلازم السبيل، أو الضيف كما عليه الأكثر. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» . وفي رواية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة» ، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحلّ له أن يثوي عنده حتى يخرجه {وما ملكت أيمانكم} أي: من الأرقاء من عبيد وإماء. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه» ، وفيه رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه {إنّ الله لا يحبّ من كان مختالاً} أي: متكبراً على الناس من أقاربه وأصحابه وجيرانه وغيرهم ولا يلتفت إليهم {فخوراً} أي: يتفاخر عليهم بما آتاه الله. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» . وفي رواية: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء» . وقوله تعالى: {الذين} مبتدأ {يبخلون} أي: بما يجب عليهم {ويأمرون الناس بالبخل} بذلك {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} من العلم والمال وهم اليهود بخلوا ببيان صفته صلى الله عليه وسلم وكتموها وكانوا يأتون رجالاً من الأنصار ويخالطونهم فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وخبر المبتدأ محذوف تقديره لهم وعيد شديد ويصح أن يكون (الذين) بدلاً من قوله: من كان، أو منصوباً على الذم أو مرفوعاً عليه أي: هم الذين، وقرأ حمزة والكسائي (بالبخل) بفتح الباء والخاء، والباقون بضمّ الباء وسكون الخاء {وأعتدنا للكافرين} بذلك وبغيره {عذاباً مهيناً} أي: ذا إهانة وضع الظاهر فيه موضع المضمر إظهاراً بأنّ من هذا شأنه فهو كافر بالله لكتمانه صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم وكافر بنعمة الله عليه. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أنعم الله على عبد نعمة
أحبّ أن ترى نعمته على عبده» . وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إنّ الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه، وقوله تعالى: {والذين} عطف على الذين قبله {ينفقون أموالهم رئاء الناس} أي: مرائين لهم {ولا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} أي: كالمنافقين ومشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم {ومن يكن الشيطان له قريناً} أي: صاحباً يعمل بأمره كهؤلاء {فساء} أي: فبئس {قريناً} هو حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر وزينه لهم كقوله تعالى: {إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين} (الإسراء، 27) والمراد: إبليس وأعوانه الداخلة في باطن الإنسان والخارجة عنه، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار. {وماذا عليهم لو آمنوا با واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} أي: أيّ ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار، ولو مصدرية أي: لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه وقوله تعالى: {وكان الله بهم عليماً} وعيد لهم فيجازيهم بما عملوا. {إنّ الله لا يظلم} أحداً {مثقال} أي: وزن {ذرّة} وهي أصغر نملة، ويقال: لكل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة، أي: لا ينقص قدر ذلك من حسناته ولا يزيده في سيئاته كما قال تعالى: {إنّ الله لا يظلم الناس شيئاً} (يونس، 44) ، وفي ذكر المثقال إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعها ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة {وإن تك حسنة} أي: وإن يك المثقال حسنة {يضاعفها} أي: ثوابها من عشر إلى أكثر من سبعمائة، وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة: بلغني عنك أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة: لا بل سمعته يقول «إنّ الله يعطيه ألفي ألف حسنة» . ثم تلا هذه الآية. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزيه بها في الآخرة» قال: وأمّا الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً. وفي رواية: «إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار قال: فيقول اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتون فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى ركبتيه فيخرجونهم فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا قال: ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان في قلبه مثقال ذرّة، قال أبو سعيد: فمن لم يصدّق فليقرأ هذه {إنّ الله} إلخ.. قال: فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق أحد في النار فيه خير ثم يقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفعت المؤمنون وبقي أرحم الراحمين قال: فيقبض قبضة من النار أو قال قبضتين ناساً لم يعملوا خيراً حتى احترقوا حتى صاروا حمماً فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ـ وهي بكسر
الحاء المهملة وتجمع على حبب ـ قال: فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم عتقاء الله فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم قال: فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين قال: فيقول الله تعالى: فإنّ لكم عندي أفضل منه فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟ فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً» . فإن قيل: لم أنث الضمير مع أنه راجع للمثقال وهو مذكر؟ أجيب: بأنه أنثه لتأنيث الخبر أو لإضافة المثقال إلى مؤنث، وقيل: إنّ الضمير راجع إلى ذرّة وهي مؤنثة لا إلى مثقال وحذفت النون تشبيهاً بحروف العلة، وقرأ نافع وابن كثير: حسنة برفع التاء على كان التامّة والباقون بنصبها على كان الناقصة، وقرأ ابن كثير وابن عامر (يضعفها) بتشديد العين ولا ألف قبلها والباقون بتخفيف العين وألف قبلها {ويؤت} أي: يعط صاحب الحسنة {من لدنه} أي: من عند الله على سبيل التفضل زائداً على ما وعد في مقابلة العمل {أجراً عظيماً} أي: عطاء جزيلاً وإنما سماه أجراً؛ لأنه تابع للأجر مزيد عليه لا يثبت إلا بثباته. {فكيف} حال الكفار؟ {إذا جئنا من كل أمّة بشهيد} يشهد عليها بعملها وهو نبيها لقوله تعالى: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} (المائدة، 117) {وجئنا بك} يا محمد {على هؤلاء} الشهداء {شهيداً} أي: شاهداً تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك على مجامع قواعدهم، وقيل: هؤلاء إشارة إلى المؤمنين لقوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} (البقرة، 143) وقيل: إلى الكافرين المستفهم عن حالهم. وعن ابن مسعود أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله: {وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حسبك» . {يومئذٍ} أي: المجيء وهو يوم القيامة {يودّ} أي: يتمنى {الذين كفروا وعصوا الرسول لو} أي: أن {تسوّى بهم الأرض} كالموتى أو لم يبعثوا أو لم يخلفوا وكانوا هم والأرض سواء، وقال الكلبيّ يقول الله عز وجلّ للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كونوا تراباً فتسوّى بهنّ الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أنه لو كان تراباً كما قال تعالى: {ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} (النبأ، 40) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: تسوّى بضم التاء للبناء للمفعول، والباقون بالفتح بالبناء للفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل، وشدّد السين نافع وابن عامر، وخففها الباقون. {ولا يكتمون الله حديثاً} أي: مما عملوه؛ لأنّ جوارحهم تشهد عليهم، وقال الحسن: إنها مواطن ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً، وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون: ما كنا مشركين وما كنا نعمل من سوء، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو قوله تعالى: {ولا يكتمون الله حديثاً} وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن شيئاً يختلف عليّ فقال: هات ما اختلف عليك قال: قال الله تعالى: {فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} (المؤمنون، 101) وقال تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} (الطور، 25) وقال تعالى: {ولا يكتمون الله حديثاً} (النساء، 42) وقال: {وا ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام، 23) فقد كتموا، وقال تعالى: {أم السماء بناها} إلى قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات، 30) فذلك خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} إلى {طائعين} (فصلت، 11) فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال
تعالى: {وكان الله غفوراً رحيماً} (الفتح، 14) وقال: {وكان الله عزيزاً حكيماً} (الفتح، 19) فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون في النفخة الأولى قال: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض} {فلا أنساب} عند ذلك {ولا يتساءلون} ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون في النفخة الآخرة {ثم أقبل بعضهم على بعض يتساءلون} (المؤمنون، 101) وأمّا قوله: والله ربنا ما كنا مشركين، ولا يكتمون الله حديثاً، فإنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون: تعالوا نقل: لم نك مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وأرجلهم فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يكتم حديثاً، وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهنّ في يومين آخرين، ثم دحا الأرض في يومين ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فقال: خلق الأرض في يومين فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين، وكان الله غفوراً رحيماً أي: لم يزل كذلك، فلا يختلف عليك القرآن فإنّ كلاً من عند الله. {يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} أي: لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها {وأنتم سكارى} من الشراب {حتى تعلموا ما تقولون} بأن تصحوا منه كقوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} (الإسراء، 32) {ولا تقربوا الفواحش} (الأنعام، 151) . روي أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً فدعا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان الخمر مباحاً فأكلوا وشربوا فلما سكروا جاء وقت صلاة المغرب فقدّموا أحدهم يصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا هكذا إلى آخر السورة فنزلت، فكانوا لا يشربونها في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها.v وقيل: أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد. وقيل: أراد بالسكر سكر النوم ونهى عن الصلاة عند غلبة النوم قال صلى الله عليه وسلم «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنّ أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» . وقوله تعالى: {ولا جنباً} منصوب على الحال أي: ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب بإيلاج أو إنزال، يقال: رجل جنب وامرأة جنب ورجال ونساء جنب؛ لأنه يجري مجرى المصدر لا أنه مصدر بل هو اسم مصدر؛ لأنه لم يستوف حروف الفعل؛ لأنّ فعله أجنب فمصدره إجناباً لا جنباً، وأصل الجنابة البعد وسمي جنباً؛ لأنه يجتنب موضع الصلاة أو لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل {إلا عابري} أي: مجتازي {سبيل} أي: طريق أو مسافرين {حتى تغتسلوا} أي: فلكم أن تصلوا، واستثناء المسافر له حكم آخر سيأتي. وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه غياه بقوله: (حتى تغتسلوا) ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها وجوّز للجنب عبور المسجد، وبه قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز له المرور إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق إلى الماء {وإن كنتم مرضى} أي: مرضاً يخاف معه من استعمال الماء فإنّ الواجد كالفاقد {أو على سفر} أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون {أو جاء أحد منكم من الغائط} أي: أحدثتم
بخروج الخارج من أحد السبيلين، والغائط المكان المطمئن من الأرض تقضي فيه الحاجة سمي باسمه الخارج للمجاورة {أو لامستم النساء} ، قرأ حمزة والكسائيّ بغير ألف بين اللام والميم والباقون بألف، واختلف في معنى اللمس والملامسة فقال قوم: هما التقاء البشرتين سواء أكان بجماع أم بغيره، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وبه استدلّ الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ اللمس ينقض الوضوء، وقال قوم: هما المجامعة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة كني باللمس عن الجماع؛ لأنّ باللمس يوصل إلى الجماع {فلم تجدوا ماء} تطهرون به للصلاة بعد الطلب؛ لأنه لا يسمى غير واجد إلا بعد الطلب وهذا راجع إلى ما عدا المرض {فتيمموا} أي: بعد دخول الوقت {صعيداً طيباً} أي: تراباً طاهراً أي: طهوراً أمّا المرضى فيتيممون مع حضور الماء؛ لأنّ وجوده بالنسبة إليهم كالعدم {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} مع المرفقين منه بضربتين كما ثبت في الحديث وقال الزجاج: الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأجاب عن قوله تعالى في آية المائدة: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} أي: بعضه وهو لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه بأنّ من لابتداء الغاية، قال الزمخشريّ: وقولهم: إنها لابتداء الغاية فيه تعسف ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، قال: والإذعان للحق أحق من المراء، والتيمم من خصائص هذه الأمّة. روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» وكان بدء التيمم ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ماء وليس معهم ماء؟ فعاتبني أبو بكر وقال: ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرته ولا يمنعني من التحرّك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته» . وفي رواية أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة، وقوله تعالى:
{إنّ الله كان عفوّاً غفوراً} كناية عن الترخيص والتيسير؛ لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر ما كان ميسوراً غير معسر. {ألم تر} أي: تنظر {إلى الذين أوتوا نصيباً} أي: حظاً يسيراً {من الكتاب} أي: من علم التوراة وهم أحبار اليهود {يشترون} أي: يختارون {الضلالة} على الهدى {ويريدون أن تضلوا} أيها المؤمنون {السبيل} أي: تخطئون طريق الحق لتكونوا مثلهم. {والله أعلم} منكم {بأعدائكم} فيخبركم بهم لتجتنبوهم ولا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم {وكفى با ولياً} أي: حافظاً {وكفى با نصيراً} أي: مانعاً لكم من كيدهم وقوله تعالى: {من الذين هادوا} بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب؛ لأنهم يهود ونصارى وقوله تعالى: {وا أعلم بأعدائكم وكفى با ولياً وكفى با نصيراً} جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض أو صلة لنصيراً أي: ينصركم من الذين هادوا كقوله تعالى: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} (الأنبياء، 77) أو خبر مبتدأ محذوف صفته {يحرّفون الكلم عن مواضعه} أي: ومن الذين هادوا قوم يحرّفون أي: يغيرون الكلم الذي أنزل في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم عن مواضعه التي وضع عليها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها، وفي المائدة {من بعد مواضعه} (المائدة، 41) والمعنيان متقاربان، قال ابن عباس: كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الأمر فيخبرهم ويرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرّفوا كلامه {ويقولون} للنبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم {سمعنا} قولك {وعصينا} أمرك {واسمع غير مسمع} بمعنى الدعاء أي: لا سمعت بصمم أو بموت، أو بمعنى اسمع منا ولا نسمع منك، أو بمعنى اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه {و} يقولون له: {راعنا} يريدون به النسبة إلى الرعونة وقد نهى عن خطابه صلى الله عليه وسلم بها وهي كلمة سب بلغتهم {لياً} أي: تحريفاً {بألسنتهم} أي: يحرفون ما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير نفاقاً {وطعناً} أي: قدحاً {في الدين} أي: الإسلام {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا} بدل وعصينا {واسمع} أي: فقط {وانظرنا} أي: انظر إلينا بدل راعنا {لكان خيراً لهم} مما قالوه {وأقوم} أي: أعدل وأصوب {ولكن لعنهم الله} أي: أبعدهم عن رحمته {بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً} أي: إيماناً قليلاً لا يعبأ به وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل ويجوز أن يراد بالقلة العدم أو إلا نفراً قليلاً منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. {ياأيها الذين أوتوا الكتاب} يخاطب اليهود {آمنوا بما نزلنا} أي: القرآن {مصدّقاً لما معكم} أي: التوراة وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود عبد الله بن صوريا وأصحابه وكعب بن أسد وقال: «يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» قالوا: ما نعرف ذلك وانصرفوا على الكفر فنزلت {من قبل أن نطمس وجوهاً} أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم {فنردّها على أدبارها} أي: فنجعلها كالأقفاء مطموسة مثلها أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة. روي أنّ عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحوّل وجهي في قفاي وكذلك
كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية. فإن قيل: قد أوعدهم الله بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك؟ أجيب: بأنّ هذا الوعيد باق ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة، أو أنّ هذا كان وعيداً بشرط فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع ذلك عن الباقين، وقيل: أراد به في القيامة، وقال مجاهد: أراد بقوله: نطمس وجوهاً أي: نتركهم في الضلالة، فيكون المراد طمس وجه القلب والردّ عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة {أو نلعنهم} أي: نمسخهم قردة وخنازير {كما لعنا} أي: مسخنا {أصحاب السبت} منهم قردة وخنازير {وكان أمر الله} أي: قضاؤه {مفعولاً} أي: نافذاً وكائناً فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا. {إن الله لا يغفر أن يشرك به} أي: لا يغفر الإشراك به، قال عمر رضي الله تعالى عنهما: لما نزل {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً} (الزمر، 53) قالوا: يا رسول الله والشرك فنزلت. ولما أخبر بعدله أخبر تعالى بفضله فقال: {ويغفر ما دون ذلك} الأمر الكبير العظيم من كل معصية سواء أكانت صغيرة أم كبيرة سواء أتاب فاعلها أم لا، ورهب بقوله: إعلاماً بأنه مختار لا يجب عليه شيء {لمن يشاء} . وقال الكلبيّ: نزلت هذه الآية في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل حمزة وذهب إلى مكة ندم هو وأصحابه وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد ندمنا على ما صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} (الفرقان، 68) الآيات وقد دعونا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرّم الله قتلها وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت: {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} (مريم، 60) الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرؤوهما كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملاً صالحاً فنزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فبعث بها إليهم فبعثوا إليه إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر، 53) الآية فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ثم قال لوحشيّ «أخبرني كيف قتلت حمزة؟» فلما أخبره قال: «ويحك غيب وجهك عني» فلحق وحشيّ بالشأم فكان بها إلى أن مات {ومن يشرك با فقد افترى} أي: ارتكب {إثماً عظيماً} أي: كبيراً فالافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذا الاختلاق. روي أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الموجبات؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار» . وروى أبو ذر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: «وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر» وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} قال الحسن وقتادة: نزلت في اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه {وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} (البقرة، 111) ، وقال الكلبيّ: نزلت في رجال من اليهود جاؤوا إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: «لا» قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار. ويدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله إلا إذا كان لغرض صحيح وطابق الواقع كقول سيدنا يوسف صلى الله عليه وسلم {اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم} (يوسف، 55) ، وقوله صلى الله عليه وسلم «إني أمين في السماء أمين في الأرض» حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة إكذاباً لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، ولكن شتان بين من شهد الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم {بل الله} الذي له صفات الكمال {يزكي من يشاء} أي: بماله من العلم التامّ والقدرة الشاملة والحكمة البالغة، وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً {ولا يظلمون} أي: ينقصون من أعمالهم {فتيلاً} أي: قدر ما يكون في شق النواة قاله عكرمة عن ابن عباس، فهو اسم لما في شق النواة، والقطمير اسم للقشرة التي على النواة، والنقير اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، وقيل: الفتيل من الفتل وهو ما يحصل بين الإصبعين من الوسخ عند الفتل. ولما أخبر سبحانه وتعالى أنّ التزكية إنما هي إليه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {انظر} متعجباً {كيف يفترون} أي: يتعمدون {على الله} الذي لا يخفى عليه شيء ولا بعجزه شيء {الكذب} من غير خوف منهم لذلك عاقبة ذلك {وكفى به} أي: بهذا الكذب {إثماً مبيناً} أي: بيناً واضحاً. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} وهما صنمان بمكة لقريش وذلك أنّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت؛ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أمّيون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم فقال أبو سفيان: نحن ولاة البيت نسقي الحجاج الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد فأنزل الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً} أي: حظاً من الكتاب وهم كعب بن الأشرف وأصحابه يؤمنون بالجبت والطاغوت إي الصنمين {ويقولون للذين كفروا} وهم أبو سفيان وأصحابه {هؤلاء} أي: أنتم {أهدى من الذين آمنوا} وهم محمد وأصحابه {سبيلاً} أي: أقوم ديناً وأرشد طريقاً. {أولئك الذين لعنهم الله} أي: طردهم وأبعدهم من رحمته {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً} أي: مانعاً يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها. تنبيه: في {هؤلاء أهدى} همزتان من كلمتين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، قرأ نافع وابن كثير
وأبو عمرو بإبدال الثانية ياء خالصة، والباقون بالتحقيق. {أم} منقطعة أي: بل {لهم نصيب} أي: حظ {من الملك} ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم شيء من الملك وجحد لما زعمت اليهود من أنّ الملك سيصير لهم ولو كان لهم نصيب منه {فإذاً} أي: فيتسبب عن ذلك أنهم {لا يؤتون الناس} أي: واحداً منهم {نقيراً} ومرّ أنه النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل والقطمير، والمراد بالملك إما ملك الدنيا وإما ملك الله كقوله تعالى: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق} وهذا مبالغة في شحهم فإنهم بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء منقادين ويصح أن يكون معنى الهمزة في أم لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك وإنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً. {أم} أي: بل {يحسدون الناس} أي: محمداً صلى الله عليه وسلم الذي جمع فضائل الناس الأوّلين والآخرين {على ما آتاهم الله من فضله} أي: من النبوّة والكتاب والنصرة والإعزاز وكثرة النساء أي: يتمنون زواله عنه ويقولون: لو كان نبياً لاشتغل عن النساء {فقد آتينا آل إبراهيم} وهو جدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن آل إبراهيم موسى وداود وسليمان {الكتاب} أي: ما أنزل إليهم {والحكمة} أي: النبوّة {وآتيناهم ملكاً عظيماً} فلا يبعد أن يؤتيه الله تعالى مثل ما آتاهم فكان لداود تسع وتسعون امرأة وكان لسليمان ألف وثلاثمائة حرّة وسبعمائة سريّة. وقيل: المراد بالناس الناس جميعاً، وقيل: العرب. وحسدوهم لأنّ النبيّ الموعود منهم وقيل: النبيّ وأصحابه لأنّ من حسد على النبوّة فكأنما حسد الناس كلهم على كمالهم ورشدهم. {فمنهم} أي: اليهود {من آمن به} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه {ومنهم من صدّ} أي: أعرض {عنه} فلم يؤمن به {وكفى بجهنم سعيراً} أي: عذاباً لمن لم يؤمن وقوله تعالى: {إنّ الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم} أي: ندخلهم {ناراً} كالبيان والتقرير لذلك {كلما نضجت} أي: احترقت {جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها} بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى. روي أنّ هذه الآية قرئت عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال عمر للقارىء: أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ: عندي تفسيرها: يبدله الله تعالى في ساعة مائة مرّة قال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرّة كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا. فإن قيل: كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص؟ أجيب: بأن المعاد إنما هو الجلد الأوّل وإنما قال: جلوداً غيرها لتبدل صفتها كما تقول: صنعت من خاتمي خاتماً غيره فالخاتم الثاني هو الأوّل لا أنّ الصناعة والصفة تبدلت. روي أنّ ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع. وروي أنّ ضرسه أو نابه مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث {ليذوقوا العذاب} أي: ليقاسوا شدّته، وقيل: يخلق مكان ذلك الجلد جلد آخر والمعذب في الحقيقة على كل حال هي النفس العاصية القائمة بالبدن؛ لأنها المدركة دونه {إنّ الله كان} ولم يزل {عزيزاً} أي: لا يعجزه شيء {حكيماً} في خلقه يعاقب على وفق حكمته. {والذين آمنوا} أي: أقرّوا بالإيمان {وعملوا الصالحات سندخلهم} أي: بوعد لا خلف
فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف كما في الكافرين أنهم أقصر الأمم مدّة أو أنهم أقصرهم أعماراً راحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف {جنات} أي: بساتين ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: {تجري من تحتها الأنهار} أي: إنّ أرضها في غاية الري كل موضع صالح لأن يجري منه نهر. ولما ذكر قيامها وما به دوامها أتبعه بما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال {خالدين فيها أبداً} وإنما قدّم تعالى ذكر الكفار ووعيدهم؛ على ذكر المؤمنين ووعدهم لأنّ الكلام فيهم وذكر المؤمنين بالعرض، ولما وصف تعالى حسن الدار ذكر حسن الجار فقال تعالى: {لهم فيها أزواج مطهرة} أي: من الحيض والقذر. فإن قيل: المطرد في وصف جمع القلة لمن يعقل أن يكون بالألف والتاء فيقال مطهرات، أجيب: بأنه عدل عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهنّ لشدّة الموافقة في الطهر كذات واحدة {وندخلهم} أي: فيها {ظلاً} عظيماً وأكده تعالى بقوله: {ظليلاً} أي: متصلاً لا فرج فيه منبسطاً لا ضيق معه دائماً لا تصيبه الشمس يوماً ما لا حرّ فيه ولا برد بل هو في غاية الاعتدال، وهو ظل الجنة، جعلنا الله تعالى ومن يحبنا ونحبه من أهلها السابقين مع النبيين والصدّيقين. وقوله تعالى: {إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} خطاب يعم المكلفين، والأمانات وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب الكعبة وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ليدخلها فأبى وقال: لو علمت أنه رسول لم أمنعه المفتاح فلوى عليّ رضي الله تعالى عنه يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين السقاية والسدانة، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر ففعل ذلك وقال: هاك خالدة تالدة، فعجب من ذلك وقال عثمان: أكرهت وأذيت، ثم جئت ترفق؟ فقال: قد أنزل الله في شأنك قرآناً، وقرأ عليه فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة تكون في أولاد عثمان أبداً فلما مات عثمان دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أيديهم إلى اليوم وإلى يوم القيامة، فالآية، وإن وردت في سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع {وإذا حكمتم بين الناس} أي: قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم {أن تحكموا بالعدل} أي: بالسواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له فإنّ ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل» ، الحديث. وروي: «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدّهم عذاباً إمام جائر» . ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: {إنّ الله نعما} فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصوفة أي: نعم شيئاً {يعظكم به} وهو تأدية الأمانة والحكم بالعدل، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، وكسرها الباقون، واختلس كسر العين قالون
وأبو عمرو وشعبة {إنّ الله كان} أي: ولم يزل ولا يزال {سميعاً} لكل ما يقال {بصيراً} بكلّ ما يفعل. {يأيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال: {أطيعوا الله} أي: فيما أمركم به {وأطيعوا الرسول} أي: فيما بينه لكم {و} أطيعوا {أولي} أي: أصحاب {الأمر} أي: الولاة {منكم} أي: إذا أمروكم بإطاعة الله ورسوله، وسواء كان ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله وصلوا رحمكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» . وقيل: «المراد بأولي الأمر أبو بكر وعمر لقوله صلى الله عليه وسلم «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقال عطاء هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى: {والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} (التوبة، 100) روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أصحابي وأمّتي كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح» ، قال الحسن: فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح وقيل: المراد علماء الشرع لقوله تعالى: {ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم} (النساء، 83) {فإن تنازعتم} أي: اختلفتم {في شيء فردوه إلى الله} أي: كتابه {والرسول} أي: مدّة حياته وبعد وفاته إلى سنته أي: اكشفوا عليه منهما والردّ إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل: الرد إلى الله والرسول أن يقول لما لا يعلم: الله ورسوله أعلم {إن كنتم تؤمنون با واليوم الآخر} أي: فإن الإيمان يوجب هذا {ذلك} أي: من الردّ إليهما {خير} لكم من التنازع والقول بالرأي {وأحسن تأويلاً} أي: تأويلكم بلا رد أو عاقبة. {س4ش60/ش65 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُوا? بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو?ا? إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو?ا? أَن يَكْفُرُوا? بِهِ? وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَا? بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوا? إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةُ? بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِ? إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُو?لَا??ـ?ِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى? أَنفُسِهِمْ قَوْ? بَلِيغًا * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِs لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ? وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُو?ا? أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا? اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا? اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَ وَرَبِّكَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجِدُوا? فِى? أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا? تَسْلِيمًا} {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم {بما أنزل إليك} أي: القرآن {وما أنزل من قبلك} أي: التوراة والإنجيل، قال الأصبهاني: ولا يستعمل أي: الزعم في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق يقال: زعم فلان كذا إذا شك فيه فلا يعرف كذبه أو صدقه {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} أي: الباطل المغرق في البطلان، وقيل: هو كعب بن الأشرف. روي عن ابن عباس أنّ بشراً المنافق خاصم يهودياً فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي الله تعالى عنه فأتيا عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم فقال لهما عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنت الفاروق» . والطاغوت على هذا هو كعب بن الأشرف سمي بذلك
لفرط طغيانه أو لتشبيهه بالشيطان، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه {وقد} أي: والحال إنهم قد {أمروا} ممن له الأمر في كل ما أنزل إليك من كتاب ما قبله {أن يكفروا به} أي: بالشيطان فمتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين كافرين بالله وهو معنى قوله: {ويريد الشيطان} أي: بإرادتهم ذلك التحاكم إليه {أن يضلهم} أي: المتحاكم إليه {ضلالاً بعيداً} أي: بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى، ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {وإذا قيل لهم} أي: من أي قائل كان، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بالكسر وتقدّم ذكر الإدغام لأبي عمرو {تعالوا} أي: أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم {إلى ما أنزل الله} أي: الذي عنده كل شيء {وإلى الرسول} أي: الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع إنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة {رأيت المنافقين يصدون} أي: يعرضون {عنك} إلى غيرك وأكد ذلك بقوله: {صدوداً} أي: هو أعلى طبقات الصدود. {فكيف} يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} أي: عقوبة كقتل عمر رضي الله تعالى عنه المنافق {بما قدّمت أيديهم} أي: من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا بحكمك من الكفر بغير ذلك أي: أيقدرون على الإعراض والفرار منها؟ لا وتم الكلام ههنا، وقوله تعالى: {ثم جاؤك} أي: حين يصابون للاعتذار معطوف على يصدون وما بينهما اعتراض {يحلفون با إن} أي: ما {أردنا} أي: بالمحاكمة إلى غيرك {إلا إحساناً} أي: صلحاً {وتوفيقاً} أي: تأليفاً بين الخصمين ولم نرد مخالفتك، وقيل: جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه بالتقريب في الحكم دون الحمل على مرّ الحق. {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} أي: من النفاق والبغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه وكذبهم في حلفهم وعذرهم {فأعرض عنهم} أي: عن عتابهم بالصفح؛ لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب {و} لكن {عظهم} أي: خوّفهم الله القادر على استئصالهم {وقل لهم في أنفسهم} أي: في شأنها أو خالياً بهم فإن النصح في السر أنجع {قولاً بليغاً} أي: مؤثراً فيهم أي: ازجرهم ليرجعوا عن كفرهم، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال. ولما أمر الله تعالى بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذم من حاكم إلى غيره وهدده وختم تهديده بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه والوعظ له، فكان التقدير فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا للرفق بالأمّة والصفح عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة عطف عليه قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} أي: فيما يأمر به ويحكم؛ لأن منصبه الشريف يقتضي ذلك {بإذن الله} أي: بإرادته من أنه يطاع فلا يعصي ولا يخالف {ولو أنهم إذ} أي: حين {ظلموا أنفسهم} أي: بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره {جاؤك} أي: تائبين {فاستغفروا الله} بالتوبة والإخلاص {واستغفر} أي: شفع {لهم الرسول} أي: اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعاً، وإنما عدل عن الخطاب تفخيماً لشأنه {لوجدوا الله توّاباً} عليهم {رحيماً} بهم، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام بخلاف عنه. {فلا وربك} أي: فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم {لا يؤمنون} أي: يوجدون هذا
الوصف ويجدونه {حتى يحكموك} أي: يجعلوك حكماً {فيما شجر} أي: اختلف واختلط {بينهم} من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجرة في التداخل والتضايق {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً} أي: نوعاً من الضيق {مما قضيت} به عليهم {ويسلموا تسليماً} أي: وينقادوا لك انقياداً بظواهرهم وبواطنهم، وفي الصحيح: إنّ الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار وقد شهد بدراً في شراج من الحرة كانا يستقيان بها النخل فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله: أن كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك» وقيل: نزلت في بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر. {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} كما أمرنا بني إسرائيل، أو تعرّضوا بها للقتل بالجهاد، وإن مصدرية أو مفسرة؛ لأنّ (كتبنا) في معنى أمرنا، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر النون في الوصل، والباقون بالضم {أو اخرجوا من دياركم} أي: التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم توبة لربكم {ما فعلوه} أي: المكتوب عليهم أي: إنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الله ورسوله والرضا بحكمه ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار ما كان يفعله {إلا قليل منهم} قال الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم القليل والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «إنّ من أمّتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» ، وقرأ ابن عامر قليلاً بالنصب على الاستثناء والباقون بالرفع على البدل {ولو أنهم} أي: هؤلاء المنافقين {فعلوا ما يوعظون به} من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم {لكان خيراً لهم} في عاجلهم وآجلهم مما اختاروه لأنفسهم {وأشدّ تثبيتاً} أي: تحقيقاً لإيمانهم. {وإذاً} أي: لو ثبتوا {لآتيناهم من لدنا} أي: من عندنا {أجراً عظيماً} وهو الجنة {ولهديناهم صراطاً مستقيماً} يصلون بسلوكه جنات القدس وتفتح لهم أبواب الغيب قال صلى الله عليه وسلم «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» رواه أبو نعيم في حليته. روي أنّ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف الحزن في وجهه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما غير لونك؟» فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً فأنزل الله تعالى {ومن يطع الله} في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره {والرسول} أي: في كل ما أراده فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك لا سيما من بلغ نهايتها {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} أي: معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليهم بسهولة، وقوله تعالى: {من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين} بيان للذين حال منه أو من ضميره، قسمهم أربعة أقسام بحسب منازلهم في العلم والعمل وحث كافة الناس على
أن لا يتأخروا عنهم، وهم الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حدّ الكمال إلى درجة التكميل، ثم الصدّيقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليه، ثم الشهداء الذين أدّى بهم الحرص على الطاعة والجدّ في إظهار الحق حتى بذلوا مهجتهم في إعلاء كلمة الله تعالى، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته {وحسن} أي: وما أحسن {أولئك} أي: العالون الأخلاق السابقون {رفيقاً} من الرفق وهو لين الجانب ولطافة الفعل، وهو مما يستوي واحده وجمعه أي: رفيقاً في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم ورؤيا ربهم والحضور معهم وإن كان مقرّهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم. روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله الرجل يحب قوماً ولم يلحق بهم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «المرء مع من أحب» . وروي أيضاً أن رجلاً قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» فلم يذكر كثيراً إلا أنه يحب الله ورسوله قال: «فأنت مع من أحببت» وقوله تعالى: {ذلك} أي: كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره {الفضل من الله} أي: تفضل به عليهم لا إنهم نالوه بطاعتهم {وكفى با عليماً} أي: بجزاء من أطاعه أو بمقادير الفضل واستحقاق أهله. روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاربوا وسدّدوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . {يأيها الذين آمنوا} أي: أقرّوا بالإيمان {خذوا حذركم} من عدوّكم أي: احترزوا منه، وتيقظوا له والحذر الحذر كالأثر الأثر {فانفروا} أي: اخرجوا إلى قتاله مسرعين {ثبات} أي: جماعات متفرّقين سرية في أثر سرية جمع ثبة، وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة {أو انفروا جميعاً} أي: مجتمعين كوكبة واحدة، قال البيضاوي: والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات. {وإنّ منكم} الخطاب لعسكر النبيّ صلى الله عليه وسلم المؤمنين منهم والمنافقين {لمن ليبطئن} أي: ليتأخرن وليتثاقلن عن القتال وهم المنافقون كعبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه، وإنما قال منكم لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار الإسلام لا في حقيقة الإيمان {فإن أصابتكم مصيبة} كقتل وهزيمة {قال} هذا المتبطىء جهلاً منه وغلظة {قد أنعم الله عليّ إذ} أي: حين {لم أكن معهم شهيداً} أي: حاضراً فأصاب. {ولئن} لام قسم {أصابكم فضل} أي: فتح وظفر وغنيمة {من الله} الذي كل شيء بيده {ليقولنّ} نادماً على ما فاته من الأغراض الدنيوية، وأكده تنبيهاً على فرط تحسره وقوله تعالى: {كأن} مخففة واسمها محذوف أي: كأنه {لم تكن بينكم وبينه مودّة} أي: معرفة وصداقة رجع إلى قوله: {قد أنعم الله عليّ} اعتراض بين القول ومقوله وهو {يا} للتنبيه {ليتني كنت معهم فأفوز} أي: بمشاركتهم في ذلك {فوزاً عظيماً} أي: آخذ حظاً وافراً من الغنيمة، وقرأ ابن كثير وحفص بالتاء في تكن على التأنيث والباقون بالياء على التذكير، ولما بين أن محط رحال القاعد عن الجهاد الدنيا علم أن قصد المجاهد الآخرة فقال تعالى: {فليقاتل في سبيل الله} أي: لإعلاء
دينه {الذين يشرون} أي: يبيعون برغبة {الحياة الدنيا بالآخرة} وهم المؤمنون، والمعنى: إن تباطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المجاهدون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة ويشرون أي: يأخذون وهم المتباطئون فيختارونها على الآخرة، والمعنى: حثهم على ترك ما حكي عنهم، وفي هذا استعمال للمشترك في مدلوليه {ومن يقاتل في سبيل الله} لإعلاء دينه {فيقتل} أي: يستشهد {أو يغلب} أي: يظفر بعدوّه {فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} أي: ثواباً جزيلاً، وإنما وعد له الأجر العظيم غلب أو غلب ترغيباً في القتال وتكذيباً لقول المتبطىء {قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً} وإنما قال: فيقتل أو يغلب تنبيهاً على أنّ المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعدّ نفسه بالشهادة أو الدين بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل بل إلى إعلاء كلمة الحق وإظهار الدين. روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجعه الله إلى أهله إنما يرجعه من غنيمة وأجر أو يتوفاه فيدخله الجنة» وقوله تعالى: {وما لكم لا تقاتلون} استفهام توبيخ أي: لا مانع لكم من القتال {في سبيل الله} لإعلاء دينه وقوله تعالى: {والمستضعفين} عطف على إسم الله أي: وفي سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدوّ وقوله تعالى: {من الرجال والنساء والولدان} بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس: كنت أنا وأمي منهم وإنما ذكر الوالدان مبالغة في الحث وتنبيهاً على تناهي المشركين بحيث بلغ أذاهم الولدان وإن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. وقيل: المراد بهم العبيد والإماء وهم جمع وليد {الذين يقولون} أي: داعين يا {ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} أي: بالكفر {واجعل لنا من لدنك} أي: من عندك {ولياً} يتولى أمرنا {واجعل لنا من لدنك نصيراً} يمنعنا منهم وقد استجاب الله تعالى دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة له صلى الله عليه وسلم فتولاهم ونصرهم، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، وكان حينئذ ابن ثمان عشرة سنة، والقرية مكة، والظالم صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإن إسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه. {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} أي: في طاعته الله {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} أي: في طاعة الشيطان {فقاتلوا} أيها المؤمنون {أولياء الشيطان} أي: حزبه وجنوده وهم الكفار {إن كيد الشيطان} أي: مكره بالمؤمنين {كان ضعيفاً} بالإضافة إلى كيد الله تعالى بالكافرين لا يعتدّ به، فلا تخافوا أولياءه فإن اعتمادهم على أضعف شيء أوهنه كما فعل الشيطان يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن تأخذه فهرب وخذلهم. {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} أي: عن قتال الكفار، وهم جماعة من الصحابة كانوا يلقون
من المشركين أذى كثيراً قبل أن يهاجروا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم» {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} . فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم كما قال تعالى: {فلما كتب} أي: فرض {عليهم القتال} قرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم في الوصل، وأمّا الوقف فالجميع يسكنون الميم، وحمزة بضم الهاء على أصله، وكسرها الباقون {إذا فريق منهم يخشون} أي: يخافون {الناس كخشية الله} أي: كخشيتهم من الله {أو أشدّ خشية} من خشيتهم له. تنبيه: نصب أشدّ على الحال، وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي: فاجاءتهم الخشية {وقالوا} جزعاً من الموت {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا} أي: هلا {أخرتنا إلى أجل قريب} وهو الموت أي: هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك فقيل: قاله قوم من المنافقين؛ لأن قوله: {لم كتبت علينا القتال} لا يليق بالمؤمنين؟ وقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفاً وجبناً لا اعتقاداً، ثم تابوا، وأهل الإيمان يتفاضلون فيه، وقيل: هم قوم كانوا مؤمنين فلما كتب عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد، وقرأ البزي في الوقف (لمه) بهاء بعد الميم بخلف عنه، والباقون بالميم بغير هاء والهاء ساقطة في الوصل للجميع {قل} لهم يا محمد {متاع الدنيا} أي: ما يتمتع به فيها والاستمتاع بها {قليل} أي: آيل إلى الزوال {والآخرة} أي: ثوابها وهو الجنة والنظر إلى الله تعالى {خير لمن اتقى} عقاب الله بترك معاصيه. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» {ولا تظلمون} أي: تنقصون من أعمالكم {فتيلاً} أي: قدر ما يكون في شق النواة كما مرّ عن عكرمة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب، ونزل في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} (آل عمران، 156) . {أينما تكونوا} أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم {يدرككم الموت} أي: فإنه طالب لا يفوته هارب. واختلف كتاب المصاحف في رسم أينما هنا فمنهم من كتب ما مقطوعة من أين ومنهم من وصلها {ولو كنتم في بروج} أي: حصون برج داخل برج أو كل واحد منكم داخل برج {مشيدة} أي: مرتفعة كل واحد منها شاهق في الهواء منيع فلا تخشوا القتال خوف الموت. ونزل في اليهود لما قالوا حين قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه {وإن تصبهم} أي: اليهود {حسنة} أي: خصب ورخص في السعر {يقولون هذه من عند الله} لنا لا مدخل لك فيها {وإن تصبهم سيئة} أي: جدب وغلاء في الأسعار {يقولون هذه من عندك} أي: من شؤم محمد وأصحابه وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، يقولون: هذه من عندك أي: أنت الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا يكون هذا قول المنافقين {قل} لهم يا محمد {كل} أي: الحسنة والسيئة {من عند الله} ثم عيرهم بالجهل فقال: {فما لهؤلاء القوم} أي: اليهود أو المنافقين {لا يكادون
يفقهون} أي: لا يقاربون أن يفهموا {حديثاً} يوعظون به وهو القرآن؛ لأنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أنّ الكل من عند الله، أو حديثاً ما يلقى إليهم كبهائم لا أفهام لهم، وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه. {ما أصابك} أي: أيها الإنسان {من حسنة} أي: نعمة دنيوية أو أخروية {فمن الله} أتتك تفضلاً منه والإيمان أحسن المحسنات، قال الإمام: إنهم اتفقوا على أنّ قوله: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله} (فصلت، 33) المراد به كلمة الشهادة {وما أصابك من سيئة} أي: بلية وأمر تكرهه {فمن نفسك} أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: {قل كل من عند الله} وبين قوله {فمن نفسك} ؟ أجيب: بأنّ قوله: {قل كل من عند الله} أي: الخصب والجذب والنصر والهزيمة كلها من عند الله وقوله: {فمن نفسك} أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (الشورى، 30) ، وقيل: إنّ هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً يقولون: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله} {وأرسلناك} يا محمد {للناس} أي: كافة وقوله تعالى: {رسولاً} حال قصد بها التأكيد {وكفى با شهيداً} على إرسالك بنصب المعجزات، ولما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله» فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن تتخذوه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم» نزل. {من يطع الرسول فقد أطاع الله} لأنه في الحقيقة مبلغ والآمر هو الله تعالى {ومن تولى} أي: أعرض عن طاعتك فلا يهمنك {فما أرسلناك} يا محمد {عليهم حفيظاً} أي: حافظاً لأعمالهم وتحاسبهم عليها إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. {ويقولون} أي: المنافقون إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك {طاعة} أي: أمرنا وشأننا طاعة أي: نطيعك فيما تأمرنا به {فإذا برزوا} أي: خرجوا {من عندك بيت طائفة منهم} أي: أضمرت {غير الذي تقول} لك في حضورك من الطاعة أي: عصتك، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الطاء فإنها عندهما ساكنة أي: التاء فإذا سكنت التاء قبل الطاء وجب إدغامها فيها، والباقون بالإظهار فإن التاء عندهم مفتوحة {وا يكتب} أي: يأمر بكتب {ما يبيتون} أي: ما يسرون من النفاق في صحائفهم ليجازوا عليها {فأعرض عنهم} أي: قلل المبالاة بهم {وتوكل على الله} أي: ثق به فإنه كافيك معرتهم وينتقم لك منهم {وكفى با وكيلاً} أي: مفوّضاً إليه. {أفلا يتدبرون} أي: يتأمّلون {القرآن} وما فيه من المعاني البديعة {ولو كان من عند غير الله} أي: ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار {لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} أي: تناقضاً في معانيه وتبايناً في نظمه، فكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل وتخلفاً عن الصدق في الإخبار عن الغيب بما كان وما يكون، أفلا يتفكرون فيه؟ فيعرفون عدم التناقض فيه وصدق ما يخبرهم به إنه كلام الله ولأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف، والمراد من التقييد بالكثير المبالغة في إثبات الملازمة أي: لو كان من عند غير الله للزم أن يكون فيه اختلاف كثير فضلاً عن
القليل لكنه من عند الله فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل. {وإذا جاءهم} أي: المنافقين {أمر} أي: خبر عن سرايا النبيّ صلى الله عليه وسلم {من الأمن} أي: الغنيمة {أو الخوف} أي: القتل والهزيمة {أذاعوا به} أي: أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة، والباء مزيدة أو لتضمن الإذاعة معنى التحدّث، وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشونه ويتحدّثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين ويتأذى النبيّ صلى الله عليه وسلم {ولو ردّوه} أي: ذلك الخبر {إلى الرسول} أي: لم يحدثوا به حتى يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به {وإلى أولي الأمر منهم} أي: ذوي الرأي من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم {لعلمه} على أي: وجه يذكر أي: {الذين يستنبطونه منهم} أي: يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم هل ينبغي أن يكتم أو يفشى {ولولا فضل الله عليكم} بالإسلام {ورحمته} لكم بإرسال الرسل وإنزال القرآن {لاتبعتم الشيطان} فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي {إلا قليلاً} أي: منكم فإنهم لا يتبعونه حفظاً من الله بما وهبهم الله من صحيح العقل، والعصمة تقال في حق غير الأنبياء أيضاً؛ لأنها المنع من المعصية ولكن الشائع أن يقال في حق النبيّ معصوم، وفي حق غيره محفوظ. {فقاتل} يا محمد {في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} فلا تهتم بتخلفهم عنك أي: قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر من الله وليس النصر إلا بيده وما كان ليأمرك بشيء إلا وأنت كفؤ، فأنت كفؤ لمقاتلة الكفار وإن كانوا أهل الأرض كلهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد ودعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية. تنبيه: الفاء في قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله} قال البغوي: جواب عن قوله تعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} فتأمّل انتهى.. {وحرّض المؤمنين} أي: حثهم على القتال ورغبهم فيه إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض {عسى الله أن يكف بأس} أي: حرب {الذين كفروا} وعسى في كلام الله وعد واجب الوقوع بخلافها في كلام المخلوق {وا أشدّ بأساً} أي: صولة منهم {وأشدّ تنكيلاً} أي: عقوبة منهم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي» فخرج بسبعين راكباً إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الذين كفروا بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبا سفيان من الخروج كما تقدّم في ورة آل عمران. {من يشفع شفاعة حسنة} راعى بها حق مسلم بأن دفع عنه بها ضرراً أو جلب إليه نفعاً ابتغاء وجه الله، ومنها الدعاء للمسلم قال صلى الله عليه وسلم «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك: ولك مثله» أي: مثل ذلك أي: ودعاء الملك لا يردّ {يكن له نصيب} أي: أجر {منها} أي: بسببها قال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ جاءه رجل يسأل أو يطلب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء» {ومن يشفع شفاعة سيئة} مخالفة للشرع {يكن له كفل} أي: نصيب من الوزر {منها} أي: بسببها {وكان الله على كل شيء مقيتاً} قال ابن
عباس مقتدراً مجازياً قال الشاعر: وذي ضغن (أي: رب صاحب حقد) كففت الضغن عنه وكنت على إساءته (أي: إساءتي لذي الضغن) مقيتاً أي: مقتدراً وقال مجاهد: شاهداً وقال قتادة: حفيظاً، وقيل: معناه على كل حيوان مقيتاً أي: يوصل القوت إليه، وجاء في الحديث: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» . {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} التحية هي دعاء الحياة، ولكن جمهور المفسرين على أن ذلك في السلام أي: إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم فإذا قال: السلام عليكم، فيزيد الرادّ: ورحمة الله، فإذا قال: ورحمة الله، فيزيد الرادّ: وبركاته {أو ردّوها} أي: بأن تردّ عليه بمثل ما سلم. روي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك فقال: «وعليك السلام ورحمة الله» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته» وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: «وعليك أي: السلام ورحمة الله وبركاته فقال الرجل: نقصتني أي: الفضل على سلامي، فأين ما قال الله أي: من الفضل؟ وتلا الآية فقال: «لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله» لأنّ ذلك هو النهاية لاستجماعه أقسام المطالب وهي السلامة من المضار وحصول المنافع وثبوتها، وظاهر الآية إنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به إنه لا يكفي، وظاهر كلام الفقهاء إنه يكفي، وتحمل الآية على أنه الأكمل وابتداء السلام على المسلم سنة عين من المنفرد وكفاية من الجماعة، وردّه فرض عين إذا كان المسلم عليه واحداً، وكفاية من الجماعة، ويشترط في الردّ الفور، والجوب مستفاد من الأمر، والفور من الفاء، وأمّا كونه كفاية فلخبر أبي داود «يجزىء عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم» والراد منهم هو المختص بالثواب ويسقط الحرج عن الباقين، وإن أجابوا كلهم كانوا مؤدّين للفرض سواء أكانوا مجتمعين أم متفرّقين كصلاة الجنازة، ولا يسقط الفرض بردّ الصبيّ المميز. فإن قيل: قد سقط به فرض الصلاة عن الجنازة، أجيب: بأن المقصود من الصلاة الدعاء والصبيّ أقرب إلى الإجابة والمقصود من السلام الأمان والصبيّ ليس من أهله، ولا يسقط أيضاً بردّ من لم يسمع، ولو سلم على امرأة إن كان يباح له النظر إليها كمحرمة وزوجته يسنّ له السلام عليها، ووجب عليها الردّ وإلا كره له ابتداء وردّاً وحرم عليها ابتداء وردّ هذا إذا كانت مشتهاة، فإن كانت عجوزاً أو جماعة نسوة لم يكره، ويجب الردّ لانتفاء خوف الفتنة، ولا يسنّ ابتداؤه على قاضي حاجة ولا على آكل ولا على من في حمام ولا على مصلّ ومؤذن وخطيب وملب ومستغرق القلب بالدعاء، ولا يجب الجواب عليهم، ويحرم ابتداؤه على الكافر، ويرد عليه إذا سلم بعليك فقط، وهذا باب طويل قد بينته السنة وقد أكثرت منه في شرح المنهاج {إنّ الله كان} أي: أزلاً وأبداً {على كل شيء حسيباً} أي: محاسباً فيجازي عليه، وقال مجاهد: حفيظاً، وقال أبو عبيدة: كافياً، يقال: حسبي هذا أي: كفاني وقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو} مبتدأ وخبر وقوله تعالى: {ليجمعنكم} اللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم الله من قبوركم {إلى} في {يوم القيامة} وسميت بذلك؛ لأنّ الناس يقومون من قبورهم قال تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث
سراعاً} (المعارج، 43) وقيل: لقيامهم إلى الحساب قال تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} (المطففين، 6) {لا ريب} أي: لا شك {فيه} أي: في ذلك اليوم أو في الجمع {ومن أصدق من الله حديثاً} أي: قولاً. فإن قيل: الصدق لا يتفاوت كالعلم إذ لا يقال: هذا الصدق أصدق من هذا الصدق كما لا يقال: هذا العلم أعلم من هذا المعلم، أجيب: بأنّ الصدق صفة للقائل لا صفة للحديث أي: لا أحد غير الله أصدق منه؛ لأنّ غيره يتطرّق إلى خبره الكذب، وذلك مستحيل في حقه تعالى، والأنبياء مخبرون عن الله تعالى، وقرأ حمزة والكسائيّ بإشمام الصاد أي: بحرف متولد بين الصاد والزاي {فما لكم} أي: فما شأنكم صرتم {في المنافقين} أي: في أمرهم {فئتين} أي: فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم وذلك أن ناساً منهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا المشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم، وقال مجاهد: هم قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة، واختلف المسلمون فيهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، وقال قوم: في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلهم فإنهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام. {وا أركسهم} أي: نكسهم بأن صيرهم إلى النار أو ردّهم إلى حكم الكفرة {بما كسبوا} من الكفر والمعاصي {أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله} أي: أتعدّونهم من جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار {ومن يضلل الله} أي: ومن يضله الله {فلن تجد له سبيلاً} أي: طريقاً إلى الهدى. {ودّوا} أي: تمنوا {لو تكفرون كما كفروا فتكونون} أنتم وهم {سواء} في الكفر. تنبيه: قوله تعالى: {فتكونون} لم يرد به جواب التمني؛ لأنّ جوابه بالفاء منصوب وإنما أراد النسق أي: ودّوا لو تكفرون وودّوا لو تكونون سواء مثل قوله: {ودّوا لو تدهن فيدهنون} (القلم، 9) أي: ودّوا لو تدهن وودّوا لو يدهنون {فلا تتخذوا منهم أولياء} أي: فلا توالوهم وإن أظهروا الإيمان {حتى يهاجروا في سبيل الله} معكم هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، قال عكرمة: هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أوّل الإسلام وهي قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} وقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} (النساء، 100) ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً لا لأغراض الدنيا وهي المرادة ههنا، وهجرة عن جميع المعاصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن التوحيد والهجرة وأقاموا على ما هم عليه {فخذوهم} أي: بالأسر {واقتلوهم حيث وجدتموهم} أي: في حلّ أو في حرم كسائر الكفرة {ولا تتخذوا منهم ولياً} توالونه {ولا نصيراً} تنتصرون به على عدوّكم أي: بل جانبوهم مجانبة كلية، وقوله تعالى: {إلا الذين يصلون} استثناء من قوله: {فخذوهم واقتلوهم} أي: إلا الذين يصلون أي: ينتهون {إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي: عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم وقت خروجه إلى مكة هلال بن عمير الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له، وقوله تعالى:
{أو جاؤكم} عطف على الصلة أي: أو الذين جاؤوكم، وقوله تعالى: {حصرت} أي: ضاقت حال بإضمار قد أي: وقد ضاقت {صدورهم أن يقاتلوكم} أي: عن قتالكم مع قومهم {أو يقاتلوا قومهم} معكم أي: ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرّضوا لهم بأخذ ولا قتل، وهذا وما بعده منسوخ بآية القتال. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار تاء تأنيث حصرت عند الصاد وأدغمها الباقون {ولو شاء الله} تسليطهم عليكم {لسلطهم عليكم} بأن يقوّي قلوبهم ويبسط صدورهم ويزيل الرعب {فلقاتلوكم} ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم} أي: بأن لم يتعرّضوا لكم {وألقوا إليكم السلم} أي: الاستسلام والانقياد {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} أي: طريقاً بالأخذ أو القتل. {ستجدون} أي: عن قريب بوعد لا شك فيه {آخرين} أي: من المنافقين. روي عن ابن عباس أنه قال: هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين كما قال تعالى: {يريدون أن يأمنوكم} بإظهار الإيمان عندكم {ويأمنوا قومهم} بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم {كلما ردّوا} أي: دعوا {إلى الفتنة} أي: الكفر {اركسوا} أي: انقلبوا منكوسين {فيها} أي: الفتنة أقبح قلب {فإن لم يعزلوكم} أي: بترك قتالكم {ويلقوا} أي: ولم يلقوا {إليكم السلم ويكفوا} أي: ولم يكفوا {أيديهم} عن قتالكم {فخذوهم} أي: بالأسر {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: وجدتموهم {وأولئكم} أي: أهل هذه الصفة {جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً} أي: حجة واضحة في التعرّض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم. {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً} أي: ما ينبغي أن يصدر منه قتل له بغير حق {إلا خطأ} أي: مخطئاً في قتله من غير قصد، نزلت في عياش بن ربيعة، وذلك إنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وأسلم ثم خاف أن يظهر الإسلام لأهله فخرج هارباً إلى المدينة وتحصن في أطم من آطامها فجزعت أمّه لذلك جزعاً شديداً وقالت لإبنيها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخواه لأمّه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتيا به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد حتى أتوا المدينة فأتوا عياشاً وهو في الأطم وقالوا له: انزل فإنّ أمّك لم يأوها سقف بيت بعدك وقد حلفت أن لا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك والله علينا عهد أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له ذلك أي: جزع أمّه وأوثقوا بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه وجلده كل واحد منهم مئة جلدة ثم قدموا به إلى أمّه فلما أتاها قالت له: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثوقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي أنت عليه؟ فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إنّ عياشاً بعد ذلك أسلم وهاجر، ثم أسلم الحارث بن زيد بعده، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضراً يومئذٍ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش بظهر قباء إذ لقي الحارث، فقتله، فقال
الناس: ويحك أي شيء صنعت إنه قد أسلم فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلنه فنزلت الآية. تنبيه: قوله تعالى: {إلا خطأ} إمّا منصوب على الحال أي: وليس من شأن المؤمن أن يقتل مؤمناً في حالة من الأحوال إلا حال الخطأ، وإما مفعول لأجله أي: لا يقتله لعلة إلا للخطأ، وقيل: إلا بمعنى ولا، أي: ليس له قتله في حال من الأحوال ولا خطأ نظير قوله تعالى: {إني لا يخاف لديّ المرسلون إلا من ظلم} (النمل، 10 ـ 11) وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة إلا الذين ظلموا منهم} (النساء، 165) {ومن قتل مؤمناً خطأً} كأن قصد رمي غيره كصيد أو شجر فأصابه {فتحرير رقبة} أي: فعليه أي: فواجبه تحرير رقبة كاملة الرق فلا يجزىء مكاتب كتابة صحيحة ولا أم ولد والتحرير الإعتاق ويعبر عن النسمة بالرقبة كما يعبر عنها بالرأس {مؤمنة} أي: محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ولو كان إسلامها بتبعية الدار أو السابي سليمة عما يخلّ بالعمل {ودية مسلمة} أي: مؤدّاة {إلى أهله} أي: ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث {إلا أن يصدّقوا} أي: يتصدّقوا بها عليه بأن يعفوا عنها، وسمي العفو عنها صدقة حثاً عليه وتنبيهاً على فضله، قال صلى الله عليه وسلم «كل معروف صدقة» . وبينت السنة أنّ ديّة الخطأ مئة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة، وإن عاقلة القاتل تتحملها عنه وهم عصبيته لا أصله وفرعه موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع دينار كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال، فإن تعذر فعلى الجاني {فإن كان} أي: المقتول: {من قوم عدوّ لكم} أي: محاربين {وهو} أي: والحال أنه {مؤمن} أي: ولم يعلم القاتل إيمانه {فتحرير} أي: فالواجب على القاتل تحرير {رقبة مؤمنة} ولا دية تسلم إلى أهله إذ لا وراثة بينه وبينهم؛ لأنهم محاربون {وإن كان} أي: المقتول {من قوم} أي: كفرة أيضاً عدوّ لكم {بينكم وبينهم ميثاق} أي: عهد كأهل الذمّة وهو كافر مثلهم {فدية} أي: فالواجب فيه دية {مسلمة} أي: مؤدّاة {إلى أهله} وهي ثلث دية المؤمن إن كان نصرانياً أو يهودياً تحل مناكحته، وثلثا عشرها إن كان مجوسياً أو كتابياً لا تحلّ مناكحته {وتحرير رقبة مؤمنة} على قاتله {فمن لم يجد} أي: الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به {فصيام} أى: فالواجب عليه صيام {شهرين متتابعين} حتى لو أفطر يوماً واحداً لغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، ولم يذكر تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه في أصح قوليه وقوله تعالى: {توبة من الله} نصب على المصدر أي: وتاب عليكم توبة، أو على المفعول له أي: وشرع لكم ذلك توبة مأخوذة من تاب الله عليه إذا قبل توبته {وكان الله} أي: ولم يزل {عليماً} أي: بأحوالكم وبما يصلحكم في الدنيا والآخرة {حكيماً} فيما دبره لكم من نصب الزواجر بالكفارات أو غيرها فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة. {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} بأن يقصد قتله بما يقتل غالباً عالماً بإيمانه {فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه} أي: أبعده من رحمته {وأعدّ له عذاباً عظيماً} في النار وهذا مخصوص بالمستحلّ له كما قاله عكرمة وغيره، ويؤيده أنّ الآية نزلت في نفيس بن ضبابة وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني
النجار ولم يظهر قاتله فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا إليه ديته فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدّاً والمراد من الآية التغليظ كقوله تعالى: {وعلى الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين} (آل عمران، 97) تفسير من كفر بمن لم يحج، وكقوله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن تقول الكلمة التي قال» أو إنّ هذا جزاؤه إن جوزي ولا بدع في خلف الوعيد لقوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء، 48) أو المراد بالخلود المكث الطويل فإنّ الدلائل متظاهرة على أنّ عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم ولهذا لم يذكر في الآية أبداً، وما روي عن ابن عباس أنه قال: «لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداً» كما رواه الشيخان أراد به التشديد كما قاله البيضاويّ إذ روي عنه خلافه رواه البيهقي في سننه، وبينت آية البقرة إن قاتل العمد يقتل به وإنّ عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها وبينت السنة أنّ بين العمد والخطأ قتلاً يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالباً، فلا قصاص فيه بل فيه دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو أي: العمد أولى بالكفارة من الخطأ. {يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم} أي: سافرتم للجهاد {في سبيل الله فتبينوا} . روي أنّ سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا وبقي رجل يقال له: مرداس، لأنه كان على دين المسلمين فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير علم إنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر ونزل وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه فنزلت، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على أسامة بن زيد فقال: يا رسول الله استغفر لي فقال: «وكيف بلا إله إلا الله؟» قال أسامة: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرّرها عليّ حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ، ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي ثلاث مرّات وقال: أعتق رقبة» ، وقال عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم قالوا: ما سلم عليكم إلا ليعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه وأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة مكان الباء الموحدة وبالباء الموحدة مكان الياء المثناة تحت وبالتاء المثناة فوق مكان النون فهو من التثبت والباقون من البيان {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} أي: لمن حياكم بتحية الإسلام، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة بغير ألف بعد اللام من السلام أي: الاستسلام والانقياد والباقون بالألف {لست مؤمناً} وإنما فعلت ذلك متعوّذاً {تبتغون عرض الحياة الدنيا} أي: تطلبون ماله الذي هو حطام سريع النفاد {فعند الله مغانم كثيرة} تغنيكم عن قتل مثله لماله {كذلك كنتم من قبل} أي: أوّل ما دخلتم في الإسلام تفوّهتم بكلمة الشهادة فحصنتم بها أموالكم ودماءكم من غير أن تعلم
مواطأة قلوبكم ألسنتكم {فمنّ الله عليكم} أي: بالاشتهار بالإيمان والاستقامة في الدين {فتبينوا} أي: وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم ولا تبادروا إلى قتلهم ظناً إنهم دخلوا اتقاءً وخوفاً، فإن بقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرىء مسلم، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر بالتبيين وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم {إنّ الله كان} ولم يزل {بما تعملون خبيراً} أي: عالماً به وبالغرض منه فيجازيكم به فلا تتساهلوا في القتل واحتاطوا فيه. {لا يستوي القاعدون} أي: عن الجهاد حال كونهم {من المؤمنين} روي أن زيد بن ثابت أخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يمليها عليّ فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي أي: تكسر ثم سرّي عنه أي: أزيل وكشف ما به من برحاء الوحي {غير أولى الضرر} أي: من زمانة أو عمى أو نحوه فقال: اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) ، وقرأ نافع وابن عامر والكسائيّ بنصب الراء على الحال من القاعدين أو الاستثناء، والباقون بالرفع صفة للقاعدين؛ لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم بل أراد به الجنس كما في قوله: *ولقد أمر على اللئيم يسبني* فصح جعل غير صفة للقاعدين {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. تنبيه: فائدة ذكر قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون} إلخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال: «إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة قال: «نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر» {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} لضرر {درجة} أي: فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة {وكلاً} من القاعدين لضرر والمجاهدين {وعد الله الحسنى} أي: الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} لغير ضرر {أجراً عظيماً} ويبدل منه. {درجات منه} أي: منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، وقوله تعالى: {ومغفرة ورحمة} منصوبان بفعلهما المقدر {وكان الله} أي: ولم يزل {غفوراً} لأوليائه {رحيماً} بأهل طاعته. وروى أبو سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيد من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة» قال: فعجب بها أبو سعيد فقال: أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» فقال: وما هي يا رسول الله قال: «الجهاد في سبيل الله» وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا ننذر الناس بذلك؟ فقال: «إنّ في الجنة مئة درجة
أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتموه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» وإنما يجب الجهاد على كل مسلم مكلف حرّ ذكر مستطيع له وهو فرض كفاية للآية المتقدّمة إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على الإمام أن يغزوهم في كل عام مرّة بنفسه أو بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم العدوّ، وأمّا إذا دخلوا بلادنا والعياذ بالله تعالى تعين على أهل البلدة وعلى من دون مسافة القصر حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن، ويجب على من هو في مسافة القصر بقدر الكفاية وإن أسروا مسلماً لزمنا النهوض لخلاصه إن رجى وإن لم يدخلوا بلادنا. *ولقد أمر على اللئيم يسبني* فصح جعل غير صفة للقاعدين {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. تنبيه: فائدة ذكر قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون} إلخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال: «إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة قال: «نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر» {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} لضرر {درجة} أي: فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة {وكلاً} من القاعدين لضرر والمجاهدين {وعد الله الحسنى} أي: الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} لغير ضرر {أجراً عظيماً} ويبدل منه. {درجات منه} أي: منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، وقوله تعالى: {ومغفرة ورحمة} منصوبان بفعلهما المقدر {وكان الله} أي: ولم يزل {غفوراً} لأوليائه {رحيماً} بأهل طاعته. وروى أبو سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيد من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة» قال: فعجب بها أبو سعيد فقال: أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» فقال: وما هي يا رسول الله قال: «الجهاد في سبيل الله» وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا ننذر الناس بذلك؟ فقال: «إنّ في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتموه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» وإنما يجب الجهاد على كل مسلم مكلف حرّ ذكر مستطيع له وهو فرض كفاية للآية المتقدّمة إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على الإمام أن يغزوهم في كل عام مرّة بنفسه أو بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم العدوّ، وأمّا إذا دخلوا بلادنا والعياذ بالله تعالى تعين على أهل البلدة وعلى من دون مسافة القصر حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن، ويجب على من هو في مسافة القصر بقدر الكفاية وإن أسروا مسلماً لزمنا النهوض لخلاصه إن رجى وإن لم يدخلوا بلادنا. ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فلما خرجوا إلى بدر رجعوا معهم فقتلوا مع الكفار. {إنّ الذين توفّاهم الملائكة} أي: ملك الموت وأعوانه أو ملك الموت وحده كما قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة، 11) والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع {ظالمي أنفسهم} أي: في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة بالمقام في دار الشرك فإنّ الهجرة كانت واجبة قبل فتح مكة ثم نسخ الوجوب بعد فتحها فقال صلى الله عليه وسلم «لا هجرة بعد الفتح» وقرأ البزيّ بتشديد التاء المثناة فوق من توفاهم في الوصل، والباقون بالتخفيف، وأدغم أبو عمرو التاء في الظاء بخلاف عنه، والباقون بغير إدغام {قالوا} أي: الملائكة لهم {فيم كنتم} أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم، وقرأ البزيّ (فيمه) بالهاء بعد الميم في الوقف بخلاف عنه {قالوا} معتذرين مما وبخوا به {كنا مستضعفين} أي: عاجزين عن إظهار الدين وإعلاء كلمته {في الأرض} أي: في أرض مكة {قالوا} أي: الملائكة تكذيباً لهم وتوبيخاً {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} من أرض الكفر إلى بلد أخرى كما فعل غيركم من المهاجرين إلى المدينة والحبشة، قال تعالى: {فأولئك مأواهم جهنم} أي: لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار {وساءت مصيراً} أي: جهنم، وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان ما بينهما شبراً استوجبت أي: وجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ثم استثنى أهل العذر منهم فقال: {إلا المستضعفين} أي: الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعدّوا ضعفاء وتقوّى عليهم غيرهم {من الرجال والنساء والولدان} ثم بين ضعفهم بقوله: {لا يستطيعون حيلة} أي: لا قوّة لهم على الهجرة ولا نفقة لهم {ولا يهتدون سبيلاً} أي: طريقاً إلى أرض الهجرة. {فأولئك عسى الله أن يعفو} أي: يتجاوز {عنهم} وعسى من الله واجب للإطماع والله تعالى إذا أطمع عبده بشيء أوصله إليه ولكن في ذكر الإطماع والعفو إيذان بأن أمر الهجرة مضيق لا توسعة فيه حتى أنّ المضطرّ البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني فكيف بغيره {وكان الله عفوّاً غفوراً} قال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله أي: من المستضعفين وكان صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في كل صلاة، قال أبو هريرة: كان إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء قنت يقول: «اللهمّ أنج عياش بن ربيعة اللهمّ أنج الوليد بن الوليد اللهمّ أنج سلمة بن هشام
اللهمّ أنج المستضعفين من المسلمين، اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» . {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً} أي: متحوّلاً يتحوّل إليه، وقيل: طريقاً يراغم بسلوكه قومه أي: يفارقهم على رغم أنوفهم مأخوذ من الرغام، والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك {و} يجد {سعة} في الرزق كما قال صلى الله عليه وسلم «صوموا تصحوا وسافروا تغنموا» أخرجه الطبرانيّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه «واغزوا تغنموا وهاجروا تفلحوا» ولما سمع هذه الآية رجل من بني قيس يقال له: جندب بن ضمرة قال: ما أنا ممن استثنى الله عز وجل وإني لأجد حيلة ولي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة اخرجوني فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال: اللهمّ هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما يبايعك عليه رسولك فمات، قال التفتازانيّ: الظاهر أنّ هذه إشارة إلى اليمين وهذه إلى الشمال لا قصد إسناد الجارحة إلى الله تعالى بل على سبيل التصوير وتمثيل مبايعة الله تعالى على الإيمان والطاعة بمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه، وقيل: إشارة إلى البيعة والصفقة، والمعنى: أن بيعته كبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بيعة كبيعة الناس فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو وافى المدينة كان أتمّ وأوفى أجراً وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك هذا ما طلب فنزل {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت} أي: في الطريق قبل مقصده {فقد وقع أجره على الله} أي: ثبت أجره عنده تعالى ثبوت الأجر الواجب تفضلاً منه ورحمة {وكان الله غفوراً} لتقصيره إن كان {رحيماً} يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات. ولما أوجب الله السفر للجهاد والهجرة وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله تعالى: {وإذا ضربتم} أي: سافرتم {في الأرض} سفراً طويلاً لغير معصية، والطويل عند الشافعيّ رحمه الله تعالى أربعة برد وهي مرحلتان كما ثبت ذلك بالنسبة، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثلاثة أيام ولياليهنّ بسير الإبل ومشي الأقدام على القصد، وقوله تعالى: {فليس عليكم جناح} أي: إثم وميل في {أن تقصروا من الصلاة} أي: من أربع إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء يدل على جواز القصر دون وجوبه، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام أتم في السفر كما رواه الشافعيّ وغيره. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت فقال: «أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ» رواه الدارقطني وحسنه البيهقيّ وصححه، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه: يتم ويقصر، وأوجب القصر أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، رواه النسائيّ وابن ماجة، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «أوّل ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر» رواه الشيخان. فإن قيل: ظاهرهما يخالف الآية؟ أجيب: بأنّ
الأوّل مؤوّل بأنّ القصر كالتمام في الصحة والإجزاء، ومعنى الثاني لمن أراد الاقتصار عليهما جمعاً بين الأدلة، وقوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} أي: ينالوكم بمكروه بيان باعتبار الغالب في ذلك الوقت فلا مفهوم له، قال يعلى بن أمية: قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: {إن خفتم} وقد أمن الناس قال: قد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم {إنّ الكافرين كانوا} أي: جبلة وطبعاً {لكم عدوّاً مبيناً} أي: بين العداوة وقوله تعالى: {وإذا كنت} أي: يا محمد حاضراً {فيهم} أي: وأنتم تخافون العدوّ {فأقمت لهم الصلاة} تمسك بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وعامّة الفقهاء على أنه تعالى علم نبيه صلى الله عليه وسلم كيفيتها ليقتدي به الأئمة بعده فإنهم نوّاب عنه فيكون حضورهم كحضوره. روي أنّ المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جميعاً ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي صلاة العصر فإذا قاموا فيها فشدّوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف وإنّ الله يقول: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فعلمه صلاة الخوف وهي أنواع: الأوّل: إذا كان العدو في جهة القبلة وسائر والمسلمون كثيرون فيصلي بهم الإمام ثم يسجد بصف أوّل ويحرس صف ثانٍ، فإذا قاموا سجد من حرس ولحقه وسجد معه بعد تقدّمه وتأخر الأوّل بلا كثرة أفعال في الركعة الثانية، وحرس الآخرون فإذا جلس للتشهد جلس الآخرون وتشهد وسلم بالجميع، روى هذا النوع مسلم، وقد صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، وهي قرية على مرحلتين من مكة بقرب خليص سميت بذلك لعسف السيول فيها وجاز عكس هذه الكيفية. والنوع الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر، فيصلي الإمام بهم ركعتين مرّتين كلّ مرة بفرقة كما قال تعالى: {فلتقم طائفة منهم معك} أي: وتتأخر طائفة {وليأخذوا} أي: الطائفة التي قامت معك {أسلحتهم} معهم {فإذا سجدوا} أي: صلوا {فليكونوا} أي: هذه الطائفة الأخرى {من ورائكم} يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة الأخرى تحرس {ولتأت طائفة أخرى} تحرس {لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} معهم إلى أن يقضوا الصلاة «وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك ببطن نخل» ، رواه الشيخان وهذه الصلاة وإن جازت في غير الخوف سنت فيه عند كثرة المسلمين، وقلة عدوّهم، وخوف هجومهم عليهم في الصلاة. فإن قيل: أخذ الحذر وهو الخوف مع التحفظ مجاز، وأخذ الأسلحة حقيقة، فلا يجمع بينهما أجيب: بأنّ أخذ الحذر حقيقة أيضاً تنزيلاً له منزلة الآلة على سبيل الاستعارة بالكناية، فالجمع إنما هو بين حقيقتين على أنّ الجمع بين الحقيقتين على أنّ الجمع بين الحقيقة، والمجاز جائز كما عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه. فإن قيل: لم ذكر أخذ الحذر في الثانية دون الأولى؟ أجيب: بأنّ الكفار يتنبهون للثانية ما لا يتنبهون للأولى. والنوع الثالث: صلاة ذات الرقاع رواها الشيخان أيضاً، وهي والعدوّ في غير جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر أن تقف فرقة في وجه العدوّ، ويصلي الإمام بفرقة ركعة، ثم عند قيامه للثانية تفارقه وتتم بقية صلاتها، وتقف في وجه العدوّ، وتجيء تلك والإمام
ينتظر لها فيصلي بها ثانية، فإذا جلس للتشهد قامت وأتت بركعة وتلحقه، ويسلم بها ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه ويصلي الرباعية بكل فرقة ركعتين. وبقي نوع رابع: تقدّم عند قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} (البقرة، 239) {ود} أي: تمنى {الذين كفروا لو تغفلون} إذا قمتم إلى الصلاة {عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذه علة الأمر بأخذ السلاح. ولما كان الله تعالى قد تفضل على هذه الأمة ورفع عنها الحرج وكان المطر والمرض يشقان قال: {ولا جناح} أي: حرج {عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} ؛ لأنّ حمل السلاح في المطر يكون سبباً لبله، وفي المرض يزيد حملها المريض وهناً، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: أنه سنة ورجح بشرط أن لا يؤذي ولا يحصل بترك حمله خطر ولا يمنع صحة الصلاة، فإن أذى كرمح وسط الصف كره حمله بل إن غلب على ظنه ذلك حرم، وإن حصل بتركه خطر وجب حمله ويمكن حمل الآية على هذه الحالة وكحمله وضعه بين يديه إن سهل مدّ يده إليه بل يتعين إن منع حمله الصحة من نجس أو غيره {وخذوا حذركم} من العدوّ أي: احترزوا منه ما استطعتم كيلا يهجم عليكم. فإن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر قوله تعالى: {إنّ الله أعدّ للكافرين عذاباً} أي: قتلاً وأسراً ونهباً في الدنيا {مهيناً} أي: ذا إهانة؟ أجيب: بأنّ الأمر بالحذر من العدوّ يوهم توقع غلبته واغتراره فنفى عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله تعالى يهين عدوّهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم ويعلموا أنّ الأمر بالحذر ليس لذلك وإنما هو تعبد من الله تعالى كما قال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة، 195) . ولما أعلمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف اتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرّد الذكر فقال مشيراً إلى تعقيبه. {فإذا قضيتم الصلاة} أي: فرغتم من فعلها وأدّيتموها على حالة الخوف أو غيرها {فاذكروا الله} أي: بالتهليل والتسبيح والتحميد والتمجيد {قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} أي: مضطجعين أي: اذكروه في كل حال، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه» وقيل: صلوا قياماً في حال الصحة وقعوداً في حال المرض وعلى جنوبكم عند الحرج والزمانة {فإذا اطمأننتم} أي: أمنتم بما كنتم فيه من الخوف {فأقيموا الصلاة} أي: أدّوها بحقوقها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف {إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً} أي: مكتوباً أي: مفروضاً {موقوتاً} أي: مقدّراً وقتها لا تؤخر عنه ولا تقدّم عليه، قال صلى الله عليه وسلم «أمني جبريل عند البيت مرّتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، والعصر حين كان ظله أي الشيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم أي: دخل وقت إفطاره، والعشاء حين غاب الشفق الأحمر، والفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله والعصر حين كان ظله مثليه والمغرب حين أفطر الصائم والعشاء إلى ثلث الليل، والفجر فأسفر وقال: هذا وقت الأنبياء من قبلك» ، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم وغيره، وقوله صلى الله عليه وسلم «فصلى الظهر حين صار ظله مثله» أي: فرغ منها حينئذٍ كما شرع في العصر في اليوم الأوّل حينئذٍ قاله
الشافعيّ رضي الله تعالى عنه نافياً به إشتراكهما في وقت ويدل له خبر مسلم وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر، ونزل لما بعث صلى الله عليه وسلم طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات: {ولا تهنوا} أي: تضعفوا {في ابتغاء القوم} أي: في طلب أبي سفيان وأصحابه {إن تكونوا تألمون} أي: تتوجعون من ألم الجراح {فإنهم يألمون} أي: يتوجعون من الجراح {كما تألمون} ولم يجبنوا عن قتالكم فلا تجبنوا عن قتالهم {وترجون} أنتم {من الله} من النصر والثواب على جهادكم {ما لا يرجون} هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها {وكان الله عليماً} بأعمالكم وضمائركم {حكيماً} أي: فيما يأمر وينهى. {إنا أنزلنا إليك الكتاب} أي: القرآن وقوله تعالى: {بالحق} متعلق بأنزل {لتحكم بين الناس بما أراك} الله أي: عرفك وأوحى به إليك وليس أرى من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل، وعن عمر رضي الله تعالى عنه لا يقولنّ أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ولكن ليجتهد رأيه؛ لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيباً؛ لأن الله تعالى كان يريه إياه وهو منا الظن والتكليف. وروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بكسر الطاء وفتحها، والأوّل أفصح ابن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه حتى انتهى إلى الدار، ثم أخبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسألوه أن يجادل عن صاحبهم فقالوا: إن لم تفعل افتضح صاحبنا فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل؛ لأنه بريء بحلفه وأن يعاقب اليهودي لثبوت المال عنده، وقيل: همّ أن يقطع يده فقال تعالى: {ولا تكن للخائنين} كطعمة {خصيماً} أي: مخاصماً مدافعاً عنهم. {واستغفر الله} أي: مما هممت به أي: من الذب عنه وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك معصوم، ولكن عن مقام عال سام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم {إنّ الله كان غفوراً رحيماً} لمن يستغفره. {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} أي: يخونونها بالمعاصي؛ لأنّ وبال خيانتهم عليهم. فإن قيل: لم قال {للخائنين} و {يختانون} أنفسهم والخائن واحد فقط؟ أجيب: بأنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته أو ليتناوله وقومه فإنهم شاركوه في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه، وقيل: إنّ هذا خطاب مع صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كقوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} (يونس، 94) والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوّة على أحد وجوه ثلاثة: إمّا الذنب تقدّم على النبوّة، أو لذنوب أمّته، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه، فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه السمع والطاعة لحكم الشرع {إنّ الله لا يحب} أي: يعاقب {من كان خوّاناً} أي: كثير الخيانة {أثيماً} أي: منهمكاً فيه. روي أنّ طعمة هرب إلى مكة وارتدّ وثقب حائطاً ليسرق متاع أهله
فسقط الحائط عليه فقتله. فإن قيل: لم قال خوّاناً أثيماً على المبالغة؟ أجيب: بأنّ الله تعالى كان عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المأثم، ومن كانت تلك خلقة أمره لم يشك في حاله، وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أنّ لها أخوات، وعن عمر رضي الله تعالى عنه إنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمّه تبكي وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه فقال: كذبت إنّ الله لا يؤاخذ عبده في أوّل مرّة. {يستخفون} أي: طعمة وقومه يستترون ويستحيون ويخافون {من الناس ولا يستخفون} أي: ولا يستحيون ولا يخافون {من الله} وهو أحق أن يستحيا ويخاف منه {وهو معهم} بعلمه لا يخفى عليه سرهم {إذ يبيتون} أي: يدبرون ليلاً على طريق الإمعان في الكفر والإتقان للرأي {ما لا يرضى من القول} أي: من رمي اليهودي بالسرقة وشهادة الزور عليه والحلف الكاذب على نفيها. فإن قيل: لم سمى التدبير قولاً، وإنما هو معنى في النفس؟ أجيب: بأنه لما حدث بذلك نفسه سمي قولاً مجازاً. قال في الكشاف: ويجوز أن يراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيّنه {وكان الله بما يعملون محيطاً} أي: علماً وقدرة لا يفوت عنه شيء وقوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء} خطاب لقوم طعمة أي: يا هؤلاء {جادلتم} أي: خاصمتم {عنهم} أي: عن طعمة وذويه {في الحياة الدنيا} أي: بما جعل لكم من الأسباب {فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة} إذا عذبهم {أم من يكون عليهم وكيلاً} يتولى أمرهم ويذب عنهم أي: لا أحد يفعل ذلك. فائدة: اتفق كتاب المصاحف على قطع (أم) عن (من) {ومن يعمل سوءاً} أي: ذنباً يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي {أو يظلم نفسه} أي: يعمل ذنباً يختص به لا يتعدّاه، وقيل: المراد بالأوّل الصغيرة والثاني الكبيرة {ثم يستغفر الله} أي: يطلب من الله تعالى غفرانه بالتوبة بشروطها {يجد الله غفوراً} أي: محاء للزلات {رحيماً} أي: مبالغاً في إكرام من يقبل إليه كما في الحديث عن الله: «من تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ، وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه إنّ هذه الآية نسخت من {يعمل سوأً يجز به} (النساء، 123) . {ومن يكسب إثماً} أي: ذنباً {فإنما يكسبه على نفسه} أي: لأنّ وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد فهو مجازية عليه فلا يتعدّاه وباله قال تعالى: {وإن أسأتم فلها} (الإسراء، 7) {وكان الله عليماً} بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله فلا يترك شيئاً منه {حكيماً} في صنعه فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه. {ومن يكسب خطيئة} أي: ذنباً صغيراً أو ما لا عمد فيه {أو إثماً} أي: كبيرة أو ما كان عن عمد {ثم يرم به بريئاً} أي: ينسبه إلى من لم يعمله كما فعل طعمة باليهودي {فقد احتمل} أي: تحمل {بهتاناً} أي: خطر كذب ببهت المرمي به {وإثماً} أي: ذنباً كبيراً {مبيناً} أي: بيناً يكسبه بسبب رمي البريء. {ولولا فضل الله عليك} يا محمد {ورحمته} بالعصمة {لهمت طائفة منهم} أي: من قوم طعمة أي: هماً مؤثراً عندك {أن يضلوك} أي: عن القضاء بالحق مع علمهم بالحال بتلبيسهم عليك فلا ينافي ذلك أنهم قد هموا بذلك؛ لأنّ الهم المؤثر لم يوجد {وما يضلون إلا أنفسهم} إذ وبال ذلك عليهم {وما يضرونك من شيء} فإنّ الله عصمك وما خطر ببالك كان اعتماداً منك على ظاهر الأمر لا ميلاً في الحكم. تنبيه: (من شيء) في موضع نصب على المصدر أي: شيئاً من الضر فمن مزيدة {وأنزل الله عليك
الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: السنة فإنها ليست قرآناً يتلى وفسرت أيضاً بأنها علم الشرائع وكل كلام وافق الحق {وعلمك ما لم تكن تعلم} أي: من المشكلات وغيرها غيباً وشهادة من أحوال الدين والدنيا {وكان فضل الله عليك عظيماً} أي: بهذا وبغيره من أمور لا تدخل تحت الحصر، وفي هذا دليل على أن العلم من أشرف الفضائل. {لا خير في كثير من نجواهم} أي: الناس قوم طعمة فإنهم ناجوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في الدفع عنه وكذا غيرهم {إلا} نجوى {من أمر بصدقة} واجبة أو مندوبة {أو معروف} أي: عمل بر، وقيل: المراد بالصدقة الواجبة، وبالمعروف صدقة التطوّع {أو إصلاح بين الناس} وسواء إصلاح ذات البين وغيرهم قال صلى الله عليه وسلم «كلام ابن آدم كله عليه لا لهُ إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله» ، وسمع سفيان رجلاً يقول: ما أشدّ هذا الحديث فقال: ألم تسمع الله يقول: {لا خير في كثير من نجواهم} فهو هذا بعينه أو ما سمعته يقول: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} فهو هذا بعينه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟» قلنا: بلى يا رسول الله قال: «إصلاح ذات البين، وإفساد ذات البين هي الحالقة» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال «ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال: خيراً أو أثنى خيراً» {ومن يفعل ذلك} أي: هذا المذكور {ابتغاء} أي: طلب {مرضاة الله} أي: لا غيره من أمور الدنيا؛ لأنّ الأعمال بالنيات {فسوف يؤتيه} أي: الله في الآخرة بوعد لا خلف فيه {أجراً عظيماً} هو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، وفي هذه الآية دلالة على أنّ المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية وتصفية القلب من الالتفات إلى غرض دنيوي، وقرأ أبو عمرو وحمزة (يؤتيه) بالياء، والباقون بالنون. {ومن يشاقق الرسول} أي: يخالفه فيما جاء به مأخوذ من الشق، فإنّ كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر {من بعدما تبين} أي: ظهر {له الهدى} أي: الدليل الذي هو سببه {ويتبع} طريقاً {غير سبيل المؤمنين} أي: طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يتبع غير دين الإسلام {نوله ما تولى} أي: نجعله والياً لما تولاه بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا {ونصله} أي: ندخله في الآخرة {جهنم} يحترق فيها {وساءت مصيراً} أي: مرجعاً هي، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة (نوله) و (نصله) بسكون الهاء، واختلس كسرة الهاء قالون ولهشام وجهان: الإختلاس كقالون، وإشباع الحركة كباقي القرّاء. فإن قيل: ما الحكمة في فك الإدغام في قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} والإدغام في سورة الحشر في قوله: {ومن يشاق الله} (الحشر، 4) أجيب: بأن أل في لفظ الجلالة لازم بخلافه في الرسول واللزوم يقتضي الثقل، فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول. فإن قيل: يرد هذا قوله تعالى في سورة الأنفال: {ومن يشاقق الله ورسوله} (الأنفال، 13) أجيب: أنه لما انضم الرسول إلى الله صار المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد {إن الله لا يغفر أن يشرك به} أي: وقوع الشرك به من أيّ شخص كان وبأي شيء كان {ويغفر ما} أي: كل شيء هو {دون ذلك} أي: من سائر المعاصي لكن {لمن يشاء} لأنّ جميع الأمور بمشيئته. روي «أنّ شيخاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم
أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أوقع المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين إني أعجز الله هرباً وإني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله فنزلت {ومن يشرك با فقد ضل ضلالاً بعيداً} » عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى (فقد افترى) ؛ لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى التبني على الله. {إن} أي: ما {يدعون} أي: يعبد المشركون {من دونه} أي غير الله {إلا إناثاً} وهي اللات والعزى ومناة، وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله، وقيل: المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله {وإن} أي ما {يدعون} أي يعبدون بعبادتها {إلا شيطاناً مريداً} أي: خارجاً عن الطاعة وهو إبليس؛ لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكانت طاعته في ذلك عبادة له. {لعنه الله} أي أبعده عن رحمته {وقال} الشيطان المذكور {لأتخذنّ من عبادك نصيباً} أي: حظاً {مفروضاً} أي: مقطوعاً أدعوهم فيه إلى طاعتي قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار {ولأضلنهم} أي عن طريقك السوى بما سلطتني به من الوسواس وتزيين الأباطيل {ولأمنينهم} أي بكل ما أقدر عليه من الباطل من عدم البعث والحساب ولا جنة ولا نار وغيره، وألقي في قلوبهم طول الأعمار وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والحنو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة {ولآمرنهم فليبتكن} أي: يقطعن {آذان الأنعام} كما كانت العرب تفعله بالبحائر والسوائب التي حرّموها على أنفسهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكراً حرموا على أنفسهم الانتفاع بها {ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله} أي: فطرة الله التي هي دين الإسلام بالكفر وإحلال ما حرّم الله، وتحريم ما أحل الله، ويدخل في ذلك اللواط والسحر والوشم، وهو أن يغرز الجلد بإبرة ويحشى بنحو نيلة، والوشر وهو أن تحدّ المرأة أسنانها وترققها ونحو ذلك، وكالخصاء وهو حرام في بني آدم، قال الزمخشري: وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم؛ لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم، وأمّا في البهائم فيجوز في المأكول الصغير ويحرم في غيره. وقيل للحسن رحمه الله تعالى: إنّ عكرمة يقول: المراد هنا هو الخصاء فقال: كذب عكرمة هو دين الله وعن ابن مسعود هو الوشم {ومن يتخذ الشيطان ولياً} أي: يتولاه ويطيعه {من دون الله} أي: غيره {فقد خسر خسراناً مبيناً} بيناً لمصيره إلى النار المؤبدة عليه. {يعدهم} ما لا ينجزه بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل، إنه قريب الحصول فيسعون في تحصيله فيضيع عليهم في ذلك الزمان ويرتكبوا ما لا يحل من الأهوال والهوان {ويمنيهم} نيل الآمال في الدنيا ولا بعث ولا جزاء {وما} أي: والحال إنه ما {يعدهم الشيطان} بذلك {إلا غروراً} أي: باطلاً، وهو إظهار النفع فيما فيه الضر وهذا الوعد إمّا بالخواطر أو بلسان أوليائه. {أولئك} أي: الشيطان وأولياؤه {مأواهم} أي: مقرّهم {جهنّم} يحترقون فيها {ولا يجدون عنها محيصاً} أي: معدلاً ومهرباً. ولما ذكر ما للكافر
ترهيباً اتبعه ما لغيرهم ترغيباً فقال: {والذين آمنوا} أي: أقرّوا بالإيمان {وعملوا الصالحات} أي: الطاعات تصديقاً لإقرارهم {سندخلهم} بوعد لا خلف فيه {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: لريّ أرضها فحيثما أجرى منها نهر جرى {خالدين فيها} ولما كان الخلود يطلق على المكث الطويل دفع ذلك بقوله تعالى: {أبداً} أي: لا إلى آخر {وعد الله حقاً} أي: وعدهم الله ذلك وهو قوله تعالى: سندخلهم وحقه حقاً {ومن} أي: لا أحد {أصدق من الله قيلاً} أي: قولاً، وأكثر سبحانه وتعالى من التأكيد هنا؛ لأنه في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس، فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد. ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فقال أهل الكتاب: نبيِّنا قبل نبيِّكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نبيِّنا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى. {ليس} أي: الأمر منوطاً {بأمانيكم} أيها المسلمون {ولا أمانيّ أهل الكتاب} بل بالإيمان والعمل الصالح {من يعمل سوأً يجز به} قال ابن عباس لما نزلت هذه شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله أينا لم يعمل سوأً غيرك فكيف الجزاء؟ قال: منه ما يكون في الدنيا أي: بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث: «فمن يعمل حسنة فله عشر أمثالها ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقي له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره» وأمّا ما كان جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطي الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه {من يعمل سوأً يجز به} {ولا يجد له من دون الله} أي: غيره {ولياً} أي: يحفظه {ولا نصيراً} أي: يمنعه منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ؟» قلت: بلى يا رسول الله قال: فأقرأنيها قال: ولا أعلم أني قد وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك يا أبا بكر فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءاً وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا» أي: بالبلاء والمحن كما مرّ حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، «وأمّا الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة» . {ومن يعمل} شيئاً {من الصالحات} فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفاً بها وقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} في موضع الحال من المستكن في يعمل ومن للبيان أو من الصالحات أي: كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء وقوله تعالى: {وهو مؤمن} حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيهاً على أنه لا اعتداد بالعمل الصالح دون اقتران بها {فأولئك} أي: العالو الرتبة {يدخلون} أي: ندخلهم {الجنة} أي: الموصوفة {ولا يظلمون نقيراً} قدر نقرة النواة من ثواب أعمالهم وإن لم ينقص ثواب المطيع فبالحرى أن لا يزاد عقاب العاصي؛ لأنّ المجازي هو أرحم الراحمين، ولذلك اقتصر على ذكره عقب الثواب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء. {ومن} أي: لا أحد {أحسن ديناً ممن أسلم وجهه}
أي: انقاد وأخلص عمله {} فلا حركة ولا سكون إلا فيما يرضاه، وفي هذا الاستفهام تنبيه على أنّ ذلك منتهى ما تبلغه القوّة البشرية {وهو} أي: والحال أنه {محسن} أي: مؤمن مراقب آت بالحسنات تارك للسيآت، لأنه يعبد الله كأنه يراه، وقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلاً وفرعاً مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذمّ الكامل لغيره {واتبع ملة إبراهيم} أي: الموافقة لملة الإسلام وقوله تعالى: {حنيفاً} حال أي: مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيّم {واتخذ إبراهيم خليلاً} أي: صفياً خالص المحبة له، وإنما أعاد ذكره، ولم يضمره تفخيماً له، وتنصيصاً على أنه الممدوح، والخلة من الخلال فإنه ودّ تخلل النفس وخالطها، قال الزجاج: الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخلة الصداقة فسمي خليلاً؛ لأن الله تعالى أحبه واصطفاه. روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمى أبا الضيفان وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس سنة فحشروا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي بمصر فقال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم يريده لنفسه لفعلت ولكن يريده للأضياف وقد أصباننا ما أصاب الناس من الشدّة، فرجع غلمانه فمرّوا ببطحاء أي: بأرض ذات حصى فقالوا: لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحيي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة فملؤا تلك الغرائر ثم أتوا إبراهيم فلما أخبروه بذلك وسارة نائمة ساءه الخبر فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان قالوا: بلى فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود حوّاري أي: وهو بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، الدقيق الذي نخل مرّة بعد أخرى، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم فوجد رائحة الخبز فقال: من أين هذا لكم؟ فقالت: من خليلك المصري فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل، فسماه الله خليلاً. {وما في السموات وما في الأرض} خلقاً وملكاً يفعل فيهما ما يشاء {وكان الله بكل شيء محيطاً} علماً وقدرة أي: ولم يزل متصفاً بذلك فمهما أراد كان في وعد وعيد للمطيع والعاصي لا يخفى عليه أحد منهم ولا يعجزه شيء. {ويستفتونك} أي: يطلبون منك الفتوى {في} شأن {النساء} أي: في شأن اليتامى {قل الله يفتيكم} أي: يبين لكم حكمه {فيهن} والإفتاء تبيين المبهم {و} يفتيكم أيضاً في {ما يتلى عليكم في الكتاب} أي: القرآن من آية الميراث {في يتامى النساء} أي: في شأن اليتامى {اللاتي لاتؤتونهن ما كتب} أي: فرض {لهن} أي: من الميراث {وترغبون} أيها الأولياء {أن} أي: في أن أو عن أن {تنكحوهن} لجمالهن أو دمامتهن، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنة صداقها وإن كانت مرغوباً عنها في قلة المال والجمال تركها. وفي رواية: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوّجها لدمامتها، ويكره أن يزوّجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله تعالى عن ذلك {و} يفتيكم في {المستضعفين} أي: الصغار {من الولدان} أي: أن تعطوهم حقوقهم؛ لأن العرب كانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء
وقوله تعالى: {وأن تقوموا} في محل نصب بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا {لليتامى} بالقسط أي: العدل من الميراث وغيره، والخطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقهم أو للقوّام بالنصفة في شأنهم {وما تفعلوا من خير} أي: في ذلك أو غيره {فإن الله كان به عليماً} أي: فيجازيكم عليه فإنه أكرم الأكرمين فطيبوا نفساً وقرّوا عيناً، قال سعيد بن جبير: كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوّج غيرها فقالت له: لا تطلقني ودعني على ولدي واقسم لي من كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم لي فقال: إن كان يصلح ذلك فهو أحب إليّ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى. {وإن امرأة} مرفوع بفعل يفسره {خافت} أي: توقعت {من بعلها} أي: زوجها {نشوزاً} أي: تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها كراهة لها ومنعاً لحقوقها {أو إعراضاً} بأن يقل محادثتها ومجالستها {فلا جناح عليهما} أي: الزوج والزوجة {أن يصلحا بينهما صلحاً} أي: في القسم
والنفقة وهو أن يقول الزوج لها: إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوّج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسم ليلاً ونهاراً فإن رضيتي بهذا فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك، فإن رضيت كانت هي المحسنة، ولا تجبر على ذلك وإن لم ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة، أو يسرحها بإحسان، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهته فهو المحسن، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء وسكون الصاد ولا ألف من أصلح بين المتنازعين، والباقون بفتح الياء وفتح الصاد مع التشديد وألف بعدها وفتح اللام وفيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، وغلظ ورش اللام من يصالحا بخلاف عنه {والصلح} بأن يترك كل منهما حقه أو بعض حقه {خير} من الفرقة والنشوز والإعراض. كما «يروى أن سودة كانت امرأة كبيرة أراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفارقها فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» ثم بين سبحانه وتعالى ما جبل عليه الإنسان بقوله: {وأحضرت الأنفس الشح} أي: جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض عنها والتقصير في حقها ولا بنفسه بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما بنبغي إذ الزوج لا يكاد يسمح بنفسه إذا كرهها وخصوصاً إذا أحب غيرها، والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير {وإن تحسنوا} أي: في عشرة النساء وإن كنتم كارهين {وتتقوا} أي: النشوز والإعراض ونقص الحق {فإنّ الله كان} أزلاً وأبداً {بما تعملون} أي: من الإحسان والخصومة {خبيراً} أي: عليماً به وبالغرض منه فيجازيكم عليه. {ولن تستطيعوا} أي: توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة {إن تعدلوا} أي: تسووا بين {النساء} أي: في المحبة؛ لأنّ العدل أن لا يقع ميل البتة وهو متعذر، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم {ولو حرصتم} على تحرّي ذلك وبالغتم فيه {فلا تميلوا} أي: إلى التي تحبونها {كل الميل} في القسم والنفقة فإنّ ما لا يدرك كله لا يترك كله {فتذروها} أي: تتركوا المرأة الممال عنها {كالمعلقة} أي: التي لا هي أيم ولا ذات بعل. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «من كان له امرأتان يميل إلى إحداهما جاء يوم القيامة وإحدى شقيه مائل» رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم. وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم بمال فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إلى كل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عمر مثل هذا قالوا: لا بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره فقالت: ارفع رأسك فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه فرجع الرسول فأخبره فأتم لهنّ جميعاً، وكان لمعاذ رضي الله تعالى عنه امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد {وإن تصلحوا} أي: ما كنتم تفسدون من أمورهنّ {وتتقوا} فيما يستقبل {فإنّ الله كان غفوراً} أي: لما في قلوبكم من الميل {رحيماً} بكم في ذلك وغيره فإنه أرحم الراحمين. {وإن يتفرّقا} أي: يفترق كل من الزوجين من صاحبه بالطلاق {يغن الله كلاً} منهما عن الآخر ببدل بأن يرزقها زوجاً ويرزقه غيرها أو سلواً {من سعته} أي: من فضله وكرمه {وكان الله واسعاً} أي: واسع الفضل والرحمة بخلقه {حكيماً} أي: فيما دبره لهم، وفي قوله تعالى: {وما في السموات وما في الأرض} أي: ملكاً وعبيداً تنبيه على كمال سعته وقدرته {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} أي: جنس الكتب {من قبلكم} أي: اليهود والنصارى ومن قبلهم وقوله تعالى: {وإياكم} عطف على الذين وهو خطاب لأهل القرآن {أن اتقوا الله} أي: بأن اتقوا الله أي: خافوا عقابه بأن تطيعوه، وقوله تعالى: {وإن تكفروا} أي: بما وصيتم به {فإنّ ما في السموات وما في الأرض} على إرادة القول. قال التفتازاني: لأنّ الجملة الشرطية لا تصح أن تقع بعد أن المصدرية فلا يصح عطفها على الواقع بعدها أي: وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإنّ الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم وإنما يوصيكم لرحمته لا لحاجته. ثم قرّر ذلك بقوله تعالى: {وكان الله غنياً} عن الخلق وعبادتهم {حميداً} في ذاته حمد أو لم يحمد. {وما في السموات وما في الأرض وكفى با وكيلاً} أي: شهيداً بأنّ ما فيهما له. فإن قيل: ما فائدة تكرير لله ما في السموات وما في الأرض؟ أجيب: بأنّ لكل واحدة منها وجهاً أمّا الأوّل: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيته، وأمّا الثاني: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً أي: هو الغنيّ المطلق فاطلبوا منه ما تطلبون فإنه لا ينفد ما عنده، وأمّا الثالث: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ولا تتوكلوا على غيره فذكرت كل مرّة دليلاً على شيء غير الذي قبله، وكررت؛ لأنّ الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات يحسن أن يستدل به على كل واحد منها وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرّة واحدة؛ لأنّ إعادته تحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل، وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أنّ هذا الدليل محتوٍ على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر،
فيجتهد السامع في التفكّر لإظهار الأسرار والاستدلال على صفات الكمال؛ لأنّ الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفته سبحانه وتعالى، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده. {إن يشأ يذهبكم} أي: يفنكم {أيها الناس} كما أوجدكم {ويأت بآخرين} أي: ويوجد قوماً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين مكان الإنس {وكان الله على ذلك} أي: الإعدام والإيجاد {قديراً} أي: بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده. وقيل: هذا خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب إن يشأ يمتكم ويأت بناس آخرين يوالونه. وروي أنه لما نزلت {إن يشأ يذهبكم} الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» أي: سلمان وهم بنو فارس. {من كان يريد ثواب الدنيا} الخسيسة الفانية كالمجاهد يجاهد للغنيمة لقصور نظره على الخسيس الحاضر مع خسته كالبهائم {فعند الله ثواب الدنيا} الخسيسة الفانية {والآخرة} النفيسة الباقية لا عند غيره فما له يطلب الخسيس فليطلبهما منه كمن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو ليطلب الأشرف منهما فإنّ من غلب همته فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه جمع له سبحانه وتعالى بينهما كمن يجاهد لله خالصاً يجمع له بين الآخرة والمغنم {وكان الله سميعاً} أي: بالغ السمع لكل قول وإن خفي {بصيراً} أي: بالغ البصر لكل ما يبصر وإن خفي. أي: قائمين قياماً بليغاً مواظباً عليه مجتهداً فيه {بالقسط} أي: بالعدل {شهداء} بالحق أي: تقيمون شهادتكم لوجه الله {ولو} كانت الشهادة {على أنفسكم} فاشهدوا عليها بأن تقرّوا بالحق ولا تكتموه {أو الوالدين والأقربين} أي: ولو كانت الشهادة على والديكم وأقاربكم {إن يكن} أي: المشهود عليه {غنياً} فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه {أو فقيراً} فلا تمنع ترحماً عليه {فا أولى بهما} أي: الغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة لهما أو عليهما صلاحاً لما شرعها. تنبيه: الضمير في (بهما) راجع إلى ما دلّ عليه المذكور وهو جنس الغني والفقير لا إليهما وإلا لوحد الضمير لكون العطف بأو، فكأنه قال: فالله أولى بجنس الغني والفقير أي: بالأغنياء والفقراء {فلا تتبعوا الهوى} أي: في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له {أن تعدلوا} أي: إرادة أن تعدلوا فقد بان لكم أن لا عدل في ذلك، أو لئلا تعدلوا أي: تميلوا عن الحق {وإن تلووا} أي: ألسنتكم لتحرفوا الشهادة {أو تعرضوا} أي: عن أدائها {فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً} فيجازيكم به. وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام وحذف الواو الأولى، والباقون بسكون اللام وواوين الأولى مضمومة. {يأيها الذين آمنوا آمنوا} أي: داوموا على الإيمان {با ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله} محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن {والكتاب الذي أنزل من قبل} على الرسل بمعنى الكتب أي: آمنوا بجميع كتب الله المنزلة وقيل: إنّ الخطاب في ذلك لأهل الكتاب. روي أنّ ابن سلام وأصحابه قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم «بل آمنوا بالله ورسوله محمد والقرآن وبكل كتاب كان قبله» فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم النون من (نزل) ، وضم الهمزة من (أنزل) وكسر الزاي فيهما، والباقون بفتح النون والهمزة وفتح الزاي فيهما {ومن يكفر با وملائكته وكتبه} التي أنزل على أنبيائه {ورسله} أي: من الملائكة والبشر {واليوم الآخر} أي: الذي أخبرت به رسله وهو يوم القيامة أي: ومن يكفر بشيء من ذلك {فقد ضل ضلالاً بعيداً} عن الحق بحيث لا يكاد يعود إليه، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون بالإدغام. {إن الذين آمنوا} أي: بموسى وهم اليهود {ثم كفروا} حين عبدوا العجل {ثم آمنوا} بعد عود موسى إليهم {ثم كفروا} بعيسى {ثم ازدادوا كفراً} بمحمد صلى الله عليه وسلم {لم يكن الله ليغفر لهم} أي: ما داموا على هذه الحالة؛ لأنه لا يغفر أن يشرك به {ولا ليهديهم سبيلاً} أي: طريقاً إلى الحق {بشر المنافقين} يا محمد {بأنّ لهم عذاباً أليماً} أي: مؤلماً هو النار. تنبيه: وضع بشر مكان أنذر تهكماً بهم، وقوله تعالى: {الذين} بدل أو نعت للمنافقين {يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} لما يتوهمون فيهم من القوّة وقوله تعالى: {أيبتغون} أي: أيطلبون {عندهم العزة} استفهام إنكاري أي: لا يجدونها عندهم {فإن العزة جميعاً} في الدنيا والآخرة ولا ينالهما إلا أولياؤه قال الله تعالى: {والعزة ولرسوله وللمؤمنين} (المنافقون، 8) . {وقد} أي: تتخذونهم والحال أنه قد {نزل عليكم} أي: أيتها الأمّة الصادقين منكم والمنافقين {في الكتاب} أي: القرآن في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلاً عن ولايتهم {أن} أي: إنه فهي مخففة واسمها محذوف {إذا سمعتم آيات الله} أي: القرآن {يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم} أي: الكافرين والمستهزئين {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي: حتى يأخذوا في حديث غير ذلك، قال الضحاك عن ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة، وقرأ عاصم: (نزل) بفتح النون والزاي، والباقون بضمّ النون وكسر الزاي {إنكم إذاً} أي: إن قعدتم معهم {مثلهم} أي: في الإثم؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم والإنكار عليهم أو الكفر إن رضيتم به، وقيل: كان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون فقيل لهم: إنكم إذاً مثل الأحبار في الكفر، ويدل عليه قوله تعالى: {إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} أي: القاعدين والمقعود معهم كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء، وقوله تعالى: {الذين} إمّا بدل من الذين قبله، وإمّا صفة للمنافقين، وإمّا نصب على الذم منهم {يتربصون} أي: ينتظرون وقوع أمر {بكم فإن كان لكم فتح من الله} أي: ظفر وغنيمة {قالوا} لكم {ألم نكن معكم} أي: في الدين والجهاد فاجعلوا لنا نصيباً من الغنيمة {وإن كان للكافرين نصيب} أي: من الظفر، فإنّ الحرب سجال، وعبر بنصيب تحقيراً لظفرهم بالنسبة لما حصل للمسلمين من الفتح {قالوا} لهم {ألم تستحوذ} أي: نستول {عليكم} ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم {ونمنعكم من المؤمنين} أي: من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور المرعبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد لتصديقهم لنا لإظهارنا الإيمان، ومراد المنافقين بذلك إظهار المنة على الكافرين {فا يحكم بينكم} وبينهم {يوم القيامة} بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} أي: طريقاً بالاستئصال، واحتج أصحابنا بهذه الآية عدلى فساد شراء الكافر العبد المسلم. {إن المنافقين يخادعون الله} أي: بإظهارهم خلاف ما يبطنونه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامهم الدنيوية {وهو خادعهم} أي: مجازيهم على خداعهم فيفضحهم في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبهم في الآخرة {وإذا قاموا إلى الصلاة} مع المؤمنين {قاموا كسالى} أي: متثاقلين كالمكرهين على الفعل {يراؤن الناس} بصلاتهم ليظنوهم مؤمنين {ولا يذكرون الله} أي: ولا يصلون {إلا قليلاً} أي: حين يتعين ذلك طريقاً لمخادعتهم ولا يصلون غائبين قط عن عيون الناس وما يجهرون به أيضاً إلا قليلاً؛ لأنهم ما وجدوا مندوحة عن تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه ويجوز أن يراد بالقلة العدم. فإن قيل: أما معنى المراآة وهي مفاعلة من الرؤية؟ أجيب: بأنّ المرائي يريهم عمله وهم يرون استحسانه، وقوله تعالى: {مذبذبين} حال من واو يراؤن أي: مترددين {بين ذلك} أي: الكفر والإيمان {لا} منسوبين {إلى هؤلاء} أي: الكفار {ولا إلى هؤلاء} أي: المؤمنين {ومن يضلل الله} أي: يضله {فلن تجد له سبيلاً} أي: طريقاً إلى الهدى ونظيره قوله تعالى: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} (النور، 40) {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين} أي: المجاهرين بالكفر {أولياء من دون المؤمنين} فإنه صنيع المنافقين وديدنهم فلا تتشبهوا بهم {أتريدون أن تجعلوا عليكم} أي: بموالاتهم {سلطاناً} أي: دليلاً على كفركم باتباعهم غير سبيل المؤمنين {مبيناً} أي: واضحاً على نفاقكم. {إنّ المنافقين في الدرك} أي: البطن {الأسفل من النار} أي: لأنّ ذلك أخفى ما في النار وأستره وأخبثه كما أنّ كفرهم أخفى الكفر وأخبثه وأستره وسميت طبقات النار دركات؛ لأنها متداركة متتابعة إلى أسفل كما إنّ الدرج متراقية إلى فوق. فإن قيل: لم كان المنافق أشدّ عذاباً من الكافر؟ أجيب: بأنِه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون الراء والباقون بفتحها {ولن تجد لهم نصيراً} أي: مانعاً يمنعهم من عذاب الله تعالى فيخرجهم {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عما كانوا عليه من النفاق {وأصلحوا} أي: أعمالهم {واعتصموا} أي: وثقوا {با وأخلصوا دينهم} من الرياء فلا يريدون بطاعتهم إلا وجهه تعالى {فأولئك مع المؤمنين} في الجنة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً} فيشاركونهم ويساهمونهم. فإن قيل: من المنافق؟ أجيب: بأنه في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به منافقاً فللتغليظ كقوله صلى الله عليه وسلم «من ترك الصلاة متعمّداً فهو كافر» ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وقيل لحذيفة رضي الله تعالى عنه: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، وقيل لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال: كنا نعده من النفاق. فائدة: اتفق كتاب المصاحف على حذف الياء من {يؤت الله} ولا سبب لحذفها. {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} نعماءه {وآمنتم به} أي: لينفي به غيظاً أو يدفع ضراً
أو يستجلب به نفعاً، وهو الغنيّ المطلق المتعالي عن النفع والضرّ، والاستفهام بمعنى النفي أي: لا يعذبكم. فإن قيل: لم قدم الشكر على الإيمان مع أنه لا ينفع مع عدم الإيمان؟ أجيب: بأنّ الناظر يدرك النعمة أوّلاً فيشكر شكراً مبهماً فإذا انتهى إلى معرفة المنعم آمن به، ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدّماً على الإيمان، وكأنه أصل التكليف ومداره فيؤمن به، والشكر ضدّ الكفر، فالكفر ستر النعمة، والشكر إظهارها {وكان الله شاكراً} لأعمال المؤمنين بالإثابة يقبل اليسير ويعطي الجزيل {عليماً} بخلقه. {لا يحب الله الجهر بالسوء} أي: القبيح {من القول} من أحد أي: يعاقب عليه {إلا من} أي: جهر من {ظلم} وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما هو فيه من السوء فلا يؤاخذ به قال الله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} (الشورى، 41) قال الحسن البصري: دعاؤه عليه أن يقول: اللهمّ أعني عليه اللهمّ استخرج حقي منه، وقيل: إن شئتم أجاز له أن يشتم بمثله لا يزيد عليه، وقال مجاهد: هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ويذكر ما صنع به. روي أنّ رجلاً أضاف قوماً أي: نزل بهم ضيفاً فلم يطعموه فأصبح شاكياً فعوتب على الشكاية فنزلت، وعن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم» {وكان الله سميعاً} لكل ما يقال ومنه دعاء المظلوم {عليماً} بكل ما يفعل ومنه فعل الظالم. {إن تبدوا} أي: تظهروا {خيراً} من أعمال البرّ {أو تخفوه} أي: تعملوه سراً {أو تعفوا عن سوء} أي: عن مظلمة {فإن الله كان} أي: دائماً أزلاً وأبداً {عفوّاً قديراً} أي: يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك وهو حث للمظلوم على تمهيد العفو بعدما رخص له في الانتصار حملاً على مكارم الأخلاق وقوله تعالى: {إنّ الذين يكفرون با ورسله} نزل في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى والتوراة وعزير وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله} بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} أي: نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً} أي: طريقاً وسطاً بين اليهودية والإسلام، ولا واسطة إذ الحق لا يختلف، فإنّ الإيمان بالله إنما يتم بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلاً وإجمالاً، والكفر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال قال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس/ 32) .B {أولئك هم الكافرون} أي: الكاملون في الكفر وقوله تعالى: {حقاً} مصدر مؤكداً لمضمون الجملة قبله {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً} أي: ذا إهانة وهو عذاب النار. ولما بين سبحانه وتعالى ما أعده للكافرين بين ما أعده للمؤمنين بقوله تعالى: {والذين آمنوا با ورسله} كلهم {ولم يفرّقوا بين أحد منهم} بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض كما فعل الأشقياء منهم وإنما أدخل بين على أحد وهو يقتضي متعدّداً لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي {أولئك} أي: العالو الرتبة في رتب السعادة {سوف نؤتيهم} بوعد لا خلف فيه وإن تأخر {أجورهم} الموعودة لهم بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، وقرأ حفص بالياء على الغيبة، والباقون
بالنون {وكان الله غفوراً} لما يريد من الزلات {رحيماً} أي: لمن يريد إسعاده بالجنات، ونزل لما قال أحبار اليهود للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى. {يسئلك} يا محمد {أهل الكتاب} أي: أحبار اليهود {أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} جملة كما أنزل على موسى وقيل: كتاباً محرزاً أي: مجلداً مصوناً بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل أو كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسول الله قالوا ذلك تعنتاً، قال الحسن: لو سألوا لكي يتبينوا الحق لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية. وقوله تعالى: {فقد سألوا} أي: آباؤهم {موسى} جواب شرط مقدّر معناه: إنك إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى {أكبر} أي: أعظم {من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} أي: عياناً وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه الصلاة والسلام وهم النقباء السبعون؛ لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت {فأخذتهم الصاعقة} أي: عقب هذا السؤال، وهي نار جاءت من السماء فأهلكتهم {بظلمهم} أي: بسببه وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقاً {ثم} بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة {اتخذوا العجل} أي: تكلفوا أخذه وجعلوه إلهاً {من بعدما جاءتهم البينات} المعجزات على وحدانية الله تعالى، وليس المراد التوراة؛ لأنها لم تأتهم فيما مضى بل أتتهم بعد {فعفونا عن ذلك} أي: الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصالهم {وآتينا موسى سلطاناً} تسليطاً واستيلاءً {مبيناً} أي: ظاهراً، فإنه أمرهم بقتل أنفسهم توبة من عبادة العجل فبادروا إلى الامتثال. {ورفعنا فوقهم الطور} أي: الجبل العظيم {بميثاقهم} أي: بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فيقبلوه {وقلنا لهم} على لسان موسى صلى الله عليه وسلم والطور مظلل عليهم {ادخلوا الباب} أي: الذي لبيت المقدس {سجداً} أي: سجود انحناء {وقلنا لهم} أي: على لسان داود {لا تعدوا} أي: لا تتجاوزوا ما حددناه لكم {في السبت} أي: لا تعملوا فيه عملاً من الأعمال تسمية للشيء باسم سببه سمي عدواً؛ لأنّ العامل للشيء يكون لشدّة إقباله عليه كأنه يعدو، ويحتمل أن يكون ذلك على لسان موسى حين ظلل عليهم الجبل، فإنه شرع السبت أي: ترك العمل فيه ولكن كان الاعتداء في السبت، والمسخ به في زمن داود. وقرأ ورش بفتح العين مع تشديد الدال وقرأ قالون باختلاس حركة العين مع تشديد الدال، والباقون بسكون العين وتخفيف الدال، {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} على ذلك وهو قولهم سمعناه وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يقيموا عليه، ثم نقضوه بعد، كما قال تعالى: أي: فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد، والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي: لعناهم بسبب نقضهم {ميثاقهم وكفرهم بآيات الله} أي: القرآن أو بما في كتابهم {وقتلهم الأنبياء بغير حق} فإنهم معصومون من كل نقيصة ومبرؤن من كل ريبة لا يتوجه عليهم حق {وقولهم قلوبنا غلف} أي: أوعية للعلوم أو في أكنة مما تدعونا إليه فلا نعي كلامك {بل طبع الله} أي: ختم {عليها بكفرهم} فلا تعي وعظاً {فلا يؤمنون إلا قليلاً} منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه أو إيماناً قليلاً لا عبرة به بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً
كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، وقوله تعالى: {وبكفرهم} معطوف على (فبما نقضهم) ويجوز عطفه على (بكفرهم) وقد تكرر منهم الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف بعض كفرهم على بعض وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه {وقولهم على مريم} أي: بعدما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وإنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات {بهتاناً عظيماً} وهو نسبتها إلى الزنا. فإن قيل: كان مقتضى الظاهر أن يقول: في مريم. أجيب: بأنه ضمن القول معنى الافتراء وهو يتعدّى بعلى. {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله} أي: بمجموع ذلك عذبناهم. فإن قيل: كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر بن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله؟ أجيب: بأنهم قالوه بزعم عيسى عندهم أو إنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون: {إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (الشعراء، 27) قال الزمخشري: ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عليه الصلاة والسلام عما كانوا يذكرونه به اه. قال الله تعالى تكذيباً لهم في قتله {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} أي: المقتول والمصلوب. روى النسائي عن ابن عباس: «أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى الله عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب» . وقيل: كان رجلاً ينافق عيسى أي: يظهر له الإسلام ويخفي الكفر فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل في بيت عيسى فرفع عيسى عليه الصلاة والسلام، وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. وقيل: إنهم حبسوا عيسى عليه الصلاة والسلام في بيت وجعلوا عليه رقيباً فألقى الله شبه عيسى على الرقيب فقتلوه، {وإنّ الذين اختلفوا فيه} أي: في شأن عيسى، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود: إنه كان كاذباً فقتلناه حقاً، وتردد آخرون، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وكان الله ألقى شبه وجه عيسى عليه ولم يلق على جسده، وقال: من سمع من عيسى إنّ الله يرفعني إلى السماء إنه رفعه إلى السماء: وقال قوم: صلب الناسوت أي: الإنسانية وصعد اللاهوت أي: الألوهية {لفي شك منه} أي: من قتله {ما لهم به} أي: بقتله {من علم} وقوله تعالى: {إلا إتباع الظن} استثناء منقطع أي: لكن يتبعون فيه الظنّ الذي تخيلوه. فإن قيل: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ثم وصفوا بالظنّ والظنّ أن يترجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟ أجيب: بأنّ الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردّد وعلى ما يقابل العلم فيشمل الاعتقاد {وما قتلوه} أي: انتفى قتلهم له انتفاء {يقيناً} أي: انتفاؤه على سبيل القطع ويجوز أن يكون حالاً من واو قتلوه أي: ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسلام بل فعلوه شاكين، فيه والحق إنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى عليه
شبهه. قال البقاعي: والوجه الأوّل أولى لقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه} أي: إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب: إنه أوحي إليه وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، فكانت رسالته ثلاث سنين {وكان الله عزيزاً} أي: في ملكه لا يغلب عما يريد {حكيماً} في صنعه لا يطمع أحد في نقص شيء منه. {وإن من أهل الكتاب} أي: وما من أهل الكتاب أحد {إلا ليؤمنن به} أي: بعيسى عليه الصلاة والسلام هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم {قبل موته} اختلف في عود هذا الضمير، فقال عكرمة ومجاهد والضحاك: يعود للكتابي أي: إنّ الكتابي يؤمن بعيسى حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه سواء احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، فقيل لابن عباس: أرأيت من خرّ من فوق بيت؟ فقال: يتكلم به في الهوي، فقيل: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه، وذهب قوم إلى عود الضمير إلى عيسى أي: وما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام. روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً عدلاً يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون» . قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب} الآية ثم أعادها أبو هريرة ثلاث مرّات ولا يعارض هذا ما في مسلم في قصة الدجال إنّ الله يبعث عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين إثنين عداوة؛ لأنّ قوله: ثم يلبث الناس بعده أي: بعد موته فلا معارضة، أو لأنّ السبع محمول على مدّة إقامته بعد نزوله ويكون ذلك مضافاً إلى مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء وكان عمره إذ ذاك ثلاثاً وثلاثين سنة على المشهور. وروى عكرمة: إن الهاء في قوله تعالى: {ليؤمنن به} كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم يقول: لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الهاء راجعة إلى الله عز وجل يقول: وإنّ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالله عز وجل قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه {ويوم القيامة يكون} أي: عيسى على القول الأوّل {عليهم شهيداً} إنه قد بلغهم رسالة ربه وأقرّ بالعبودية على نفسه كما قال تعالى مخبراً عنه: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} (المائدة/ 117) . وكل نبيّ شاهد على أمّته قال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} (النساء، 41) . {فيظلم من الذين هادوا} وهو ما تقدّم ذكره من نقضهم الميثاق وبكفرهم بآيات الله وبهتانهم على مريم، وقولهم: {إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم} (النساء، 157) {حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم} أي: كان وقع إحلالها لهم في التوراة، ثم حرّمت عليهم وهي التي في قوله تعالى في سورة الأنعام: {وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر} (الأنعام، 146) الآية {وبصدّهم} أي: الناس {عن سبيل الله} أي: دينه، وقوله تعالى: {كثيراً} صفة مصدر محذوف أي: صدّاً كثيراً بالإضلال عن الطريق، فمنعوا مستلذات تلك المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان. {وأخذهم الربا وقد} أي: والحال إنهم قد {نهوا عنه} في التوراة، فكان محرماً عليهم كما هو محرّم علينا؛ لأنه قبيح في نفسه مزر بصاحبه، وفي الآية دليل على أنّ النهي
للتحريم {وأكلهم أموال الناس بالباطل} أي: من الرشا في الحكم والمآكل أي: التي كانوا يصيبونها من عوامهم عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيبات، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرّم عليهم شيء من الطيبات التي كانت حلالاً لهم قال تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} (الأنعام، 146) {وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} أي: مؤلماً دون من تاب وآمن. ولما بين سبحانه وتعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب بين ما لنيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال: {لكن الراسخون} أي: الثابتون المتمكنون {في العلم منهم} أي: من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه {والمؤمنون} أي: من المهاجرين والأنصار {يؤمنون بما أنزل إليك} أي: القرآن {وما أنزل من قبلك} أي: من سائر الكتب المنزلة وقوله تعالى: {والمقيمين الصلاة} نصب على المدح؛ لأنّ الصلاة لما كانت أعظم دعائم الدين ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها. وحكي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأبان بن عثمان أنّ ذلك غلط من الكاتب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة، وكذلك قوله في سورة المائدة: {إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} وقوله تعالى: {إنّ هذان لساحران} (طه، 63) قالا: ذلك خطأ من الكاتب، وقال عثمان: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيره فقال: دعوه فإنه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وعامّة الصحابة وأهل العلم على إنه صحيح كما قدّمناه، وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: أعني المقيمين الصلاة، وقوله تعالى: {والمؤتون الزكاة والمؤمنون با واليوم الآخر} رجوع إلى النسق الأوّل {أولئك سنؤتيهم} بوعد لا خلف فيه على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح {أجراً عظيماً} وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، وقوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا، وبدأ بذكر نوح عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} (الصافات، 77) ؛ ولأنه أوّل نبيّ من أنبياء الشريعة وأول نذير على الشرك وأوّل من عذبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء عمراً، وجعلت معجزته في نفسه؛ لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم تنقص له قوّة ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره {و} كما {أوحينا إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق} بني إبراهيم {ويعقوب} بن إسحق {والأسباط} أولاد يعقوب وظاهر هذا أنهم كلهم أنبياء وهو أحد قوليه، والقول الآخر: أن يوسف هو النبي فقط وعلى هذا فالمراد المجموع {وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا} أباه {داود زبوراً} قرأ حمزة بضم الزاي مصدر بمعنى مزبوراً أي: مكتوباً، والباقون بالنصب على إنه إسم للكتاب المؤتى، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجلّ. كان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجن خلف الناس الأعظم فالأعظم، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين
يديه تعجباً لما يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم ير ذلك فقيل له: ذاك أنس الطاعة وهذا وحشة المعصية، قال السيوطي في شرح التنبيه: إنّ الزبور مئة وخمسون سورة ما بين قصار وطوال، والطويلة منها قدر ربع حزب، والقصيرة قدر سورة النصر اه. وعن أبي موسى قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو رأيتني البارحة وأنا أسمع لقراءتك لقد أعطيت مزماراً من مزامير داود» وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده، وإنما خص هؤلاء بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيماً لهم، وقوله تعالى: {ورسلاً} أي: غير هؤلاء نصب بمضمر دل عليه أوحينا إليك مثل أرسلنا {قد قصصناهم} أي: تلونا ذكرهم {عليك من قبل} أي: قبل إنزال هذه السورة أو هذه الآية {ورسلاً لم نقصصهم عليك} أي: إلى الآن. روي أنه سبحانه وتعالى بعث ثمانية آلاف نبيّ: أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس، قاله الجلال المحلي في سورة غافر، وقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليماً} هو منتهى مراتب الوحي أي: كلمه على التدريج شيئاً فشيئاً بحسب المصالح بغير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة وخص به موسى من بين سائر الأنبياء غير نبينا، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد فضله الله بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم وقوله تعالى: {رسلاً} بدل من رسلاً قبله {مبشرين} أي: بالثواب من آمن {ومنذرين} أي: مخوّفين بالعذاب من كفر وقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة} متعلق بأرسلنا أو بمبشرين ومنذرين أي: حجة فقال: {بعد} إرسال {الرسل} فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين، فبعثناهم لقطع عذرهم. فإن قيل: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله تعالى من الأدلة التي النظر فيها يوصل إلى المعرفة؟ أجيب: بأنّ الرسل ينبهون عن الغفلة وباعثون على النظر في الأدلة فإرسالهم ضروري {وكان الله عزيزاً} في ملكه لا يغلب فيما يريده {حكيماً} في صنعه. روي أن سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحبّ إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد بالجنة» ، قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك، ودخل عليهم جماعة من اليهود فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم «والله إنكم لتعلمون أني رسول الله» فقالوا: والله ما نعلم ذلك أنزل الله عز وجل: {لكن الله يشهد} أي: يبيّن نبوّتك {بما أنزل إليك} أي: من القرآن المعجز الدال على نبوّتك إن جحدوك وكذبوك {أنزله} متلبساً {بعلمه} الخاص به وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ. وروي أنه لما نزل {إنا أوحينا إليك} قالوا: ما نشهد لك فنزلت {والملائكة يشهدون} لك أيضاً {وكفى با شهيداً} على ذلك بما قام من الحجج على صحة نبوّتك عن الاستشهاد بغيره {إنّ الذين كفروا وصدوا} الناس
{عن سبيل الله} أي: دين الإسلام بكتمهم دين محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {قد ضلوا ضلالاً بعيداً} عن الحق؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأنّ المضل يكون أعرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه. {إنّ الذين كفروا} بالله {وظلموا} نبيه بكتمان نعته {لم يكن الله ليغفر لهم} لكفرهم وظلمهم {ولا ليديهم طريقاً} من الطرق. {إلا طريق جهنم} أي: الطريق المؤدي إليها {خالدين} أي: مقدرين الخلود {فيها} إذا دخلوها وأكد ذلك بقوله: {أبداً} لأنّ الله لا يغفر أن يشرك به {وكان ذلك على الله يسيراً} أي: هيّناً لا يصعب عليه ولا يستعظمه. {يأيها الناس قد جاءكم الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {بالحق من ربكم} لما قرّر من أمر النبوّة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإجابة والوعيد على الرد {فآمنوا} بالله وقوله تعالى: {خيراً لكم} وكذلك قوله تعالى فيما يأتي {انتهوا خيراً لكم} (النساء، 171) منصوب بمضمر وذلك إنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال خيراً لكم أي: اقصدوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث، وهو الإيمان والتوحيد، وقيل: تقديره يكن الإيمان خيراً لكم. قال البيضاوي: ومنعه البصريون؛ لأنّ كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما لا بدّ منه، ولأنه يؤدي إلى حذف الشرط وجوابه اه. {وإن تكفروا} بالله {فإنّ ما في السموات والأرض} ملكاً وخلقاً، فهو غني عنكم فلا يضره كفركم كما لا ينفعه إيمانكم، ونبّه على غناه بقوله تعالى: {ما في السموات والأرض} وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه {وكان الله عليماً} بأحوالكم {حكيماً} أي: فيما دبره لهم. {يا أهل الكتاب لا تغلوا} أي: تجاوزوا الحد {في دينكم} الخطاب للفريقين غلت اليهود في حط عيسى حتى رموه بالزنا، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلهاً، وقيل: للنصارى خاصة، والمراد بالكتاب الإنجيل، فإنه أوفق لقوله تعالى: {ولا تقولوا على الله إلا} القول {الحق} أي: من تنزيهه عن الشريك والولد {إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها} أي: أوصلها {إلى مريم} وجعلها فيها {وروح} أي: ذو روح {منه} لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادّة له، وسمى عيسى كلمة الله وكلمة منه؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير من غير واسطة أب ولا نطفة، وقيل له: روح الله وروح منه؛ لأنه ذو روح وجسد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحيّ، وإنما اخترع اختراعاً من عند الله وقدرته بأن أمر جبريل، فنفخ في جيب درعها، فحملت به فأضيف إلى الله تعالى تشريفاً له، وليس كما زعمتم أنه ابن الله، أو إله معه، أو ثالث ثلاثة؛ لأنّ الروح مركب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه.
سورة المائدة
سورة المائدة مدنية مائة وعشرون آية أو اثنتان أو ثلاث وكلماتها ألفان وثمانمائة وأربع كلمات وحروفها أحد عشر ألفاً وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفاً {بسم الله} الذي له الأمر كله فلا يسئل عما يفعل {الرحمن} الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل {الرحيم} الذي خص خلص عباده بتوفيقه وأتم نعمته عليهم وأكمل. {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} أي: التي عقدها الله تعالى على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه قول الحطيئة: *قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدّوا العِناجَ وشدوا فوقه الكرَبَا* والعناج حبل يشدّ في أسفل الدلو ثم يشدّ إلى العراقي ليكون عوناً له، والكرب الحبل الذي يشدّ في وسط العراقي والعرقوتان الخشبتان المعترضتان على الدلو كالصليب وقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} تفصيل للعقود لأنّ العقود مجملة فهو شامل لجميع العقود لأنّ ذلك أمهات التكاليف وجميع ما في هذه السورة من الأحكام تفصيل لذلك. فائدة: روي عن ابن مسعود قال: أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكماً لم ينزلها في غيرها قوله تعالى: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام} {وما عملتم من الجوارح مكلبين} {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وتمام الطهر في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} {والسارق والسارقة} {ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} الآية {وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} وقوله تعالى: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} وزيد عليها تاسع عشر وهو قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} ليس للآذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة وأما في سورة الجمعة فهو مخصوص بالجمعة وهو في هذه السورة عام في جميع الصلوات والبهيمة كل حيّ لا يميز أي: من شأنه أنه لا يميز فلا يدخل في ذلك المجنون ونحوه، والأنعام: الإبل والبقر والغنم وهي الأزواج الثمانية وألحق بها الظباء وبقر الوحش. تنبيه: إضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان كقولك: ثوب خز ومعناه البهيمة من الأنعام. فإن قيل: لم أفرد البهيمة وجمع الأنعام؟ أجيب: بإرادة الجنس وقوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} أي: تحريمه في قوله تعالى: {حرّمت عليكم الميتة} الآية استثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم عرض من الموت ونحوه وقوله تعالى: {غير محلي الصيد} حال من ضمير لكم وقوله تعالى: {وأنتم حرم} مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير
في محل جمع حرام وهو المحرم {إنّ الله يحكم ما يريد} من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق لا يجب عليه مراعاة مصلحة ولا حكمة كما تقوله المعتزلة، فلا يسئل عن تخصيص ولا تفصيل فما فهمتم حكمته فذاك ومالا فكلوه إليه وارغبوا في أن يلهمكم حكمته. {يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} جمع شعيرة: وهي اسم ما أشعر أي: جعل شعاراً وعلماً للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج، يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر، وقيل: معالم دينه، وقيل: فرائضه التي حدّها لعباده {ولا} تحلوا {الشهر الحرام} أي: بالقتال فيه قال تعالى: {إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} (التوبة، 36) وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فيجوز أن يكون ذلك إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس لأنّ الأشهر كلها في الحرمة سواء، ولكن قال الزمخشريّ: والشهر الحرام شهر الحج {ولا} تحلوا {الهدى} أي: بالتعرّض له وهو ما أهدى إلى الحرم من النعم {ولا} تحلوا {القلائد} أي: صاحب القلائد من الهدى، وعبر بها مبالغة في تحريمها أو القلائد أنفسها، والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرّض للهدى، والقلائد جمع قلادة وهي ما قلّد به الهدى من نعل أو غيره ليعلم به أنه هدى فلا يتعرّض له {ولا} تحلوا {آمّين} أي: قاصدين {البيت الحرام} لزيارته أي: بأن تقاتلوهم. {يبتغون فضلاً من ربهم} وهو الثواب {ورضواناً} أي: وأن يرضى عنهم والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين، أي: لا تتعرضوا لقومٍ هذه صفتهم تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرّض لمثلهم، وقيل: معناه يبتغون من الله رزقاً بالتجارة ورضواناً بزعمهم لأنهم كانوا يظنون ذلك فوصفوا به بناء على ظنهم ولأنّ الكافر لا نصيب له في الرضوان كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً فنهى الله تعالى المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله تعالى: {لا تحلوا شعائر الله} فعلى الأوّل الآية محكمة قال الحسن: ليس في المائدة منسوخ، وعلى الثاني قال البيضاوي: فالآية منسوخة أي: لما فيها من حرمة القتال في الشهر الحرام، ومن حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام والأوّل منسوخ بقوله تعالى: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة، 5) والثاني بقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} (التوبة، 28) فقوله: منسوخ منزل على هذا، لكن إذا قلنا بشمول آمين للمسلمين والمشركين إنما يكون النسخ في حق المشركين خاصة وهو في الحقيقة تخصيص لا نسخ ففي تسميته نسخاً تسمح، وقرأ شعبة بضم الراء والباقون بالكسر. {وإذا حللتم} أي: من الإحرام وقوله تعالى: {فاصطادوا} أمر إباحة أباح لهم الاصطياد بعد حظره عليهم كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا كما في قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} (الجمعة، 10) {ولا يجرمنكم} أي: يحملنَّكم أو يكسبنَّكم {شنآن قوم} أي: شدّة بغضهم، وقرأ ابن عامر وشعبة بسكون النون بعد الشين والباقون بنصبها وقوله تعالى: {أن صدّوكم} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن الشرطية والباقون بفتحها أي: لأجل أن صدوكم في عام الحديبية أو غيره
{عن المسجد الحرام} وقوله تعالى: {أن تعتدوا} أي: يشتد عدْوُكم عليهم بأن تنتقموا منهم بالقتل وغيره، ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يتعدّى إلى واحد وإلى اثنين ككسب {وتعاونوا على البر والتقوى} أي: بفعل ما أمرتم به {ولا تعاونوا} فيه حذف إحدى التاءين في الأصل {على الإثم} أي: المعاصي للتشفي {والعدوان} أي: التعدي في حدود الله للانتقام {واتقوا الله} أي: خافوا عقابه بأن تطيعوه {إنّ الله شديد العقاب} لمن خالفه فانتقامه أشد. وقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} أي: أكلها بيان ما يتلى عليكم والميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة شرعية {والدم} أي: المسفوح قال تعالى: {أو دماً مسفوحاً} وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها {ولحم الخنزير} قال العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المتغذي ولا بد أن يحصل للمتغذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المنهيات فحرّم أكله على الإنسان لئلا يتكيّف بتلك الكيفية، ولذلك إن الفرنج لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المنهيات، وأورثهم عدم الغيرة فإنّ الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو على الأنثى التي له ولا يتعرّض له لعدم الغيرة. {وما أهل لغير الله به} أي: رفع الصوت به لغير الله بأن ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت ومنه يقال: فلان أهل بالحج إذا لبى وكانوا يقولون عند الذبح: باسم اللات والعزى، قال ابن عادل: وقدم هنا لفظ الجلالة في قوله لغير الله به وأخرت في البقرة لأنها هناك فاصلة أو تشبه الفاصلة بخلافها هنا لأنّ بعدها معطوفات {والمنخنقة} وهي التي ماتت بالخنق سواء أفعل بها ذلك آدميّ أم اتفق لها ذلك {والموقوذة} وهي التي وقذت أي: ضربت حتى ماتت ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات {والمتردّية} أي: الساقطة من علو بان سقطت من جبل أو مشرف أو في بئر فماتت، ولو رمى صيداً في الهواء بسهم فأصابه فسقط على الأرض ومات حلّ لأنّ الوقوع على الأرض من ضرورته وإن سقط على جبل أو شجر ثم تردى منه فمات لم يحل لأنه من المتردية إلا أن يكون السهم ذبحه في الهواء فيحل كيفما وقع لأنّ الذبح قد حصل قبل التردية. تنبيه: دخلت الهاء في هذه الكلمات لأنّ المنخنقة هي الشاة المنخنقة كأنه قيل: حرّمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية وخصَّت الشاة لأنها من أعمّ ما يأكل الناس والكلام يُخرّج على الأعمّ ويكون المراد الكل وأما الهاء في قوله تعالى: {والنطيحة} وهي التي تنطحها أخرى فتموت فِللْنَّقل من الوصفية إلى الاسمية وإلا فكان من حقها أن لا تدخلها تاء التأنيث كقتيل وجريح، وما في قوله تعالى: {وما أكل السبع} بمعنى الذي وعائده محذوف أي: وما أكله السبع ولا بد من حذف، ولهذا قال الزمخشريّ: وما أكل بعضه السبع وهذا يدل على أنّ جوارح الصيد إذا أكلت ما اصطادته لم يحل أكله. وقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} استثناء متصل أي: إلا ما أدركتم ذكاته وصار فيه حياة مستقرة من ذلك فهو حلال، وقيل: الاستثناء مخصوص بما أكل السبع وقيل: الاستثناء منقطع أي: ولكن ما ذكيتم من غيرها فحلال أو فكلوه، وكأنّ هذا القائل رأى أنها وصلت بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالة قريبة منه فلم تفد تذكيتها عنده شيئاً، وقيل: الاستثناء
من التحريم لا من المحرّمات أي: حرّم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال فيكون الاستثناء منقطعاً أيضاً، وأقلّ الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمريء وكمالها أن يقطع الودجين معهما، وهما عرقان في صفحتي العنق ويجوز بكل محدد يجرح من حديد أو قصب أو زجاج أو غيره إلا السن والظفر لقوله صلى الله عليه وسلم «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر» . وقوله تعالى: {وما ذبح على النصب} في محل رفع عطفاً على الميتة أي: وحرم عليكم ذلك والنصب واحد الأنصاب، وهي حجارة، كانت حول الكعبة يذبح عليها تقرباً إليها وتعظيماً لها، وقيل: هي الأصنام لأنها تنصب لتعبد، وعلى: بمعنى اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأنصاب، وقيل: هو جمع والواحد نصاب ويدل للأوّل قول الأعشى: *وذا النصب المنصوب لا تعبدنه ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا* وقوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام} في محل رفع أيضاً فكان عطفاً على الميتة أي: وحرم عليكم ذلك والأزلام جمع زَلَم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قِدح بكسر القاف صغير وهو سهم لا ريش له ولا نصل، وذلك إنهم كانوا إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والثالث غفل أي: لا سمة عليه فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن خرج الناهي تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أداروها ثانياً، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بالأزلام، وقيل: هو قسمة الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة. وقوله تعالى: {ذلكم فسق} إشارة إلى ما ذكر تحريمه أي: خروج عن الطاعة، وقيل: إشارة إلى الاستقسام وكونه فسقاً؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر بعلمه علام الغيوب، وقد قال تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} (النمل، 65) وضلال باعتقاد إنّ ذلك طريق إليه وقوله: أمرني ربي ونهاني ربي افتراء على الله عز وجل إن كان أراد بربي الله وما يدريه إنّ الله أمره أو نهاه، فالكهنة والمنجمون بهذه المثابة، وجهالة وشرك إن أراد به الصنم. وقوله تعالى: {اليوم} لم يرد به يوماً بعينه وإنما أراد الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، وقيل: الألف واللام للعهد، قيل: أراد يوم نزولها، وقيل: نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، وقيل: هو يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة سنة تسع، وقيل: ثمان، وقوله تعالى: {يئس الذين كفروا من دينكم} فيه قولان أحدهما: يئسوا من أن يحلوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة، والثاني: يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم فترتدّوا عنه بعد طمعهم في ذلك، لما رأوا من قوته؛ لأنه تعالى كان وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان بقوله تعالى: {ليظهره على الدين كله} (التوبة، 33) فحقق ذلك النصر وأزلل الخوف {فلا تخشوهم} أن يظهروا عليكم {واخشون} أجمع القرّاء السبعة على حذف الياء بعد النون لحذفها في الرسم أي: واخلصوا الخشية لي وحدي فإنّ دينكم قد اكتمل بدره وجل عن انمحاق محله وقدره ورضي به الآمر ومكّنه على رغم أنوف الأعداء وهو قادر وذلك قوله تعالى مسوقاً مساق التعليل: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي: الذي أرسلت به أكمل خلقي محمداً صلى الله عليه وسلم
نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع والنبيّ صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية من كتابكم تقرأونها لو علينا معاشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً قال: أي أية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، أشار عمر إلى أنّ ذلك اليوم كان عيداً، قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. وروي أنها لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «ما يبكيك يا عمر؟» قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا فإذا كمل فلم يكمل شيء إلا نقص قال: «صدقت» ، فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل وكانت هجرته في الثاني عشر منه، فقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي: الفرائض والسنن والحدود والجهاد والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض وهذا معنى قول ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وقتادة: اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك، وقيل: أظهرت دينكم وأمتكم من عدوّكم. فإن قيل: قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} يقتضي أنّ الدّين كان ناقصاً قبل ذلك وذلك يوجب أنّ الدين الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم أكثر عمره كان ناقصاً، وإنما وجد الدّين الكامل في آخر عمره مدّة قليلة. أجيب: بأنّ الدين لم يكن ناقصاً بل كان أبداً كاملاً وكانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالماً في أوّل وقت المبعث بأنّ ما هو بعد العدم وأمّا في آخر زمان المبعث فأنزل شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة فالشرع أبداً كان كاملاً إلا أنّ الأوّل كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلهذا قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين ورضيت أي: اخترت لكم الإسلام ديناً من بين الأديان، وهو الذي عند الله لا غير قال الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} (آل عمران، 85) . وقوله تعالى: {فمن اضطرّ} متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو إن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامّة والإسلام المرضي، والمعنى: فمن اضطرّ إلى تناول شيء من هذه المحرمات {في مخمصة} أي: مجاعة {غير متجانف} أي: مائل {لإثم} أي: معصية بأن يأكل ذلك تلذّذاً ومجاوزاً حدّ الرخصة كقوله تعالى: {غير باغ ولا عاد} (البقرة، 173) {فإنّ الله غفور} له ما أكل {رحيم} به في إباحته فلا يؤاخذه ومن المائل إلى الإثم قاطع الطريق ونحوه فلا يحل له الأكل مما ذكر قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر
نون فمن اضطرّ في الوصل والباقون بالضم. {يسئلونك} يا محمد {ماذا أحل لهم} من الطعام وإنما أتى بقوله لهم بلفظ الغيبة لتقديم ضمير الغيبة في قوله تعالى: {يسئلونك} ولو قيل في الكلام: ماذا أحلّ لنا لكان جائزاً على حكاية الجملة كقولك: أقسم زيد ليضربن ولأضربن بلفظ الغيبة والتكلم، إلا أنّ ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوه كما أن لأضربن يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها وماذا مبتدأ وأحلّ لهم خبره كقولك: أي شيء أحلّ لكم منها؟ فقال تعالى: {قل} لهم {أحلّ لكم الطيبات} أي: ما ليس بخبيث منها وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد ولا مستقذر من ذي الطباع السليمة، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرّمونه على أنفسهم من السائبة وما معها وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم. وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} معطوف على الطيبات أي: أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف للعلم به والجوارح جمع جارحة من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والباز والشاهين، والهاء للمبالغة سميت؛ بذلك؛ لأنّ الجرح الكسب لأنها تكسب الصيد، ومنه قوله تعالى: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} (الأنعام، 60) أي: كسبتم أو لأنها تجرح الصيد غالباً، وقوله تعالى: {مكلبين} حال من ضمير علمتم أي: حال كونكم معلّمين هذه الكواسب الصيد والمكلب المؤدّب الجوارح ومغريها مأخوذ من الكلب بسكون اللام وهو الحيوان النابح؛ لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فأخذ من لفظه لكثرته في جنسه أو لأنّ السبع يسمى كلباً ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام فغاظ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ: «اللهمّ سلّط عليه كلباً من كلابك» فأكله الأسد، وقوله تعالى: {تعلمونهنّ} حال ثانية من ضمير علمتم أو استئناف. فإن قيل: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ أجيب: بأنّ فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح فقيهاً عالماً بالشرائط المعتبرة في الشرع لحل الصيد، وفي هذا فائدة جليلة وهي أنّ على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدّهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج في ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل فكم من أخذ من غير متقن قد ضيّع أيامه وعض عند لقاء التحارير أنامله {مما علمكم الله} أي: من علم التكليب لأنه إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. {فكلوا مما أمسكن} أي: الجوارح مستقرّاً إمساكها {عليكم} أي: على تعليمكم وإن قتلته بأن لم تأكل منه بخلاف غير المعلّمة فلا يحل صيدها وشروط التعليم فيها ثلاثة أشياء: إذا أرسلت استرسلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكته ولم تأكل منه، وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين، وإن أكل منه فلا تأكل، منه إنما أمسك على نفسه. وعن علي رضي الله تعالى عنه: إذا أكل البازي فلا تأكل وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء وبعضهم لا يشترط ذلك في سباع الطير؛ لأن تأدبها إلى هذا الحدّ متعذر وقال آخرون: لا يشترط مطلقاً وفي هذا
الحديث إنّ صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح. {واذكروا اسم الله عليه} في هذه الكناية ثلاثة أوجه أحدها: أنها تعود إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل: واذكروا اسم الله عليه على الأكل ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «سمّ الله وكل مما يليك» الثاني: إنها تعود إلى ما علمتم أي: اذكروا اسم الله على الجوارح عند إرسالها على الصيد ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه» الثالث: إنها تعود إلى ما أمسكن أي: اذكروا اسم الله تعالى على ما أدركتم ذكاته مما أمسكت عليكم الجوارح {واتقوا الله} أي: في محرماته {إنّ الله سريع الحساب} فيؤاخذكم بما جل ودق، وقوله تعالى: {اليوم} الكلام فيه كالكلام فيما قبله {أحلّ لكم الطيبات} أي: المستلذات {وطعام الذين أوتوا الكتاب} أي: ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم {حل} أي: حلال {لكم} فأمّا من دخل في دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحتهم، ولو ذبح يهوديّ أو نصرانيّ على اسم غير الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته، وأما المجوس فقد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في تقريرهم بالجزية دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، قال صلى الله عليه وسلم «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» رواه الإمام مالك {وطعامكم} إياهم {حل لهم} فلا عليكم أن تطعموهم ولا تبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. {والمحصنات من المؤمنات} أي: الحرائر {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وهم اليهود والنصارى أي: حل لكم أن تنكحوهنّ وإن كنّ حربيات. وقال أبي عباس: لا تحل الحربيات وأما الإماء المسلمات فيحل نكاحهنّ في الجملة بخلاف الإماء الكتابيات فلا يحل نكاحهنّ عندنا ويحل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. {إذا آتيتموهنّ أجورهنّ} أي: مهورهنّ فتقييد الحلّ بإتيانها لتأكيد وجوبها والحث على الأولى وإنّ من تزوّج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة الزاني، وورد فيه حديث وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حدّ لأقلّه كما إن أقل الأجر في الإجارة لا يتقدّر {محصنين} أي: قاصدين الإعفاف والعقاب. وقيل: متزوّجين {غير مسافحين} أي: معلنين بالزنا بهنّ {ولا متخذي أخدان} أي: مسرّين بالزنا منهنّ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى قال الشعبي: الزنا ضربان: السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان واتخاذ الخدن وهو الزنا سراً والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ} (البقرة، 221) فبقي على التحريم ما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهنّ من جميع المشركات، حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام، وقرأ الكسائي بكسر صاد المحصنات والباقون بنصبها. وقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان} اختلف المفسرون في معناه فقال ابن عباس ومجاهد: ومن يكفر بالإيمان أي: بالله الذي يجب الإيمان به وإنما حسن هذا المجاز؛ لأنه يقال: رب الإيمان ورب الشيء على سبيل المجاز، وقال الكلبي: ومن يكفر بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله لأنّ الإيمان من لوازمها وإطلاق الشيء على لازمه مجاز مشهور، وقال قتادة: إنّ ناساً من المسلمين قالوا: كيف
نتزوّج نساءهم مع كونهم على غير ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية: {ومن يكفر} بما أنزل الله في القرآن فهو كذا وكذا فسمي القرآن إيماناً؛ لأنه مشتمل على بيان كل ما لا بد منه في الإيمان، والمراد من ذلك أن يأتي بشيء يصير به مرتداً {فقد حبط} أي: فسد {عمله} الصالح قبل ذلك إن اتصل ذلك بالموت بدليل قوله تعالى: {وهو في الآخرة من الخاسرين} وقوله تعالى في آية أخرى: {فيمت وهو كافر} (البقرة، 217) أمّا من أسلم قبل الموت فإنّ ثوابه يفسد دون عمله فلا يجب عليه إعادة حج قد فعله ولا صلاة قد صلاها قبل الردّة. {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} أي: أردتم القيام إليها كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ با} (النحل، 98) عبرّ عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وظاهر الآية الكريمة يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً، لكن صدّ عنه الإجماع لما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال له عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال: «عمداً فعلته» ، فقيل: هو مطلق أريد به التقييد والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وقيل: الأمر فيه للندب وقيل: كان ذلك أوّل الأمر ثم نسخ قال البيضاوي: وهو ضعيف لقوله صلى الله عليه وسلم «المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» {فاغسلوا وجوهكم} أي: أمروا الماء عليها، ولا يجب الدّلك خلافاً لمالك رضي الله تعالى عنه {و} اغسلوا {أيديكم إلى المرافق} أي: معها إن وجدت وقدرها إن فقدت، لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد» إلخ.. وللإجماع أوان إلى في الآية بمعنى مع كما في قوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} (آل عمران، 52) ويزدكم قوّة إلى قوّتكم أو يجعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب مجازاً إلى المرفق مع جعل إلى غاية للغسل الداخلة هنا في المغيّا بقرينة الإجماع والاحتياط للعبادة، والمعنى اغسلوا أيديكم من رؤوس الأصابع إلى المرافق، أو تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل إلى غاية للترك المقدّر فتخرج الغاية والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق، والمرافق جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة وهو مفصل ما بين العضد والمعصم ولو قطع بعض ما يجب غسله وجب غسل الباقي؛ لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإن قطع من المرفق فإن سلّ عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد وجب غسل رأس عظم العضد؛ لأنه من المرفق وهو مجموع العظمين والإبرة الداخلة بينهما وإن قطع من فوق المرفق ندب غسل باقي عضده. {وامسحوا برؤسكم} أي: ببعضها. لما روى مسلم «إنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته» واكتفى بمسح البعض لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لأنها دونه والباء إذا دخلت على متعدّد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} (الحج، 29) تكون للالصاق. فإن قيل: صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة فهلا أوجبتم التعميم أيضاً؟ أجيب: بأن المسح ثم بدل للضرورة فاعتبر ببدله
ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه. فإن قيل: المسح على الخف بدل فهلا وجب تعميمه كمُبْدَله؟ أجيب: بقيام الإجماع على عدم وجوبه، ولا فرق بين أن يمسح على بشرة الرأس أو شعرها ولو شعرة واحدة في حدّ الرأس؛ لأنّ ذلك يصدق عليها مسمى الرأس عرفاً إذ الرأس اسم لما رأس وعلا وقوله تعالى: {وأرجلكم} قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي بنصب اللام عطفاً على وجوهكم. وقيل: على أيديكم والباقون بالكسر على الجوار ومنهم من عطف على المجرور على قراءة الجرّ والممسوح ليفيد مسح الخف، وعطف على المنصوب على قراءة النصف على المغسول ليفيد غسل الرجل المتجرّدة منه فيفيد كل من القراءتين غير ما أفادته الأخرى وقوله تعالى: {إلى الكعبين} وهم العظمان الناتئان في كل رجل من جانبين عند مفصل الساق والقدم دل على دخولهما في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه وقد مرّ. تنبيه: الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح فيه دليل على وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه ولو قطع بعض القدم وجب غسل الباقي وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه، وندب غسل الباقي كما مرّ في اليد ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات. {وإن كنتم جنباً} من جماع وغيره {فاطهروا} أي: بالغسل لجميع البدن؛ لأنه أطلق ولم يخص الأعضاء كما في الوضوء {وإن كنتم مرضى} أي: مرضاً يضره الماء {أو على سفر} أي: مسافرين سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً {أو جاء أحد منكم من الغائط} أي: الموضع المطمئن من الأرض الذي يقضي فيه حاجته الإنسان التي لا بد منها سمي باسمه الخارج للمجاورة. قيل: وفي ذلك حكمة وهي شدة عجز الإنسان ليكف عن إعجابه وكبره وترفعه وفخره كما حكي أنّ بعض الأمراء لقي بعض البله فلم يفسح له فغضب وقال: كأنك لم تعرفني فقال: بلى والله إني لأعرفك أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وحقق الباقون الهمزتين معاً. {أو لامستم النساء} بالذكر أو غيره أمنيتم أم لا وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين اللام والميم والباقون بالألف {فلم تجدوا ماء} بعد طلبه لفقده حساً أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره {فتيمّموا} أي: اقصدوا {صعيداً} أي: تراباً {طيباً} أي: طهوراً خالصاً {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} مع المرفقين {منه} بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أنّ المراد استيعاب العضوين بالمسح وتقدّم مثل هذه الآية في النساء في البيضاوي، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. {ما يريد الله ليجعل عليكم} في الدين {من حرج} أي: ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم {ولكن يريد ليطهركم} من الأحداث والذنوب فإنّ الوضوء يكفر الذنوب {وليُتِمّ نعمته عليكم} ببيان شرائع الدين {لعلكم تشكرون} نعمه فيثيبكم، قال البيضاوي: والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى طهارتان أصل وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود وإنّ آلتيهما مائع وجامد
وموجبهما حدث أصغر أو أكبر، وإنّ المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وإنّ الموعود عليه تطهير الذنوب وإتمام النعمة. {واذكروا نعمة الله عليكم} أي: في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم ليذكركم المنعم ويرغبكم في شكره، لأنّ كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وقال تعالى: {نعمة الله} ولم يقل نعم الله؛ لأنّ هذا الجنس لا يقدر عليه إلا الله لأنّ نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون من الآفات وإيصال الخيرات في الدنيا والآخرة لا يعلمه إلا الله تعالى وإن المراد التأمل في هذا النوع من حيث إنه ممتاز عن نعمة غيره. فإن قيل: قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله} يشعر بسبق النسيان وكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات؟ أجيب: بأنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد فصار غاية ظهورها وكثرتها سبباً لوقوعها في محل النسيان {و} اذكروا {ميثاقه} أي: عقده الوثيق {الذي واثقكم به} أي: بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره والمنشط مفعل من النشاط وهو الأمر الذي ينشط له والمكره مفعل من الكره وهو الأمر الذي تكرهه النفس وأضاف الميثاق الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه كقوله: {إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وأكد ذلك بأنكم التزمتموه {إذا} أي: حين {قلتم سمعنا وأطعنا} وفي ذلك تذكير بما أوجب الله له صلى الله عليه وسلم عليكم من الشكر بهدايته لكم إلى الإسلام ثم حذركم عن نقض تلك العهود بقوله: {واتقوا الله} أي: في ميثاقه أن تنقضوه {إنّ الله} الذي له صفات الكمال {عليم} أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: بما في القلوب فبغيره أولى فيجازيكم عليها فضلاً عن جليات أعمالكم، وقيل: المراد بالميثاق هو الذي أخذه الله منهم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى قاله مجاهد وقيل: المراد به الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله على التوحيد والشرائع قاله السدي، وأدغم أبو عمرو القاف في واثقكم في الكاف بخلاف عنه. {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين} أي: مجتهدين في القيام بحقوقه تعالى {شهداء} أي: متيقظين محضرين إفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يشذّ عنها شيء مما تريدون الشهادة به {بالقسط} أي: العدل {ولا يجرمنكم} أي: ولا يحملنكم {شنآن} أي: شدّة بغض {قوم} أي: الكفار {على أن لا تعدلوا} فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفياً مما في قلوبكم {اعدلوا} أي: تحروا العدل واقصدوه في كل شيء {هو} أي: العدل {أقرب} من تركه {للتقوى} لكونه لطفاً فيه وفيه تنبيه عظيم على أنّ وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه. تنبيه: يؤخذ من هذا أن التكاليف مع كثرتها محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فقوله تعالى: {كونوا قوّامين} إشارة إلى التعظيم لأمر الله ومعنى القيام هو أن تقوم لله بالحق في كل ما يلزمك وقوله تعالى: {شهداء بالقسط} إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان، الأوّل: قال عطاء:
لا تخاف في شهادتك أهل ودك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. الثاني: أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم، وتقدّم نظير هذه الآية في النساء، إلا أنّ هناك قدم لفظة القسط وهنا أخرّها، قال ابن عادل: فكان الغرض من ذلك والله أعلم إنّ آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ بالأمر بالقيام؛ به لأنه أردع للمؤمنين ثم ثني بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض بما يناسبه. وقال البيضاوي: وتكرير هذا الحكم إمّا لاختلاف السبب كما قيل: إنّ الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ولمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ {واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون} فيجازيكم به. {وعد الله الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} تصديقاً لهذا الإقرار {الصالحات} وحذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله: {لهم مغفرة وأجر عظيم} فإنه استئناف يبينه. وقيل: الجملة في موضع المفعول فإنّ الوعد ضرب من القول؛ لأنه لا ينعقد إلا به فكأنه قال: وعدهم هذا القول والأجر العظيم هو الجنة. {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} أي: النار التي اشتدّ توقدها فاشتدّ احمرارها فلا يراها أحد إلا أحجم عنها فيلقون فيها ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب وهذا من عادة الله سبحانه وتعالى إنه يتبع حال أحد الفريقين حال الفريق الآخر وفاء بحق الدعوة وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم. {يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم} رسمت نعمت هنا بالتاء فوق فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والهاء والباقون بالتاء وفي الوصل الجميع بالتاء. روي أنّ المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً وذلك بعسفان وهو وادٍ بينه وبين مكة مرحلتان في غزوة ذي أنمار فلما صلّوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف، رواه مسلم وغيره والآية إشارة إلى ذلك. وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الخلفاء الأربعة يستقرضهم أي: يطلب منهم مالاً قرضاً لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، لكن في رواية البيهقي أنّ المقتولين كانا معاهدين لا مسلمين وأن الخروج كان لبني النضير لا إلى قريظة فقالوا: نعم يا أبا القاسم وكانوا قد عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات فقالوا: قد آن لك أن تأتينا أو تسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحش: أنا، فجاء إلى رحا عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده فنزل جبريل عليه السلام فأخبره فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة ثم دعا علياً وقال: «لا تبرح مقامك فمن خرج عليك من أصحابي فسأل عني فقل: توجه إلى المدينة» ففعل ذلك حتى
تناهوا إليه ثم تبعوه، وقيل: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً وتفرق الناس في العضاء يستظلون بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي فسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟ قال: «الله» فأسقطه جبريل من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «من منعك مني؟» فقال: لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فنزلت. {إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} ليفتكوا بكم يقال: بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به قال تعالى: {ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} (الممتحنة، 2) ومعنى بسط اليد مدّها إلى المبطوش به، ألا ترى إلى قولهم: فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى {فكف أيديهم عنكم} أي: منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم {واتقوا الله} في جميع أموركم {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فإنه الكافي لإيصال الخير ودفع الشر. {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} أي: العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة {وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} أي: شاهداً على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما عليهم الوفاء به كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيباً وأخذنا منكم الميثاق على ما به كمال الإسلام والنقيب الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل له: عريف لأنه يتعرّفها ومن ذلك المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها. روي أنّ بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحاء بالمدّ أرض الشام وكان سكنها الكنعانيون الجبابرة وقال: إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا فيها، وإني ناصركم وأمر موسى صلوات الله وسلامه عليه أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به يوثقه عليهم واختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل له بهم النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا إجراماً عظيماً وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدّثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهودا ويوشع بن نون من سبط افراثيم بن يوسف وكانا من النقباء {وقال} لهم {الله إني معكم} أي: بالعون والنصرة {لإن} لام قسم {أقمتم الصلاة} التي هي وصلة العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها وآتيتم الزكاة التي تقرّب العبد إلى الله عز وجلّ {وآمنتم برسلي} أي: بجميع الرسل {وعزرتموهم} أي: نصرتموهم وقيل: التعزير التعظيم وقيل: هو الثناء بخير قاله يونس وهو قريب من الثاني. فإن قيل: لم أخرّ الإيمان بالرسل عن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدّم عليهما؟ أجيب: بأنّ اليهود كانوا مقرّين بأنه لا بدّ في حصول النجاة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرّين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنّ بعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا بدّ من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود وإلا لم يكن لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل. فإن قيل: قوله تعالى: {وأقرضتم الله قرضاً حسناً} داخل تحت إيتاء الزكاة فما فائدة إعادته؟ أجيب: بأنّ المراد بالزكاة الواجبة وبالقرض الصدقة المندوبة وخصها تنبيهاً على شرفها وقرضاً يحتمل المصدر والمفعول به،
ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صلاح العمل قال: سدّ الجواب القسم المدلول عليه باللام في لئن مسد جواب الشرط {لأكفرنّ} أي: لأسترنّ {عنكم سيآتكم} أي: فعلكم الذي من شأنه أن يسوء {ولأدخلنكم} فضلاً ورحمة مني {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: من شدّة الريّ {فمن كفر بعد ذلك} الميثاق {منكم فقد ضلّ} أي: ترك وضيع {سواء السبيل} أي: أخطأ طريق الحق والسواء في الأصل الوسط. فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل، أجيب: بأنّ الضلال بعد أظهر وأعظم لأنه الكفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره لأنه قد يكون له قبل ذلك شبهة يتوهم له معذرة، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون بالإدغام وقد تقدّم ولما نقضوا الميثاق مرّة بعد مرّة بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء وكتمهم صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم في سورة البقرة. قال تعالى: {فبما} ما مزيدة للتأكيد {نقضهم ميثاقهم لعنّاهم} قال عطاء: أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم قردة وخنازير وقال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي: لا تلين لقبول الإيمان وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بعد القاف وتشديد الياء بمعنى رديئة من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشاً وهو أيضاً من القسوة فإنّ المغشوش فيه يبس وصلابة والباقون بألف بعد القاف وتخفيف الياء وقوله تعالى: {يحرّفون الكلم عن مواضعه} استئناف لبيان قسوة قلوبهم فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله تعالى والافتراء عليه {ونسوا حظاً} أي: نصيباً نافعاً {مما ذكروا به} أي: من التوراة على أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاتهم به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه وقيل معناه: إنهم حرّفوها فزلّت لشؤمهم أشياء منها عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته {ولا تزال} أي: بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق فهو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم {تطلع} أي: تظهر {على خائنة} أي: خيانة {منهم} بنقض العهد وغيره لأنّ ذلك من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم {إلا قليلاً منهم} لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم {فاعف عنهم} أي: امح ذنبهم ذلك {واصفح} أي: أعرض عن ذلك أصلاً ورأساً إن تابوا وآمنوا وعاهدوا والتزموا الجزية وقيل: مطلق ونسخ بآية السيف وقوله تعالى: {إنّ الله يحب المسحنين} تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على أنّ العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلاً عن العفو عن غيره. روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم. وفي رواية البخاري أنه رجل من بني زريق حليف لليهود وكان منافقاً حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهنّ وذلك أشدّ السحر، ثم إنّ الله تعالى شفاه وأعلمه أنّ السحر في بئر ذروان فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها: أفلا أخرجته؟ فقال: «لا أمّا أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرّاً فأمرت به فدفنته» وهو في معجم الطبرانيّ الكبير وهذا لفظه، وعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال:
«كان رجل يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم فعقد له عقداً فجعله في بئر رجل من الأنصار فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال فلان الذي يدخل عليه عقد له عقداً فألقاه في بئر فلان الأنصاري فلو أرسل رجلاً لوجد الماء أصفر فبعث رجلاً فأخذ العقد فحلها فبرىء، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئاً منه ولم يعاتبه» ، وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ امرأة يهودية سمّت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك فقال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك ـ أو قال ـ عليّ» قالوا: أفلا نقتلها؟ قال: «لا» قال أنس: فما زلت أعرفها في لهوات النبيّ صلى الله عليه وسلم فانظر إلى عفوه صلى الله عليه وسلم واقتد به» ، وفي ذلك غاية العفو والإحسان امتثالاً لأمر ربه تعالى، وقيل: فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم. {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} أي: وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم. فإن قيل: هلا قال من النصارى؟ أجيب: بأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة الله تعالى لقولهم لعيسى: {نحن أنصار الله} (آل عمران، 52) وليسوا موصوفين به قال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى {فنسوا} أي: تركوا ترك الناسي {حظاً} أي: نصيباً عظيماً يتنافس في مثله {مما ذكّروا به} أي: في الإنجيل من الإيمان ومن أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ونقضوا الميثاق {فأغرينا} أي: أوقعنا {بينهم} أي: النصارى بعد أن جعلناهم فرقاً متباينين وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية وكذا بينهم وبين اليهود {العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} أي: بتفرّقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تكفر الأخرى وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية والباقون بتحقيقهما {وسوف ينبئهم الله} أي: يجزيهم في الآخرة {بما كانوا يصنعون} فيجازيهم عليه. وقوله تعالى: {يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى ووحد الكتاب لأنه للجنس {قد جاءكم رسولنا} وهو أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم {يبين لكم} أي: يوضح إيضاحاً شافياً {كثيراً مما كنتم تخفون} أي: تكتمون {من الكتاب} أي: التوراة والإنجيل كنعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى وأحمد في الإنجيل {ويعفو عن كثير} أن مما تخفونه فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة في أمر ديني أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه بجرمه {قد جاءكم من الله نور} هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي جلا ظلمات الشك والشرك {وكتاب} هو القرآن العظيم {مبين} أي: بين في نفسه مبين لما كان خافياً على الناس من الحق. {يهدي به الله} أي: بالكتاب وقيل: بهما ووحد الضمير لأنّ المراد بهما واحد لأنهما كواحد في الحكم {من اتبع رضوانه} أي: رضاه بأن آمن {سبل} أي: طرق {السلام} أي: السلامة من العذاب أو الله باتباع شرائع دينه {ويخرجهم من الظلمات} أي: أنواع الكفر والوساوس الشيطانية {إلى النور} أي: الإسلام {بإذنه} أي: بإرادته أو بتوفيقه {ويهديهم إلى صراط مستقيم} أي: طريق هي أقرب الطرق إلى الله تعالى ومؤدّ إليه لا محالة وهو الدين الحق. {لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم} وذلك حيث جعلوه إلهاً وهم اليعقوبية فرقة من النصارى، وقيل: ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه حيث
اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم {قل} لهم يا محمد {فمن يملك} أي: يدفع {من} عذاب {الله شيئاً} أي: من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد {إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعاً} أي: لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلهاً لقدر عليه فدل ذلك على أنه بمعزل من الألوهية وإنه مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات، وأراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمّه إنهما من جنسهم لا تفاوت بينهم وبينهما في البشرية {وملك السموات والأرض وما بينهما} أي: بين النوعين وبين أفرادهما مما به تمام أمرهما {يخلق ما يشاء} أي: على أيّ كيف أراد {وا على كل شيء قدير} أي: قادر على الإطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السموات والأرض ومن أصل كما خلق ما بينهما وينشىء من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات ومن أصل يجانسه أمّا من ذكر وحده كما خلق حوّاء من آدم أو من أنثى وحدها كعيسى بن مريم أو منهما كسائر الناس. {وقالت اليهود والنصارى} أي: كل طائفة قالت على حِدَتِها {نحن أبناء الله وأحباؤه} اختلف المفسرون في معنى ذلك على أربعة أوجه، أحدها: أنّ هذا من باب حذف المضاف أي: نحن أبناء رسل الله كقوله تعالى: {إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} (البقرة، 10) الثاني: إن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب قد يطلق أيضاً على من اتخذ ابناً بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا عناية الله بهم ادعوا أنهم أبناء الله. الثالث: إنّ اليهود زعموا أنّ العزير ابن الله، والنصارى زعموا أنّ المسيح ابن الله ثم زعموا أنّ العزير والمسيح كانا منهم فصار كأنهم قالوا: نحن أبناء الله ألا ترى أنّ أقارب الملك إذا فاخروا أحداً يقولون: نحن ملوك الدنيا والمراد كونهم مختصين بالشخص الذي هو الملك فكذا هنا، الرابع: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوّفهم من عقاب الله فقالوا: كيف تخوّفنا بعذاب الله ونحن أبناء الله تعالى وأحباؤه فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة، وأمّا النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل أنّ المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقيل: أرادوا أنّ الله كالأب لنا في الحنو والعطف ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال إبراهيم النخعي: إنّ اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري فبدلوه بيا أبناء أبكاري فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. وجملة الكلام: إنّ اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على سائر الخلق بسبب أسلافهم من الأنبياء إلى أن ادعوا ذلك. {قل} لهم يا محمد {فلم يعذبكم بذنوبكم} أي: فإن صحّ ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذّبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياماً معدودة، وقرأ البزّي في الوقف فَلِمَهْ بخلاف عنه {بل أنتم بشر من} جملة {من خلق} هـ الله تعالى من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم {يغفر لمن يشاء} أي: ممن خلقه منكم ومن غيركم تفضلاً منه تعالى {ويعذب من يشاء} كذلك كما تشاهدونه يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين لا اعتراض عليه، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام من يغفر والياء في الميم من يعذب بخلاف عنه ورقق ورش الراء على أصله {وملك السموات والأرض وما بينهما}
أي: وأنتم مما بينهما فمن كان هكذا وقدرته هكذا كيف يستحق عليه البشر الضعيف حقاً واجباً وكيف يملك عليه الجاهل بعبادته الناقصة ديناً لازماً {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً} (الكهف، 5) ثم قال: {وإليه المصير} أي: المرجع فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. {يا أهل الكتاب} أي: من الفريقين {قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم {يبيّن لكم} أي: ما كتمتم وحذف لتقدّم ذكره أو الدين وحذف لظهوره ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى ويبذل لكم البيان وجملة يبيّن لكم في موضع الحال أي: جاءكم رسولنا مبيناً لكم وقوله تعالى: {على فترة من الرسل} متعلق بجاءكم أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء فشبّه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهم وبلاء رسومهم وآثارهم وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يغلي ففتر ولم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثرٌ خافٍ ورسْمٌ دارسٌ. يقال: فتر الشيء يفتر فتوراً إذا سكنت حركته وصار أقلّ مما كان عليه وسميت المدّة بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بترك الشرائع واختلفوا في مدّة الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فقال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، وقال قتادة: خمسمائة وستون سنة وقال معمر والكلبيّ: خمسمائة وستة وأربعون سنة وعن الكلبيّ: بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبيّ، وبين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسيّ، وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكون إليه قال البقاعي: ولعله عبّر بالمضارع في يبيّن إشارة إلى أنّ دينه وبيانه لا ينقطع أصلاً بحفظ كتابه فكلما درست سنة منح الله تعالى بعالم يردّ الناس إليها بالكتاب العزيزالمعجز القائم أبداً فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبيّ مجدّد إلا عند الفتنة التي لا تطيقها العلماء وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج. ثم علل ذلك بقوله تعالى: {أن} أي: كراهة أن {تقولوا} أي: إذا حشرتم وسئلتم عن إهمالكم {ما جاءنا من بشير} أيّ بشير فمن زائدة لتأكد النفي أي: يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز {ولا نذير} أي: يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم وقوله تعالى: {فقد جاءكم بشير ونذير} متعلق بمحذوف أي: لا تعتذروا بما جاءنا من بشير ولا نذير فلا جاءكم بشير ونذير {وا على كل شيء قدير} أي: فيقدر على الإرسال تَتْراً واحداً بعد واحد على التعاقب كما فعل بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وعلى الإرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. {وإذ قال موسى لقومه} أي: من اليهود {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم} أي: إنعامه فذكرهم بثلاثة أمور، أولها: قوله تعالى: {إذ} أي: حين {جعل فيكم} أي: منكم {أنبياء} فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي بإظهار ذال «إذ» عند الجيم وأدغمها أبو عمرو وهشام، وثانيها: قوله تعالى: {وجعلكم ملوكاً} أي: وجعل منكم أو فيكم فقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهمّوا بقتل عيسى وقال ابن عباس: وأصحاب خدم وحشم، قال قتادة: كانوا أوّل من ملك الخدم ولم يكن قبلهم خدم. وعن أبي سعيد الخدري
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنه قال: «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً» وقال أبو عبد الرحمن الجيلي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المسلمين المهاجرين؟ فقال عبد الله له: يا هذا ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم قال: فأنت غنيّ من الأغنياء قال: ألك خادم؟ قال: نعم قال: أنت من الملوك. وقال السديّ: وجعلكم أحراراً تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم، وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعاً وفيه نهر جارٍ فهو ملك. وثالثها: قوله تعالى: {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} وذلك، لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام كفلق البحر لهم وأهلك عدوّهم وأورثهم أموالهم وأنزل عليهم المنّ والسلوى وأخرج لهم المياه الغزيرة من الحجر وأظلّ فوقهم الغمام، ولم يجتمع الملك والنبوّة لقوم كما اجتمعا لهم، وكانوا في تلك الأيام هم العلماء بالله تعالى وهم أحباب الله وأنصار دينه، وقيل: المراد بالعالمين عالمو زمانهم. وقال الكلبيّ: إن جعلت العالمين عامّاً وجب تخصيص «ما» لئلا يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمّة من الكرامة والفضل وغير ذلك وإن خصصته بعالمي زمانهم ف «ما» باقية على عمومها إذ لا محذور. ولما ذكرهم هذه النعم وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بجهاد العدوّ فقال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة} أي: المطهرة وهي أرض بيت المقدس سمّيت بذلك لأنها كانت مسكن الأنبياء والمؤمنين وقال مجاهد: هي الطور وما حوله. وقال الكلبيّ: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردُنّ وهو بضم الدال وتشديد النون اسم نهر أو كورة بالشأم قاله الجوهريّ، وقال قتادة: هي الشأم كلها {التي كتب الله لكم} أي: في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن وقال السديّ: أمركم بدخولها. فإن قيل: على القول الأوّل: كيف كتبها لهم بعد قوله تعالى بعد {فإنها محرمة عليهم} ؟ أجيب: بأجوبة أوّلها: قال ابن عباس: إنها كانت هبة ثم حرّمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم، ثانيها: اللفظ وإن كان عاماً لكم المراد به الخصوص فكأنها كتبت لبعضهم وحرّمت على بعضهم، ثالثها: إنّ الوعد بقوله تعالى: {كتب الله لكم} مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط، رابعها: إنها محرّمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون حصل ما كتب {ولا ترتدّوا على أدباركم} أي: ولا ترجعوا مدبرين خوفاً من العدوّ {فتنقلبوا خاسرين} أي: في سعيكم، وذلك أنّ قوم موسى لما أخرجوا من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشأم. قال الكلبيّ: صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له: انظر ما أدرك بصرك فهو مقدّس وهو ميراث لذريّتك، وكان بنو إسرائيل يسمّون أرض الشأم أرض الموعد، ثم بعث موسى عليه السلام اثني عشر نقيباً ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأرض فلما دخلوا تلك الأماكن رأوا أجساماً عظيمة، قال ابن عادل: قال المفسرون فأخذهم أحد أولئك الجبارين وجعلهم في كمّه مع فاكهة قد حملها، من بساتينه، وأتى بهم للملك ونثرهم بين يديه وقال تعجيباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه بما شاهدتم، ثم انصرف هؤلاء النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلا رجلين منهم وهما يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف فتى موسى وكالب بن يوفنا فتى موسى وكان من سبط يهوذا فإنهما
سهّلا الأمر وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم والأقوام وإن كانت أجسامهم عظيمة إلا أنّ قلوبهم ضعيفة، وأمّا العشرة الباقية من النقباء فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، ويقولون لأصحابهم: قالوا: نجعل علينا رؤساء وننصرف إلى مصر فذلك قوله تعالى: {قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبارين} أي: عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين لغيرهم على ما يريدون {وإنّا لن ندخلها} خوفاً منهم {حتى يخرجوا منها} أي: بأيّ وجه كان {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} لها وأصل الجبّار المتعظم الممتنع عن القهر يقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها وسمّي هؤلاء القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوّة أجسادهم، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خرّ موسى وهارون عليهما السلام ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله: {قال رجلان من الذين يخافون} أي: مخالفة أمر الله تعالى {أنعم الله عليهما} أي: بالتوفيق والعصمة {ادخلوا عليهم الباب} أي: باب قرية الجبّارين ولا تخشوهم فإنا رأيناهم وأجسادهم عظيمة بلا قلوب {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} أي: لأنّ الله تعالى منجز وعده {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} به ومصدّقين بوعده فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما. ثمّ {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً} نفوا دخولهم على التأبيد والتأييد وقوله تعالى: {ما داموا فيها} بدل من أبداً بدل البعض {فاذهب أنت وربك فقاتلا} هم {إنا ههنا قاعدون} عن القتال لا القعود الذي هو ضدّ القيام قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما وقيل: وربك أي: هارون لأنه أكبر منه وقيل: تقديره اذهب أنت وربك يعينك فلما سمع من قومه ذلك. {قال ربّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي} أي: لا أملك التصرّف ولا ينفذ أمري إلا في نفسي وأخي؛ لأنّ الإنسان لا يملك نفسه في الحقيقة إنما المراد به التصرف وإني أفعل ما أمرتني به وأخي هارون قاله لشكوى بثّه وحزنه إلى الله عز وجل لما خالفه قومه وأيس منهم ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون عليه السلام والرجلان المذكوران وإن كانوا يوافقانه لم يثق بهما مما كابد من تلوّن قومه أو إنّ المراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه وأظهر وجوه الإعراب في أخي أنه منصوب عطفاً على نفسي والمعنى: ولا أملك إلا أخي مع ملكي نفسي دون غيرنا {فافرق} أي: فافصل {بيننا وبين القوم الفاسقين} بأن تحكم لنا بما نستحقه ونحكم عليهم بما يستحقونه أو بالتبعيد بيننا وبينهم. {قال} تعالى: {فإنها} أي: الأرض المقدّسة {محرّمة عليهم} أن يدخلوها وقوله تعالى: {أربعين سنة يتيهون} أي: يتحيرون {في الأرض} اختلف في العامل في أربعين فقيل: محرمة فيكون التحريم مؤقتاً غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله تعالى: {التي كتب الله لكم} (المائدة، 21) وقيل: هو يتيهون أي: يسيرون فيها متحيرين، قال الزجاج: والأوّل خطأ لأنه جاء في التفسير أنها محرمة عليهم أبداً فنصبها بيتيهون أي: فيكون التحريم مطلقاً قال البغويّ: لم يرد به تحريم تعبد وإنما أراد تحريم منع وأوحى الله
تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: بي حلفت لأحرّمنّ عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البريّة أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ، وقيل: تسعة فراسخ قال ابن عباس: وهم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون كلّ يوم جادّين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه وكان الغمام يظلّهم من الشمس وعمود نور يطلع بالليل فيضيء لهم وكان طعامهم المنّ والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملون فإذا ولد لأحدهم مولود كان عليه ثوب مثل الظفر في رأي العين يطول بطوله ويتسع بقدرة الله والله أعلم بما يحكى من ذلك. فإن قيل: كيف ينزل المنّ والسلوى في حال العقوبة؟ أجيب: بأنه سبب البقاء وهو أبقى للعقوبة فهو كإقامة الحدود مع بقاء الخطاب، واختلفوا هل كان موسى وهارون عليهما السلام فيهم أو لا؟ قال البغويّ: الأصحّ أنهما كانا فيهم إلا أنه كان ذلك راحة لهما وزيادة في درجتهما وعقوبة لهم، وهو أبلغ في الإجابة أن يشاهدوهما في حال العقوبة فلا يصيبهما ما أصابهم ولم يدخل الأرض المقدّسة أحد ممن قال لن ندخلها بل هلكوا في التيه، وإنما قاتل الجبابرة أولادهم واختلفوا هل مات موسى وهارون في التيه أم لا؟ قال البيضاويّ: الأكثرون إنهما كانا معهم في التيه وإنهما ماتا فيه، مات هارون قبل موسى وموسى بعده بسنة، قال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موسى وكانا خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل فقالوا: قتله لحبّنا إياه وكان محببّاً في بني إسرائيل فتضرّع موسى إلى ربه فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى هارون فإني باعثه فانطلق بهم إلى قبره فناداه يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا ولكن مت قال: فعد إلى مضجعك وانصرفوا وعاش موسى صلى الله عليه وسلم بعده سنة. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أجب أمر ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فقال ملك الموت: يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال: فردّ الله عينه وقال: ارجع إلى عبدي وقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة قال: ثم مه قال: ثم تموت قال: الآن من قريب؟ قال: رب أدنني من الأرض المقدّسة رمية حجر» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» قال وهب: خرج موسى ليقضي حاجة فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبراً لم ير شيئاً أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا: لعبد كريم على ربه فقال: إنّ هذا العبد لمن الله بمنزلة ما رأيت كاليوم أحسن منه مضجعاً فقالت الملائكة: يا صفيّ الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل نفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوّت عليه الملائكة التراب وقيل: إنّ ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض الله روحه وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة،
فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة بعث الله تعالى يوشع عليه السلام نبياً فأخبرهم أنّ الله تعالى قد أمرهم بقتال الجبابرة فصدّقوه وبايعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق وأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر وفتحوها في الشهر السابع ودخلوها فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهمّ اردد الشمس عليّ وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت فردّت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين. وروى الإمام أحمد في مسنده حديثاً: «إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس» ثم تتبّع ملوك الشأم فاستباح منهم أحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشأم وصارت الشأم كلها لبني إسرائيل وفرق عمّاله في نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله تعالى إلى يوشع إنّ فيها غلولاً فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلمّ ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، وكان قد غلّه فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن في جبل إبراهيم وكان عمره مائة وستاً وعشرين سنة وتدبر أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعاً وعشرين سنة فسبحان الباقي بعد فناء خلقه. ولما ندم موسى عليه السلام على الدعاء عليهم قال تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين} فبين تعالى أنهم أحقاء بذلك لفسقهم. {واتل عليهم نبأ ابني آدم} وهما هابيل وقابيل وقوله تعالى: {بالحق} صفة مصدر محذوف أي: تلاوة متلبسة بالحق. وقصتهما: أنّ الله تعالى أوحى إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأم الآخر وكانت حواء تلد لآدم كل بطن غلاماً وجارية وظاهر كلام المؤرّخين أنّ آدم لا يحل له أن يتزوّج بواحدة من بناته ولا من بنات أولاده، ولهذا ألغز بعضهم بقوله: ماتت زوجة رجل فحرم عليه نساء الدنيا وكان جميع ما ولدته أربعين ولداً في عشرين بطناً أولهم قابيل وتوأمته اقليما وثانيهم هابيل وتأومته يلودا وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمّ المغيث، ثم بارك الله تعالى في نسل آدم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً فأراد آدم أن ينكح قابيل يلودا أخت هابيل وينكح هابيل اقليما وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل فذكر ذلك لولده فرضي هابيل وسخط قابيل وقال: هي أختي وأنا أحق بها فقال له أبوه: إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك وقال: إنّ الله لم يأمر بهذا وإنما هو من رأيك فقال لهما آدم: قربا قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكله الطير والسباع فخرجا ليقربا وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ـ ما أبالي تقبل مني أم لا ـ لا يتزوّج أختي أبداً وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرّبه، وأضمر في نفسه رضا الله عز وجل فوضعا
قربانهما على الجبل ثم دعا آدم فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل كما قال تعالى: {إذ قرّبا قرباناً فتقبل من أحدهما} وهو هابيل {ولم يتقبل من الآخر} وهو قابيل لأنه سخط حكم الله ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده فغضب قابيل لردّ قربانه وأضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت الحرام فلما غاب آدم أتى قابيل لهابيل وهو في غنمه {قال لأقتلنك} قال: ولم؟ قال: لأنّ الله تعالى قبل قربانك وردّ قرباني وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة فيتحدّث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي {قال} هابيل وما ذنبي؟ {إنما يتقبل الله من المتقين} . فإن قيل: كيف كان قول هابيل إنما يتقبل الله من المتقين جواباً لقوله لأقتلنك؟ أجيب: بأنه لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي فلم تقتلني ومالك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول فأجابه بكلام حليم مختصر جامع لمعانٍ وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما صار به المحسود محظوظاً لا في إزالة حظ المحسود فإنّ ذلك مما يضرّه ولا ينفعه وأنّ الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متَّقٍ، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك وقد كنت وكنت فقال: إني أسمع الله يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين} . {لئن} لام قسم {بسطت} أي: مددت {إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله ربّ العالمين} قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: وأيم الله إن كان المقتول لأشدّ الرجلين ولكن منعه التحرّج أن يبسط إلى أخيه يده خوفاً من الله عز وجل لأن الدفع لم يبح بعد أو تحرّياً لما هو الأفضل، قال عليه الصلاة والسلام: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» وإنما قال: ما أنا بباسط في جواب لئن بسطت للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأساً والتحرّز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء من يدي والباقون بالسكون، واتفق القراء السبعة على بقاء صفة الطاء في بسطت وإدغام الطاء في التاء لأنّ مخرج الطاء والتاء واحد ولكن الصفة مختلفه فالطاء منطبقة والتاء منفتحة والطاء مستعلية والتاء مستقلة والطاء مجهورة والتاء مهموسة ويقال في ذلك: إدغام الحرف وإبقاء الصفة. {إني أريد أن تبوء} أي: ترجع {بإثمي} أي: بإثم قتلي {وإثمك} الذي ارتكبته من قبل {فتكون من أصحاب النار} ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك فأكون منهم. فإن قيل: كيف قال: أريد أن تبوء بإثمي وإثمك وإرادة القتل والمعصية لا تجوز؟ أجيب: بأنّ ذلك ليس بحقيقةِ إرادة، لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطن نفسه على الاستسلام طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً وإن لم يكن مريداً حقيقة {وذلك جزاء الظالمين} أي: الراسخين في وصف الظلم وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاء لي بإحساني في إيثاري حياتك على حياتي وذلك جزاء المحسنين. {فطوّعت} قال قتادة: فزينت {له نفسه قتل أخيه فقتله} قال ابن جريج: تمثل له إبليس وأخذ له طائراً ووضع رأسه على حجر وشدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلمه القتل فرضخ قابيل
رأس هابيل بين حجرين وقتله وهو مستسلم وقيل: اغتاله في النوم وهو نائم فشدخ رأسه فقتله {فأصبح} أي: فصار {من الخاسرين} بقتله ولم يدر ما يصنع به لأنه أوّل ميت على وجه الأرض من بني آدم وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة فحمله بعد قتله في جراب أربعين يوماً وقال ابن عباس: سنة حتى أروح وعكف عليه الطير والسباع تنظر متى يرمي فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره ورجليه حتى مكنّه ثم ألقاه في الحفرة وواراه وقابيل ينظر إليه فذلك قوله تعالى: {فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه} أي: الله أو ليريه الغراب أي: ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز {كيف يواري} أي: يستر {سوأة} أي: جيفة {أخيه} وقيل: عورته لأنه كان سلبه ثيابه فلما رأى قابيل ذلك {قال يا ويلتي} كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل من ياء المتكلم والمعنى: يا ويلتي احضري فهذا أوانك والويل والويلة الهلكة {أعجزت} أي: مع ما جعل الله لي من القوّة الناطقة {أن} أي: عن أن {أكون} مع مالي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك {مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} أي: لأهتدي إلى ما اهتدى إليه وقوله تعالى: {فأواري} عطف على أكون وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى لو عجزت لواريت {فأصبح} أي: بسبب قتله {من النادمين} أي: على ما فعل لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه وما انتفع من قتله بشيء، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجّت الأرض بما فيها سبعة أيام وعن ابن عباس لما قتله، وكان آدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت وأمرّ الماء واغبرّت الأرض فقال آدم عليه السلام: قد حدث في الأرض حدث. وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض وشربت الأرض الدم فسأله آدم عليه السلام بعد مجيئه من مكة عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك قال: فأين دمه إن كنت قتلته فحرّم الله عز وجل على الأرض من يومئذٍ أن تشرب دماً بعده أبداً، وعن الواقدي: أنّ السودان كلهم من ولده وعن محمد بن إسحاق: كان نوح نائماً فرآه ابنه حام عرياناً فلم يستره فاسودّ في الوقت فالسودان من ولده ورآه ابنه سام فستره. وروي أنّ آدم صلوات الله وسلامه عليه مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه لما أتى من مكة إلى الهند رثاه بشعر وهو: *تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح* *تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح* وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: من قال إنّ آدم قال شعراً فقد كذب إنّ محمداً والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء. وروي أنه رثاه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يقول الشعر فنظر إلى المرثية فإذا هي سجع فقال: إنّ هذا يقوم منه شعر فرد المقدّم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدّم فوزنه شعراً وزيد فيه أبيات منها: *أرى طول الحياة عليّ غماً ... فهل أنا من حياتي مستريح* *ومالي لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح*
فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيئاً وتفسيره هبة الله أي: إنه خلف الله من هابيل علّمه الله ساعات الليل والنهار وأعلمه الله عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده. وأمّا قابيل فقيل له: اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً لا يأمن من يراه، فأخذ بيد أخته أقليماً وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس لعنه الله تعالى وقال له: إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار فانصب أنت ناراً تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار فهو أوّل من عبد النار، قال مجاهد: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم الله تعالى بالطوفان أيام نوح عليه السلام، وبقي نسل شيث عليه السلام، قال البقاعي في تفسيره: والله أعلم بما يروى من ذلك ولا يعتمد على مثل هذه الأحاديث، وقد أحسن الطبري بقوله: أخبر الله تعالى بقتله ولا خبر يقطع العذر بصفة قتله على ما ذكرنا منه في مثله ولا فائدة في طلب الصحيح منه في الدين اه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل» . {من أجل ذلك} أي: الذي فعله قابيل {كتبنا} أي: قضينا {على بني إسرائيل} في التوراة لأنهم كانوا أشدّ الناس جراءة على القتل ولذلك كانوا يقتلون الأنبياء {إنه} أي: الشأن {من قتل نفساً} أي: من بني آدم {بغير نفس} أي: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص {أو} قتلها بغير {فساد} أتاه {في الأرض} كالشرك والزنا بعد الإحصان وقطع الطريق وكل ما يبيح إراقة الدم {فكأنما قتل الناس جميعاً} أي: من حيث هتك حرمة الدماء وسنّ القتل وجراءة الناس عليه أو من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استحلال غضب الله والعذاب العظيم. {ومن أحياها} أي: بسبب من الأسباب كإنقاذ من هلكة أو غرق أو دفع من يريد أن يقتلها ظلماً {فكأنما أحيا الناس جميعاً} قال ابن عباس: من حيث عدم انتهاك حرمتها وصونها قال سليمان بن علي: قلت للحسن يأبا سعيد أهي لنا أي: هذه الآية كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي، والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا اه. ومما يحسن إيراده هنا ما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنه للشافعيّ رحمه الله تعالى: *الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأمّ حوّاء* *نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... وأعظم خلقت فيهم وأعضاء* *فإن يكن لهم في أصلهم حسب ... يفاخرون به فالطين والماء* *ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء* *وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ... وللرجال على الأفعال أسماء* *وضدّ كل امرىء ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء* *ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء* {ولقد جاءتهم} أي: بني إسرائيل {رسلنا بالبينات} أي: المعجزات وقرأ أبو عمرو بسكون السين
والباقون بضمها {ثم إنّ كثيراً منهم بعد ذلك} أي: بعدما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيداً للأمر وتجديداً للعهد {في الأرض لمسرفون} أي: مجاوزون الحدّ بالكفر والقتل وغير ذلك ولا يبالون به وبهذا اتصلت القصة بما قبلها. ونزل في العرنيين «لما قدموا المدينة وهم مرضى أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل» . {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} أي: يحاربون أولياءهما وهم المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيماً {ويسعون في الأرض فساداً} أي: بقطع الطريق {أن يقتلوا} أي: إن قتلوا {أو يصلبوا} أي: مع ذلك إن قتلوا وأخذوا المال أي: والصلب ثلاثاً بعد القتل {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} أي: أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال {أو ينفوا من الأرض} أي: إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئاً أي: ينفوا من بلد إلى بلد إن رأى الإمام ذلك وإن رأى حبسهم فله ذلك ولو في بلدهم، هكذا فسر الآية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحمل كلمة أو على التنويع لا التخيير كما في قوله تعالى: {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى} (البقرة، 135) أي: قالت اليهود: كونوا هوداً وقالت النصارى: كونوا نصارى إذ لم يخيّر أحد منهم بين اليهودية والنصرانية {ذلك} أي: الجزاء العظيم {لهم خزي} أي: ذل وإهانة {في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} هو عذاب النار واحتج أكثر أهل العلم على أنّ هذه الآية نزلت في قطاع الطريق بقوله تعالى: {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى {من قبل أن تقدروا عليهم} أي: فإنّ حقوقه تعالى تسقط عنهم كالقطع والصلب وتحتم القتل ويبقى القصاص والمال لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة {فاعلموا أنّ الله غفور} لهم ما أتوه {رحيم} بهم، ولو كانت نزلت في الكفار لكانت توبتهم بالإسلام وهو رافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها. {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي: خافوا عقابه بأن تطيعوه {وابتغوا إليه الوسيلة} أي: اطلبوا ما تتوسلون به إلى ثوابه، والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا إذا تقرّب إليه قال لبيد: *أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... ألا كلّ ذي لب إلى الله وَاسِلَ* وفي الحديث «الوسيلة منزلة في الجنة» {وجاهدوا في سبيله} بمحاربه أعدائه لتكون كلمة الله هي العليا {لعلكم تفلحون} بالوصول إلى الله عز وجل والفوز بكرامته. {إنّ الذين كفروا لو} ثبت {أنّ لهم ما في الأرض} من صنوف الأموال وأكده بقوله: {جميعاً ومثله معه ليفتدوا به} أي: ليجعلوه فدية لأنفسهم {من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم} أي: لأنّ المدفوع إليه ذلك تامّ القدرة وله الغنى المطلق {ولهم} بعد ذلك {عذاب أليم} أي: مؤلم. {يريدون أن يخرجوا} أي: أن يكون لهم الخروج في وقت مّا إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجاً {من النار} ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد فقال: {وما هم بخارجين منها} أي: ما يثبت لهم خروج أصلاً {ولهم} خاصة دون عصاة المؤمنين {عذاب مقيم} أي: دائم تارة بالبرد وتارة بالحرّ وتارة بغيرهما. فإن قيل:
قال تعالى: {لا يذوقون فيها برداً} (النبأ، 24) فهو ينافي ما ذكر أجيب: بأن المراد بالبرد في الآية النوم فلا منافاة وأن في قوله تعالى: {والسارق والسارقة} موصولة مبتدأ أي: والذي سرق والتي سرقت ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو {فاقطعوا أيديهما} أي: يمين كلّ واحد منهما من الكوع كما بيّنته السنة كما بيّنت أنه لا بدّ أن يكون المسروق ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه، وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى ثم بعد ذلك يعزر. ثم علّل تعالى ذلك بقوله: {جزاء بما كسبا} أي: فعلا من ذلك ثم علّل تعالى هذا الجزاء بقوله: {نكالاً} أي: عقوبة لهما {من الله} وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال: {وا عزيز} أي: غالب على أمره {حكيم} أي: بالغ الحكم والحكمة في خلقه. {فمن تاب} أي: من السراق {من بعد ظلمه} أي: سرقته {وأصلح} أمره بالتخلص من التبعات والعزم على أن لا يعود إليها {فإنّ الله يتوب عليه} أي: يقبل توبته تفضلاً منه تعالى {إنّ الله غفور رحيم} فلا يعذبه في الآخرة، وأمّا القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه وبالاتفاق إن كان المسروق قائماً عنده يسترد وتقطع يده لأنّ القطع حق الله عز وجل والغرم حق العبد ولا يمنع أحدهما الآخر وقوله تعالى: {ألم تعلم} الاستفهام للتقرير والخطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطاباً لكل أحد من الناس {أنّ الله له ملك السموات والأرض} أي: أنّ الملك خالص له عن جميع الشوائب {يعذب من يشاء} تعذيبه {ويغفر لمن يشاء} المغفرة له {وا على كلّ شيء قدير} أي: ومنه التعذيب والمغفرة فليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدا عدوّه. {يأيها الرسول} أي: المبلغ لما أرسل به وقوله تعالى: {لا يحزنك} قرأ نافع بضمّ الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي {الذين يسارعون في الكفر} أي: يقعون فيه بسرعة بأن يظهروه إذا وجدوا منه فرصة وقوله تعالى: {من الذين قالوا آمنا} للبيان وقوله تعالى: {بأفواههم} أي: بألسنتهم متعلق بقالوا {ولم تؤمن قلوبهم} وهم المنافقون وقوله تعالى: {ومن الذين هادوا} عطف على من الذين قالوا وقوله تعالى: {سماعون للكذب} خبر مبتدأ محذوف أي: هم سماعون والضمير في سماعون للفريقين أو للذين يسارعون ويجوز أن يكون مبتدأ ومن الذين خبره أي: ومن اليهود قوم سماعون للكذب الذي افترته أحبارهم سماع قبول {سماعون} منك {لقوم} أي: لأجل قوم {آخرين} من اليهود {لم يأتوك} أي: لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء {يحرّفون الكلم} أي: الذي في التوراة كآية الرجم {من بعد مواضعه} أي: التي وضعها الله عليها أي: يبدلونه {يقولون} أي: الذين يحرّفونه لمن يرسلونهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم {إن أوتيتم هذا} أي: المحرّف أي: أفتاكم به محمد صلى الله عليه وسلم {فخذوه} أي: فاقبلوه منه واعلموا أنه الحق واعملوا به {وإن لم تؤتوه} أي: بأنّ أفتاكم بخلافه {فاحذروا} أن تقبلوه منه فإنه الباطل والضلال. روي أنّ شريفاً في خيبر زنا بشريفة وكانا محصنين وحدّهما الرجم في التوراة
فكرهوا رجمهما لشرفهما وقالوا: إنّ هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكن الضرب فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم أي: تسويد الوجه من الحُمّة بالضم والتشديد وهي السواد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما في كتابك؟ فقال: «هل ترضون بقضائي؟» فقالوا: نعم، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟» قالوا: نعم فقال: هو أي رجل فيكم؟ فقالوا: هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن عمران في التوراة، قال: «فأرسلوا إليه» ففعلوا فأتاهم فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم قال: «أعلم اليهود» قال: كذلك يزعمون قال: «تجعلونه بيني وبينكم؟» قالوا: نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟» قال: نعم فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبيّ الأميّ العربيّ الذي بشر به المرسلون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده وقال: «اللهمّ إني أول من أحيا أمرك إذا ما أتوه فأنزل الله عز وجل {يأيها الرسول} الآية. وروي أنّ اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم إنّ فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهما يده على آية الرجم وقرأ ما بعدها فقال له عبد الله: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرّجم قالوا: صدقت يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: فرأيت الرجل يقي بيده عن المرأة الحجارة» . فائدة: كانت آية الرجم في القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها، روى البيهقي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في خطبته: إن الله بعث محمداً وأنزل عليه كتاباً وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم وسيأتي الكلام في سورة الأحزاب أنّ هذه الآية كانت فيها. {ومن يرد الله فتنته} أي: إضلاله أو فضيحته {فلن تملك} أي: لن تستطيع {له من الله شيئاً} في دفعها إذا لم تملك أنت، وأنت أقرب الخلق إلى الله تعالى فمن يملك {أولئك} أي: البعداء من الهدى {الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} أي: من الكفر ولو أراده لكان وهذا كما ترى نصّ على فساد قول المعتزلة بأنه أراد ذلك {لهم في الدنيا خزي} أي: ذلٌّ بالفضيحة والجزية والخوف من المؤمنين {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو الخلود في النار والضمير للذين
هادوا إن استأنفت بقوله تعالى: {ومن الذين} وإلا فللفريقين. وقوله تعالى: {سماعون للكذب} كرره للتأكيد {أكَّالون للسحت} وهو كل ما لا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال الله تعالى: {يمحق الله الربا} (البقرة، 276) والربا باب منه وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام، وعن الحسن رحمه الله تعالى: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراه إياها وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب وعنه صلى الله عليه وسلم «كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بضم الحاء والباقون بالسكون. {فإن جاؤك} أي: لتحكم فيهم {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} هذا تخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا هل نسخ هذا التخيير أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم: هو محكم ثابت وليس في سورة المائدة منسوخ، وحكّام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا حكموا وإن شاءوا لم يحكموا بحكم الإسلام وهو قول النخعيّ والشعبيّ وعطاء وقتادة وقال قوم: يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بينهم والآية منسوخة نسخها قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة، 49) وهو قول مجاهد وعكرمة ومرويّ ذلك أيضاً عن ابن عباس وقال: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله تعالى: {لا تحلوا شعائر الله} (المائدة، 2) نسخها قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} (التوبة، 5) وقوله تعالى: {فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} (المائدة، 42) نسخها قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة، 49) ومذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ الذمّيين وإن اختلفت ملتهما كيهوديّ ونصرانيّ يجب الحكم بينهما عند الترافع، وكذا الذمي مع المعاهد بخلاف المعاهدين فإنّ الحكم لا يجب بينهما؛ لأنهم لم يلتزموا بأحكامنا ولا التزمنا دفع بعضهم عن بعض فيحمل التخيير على هذا، والآية الأخرى على أهل الذمّة ويعلم من ذلك أنّ الحكم بين الحربيين لا يجب بطريق الأولى ولو ترافع إلينا ذميان في شرب خمر لم نحدّهما وإن رضيا بحكمنا لأنهما لا يعتقدان تحريمه ولو ترافع إلينا مسلم وذمي وجب الحكم بينهما إجماعاً {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً} بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإنّ الله تعالى يعصمك من الناس {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: بالعدل الذي أمر الله تعالى به {إنّ الله يحب} أي: يثيب {المقسطين} أي: العادلين في الحكم وقوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} استفهام تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أنّ الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع وإنما طلبوا منه ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم {ثم يتولون} أي: يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم {من بعد ذلك} التحكيم وهذا داخل في حكم التعجب فإنه معطوف على يحكمونك {وما أولئك} أي: السعداء من الله {بالمؤمنين} أي: بكتابهم لإعراضهم عنه أوّلاً أو بك وبه. {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى} يهدي من الضلالة إلى الحق {ونور} يكشف ما اشتبه عليهم من الأحكام {يحكم بها النبيون} أي: من بني إسرائيل وقوله تعالى: {الذين أسلموا} ذكر على وجه الصفة للأنبياء للتنويه بشأن الصفة دون التخصيص والتمييز؛ لأنهم كلهم بهذه الصفة منقادون لله تعالى وللتنبيه على عظم قدرها
حيث وصف بها عظيم كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان فإنّ أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وقوله تعالى: {للذين هادوا} متعلق بأنزل أو بيحكم أي: يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدلّ على أنّ النبيين أنبياؤهم وقوله تعالى: {والربَّانيون} أي: الزهّاد الذين انسلخوا من الدنيا وبالغولوا فيما يوجب النسبة إلى الرّب {والأحبار} أي: العلماء السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون {بما} أي: بسبب الذي {استحفظوا} أي: استودعوه {من كتاب الله} أي: استحفظهم الله تعالى إياه بأن يحفظوه من التضييع والتحريف أو بأن يحفظ فلا ينسى وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتاب الله من هذين الوجهين معاً: أحدهما: أن يحفظ في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه والراجع إلى ما محذوف، ومن للتبيين والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً وكذلك الضمير في قوله تعالى: {وكانوا عليه شهداء} أي: رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلاً وقوله تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشونِ} نهي للحكام أن يخشوا غير الله تعالى في حكوماتهم خوفاً من سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً {ولا تشتروا} أي: تستبدلوا {بآياتي} أي: بأحكامي التي أنزلتها {ثمناً قليلاً} أي: من الرشا وغيرها لتكتموا أو تبدلوها كما فعل أهل الكتاب وقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال عكرمة: معناه ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له فقد كفر ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق فحمل الآيات على هذا وهو ظاهر، وقال الضحاك وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة وقيل: أولئك هم الكافرون في المسلمين لاتصالها بخطابهم والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى. {وكتبنا} أي: فرضنا {عليهم} أي: اليهود {فيها} أي: التوراة {أن النفس} تقتل {بالنفس} إذا قتلتها {والعين} تفقأ {بالعين} أي: بعين من فقأها {والأنف} تجدع {بالأنف} أي: بأنف من جدعه {والأذن} تقطع {بالأذن} أي: بأذن من قطعها {والسنّ} تقلع {بالسنّ} أي: بسنّ من قلعها {والجروح قصاص} أي: يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه القصاص فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مفروض في شرعنا. وقرأ الكسائي هذه الألفاظ الخمسة وهي: العين بالعين إلى آخرها بالرفع على أنها جمل معطوفة على «أنّ» وما في حيزها باعتبار المعنى، وكأنه قيل: كتبنا عليهم النفس بالنفس والعين بالعين فإنّ الكتابة والقراءة يقعان على الجمل كالقول أو مستأنفة ووافق الكسائي ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في الجروح فقط والباقون بالنصب في الجميع وسكن نافع الذال من الأذن وقرأ الباقون برفعها. {فمن تصدّق به} أي: القصاص بأن مكن من نفسه {فهو} أي: التصدّق بالقصاص {كفارة له} أي: لما أتاه فلا يعاقب ثانياً في الآخرة وقيل: فمن تصدّق به من أصحاب الحق فالتصدُق به كفارة للمتصدِق يكفر الله تعالى به من سيآته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل: فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه {ومن لم يحكم بما أنزل الله} أي:
في القصاص وغيره {فأولئك هم الظالمون} أي: الذين تركوا العدل فضلّوا فصاروا كمن يمشي في الظلام فإن كان تديُّناً بالترك كان نهاية للظلم وهو الكفر وإلا كان عصياناً لأنّ الله تعالى أحق أن يخشى ويرجى. {وقفينا} أي: أتبعنا {على آثارهم} أي: النبيّين الذين يحكمون بالتوراة {بعيسى بن مريم} صلى الله عليه وسلم ونسبه تعالى إلى أمّه إشارة إلى أنّه لا والد له تكذيباً لليهود وإلى أنه عبد مربوب تكذيباً للنصارى {مصدّقاً لما بين يديه} أي: قبله مما أتى به موسى عليه السلام {من التوراة} وأشار تعالى بقوله: {وآتيناه الإنجيل} أي: أنزلناه عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليهما الصلاة والسلام إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها {فيه هدى} من الضلالة {ونور} أي: بيان للأحكام وقوله تعالى: {ومصدّقاً} أي: الإنجيل حال {لما بين يديه} أي: قبله. ولما كان الذي نزل قبله كثيراً بين المراد بقوله: {من التوراة} أي: لما فيها من الأحكام فالأول: صفة لعيسى عليه الصلاة والسلام والثاني: صفة لكتابه أي: فهو والتوراة والإنجيل يتصادقون فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما لم يتخالفوا في شيء بل هو متخلق بجميع ما أتى به {وهدى وموعظة للمتقين} أي: كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به. {وليحكم أهل الإنجيل} وهم اتباع عيسى عليه الصلاة والسلام {بما أنزل الله فيه} أي: من الأحكام، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب الميم عطفاً على معمول آتيناه والباقون بكسر اللام وسكون الميم على الأمر أي: فلينته أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم أهل الإنجيل إلخ.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} أي: المختصّون بكمال الفسق فإن كان تديّناً كان كفراً وإن كان لاتّباع الشهوات كان مجرد معصية لأنّ الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج من دائرة الشّرع مرّة بعد أخرى. {وأنزلنا إليك} يا محمد خاصة {الكتاب} أي: الكامل في جمعه لكل ما يطلب منه وهو القرآن وقوله تعالى: {بالحق} متعلق بأنزلنا {مصدّقاً لما بين يديه} أي: قبله. لما كانت الكتب السماوية من شدّة تصادقها كالشيء الواحد عبّر تعالى بالمفرد فقال: {من الكتاب} أي: الكتب المنزّلة التي جاء بها الأنبياء من قبل، فاللام الأولى في الكتاب للعهد؛ لأنه عني به القرآن والثانية للجنس لأنه عني به جنس الكتب المنزلة {ومهيمناً عليه} أي: رقيباً على سائر الكتب أي: يحفظها من التغيير والتبديل ويشهد لها بالصحة والثبات {فاحكم بينهم} أي: بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك {بما أنزل الله} إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك {ولا تتبع أهواءهم} فيما خالفه عادلاً {عما جاءك من الحق} بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه. {لكل جعلنا منكم} أيّها الأمم {شرعة} أي: ديناً موصلاً إلى الحياة الأبدية والشرعة هي الطريقة إلى الماء، شبّه بها الدّين لأنها موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية {ومنهاجاً} أي: طريقاً واضحاً في الدين ناسخاً لما قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع وأمثاله مما يدل على أنا لسنا متعبدين بالشرائع المتقدّمة وأنّ كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على الفروع وما دلّ على الاجتماع كآية شرع لكم من الدين محمول على الأصول. {ولو شاء الله لجعلكم أمّة}
أي: جماعة {واحدة} أي: متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل {ولكن} لم يشأ ذلك بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة {ليبلوكم} أي: ليختبركم {فيما آتاكم} من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود المطيع منكم والعاصي {فاستبقوا الخيرات} أي: ابتدروها انتهازاً للفرصة بغاية الجهد فقل: من يسابق شخصاً يخشى العار بسبقه، وقوله تعالى: {إلى الله مرجعكم جميعاً} أي: بالبعث استئناف فيه تعليل للأمر بالاستباق، ووعد للمبادرين ووعيد للمقصرين {فينبئكم} أي: يخبركم {بما كنتم فيه تختلفون} أي: من أمر الدين ويجزي كلاً منكم بعمله. وقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} عطف على الكتاب أي: أنزلنا إليك الكتاب والحكم أو على الحق أي: أنزلناه بالحق وبأن أحكم، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون وأن احكم والباقون بضمها {ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن} أي: لئلا يفتنوك أي: يضلوك ويصرفوك {عن بعض ما أنزل الله إليك} . روي أنّ أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {فإن تولوا} أي: عن الحكم المنزل وأرادوا غيره {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم} أي: بالعقوبة في الدنيا {ببعض ذنوبهم} أي: التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الآخرة {وإنّ كثيراً من الناس} أي: هم وغيرهم {لفاسقون} أي: خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات. {أفحكم الجاهلية} أي: خاصة مع إنّ أحكامها لا يرضى بها عاقل لكونها لم يدع إليها كتاب بل هي مجرّد أهواء وهم أهل الكتاب {يبغون} أي: يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك وشهد كتابك المعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق وهذا استفهام إنكاري، وقرأ ابن عامر بالتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهو أدلّ على الغضب، والباقون بالياء على الغيبة. وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بما كان يحكم به الجاهلية من التفاضل بين القتلى أي: بين ديّات بعضهم على بعض {ومن} أي: لا أحد {أحسن من الله حكماً لقوم} أي: عند قوم {يوقنون} به خصّوا بالذكر؛ لأنهم الذين يتدبرون الأمور ويتخيلون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكماً من الله جلا وعلا. {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} أي: توالونهم وتوادّونهم وتعاشرونهم معاشرة الأحباب وقوله تعالى: {بعضهم أولياء بعض} فيه إيماء إلى علة النهي أي: فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضاً لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضارتكم {ومن يتولهم منكم} أي: ومن والاهم منكم {فإنه منهم} أي: من جملتهم وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم أو لأنّ الموالين كانوا منافقين {إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين} أي: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه.k تنبيه: اختلف في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق وذلك أنهما اختصما فقال عبادة: إنّ لي أولياء من
اليهود كثيراً عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من موالاتهم ولا مولى لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدّت على طائفة من الناس وتخوّفوا أن تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي آخذ منه أماناً إني أخاف أن تدال علينا اليهود وقال الآخر: أمّا أنا فألحق بفلان النصراني من أهل الشأم وآخذ منه أماناً فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا فجعل إصبعه على حلقه يعني أنه الذبح أي: يقتلكم فنزلت {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: ضعف اعتقاد كعبد الله بن أبيّ {يسارعون فيهم} أي: في مولاتهم {يقولون} معتذرين عنها {نخشى} أي: نخاف خوفاً بالغاً {أن تصيبنا دائرة} أي: مصيبة تحيط بنا ويدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا {فعسى الله أن يأتي بالفتح} أي: بإظهار الدّين على الأعداء {أو أمر من عنده} أي: بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم {فيصبحوا} أي: هؤلاء المنافقون {على ما أسرّوا في أنفسهم} أي: على ما استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول فضلاً عما أظهروه مما أشعر به نفاقهم {نادمين} أي: ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره وقوله تعالى: {ويقول الذين آمنوا} قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع على أنه كلام مبتدأ ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعاً بغير واو على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وقرأ بالنصب أبو عمرو عطفاً على يأتي باعتبار المعنى وكأنه قال: عسى الله أن يأتي بالفتح، ويقول الذين آمنوا {أهؤلاء الذين أقسموا با جهد أيمانهم} أي: غاية اجتهادهم فيها {إنهم لمعكم} في الدين أي: يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين وتبجعاً بما منّ الله تعالى عليهم من الإخلاص، أو يقولون لليهود: فإنّ المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: {وإن قوتلتم لننصرنكم} (الحشر آية: 11) {حبطت} أي: بطلت {أعمالهم} أي: الصالحة {فأصبحوا} أي: فصاروا {خاسرين} الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب. {يأيها الذين آمنوا} أي: أقروا بالإيمان {من يرتدد} أي: يرجع {منكم عن دينه} إلى الكفر وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن قبل وقوعها وكان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة ثلاثة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. الأولى: بنو مدلج وكان رئيسهم ذو الحمار بالحاء المهملة، قال التفتازاني: كان له حمار يقول له: قف فيقف وسر فيسير وكانت النساء أي: نساء أصحابه يتعطرون بروث حماره، وقيل: يعقدون روثه بخمرهنّ فسمي ذو الخمار أيضاً بالخاء المعجمة، وذو هنا وفيما قبله بالواو وعلى الحكاية وهو العنسي بفتح العين وسكون النون منسوب إلى عنس وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن كعب العنسي ويلقب بالأسود كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلادها وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وإلى سادات اليمن وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود، فقتله
فيروز الديلمي على فراشه قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: وأتى الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك» قيل: ومن هو؟ قال: «فيروز» فَسُرّ المسلمون فبشر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول وكان ذلك أوّل فتح جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسليمة الكذاب وكان تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر وزعم أنه اشترك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في النبوّة وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: أمّا بعد فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعثه إليه مع رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ثم أجاب من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: «أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد في جيش كبير حتى أهلكه الله تعالى على يد وحشيّ غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حرب شديد وكان وحشيّ يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام أراد في جاهليتي وإسلامي. الفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة أحد من ارتد وادّعى النبوّة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوّل من قوتل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الردّة فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إليه فهزمهم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه بعد قتال شديد وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هارباً نحو الشأم، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وسبع في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، الأولى: فزارة قوم عيينة بن حصن، والثانية: غطفان قوم قرّة بن سلمة، والثالثة: بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، والرابعة: بنو يربوع قوم مالك بن نويرة، والخامسة: بعض تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها لمسيلمة الكذاب وفيها يقول أبو العلاء المعري: *أمت سجاج ووالاها مسليمة ... كذابة في بني الدنيا وكذاب* والسادسة: كندة قوم الأشعث بن قيس والسابعة بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وكفى الله تعالى أمرهم على يد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وهي غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشأم، والجمهور أنه مات على ردّته وذكرت طائفة أنه عاد إلى الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر يرتدد بدالين الأولى مكسورة مخففة والثانية ساكنة والباقون بدال مفتوحة مشدّدة. واختلف في القوم في قوله تعالى: {فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال قتادة بن غنم الأزدي: لما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قوم هذا» وأشار إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وكانوا من اليمن، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان يمان والحكمة يمانية» وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من
أفناء أي: لم يعلم ممن هم قاله الجوهري: فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية. وقيل: هم الأنصار وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب على عاتق سلمان رضي الله تعالى عنه فقال: «هذا وذووه» ، ثم قال: «لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» والراجع إلى من محذوف تقديره: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم أو ما أشبه ذلك ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظّمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم ومحبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه {أذلة على المؤمنين} أي: عاطفين عليهم متذللين لهم جمع ذليل، وأمّا ذلول فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه لأنه ذلولاً لا يجمع على أذلة. فإن قيل: هلا قال أذلة للمؤمنين؟ أجيب: بأنه تضمن معنى الحنو والعطف كأنه قال: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع وأنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم أو للمقابلة في قوله تعالى: {أعزة على الكافرين} أي: شداد متغلبين عليهم من عزّه إذا غلبه، وقوله تعالى: {يجاهدون في سبيل الله} حال من الضمير في أعزة أو صفة أخرى لقوم، وقوله تعالى: {ولا يخافون لومة لائم} يحتمل أن تكون الواو للحال على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط، وإن يكون للعطف على يجاهدون بمعنى: إنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلّب في دينه واللومة المرّة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان {ذلك} إشارة إلى الأوصاف المذكورة وقوله تعالى: {فضل الله يؤتيه من يشاء} أي: يمنحه ويوفق له فيبذل الإنسان جهده في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته {وا واسع} أي: كثير الفضل {عليم} أي: بمن هو أهله، ونزل لما قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إنّ قومنا هجرونا. {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} وإنما قال: وليكم ولم يقل: أولياؤكم للتنبيه على أنّ الولاية لله على الأصالة، ولرسوله وللمؤمنين على التبع إذ التقدير: إنما وليكم الله وكذا رسوله والمؤمنون. ولو قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ثم وصف المؤمنين بقوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي: متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل: يصلون صلاة التطوع. {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} أي: ومن يتخذهم أولياء وقيل: من يعنهم وينصرهم {فإنّ حزب الله هم الغالبون} أي: فإنهم هم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر إظهاراً لما شرفهم به ترغيباً لهم في ولايته وتشريفاً لهم بهذا الاسم فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتعريضاً بمن يوالي هؤلاء بأنه حزب الشيطان وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم. ونزل في رفاعة بن زيد وسويد بن حارث اللذين أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادّونهما. {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم} أي: شرفكم الله به {هزواً} أي: مهزواً به {ولعباً}
ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} أي: اليهود. ولما خصص عمم بقوله: {والكفار} أي: من عبدة الأوثان وغيرهم {أولياء} أي: فإنّ الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم فلا تصح لكم مولاتهم، وقرأ أبو عمرو والكسائي بخفض الراء والباقون بالنصب عطفاً على الذين اتخذوا على أنّ النهي عن موالاة من ليس على الحق رأساً سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين {واتقوا الله} أي: بترك المناهي {إن كنتم مؤمنين} أي: صادقين في إيمانكم فإنّ الإيمان حقاً يقتضي ذلك وقوله تعالى: {وإذا ناديتم} معطوف على الذين قبله أي: ولا تتخذوا الذين إذا ناديتم أي: دعوتم {إلى الصلاة} بالأذان {اتخذوها} أي: الصلاة {هزواً ولعباً} بأن يستهزؤا بها ويتضاحكوا ويقولوا: صاحوا كصياح العير، وفي هذا دليل على أنّ الأذان مشروع للصلوات المكتوبات. روى الطبراني أنّ نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أنّ محمداً رسول الله قال: أحرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شرره في البيت فأحرقه وأهله {ذلك} أي: الاتخاذ {بأنهم} أي: بسبب إنهم {قوم لا يعقلون} أي: فإنّ السفه يؤدّي إلى الجهل بالحق والهزء به والعقل يمنع منه ونزل لما سأل نفر من اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وما أنزل إلينا الآية، فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم. {قل يأهل الكتاب هل تنقمون} أي: تنكرون {منا} وتعيبون يقال: نقم منه كذا أنكره وانتقم إذا كافأه {إلا أن آمنا با وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} أي: إلى الأنبياء وقوله تعالى: {وأنّ أكثركم فاسقون} عطف على أن آمنا والمعنى ما تنكرون منا إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبول الإيمان المعبّر عن عدم قبوله بالفسق اللازم عن عدم القبول وليس هذا مما ينكر. {قل} لهم يا محمد {هل أنبئكم} أي: أخبركم {بشرّ من ذلك} أي: الذي تنتقمونه {مثوبه عند الله} نصب مثوبة على التمييز أي: ثواباً بمعنى جزاءً. فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان كما أنّ العقوبة مختصة بالشر أجيب: بأنّ ذلك على سبيل التهكم كما في قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران، 21) وقوله تعالى: {من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} (المائدة، 60) بدل من بشر على حذف مضاف قبل لفظ ذلك أو قبل لفظ من لعنه وتقديره: بشر من أهل ذلك من لعنه الله أو بشر من ذلك دين من لعنه الله لأنّ الدّين المشار إليه غير مطابق لقوله: من لعنه الله في معنى يشترك فيه لفظ شر فيقدر أهل قبل ذلك أو دين قبل من ليطابق. فإن قيل: هذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوماً عليهم بالشرّ ومعلوم إنه ليس كذلك أجيب: بأنه إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم، فإنهم حكموا بأنّ اعتقاد ذلك الدين شر فقيل لهم: هب أنّ الأمر كذلك لكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شرّ من ذلك والذين لعنهم الله في هذه الآية هم اليهود أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار أهل
مائدة عيسى، وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم خنازير. روي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم وقوله تعالى: {وعبد الطاغوت} عطف على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت وقرأ حمزة بضم باء عبد وكسرتاه الطاغوت على أنه اسم جمع لعبد عطف على من والباقون بنصب الباء من عبد والتاء من الطاغوت والطاغوت الشيطان أو العجل لأنه معبود من دون الله ولأنّ عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الطاغوت الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى. تنبيه: روعي في منهم معنى من وفيما قبلها لفظها وهم اليهود {أولئك} أي: الملعونون الممسوخون {شرّ مكاناً} لأنّ مأواهم النار وجعلت الشرارة للمكان وهي لأهله وفيه مبالغة ليست في قولك أولئك شر ومكاناً تمييز {وأضل عن سواء السبيل} أي: طريق الحق وأصل السواء الوسط. فإن قيل: ذكر شر وأضلّ يقتضي مشاركة المؤمنين والكفار في الشرّ والضلال وإنّ الكفار أشرّ وأضل مع أنّ المؤمنين لم يشاركوا الكفار في شيء من ذلك أجيب: بأنّ مكان هؤلاء في الآخرة شر وأضل من مكان المؤمنين في الدنيا لما يلحقهم فيها من الشرّ والضلال الحاصل لهم بالهموم الدنيوية كسماع الأذى وغيره، أو إنّ ذلك على سبيل التنزل والتسليم للخصم على زعمه إلزاماً بالحجة وهذا أولى. ونزل في يهود نافقوا النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد} أي: قالوا ذلك والحال إنهم قد {دخلوا} إليكم متلبسين {بالكفر وهم قد خرجوا} من عندكم متلبسين {به} أي: الكفر كما دخلوا لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك {وا أعلم بما كانوا يكتمون} من الكفر وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم وفي هذا وعيد لهم. {وترى كثيراً منهم} أي: اليهود أو المنافقين {يسارعون} أي: يقعون سريعاً {في الإثم} أي: الكذب بدليل قوله تعالى عن قولهم الإثم {والعدوان} أي: الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم والعدوان ما يتعدّى إلى غيرهم {وأكلهم السحت} أي: الحرام كالرشا {لبئس ما كانوا يعملون} عملهم هذا. {لولا} هلا {ينهاهم} أي: يجدّد لهم النهي {الربانيون} أي: المدّعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب {والأحبار} أي: العلماء {عن قولهم الإثم} أي: الكذب {وأكلهم السحت} أي: الحرام هذا تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك فإن لولا إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المضارع المستقبل أفاد التحضيض {لبئس ما كانوا يصنعون} ترك نهيهم. فإن قيل: لم عبّر في الأوّل بـ [يعملون] وفي الثاني بـ [يصنعون] ؟ أجيب: بأنّ كل عامل لا يسمّى صانعاً ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب ولذلك ذم بهذا خواصهم ولأنّ ترك الإنكار على المعصية أقبح من مواقعة المعصية لأنّ النفس تلتذ بها وتميل إليها، ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان جديراً بأبلغ الذمّ فيدخل في الذمّ كل من كان قادراً على النهي عن المنكر من العلماء أو غيرهم وتركه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي أشد آية نزلت في القرآن، وعن الضحاك ما في القرآن آية أخوف عندي منها. {وقالت اليهود} مما ضيّق عليهم
بتكذيبهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وكانوا أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية {يد الله مغلولة} أي: هو ممسك يقتر بالرزق، وغلّ اليد وبسطّها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (الإسراء، 29) ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلاً لقالوا ما أبسط يده بالنوال؛ لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود وقد استعملوها حيث لا تصح اليد كقولهم بسط اليأس كفيه في صدري فجعلت لليأس الذي هو معنى من المعاني لا من الأعيان كفان. فإن قيل: قد تقدّم أنّ قوله: {يد الله مغلولة} عبارة عن البخل فما تفعل في قوله تعالى: {غلت أيديهم} ومن حقه أن يطابق ما تقدّمه؟ أجيب: بأنه يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله تعالى وأنكدهم والمطابقة على هذا ظاهرة ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغلّ الأيدي حقيقة يغلون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم كما قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} (غافر، 71) وعلى هذا تكون المطابقة حاصلة من حيث لفظ مغلولة وغلت من حيث ملاحظة أنّ الأصل في القول الشنيع أن يقابل بالدعاء على قائله {ولعنوا} أي: أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم {بما قالوا} فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير ثم ردّ الله تعالى عليهم بقوله: {بل يداه مبسوطتان} مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود وإنّ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه جميعاً {ينفق كيف يشاء} أي: هو مختار في إنفاقه يضيق تارة ويوسع أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته لا اعتراض عليه وقيل: القائل هذه المقالة فنحاص بن عازوراء فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله: أشركهم الله تعالى فيها. {وليزيدنّ كثيراً منهم} أي: ممن أراد الله فتنته ثم ذكر فاعل الزيادة فقال: {ما أنزل إليك من ربك} من القرآن {طغياناً} أي: تمادياً في الجحود {وكفراً} بآيات الله فيزدادون على كفرهم وطغيانهم طغياناً وكفراً مما يسمعون من القرآن كما يزداد المريض مرضاً من تناول الغذاء الصالح للأصحاء {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} فكل فرقة منهم تخالف الأخرى فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم. {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} أي: كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس، وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس بالفاء الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين وقيل: كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر عليهم، وعن قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذلّ الناس {ويسعون في الأرض فساداً} أي: ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتبهم وإثارة الحرب والفتن وهتك المحارم {وا لا يحبّ المفسدين} أي: فلا يجازيهم إلا شراً.b {ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به {واتقوا} أي: الكفر {لكفّرنا عنهم سيآتهم} أي: التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها {ولأدخلناهم جنات النعيم} مع المسلمين، وفي هذا إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيآتهم ودلالة على سعة رحمة الله تعالى
وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيآت اليهود والنصارى وإنّ الإسلام يجبّ ما قبله وإن جلّ، وإن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم. {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} أي: أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وما أنزل إليهم} أي: من الكتب المنزلة {من ربهم} لأنهم مكلّفون بالإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل: هو القرآن وقوله تعالى: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} عبارة عن التوسعة أي: لوسّع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم من بركات السماء والأرض أو أن تكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلّة أو أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجنونها من رأس الثمر والشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم بين سبحانه وتعالى بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا بقصور الفيض ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين {منهم أمّة} أي: جماعة {مقتصدة} أي: عادلة غير غالية ولا مقصّرة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى آمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل: متوسطة في عداوته {وكثير منهم ساء} أي: بئس {ما} أي: شيئاً {يعملون} فيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل: هو كعب بن الأشرف وأصحابه والروم. روى مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: من حدثك أنّ محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله فقد كذب وهو يقول: {يأيها الرسول بلغ} جميع {ما أنزل إليك من ربك} أي: لا تكتم شيئاً منه خوفاً أن تنال بمكروه {وإن لم تفعل} أي: وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك {فما بلغت رسالته} أي: لأنّ كتمان بعضها ككتمان كلها أي: ولأنّ بعضها ليس بالأولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن كتمت آية لم تبلغ رسالتي واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل: نزلت في عتب اليهود وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به ويقولون: تريد أن نتخذك حناناً كما اتخذت النصارى عيسى حناناً فلما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك نزلت هذه الآية وقيل: نزلت في الجهاد وذلك أنّ المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحياناً من حثهم على الجهاد وقيل: لما نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى: {يأيها النبيّ قل لأزواجك} (الأحزاب، 28) فلم يعرضها عليهنّ خوفاً من اختيارهنّ الدنيا فنزلت وقيل غير ذلك وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بألف بعد اللام وكسر التاء والباقون بغير ألف ونصب التاء {وا يعصمك من الناس} أي: يحفظك ويمنعك منهم. فإن قيل: أليس قد شج وجهه وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وأوذي بضروب من الأذى؟ أجيب: بأنّ معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك، وفي هذا تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلايا فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأنّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت» وعن أنس
رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: «انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس» قال البيضاويّ وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد بالتبليغ ما يتعلق به مصالح العباد وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه اه. قال بعض العارفين: ولهذا قال تعالى: {بلغ ما أنزل إليك} ولم يقل ما تعرّفنا به إليك، واعلم أنّ المراد من الناس ههنا الكفار بدليل قوله تعالى: {إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين} أي: لا يمكنهم مما يريدون. وروي «أنه عليه الصلاة والسلام نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها فأتاه أعرابيّ وهو نائم وأخذ سيفه واخترطه وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: «الله تعالى» فرعدت يد الأعرابيّ وسقط من يده وضرب رأسه الشجرة حتى انتثر دماغه» . {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} أي: دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه كما تقول هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه، وفي أمثالهم أقل من لا شيء {حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} أي: بأن تعملوا بما فيها ومن إقامتهما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإذعان لحكمه فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له والمراد إقامة أصولها وما ينسخ من فروعها {وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك} أي: من القرآن {طغياناً وكفراً} لكفرهم به {فلا تأس} أي: تحزن {على القوم الكافرين} إن لم يؤمنوا بك أي: لا تهتم بهم فإن ضرر ذلك لا حق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة عنهم لك. {إنّ الذين آمنوا والذين هادوا} هم اليهود {والصابئون} فرقة منهم {والنصارى} وقد سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة. فإن قيل: بم رفع الصابئون وكان حقه والصابئين؟ أجيب: بأنه رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في خبر إنّ مع اسمها وخبرها كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك وأنشد سبيويه شاهداً له: *وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق* والشاهد في أنتم فإنه مبتدأ حذف خبره والتقدير وإلا فإنا بغاة وأنتم كذلك. فإن قيل: ما فائدة هذا التقديم والتأخير؟ أجيب: بأنّ الصابئين أشدّ العرب المذكورين في هذه الآية ضلالاً وما سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي: خرجوا فكأنه قال: هؤلاء الفرق الذين آمنوا وأتوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك، وقيل: منصوب بالفتحة فكما جوّز بالفتحة مع الياء في بنين وسنين جوّز مع الواو كما هنا وقوله تعالى: {من آمن با واليوم الآخر وعمل صالحاً} في محل رفع بالابتداء وخبره {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والجملة خبر إن. فإن قيل: كيف قيل: الذين آمنوا من آمن؟ أجيب: بأنّ المراد بالذين آمنوا الذين آمنوا بألسنتهم وهو المنافقون أو إنّ المراد مِنْ مَنْ ثبت على الإيمان واستقام ولم تخالجه ريبة فيه. {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أي: على الإيمان بالله ورسوله {وأرسلنا إليهم رسلاً} أي: ولم نكتف بهذا العهد بل
أرسلنا رسلاً ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم} أي: بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاقّ التكاليف {فريقاً} أي: من الرسل {كذبوا} أي: كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل كعيسى {وفريقاً} منهم {يقتلون} كزكريا ويحيى وإنما جيء بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الحالة الشنيعة للتعجب منها وتنبيهاً على أنّ ذلك دينهم ماضياً ومستقبلاً ومحافظة على رؤوس الآي. {وحسبوا} أي: ظنّ بنو إسرائيل {أن لا تكون} أي: توجد {فتنة} أي: لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا في الآخرة بل استخفوا بأمرها فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم إنهم أبناء الله وأحباؤه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع النون تنزيلاً للحساب منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة وأصله أنه لا تكون فتنة والباقون بالنصب على أنّ الحساب على بابه {فعموا} أي: عن الحق فلم يبصروه وهذا العمى هو الذي لا عمى في الحقيقة سواه وهو انطماس البصائر {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (الحج، 46) {وصموا} عنه فلم يسمعوه أي: عَموا وصموا بعد موسى ويوشع عليهما السلام، والصمم أضر من العمى فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلاً؛ لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع {ثم تاب الله عليهم} ببعث عيسى بن مريم فرفعوه إلى الحق {ثم عموا وصموا} كرّة أخرى بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {كثير منهم} بدل من الضمير {والله بصير بما يعملون} أي: وإن دقّ فيجازيهم به وفق أعمالهم. {لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم} وهم اليعقوبية منهم القائلون بالاتحاد {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} أي: إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم {إنه من يشرك با} أي: يشرك في العبادة غيره {فقد حرّم الله عليه الجنة} أي: منعه من دخولها منعاً متحتماً فإنها دار الموحدين {ومأواه النار} أي: محل سكناه فإنها المعدة للمشركين {وما للظالمين من أنصار} أي: وما لهم أحد ينصرهم من النار لا بفداء ولا بشفاعة ولا بغيرهما فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً على أنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق وهو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، نبه على أنهم عدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم، ورده وأنكره وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره، وأن يكون من كلام عيسى عليه السلام على معنى ولا ينصركم أحد مني فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن العقول أو لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله. {لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة} أي: أحد ثلاثة وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية وفيه إضمار معناه ثالث ثلاثة الآلهة لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله ومريم وعيسى ولك واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، بين هذا قوله تعالى للمسيح: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة، 116) ومن قال إنّ الله تعالى ثالث ثلاثة بالعلم ولم يرد به الآلهة لم يكفر فإنّ الله يقول: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ثم قال الله تعالى رداً عليهم: {وما من إله إلا إله واحد} أي: وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله واحد موصوف بالوحدانية متعال
عن الشركة ومن مزيدة للاستغراق {وإن لم ينتهوا} أي: الكفرة بجميع أصنافهم {عما يقولون} أي: من هاتين المقالتين وما داناهما {ليمسنّ} أي: مباشرة من غير حائل {الذين كفروا} أي: داوموا على الكفر {منهم عذاب أليم} أي: مؤلم لم ينقطع عنهم لعدم توبتهم ولذلك عقبه بقوله تعالى: {أفلا يتوبون} أي: يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده {إلى الله ويستغفرونه} أي: يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقريع والتهديد {وا غفور} أي: بالغ المغفرة يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {رحيم} أي: بالغ الإكرام لمن أقبل عليه فيغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم. {ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت} أي: مضت {من قبله الرسل} أي: ليس هو بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة وما من خارقة له إلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن كان قبله فإن كان قد أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو أعجب وإن كان قد خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأمّ وهو أغرب {وأمه صدّيقة} أي: بليغة الصدق في نفسها كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدّقن الأنبياء كما قال تعالى في وصفها {وصدّقت بكلمات ربها} (التحريم، 12) وهذه الآية من أدلة من قال إنّ مريم عليها السلام لم تكن نبية فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الردّ على من قال بإلهيتها إشارة إلى ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات فإنّ أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة وأكمل صفات أمه عليها السلام الصديقية. فائدة: مريم من أزواج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. ولما بين سبحانه وتعالى أقصى ما لهما من الكمالات بين أنّ ذلك لا يوجب لهما الألوهية بقوله: {كانا يأكلان الطعام} لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام فكيف يكون إلهاً، وخص الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات والإله لا يكون محتاجاً وقيل: هذا كناية عن الحدث لأنّ من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ومن كانت هذه صفته كيف يكون إلهاً؟ ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادّعوا فيهما اتبعه التعجب بقوله: {انظر} متعجباً {كيف نبين لهم الآيات} على وحدانيتنا {ثم انظر أنى} أي: كيف {يؤفكون} أي: يصرفون عن الحق مع قيام البرهان. فإن قيل: ما معنى التراخي في قوله تعالى: {ثم انظر} ؟ أجيب: بأنّ معناه التفاوت بين العجبين أي: أنّ بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب. {قل أتعبدون من دون الله} أي: غيره يعني عليه السلام {ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} أي: لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّ الله تعالى به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة الأبدان والسعة والخصب وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبإقدار الله تعالى وتمكينه وكأنه لا يملك شيئاً وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً وصفة الرب تعالى أن يكون قادراً
على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى. فإن قيل: إذا كان المراد السيد عيسى فلِمَ عبّر بما دون من مع أنّ المراد من يعقل؟ أجيب: بأنه أتى بما نظر إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية أو أن المراد كل ما عبد من دون الله تعالى سواء كان ممن يعقل أم لا {وا هو السميع} لأقوالكم {العليم} بأحوالكم فيجازي عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر والاستفهام للإنكار. {قل يأهل الكتاب} أي: عامّة {لا تغلوا} أي: تجاوزوا الحد {في دينكم} وقوله تعالى: {غير الحق} صفة للمصدر أي: لا تغلوا في دينكم غلوّاً غير الحق أي: غلواً باطلاً؛ لأنّ الغلو في الدين غلوان: حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة فيرفعوا عيسى عليه السلام إلى أن يدّعوا له الإلهية أو يضعوه ويرتابوا فيه، وقيل: الخطاب للنصارى خاصة. {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} في غلوهم وهم أسلافهما الذين قد ضلّوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في شريعتهم {وأضلوا كثيراً} أي: من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظنّ حقاً {وضلوا} أي: بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم {عن سواء السبيل} أي: طريق الحق وهو الإسلام والسواء في الأصل الوسط والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، قال أبو عبيدة: لم يذكر الهوى إلا في موضع الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال: يريد الخير ويحبه وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك فقال: كل هوى ضلالة. {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} أي: لعنهم الله في الزبور على لسان داود وإنّ أهل أيلة لمّا اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام: اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وخنازير وقوله تعالى {وعيسى بن مريم} عطف على داود أي: لعنهم الله في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم وهم أصحاب المائدة ما لم يؤمنوا قال عيسى عليه السلام: اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبيّ، قال بعض العلماء: إنّ اليهود كانوا يفتخرون بأناس من أولاد الأنبياء فذكر الله تعالى هذه الآية ليدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء {ذلك} أي: اللعن المذكور {بما} أي: بسبب ما {عصوا وكانوا يعتدون} ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله تعالى: {كانوا لا يتناهون} أي: لا ينهى بعضهم بعضاً {عن منكر} أي: معاودة منكر {فعلوه} أو عن مثل منكر أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤا له وإنما قدر ما ذكر لأنّ التناهي عن منكر قد مضى محال {لبئس ما كانوا يفعلون} أي: يفعلونه والمخصوص بالذم محذوف أي: فعلهم هذا قال بعض المفسرين: فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. {ترى كثيراً منهم} أي: من أهل الكتاب {يتولون الذين كفروا} أي: يوالون المشركين بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين {لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم} من العمل لمعادهم {أن سخط الله عليهم} أي: غضب عليهم {وفي العذاب هم خالدون} أي: دائماً.
{ولو كانوا يؤمنون با والنبيّ} محمد صلى الله عليه وسلم {وما أنزل إليه} من عند الله تعالى أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق {ما اتخذوهم} أي: المشركين {أولياء} إذ الإيمان يمنع ذلك {ولكنّ كثيراً منهم فاسقون} أي: خارجون عن الإيمان، وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يولهم المسلمون. {لتجدنّ} يا محمد {أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وفي جعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين دلالة على شدة عداوتهم لهم، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} (البقرة، 96) وعنه صلى الله عليه وسلم «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هَمَّا بقتله» {ولتجدنّ أقربهم} أي: الناس {مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود لأنهم الذين سموا أنفسهم نصارى حين قال لهم عيسى عليه السلام: {من أنصاري إلى الله} (آل عمران، 52) الآية، أو لأنهم كانوا يسكنون قرية يقال لها: ناصرة وكلهم لم يكونوا ساكنين فيها، وعلى التقديرين فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهوداً فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهودا بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل بقولهم: إنا هُدْنا إليك أو لتحرّكهم في دراستهم. ثم علل سبحانه وتعالى سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين بقوله تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين} أي: علماء {ورهباناً} أي: عباداً {وأنهم لا يستكبرون} عن اتباع الحق كما استكبر اليهودو المشركون من أهل مكة، نزلت في وفد النجاشي القادمين من الحبشة لا في كل النصارى لأنهم في عداوتهم للمسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب ديارهم وهدم مساجدهم وحرق مصاحفهم، قال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله تعالى منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: «إنّ ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحداً فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً» وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وإنما النجاشي اسم الملك كقولهم: قيصر وكسرى فخرج إليه سراً أحد عشر رجلاً وأربع نسوة من جملتهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وتتابع المسلمون إليهما فكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك أرسلوا إلى النجاشي بالهدايا ليردّهم إليهم فعصهم الله تعالى وانصرفوا خائبين، وأقام المسلمون هناك بحسن دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا دينه في سنة ست من الهجرة كتب
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها فأرسل النجاشي إلى أمّ حبيبة جارية تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسرت بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوّجها وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي فأنفذ إليها أربعمائة دينار، قالت أمّ حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم ووافى جعفر بن أبي طالب وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشأم فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكوا وأسلموا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. قال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} من القرآن {ترى أعينهم تفيض من الدمع} أي: جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنهم تفيض بأنفسها {مما عرفوا من الحق} من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا من الحق أو التبعيض فإنه بعض الحق والمعنى: إنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله، وقال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرىء عليهم ثم دعا بجعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين وأمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة قالوا: آمنا كما قال تعالى: {يقولون ربنا آمنا} أي: صدقنا نبيك وكتابك {فاكتبنا مع الشاهدين} أي: أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة دليله قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} (البقرة، 143) وإذا نظرت مكاتبات النبيّ صلى الله عليه وسلم ازددت بصيرة في صدق هذه الآية فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهودة بن علي وغيرهم وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية في الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء قال البقاعي: السرّ في ذلك أنه لما كان عيسى عليه الصلاة والسلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودّة لاتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا في جواب من عيّرهم بالإسلام من اليهود. {وما لنا لا نؤمن با وما جاءنا من الحق} وهو القرآن لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه وقوله تعالى: {ونطمع} معطوف على نؤمن {أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} أي: المؤمنين الجنة. {فأثابهم الله بما قالوا} أي: جعل ثوابهم على هذا القول المسند إلى خلوص النية الناشىء عن حسن الطوية {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك} أي: الجزاء العظيم {جزاء المحسنين} أي: بالإيمان. {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} أي: الذين لا ينفكون عنها لا غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم وعطف التكذيب بآيات الله على الكفر وهو ضرب منه لأنّ القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدّيقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب. {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا} أي:
لا تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غير ذلك {طيبات} أي: مستلذات {ما أحلّ الله لكم} كمنع التحريم أي: لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً {ولا تعتدوا} حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم {إنّ الله لا يحب المعتدين} أي: لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ولا للمفرّطين فيه الذين يحللون ما حرمت أن يفعلوا فعل المحرّم من المنع وفعل المحلل من التناول فالآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرّم داعية إلى القصد بينهما. روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف يوم القيامة لأصحابه فبالغ وأشبع في الكلام في الإنذار فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيت عثمان بن مظعون وهم: أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟» قالوا: بلى يا رسول الله ما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لم أومر بذلك» ثم قال: «إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» ثم جمع الناس وخطبهم وقال: «ما بال أقوام يحرّمون النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة صوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع» فأنزل الله تعالى هذه الآية فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا فأنزل الله تعالى لا {يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} (البقرة، 225) ، الآية. وروي «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوز وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال: «المؤمن حلو يحب الحلاوة» وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً قال له: إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك» وعن الحسن: أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج والفالوز وغير ذلك فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم فقالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان فقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم، وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوز يقول: لا أؤدي شكره قال: أفيشرب الماء البارد؟ قال: نعم قال: إنه جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوز، وعنه أنّ الله تعالى أدب عباده
فأحسن أدبهم قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} (الطلاق، 7) ما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوه ولا عذر قوماً ذواهاً عنهم فعصوه. وروي أنّ عثمان بن مظعون أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لي في الاختصاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس منا من خصى ولا من اختصى إن خصاء أمتي الصيام» فقال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» قال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال: «إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة» . وروي أنّ رجلاً قال: يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت فأخذتني شهوة فحرّمت اللحم فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولا تعارض بين الخبرين لأنّ الشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة بعضها أقرب من بعض. وروي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل نهياً شديداً وقال: «تزوّجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» . {وكلوا مما رزقكم الله} ولما كان الرزق يقع على الحرام قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: {حلالاً طيباً} وهو مفعول كلوا ومما حال منه تقدّمت عليه لأنه نكرة وقوله تعالى: {واتقوا الله} تأكيد للتوصية بما أمر الله به وزاده تأكيداً بقوله: {الذي أنتم به مؤمنون} لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعمّا نهى عنه. {لا يؤاخذكم الله باللغو} الكائن {في أيمانكم} هو ما يبدو من المرء بلا قصد كقول الإنسان: لا والله وبلى والله وإليه ذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى، وقيل: هو الحلف على ما يظنّ أنه كذلك ولم يكن وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم} أي: وثقتم {الأيمان} عليه بأن حلفتم عن قصد. روي أنّ الحسن سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال: يا أبا سعيد دعني أجب عنك فقال: *ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم* والمعنى: ولكن يؤاخذكم الله بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف التقدير بأحد الأمرين للعلم به، وقرأ ورش يؤاخذكم بإبدال الهمزة واواً مفتوحة، وقرأ ابن ذكوان عاقدتم بألف بعد العين وتخفيف القاف والباقون بغير ألف مع تشديد القاف {فكفارته} أي: اليمين إذا حنثتم فيه التي تذهب إثمه وتزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم. {إطعام عشرة مساكين} أي: لكل مسكين مدّ عندنا ونصف صاع عند أبي حنيفة رحمه الله {من أوسط} أي: أعدل {ما تطعمون أهليكم} من برّ أو غيره لا من أعلاه ولا من أدناه {أو كسوتهم} بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار وسراويل ومقنعة من صوف وقطن وكتان وحرير ولو لرجل وإن لم يجز له لبسه لوقوع اسم الكسوة عليه رديئاً كان أو جيداً ويجزىء لبد أوفروة اعتبر في البلد لبسهما ولا يكفي دفع ما ذكر لمسكين واحد وعليه الشافعيّ ولا يكفي المكعب والنعل والخف والقلنسوة والتبان وهو سراويل قصيرة لا تبلغ الركبة ونحو ذلك مما لا يسمى كسوة {أو تحرير رقبة} أي: مؤمنة كما في كفارتي القتل والظهار حملاً للمطلق على المقيد وجوّز أبو حنيفة عتق الكافرة في كل كفارة إلا القتل، وخرج بالتخيير بين هذه الثلاثة أنه لا يجزىء أن يطعم خمسة ويكسو خمسة كما لا يجزىء إعتاق نصف رقبة وإطعام خمسة {فمن لم يجد} أي: بأن عجز عن أحد ما ذكر
{فصيام ثلاثة أيام} أي: فكفارته صيام ثلاثة أيام ولا يجب تتابعها. فإن قيل: قرىء شاذاً متتابعات والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العلم كما أوجبنا قطع يد السارق اليمنى بالقراءة الشاذة في قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما} (المائدة، 38) ولأنّ من عادة الشافعي رحمه الله تعالى حمل المطلق على المقيد من جنسه وهو الظهار والقتل أجيب: بأنّ اليمين نسخ فيها متتابعات تلاوة وحكماً فلا يستدل بها بخلاف آية السرقة فإنها نسخت تلاوة لا حكماً وبأنّ المطلق ههنا متردّد بين أصلين يجب التتابع في أحدهما وهو كفارة الظهار والقتل ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولى من الآخر ويسنّ تتابعها خروجاً من خلاف أبي حنيفة فإنه شرط تتابعها. تنبيه: المراد بالعجز أن لا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة كمن يجد كفايته وكفاية من تلزمه مؤنته فقط ولا يجد ما يفضل عن ذلك وضابط ذلك: أنّ من جاز له أن يأخذ سهم الفقراء والمساكين من الزكاة والكفارات جاز له أن يكفر بالصوم لأنه فقير في الأخذ فكذا في الإعطاء {ذلك} أي: المذكور {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} أي: وحنثتم {واحفظوا أيمانكم} أي: من أن تنكثوها ما لم تكن من فعل برّ أو إصلاح بين الناس كما مرّ في سورة البقرة {كذلك} أي: مثل ما بين لكم ما ذكر {يبين الله لكم آياته} أي: أعلام شريعته {لعلكم تشكرون} أي: يحصل منكم شكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية. {يأيها الذين آمنوا إنما الخمر} أي: المسكر الذي خامر العقل سواء فيه كثيره وقليله {والميسر} أي: القمار {والأنصاب} أي: الأصنام {والأزلام} أي: قداح الاستقسام {رجس} أي: خبيث مستقذر وإنما وحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأنّ أخبار الثلاثة حذفت وقدرت لأنها أهل لأن يقال في كل واحدة منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله تعالى: {من عمل الشيطان} الذي يزينه {فاجتنبوه} أي: الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه {لعلكم تفلحون} أي: تظفرون بجميع مطالبكم. واعلم أنه سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بأن صدّر الجملة بإنما وقرنهما بالأصنام والأزلام وسماهما رجساً وجعلهما من عمل الشيطان تنبيهاً على أن الاشتغال بهما شر خالص أو غالب وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعل الاجتناب سبباً يرجى منه الفلاح ثم قرّر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للتحريم بقوله تعالى: {إنما يريد الشيطان} أي: بتزيين الشرب والقمار لكم {أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} أي: إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من الشرّ والفتن، أمّا العداوة في الخمر فإنّ الشارب إذا سكر عربد كما فعل الأنصاري الذي شج رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل، وأمّا العداوة في الميسر فقال قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزيناً مسلوب الأهل والمال مغتاظاً على حرفائه {ويصدّكم} بالاشتغال بهما {عن ذكر الله وعن الصلاة} وذلك لأنّ من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله وشوش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف، تقدّم رجل منهم يصلي بهم صلاة المغرب بعدما ما شربوا فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد بحذف لا، وإنما
خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهاً على أنهما المقصودان بالبيان وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله صلى الله عليه وسلم «شارب الخمر كعابد الوثن» رواه البزار ورواه ابن حبان بلفظ «مدمن الخمر كعابد الوثن» قال: ويشبه أن يكون فيمن يستحلها وهو كذلك وخص الصلاة بالذكر للإفراد بالتعظيم والإشعار بأنّ الصادّ عنها كالصادّ عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر ثم أعاد الحثّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتباً على ما تقدّم من أنواع الصوارف بقوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} إيذاناً بأنّ الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وأنّ الأعذار قد انقطعت فلفظه الاستفهام ومعناه أمر كقوله تعالى: {فهل أنتم شاكرون} (الأنبياء، 480) {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فيما أمراكم به من اجتناب ذلك {واحذروا} مخالفتهما فيما ينهياكم عنه {فإن توليتم} أي: عن الطاعة {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} أي: فلا يضرّه توليكم فإنما عليه الإبلاغ البيّن، وقد أدّى وإنما ضررتم أنفسكم. ولما نزل تحريم الخمر قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر نزل. {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تصديقاً لإيمانهم {جناح} أي: حرج {فيما طعموا} أي: من مال الميسر وشربوا من الخمر قبل التحريم {إذا ما اتقوا} أي: المحرّمات {وآمنوا وعملوا الصالحات} أي: ثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة {ثم اتقوا} ما حرّم عليهم بعد الخمر {وآمنوا} بتحريمه {ثم اتقوا} أي: استمرّوا وثبتوا على اتقاء المعاصي {وأحسنوا} أي: وتحرّوا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها أو أن التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة الماضي والحال والاستقبال التي تقع فيها الأفعال المذكورة وباعتبار الحالات الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله عز وجل ولأجل استعمال الإنسان التقوى بينه وبين الله أبدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسير الإحسان من قوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» أو باعتبار المراتب الثلاثة: المبدأ والوسط والمنتهى أو باعتبار ما يتقي به فإنه ينبغي أن يترك المحرّمات توقياً من العقاب والشبهات تحزراً للنفس عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات صوناً لها عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة {وا يحب المحسنين} أي: يثيبهم. ونزل عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد فكانت الوحوش تغشى رحالهم فهموا بأخذها. {يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله} أي: ليختبرنكم {بشيء} يرسله لكم {من الصيد} وإنما بعض لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة وفائدة الابتلاء إظهار المطيع من العاصي وإلا فلا حاجة به إلى البلوى {تناله أيديكم} أي: ما لا يقدر أن يفرّ من الصيد لصغر أو غيره {ورماحكم} أي: ما يقدر على الفرار لكبر أو غيره {ليعلم الله} أي: علم ظهور فإنه تعالى يعلم ما تخفى الصدور {من يخافه بالغيب} أي: ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيجتنب الصيد، والمعنى: أنه سبحانه وتعالى يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما كان تعلقاً غيبياً
ليقوم بذلك على الفاعل الحجة في مجاري عاداتكم {فمن اعتدى} أي: فاصطاد {بعد ذلك} أي: الابتلاء بالصيد {فله عذاب أليم} أي: مؤلم وإنّ من لا يملك نفسه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون فيه النفس أميَل إليه وأحرص عليه. {يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أي: محرمون بنسك أو في الحرم والنهي عما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفاً وأمّا غير المؤكول فيحل قتله فإنه لا حظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «خمس يقتلن في الحل والحرم: الحداء والغراب والعقرب والفأرة والكلب» وفي رواية أخرى الحية بدل العقرب مع ما فيه من التنبيه على جواز قتل كل مؤذ وإنما ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم فإنّ مذبوح المحرم ميتة {ومن قتله منكم متعمداً} أي: قاصداً للصيد ذاكراً للاحرام إن كان محرماً والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم وذكر العمد ليس لتقييد وجوب الجزاء فإنّ إتلاف العامد والمخطىء واحد في إيجاب الضمان بل لقوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه} ولأنّ الآية نزلت فيمن تعمد إذ روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو قتادة برمحه فقتله فنزلت، وعن الزهريّ نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ، وعن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئاً باشتراط العمد في الآية، وعن الحسن روايتان وقوله تعالى: {فجزاء} منوّن في قراءة عاصم وحمزة والكسائيّ وما بعده مرفوع أي: فعليه جزاء هو {مثل ما قتل من النعم} أي: شبهه في الخلقة لا التساوي في القيمة، وقرأ الباقون بغير تنوين في جزاء وخفض لام مثل {يحكم به} أي: المثل رجلان {ذوا عدل منكم} أي: لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به فيحكمان به وقد ذهب إلى إيجاب المثل جماعة من الصحابة حكموا في بلدان مختلفة بالمثل من النعم فحكم ابن عباس وعمر وعليّ في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة وعمر في الضبع بكبش وهو لا يساوي كبشاً وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة، ابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها في العب، والحمام كل ما عبّ وهدر من الطير كالفواخت والقمري والدبسيّ فدلّ ذلك على أنهم ينظرون إلى ما يقرب من الصيد شبهاً من حيث الخلقة لا من حيث القيمة. وقوله: {هدياً} حال من جزاء وقوله تعالى: {بالغ الكعبة} أي: يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدّق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان وهو نعت لما قبله وإن أضيف إلى معرفة لأنّ إضافته لفظية لا تفيد تعريفاً فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراف فعليه قيمته {أو} عليه {كفارة طعام مساكين} في الحرم من غالب قوت البلد مما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مدّ، وقرأ نافع وابن عامر كفارة بغير تنوين وخفض ميم طعام والباقون بالتنوين ورفع ميم طعام أي: هي طعام {أو} عليه {عدل} أي: مثل {ذلك} أي: الطعام {صياماً} يصومه في كل موضع يتيسر له عن كلّ مدّ يوماً، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها، قال البقاعي: والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل. وقوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} متعلق بمحذوف أي: فعليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى: {فأخذناه أخذاً وبيلاً} (المزمل، 16) أي:
ثقيلاً والطعام الوبيل الذي ينقل على المعدة ولا يستمر {عفا الله عما سلف} أي: من قتل الصيد قبل تحريمه فلا يؤاخذكم به {ومن عاد} إلى تعمد شيء من ذلك بعد النهي وقوله تعالى: {فينتقم الله منه} خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه ولذلك دخلت الفاء ونحو ذلك قوله تعالى: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} (الجن، 13) أي: ينتقم الله تعالى منه في الآخرة وإذا تكرّر من المحرم قتل الصيد تعدّدت عليه الكفارة عند عامّة العلماء.f وعن ابن عباس وشريح: لا كفارة عليه تعلقاً بظاهر الآية فإنه لم يذكر الكفارة قالا: لأنّ الانتقام من العائد يمنع وجوب الكفارة {وا} الذي له صفات الكمال {عزيز} أي: غالب على أمره {ذو انتقام} أي: ممن أصبر على عصيانه. ولما كان هذا عاماً في كل صيد بيّن الله تعالى أنه خاص بصيد البرّ فقال: {أحلّ لكم} أيها الناس حلالاً كنتم أو محرمين {صيد البحر} أي: ما صيد منه وهو ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البرّ عند الشافعيّ رحمه الله تعالى وذهب قوم إلى أنّ جميع ما في البحر حلال وظاهر الآية حجة له. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يحلّ منه إلا السمك، وقوله تعالى: {وطعامه} عطف على صيد البحر أي: وأحلّ لكم طعام البحر وهو ما يقذفه من السمك ميتاً قال صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» رواه أبو داود والترمذيّ وغيرهما وصححوه وقال قتادة: صيده طريه وطعامه مالحه، وقيل: الضمير للصيد وطعامه أكله وعلى هذا فالصيد بمعنى الاصطياد والمعنى: أحلّ لكم اصطياد الصيد وأكل المصيد من الأنهار والبرك وغيرهما من جميع المياه كالبحر. وقوله تعالى: {متاعاً} مفعول أي: أحلّ {لكم} تمتيعاً لكم تأكلونه طرياً {وللسيارة} أي: المسافرين منكم يتزوّدونه قديداً كما تزوّد موسى صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى الخضر الحوت {وحرّم عليكم صيد البرّ} أي: اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا يعيش إلا فيه وما يعيش فيه وفي البحر فإن صيد الحلال حل للمحرم أكله لقوله صلى الله عليه وسلم «لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادون أو يصد لكم» {ما دمتم حرماً} أي: محرمين وقد ذكر تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاث مواضع من هذه السورة قوله تعالى: {غير محلى الصيد وأنتم حرم} (المائدة، 1) إلى قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة، 2) وقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (المائدة، 95) وقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً} (المائدة، 96) تشديداً على المحرم أنه لا يتعاطى ذلك وأكد ذلك بقوله تعالى: {واتقوا الله} أي: في ذلك الاصطياد وغيره {الذي إليه تحشرون} فإنه مجازيكم بأعمالكم. {جعل الله الكعبة} أي: صيرها وسمى البيت كعبة لتكعبه أي: تربعه وقال مجاهد: سميت كعبة لترفعها والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة وقال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البناء وقوله تعالى: {البيت الحرام} أي: المحترم عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفة كذلك {قياماً للناس} أي: يقوم به أمر دينهم بالحج أو العمرة إليه ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرّض له وجبي ثمرات كل شيء إليه قال الرازي: والمراد بعض الناس وهم العرب وإنما حسن هذا المجاز؛ لأنّ أهل كل بلد إذا قالوا: الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم. وقرأ ابن عامر قيماً بغير ألف مصدر قام غير معل والباقون بالألف.
{والشهر الحرام} أي: الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب أي: صير الأشهر الحرم قياماً للناس يأمنون فيها من القتال {والهدي} أي: الذي لم يقلد {والقلائد} أي: الهدى الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء ومرّ الكلام عليه في أوّل السورة {ذلك} أي: الجعل المذكور وهو الأربعة الأشياء التي جعلها الله قياماً للناس {لتعلموا أنّ الله يعلم ما في السموات وما في الأرض} فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها دليل على علمه بما في الوجود وما هو كائن وقوله تعالى: {وإنّ الله بكل شيء عليم} تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق وقوله تعالى: {اعلموا أنّ الله شديد العقاب} فيه وعيد لأعدائه ممن انتهك محارمه وقوله تعالى: {وإنّ الله غفور} فيه وعد لأوليائه ممن حافظ عليها {رحيم} بهم وقوله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ} فيه تشديد على إيجاب القيام بما أمر به وأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط {وا يعلم ما تبدون} أي: تظهرون من العمل {وما تكتمون} أي: تخفون منه فيجازيكم به. وقوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب} حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها رغب به في صالح العمل وحلال المال {ولو أعجبك كثرة الخبيث} إذ لا عبرة بالقلة والكثرة بل بالجودة والرداءة فإنّ المحمود القليل خير من المذموم الكثير، والخطاب لكل معتبر ولذلك قال تعالى: {فاتقوا الله} أي: في ترك الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى وآثِروا الطيب وإن قلّ في الحس لكثرته في المعنى {يا أولي الألباب} أي: أصحاب العقول السليمة {لعلكم تفلحون} أي: لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب. ونزل لما أكثروا سؤاله صلى الله عليه وسلم {يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد} أي: تظهر {لكم تسؤكم} أي: لما فيها من المشقة فقيل: سبب نزولها ما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه إنهم لما سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه المسألة أي: بالغوا في السؤال فغضب وصعد المنبر وقال: «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» وشرع يكرّر ذلك وإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «حذافة» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً نعوذ بالله من الفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه قد صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط في آخره» فنزلت هذه الآية. وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله أنا حديث عهد بجاهلية اعف عنا يعف الله عنك فسكن غضبه، وللبخاريّ في التفسير عن أنس أيضاً قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان فنزلت هذه الآية. وللبخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ يقول الرجل تضلّ ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله
عليه وسلم كان يخطب ذات يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال صلى الله عليه وسلم «لا أسأل عن شيء إلا وأجيب» فقال رجل: أين أنا؟ قال: «في النار» وقال آخر: من أبي؟ قال: «حذافة» وكان يدعى لغيره فنزلت هذه الآية. وقيل غير ذلك ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردّها إلى شيء واحد لما مرّ عند قوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (المائدة، 87) من أنّ الأمر الواحد قد تتعدّد أسبابه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية مع تحقيق الأولى والباقون بتحقيقهما. ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أنّ هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفاً من عواقبه قال تعالى: {وإن تسألوا عنها} أي: تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها {حين ينزل القرآن تبد لكم} المعنى: إذا سألتم عن أشياء في زمنه صلى الله عليه وسلم ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى قد فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ثم عفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقوله تعالى: {عفا الله عنها} استئناف أي: عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مسألتها أو صفة أخرى أي: عن أشياء عفا الله عنها ولا يكلف بها. روي أنه لما نزل {وعلى الناس حج البيت} (آل عمران، 97) قال سراقة بن مالك: ألكل عام فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى أعاد ثلاثاً فقال: «لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم فاتركوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» . {وا غفور} يمحو الزلات عيناً وأثراً ويعقبها بالإكرام {حليم} لا يعجل على العاصي بالعقوبة وقوله تعالى: {قد سألها قوم} الضمير فيه للمسألة التي دلّ عليها تسألوا ولذلك لم يعدّ بعن أو الأشياء بحذف الجار وقوله تعالى: {من قبلكم} قال البيضاويّ: متعلق بسألها وليس صفة لقوم فإن ظرف الزمان لا يكون صفة لجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها اه. قال أبو حيان: هذا محله في ظرف الزمان المجرّد من الوصف أمّا إذا لم يتجرّد عنه فيصح أن يكون صفة للجثة أو حالاً منها أو خبراً عنها، وقبل وبعد وصفان في الأصل فإذا قلت: جاء زيد قبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل زمان مجيئه أي: تقدّم عليه ولذا صح وقوعه صلة للموصول ولو لم يلحظ فيه الوصف ولو كان ظرف زمان مجرّداً لم يجز أن يقع صلة قال تعالى: {والذين من قبلكم} (البقرة، 21) ولا يجوز والذين اليوم وممن سألها قبلهم ثمود سألوا صالحاً الناقة وسأل قوم عيسى المائدة {ثم أصبحوا} أي: صاروا {بها} أي: بسببها {كافرين} حيث لم يأتمروا بما سألوا جحوداً وقوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} ردّ وإنكار لما ابتدعته أهل الجاهلية. روي أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر يجزوا أذنها أي: شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ وقيل: إنهم كانوا ينظرون إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى يجزوا أذنها أي: شقوها وتركوها، وحرم على النساء لبنها ومنافعها وكانت منافعها خاصة للرجال وإذا
ماتت حلت للرجال والنساء. وأما السائبة فكان الرجل منهم يقول: إن شفيت أو ردّ غائبي فناقتي سائبة ثم يسيبها فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا تركب ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها وقيل: كانت الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة سنة إناثاً سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فإن نتجت بعد ذلك أثنى شق أذنها ثم يخلى سبيلها مع أمّها في الإبل فلم تركب ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمّها فهي البحيرة بنت السائبة. وأمّا الوصيلة فمن الغنم كانت إذا ولدت سبعة أبطن نظر فإن كان السابع ذكراً ذبحوه فأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وقيل: إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وكان ابن الأنثى حراماً على النساء فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعاً. وأمّا الحام فهو الفحل إذا ركب ولد ولده ويقال: إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وإذا مات أكله الرجال والنساء. وروي «أنه صلى الله عليه وسلم قال لأكثم الخزاعي: يا أكثم رأيت عمرو بن لحى يجرّ قصبه في النار فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك وذلك أنه أوّل من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه» فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر» ومعنى {ما جعل الله} أي: ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير ولا التسيب ولا غير ذلك {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في قولهم: إنّ الله أمرنا بها {وأكثرهم لا يعقلون} أنّ ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا} أي: كافينا {ما وجدنا عليه آباءنا} إذ لا مستند لهم سوى ذلك قال الله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} أي: إلى الحق والاستفهام للإنكار أي: أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين. وقرأ هشام والكسائيّ قيل بضم القاف قبل الياء والباقون بالكسر. {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} أي: احفظوها والزموا إصلاحها {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} أي: لا يضركم الضالّ إذا كنتم مهتدين ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» . وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعذابه» . وفي رواية «لتأمرن بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لهم» . قال أبوعبيدة: خاف الصدّيق رضي الله تعالى عنه أنه يتأوّل الناس الآية غير متأوّلها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف فأعلمهم أنها ليست كذلك، قال أبو ثعلبة الخشني: سألت عن هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف
وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت الأمر لا بدّ لك منه فعليك نفسك ودع أمر العامة وإن وراءكم أيام الصبر فمن صبر فيهنّ قبض على الجمر وإنّ وراءكم أياماً للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله» قال ابن المبارك وزادني غيره قال: «أجر خمسين منكم» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ هذه الآية قرئت عنده فقال: إنّ هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه وبسط لعذره وعنه ليس هذا زمان تأويلها قيل: فمتى؟ قال: إذا حال دونها السيف والسوط والحبس. وروي: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل» . وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت: عليكم أنفسكم وعليكم من أسماء الفعل بمعنى الزموا أنفسكم ولذلك نصب أنفسكم {إلى الله مرجعكم جميعاً} الضال والمهتدي {فينبئكم بما كنتم تعملون} فيجازيكم به، وفي ذلك وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أنّ أحداً لا يؤاخذ بذنب أحد غيره. {يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم} أي: فيما أمرتم شهادة بينكم فشهادة مبتدأ خبره محذوف، قيل: هذه الآية وما بعدها من أشكل آي القرآن حكماً وإعراباً وتفسيراً والمراد بالشهادة الإشهاد بالوصية. وقيل: المراد بها اليمين بمعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، قال القرطبي: ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور قال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة، 185) وبمعنى قضى قال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} (ال عمران، 18) وبمعنى أقرّ قال تعالى: {والملائكة يشهدون} (النساء، 166) وبمعنى حكم قال تعالى: {وشهد شاهد من أهلها} (يوسف، 26) وبمعنى حلف قال تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات} (النور، 6) وبمعنى وصى قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} أي: أسبابه {حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} وهذا خبر بمعنى الأمر أي: ليشهد وإضافة شهادة ل «بين» على الاتساع وحين بدل من إذا أو ظرف لحضر واثنان فاعل شهادة أو خبر مبتدأ محذوف أي: الشاهد اثنان ومن فسر الغير بأهل الذمّة جعله منسوخاً فإنّ شهادته على المسلم لا تسمع إجماعاً، وقد اتفق الأكثرون على أنه لا نسخ في سورة المائدة، وعن مكحول نسخها قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق، 2) وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر. {إن أنتم ضربتم} أي: سافرتم {في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} أي: قاربتم الأجل وقوله تعالى: {تحبسونهما} أي: توقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران {من بعد الصلاة} أي: صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. وقيل: أيّ صلاة كانت {فيقسمان} أي: يحلفان {با} وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن غيره: إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كانا الوصيين
فلا إثم شرط لهذا الحلف شرطاً فقال اعتراضاً بين القسم والمقسم عليه {إن ارتبتم} أي: شككتم فيما أخبرا به عن الواقعة ثم ذكر المقسم عليه بقوله: {لا نشتري به ثمناً} أي: بهذا الذي ذكرناه ثمناً أي: لم نذكره ليحصل لنا به غرض دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة وليس قصدنا به إلا إقامة الحق {ولو كان} أي: القسم له {ذا قربى} أي: لنا {ولا نكتم شهادة الله} أي: التي أمرنا بإقامتها {إنا إذا} أي: إذا كتمناها {لمن الآثمين} . {فإن عثر} أي: اطلع بعد حلفهما {على أنهما استحقا إثماً} أي: فعلاً ما يوحيه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندها مثلاً ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به {فآخران} أي: فشاهدان آخران {يقومان مقامهما} أي: في توجيه اليمين عليهما {من الذين استحق عليهم} الوصية وهم الورثة على قراءة غير حفص بضم التاء وكسر الحاء على البناء للمفعول وعلى البناء للفاعل فهو الأوليان ويبدل من آخران {الأوليان} بالميت أي: الأقربان إليه، وقرأ حمزة وشعبة بتشديد الواو وكسر اللام وبسكون الياء وفتح النون على الجمع على أنه صفة للذين أو بدل منه أي: من الأوّلين الذين استحق عليهم والباقون بسكون الواو وفتح اللام والياء وألف بعد الياء وكسر النون على التثنية على أنه بدل من آخران كما مرّ أو خبر محذوف أي: هما الأوليان {فيقسمان} أي: هذان الآخران {با} ويقولان {لشهادتنا} أي: يميننا {أحق} أي: أصدق {من شهادتهما} أي: يمينهما {وما اعتدينا} أي: تجاوزنا الحق في اليمين {إنا إذا} أي: إذا وقع منا اعتداء {لمن الظالمين} أي: الواضعين الشيء في غير موضعه. ومعنى الآيتين: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطاً فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإن الشاهد لا يحلف ولا تعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت إن كانا وصيين وردّ اليمين إلى الورثة إمّا لظهور خيانة الوصيين فإنّ تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها، وهي ما روي أنّ رجلاً من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن زيد إلى الشام للتجارة وكانا حينئذٍ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً فلما قدموا الشام مرض بديل فدوّن ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما بها وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ثم قضيا حاجتهما وانصرفا إلى المدينة ودفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا فأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميماً وعدياً فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً؟ قالا: لا قالوا: هل اتجر تجارة قالا: لا قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا لا قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا منها إناء من فضة مموّهاً بالذهب ثلثمائة مثقال من فضة قالا: ما ندري إنما أوصى لنا بشيء وأمرنا أن ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء فاحتصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجترآ على الإنكار وحلفا فأنزل تعالى الله: {يأيها الذين آمنوا} الآية فلما نزلت هذه
الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميماً وعدياً فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئاً مما دفع إليهما فحلفا على ذلك وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما، ثم وجد الإناء في أيديهما، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا: ألم تزعما أنّ صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا بينة وكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فإن عثر فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان وحلفا وتقدّم أنّ تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.f {ذلك} أي: الحكم المذكور من ردّ اليمين على الورثة {أدنى} أي: أقرب {أن} أي: إلى أن {يأتوا} أي: الذين شهدوا أوّلاً {بالشهادة} أي: الواقعة في نفس الأمر {على وجهها} أي: الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة {أو} أقرب إلى أن {يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم} أي: على الورثة المدعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا وإنما جمع الضمير؛ لأنه حكم يعم الشهود كلهم {واتقوا الله} بترك الخيانة والكذب {واسمعوا} ما تؤمرون به سماع قبول {وا لا يهدي القوم الفاسقين} أي: الخارجين عن طاعته لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. وقوله تعالى: {يوم يجمع الله الرسل} أي: يوم القيامة منصوب بإضمار اذكر. وقيل: بدل من مفعول واتقوا بدل اشتمال {فيقول} لهم توبيخاً لقومهم كما أنّ سؤال الموءودة لتوبيخ الوائد {ماذا} أي: الذي {أجبتم} به حين دعوتم إلى التوحيد {قالوا لا علم لنا} أي: لا علم لنا بما أنت تعلمه {إنك أنت علام الغيوب} فتعلم ما أجابونا وأظهروا لنا وما لم نعلم مما أضمروا في قلوبهم وقوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} أي: اشكرها منصوب بإضمار اذكر، وقيل: بدل من يوم يجمع وهو على طريقة: ونادى أصحاب الجنة، والمعنى أنه تعالى يوبخ الكفرة يومئذٍ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ما أظهروا عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة وغلا آخرون فاتخذوهم آلهة وقوله تعالى: {إذ أيدتك} أي: قوّيتك ظرف لنعمتي أو حال منه {بروح القدس} أي: جبريل عليه السلام فكان له في الصغر حفظ لم يكن لغيره وقوله تعالى: {تكلم الناس} حال من الكاف في أيدتك {في المهد} أي: طفلاً {وكهلاً} أي: تكلمهم في الطفولية والكهولة على السواء والمعنى: إلحاق حاله في الطفولية بحال الكهول في كمال العقل والتكلم به، وبه استدل على أنه ينزل قبل الساعة؛ لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق في آل عمران {وإذ علمتك الكتاب} أي: الخط الذي هو مبدأ العلم {والحكمة} أي: الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم {والتوراة} أي: المنزلة على موسى صلى الله عليه وسلم {والإنجيل} أي: المنزل عليك {وإذ تخلق من الطين} أي: هذا الجنس {كهيئة} أي: كصورة {الطير} والكاف اسم بمعنى مثل مفعول {بإذني} أي: بأمري {فتنفخ فيها} أي: في الصورة المهيأة {فتكون} تلك الصورة التي هيأتها {طيراً بإذني} أي: بإرادتي، وقرأ نافع بالمدّ بعد الطاء وبعد الألف همزة مكسورة وورش يرقق الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء {وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني} وسبق تفسيرهما في سورة آل
عمران {وإذ تخرج الموتى} أي: من قبورهم أحياء {بإذني وإذ كففت بني إسرائيل} أي: اليهود {عنك} أي: حين هموا بقتلك وقوله تعالى: {إذ جئتهم} ظرف لكففت {بالبينات} أي: المعجزات {فقال الذين كفروا منهم أن} أي: ما {هذا} الذي جئت به {إلا سحر مبين} أي: بيّن ظاهر، وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء إشارة إلى عيسى عليه السلام، والباقون بكسر السين وسكون الحاء ولا ألف بعدها إشارة إلى ما جاء به. {وإذا أوحيت} أي: بالإلهام باطناً وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهراً {إلى الحواريين} أي: الأنصار {أن} أي: بأن {آمنوا بي وبرسولي} عيسى صلى الله عليه وسلم {قالوا آمنا} بهما {واشهد بأننا مسلمون} أي: منقادون أتم انقياد وقوله تعالى: {إذ قال الحواريون} منصوب باذكر. وقيل: ظرف لقالوا فيكون تنبيهاً على أنّ ادعاءهم الإخلاص مع قولهم: {يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك} قرأ الكسائي بالتاء على الخطاب وإدغام لام هل فيها على أصله، وفتح الباء الموحدة من ربك أي: هل تستطيع ربك أي: سؤال ربك والمعنى: هل تسأل ذلك من غير صارف؟ وقرأ الباقون بالياء على الغيبة ورفع الباء أي: يجيبك ربك إذا سألته {أن ينزل علينا مائدة} وهي الطعام ويقال أيضاً للخوان إذا كان عليه الطعام، والخوان: شيء يوضع عليه الطعام للأكل هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص، وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين أي: تميل، وقال أهل البصرة فاعلة بمعنى مفعولة أي: تميد أيدي الآكلين إليها كقولهم: عيشة راضية أي: مرضية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقولهم: {من السماء} أي: لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدّمنا من الأمم لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة {قال} عيسى عليه الصلاة والسلام مجيباً لهم {اتقوا الله} أن تسألوه شيئاً لم تسأله الأمم من قبلكم {إن كنتم مؤمنين} بكمال قدرته تعالى وصحة نبوّتي أو صدقتكم في ادعائكم الإيمان فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان. {قالوا نريد} أي: بسؤالنا من أجل {أن نأكل منها} تبرّكاً لا أكل حاجة وقولهم: {وتطمئن} أي: تسكن {قلوبنا} بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته بيان لمّا دعاهم إلى السؤال وتمهيد عذرهم وقولهم: {ونعلم} أي: نزداد علماً {أن} مخففة أي: إنك {قد صدقتنا} في ادعاء النبوّة وإنّ الله يجيب دعوتنا، وقيل: إنّ عيسى عليه السلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئاً إلا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة وقالوا: ونعلم إن قد صدقتنا في قولك إنا إذا صمنا ثلاثين يوماً لا نسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطانا {ونكون عليها من الشاهدين} إذا استشهدتنا أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر. {قال عيسى بن مريم} لما رأى أنّ لهم غرضاً صحيحاً في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها {اللهمّ ربنا أنزل علينا مائدة} وحقّق موضع الإنزال بقوله: {من السماء تكون} هي أو يوم نزولها {لنا عيداً} نعظمه ونشرفه وقال سفيان: نصلي فيه. وروي أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً، وقيل: إنّ عيسى عليه السلام اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى ثم قال: اللهمّ ربنا إلخ.. وقيل: العيد السرور العائد ولذلك سمي
يوم العيد عيداً وقوله: {لأوّلنا وآخرنا} بدل من لنا بإعادة العامل أي: عيداً لأهل زماننا ولمن جاء بعدنا وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم وقوله: {وآية} عطف على عيداً وقوله: {منك} صفة لها أي آية كائنة منك دالّة على كمال قدرتك وصحة نبوّتي {وارزقنا} المائدة والشكر عليها {وأنت خير الرازقين} أي: من يرزق؛ لأنه تعالى خالق الرزق ومعطيه بلا غرض. {قال الله} تبارك وتعالى مجيباً لعيسى عليه السلام {إني منزلها عليكم} أي: المائدة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي {فمن يكفر بعد} أي: بعد نزولها {منكم فإني أعذبه عذاباً} أي: تعذيباً أو مفعولاً به على السعة والضمير في {لا أعذبه} للمصدر ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء {أحداً من العالمين} أي: عالمي زمانهم أو العالمين مطلقاً فإنهم مسخوا قردة وخنازير ولم يُعذّب بمثل ذلك غيرهم، قال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وقوم فرعون. واختلف العلماء هل نزلت المائدة أو لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل فإنّ الله تعالى لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستغفروا وقالوا: لا نريدها فلم تنزل، وقوله تعالى: {إني منزلها عليكم} أي: إن سألتم والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها نزلت لقوله تعالى: {إني منزلها عليكم} ولتواتر الأخبار في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في صفتها فقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسيّ: لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام مسحاً وبكى وقال: {اللهمّ ربنا أنزل علينا مائدة} الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللهمّ اجعلني من الشاكرين اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، فقام فتوضأ وصلى وكشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين فإذا سمكة مشوية بلا فلوس أي: بلا قشر كالفلوس ولا شوك تسيل دهناً وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد، فقال شمعون الصفار وهو رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس شيئاً مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بقدرته، كلوا مما سألتم واشكروا يمددكم ويزدكم من فضله فقال: يا روح الله كن أوّل من يأكل منها فقال: معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها، من سألها فخافوا أن يأكلوا منها فدعا أهل الفاقة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين وقال: كلوا من رزق الله لكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان والسمكة كهيئتها حين نزلت، ثم طارت المائدة صعوداً وهم ينظرون إليها حتى توارت فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل فلبثت أربعين صباحاً تنزل ضحاً فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء
ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء أي: زالت الشمس طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غِبَّاً تنزل يوماً ولا تنزل يوماً كناقة ثمود، وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشياً حيث كانوا كالمنّ والسلوى لبني إسرائيل، وقال وهب بن منبه: أنزل الله تعالى أقراصاً من شعير وحيتاناً فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم، وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء، وقال الكلبي: كان عليها خبز أرز وبقل، وقال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، وقال كعب الأحبار: نزلت منكسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كلّ الطعام ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها كانت تنزل تارة كذا وتارة كذا. قيل: لما نزلت قالوا: يا رسول الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة إحيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا فمسخ منهم ثلثمائة وثلاثون رجلاً من ليلتهم على فراشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون، وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطوف بعيسى وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وفي حديث: «أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً فأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادّخروا فمسخوا قردة وخنازير» . {و} اذكر {إذ قال الله} أي: يقول لعيسى في القيامة توبيخاً لقومه وإنما عبر بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى: {أتى أمر الله} (النمل، 1) {يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} أي: غيره، وقال السدّي: قال الله هذا القول لعيسى حين رفعه إلى السماء؛ لأن حرف إذ يكون للماضي وسائر المفسرين على الأوّل، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وأدخل ألفاً بينهما قالون وأبو عمرو وورش وابن كثير لم يدخلا ألفاً بينهما والباقون بتحقيق الهمزتين ولا ألف بينهما وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أمي بفتح الباء والباقون بالسكون. فإن قيل: ما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى عليه السلام لم يقله؟ أجيب: بأنه ذكر لتوبيخ قومه كما مرّ، ولتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا فيما يعلم أنه لم يفعله إعلاماً واستعظاماً لا استخباراً واستفهاماً، وأيضاً أراد الله عز وجل أن يقرّ عيسى على نفسه بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك. قال أبو روق إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب ارتعدت فرائصه ومفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم ثم {قال} وهو يرعد مجيباً لله {سبحانك} أي: أنزهك عن أن يكون لك شريك {ما يكون} أي: ما ينبغي {لي أن أقول ما ليس لي بحق} خبر ليس «ولي» للتبيين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي الأولى بفتح الياء والباقون بالسكون {إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما} أخفيه {في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي: ما أخفيته عني من الأشياء وقوله: في نفسك للمشاكلة. وقيل: المراد بالنفس الذات وقوله:
سورة الأنعام
{إنك أنت علام الغيوب} تقرير لجملتي {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} باعتبار منطوق {إنك أنت علام الغيوب} ومفهومه لأنه يدل بمنطوقه على أنه تعالى لا يعلم الغيب غيره فيكون تقريراً لقوله تعالى: {ولا أعلم ما في نفسك} وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم. {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} وهو {أن اعبدوا الله ربي وربكم} أي: فأنا وإياهم في العبودية سواء {وكنت عليهم شهيداً} أي: رقيباً أمنعهم مما يقولون {ما دمت فيهم فلما توفيتني} بالرفع إلى السماء لقوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إليّ} (آل عمران، 55) والتوفّي أخذ الشيء وافياً والموت نوع منه قال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} (الزمر، 42) {كنت أنت الرقيب} أي: الحفيظ {عليهم} أي: لأعمالهم {وأنت على كل شيء} من قولي وقولهم وغير ذلك {شهيد} أي: مطلع عالم به. {إن تعذبهم} أي: من أقام على الكفر منهم {فإنهم عبادك} وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك {وإن تغفر لهم} أي: لمن آمن منهم {فإنك أنت العزيز} أي: الغالب على أمره {الحكيم} في صنعه فإن عذبت فعدل، وإن عفوت ففضل. {قال الله} تعالى {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي: في الدنيا كعيسى فإنّ النافع ما كان حال التكليف لا صدقهم في الآخرة، وقرأ نافع بنصب الميم على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف، والمعنى: هذا الذي من كلام عيسى عليه السلام واقع يوم ينفع، والباقون بالرفع على الخبر، وقيل: أراد بالصادقين النبيين، وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، وقال قتادة: متكلّمان يخطبان يوم القيامة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو ما قصّ الله تعالى وعدوّ الله إبليس، وهو قوله تعالى: وقال الشيطان لما قضي الأمر فصدق عدوّ الله يومئذٍ، وكان كاذباً فلم ينفعه صدقه. قال: ولما كان عيسى صادقاً في الدنيا والآخرة نفعه صدقه. ثم بيّن تعالى ثوابهم فقال: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وأكد معنى ذلك بقوله تعالى: {أبداً} ولما كان ذلك لا يتمّ إلا برضا الله تعالى قال: {رضي الله عنهم} بطاعته {ورضوا عنه} بثوابه {ذلك} أي: هذا الأمر العليّ لا غيره {الفوز العظيم} وأمّا الكاذبون في الدنيا فلا ينفعهم صدقهم في ذلك اليوم كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب. {ملك السموات والأرض} أي: خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها {وما فيهنّ} من إنس وجنّ وملك وغيرهم ملكاً وخلقاً، وأتى بما دون من تغليباً لغير العاقل {وهو على كل شيء قدير} ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب، قال السيوطي: وخصّ العقل ذاته فليس عليها بقادر، وقوله البيضاوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا» حديث موضوع. سورة الأنعام مكية روي أنها نزلت بمكة جملة واحدة ليلاً ونزل معها سبعون ألف ملك قد سدّوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبحان ربي العظيم» وخرّ
ساجداً، والزجل ـ بفتح الزاي والجيم: القوّة، قال البغوي: وروي مرفوعاً «من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره» ، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت سورة الأنعام بمكة إلا قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم} إلى قوله تعالى: {لعلكم تتقون} فهذه الست آيات مدنيات. ويروى أنه صلى الله عليه وسلم دعا بالكتاب فكتبوها من ليلتهم إلا الست آيات، قال بعض العلماء: واختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة أحدهما: أنها نزلت دفعة واحدة، والثاني: أنها شيعها سبعون ألفاً من الملائكة والسبب فيها أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين وهي مائة وخمسة وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر ألفاً وأربعمائة واثنان وعشرون حرفاً. {بسم الله} الذي تعالت عظمته عن كل شائبة نقص فكان له كل كمال {الرحمن} الذي عمت نعمته المحسن والمسيء فغمر الكل بالنوال {الرحيم} الذي خص أولياءه بإتمام النعمة فهداهم بنعمة الإيصال. {الحمد} هو الوصف بالجميل ثابت {} وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء به أو هما احتمالات قال الجلال المحلى في سورة الكهف: أفيدها الثالث، وتقدّم الكلام على الحمد لغة واصطلاحاً في أوّل الفاتحة، وقال كعب الأحبار: هذه الآية أوّل آية في التوراة وآخر آية في التوراة {وقل الحمد الذي لم يتخذ ولداً} (الإسراء، 111) إلى آخر الآية. وفي رواية أن آخر آية في التوراة آخر سورة هود، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: افتتح الله الخلق بالحمد فقال: {الحمد} {الذي خلق السموات والأرض} وختم بالحمد فقال تعالى: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد رب العالمين} (الزمر، 75) وقال أهل المعاني: لفظ الحمد لله خبر ومعناه الأمر أي: احمدوا الله وإنما جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث أنه جمع الأمرين، ولو قيل: احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله: {الحمد} أبلغ وإنما خص السموات والأرض بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما ترى العباد لأنّ السماء بغير عمد ترونها فيها العبر والمنافع والأرض مسكن الخلائق وفيها أيضاً العبر والمنافع، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهنّ لأنّ طبقاتها مختلفة الذات متفاوتة الآثار والحركات بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرّر عند أهله وقدمها لشرفها قدراً وعظماً، وإن كانت الأرض أشرف من حيث أنها مسكن الأنبياء {وجعل} أي: خلق {الظلمات والنور} أي: كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها إذ ما من جرم إلا وله ظلّ وظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار ولا ترد الأجرام المنيرة كالكواكب لأنّ مرجع كل نير إلى النار على ما قيل: إنّ الكواكب أجرام نورانية نارية وإنّ الشهب منفصلة من نار الكواكب فصح أنّ النور من جنس النار وأن المراد بالظلمة الضلال وبالنار الهدى والهدى واحد والضلال متعدّد وتقديمها لتقدّم الإعدام على الملكات وقوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} عطف على قوله: {خلق} أي: إنه تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثم الذين كفروا يعدلون بربهم الأوثان
أي: يسوونها به في العبادة وعلى هذا فيعدلون من العدل وهو التسوية، والباء متعلقة بيعدلون أو على قوله: الحمد لله على معنى أنّ الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه وأنعمه من العباد ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فيكفرون نعمته، وعلى هذا فيعدلون من العدول، والباء متعلقة بكفروا ومعنى ثم استبعاد عدولهم بعد وضوح آيات قدرته.n { هو الذي خلقكم من طين} أي: ابتدأ خلقكم منه فإنه المادّة الأولى، وإنّ آدم الذي هو أصل البشر خلق منه أو خلق أباكم فحذف المضاف، قال السدّي: بعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع جبريل عليه السلام ولم يأخذ قال: يا رب عاذت بك فبعث ميكائيل عليه السلام فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت عليه السلام فعاذت بالله منه فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح الخلق من هذا الطين بيدك. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من تراب وجعله طيناً ثم تركه حتى كان حمأ مسنوناً ثم خلقه وصوّره وتركه حتى كان صلصالاً كالفخار ثم نفخ فيه من روحه {ثم قضى أجلاً} أي: أجلاً لكم تموتون عند انتهائه {وأجل مسمى} أي: مضروب {عنده} أي: وهو أجل القيامة، وقال الحسن: الأوّل: بين وقت الولادة إلى وقت الموت والثاني: من وقت الموت إلى البعث فإن كان الرجل براً تقياً وصولاً للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث وذلك قوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} (فاطر، 11) وقيل: الأول: النوم، والثاني: الموت وقيل: الأوّل: لمن مضى، والثاني: لمن بقي ولمن يأتي {ثم أنتم} أيها الكفار {تمترون} أي: تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر ومعنى ثم استبعاد أيضاً كما مرّ لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم. {وهو الله} الضمير لله والله خبره وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائيّ بسكون الهاء من وهو والباقون بالضم وقوله تعالى: {في السموات وفي الأرض} متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل: هو مستحق العبادة فيهما ومنه قوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (الزخرف، 84) أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيهما، وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره: وهو الله {يعلم سركم} أي: ما تسرون {وجهركم} أي: ما تجهرون به بينكم في السموات والأرض، وقيل: معناه وهو إله السموات والأرض كقوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (الزخرف، 84) {ويعلم ما تكسبون} أي: ما تعملون من خير أو شرّ فيثيب عليه أو يعاقب. فإن قيل: الأفعال إمّا أفعال القلوب وهي المسماة بالسر وإمّا أفعال الجوارح وهي المسماة بالجهر والأفعال لا تخرج عن السرّ والجهر فقوله تعالى: {ويعلم ما تكسبون} يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو غير جائز أجيب: بأنّ المراد بالسر ما يخفى وبالجهر ما يظهر من أحوال الأنفس
وبالمكتسب أعمال الجوارح فهو كما يقال: هذا المال كسب فلان أنه مكتسبه فلا يحمل على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه. {وما تأتيهم} أي: الكفار {من آية من آيات ربهم} من الأولى مزيدة للاستغراق والثانية للتبعيض أي: ما يظهر لكم دليل قط من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن {إلا كانوا عنها معرضين} أي: تاركين لها وبها مكذبين. {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} أي: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أتى به من المعجزات {فسوف يأتيهم أنباء} أي: عواقب {ما كانوا به يستهزؤن} بنزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة أو عند ظهور الإسلام وارتفاع أمره. {ألم يروا} أي: في أسفارهم إلى الشام وغيرها {كم} خبرية بمعنى كثيراً {أهلكنا من قبلهم من قرن} أي: أمّة من الأمم الماضية، وعلى هذا القرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدّة من الزمان قيل: إنها عشرة أعوام، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون، وقيل: مائة. لما روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشر المازني: «تعيش قرناً» فعاش مائة سنة وقيل: مائة وعشرون فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن {مكناهم في الأرض} أي: جعلنا لهم فيها مكاناً بالقوّة والسعة وقررناهم فيها {ما لم نمكن لكم} أي: ما لم نجعل لكم من السعة والقوّة فيه التفات عن الغيبة، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثموداً وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا {وأرسلنا السماء} هي المطر {عليهم مدراراً} أي: متتابعاً {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي: تحت مساكنهم {فأهلكناهم بذنوبهم} أي: بسبب ذنوبهم بتكذيبهم الأنبياء فلم يغن ذلك عنهم شيئاً {وأنشأنا} أي: أحدثنا {من بعدهم قرناً آخرين} بدلاً منهم. فإن قيل: ما فائدة ذكر أنشأنا قرناً آخرين بعدهم؟ أجيب: بأنه ذكر للدلالة على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخرب بلاده منهم فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده فهو قادر على أن يفعل ذلك بكم. ونزل لما قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله {ولو نزلنا عليك كتاباً} أي: مكتوباً {في قرطاس} أي: رق كما اقترحوه {فلمسوه بأيديهم} أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك {لقال الذين كفروا أن} أي: ما {هذا إلا سحر مبين} أي: تعنتاً وعناداً كما قالوا في انشقاق القمر. {وقالوا لولا} أي: هلا {أنزل عليه} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {ملك} يكلمنا أنه نبي كقوله تعالى: {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً} (الفرقان، 7) {ولو أنزلنا ملكاً بحيث} عاينوه كما اقترحوا فلم يؤمنوا {لقضي الأمر} أي: لحق إهلاكهم فإنّ سنة الله تعالى جرت فيمن قبلهم أنهم إذا جاءهم مقترحهم فلم يؤمنوا به يهلكهم {ثم لا ينظرون} أي: لا يمهلون لتوبة أو معذرة. {س6ش9/ش18 وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُ? وَلَلَبَسْنَا
عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِى?َ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا? مِنْهُم مَّا كَانُوا? بِهِ? يَسْتَهْزِءُونَ * قُلْ سِيرُوا? فِى ا?رْضِ ثُمَّ انظُرُوا? كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * قُل لِّمَن مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَا?رْضِ? قُل لِّلَّهِ? كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ? لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ رَيْبَ فِيهِ? الَّذِينَ خَسِرُو?ا? أَنفُسَهُمْ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ? مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَا?رْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَيُطْعَمُ? قُلْ إِنِّى? أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ? وَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّى? أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَـ?ـ?ِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ?? وَذَالِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَ كَاشِفَ لَهُ?? إِs هُوَ? وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ?? وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} {ولو جعلناه} أي: المنزل إليهم {ملكاً لجعلناه} أي: الملك {رجلاً} أي: على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوّة للبشر على رؤية الملك في صورته وإنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء لقوّتهم القدسية وقوله تعالى: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} جواب محذوف أي: ولو أنزلناه وجعلناه رجلاً للبسنا أي: لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلاً ما يخلطون على أنفسهم وعلى غيرهم فيقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم وإنما كان تلبيساً لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلاً للحقهم من اللبس مثل ما لحق الضعفاء منهم فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما كان منهم من التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء. وقوله تعالى: {ولقد استهزىء برسل من قبلك} فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه {فحاق} قال الربيع بن أنس: فنزل، وقال عطاء: فحل، وقال الضحاك: فأحاط {بالذين سخروا منهم} أي: من أولئك الرسل {ما كانوا به يستهزؤن} وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك. {قل} لهم {سيروا في الأرض} أي: أوقعوا السير للاعتبار فيها ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم {ثم انظروا كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {المكذبين} الرسل من هلاكهم بالعذاب فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار بهم. {قل} لهم {لمن ما في السموات والأرض} خلقاً وملكاً وهو سؤال تبكيت {قل} إن لم يقولوه لا جواب غيره لأنه المتعين للجواب بالاتفاق إذ لا يمكنهم أن يذكروا غيره {كتب} أي: قضى {على نفسه الرحمة} تفضلاً منه وإحساناً، فالرحمة تعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الأدلة وإنزال الكتب والإمهال على الكفرة والعصاة والمذنبين ولو شاء لسلط عليهم المضار وجعل عيشهم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي تعيش فيها الحيوانات. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتاباً عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي غلبت غضبي» وفي رواية «سبقت غضبي» وفي رواية «إنّ لله تعالى مئة رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قدم عليه سبي فإذا امرأة من السبي قد غلب ثديها إذ وجدت صبياً في السبي أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه» فقلنا: لا والله يا رسول الله فقال: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» وقوله تعالى: {ليجمعنكم} استئناف واللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم {إلى يوم القيامة} أي: في يوم القيامة وإلى بمعنى في أو ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم، وقيل: بدل من الرحمة بدل البعض فإن من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم {لا ريب} أي: لا شك {فيه} أي: اليوم أو الجمع، وقوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم} في موضع نصب على الذم أو رفع على الخبر أي: وأنتم الذين خسروا أنفسهم بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية أو مبتدأ خبره {فهم لا يؤمنون} . فإن قيل: الفاء تدل على أنّ عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم مع أنّ الأمر على العكس؟ أجيب: بأنّ إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان وقوله تعالى: {وله ما سكن} أي: حل {في الليل والنهار} عطف على لله أي: له كل شيء من حيوان وغيره لأنه خالقه ومالكه وقيل له: ما سكن
فيهما أو تحرّك واكتفى بأحد الضدّين عن الآخر {وهو السميع} أي: لكل ما يقال {العليم} أي: بكل ما يفعل فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. ونزل لما دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه: {قل} لهم {أغير الله أتخذ ولياً} أي: رباً ومعبوداً وناصراً ومعيناً وهو استفهام ومعناه الإنكار أي: لا أتخذ غير الله ولياً {فاطر السموات والأرض} أي: خالقهما ابتداعاً من غير سبق، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: إني فطرتها أي: ابتدأتها {وهو يطعم} أي: يرزق {ولا يطعم} أي: ولا يرزق، وصف سبحانه وتعالى ذاته بالغني عن الخلق باحتياجهم إليه لأنّ من كان من صفته أن يطعم الخلق لاحتياجهم إليه ولا يطعم لاستغنائه عنهم وجب أن يتخذ رباً وناصراً وولياً {قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم} لله من هذه الأمّة لأنّ النبيّ سابق أمّته في الدين والدين وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة بسبب اختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات {ولا تكونن من المشركين} أي: وقيل لي: يا محمد لا تكونن من المشركين أي: في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه صلى الله عليه وسلم في سؤالهم أن يكون على دين آبائه وقوله تعالى: {قل إني أخاف إن عصيت ربي} بعبادة غيره {عذاب يوم عظيم} مبالغة أخرى في قطع أطماعهم وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب وقوله تعالى: {من يصرف عنه} العذاب {يومئذٍ} أي: يوم القيامة، قرأه أبو بكر وحمزة والكسائيّ بفتح الياء وكسر الراء على البناء للفاعل والضمير لله تعالى والمفعول محذوف، وقرأه الباقون بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول فالضمير للعذاب {فقد رحمه} ربه تعالى أي: أراد به الخير {وذلك} أي: الصرف أو الرحمة {الفوز المبين} أي: النجاة الظاهرة. {وإن يمسسك الله بضر} أي: ببلاء كمرض وفقر والضرّ اسم جامع لما ينال الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه {فلا كاشف} أي: لا رافع {له إلا هو} لا غيره {وإن يمسسك بخير} أي: بصحة وغنى والخير إسم جامع لكل ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور وغير ذلك {فهو على كل شيء قدير} من الخير والضر وهذه الآية وإن كانت خطاباً للنبيّ صلى الله عليه وسلم فهي عامة لكل أحد والمعنى وإن يمسسك الله بضرّ أيها الإنسان فلا كاشف لذلك الضر إلا هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من رفع الضرر وإيصال الخير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أهدي للنبيّ صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه فسار بي ملياً ثم التفت إليّ فقال لي: «يا غلام» فقلت: لبيك يا رسول الله قال: «أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» . وفي رواية: «اعلم أنّ النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأنّ مع العسر يسراً» «ولن يغلب عسر يسرين» . وفي رواية: «فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلق أن ينفعوك بما لم يقضه لك الله لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن
يضرّوك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه» . {وهو القاهر} أي: القادر الذي لا يعجزه شيء مستعلياً {فوق عباده} فهم مقهورون تحت قدرته وكل من قهر شيئاً فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة {وهو الحكيم} في خلقه {الخبير} ببواطنهم كظواهرهم ونزل لما قالت قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا ما يشهد لك. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون نبوّتك من قومك {أيّ شيء} بيني وبينكم {أكبر شهادة} تمييز محوّل عن المبتدأ {قل الله} أكبر شهادة إن لم تقولوه لا جواب غيره ثم ابتدأ {شهيد بيني وبينكم} أي: هو شهيد بيني وبينكم ويحتمل أن يكون الله شهيداً هو الجواب لأنه تعالى إذا كان هو الشهيد كان أكبر شيء شهادة {وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم} يا أهل مكة {به} أي: القرآن واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة وقوله تعالى: {ومن بلغ} عطف على ضمير المخاطبين أي: لأنذركم به يا أهل مكة ومن بلغه من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه قال محمد بن كعب القرطبيّ: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله تعالى. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» . وفي رواية «نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها فربّ مبلغ أوعى من سامع» . وفي رواية «فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجنّ والإنس فهو نذير له وقوله تعالى: {أئنكم لتشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى} إستفهام إنكاري قل: يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جحدوا نبوّتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها {قل} لهم {لا أشهد} بما تشهدون به أنّ مع الله آلهة أخرى بل أجد ذلك وأنكره {قل إنما هو إله واحد} لا شريك له وبذلك أشهد {وإنني بريء مما تشركون} معه من الأصنام، وفي الآية دليل على إثبات التوحيد ونفي الشريك لأنّ كلمة إنما تفيد الحصر فثبت بذلك إيجاب التوحيد والتبري من كل معبود سوى الله تعالى. {الذين آتيناهم الكتاب} أي: التوراة والإنجيل وهم علماء اليهود والنصارى {يعرفونه} أي: محمداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته {كما يعرفون أبناءهم} من بين الصبيان. روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال عمر رضي الله تعالى عنه: إنّ الله تعالى أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بمكة هذه الآية فكيف هذا؟ فقال عبد الله بن سلام: قد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشدّ معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم من ابني فقال له عمر: كيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله حقاً ولا أدري ما تصنع النساء {الذين خسروا أنفسهم} من أهل الكتاب والمشركين {فهم لا يؤمنون} به لما سبق لهم من الفضاء بالشقاء. {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذباً} كقولهم: الملائكة بنات الله
واتخذ الله ولداً {أو كذب بآياته} الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات {إنه} أي: الشأن {لا يفلح الظالمون} أي: لا ينجح القائلون على الله الكذب والمفترون عليه الباطل. {و} اذكر {يوم نحشرهم جميعاً} أي: أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم وهو يوم القيامة {ثم نقول} توبيخاً {للذين أشركوا} أي: سموا شيئاً من دوننا إلهاً وعبدوه من الأصنام أو عزيراً أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك {أين شركاؤكم} أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله تعالى: وأضافها إلى ضميرهم لتسميتهم لها بذلك وقوله تعالى: {الذين كنتم تزعمون} معناه كنتم تزعمونهم شركاء وإنها تشفع لكم عند الله فحذف المفعولان. {ثم لم تكن فتنتهم} أي: معذرتهم {إلا أن قالوا} أي: قولهم {وا ربنا ما كنا مشركين} فيختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالشرك، وقرأ حمزة والكسائيّ يكن بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص فتنتهم بضمّ التاء والباقون بالنصب، وقرأ حمزة والكسائيّ ربنا بنصب الباء على النداء أو المدح والباقون بالكسر. قال الله تعالى: {انظر} يا محمد {كيف كذبوا على أنفسهم} باعتذارهم الباطل وتبريهم من الأصنام والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في دار الدنيا وذلك لا ينفعهم {وضلّ} أي: غاب {عنهم ما كانوا يفترون} أي: يكذبون وهو قولهم: إنّ الأصنام تشفع لهم وتنصرهم فبطل ذلك كله في ذلك اليوم. فإن قيل: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور وعلى أنّ الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ أجيب: بأنّ الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشة إلا تراهم يقولون: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} وقد أيقنوا الخلود ولم يشكوا فيه وقالوا: {ليقض علينا ربك} (الزحرف، 77) وقد علموا أنه لا يقضي عليهم. {ومنهم من يستمع إليك} حين تتلو القرآن. روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم يستمعون القرآن فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته ـ يعني الكعبة ـ ما أدري ما يقول إلا أنه يحرّك لسانه فيقول أساطير الأوّلين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقاً فقال أبو جهل: كلا لا تقرّ بشيء من هذا فأنزل الله تعالى {ومنهم من يستمع إليك} {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أي: أغطية {أن} أي: كراهة أن {يفقهوه} أي: يفهموا القرآن {و} جعلنا {في آذانهم وقراً} أي: صمماً فلا يسمعونه سماع قبول ووجه إسناد الفعل إلى ذاته تعالى وهو قوله تعالى: {وجعلنا} للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم: {وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} (فصلت، 5) {وإن يروا كل آية} أي: معجزة من المعجزات الدالة على صدقك {لا يؤمنوا بها} لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم جاؤوك يجادلونك ويناكرونك وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها والجملة إذا وجوابها وهو {يقول الذين كفروا إن} أي: ما {هذا إلا أساطير} أي: أكاذيب {الأوّلين} أي:
أحاديثهم من الأمم الماضية وأخبارهم وأقاصيصهم وما سطروا بمعنى كتبوا والأساطير جمع أسطورة بالضمّ قال البخاريّ عن ابن عباس: وهي الترّهات. {وهم ينهون} الناس {عنه} أي: اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم أو القرآن {وينأون} أي: يتباعدون عنه فلا يؤمنون به، قال محمد بن الحنفية والسدّيّ والضحاك: نزلت في كفار مكة وقال ابن عباس ومقاتل في أبي طالب: كان ينهى الناس عن أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به أي: يبعد حتى روي أنه اجتمع له رؤوس المشركين وقالوا: خذ شاباً من أحسن أصحابنا وجهاً وادفع إلينا محمداً فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم. وروي أنه صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت. وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوأ فقال: *والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا* *فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقرّ منه عيونا* *ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا* *وعرضت ديناً لا محالة إنه ... من خير أديان البريّة دينا* *لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا* {وإن} أي: ما {يهلكون} بالنأي عنه {إلا أنفسهم} لأنّ ضرره عليهم {وما يشعرون} أنّ ضررهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم وقوله تعالى: {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا} أي: عرضوا {على النار} جوابه محذوف أي: لو تراهم حين يقفون على النار فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمراً شنيعاً {فقالوا} أي: الكفار {يا} للتنبيه {ليتنا نرد} أي: إلى الدنيا {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} تمنوا أن يردّوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات ربهم، وقرأ حفص وحمزة بنصب الياء من يكذب على جواب التمني والباقون بالرفع على الاستئناف، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة بفتح النون من تكون على جواب التمني والباقون بالضمّ على العطف وقوله تعالى: {بل بدا لهم} أي: ظهر لهم {ما كانوا يخفون من قبل} للإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني والمعنى: أنهم ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم وقبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجراً لا عزماً على أنهم لو ردّوا لآمنوا كما قال تعالى: {ولو ردّوا} إلى الدنيا أي: لو فرض ذلك بعد الوقوف والظهور {لعادوا لما نهوا عنه} من الكفر والمعاصي {وإنهم لكاذبون} في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين. {وقالوا إن} أي: ما {هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يعطف على قوله: وإنهم لكاذبون على معنى وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا: إن هي إلا حياتنا وكفى به دليلاً على كذبهم. {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا} أي: عرضوا {على ربهم} لرأيت أمراً عظيماً {قال} لهم على لسان الملائكة توبيخاً {أليس هذا} البعث والحساب {بالحق} وقوله تعالى: {قالوا بلى وربنا} إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الانجلاء {قال فذوقوا العذاب} أي: الذي كنتم به توعدون {بما كنتم
تكفرون} أي: بسبب كفركم وجحودكم البعث. {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: بالبعث واستمرّ تكذيبهم {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي: القيامة {بغتة} أي: فجأة وسميت القيامة ساعة لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، وقيل: لسرعة الحساب فيها لأنّ حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة واحدة وأقل من ذلك {قالوا يا حسرتنا} أي: يا ندامتنا والحسرة التلهف على الشيء الفائت وشدّة التألم ونداؤها مجاز أي: هذا أوانك فاحضري {على ما فرّطنا} أي: قصرنا {فيها} أي: الحياة الدنيا جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة ويجوز أن يكون للساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها كما تقول: فرّطت في فلان ومنه فرّطت في جنب الله وقوله تعالى: {وهم يحملون أوزارهم} أي: أثقالهم وآثامهم {على ظهورهم} تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام، وقال السديّ وغيره: إنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني فقد طال ما ركبتك في الدنيا فذلك قوله تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} (مريم، 85) أي: ركباناً، وأمّا الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا واليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} {ألا ساء} أي: بئس {ما يزرون} أي: ما يحملون حملهم ذلك، وقوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} جواب لقولهم: {إن هي إلا حياتنا الدنيا} أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهى الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية وقيل: معناه أن أمر الدنيا والعمل فيها لعب ولهو فأمّا فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة {وللدار الآخرة} أي: الجنة، واللام فيه لام القسم {خير} أي: من الدنيا وأفضل لأنّ الدنيا سريعة الزوال والانقطاع {للذين يتقون} أي: الشرك، وقيل: اللهو واللعب {أفلا يعقلون} أي: إنّ الآخرة خير من الدنيا فيعملوا لها، وقرأ ابن عامر: ولدار، بتخفيف الدال وجرّ التاء من الآخرة، والباقون: وللدار، بتشديد الدال ورفع التاء، وقرأ نافع وابن عامر وحفص: تعقلون، على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. {قد} للتحقيق {نعلم أنه} أي: الشأن {ليحزنك الذي يقولون} من التكذيب، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي {فإنهم لا يكذبونك} أي: بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم أو إنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: يكذبون، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون، قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق ما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أن أبا جهل قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنا لا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به فأنزلت»
ووضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والباء لتضمن الجحود معنى التكذيب، وقرأ نافع والكسائي: يكذبونك، بسكون الكاف وتخفيف الذال من أكذبه إذا وجده كاذباً أو نسبه للكذب، والباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من التكذيب وهو أن ينسبه إلى الكذب وقوله تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك} تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وهذا دليل على أن قوله: {فإنهم لا يكذبونك} ليس بنفي لتكذيبه مطلقاً وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني {فصبروا على ما كذبوا} أي: على تكذيبهم لهم {وأوذوا} أي: وصبروا على إيذائهم لهم {حتى أتاهم نصرنا} بإهلاك من كذبهم فتأس بهم واصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك من كذبك وفي ذلك إيماء بوعد النصر للصابرين {ولا مبدل لكلمات الله} أي: لمواعيده من قوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} (الصافات، 171) الآيات {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} أي: من قصصهم وما كابدوا من قومهم مما يسكن به قلبك قيل: من مزيدة، وقيل: للتبعيض ويدل له قوله تعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} (غافر، 78) . {وإن كان كبر} أي: عظم وشق {عليك إعراضهم} عنك وعن الإيمان بما جئت به {فإن استطعت أن تبتغي} أي: تطلب بجهدك وغاية طاقتك {نفقاً} أي: منفذاً {في الأرض} تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر إلى الانتهاء إليه {أو سلماً في السماء} أي: جهة العلوّ لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه {فتأتيهم بآية} أي: مما اقترحوه عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضاً كما أخبرناك لأنّ الله تعالى شاء ضلال بعضهم والمقصود بهذا بيان شدّة حرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم وأنه لو قدر أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل {ولو شاء الله} هدايتهم {لجمعهم على الهدى} أي: لوفقهم له ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا والمعتزلة أوّلوا {لو شاء الله} بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة، وجرى على هذا الزمخشريّ في كشافه. والمعنى: أنّ أسناد مشيئة الجمع إلى الله تعالى ظاهر في أنه هو المهدي والمضل والمعتزلة لما قالوا: إنه بفعل العبد احتاجوا إلى التأويل {فلا تكونن من الجاهلين} أي: لا يشتدّ تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلظ عليه الخطاب تبعيداً له عن هذه الحالة. {إنما يستجيب} دعاءك إلى الإيمان {الذين يسمعون} سماع تفهم واعتبار كقوله تعالى: {أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق، 37) وهم المؤمنون الذين فتح الله تعالى لهم أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويتبعونه دون من ختم الله على سمع قلبه وهو قوله: {والموتى} أي: الكفار لشبههم بهم في عدم السماع {يبعثهم الله} في الآخرة {ثم إليه يرجعون} أي: يردّون فيجازيهم بأعمالهم. {وقالوا} أي: رؤساء قريش {لولا} أي: هلا {نزل عليه آية} مما اقترحوا {من ربه} المحسن إليه كالناقة والعصا والمائدة أو آية تضطرّهم إلى الإيمان كنتق الجبل أو آية إن جحدوها هلكوا {قل} لهم {إنّ الله قادر على أن ينزل آية} مما اقترحوه أو آية تضطرّهم إلى الإيمان أو آية إن جحدوها هلكوا لا يعجزه شيء {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} أي: ماذا عليهم في إنزالها من العذاب إن لم يؤمنوا بها
ولهم فيما أنزل مندوحة عن غيره، وقرأ ابن كثير: ينزل، بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي والمعنى واحد. {وما من دابة في الأرض} أي: تدب على وجهها {ولا طائر بطير بجناحيه} في الهواء وهو بالمدّ ما بين السماء والأرض وهو المراد هنا وأمّا الهوى بالقصر فهوى النفس وليس مراداً وإنما قال: {بجناحيه} مع أنّ الطيران لا يكون إلا بهما قطعاً لمجاز السرعة ونحوها كما تقول: كتبت بيدي ونظرت بعيني {إلا أمم أمثالكم} أي: محفوظة أحوالها مقدّرة أرزاقها وآجالها، قال العلماء: جميع ما خلق الله تعالى لا يخرج عن هاتين الحالتين حتى ما في البحر لأنّ سيرها في الماء إمّا أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً وإنما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقاً له لأنّ الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد. واختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم يريد أنّ كل جنس من الحيوان أمة فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة وقال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. وقال عطاء: أمثالكم في التوحيد والمعرفة، وقيل غير ذلك، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية {ما فرّطنا} أي: ما تركنا أو ما أغفلنا {في الكتاب} أي: اللوح المحفوظ {من شيء} فلم نكتبه فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق ولم يهمل فيه أمر حيوان، وقيل: المراد بالكتاب القرآن فإنه قد دوّن فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً ومجملاً، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا المفعول به فإن فرّط لا يتعدّى بنفسه، وقد عدّي بفي إلى الكتاب {ثم إلى ربهم يحشرون} قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة الدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فحينئذٍ يتمنى الكافر ويقول: {يا ليتني كنت تراباً} (النبأ، 4) . وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء» . {والذين كذبوا بآياتنا} أي: القرآن {صم} عن سماعها سماع قبول {وبكم} عن النطق بالحق {في الظلمات} أي: في ضلالات الكفر {من يشأ الله} إضلاله {يضلله ومن يشأ} هدايته {يجعله على صراط مستقيم} هو دين الإسلام وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد كما مرّ. {قل} يا محمد لأهل مكة، وقوله تعالى: {أرأيتكم} استفهام تعجيب والكاف حرف خطاب أي: أخبروني {إن أتاكم عذاب الله} أي: في الدنيا كما أتى من قبلكم من الغرق أو الخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب {أو أتتكم الساعة} أي: القيامة المشتملة على العذاب {أغير الله تدعون} في كشف العذاب عنكم {إن كنتم صادقين} أنّ الأصنام آلهة وجواب الاستفهام محذوف أي: فادعوه وهو تبكيت لهم. {بل إياه تدعون} أي: تخصونه بالدعاء كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في موضع كما في قوله تعالى: {وإذا مس الإنسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً} (يونس، 12) الآية {فيكشف ما تدعون إليه} أي: ما تدعون إلى كشفه {إن شاء} كشفه في الدنيا تفضلاً عليكم كما هو عادته معكم في وقت شدائدكم ولكنه
لا يشاء كشفه في الآخرة لأنه لا يبدّل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما يشاء {وتنسون} أي: تتركون في تلك الأوقات دائماً {ما تشركون} معه من الأصنام فلا تدعونها لعلمكم أنها لا تضرّ ولا تنفع. {ولقد أرسلنا} رسلاً {إلى أمم من قبلك} أي: قبلك ومن مزيدة فكذبوهم {فأخذناهم بالبأساء} أي: شدّة الفقر {والضرّاء} أي: الأمراض والأوجاع وهما صفتا تأنيث لا مذكر لهم {لعلهم يتضرّعون} أي: يتذللون ويتوبون عن ذنوبهم فيؤمنون. {فلولا} أي: فهلا {إذ جاءهم بأسنا} أي: عذابنا {تضرعوا} أي: لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضى له {ولكن قست قلوبهم} فلم تلن للإيمان {وزين لهم الشيطان} أي: بما أدخل عليهم من باب الشهوات {ما كانوا يعملون} من المعاصي فأصروا عليها. {فلما نسوا} أي: تركوا {ما ذكروا} أي: وعظوا وخوّفوا {به} وإنما كان النسيان بمعنى الترك لأنّ التارك للشيء معرضاً عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي: من الخيرات والأرزاق والملاذ التي كانت مغلقة عنهم فنقلناهم من الشدّة إلى الرخاء استدراجاً لهم، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} أي: فرح بطر {أخذناهم} بالعذاب {بغتة} أي: فجأة {فإذا هم مبلسون} أي: متحسرون آيسون من كل خير. أي: آخرهم بأن استؤصلوا {والحمد رب العالمين} أي: على نصر الرسل وإهلاك الكافرين والعصاة فإنّ إهلاكهم من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها. {قل} أي: لأهل مكة {أرأيتم} أي: أخبروني {إن أخذ الله سمعكم} أي: أصمكم {وأبصاركم} أي: أعماكم {وختم} أي: طبع {على قلوبكم} أي: بأن يغطي عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم فلا تعرفون شيئاً {من إله غير الله يأتيكم به} أي: بذلك أو بما أخذ منكم وختم عليه لأنّ الضمير في به يعود على معنى الفعل أو بأحد هذه المذكورات ويجوز أن يعود إلى السمع الذي ذكره أوّلاً ويندرج غيره تحته كقوله تعالى: {وا ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة، 62) فالهاء راجعة إلى الله تعالى ورضا رسول الله صلى الله عليه وسلم يندرج في رضا الله تعالى {انظر} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره أي: انظر يا محمد {كيف نصرّف} أي: نبين لهم الآيات أي: العلامات الدالة على التوحيد والنبوّة ونكررها تارة من جهة المقدّمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدّمين {ثم هم يصدفون} أي: يعرضون عنها فلا يؤمنون. {قل} لهم {أرأيتكم} أي: أخبروني {إن أتاكم عذاب الله بغتة} أي: فجأة {أو جهرة} أي: معاينة ترونه عند نزوله، وقال ابن عباس والحسن: ليلاً ونهاراً {هل يهلك} أي: ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب {إلا القوم الظالمون} أي: المشركون لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك. {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} من آمن بالجنة {ومنذرين} من كفر بالنار أي: ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما أرسلوا بالبشارة والنذارة {فمن آمن} أي: بهم {وأصلح} أي: عمله {فلا خوف عليهم} أي: من العذاب {ولا هم يحزنون} في الآخرة بفوات الثواب. {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} أي: يصيبهم {بما كانوا يفسقون} أي: بسبب خروجهم عن
الطاعة. {قل} لهم {لا أقول لكم عندي خزائن الله} نزلت حين اقترحوا عليه الآيات فأمره الله تعالى أن يقول لهم: إنما بعثت بشيراً ونذيراً ولا أقول لكم عندي خزائن الله جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي خزائن رزقه أو مقدوراته فأعطيكم منها ما تريدون لأنهم كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولاً من الله فاطلب منه أن يوسع علينا ويغني فقرنا فأخبر أنّ ذلك بيد الله لا بيدي {ولا} أقول لكم إني {أعلم الغيب} أي: فأخبركم بما مضى وما هو آت وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعدّ لتحصيل المصالح ودفع المضار فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم بذلك {ولا أقول لكم إني ملك} وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوّج النساء؟ فأجابهم بذلك لأنّ الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا يشاهدونه أي: لا أقول لكم شيئاً من ذلك فتنكرون وتجحدون. فإن قيل: قد يستدل بهذا على أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء لأنّ معنى الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي ولولا أنّ الملائكة أفضل لم يصح ذلك؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك تواضعاً لله تعالى واعترافاً بالعبودية حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح وبأنّ المراد بما قاله نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وذلك لا يدل على أنهم أفضل من الأنبياء {إن أتبع إلا ما يوحى إليّ} تبرأ صلى الله عليه وسلم من دعوى الألوهية والملكية وادّعى النبوّة مع الرسالة التي هي أعلى كمالات البشر ردّاً لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدّعاه وظاهر هذه الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يجتهد في شيء من الأحكام بل جميع أوامر الله ونواهيه إنما كانت بوحي ولكن المرجح أنه يجتهد {قل} لهم {هل يستوي الأعمى والبصير} أي: هل يكونون سواء من غير مزية فإن قالوا: نعم كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو الأعمى. وقيل: المراد بالأوّل الكافر وبالثاني المؤمن، وقيل: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم {أفلا تتفكرون} في أنهما لا يستويان فتؤمنوا. {وأنذر} أي: خوّف إذ الإنذار إعلام مع تخويف {به} أي: القرآن وقوله تعالى: {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} إمّا قوم داخلون في الإسلام ومقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل وأمّا أهل الكتاب لأنهم مقرّون بالبعث وإمّا ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار دون المتمرّدين منهم وقوله تعالى: {ليس لهم من دونه} أي: غير الله تعالى {وليّ} أي: ينصرهم {ولا شفيع} أي: يشفع لهم حال من ضمير يحشرون بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم ولا بدّ من هذه الحال لأنّ كلاً منهم محشور فإنّ المخوّف هو الحشر على هذه الحالة. , فإن قيل: إذا فسر ما ذكر بالمؤمنين كان مشكلاً لأنه قد ثبت بصحيح النقل شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم للمذنبين من أمّته وكذلك تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض أجيب: بأنّ الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله تعالى كما قال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة، 255) وإذا كانت الشفاعة لا تكون
إلا بإذن الله صح قوله: ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع حتى يؤذن لهم بالشفاعة فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع {لعلهم يتقون} الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات. {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ} بعدما أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش. روي أنّ رؤساءهم قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون الفقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وخباب وسلمان وأضرابهم وكانت عليهم جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنا بطارد المؤمنين» فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت قال: «نعم طمعاً في إيمانهم» . وروي أنّ عمر رضي الله عنه قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ماذا يصيرون قالوا: فاكتب بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه فنزلت فرمى بالصحيفة واعتذر عمر رضي الله تعالى عنه من مقالته قال سلمان وخباب فينا نزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته فكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزل {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} (الكهف، 28) فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال لنا: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي معكم المحيا ومعكم الممات» وقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يوماً ولهم يوماً قال: «لا أفعل» قالوا: فاجعل واحداً وأقبل علينا وولهم ظهرك فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم معبد لبايعنا محمداً فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعني صلاة الصبح وصلاة العصر» . ويروى عنه أنّ المراد منه الصلوات الخمس وذلك أنّ ناساً من الفقراء كانوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا فنزلت هذه الآية وقوله تعالى: {يريدون وجهه} حال من يدعون أي: يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإخلاص تنبيهاً على أنه ملاك الأمر {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} أي: ليس عليك حساب في اختبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضيّ كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعدّاهم إليك كما أنّ حسابك لا يتعدّاك إليهم كقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام، 164) . فإن قيل: هلا اكتفى بقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء} عن {وما من حسابك عليهم من شيء} ؟ أجيب: بأن الجملتين جعلتا بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدّى واحد وهو المعنى في قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعاك، 164) ولا يفيد هذا المعنى إلا الجملتان جميعاً. كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وقيل: الضمير للمشركين والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعاً فيه وقوله تعالى: {فتطردهم} أي: فتبعدهم جواب النفي وقوله تعالى: {فتكون من الظالمين} جواب النهي وهو ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية فقالوا: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما همّ بطرد الفقراء عن مجلسه لأجل أشراف قريش عاتبه الله تعالى به على ذلك ونهاه عن طردهم وذلك قدح في العصمة وقوله
تعالى: {فتطردهم فتكون من الظالمين} وأجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم ما طردهم ولا همّ به لأجل استخفاف بهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة وهي التلطف بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى وهو اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم فأعلمه الله تعالى أنّ تقريب هؤلاء الفقراء أولى من الهمّ بطردهم فقرّبهم منه وأدناهم والظلم في اللغة وضع الشيء في غير محله أي: فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير معوضه فهو من باب ترك الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات. {وكذلك فتنا} أي: ابتلينا {بعضهم ببعض} أي: الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدّمناه بالسبق للإيمان {ليقولوا} أي: الشرفاء والأغنياء {أهؤلاء} الفقراء {منّ الله عليهم من بيننا} بالهداية أي: لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء قال الله تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أي: بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقه وبمن لا يقع منه فيخذله. {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} وقوله تعالى: {فقل} لهم {سلام عليكم} إمّا أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله تعالى إليهم وإمّا أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم {كتب} أي: قضى {ربكم على نفسه الرحمة} . روي أنها نزلت في الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم فوصفهم الله تعالى بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ويبشرهم بسعة رحمته وفضله بعد النهي عن طردهم إيذاناً بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد ويعز ولا يذل ويبشر من الله تعالى بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة، وقال عطاء: نزلت في الخلفاء الأربع وجماعة من الصحابة، وقيل: الآية على إطلاقها في كل مؤمن، وقيل: لما جاء عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته التي تقدّمت وقال: ما أردت إلا الخير فنزلت، وقيل: إنّ قوماً جاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فلم يردّ عليهم شيئاً فانصرفوا فنزلت {إنه من عمل منكم سوأ} أيّ سوء كان ملتبساً {بجهالة} أي: عمله وهو جاهل وفيه معنيان: أحدهما: إنه فاعل فعل الجهلة لأنّ من عمل ما يؤدّي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه والجهل لأنّ من أهل الحكمة والتدبير ومنه قول الشاعر: *على أنها قالت عشية زرتها ... جهلت على عمد ولم تك جاهلاً* والثاني: إنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرّة ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته، وقيل: إنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوه ولم يعلم أنها مفسدة، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم إنه بفتح الهمزة على أنه بدل من الرحمة، والباقون بالكسر على أنه ضمير الشان {ثم تاب} أي: رجع {من بعده} أي: من بعد ارتكابه ذلك السوء {وأصلح} عمله {فإنه} أي: الله {غفور} له {رحيم} به، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الهمزة على تقدير: أن المغفرة له والباقون بالكسر. {وكذلك} أي: ومثل ذلك التفصيل الواضح وهو تفصيل أحوال الطوائف الأربع: الأولى: المطبوع على قلوبهم وهم من في آية {والذين كذبوا بآياتنا} (الأنعام، 39) والثانية:
المرجوّ إسلامهم وهم من في آية {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} (الأنعام، 51) والثالثة: المطيعون وهم من في آية {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} (الأنعام، 52) والرابعة: الداخلون في الإسلام لكنهم لا يحفظون حدوده وهم من في آية {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} (الأنعام، 54) {نفصل الآيات} أي: نبين آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوّابين {ولتستبين سبيل} أي: طريق {المجرمين} قرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بالياء بعد اللام على التذكير أي: وليظهر ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة إذا صاروا في النار والباقون بالتاء على الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي: وليظهر لك الحق يا محمد ويتبين لك سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يحق له، وقرأ نافع سبيل بنصب، اللام، والباقون بالرفع. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {إني نهيت أن أعبد الذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} وهي الأصنام التي يعبدونها أو ما تدعونها آلهة أي: تسمونها لأنّ الجمادات أخس من أن تدعى وقوله تعالى: {قل لا أتبع أهواءكم} تأكيد لقطع أطماعهم وبيان لمبدأ ضلالهم وأنّ ما هم عليه هوى وليس بهدى {قد ضللت إذاً} أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال {وما أنا من المهتدين} أي: وما أنا من المهديين في شيء أي: لأنكم كذلك. {قل إني على بينة} أي: بيان {من ربي} أي: معرفة وإنه لا معبود سواه {و} قد {كذبتم به} أي: بربي حيث أشركتم به غيره {ما عندي ما تستعجلون به} أي: العذاب الذي استعجلوه بقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء {إن} أي: ما {الحكم} في ذلك وغيره {إلا الله} فهو يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال العذاب متى شاء {يقص الحق} قرأ نافع وابن كثير وعاصم بضم القاف وصاد مهملة مشدّدة مع الرفع ومعناه: يقول الحق، لأن كل ما أخبر به فهو حق، والباقون بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مع الكسر أي: إنه تعالى يقضي القضاء الحق {وهو خير الفاصلين} أي: الحاكمين {قل} لهم {لو أنّ عندي} أي: في قدرتي ومكنتي {ما تستعجلون به} أي: من العذاب {لقضي الأمر بيني وبينكم} أي: لانفصل ما بيني وبينكم بأن أهلككم عاجلاً بما تستعجلون به من العذاب غضباً لربي ولكنه عند الله تعالى {وا أعلم بالظالمين} أي: ما تستحقونه من العذاب والوقت الذي يستحقون فيه. {وعنده} سبحانه وتعالى {مفاتح الغيب} أي: خزائنه جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتيح الذي هو جمع مفتح بالكسر وهو المفتاح {لا يعلمها إلا هو} وهي الخمسة التي في قوله: {إنّ الله عنده علم الساعة} (لقمان، 34) الآية كما رواه البخاري فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها {ويعلم ما} يحدث {في البر والبحر} قدّم البر لأنّ الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك، وأخر البحر لأنّ إحاطة العقل بأحواله أقل، وقال مجاهد: البر: المفاوز والقفار، والبحر: القرى والأمصار التي على الأنهار وقوله تعالى: {وما تسقط من ورقة} أي: ورقة من يد {إلا يعلمها} مبالغة في إحاطة علمه تعالى بالجزئيات، وقوله تعالى: {ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} عطف على ورقة
واختلف في الحبة فقيل: هي من هذا الحب المعروف تكون في بطن الأرض قبل أن تنبت، وقيل: هي الحبة التي تنبت في الصخرة التي في أسفل الأرض، واختلف في معنى الرطب واليابس فقال ابن عباس: الرطب: الماء، واليابس: البادية، وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت وقيل: المراد بالرطب: الحيّ، وباليابس: الميت، وقيل: هو عبارة عن كل شيء لأنّ جميع الأشياء إمّا رطبة وإمّا يابسة. فإن قيل: جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} فلمَ أفرد هذه الأشياء بالذكر؟ أجيب: بأنه تعالى ذكرها أوّلاً مجملة ثم فصل بعضاً من ذلك الإجمال ليدل بها على غيرها وقوله تعالى: {إلا في كتابه مبين} فيه قولان: أحدهما: إنه علم الله الذي لا يغير ولا يبدل، والثاني: إنه اللوح المحفوظ لأنّ الله تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد كان قبل أن يخلق السموات والأرض فهو على الأوّل بدل من الاستثناء الأوّل بدل الكل وعلى الثاني بدل الاشتمال. {وهو الذي يتوفاكم بالليل} أي: يقبض أرواحكم عند النوم {ويعلم ما جرحتم} أي: كسبتم {بالنهار ثم يبعثكم} أي: يوقظكم بردّ أرواحكم {فيه} أي: النهار. فإن قيل: لِمَ خص الليل بالنوم والنهار بالكسب مع أنّ ذلك يقع في غير هذا؟ أجيب: بأنّ ذلك جرى على الغالب {ليقضي أجل مسمى} أي: ليبلغ المستيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا {ثم إليه مرجعكم} بالموت والبعث {ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} فيجازيكم به. {وهو القاهر} مستعلياً {فوق عباده} لأنّ من قهر شيئاً وغلبه فهو مستعل عليه أمّا قهره للمعدوم فبالتكوين والإيجاد وأمّا قهره للموجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى ويقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور والنهار بالليل والليل بالنهار إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصنوف الممكنات {ويرسل عليكم} من ملائكته {حفظة} أي: تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون، وعن أبي حاتم السختياني أنه كان يكتب عن الأصمعي كل شيء تلفظ به من فوائد العلم حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة تكتب لفظ اللفظة فقال أبو حاتم: وهذا أيضاً مما يكتب. فإن قيل: الله تعالى غني عن كتابة الملائكة فما فائدتها؟ أجيب: بأنّ فيها لطفاً للعباد لأنهم إذا علموا أنّ الله رقيب عليهم والملائكة موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن السوء {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} أي: ملك الموت وأعوانه {وهم لا يفرّطون} أي: لا يقصرون فيما يؤمرون، وقيل: ملك الموت وحده فذكر الواحد بلفظ الجمع وجاء في الأخبار أنّ الله تعالى جعل الدنيا بين يدي الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من ههنا ومن ههنا فإذا كثرت عليه الأرواح يدعوها فتستجيب له. فإن قيل: قال الله تعالى في آية أخرى {الله يتوفى الأنفس حين موتها} (الزمر، 42) وفي أخرى {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة، 11) وقال هنا: {توفته رسلنا} فكيف الجمع؟ أجيب: بأن المتوفى في الحقيقة هو الله تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر الله تعالى ملك الموت أن يقبض روحه ولملك الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت بنفسه فحصل الجمع بين الآيات، وقال
مجاهد: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرّتين، وقرأ حمزة بعد فاء توفته بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وسكن السين من رسلنا أبو عمرو ورفعها الباقون. {ثم ردّوا} أي: الخلق {إلى الله} أي: إلى حكمه وجزائه {مولاهم} أي: سيدهم ومدبر أمورهم كلها {الحق} أي: الثابت الولاية وكل ولاية غير ولايته تعالى عدم {ألا له الحكم} أي: القضاء النافذ فيهم فلا حكم عليه {وهو أسرع الحاسبين} يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب بعضهم عن بعض. {قل} يا محمد لأهل مكة {من ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر} أي: من الخسف في البر والغرق في البحر أو من شدائدهما استعيرت الظلمة للشدّة لمشاركتهما في الهول وإبطال الأبصار فقيل: لليوم الشديد يوم مظلم ولغيره يوم ذو كواكب، وقيل: حمله على الحقيقة أولى وظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضاً الخوف الشديد من الوقوع في المهالك والمقصود أنّ عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: {تدعونه تضرّعاً} أي: علانية {وخفية} أي: سرّاً وقوله تعالى: {لئن} اللام لام القسم على إرادة القول أي: يقولون والله لئن {أنجيتنا من هذه} أي: الظلمات والشدائد {لنكونن من الشاكرين} لك على هذه النعمة، والشكر: هو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها أي: فنكون من المؤمنين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: أنجانا، بحذف التاء وألف بعد الجيم بدل الياء ليوافق قوله تعالى: {تدعونه} وأمالها حمزة والكسائي والباقون بالتاء بعد الياء. {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب} أي: غمّ سوى ذلك {ثم أنتم تشركون} أي: تعودون إلى شركة الأصنام معه التي لا تضر ولا تنفع ولا توفون بالعهد وإنما وضع تشركون موضع لا تعبدون تنبيهاً على أنّ من أشرك في عبادة الله تعالى فكأنه لم يعبده {قل} لهم {هو القادر على أن يبعث} في كل وقت يريده {عليكم} في كل حالة {عذاباً من فوقكم} بإرسال الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الفيل {أو من تحت أرجلكم} بالغرق أو الخسف كما فعل بفرعون وقارون، وعن ابن عباس ومجاهد: عذاباً من فوقكم: السلاطين الظلمة، أو من تحت أرجلكم: العبيد السوء، وقال الضحاك: من فوقكم أي: من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم أي: من أسفل منكم {أو يلبسكم} أي: يخلطكم {شيعاً} أي: فرقاً وينشب فيكم الأهوال المختلفة بقتل بعضكم بعضاً. روي لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال صلى الله عليه وسلم «أعوذ بوجهك» {ومن تحت أرجلكم} قال: «أعوذ بوجهك» {أو يلبسكم شيعاً} {ويذيق بعضكم بأس بعض} أي: بالقتال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا أهون أو أيسر» . وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي طويلاً أن لا يهلك أمّتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يهلك
أمّتي بالسنين فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» . وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى ثلاثاً فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة «سأله أن لا يسلط على أمّته عدوّاً من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض فمنعه ذلك» {انظر} يا محمد {كيف نصرف} أي: نبين لهم {الآيات} الدالة على قدرتنا {لعلهم يفقهون} أي: يعلمون أنّ ما هم عليه باطل فيرجعوا عنه. {وكذب به} أي: القرآن أو العذاب {قومك} أي: الذين من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسرّوا بسيادتك فإنّ القبيلة إذا ساد أحدهم عزت به فإن عزه عزها وشرفه شرفها ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبها مهما أمكنها فإنّ عاره لاحق لها فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع لهم وزاد ذلك بقوله: {وهو} أي: والحال أنه {الحق} أي: الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله {قل} لهم {لست عليكم بوكيل} أي: حفيظ وكل إلي أموركم فأجازيكم أو أمنعكم من التكذيب إنما أنا منذر والله الحفيظ {لكل نبأ} أي: خبر أخبركم به من هذه الأخبار {مستقر} أي: وقت يقع فيه ويستقرّ ومنه عذابكم {وسوف تعلمون} صحة ذلك عند وقوعه، إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة وفي ذلك تهديد لهم. {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} أي: القرآن بالاستهزاء والتكذيب {فأعرض عنهم} أي: فاتركهم ولا تجالسهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي: حتى يكون خوضهم في غير الآيات والاستهزاء بها، وذكر الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ليكون أردع أو لغيره أي: وإذا رأيت أيها الإنسان {وإمّا} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة {ينسينك الشيطان} أي: فقعدت معهم ثم تذكرت {فلا تقعد بعد الذكرى} أي: التذكير لهذا النهي {مع القوم الظالمين} أظهر موضع الإضمار تفهماً ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض. وروي أنّ المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس بالمسجد ونطوف فنزل: d {وما على الذين يتقون} الله {من حسابهم} أي: الخائضين {من شيء} أي: شيء مما يحاسبون عليه إذا جالسوهم فمن مزيد للتأكيد {ولكن} عليهم {ذكرى} أي: تذكرة لهم ووعظ ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وقال سعيد بن جبير ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء وهي قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله} (النساء، 14) الآية، وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ ولأنه إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكرة والموعظة {لعلهم يتقون} الخوض في الآيات. {وذر الذين اتخذوا دينهم} أي: الذي كلفوه {لعباً ولهواً} باستهزائهم به {وغرّتهم الحياة الدنيا} أي: خدعتهم وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين الحق أي: فاتركهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم وهو قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف {وذكر} أي: وعظ {به} أي: القرآن الناس {أن} أي: كراهة أن {تبسل نفس} أي: تسلم إلى الهلاك {بما كسبت} أي: بسبب ما عملت وأصل الإبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأنّ فريسته
لا تفلت منه والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي: حرام {ليس لها من دون الله} أي: غيره {وليّ} أي: ناصر {ولا شفيع} يمنع عنها العذاب {وإن تعدل} أي: تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك {كل عدل} أي: وإن تفدِ كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي {لا يؤخذ منها} ما تفدى به {أولئك} أي: الذين عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير {الذين أبسلوا} أي: سلموا إلى العذاب {بما كسبوا} أي: بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة {لهم شراب من حميم} أي: ماء هو في غاية الحرارة {و} لهم {عذاب أليم} أي: مؤلم {بما} أي: بسبب ما {كانوا يكفرون} أي: هم بين ماء يغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشعل في أبدانهم بسبب كفرهم. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائهم {أندعو} أي: نعبد {من دون الله} أي: غيره {ما لا ينفعنا} أي: بعبادته {ولا يضرّنا} أي: بتركها وهم الأصنام {ونردّ على أعقابنا} أي: نرجع إلى الشرك {بعد إذ هدانا الله} تعالى إلى التوحيد ودين الإسلام {كالذي استهوته} أي: أضلته {الشياطين في الأرض} حالة كونه {حيران} تائهاً ضالاً لا يهتدي لوجه ولا يدري كيف يسلك. وقرأ حمزة بعد الواو في استهوته بألف ممالة على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، ورقق ورش راء حيران بخلاف عنه {له} أي: المستهوي {أصحاب} أي: رفقة {يدعونه إلى الهدى} أي: إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر يقولون له: {إئتنا} فلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجملة التشبيه للحال من ضمير نردّ وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ومن يدعو إلى عبادة الله عز وجل الذي يضر وينفع يقول مثلهما كمثل رجل في رفقته ضل به الغيلان والشياطين عن الطريق المستقيم فجعل أصحابه من أهل رفقته يدعونه إليهم يقولون هلم إلى الطريق المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم فبقي حيران لا يدري أين يذهب فإن أجاب الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه اهتدى وسلم {قل} لهم {إنّ هدى الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} وحده وما عداه ضلال {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} أي: بأن نخلص العبادة له لأنه المستحق العبادة لا غيره وقوله تعالى: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} عطف على لنسلم أي: للإسلام ولإقامة الصلاة لأنّ فيهما ما يقرب إلى الله. وروي أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان فنزلت، فإن قيل: إذا كان هذا وارداً في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكيف قيل للرسول صلى الله عليه وسلم قل أندعو؟ أجيب: بأن ذلك إظهار للاتحاد الذي كان بينه صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين خصوصاً الصدّيق رضي الله تعالى عنه {وهو الذي إليه} لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت {تحشرون} يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم. {وهو الذي خلق السموات والأرض} على عظمهما {بالحق} أي: بسبب إقامة الحق، وقيل: خلقهما بكلامه الحق الذي هو قوله تعالى: {كن} وهو دليل على أنّ كلام الله تعالى ليس بمخلوق لأنه لا يخلق مخلوق بمخلوق {و} اذكر {يوم يقول} الله للخلق {كن فيكون} أي: فهو يكون وهو يوم القيامة يقول بمخلق قوموا أحياء {قوله} تعالى: {الحق} أي: الصدق الواقع لا محالة {وله الملك يوم ينفخ في الصور} أي:
النفخة الثانية من إسرافيل عليه الصلاة والسلام وإنما أخبر سبحانه وتعالى عن ملكه يومئذٍ وإن كان الملك له سبحانه وتعالى في كل وقت في الدنيا والآخرة لأنه لا منازع له يومئذٍ فإنّ من كان يدعي الملك من الجبابرة والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم فاعترفوا أنّ الملك لله الواحد القهار وأنه لا منازع له تعالى فيه وعلموا أنّ الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا غرور وباطل. تنبيه: اختلف العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم: هو قرن ينفخ فيه وهو لغة أهل اليمن، وقال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق ويدل على صحة هذا القول ما روي أنّ أعرابياً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: «قرن ينفخ فيه» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ» فكان ذلك ثقل على الصحابة فقالوا: كيف نعمل يا رسول الله أو كيف نقول؟ قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة والنفخ فيها إحياؤها والأوّل أصح لما مرّ في الحديث ولإجماع أهل السنة أنّ المراد بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث للحساب {عالم الغيب والشهادة} أي: ما غاب وما شوهد فلا يغيب عن علمه تعالى شيء {وهو الحكيم} أي: في جميع أفعاله وتدبير خلقه {الخبير} بباطن الأشياء كظاهرها بكل ما يعملونه من خير أو شر. {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} اختلف العلماء في لفظة آزر فقال مجاهد: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة، وقال البخاريّ في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة تارخ فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: آزر وتارخ مثل يعقوب وإسرائيل إسمان لرجل واحد فيحتمل أن يكون اسمه آزر وتارخ لقب له وبالعكس، فالله سماه آزر وإن كان عند النسابين والمؤرّخين اسمه تارح ليعرف بذلك وكان آزر أبو إبراهيم من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه بهذا الاسم لأنّ من عبد شيئاً أو أحبه جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسماً له فهو كقوله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} (الإسراء، 71) وقيل: معناه وإذا قال إبراهيم لأبيه: يا عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والأوّل أصح لأن آزر اسم أبي إبراهيم لأنّ الله تعالى سماه به وأخرج البخاري في أفراده أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه آزر يوم القيامة على وجهه» أي: آزر فترة وغبرة الحديث سماه النبيّ صلى الله عليه وسلم آزر أيضاً ولم يقل أباه تارح كما نقل عن النسابين والمؤرخين فثبت بهذا أنّ اسمه الأصلي آزر لا تارح وكان أهل تلك البلاد وهم الكنعانيون يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض فيجعلون لكل نجم صنماً فإذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم عند ذلك النجم فقال إبراهيم منكراً عليهم منبهاً لهم على ظهور فساد ما هو مرتكبه {أتتخذ} أي: أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل {أصناماً آلهة} أي: تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر {إني أراك وقومك} أي: في إتفاقكم على هذا
{في ضلال} أي: بعد عن الصراط المستقيم {مبين} أي: ظاهر جداً ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبيّ نباه الله تعالى من آدم عليه السلام فمن بعده، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون. {وكذلك} أي: ومثل هذا التبصير العظيم الشأن {نري إبراهيم} أي: نبصر وهي حكاية حال ماضية {ملكوت السموات والأرض} أي: عجائبهما وبدائعهما والملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة كالرهبوت والرغبوت والرحموت من الرغبة والرهبة والرحمة، وقال ابن عباس: خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض وذلك إنه أقيم على صخرة وكشف له عن السموات حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب وحتى رأى مكانه في الجنة فذلك قوله تعالى: {وآتيناه أجره في الدنيا} (العنكبوت، 27) معناه: أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض حتى نظر أسفل الأرضين ورأى ما فيها من العجائب. وروي عن سلمان ورفعه بعضهم عن علي قال: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال الرب تبارك وتعالى: يا إبراهيم إنك رجل مجاب الدعوة فلا تدعو على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال: إمّا أن يتوب إليّ فأتوب عليه وإمّا أن أخرج منه نسمة تعبدني وإمّا أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته» وفي رواية: «فإن تولى فإنّ جهنم من ورائه» . وقال قتادة: ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. وقيل: إنّ هذه الرؤية كانت بعين البصيرة لأنّ ذلك لا يدرك إلا بالعقل فأريناه ذلك ليستدل به على توحيدنا {وليكون من الموقنين} : واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمّل بعد زوال الشبهة لأنّ الإنسان في أوّل الحال لا ينفك عن شبهة فإذا كثرت الدلائل وتوافقت صارت سبباً لحصول اليقين والطمأنينة في القلب وزالت الشبهة عند ذلك قال ابن عباس في وليكون من الموقنين {: جلي له الأمر سرّه وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى إنك لا تستطيع هذا فردّه الله تعالى كما كان قبل ذلك. فلما جنّ عليه الليل} أي: دخل فيه {رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل} أي: غاب {قال لا أحب الآفلين} وذلك إنّ إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولد في زمن نمروذ بن كنعان وكان النمروذ أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء، وقال السدي: إنّ النمروذ رأى في منامه كأنّ كوكباً طلع فذهب بضوأي الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعاً شديداً ودعا السحرة والكهنة فسألهم فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشرة رجلاً فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض فإذا طهرت حيل بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت فواقعها فحملت بإبراهيم. قال محمد بن
إسحاق: بعث نمروذ إلى كل امرأة حبلى بقربه يحسبها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت صغيرة لم يعرف الحبل ببطنها، وقال السدي: خرج نمروذ بالرجال إلى العسكر ونحاهم عن النساء خوفاً من ذلك ثم بدت له حاجة إلى المدينة ولم يأمن عليها أحداً من قومه إلا آزر فبعث إليه وأقسم عليه أن لا يدنو من أهله فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجته ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم لم يتمالك حتى واقعها فحملت إبراهيم، قال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم به قال الكهان لنمروذ: إن الغلام الذي أخبرناك عنه قد حملته أمّه الليلة فأمر نمروذ بذبح الغلمان. قال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلاً إلى مغارة وكانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدّت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تختلف إليه فتنظر ما فعل فتجده يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبناً ومن إصبع عسلاً ومن إصبع تمراً ومن إصبع سمناً، وقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أمّ إبراهيم عن حملها فقالت: ولدت غلاماً فمات فصدقها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهراً حتى قال لأمّه: أخرجيني، فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض وقال: إنّ الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ما لي إله غيره، ثم نظر في السماء فرأى كوكباً فقال: هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال: لا أحب الآفلين. {فلما رأى القمر بازغاً} أي: مبتدئاً في الطلوع {قال هذا ربي} فأتبعه بصره {فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} ، وقيل: إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، قال بعض أهل التفسير: فلما شبّ إبراهيم وهو في السرب قال لأمّه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت، فسكت ثم رجعت إلى زوجها فقالت: الغلام الذي كنا نحدّث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمّك، قال: فمن رب أمّي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: نمروذ قال: فمن رب نمروذ؟ فلطمه وقال: اسكت، فلما أخرج من السرب وجنّ عليه الليل رأى المشتري قد طلع ـ وقيل: الزهرة ـ وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر القمر فيها فرأى الكوكب فقال ذلك. وهل ذلك جار على ظاهره أو مؤوّل جرى بعضهم على الأوّل، وقال: كان إبراهيم مسترشداً طالباً للتوحيد حتى وفقه الله تعالى فلم يضره ذلك وأيضاً كان ذلك في طفوليته قبل قيام الحجة عليه فلم يكن كفراً والأصح الثاني إذ لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء، ثم قال: في تأويله أوجه: أحدها ـ وهو الأصح: أن إبراهيم ذكر ذلك على وجه الاحتجاج عليهم بقوله: هذا ربي أي: في زعمكم فلما غاب قال: لو كان إلهاً لما غاب كما قال تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) أي: عند نفسك وبزعمك وكما أخبر عن موسى أنه قال: {وانظر إلى إلهك} (طه، 97) أي: في زعمك فلما أفل قال: لا أحبّ الآفلين فضلاً عن عبادتهم فإنّ الانتقال والاحتجاج يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية فلم
ينجح فيهم ذلك {فلما رأى القمر بازغاً} قال لهم: هذا ربي فلما أفل أي: غاب قال: {لئن لم يهدني ربي} أي: يثبتني على الهدى لا إنه لم يكن مهتدياً والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان وكان إبراهيم عليه السلام يقول: وأجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام. {فلما رأى الشمس بازغة} أي: عند طلوع النهار {قال} لهم {هذا ربي هذا أكبر} أي: من الكواكب والقمر ولم يقل هذه مع أنّ الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع أو رده إلى المعنى وهو الضياء والنور لأنه رآه أضوأ من النجم والقمر أو ذكره لتذكير خبره {فلما أفلت} أي: غربت وقويت عليهم الحجة فلم يرجعوا {قال يا قوم إني بريء مما تشركون} أي: بالله من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث التي تجعلونها شركاء لخالقها، والوجه الثاني: من التأويل أنه قال ذلك على وجه الاستفهام تقديره: أهذا ربي؟ كقوله تعالى: {أفائن مت فهم الخالدون} (الأنبياء، 34) أي: أفهم الخالدون وذكره على وجه التوبيخ منكراً لفعلهم، والوجه الثالث: إنه أراد أن يستدرجهم بهذا القول ويعرّفهم خطأهم وجهلهم ومثل هذا مثل من ورد على قوم يعبدون صنماً فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدوّ فشاوروه في أمره فقال: الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى ينكشف عنا ما أصابنا فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله تعالى فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يجدون فأسلموا. فإن قيل: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ أجيب: بأنّ الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب ولما ظهر خلاف قومه واستمرّوا في شركهم وقالوا له: من تعبد أنت؟ أظهر لهم ما هو عليه من الحق بقوله: {إني وجهت وجهي} أي: أخلصت قصدي وصرفت عبادتي {للذي فطر السموات والأرض} أي: خلقهما وابتدعهما وهو الله تعالى {حنيفاً} أي: مائلاً إلى الدين القويم عن كل دين يخالفه وأصل الحنيف الميل وهو عن طريق الضلال إلى طريق الاستقامة، وقيل: الحنيف هو الذي يستقبل الكعبة بصلاته {وما أنا من المشركين} تبرأ من الشرك الذي كان عليه قومه أي: وما أنا منكم ولا أعدّ في عدادكم بشيء أقاربكم به. {وحاجه قومه} أي: خاصموه في التوحيد وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن لم يرجع عن الكلام فيها {قال} لهم {أتحاجوني} أي: أتجادلونني {في الله} أي: في وحدانيته، وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون وهي نون الرفع عند النحاة ونون الوقاية عند الفراء، والباقون بالتشديد {وقد} أي: والحال إنه قد {هداني} إلى توحيده ومعرفته {ولا أخاف ما تشركون به} شيئاً وذلك إن إبراهيم لما رجع إلى أبيه وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين أي: ذباحي نمروذ وضمه آزر إلى نفسه وجعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها فيذهب بها إبراهيم وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ فلا يشتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب رؤوسها وقال: اشربي استهزاء بقومه وما هم عليه حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته فقالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بخبل أو جنون بعيبك إياها فقال: إنما يكون الخوف ممن يقدر على النفع والضر وهو قوله تعالى: {إلا أن يشاء ربي شيئاً} وهذا
استثناء منقطع معناه لكن إن شاء ربي شيئاً من المكروه يصيبني فيكون لأنه قادر على النفع والضر وإنما قال إبراهيم ذلك لاحتمال إنّ الإنسان قد يصيبه في بعض حالاته وأيام عمره وما يكرهه فلو أصابه مكروه نسبوه إلى الأصنام فنفى هذه الشبهة بذلك {وسع ربي كل شيء علماً} أي: أحاط علمه بكل شيء من معلومه {أفلا تتذكرون} أي: يقع منكم تذكر فتميزوا بين الحق والباطل والقادر والعاجز. {وكيف أخاف ما أشركتم} به أي: الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع {ولا تخافون} أنتم {أنكم أشركتم با} وهو تعالى حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع مع الصانع وتسوية بين المقدور العاجز والقادر الضارّ النافع {ما لم ينزل به} أي: بعبادته {عليكم سلطاناً} أي: حجة وبرهاناً وهو القادر على كلّ شيء {فأيّ الفريقين} أي: حزب الله وحزب ما أشركتم ولم يقل فأينا تعميمها للمغنيّ {أحق بالأمن} أهم الموحدون أو المشركون {إن كنتم تعلمون} من الأحق أي: إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه والأحق بذلك هم الموحدون فاتبعوهم قال تعالى قاضياً بينهما: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك. روي أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا: «يا رسول الله فأينا لم يظلم نفسه فقال: «ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك با إنّ الشرك لظلم عظيم} (لقمان، 13) » {أولئك} أي: الموصوفون بما ذكر {لهم الأمن} أي: من العذاب المؤبد {وهم مهتدون} وقوله تعالى: k {وتلك} مبتدأ ويبدل منه {حجتنا} وهي ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله تعالى: {فلما جنّ عليه الليل} إلى قوله: {وهم مهتدون} أو من قوله تعالى: {أتحاجوني} إليه والخبر {آتيناها إبراهيم} أي: أرشدناه لها حجة {على قومه} ثم إنه سبحانه وتعالى لما تفضل على خليله صلى الله عليه وسلم برفعه على قومه قال تعالى: {نرفع درجات من نشاء} في العلم والحكمة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين التاء، والباقون بغير تنوين {إنّ ربك حكيم} في صنعه فيرفع من يشاء ويخفض من يشاء {عليم} بخلقه فهو الفعال لما يريد. {ووهبنا له} أي: إبراهيم {إسحق} أي: ابناً له {ويعقوب} أي: ابناً لإسحاق فهو ابن ابنه {كلاً} منهما ومن أبيهما {هدينا} إلى سبيل الرشاد ووفقناه إلى طريق الحق والصواب {ونوحاً هدينا} {من قبل} أي: قبل إبراهيم {ومن ذريته} أي: نوح لا إبراهيم لأنه تعالى ذكر في جملتهم يونس ولوطاً ولم يكونا من ذرّية إبراهيم، وقيل: الضمير لإبراهيم ويكون ذلك من باب التغليب فإنّ التغليب سائغ شائع في انتساب العرب {داود} وهو ابن إيشا هديناه وكان ممن آتاه الله الملك والنبوّة {وسليمان} هو ابن داود وهما اللذان بنيا بيت المقدس بأمر الله تعالى داود بخطه وتأسيسه وسليمان بإكماله وتشييده {وأيوب} هو ابن أموص بن رزاح بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم {ويوسف} هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. فإن قيل: لم قدم أيوب على يوسف مع أنّ يوسف أقرب منه؟ أجيب: بأنه قدمه للمناسبة بينه وبين سليمان لأنّ كلاً منهما ابتلي بأخذ كل ما في يده ثم ردّه الله تعالى إليه {وموسى} هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب {وهرون} هو أخو موسى أكبر منه بسنة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين {وكذلك} كما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره على أذى قومه
بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولاداً أنبياء {نجزي المحسنين} على إحسانهم. {وزكريا} هو ابن أدن بن بركيا، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بغير همز، والباقون بالهمز {ويحيى} هو ابن زكريا {وعيسى} هو ابن مريم بنت عمران {وإلياس} قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل قال البغويّ: والصحيح أنه غيره لأنّ الله تعالى ذكره في ولد نوح وإدريس جدّ أبي نوح وهو إلياس بن ياسين بن فنحاس بن العيزار بن هارون بن عمران {كلّ} منهم {من الصالحين} أي: الكاملين في الصلاح وهو الإتيان بما ينبغي والتحرّز عما لا ينبغي {وإسمعيل} هو ابن إبراهيم وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحاق وذكر أولاده من بعده على نسق واحد فلهذا السبب أخر ذكر إسماعيل إلى هنا {واليسع} هو أخطوب بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون الياء والباقون بسكون اللام وفتح الياء {ويونس} هو ابن متى {ولوطاً} هو ابن هاران أخي إبراهيم {وكلاً} منهم {فضلنا على العالمين} أي: بالنبوّة وفيه دليل على فضلهم على من عداهم من الخلق من أنس وملك ويستدلّ بهذه الآية من يقول إنّ الأنبياء أفضل من الملائكة وقوله تعالى: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} عطف على كلاً أو نوحاً ومن للتبعيض أي: وفضلنا بعض آبائهم وبعض ذرّياتهم وإخوانهم لأنّ آباء بعضهم كانوا مشركين وعيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرّية بعضهم من كان كافراً كابن نوح وقوله تعالى: {واجتبيناهم} أي: اخترناهم، عطف على فضلنا أو هدينا {وهديناهم} أي: وأرشدناهم {إلى صراط مستقيم} هو الدين الحق. {ذلك} أي: الذي هدوا إليه {هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} سواء كان له أب يعلمه أو كان له من يحمله على الضلال أم لا فهو سبحانه وتعالى هو المتفضل بالهداية {ولو أشركوا} أي: ولو فرض إشراك هؤلاء الأنبياء بعد علوّ درجتهم وفضلهم {لحبط عنهم} أي: لفسد وسقط {ما كانوا يعملون} أي: لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها. {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} أي: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء وهم ثمانية عشر نبياً أعطيناهم الكتاب فالمراد بالكتاب الجنس {والحكم} أي: العمل المتقن بالعلم {والنبوّة} أي: وشرّفناهم بالنبوّة والرسالة {فإن يكفر بها} أي: بهذه الثلاثة {هؤلاء} أي: أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم {فقد وكلنا بها} أي: وفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها {قوماً ليسوا بها بكافرين} كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه، واختلف في ذلك القوم فقال ابن عباس: هم الأنصار وأهل المدينة، وقال الحسن وقتادة: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدّم ذكرهم واختاره الزجاج، قال: والدليل عليه قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ، وقال عطاء العطاردي: هم الملائكة ونظر فيه لأنّ اسم القوم لا يطلق إلا على بني آدم، وقيل: الفرس، وقيل: هم المهاجرون والأنصار، واستظهر وقال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء أكان ملكاً أم نبياً أم صحابياً أم تابعياً، والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها فإنها ليست هدى مضافاً إلى الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعاً فليس فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم متعبد بشرع من قبله، واستدلّ بعض العلماء بهذه الآية على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام قال: وبيانه أنّ جميع الخصال وصفات الشرف كانت متفرّقة فيهم فكان نوح صاحب احتمال على أذى قومه وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله عز وجلّ وكان إسحاق ويعقوب من أصحاب الصبر على البلاء والمحن وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة كما قال تعالى: {اعملوا آل داود شكراً} (سبأ، 13) وكان أيوب صاحب صبر على البلاء كما قال تعالى: {إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنّه أواب} (ص، 44) وكان يوسف قد جمع بين الحالتين أي: الصبر والشكر وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرّع وإحسان ثم إن الله تعالى أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وجمع له جميع الخصال المحمودة والمتفرّقة فثبت بهذا البيان أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من الخصال التي كانت متفرّقة في جميعهم، اه. وقرأ حمزة والكسائيّ بحذف الهاء في الوصل وحرّك الهاء بحركة مختلسة ابن عامر ومدّ على الهاء ابن ذكوان بخلاف عنه وسكن الهاء الباقون في الوصل وأما في الوقف فجميع القراء يثبتون الهاء ويسكنونها {قل} يا محمد لأهل مكة {لا أسألكم عليه} أي: القرآن أو التبليغ {أجراً} أي: لا أطلب على ذلك جعلاً {إن هو} أي: القرآن أو التبليغ {إلا ذكرى} أي: عظة {للعالمين} أي الإنس والجنّ. {وما قدروا} أي: اليهود {الله حق قدره} أي: ما عرفوه حق معرفته أو ما عظموه حق عظمته {إذ قالوا} للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقد خاصموه في القرآن {ما أنزل الله على بشر من شيء} قال سعيد بن جبير جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم يخاصم النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنّ الله تعالى يبغض الحبر السمين وكان حبراً سميناً» ـ والحبر بالفتح والكسر وهو أفصح العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه، قاله الجوهريّ ـ فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك، فقال: إنه أغضبني، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. وقال السدّي: نزلت في فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله تعالى عليك كتاباً، قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً. قال الله تعالى: {قل} لهم {من أنزل الكتاب} أي: التوراة {الذي جاء به موسى} أي: الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه حال كون الكتاب {نوراً} أي: ذا نور أي: ضياء من ظلمة الضلالة {وهدى} أي: ذا هدى {للناس} أي: يفرق بين الحق والباطل من دينهم وذلك قبل أن يبدّل ويغير {يجعلونه قراطيس} أي: يكتبونه في دفاتر مقطعة {يبدونها} أي: يظهرون ما يحبون إظهاره منها {ويخفون كثيراً} أي: مما كتبوه في القراطيس وهو ما عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومما أخفوه أيضاً آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في التوراة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء في المواضع الثلاثة على الغيبة حملاً على قالوا وما قدروا، والباقون بالتاء على الخطاب وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم للتوراة وذمّهم على تجزئتها
بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرّقة وإخفاء بعض لا يشتهونه. وقوله تعالى: {وعلمتم} أي: على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} خطاب لليهود أي: علمتم زيادة على ما في التوراة وبياناً لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم، ونظيره أنّ هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون يذكرهم النعمة فيما عليهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش. وقوله تعالى: {قل الله} أنزله راجع إلى قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} أي: فإن أجابوك بأنّ الله أنزله فذاك وإلا فقل أنت الله أنزله إذ لا جواب غيره {ثم ذرهم} أي: اتركهم {في خوضهم} أي: باطلهم {يلعبون} أي: يستهزؤن ويسخرون، وفيه وعيد تهديد للمشركين وقال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف { وهذا} أي: القرآن {كتاب أنزلناه مبارك} أي: كثير الخير والبركة دائم النفع يبشر المؤمنين بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية، وأصل البركة النماء والزيادة وثبوت الخير {مصدّق الذي بين يديه} أي: قبله من الكتب الإلهية المنزلة من السماء على الأنبياء لأنها مشتملة على التوحيد والتنزيه لله تعالى وعلى البشارة والنذارة فثبت بذلك كون القرآن مصدقاً لجميع الكتب المنزلة، وقوله تعالى: {ولينذر} قرأه شعبة بالياء على الغيبة أي: لينذر الكتاب، والباقون بالتاء على الخطاب أي: ولتنذر يا محمد {أمّ القرى} أي: أهل مكة وسميت أمّ القرى لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأناً ولبعض المجاورين: *فمن يلق في بعض القريات رحله ... فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي* وقيل: لأنّ الأرض دحيت من تحتها أو لأنها مكان أوّل بيت وضع للناس {ومن حولها} أي: جميع البلاد والقرى التي حولها شرقاً وغرباً {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبيّ والكتاب والضمير يحتملهما ويحافظ على الطاعة، وتخصيص الصلاة في قوله تعالى {وهم على صلاتهم يحافظون} لأنها عماد الدين وعلم الإيمان ومن حافظ عليها كانت لطفاً له في المحافظة على أخواتها. {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى} أي: اختلق {على الله كذباً} فزعم أنّ الله بعثه نبياً كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي، أو اختلق عليه أحكاماً كعمرو بن لحيّ ومتابعيه {أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء} قال قتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وكان يسجع ويتكهن فادّعى النبوّة وزعم أنّ الله تعالى أوحى إليه وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتشهدان أن مسيلمة نبيّ» قالا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم إذا أوتيت خزائن الأرض فوضع في يديّ سواران من ذهب فكبرا عليّ وأهماني فأوحى الله تعالى إلي أن أنفحهما فنفحتهما فطارا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب» وفي لفظ الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت في المنام كان في يدي سوارين فأولتهما
كذابين يخرجان بعدي يقال لأحدهما مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي صاحب صنعاء» وقوله صلى الله عليه وسلم «فأوحى الله إلي أن أنفحهما» بالحاء المهملة ومعناه الرمي والدفع من نفحت الدابة برجلها ويروى بالخاء المعجمة من النفخ وهو قريب من الأوّل فأمّا مسيلمة الكذاب فإنه ادعى النبوّة في اليمامة وتبعه قوم من بني حنيفة وقتل في خلافة أبي بكر قتله وحشيّ قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما وكان يقول: قتلت خير الناس يعني: حمزة، وقتلت شرّ الناس يعني: مسيلمة الكذاب، قتل الأوّل وهو كافر وقتل الثاني وهو مسلم، وأمّا الأسود العنسي بالنون ويقال له: ذو الحمار، ادعى النبوّة باليمن في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل في حياته صلى الله عليه وسلم قبل موته بيومين وأخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه بقتله، قتله فيروز الديلميّ فقال صلى الله عليه وسلم «فاز فيروز بقتل الأسود العنسي» {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال السدّي: نزلت في عبد الله بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبيّ صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه صلى الله عليه وسلم سميعاً بصيراً كتب عليماً حكيماً وإذا أملى عليه عليماً حكيماً كتب غفوراً رحيماً فلما نزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنين، 12) أملاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «اكتبها هكذا نزلت» فشك عبد الله بن سرح وقال لئن كان محمد صادقاً فقد أوحي إليّ مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرّ الظهران وقال ابن عباس: ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله يريد المستهزئين وهو جواب لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، قال العلماء: وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذباً في ذلك الزمان وبعده لأنّ خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم {ولو ترى} يا محمد {إذ الظالمون} حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه، أي: ولو ترى الظالمين المذكورين {في غمرات} أي: شدائد {الموت} من غمره الماء إذا غشيه فاستعير للشدة الغالبة {والملائكة باسطو أيديهم} أي: لقبض أرواحهم كالمتقاضي الملازم لغريمه لا يفارقه، أو بالعذاب أو الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم يقولون لهم تعنيفاً: {أخرجوا أنفسكم} إلينا لنقبضها. فإن قيل: إنه لا قدرة لأحد على إخراج روحه من بدنه فما فائدة هذا؟ أجيب: بأنهم يقولون لهم: أخرجوها كرهاً لأن المؤمن يحب لقاء الله بخلاف الكافر، وقيل: يقولون لهم: خلصوا أنفسكم من هذا العذاب إن قدرتم على ذلك فيكون هذا القول توبيخاً لهم لأنهم لا يقدرون على خلاص أنفسهم من العذاب في ذلك الوقت {اليوم تجزون عذاب الهون} أي: الهوان {بما كنتم تقولون على الله غير الحق} أي: كادعاء الولد والشريك له تعالى ودعوى النبوّة والإيحاء كذباً {وكنتم عن آياته تستكبرون} أي: تتكبرون عن الإيمان بها وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمراَ فظيعاً. {و} يقال لهم إذا بعثوا للحساب والجزاء {لقد جئتمونا فرادى} أي: منفردين عن الأهل والمال والولد وسائر ما آثرتموه من الدنيا أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى وفي هذا تقريع
وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم ذلك شيئاً يوم القيامة فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا {كما خلقناكم أوّل مرّة} أي: حفاة عراة، غرلاً، روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت يا رسول الله واسوأتاه إنّ الرجال والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لكلّ امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال» وروي عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلاً» أي: غير مختونين، وفي رواية زيادة على ذلك بهما، قال الجوهري وغيره: أي: ليس معهم شيء، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأمر أشدّ أن يهمهم ذلك» {وتركتم ما خوّلناكم} أي: ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة {وراء ظهوركم} أي: في الدنيا فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكثرون {و} يقال لهم توبيخاً {ما نرى معكم شفعاءكم} أي: الأصنام {الذين زعمتم أنهم فيكم} أي: في استحقاق عبادتكم {شركاء} أي: لله وقوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} قرأه نافع وحفص والكسائيّ بنصب النون أي: لقد تقطع ما بينكم من الوصل، والباقون بالرفع أي: لقد تقطع وصلكم والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل {وضلّ} أي: ذهب {عنكم ما كنتم تزعمون} أي: من أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء. {إن الله فالق} أي: شاق {الحبّ} أي: عن النبات {والنوى} أي: عن النخل وقيل: المراد الشق الذي في الحنطة والنواة، والحبّ جمع الحبة وهو اسم لجميع البزور والحبوب من البرّ والشعير والذرة وكل مالم يكن له نوى والنوى جمع نواة وهي كل ما لم يكن حباً كالتمر والمشمس وغيرهما، وقال الضحاك: فالق الحبّ والنوى يعني خالق الحبّ والنوى {يخرج الحيّ من الميت} أي: كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة {ومخرج الميت من الحيّ} كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطائر. تنبيه: مخرج معطوف على فالق كما قاله الزمخشريّ ويصح عطفه على يخرج لأن عطف الاسم المشابه للفعل على الفعل صحيح كعكسه وهو عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل كقوله تعالى: {إن المصدّقين والمصّدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً} (الحديد، 18) فأقرضوا معطوف على المصدّقين لشبهه بالفعل لكونه اسم فاعل ومخرج شبيه بالفعل لكونه اسم فاعل، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائيّ بتشديد الياء، والباقون بالتخفيف {ذلكم} المحيي والمميت، هو {ا} الذي تحق له العبادة {فأنى} أي: فكيف {تؤفكون} أي: تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله الذي هو خالق الأشياء، كلها، وقوله تعالى: {فالق الإصباح} مصدر بمعنى الصبح أي: شاق عمود الصبح وهو أوّل ما يبدو من النهار عن ظلمة الليل أو شاق ظلمة الأصباح وهو الغبش الذي عليه في آخر الليل {وجاعل الليل سكناً} أي: يسكن فيه الخلق راحه لهم، قال ابن عباس: إذ كل ذي روح يسكن فيه لأنّ الإنسان قد أتعب نفسه فاحتاج إلى زمان يستريح فيه ليسكن فيه عن الحركة وذلك هو الليل، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بنصب العين واللام ولا ألف قبل العين على الماضي حملاً على معنى المعطوف عليه
فإن فالق بمعنى فلق، والباقون بكسر العين ورفع اللام وألف قبل العين وقوله تعالى: {والشمس والقمر} منصوبان بإضمار فعل دلّ عليه جاعل الليل أي: وجعل الشمس والقمر {حسباناً} أي: حساباً للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر أي: يجريان بحسبان كما في آية الرحمن وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما تقدّم ذكره في هذه الآية من الأشياء التي خلقها بقدرته وكمال علمه وهو المراد بقوله: {تقدير العزيز العليم} فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه {وهو الذي جعل} أي: خلق {لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحرّ} أي: في ظلمات الليل في البرّ والبحر وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعدما أجملها بقوله: لكم، ومن منافعها أنها زينة للسماء كما قال تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} ومنها رمي الشياطين كما قال تعالى: {وجعلناها رجوماً للشياطين} (الملك، 5) {قد فصلنا} أي: بينا {الآيات} أي: الدالات على قدرتنا وتوحيدنا {لقوم يعلمون} أي: يتدبرون فإنهم المنتفعون به {وهو الذي أنشأكم} أي: خلقكم {من نفس واحدة} أي: من آدم عليه الصلاة والسلام فهو أبو البشر كلهم وحوّاء مخلوقة منه وعيسى أيضاً لأنّ ابتداء خلقه من مريم وهي من بنات آدم فثبت أنّ جميع البشر من آدم عليه السلام {فمستقرّ ومستودع} أي: فمستقرّ في الرحم ومستودع في القبر إلى أن يبعث أو فمستقر في أرحام الأمّهات ومستودع في أصلاب الآباء، قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس: هل تزوّجت؟ قلت: لا، قال: أما إنه ما كان مستودعاً في ظهرك فسيخرجه الله عز وجلّ أو مستقرّ في الرحم ومستودع فوق الأرض قال تعالى: {ونقرّ في الأرحام ما نشاء} أو فمستقرّ على وجه الأرض ومستودع عند الله في الآخرة أو فمستقرّ في القبر ومستودع في الدنيا وكان الحسن يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك يوشك أن تلحق بصاحبك أو فمستقرّ في القبر ومستودع في الجنة أو النار قال تعالى في صفة الجنة: حسنت مستقرّاً وفي صفة النار وساءت مستقرّاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف على اسم الفاعل والمستودع مفعول أي: فمنكم قار ومنكم مستودع لأنّ الاستقرار من الله تعالى دون الاستيداع لأنّ الاستقرار في الأصلاب أو فوق الأرض، لا صنع للعبد فيه بخلاف الاستيداع في الأرحام أو تحت الأرض، والباقون بالنصب {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي: يفهمون ما يقال لهم ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأنّ أمرها ظاهر وذكر مع تخليقه بني آدم يفقهون لأنّ إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر {وهو الذي أنزل من السماء ماء} أي: مطراً وهو من السحاب أو من جانب السماء، وقيل: إنّ الله تعالى ينزله من السماء إلى السحاب ثم من السحاب إلى الأرض {فأخرجنا به} أي: بالماء وفي ذلك التفات حيث لم يقل فأخرج على وفق أنزل {نبات كلّ شيء} أيّ شيء ينبت وينمو من جميع أصناف النبات فالسبب واحد وهو الماء والمسيبات صنوف متفرّقة كما قال تعالى: {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} (الرعد، 4) {فأخرجنا منه} أي: من النبات أو الماء {خضراً} أي: شيئاً أخضر يقال: أخضر وخضر مثل أعور وعور والأخضر هو جميع البقول والزروع والبقول الرطبة {نخرج منه}
أي: الخضر {حباً متراكباً} أي: يركب بعضه بعضاً كسنابل الحنطة والشعير والأرز والذرة وقوله تعالى: {ومن النخل} خبر مقدّم ويبدل منه {من طلعها} وهو أوّل ما يخرج منها والمبتدأ {قنوان} أي: عراجين {دانية} أي: قريبة من التناول يتناولها النائم والقاعد أو قريب بعضها من بعض وإنما اقتصر على ذكرها عن مقابلها وهي البعيدة لدلالتها عليها كقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحرّ} (النحل، 81) أي: والبرد واكتفى بذكر أحدهما وحكمة تخضيص دانية بالذكر زيادة النعمة فيها وقوله تعالى: {وجنات} عطف على نبات كلّ شيء أي: وأخرجنا به بساتين {من أعناب} وقوله تعالى: {والزيتون والرمّان} عطف أيضاً على نبات أي: وأخرجنا به شجر الزيتون والرمّان {مشتبهاً وغير متشابه} قال قتادة: معناه مشتبهاً ورقها مختلفاً ثمرها لأن ورق الزيتون يشتبه ورق الرمان، وقيل: مشتبهاً في النظر مختلفاً في الطعم والله سبحانه ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من الشجر بعد ذكر الزرع وقدّم الزرع على سائر الأشجار لأنّ الزرع غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدّم على الفواكه وقدم النخل على غيرها لأنّ ثمرها يجري مجرى الغذاء وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار قال بعضهم وليس لنا أنثى من الشجر تحتاج إلى ذكر غير النخل أي: في تطييب ثمرها وذكر العنب عقب النخل لأنه من أشرف أنواع الفواكه ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والنفع ثم ذكر بعده الرمان لما فيه من المنافع أيضاً {انظروا} أيها المخاطبون نظر اعتبار {إلى ثمره} قرأ حمزة والكسائيّ بضمّ الثاء والميم، والباقون بالنصب، وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب {إذا أثمر} أي: حين يبدو من أكمامه ضعيفاً قليل النفع أو عديمه {و} انظروا إلى {ينعه} أي: إلى إدراكه إذا أدرك وحان قطفه كيف يصير ذا نفع ولذة والمعنى انظروا نظر استدلال واعتبروا كيف أخرج الله هذه الثمرة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة وهو قوله تعالى: {إنّ في ذلكم لآيات} أي: دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره فإنّ حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ندّ يعارضه أو ضد يعانده وخص المؤمنين بالذكر بقوله: {لقوم يؤمنون} لأنهم المنتفعون بها بخلاف الكافرين ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به والردّ عليه فقال تعالى: {وجعلوا شركاء الجنّ} أي: الشياطين لأنهم أطاعوهم في عبادة الأوثان فجعلوها شركاء الله. فإن قيل: لله مفعول ثان لجعلوا وشركاء مفعول أوّل ويبدل منه الجنّ فما فائدة التقديم؟ أجيب: بأنّ فائدته استعظام أن يتخذ لله شريك من جنّ أو إنس أو ملك فلذلك قدم اسم الله تعالى على الشركاء، وقيل: المراد بالجنّ الملائكة بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله وسماهم جناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم، وقال الكلبيّ: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق فقالوا: الله خالق النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب فيقولون: هو شريك الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن الله وما كان من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً وقوله تعالى: {وخلقهم} حال بتقدير قد والضمير إمّا أن يعود إلى الجنّ فيكون المعنى والله خلق الجنّ فكيف
يكون شريك الله عز وجلّ محدثاً مخلوقاً وإمّا أن يعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئاً وهذا كالدليل القاطع بأنّ المخلوق لا يكون شريكاً لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله تعالى خالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه {وخرقوا} قرأه نافع بتشديد الراء، والباقون بالتخفيف، أي: اختلقوا {له بنين وبنات بغير علم} وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير وقول قريش في الملائكة يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى وسئل الحسن عنه فقال: كلمة غريبة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله {سبحانه} تنزيهاً له {وتعالى عما يصفون} بأن له شريكاً أو ولداً {بديع السموات والأرض} أي: مبتدعهما من غير سبق مثال ورفع بديع على الخبر والمبتدأ محذوف أي: هو بديع أو على الابتداء والخبر {أنى يكون له ولد} أي: من أين يكون له ولد {ولم تكن له صاحبة} يكون منها الولد لأنّ الولد لا يكون إلا من صاحبة أنثى {وخلق كل شيء} أي: من شأنه أن يخلق {وهو بكل شيء عليم} لا تخفى عليه خافية، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: الأوّل: إنه مبدع السموات والأرض وهي أجسام عظيمة من جنس ما يوصف بالولادة لكونها مخلوقة لا يستقيم أن توصف بالولادة لاستمرارها وطول مدّتها ومخترع الأجسام لا يكون جسماً حتى يكون والدا، الثاني: أن الولادة لا تكون إلا من ذكر وأنثى مجانسين وهو متعال عن مجانس فلم يصح أن تكون له صاحبة فلم تصح الولادة، والثالث: أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان غنياً عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج، وقوله تعالى: {ذلكم} إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ وقوله تعالى: {الله ربكم لا إله إلا هو خالق كلّ شيء} أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض في غير الله تعالى بدلاً أو صفة لأنّ الله تعالى أوّل وليس بصفة والبعض خبراً وقوله تعالى: {فاعبدوه} مسبب عن مضمون ذلك فإنّ من استجمع هذه الصفات استحق العبادة {وهو على كل شيء وكيل} أي: وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال فيجازي عليها {لا تدركه الأبصار} جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها والإدراك إحاطة بكنه الشيء وحقيقته وتمسك بظاهر هذه الآية قوم من أهل البدع وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا: إنّ الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة عقلاً لأنّ الله تعالى أخبر أنّ الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية إذ لا فرق بين قولك أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أنّ لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة واستدلوا لمذهبهم بأشياء من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف فمن الكتاب قوله تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة 22، 23) ففي هذه الآية دليل على أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وقال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون} (المطفقين، 15) قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: حجب قوماً بالمعصية وهي الكفر فثبت أنّ قوماً يرونه بالطاعة وهي الإيمان، وقال مالك
رضي الله تعالى عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله تعالى الكفار بالحجاب وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس، 26) وهذه الزيادة مفسرة بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة ومن السنة ما روي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} (طه، 13) ومنها أنّ ناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل تضامون في القمر ليلة البدر ـ أي: هل تشكّون؟» قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإنكم ترونه كذلك» وعن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة؟ قال: «نعم» قلت: وما آية ذلك من خلقه؟ قال: «يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به؟» قلت: بلى، قال: «فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله ـ أي: القمر ـ فالله أعظم وأجل» واحتج أهل السنة أيضاً على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بقول كليم الله موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} (الأعراف، 143) إذ لا يسأل نبيّ ما لا يجوز أو يمتنع وقد علق الله تعالى الرؤية على استقرار الجبل بقوله تعالى: {فإن استقرّ مكانه فسوف تراني} (الأعراف، 143) واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز وأمّا قول المتمسكين بظاهر الآية وإنّ الإدراك بمعنى الرؤية فممنوع لأنّ الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون المعاينة بلا إدراك قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا} (الشعراء، 61) وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم فنفى موسى عليه السلام الإدراك مع ثبوت الرؤية فالله تعالى يصح أن يرى من غير إدراك ولا إحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به قال تعالى: {ولا يحيطون به علماً} فنفي الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار وقال عطاء: كلت أبصار، المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة، وظاهر هذا التسوية بين الإدراك والرؤية ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة، 22، 23) فقوله: ناظرة مقيد بيوم القيامة ويكون هذا جمعاً بين الآيتين {وهو يدرك الأبصار} أي: يراها أو يحيط بها علماً فلا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء {وهو اللطيف الخبير} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اللطيف بأوليائه الخبير بهم، وقال الزهري: اللطيف الرفيق بعباده، وقيل: اللطيف الموصل الشيء بالرفق واللين، وقيل: اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا. {قد جاءكم بصائر} جمع بصيرة أي: حجج {من ربكم} تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل {فمن أبصر} أي: عمل بالأدلة {فلنفسه} أي: خاصة إبصاره لأنه خلصها من الضلال إلى الهدى {ومن عمي} أي: لم يهد بالأدلة {فعليها} أي: خاصة عماه لأنه يضل فلا يضر إلا نفسه {وما أنا عليكم بحفيظ} أي: برقيب لأعمالكم وإنما أنا منذر والله تعالى هو الرقيب عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها. {وكذلك} أي: كما بينا ما ذكر {نصرّف} أي: نبيّن {الآيات} من حال
إلى حال في المعاني المتنوّعة سالكين من وجوه البراهين بما يفوت القوى ويعجز القدر ليعتبروا {وليقولوا} اعتذاراً عند ظهور عجزهم {دارست} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بألف بين الدال والراء أي: ذاكرت أهل الكتاب، والباقون بغير ألف أي: درست كتب الماضين وجئت بهذا منها، وقرأ ابن عامر بفتح السين وسكون التاء من الدروس أي: هذه الآيات التي تتلوها علينا قديمة قد درست وانمحت كقولهم: أساطير الأوّلين، وقيل: اللام فيه لام العاقبة أي: عاقبة أمرهم أن يقولوا: دارست أي: قرأت على غيرك، وقيل: قرأت كتب أهل الكتاب كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً} (القصص، 8) {ولنبينه} أي: الآيات وذكر الضمير لأنها في معنى القرآن كأنه قيل: وكذلك نصرّف القرآن أو القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوماً أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل كقولهم: ضربته زيداً {لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون به. وقوله تعالى: {اتبع} خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي: اتبع يا محمد {ما أوحي إليك} أي: القرآن فالزم العمل به، ثم أكد مدحه بقوله: {من ربك} أي: المحسن إليك بهذا البيان، وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} اعتراض أكد به إيجاب الاتباع لما في كلمة التوحيد من التمسك بحبل الله والاعتصام به والإعراض عما سواه، وقول البيضاوي: أو حال مؤكدة من ربك بمعنى منفرداً في الألوهية مبني على جواز تأكيد الجملة الفعلية بالإسمية وهو نادر {وأعرض عن المشركين} ولا تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى رأيهم، ومن جعله منسوخاً بآية السيف حمل الإعراض على ما يعمّ الكف عنهم. {ولو شاء الله} إيمانهم وعدم إشراكهم {ما أشركوا} وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى خلافاً للمعتزلة في قولهم: لم يرد الله من أحد الكفر والشرك والآية ردّ عليهم {وما جعلناك عليهم حفيظاً} أي: رقيباً فتجازيهم بأعمالهم {وما أنت عليهم بوكيل} أي: فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال. {ولا تسبوا الذين يدعون} أي: يعبدون {من دون الله} وهي الأصنام أي: ولا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح {فيسبوا الله عدواً} أي: اعتداءً وظلماً {بغير علم} أي: جهلاً منهم بالله وبما يجب أن يذكر به. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يطعن في آلهتهم فقالوا: لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك فنزلت وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخلنّ على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل وأبي بن خلف ومعهم جماعة إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإنّ محمداً قد أذانا وآلهتنا فنحب أن تدعوه وتنهاه عن ذكر آلهتنا وندعه وإلهه، فطلبه وقال: هؤلاء قومك وبنو عمك يقولون: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك وقد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم» فقال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ قال: «قولوا لا إله إلا الله» فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فقال: «يا عمّ ما أنا بالذي أقول غيرها» فقالوا: لتكفن عن سبك آلهتنا أو لنشتمنك ومن يأمرك، فنزلت. وقيل: كان المسلمون يسبونها
فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسبّ الله تعالى وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر {كذلك} أي: كما زينا لهؤلاء ما هم عليه من عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان {زينا لكل أمّة عملهم} أي: من الخير والشرّ بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقاً وتخذيلاً، وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه فهو الفعال لما يريد لا يسئل عما يفعل {ثم إلى ربهم مرجعهم} في الآخرة {فينبئهم بما كانوا يعملون} في الدنيا فيجازيهم به. {واقسموا} أي: كفار مكة {با جهد أيمانهم} أي: غاية اجتهادهم فيها {لئن جائتهم آية} أي: مما اقترحوه {ليؤمنن بها} . روي أنّ قريشاً قالوا: يا محمد إنك تخبرنا أنّ موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فينفجر منه الماء اثنتي عشرة عيناً وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي شيء تحبون؟» قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً وتبعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟» قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهباً فجاء جبريل عليه السلام فقال: يا رسول الله لك ما شئت إن شئت أصبح ذهباً ولكن إن لم يصدقوا ليعذبنهم الله وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل يتوب تائبهم» فنزلت، قال الله تعالى: {قل} لهم {إنما الآيات عند الله} ينزلها كيف يشاء وإنما أنا نذير {وما يشعركم} أي: وما يدريكم أيها المسلمون بإيمانهم إذا جاءت فإنهم كانوا يتمنون مجيء الآية طمعاً في إيمانهم أي: أنتم لا تدرون ذلك {إنها إذا جاءت لا يؤمنون} لما سبق في علمي. وقرأ أبو عمرو بسكون الراء، وروي عن الدوري اختلاس الضم وكسر الهمزة من إنها ابن كثير وأبو عمرو على الابتداء وقالا: تم الكلام عند قوله تعالى: {وما يشعركم} والباقون بالفتح فهي بمعنى لعل وهو شائع في كلام العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً، بمعنى لعلك، ومنه قول عدي بن زيد: *أعاذل ما يدريك أنّ منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد* أي: لعل منيتي. وقرأ ابن عامر وحمزة: لا تؤمنون، بالتاء خطاباً للكفار، والباقون بالياء على الغيبة. {ونقلب أفئدتهم} أي: ونحوّل قلوبهم عن الحق فلا يفقهونه {و} نقلب {أبصارهم} عن الحق فلا يبصرونه فلا يؤمنون لأنّ الله تعالى إذا صرف القلوب والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر {كما لم يؤمنوا به} أي: بما أنزل من الآيات {أوّل مرّة} أي: التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر وغيره من المعجزات الباهرات. وقيل: معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى: {أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} (القصص، 48) . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ المرّة الأولى دار الدنيا أي: لوردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم كما قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا
لما نهوا عنه} (الأنعام، 28) {ونذرهم} أي: نتركهم {في طغيانهم} أي: ضلالهم {يعمهون} أي: يتردّدون متحيرين لا نهديهم هداية المتقين. {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى} كما اقترحوا {وحشرنا} أي: جمعنا {عليهم كل شيء قبلاً} قرأ نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء أي: معاينة فشهدوا بصدقك، والباقون بضم القاف والباء جمع قبيل أي: فوجاً فوجاً {ما كانوا ليؤمنوا} لما سبق في علم الله، وقوله تعالى: {إلا أن يشاء الله} استثناء منقطع أي: لكن إن شاء الله إيمانهم فيؤمنون أو استثناءً من أعمّ الأحوال أي: لا يؤمنون في حال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم {ولكن أكثرهم يجهلون} أي: إنهم لو أتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم لأنّ بعضهم معاند مع أنّ مطلق الجهل يعمهم فيشمل المعاند أو لكنّ أكثر المسلمون يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعاً في إيمانهم. {وكذلك} أي: ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجنّ {جعلنا لكل نبيّ} أي: ممن كان قبلك {عدواً} ويبدل منه {شياطين} أي: مردة {الإنس والجنّ} وفي هذا دليل على أنّ عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله تعالى وخلقه {يوحي} أي: يوسوس {بعضهم} أي: الشياطين من النوعين {إلى بعض زخرف القول} أي: مموهه من الباطل {غروراً} أي: لأجل أن يغروهم بذلك {ولو شاء ربك} إيمانهم {ما فعلوه} أي: هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها وفي هذا دليل أيضاً {فذرهم} أي: اترك الكفرة على أيّ حالة اتفقت {وما يفترون} من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال، وقوله تعالى: {ولتصغى} عطف على غروراً إن جعل علة أي: ولتميل ميلاً قوياً {إليه} أي: الزخرف الباطل {أفئدة} أي: قلوب {الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: ليس في طبعهم الإيمان بها لأنها غيب واهم لبلادتهم واقفون مع وهمهم ولذلك استولت عليهم الدنيا التي هي من أصل الغرور أو متعلق بمحذوف أي: وليكون ذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً، والمعتزلة لما اضطروا فيه قالوا: اللام لام العاقبة وهو قول الزمخشريّ في كشافه إنّ اللام للصيرورة {وليرضوه} أي: الزخرف الباطل لأنفسهم {وليقترفوا} أي: يكتسبوا {ما هم مقترفون} من الآثام فيعاقبوا عليها ونزل لما قال مشركوا قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود وإن شئت من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك. {أفغير الله} أي: قل لهم يا محمد أفغير الله {أبتغي} أي: أطلب {حكماً} أي: قاضياً بيني وبينكم {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} أي: الأكمل المعجز وهو هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء {مفصلاً} أي: مبيناً فيه الحق من الباطل {والذين آتيناهم الكتاب} أي: المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} لما عندهم به من البشارة في كتبهم ولما له من موافقتهم في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور مع ما يزيد به على ما في كتبهم من التفصيل بما يفهم المعارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية وإنما وصف جميعهم بالعلم لأنّ أكثرهم يعلمون ومن لم يعلم فهو متمكن بأدنى تأمل. وقيل: المراد مؤمنوا أهل الكتاب كعبد
الله بن سلام وأصحابه. وقرأ ابن عامر وحفص بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي {فلا تكونن} يا محمد {من الممترين} أي: الشاكين في أنّ علماء أهل الكتاب يعلمون أنّ هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله، وقيل: فلا تكونن في شك مما قصصنا فيكون من باب التحريض فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط، وقيل: الخطاب وإن كان في الظاهر للنبيّ صلى الله عليه وسلم إلا أنّ المراد به غيره أي: فلا تكونن أيها الإنسان السامع لهذا القرآن في شك إنه منزل من عند الله لما فيه من الإعجاز الذي لا يقدر على مثله إلا الله تبارك وتعالى: {وتمت كلمات ربك} أي: بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بغير ألف بين الميم والتاء، والباقون بالألف {صدقاً} في الأخبار والمواعيد لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها خدشاً بتخلف مّا عن مطابقة الواقع {وعدلاً} أي: في الأقضية والأحكام ونصبهما على التمييز ويحتمل الحال والمفعول له {لا مبدل لكلماته} بنقض أو خلف بل كل ما أخبرت به فهو كائن لا محالة رضي من رضي وسخط من سخط، وقيل: المراد بالكلمات القرآن لا مبدل له لا يزيد فيه المغيرون ولا ينقصون {وهو السميع} لكل ما يقال {العليم} بكل ما يفعل. {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} أي: دينه وأكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، وقيل: الأرض مكة وذلك أنّ المشركين جادلوا النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة فقالوا للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فكيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فنزلت، وقيل: لا تطعهم في اعتقاداتهم الفاسدة فإنك إن تطعهم يضلوك عن سبيل الله أي: يضلوك عن طريق الحق ومنهج الصدق ثم علل ذلك بقوله: {إن} أي: لأنهم ما {يتبعون} في مجادلتهم لك {إلا الظنّ} وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق {وإن} أي: ما {هم إلا يخرصون} أي: يكذبون على الله عز وجل فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه وتحليل الميتة وتحريم البحائر ونحو ذلك.F {إنّ ربك هو} أي: لا غيره {أعلم} أي: عالم {من يضل عن سبيله وهو} أي: لا غيره {أعلم} أي: عالم {بالمهتدين} فيجازي كلاً منهم بما يستحقه. وقوله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرّمون الحلال ويحللون الحرام والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله تعالى على ذبحه ولا تأكلوا مما ذكر عليه اسم غيره تعالى أو مات حتف أنفه {إن كنتم بآياته مؤمنين} أي: إن كنتم محققين الإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه فإنّ الإيمان يقتضي استباحة ما أحله الله تعالى واجتناب ما حرمه. {وما لكم} أي: أيّ غرض لكم في {أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} من الذبائح {وقد فصل} أي: بين {لكم ما حرّم عليكم} أي: مما لم يحرم في آية حرمت عليكم الميتة تفصيلاً واضح البيان ظاهر البرهان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الفاء وكسر الصاد والباقون بفتحهما، وقرأ نافع وحفص بفتح الحاء والراء والباقون بضم الحاء وكسر الراء {إلا ما اضطررتم إليه} أي: مما حرم عليكم فإنه أيضاً حلال حال الضرورة {وإنّ كثيراً} من الذين يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم: كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم {ليضلون بأهوائهم} أي: بما تهوى أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها، وقرأ
عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون بفتحها {بغير علم} يعتمدونه في ذلك، وقيل: المراد بذلك عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أوّل من بحر البحائر وسيب السوائب وأباح الميتة وغير دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي: الذين تجاوزوا الحق إلى الباطل والحرام إلى الحلال. {وذروا} أي: اتركوا {ظاهر الإثم وباطنه} أي: ما أعلنتم به وما أسررتم به من الذنوب كلها، وقيل: المراد بظاهر الإثم أفعال الجوارح وبباطنه أفعال القلوب فيدخل فيه الحسد والكبر والعجب وإرادة الشرّ للمسلمين ونحو ذلك، وقيل: ظاهر الإثم الزناة في الحوانيت وباطنه المرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سراً {إنّ الذين يكسبون الإثم} في الدنيا بارتكاب المعاصي {سيجزون} في الآخرة {بما كانوا يقترفون} أي: يكسبون وظاهر هذا النص يدل على عقاب المذنب ومذهب أهل السنة إنه إذا لم يتب فهو في خطر المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه بفضله أمّا إذا تاب من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال ابن عباس: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء: الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام، واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليها فذهب قوم إلى تحريمها سواء أتركت التسمية عمداً أم نسياناً وهو قول ابن سيرين والشعبيّ واحتجوا بظاهر الآية وذهب قوم إلى حلها مطلقاً، ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الشافعي وأحمد وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامداً لم تحل أو ناسياً حلت وهو مذهب مالك، ومن قال بالإباحة مطلقاً قال المراد من الآية الميتات وما ذبح على غير اسم الله بدليل قوله تعالى: {وإنه لفسق} أي: ما ذكر عليه اسم غير الله كما قال تعالى في آخر السورة: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} إلى قوله: {أو فسقاً أهل لغير الله به} (الأنعام، 145) والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل الذي دل عليه لا تأكلوا واحتجوا أيضاً في إباحتها بما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قالوا: يا رسول الله إنّ هنا أقواماً حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فلا ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا» فلو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح {وإنّ الشياطين ليوحون} أي: يوسوسون {إلى أوليائهم} من الكفار {ليجادلوكم} في تحليل الميتة بقولهم: تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله وهذا يؤيد التأويل بالميتة {وإن أطعتموهم} أي: باستحلال ما حرم {إنكم لمشركون} أي: مثلهم في الشرك، قال الزجاج: فيه دليل على أنّ كل من أحل شيئاً مما حرّم الله أو حرّم شيئاً مما أحلّ الله فهو مشرك. {أو من كان ميتاً} أي: بالكفر {فأحييناه} أي: بالإيمان وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جعل الإيمان حياة لأنّ الحي صاحب بصر يهتدي به إلى رشده، ولما كان الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم والحياة الأبدية شبه بالحياة، وقرأ نافع بتشديد الياء والباقون بالتخفيف {وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} أي: يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان، وقال قتادة: هو كتاب الله القرآن بينة من الله مع المؤمن بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي {كمن مثله} أي: كمن هو
{في الظلمات} فمثل زائدة {ليس بخارج منها} وهو الكافر أي: ليس مثله. نزلت هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأبي جهل بن هشام وذلك إنّ أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يقول: يا أبا يعلى ما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسفه آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، وقيل: في عمر بن الخطاب أو عمار بن ياسر وأبي جهل. {كذلك} أي: كما زين للمؤمنين إيمانهم {زين للكافرين ما كانوا يعملون} أي: من الكفر والمعاصي، قال أهل السنة: المزين هو الله تعالى ويدل عليه قوله تعالى: زينا لهم أعمالهم وقالت المعتزلة: المزين هو الشيطان وردّ بالآية المذكورة. {وكذلك} أي: كما جعلنا فساق أهل مكة أكابرها {جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} أي: عظماءها، وأكابر جمع أكبر كأفضل وأفاضل وأسود وأساود وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم كما قال في قصة نوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (الشعراء، 111) وجعل فساقهم أكابرهم {ليمكروا فيها} بالصدّ عن الإيمان وذلك أنهم أجلسوا على طرق مكة أربع نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يقولون لكل من يقدم: إياكم وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب فكان هذا مكرهم {وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأنّ وباله يحيق بهم {وما يشعرون} أي: وما لهم نوع شعور بذلك. {وإذا جاءتهم} أي: أهل مكة {آية} على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم {قالوا لن نؤمن} به {حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: من النبوّة وذلك أنّ الوليد بن المغيرة قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً فنزلت، وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل حين قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبيّ يوحى إليه، والله لا نرضى إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. وقوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} استئناف للردّ عليهم بأن النبوّة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها وحيث مفعول به لفعل محذوف دل عليه أعلم لأنّ أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به أي: يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلاً لها، وقرأ ابن كثير وحفص بنصب التاء ورفع الهاء ولا ألف قبل التاء على التوحيد، والباقون بكسر التاء والهاء وألف قبل التاء على الجمع {سيصيب الذين أجرموا} بقولهم ذلك {صغار} أي: ذل وهوان {عند الله} يوم القيامة، وقيل: تقديره من عند الله {وعذاب} أي: مع الصغار {شديد} أي: في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالنار {بما} أي: بسبب ما {كانوا يمكرون} من صدّهم الناس عن الإيمان وطلبهم ما لا يستحقونه. بأن يقذف في قلبه نوراً فينفسح له ويقبله. ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال: «نور يقذفه الله في قلب المؤمن ينشرح له قلبه وينفسخ» قيل: فهو لذلك أمارة، قال: «نعم الإنابة إلى
دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقي الموت» {ومن يرد} أي: الله {أن يضله يجعل صدره ضيقاً} أي: عن قبول الإيمان حتى لا يدخله، وقرأ ابن كثير بسكون الياء، والباقون بتشديدها مع الكسر، وقوله تعالى: {حرجاً} قرأه نافع وأبو بكر بكسر الراء أي: شديد الضيق، والباقون بالفتح وصفاً للمصدر، وفي الآية دليل على أنّ جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر {كأنما يصعد في السماء} أي: يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء شبه مبالغته في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، وقرأ ابن كثير بسكون الصاد وتخفيف العين من غير ألف بعد الصاد، وقرأ شعبة بتشديد الصاد وتخفيف العين وألف بعد الصاد بمعنى يتصاعد {كذلك} أي: مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان {يجعل الله الرجس} أي: العذاب أو الشيطان أي: يسلطه {على الذين لا يؤمنون} وقال الزجاج: الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب. {وهذا} أي: الدين الذي أنت عليه يا محمد {صراط} أي: طريق {ربك مستقيماً} لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكدة للجملة والعامل فيها معنى الإشارة {قد فصلنا} أي: بينا {الآيات لقوم يذكرون} فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي: يتعظون فيعلمون أن القادر على كل شيء هو الله عز وجل وأن كل ما يحدث من خير أو شرّ فهو بقضائه وقدره وخلقه وإنه تعالى عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون. {لهم} أي: المتذكرين {دار السلام} هي الجنة وأضافها لنفسه في قول جميع المفسرين فإنّ السلام كما قال الحسن هو الله تعالى تشريفاً لهم أو {تحيتهم فيها سلام} (يونس، 10) أو أراد بها دار السلامة {عند ربهم} أي: ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره {وهو وليهم} أي: المتكفل بتولي أمورهم ولا يكلهم إلى أحد سواه {ما} أي: بسبب ما {كانوا يعملون} من الأعمال الصالحة التي كانوا يتقرّبون بها إليه في الدنيا. {و} اذكر يا محمد {يوم نحشرهم} أي: الخلق {جميعاً} أي: لا نترك منهم أحداً، وقرأ حفص بالياء والباقون بالنون، وقوله تعالى: {يا معشر الجنّ} فيه حذف تقديره ويقال لهم: يا معشر الجنّ، والمعشر الجماعة والمراد من الجنّ الشياطين {قد استكثرتم من الإنس} أي: من إضلالهم وإغوائهم حتى صار أكثرهم أتباعكم {وقال أولياؤهم} أي: الذين أطاعوهم {من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} أي: انتفع الإنس بتزيين الجنّ لهم الشهوات والجنّ بطاعة الإنس لهم {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي: إنّ ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت محدود ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة قال الحسن: الأجل الموت، وقيل: هو وقت البعث للحساب في القيامة {قال} الله تعالى على لسان الملائكة لهؤلاء الذين استمتع بعضهم ببعض من الجنّ والإنس {النار مثواكم} أي: مأواكم {خالدين فيها} أي: إلى ما لا آخر له فإنّ الجزاء من جنس العمل {إلا ما شاء الله} أي: من الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير. فقد روي أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم، وقيل: إلا ما شاء الله قبل الدخول قدر مدّة بعثهم ووقوفهم للحساب وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق في علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، قال البغوي: فما بمعنى من
على هذا التأويل {إنّ ربك حكيم} في صنعه {عليم} بعواقب أمور خلقه وما هم صائرون إليه. {وكذلك} أي: كما متعنا عصاة الإنس والجنّ بعضهم ببعض {نولى} من الولاية {بعض الظالمين بعضاً} أي: على بعض. روي عن ابن عباس في تفسيرها: هو أنّ الله تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شراً ولى أمرهم شرارهم {بما} أي: بسبب ما {كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. {يا معشر الجنّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم} أي: من مجموعكم وهم الإنس إذ الرسل منهم خاصة ولكن لما جمع الجنّ مع الإنس في الخطاب صح ذلك ونظيره قوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن، 22) فإنّ ذلك يخرج من الملح دون العذب أو إن رسل الجنّ نذرهم الذين يسمعون كلام الرسول فيبلغون قومهم كما قال تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجنّ} (الأحقاف، 29) الآية وتعلق بظاهر الآية قوم فقالوا: بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم {يقصون عليكم آياتي} أي: يخبرون بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} أي: ويحذرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم القيامة {قالوا شهدنا على أنفسنا} أي: اعترفوا بأنّ الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا وإنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى: {وغرّتهم الحياة الدنيا} أي: إنما كان ذلك بسبب أنهم غرّتهم الحياة الدنيا ومالوا إليها {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} أي: في الدنيا. فإن قيل: كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا في آية أخرى وهي قولهم: {وا ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام، 23) أجيب: بتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول فيقرون في بعضها ويجحدون في بعض آخر. فإن قيل: لم كرّر شهادتهم على أنفسهم؟ أجيب: بأن الأولى حكاية لقولهم: كيف يقولون وكيف يعترفون؟ والثانية ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة إمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيراً للسامعين عن مثل حالهم. {ذلك} أي: إرسال الرسل {أنّ} أي: لأجل أن {لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} أي: بسبب ظلم ارتكبوه {وأهلها غافلون} أي: لم يتنبهوا برسول يبين لهم. {س6ش132/ش137 وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا?? وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ? إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن? بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍءَاخَرِينَ * إِنَّ مَا تُوعَدُونَ ?تٍ? وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ * قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا? عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ? فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ? عَاقِبَةُ الدَّارِ? إِنَّهُ? يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَجَعَلُوا? لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَا?نْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا? هَاذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَاذَا لِشُرَكَآ?ـ?ِنَا? فَمَا كَانَ لِشُرَكَآ?ـ?ِهِمْ فَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ? وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآ?ـ?ِهِمْ? سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَكَذَالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا? عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ? وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ? فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} {ولكل} أي: من العاملين بطاعة أو معصية {درجات} أي: جزاء {مما عملوا} أي: من خير وشر إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانخفاض كتفاضل الدرج {وما ربك بغافل عما يعملون} أي: عن شيء يعمله أحد من الفريقين بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل من ثواب أو عقاب، وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة، والباقون بالياء على الغيبة. {وربك الغني} أي: الغنى المطلق عن كل عابد وعبادته فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها {ذو الرحمة} أي: التجاوز عن خلقه فمن رحمته إرسال الرسل وتأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون ويرجعون {إن يشأ يذهبكم} يا أهل مكة بالإهلاك ففيه وعيد وتهديد لهم {ويستخلف من بعدكم} أي: بعد إهلاككم {ما يشاء} أي: خلقاً غيركم أمثل وأطوع منكم {كما أنشأكم من ذرية} أي: نسل {قوم
آخرين} أذهبهم لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام ولكنه أبقاكم رحمة بكم. {إنما توعدون} من مجيء الساعة والبعث بعد الموت والحشر للحساب يوم القيامة {لآت} لا محالة {وما أنتم بمعجزين} أي: فائتين عذابنا. {قل} يا محمد لقومك من كفار قريش {يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي: حالتكم التي أنتم عليها {إني عامل} على حالتي التي أنا عليها والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد {فسوف تعلمون} غداً في القيامة {من} موصولة مفعول العلم {تكون له عاقبة الدار} أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم أنتم {إنه لا يفلح} أي: يسعد {الظالمون} أي: الكافرون. {وجعلوا} أي: كفار مكة {مما ذرأ} أي: خلق {من الحرث} أي: الزرع {والأنعام نصيباً فقالوا هذا بزعمهم وهذا لشركائنا} وذلك أنّ المشركين كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً وللأوثان نصيباً فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها فإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردّوه إلى الأوثان وقالوا: إنها محتاجة وكان إذا هلك وانتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به وإذا هلك شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله فذلك قوله تعالى: {فما كان لشركائهم} أي: ما جعلوه لها من الحرث والأنعام {فلا يصل إلى الله} أي: لجهته فلا يعطونه للمساكين ولا ينفقونه على الضيفان {وما كان فهو يصل إلى شركائهم} وفي قوله تعالى: {مما ذرأ} تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا مع الخالق تعالى في خلقه جماداً لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له. وفي قوله تعالى: {بزعمهم} تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله تعالى به، وقرأ الكسائي برفع الزاي والباقون بالنصب {ساء} أي: بئس {ما يحكمون} حكمهم هذا. {وكذلك} أي: ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم} أي: بالوأد خشية الإملاق {شركاؤهم} من الجن أو من السدنة أي: الخدمة، وقرأ غير ابن عامر بفتح الزاي والياء ونصب لام قتل وكسر دال أولادهم وشركاؤهم بالواو مضمومة الهمزة على أنه فاعل، وقرأ ابن عامر بضم الزاي وكسر الياء ورفع لام قتل ونصب دال أولادهم وشركائهم بالياء مكسورة الهمزة بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله قال البيضاوي تبعاً للزمخشري: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورة الشعر. اه. وقد أنكر جماعة على الزمخشري في ذلك بأن القراءة المذكورة صحيحة متواترة وتركيبها صحيح في العربية فلا يجوز الطعن فيها ولا في ناقلها. قال التفتازاني: وهذا على عادته يطعن في متواتر القراآت السبع ويسند الخطأ تارة إليهم كما هنا وتارة إلى الرواية عنهم وكلاهما خطأ لأنّ القراآت متواترة، وكذا الروايات عنهم، وأطال في بيان ذلك وقال ابن مالك في كافيته: إضافة المصدر إلى الفاعل مفصولاً بينهما بمفعول المصدر جائزة في الاختيار إذ لا محذور فيها مع أنّ الفاعل كجزء من عامله فلا يضر فصله وإضافة القتل إلى الشركاء لأمرهم {ليردوهم} أي: ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به، والإرداء في اللغة الإهلاك، وقال ابن عباس: ليردوهم،
في النار {وليلبسوا} أي: وليخلطوا {عليهم دينهم} قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكان على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم هذه الأصنام وزينوها لهم {ولو شاء الله} عصمة هؤلاء من ذلك القبيح الذي زين لهم {ما فعلوه} فجميع الأشياء بمشيئته وإرادته {فذرهم} أي: اتركهم يا محمد {وما يفترون} أي: وما يختلقون من الكذب على الله فإن الله لهم بالمرصاد، وفي ذلك تهديد لهم كما مرّ. أي: المشركون سفهاً وجهلاً {هذه} إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم {أنعام وحرث حجر} أي: حرام محجور عليه لا يصل أحد إليه وهو وصف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات {لا يطعمها} أي: لا يأكل منها {إلا من نشاء} أي: من خدمة الأوثان والرجال دون النساء {بزعمهم} أي: لا حجة لهم فيه {وأنعام حرمت ظهورها} أي: فلا يركبونها كالبحائر والسوائب والحوامي {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} أي: عند ذبحها وإنما كانوا يذكرون عليها اسم الأصنام، وقيل: لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل خير لأنّ العادة لما جرت بذكر الله على الخير ذم هؤلاء على ترك فعل الخير ونسبوا ما فعلوه إلى الله تعالى {افتراء عليه} أي: اختلافاً وكذباً إنه أمرهم بها {سيجزيهم} أي: بوعد صادق لا خلف فيه {بما} أي: بسبب ما {كانوا يفترون} .u {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} أي: أجنة البحائر والسوائب وقوله تعالى: {خالصة} حلال {لذكرونا} أي: خاصة بهم دون الإناث كما قال تعالى: {ومحرم على أزواجنا} أي: النساء، وحذف الهاء من محرم إما حملاً على اللفظ أو تخفيفاً لأنّ المراد بخالصة المبالغة {وإن يكن} أي: ما في بطونها {ميتة فهم فيه شركاء} أي: الذكور والإناث فيه سواء أي: أنّ ما ولد منها حياً فهو للذكور دون الإناث وما ولد منها ميتاً أكله الذكور والإناث جميعاً، وقرأ ابن عامر وشعبة بالتأنيث في تكن والباقون بالتذكير، وقرأ ابن كثير وابن عامر ميتة بالرفع على أنّ تكن تامة والباقون بالنصب على أنها ناقصة {سيجزيهم} الله {وصفهم} أي: سيكافئهم على وصفهم بالكذب على الله تعالى بالتحليل والتحريم {إنه} أي: الله {حكيم} في صنعه {عليم} بخلقه. {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً} أي: جهلاً {بغير علم} نزلت في ربيعة ومضر وبعض من العرب من غيرهم كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك وسبب حصول هذه السفاهة هو قلة العلم بل عدمه بأنّ الله هو رازق أولادهم لا هم لأنّ الجهل كان غالباً عليهم قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا سموا جاهلية، وسبب هذا الخسران أنّ الولد نعمة عظيمة أنعم الله تعالى بها على الوالد فإذا تسبب في إزالة هذه النعمة وإبطالها فقد استوجب الذم وخسر في الدنيا والآخرة، أما خسارته في الدنيا فقد سعى في نقص عدده وإزالة ما أنعم الله تعالى به عليه وأما خسارته في الآخرة فقد استوجب بذلك العذاب العظيم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف {وحرموا ما رزقهم الله} وتفضل به عليهم رحمة لهم من تلك الأنعام والغلات بغير شرع ولا نفع بوجه {افتراء} أي: تعمداً للكذب {على الله} وهذا أيضاً من أعظم الجهالة لأنّ الجراءة على الله والكذب عليه من أعظم الذنوب والكبائر ولهذا قال تعالى: {قد ضلوا} أي: في فعلهم عن
الحق والرشاد {وما كانوا مهتدين} أي: إلى طريق الحق والصواب في فعلهم. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً} إلى قوله: {وما كانوا مهتدين} . وروي عن مهدي بن ميمون أنه قال: سمعت بأرجاء العطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر وإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة فلا ندع رمحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه في رجب. {وهو الذي أنشأ} أي: خلق {جنات} أي: بساتين {معروشات} أي: مبسوطات على الأرض كالبطيخ والقثاء {وغير معروشات} بأن ارتفعت على ساق كالنخل وشجر الرمان، وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأنّ منه ما يعرش بأن يبقى على وجه الأرض منبسطاً ومنه ما لم يعرش بأن يرتفع على ساق، وقيل: المعروشات ما عرشه الناس في البساتين، واهتموا به فعرشوه من كرم وغيره، وغير المعروشات هو ما أنبته الله تعالى في البراري والجبال من كرم أو شجر {و} أنشأ {النخل والزرع مختلفاً أكله} أي: ثمره وحبه في الهيئة والطعم منها الحلو والحامض والجيد والرديء، والضمير للزرع والباقي مقيس عليه، أو للنخل والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفاً عليه، أو للجميع على تقدير كل ذلك أو كل واحد منها، ومختلفاً حال مقدرة لأنه لم يكن كذلك عند الإنشاء، وقرأ نافع وابن كثير بجزم الكاف، والباقون بالرفع {والزيتون والرمان متشابهاً} أي: ورقهما {وغير متشابه} أي: في طعمهما، وقيل: متشابهين في المنظر مختلفين في الطعم. ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية على أنواع الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو الانتفاع بها فقال تعالى: {كلوا من ثمره} أي: كل واحد من ذلك {إذا أثمر} أي: ولو قبل نضجه وهذا أمر إباحة وأما قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} فالأمر فيه للوجوب والآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة والأمر بإتيانها يوم الحصاد ليهتم به حينئذٍ حتى لا يؤخره عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالتنقيه، وقيل: الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة فالحق ما كان يتصدق به على المساكين يوم الحصاد وكان ذلك واجباً حتى نسخه افتراض العشر ونصف العشر، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم من ثمره والباقون بنصبهما، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح حاء حصاده والباقون بكسرها ومعناهما واحد {ولا تسرفوا} أي: بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء. روي أنّ ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئاً فنزلت {إنه لا يحب المسرفين} أي: المتجاوزين ما حدّ لهم، وفي ذلك وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء، قال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن حق الله تعالى وقالوا: لو كان أبو قبيس ذهباً لرجل أنفقه في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً واحداً أو مداً في معصية كان مسرفاً وقوله تعالى: {ومن الأنعام} عطف على جنات أي: وأنشأ من الأنعام {حمولة} أي: صالحة للحمل عليها كالإبل الكبار والبغال {وفرشاً} أي: تصلح للحمل كالإبل الصغار والعجاجيل والغنم سميت فرشاً لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها، وقيل: هو ما ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش {كلوا مما رزقكم الله} أي:
مما أحله لكم من هذه الأنعام والحرث {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: طرائقه في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون {إنه} أي: الشيطان {لكم عدو مبين} أي: بين العداوة. وقوله تعالى: {ثمانية أزواج} أي: أصناف بدل من حمولة وفرشاً والزوج لغة الفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه فيطلق لفظ الزوج على الواحد كما يطلق على الاثنين فيقال للذكر: زوج، وللأنثى: زوج {من الضأن} زوجين {اثنين} أي: ذكر وأنثى والضأن ذوات الصوف من الغنم والذكر ضائن والأنثى ضائنة والجمع ضوائن {ومن المعز} زوجين {اثنين} أي: ذكر وأنثى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بفتح العين والباقون بالسكون والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه وهي ذوات الشعر من الغنم، وقال البغوي: جمع الماعز معيز وجمع الماعزة مواعز {قل} يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً أو مختلطة تارة ونسبوا ذلك لله تعالى {الذكرين} من الضأن والمعز {حرم} الله عليكم {أم الأنثيين} منهما {أما} أي: أم حرم ما {اشتملت} أي: انضمت {عليه أرحام الأنثيين} ذكراً كان أو أنثى {نبئوني} أي: أخبروني {بعلم} عن كيفية ذلك بأمر معلوم من جهة الله تعالى على تحريم ما حرمتم {إن كنتم صادقين} في دعواكم والاستفهام للإنكار والمعنى: من أين جاء التحريم فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام وإن كان من قبل الأنوثة فجميع الإناث حرام أو من قبل اشتمال الرحم فالزوجان حرام فمن أين التخصيص. تنبيه: اتفق القراء على أنّ في همزة الوصل وهي التي بين همزة الاستفهام ولام التعريف وجهين وهما البدل والتسهيل والبدل هو مدها مبدلة والتسهيل هو أن تقصرها مسهلة. {ومن الإبل اثنين} ذكراً أو أنثى {ومن البقر اثنين} كذلك {قل} يا محمد لهؤلاء الذين اختلفوا جهلاً وسفهاً {آلذكرين حرم} الله عليكم {أم الأنثيين} منهما {أما} أي: أم حرّم ما {اشتملت} أي: انضمت {عليه أرحام} الأنثيين ذكراً كان أو أنثى {أم كنتم} أي: بل أكنتم {شهداء} أي: حاضرين {إذ وصاكم الله بهذا} أي: حين وصاكم بهذا التحريم إذا أنتم لا تؤمنون بي فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا بالمشاهدة والسماع فكيف تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها إلى الله تعالى. ولما احتج عليهم بهذه الحجة وبيّن أنه لا سند لهم في ذلك قال تعالى: {فمن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى} أي: تعمد {على الله كذباً} كعمرو بن لحي فإنه أوّل من بحر البحائر وسيب السوائب وغير دين إبراهيم عليه السلام ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقته أو ابتدأ شيئاً لم يأمر الله به ولا رسوله ونسب ذلك إلى الله تعالى لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص فكل من أدخل في دين الله ما ليس منه فهو داخل في هذا الوعيد {ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي: لا يرشد ولا يوفق من كذب عليه وأضاف إليه ما لم يشرع لعباده. ولما بين سبحانه وتعالى فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من التحريم والتحليل من عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في ذلك وبين أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي سماوي وشرع نبوي فقال
تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء الجهلة الذين يحللون ويحرمون من عند أنفسهم {لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً} أي: طعاماً محرّماً مما حرمتموه. فائدة: في ما أوحي إليّ في مقطوعة من ما في الرسم {على طاعم} أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى {يطعمه} أي: يتناوله أكلاً أو شرباً أو داء أو غير ذلك {إلا أن يكون} أي: ذلك الطعام {ميتة} وهي كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة تكون بالتأنيث والباقون بالتذكير ورفع ميتة ابن عامر على أنّ كان هي التامة، وعلى هذه القراءة يكون قوله تعالى: {أو دماً مسفوحاً} عطفاً على أن مع ما في حيزه أي: إلا وجود ميتة أو دماً مسفوحاً أي: مصبوباً كالدم في العروق لا كالكبد والطحال {أو لحم خنزير فإنه} أي: الخنزير {رجس} أي: نجس فالضمير يعود على المضاف إليه لأنّ اللحم دخل في قوله {ميتة} وحينئذٍ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى ثم إني رأيت البقاعي في تفسيره جرى على ذلك وقوله تعالى: {أو فسقاً أهل لغير الله به} أي: ذبح على اسم غيره عطف على لحم خنزير وما بينهما اعتراض للتعليل. تنبيه: ظاهر الآية أنّ المحرمات محصورة في هذه الأربعة وأنه لا يحرم شيء من سائر المطعومات والحيوانات غيرها وهي الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح على اسم غير الله تعالى، ويروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهم لأنه ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرّمات إلا بوحي وثبت أنّ الله تعالى نص في هذه الآية على هذه الأربعة أشياء وقال تعالى في (البقرة، 173) {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} وإنما تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة للآية المكية في الحكم ولكن الذي ذهب إليه جمهور العلماء أنّ التحريم لا يختص بهذه فقط بل المحرّم ما كان بنص كتاب أو سنة، وقد وردت السنة بتحريم أشياء غير ذلك منها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطيور وورد النهي عن أكل الهر وأكل ثمنه ويحرم أيضاً كل ما أمر بقتله كالحدأة والغراب الأبقع أو نهي عن قتله كالهدهد والخفاش وما لا نص فيه بتحريم أو تحليل أو بما يدل على أحدهما كالأمر بالقتل والنهي عنه إن استطابته عرب ذوو يسار وطباع سليمة حال رفاهية حل وإن استخبثوه فلا يحل فإن اختلفوا في استطابته اتبع الأكثر فإن استووا فقريش لأنهم قطب العرب وفيهم الفتوّة فإن اختلفت أو لم تحكم بشيء اعتبر الأشبه به من الحيوانات فإن استوى الشبهان أو لم يوجد ما يشبهه فحلال لهذه الآية وما جهل اسمه عمل بتسمية العرب له مما هو حلال أو حرام. ولما حرّم الله تعالى هذه الأشياء أباح أكلها عند الاضطرار بقوله تعالى: {فمن اضطر} أي: حصل له جوع خشي منه التلف {غير باغ} أي: على مضطر مثله {ولا عاد} أي: ولا متجاوز قدر الضرورة، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي بضم النون في الوصل والباقون بالكسر {فإنّ ربك غفور} لا يؤاخذه بالأكل {رحيم} به حيث أباح له ذلك. {وعلى الذين هادوا} أي: اليهود واليهود علم على قوم موسى عليه الصلاة والسلام وسموا به اشتقاقاً من هادوا أي: مالوا إما عن عبادة العجل وإما عن دين موسى عليه السلام أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير لكثرة انتقالهم عن مذاهبهم وقيل: لأنهم يتهوّدون أي:
يتحرّكون عند قراءة التوراة وقيل: معرب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل: يهودي ثم حذف الياء في الجمع فقيل: يهود {حرّمنا} أي: بسبب ظلمهم عليهم {كل ذي ظفر} أي: ما هو كالإصبع للآدمي من دابة أو طير وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا حرّم عليهم فعم التحريم كل ذي ظفر بدليل قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم} (النساء، 160) {ومن البقر والغنم} أي: التي هي ذوات الأظلاف {حرّمنا عليهم شحومهما} أي: الصنفين والمراد شحم الجوف وهو الثروب قال الجوهري: هو شحم قد غشي الكرش والأمعاء رقيق ثم استثنى من الشحوم ما ذكره بقوله: {إلا ما حملت ظهورهما} أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما {أو الحوايا} أي: ما حملته الحوايا وهي الأمعاء التي هي متعاطفة ملوية جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة وسفائن، وقيل: جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء فهو فواعل {أو ما اختلط} أي: من الشحوم {بعظم} مثل شحم الإلية فإن ذلك لا يحرم عليهم. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: «لا هو حرام» أي: بيعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومهما أجملوه أي: أذابوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه» {ذلك} أي: التحريم العظيم وهو تحريم الطيبات {جزيناهم} به {ببغيهم} أي: بسبب مجاوزتهم الحدود {وإنا لصادقون} أي: في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم. {فإن كذبوك} أي: اليهود يا محمد فيما أخبرناك به عنهم {فقل} لهم {ربكم ذو رحمة واسعة} أي: بتأخير العذاب عنكم فلم يعاجلكم بالعقوبة في ذلك تلطفاً بدعائهم إلى الإيمان {ولا يرد بأسه} أي: عقابه {عن القوم المجرمين} إذا جاء وقته وقيل: ذو رحمة واسعة للمطيعين وذو بأس شديد للمجرمين. وقوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا} إخبار عن مستقبل وقوع مخبره يدل على إعجازه، ولما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} أرادوا أن يجعلوا قولهم: لو شاء الله ما أشركنا حجة لهم على إقامتهم على الشرك وقالوا: إن الله قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن فيه حتى لا نفعله فلولا أنه رضي ما نحن فيه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك فقال الله تعالى تكذيباً: لهم: {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي: من كفار الأمم الماضية {حتى ذاقوا بأسنا} أي: عذابنا ويستدل أهل القدر بهذه الآية يقولون: إنهم لما قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا} كذبهم الله ورد عليهم فقال: {كذلك كذب الذين من قبلهم} وأجاب أهل السنة بأن التكذيب ليس في قولهم لو شاء الله ما أشركنا بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله أمرنا بها ورضي ما نحن عليه كما أخبر تعالى عنهم في سورة الأعراف {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا وا أمرنا بها} (الأعراف، 28) فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: {قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء} (الأعراف، 28) والدليل على أنّ التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} قوله تعالى: {كذب الذين من قبلهم} بالتشديد ولو كان كذلك خبراً من الله عن كذبهم في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} لقال: كذب الذين من
قبلهم بالتخفيف وكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب، وقال الحسين بن الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيماً وإجلالاً لله تعالى ومعرفة منهم لما عابهم بذلك لأنّ الله تعالى قال: {ولو شاء الله ما أشركوا} (الأنعام، 107) وقال تعالى: {وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} (الأنعام، 111) والمؤمنون يقولون ذلك ولكنّ المشركين قالوا تكذيباً وتحريضاً وجدلاً من غير معرفة بالله وبما يقولون نظيره قوله تعالى: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} (الزخرف، 20) قال الله تعالى: {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} (الزخرف، 20) وقد علم من ذلك أن أمر الله تعالى بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته فإنّ مشيئته لا تكون عذراً لأحد. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين ما ذكر {هل عندكم} أيها الجهلة {من علم} أي: من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم من تحريم ما حرمتم وإنّ الله راض بشرككم {فتخرجوه لنا} أي: فتنظروه لنا وتبينوه لنا كما بينا لكم خطأكم {إن} أي: ما {تتبعون} في ذلك {إلا الظن} أي: فيما أنتم عليه ولا علم عندكم {وإن أنتم إلا تخرصون} أي: وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون وتقولون على الله تعالى الباطل. {قل} لهم حين عجزوا عن إظهار الحجة {فلله الحجة البالغة} أي: التامة على خلقه بإنزال الكتب وإرسال الرسل، قال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى الله وأشرك به على الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده {فلو شاء} الله هدايتكم {لهداكم أجمعين} ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء هداية بعض وضلال بعض آخر فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه لا يسئل عما يفعل. {قل} لهم {هلم} أي: أحضروا {شهداءكم الذين يشهدون} لكم {إنّ الله حرّم هذا} أي: ما تقدّم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أنّ الله أمرهم به، وهلم اسم فعل لا يتصرّف يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وعند بني تميم فعل مؤنث ويثنى ويجمع {فإن شهدوا} أي: فإن تجرؤوا على الشهادة كذباً {فلا تشهد معهم} أي: فاتركهم ولا تسلم لهم فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} إنما وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير وإن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقاً بها {و} لا تتبع أهواء {الذين لا يؤمنون بالآخرة} التي هي دار الجزاء فإنهم لو جوّزوها ما اجترؤوا على ذلك {وهم بربهم يعدلون} أي: يشركون فيجعلون له عديلاً. {قل} لهم {تعالوا} أي: أقبلوا علي {أتل} أي: أقرأ {ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً} وذلك أنهم سألوا وقالوا: أي الذي حرم الله؟ فأمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم ذلك. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: {حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به} والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟ أجيب: بأنّ موضع أن رفع أي: هو أن لا تشركوا، وقيل: نصب واختلفوا في وجهه فقيل: معناه حرّم عليكم أن تشركوا ولا صلة كقوله تعالى: {ما منعك أن لا تسجد} (الأعراف، 12) أي: ما منعك أن تسجد، وقيل: تم الكلام عند قوله: {حرّم ربكم} ثم قال: {عليكم أن لا تشركوا به شيئاً} على وجه الإغراء، وقال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولاً على المعنى أي: أتل عليكم تحريم الشرك وجائز أن يكون على معنى أوصيكم أن لا تشركوا {وبالوالدين إحساناً} أي: فأحسنوا بهم إحساناً، وضعه موضع النهي عن الإساءة إليهما للمبالغة وللدلالة
على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} أي: من أجل فقر تخافونه، والمراد بالقتل وأد البنات وهنّ أحياء وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن ذلك وحرمه عليهم وقوله تعالى: {نحن نرزقكم وإياهم} منع لموجبية ما كانوا يفعلونه لأجله واحتجاج عليهم لأنّ الله تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب على الوالد القيام بحق الولد وتربيته والاتكال في أمر الرزق على الله {ولا تقربوا الفواحش} أي: سائر المعاصي {ما ظهر منها وما بطن} أي: علانيتها وسرها، وقيل: المراد الزنا علانيته وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأساً في السر فحرم الله عز وجل الزنا في السر والعلانية، وأجاب الأوّل بأنّ السبب إذا كان خاصاً لا يمنع من حمل اللفظ على العموم ثم صرح بالقتل لشدة أمره بالتخصيص بعد التعميم فقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله} عليكم قتلها {إلا بالحق} وهي التي أبيح قتلها بردة أو قصاص أو زنا بعد إحصان وهو الذي يوجب الرجم أو نحو ذلك قال صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» وقوله تعالى: {ذلكم} إشارة إلى ما ذكر مفصلاً {وصاكم به} أي: أمركم به وأوجبه عليكم {لعلكم تعقلون} أي: تتدبرون ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع فإنّ كمال العقل هو التدبر.k {ولا تقربوا مال اليتيم} أي: بنوع من أنواع عمل فيه أو غيره {إلا بالتي} أي: بالخصلة التي {هي أحسن} بماله كحفظه وتنميته وتثميره ويستمرّ ذلك {حتى يبلغ أشدّه} وهو سن يبلغ به أو إن حصول عقله عادة وهو البلوغ بالسن أو الاحتلام أو عقل يحصل به رشده. وقيل: الأشدّ من الثماني عشر إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين، وقيل: إلى ستين {وأوفوا} أي: أتموا {الكيل والميزان بالقسط} أي: العدل من غير تفريط ولا إفراط {لا نكلف نفساً إلا وسعها} أي: طاقتها في إيفاء الكيل والميزان لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه ولا يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه حتى لا تضيق نفسه عليه بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه، وذكره عقب الأمر معناه: أنّ إيفاء الحق عسر فعليكم بما في وسعكم وما وراء الوسع معفوّ عنه {وإذا قلتم} أي: في حكم، أو شهادة، أو غير ذلك {فاعدلوا} فيه بالصدق {ولو كان} المقول له أو عليه {ذا قربى} أي: من ذوي قرابتكم {وبعهد الله أوفوا} أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع {ذلكم} أي: الذي ذكر في هذه الآيات {وصاكم} بالعمل {به لعلكم تذكرون} أي: تتعظون فتأخذون بما أمرتكم به، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد. {وإنّ هذا} الذي وصيتكم به {صراطي مستقيماً} والإشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوّة وبيان الشريعة، وقرأ ابن عامر بتخفيف النون والباقون بالتشديد، وكسر الهمزة حمزة والكسائي على الاستئناف وفتحها الباقون على تقدير اللام، وفتح الياء من صراطي ابن عامر وسكنها الباقون، وتقدّم مذهب قنبل في الصراط بالسين ومذهب خلف في إشمام الصاد {فاتبعوه} أي: بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير
{ولا تتبعوا السبل} أي: الطرق المخالفة لدين الإسلام {فتفرّق} فيه حذف إحدى التاءين أي: فتميل {بكم} أي: هذه الطرق المضلة {عن سبيله} أي: طريقه التي ارتضاها لعباده وبها أوصى {ذلكم} أي: الأمر العظيم من اتباعه {وصاكم به لعلكم تتقون} الضلال والتفرق عن الحق. روي «أنه صلى الله عليه وسلم خط خطاً» ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: {وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} » . {ثم آتينا موسى الكتاب} أي: التوراة. فإن قيل: ثم للترتيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن أجيب: بأنّ ثم لترتيب الإخبار أي: ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب فدخل ثم لترتيب الخبر لا لتأخير النزول، وقوله تعالى: {تماماً} حال أي: لم ينقص الكتاب عما يصلحهم شيئاً {على} الوجه {الذي أحسن} أي: أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بين من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك العام. روي أنّ الله تعالى لم يهلك قوماً هلاكاً عامّاً بعد نزول التوراة، وقيل: تماماً على المحسنين من قوم موسى فيكون الذي بمعنى من أي: على من أحسن من قومه وكان فيهم محسن ومسيء، وقيل: الذي أحسن هو موسى عليه السلام أي: إتماماً للنعمة عليه لإحسانه بالعبادة أو الذي بمعنى ما أي: ما أحسن، وقوله تعالى: {وتفصيلاً} عطف على تماماً أي: وبياناً {لكل شيء} أي: يحتاج إليه في الدين {وهدى} أي: فيه هدى من الضلالة {ورحمة} أي: إنزاله عليهم رحمة لهم {لعلهم} أي: بني إسرائيل {بلقاء ربهم} أي: بالبعث والجزاء {يؤمنون} أي: ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره حال من يرجو أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه وليذكروا ما أنعم به عليهم من إخراجهم من مصر من العبودية والرق. {وهذا} أي: القرآن {كتاب} أي: عظيم {أنزلناه} إليكم أي: بلسانكم حجة عليكم {مبارك} أي: كثير الخير والنفع والبركة {فاتبعوه} أي: اتبعوا ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام {واتقوا} الكفر {لعلكم ترحمون} أي: بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه، ثم بيّن تعالى المراد من إنزاله فقال: {أن} أي: كراهة أن {تقولوا إنما أنزل الكتاب} أي: التوراة والإنجيل {على طائفتين من قبلنا} أي: اليهود والنصارى {وإن كنا} أي: وقد كنا وإن هي المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة بينها وبين النافية في خبر كان أي: وإنه كنا {عن دراستهم} قراءتهم لكتابهم قراءة مردودة {لغافلين} أي: لا نعرف حقيقتها ولا ثبت عندنا حقيقتها ولا هي بلساننا. {أو تقولوا} أي: أيها العرب لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلاعلى المكتوب إليه فلم نتبعه و {لو أنا} أهلنا لما أهلوا له حتى {أنزل علينا الكتاب} أي: جنسه {لكنا أهدى منهم} أي: لما لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان للحق {فقد جاءكم بينة من ربكم} أي: القرآن فيه بيان وحجة واضحة تعرفونها على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك {وهدى} من الضلالة لمن تدبره {ورحمة} أي: وهو رحمة ونعمة أنعم بها عليكم فتأمّلوا فيه واعملوا به {فمن} أي: لا أحد {أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف} أي: أعرض {عنها} فضل وأضل {سنجزي الذين يصدفون
عن آياتنا} ولا يتوبون {سوء العذاب} أي: شدّته {بما كانوا يصدفون} أي: بسبب إعراضهم. {هل ينظرون} أي: ما ينظر هؤلاء المكذبون {إلا أن تأتيهم الملائكة} أي: لقبض أرواحهم أو بالعذاب، وقرأ حمزة والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث {أو يأتي ربك} أي: أمره بالعذاب {أو يأتي بعض آيات} أي: علامات {ربك} الدالة على الساعة كطلوع الشمس من مغربها، وعن حذيفة والبراء بن عازب: «كنا نتذاكر الساعة إذ طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: كنا نتذاكر الساعة، فقال: «إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن» {يوم يأتي بعض آيات ربك} وهو طلوع الشمس من مغربها كما في حديث الصحيحين {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} صفة نفساً {أو} نفساً لم تكن {كسبت في إيمانها خيراً} أي: طاعة لا ينفعها توبتها قال صلى الله عليه وسلم «يدا الله مبسوطتان لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها» وقال صلى الله عليه وسلم «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» وقال صلى الله عليه وسلم «إنّ الله جعل بالمغرب باباً مسيرة عرضه سبعون عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله» وقال صلى الله عليه وسلم «ثلاث إذا أخرجن فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها» . {قل انتظروا} بعض هذه الأشياء {إنا منتظرون} ذلك وحينئذٍ لنا الفوز عليكم ولكم الويل {إنّ الذين فرّقوا دينهم} أي: بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وافترقوا فيه قال صلى الله عليه وسلم «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة» رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه وفي بعض الروايات قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» وقرأ حمزة بتخفيف الراء وألف قبلها والباقون بتشديدها ولا ألف {وكانوا شيعاً} أي: فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة كأهل الكتاب فإنهم ابتدعوا في دينهم بدعاً أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضاً فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض وكالمجوس الذين فرّقوا دينهم باعتقاد أن إلا له إثنان النور والظلمة وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم قسماً يتوسل به في زعمهم إليه، وقيل: هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمّة. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «يا عائشة إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمّة» وعن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فأوصنا قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنّ من يعيش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة وكل
بدعة ضلالة» . وروي: «إنّ أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها» {لست منهم في شيء} أي: من السؤال عنهم فلا تتعرّض لهم {إنما أمرهم إلى الله} يتولى جزاءهم {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} فيجازيهم به وهذا منسوخ بآية السيف. {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} أي: عشر حسنات أمثالها فضلاً من الله تعالى {ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها} أي: جزاءها قضية للعدل {وهم لا يظلمون} أي: بنقص الثواب وزيادة العقاب، وما ذكر في أضعاف الحسنات هو أقل ما عد من الأضعاف فقد قال صلى الله عليه وسلم «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل» وقال صلى الله عليه وسلم «يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فله سيئة مثلها وأغفر ومن تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن لقيني بقراب أهل الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة» وقال صلى الله عليه وسلم «يقول الله تبارك وتعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف» وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأمّا الصدقات فإنها تضاعف سبعمائة ضعف. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون، وقوله تعالى: {ديناً} بدل من محل إلى صراط مستقيم، والمعنى: وهداني صراطاً كقوله تعالى: {ويهديكم صراطاً مستقيماً} (الفتح، 20) {قيماً} أي: مستقيماً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح القاف وكسر الياء مشدّدة والباقون بكسر القاف وفتح الباء مخففة على أنه مصدر نعت به وكان قياسه قوماً فاعل لإعلال فعله كالقيام، وقوله تعالى: {ملة إبراهيم} عطف بيان لديناً إذ الملة بالكسر لدين وإن فرق بينهما بأن الملة لا تضاف إلا إلى النبيّ الذي تستند إليه، والدين لا تختص إضافته بذلك، وقوله تعالى: {حنيفاً} حال من إبراهيم أي: مائلاً من الضلالة إلى الاستقامة والعرب تسمي كل مرجح أو اختتن حنيفاً تنبيهاً على أنه دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى: {وما كان} إبراهيم صلى الله عليه وسلم {من المشركين} ردّ على كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر الله تعالى أنّ إبراهيم لم يكن من المشركين. {قل} يا محمد {إنّ صلاتي ونسكي} أي: عبادتي من حج وغيره {ومحياي ومماتي} أي: وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطاعة أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير أو الحياة والممات أنفسهما، وقرأ نافع: ومحياي بسكون الياء بخلاف عن ورش إجراء للوصل مجرى الوقف والباقون بالفتح، وفتح الياء من مماتي نافع وسكنها الباقون {رب العالمين} . {لا شريك له} في ذلك {وبذلك} أي: وبهذا التوحيد {أمرت وأنا أوّل المسلمين} أي: من هذه الأمّة لأنّ إسلام كل نبيّ مقدّم على إسلام أمّته، وقرأ نافع بمد أنا قبل الهمزة المفتوحة وقالون بالمدّ والقصر لأنها عنده مدّ منفصل والباقون لا مدّ أصلاً. {قل}
سورة الأعراف
يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك {أغير الله أبغي} أي: أطلب {رباً} أي: إلهاً فأشركه في عبادتي وهذا جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم والهمزة للإنكار أي: منكر أن أبغي رباً غيره {وهو رب كل شيء} فكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره كما قال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} (الزمر، 64) {ولا تكسب كل نفس} ذنباً {إلا عليها} أي: إثم الجاني عليه لا على غيره وقوله تعالى: {ولا تزر} أي: ولا تحمل نفس {وازرة} أي: آثمة {وزر} نفس {أخرى} جواب عن قولهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم {ثم إلى ربكم مرجعكم} يوم القيامة {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} في الدنيا فيتبين الرشد من الغي والمحق من المبطل. {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} جمع خليفة لأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فخلفت أمّته سائر الأمم أو يخلف بعضهم بعضاً فيها أو هم خلفاء الله تعالى في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} أي: في الشرف والرزق {ليبلوكم} أي: ليختبركم {في ما آتاكم} أي: أعطاكم ليظهر المطيع منكم والعاصي. فائدة: في تكتب مقطوعة عن ما {إنّ ربك سريع العقاب} لمن عصاه لأنّ ما هو آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده {وإنه لغفور} للمؤمنين {رحيم} بهم وصف الله تعالى العقاب ولم يضفه إلى نفسه ووصف تعالى ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيهاً على إنه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها قليل العقوبة مسامح فيها فنسأل الله العظيم أن يسامحنا وأن يغفر زلاتنا ولا يؤاخذنا بسوء أفعالنا وأن يفعل ذلك بوالدينا وأقاربنا وأحبابنا وأصحابنا وجميع المسلمين ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. سورة الأعراف مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى {واسئلهم عن القرية} إلى قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل} محكمة كلها وقيل: إلا قوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين} وعدد آياتها مائتان وخمس آيات وكلماتها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة وحروفها أربعة عشر ألفاً وثلاثمائة وعشرة أحرف. {بسم الله} الواحد الذي لا يقدر أحد قدره {الرحمن} الذي عمّ بنعمة البيان من أوجب عليهم شكره {الرحيم} الذي خص أهل ودّه فاجتنبوا نهيه وامتثلوا أمره. {المص} سبق الكلام على معاني الحروف المقطعة في أوّل سورة البقرة وقوله تعالى: {كتاب} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أو هذا أو خبر المص والمراد بالكتاب السورة أو القرآن وقوله تعالى: {أنزل إليك} صفة والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم {فلا يكن في صدرك حرج} أي: ضيق {منه} أي: لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به مخافة أن تكذب لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم كان يضيق صدره من الأذى ولا ينبسط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم، وقيل: الحرج الشك والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وسمي الشك حرجاً لأنّ الشاك ضيق الصدر كما أنّ المتيقن منشرح الصدر وقوله تعالى: {لتنذر} متعلق بأنزل
أي: للإنذار به {وذكرى} أي: وتذكرة {للمؤمنين} به وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء، قال بعض المفسرين: وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم تقديره كتاب أنزلناه إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ويدل لهذا تعلق لتنذر بأنزل وقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} يعني القرآن والسنة لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} (النجم، الآيات: 2 ـ 3) ولقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر، 7) أي: قل لهم يا محمد اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وذروا ما أنتم عليه من الشرك {ولا تتبعوا من دونه} أي: ولا تتخذوا من دون الله أي: غيره {أولياء} تطيعونهم من شياطين الإنس والجن فيأمروكم بعبادة الأصنام واتباع البدع والأهواء الفاسدة {قليلاً ما تذكرون} أي: تتعظون، وقرأ ابن عامر بياء قبل التاء وتخفيف الذال، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال ولا ياء قبل التاء والباقون بتشديد الذال ولا ياء قبل التاء. {وكم من قرية أهلكناها} أي: أهلكنا أهلها، وقيل: لا يحتاج إلى تقدير مضاف لأنّ القرية تهلك كما يهلك أهلها وإنما يقدّر في فجاءها لأجل قوله تعالى: {أو هم قائلون} وكم خبرية مفعول أهلكنا وهي للتكثير والإهلاك على حقيقته أو يقدّر أردنا إهلاكها لقوله تعالى: {فجاءها} أي: أهلها {بأسنا} أي: عذابنا فإنّ مجيء البأس قبل الإهلاك فتقدر الإرادة، وقيل: الإهلاك الخذلان وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير {بياتاً} أي: وقت الاستكان في البيوت ليلاً كما جاء قوم لوط عليه السلام {أو هم قائلون} أي: نائمون وقت القائلة وهي نصف النهار أو مستريحون من غير نوم كما أهلكنا قوم شعيب عليه السلام أي: مرّة جاءها ليلاً ومرّة نهاراً وإنما خص هذين الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع، وفي هذا وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل: لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة فإنّ عذاب الله إذا نزل نزل دفعة واحدة. {فما كان دعواهم} أي: قولهم {إذ جاءهم بأسنا} أي: عذابنا {إلا أن قالوا} أي: إلا قولهم {إنا كنا ظالمين} أي: فيما كنا عليه حيث لم نتبع ما أنزل إلينا من ربنا وذلك حين لا ينفعهم الاعتراف. {فلنسئلنّ الذين أرسل إليهم} أي: المرسل إليهم وهم الأمم يسألهم الله تعالى عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل {ولنسئلن المرسلين} أي: عما أجيبوا به كما قال تعالى {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} (المائدة، 109) وقيل: نسأل المرسلين عن الإبلاغ والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم والمنفي في قوله تعالى: {ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} (القصص، 78) سؤال الاستعلام الأوّل في موقف الحساب، وهذا عند حصولهم على العقوبة. {فلنقصنّ عليهم} أي: الرسل والمرسل إليهم {بعلم} لنخبرنهم عن علم بما فعلوه باطناً وظاهراً وبما قالوه سراً وعلانية {وما كنا غائبين} عنهم فيخفى علينا شيء من أحوالهم وأقوالهم. {والوزن} أي: لصحائف الأعمال بميزان له لسان وكفتان ينظر إليها الخلائق إظهاراً للعدل وقطعاً للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها جوارحهم ويؤيده ما روي أنّ رجلاً يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مدّ البصر فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة والبطاقة رقعة صغيرة
تجعل في طيّ الثوب يكتب فيها ثمنه، وقيل: توزن الأعمال. روي عن ابن عباس: يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، وقيل: توزن الأشخاص لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة» وقوله تعالى: {يومئذٍ} أي: يوم السؤال المذكور وهو يوم القيامة خبر المبتدأ الذي هو الوزن، وقوله تعالى: {الحق} أي: العدل السوي صفته {فمن ثقلت موازينه} أي: رجحت على ما يعهد في الدنيا بصحائف الأعمال أو حسناته أو به على الأقوال الماضية، وعن الحسن: وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يرجح ويثقل وحق لميزان توضع فيه السيآت أن يخف. فإن قيل: الميزان واحد فما وجه الجمع؟ أجيب: بأنّ العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقيل: إنه ينصب لكل عبد ميزان، وقيل: إنما جمعه لأنّ الميزان يشتمل على الكفتين واللسان والساهون ولا يتم الوزن إلا بذلك كله، وقيل: جمع لاختلاف الموزونات وتعدد الجمع فهو جمع موزون أو ميزان {فأولئك هم المفلحون} الفائزون بالنجاة والثواب. {ومن خفت} أي: طاشت {موازينه} أي: السيآت أي: بسببها {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} أي: بتصييرها إلى النار {بما كانوا بآياتنا يظلمون} أي: يجحدون. {ولقد مكناكم} يا بني آدم {في الأرض} أي: في مسكنها وزرعها والتصرف فيها {وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة أي: أسباباً تعيشون بها أيام حياتكم من أنواع التجارات والصنائع والمآكل والمشارب وذلك بفضل الله تعالى وإنعامه على عبيده وكثرة الإنعام توجب الطاعة للمنعم بها والشكر له عليها ثم بيّن تعالى أنه مع هذا الإفضال على عبيده وإنعامه عليهم لا يقومون بشكرها كما ينبغي فقال تعالى: {قليلاً ما تشكرون} أي: على ما صنعت إليكم وأنعمت به عليكم وفيه دليل على أنهم قد يشكرون لأنّ الإنسان قد يذكر نعمة الله فيشكره عليها فلا يخلو في بعض الأوقات من الشكر على النعم وحقيقة الشكر تصور النعمة وإظهارها ويضادّه الكفر وهو نسيان النعمة وسترها. {ولقد خلقناكم} أي: أباكم آدم {ثم صوّرناكم} أي: أباكم آدم والمراد يعني: خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صوّرناه فنزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويرهم، وقيل: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صوّرناكم في أرحام النساء {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} . فإن قيل: ثم للترتيب والتراخي وهي ظاهرة على القول الأوّل فما وجهه على الثاني؟ أجيب: بأنها تكون بمعنى الواو أي: وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تحية بالانحناء {فسجدوا} أي: الملائكة كلهم لآدم {إلا إبليس} أبا الجن كان بين الملائكة {لم يكن من الساجدين} أي: ممن سجد. {قال} الله تعالى لإبليس {ما منعك أن لا تسجد} أي: أن تسجد {إذ أمرتك} فلا زائدة للتأكيد كما في قوله تعالى: {لا أقسم} (البلد، 1) أي: أقسم، وقوله تعالى: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} (الأنبياء، 95) أي: يرجعون نعم إن حمل ما منعك على ما حملك لم تكن زائدة {قال} إبليس مجيباً له تعالى: {أنا خير منه} . فإن قيل: كيف يكون قوله: {أنا خير منه} جواباً لما منعك وإنما الجواب أن يقول منعني كذا؟ أجيب: بأنه جواب من حيث المعنى استأنف به استبعاداً لأن يكون مثله مأموراً بالسجود
لمثله كأنه قال المانع: إني خير منه ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول فكيف يحسن أن يؤمر به فهو الذي سنّ التكبر وقال: بالحسن والقبح العقليين أوّلاً وعلل الخيرية بقوله تعالى: {خلقتني من نار} فهي أغلب أجزائي وهي مشرقة مضيئة عالية غالبة {وخلقته من طين} أي: هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب فكل منهما مركب من العناصر الأربعة فالإضافة إلى ما ذكر باعتبار الجزء الغالب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أوّل من قاس إبليس فأخطأ فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله تعالى مع إبليس، قال ابن سيرين: ما عبدت الشمس إلا بالقياس وإنما أخطأ إبليس لأنه رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (ص، 75) أي: بغير واسطة وباعتبار الصورة كما نبه عليه تعالى بقوله: {ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (الحجر، 29) وباعتبار الغاية وهي ملاكه ولذلك أمر الملائكة بالسجود لما تبين لهم أنه أعلم منهم وإنّ له خواص ليست لغيره، وقال محمد بن جرير: ظن الخبيث أنّ النار خير من الطين ولم يعلم أنّ المفضل ما جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين عن النار بوجوه منها: أنّ من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثته الاجتباء والمنزلة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدّة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثته اللعنة والشقاوة ولأنّ الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرّقها ولأنّ التراب سبب الحياة لأنّ حياة الأشجار والنبات لا تكون إلا مع الطين والنار سبب الهلاك. فإن قيل: لم سأله الله تعالى عن المانع من السجود وهو عالم بما منعه؟ أجيب: بأنه للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه أصل آدم عليه الصلاة والسلام. {قال} الله تعالى لإبليس {فاهبط منها} أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض، والهبوط الإنزال والانحدار من فوق على سبيل القهقري والهوان والاستخفاف {فما يكون} أي: فما يصح {لك أن تتكبر فيها} عن أمري لأنّ الجنة أو السماء مكان الخاشع المطيع لأمر الله تعالى وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة والسماء وأنه تعالى إنما طرد إبليس لتكبره لا لمجرّد المعصية قال صلى الله عليه وسلم كما رواه البيهقيّ: «من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله» وعن عمر رضي الله عنه: من تواضع رفع الله حكمته، ومن تكبر وعلا طوره هضمه الله إلى الأرض {فأخرج} منها {إنك من الصاغرين} أي: الكفرة الأذلاء المهانين والصغار الذل والمهانة، قال الزجاج: استكبر عدوّ الله إبليس فابتلاه الله تعالى بالصغار والذلة، وقيل: كان له ملك الأرض فأخرجه الله منها إلى جزائر البحر الأخضر وعرشه عليه فلا يدخل الأرض إلا خائفاً كهيئة السارق مثل شيخ عليه إطمار رثة يروغ فيها حتى يخرج منها. {قال} إبليس عند ذلك {أنظرني} أي: أخرني ولا تمتني ولا تعجل عقوبتي {إلى يوم يبعثون} أي: الناس وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، وهذا من جهالة إبليس الخبيث لأنه سأل ربه الإمهال وقد علم إنه لا سبيل لأحد من الخلق إلى البقاء في الدنيا ولكنه كره أن يذوق الموت فطلب البقاء والخلود
فلم يجب إلى ما سأل بل أجابه الله تعالى بقوله: {قال إنك من المنظرين} لا إلى ذلك الوقت بل إلى الوقت المعلوم كما بينه تعالى في سورة الحجر بقوله تعالى: {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} (الحجر، 37 ـ 38) وذلك هو النفخة الأولى التي يموت فيها الخلق. فإن قيل: لم أجيب إلى الإنظار وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم؟ أجيب: بأنه أجابه لما في ذلك من ابتلاء العباد وفي مخالفته من عظيم الثواب وحكمة ما خلق الله تعالى من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده. {قال} أي: إبليس {فبما أغويتني} أي: فبإغوائك لي والباء للقسم أي: أقسم بإغوائك وجوابه {لأقعدنّ لهم} أي: لبني آدم {صراطك المسقيم} أي: على الطريق الموصل إليك وإنما أقسم بالإغواء لأنه كان تكليفاً والتكليف من أحسن أفعال الله تعالى لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً لأن يقسم به ويجوز أن تتعلق الباء بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ أي: فبسبب إغوائك أقسم. {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} أي: من جميع الجهات الأربع ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة ربه، وقيل: لم يقل من تحتهم لأنّ الإتيان منه يوحش، وعنه إنه قال: من بين أيديهم من قبل الآخرة فيخبرهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من قبل الدنيا فيزينها، لهم وعن أيمانهم أي: من قبل حسناتهم أي: فيبطؤهم، عنها، وعن شمائلهم من قبل سيآتهم أي: فيزين لهم المعاصي يدعوهم إليها. وإنما عدى الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإنّ الآتي منهما كالمنحرف عنهم المارّ على عروضهم ونظيره قوله: جلست عن يمينه وعن شقيق ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربع مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي أمّا من بين يدي فيقول: لا تخف إنّ الله غفور رحيم فأقرأ {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} (طه، 82) ، وأمّا من خلفي فيخوفني الضيعة على من خلفي فأقرأ: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} (هود، 6) ، وأمّا من قبل يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ: {والعاقبة للمتقين} (القصص، 83) ، وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} (سبأ، 54) {ولا تجد أكثرهم شاكرين} أي: مطيعين. فإن قيل: كيف علم الخبيث ذلك؟ أجيب: بأنه إنما قال ذلك ظناً لقوله تعالى: {ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه} (سبأ، 20) لما رأى فيهم مبدأ الشرّ متعدّداً وهو الشيطان والنفس والهوى ومبدأ الخير واحداً وهو الملك الملهم، وقيل: سمع ذلك من الملائكة. {قال} الله تعالى لإبليس حين طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه بسبب عصيانه ومخالفته {أخرج منها} أي: الجنة أو السماء كما مرّ فإنه لا ينبغي أن تسكن فيها {مذؤماً} أي: محقوراً ممقوتاً {مدحوراً} أي: مبعداً مطروداً عن الرحمة وقوله تعالى: {لمن تبعك منهم} أي: من الناس اللام فيه موطئة للقسم وجوابه {لأملأنّ جهنم منكم أجمعين} وهو سادّ مسدّ جواب الشرط وهو من تبعك أي: لأملأن جهنم منك بذريّتك ومن الناس وفيه تغليب الحاضر على الغائب. {ويا آدم} أي: وقلنا يا آدم {اسكن} فهذه القصة معطوفة على قوله تعالى: {قلنا للملائكة}
وقوله تعالى: {أنت} تأكيد للضمير في اسكن ليعطف عليه {وزوجك} أي: حواء بالمدّ وذلك بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه وطرده من الجنة {الجنة فكلا من حيث شئتما} من ثمار الجنة أي: من أيّ مكان شئتما. فإن قيل: قال تعالى في سورة البقرة: {وكلا} (البقرة، 35) بالواو وهنا بالفاء فما الفرق؟ أجاب الفخر الرازي: بأن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ولا منافاة بين النوع والجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر النوع {ولا تقربا هذه الشجرة} أي: بالأكل منها مشيراً إلى شجرة بعينها أو نوعها وهي الحنطة، وقيل: شجرة الكرم، وقيل: غيرهما {فتكونا من الظالمين} أي: بالأكل منها أي: فتصيرا بذلك من الذين ظلموا أنفسهم، وتكونا يحتمل الجزم عطفاً على تقربا والنصب على جواب النهي. {فوسوس لهما الشيطان} أي: إبليس بما مكنه الله تعالى منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقي له في سره ما يميل به قلبه إلى ما يريد وهو أحقر وأذلّ من أن يكون له فعل وإنما الكل بيد الله سبحانه وتعالى وهو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم فإن {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} (الأعراف، 178) ثم بين علة الوسوسة بقوله تعالى: {ليبدي} أي: ليظهر {لهما ما ووري} أي: ستر وغطى {عنهما من سوآتهما} أي: عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوجة من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت منه صلى الله عليه وسلم ولا رأى مني» أي: الفرج. {وقال} أي: إبليس لآدم وحواء {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة} أي: عن الأكل منها {إلا أنّ} أي: كراهة أن {تكونا ملكين} أي: في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم {أو تكونا من الخالدين} أي: الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلاً كما في آية أخرى، {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} (طه، 12) {وقاسمهما} أي: أقسم لهما بالله على ذلك وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة، وقيل: أقسما له بالقبول، وقيل: أقسما عليه بالله إنه لهما لمن الناصحين فأقسم لهما {أني لكما لمن الناصحين} فجعل ذلك مقاسمة وقال قتادة: حلف لهما بالله حين خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله تعالى فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم فاتبعاني أرشدكما وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف وإن الأغلب أنّ كل حلاف كاذب وأنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه ولا يظنّ ذلك إلا وهو معتاد للكذب، وقال بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه وكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له وإبليس لعنه الله تعالى أوّل من حلف بالله تعالى كاذباً فلما حلف ظن آدم أنّ أحداً لا يحلف بالله تعالى كاذباً فاغتر به. {فدلاهما بغرور} أي: خدعهما، يقال: ما زال يدلي لفلان بالغرور يعني ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف القول الباطل وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش {فلما ذاقا الشجرة} أي: أكلا من ثمرها وفي ذلك دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصداً إلى
معرفة طعمه إذ الذوق يدل على الأكل اليسير. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل ازدرادهما أخذتهما العقوبة والعقوبة هي قوله تعالى: {بدت} أي: ظهرت {لهما سوآتهما} أي: عوراتهما وتجافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من سوأة صاحبه بأن رأى قبل نفسه وقبل صاحبه ودبره وكانا لا يريان ذلك وسمى كل منهما سوأة لأنّ انكشافه يسوء صاحبه، قال وهب: كان لباسهما من النور يحول بينهما وبين النظر، وقال قتادة: كان ظفراً ألبسهما الله من الظفر لباساً فلما وقعا في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا {وطفقا} أي: أقبلا وجعلا {يخصفان} أي: يلزقان {عليهما من ورق الجنة} أي: من ورق التين قال البغوي: حتى صار كهيئة الثوب، قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما. روي عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان آدم رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته وكان لا يراها فانطلق هارباً في الجنة فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره فقال لها: أرسليني، فقالت: لست بمرسلتك، فناداه الله عز وجل: يا آدم أمني تفرّ، فقال: لا يا رب ولكني استحييتك» {وناداهما} أي: خاطبهما {ربهما} بقوله: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} أي: عن الأكل من ثمرها {وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدو مبين} أي: بين العداوة لكما وقد بان لكما عداوته بترك السجود تعنتاً وحسداً، وفي ذلك عتاب على مخالفة النهي وتوبيخ على الاغترار بقول العدوّ ودليل على أنّ مطلق النهي للتحريم، قال محمد بن قيس: لما أكل آدم من الشجرة ناداه ربه يا آدم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، وقال لحواء: لم أطعمت آدم؟ قالت: أمرتني الحية، وقال للحية: لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، قال الله تعالى: أمّا أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة فتدمين في كل شهر، وأمّا أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك وسيشدخ رأسك من لقيك، وأمّا أنت يا إبليس فملعون مدحور. وفي رواية لابن عباس: إنه قال لحواء: فإني أعطيتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً. {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} أي: ضررناها بمخالفة أمرك وطاعة عدوّنا وعدوك فإن لم تتب علينا نستمر عاصين {وإن لم تغفر لنا} أي: فهو ما عملنا عيناً وأثراً {وترحمنا} أي: فتعلي درجاتنا {لنكونن من الخاسرين} في الأرض فأعربت الآية أنهما فزعا إلى الإنصاف وبالاعتراف بذنبهما وإن كان إنما هو خلاف الأولى لأنه بطريق النسيان كما في سورة طه قال قتادة: قال آدم أرأيت إن تبت إليك واستغفرتك؟ قال: أدخلك الجنة، وأمّا إبليس فلم يسأل التوبة وسأل النظرة فأعطى كل واحد منهما ما سأله، وقال الضحاك في قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه تعالى: وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية، ورد بأن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله تعالى في أعلى الدرجات ولكن يؤاخذون بما لم يؤاخذ به غيرهم وإنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت منهم على سبيل التأويل فهم بسبب ذلك خائفون وجلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاصي بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا إنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص كمعاصي غيرهم فكان ما صدر منهم مع طهارتهم ونزاهتهم
وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي والذكر القدسي وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح والخشية لله تعالى ذنوب بالنسبة إلى أحوالهم فقالا ذلك على عادة المقرّبين في استعظام الصغير من السيئات وتحقير العظيم من الحسنات وقد تقدّم الكلام على ذلك في سورة البقرة ومن جملة ذلك أن آدم إنما أكل من الشجرة قبل النبوّة. {قال} الله تعالى {اهبطوا} أي: آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذرّيتكما ويدل لذلك قوله تعالى في سورة طه: {اهبطا} (طه، 123) بضمير التثنية {بعضكم} أي: بعض الذرّية {لبعض عدوّ} أي: من ظلم بعضهم بعضاً، وقيل: يعود الضمير لآدم وحواء وإبليس، وقيل: لآدم وحواء وإبليس والحية، وعلى هذين فالعداوة ثابتة بين آدم وإبليس والحية وذرية كل واحد من آدم وإبليس {ولكم في الأرض} أي: جنسها {مستقر} أي: موضع استقرار {و} لكم فيها {متاع} أي: تمتع {إلى حين} أي: انقضاء آجالكم، وقيل: إلى انقطاع الدنيا، وعن ثابت البناني رحمه الله تعالى لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني منك فلما توفي غسلته الملائكة بسرنديب بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم من بعده. {قال} الله تعالى {فيها} أي: الأرض {تحيون} أي: تعيشون أيام حياتكم {وفيها تموتون} أي: وفيها وفاتكم وموضع قبوركم {ومنها تخرجون} أي: يوم القيامة تخرجون للحشر والجزاء، وقرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي بفتح التاء وضم الراء والباقون بضم التاء وفتح الراء. {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة من مطر ونحوه ونظيره قوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام} (الزمر، 6) وقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد} (الحديد، 25) وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى السماء {يواري} أي: يستر {سوأتكم} أي: عوراتكم. روي أنّ العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله تعالى فيها وكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء يطوفون بالليل عراة قال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: *اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله* فنزلت، قال البيضاوي: ولعله سبحانه ذكر قصة آدم تقدمة لذلك حتى نعلم أنّ انكشاف العورة أوّل سوء أصاب الإنسان من الشيطان وإنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم {وريشاً} أي: ولباساً تتجملون به والريش للطائر معروف وهو لباسه وزينته كالثياب للإنسان فاستعير للإنسان لأنه لباسه وزينته والمعنى: وأنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأنّ الزينة غرض صحيح. كما قال تعالى: {لتركبوها وزينة} (النحل، 8) وقال تعالى: {ولكم فيها جمال} (النحل، 6) وقال صلى الله عليه وسلم «إنّ الله جميل يحب الجمال» وقال ابن عباس: وريشاً أي: مالاً، يقال: تريش الرجل تموّل، ولما ذكر سبحانه وتعالى اللباس الحسي وقسمه إلى ساتر ومزين أتبعه اللباس المعنوي فقال: {ولباس التقوى} قال ابن عباس: هو العمل الصالح ثم زاد الله تعالى في تعظيم المعنوي بقوله: {ذلك خير} أي: ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب لكونه أهم اللباسين لأنّ نزعه يكشف العورة الحسية
والمعنوية فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوآت ولو كان متقياً وليس عليه إلا خريقة ثوب تواري عورته كان في غاية الجمال والكمال وأنشدوا في المعنى: u *إذا أنت لم تلبس ثياباً من التقى ... عريت وإن وارى القميص قميص* وقال قتادة: لباس التقوى هو الإيمان، وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: هو السمت الحسن، وقال ابن الزبير: هو خشية الله تعالى والعمل الصالح يشمل هذه الأمور كلها، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب السين عطفاً على لباساً والباقون بالرفع على الابتداء والخبر ذلك خير {ذلك} أي: إنزال اللباس {من آيات الله} الدالة على فضله ورحمته {لعلهم يذكرون} فيعرفون نعمة الله فيتعظون ويتورعون عن القبائح وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة إظهاراً وإشعاراً بأنّ الستر باب عظيم من أبواب التقوى. {يا بني آدم} أي: الذي خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي ثم أسكنته جنتي وأنزلته منها إلى دار محنتي {لا يفتننكم} أي: يضلنكم {الشيطان} أي: البعيد المحترق بالذنوب أي: لا تتبعوه فتفتتنوا فيمنعكم بذلك من دخول الجنة ويدخلكم النار {كما أخرج أبويكم من الجنة} بفتنته بعد أن كانا سكناها وتمكنا فيها وتوطناها وقد علمتم أنّ الدفع أسهل من الرفع وقوله تعالى: {ينزع عنهما لباسهما} حال من أبويكم أو من فاعل أخرج وإنما أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأنّ نزع لباسهما بسبب وسوسة الشيطان وغروره فأسند إليه واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقال ابن عباس وقتادة: كان لباسهما الظفر فلما أصابا المصيبة نزع عنهما وبقيت الأظفار تذكرة وزينة ومنافع، وقال وهب بن منبه: كان نوراً يحول بينهما وبين النظر وتقدّم بعض ذلك، وقال مجاهد: كان لباسهما التقوى، وقيل: كان لباسهما من ثياب الجنة قال بعض المفسرين: وهذا أقرب لأنّ إطلاق اللباس يطلق عليه وإنّ النزع لا يكون إلا بعد اللبس، اه. وتقدّم الكلام على قوله: {ليريهما سوآتهما إنه} أي: الشيطان {يراكم هو وقبيله} أي: جنوده وقال ابن عباس: قبيله ولده، وقال أبو زيد: نسله وإنما أعاد الكناية في قوله: هو ليحسن العطف والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضها بعضاً {من حيث لا ترونهم} أي: للطافة أجسامهم أو عدم ألوانهم، وعن ابن عباس أنه قال: إنّ الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وجعل صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى كما قال تعالى: {الذي يوسوس في صدور الناس} (الناس، 5) فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم، وعن مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربعة نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى، وعن ابن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله تعالى ومنع الرؤية إذا كانوا على خلقتهم الأصلية وإلا فقد يرون وأعند تشكلهم بصورة حيوان أو طير أو غير ذلك فإنّ للجنّ قوّة التشكل وهذا أمر شائع ذائع، وقد رؤي إبليس على صورة شيخ وتمثل لكثير من العباد على صورة حية بل قال شيخنا القاضي زكريا: والحق جواز رؤيتهم حتى من تلك الجهة
كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة وتكون الآية مخصوصة بها فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض {إنا جعلنا الشياطين أولياء} أي: أعواناً وقرناء {للذين لا يؤمنون} لما بينهم من التناسب في الطباع. {وإذا فعلوا فاحشة} كالشرك وطوافهم بالبيت عراة فنهوا عنه {قالوا} معللين لارتكابهم إياها بأمرين: أحدهما قولهم: {وجدنا عليها} أي: الفاحشة {آباءنا} فاقتدينا بهم والثاني قولهم: {وا أمرنا بها} افتراء عليه سبحانه وتعالى فأعرض الله تعالى عن الأوّل لظهور فساده ورد عن الثاني بقوله: {قل} لهم يا محمد {إنّ الله لا يأمر بالفحشاء} لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال {أتقولون على الله ما لا تعلمون} أنه قاله فإنكم لم تسمعوا كلام الله من غير واسطة ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله وبين عباده وهو استفهام إنكاري يتضمن النهي عن الافتراء على الله، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية في الوصل والباقون بالتحقيق. {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يقولون ذلك {أمر ربي بالقسط} أي: بالعدل وهو الوسط من كلام المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط وقال ابن عباس: بلا إله إلا الله {وأقيموا} أي: وقل لهم أقيموا {وجوهكم} لله {عند كل مسجد} أي: أخلصوا له سجودكم. فإن قيل: أمر ربي خبر وأقيموا وجوهكم أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز. أجيب: بأنّ فيه إضماراً وحذفاً تقديره: قل أمر ربي بالقسط، وقل: أقيموا كما تقدّم تقديره فحذف قل لدلالة الكلام عليه، وقيل: معنى الآية وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقيل: معناه صلوا في أي مسجد حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم {وادعوه} أي: اعبدوه {مخلصين له الدين} أي: الطاعة ولا تشركوا به شيئاً فإنّ إليه مصيركم و {كما بدأكم} أي: كما أنشأكم ابتداء {تعودون} أي: يعيدكم أحياء يوم القيامة حالة كونكم فريقين. {فريقاً هدى} أي: خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية {وفريقاً حق} أي: ثبت ووجب {عليهم الضلالة} أي: بمقتضى القضاء السابق، وقيل: إنّ الله تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} (التغابن، 2) ثم يعيدكم يوم القيامة، كما خلقكم كافراً ومؤمناً وقيل: يبعثون على ما كانوا عليه. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» المؤمن على إيمانه والكافر على كفره. وقيل: من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار إليها وإن عمل عمل أهل السعادة كما أنّ إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ابتدأ الله خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل عمل أهل الشقاوة كما أنّ السحرة كانوا يعملون عمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم» وانتصاب فريقاً بفعل يفسره ما بعده أي: وخذل فريقاً وقوله تعالى: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} أي: دونه تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالهم {ويحسبون} أي: يظنون {أنهم} مع ضلالهم {مهتدون} أي: على هداية وحق وفيه دليل على أنّ
الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء. {يا بني آدم خذوا زينتكم} أي: ما يستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة {عند كل مسجد} أي: كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة، وعن طاووس رحمه الله: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما أحدهم كان يطوف عرياناً ويضع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب، وقيل: الزينة المشط، وقيل: الطيب. والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل فقيل لهم: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} بتحريم الحلال أو بالتعري في الطواف أو بإفراط الطعام أو الشره عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما أخطاك خصلتان سرف ومخيلة. وروي أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له: لقد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه، فقال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} (الأعراف، 31) فقال النصراني: ولا يؤثر عن نبيكم شيء في الطب؟ فقال: جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة، قال: وما هي؟ قال قوله: «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء فأعط كل بدن ما عوّدته» فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً» {إنه لا يحب المسرفين} أي: لا يرتضي فعلهم ففي الآية الوعيد الشديد على الإسراف. {قل} يا محمد لهؤلاء الجهلة من الذين يطوفون بالبيت عراة {من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} من الثياب كل ما يتجمل به فيدخل تحته أنواع الملبوس والحلي ولولا النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير للرجال لدخل في هذا العموم ولكن ورد النص في تحريمه على الرجال دون النساء {و} قل أيضاً لهؤلاء الجهلة الذين كانوا لا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم من حرّم {الطيبات من الرزق} التي أخرج لعباده وخلقها لهم فيدخل تحت ذلك كل ما يستلذ ويشتهى من سائر المطعومات إلا ما ورد نص بتحريمه وقد دلت الآية على أنّ الأصل في الملابس وأنواع التجملات والمطاعم الإباحة إلا ما ورد النص بخلافه لأنّ الاستفهام في من للإنكار {قل هي} أي: الزينة والطيبات {للذين آمنوا في الحياة الدنيا} أي: بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع ولذا لم يقل تعالى: للذين آمنوا وغيرهم {خالصة يوم القيامة} لا يشاركهم فيها غيرهم. وقرأ نافع برفع التاء على أنها خبر بعد خبر والباقون بالفتح على الحال {كذلك} أي: مثل هذا التفصيل البديع {نفصل الآيات} أي: نبين أحكامها ونميز بعض المشتبهات من بعض {لقوم يعلمون} أي: يتدبرون فإنهم المنتفعون بها. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يطوفون بالبيت عراة ويحرمون أكل الطيبات من الرزق وغير ذلك مما أحل الله تعالى {إنما حرم ربي الفواحش} أي: الكبائر والكبيرة ما توعد عليها بنحو لعن أو غضب بخصوصها في الكتاب أو السنة غالباً كالزنا جمع فاحشة {ما ظهر منها وما بطن} أي: جهرها وسرها، وقرأ حمزة بسكون الباء والباقون بفتحها
{و} حرم {الإثم} أي: الصغائر وهي ما عدا الكبائر كالنظر إلى بدن أجنبية {و} حرم {البغي} على الناس أي: الظلم أو الكبر وأفرده بالذكر مع أنه من الكبائر للمبالغة وقوله تعالى: {بغير الحق} متعلق بالبغي مؤكد له معنى {و} حرم {أن تشركوا با ما لم ينزل به} أي: بالإشراك {سلطاناً} أي: حجة وفي ذلك تهكم بالمشركين وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والباقون بالتشديد {و} حرم {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} في تحريم ما لم يحرم وغيره. {ولكل أمّة أجل} أي: وقت معلوم وفي ذلك وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم الماضية {فإذا جاء أجلهم} أي: حان وقتهم {لا يستأخرون ساعة} عنه {ولا يستقدمون} ساعة عليه وإنما ذكرت الساعة وإن كان دونها كذلك لأنها أقل اسم للأوقات في العرف وذلك حين سألوا نزول العذاب فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وورش وقنبل سهلاً الثانية وأبدلاها حرف مد والباقون بالتحقيق فيهما. {يا بني آدم إمّا} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {يأتينكم رسل منكم} أي: من نوعكم من عند ربكم {يقصون عليكم آياتي} أي: يقرؤن عليكم كتابي وأدلة أحكامي وشرائعي التي شرعت لعبادي وجواب الشرط قوله تعالى: {فمن اتقى} الشرك ومخالفة رسلي {وأصلح} عمله الذي أمرته به رسلي فعمل بطاعتي وتجنب معصيتي وما نهيت عنه {فلا خوف عليهم} حين يخاف غيرهم يوم القيامة من العذاب {ولا هم يحزنون} أي: يتجدّد لهم في وقت ما حزن على شيء فاتهم لأنّ الله يعطيهم ما تقر به أعينهم {والذين كذبوا بآياتنا} أي: جحدوها وكذبوا رسلنا {واستكبروا} أي: تكبروا {عنها} أي: عن الإيمان بها لأنّ كل مكذب وكافر متكبر قال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} (الصافات، 35) {أولئك} هؤلاء البعداء البغضاء {أصحاب النار هم فيها خالدون} أي: لا يخرجون منها أبداً وإدخال الفاء في خبر المبتدأ الأوّل دون خبر الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. {فمن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذباً} أي: بنسبة الشريك والولد إليه أو قال عليه ما لم يقله {أو كذب بآياته} أي: القرآن {أولئك ينالهم} أي: يصيبهم {نصيبهم} أي: حظهم {من الكتاب} أي: مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرزق والأجل وغير ذلك {حتى إذا جاءتهم} أي: هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب {رسلنا} أي: ملك الموت وأعوانه {يتوفونهم} بقبض أرواحهم عند استكمال أعمارهم وأرزاقهم وقوله تعالى: {قالوا} جواب إذا أي: قال الرسل لهم تبكيتاً وتوبيخاً وتقريعاً {أين ما كنتم تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} أي: غيره ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم، وقيل: إنّ هذا يكون في الآخرة أي: إذا جاءتهم ملائكة العذاب يتوفونهم أي: يستوفون عددهم عند حشرهم إلى النار {قالوا} أي: الكفار مجيبين للرسل {ضلوا} أي: غابوا {عنا} وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا {وشهدوا على أنفسهم} أي: بالغوا في الاعتراف عند الموت أو عند معاينة العذاب {أنهم كانوا كافرين} أي: جاحدين وحدانية الله تعالى. قال الله تعالى لهم يوم القيامة أو أحد من الملائكة {ادخلوا في أمم} أي: في جملة جماعات وفرق أمّ بعضها بعضاً {قد خلت} أي: مضت
وسلفت {من قبلكم من الجنّ والإنس} أي: كفار الأمم الماضية من الفريقين، وقوله تعالى: {في النار} متعلق بادخلوا {كلما دخلت أمّة} أي: جماعة النار {لعنت أختها} أي: التي ضلت بالاقتداء بها {حتى إذا ادّاركوا} أي: تلاحقوا واستقرّوا {فيها} أي: النار {جميعاً قالت أخراهم} أي: منزلة أو دخولاً وهم الأتباع {لأولاهم} أي: لأجلهم وهم المتبعون إذ الخطاب مع الله تعالى لا معهم {ربنا هؤلاء} أي: الأوّلون {أضلونا} أي: لأنهم أوّل من سنّ الضلال. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء في الوصل، والباقون بالتحقيق {فآتهم} أي: أذقهم بسبب ذلك {عذاباً ضعفاً} أي: يكون بقدر عذاب غيرهم مرّتين لأنهم ضلوا وأضلوا ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ومنه لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل، ثم أكدوا شدّة العذاب بقولهم: {من النار قال} الله تعالى: {لكل} أي: منكم ومنهم {ضعف} أي: عذاب مضعف أمّا القادة فبكفرهم وتضليلهم وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم لهم {ولكن لا تعلمون} أي: ما أعدّ الله تعالى لكل فريق من العذاب. وقرأ شعبة: يعلمون بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. {وقالت أولاهم} أي: في الكفر وهم القادة {لأخراهم} أي: الأتباع {فما كان لكم علينا من فضل} أي: لأنكم لم تكفروا بسببنا فقد جاءتكم الرسل والنذر فما رجعتم عن ضلالتكم وكفركم فنحن وأنتم سواء قال الله تعالى لهم: {فذوقوا العذاب بما} أي: بسبب ما {كنتم تكسبون} أي: من الكفر والأعمال الخبيثة. {إنّ الذين كذبوا بآياتنا} أي: بدلائل التوحيد فلم يصدّقوا ولم يتبعوا رسلي {واستكبروا عنها} أي: وتكبروا عن الإيمان بها والانقياد لها والعمل بمقتضاها {لا تفتح لهم أبواب السماء} لصعود أعمالهم ولا لدعائهم ولا لأرواحهم ولا لنزول البركات عليهم لأنها طهارة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين بخلاف المؤمن فيفتح له ويصعد بروحه إلى السماء السابعة كما ورد في حديث. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكون الفاء وتخفيف التاء بعدها إلا أنّ أبا عمرو يقرأ بالتاء على التأنيث وحمزة والكسائي بالياء على التذكير، وقرأ الباقون بالتأنيث وفتح الفاء وتشديد التاء بعدها {ولا يدخلون الجنة} أي: التي هي أطهر المنازل وأشرفها {حتى} يكون ما لا يكون بأن {يلج} أي: يدخل {الجمل} على كبره {في سم الخياط} أي: ثقب الإبرة وهو غير ممكن فكذا دخولهم الجنة فهو تعليق على محال، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أنّ طلب معنى آخر تكلف {وكذلك} أي: ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أنّ دخولهم الجنة محال عادة {نجزي المجرمين} أي: الكافرين لأنه تقدّم من صفتهم إنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها وهذه صفة الكفار فوجب حمل لفظ المجرمين على أنهم الكفار. ولما بين تعالى أنّ الكفار لا يدخلون الجنة أبداً بين أنهم من أهل النار ووصف ما أعدّ الله لهم فيها فقال تعالى: {لهم من جهنم مهاد} أي: فراش وأصل المهاد والمهد الذي يقعد عليه ويضطجع عليه كالبساط {ومن فوقهم غواش}
أي: أغطية من النار جمع غاشية والتنوين فيه عوض عن الياء التي هي حرف علة. وقيل: عن حركتها {وكذلك نجزي الظالمين} عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى إشعاراً بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيهاً على أنه أعظم الإجرام. وقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} مبتدأ وقوله تعالى: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} أي: طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} وإنما حسن وقوع ذلك بين المبتدأ والخبر لأنه من جنس هذا الكلام لأنّ الله تعالى لما ذكر عملهم الصالح دل ذلك على أنّ ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أنّ الجنة مع عظم قدرها ومحلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل كلفة ولا مشقة صعبة وأتبع الوعيد بالوعد على عادته فقال تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} أي: غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا فمن كان في قلبه على أخيه غل في الدنيا نزع فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف، وعن عليّ رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» وقال السديّ في هذه الآية: إنّ أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فنزع ما في صدورهم من غل وهو الشراب الطهور واغتسلوا من الآخر فجرت عليهم بنضرة النعيم فلا يشعثوا ولا يشحنوا بعدها أبداً، وقيل: إنّ درجات الجنة متفاوتة في العلوّ والكمال فبعض أهل الجنة أعلى من بعض فأخرج الله تعالى الغل والحسد من صدورهم وأزاله عنهم ونزعه من قلوبهم فلا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة العالية {تجري من تحتهم الأنهار} أي: من تحت قصورهم زيادة في لذتهم وسرورهم {وقالوا الحمد الذي هدانا لهذا} أي: إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا: الحمد لله الذي وفقنا وأرشدنا للعمل الذي هذا ثوابه وتفضل علينا به رحمة منه وإحساناً وصرف عنا عذاب جهنم بفضله وكرمه فله الحمد على ذلك {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} أي: لولا هداية الله وتوفيقه، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه قوله تعالى: {وما كنا لنهتدي} وتقديره: لولا هداية الله لنا موجودة لشقينا أو ما كنا مهتدين، وقرأ ابن عامر بحذف الواو قبل ما والباقون بالواو. وإذا دخل أهل النعيم الجنة ورأوا ما أعدّ الله تعالى لهم من النعيم قالوا: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} فاهتدينا بإرشادهم يقولون ذلك سروراً واعتباطاً بما نالوا وتلذذوا بالتكلم به وتبجحاً بأنّ ما علموه يقيناً في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال والباقون بالإدغام {ونودوا} إذا رأوها من بعيد أو بعد دخولها والمنادي هو الله تعالى أو الملائكة ينادون بأمر الله تعالى {أن تلكم الجنة} التي كانت الرسل وعدتكم بها في الدنيا. وروي أنّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ إنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً وإنّ لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإنّ لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً» فذلك قوله تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة} {أورثتموها} أي: أعطيتموها {بما كنتم تعملون} أي: بسبب أعمالكم الصالحة التي عملتموها لأنّ الجنة جعلت جزاء وثواباً لكم على الأعمال الصالحة ولا يعارض هذا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله إنما يدخلونها برحمة الله تعالى» فإنّ الباء في الحديث للعوض وهي الداخلة على الأثمان نحو شريت الفرس بألف فلا تكون الجنة مشتراة له بعمله فيكون عمله ثمناً لها أو إنّ دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال أو أنّ العمل الصالح لن يناله المؤمن ولن يبلغه إلا برحمة الله وتوفيقه وإذا كان العمل الصالح بسبب الرحمة كان دخول الجنة في الحقيقة برحمة الله وجعلها الله تعالى ثواباً وجزاء لهم على تلك الأعمال الصالحة التي عملوها في دار الدنيا. وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار أمّا الكافر فيرث المؤمن منزله من الجنة والمؤمن يرث الكافر منزله من النار» وأن في المواضع الخمسة التي فيها المناداة والتأذين هي المخففة أو المفسرة لأنّ المناداة والتأذين من القول، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام. {ونادى أصحاب} أي: أهل {الجنة أصحاب} أي: أهل {النار} أي: يقول أهل الجنة يا أهل النار {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا} أي: في الدنيا على لسان الرسل من الثواب على الإيمان به وبرسله وطاعته {حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم} أي: من العذاب على الكفر {حقاً قالوا} أي: قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة {نعم} وجدنا ذلك حقاً وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. فإن قيل: الجنة في السماء والنار في الأرض فكيف يصح أن يقع هذا النداء؟ أجيب: بأن الله قادر على أن يقوّي الأصوات والأسماع فيصير البعيد كالقريب. فإن قيل: هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟ أجيب: بأن ظاهر الآية العموم ويحتمل في كل واحد من أهل الجنة ينادي من كان يعرف من الكفار في دار الدنيا والله أعلم بحقيقة ذلك، وقرأ الكسائي بكسر العين والباقون بالفتح وهما لغتان {فأذن مؤذن} أي: وهو إسرافيل صاحب الصور كما قاله ابن عباس، وقيل: واحد من الملائكة وأصل الأذان في اللغة الإعلام والمعنى نادى مناد {بينهم} أي: الفريقين أسمعهم {أن لعنت الله على الظالمين} وقرأ البزيّ وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد أنّ ونصب التاء والباقون بتخفيف أن ورفع التاء ثم فسر الظالمين منهم بقوله تعالى: {الذين يصدّون عن سبيل الله} أي: يمنعون الناس عن الدخول في دين الإسلام {ويبغونها} أي: يطلبون السبيل {عوجاً} أي: معوجة، قال ابن عباس: يصلون لغير الله ويعظمون ما لم يعظمه الله، والعوج بكسر العين في الدين والأمر وكل ما لم يكن قائماً وبالفتح في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح {وهم بالآخرة كافرون} أي: بكون الآخرة واقعة جاحدون منكرون لها. {وبينهما} أي: أهل الجنة
وأهل النار {حجاب} لقوله تعالى: {فضرب بينهم بسور} (الحديد، 13) أو بين الجنة والنار ليمتنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى {وعلى الأعراف} وهو سور الجنة جمع عرف وهو المكان المرتفع ومنه عرف الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده، وقال السدي: هي ذلك السور أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس أي: أهل الجنة والنار {رجال} أي: طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيآتهم كما في الحديث: «فقصرت بهم سيآتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك حتى يقضي الله تعالى فيهم ما يشاء ثم يدخلون الجنة بفضل الله تعالى ورحمته وهم آخر من يدخل الجنة» ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} ثم قال: إن الميزان تخف بمثقال حبة أو ترجح قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم فهم آخر من يدخل الجنة، وقيل: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم، وقيل: هم أطفال المشركين {يعرفون} أي: أصحاب الأعراف {كلاً} من أهل الجنة والنار {بسيماهم} أي: بعلاماتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال {ونادوا} أي: ونادى أصحاب الأعراف {أصحاب الجنة أن سلام عليكم} إذا نظروا إليهم سلموا عليهم {لم يدخلوها} أي: أصحاب الأعراف الجنة {وهم يطمعون} في دخولها، قال الحسن: لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم. وروى الحاكم عن حذيفة قال: بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال: قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم، وقال مجاهد: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء وعلى هذا إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة وليرى غيرهم شرفهم وفضلهم. وحكى ابن الأنباري أنهم أنبياء وعلى هذا إنما أجلسهم على ذلك العالي تمييزاً لهم على أهل القيامة وإظهاراً لفضلهم وعلو مرتبتهم وليكونوا مشرفين على أهل الجنة والنار ومطلعين على أحوالهم ومقادير ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار، وقال أبو مخلد: هم ملائكة يرون في صورة الرجال، والأقوال الأول تدل على أنّ أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة الله، والأقوال الأخيرة تدل على أنهم أفضل من أهل الجنة لأنهم أعلى منهم منزلة وأفضل. {وإذا صرفت أبصارهم} أي: أصحاب الأعراف {تلقاء} أي: جهة {أصحاب النار} فنظروا لهم وإلى سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} أي: الكافرين في النار قال ابن عباس: إنّ أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أصحاب النار وما هم فيه تضرّعوا إلى الله تعالى وسألوه أن لا يجعلهم منهم. وقرأ قالون وأبو عمرو والبزي بإسقاط الهمزة الأولى وأبدلها ورش وقنبل حرف مدّ وسهلاها والباقون بالتحقيق. {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} أي: كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار {يعرفونهم بسيماهم}
أي: بسيما أهل النار {قالوا} أي: أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين عرفوهم في النار {ما أغنى عنكم جمعكم} أي: ما كنتم تجمعون من الأموال في الدنيا أو كثرتكم واجتماعكم فيها {وما كنتم تستكبرون} أي: وما أغنى عنكم تكبركم عن الإيمان شيئاً، قال الكلبيّ: ينادونهم على السور يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ثم ينظرون إلى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزؤون بهم مثل سلمان الفارسيّ وخبيب وصهيب وبلال وأشباههم فيقول أصحاب الأعراف لهؤلاء الكفار: {أهؤلاء} لفظ استفهام أي: أهؤلاء الضعفاء {الذين أقسمتم} أي: حلفتم بالله {لا ينالهم الله برحمة} أي: لا يدخلون الجنة، وقد قيل لهم: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} وقيل: أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا قال لهم أهل النار: إن دخل هؤلاء فأنتم لم تدخلوها فيعيرونهم بذلك ويقسمون أنهم لا يدخلون الجنة ولا ينالهم الله برحمة فتقول الملائكة الذين حبسوا أهل الأعراف: ادخلوا الجنة برحمة الله لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وهذا ظاهر على الأقوال الأول، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر تنوين رحمة في الوصل وابن ذكوان بوجهين الضم والكسر والباقون بالضم. {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء} أي: صبوه وهو دليل على أنّ الجنة فوق النار {أو مما رزقكم الله} أي: من سائر الأشربة ليلاً ثم الإفاضة لأنّ الإفاضة ملائمة للماء وسائر المائعات فحملت الإفاضة على إفاضة جميع المائعات أو من سائر المشروب والمأكول بتضمين أفيضوا ألقوا كقوله: *علفتها تبناً وماء بارداً ... حتى غدت همالة عيناها* أي: فائضة عيناها. {قالوا} أي: أهل الجنة مجيبين لهم {إنّ الله حرّمهما} أي: منعهما {على الكافرين} أي: منعهم طعام الجنة وشرابها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه ويحظر كقوله: *حرام على عينيّ أن تطعم الكرى* وقيل: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل والشرب وعذبهم الله في الآخرة بشدّة الجوع والعطش فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا من طلب الأكل والشرب فأجيبوا بأنّ الله تعالى حرّم طعام الجنة وشرابها على الكافرين ثم وصف الله تعالى الكافرين بقوله: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية، وقيل: كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم وهزؤوا به، واللهو هو صرف الهمّ بما لا يحسن أن يصرف له واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به {وغرّتهم الحياة الدنيا} أي: وخدعهم عاجل ما هم فيه من رغد العيش والدعة وشغلهم ما هم فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسوله ومن الأخذ بنصيبهم في الآخرة حتى أتتهم المنية وهم على ذلك والغرّة غفلة في اليقظة وهو طمع الإنسان في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال، وقيل: الجاه ونيل الشهوات فإذا حصل له ذلك صار محجوباً عن الدين وطلب الخلاص لأنه غريق في الدنيا بلذاته وما هو فيه من ذلك ولما وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الذميمة قال: {فاليوم} أي: يوم القيامة {ننساهم} أي: نتركهم في النار ونعرض
عنهم فلا نجيب دعاءهم ولا نرحم ضعفهم {كما نسوا لقاء يومهم هذا} أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا كفعل الناسين فلم يخطر ببالهم ولم يهتموا له وأعرضوا عن الإيمان فقابل الله تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز لأنّ الله تعالى لا ينسى شيئاً فهو كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) {وما كانوا بآياتنا يجحدون} أي: وما كانوا منكرين أنها من عند الله تعالى. {ولقد جئناهم} أي: هؤلاء الكفار {بكتاب} أي: قرآن أنزلناه عليك يا محمد {فصلناه} أي: بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة {على علم} أي: عالمين وجه تفصيله، وقوله تعالى: {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} أي: به حال من منصوب فصلناه كما أنّ على علم حال من مرفوعه. {هل ينظرون} أي: ما ينظرون {إلا تأويله} أي: إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد {يوم يأتي تأويله} أي: يوم القيامة لأنه يوم الجزاء {يقول الذين نسوه من قبل} أي: تركوه ترك الناسي {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أي: قد تبين لهم واعترفوا يوم القيامة بأنّ ما جاءت به الرسل من الإيمان والحشر والنشر والبعث والثواب والعقاب حق حين لا ينفعهم ذلك الاعتراف. ولما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} اليوم {أو نردّ} أي: أو هل نردّ إلى الدنيا وقولهم: {فنعمل غير الذي كنا نعمل} فيها فنبدل الكفر بالإيمان والتوحيد والمعاصي بالطاعة والإنابة جواب الاستفهام الثاني {قد خسروا أنفسهم} أي: إذ صاروا إلى الهلاك لأنهم كانوا في الدنيا أوّل مرّة فلم يعملوا بطاعة الله ولو ردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعصيان لسابق علم الله فيهم {وضل} أي: ذهب {عنهم ما كانوا يفترون} أي: من دعوى الشريك فلم ينفعهم. {إنّ ربكم} أي: سيدكم ومولاكم ومصلح أموركم وموصل الخيرات إليكم ودافع المكاره عنكم هو {الله الذي خلق السموات والأرض} أي: ابتدعهما وأنشأ خلقهما على غير مثال سبق {في ستة أيام} أي: من أيام الدنيا، وقيل: من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة. فإن قيل: اليوم من أيام الدنيا عبارة عن مقدار من الزمان وذلك المقدار من طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن إذ ذاك شمس ولا قمر ولا سماء. أجيب: بأنّ معنى ذلك في مقدار ستة أيام فهو كقوله تعالى: {لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} (مريم، 62) أي: على مقادير البكر والعشيّ في الدنيا لأن الجنة لا ليل فيها ولا نهار قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادراً على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة فخلقهنّ في ستة أيام تعليماً لخلقه التثبت والتأني في الأمور، وقد جاء في الحديث: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» . واختلف العلماء في اليوم الذي ابتدأ الله خلق الأشياء فيه فقيل: هو يوم السبت لخبر مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجرة يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق الله آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار وفيما بين العصر إلى الليل» ، وقيل: يوم الأحد لقول بعضهم سمي يوم الإثنين لأنه ثاني الأيام والخميس لأنه خامس الأيام قال الإسنوي: والصواب الأول للخبر المذكور {ثم استوى على
العرش} أي: استوى أمره وقال أهل السنة: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به ونكل فيه العلم إلى الله تعالى والمعنى أنّ له سبحانه وتعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزه عن الاستقرار والتمكن، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} (طه، 5) فأطرق رأسه ملياً وعلاه الرحضاء ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاً ثم أمر به فأخرج. وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة أمرّوها كما جاءت اقرؤها بلا كيف وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية والعرش في اللغة السرير، قال كعب: إنّ السموات في العرش كالقنديل معلقاً بين السماء والأرض، وقال الطائي: العرش ياقوتة حمراء، وشذ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك، وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوّز مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} (هود، 7) أتراه كان الملك على الماء وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر: *قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق* وقال آخر: *هما استويا بفضلهما جميعاً ... على عرش الملوك بغير زور* وهذا منكر عند أهل اللغة، قال ابن الأعرابيّ: لا يعرف استولى فلان على كذا إلا إذا كان بعيداً منه غير متمكن منه ثم تمكن منه والله تعالى لم يزل مستولياً على الأشياء، والبيتان قال ابن فارس اللغوي: لا يعرف قائلهما ولو صحا لا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستولياً نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة، وقيل: هو ما علا فأظل ومنه عرش الكرم {يغشي الليل النهار} أي: يغطيه ولم يذكر عكسه، إما للعلم به وإما لأنّ اللفظ يحتملهما بأن يكون المعنى بأنه يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين والباقون بسكون الغين وتخفيف الشين {يطلبه} أي: يطلب كل منهما الآخر طلباً {حثيثاً} أي: سريعاً فهو صفة مصدر محذوف ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل بمعنى حاثاً أو المفعول بمعنى المحثوث {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} أي: مذللات لما يراد منهنّ من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهنّ {بأمره} أي: بقضائه وتصريفه. وقرأ ابن عامر برفع الأربعة على الابتداء والخبر والباقون بالنصب عطفاً على السموات، ومسخرات منصوب بالكسرة {ألا له الخلق} جميعاً {والأمر} كله فإنه الموجد والمتصرّف في ذلك، وفي هذا ردّ على من يقول: إنّ الشمس والقمر والكواكب تخلق له الأمر المطلق وليس لأحد أمر غيره فهو الآمر والناهي الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه، واستخرج سفيان، بن عيينة من هذا أنّ كلام الله تعالى ليس بمخلوق فقال: إنّ الله تعالى فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر أي: إن جعل الأمر وهو كلامه من جملة ما خلقه فهو كفر لأنّ المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق {تبارك الله رب العالمين} أي: تعالى بالوحدانية وتعظم بالتفرّد في الربوبية، قال البيضاوي: وتحقيق الآية والله
أعلم أنّ الكفرة كانوا متخذين أرباباً فبين الله تعالى لهم أنّ المستحق للربوبية واحد وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى: {فقضاهنّ سبع سموات في يومين} وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدلة والهيآت المختلفة، ثم قسمها بصور نوعية متضادّة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله تعالى: {خلق الأرض في يومين} (فصلت، 9) أي: ما في جهة السفل في يومين ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة أي: وهي النبات والحيوان والمعدن بتركيب موادها أوّلاً وتصويرها ثانياً كما قال تعالى بعد قوله: {خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام} (فصلت، 10) أي: مع اليومين الأوّلين اللذين خلق فيهما السموات لقوله تعالى في سورة السجدة: {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} ثم لما ثم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام ثم صرّح بما هو نتيجة ذلك فقال: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} ، ثم أمرهم أن يدعوه متذللين مخلصين بقوله تعالى: {ادعوا ربكم} لأنّ الدعاء هو السؤال والطلب وهو نوع من أنواع العبادة لأنّ الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وهو عاجز عن تحصيله وعرف أنّ ربه سبحانه وتعالى يسمع الدعاء ويعلم حاجته وهو قادر على إيصالها إلى الداعي فعند ذلك يعرف العبد نفسه بالعجز والنقص ويعرف ربه بالقدرة والكمال وهو المراد من قوله تعالى: {تضرّعاً} أي: ادعوا ربكم تذللاً واستكانة وهو إظهار الذل في النفس والخشوع يقال: ضرع فلان لفلان إذا ذل له وخشع {وخفية} أي: سرّاً في أنفسكم وهو ضدّ العلانية والأدب في الدعاء أن يكون خفياً لهذه الآية، وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم» قال أبو موسى: وأنا خلفه أقول لا حول ولا قوّة إلا بالله في نفسي، فقال: «يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟» قلت: بلى، قال: «لا حول ولا قوّة إلا بالله» ، وقال الحسن: بين دعوة السرّ والجهر سبعون ضعفاً ولقد كان المسلمون يجهدون في الدعاء لا يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أنّ الله تعالى يقول: {ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية} فإنّ الله تعالى أثنى على زكريا عليه الصلاة والسلام فقال: {إذ نادى ربه نداءً خفياً} (مريم، 3) وعن الحسن أيضاً: إنّ الله يعلم التقيّ والدعاء الخفيّ إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر الناس به وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزوّار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يفعلوه في السرّ فيكون علانية أبداً {إنه} تعالى {لا يحب المعتدين} أي: المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره نبه به على أنّ الداعي ينبغي له أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام والصعود إلى السماء.n روي أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهمّ إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بنيّ إسأل الله الجنة وتعوّذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» وقيل: أراد به الاعتداء في الجهر، قال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح، وعنه صلى الله عليه وسلم «سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهمّ إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» ثم قرأ: {إنه لا يحبّ المعتدين} . {ولا تفسدوا في الأرض} أي: بالشرك والمعاصي {بعد إصلاحها} أي: ببعث الرسل وشرع الأحكام، وقيل: لا تفسدوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم وعلى هذا فمعنى قوله تعالى: {بعد إصلاحها} أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب {وادعوه خوفاً} منه ومن عذابه {وطمعاً} أي: فيما عنده من مغفرته وثوابه، وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل {إنّ رحمت الله قريب من المحسنين} أي: المطيعين، وفي ذلك ترجيح الطمع وتنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لإضافتها إلى الله تعالى، وقال سعيد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ، وقيل: إنّ تأنيث الرحمة ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة، وقيل: ذكره للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره حيث يجب التأنيث في الأوّل فيقال فيه: فلانة قريبة مني ويجوز في الثاني فيقال: فلانة قريبة وقريب مني في المكان وكون الرحمة قريباً من المحسنين لأنّ الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة وليس بينهم وبين رحمة الله التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من الإنسان. فائدة: رحمت تكتب بالتاء المجرورة فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء وأمالها الكسائي في الوقف، وقوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح} عطف على ما قبله والمعنى: إنّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض وهو الذي يرسل الرياح. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتوحيد والباقون بالجمع {نشراً بين يدي رحمته} أي: متفرّقة قدام المطر الذي هو من أجل النعم وأحسنها أثراً. وقرأ عاصم بالباء الموحدة وسكون الشين أي مبشراً، وحمزة والكسائي بالنون مفتوحة وسكون الشين على أنه مصدر في موضع الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان، وابن عامر بالنون مضمومة وسكون الشين تخفيفاً، والباقون بضم النون والشين جمع نشور بمعنى ناشر {حتى إذا أقلت} أي: حملت الرياح {سحاباً ثقالاً} أي: بالمطر يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله واشتقاق الإقلال من القلة فإن من يرفع شيئاً يراه قليلاً {سقناه} أي: السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ وفيه التفات عن الغيبة ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل على اللفظ على الوصف لقيل: ثقيلاً، والسحاب جمع سحابة وهو الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء سمي سحاباً لانسحابه في الهواء، قال السدي: إن الله سبحانه وتعالى يرسل الرياح فتأتي
بالسحاب من بين الخافقين وهما طرفا السماء والأرض حيث يلتقيان فتخرجه ثم تنشره فتبسطه في السماء كما يشاء ثم تفتح له أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك {لبلد ميت} لا نبات فيه أي: لإحيائه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بتخفيف الياء والباقون بالتشديد {فأنزلنا به} أي: بالبلد أو السحاب {الماء فأخرجنا به} أي: بذلك الماء لأن إنزال الماء كان سبباً لإخراج الثمرات {من كل الثمرات} أي: من كل أنواعها، قال الأزهري: قال الليث بن سعد رحمه الله تعالى: البلد هو كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منها بلدة والجمع بلاد {كذلك} أي: مثل هذا الإخراج {نخرج الموتى} أحياء من قبورهم بعد فنائهم ودرس آثارهم {لعلكم تذكرون} أي: لكي تعتبروا وتتذكروا والخطاب لمنكري البعث يقول: إنكم شاهدتم الأشجار وهي مزهرة مورقة مثمرة في أيام الربيع والصيف ثم إنكم شاهدتموها يابسة عارية من تلك الأوراق والثمار ثم إن الله أحياها مرة أخرى فالقادر على إحيائها بعد موتها قادر على أن يحيي الأجساد بعد موتها. قال أبو هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله تعالى عليهم مطراً كمني الرجال من ماء تحت العرش فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقي عليهم نومة فينامون في قبورهم ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم فعند ذلك يقولون: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} (يس، 52) وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد. {والبلد الطيب} أي: والأرض الكريمة التربة السهلة السمحة {يخرج نباته بإذن ربه} أي: بمشيئته وتيسيره عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنها وقعت في مقابلة {والذي خبث} أي: والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة {لا يخرج} نباته {إلا نكداً} أي: عسراً بمشقة وكلفة قال المفسرون: وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فشبه المؤمن بالأرض الطيبة وشبه نزول القرآن على قلبه بنزول المطر على الأرض الطيبة فإذا نزل المطر عليها أخرجت أنواع الأزهار والأثمار فكذلك المؤمن إذا سمع القرآن آمن به وانتفع به وظهر منه الطاعات والعبادات وأنواع الأخلاق الحميدة وشبه الكافر بالأرض الرديئة الغليظة السبخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر فكذلك الكافر إذا سمع القرآن لا ينتفع به ولا يصدّقه ولا يزيده إلا عتواً وكفراً وإن عمل الكافر حسنة في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في الآخرة، وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لآدم وذريته كلهم منهم طيب ومنهم خبيث {كذلك} أي: كما بينا ما ذكر {نصرّف} أي: نبين {الآيات} الدالة على التوحيد والإيمان آية بعد آية وحجة بعد حجة {لقوم يشكرون} نعمة الله تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بسماع القرآن. ولما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدّمة دلائل آثار قدرته الدالة على توحيده وربوبيته وأقام الأدلة القاطعة على صحة البعث بعد الموت أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما جرى لهم مع أممهم فقال: {لقد} جواب قسم محذوف تقديره: والله لقد {أرسلنا نوحاً} عليه السلام {إلى قومه} ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة
التوقع فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها ونوح هو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام وهو أوّل نبي بعثه الله تعالى بعد إدريس وكان نجاراً بعثه الله تعالى إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وهو ابن أربعين سنة، وقيل: وهو ابن مائة سنة، وقيل: وهو ابن مائتين وخمسين سنة، وقال ابن عباس: سمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه، واختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مرّ بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني، أو أعبت الكلب. وفي ذكر القصص تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن إعراض قومه عن قبول الحق فقط بل قد أعرض عنه غالب الأمم الخالية والقرون الماضية وفيه تنبيه على أن عاقبة أولئك الذين كذبوا الرسل كانت للخسار والهلاك في الدنيا والآخرة والعذاب الأليم فمن كذب محمداً صلى الله عليه وسلم من قومه كانت عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة وفيه دليل على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب ولم يلق أحداً من علماء زمانه وقد أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية مما لم ينكره عليه أحد فعلم بذلك أنه إنما أتى من عند الله وأنه أوحى إليه بذلك فكان ذلك دليلاً واضحاً وبرهاناً قاطعاً على صحة نبوّته صلى الله عليه وسلم {فقال} نوح حال إرساله لقومه {يا قوم اعبدوا الله} أي: اعبدوه وحده لقوله تعالى: {مالكم من إله غيره} فإنه الذي يستحق العبادة لا غيره. وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء على أنه صفة لإله والباقون برفعهما على البدل من محله {إني أخاف عليكم} إن لم تقبلوا ما آمركم به من عبادة الله تعالى واتباع أمره وطاعته {عذاب يوم عظيم} هو يوم القيامة أو يوم نزول الطوفان وإهلاكهم فيه، وقال: أخاف، على الشك وإن كان يقيناً من حلول العذاب بهم إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعلم وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم يتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون. {قال الملأ من قومه} أي: الأشراف منهم فإنهم يملؤون العيون منظراً {إنا لنراك في ضلال} أي: خطأ وزوال عن الحق {مبين} أي: بين. {قال} نوح مجيباً لهم: {يا قوم ليس بي ضلالة} أي: ليس بي شيء مما تظنون من الضلال. فإن قيل: لم لم يقل ليس بي ضلالة كما قالوا؟ أجيب: بأنّ الضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كما لو قيل: ألك ثمر فقلت: ما لي ثمرة فقد بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات وقوله تعالى: {ولكني رسول من ربّ العالمين} استدراك باعتبار ما يلزمه وهو كونه كأنه قال: ولكني على هدى في الغاية لأني رسول الله. {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} والنصح إرادة الخير لغيره كما يريده لنفسه، ويقال: نصحته ونصحت له كما يقال: شكرته وشكرت له وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وإنما وقعت خالصة للمنصوح له مقصوداً بها جانبه لا غير فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فتقصد للنفعين جميعاً ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله ورسوله وقيل: حقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، وقال بعض المفسرين: والفرق بين إبلاغ نصيحة الرسالة وبين النصيحة
هو أن تبليغ الرسالة أن يعلمهم جميع أوامر الله تعالى ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله تعالى عليهم وأما النصيحة فهي أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ويحذرهم عقابه إن عصوه وقرأ أبو عمرو بسكون الباء وتخفيف اللام من الإبلاغ كقوله تعالى: {لقد أبلغتكم رسالات ربي} وقرأ الباقون بفتح الباء وتشديد اللام من التبليغ كقوله تعالى: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} (النساء، 67) {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي: من صفات الله وأحوال قدرته الباهرة وشدّة بطشه على أعدائه وإنّ بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين، وقوله تعالى: {أو عجبتم} الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي: أكذبتم وعجبتم {أن جاءكم} أي: من أن جاءكم {ذكر} أي: موعظة {من ربكم على رجل} أي: على لسان رجل {منكم} أي: من جنسكم أو من جملتكم تعرفون نسبه وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوّة نوح عليه السلام ويقولون: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين يعنون إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة {لينذركم} أي: لأجل أن ينذركم عاقبة الكفر والمعاصي {ولتتقوا} أي: ولأجل أن تتقوا الله {ولعلم ترحمون} بالتقوى إن وجدت منكم لأنّ المقصود إرسال الرسل الإنذار والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي والمقصود بالتقوى الفوز بالرحمة في الدار الآخرة وفائدة حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجبة والرحمة من الله تعالى محض تفضيل وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله. {فكذبوه} أي: نوحاً {فأنجيناه والذين} آمنوا به {معه} من الغرق وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة، وقيل: تسعة بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وستة ممن آمن به، وقوله تعالى: {في الفلك} متعلق بمعه كأنه قيل: والذين استقرّوا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك أو بأنجيناه أي: أنجيناهم في السفينة من الطوفان {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان {إنهم كانوا قوماً عمين} أي: عمي القلوب عن الحق غير مستبصرين يقال: رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر وأنشدوا قول زهير: *وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم* {وإلى عاد} أي: وأرسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح وهي عاد الأولى {أخاهم هوداً} أي أخاهم في النسب لا في الدين وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقيل: هو ابن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، واختلف في سبب الأخوة من أين حصلت على وجهين: الأوّل: قال الزجاج: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من الملائكة ويكفي هذا القدر في تسمية الأخوة، والمعنى: إنا أرسلنا إلى عاد واحداً من جنسهم من البشر ليكون الفهم والأنس بكلامه أتم وأكمل ولم يبعث إليهم من غير جنسهم مثل الملك والجنّ، والوجه الثاني: أنّ أخاهم بمعنى صاحبهم والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم وكانت منازل عاد بالأحقاف باليمن والأحقاف الرمل الذي عند عمان وحضرموت {قال يا قوم اعبدوا الله} أي: وحدوه ولا تجعلوا معه إلهاً آخر {مالكم من إله غيره} . فإن قيل: لم حذف العاطف من قوله: قال ولم يقل: فقال كما في قصة نوح؟ أجيب: بأنّ هذا على تقدير سؤال
سائل قال: فما قال لهم هود، فقيل: قال: يا قوم، وقيل: إنّ نوحاً كان مواظباً على دعوته قومه غير متوان فيها لأن الفاء تدل على التعقيب وأمّا هود فلم يكن كذلك بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء فأخبر الله تعالى عنه بقوله: {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره} {أفلا تتقون} الله أي: أفلا تخافون عقابه فتؤمنون ولما كانت هذه القصة معطوفة على قصة نوح وقد علم ما حل بهم من الغرق حسن قوله هنا: {أفلا تتقون} أي: أفلا تخافون ما نزل بهم من العذاب ولما لم يكن قبل واقعة قوم نوح شيء حسن تخويفهم من العذاب فقال هناك: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} (الأحقاف، 21) {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة} أي: في حمق وجهالة وضلالة عن الصواب. فإن قيل: لم قال قوم نوح: إنا لنراك في ضلال مبين، وقوم هود: إنا لنراك في سفاهة؟ أجيب: بأنّ نوحاً لما خوّف قومه بالطوفان وطفق في عمل السفينة في أرض ليس فيها من الماء شيء قال له قومه: إنا لنراك في ضلال مبين حيث تتعب في إصلاح سفينة في هذه الأرض، وأمّا هود عليه السلام لما زيف عبادة الأصنام ونسب من عبدها إلى السفه وهو قلة العقل قابلوه بمثله فقالوا: إنا لنراك في سفاهة {وإنا لنظنك من الكاذبين} أي: في ادعائك أنك رسول من رب العالمين. {قال} هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى السفه {يا قوم ليس بي سفاهة} أي: ليس الأمر كما تزعمون أنّ بي سفاهة {ولكني رسول من رب العالمين} . {أبلغكم رسالات ربي} أي: أؤدي إليكم ما أرسلني به من أوامره ونواهيه وشرائعه وتكاليفه {وأنا لكم ناصح} أي: فيما آمركم به من عبادة الله تعالى {أمين} أي: مأمون على تبليغ الرسالة وأداء النصح والأمين الثقة على ما إئتمن عليه. فإن قيل: لم قال نوح: وأنصح لكم بصيغة الفعل وقال هود: وأنا لكم ناصح بصيغة اسم الفاعل؟ أجيب: بأنّ صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة وكان نوح يدعو قومه ليلاً ونهاراً كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: {رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً} (نوح، 5) فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة الفعل فقال: {وأنصح لكم} وأمّا هود فلم يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتاً دون وقت فلهذا قال: {وأنا لكم ناصح أمين} . فإن قيل: مدح الذات بأعظم صفات المدح غير لائق بالعقلاء؟ أجيب: بأنه فعل هود ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك ومقصوده الرد عليهم في قولهم: {وإنا لنظنك من الكاذبين} فوصف نفسه بالأمانة وأنه أمين في تبليغ ما أرسل به من عند الله وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها. {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} سبق تفسيره. تنبيه: في إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض عن مقالتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة وهكذا ينبغي لكل ناصح {واذكروا} نعمة الله عليكم {إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} أي: خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً في الأرض فإنّ شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج وهو موضع بالبادية بها رمل إلى شحر عمان وهو بفتح الشين المعجمة وكسرها وبالحاء المهملة ساحل البحر بين عمان وعدن {وزادكم في الخلق بسطة} أي: طولاً وقوّة قال الجلال المحلى في سورة الفجر: كان طول الطويل منهم أربعمائة ذراع وقامة
القصير ستين ذراعاً، وقال أبو حمزة اليماني: سبعون ذراعاً، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانون ذراعاً، وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعاً، أخرج ابن عساكر عن وهب بذراعهم أي: على الأقوال كلها، وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظمية وكان عين الرجل ـ أي: بعد موته ـ تفرخ فيها الضباع وكذا مناخرهم، وقرأ نافع والبزي وشعبة والكسائي بالصاد وأبو عمرو وهشام وقنبل وحفص وخلف بالسين وأمّا ابن ذكوان وخلاد فقرآ بالسين والصاد {فاذكروا آلاء الله} أي: أنعمه أي: اعملوا بما يليق بذلك الإنعام وهو أن تؤمنوا به وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام {لعلم تفلحون} أي: تفوزون بالنعيم المقيم في الآخرة. {قالوا} أي: قوم هود مجيبين له {أجئتنا} يا هود {لنعبد الله وحده ونذر} أي: نترك {ما كان يعبد آباؤنا} أي: من الأصنام استبعدوا اختصاص الله تعالى بالعبادة والإعراض عما أشرك به آباؤهم ومعنى المجيء في أجئتنا إما لأن هوداً كان معتزلاً عن قومه كما كان يفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بحراء قبل البعثة فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم أو يريدون به الاستهزاء لأنهم كانوا يعتقدون أنّ الله تعالى لا يرسل إلا الملائكة فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك أو أن المقصود على المجاز كما تقول: ذهب يشتمني ولا يراد حقيقة الذهاب {فأتنا بما تعدنا} أي: من العذاب {إن كنت من الصادقين} أي: في قولك: إني رسول الله. {قال} هود مجيباً لهم {قد وقع عليكم} أي: نزل عليكم {من ربكم رجس} عقاب {وغضب} أي: سخط {أتجادلونني في أسماء سميتموها} أي: وضعتموها {أنتم وآباؤكم} أي: من عند أنفسكم، والاستفهام للإنكار عليهم لأنهم سموا الأصنام بالآلهة فعبدوها من دون الله {ما نزل الله بها} أي: بعبادتها {من سلطان} أي: حجة وبرهان لأنّ المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل وإنها لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إمّا بإنزال آية أو نصب دليل {فانتظروا} أي: نزول العذاب بسبب تكذيبكم لي {إني معكم من المنتظرين} ذلك فأرسلت عليهم الريح العقيم. {فأنجيناه} أي: هوداً {والذين معه} أي: من المؤمنين {برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي: استأصلناهم وقوله تعالى: {وما كانوا مؤمنين} عطف على كذبوا. روي أنّ قوم هود كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم هوداً فكذبوا وازدادوا عتواً فأمسك الله تعالى القطر عنهم ثلاث سنين حتى جهدوا وكان الناس حينئذ مسلمهم وكافرهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله تعالى الفرج فجهزوا إلى الحرم قيل بن عنز ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم وكان بمكة إذ ذاك العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام وسيدهم معاوية بن بكر فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فلبثوا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان له وكان اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة فتسميتهما جرادتين فيه تغليب والقينة الأمة مغنية أو غير مغنية فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا له أهمه ذلك واستحى أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل شعراً نغنيهم به ولا يدرون من قاله فعلم القينتين معاوية: v *ألا يا قل ويحك قم فهينم* والهينمة الصوت الخفي أي: أخف
الدعاء. *لعل الله يمنحنا غماما والغمام هنا المطر. *فيسقي أرض عاد إن عاداً ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما* *من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما* فلما غنتا به أزعجهم ذلك وقالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقاكم وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثداً لا يقدمنّ معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهمّ اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك فقال: اخترت السوداء فإنها أكثر ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له: المغيث فاستبشروا به وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود ومن معه من المؤمنين وأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. يروى أنّ النبيّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذا هلك قومه هاجر والصالحون معه إلى مكة يعبدون الله تعالى فيها حتى يموتوا، وروي عن عليّ رضي الله تعالى عنه أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر. وقال عبد الرحمن بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبياً وأن قبر هود وصالح وشعيب وإسماعيل في تلك البقعة. {وإلى ثمود} أي: وأرسلنا إلى ثمود قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام، وقيل: سموا به لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل وكان مسكنهم الحجر وهو بكسر الحاء موضع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى واتفق القرّاء السبعة هنا على عدم صرف ثمود مراداً به القبيلة وقرىء مصروفاً في غير هذه السورة بتأويل الحيّ أو باعتبار الأصل وهو أنه اسم لأبيهم الأكبر أو للماء القليل {أخاهم صالحاً} أي: أخاهم في النسب لا في الدين وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود {قال} لهم صالح حين أرسله الله تعالى إليهم {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره} أي: فلا يستحق أن يعبد سواه {قد جاءتكم بينة من ربكم} أي: معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوّتي وصدق ما أقول وأدعو إليه من عبادة الله تعالى ثم فسر تلك البينة بقوله: {هذه ناقة الله لكم آية} أي: علامة على صدقي أو آية نصبت على الحال عاملها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل كأنه قال: أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان خاصة وهم ثمود لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا وليس الخبر كالمعاينة كأنه قال لكم خصوصاً وإنما أضيفت إلى الله تعالى تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها كما يقال: بيت الله ولأنها جاءت من عند الله تعالى بلا وسائط وأسباب معهودة ولذلك كانت آية {فذروها} أي: أتركوها {تأكل في أرض الله} أي: العشب فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات إنباتكم {ولا تمسوها بسوء} أي: بشيء من أنواع الأذى لا بعقر ولا بغيره وقوله: {فيأخذكم عذاب أليم} أي: بسبب أذاها جواب النهي. {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} في الأرض {من بعد عاد} أي:
إن الله تعالى أهلك عاداً وجعلكم تخلفونهم في الأرض وتعمرونها {وبوّأكم} أي: أسكنكم وأنزلكم {في الأرض} أي أرض الحجر {تتخذون من سهولها قصوراً} أي: تبنون القصور من سهولة الأرض لأنّ القصور إنما تبنى من اللبن والآجرّ المتخذ من الطين السهل اللين غالباً {وتنحتون الجبال بيوتاً} أي: وتنقبون في الجبال البيوت وكانوا في الصيف يسكنون بيوت الطين وفي الشتاء بيوت الجبال. وقرأورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بخفضها {فاذكروا آلاء الله} أي: فاذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها فإنكم منعمون مرفهون بمساكن في الصيف ومساكن في الشتاء {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} والعثو أشد الفساد، وقال قتادة: معناه لا تسيروا مفسدين في الأرض، وقيل: أراد به النهي عن عقر الناقة. {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} أي: تكبروا عن الإيمان به {للذين استضعفوا} أي: للذين استضعفوهم واستبذلوهم وقوله تعالى: {لمن آمن منهم} بدل من الذين استضعفوا بدل الكل إن كان الضمير لقومه وبدل البعض إن كان للذين، وقرأ ابن عامر: وقال الملأ بالواو والباقون بلا واو {أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه} أي: أنّ الله أرسله إلينا وإليكم قالوا: ذلك على الاستهزاء {قالوا} أي: الضعفاء {إنا بما أرسل به} أي صالح من الدين والهدى {مؤمنون} أي: مصدّقون وإنما عدلوا عن الجواب السويّ الذي هو نعم تنبيهاً على أنّ إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي لب. {قال} الملأ: {الذين استكبروا} عن أمر الله تعالى والإيمان به وبرسوله صالح عليه السلام {إنا بالذي آمنتم به كافرون} أي: جاحدون متكبرون. {فعقروا الناقة} أي: عقرها فدار بأمرها فأسند العقر إليهم والعقر قطع عرقوب البعير ثم جعل النحر عقراً فإنه قتلها بالسيف فإنّ ناحر البعير يعقره ثم ينحره {وعتوا عن أمر ربهم} أي: تكبروا عن أمر ربهم وعصوه وكذبوا نبيهم صالحاً عليه السلام {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} أي: من العذاب {إن كنت من المرسلين} أي: إن كنت تزعم أنك رسول الله فإنّ الله ينصر رسله على أعدائه وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مكذبين في كل ما أخبرهم به من العذاب. {فأخذتهم الرجفة} أي: الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء {فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي: باركين على الركب ميتين. روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادهم وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعماراً طوالاً حتى أنّ الرجل كان يبني البيت المحكم فينهدم في حياته فينحتون البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش فعثوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام فبعث الله تعالى إليهم صالحاً عليه السلام من أشرافهم غلاماً شاباً فدعاهم إلى الله تعالى حتى كبر لا يتبعه إلا قليل مستضعفون فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر عليهم التحذير والتخويف سألوه آية فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ فقالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم في السنة فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، قال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم وخرج صالح معهم ودعوا أوثانهم وسألوهم الاستجابة فلم تجبهم ثم قال سيدهم جندع بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها: الكاثبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة
مخترجة جوفاء وبراء ـ والمخترجة هي التي شاكلت البخت، والجوفاء ذات الجوف، والوبراء ذات الوبر ـ فإن فعلت ذلك صدّقناك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتؤمنن ولتصدّقنّ فقالوا: نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة أي: تحرّكت للولادة تمخض النتوج بولدها فانصدعت أي: انشقت عن ناقة عشراء وهي التي مرّ عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى عظماً وعظماؤهم ينظرون ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندح ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدّقوه فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن أسد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة الله لها شرب ولكم شرب يوم معلوم فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد غباً فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها ثم تتفحج وهو بتقديم الحاء المهملة مثل التفسح وهو أن تفرج بين رجليها فيحلبون ما شاؤا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدّخرون، وكانت تصيف أي: تقيم زمن الصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو أي: تقيم زمن الشتاء ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم وزين عقرها لهم امرأتان عنيزة بنت غنم وصدقة بنت المختار لما أضرّت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها فرقي سقبها وهو بفتح السين والقاف ولدها الذكر جبلاً اسمه قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح عليه السلام قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه، وانفجت وهو بتشديد الجيم أي: انفتحت الصخرة بعد رغائه فدخلها، فقال لهم صالح: تصبحون غداً وجوهكم مصفرّة وبعد غد وجوهكم محمرّة واليوم الثالث وجوهكم مسودّة، ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين فلما كان اليوم الرابع واشتدّ الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالإنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وهلكوا. وسيأتي لهذه القصة زيادة إن شاء الله تعالى في سورة النمل. ويروى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرّ بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: «لا يدخلنّ أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم» وقال صلى الله عليه وسلم لعليّ: «أتدري من أشقى الأوّلين» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «عاقر ناقة صالح عليه السلام، أتدري من أشقى الآخرين» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «قاتلك» {فتولى} أي: أعرض صالح {عنهم} وفي هذا التولي قولان: أحدهما: أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا وهلكوا ويدلّ عليه قوله تعالى: {فأصبحوا
في دارهم جاثمين فتولى عنهم} والفاء للتعقيب فدلّ على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم وهو موتهم. والقول الثاني: أنه تولى عنهم وهم أحياء قبل هلاكهم ويدلّ عليه أنه خاطبهم {وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} وهذا الخطاب لا يليق إلا بالإحياء، وعلى هذا القول يحتمل أنّ في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم سالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. وأجيب من جهة الأوّل: بأنه خاطبهم بعد هلاكهم تقريعاً وتوبيخاً كما خاطب نبينا صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقوا في القليب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناديهم بأسمائهم الحديث في الصحيحين وفيه فقال عمر: يا رسول الله تكلم أمواتاً قد جيفوا، فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون» وقيل: إنما خاطبهم صالح عليه السلام بذلك ليكون عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجروا عن مثل تلك الطريقة. وروي أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت، وروي أنه خرج في مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار، وروي أنه رجع بمن معه من المسملين فسكنوا ديارهم وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة. {ولوطاً} أي: وأرسلنا لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم {إذ قال لقومه} أي: وقت قوله لهم، وقيل: معناه واذكر لوطاً ويبدل منه إذ قال لقومه وهم أهل سذوم، قال التفتازانيّ: هو بفتح السين قرية قوم لوط والذال المعجمة في رواية الأزهري دون غيره، اه. وصوّبه صاحب القاموس وغلط الجوهريّ في قوله: إنها مهملة وذلك أنّ لوطاً عليه السلام لما هاجر مع عمه إبراهيم عليه السلام إلى الشام فنزل إبراهيم عليه السلام أرض فلسطين وأنزل لوطاً الأردن وهو بضم الهمزة والدال وتشديد النون نهر وكورة بأعلى الشام فأرسله الله تعالى إلى أرض سذوم يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى: {أتأتون الفاحشة} أي: أتفعلون الفاحشة الخبيثة التي هي غاية القبح وكانت فاحشتهم إتيان الذكر في أدبارهم كما سيأتي {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي: ما فعلها أحد قبلكم والباء للتعدية ومن الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض والجملة استئناف مقرّر للإنكار وبخهم أولاً بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ، قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان من قوم لوط. ثم بين الفاحشة بقوله: {أئنكم لتأتون الرجال} أي: في أدبارهم {شهوة من دون النساء} أي: إن أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء. وقرأ نافع وحفص بكسر الهمزة ولا ياء بينها وبين النون على الحبر وشهوة إمّا مفعول له وإمّا مصدر في موضع الحال وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الوطر، وقرأ ابن كثير بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة مسهلة ولا مدّ بينهما، وأبو عمرو كذلك إلا أنه يمدّ بين الهمزتين وهشام بتحقيق الهمزتين بينهما مدّ والباقون بتحقيقهما من غير مدّ بينهما وقوله: {بل أنتم} أيها القوم {قوم مسرفون} أي: مجاوزون الحلال إلى الحرام إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحالة التي توجب ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات وإنما ذمّهم الله تعالى وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث لأن الله تعالى خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمارة الدنيا وجعل النساء محلاً لتلك الشهوة وموضع النسل فإذا تركهنّ ووضع الشيء في غير محله
الذي خلق له فقد أسرف وجاوز واعتدى لأنّ وضع الشيء في غير محله الذي وضع له إسراف لأن أدبار الرجال ليست محلاً للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان. روي أنّ أوّل من عمل عمل قوم لوط إبليس لعنه الله تعالى لأنّ بلادهم أخصبت بالزرع والثمار وانتجعها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شاب ثم دعا إلى نفسه فكان أوّل من نكح في دبره، وقال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فأذوهم فعرض لهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ، وقال لهم: إن فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم فلما ألحّ عليهم قصدوهم فأصابوا غلماناً حساناً فاستخنثوا واستحكم ذلك فيهم. [وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ] له حين وبخهم على فعلهم القبيح وارتكابهم ما حرّم الله تعالى عليهم من العمل الخبيث {إلا أن قالوا} أي: قال بعضهم لبعض {أخرجوهم من قريتكم} أي: ما جاؤوا بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ولكنهم جاؤوا بشيء آخر لا يتعلق بنصيحته وكلامه من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجراً بهم وبما يسمعونه من وعظهم ونصحهم وقولهم: {إنهم أناس يتطهرون} أي: يتنزهون عن فعلكم وعن أدبار الرجال سخرية بهم وبتطهيرهم من الفواحش وافتخاراً بما كانوا فيه من القاذورات كما تقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتنزه. {فأنجيناه} أي لوطاً {وأهله} أي: من آمن به، وقوله تعالى: {إلا امرأته} استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر موالية لأهل سذوم {كانت من الغابرين} أي: من الذين غبروا أي: بقوا في ديارهم فهلكوا. وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت وإنما قال تعالى: {من الغابرين} ولم يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال فغلب الذكور على الإناث. {وأمطرنا عليهم مطراً} أي: نوعاً من المطر عجيباً وهو مبين بقوله تعالى: {وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} (الحجر، 74) أي: قد عجنت بالكبريت والنار، يقال: مطرت السماء وأمطرت، وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب: أمطر وفي الرحمة مطر، وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم {فانظر} أي: أيها الإنسان {كيف كان عاقبة المجرمين} . روي أنّ تاجراً منهم كان في الحرم فوقف الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه، وقال مجاهد: نزل جبريل عليه السلام وأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة كما قال تعالى: {فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} (الحجر، 74) . {وإلى مدين} أي: وأرسلنا إلى ولد مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام {أخاهم} في النسب لا في الدين {شعيباً} بن ميكيل بن يشجر بن مدين وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه عليه السلام وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان {قال} أي: شعيب عليه السلام {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة} أي: معجزة تدلّ على صدق ما جئت به {من ربكم} أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به. فإن قيل: ما كانت معجزته إذ لم تذكر له معجزة؟ أجيب: بأنه قد وقع العلم بأنه كان له معجزة لقوله: {قد جاءتكم بينة من ربكم} ولأنه
لا بدّ لمدّعي النبوّة من معجزة تشهد له وتصدّقه وإلا لم تصح دعواه وكان متنبئاً لا نبياً غير أنّ معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فيه ومن معجزات شعيب عليه السلام الواردة في غير القرآن ما روي من محاربة عصا موسى التنين حين دفع إليه الغنم وولادة الغنم الدرع حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها والدرع بوزن الصرد وهي الغنم التي أوائلها سواد وأواخرها بياض ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده في المرات السبع وغير ذلك من الآيات لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام فكانت معجزة لشعيب وهذا أولى من جعله كرامة لموسى أو إرهاصاً وهو علامة تظهر قبل النبوّة وقيل: أراد بالبينة الموعظة وهي قوله تعالى: {فأوفو الكيل والميزان} أي: أتموهما {ولا تبخسوا} أي: تنقصوا {الناس أشياءهم} فتطففوا الكيل والوزن يقال: بخس فلان الكيل والوزن إذا نقصه وطففه. فإن قيل: هلا قال المكيال والميزان كما في سورة هود؟ أجيب: بأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال أو سمى ما يكال به بالكيل، أو أريد وأوفوا كيل المكيال ووزن الميزان وإنما قال {أشياءهم} لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه كما يفعل أمراء الجور {ولا تفسدوا في الأرض} أي: بالكفر والمعاصي {بعدإصلاحها} أي: بعدما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع {ذلكم} أي: الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من الإيمان ووفاء الكيل والميزان وترك المظالم والبخس {خير لكم} أي: مما أنتم عليه من الكفر وظلم الناس {إن كنتم مؤمنين} أي: مصدّقين بما أقول لكم ومعنى {خير لكم} أي: في الإنسانية وحسن ما يتحدّث به وجمع المال لأنّ الناس ترغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والتسوية. {ولا تقعدوا بكل صراط} أي: طريق من طرف الدين {توعدون} أي: تمنعون الناس من الدخول فيه وتهدّدونهم على ذلك وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات فيخبرون من أتى عليهم أنّ شعيباً الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم وقيل: كانوا يقطعون الطريق على الناس أو يقعدون لأخذ المكس منهم وقوله تعالى: {وتصدّون} أي: تصرفون الناس {عن سبيل الله} أي: دينه {من آمن به} دليل على أنّ المراد بالطريق سبيل الحق. فإن قيل: صراط الحق واحد قال تعالى: {وأنّ هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام، 153) فكيف قيل: بكل صراط؟ أجيب: بأنّ صراط الحق وإن كان واحدا لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة وكانوا إذا رأوا أحد يشرع في شيء منها أوعدوه وصدوه {وتبغونها} أي: تطلبون الطريق {عوجاً} أي: تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة عن الحق غير مستقيمة لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها أو يكون ذلك تهكماً بهم وإنهم يطلبون لها ما هو محال فإنّ طريق الحق لا يعوج {واذكروا} نعمة الله عليكم وآمنوا به {إذ كنتم قليلاً فكثركم} أي: كثر عددكم بعد القلة أو كثركم بالغنى بعد الفقر وكثركم بالقدرة بعد الضعف قيل: إنّ مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوط عليهما السلام فولدت فرمى الله تعالى في نسلهما بالبركة والنماء فكثروا ونموا {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} قبلكم بتكذيبهم
رسلهم أي: آخر أمرهم من الهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسوله. {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا} به أي: وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي وصدقت برسالتي وفرقة كذبت وجحدت برسالتي {فاصبروا} أي: فتربصوا {حتى يحكم الله بيننا} أي: بين الفرقتين فيعز المؤمنين أي: المصدّقين وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ويعذبهم وفي هذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين {وهو خير الحاكمين} أي: لا حيف في حكمه ولا معقب له لأنه تعالى منزه عن الجور والميل في حكمه وإنما قال: {خير الحاكمين} لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكماً على سبيل المجاز والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة. أي: الجماعة {الذين استكبروا} أي: تكبروا {من قومه} عن الإيمان بالله ورسوله وتعظموا عن اتباع شعيب عليه الصلاة والسلام {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن} أي: ترجعن {في ملتنا} أي: لا بدّ من أحد الأمرين إمّا إخراجك ومن اتبعك على دينك من بلدنا أو عودكم في الكفر. فإن قيل: شعيب لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه؟ أجيب: بأنّ أتباع شعيب كانوا على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيباً وأتباعه جميعاً فدخل هو في الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقاً فاستعمل العود في حقهم على سبيل المجاز وجرى بعضهم على أن العود يستعمل بمعنى صار كما يستعمل بمعنى رجع فلا يستلزم الرجوع إلى حالة سابقة بل هو انتقال من حالة سابقة إلى حالة مستأنفة كما قال القائل: *فإن تكن الأيام تحسن مرّة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب* راد فقد صارت لهنّ دنوب ولم يرد أن ذنوباً كانت لهنّ قبل الإحسان {قال} لهم شعيب على سبيل الاستفهام الإنكاري {أولو كنا كارهين} أي: كيف نعود فيها ونحن كارهون لها، وقيل: لا نعود فيها وإن أكرهتمونا وجبرتمونا على الدخول فيها لا نقبل ولا ندخل. {قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها} والجواب عن هذا مثل ما أجيب به عن الأوّل وهو أن نقول: إنّ الله نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة إلا أن شعيباً نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً مما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} أي: إلا أن يشاء خذلاننا وارتدادنا فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا وفيه دليل على أنّ الكفر بمشيئة الله تعالى، وقيل: أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون {وسع ربنا كل شيء علماً} أي: وسع علمه كل شيء فلا يخفى عليه شيء مما كان وما يكون منا ومنكم {على الله توكلنا} في أن يثبتنا على الإيمان ويخلصنا من الأشرار ولما أيس شعيب من إيمان قومه دعا بهذا الدعاء فقال: {ربنا افتح} أي: اقض وافصل واحكم {بيننا وبين قومنا بالحق} أي: بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف {وأنت خير الفاتحين} أي: الحاكمين. {وقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي: قال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم {لئن اتبعتم شعيباً} أي: على دينه وتركتم دينكم وما أنتم عليه {إنكم إذاً لخاسرون} أي: مغبونون
لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف أو لاستبدال ضلالته بهداكم وجواب القسم الذي وطأته اللام في لئن اتبعتم شعيباً وجواب الشرط قوله: {إنكم إذاً لخاسرون} فهو سادّ مسدّ الجوابين. {فأخذتهم الرجفة} أي: الزلزلة الشديدة {فأصبحوا في دارهم} أي: مدينتهم {جاثمين} أي: باركين على الركب ميتين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فتح الله عليهم باباً من جهنم فأرسل عليهم حرّاً شديداً فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء فدخلوا في الأسراب ليتبرّدوا فيها فوجدوها أشدّ حرّاً من الظاهر فخرجوا إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد وصاروا رماداً، وروي أنّ الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحرّ سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من بعيد فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون فأتاهم وأخبرهم فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك الجبل عليهم فذلك قوله تعالى: {عذاب يوم الظلة} (الشعراء، 189) وقال قتادة: بعث الله تعالى شعيباً إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين فأمّا أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأمّا أصحاب مدين فأخذتهم الصيحة صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا جميعاً، قال أبو عبدا الله البجلي: كان أبو جاد وهوّز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة كلمن فلما هلك قالت ابنته شعراً ترثيه وتبكيه: *كلمن قد هدّركني ... هلكه وسط المحله* *سيد القوم أتاه ال ... حتف نار تحت ظله* *جعلت ناراً عليهم ... دارهم كالمضمحله* وقوله تعالى: {الذين كذبوا شعيباً} مبتدأ خبره {كأن} مخففة واسمها محذوف أي: كأنهم {لم يغنوا} أي: لم يبقوا وينزلوا {فيها} أي: في ديارهم يوماً من الدهر يقال: غنيت بالمكان أي: أقمت به والمغاني المنازل التي بها أهلها واحدها مغني قال الشاعر: *ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد* أراد أقاموا فيه وقيل: كأن لم يعيشوا فيها متنعمين يقال: غني الرجل إذا استغنى وهو من الغنى الذي هو ضدّ الفقر قال الشاعر: *غنينا زماناً بالتصعلك والغنى ... وكل سقانا بكاسيهما الدهر* *فما زادنا بغياً على ذي قرابة ... غنى ولا أزرى بأحسابنا الفقر* قال الزجاج: معنى غنينا عشنا والتصعلك الفقر يقال للفقير: صعلوك {الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين} أي: ديناً ودنيا دون الذين اتبعوه فإنهم الرابحون في الدارين وأكد ذلك بإعادة الموصول وغيره للردّ عليهم في قولهم السابق. {فتولى} أي: أعرض شعيب {عنهم} أي: عن قومه {وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} أي: قال ذلك لما تيقن نزول العذاب بهم تأسفاً وحزناً عليهم لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابة والإيمان ثم أنكر
على نفسه فقال: {فكيف آسى} أي: أحزن {على قوم كافرين} لأنهم ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بسبب كفرهم، وقيل: قال ذلك اعتذاراً عن عدم شدّة حزنه عليهم والمعنى: لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح فلم يصدّقوا قولي فكيف أحزن عليهم وقوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبيّ} فيه إضمار وحذف تقديره: فكذبوه {إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء} قال ابن مسعود: البأساء الفقر والضرّاء المرض، وقيل: البأساء الشدّة وضيق العيش والضرّاء سوء الحال {لعلهم يضرّعون} أي: فعلنا بهم ذلك لكي يتضرّعوا ويتوبوا والتضرّع التذلل والخضوع والانقياد لأمر الله. {ثم بدّلنا مكان السيئة الحسنة} أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدّة السلامة والسعة كقوله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} (الأعراف، 168) فأخبر الله تعالى بهذه الآية أنه يأخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو قوله تعالى: {حتى عفوا} أي: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم يقال: عفا الشعر إذا كثر وطال ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «وأعفوا اللحى» أي: وفروها وأكثروا شعرها {وقالوا} كفراً للنعمة {قد مس آباءنا الضرّاء والسرّاء} وهذه عادة الدهر قديماً وحديثاً لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدّة والضرّاء عقوبة لنا من الله تعالى على ما نحن عليه فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء والسراء قال الله تعالى: {فأخذناهم بغتة} أي: فجأة أينما كانوا ليكون ذلك أعظم لحسرتهم {وهم لا يشعرون} أي: بنزول العذاب بهم والمراد بذكر هذه القصة وغيرها من القصص اعتبار من سمعها لينزجر عما هو عليه من الذنوب ويرجع إلى الله تعالى ويزداد الذين آمنوا إيماناً. {ولو أنّ أهل القرى} أي: المكذبين {آمنوا} أي: بالله ورسوله {واتقوا} أي: الشرك والمعاصي {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} أي: لأتيناهم بالخير من كل جهة، وقيل: بركات السماء المطر وبركات الأرض النبات والثمار والأنعام وجميع ما فيها من الخيرات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه وإنعامه على عباده. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف {ولكن كذبوا} أي: فعلنا بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ولكن كذبوا الرسل {فأخذناهم} أي: عاقبناهم بأنواع العذاب {بما} أي: بسبب ما {كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. وقوله تعالى: {أفأمن أهل القرى} عطف على قوله تعالى: {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} وما بينما اعتراض والمعنى: أبعد ذلك أمن أهل القرى {أن يأتيهم بأسنا} أي: عذابنا {بياتاً} أي: ليلاً وقوله تعالى: {وهم نائمون} حال من ضمير هم البارز أو المستتر في بياتاً. {أو أمن أهل القرى} هو استفهام بمعنى الإنكار وفيه وعيد وزجر وتهديد والمراد بالقرى مكة وما حولها وقيل: هو عام في كل أهل القرى الذين كفروا وكذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بسكون الواو والباقون بفتح الواو {أن يأتيهم بأسنا ضحى} أي: نهاراً لأن الضحى صدر النهار {وهم يلعبون} أي: وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم وقوله تعالى: {أفأمنوا مكر الله} تقرير لقوله تعالى: {أفأمن أهل القرى} ومكر الله استعارة لاستدراج العبد بالنعم في الدنيا وأخذه من حيث لا يحتسب {فلا يأمن
مكر الله إلا القوم الخاسرون} أي: إنه لا يأمن استدراجه إياهم بالنعم وأخذهم بغتة إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين فعلى العاقل أن يكون في خوفه من الله تعالى كالمحارب الذي يخاف من عدوّه المتمكن البيات والغيلة، وعن الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى أنّ ابنته قالت له: مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله تعالى: {أن يأتيهم بأسنا بياتاً} : {أولم يهد} أي: يتبين {للذين يرثون الأرض} أن يسكنونها {من بعد} هلاك {أهلها} الذين كانوا من قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم فيها {أن لو نشاء أصبناهم} بالعذاب {بذنوبهم} كما أصبنا من قبلهم والهمزة للتوبيخ وأن لو نشاء مرفوع بأنه فاعل يهد أي: أولم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن وهو أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي: بسببها كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين منهم كما أهلكنا المورثين وإنما عدى فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين كما مرّ. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية واواً في الوصل والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: {ونطبع} أي: نختم {على قلوبهم} معطوف على ما دلّ عليه {أولم يهد} كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم أو على يرثون الأرض أو يكون منقطعاً بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم {فهم لا يسمعون} موعظة أي: لا يقبلونها ومنه سمع الله لمن حمده قال الشاعر: *دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول* أي: يقبله ويستجيبه. {تلك القرى} أي: القرى التي ذكرنا لك يا محمد أمرها وأمر أهلها وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب {نقص عليك} يا محمد {من أنبائها} أي: نخبرك عنها وعن أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم الذين أرسلوا إليهم لتعلم أننا ننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على أعدائهم من أهل الكفر والعناد وكيف أهلكناهم بكفرهم ومخالفتهم رسلهم وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم {ولقد جاءتهم} أي: أهل تلك القرى {رسلهم بالبينات} أي: بالمعجزات الباهرات والبراهين الدالة على صدقهم وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام وأمال حمزة وابن ذكوان الألف وسكن السين أبو عمرو ورفعها الباقون {فما كانوا ليؤمنوا} أي: عند مجيئهم بها {بما كذبوا} أي: كفروا به {من قبل} أي: قبل مجيء الرسل بل استمرّوا على الكفر واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالتهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم {كذلك} أي: كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية وأهلكهم يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون من قومك. {وما وجدنا لأكثرهم} أي: لأكثر الناس على الإطلاق أو لأكثر الأمم الخالية والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك، وأكد الاستغراق فقال: {من عهد} أي: من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق، والآية على الأوّل اعتراض وعلى الثاني من تتمة الكلام السابق {وإن} مخففة أي: وإنا {وجدنا} أي: في علمنا في عالم الشهادة {أكثرهم لفاسقين} أي: خارجين عن دائرة العهد طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب
وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. {ثم بعثنا من بعدهم} أي: الرسل المذكورين وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام أو الأمم المهلكين {موسى} عليه السلام {بآياتنا} أي: بحجتنا الدالة على صدقه كاليد والعصا {إلى فرعون} هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم والنجاشي لملوك الحبشة، وكان اسم فرعون موسى: قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط {وملائه} أي: عظماء قومه وخصهم بالذكر لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل {فظلموا} أي: كفروا {بها} أي: بسبب رؤيتها خوفاً على رياستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم {فانظر} أيها المخاطب بعين البصيرة {كيف كان عاقبة المفسدين} أي: آخر أمرهم أي: كيف فعلنا بهم وكيف أهلكناهم. {وقال موسى} لما دخل على فرعون {يا فرعون} خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه وذلك لأن فرعون كان لقب مدح لمن ملك مصر {إني رسول} أي: مرسل إليك وإلى قومك ثم بين مرسله بقوله تعالى: {من ربّ العالمين} أي: الإله الذي خلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم، وقوله تعالى: {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} جواب لتكذيب فرعون إياه في دعوى الرسالة وإنما لم يذكره لدلالة قوله تعالى: {فظلموا بها} (الأعراف، 103) والحق هو الثابت الدائم والحقيق. مبالغة فيه وكأن المعنى: أنا ثابت مستمرّ على أن لا أقول على الله إلا الحق قرأ نافع عليّ بالتشديد فحقيق مبتدأ خبره أن وما بعدها والباقون بالسكون وعلى هذا تكون على بمعنى الباء أو يضمن حقيق معنى حريص وأن لا مقطوعة في الرسم أي: النون من لام الألف {قد جئتكم ببينة} أي: معجزة {من ربكم} على صدقي فيما أدعي من الرسالة وهي العصا واليد البيضاء ثم إن موسى عليه السلام لما فرّغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم قوله: {فأرسل معي بني إسرائيل} أي: فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدّسة التي هي وطن آبائهم وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب اللبن ونقل التراب ونحوهما {قال} فرعون لعنه الله مجيباً لموسى عليه السلام {إن كنت جئت بآية} أي: علامة على صحة رسالتك {فأت بها إن كنت من الصادقين} أي: في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. {فألقى عصاه فإذا هي} أي: العصا {ثعبان مبين} أي: ظاهر أمره لا شك فيه أنه ثعبان، والثعبان الذكر العظيم من الحيات. فإن قيل: أليس قال الله تعالى في موضع: {كأنها جان} (النمل، 10) والجان الحية الصغيرة؟ أجيب: بأنها كانت كالجان في الخفة والحركة وهي في جثتها حية عظيمة. روي أنه لما ألقاها صارت حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعاً وارتفعت عن الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب فرعون عن سريره هارباً وأحدث قيل: أخذته البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرّة وقد قيل: إنه كان يأكل الموز حتى لا يتغوّط وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك الله
الذي أرسلك أن تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثم قال: هل معك آية أخرى قال: نعم. {ونزع يده} أي: أخرجها من جيبه، وقيل: من تحت إبطه بعد أن أراه إياها محترقة أدماً كما كانت وهي عنده {فإذا هي بيضاء} نورانية {للناظرين} لها شعاع غلب شعاع الشمس قال ابن عباس: كان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض له لمعان مثل لمعان البرق فخرّوا على وجوههم ثم ردّها إلى جيبه فإذا هي كما كانت ولما كان البياض المفرط عيباً في الجسد وهو البرص قال الله تعالى في آية أخرى: {من غير سوء} (طه، 22) أي: من غير برص. فإن قيل: بم يتعلق قوله تعالى: {للناظرين} ؟ أجيب: بأنه يتعلق بقوله تعالى: {بيضاء} والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب. فإن قيل: أحد هذين الأمرين إمّا العصا وإمّا اليد كان كافياً فما فائدة الجمع بينهما؟ أجيب: بأنّ كثرة الدلائل توجب القوّة في اليقين وزوال الشك وقول بعض الملحدين: المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد وهو أنّ حجة موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة من حيث أنها أبطلت أقوال المخالفين وأظهرت فسادها كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ومن أنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال في العرف: لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني أي: قوة كاملة ومرتبة ظاهرة مردود إذ حمل هاتين المعجزتين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان. {قال الملأ} أي: الأكابر {من قوم فرعون إنّ هذا} أي: موسى {لساحر عليم} أي: عالم بالسحر ماهر فيه قد أخذ بأعين الناس ويريهم الشيء بخلاف ما هو عليه حتى يخيل إليهم أنّ العصا صارت حية وأنّ الآدم أبيض كما أراهم يده بيضاء وهو آدم اللون وإنما قالوا ذلك لأن السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان. فإن قيل: قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هذا الكلام من قول الملأ لفرعون وقال في سورة الشعراء وقال أي: فرعون للملأ حوله: {إن هذا لساحر عليم} (الشعراء، 34) فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: عن ذلك بجوابين: الأوّل: لا يمتنع أن يكون قاله فرعون أولاً ثم إنهم قالوه بعده فأخبر الله عنهم هنا وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء. الثاني: أن فرعون قال هذا القول ثم إن الملأ من قومه وهم خاصته سمعوه منه ثم إنهم بلغوه إلى العامّة فأخبر الله تعالى هنا عن الملأ وأخبر هناك عن فرعون {يريد} أي: موسى {أن يخرجكم} أيها القبط {من أرضكم} أي: أرض مصر {فماذا تأمرون} أي: أيّ شيء تشيرون أن نفعل به فقوله: {فماذا تأمرون} من قول فرعون وإن لم يذكر، وقيل: من قول الملأ وتمّ كلام فرعون عند قوله: {يريد أن يخرجكم من أرضكم} فقال الملأ مجيبين له: فماذا تأمرون وإنما خاطبوه بلفظ الجمع وهو واحد على عادة الملوك في التعظيم والتفخيم، والمعنى: فما تأمرون أن نفعل به والقول الأوّل أصح لسياق الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: {قالوا أرجئه} أي: موسى {وأخاه} هارون عليهما السلام أي: أخر أمرهما ولا تعجل فيه حتى ننطر فى أمرهما والإرجاء في اللغة التأخير وقيل: الحبس أي: احبسه وأخاه ورد بأن فرعون ما كان يقدر على حبس موسى بعدما رأى من أمر العصا ما رأى.v
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بهمزة ساكنة والباقون بغير همز {وأرسل في المدائن} جمع مدينة واشتاقها من مدن بالمكان أي: أقام به أي: مدائن صعيد مصر {حاشرين} أي: أرسل رجالاً من أعوانك وهم الشرط بضم الشين وفتح الراء طائفة من أعوان الولاة يحشرون إليك السحرة من جميع مدائن الصعيد، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد فإن غلبهم موسى صدّقناه واتبعناه وإن غلبوه علمنا أنه ساحر فذلك قوله تعالى: {يأتوك} أي: الشرط {بكل ساحر عليم} أي: ماهر بصناعته والباء يحتمل أن تكون بمعنى مع ويحتمل أن تكون باء التعدية، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد الحاء مفتوحة وألف بعدها ولا ألف قبلها والباقون بتخفيف الحاء مكسورة وألف قبلها ولا ألف بعدها ولم يختلفوا في سورة الشعراء أنه سحار، قيل: الساحر الذي يعلم السحر ولا يعلم والسحار من يديم السحر، روي أنّ فرعون لما رأى من سلطان الله وقدرته في العصا ما رأى قال: إنا لا نقاتل موسى إلا بمن هو أقوى منه فاتخذ غلماناً من بني إسرائيل وبعث بهم إلى مدينة يقال لها: الفرما يعلمونهم السحر فعلموهم سحراً كثيراً وواعد فرعون موسى موعداً ثم بعث السحرة الذين أرسلهم فجاؤوا ومعلمهم معهم فقال فرعون للمعلم: ما صنعت؟ فقال: علمتهم سحراً لا تطيقه أهل الأرض إلا أن يأتي أمر من السماء فإنهم لا طاقة لهم به ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحر إلا أتي به وهذا يدل على أنّ السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وهو يدل على صحة ما يقوله المتكلمون وهو أنه تعالى يجعل معجزة كل نبيّ من جنس ما كان غالباً على أهل ذلك الزمان لما كان السحر غالباً على أهل زمان موسى كانت معجزته شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة للسحر في الحقيقة، ولما كان الطب غالباً على أهل زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد صلى الله عليه وسلم كانت معجزته من جنس الفصاحة. واختلفوا في عدد السحرة الذي جمعهم فرعون فمن مقل ومن مكثر وليس في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد ولذلك اختلف في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط وهما رؤساء القوم وسبعون من بني إسرائيل، وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى بلدة يونس عليه السلام وكانوا سبعين غير رئيسهم، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفاً، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال عكرمة: كانوا سبعين ألف، وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً، وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون، وقال ابن جريج: كان رئيسهم يوحنا. {وجاء السحرة فرعون} أي: بعدما أرسل الشرط في طلبهم {قالوا أئن لنا لأجراً} أي: جعلاً وعطاءً تكرمنا به {إن كنا نحن الغالبين} لموسى. فإن قيل: هلا قيل: فقالوا بالفاء؟ أجيب: بأنه على تقدير: سائل سأل ما قالوا إذا جاؤوا؟ فأجيب: بقوله: {أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين} وقرأ ابن كثير وحفص بهمزة مكسورة ونون مشدّدة بعدها على الخبر والباقون بهمزتين وسهل الثانية أبو عمرو وأدخل ألفاً بينهما والباقون بتحقيقهما وأدخل بينهما ألفاً هشام والباقون بغير ألف بينهما. {قال} لهم فرعون {نعم} أي: لكم الأجر والعطاء وقرأ الكسائي بكسر العين والباقون بالفتح وقوله تعالى: {وإنكم لمن المقرّبين}
عطف على محذوف سدّ مسدّ الجواب كأنه قيل: جواباً لقولهم: {أئن لنا لأجراً} إنّ لكم أجراً وإنكم لمن المقربين أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل أزيدكم عليه وتلك الزيادة أني أجعلكم من المقرّبين عندي، قال الكلبيّ: تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج من عندي الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مهيناً عاجزاً وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى وتدل أيضاً على أنّ كل السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان لقلبوا التراب ذهباً ولنقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب. {قالوا} أي: السحرة {يا موسى إمّا أن تلقى} أي: عصاك {وإمّا أن نكون نحن الملقين} أي: عصينا وحبالنا فراعوا مع موسى عليه السلام حسن الأدب حيث قدموه على أنفسهم في الإلقاء فعوضهم الله تعالى حيث تأدّبوا مع نبيه عليه السلام أن منّ عليهم بالإيمان والهداية ولما راعوا الأدب أوّلاً وأظهروا ما يدل على رغبتهم. {قال} لهم موسى {اتقوا} أنتم فقدّمهم على نفسه في الإلقاء. فإن قيل: كيف جاز لنبيّ الله تعالى موسى عليه السلام أن يأمر بالإلقاء وقد علم أنه سحر وفعل السحر حرام أو كفر؟ أجيب: عن ذلك بأجوبة: أحدها: إنّ معناه إن كنتم محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا، الثاني: أنّ القوم إنما جاؤوا لإلقاء تلك الحبال والعصيّ وعلم موسى عليه السلام أنه لا بدّ وأن يفعلوا ذلك ووقع التحير في التقديم والتأخير فعند ذلك أذن لهم في التقديم ازدراء لشأنهم وقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده الله تعالى من التأييد والتقوية وأنّ المعجزة لا يغلبها سحر أبداً، الثالث: أنه عليه السلام كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر وإبطاله ما كان يمكن إلا بتقديمهم فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله فلهذا المعنى أمرهم بالإلقاء أولاً {لما ألقوا} حبالهم وعصيهم {سحروا} أي: صرفوا {أعين الناس} عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذي هو فعل الله تعالى وذلك لأنّ السحر ليس فيه قلب الأعيان وإنما فيه صرف أعين الناس عن إدراك ذلك الشيء بسبب التمويهات والمعجزة قلب ذلك الشيء حقيقة كقلب عصا موسى عليه السلام فإذا هي حية تسعى {واسترهبوهم} أي: أرهبوهم والسين زائدة قاله المبرد، وقال الزجاج: استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس وذلك بأن بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب {وجاؤوا} أي: السحرة {بسحر عظيم} . روي أنّ السحرة قالوا: قد عملنا سحراً لا تطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به وذلك أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا هي حيات تسعى كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصى زئبقاً ليضيء وألقوها على الأرض فلما أثر حرّ الشمس فيها تحرّكت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات تتحرّك وتلتوي باختيارها،
ويقال: إن الأرض كان سعتها ميلاً في ميل فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى عليه السلام لأجل سحرهم لأنه كان على ثقة ويقين من الله تعالى أنهم لم يغلبوه وهو غالبهم وكان عالماً بأنّ ما أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخيل وذلك باطل ومع هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى عليه السلام وإنما كان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات فخاف موسى عليه السلام أن يتفرّقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسة خيفة موسى. {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} فألقاها فصارت حية عظيمة قد سدّت الأفق قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالاسكندرية وقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاهاً ثمانين ذراعاً {فإذا هي تلقف} بحذف إحدى التاءين من الأصل أي: تبتلع {ما يأفكون} أي: ما يزوّرونه من الإفك وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه. روي أنها ابتلعت كل ما أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحداً واحداً حتى ابتلعت الكل ثم أقبلت على الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام عليهم فمات منهم بسبب ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى عليه السلام فصارت في يده عصا كما كانت أوّل مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه أمر من السماء وليس بسحر وعرفوا أنّ ذلك ليس في قدرة البشر وقوّتهم فعند ذلك خروا سجداً وقالوا: آمنا برب العالمين وذلك قوله تعالى: {فوقع الحق} أي: فظهر الحق الذي جاء به موسى {وبطل ما كانوا يعملون} أي: من السحر وذلك أنّ السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت وتلاشت في عصا موسى علموا أنّ ذلك من أمر الله تعالى وقدرته وقرأ حفص: تلقف بسكون اللام وتخفيف القاف والباقون بفتح اللام وتشديد القاف وشدّد التاء البزيّ. {فغلبوا} أي: فرعون وجموعه {هنالك} أي: عند ذلك الأمر العظيم العالي الرتبة {وانقلبوا صاغرين} أي: رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين {وألقي السحرة ساجدين} أي: أنّ الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى وينقلب الأمر عليه، قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا. قال فرعون: إياي تعنون قالوا: لا بل. {رب موسى} فقال: إياي تعنون لأني أنا الذي ربيت موسى فلما قالوا: {وهارون} زالت الشبهة وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السماء قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة: أتؤمن بي إن غلبتك فقال: لآتينّ بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومننّ بك وفرعون ينظر إليهما ويسمع كلامهما فهذا قوله: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} ويقال: إنّ الحبال والعصيّ التي كانت مع السحرة كانت حمل ثلثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى عليه السلام كلها قال بعضهم لبعض: هذا أمر خارج عن هذا السحر وما هو إلا من أمر السماء فآمنوا وصدّقوا. فإن قيل: كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود على الإيمان؟ أجيب: بأنّ الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان والمعرفة خرّوا سجداً لله تعالى شكراً على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان بالله
تعالى وتصديق رسوله ثم أظهروا بعد ذلك إيمانهم قال قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، وعن الحسن: نرى من ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا وكذا وهؤلاء الكفار نشؤوا في الكفر بذلوا أنفسهم لله تعالى. {قال فرعون} للسحرة منكراً عليهم موبخاً لهم بقوله: {آمنتم} أي: صدقتم {به} أي: بموسى أو بالله تعالى والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ. فائدة: هنا ثلاث همزات جميع القراء بإبدال الثالثة ألفاً وحقق الثانية شعبة وحمزة والكسائي وسهلها نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر وأمّا حفص فإنه أسقط الأولى وأبدلها قنبل في الوصل واواً {قبل أن آذن لكم} أي: قبل أن آمركم بذلك وآذن لكم فيه {إنّ هذا لمكر مكرتموه} أي: إن هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى {في المدينة} أي: مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع، وذلك أنّ فرعون رأى موسى يحدّث كبير السحرة فظن فرعون أن موسى وكبير السحرة قد تواطؤوا عليه وعلى أهل مصر ليستولوا على مصر كما قال: {لتخرجوا منها أهلها} أي: القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل وقوله تعالى: {فسوف تعلمون} فيه وعيد وتهديد أي: فسوف تعلمون ما أفعل بكم ثم فسر ذلك الوعيد بقوله: {لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي: يخالف الطرف الذي تقطع منه اليد الطرف الذي تقطع منه الرجل، قال الكلبي: لأقطعنّ أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى {ثم لأصلبنكم} أي: أعاقبكم ممددة أيديكم لتصير على هيئة الصليب أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم {أجمعين} أي: لا أترك منكم أحداً تفضيحاً لكم وتنكيلاً لأمثالكم قال ابن عباس: أوّل من صلب وقطع الأيدي والأرجل فرعون أي: إنه أوّل من سنّ ذلك فشرعه الله تعالى للقطاع تعظيماً لجرمهم ولذلك سماه محاربة الله ورسوله ولكن على التعاقب لفرط رحمته. {قالوا} أي: السحرة مجيبين لفرعون حين وعدهم بما ذكر {إنا إلى ربنا} بعد موتنا على أيّ وجه كان {منقلبون} أي: راجعون إليه في الآخرة. {وما تنقم} أي: تنكر {منا} أي: في فعلك ذلك بنا وتعيب علينا {إلا أن آمنا} أي: إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان {بآيات ربنا لما جاءتنا} لم نتأخر عن معرفة الصدق وهذا موجب الإكرام لا الإنتقام ثم فزعوا إلى الله تعالى فقالوا: {ربنا أفرغ علينا صبراً} عندما توعدهم فرعون به أي: اصبب علينا صبراً كاملاً تاماً ولهذا أتى بلفظ التنكير أي: صبراً وأيّ صبر عظيم {وتوفنا مسلمين} أي: واقبضنا على دين الإسلام وهو دين خليلك عليه السلام قال ابن عباس: كانوا في أوّل النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء، قال الطيبيّ: إنّ فرعون قطع أيديهم وأرجلم وصلبهم، وقال غيره: إنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: {بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} (القصص، 35) . تنبيه: في الآية فوائد الأولى قولهم: {أفرغ علينا صبراً} أكمل من قولهم أنزل علينا صبراً لأن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية فكأنهم طلبوا من الله تعالى كل الصبر لا بعضه، الثانية: إنّ قولهم صبراً مذكور بصيغة التنكير وذلك يدل على تمام الكمال أي: صبراً تاماً كاملاً، الثالثة: إن ذكر الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ثم إنهم طلبوه من الله تعالى وذلك يدل على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه، الرابعة: احتج القاضي بهذه الآية على أنّ الإيمان والإسلام واحد فقال: إنهم قالوا
أوّلاً: آمنا بآيات ربنا، ثم قالوا ثانياً: وتوفنا مسلمين فوجب أن يكون ذلك الإيمان هو ذلك الإسلام وذلك يدل على أنّ أحدهما هو الآخر واعلم أنّ فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرّض لموسى لأنه كان كلما رأى موسى عليه السلام خافه أشدّ الخوف فلهذا السبب لم يتعرّض له إلا أن القوم لم يعرفوا ذلك فقالوا له: {أتذر موسى وقومه} كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى: {وقال الملأ} أي: الأشراف {من قوم فرعون} له {أتذر} أي: تترك {موسى وقومه} من بني إسرائيل {ليفسدوا في الأرض} أي: أرض مصر وأراد بالفساد فيها أنهم يأمرونهم بمخالفة فرعون وهو قولهم: {ويذرك وآلهتك} أي: معبوداتك أي: فلا يعبدك ولا يعبدها، قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة حسنة يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها ولذلك أخرج لهم السامري عجلاً، وقال السدي: كان فرعون اتخذ لقومه أصناماً وكان يأمرهم بعبادتها وقال لهم: أنا ربكم ورب هذه الأصنام وذلك قوله: {أنا ربكم الأعلى} . فإن قيل: إنّ فرعون إن لم يكن كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسل إليه وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السموات والأرض لأنّ فساد معلوم بالضرورة؟ أجيب: بأن الأقرب أن يكون دهرياً منكر الوجود الصانع وكان يقول: مدبر هذا السفلي هو الكواكب واتخذ أصناماً على صورة الكواكب وكان يعبدها ويأمر بعبادتها وكان يقول في نفسه: إنه المطاع المخدوم في الأرض ولهذا قال: {أنا ربكم الأعلى} {قال} فرعون مجيباً لملئه حين قالوا له: أتذر موسى وقومه {سنقتل أبناءهم} أي: المولودين {ونستحيي نساءهم} أي: نتركهم أحياء كما كنا نفعل من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ولا يتوهم إنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكك على يديه. وقرأ نافع وابن كثير بفتح النون وسكون القاف وضم التاء مخففة والباقون بضم النون وفتح القاف وكسر التاء مشدّدة {وإنا فوقهم قاهرون} أي: غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظرة فأعادوا عليهم القتل فشكت بنو إسرائيل لموسى فأمرهم بالصبر كما قال تعالى: {قال موسى لقومه} أي: بني إسرائيل {استعينوا بالله واصبروا} أي: استعينوا بالله على فرعون وقومه فيما نزل بكم من البلاء فإن الله تعالى هو الكافي لكم واصبروا على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم {إنّ الأرض} أي: أرض مصر وإن كانت الأرض كلها {} تعالى لأنّ الكلام فيها {يورثها من يشاء من عباده} وفي هذا تسلية لهم وتقريراً للأمر بالاستعانة بالله عز وجل والتثبت في الأمر وقوله تعالى: {والعاقبة} أي: المحمودة {للمتقين} لأنّ الله تعالى وعدهم بالنصر وتذكير لما وعدهم به من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وتحقيق له ولما سمع بنو إسرائيل ما قال فرعون من توعده لهم بالقتل مرّة ثانية. {قالوا} لموسى {أوذينا من قبل أن تأتينا} أي: بالرسالة وذلك إن بني إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يأخذ منهم الجزية وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف النهار ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم فلما جاء موسى بالرسالة وجرى له ما جرى شدد فرعون في استعمالهم فكان يستعملهم جميع النهار بلا أجر وأراد أن يعيد القتل
عليهم فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا {ومن بعد ما جئتنا} أي: بالرسالة. فإن قيل: ظاهر هذا الكلام يوهم أن بني إسرائيل كرهوا مجيء موسى بالرسالة وذلك كفر أجيب: عن هذا الإيهام بأنّ موسى عليه السلام كان قد وعدهم بزوال ما كانوا فيه من الشدّة والمشقة فظنوا أنّ ذلك يكون على الفور فلما رأوا أنّ المشقة قد زادت عليهم قالوا ذلك أي: فمتى يكون ما وعدتنا به من زوال ما نحن فيه {قال} موسى عليه السلام مجيباً لهم: {عسى ربكم أن يهلك عدوّكم} أي: فرعون وقومه {ويستخلفكم في الأرض} أي: يجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم، قال البيضاوي: ولعله أتى بفعل الطمع أي: بعسى لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم. وقد روي أنّ مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام ثم سبب عن الاستخلاف قوله تعالى مذكراً لهم محذراً من سطواته تعالى: {فينظر} أي: وأنتم خلفاء متمكنون {كيف تعملون} أي: يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إبقاعكم للأعمال ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداته. روي عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان فطلب زيادة لعمرو فلم يجد فقرأ عمرو هذه الآية ثم دخل عليه بعدما استخلف فذكر له ذلك وقال: قد بقي فينظر كيف تعملون. {ولقد أخدنا آل فرعون} أي: فرعون وقومه {بالسنين} أي: بالقحط والجوع سنة بعد سنة فإنّ السنة تطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهمّ اجعلها عليهم كسني يوسف» {ونقص من الثمرات} أي: بالعاهات، قال قتادة: أمّا السنين فلأهل البوادي وأمّا نقص الثمرات فلأهل الأمصار، وعن كعب يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة {لعلهم يذكرون} أي: يتعظون فيؤمنون ويرجعون عما هم عليه من الكفر والمعاصي لأنّ الشدّة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى من الخيرات والدليل على ذلك قوله تعالى: {وإذا مسكم الضرّ في البحر ضلّ من تدعون إلا إياه} (الإسراء، 67) وقوله تعالى: {وإذا مسه الشرّ فذو دعاء عريض} (فصلت، 51) وقال سعيد بن جبير: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في نفسه ثلثمائة وعشرين سنة ولو أصابه في تلك المدّة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية ثم بين سبحانه وتعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال: {فإذا جاءتهم الحسنة} قال ابن عباس: العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة {قالوا لنا هذه} أي: نحن مستحقوه على العادة التي جرت من كثرة نعمتنا وسعة أرزاقنا ولم يعلموا أنه من الله تعالى فيشكروه على أنعامه {وإن تصبهم سيئة} أي: قحط وجدب ومرض وبلاء ورأوا ما يكرهونه في أنفسهم {يطيروا} يتشاءموا وأصله يتطيروا {بموسى ومن معه} من المؤمنين، ويقولون: ما أصابنا إلا بشؤمهم وهذا إغراق في وصفهم في الغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك سيما بعد مشاهدة الآيات وهي لم تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتوّاً وانتهاكاً في البغي وإنما عرّف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بأحداثها بالذات ونكر السيئة وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد إلا بالتبع {ألا إنما
طائرهم عند الله} أي: سبب خيرهم وشرهم عنده تعالى وهو حكمه ومشيئته أو سبب شؤمهم عند الله تعالى وهو أعمالهم المكتوبة عنده فإنها التي ساقت إليهم ما يسوءهم {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} أي: إنّ ما يصيبهم من الله تعالى وذلك لأنّ أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطعونها عن قضاء الله تعالى وتقديره: والحق أنّ الكل من الله تعالى لأنّ كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته والواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وبهذا الطريق يكون الكل من الله تعالى فإسناده إلى غير الله تعالى يكون جهلاً بكمال الله تعالى.H {وقالوا} أي: فرعون وقومه القبط لموسى عليه السلام {مهما تأتنا به} وقوله تعالى: {من آية} أي: من عند ربك بيان لمهما وإنما سموها آية على زعم موسى لا لاعتقادهم ولذلك قالوا: {لتسحرنا بها} أي: لتصرفنا عما نحن عليه من الدين {فما نحن لك بمؤمنين} أي: بمصدّقين. تنبيه: اختلف في أصل مهما فقيل: أصلها ما ما الأولى ما الشرطية والثانية ما الزائدة ضمت إليها للتأكيد ثم قلبت ألفها هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين فصارت مهما هذا قول الخليل والبصريين، وقيل: أصلها مه التي بمعنى اكفف وما الجزائية كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فهو كذا وكذا هذا قول الكسائي فهي مركبة على هذين القولين والمعتمد الذي جرى عليه ابن هشام وغيره أنها بسيطة لأنّ دعوى التركيب لم يقم عليها دليل ووزنها فعلى وألفها للإلحاق أو للتأنيث والضميران في به وبها راجعان لمهما إلا أن أحدهما ذكر باعتبار اللفط والثاني أنث باعتبار المعنى لأنه في معنى الآية ونحوه قول زهير: *ومهما يكن عند امرىء من خليقة ... وإذ خالها تخفى على الناس تعلم* قال في الكشاف: وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرّفها من لا يد له في علم العربية فيضعها في غير موضعها ويحسب أنها بمعنى متى ما ويقول: مهما جئتني أعطيتك قال ابن عباس: إنّ القوم لما قالوا مهما تأتنا به من آية من ربك فهي عندنا من باب السحر ونحن لا نؤمن بها البتة وكان موسى عليه السلام رجلاً حديداً فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله تعالى له فقال تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان} وقال سعيد بن جبير: لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوباً أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي على الشر فتابع الله تعالى عليهم الآيات فأخذهم أوّلاً بالسنين وهو القحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا فدعا عليهم موسى وقال: يا رب إنّ عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإنّ قومه قد نقضوا العهد فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله تعالى عليهم الطوفان وهو الماء فأرسل الله تعالى المطر من السماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت بني إسرائيل شيء وركب ذلك الماء على أرضهم فلم يقدروا أن يحرثوا ولا يعملوا شيئاً ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت حتى كان الرجل منهم لا يرى شمساً ولا قمراً ولا يستطيع الخروج من داره فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به فأرسل إلى موسى عليه
السلام فقال: اكشف عنا العذاب فقد صار بحراً واحداً فإن كشف هذا العذاب آمنا بك فأزال الله تعالى عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما لم ير مثله قط فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، وقيل: المراد بالطوفان الجدري وهو بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما قروح في البدن تنفط وتنضح، وقيل: هو الموتان وهو بضم الميم موت في الماشية، وقيل: هو الطاعون فنكثوا العهد {و} لم يؤمنوا وأقاموا شهراً في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الجراد} فأكل النبات والثمار وأرواق الشجر حتى كان يأكل الأبواب وسقوف البيوت ومسامير الأبواب من الحديد وابتلي الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعاً فضجوا من ذلك وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك فأعطوه عهد الله وميثاقه فدعا موسى عليه السلام فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، وفي الخبر مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم، ويقال: إنّ موسى عليه السلام برز إلى الفضاء وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت، وقيل: أرسل الله تعالى ريحاً فاحتمل الجراد فألقاه في البحر وكان قد بقي من زرعهم وغلاتهم بقية فقالوا: قد بقي لنا ما يكفينا فما نحن بتاركي ديننا {و} لم يؤمنوا وأقاموا أشهراً في عافية وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة فأرسل الله تعالى عليهم {القمل} واختلفوا في القمل، فعن ابن عباس أنه السوس الذي يخرج من الحنطة، وعن قتادة أنه أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. وعن عكرمة أنه الحمنان وهو ضرب من القراد، وعن عطاء القمل المعروف فأكل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه، وكان أحدهم يأكل طعاماً فيمتلىء قملاً، وكان أحدهم يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا يردّ منها إلا شيئاً يسير، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه به موسى عليه السلام بعصاه فصار قملاً فأخذت أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري ومنعهم النوم والقرار فصاحوا وصرخوا هم وفرعون إلى موسى عليه السلام وقال: إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء فدعا موسى فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا: ما كنا أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم جعل الرمل دواب {و} لم يؤمنوا فدعا موسى عليه السلام عليهم بعدما أقاموا شهراً في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الضفادع} فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحدهم عن ثوب ولا طعام ولا شراب إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى رقبته ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه وكان يثب في قدورهم فيفسد عليهم طعامهم ويطفىء نيرانهم وكان أحدهم يضطجع فيركبه الضفدع فيكون عليه ركاماً حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر ويفتح فاه إلى أكلة فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ولا يعجن عجيناً ولا يفتح قدراً إلا امتلأت ضفادع، وعن ابن عباس أنّ الضفادع كانت بريّة فلما أرسلها الله تعالى
إلى آل فرعون سمعت فأطاعت فجعلت تلقي نفسها في القدور وهي تغلي وفي التنانير وهي تفور فأثابها الله تعالى بحسن طاعتها برد الماء فلقوا منها أذى شديداً فشكوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: ارحمنا هذه المرّة فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح ولا نعود فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بأن أماتها وأرسل الله المطر والريح فاحتملها إلى البحر بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ثم نكثوا العهد {و} لم يؤمنوا وعادوا لكفرهم وأعمالهم الخبيثة فدعا عليهم موسى بعدما أقاموا شهراً في عافية فأرسل الله تعالى عليهم {الدم} فصارت مياههم كلها دماً فما يستقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه ماء عبيطاً أحمر فشكوا إلى فرعون وقالوا: ليس لنا شراب، فقال: إنه سحركم، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا دماً عبيطاً وكان فرعون لعنه الله تعالى يجمع بين القبطيّ والإسرائيليّ على الإناء الواحدة فيكون ما يلي الإسرائيليّ ماء وما يلي القبطيّ دماً ويقومان إلى الجرّة فيها الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطيّ دم حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي للمرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول: اسقيني من مائك فتصبّ لها من قربتها فيعود في الإناء دماً حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ فتأخذ في فيها ماء وإذا مجته في فيها صار دماً واعترى فرعون العطش حتى أنه كان ليضطرّ إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دماً فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فأتوا موسى وشكوا إليه ما يلقونه وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى عليه السلام ربه فكشف عنهم، وقيل: الدم الذي سلط عليهم هو الرعاف، وقوله تعالى: {آيات} نصب على الحال {مفصلات} أي: مبينات لا تشكل على عاقل إنها آيات الله تعالى ونقمته عليهم أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل آيتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعاً كما مرّت الإشارة إلى ذلك وقيل: إنّ موسى عليه السلام لبث فيهم بعدما غلب السحرة وآمنوا به عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل {فاستكبروا} عن الإيمان فلم يؤمنوا {وكانوا} أي: فرعون وقومه {قوماً مجرمين} أي: كافرين. { ولما وقع عليهم الرجز} أي: نزل بهم العذاب وهو ما ذكره الله تعالى من الطوفان وما بعده، وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدّمت فنزل بهم الطاعون فمات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفاً وتركوا غير مدفونين، قال الإمام الرازي: والقول الأوّل أقوى لأنّ لفظ الرجز مفرد محلى بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق وههنا المعهود السابق هو الأنواع الخمسة التي تقدّم ذكرها وأمّا غيرها فمشكوك فيه فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه، وعن أسامة بن زيد: الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه {قالوا يا موسى ادع لنا ربك} ولم يقولوا ربنا كبراً وعتواً {بما عهد عندك} أي: بعهده عندك وهو النبوة وسميت عهداً لأن الله تعالى عهد أن يكرم النبيّ وهو عهد
أن يستقل بأعبائها أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك به في آياتك والباء إمّا أن تتعلق بقوله: {ادع لنا ربك} على وجهين: أحدهما: أسعفنا إلى ما نطلب منك من الدعاء لك بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة أو ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك وإمّا أن يكون قسماً مجاباً بقوله تعالى: {لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك} أي: أقسمنا بعهد الله تعالى عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك {ولنرسلنّ معك بني إسرائيل} أي: لنصدّقنك بما جئت به ولنخلين بني إسرائيل ليذهبوا حيث شاؤوا. {فلما كشفنا عنهم الرجز} أي: بدعاء موسى عليه السلام {إلى أجل هم بالغوه} أي: إلى حدّ من الزمان هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدّم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليمّ وقوله تعالى: {إذا هم ينكثون} جواب لما أي: فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث من غير توقف وتأمّل فيه. فإن قيل: إنّ الله تعالى علم من حال هؤلاء أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات فما الفائدة في تواليها عليهم وإظهار الكثير منها؟ أجيب: بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عما يفعل قال تعالى: {فانتقمنا منهم} أي: كافأناهم على سوء صنيعهم وأصل الانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب لأنه تعالى لما كشف عنهم العذاب مرّات فلم يؤمنوا ولم يرجعوا عن كفرهم وبلغوا الأجل الذي أجل لهم انتقم منهم بأن أهلكهم كما قال تعالى: {فأغرقناهم في اليمّ} أي: في البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأنّ المنتفعين به يقصدونه قال الأزهريّ: ويقع اليمّ على البحر الملح والبحر العذب ويدل على ذلك قوله تعالى: {فاقذفيه في اليمّ} (طه، 39) والمراد نيل مصر وهو عذب، وإغراقهم {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} الدالة على وحدانيتنا وصدق رسولنا {وكانوا عنها} أي: الآيات {غافلين} أي: لا يتدبرونها، وقيل: الضمير في عنها يرجع للنقمة التي دل عليها قوله تعالى: {انتقمنا} أي: وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين. فإن قيل: الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على الغفلة أجيب: بأنّ المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها. فإن قيل: أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة فكيف يكون الانتقام بهذين دون غيرهما؟ أجيب: بأنه ليس في بيان أنه تعالى انتقم منهم بهذين دلالة على نفي ما عداهما. قال الرازي: والآية تدل على أنّ الواجب في الآيات النظر فيها فلذلك ذمّهم بأنهم غفلوا عنها وذلك يدل على أنّ التقليد طريق مذموم ولما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة بين تعالى ما فعله بالمؤمنين من الخيرات وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} أي: بالاستعباد وذبح الأبناء وأخذ الجزية والأعمال الشاقة وهم بنو إسرائيل {مشارق الأرض ومغاربها} أي: أرض الشأم وهي من الفرات إلى بحر سرف الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله كما نقله البقاعي في المائدة عن التوراة، وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان عليهما السلام وقد ملكا الأرض ويدل للأوّل قوله
تعالى: {التي باركنا فيها} أي: بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشأم {وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل} أي: مضت عليهم واستمرّت من قولهم تم عليه الأمر إذا قضي وهي قوله تعالى: {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض} (القصص، 5) الخ.. والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ومعنى تمت عليهم إنجاز الوعيد الذي تقدّ بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض وإنما كان الإنجاز تماماً للكلام لأنّ الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق فإذا حصل الموعود به فقد تمّ ذلك الوعد وكمل. فائدة: رسمت كلمة بالتاء المجرورة ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ووقف الباقون بالتاء وإنما حصل لهم ما ذكر {بما صبروا} أي: بسبب صبرهم وحسبك بها حاثاً على الصبر ودالاً على أنّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله تعالى له الفرج {ودمّرنا} أي: أهلكنا، قال الليث: الدمار الهلاك التامّ {ما كان يصنع فرعون وقومه} في أرض مصر من القصور والعمارات {وما كانوا يعرشون} أي: من الجنان وما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الراء والباقون بالجرّ وهذا آخر ما قص الله تعالى من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعبادهم ومعاينتهم الآيات العظام بقوله تعالى: أي: قطعناه بهم. روي أنّ جوازهم كان يوم عاشوراء وأنّ موسى عليه السلام صامه شكراً لله تعالى على إنجائهم وإهلاك عدوّهم ومع النعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم لم يراعوها حق رعايتها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى: {فأتوا على قوم} أي: مرّوا عليهم {يعكفون على أصنام لهم} أي: يقيمون على عبادتها، قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل قيل: كانوا قوماً من لخم وكانوا نزولاً بالرقة، وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف والباقون بالضم {قالوا} أي: قال بعضهم لبعض: لإنه كان مع موسى السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل وهو قولهم: {يا موسى} سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة {اجعل لنا إلهاً} أي: صنماً نعتكف عليه وهذا يدل على غاية جهلهم وذلك أنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير الله تعالى بعدما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى أغرقهم الله تعالى في البحر بكفرهم وهو عبادتهم غير الله سبحانه وتعالى فحملهم جهلهم إلى أن قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: اجعل لنا إلهاً {كما لهم آلهة} وفي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة تذكرة لحال الإنسان وإنه ظلوم جهول كنود إلا من عصمه الله {وقليل من عبادي الشكور} (سبأ، 13) {قال} موسى ردّاً عليهم {إنكم قوم تجهلون} وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ما صدر عنهم بعدما رأوا من الآيات العظمى والمعجزة الكبرى لأنه جهل أعظم مما رأى منهم وأشنع. {إنّ هؤلاء} أي: القوم {متبر} أي: هالك مدمر {ما هم فيه} أي: إنّ الله تعالى يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها
رضاضاً {وباطل} أي: مضمحل {ما كانوا يعملون} أي: من عبادتها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى لأن الاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله تعالى من القلب، والمقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب، فكان هذا ضداً للغرض ونقيضاً للمطلوب. {قال} موسى عليه السلام مجيباً لهم على سبيل الإنكار عليهم والتعجب {أغير الله أبغيكم إلهاً} وأصله: أبغي لكم أي: أطلب لكم معبوداً {وهو} أي: والحال أنه هو وحده {فضلكم على العالمين} إذ الإله ليس شيئاً يطلب ويلتمس ويتخذ بل الإله هو الذي يكون قادراً على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم فهذا الموجود هو الإله الذي يجب على الخلق عبادته فكيف يجوز العدول عن عبادته إلى عبادة غيره وفي تفضيلهم على العالمين قولان: الأوّل: أنه تعالى فضلهم على عالمي زمانهم إلا ما يخصه العقل من الأنبياء والملائكة، والثاني: أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من العالمين وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال مثاله: رجل يعلم علماً واحداً وآخر يعلم علوماً كثيرة سوى ذلك العلم فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك العلم في الحقيقة. {وإذ أنجيناكم من آل فرعون} أي: واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت وقرأ ابن عامر بحذف الياء والنون والباقون بإثباتهما وقوله تعالى: {يسومونكم} أي: يكلفونكم ويذيقونكم {سوء العذاب} أي: أشدّه استئناف لبيان ما أنجاهم أو حال من المخاطبين أو من آل فرعون أو منهما وقوله تعالى: {يقتلون أبناءكم ويستحيون} أي: يستبقون {نساءكم} بدل من يسومونكم سوء العذاب {وفي ذلكم} أي: الإنجاء أو العذاب {بلاء} أي: نقمة أو محنة {من ربكم عظيم} أي: أفلا تتعظون وتنتهون عما قلتم. {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} نكلمه عند انتهائها بأن يصوم أيامها، روي أنّ موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك سأل ربه فأمر بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة فصامه فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، وقيل: أوحى الله تعالى إليه أما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فأمره الله تعالى بعشرة أخرى ليكلمه الله بخلوف فمه كما قال تعالى: {وأتممناها بعشر} أي: من ذي الحجة {فتم ميقات ربه} أي: وقت وعده بتكليمه إياه {أربعين ليلة} وقيل: أمره أن يتخلى ثلاثين بالصوم والعبادة ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها ولقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة وفصلها هنا، وقرأ أبو عمرو وعدنا بغير ألف قبل العين والباقون بألف. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} مع أن كل أحد يعلم أنّ الثلاثين مع العشر تكون أربعين؟ أجيب: بأنه تعالى إنما قال: {أربعين ليلة} إزالة لتوهم أنّ ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين كأنه كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين فأزال هذا الإيهام. تنبيه: الفرق بين الميقات والوقت أنّ الميقات ما قدّر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت للشيء قدره مقدّر أم لا وقوله تعالى: {أربعين} نصب على الحال أي: تمّ بالغاً هذا العدد وليلة نصب على التمييز {وقال موسى لأخيه} وقوله: {هرون} عطف بيان لأخيه أي: قال له عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة: {اخلفني} أي: كن
خيلفتي {في قومي وأصلح} أي: ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحاً {ولا تتبع سبيل المفسدين} أي: ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه. فإن قيل: إنّ هارون كان شريك موسى عليهما السلام في النبوّة فكيف جعله خليفة لنفسه فإنّ شريك الإنسان أعلى حالاً من خليفته، وردّ الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدون يكون إهانة له؟ أجيب: بأنّ الأمر وإن كان كما ذكر إلا أنّ موسى عليه السلام كان هو الأصل في تلك النبوّة. فإن قيل: لما كان هارون نبياً والنبيّ لا يفعل إلا الإصلاح فكيف وصى إليه بالإصلاح؟ أجيب: بأنّ المقصود من هذا الأمر التأكيد كقول الخليل: {ولكن ليطمئن قلبي} (البقرة، 26) {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي: للوقت الذي وعدناه للكلام فيه {وكلمه ربه} دلت الآية الكريمة على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام الله تعالى، قال الزمخشريّ في كشافه: وكلمه ربه من غير واسطة كما يكلم الملك وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطاً في اللوح، اه. وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأنّ ذلك الجرم كالشجرة لا يقول: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فثبت بذلك بطلان ما قالوه وذهب بعض الحنابلة والحشوية إلى أنّ كلام الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قديم، قال الإمام الرازي: وهذا القول أخس من أن يلتفت إليه العقل والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة أنّ كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وأنّ موسى سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية، قالوا: كما أنه لا يبعد رؤية ذاته مع أنّ ذاته ليست جسماً ولا عرضاً كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أنّ كلامه لا يكون حرفاً ولا صوتاً. وفيما روي أنّ موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على أنّ سماع كلامه تعالى القديم ليس من جنس كلام المحدثين وهل كان سبحانه وتعالى كلم موسى وحده أو مع أقوام آخرين؟ ظاهر الآية يدل للأوّل لأنّ قوله تعالى: {وكلمه ربه} يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عمن عداه، وقال القاضي: بل السبعون المختارون سمعوا أيضاً كلام الله تعالى، قال: لأنّ الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكل وأيضاً فإنّ تكليم الله تعالى على هذا الوجه معجز وقد تقدّمت نبوّة موسى عليه السلام فلا بدّ من ظهور هذا المعنى لغيره، ولما سمع عليه السلام كلام ربه اشتاق إلى رؤيته سبحانه وتعالى {قال رب أرني أنظر إليك} قال في الكشاف: ثاني مفعولي أرني محذوف أي: أرني نفسك أنظر إليك. فإن قيل: الرؤية عين النظر فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟ أجيب: بأنّ معنى أرني نفسك اجعلني متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك وفي هذا دليل على أنّ رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأنّ طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصاً ما يقتضي الجهل بالله تعالى ولذلك ردّه بأن {قال} له {لن تراني} دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إليّ تنبيهاً على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على بعد في الرائي لم يوجد فيه بعد وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين: قالوا: {أرنا الله جهرة} (النساء، 153) كما قاله الزمخشري أشدّ خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلم
ويزيل شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: اجعل لنا إلهاً والاستدلال بالجواب وهو قوله تعالى: {لن تراني} على استحالتها أشدّ خطأ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه على أنه لا يراه أبداً وأن لا يراه غيره أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالته فإنّ أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا: لن تكون لتأبيد النفي وهو خطأ لأنها لو كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم في قوله تعالى: {فلن أكلم اليوم إنسياً} (مريم، 26) ولزم التكرار بذكر أبداً في قوله تعالى: {ولن يتمنوه أبداً} (البقرة، 95) ولن تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} (يوسف، 80) وأمّا تأبيد النفي في قوله تعالى: {لن يخلقوا ذباباً} (الحج، 73) فلأمر خارجيّ لا من مقتضيات لن ولا تقتضي تأكيد النفي أيضاً خلافاً للزمخشريّ في كشافه بل قولك: لن أقوم، محتمل لأن تريد به أنك لا تقوم أبداً وأنك لا تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة وهو موافق لقولك: لا أقوم، في عدم إفادة التأكيد وقوله تعالى: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيق الرؤية وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضاً دليل على جوازها لأنّ استقرار الجبل عند التجلي ممكن بأن يجعل الله تعالى له قوّة على ذلك والمعلق على الممكن ممكن وتراني في الحرفين الياء ثابتة وقفاً ووصلاً، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون والباقون بالضم، قال وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق: لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والرعد والبرق حتى أحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن يعرضوا على موسى عليه السلام فمرّت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم مرّت به ملائكة السماء الثانية كأمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع مما رأى وسمع واقشعرّت كل شعرة في جسده ورأسه ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له رئيس الملائكة: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم مرّت به ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كلجب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ففزع موسى عليه السلام واشتدّ فزعه وأيس من الحياة فقال له رأس الملائكة: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه ثم مرّت به ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مرّوا به ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من الذين مرّوا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعب قلبه واشتد بكاؤه فقال له رأس الملائكة: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم مرّت به ملائكة السماء الخامسة لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفاً واشتدّ حزنه وكثر بكاؤه فقال له رأس الملائكة: يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه ثم مرّت به ملائكة السماء السادسة وفي يد كل واحد منهم مثل النخلة الطويلة نور أشدّ ضوأً من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات
كلهم يقولون بشدّة أصواتهم: سبوح قدّوس ربّ العزة أبداً لا يموت في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم وهو يبكي ويقول: يا رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أنفلت مما أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت وإن مكثت احترقت، فقال له رأس الملائكة: قد أوشك يا ابن عمران أن يشتدّ خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور العرش انصدع نور الجبل من عظمة الله تعالى ورفعت الملائكة أصواتهم جميعاً يقولون: سبحان الملك القدّوس رب العزة أبداً لا يموت بشدّة أصواتهم فارتج الجبل واندك وذلك قوله تعالى: {فلما تجلى ربه} أي: «أظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر» كما في حديث صححه الحاكم {للجبل} أي: جبل زبير بفتح الزاي والإضافة فيه بيانية لقول الجوهري: الزبير اسم للجبل الذي كلم الله تعالى عليه السلام عليه {جعله دكاً} أي: مدكوكاً مفتتاً، وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم فجعل الجبل دكاً مستوياً بالأرض والدك والدق أخوان، وقال ابن عباس: جعله تراباً، وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه، وقال الكلبي: كسر جبالاً صغاراً، قال البغويّ: ووقع في بعض التفاسير صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحرا. وقرأ حمزة والكسائيّ بألف بعد الكاف وهمزة مفتوحة من غير تنوين وصلاً ووقفاً أي: مستوياً ومنه ناقة دكاء للتي لا سنام لها والباقون بالتنوين بعد الكاف والوقف على ألف التنوين {وخرّ} أي: وقع {موسى صعقاً} أي: مغشياً عليه من هول ما رأى غشية كالموت، وروي أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشيّ عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون له: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة {فلما أفاق} من غشيته {قال} تعظيماً لما رأى {سبحانك} أي: تنزيهاً لك من النقائص كلها {تبت إليك} أي: من الجراءة والإقدام على السؤال بغير إذن، وقيل: لما كانت الرؤية مختصة بمحمد صلى الله عليه وسلم فمنعها قال: سبحانك تبت إليك من سؤالي ما ليس لي، وقيل: لما سأل الرؤية ومنعها قال: تبت إليك من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئات المقرّبين {وأنا أوّل المؤمنين} أي: في زماني، وقيل: أنا أوّل من أمن إنك لا ترى في الدنيا أي: لكل الأنبياء وإلا فالرؤية ثابتة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على الصحيح وللزمخشري هنا في كشافه على مذهبه الفاسد في عدم الرؤية مطلقاً تأويلات فلتحذر. {قال يا موسى إني اصطفيتك} أي: اخترتك {على الناس} أي: الموجودين في زمانك وهارون وإن كان نبياً مرسلاً كان مأموراً باتباعه ولم يكن كليماً ولا صاحب شرع وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ياء إني والباقون بالسكون وقوله تعالى: {برسالاتي} أي: بأسفار التوراة، قرأه نافع وابن كثير بغير ألف بعد اللام على التوحيد والباقون بالألف بعد اللام على الجمع {وبكلامي} أي: وبتكليمي إياك {فخذ ما آتيتك} أي: ما أعطيتك من الرسالة {وكن من الشاكرين} لأنعمي لأنّ موسى عليه السلام لما منع الرؤية عدّد الله تعالى عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له: إن كنت
منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علماً وعملاً والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية قال الإمام الرازي: وهذا أيضاً أحد ما يدل على أنّ الرؤية جائزة على الله تعالى إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة. وروي أنّ موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له زوجته: أنا لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرّت ساجدة وقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذاك إن لم تتزوّجي بعدي لأنّ المرأة لآخر أزواجها {وكتبنا له} أي: لموسى {في الألواح} أي: ألواح التوراة، قال البغوي: وفي الحديث: «كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنتا عشرة ذراعاً» وجاء في الحديث: «خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده» والمراد بيده قدرته، وقيل: كانت من زبرجدة خضراء، وقيل: من ياقوتة حمراء، وقيل: من صحرة صماء لينها الله تعالى لموسى فقطعها بيده، وأمّا كيفية الكتابة فقال ابن جريج: كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور، وقال وهب: سمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر وكان ذلك في أوّل يوم من ذي القعدة، وقيل: إنّ موسى خرّ صعقاً ـ يوم عرفة وأعطى التوراة يوم النحر وكانت الألواح عشرة على طول موسى، وقيل: كانت تسعة، وقيل: سبعة، وقال مقاتل: وكتبنا له في الألواح كنقش الخاتم، وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم السلام أي: لم يحفظها ويقرأها عن ظهر قلب إلا هؤلاء الأربعة، قال الإمام الرازي: وليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح وعلى كيفية تلك الكتابة فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قويّ وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه. وأمّا قوله تعالى: {من كل شيء} فلا شبهة أنه ليس على العموم بل مما يحتاج إليه موسى عليه السلام وقومه من أمر الدين وقوله تعالى: {موعظة وتفصيلاً} أي: تبييناً {لكل شيء} بدل من الجار والمجرور قبله أي: كتبنا كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام وقوله تعالى: {فخذها} على إضمار القول عطفاً على كتبنا أو بدلاً من قوله: {فخذ ما آتيتك} (الأعراف، 144) والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو الرسالة وعن كعب الأحبار أنّ موسى عليه السلام نظر في التوراة فقال: إني أجد أمّة هي خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأوّل والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال رب اجعلهم أمّتي قال: هي أمّة محمد يا موسى، قال: يا رب إني أجد أمّة هم الحامدون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمراً قالوا: نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمّة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان الأوّلون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجابون والمستجاب لهم الشافعون والمشفعون لهم فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال:
يا رب إني أجد أمّة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط وادياً حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غرّ محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمّتي قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحداً إلا مرحوماً فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمّة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصطفون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم إلا من برىء من الحسنات مثل ما برىء الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمداً وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله تعالى إليه {إني اصطفيتك} الخ فرضي موسى كل الرضا، ومعنى {بقوّة} أي: بجدّ وعزيمة {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} أي: بأحسن ما فيها. فإن قيل: ظاهر هذا يقتضي أنّ فيها ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز لهم الأخذ به وذلك متناقض وأجيب عن ذلك بأجوبة: الأوّل: أنّ تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاد والعفو والانتصار والصبر فمرهم أن يحملوا أنفسهم بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} (الزمر، 55) وقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر، 18) هذا ما أجاب به في الكشاف وتبعه البيضاوي والإمام الرازي لكن قال التفتازاني: هذا ينافي ما تقرر من أن المكتوب على بني إسرائيل هو القصاص قطعاً والجواب بأنه مثال للحسن والأحسن لا لكونه في التوراة بعيد جداً. فإن قيل: يلزم عليه أيضاً منع الأخذ بالحسن وذلك يقدح في كونه حسناً. أجيب عن هذا: بأن الأخذ بالحسن الثاني على سبيل الندب فلا يقدح في منع الأخذ بالحسن، الثاني: أن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وأحسن هؤلاء الثلاثة الواجب، الثالث: أن المراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقاً لا بالإضافة وهو المأمور به كقولهم: الصيف أحر من الشتاء أي: هو في حره أبلغ من الشتاء في برده فكذا هنا المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في القبح {سأريكم دار الفاسقين} أي: دار فرعون وقومه وهي مصر كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل ما نكل بهم، وقيل: منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم، وقيل: المراد دارهم في الآخرة وهي جهنم. {سأصرف عن آياتي} المنصوبات في الآفاق والأنفس كغلق السموات والأرض وما بينهما {الذين يتكبرون في الأرض} أي: أصرفها عنهم بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، وقال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن، وقوله تعالى: {بغير الحق} صلة يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل فإن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق فإن للمحق أن يتكبر
على المبطل وفي الكلام المشهور: التكبر على المتكبر صدقة {وإن يروا كل آية} أي: منزلة أو معجزة {لا يؤمنوا بها} أي: لعنادهم وتكبرهم {وإن يروا سبيل} أي: طريق {الرشد} أي: الهدى الذي جاء من عند الله {لا يتخذوه سبيلاً} أي: طريقاً يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد بل إن سلكوه فعن غير قصد. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء والشين والباقون بضمّ الراء وسكون الشين {وإن يروا سبيل الغيّ} أي: الضلال {يتخذوه سبيلاً} أي: بغاية الشهوة والتعمد والاعتماد لسلوكه {ذلك} أي: هذا الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرسالة {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} أي: الدالة على وحدانيتنا {وكانوا عنها غافلين} أي: كان دأبهم وديدنهم معاملتهم إيانا بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم، وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت عليهم بركة الوحي» . {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي: وكذبوا بلقائهم الدار الآخرة التي هي موعد الثواب فهو من إضافة المصدر إلى المفعول به ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى: ولقاء ما وعد الله في الدار الآخرة {حبطت} أي: بطلت {أعمالهم} أي: ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة فلا ثواب لهم لعدم شرطه {هل} أي: ما {يجزون إلا} جزاء {ما كانوا يعملون} أي: من التكذيب والمعاصي. {واتخذ قوم موسى من بعده} أي: بعد ذهابه إلى المناجاة {من حليهم} أي: الذي استعاروه من القبط بسبب عرس فبقي عندهم. فإن قيل: كيف قال: من حليهم وكان معهم معاراً؟ أجيب: بأنه لما أهلك الله تعالى قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم وصارت ملكاً لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوماً آخرين} (الدخان، الآيات: 25 26 27 28) وقرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء والباقون بضمها {عجلاً} أي: صاغه لهم منه السامري وقوله تعالى: {جسداً} بدل منه أي: صار جسداً ذا لحم ودم {له خوار} أي: صوت البقر. روي أنّ السامريّ لما صاغ العجل ألقي في فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام يوم قطع البحر فصار حياً له خوار، وقيل: صاغه بنوع من الحيل فيدخل الريح جوفه ويصوت. وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا به أو لأنّ المراد اتخاذهم إياه إلهاً، وقيل: إنه ما خار إلا مرّة واحدة، وقيل: إنه كان يخور كثيراً فإذا خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم، وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرّك، قال السدي: كان يخور ويمشي. وقوله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً} تقريع على فرط ضلالهم وإفراطهم بالنظر لأن هذا العجل لا يمكنه أن يتكلم بصواب ولا يهدي إلى رشد ولا يقدر على ذلك ومن كان كذلك كان جماداً أو حيواناً ناقصاً عاجزاً وعلى كلا التقديرين لا يصلح أن يعبد، ثم وصفهم الله تعالى بالظلم بقوله: {اتخذوه} أي: العجل إلهاً {وكانوا ظالمين} أي: واضعين الأشياء في غير موضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم ولا أوّل مناكيرهم واختلفوا هل كل قوم موسى عبدوا العجل أو بعضهم؟
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون، واحتج عليه بوجهين: الأوّل: عموم هذه الآية، والثاني: قول موسى عليه السلام في هذه القصة: {رب اغفر لي ولأخي} (الأعراف، 151) قال: خص نفسه وأخاه بالدعاء وذلك يدلّ على أنّ من كان مغايراً لهما ما كان أهلاً للدعاء ولو بقوا على الإيمان ما كان الأمر كذلك، وقال غيره: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه وإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين والدليل عليه قوله: {ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون} (الأعراف، 159) . {ولما سقط في أيديهم} أي: ولما ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على أمر قد سقط في يده، وذلك لأنّ من شأن من اشتدّ ندمه على أمر أن يعض يده ثم يضرب فخذه فتصير يده ساقطة لأنّ السقوط عبارة عن النزول من أعلى إلى أسفل {ورأوا} أي: علموا {أنهم قد ضلوا} عن الطريق الواضح باتخاذ العجل {قالوا} توبة ورجوعاً إلى الله تعالى كما قال أبوهم آدم عليه السلام {لئن لم يرحمنا ربنا} الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فيكف غضبه ويديم إحسانه {ويغفر لنا} أي: يمحو ذنوبنا عيناً وأثراً لئلا ينتقم منا في المستقبل {لنكوننّ من الخاسرين} أي: فينتقم منا بذنوبنا وهذا كلام من اعترف بعظيم ما قدم عليه من الذنوب وندم على ما صدر منه ورغب إلى الله تعالى في إقالة عثرته وإنما قالوا ذلك لما رجع موسى عليه السلام إليهم كما قال تعالى: {ولما رجع موسى} أي: من مناجاته {إلى قومه غضبان} أي: من جهتهم {أسفاً} أي: لأن الله تعالى كان قد أخبره أنه قد فتن قومه وأنّ السامريّ قد أضلهم فكان موسى في حال رجوعه غضبان أسفاً، قال أبو الدرداء: الأسف أشدّ الغضب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الأسف الحزن والأسيف الحزين، قال الواحدي: والقولان متقاربان لأنّ الغضب من الحزن والحزن من الغضب وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب في يرحمنا ويغفر لنا ونصب ربنا والباقون بالغيبة ورفع الباء {قال} موسى لهم: {بئسما خلفتموني من بعدي} أي: بئس الفعل فعلكم بعد فراقي إياكم وهذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامري وأتباعه أي: بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل وتركتم عبادة الله تعالى وأن يكون لهارون والمؤمنين أي: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. فائدة: اتفقوا على وصل بئسما هنا في الرسم {أعجلتم أمر ربكم} أي: أتركتموه غير تام كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدي تعديته أو أعجلتم أمر ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. روي أن السامريّ قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال: هذا إلهكم وإله موسى إنّ موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا {وألقى الألواح} أي: ألواح التوراة أي: طرحها من شدّة الغضب وفرط الضجر أي: عند استماعه حديث العجل حمية للدين وكان في نفسه حديداً شديد الغضب. روي أنّ التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ستة أسباعها أي: ستة أسباع ما فيها لا ستة أسباعها نفسها لقوله بعد وأخذ الألواح وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه المواعظ والأحكام والحلال
والحرام قال الرازي: ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فإمّا أنه ألقاها بحيث تكسرت فهذا ليس في القرآن وأنه جراءة عظيمة على كتاب الله ومثله لا يليق بالأنبياء {وأخذ برأس أخيه} أي: بشعر رأسه بيمينه وشعر لحيته بشماله {يجره} أي: أخاه {إليه} غضباً وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى بثلاث سنوات وأحب إلى بني إسرائيل من موسى لأنه كان ألين منه جانباً ف {قال} هارون عند ذلك {ابن أمّ} قراءة ابن عامر وشعبة والكسائي بكسر الميم وأصله يا ابن أمي فحذف الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفاً كالمنادى المضاف إلى الياء والباقون بالنصب زيادة في التخفيف لطوله أو تشبيهاً بخمسة عشر. فإن قيل: هارون وموسى من أب وأمّ فلماذا ناداه بالأمّ فقط؟ أجيب: بأنه إنما ذكرها لأنها كانت مؤمنة فاعتد بنسبها ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها ليرققه عليه والطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون: أخذ برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة والاستحقاق والمثبتون لعمة الأنبياء يقولون: أخذ برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة والاستخفاف والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا: جر رأس أخيه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة. فإن قيل: فلماذا قال يا ابن أمّ {إنّ القوم} الذين عبدوا العجل {استضعفوني} أي: إني قد بذلت وسعي في كفهم فاستذلوني وقهروني {وكادوا} أي: قاربوا {يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء} أي: فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله وأصل الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال: شمت فلان بفلان إذا سرّ بمكروه نزل به أي: لا تسرّ الأعداء بما تنال مني من مكروه فكيف فعل بأخيه ذلك؟ أجيب: بأنّ هارون إنما قال ذلك خوفاً من أن يتوهم جهال بني إسرائيل أنّ موسى غضبان عليه كما هو غضبان على عبدة العجل أي: فلا تفعل بي ما تشمت به أعدائي فهم أعداؤك فإنّ القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} أي: الذين عبدوا العجل مع براءتي منهم بالمؤاخذة أو بنسبة التقصير ولما اعتذر له أخوه وذكر شماتة الأعداء. {قال رب اغفر لي} أي: ما حملني عليه مما صنعت بأخي {ولأخي} أي: اغفر له ما فرط في كفهم عن عبادة العجل إن كان وقع منه تفريط وضمه إلى نفسه في الاستغفار ترضية له ودفعاً للشماتة عنه {وأدخلنا في رحمتك} أي: بمزيد الإنعام علينا {وأنت أرحم الراحمين} فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا قال الله تعالى: {إنّ الذين اتخذوا العجل} أي: إلهاً يعبدونه من دون الله تعالى فهذا هو المفعول الثاني من مفعولي اتخذوا {سينالهم غضب} أي: عقوبة {من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} وهي خروجهم من دارهم، وللمفسرين في هذه الآية طريقان الأوّل أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل الذين باشروا عبادة العجل. فإن قيل: أولئك تاب الله عليهم بسبب أن قتلوا أنفسهم في معرض التوبة على ذلك الذنب وإذا تاب الله عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة؟ أجيب: بأنّ ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو نفس القتل فكان ذلك القتل غضباً عليهم والمراد بالذلة هو استسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ، وقيل: خروجهم من ديارهم لأنّ ذل الغربة مثل مضروب. فإن قيل: السين في قوله: سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي؟ أجيب: بأنّ هذا إنما هو خبر عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين
أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ثم أخبره الله تعالى في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فكان هذا الكلام سابقاً لوقته وهو القتل الذي أمرهم الله تعالى به بعد ذلك، والطريق الثاني: أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل الذين كانوا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم فوصف اليهود الذين كانوا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل وإن كان ما فعل ذلك إلا آباؤهم لأنهم رضوا بفعلهم ولأنّ العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقب يقولون للأمم: أفعلتم كذا وكذا؟ وإنما فعله من مضى من آبائهم. ثم حكم عليهم بأنهم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا كما قال تعالى في صفتهم: {ضربت عليهم الذلة والمسكنة} (البقرة، 61) {وكذلك} أي: كما جزيناهم {نجزي المفترين} أي: كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله في الآخرة والذلة في الدنيا، قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية لأنّ المبتدع مفتر في دين الله. {والذين عملوا السيئات} أي: عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب حتى الكفر {ثم تابوا} أي: رجعوا عنها إلى الله تعالى {من بعدها} أي: من بعد أعمالهم السيئة {وآمنوا} أي: وصدقوا بالله تعالى بأنه لا إله غيره وأنه يقبل توبة التائب ويغفر الذنوب وإن عظمت {إنّ ربك} أي: يا محمد أو يا أيها الإنسان التائب {من بعدها} أي: التوبة {لغفور} أي: ستور عليهم محاء لما كان منهم {رحيم} بهم أي: منعم عليهم بالجنة وفي الآية دليل على أنّ السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأنّ الله تعالى يغفرها جميعاً بفضله ورحمته فإنّ عفوه وكرمه أعظم وأجل وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين التائبين، وتقدير الآية: أنّ من أتى بجميع السيئات ثم تاب إلى الله تعالى وأخلص التوبة فإنّ الله يغفرها له ويقبل توبته. {ولما سكت} أي: سكن {عن موسى الغضب} أي: باعتذار هارون وبتوبتهم فعند ذلك سكن غضبه وهو الوقت الذي قال: رب اغفر لي ولأخي، وفي هذا الكلام استعارتان استعارة بالكناية في الغضب عن الشخص الناطق واستعارة تصريحية أو تخييلية في السكوت عن طفء غضب موسى وسكون هيجانه وغليانه، وقال عكرمة: إنّ المعنى: سكت موسى عن الغضب فقلب كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة {أخذ الألواح} أي: وكما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه عليه فكذلك أخذ الألواح التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه، قال الإمام الرازي: وظاهر هذا يدلّ على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك اه. ومرّت الإشارة إلى ما يدلّ على الجمع بين ما هنا وبين ما مرّ {وفي نسختها} أي: ما نسخ فيها من كتب والنسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا نسخت كتاباً من كتاب حرفاً بحرف فقد نسخت ذلك الكتاب فهو نقلك ما في الأصل إلى الفرع لأن الألواح نسخت من اللوح المحفوظ والنسخة فعلة بمعنى مفعولة كالخطبة، وقيل: إنّ موسى عليه السلام لما ألقى الألواح فتكسرت صام أربعين يوماً فردّت عليه في لوحين، وعلى قول من قال: إنّ الألواح لم تكسر وأخذها موسى بعينها بعدما ألقاها يكون المعنى: وفي نسختها أي: المكتوب فيها {هدى} أي: بيان للحق {ورحمة} أي: إرشاد إلى الصلاح
والخير، وقال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} أي: يخافون. فإن قيل: التقدير: الذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله: {لربهم} ؟ أجيب بأوجه: الأوّل: أنّ تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية ونظيره قوله تعالى: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} (يوسف، 43) الثاني: أنها لام الأجل والمعنى: للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة، الثالث: أنه قد يزاد حرف الجرّ في المفعول وإن كان الفعل متعدّياً كقولك: قرأت السورة وقرأت بالسورة. {واختار موسى قومه} أي: من قومه فحذف الجارّ وأوصل الفعل إليه فنصب يقال اخترت من الرجال زيداً، واخترت الرجال زيداً، وأنشدوا قول الفرزدق: *منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجوداً إذا هب الرياح الزعازع* قال أبو علي: والأصل في هذا الباب أنّ في الأفعال ما يتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف الجرّ ثم يتسع فيحذف حرف الجرّ فيتعدّى إلى المفعول الثاني من ذلك قولك: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال: اخترت الرجال زيداً، وأستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر: *أستغفر الله ذنباً لست محصيه* ويقال أمرت زيداً بالخير وأمرت زيداً الخير قال الشاعر: *أمرتك الخير فافعل ما أمرت به* قال الرازي: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الخير على ما هو المقصود منه وقوله: {سبعين رجلاً لميقاتنا} عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكر من التكلفات {فلما أخذتهم الرجفة} . روي أنّ الله تعالى أمره أن يأتيه في سبعين رجلاً من بني إسرائيل فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا فقال: لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع وذهب معه الباقون. روي أنه لم يصب إلا ستين شيخاً فأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً، وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يتجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى عليه السلام أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج إلى طور سينا لميقات ربه وكان أمره أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى غشي الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى عليه السلام إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه الحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجداً فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه وافعل لا تفعل فلما فرغ من أمره ونهيه وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: له لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي الرجفة فماتوا جميعاً فقام موسى يناشد ربه ويدعوه {قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل} أي: من قبل خروجهم إلى الميقات {وإياي} معهم فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني إذا رجعت إليهم وما هم معي وعنى بذلك: أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم بالإنقاذ منهما فإن ترحمت عليهم مرّة أخرى لم يبعد من عميم إحسانك، وقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتاً ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة
أخذتهم الرجفة حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت واشتدّ عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين مطيعين فعند ذلك دعا وبكا وناشد ربه فكشف الله تعالى عنهم تلك الرجفة واطمأنوا وسمعوا كلام ربهم وذلك قوله تعالى: {قال} أي: موسى {رب لو شئت أهلكتهم من قبل} أي: من قبل عبادة العجل وإياي بقتلي القبطي {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} أي: عبدة العجل وظنّ موسى أنهم عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل وقال هذا على طريق السؤال، وقال المبرد: هو استفهام استعطاف أي: لا تهلكنا وقد علم موسى عليه السلام أنّ الله تعالى أعظم من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره، وقيل: بما فعل السفهاء من العناد والتجاسر على طلب الرؤية وكان ذلك قاله بعضهم {إن هي} أي: ما هي {إلا فتنتك} قال الواحدي: الكناية في هي تعود إلى الفتنة كما تقول: إن هو إلا زيد، والمعنى: أنّ تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أي: اختبارك وابتلاؤك وهذا تأكيد لقوله تعالى: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} لأنّ معناه لا تهلكنا بفعلهم فإنّ تلك الفتنة كانت اختباراً منك وابتلاء أضللت بها قوماً فافتتنوا بأن أوجدت في العجل خواراً فزاغوا به وأسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية هديت قوماً فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك فذلك معنى قوله: {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} ولما أثبت أنّ الكل بيده تعالى استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال: {أنت} أي: وحدك {ولينا} نعتقد أن لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء ونحن على بصيرة من أنّ أفعالك لا تعلل بالأغراض وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرّنا ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك {فاغفر لنا} أي: امح ذنوبنا {وارحمنا} أي: اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء {وأنت خير الغافرين} أي: لأنّ غيرك يتجاوز عن الذنب طلباً للثناء أو للثواب أو دفعاً للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه وأنت منزه عن ذلك فتغفر السيئة وتبدلها حسنة. أي: أوجب أو أثبت أو اقسم {لنا} أي: في مدّة إحيائك لنا {في هذه الدنيا} أي: الحاضرة والدنية {حسنة} أي: حسن معيشة وتوفيق طاعة {وفي الآخرة} أي: واكتب لنا في الحياة الآخرة حسنة وهي الجنة ثم علل ذلك بقوله: {إنا هدنا} أي: تبنا {إليك} أي: عما لا يليق بجنابك وأصل الهود الرجوع برفق والهود جمع هائد وهو التائب ولبعضهم: *يا راكب الذنب هدهد ... واسجد كأنك هدهد* قال بعضهم: وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم ثم صار اسم ذم بعد نسخها {قال} الله تعالى لموسى: {عذابي أصيب به من أشاء} من خلقي أذنب أو لم يذنب لا اعتراض علي {ورحمتي وسعت} عمت وشملت {كل شيء} من خلقي في الدنيا ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيحين «إنّ رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية «غلبت غضبي» وأمّا في الآخرة فقال تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون} الله {ويؤتون الزكاة} وخصها بالذكر لنفعها المتعدّي ولأنها كانت أشق عليهم، قال قتادة: لما نزل {ورحمتي وسعت
كل شيء} قال إبليس: أنا من ذلك الشيء فقال تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} {والذين هم بآياتنا يؤمنون} ولا يكفرون بشيء منها فأيس إبليس منها وتمناها اليهود والنصارى وقالوا: نحن نتقي ونؤمن بآيات ربنا فأخرجهما الله تعالى بقوله: {الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ} وإنما سماه رسولاً بإضافته إلى الله عز وجل لأنه الواسطة بين الله تعالى وبين خلقه لرسالته وأوامره ونواهيه وشرائعه إليهم ونبياً لأنه رفيع الدرجة عند الله ثم وصفه بالأميّ وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ وهي صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» والعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون أي: الخط والنبيّ صلى الله عليه وسلم كان كذلك، قال أهل التحقيق: وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه: الأوّل: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرّة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فلا بدّ وأن يزيد فيها أو أن ينقص عنها بالقليل والكثير ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب ولا يقرأ يتلو كتاب الله تعالى من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك معجزة وإليه الإشارة بقوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} (الأعلى، 6) الثاني: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لكان متهماً في أنه ربما طالع كتب الأوّلين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون} (العنكبوت، 48) الثالث: تعلم الخط شيء سهل فإن أقلّ الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعي فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ثم إنه تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من الخلق ومع تلك القوّة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجارية مجرى المعجزات وهذا الاتباع تارة يكون بالقوّة فقط لمن تقدم موته على زمانه صلى الله عليه وسلم وتارة يخرج من القوّة إلى الفعل كمن لحق زمان دعوته فمن علم الله تعالى منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات غير ذلك وعرّفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ريب ولا يتعلل في أمره بعلة ولذلك اتبعه. {الذي يجدونه} أي: علماء بني إسرائيل {مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} باسمه ونعته ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسداً منهم له وخوفاً على زوال رياستهم وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه فقد زالت رياستهم ووقعوا في الذل والهوان وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى
يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاء، انتهى.l شرح غريب ألفاظه: الفظ: السيء الخلق، والغليظ: الجافي القاسي، والسخاب بالسين والصاد: الكثير الصياح، والاعوجاج: ضدّ الاستقامة والملة العوجاء: الكفر، والقلب الأغلف: الذي لا يصل إليه شيء ينفعه كأنه في غلاف. وقوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف} قال الزجاج: يجوز أن يكون استئنافاً ويجوز أن يكون المعنى: يجدونه مكتوباً عندهم إنه يأمرهم بالمعروف قال الرازي: ومجامع المعروف في قوله عليه الصلاة والسلام «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» وذلك لأنّ الموجود إمّا واجب الوجود لذاته وإمّا ممكن لذاته، أما الواجب لذاته فهو الله تعالى ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخشوع والخضوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهاً عن الأضداد والأنداد، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأنّ الانتفاع مشروط بالحياة ومع ذلك فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة لله ومن حيث إنّ كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً ظاهراً وبرهاناً باهراً على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام ومن حيث إنّ لله سبحانه وتعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة وحكماً خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ويدخل فيه برّ الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أنّ قوله صلى الله عليه وسلم «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف {وينهاهم عن المنكر} وهو ضد الأمور المذكورة، وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد وبمكارم الأخلاق وبصلة الأرحام وينهاهم عن المنكر أي: عبادة الأوثان وقطع الأرحام {ويحل لهم الطيبات} أي: ما حرم عليهم في شرعهم كالشحوم {ويحرم عليهم الخبائث} كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة {ويضع عنهم إصرهم} أي: ثقلهم الذي كان يحمل عليهم، وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة الممدودة والصاد وألف بعد الصاد عى الجمع والباقون بكسر الهمزة وسكون الصاد ولا ألف بعدها على التوحيد {والأغلال التي كانت عليهم} أي: ويضع الأثقال والشدائد التي كانت عليهم من الدين والشريعة وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة من البدن والثوب بالمقراض وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق كما أنّ اليد لا تمتدّ مع وجود الغل فكذلك لا تمتدّ إلى الحرام الذي نهيت عنه وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم نسخ ذلك كله ويدلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» {فالذين آمنوا به} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم {وعزروه} أي: وقروه وعظموه وأصل التعزير المنع والنصرة وتعزير النبيّ صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه {ونصروه} على أعدائه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} أي: القرآن سمي نوراً لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء
اليقين والعلم، وقيل: الهدى والبيان والرسالة، وقيل: الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور. فإن قيل: كيف يمكن حمل النور هنا على القرآن والقرآن ما أنزل مع محمد صلى الله عليه وسلم وإنما أنزل مع جبريل عليه السلام؟ أجيب: بأنّ معناه أنه أنزل مع نبوّته لأنّ نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات قال: {أولئك هم المفلحون} أي: الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة. ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبيّ الكريم حثاً على الإيمان وإيجاباً له على وجه يعلم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدّم زمانه أو تأخر قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم} الخطاب عام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى كافة الثقلين بل وإلى الملائكة قاله السبكي والبقاعيّ وغيرهما وهذا هو اللائق بمقامه صلى الله عليه وسلم وإن خالف في ذلك بعضهم، وأما سائر الرسل فمبعوثون إلى أقوامهم فقط لقوله صلى الله عليه وسلم «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض طيبة مسجداً وطهوراً ونصرت على عدوّي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر وأطعمت الغنيمة دون من قبلي وقيل لي سل تعطه وأخبأت شفاعتي لأمتي» . فإن قيل: كان آدم عليه السلام مبعوثاً إلى جميع أولاده ونوح عليه السلام لما خرج من السفينة كان مبعوثاً إلى الذين كانوا معه مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كانوا إلا ذلك القوم؟ أجيب: بأنّ ذلك لم يكن لعموم رسالتهما بل للحصر المذكور فليس ذلك من باب عموم الرسالة، وقوله: {جميعاً} حال من إليكم أي: إن الكل يشترط عليهم الإيمان بي والإتباع لي وقد طار الخبر بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل أفق وتغلغل في كل نفق ولم يبق الله أهل مدر ولا وبر ولا سهل ولا جبل ولا بحر ولا بر في مشارق الأرض ومغاربها إلا وقد ألقاه إليهم وملأ به مسامعهم وألزمهم به الحجة وهو سائله عنهم يوم القيامة وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه حين رفع إليه الذراع فنهش منها فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» ، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا مستشفعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» ، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا أكرم الأوّلين والآخرين ولا فخر» ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» والفخر ادعاء العظمة والكبر والشرف أي: لا أقول تبجحاً ولكن شكراً وتحدّثاً بالنعمة وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم قبل موته وبعده اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماماً ثم اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماماً وأما يوم
الجمع الأكبر والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه وما أحال بعض الأكابر على بعض إلا علما منهم بأن الختام يكون به ليكون أظهر للاعتراف بإمامته والانقياد لطاعته لأنّ المحيل على المحيل على الشيء محيل على ذلك والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم تظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل إلى كافة الخلق فيظهر سر هذه الآية {الذين يتبعون الرسول} قال البقاعيّ: ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات ما يدل على جميع الصفات على عموم دعوته وشمول رسالته حتى للجنّ والملائكة أيد ذلك بقوله: {الذي له ملك السموات والأرض} فيكون محله جرّاً على الوصف وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله: {إليكم جميعاً} لأنه متعلق المضاف إليه فهو كالمتقدّم عليه قال الزمخشريّ: والأحسن أن يكون محله نصباً بإضمار أعني وهذا الذي يسمى النصب على المدح، قال البيضاوي: أو مبتدأ خبره {لا إله إلا هو} أي: فالكل منقادون لأمره خاضعون له ثم علل ذلك بقوله: {يحيي ويميت} أي: له هاتان الصفتان مختصاً بهما ومن كان كذلك كان منفرداً بما ذكر، قال البقاعيّ: وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أوّل الفرقان مع ما مضى في أوائل الأنعام لم يبق عندك شك في دخول الملائكة عليهم السلام في عموم الدعوة اه. وقد مرّت الإشارة إلى ذلك ولما أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس: {إني رسول الله إليكم جميعاً} أمر الله تعالى جميع خلقه بالإيمان به وبرسوله بقوله: {فآمنوا با ورسوله} وذلك أن الإيمان بالله هو الأصل والإيمان برسوله فرع عليه فلهذا بدأ بالإيمان بالله ثم ثنى بالإيمان برسوله ثم وصفه تعالى بقوله: {النبيّ الأميّ} وتقدّم معناهما {الذي يؤمن با وكلماته} أي: بما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه وقال قتادة: المراد بكلماته القرآن، وقال مجاهد: عيسى بن مريم لأنه خلق بقوله: كن فكان ولم يكن من نطفة تمنى، ولهذا سمي كلمة الله وقيل: هو الكلمة التي تكون عنها عيسى وجميع خلقه وهي قوله: {كن} {واتبعوه} أي: واقتدوا به أيها الناس فيما يأمركم به وينهاكم عنه {لعلكم تهتدون} أي: لكي تهتدوا وترشدوا جعل تعالى رجاء الاهتداء أثر الإيمان والاتباع تنبيهاً على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شريعته فهو بعد في خطيئة الضلالة. {ومن قوم موسى} أي: من بني إسرائيل {أمة} أي: جماعة {يهدون بالحق} أي: يهدون الناس محقين أو بكلمة الحق {وبه} أي: بالحق {يعدلون} أي: يحكمون والمراد بتلك الأمّة الثابتون على الإيمان القائلون بالحق من أهل زمان موسى عليه السلام اتبع ذكر المرتابين الكافرين من بني إسرائيل بذكر أضدادهم كما هو عادة القرآن تنبيهاً على أن تعارض الخير والشرّ وتزاحم أهل الحق والباطل مستمر وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه {واعترض} بأنهم كانوا قليلين في العدد ولفظ الأمة يقتضي الكثرة، وأجيب: بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى: {إنّ إبراهيم كان أمّة} (النحل، 12) وقيل: إنّ بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرّق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين وهم
هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل عليه السلام: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا محمد النبي الأميّ فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله إنّ موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فردّ محمد على موسى صلى الله عليهما وسلم السلام ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة ولم تكن فريضة نزلت غير الصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت ولا يتظالموا ولا يتحاسدوا ولا يصل إليهم منا أحد ولا إلينا منهم أحد قال بعض المحققين: هذا القول ضعيف وإن كان البغوي صححه لوجوه: الأوّل: كونه أقرأهم عشر سور وقد نزل عليه أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل فرضها، الثاني: كون جبريل ذهب إليهم به ليلة الإسراء لم يرد بذلك نقل صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث، الثالث: أنّ أحداً منهم لا يصل إلينا ولا يصل إليهم منا أحد فمن الذي أوصل خبرهم إلينا فثبت بذلك بطلان هذا القول. فإن قيل: إنّ يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم أجيب: بالمنع فمن أين يعرف أنه لم يصل خبرنا إليهم ثم قال: فالمختار في تفسير هذه الآية أنها إما أن تكون قد نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل التبديل والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه. {وقطعناهم} أي: فرقنا بني إسرائيل وقوله تعالى: {اثنتي عشرة} حال وتأنيثه حملاً على الأمة {أسباطاً} بدل منه ولذلك جمع قبائل والأسباط أولاد الولد وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب عليه السلام {أمماً} بدل بعد بدل أو نعت لأسباطاً أي: وقطعناهم أمماً لأنّ كل سبط كان أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى لا تكاد تأتلف {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} أي: حين استسقوه في التيه {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست} أي: انفجرت والمعنى واحد وهو الانفتاح بسعة وكثرة يقال: بجست الماء فانبجس أي: فجرته فانفجر قاله الجوهري، وعلى هذا التقرير فلا تباين بين الانبجاس المذكور هنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، وقال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة وطريق الجمع أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً ثم صار كثيراً وهذا الفرق مروي عن عمرو بن العلاء. فإن قيل: هلا قيل: فضربه فانبجست؟ أجيب: بأنه إنما حذف ذلك للإيماء على أن موسى لم يتوقف في الامتثال وإن ضربه لم يكن مؤثراً يتوقف عليه الفعل في ذاته {منه} أي: من الحجر {اثنتا عشرة عيناً} أي: بعدد الأسباط {قد علم كل أناس} أي: كل سبط منهم {مشربهم} أي: لا يدخل سبط على سبط في مشربهم {وظللنا عليهم الغمام} أي: في التيه ليقيهم من حر الشمس {وأنزلنا عليهم المنّ} الترنجبيل {والسلوى} أي: الطير السماني بتخفيف الميم والقصر جعل الله تعالى ذلك طعاماً لهم في التيه، وقيل: المنّ الخبز والسلوى الإدام، وقال ابن يحيى: السلوى طائر يشبه السماني وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية يموت إذا سمع صوت
الرعد كما أنّ الخطاف يقتله البرد فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض {كلوا} أي: وقلنا لهم كلوا {من طيبات ما رزقناكم} مما لم تعالجوه نوع معالجة وقوله تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} فيه حذف ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة الكلام عليه تقديره كلوا من طيبات ما رزقناكم فامتنعوا من ذلك وسئموه وقالوا: لن نصبر على طعام واحد وسألوه غير ذلك لأنّ المكلف إذا أمر بشيء فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون عاصياً بفعل ذلك فلهذا قال تعالى: {وما ظلمونا} أي: بفعل شيء مما قابلوا به الإحسان بالكفران ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بمخالفتهم ما أمروا به وقد سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة. {وإذ قيل لهم} أي: واذكر يا محمد لقومك إذا قيل لبني إسرائيل {اسكنوا هذه القرية} أي: بيت المقدس {وكلوا منها} أي: من القرية {حيث شئتم وقولوا} أمرنا {حطة وادخلوا الباب} أي: باب القرية {سجداً} أي: سجوداً نحناء وقوله تعالى: {نفغر لكم} قرأه نافع وابن عامر بضم التاء وفتح الفاء على التأنيث والباقون بنون مفتوحة وكسر الفاء وقوله تعالى: {خطاياكم} قرأه نافع بكسر الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة وبعد الهمزة تاء مضمومة على الجمع وابن عامر كذلك إلا أنه يقصر الهمزة على التوحيد وأبو عمرو بفتح الخاء والطاء وبعد الطاء ألف بعدها ياء وبعد الياء ألف على وزن قضاياكم والباقون بكسر الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة بعدها تاء مكسورة {سنزيد المحسنين} أي: بالطاعة ثواباً. {فبدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم} فقالوا حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم أي: أدبارهم {فأرسلنا عليهم رجزاً} أي: عذاباً {من السماء بما كانوا يظلمون} أي: وهذه القصة أيضاً تقدّمت في سورة البقرة لكن ألفاظ هذه الآية تخالف الآية المذكورة في (البقرة، 58) من وجوه: الأوّل: أنه قال هناك: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} وهنا قال: {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية} والثاني: أنه قال هناك: {فكلوا} بالفاء وقال هنا: {وكلوا} بالواو، والثالث: أنه قال هناك: {رغداً} وأسقطه هنا، والرابع: أنه قال هناك: {وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة} وقال هنا: على التقديم والتأخير، والخامس: أنه قال هناك: {نغفر لكم خطاياكم} وقال هنا: {نغفر لكم خطيئاتكم} والسادس: أنه قال هناك: {وسنزيد المحسنين} وهنا: حذف الواو، والسابع: أنه قال هناك: {فأنزلنا على الذين ظلموا} وقال هنا: {فأرسلنا عليهم} الثامن: أنه قال هناك: {بما كانوا يفسقون} وقال هنا: {بما كانوا يظلمون} ولا منافاة بين هذه الألفاظ المختلفة أمّا الأول: وهو أنه قال هناك: {ادخلوا هذه القرية} وقال هنا: {اسكنوا} فلا منافاة بينهما لأنّ كل ساكن في موضع فلا بدّ من الدخول فيه، وأمّا الثاني: وهو قوله هناك: {فكلوا} بالفاء، وقال هنا: {وكلوا} بالواو فالفرق بينهما أنّ للدخول حالة مقتضية للأكل عقب الدخول فحسن دخول الفاء التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى حالة استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى فيكون الأكل حاصلاً متى شاؤوا فظهر الفرق، وأمّا الثالث: وهو أنه ذكر هناك: {رغداً} وأسقطه هنا فلأنّ الأكل عقب الدخول ألذ وأكمل والأكل مع السكنى والاستمرار ليس كذلك فحسن
دخول لفظ رغداً هناك: دون هنا، وأمّا الرابع: وهو قوله هناك: {ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة} وقال هنا على التقديم والتأخير فلا منافاة في ذلك لأنّ المقصود من ذلك تعظيم أمر الله تعالى وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير، وأمّا الخامس: وهو أنه قال هناك: {خطاياكم} وقال هنا: {خطيئاتكم} فهو إشارة إلى أنّ هذه الذنوب سواء كانت قليلة أم كثيرة فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرّع، وأمّا السادس: وهو قوله تعالى هناك: {وسنزيد} بالواو وقال هنا بحذفها فالفائدة في حذف الواو أنه تعالى وعد بشيئين بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بذلك المعنى لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: ماذا حصل بعد الغفران؟ فقيل: إنه سيزيد المحسنين، وأما السابع: وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا، فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بها فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل ثم جعله كثيراً وهو نظير ما تقدّم من الفرق بين انبجست وانفجرت. وأما الثامن وهو الفرق بين قوله تعالى: {يفسقون} وبين قوله تعالى: {يظلمون} فلأنهم لما ظلموا أنفسهم فيما غيروا وبدّلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن طاعة الله فوصفوا بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين لأنهم خرجوا عن طاعة الله فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين هذا ملخص كلام الرازي رحمه الله تعالى ثم قال: وتمام العلم بذلك عند الله تعالى. {واسألهم} أي: اسأل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع {عن القرية} أي: عن خبرها وما وقع بأهلها لا سؤال استفهام لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد علم حال هذه القرية بوحي من الله تعالى إليه وإخباره إياه بحالهم وإنما القصد من هذا السؤال تقرير اعتداء اليهود وإقدامهم على الكفر والمعاصي قديماً، وأن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنكارهم نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث الآن في زمانه، بل إصرارهم على الكفر كان حاصلاً في قديم الزمان، وفي الإخبار بهده القصة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أمياً لم يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار الأوّلين ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم لأمر الله تعالى مسخوا قردة، واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هي قرية يقال لها أيلة بين مدين والطور على شاطىء البحر، وقال الزهري: هي طبرية الشام، وقيل: مدين والعرب تسمي المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء: ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني: رجلين من أهل المدن. {التي كانت حاضرة البحر} أي: مجاورة بحر القلزم على شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} (البقرة، 196) {إذ} أي: حين {يعدون} أي: يعتدون {في السبت} أي: يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد فيه وقد نهوا عنه، وقوله تعالى: {إذ تأتيهم حيتانهم} ظرف ليعدون {يوم سبتهم شرعاً} أي: ظاهرة على الماء كثيرة جمع شارع، وقال الضحاك: متتابعة، وعن الحسن تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض والحيتان السمك وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد
والاشتغال بالتعبد، فمعناه يعدون في تعظيم هذا اليوم وكذلك قوله: {يوم سبتهم} معناه يوم تعظيمهم أمر السبت يدل عليه قوله تعالى: {ويوم لا يسبتون} أي: لا يعظمون السبت أي: سائر الأيام {لا تأتيهم} أي: الحيتان ابتلاء من الله تعالى {كذلك} أي: مثل ذلك البلاء الشديد {نبلوهم بما} أي: بسبب ما {كانوا يفسقون} وقوله تعالى: {وإذ} معطوف على إذ قبله {قالت أمة} أي: جماعة {منهم} أي: من أهل القرية لم تصد ولم تنه لمن نهى {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} في الدنيا بعذاب من عنده لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ {أو معذبهم عذاباً شديداً} في الآخرة لتماديهم في العصيان {قالوا} أي: الواعظون موعظتنا {معذرة} نعتذر بها {إلى ربكم} أي: لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي فإنّ النهي عن المنكر يجب وإن علم الناهي أن مرتكبه لا يقلع عن معصيته وقيل: إذا علم الناهي حال المنهي وأنّ النهي لا يؤثر فيه سقط النهي، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر أو الجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه كان ذلك عبثاً منك ولم يكن إلا سبباً للتلهي بك {ولعلهم يتقون} أي: وجائز عندنا أن ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد؛ إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك. {فلما نسوا} أي: تركوا ترك الناسي {ما ذكروا} أي: وعظوا {به} ولم يرجعوا {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا} أي: بالاعتداء ومخالفة أمر الله تعالى {بعذاب بئيس} أي: شديد {بما} أي: بسبب ما {كانوا يفسقون} . روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أسمع الله تعالى يقول: {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} فلا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة وجعل يبكي، قال عكرمة: فقلت جعلني الله تعالى فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، قالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم، وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم، قال: فأعجبه قولي ورضي به وأمر لي ببردين فألبسنيهما، وقال نجت الساكتة، وقال عمار بن زيان: نجت الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم، والذين قالوا معذرة، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان وهذا قول الحسن. فإن قيل: إنّ ترك الوعظ معصية والنهي أيضاً عنه معصية فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله تعالى: {وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} ولهذا قال ابن زيد: نجت الناهية وهلكت الفرقتان. أجيب: بأنّ هذا غير لازم لأنّ النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. {فيما عتوا عما نهوا عنه} قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية والعتو عبارة عن الإباء والعصيان أي: فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه وتمرّدوا في العصيان من اعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرّم الله تعالى عليهم من صيد السمك في يوم السبت وأكله. {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} أي: صاغرين فكانوها كقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل، 40) وهذا يقتضي أنّ الله تعالى عذبهم أولاً بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى. وروي أنّ اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا
يوم السبت فابتلوا به وحرّم الله عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها المخاض لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضاً تسوقون الحيتان إليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل ثم شواه يوم الأحد فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال: إني أرى الله سيعذبك فلما لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، فصار أهل القرية أثلاثاً ثلثاً نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلثاً قالوا: لم تعظون قوماً؟ وثلثاهم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس شأناً فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الإنس والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود فجعل القرد يأتي نسيبه فيشمّ ثيابه ويبكي فيقول: ألم ننهك فيقول برأسه بلى، وقيل: صار الشباب قردة والشيوخ خنازير. واختلفوا في أنّ الذين مسخوا هل بقوا قردة وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا وانقطع نسلهم؟ لا دلالة في الآية على شيء من ذلك، وعن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة، وعن جابر: بين العبد وبين رزقه حجاب فإن صبر خرج إليه وإلا هتك الحجاب ولم ينل إلا ما قدّر له. قال الزمخشريّ: هاه وايم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم، ولكن الله تعالى جعل موعداً والساعة أدهى وأمرّ وقوله تعالى: {وإذا} عطف على واسألهم أي: واذكر لهم حين {تأذن} أي: اعلم {ربك} وأجري مجرى القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بجوابه وهو {ليبعثن عليهم} أي: اليهود {إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} أي: بالإهانة والذل وأخذ الجزية منهم فبعث الله تعالى عليهم سليمان وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية، وكانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله تعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم ولا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر حتى ينزل عيسى بن مريم فإنه لا يقبل الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. فإن قيل: إنه يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته أخذ الجزية أو الإسلام أجيب: بأنّ شريعته بذلك مغياة بنزول عيسى عليه السلام وقوله تعالى: {إنّ ربك سريع العقاب} أي: لمن أقام على الكفر كهيئة الدليل على أنه يجمع لهم مع ذل الدنيا عذاب الآخرة فيكون العذاب مستمراً عليهم في الدنيا والآخرة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وإنه لغفور} أي: لمن آمن منهم ورجع عن الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام {رحيم} بهم. {وقطعناهم} أي: فرقناهم {في الأرض أمماً} أي: فرقاً بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمة لإدبارهم حتى لا تكون لهم شوكة قط و {أمماً} مفعول ثانٍ أو حال وقوله تعالى: {منهم الصالحون} صفة أو بدل منه وهم الذين آمنوا
بالمدينة ونظراؤهم {ومنهم} أي: أناس {دون ذلك} أي: منحطون عن الصلاح فهم كفرتهم وفسقتهم {وبلوناهم} أي: اختبرناهم جميعاً الصالح وغيره {بالحسنات} أي: بالخصب والعافية {والسيآت} أي: بالجور والشدّة {لعلهم يرجعون} أي: كي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا إليه. قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيآت يدعو إلى الطاعة أما النعم فلأجل الترغيب وأما النقم فلأجل الترهيب. {فخلف من بعدهم} أي: هؤلاء الذين وصفناهم {خلف} والخلف القرن الذي يجيء من بعد وهو بسكون اللام شائع في الشر وبفتحها في الخير يقال: خَلَف صدق بفتح اللام وخلْف سوء بسكونها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح قال حسان بن ثابت: *لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأوّلنا في طاعة الله تابع* وقال لبيد في الذم: *ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب* فحرك اللام والخلف مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد والجمع والمراد به الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {ورثوا الكتاب} أي: التوراة من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها {يأخذون عرض هذا الأدنى} أي: هذا الشيء الفاني الأدنى أي: الدنيا وما يتمتع به فيها وفي قوله: {هذا الأدنى} تخسيس وتحقير، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، وإما من دون الحال وسقوطها وقلتها والعرض بالفتح جميع متاع الدنيا كما يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير وجمعه عروض. والمعنى: أنهم يأخذون حطام الدنيا وهو الشيء التافه الخسيس الحقير؛ لأنّ الدنيا بأسرها فانية حقيرة والراغب فيها أحقر منها فاليهود ورثوا التوراة وعلموا ما فيها وضيعوا العمل بما فيها وتركوه وأخذوا الرشا في الأحكام ويعلمون أنه حرام {و} مع إقدامهم على هذا الذنب العظيم وإصرارهم عليه {يقولون سيغفر لنا} أي: لا يؤاخذهم الله تعالى بذلك فيتمنون على الله الأمانيّ الباطلة، وعن شدّاد بن أوس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» ؛ لأنّ اليهود كانوا يقومون على الذنوب ويقولون: سيغفر لنا، وهذا هو التمني بعينه. وقوله تعالى: {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} الواو فيه للحال أي: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار وقوله تعالى: {ألم يؤخذ} استفهام تقرير {عليهم ميثاق الكتاب} أي: التوراة والإضافة بمعنى في {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} أي: المعلوم شأنه وليس من المعلوم إثبات المغفرة على القطع بغير توبة، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وقوله تعالى: {ودرسوا ما فيه} أي: ما في ذلك الميثاق الذي في الكتاب أو الكتاب بتقرير القراءة للحفظ عطف على {ألم يؤخذ} من حيث المعنى فإنه تقرير أو على ورثوا و {ألم يؤخذ} اعتراض {والدار الآخرة خير} أي: وما في الدار الآخرة مما أعده الله خير {للذين يتقون} الله ويخافون
عقابه {أفلا يعقلون} أي: حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدل ما يسعدهم ويبقى أنّ الدار الآخرة خير، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب ويكون المراد الإعلام بتناهي الغضب، والباقون بالياء على الغيبة. {والذين يمسكون بالكتاب} يقال: مسكت بالشيء وتمسكت به وأمسكت به والتمسك بالكتاب العمل بما فيه وإحلال حلاله وتحريم حرامه وإقامة حدوده والتمسك بأحكامه وقرأ شعبة بسكون الميم وتخفيف السين والباقون بفتح الميم وتشديد السين {وأقاموا الصلاة} أي: وداوموا على إقامتها في مواقيتها وإنما أفردها بالذكر وإن كانت الصلاة داخلة في التمسك بالكتاب تنبيهاً على عظم قدرها وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى وهذه الآية نزلت في الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وقوله تعالى: {إنا لا نضيع أجر المصلحين} الجملة خبر الذين وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي: أجرهم. {وإذ} أي: إذ يا محمد {نتقنا} أي: رفعنا {الجبل فوقهم} أي: من أصله {كأنه ظلة} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط والجمع ظلل وظلال {وظنوا} أي: أيقنوا {أنه واقع بهم} أي: ساقط عليهم بوعد الله بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة. روي أنهم لم يقبلوا أحكام التوراة لعظمها وثقلها فرفع الله تعالى الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم فكان فرسخاً في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعنّ عليكم فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل واحد منهم ساجداً على حاجبه وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، وقوله تعالى: {خذوا} هو على إضمار القول أي: قلنا لهم خذوا أو قائلين خذوا {ما آتيناكم} أي: من الكتاب وقوله تعالى: {بقوّة} أي: بجد وعزم على تحمل مشاقه حال من واوخذوا {واذكروا ما فيه} أي: بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي {لعلكم تتقون} أي: فضائح الأعمال ورذائل الأخلاق {وإذ} أي: واذكر يا محمد حين {أخذ ربك من بني آدم} وقوله تعالى: {من ظهورهم} بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار كما قاله السيوطي، أو بدل بعض كما قاله البيضاوي {ذريّاتهم} أي: بأن أخرج بعضهم من صلب بعض نسلاً بعد نسل كنحو ما يتوالدون كالذر، ونصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلاً عرفوا به، كما جعل للجبال عقولاً حين خوطبوا بقوله تعالى: {يا جبال أوبي معه والطير} (سبأ، 10) كما جعل تعالى للبعير عقلاً حتى سجد للنبيّ صلى الله عليه وسلم وكذا للشجرة حين سمعت لأمره وانقادت، وكذا للنملة حين قالت: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} (النمل، 18) . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر بألف بعد الياء وكسر التاء على الجمع والباقون بغير ألف وفتح التاء على التوحيد. {وأشهدهم على أنفسهم} قال: {ألست بربكم قالوا بلى} أنت ربنا، وعن مسلم بن يسار الجهني أنه قال: إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عنها فقال: «إنّ الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرّية» فقال: خلفت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرّية، فقال: هؤلاء
إلى النار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار» وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما خلق الله تعالى آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذرّيته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان وبيصاً من نور، وعرضهم على آدم فقال: أي رب، من هؤلاء؟ قال: ذرّيتك، فرأى رجلاً منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: يا رب من هذا؟ قال: داود، قال: يا رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين سنة جاءه ملك الموت، فقال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ فجحد آدم فجحدت ذرّيته، ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذرّيته، وخطىء فخطئت ذرّيته» أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أبصر آدم في ذرّيته قوماً لهم نور، فقال: يا رب من هم؟ فقال: الأنبياء، ورأى واحداً هو أشدّهم نوراً، فقال: يا رب من هو؟ قال: داود، قال: فكم عمره؟ قال: ستون سنة، قال آدم: هو قليل، وكان عمر آدم ألف سنة، فقال: يا رب زده من عمري أربعين سنة، فلما تم عمر آدم تسعمائة وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فقال: بقي من أجلي أربعون سنة، فقال: ألست قد وهبتها من ابنك داود؟ فقال: ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئاً، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها» . وعن مقاتل أنّ الله تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فخرج منه ذرّية بيض كهيئة الذرّ تتحرك، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى، فخرج منه ذرّية سود كهيئة الذرّ، فقال: يا آدم هؤلاء ذرّيتك، ثم قال لهم: ألست بربكم، قالوا: بلى، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار، ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، وقال تعالى فيمن نقض العهد الأوّل {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} (الأعراف، 102) وقال بعض المفسرين: إنّ أهل السعادة أقروا طوعاً، وقالوا: بلى، وأهل الشقاوة قالوا بغتة وكرهاً، وذلك معنى قوله تعالى: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً} (آل عمران، 83) واختلفوا في موضع الميثاق، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ببطن نعمان، وهو واد إلى جنب عرفة، وعنه أيضاً أنه بدهناء من أرض الهند، وهو الموضع الذي أهبط فيه آدم عليه السلام، وقال الكلبي: بين مكة والطائف. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم} وإنما أخرجه من ظهر آدم؟ أجيب: بأن الله تعالى أخرج ذرّية آدم بعضهم من ظهور بعض على ما يتوالدون فالأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، فالمخرج من ظهورهم مخرج من ظهره. وقوله: {شهدنا} أي: على أنفسنا بذلك وإنما أشهدهم على أنفسهم كراهة {أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا} التوحيد {غافلين} أي: لعدم الأدلة، فلذلك أشركنا، وقوله تعالى: {أو يقولوا} أي:
لو لم ترسل إليهم الرسل، عطف على {أن يقولوا} ، وقرأ أبو عمرو بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب {إنما أشرك آباؤنا من قبل} أي: قبل أن نوجد {وكنا ذرّية من بعدهم} أي: فلم نعرف لنا مربياً غيرهم، فكنا لهم تبعاً فشغلنا اتباعهم عن النظر، ولم يأتنا رسول منبه، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في قولهم: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي: من آبائنا، قال أبو حيان: والمعنى أنّ الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمن العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان: إحداهما: كنا غافلين، والأخرى: كنا تبعاً لأسلافنا، فكيف والذنب إنما هو لمن طرّق لنا وأضلنا، انتهى. فإن قيل: كيف يكون ذكر الميثاق عليهم حجة فإنهم لما أخرجوا من ظهر آدم ركب فيهم العقل، وأخذ عليهم الميثاق، فلما أعيدوا إلى صلبه بطل ما ركب فيهم فتوالدوا ناسين لذلك الميثاق؟ أجيب: بأن التذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس، وبذلك قامت الحجة عليهم يوم القيامة لإخبار الرسل إياهم بذلك الميثاق في الدنيا، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد، ولزمتهم الحجة، ولا تسقط الحجة بنسيانهم وعدم حفظهم بعد إخبار الصادق صاحب الشرع والمعجزات الباهرات. والمقصود من إيراد هذا الكلام هنا إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام بعدما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم من التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال كما قال تعالى: {وكذلك} أي: ومثل ذلك التفصيل البديع الجليل الرفيع {نفصل الآيات} أي: كلها لئلا يواقعوا ما لا يليق بجنابنا جهلاً لعدم الدليل {ولعلهم يرجعون} أي: عن التقليد واتباع الباطل. {واتل} أي: يا محمد {عليهم} أي: اليهود {نبأ} أي: خبر {الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} أي: خرج بكفره كما تخرج الحية من جلدها، وهو بلعم بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين سئل أن يدعو على موسى، وأهدي إليه شيء، فدعا فانقلبت عليه، واندلع لسانه على صدره {فاتبعه الشيطان} أي: لحقه وأدركه وصيره لنفسه تابعاً في معصية الله تعالى، فخالف أمر ربه وأطاع الشيطان وهواه {فكان من الغاوين} أي: من الضالين الهالكين. وقصته على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أنّ موسى عليه السلام لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم، وكان عنده اسم الله الأعظم، فقالوا: إنّ موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله تعالى أن يردّهم عنا، فقال: ويلكم نبيّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما لا تعلمون؟ وأني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه، فقال: حتى أوامر ربي، وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به في المنام، فوامر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد وامرت ربي، وإني نهيت أن أدعو عليهم، فأهدوا إليه هدية، فقبلها وراجعوه فقال: حتى أوامر ربي، فوامر فلم يؤمر بشيء، فقال: قد وامرت ربي فلم يأمرني بشيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرّة الأولى، فلم يزالوا يتضرّعون إليه حتى فتنوه، فافتتن، فركب أتاناً له متوجهاً إلى جبل يطلعه على عسكر
بني إسرائيل يقال له: حسبان، فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت، فنزل عنها وضربها فقامت، فركبها فلم تسر به كثيراً حتى ربضت، فضربها فأذن الله تعالى لها في الكلام وأنطقها له فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي؟ ويحك أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين فتدعو عليهم؟ فلم ينزجر فخلى الله تعالى سبيل الأتان، فانطلقت به حتى أشرف على جبل حسبان، فجعل يدعو عليهم فلا يدعو بشر إلا صرف الله تعالى به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله تعالى به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، فقال: هذا ما لا أملكه هذا شيء قد غلب الله عليه، فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهب الآن مني الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، احملوا النساء وزينوهنّ وأعطوهنّ السلع، ثم أرسلوهنّ إلى عسكر بني إسرائيل يبعنها فيه، ومروهنّ أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنه إن زنا رجل بواحدة كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين على رجل من عظماء بني إسرائيل وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب فقام إلى المرأة وأخذ بيدها حتى أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف على موسى وقال: إني لأظنك أن تقول هذه حرام عليك، قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها قال: فو الله لا نطيعك، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله تعالى عليهم الطاعون في الوقت فهلك منهم سبعون ألفاً في ساعة من النهار وقيل: الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت كان قد قرأ الكتب وعلم أنّ الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الزمان ورجا أن يكون هو فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به. وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبيّ صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، وقيل: إنها نزلت في البسوس وهو رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطى ثلاث دعوات مستجابات وكان له امرأة وكان له منها أولاد فقالت له: اجعل لي منها دعوة فقال لها: لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا الله تعالى فصارت أجمل النساء في بني إسرائيل فلما علمت أنه ليس في بني إسرائيل أجمل منها رغبت عنه فغضب ودعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة نباحة وقد عيرنا الناس ادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها فدعا الله تعالى فعادت كما كانت فذهب فيها الدعوات كلها وقيل غير ذلك، ويدل للقول الأوّل قوله تعالى: {ولو شئنا لرفعناه} أي: منازل الأبرار {بها} أي: بسبب تلك الآيات {ولكنه أخلد إلى الأرض} أي: مال إلى الدنيا، قال البيضاوي: أو السفالة، قال الجوهري: السفالة بالضم نقيض العلو، وبالفتح النذالة {واتبع هواه} أي: في آثار الدنيا، واسترضى قومه، وأعرض عن مقتضى الآيات، وإنما علق رفعه بمشيئة الله تعالى، ثم استدرك عنه بفعل العبد تنبيهاً على أنّ المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه، وأنّ عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأنّ السبب الحقيقي هو المشيئة، وأن ما نشاهده من هذه الأسباب وسايط معتبرة في حصول المسبب من حيث أن المشيئة تعلقت به كذلك.
وكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه أخلد إلى الأرض، واتبع هواه مبالغة وتنبيهاً على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وهذه الآية من أشدّ الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه بعد أن خص هذا الرجل بآياته، وعلمه الاسم الأعظم وخصه بالدعوات المستجابة لما اتبع الهوى انسلخ من الدين، فصار في درجة الكلب، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله تعالى في حقه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى، وأقبل على متابعة الهوى كان بعده عن الله أعظم، وإليه الإشارة بقوله: «من ازداد علماً ولم يزدد هدى فلم يزدد من الله إلا بعداً» {فمثله} أي: فصفته التي هي مثل في الخسة {كمثل الكلب} أي: كمثله في أخس أوصافه وهو {إن تحمل عليه} أي: بالطرد والزجر {يلهث} أي: يدلع لسانه {أو} إن {تتركه يلهث} فهو يلهث دائماً سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك، وليس غيره من الحيوان كذلك، قيل: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال والراحة؛ لأنّ اللهث طبيعة أصلية فيه، فكذلك حال من كذب بآيات الله إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، وكذلك حال الحريص على الدنيا إن وعظته فهو حريص لا يقبل الوعظ ولا ينجع فيه، وإن تركته ولم تعظه فهو حريص أيضاً؛ لأنّ الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة كما أن اللهث طبيعة لازمة للكلب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه» ، ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالتين. وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب {ذلك} أي: المثل {مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} فعم بهذا المثل جميع من كذب بآيات الله وجحدها، ووجه التمثيل بينهم وبين الكلب اللاهث أنهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم لم يهتدوا بل هم في ضلال على كل حال {فاقصص القصص} أي: فأخبر يا محمد قومك بهذه الأخبار التي سبقت بها مواقع الوقائع وآثار الأعيان حتى لم تدع في شيء منها لبساً على كل من يسمع لك من اليهود وغيرهم {لعلهم يتفكرون} أي: يتدبرون فيها فيؤمنون. {ساء} أي: بئس {مثلاً القوم} أي: مثل القوم {الذين كذبوا بآياتنا} أي: بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها {وأنفسهم كانوا يظلمون} أي: كان ذلك في طبعهم جبلة لهم لا يقدر غير الله تعالى على تغييره، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّاها إلى غيرها. وقوله تعالى: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} تصريح بأن الهدى والضلال من الله تعالى، وأنّ هداية الله تعالى تختص ببعض دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأوّل والجمع في الثاني باعتبار اللفظ والمعنى، تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقتهم بخلاف الضالين، والاقتصار في الإخبار عمن هدى الله بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للقول بالنعم الآجلة والعنوان له. أي: خلقنا {لجهنم كثيراً من الجنّ والإنس} أخبر الله تعالى أنه خلق كثيراً من الجنّ والإنس للنار، وهم الذين
حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله تعالى للنار فلا حيلة له في الخلاص منها. روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبيّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة إنّ الله خلق الجنة، وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم» أخرجه مسلم. قال النووي في «شرح مسلم» : أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أنّ من مات من أطفال المسلمين فهو في الجنة؛ لأنه ليس مكلفاً، وتوقف فيه من لا يعتد به لهذا الحديث، وأجاب العلماء عنه بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عنها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص قوله: أعطه فإني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً، قال بعضهم: ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أنّ أطفال المسلمين في الجنة، فلما علم ذلك أخبر به، قال: وأما أطفال المشركين، ففيهم ثلاثة مذاهب، قال الأكثرون: هم في النار تبعاً لآبائهم، وتوقف طائفة منهم، والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون: أنهم من أهل الجنة، واستدلوا بأشياء منها حديث «إبراهيم الخليل عليه السلام حين رآه النبيّ صلى الله عليه وسلم في الجنة، وحوله أولاد الناس، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين، قال: وأولاد المشركين» رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} (الإسراء، 15) ولا يتوجه على المولود التكليف، ولا يلزمه قبول قول المرسل حتى يبلغ، وهذا متفق عليه. وفي الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها؛ لأنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجنّ والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى. وقالت المعتزلة: إن اللام في قوله: {لجهنم} ، لام العاقبة، واستدلوا لذلك بآيات وأشعار، فمن الآيات قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً} (القصص، 8) وهم ما التقطوه لهذا الغرض، ومنها قول موسى: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} (يونس، 88) ومن الأشعار قول بعضهم: *وللموت تغذ والوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن* وقال آخر: *أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها* وقال آخر: *له ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب* وقال آخر: *وأمّ شمال فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالدات* وهذا مردود؛ لأنّ المصير إلى التأويل إنما يحسن إذا ثبت الدليل العقلي على امتناع حمل اللفظ على ظاهره، فإذا لم يثبت كان المصير إلى التأويل في هذا المقام عبثاً، فالحق مذهب أهل الحق جعلنا الله تعالى وأهل مودّتنا منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله، ثم وصف الله تعالى هؤلاء الذين أضلهم بقوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها} أي: لا يبصرون بها طريق الحق والهدى {ولهم آذان لا يسمعون بها} أي: الآيات والمواعظ سماع تأمّل وتذكر،
وقال أهل المعاني: إنّ الكفار لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا، ولهم أعين يبصرون بها المرئيات، وآذان يسمعون بها الكلمات، وهذا لا شك فيه، ولما وصفهم الله تعالى بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون مع وجود هذه الحواس الدرّاكة علم أنّ المراد من ذلك يرجع إلى مصالح الدين، وما فيه نفعهم في الآخرة، والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك استعمال بعض جوارحه فيما لا يصلح له، ومنه قوله الشاعر: *وعوراء الكلام صممت عنها ... وإني إن أشاء بها سميع* فإنه أثبت له صمماً مع وجود السمع ولما سلب عنهم هذه المعاني كانت النتيجة {أولئك} أي: البعداء من المعاني الإنسانية {كالأنعام} في أنها لا تفهم ولا تعقل ذلك؛ لأنّ الإنسان وسائر الحيوانات مشتركة في هذه الحواس الثلاث التي هي القلب والبصر والسمع، وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدّي إلى معرفة الحق من الباطل والخير من الشرّ، فإذا كان الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه كان لا فرق بينه وبين البهائم التي لا تدرك شيئاً، ولما كانوا قد زادوا على ذلك بفقد نفع هذه الحواس قال تعالى: {بل هم أضلّ} سبيلاً من الأنعام؛ لأنّ الأنعام تعرف ما يضرّها وما ينفعها، فإذا رأت ناراً مثلاً لا تقع فيها، وإذا رأت كلأ مثلاً دخلت فيه، والكافر لا يعرف ذلك؛ ولأنّ الحيوان لا قدرة له على تحصيل هذه الفضائل؛ والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها؛ ولأنّ الأنعام مطيعة لله تعالى، والكافر غير مطيع، ولأنّ الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه؛ ولأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد، فأما إذا كان معها مرشد فقل أن تضل، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب، وهم يزدادون في الضلالة. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {أولئك هم الغافلون} قال عطاء: عما أعدّ الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب. {والأسماء الحسنى} ذكر ذلك في أربع سور أوّلها هذه السورة، وثانيها في آخر سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعو فله الأسماء الحسنى} (الإسراء، 110) وثالثها في أوّل طه وهو قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} (طه، 8) ورابعها في آخر الحشر في قوله تعالى: {هو الله الخالق البارىء المصوّر له الأسماء الحسنى} (الحشر، 24) والحسنى مؤنث الأحسن كالكبرى والصغرى {فادعوه بها} أي: فسموه بتلك الصفات، وللدعاء شروط منها أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها، ومنها أن يستحضر في قلبه عظمة المدعو سبحانه وتعالى، ومنها أن يخلص إليه في دعائه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ لله تسعة وتسعين اسماً مئة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر» وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «يا الله يا رحمن» فقال المشركون: إنّ محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو اثنين فأنزل الله تعالى هذه الآية. والأسماء الحسنى كما في الحديث «الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق
البارىء المصوّر الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذلّ السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العليّ الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القويّ المتين الوليّ الحميد المحصي المبدىء المعيد المحيي المميت الحيّ القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الفرد الصمد القادر المقتدر المقدّم المؤخر الأوّل الآخر الظاهر الباطن الوال المتعال البرّ التوّاب المنتقم العفوّ الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغنيّ المغني المانع الضارّ النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور» ، رواه الترمذي. قال النووي: اتفق العلماء على أنّ هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه تعالى وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وقوله: «من أحصاها دخل الجنة» المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في حديث آخر: «أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم: «إنّ لله تعالى ألف اسم» قال ابن العربي: وهذا قليل وقوله صلى الله عليه وسلم «من أحصاها دخل الجنة» قال البخاري: من حفظها، وهو قول أكثر المحققين، وتعضده الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة، وقيل: من أحضر بباله عند ذكرها معناها وتفكر في مدلولها، وقوله صلى الله عليه وسلم «إنّ الله وتر يحب الوتر» الوتر الفرد، ومعناه في وصف الله تعالى: الواحد الذي لا شريك له ولا نظير واختلفوا هل الاسم الأعظم الله أو الحيّ القيوم وهل الاسم عين المسمى أو غيره؟ وفي ذلك خلاف، وقد حققت ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة {وذروا} أي: اتركوا {الذين يلحدون} أي: يميلون عن الحق {في أسمائه} أي: حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم كاللات من الله والعزى من العزيز، ومنات من المنان، وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسمائه تعالى هو أن تسميه بما لم يسم الله به نفسه، ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة؛ لأن أسماءه تعالى كلها توقيفية فيجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخي، ويجوز أن يقال: يا عالم، ولا يجوز أن يقال: يا عاقل، ويجوز أن يقال: يا حكيم، ولا يجوز أن يقال: يا طبيب {سيجزون} أي: في الدنيا والآخرة {ما كانوا يعملون} في هذا وعيد شديد لمن ألحد في أسمائه تعالى وهذا قبل الأمر بالقتال، وقرأ حمزة: «يَلحَدون» بفتح الياء والحاء من لحد، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ألحد. ولما ذكر سبحانه وتعالى إنه خلق للنار طائفة ضالين مضلين ملحدين عن الحق ذكر أنه خلق للجنة أمة هادين في الحق عادلين في الأمر بقوله تعالى: {وممن خلقنا أمة} أي: جماعة {يهدون بالحق وبه} أي: بالحق خاصة {يعدلون} أي: يجعلون الأمور متعادلة لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص؛ لأنا وفقناهم فكشفنا عن أبصارهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك، واستدل بذلك على صحة الإجماع؛ لأنّ المراد منه إنّ في كلّ قرن طائفة بهذه الصفة، وأكثر المفسرين إنهم أمّة محمد صلى الله عليه
وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله» رواه الشيخان، وعن معاوية رضي الله تعالى عنه قال وهو يخطب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال من أمّتي أمّة قائمة بأمر الله لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة فإنه معلوم، وعن الكلبيّ هم الذين آمنوا من أهل الكتاب، وقيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين. {والذين كذبوا بآياتنا} أي: القرآن أو غيره من أهل مكة أو غيرهم {سنستدرجهم} أي: سنستدنيهم إلى الهلاك قليلاً قليلاً، وأصل الاستدراج الاستبعاد والاستنزال درجة بعد درجة {من حيث لا يعلمون} أي: سنأخذهم قليلاً قليلاً من حيث لا يحتسبون، وذلك أنّ الله تعالى يفتح عليهم من النعم ما يغبطون به ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرّة أغفل ما يكونون. وقيل: سنقرّبهم إلى ما يهلكهم ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم؛ لأنهم كانوا إذا أتوا بذنب فتح الله تعالى عليهم من أبواب الخير والنعمة في الدنيا، فيزدادوا بذلك تمادياً في الغيّ والضلالة ويتدرجوا في الذنوب والمعاصي بسبب ترادف النعم يظنون أن تواتر النعم يقرب من الله تعالى، وإنما هي خذلان منه وتبعيد، فهو استدراج الله تعالى فيأخذهم الله تعالى أخذة واحدة أغفل ما يكونون عليه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حمل إليه كنوز كسرى قال: اللهمّ إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فإني سمعتك تقول: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} . {وأملي لهم} أي: أمهلهم وأطيل مدّة أعمارهم ليتمادوا في الكفر والمعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة ولا أفتح لهم باب التوبة {إنّ كيدي} أي: أخذي {متين} أي: شديد وإنما سماه كيداً؛ لأنّ ظاهره إحسان وباطنه خذلان. {أو لم يتفكروا} فيعلموا {ما بصاحبهم} محمد صلى الله عليه وسلم {من جنة} أي: جنون. روي أنه صلى الله عليه وسلم صعد على الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله تعالى فقال قائلهم: إنّ صاحبكم لمجنون بات يهوّت إلى الصباح، فنزلت، ومعنى: يهوّت: يصوّت، يقال: هيت به وهوت به أي: صاح قاله الجوهريّ، وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خالفهم في الأقوال والأفعال؛ لأنه كان معرضاً عن الدنيا ولذاتها مقبلاً على الآخرة ونعيمها مشتغلاً بالدعاء إلى الله تعالى وإنذارهم بأسه ونقمته ليلاً ونهاراً من غير ملال ولا ضجر، فعند ذلك نسبوه إلى الجنون، فبرّأه الله تعالى من الجنون بقوله تعالى: {إن} أي: ما {هو إلا نذير مبين} أي: بين الإنذار بحيث لا يخفى على ناظر {أولم ينظروا} أي: نظر اعتبار واستدلال {في ملكوت السموات والأرض} أي: ملكهما البالغ {وما} أي: وفيما {خلق الله من شيء} أي: غيرهما مما يقع عليه الشيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ليدل لهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها؛ ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه، وقوله تعالى: {وأن عسى أن يكون قد اقترب} أي: دنا {أجلهم} عطف على ملكوت، وأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وكذا اسم يكون ولا يصح أن تكون أن مصدرية خلافاً للبيضاوي قال التفتازانيّ: لأنّ المصدرية لا تدخل الأفعال غير المتصرّفة التي لا مصادر لها، والمعنى أولم
ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب، فلعل أجلهم قد اقترب فيموتوا على الكفر قبل أن يؤمنوا فيصيروا إلى النار، فيجب على العاقل المبادرة إلى التفكر والاعتبار والنظر المؤدي إلى الفوز والنعيم الدائم {فبأيّ حديث} أي: كتاب {بعده} أي: الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {يؤمنون} أي: يصدّقون، وليس بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبيّ ولا بعد كتابه كتاب؛ لأنه خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب لانقطاع الوحي بعده صلى الله عليه وسلم فإن قيل: قوله تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} يدل على أنّ القرآن حادث كما تمسك به بعض المعتزلة أجيب: من جهة أهل السنة: بأنّ ذلك محمول على الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حداثتها. ثم ذكر تعالى علة إعراضهم عن الإيمان بقوله تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له} بوجه من الوجوه أي: إنّ إعراض هؤلاء عن الإيمان لإضلال الله إياهم ولو هداهم لآمنوا {ويذرهم} أي: يتركهم {في طغيانهم} أي: ضلالهم وتماديهم في الكفر {يعمهون} أي: يتردّدون متحيرين لا يهتدون سبيلاً، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: «ونذرهم» بالنون والباقون بالياء، وجزم حمزة والكسائيّ الراء قال سيبويه: إنه عطف على محلّ الفاء وما بعدها من قوله تعالى: {فلا هادي له} ؛ لأنّ موضع الفاء وما بعدها جزم لجواب الشرط، ورفعها الباقون استئنافاً، وهو مقطوع عما قبله. ولما بيّن تعالى التوحيد والنبوّة والقضاء والقدر أتبعه المعاد لتكمل المطالب الأربعة التي هي أمهات مطالب القرآن مبيناً ما اشتمل عليه عامة الكلام من تبلدهم في العمه وتلددهم في أشراك الشبه بقوله تعالى: {يسألونك} يا محمد سؤال استهزاء {عن الساعة} أي: عن وقتها، واختلفوا في ذلك السائل، فقال ابن عباس: إنّ قوماً من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة إن كنت نبياً كما تقول، فإنا نعلم متى هي، فنزلت هذه الآية، وقال الحسن وقتادة: إنّ قريشاً قالوا: يا محمد بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى الساعة؟ والساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لأنّ حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسميت بالساعة لهذا السبب، أو لأنها على طولها عند الله تعالى كساعة واحدة، وقوله تعالى: {أيان} سؤال استفهام عن الوقت الذي تقوم فيه الساعة ومعناه متى {مرساها} قال ابن عباس منتهاها والمرسى هنا مصدر بمعنى الإرساء كقوله تعالى: {بسم الله مجراها ومرساها} (هود، 41) أي: إجراؤها وإرساؤها، والإرساء الإثبات يقال: رسا يرسو إذا ثبت قال الله تعالى: {والجبال أرساها} (النازعات، 32) {قل} لهم يا محمد {إنما علمها} أي: متى تكون {عند ربي} أي: لا يعلم الوقت الذي تقوم فيه الساعة إلا الله تعالى استأثر الله تعالى بعلمها، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، ولهذا لما سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: متى الساعة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» قال المحققون: والسبب في إخفاء الساعة عن العباد أنهم إذا لم يعلموا متى تكون، كانوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال: {لا يجليها} أي: يظهرها {لوقتها} أي: في وقتها المعين، فاللام بمعنى في وهو أولى من قول البيضاوي إنها للتأقيت {إلا هو}
أي: لا يقدر على إظهار وقتها المعيّن بالإعلام والإخبار إلا هو {ثقلت} أي: عظمت {في السموات والأرض} أي: ثقل أمرها وخفي علمها على أهل السموات والأرض، وكل شيء خفي فهو ثقيل شديد، وقال الحسن: إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، وإنما ثقلت عليهم؛ لأنّ فيها فناءهم وموتهم، وذلك ثقيل على القلوب وقوله تعالى: {لا تأتيكم إلا بغتة} تأكيد أيضاً لما تقدّم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا فجأة على حين غفلة من الخلق. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة والرجل قد رفع الأكلة إلى فيه فلا يطعمها، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه» اللقحة بفتح اللام وكسرها الناقة القريبة العهد بالنتاج وقوله: يليط حوضه، ويروى: يلوط حوضه أي: يطينه ويصلحه، يقال: لاط حوطه يليطه ويلوطه إذا طينه، والأكلة بضمّ الهمزة اللقمة. وفي رواية «أنّ الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم بسلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه» ، رواه بمعناه الشيخان. {يسألونك} أي: يسألك قومك عن الساعة {كأنك حفيّ عنها} أي: عالم بها من قولهم: أحفيت في المسألة إذا بالغت في السؤال عنها حتى علمتها، وقيل: الحفي البارّ اللطيف ومنه قوله سبحانه وتعالى: {إنه كان بي حفياً} (مريم، 47) أي: بارّاً لطيفاً مجيب دعائي إذا دعوته أي: يسألونك كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم، وهذا قول الحسن ويؤيده ما روي في تفسيره: أنّ قريشاً قالت لمحمد صلى الله عليه وسلم إنّ بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى الساعة. والمعنى يسألونك عنها كأنك حفيّ فتحفى بهم أي: فتخصهم لأجل قرابتك بتعليم وقتها، وتروي علمها عن غيرهم ولو أخبرت بوقتها لمصلحة علمها الله تعالى في إخبارك به لكنت مبلغه القريب والغريب من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك. وقيل: كأنك حفيّ بالسؤال عنها تحبه وتؤثره أي: إنك تكره السؤال عنها؛ لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه ولم يؤته أحداً من خلقه كقوله تعالى: {قل} يا محمد {إنما علمها عند الله} أي: استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلم متى الساعة إلا هو. فإن قيل: قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} وقوله تعالى ثانياً: {يسألونك كأنك حفيّ عنها} فيه تكراراً. أجيب: بأنه لا تكرار؛ لأنّ السؤال الأوّل عن وقت قيام الساعة، والثاني عن كنه ثقل الساعة وشدّتها ومهابتها، فلا يلزم التكرار. وقيل: ذكر الثاني للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله: {كأنك حفيّ عنها} وعلى هذا تكرار العلماء الحذاق في كتبهم لا يحلون المكرر من فائدة، ومنهم محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى. فإن قيل: لم أجاب عن الأوّل بقوله: {إنما علمها عند ربي} وعن الثاني بقوله: {إنما علمها عند الله} ؟ أجيب: بأنّ السؤال الأوّل لما كان واقعاً عن وقت قيام الساعة، والثاني كان واقعاً عن مقدار شدّتها ومهابتها عبر عن الجواب فيه بقوله: علم ذلك عند الله؛ لأنه أعظم أسمائه مهابة وعظمة ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون السبب الذي من أجله أخفيت معرفة علم وقت قيامها المغيب عن
الخلق، وقيل: لا يعلمون أنّ علمها عند الله وإنه استأثر بعلم ذلك حتى لا يسألوا عنه. وروي أنّ أهل مكة قالوا: يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيصة قبل أن يغلو فنشتريه ونربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرحل عنها إلى ما قد أخصبت، فأنزل الله تعالى: لهم {لا أملك لنفسي نفعاً} اجتلاب نفع بأن أربح فيما أشتريه {ولا ضرّاً} أي: ولا أقدر أدفع عن نفسي ضرّاً نزل بها بأن أرتحل إلى الأرض الخصبة أو من الأرض الجدبة {إلا ما شاء الله} من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له. وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة بني المصطلق عصفت ريح في الطريق ففرّت الدواب منها فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة بالمدينة، وكان فيها غيظ للمنافقين وقال صلى الله عليه وسلم «انظروا أين ناقتي» فقال عبد الله بن أبيّ المنافق مع قومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت الرجل بالمدينة ولم يعرف أين ناقته؟ فقال صلى الله عليه وسلم إنّ ناساً من المنافقين قالوا: كيت وكيت، وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولو كنت} أي: من ذاتي {أعلم الغيب} أي: جنسه {لاستكثرت} أي: أوجدت لنفسي كثيراً {من الخير وما مسني السوء} أي: ولو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب واجتناب المضارّ حتى لا يمسني سوء {إن} أي: ما {أنا إلا نذير} بالنار للكافرين {وبشير} بالجنة {لقوم يؤمنون} أي: يصدّقون، وقيل: لقوم يؤمنون متعلق بنذير وبشير؛ لأنهم المنتفعون بهما {هو الذي خلقكم} أي: ولم تكونوا شيئاً {من نفس واحدة} أي: خلقها ابتداء من تراب، وهي آدم عليه السلام {وجعل منها} أي: من جسدها من ضلع من أضلاعها، وقيل: من جنسها لقوله تعالى: {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} (الشورى، 11) {زوجها} أي: حوّاء، قالوا: والحكمة في كونها خلقت منه أنّ الجنس إلى الجنس أميل والجنسية علة الضمّ {ليسكن إليها} أي: ليأنس بها ويطمئن إليها إطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه، وإنما ذكر الضمير في يسكن بعد أن أنث في قوله تعالى: {من نفس واحدة} ذهاباً إلى معنى النفس ليناسب تذكير الضمير في قوله تعالى: {فلما تغشاها} أي: جامعها، ولئلا يوهم لو أنثه نسبة السكون إلى الأنثى، والأمر بخلافه إزالة لاستيحاشه، فكانت نسبة المؤانسة إليه أولى {حملت حملاً خفيفاً} أي: خف عليها ولم تلق منه ما يلقى الحوامل غالباً من الأذى، أو محمولاً خفيفاً وهو النطفة {فمرّت به} أي: فعالجت به أعمالها وقامت وقعدت ولم يعقها عن شيء من ذلك لخفته {فلما أثقلت} أي: صارت ذا ثقل بكبر الولد في بطنها {دعوا الله} أي: آدم وحوّاء عليهما السلام {ربهما} مقسمين {لئن آتيتنا صالحاً} أي: ولداً سوياً لا عيب فيه {لنكونن من الشاكرين} أي: نحن وأولادنا على نعمتك علينا، وذلك أنهما جوّزا أن يكون غير سوي لقدرة الله تعالى على كل ما يريد لأنه الفاعل المختار. فائدة: اتفق القراء على إدغام تاء التأنيث الساكنة في الدال. {فلما آتاهما صالحاً} أي: جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدناً وقوّة وعقلاً، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكوراً وإناثاً {جعلا} أي: النوعان من أولادهما الذكور والإناث؛ لأنّ صالحاً صفة للولد وهو الجنس، فيشمل الذكر والأنثى
والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولاداً صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي: بعضهم أصناماً وبعضهم ناراً وبعضهم شمساً وبعضهم غير ذلك، وقيل: جعل أولادهما له شركاء {فيما آتاهما} أي: فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} . {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون} أي: الأصنام. فإن قيل: كيف وحد {يخلق} ، ثم جمع فقال: {وهم يخلقون} ؟ أجيب: بأنّ لفظ ما يقع على الواحد والاثنين والجمع، فوحد بحسب ظاهر اللفظ، وجمع باعتبار المعنى. فإن قيل: كيف جمع الواو والنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس؟ أجيب: بأنه لما اعتقد عابدوا الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع على ما يعتقدونه، وقيل: لما حملت حوّاء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك؟ ولعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك وذكرت لآدم فهُمّا منه، وهو بضمّ الهاء وتشديد الميم من الهم وهو هنا الحزن، ثم عاد إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله على أن يجعله خلقاً مثلك، ويسهل عليك خروجه فسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس حارثاً في الملائكة، ففعلت ولما ولدته سمته عبد الحرث. فإن قيل: قد قال البيضاويّ: وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء، ويحتمل أن يكون الخطاب في خلقكم لآل قصيّ من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصيّ وكان له زوج من جنسها عربية قرشية فطلبا من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد شمس وعبد مناف وعبد قصيّ وعبد الدار، ويكون الضمير في يشركون لهما ولأعقابهما المقتدين بهما اه أجيب: بأنه نظر في ذلك إلى الظاهر وإلا فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحرث فإنه يعيش، فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» رواه الحاكم وقال: صحيح، والترمذيّ وقال حسن غريب. وروي عن ابن عباس أنه قال: كانت حواء تلد لآدم فتسميه: عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحرث، فسمياه فعاش، وجاء في حديث «خدعهما إبليس مرتين: مرّة في الجنة ومرّة في الأرض» ، وهو قول كثير كمجاهد وسعيد بن المسيب وهذا كما قال البغويّ: ليس إشراكاً في العبادة، ولا أنّ الحرث ربهما فإنّ آدم كان نبياً معصوماً من الشرك ولكن قصد إلى أنّ الحرث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمّه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به إنه مملوك كما يطلق اسم الرب على من لا يراد به أنه معبود هذا كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف على وجه الخضوع لا على وجه أنّ الضيف يملكه قال الشاعر: *وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا* وتقول للغير: أنا عبدك، قال الرازي: ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان عبد ودود فلان، وقال يوسف عليه السلام لعزيز مصر: {إنه ربي} (يوسف، 23) ولم يرد به معبوده كذلك هذا فقوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} ابتداء كلام، وأريد به إشراك أهل مكة، وقرأ نافع وشعبة: «شركاً» بكسر الشين وسكون الراء وألف منونة بعد الكاف في الوصل وفي الوقف بغير تنوين أي: شركة،
والباقون بضمّ الشين وفتح الراء وبعد الكاف ألف بعدها همزة مفتوحة. فإن قيل: المطاع إبليس فكيف يعير بالجمع؟ أجيب: بأنّ من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إن حملت هذه الآية على القصة المشهورة، أمّا إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل. {ولا يستطيعون} أي: الأصنام {لهم} أي: لعابديهم {نصراً} أي: لا تقدر على النصر لمن أطاعها أو عبدها، ولا تضر من عصاها، والمعبود الذي تجب عبادته يكون قادراً على إيصال النفع والضر، وهذه الأصنام ليست كذلك، فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها؟ {ولا أنفسهم ينصرون} أي: وهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها مكروهاً، فإنّ من أراد كسرها قدر عليه، وهي لا تقدر على دفعه عنها. والاستفهام للتوبيخ. ثم خاطب المؤمنين بقوله تعالى: {وإن تدعوهم} أي: المشركين {إلى الهدى} أي: إلى الإسلام {لا يتبعوكم} أي: لأنّ الله تعالى حكم عليهم بالضلالة فلا يقبلوا الهداية، وقرأ نافع بسكون التاء وفتح الباء الموحدة، والباقون بفتح التاء مشدّدة وكسر الباء الموحدة {سواء عليكم أدعوتموهم} إلى الهدى {أم أنتم صامتون} أي: ساكتون عن دعائهم، فهم في كلا الحالتين لا يؤمنون. وقيل: الضمير في تدعوهم للأصنام أي: إنّ هذه الأصنام التي يعبدها المشركون معلوم من حالها أنها لا تضرّ ولا تنفع ولا تسمع من دعاها إلى خير وهدى، وذلك أنّ المشركين كانوا إذا وقعوا في شدّة وبلاء تضرّعوا إلى أصنامهم، وإذا لم يكن لهم إلى الأصنام حاجة سكتوا فقيل لهم: لا فرق بين دعائكم إلى الأصنام وسكوتكم عنها، فإنها عاجزة في كل حال. {إنّ الذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله عباد} أي: مملوكة {أمثالكم} فهي لا تملك ضرّاً ولا نفعاً. فإن قيل: كيف وصفها بأنها عباد مع أنها جماد؟ أجيب: بأنّ المشركين لما ادّعوا أنّ الأصنام تضرّ وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فوردت هذه الألفاظ على وفق معتقدهم تبكيتاً لهم وتوبيخاً ولذلك قال: {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} في كونها آلهة، ولم يقل: فادعوهنّ فليستجبن، وقال: {إنّ الذين} ، ولم يقل: التي، وبأنّ هذا اللفظ إنما ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين؛ لأنهم لما نحتوها بصورة الإناسي قال لهم: إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم، فلا يستحقون عبادتكم كما إنه لا يستحق بعضكم عبادة بعض، فلم جعلتم أنفسكم عبيداً، وجعلتموها آلهة وأرباباً. ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالكم بقوله تعالى: {ألهم أرجل يمشون بها أم} أي: بل الله {لهم أيد يبطشون بها أم} أي: بل الله {لهم أعين يبصرون بها أم} أي: بل الله {لهم آذان يسمعون بها} وهذا الاستفهام إنكاري أي: ليس لهم شيء من ذلك مما هو لكم، فكيف تعبدونهم وأنتم أتم حالاً منهم؟ إذ لا يليق بالإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الأرذل، ونظير هذا قول إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} (مريم، 42) وقد تعلق بعض الجهال بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى، فقال: إنّ الله تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلاً على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله لكان عدمها دليلاً على عدم الإلهية، وذلك باطل فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى. أجيب: بأن المقصود من هذه الآية بيان أنّ الإنسان أفضل وأحسن حالاً من الصنم؛ لأنّ الإنسان له رجل
ماشية ويد باطشة وعين باصرة وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية ويده غير باطشة وعينه غير مبصرة وأذنه غير سامعة، فكان الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، فاشتغال الأفضل الأكمل بحال الأخس ألادون جهل، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال {قل ادعوا} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ادعوا {شركاءكم} أي: إلى هلاكي {ثم كيدون} قال الحسن: كانوا يخوّفونه صلى الله عليه وسلم بآلهتهم فقال الله تعالى له: قل لهم ادعوا شركاءكم ثم كيدون أي: ليظهر لكم أنها لا قدرة لها على إيصال المضارّ إليّ بوجه. وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، وهشام له فيها وجهان: الإثبات والحذف، وصلاً ووقفاً، والباقون يحذفونها وصلاً ووقفاً. ثم تهكم عليهم صلى الله عليه وسلم بقوله: {فلا تنظرون} أي: فأعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم، فإنكم لا تقدرون على ذلك، وعلل عدم قدرتهم على ذلك بقوله: {إنّ وليي الله} الذي يتولى حفظي ونصري هو الله {الذي نزل الكتاب} المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين وهو القرآن {وهو} أي: الله سبحانه {يتولى الصالحين} أي: بنصره وحفظه، فلا يضرهم عداوة من عاداهم، قال ابن عباس: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئاً ولا يعصونه، فمن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلاً عن أنبيائه وفي هذا مدح للصالحين، وأنّ من تولاه الله تعالى بحفظه لا يضره شيء، وعن عمر بن عبد العزيز أنه ما كان يدخر لأولاده شيئاً، فقيل له فيه، فقال: ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين فوليه هو الله تعالى، ومن كان الله تعالى له ولياً فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من المجرمين فقد قال الله تعالى: {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} ومن رده الله تعالى لم أكن مشتغلاً بمهماته {والذين تدعون من دونه} أي: الله {لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} أي: فكيف أبالي بهم؟ فإن قيل: هذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدّمة فما الفائدة في تكريرها؟ أجيب: بأنّ الأوّل مذكور على جهة التقريع، وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة وبين من لا تجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين، وهذه الأصنام ليست كذلك، فلا تكون صالحة للإلهية {وإن تدعوهم} أي: الأصنام {إلى الهدى لا يسمعوا} دعاءكم {وتراهم} يا محمد {ينظرون إليك} أي: يقابلونك كالناظر {وهم لا يبصرون} لأنهم صوّروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه، وقال الحسن: المراد بهذا المشركون، ومعناه إن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى لا يسمعوا دعاءكم؛ لأنّ آذانهم قد صمت عن سماع الحق وتراهم ينظرون إليك يا محمد وهم لا يبصرون أي: ببصائر قلوبهم. ولما بيّن تعالى أن الله هو الذي يتولاه، وإنّ الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار بين ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس بقوله تعالى: {خذ العفو} أي: اقبل الميسور من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسّس وذلك مثل قبول الاعتذار، ويدخل في ذلك ترك التشديد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية، ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب وترك الغلظة والفظاظة، قال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران، 159) وقال صلى الله عليه وسلم «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» وقال
الشاعر: *خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب* وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية: قال عليه الصلاة والسلام: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل، ثم رجع فقال: «إنّ الله تعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» {وأمر بالعرف} أي: بالمعروف قال عطاء: بلا إله إلا الله {وأعرض عن الجاهلين} أي: فلا تقابلهم بالسفه، وذلك مثل قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} (الفرقان، 63) وذلك سلام المتاركة، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» ، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله بعثني بمكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال» . قال أبو زيد لما نزل قوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «كيف يا رب والغضب» فنزل {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {ينزغنك من الشيطان نزغ} أي: وسوسة وقوله تعالى: {فاستعذ} أي: فاستنجد {با} جواب الشرط وجواب الأمر محذوف أي: يدفعه عنك. تنبيه: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية، وقالوا: لولا أنه يجوز من النبي الإقدام على المعصية والذنب لم يحتج إلى الاستعاذة، وأجيب عن ذلك بأجوبة: الأول إنّ معنى هذا الكلام إن حصل في قلبك نزغ فاستعذ بالله كما أنه تعالى قال: {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر، 65) ولم يدل ذلك على أنه أشرك الثاني على تقدير أنه لو حصل وسوسة من الشيطان لكن الله تعالى قد عصم قلب نبيه صلى الله عليه وسلم من قبولها وثباتها في قلبه وإنما القادح لو قبل صلى الله عليه وسلم وسوسة والآية لا تدل على ذلك. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من إنسان إلا ومعه شيطان» وفي رواية: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي إلا أنّ الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» وفي رواية: «لكنه أسلم بعون الله فلقد أتاني فأخذت بحلقه ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحاً» قال النووي: يروى بفتح الميم وضمها فمن ضمها معناه فأسلم أنا من شره وفتنته ومن فتحها قال معناه: إنّ القرين أسلم أي: صار مسلماً فلا يأمرني إلا بخير الثالث: أنّ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره أي: وإما ينزغنك أيها الإنسان من الشيطان نزغ فاستعذ بالله كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ با} (النحل، 98) {إنه سميع} للقول {عليم} بالفعل، وفي الآية دليل على أنّ الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معنى الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر {إنّ الذين اتقوا إذا مسهم} أي: أصابهم {طيف} أي: شيء ألمّ بهم {من الشيطان تذكروا} عقاب الله وثوابه {فإذا هم مبصرون} الحق من غيره، فيرجعون. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بياء ساكنة بعد الطاء والباقون بألف بعد الطاء بعدها همزة
مكسورة {وإخوانهم} أي: وإخوان الشياطين من الكفار {يمدّونهم} أي: يمدّهم الشياطين {في الغيّ} أي: يزيدونهم في الضلالة بالتزيين والحمل عليها {ثم لا يقصرون} أي: لا يكفون عن الضلالة ولا يتركونها، وهذا بخلاف حال المؤمنين المتقين؛ لأنّ المؤمن إذا أصابه طيف من الشيطان تذكر وعرف ذلك فنزع عنه وتاب واستغفر، والكافر مستمرّ في ضلاله لا يتذكر ولا يرعوي {وإذا لم تأتهم} أي: أهل مكة {بآية} أي: مما اقترحوها كقولهم: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} (الإسراء، 90) {قالوا لولا اجتبيتها} أي: هلا تقولتها من عند نفسك كسائر ما تقرؤه، فإنهم كانوا يقولون: إنّ هذا الإفك مفترى، تقول العرب: اجتبيت الكلام اختلقته وافتعلته وأنشأته من عندك، وهلا طلبتها من ربك منزلة عليك مقترحة؟ قال الله تعالى: {قل} : يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوا الآيات {إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} أي: ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور إنما أنتظر الوحي، فكل شيء أكرمني به قلته، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح. ثم بيّن أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها لا يقدح في الغرض؛ لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة، فكان طلب الزيادة من باب التعنت، فذكر في وصف القرآن ألفاظاً ثلاثة أوّلها قوله: {هذا بصائر من ربكم} أي: هذا القرآن فيه حجة وبرهان، وأصل البصائر الأبصار وهو ظهور الشيء حتى يبصره الإنسان، ولما كان القرآن سبباً لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة فهو من باب تسمية السبب باسم المسبب. وثانيها: {وهدى} أي: وهو هدى. وثالثها: {ورحمة} أي: وهو رحمة {لقوم يؤمنون} . فإن قيل: ما الفرق بين هذه المراتب الثلاث؟ أجيب: بأنهم متفاوتون في درجات العلوم، فمنهم من بلغ الغاية في علم التوحيد حتى صار كالمشاهد، وهم أصحاب عين اليقين، ومنهم من بلغ درجة الاستدلال والنظر، وهم أصحاب علم اليقين، ومنهم المسلم المستسلم وهم عامة المؤمنين، وهم أصحاب حق اليقين، فالقرآن في حق القسم الأوّل، وهم السابقون بصائر، وفي حق القسم الثاني وهم المستدلون هدى، وفي حق القسم الثالث وهم عامة المؤمنين رحمة. {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} أي: عن الكلام {لعلكم ترحمون} أي: لكي يرحمكم ربكم باتباعكم ما أمرتم به من أوامره، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب قوم إلى أنها نزلت في الصلاة كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الإمام والإنصات. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن، وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام. وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصعات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار، وعن ابن مسعود أنه سمع ناساً يقرؤون مع الإمام فلما انصرفوا قال: أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله، وهو قول الحسن والزهري: إن الآية نزلت في القرآن في الصلاة. وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد إنّ الآية نزلت في الخطبة أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة، وقال عمر بن عبد
العزيز: الإنصات لكل واعظ، وقيل: معناه وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وأنصتوا، وقيل: معنى فاستمعوا له فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه، قال البغوي: والأوّل أولاها وهو أنها في القراءة في الصلاة لأنّ الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة، قال البيضاوي: وظاهر اللفظ يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقاً وعامة العلماء على استحبابهما خارج الصلاة واحتج به من لا يرى وجوب القراءة على المأموم وهو ضعيف، اه. أي: مردود بخبر الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» وقوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك} عام في الأذكار من القراءة والدعاء وغيرهما، والمراد بالذكر في النفس أن يستحضر في قلبه عظمة الله تعالى جل جلاله؛ لأنّ الذكر باللسان إذا كان عارياً عن ذكر القلب كان عديم الفائدة؛ لأنّ فائدة الذكر حضور القلب وإشعاره عظمة المذكور تعالى، قال الرازي: سمعت بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر أمره أربعين يوماً بالخلوة والتصفية، ثم عند استكمال هذه المدّة وحصول التصفية الكاملة يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول للمريد: اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم تشوّقه، فاعلم أنّ الله تعالى إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب، اه. وقيل: ذلك أمر للمأموم بالقراءة سراً بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى {تضرعاً} أي: تذللاً {وخيفة} أي: خوفاً منه. فائدة: إنما قال تعالى: {واذكر ربك} ولم يقل: واذكر إلهك ولا غيره من الأسماء وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه رباً، وأضاف نفسه إليه، وكل ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان، والمقصود منه أن يصير العبد فرحاً مسروراً مبتهجاً عند سماع هذا الاسم، لأنّ لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام إنعام الله تعالى عليه، وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامه كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها} (إبراهيم، 34) فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء، فإذا سمع بعد ذلك قوله: {تضرعاً وخيفة} عظم الخوف وحينئذٍ يحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف، وعنده يكمل الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» وهذا جرى عليه بعضهم في حالة الصحة، فيكون الخوف والرجاء مستويان. والذي جرى عليه الغزالي وهو التحقيق أنه إن قوي رجاؤه يقوى جانب الخوف والعكس بالعكس، وأما حال المرض فيكون جانب الرجاء أرجح، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك» ؟ قال: أرجو الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يجتمعان في قلب مؤمن في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف» {ودون الجهر من القول} أي: ومتكلماً كلاماً فوق السر ودون الجهر أي: قصداً بينهما، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص {بالغدوّ} جمع غدوة، وقيل: إنه مصدر {والآصال} جمع أصيل، وهو ما بين صلاة العصر إلى الغروب، وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأنّ الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو آخر الموت إلى
سورة الأنفال
اليقظة التي هي كالحياة فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أوّل أعماله ذكر الله تعالى، وأما وقت الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت فيستحب الذكر؛ لأنها حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله تعالى، وهو المراد من قوله تعالى: {ولا تكن من الغافلين} عن ذكر الله. وقيل: إنما خصا بالذكر؛ لأنّ الصلاة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر مكروهة، واستحب للعبد أن يذكر الله تعالى فيهما ليكون في جميع أوقاته مشتغلاً بما يقرّبه إلى الله تعالى من صلاة وذكر، وقيل: إنّ أعمال العباد تصعد أوّل النهار وآخره، فيصعد عمل الليل عند صلاة الفجر، ويصعد عمل النهار بعد العصر إلى الغروب، فاستحب له الذكر فيهما ليكون ابتداء عمله بالذكر وختامه بالذكر. {إنّ الذين عند ربك} أي: الملائكة المقرّبين بالفضل والكرامة {لا يستكبرون} أي: لا يتكبرون {عن عبادته} لأنهم عبيده خاضعون لعظمته وكبريائه {ويسبحونه} أي: وينزهونه عن جميع النقائص، ويقولون: سبحان الله ربنا {وله يسجدون} أي: ويخضعون له بالعبادة والتذلل لا يشركون به غيره، وفي هذا إشارة إلى أنّ الأعمال تنقسم إلى قسمين: أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فأعمال القلوب هي تنزيه الله تعالى عن كل ما سواه، وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله: {ويسبحونه} وعبر عن أعمال الجوارح بقوله: {وله يسجدون} ليوافق الملائكة المقرّبين في عبادتهم، وعن معدان قال: سألت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: حدّثني حديثاً ينفعني الله به قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة» ، وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة» ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته في غير وقت صلاة» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» والحديث الذي ذكره البيضاوي تبعاً للزمخشري وهو: «من قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس ستراً وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة» حديث موضوع. سورة الأنفال مدنية وقيل: إلا {وإذ يمكر بك الذين كفروا} الآيات السبع فمكية، وهي خمس أو ست أو سبع وسبعون آية، وألف وخمس وسبعون كلمة، وخمسة آلاف وثمانون حرفاً. {بسم الله} الذي له العظمة الظاهرة والحكمة الباهرة {الرحمن} الذي عم جميع خلقه بنعمه المتواترة {الرحيم} الذي خص من أراد من عباده بما يرضيه فكان حامده وشاكره. {يسألونك} يا أشرف الخلق يا محمد {عن الأنفال} أي: الغنائم لمن هي؟ وكيف مصرفها؟ وإنما سميت الغنيمة
نفلاً؛ لأنها عطية من الله تعالى وفضل منه كما يسمى به ما يشرطه الإمام لمقتحم خطر عطية له وزيادة على سهمه {قل} يا محمد لهم {الأنفال والرسول} يجعلانها حيث شاءا وأكثر المفسرين أن سبب نزولها اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم؟ فقال الشبان: هي لنا؛ لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردأً لكم ولو انكشفتم لفئتم إلينا، فنزلت، وقيل: شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غنا ـ وهو بفتح الغين المعجمة والمد النفع ـ أن ينفله فسار شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال قليلاً، فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردأ أي: عوناً لكم وفئة تنحازون إلينا، فنزلت فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء، رواه الحاكم في المستدرك، وعن عبادة بن الصامت: نزلت فينا معاشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح ذات البين، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إنه قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير، وقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستوهبته منه فقال: هذا ليس لي ولا لك اطرحه في القبض، وهو بفتحتين: ما قبض من الغنائم فطرحته، وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي اذهب فخذه» وقيل: إنها نزلت فيما يصل من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاع، فهو للنبيّ صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء. واختلفوا هل هذه الآية منسوخة أو لا؟ فقال مجاهد وعكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإنّ خمسه وللرسول} (الأنفال، 41) الآية فكانت الغنائم يومئذٍ للنبيّ صلى الله عليه وسلم فنسخها الله تعالى بالخمس، وقال بعضهم: هي ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه وذلك أن الغنائم كانت حراماً على الأمم الذين من قبلنا في شرائع أنبيائهم، وأباحها الله تعالى بهذه الآية لهذه الأمة، وجعلها ناسخة لشرع من قبلنا، ثم نسخت بآية الخمس، وقال عبد الله بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل الأنفال لله وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى، وقد بيّن الله تعالى مصارفها في قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإنّ خمسه} الآية. فإن قيل: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول؟ أجيب: بأنّ معناه أن حكم الغنيمة مختص بالله ورسوله بأمر الله يقسمها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الله تعالى فيها وليس الأمر في قسمها مفوّضاً إلى رأي أحد {فاتقوا الله} بطاعته، واتركوا مخالفته واتركوا المخاصمة والمنازعة في الغنائم {وأصلحوا ذات بينكم} أي: وأصلحوا الحال فيما بينكم بالمودّة وترك النزاع وتسليم أمر الغنائم إلى الله ورسوله {وأطيعوا الله ورسوله} فيما يأمركم به وينهاكم عنه {إن كنتم مؤمنين} حقاً، فإنّ الإيمان يقتضي ذلك. {إنما المؤمنون} أي: الكاملون في الإيمان {الذين إذا ذكر الله} أي: وعيده {وجلت} أي: خافت وخضعت ورقت {قلوبهم} أي: أنّ المؤمن إنما يكون مؤمناً كاملاً إذا كان خائفاً من الله تعالى، ونظيره قوله
تعالى: {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} (المعارج، 27) وقوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون، 2) . فإن قيل: إنه تعالى قال هنا: {وجلت قلوبهم} وفي آية أخرى {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} (الرعد، 28) فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأنه لا منافاة بينهما؛ لأنّ الوجل هو خوف العقاب، والاطمئنان إنما يكون من اليقين وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، وهذا مقام الخوف والرجاء، وقد اجتمعا في آية واحدة وهي قوله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ريهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر، 23) عند رجاء ثواب الله. قال أهل التحقيق: الخوف على قسمين: خوف العقاب وهو خوف العصاة، وخوف الجلال والعظمة، وهو خوف الخواص؛ لأنه تعالى غني بذاته عن كل الموجودات وما سواه من المخلوقات محتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني هابه وخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة وذلك الخوف، وأما العصاة فيخافون عقابه، والمؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه وخافه على قدر مرتبته {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} أي: تصديقاً ويقيناً؛ لأن زيادة الإيمان بزيادة التصديق وذلك على وجهين: الوجه الأوّل: وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي إن كل من كانت عنده الدلائل أكثر وأقوى كان أزيد إيماناً؛ لأنّ عند حصول كثرة الدلائل وقوّتها يزول الشك ويقوى اليقين، فتكون معرفته بالله أقوى، فيزداد إيمانه، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح» . الوجه الثاني: وهو أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، ولما كانت التكاليف متوالية في زمنه صلى الله عليه وسلم فكلما تجدد تكليف كانوا يزدادون تصديقاً وإقراراً، ومن المعلوم أن من صدّق إنساناً في شيئين كان أكثر ممن يصدّقه في شيء واحد، فقوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} معناه: أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد، فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق. فإن قيل: إن تلك الآيات لا توجب الزيادة وإنما الموجب هو سماعها أو معرفتها أجيب: بأن ذلك هو المراد من الآية، واختلفوا هل الإيمان يقبل الزيادة والنقصان أو لا؟ فالذين قالوا: إن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي قالوا: لا يقبل الزيادة ولا النقصان، والذين قالوا: إنه مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل قالوا: يقبل الزيادة والنقصان، واحتجوا بهذه الآية من وجهين: الأوّل: أنّ قوله تعالى: {زادتهم إيماناً} يدل على أنّ الإيمان يقبل الزيادة، ولو كان عبارة عن التصديق فقط لما قبل الزيادة، وإذا قبل الزيادة فقد قبل النقص. الوجه الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أوصافاً متعدّدة من أحوال المؤمنين، ثم قال بعد ذلك: {أولئك هم المؤمنون حقاً} وذلك يدل على أنّ تلك الأوصاف داخلة في مسمى الإيمان، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» ففي الحديث دليل على أنّ للإيمان أدنى وأعلى، فيكون قابلاً للزيادة والنقص، وقال عمير بن حبيب: إن للإيمان زيادة ونقصاناً، قيل له: فما زيادته وما نقصانه فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه، فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنّ
للإيمان فرائض وشرائط وحدوداً وسنناً فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، ثم وصف الله تعالى المؤمنين الكاملين بصفة أخرى ثالثة، وهي الاتكال عليه بقوله تعالى: {وعلى ربهم يتوكلون} أي: يفوّضون جميع أمورهم إليه لا يرجون غيره، ولا يخافون سواه؛ لأنّ المؤمن إذا كان واثقاً بوعد الله تعالى ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره، وهذا الحال مرتبة عالية ودرجة شريفة، وهي أنّ الإنسان بحيث يصير لا يبقى له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله تعالى، وهذه الصفات الثلاث مرتبة على أحسن صفات الترتيب، فإنّ المرتبة الأولى هي الوجل عند ذكر الله، والمرتبة الثانية هي الانقياد لمقامات تكاليفه، والمرتبة الأخيرة الانقطاع بالكلية عما سوى الله والاعتماد بالكلية على فضل الله بل الغنى بالكلية عما سوى الله، ثم إنّ هذه المراتب الثلاث أحوال معتبرة في القلوب والبواطن، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر فقال: {الذين يقيمون الصلاة} أي: الذين يؤدّونها بحقوقها {ومما رزقناهم} أي: أعطيناهم {ينفقون} في طاعة الله؛ لأنّ رأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ورئيسها بذل النفس في الصلاة، وبذل المال في مرضاة الله، ويدخل في ذلك صلاة الفرض والنفل والزكاة والصدقات والإنفاق في الجهاد والإنفاق على المساجد والقناطر، ثم قال تعالى: {أولئك} أي: الموصوفون بهذه الصفات الخمسة {هم المؤمنون حقاً} لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ومحاسن أفعال الجوارح التي المعيار عليها، وهي الصلاة والصدقة و {حقاً} مصدر مؤكد للجملة التي هي {أولئك هم المؤمنون} كقوله: هو عبد الله حقاً، أي: أحق ذلك حقاً. تنبيه: اختلف العلماء في أنه هل للشخص أن يقول: أنا مؤمن حقاً، أو لا؟ فقال أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه: الأولى أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، ولا يقول: أنا مؤمن حقاً، وقال أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: الأولى أن يقول: أنا مؤمن حقاً، ولا يجوز أن يقول: إن شاء الله تعالى، واستدل للأوّل بوجوه: الأوّل أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ليس على سبيل الشك، ولكن الشخص إذا قال: أنا مؤمن فقد مدح نفسه بأعظم المدائح فربما حصل له بذلك عجب، فإذا قال: إن شاء الله تعالى زال ذلك العجب، وحصل الانكسار له. الثاني إنّ الله تعالى ذكر في أوّل الآية ما يدل على الحصر وهو قوله تعالى: {إنما المؤمنون هم} كذا وكذا وكلمة إنما تفيد الحصر، وذكر في آخر الآية قوله تعالى: {أولئك هم المؤمنون حقاً} وهذا أيضاً يفيد الحصر، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى، ثم إنّ الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس، فكان الأولى له أن يقول: إن شاء الله تعالى، وعن الحسن أنّ رجلاً سأله: أمؤمن أنت؟ فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن بها، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية فلا أدري أنا منهم أم لا؟ وقال سفيان الثورّي: من زعم أنه مؤمن حقاً عند الله، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية، وهذا إلزام منه أي: كما لا نقطع أنه من أهل الجنة قطعاً، فلا نقطع
أنه مؤمن حقاً. الثالث: أنّ قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى للتبرّك، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» مع العلم القطعيّ بأنه لاحق بأهل القبور. الرابع: أنّ المؤمن لا يكون مؤمناً حقاً إلا إذا ختم له بالإيمان، ومات عليه، وهذا لا يحصل إلا عند الموت، فلهذا السبب حسن أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، فالمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة. الخامس: أنّ ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ألا ترى أنه تعالى قال: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} (الفتح، 27) وهو تعالى منزه عن الشك والريب، فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليماً منه لعباده فالأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى الله تعالى حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان، واستدلّ الثاني بوجهين: الأول: أنّ المتحرك يجوز أن يقول: أنا متحرّك، ولا يجوز أن يقول أنا متحرّك إن شاء الله تعالى، وكذا في القول في القائم والقاعد فكذا هنا. الثاني: أنه تعالى قال: {أولئك هم المؤمنون حقاً} فقد حكم الله لهم بكونهم مؤمنين حقاً، فكان قوله: إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله تعالى لهم به، وذلك لا يجوز، وأجاب الأوّل عن قولهم: المتحرّك لا يجوز أن يقول: أنا متحرك إن شاء الله تعالى بالفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمناً وبين وصفه بكونه متحركاً إذ الإيمان يتوقف حاله على الخاتمة، والحركة فعل للإنسان نفسي، فحصل الفرق بينهما، وعن قولهم: إنه تعالى قال: {أولئك هم المؤمنون حقاً} فحكم لهم بكونهم مؤمنين حقاً إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة على الحقيقة، ونحن لا نعلم ذلك، فثبت حينئذ أنّ الصواب مع أصحاب القول الأوّل: {لهم} أي: للموصوفين بتلك الصفات {درجات} أي: منازل في الجنة {عند ربهم} بعضها أعلى من بعض؛ لأنّ المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ بتلك الأوصاف المذكورة، فلهذا تتفاوت منازلهم في الجنة على قدر أعمالهم. قال عطاء: درجات الجنة يرتفعون فيها بأعمالهم، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام» ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة مائة درجة لو أنّ العالمين اجتمعوا في إحداهنّ لوسعتهم» {ومغفرة} أي: لما فرط منهم {ورزق كريم} أعدّ لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده. فإن قيل: أليس المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل، وحرمانه منها فإنه يتألم قلبه ويتنغص عيشه وذلك يحيل كون الثواب رزقاً حسناً؟ أجيب: بأنّ استغراق كل أحد في سعادته الحاضرة تمنعه من حصول النظر إلى غيره، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم، وقوله تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج واختلفوا في تقدير ذلك، فقال المبرد: تقديره الأنفال لله والرسول وإن كرهوا كما أخرجك
ربك من بيتك بالحق إلى القتال وإن كانوا كارهين له. قال الرازي: وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة في هذا الموضع، وقال عكرمة: تقديره فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإنّ ذلك خير لكم كما أنّ إخراج محمد من بيته خير لكم، وإن كرهه فريق منكم، وقال الكسائيّ: الكاف متعلق بما بعده، وهو قوله: {يجادلونك في الحق} ، والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه، وقيل: الكاف بمعنى على تقديره امض على الذي أخرجك ربك، وقيل: الكاف بمعنى إذ تقديره واذكر إذ أخرجك ربك من بيتك بالحق {وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون} الخروج والجملة حال من كاف أخرجك، وقيل: كما خبر مبتدأ محذوف أي: هذه الحالة في كراهتهم لها مثل إخراجك في حال كراهتهم، وقد كان خيراً لهم، فكذلك هذه أيضاً، وذلك أنّ أبا سفيان قدم بعير من الشام في أربعين راكباً منهم عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل الزهريّ، وفيها تجارة كثيرة، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم لقيّ العير لكثرة المال وقلة العدوّ، فلما سمع أبو سفيان بمسير النبيّ صلى الله عليه وسلم إليه استأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ وبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم ويخبرهم أنّ محمداً وأصحابه قد خرجوا لعيرهم، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكة، وكانت عاتكة أخت العباس بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رأت رؤيا فقالت لأخيها العباس: إني رأيت عجباً رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس قد اجتمعوا عليه، ورأيت كأنّ ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها ورمى أي: رمى بها إلى فوق فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة، فقال العباس: اكتميها فلا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان صديقاً له، فذكرها له واستكتمه فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا قال: فلما فرغت من طوافي أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه الفتنة فيكم؟ قلت: وما ذاك، قال: الرؤيا التي رأت عاتكة، قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث فنتربص بكم الثلاث فإن بك ما قالت حقاً فسيكون وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير أمر إلا أني جحدت ذلك وأنكرته أن لا تكون عاتكة رأت شيئاً، ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت، قال: قلت: والله ما كان مني إليه من شيء وأيم الله تعالى لأتعرّضن له فإن عاد لأكفينكنه، قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أنّ قد فاتني منه أمر أحبّ أن أدركه منه قال: فدخلت المسجد، فرأيته قال: فوالله إني لأمشي نحوه لأتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان أبو جهل رجلاً خفيفاً حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ قال: قلت: ماله لعنه الله أكان هذا فرقاً مني أن أشاتمه قال: فإذا هو سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد حوّل
رحله وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش هذه أموالكم مع أبي سفيان، وقد عرض لها محمد وأصحابه، فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء، وهو بالمدّ: الإسراع منصوب على الإغراء أي: الزموا الإسراع على كل صعب وذلول أي: أسرعوا مجتمعين ولا تقفنّ لأن تختاروا للركوب ذلولاً دون صعب عيركم أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير في المثل لا في العير ولا في النفير فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس، فقال: والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمداً لم يصب العير فإنا قد أعضضناه فمضى بهم إلى بدر، وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة، ونزل جبريل عليه السلام وقال: يا محمد إنّ الله وعدكم إحدى الطائفتين إمّا العير وإمّا قريشاً، فاستشار النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقال: ما تقولون؟ إنّ القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أحبّ إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردّد عليهم، وقال: إنّ العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدّو فقام عند غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا الكلام وأمالاه إلى المضيّ إلى العدوّ، ثم قام سعد بن عبادة، فقال: انظر أمرك فاقض فوالله لو سرت إلى عدن أبين، وهي مدينة معروفة باليمن، وأبين بوزن أبيض اسم رجل من حمير عدن بها أي: أقام، ما تخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس» وهو يريد الأنصار؛ لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلى ديارنا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتخوّف أن تكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أجل» ، قال: قد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالله الذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدوّنا وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعلّ الله تعالى يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسطه قول سعد رضي الله عنه، قال: سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا، فإنّ الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حدّثه عن أهل بدر قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول: «هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله تعالى، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله تعالى» قال عمر فوالذي بعثه
بالحق نبياً ما أخطأ الحدود التي حدّها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال: «يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقاً فإني وجدت ما وعدني الله حقاً» فقال عمر: كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها، فقال: «ما أنتم أسمع لما أقول لهم منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئاً» . وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو في وثاقه أي: قيده وكان العباس حينئذ مأسوراً مقيداً لا يصلح، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم لم؟ قال: لأنّ الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك فكانت الكراهة من بعضهم لقوله تعالى: {وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون} . {يجادلونك في الحق} أي: القتال {بعدما تبين} إنك لا تصنع شيئاً إلا بأمر ربك {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} إليه أي: يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه وذلك أنّ المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم يعلمنا أنا نلقى العدوّ فنستعد للقائهم، وإنما خرجنا لطلب العير، إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان، وفيه إيماء إلى أنّ مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم. {وإذ} أي: واذكر إذ {يعدكم الله إحدى الطائفتين} أي: العير أو النفير، وإحدى ثاني مفعولي «يعدكم» وقد أبدل منها {أنها لكم} بدل اشتمال {وتودّون} أي: تريدون {أن غير ذات الشوكة} أي: القوة والشدة والسلاح وهي العير {تكون لكم} لقلة عددها وعددها إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارساً بخلاف النفير لكثرة عددهم وعددهم. وقرأ أبو عمرو بادغام التاء في التاء بخلاف عنه {ويريد الله أن يحق الحق} أي: يظهره {بكلماته} أي: بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر {ويقطع دابر الكافرين} أي: يستأصلهم، والمعنى أنكم تريدون أن تصيبوا مالاً، ولا تلقوا مكروهاً والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق، وما يحصل لكم من فوز الدارين {ليحق الحق} أي: يثبت الإسلام {ويبطل الباطل} أي: يمحق الكفر {ولو كره المجرمون} أي: المشركون ذلك. فإن قيل: قوله تعالى: {ليحق الحق} بعد قوله: {أن يحق الحق} يشبه التكرار أجيب: بأنّ المعنيين متباينان وذلك أنّ الأوّل لبيان المراد وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ذات الشوكة على غيرها ونصره عليها. {إذ} أي: واذكر إذ {تستغيثون ربكم} واستغاثتهم أنهم لما عملوا أن لا محيص عن القتال أخذوا يقولون ربنا انصرنا على عدوّك أغثنا يا غياث المستغيثين. وعن عمر رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمئة أي وبضعة عشر، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، وأخذه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه، وقال: يا نبيّ الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ذال إذ عند التاء، والباقون بالإدغام، {فاستجاب لكم أني} أي: بأني فحذف الجارّ وسلط عليه استجاب فغصب محله
{ممدّكم بألف من الملائكة مردفين} أي: متتابعين يردف بعضهم بعضاً، وقرأ نافع بفتح الدال، وقيل: بالفتح والكسر، والباقون بالكسر، وعدهم بالألف أوّلاً، ثم صارت ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف كما في آل عمران، فقيل: نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وميكائيل عليه السلام على الميسرة، وفيها عليّ رضي الله تعالى عنه في صور الرجال عليهم عمائم بيض وثياب بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، فقاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين. وروي أنّ أبا جهل قال لابن مسعود من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟ قال: من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم. وروي أنّ رجلاً من المسلمين بينما هو يشتدّ في طلب رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه، فنظر إلى المشرك وقد خرّ مستلقياً وشق وجهه، فحدّث الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت ذاك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين» ، وعن أبي داود المازنيّ تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: «قال لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف» . وقيل: إنهم لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإنّ جبريل عليه السلام أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح عليه السلام بصيحة واحدة، وقيل: يدلّ على هذا قوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى} لكم أي: وما جعل الإرداف بالملائكة إلا بشرى لكم {ولتطمئن به قلوبكم} فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم، والصحيح أنهم قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا فيما سواه لما تقدّم {وما النصر إلا من عند الله} أي: لا من عند غيره، وأما إمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوها فهي وسايط لا تأثير لها، فلا تحسبوا أن النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها، وفي ذلك تنبيه على أنّ الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على الله تعالى في جميع أحواله، ولا يثق بغيره، فإنّ الله تعالى بيده النصر والإعانة. {إنّ الله عزيز} أي: إنه تعالى قويّ منيع لا يقهره شيء ولا يغلبه غالب بل هو يقهر كلّ شيء ويغلبه {حكيم} في تدبيره ونصره ينصر من يشاء ويخذل من يشاء من عباده. {إذ} أي: واذكر إذ {يغشاكم النعاس} وهو النوم الخفيف {أمنة} أي: أمناً مما حصل لكم من الخوف من عدوّكم {منه} أي: من الله تعالى؛ لأنهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عددهم وعددهم وقلة المسلمين وقلة عددهم، وعطشوا عطشاً شديداً ألقى الله عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة وزال عنهم الكلال والعطش، وتمكنوا من قتال عدوّهم كان ذلك النوم نعمة في حقهم؛ لأنه كان خفيفاً بحيث لو قصدهم العدوّ لعرفوا وصوله إليهم وقدروا على دفعه عنهم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: النعاس في القتال أمنة من الله تعالى، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الشين مخففة وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والشين مع التخفيف فيهما، والباقون بضم الياء وكسر الشين مشدّدة، ورفع السين من النعاس ابن كثير وأبو عمرو ونصبها
الباقون على أن الله تعالى هو الفاعل {وينزل عليكم من السماء ماء} أي: مطراً {ليطهركم به} أي: من الأحداث والجنابات، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، وذلك أنّ المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب رمل أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، فناموا فاحتلم أكثرهم، وكان المشركون قد سبقوهم على ماء بدر، فنزلوا عليه وأصبح المسلمون على غير ماء وبعضهم محدث وبعضهم جنب وأصابهم العطش، فوسوس إليهم الشيطان، أو قال لهم المنافقون: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأنتم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين، فكيف ترجون أن تظهروا على عدوّكم وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة؟ فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا، فأنزل الله تعالى مطراً أسال منه الوادي، فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضؤوا وسقوا الدواب وملؤوا الأسقية وطفىء الغبار وعظمت النعمة من الله عليهم بذلك، وكان دليلاً على حصول النصر والظفر وزالت عنهم وسوسة الشيطان كما قال تعالى: {ويذهب عنكم رجز الشيطان} أي: وسوسة الشيطان التي ألقاها في قلوبكم، وقيل: الجنابة؛ لأنها من تخييله. فإن قيل: يلزم على هذا التكرار فإنّ هذا تقدّم في قوله تعالى: {ليطهركم به} وأجيب عنه: بأنّ المراد من قوله تعالى: {ليطهركم به} حصول الطهارة الشرعية ومن قوله تعالى {ويذهب عنكم رجز الشيطان} أن الرجز هو عين المنيّ، فإنه شيء مستخبث، وطابت أنفسهم كما قال تعالى: {وليربط} أي: يحبس {على قلوبكم} باليقين والصبر ولبدت الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام كما قال تعالى: {ويثبت به الأقدام} أي: أن تسوخ في الرمل، والضمير في «به» للماء ويجوز كما قال الزمخشريّ أن يكون للربط؛ لأنّ القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت الأقدام في مواطن القتال وقوله تعالى: {إذ يوحي ربك} متعلق بيثبت أو بدل من «إذ يعدكم» {إلى الملائكة} أي: الذين أمدّ بهم المسلمين وقوله تعالى: {إني} أي بأني {معكم} أي: بالعون والنصرة مفعول يوحي {فثبتوا الذين آمنوا} أي: قوّوا قلوبهم بأن تقاتلوا المشركين معهم، وقيل: بالتبشير والإعانة، فكان الملك يمشي في صورة رجل أمام الصف ويقول: أبشروا فإنّ الله تعالى ناصركم عليهم فإنكم تعبدونه وهؤلاء لا يعبدونه، وقيل: بإلقاء الإلهام في قلوبهم كما أنّ للشيطان قوّة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر ويسمى ما يلقيه الشيطان وسوسة وما يلقيه الملك إلهاماً. ثم بين تعالى المعية بقوله تعالى: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} أي: الخوف فلا يكون لهم ثبات وكان ذلك نعمة من الله تعالى على المؤمنين حيث ألقى الخوف في قلوب المشركين، وقرأ ابن عامر والكسائي برفع العين، والباقون بالسكون وقوله تعالى: {فاضربوا} خطاب للمؤمنين وللملائكة {فوق الأعناق} أي: أعاليها التي هي المذابح والمفاصل والرؤوس، فإنها فوق الأعناق وقيل: المراد الأعناق، وفوق صلة، أو بمعنى على أي: اضربوا على الأعناق {واضربوا منهم كل بنان} قال ابن عطية: يعني: كل مفصل، وقال ابن عباس: يعني: الأطراف، والبنان جمع بنانة وهي أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وقال ابن
الأنباري: كانت الملائكة لا تعلم كيف تقاتل بني آدم فعلمهم الله تعالى: قيل: إنما خصت الرأس والبنان بالذكر؛ لأنّ الرأس أعلى الجسد وأشرف الأعضاء، والبنان أضعف الأعضاء، فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. وقيل: أمرهم بضرب الرأس وبه هلاك الإنسان وبضرب البنان وبه تبطل حركته عن القتال؛ لأنّ بالبنان يتمكن من مسك السيف والسلاح وحمله والضرب به فإذا قطع بنانه تعطل ذلك كله. {ذلك} أي: التسليط العظيم الذي وقع من القتل والأسر يوم بدر، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {بأنهم} أي: الذين تلبسوا بالكفر {شاقوا الله} الذي لا يطاق انتقامه {ورسوله} أي: خالفوهما في الأوامر والنواهي والمشاقة المخالفة وأصلها المجانبة كأنهم صاروا في شق وجانب غير الذي يرضيانه {ومن يشاقق الله ورسوله فإنّ الله شديد العقاب} له فإنّ الذي أصابهم في ذلك اليوم من الأسر والقتل شيء قليل في جنب ما أعدّ الله تعالى لهم من العقاب يوم القيامة، وقوله تعالى: {ذلكم} خطاب للكفرة على طريق الالتفات من الغيبة في شاقوا أي: ذلكم الذي عجل لكم ببدر من القتل والأسر {فذوقوه} عاجلاً {وأنّ للكافرين} آجلاً في الآخرة {عذاب النار} ووضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أنّ الكفر سبب للعاجل والآجل. {يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} أي: مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون أي: يدبون دبيباً من زحف الصبي إذا دبّ على استه قليلاً قليلاً سمي به، وجمع على زحوف، وانتصابه على الحال وهو مصدر موصوف به كالعدل والرضا ولذلك لم يجمع {فلا تولوهم الأدبار} أي: منهزمين منهم وإن كنتم أقل منهم. {ومن يولهم يومئذٍ} أي: يوم لقائهم {دبره} أي: يجعل ظهره إليهم منهزماً {إلا متحرفاً} أي: منعطفاً {لقتال} بأن يريهم أنه منهزم خداعاً ثم يكر عليهم وهو باب من مكايد الحرب {أو متحيزاً} منضماً وصائراً {إلى فئة} أي: جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها على القرب يستنجد بها. ومنهم من لا يعتبر القرب لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرّوا إلى المدينة فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون، فقال: «بل أنتم العكارون» وفي رواية «الكرارون» أي: المتعاطفون إلى الحرب، وأنا فئتكم. وانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف، فقال عمر: أنا فئتك {فقد باء} أي: رجع {بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} أي: المرجع هي، وعن ابن عباس أنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر هذا إذا لم يزد العدد على الضعف لقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً} (الأنفال، 66) وقيل: هذا في أهل بدر خاصة؛ لأنه ما كان يجوز لهم الانهزام يوم بدر؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان معهم قاله مجاهد. ولما انصرف المسلمون من قتال بدر كان الرجل يقول: أنا قتلت فلاناً، ويقول الآخر: أنا قتلت فلاناً، فنزل قوله تعالى: {فلم تقتلوهم} أي: بقوّتكم {ولكنّ الله قتلهم} أى: بنصره إياكم بأن هزمهم لكم. قال البيضاوي تبعاً للزمخشريّ: والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم، فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم، اه. ورده ابن هشام بأنّ الجواب المنفي بلم لا تدخل عليه الفاء، واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
{وما رميت} يا محمد {إذ رميت ولكنّ الله رمى} على ثلاثة أقوال: الأوّل وهو قول أكثر المفسرين نزلت في يوم بدر، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب إلى قتال بدر نزلوا بدراً ووردت عليهم روّاد قريش وفيهم أسلم غلام أسود لبني الحجاج وأبو يسار غلام لبني العاصي بن سعد، فأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: أين قريش؟ فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي بالعدوة القصوى الكثيب العقنقل، وهو الكثيب العظيم المتداخل الرمل، قاله الجوهريّ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «كم القوم؟» قالا: كثير، قال: ما عدّتهم، قالا: لا ندري، قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوماً عشرة ويوماً تسعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف، ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام وعدّا جماعة أخرى، فقال صلى الله عليه وسلم «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» فلما طلعت قريش من العقنقل قال عليه الصلاة والسلام: «هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهمّ إني أسألك ما وعدتني» فأتاه جبريل عليه السلام، وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان قال لعليّ رضي الله عنه: «أعطني قبضة من حصباء الوادي» فرمى بها في وجوههم وقال: «شاهت الوجوه» أي: قبحت، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخره، فانهزموا وردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، والمعنى إنّ الرمية التي رميتها بلغ أثرها إلى ما لا يبلغه أثر البشر لكونها كانت برمي الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم؛ لأن كفاً من الحصباء لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية البشر فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ صورتها وجدت منه ونفاها عنه؛ لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله تعالى، فكان الله تعالى هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً. القول الثاني: إنها نزلت يوم خيبر، روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ قوساً وهو على باب خيبر، فرمى سهماً، فأقبل السهم حتى قتل لبابة بن أبي الحقيق وهو على فرسه فنزلت. القول الثالث: إنها نزلت في يوم أحد في قتل أبيّ بن خلف، وذلك إنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وفتته وقال: يا محمد من يحيي هذه وهي رميم؟ فقال صلى الله عليه وسلم «يحييه الله، ثم يميتك، ثم يحييك ثم يدخلك النار» فأسر يوم بدر، فلما افتدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ عندي فرساً أعلفها كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» فلما كان يوم أحد أقبل أبيّ يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استأخروا» ورماه بحربة كسر ضلعاً من أضلاعه، فمات ببعض الطريق فنزلت، والأصح الأوّل وإلا أدخل في أثناء القصة كلاماً أجنبياً عنها، وذلك لا يليق، وقال الرازي: لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: {ولكن الله قتلهم} ، {ولكن الله رمى} بكسر النون مخففة ورفع الهاء من اسم الله فيهما والباقون بفتح النون مشدّدة ونصب الهاء وقوله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً} معطوف على قوله تعالى: {ولكن الله
رمى} أي: ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، ثم ختم الله تعالى هذه الآية بقوله تعالى: {إنّ الله سميع} لأقوالكم {عليم} بأحوال قلوبكم وهذا جرى مجرى التحذير والترهيب؛ لئلا يغترّ العبد بظواهر الأمور ويعلم أنّ الخالق تعالى يطلع على ما في الضمائر والقلوب، وقوله تعالى: {ذلكم} إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع أي: الغرض ذلكم، وقوله تعالى: {وإنّ الله موهن كيد الكافرين} معطوف على «ذلكم» أي: المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الواو وتشديد الهاء وتنوين النون ونصب الدال، وقرأ حفص بسكون الواو وتخفيف الهاء وعدم تنوين النون وخفض الدال والباقون بسكون الواو وتخفيف الهاء مع تنوين النون ونصب الدال وقوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} أكثر المفسرين على أنه خطاب للكفار. روي أنّ أبا جهل لعنه الله قال يوم بدر: اللهمّ أينا كان أقطع للرحم وأفجر فأهلكه الغداة، وقال السدي: إنّ المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهمّ انصر أعلى الجندين وأهدى القبيلتين وأكرم الحزبين بأفضل الدين، فأنزل الله تعالى هذه الآية أي: «إن تستنصروا لأهدى القبلتين وتستقضوا، فقد جاءكم النصر والقضاء بهلاك من هو كذلك، وهو أبو جهل، ومن قتل معه دون النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وقيل: خطاب للمؤمنين وذلك إنه صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين وكثرة عددهم وعددهم استغاث بالله تعالى وطلب ما وعده الله تعالى به من إحدى الطائفتين، وتضرع إلى الله تعالى، وكذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقال تعالى: {إن تستفتحوا} أي: إن تطلبوا النصر الذي تقدّم به الوعد فقد جاءكم الفتح أي: حصل ما وعدتم فاشكروا الله تعالى والزموا الطاعة. قال القاضي عياض: وهذا القول أولى؛ لأنّ قوله تعالى: {فقد جاءكم الفتح} لا يليق إلا بالمؤمنين، اه. وقال البيضاوي إنه خطاب لأهل مكة عن سبيل التهكم اه. ويدل له قوله تعالى: {وإن تنتهوا} أي: عن الكفر ومعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهو خير لكم} أي: لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلتين {وإن تعودوا} أي: لقتال النبيّ صلى الله عليه وسلم {نعد} أي: لنصرته عليكم {ولن تغني} أي: تدفع {عنكم فئتكم} أي: جماعتكم {شيئاً} ؛ لأنّ الله تعالى على الكافرين فيخذلهم {ولو كثرت} فئتكم {وإنّ الله مع المؤمنين} بالنصر والمعونة، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح الهمزة على ولأنّ الله تعالى والباقون بالكسر على الاستئناف. {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا} أي: تعرضوا {عنه} أي: الرسول صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره، فإنّ المراد من الآية الأمر بطاعته والنهي عن الإعراض عنه، وذكر طاعة الله للتوطئة والتنبيه على أنّ طاعة الله في طاعة الرسول لقوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء، 80) وقيل: الضمير للجهاد {وأنتم تسمعون} أي: القرآن والمواعظ سماع فهم وتصديق. {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} أي: بألسنتهم {وهم لا يسمعون} سمعاً ينتفعون به، وهذه صفة المنافقين. {إنّ شر الدواب عند الله} أي: إنّ شر من دب على وجه الأرض من خلق الله عنده {الصم} عن سماع الحق {البكم} عن النطق بالحق فلا يقولونه {الذين لا يعقلون} أمر الله، وسماهم دواب
لقلة انتفاعهم بعقولهم كما قال تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل} (الأعراف، 179) قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي كانوا يقولون: نحن صم بكم عما جاء به محمد، فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء، ولم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة. {ولو علم الله فيهم خيراً} أي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعاً بالآيات {لأسمعهم} سماع تفهم {ولو أسمعهم} على سبيل الفرض، وقد علم أن لا خير فيهم {لتولوا} عنه ولم ينتفعوا به وارتدّوا عن التصديق والقبول {وهم معرضون} لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره، وقيل: إنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحي لنا قصياً فإنه كان شيخاً مباركاً يشهد لك بالنبوّة، فنؤمن بك، فقال الله تعالى: ولو أسمعهم كلام قصي لتولوا وهم معرضون. {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا وللرسول} أي: أجيبوهما بالطاعة، ووحد الضمير في قوله تعالى: {إذا دعاكم} ؛ لأنّ دعوة الله تعالى تسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم روى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم مرّ على أبيّ بن كعب وهو يصلي فدعاه، فعجل في صلاته ثم جاء، فقال له صلى الله عليه وسلم «ما منعك عن إجابتي؟» قال: كنت أصلي، قال: «ألم تجد فيما أوحي إليّ {استجيبوا وللرسول} ؟ ويؤخذ من ذلك أنّ إجابته صلى الله عليه وسلم بالقول: لا تقطع الصلاة، وهو كذلك، بل ولا بالفعل الكثير كما قاله بعض أصحابنا، وهو ظاهر الحديث أيضاً. ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب منه نبه على ذلك باللام دون إلى فقال: {لما يحييكم} من العلوم الدينية فإنها حياة القلوب والجهل موتها، قال أبو الطيب: *لا تعجبنّ الجهول حليته ... فذاك ميت وثوبه كفن* أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد، وقال السدي: هو الإيمان؛ لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان، وقال ابن إسحق: هو الجهاد أعزكم الله تعالى به بعد الذل، وقال العتبي: هو الشهادة لقوله تعالى: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران، 169) {واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه} أي: إنه يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليماً كما يردّه الله تعالى، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله. وقال الضحاك: يحول بين المرء المؤمن والمعصية وبين الكافر والطاعة، وقال السدي: يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه، وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه، فلا يعقل ولا يدري ما يعمل. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء» {وإنه} أي: واعلموا أنه تعالى: {إليه تحشرون} لا إلى غيره فلا تتركوا مهملين معطلين فيجازيكم بأعمالكم وفي هذا تشديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة. {واتقوا فتنة} أي: ذنباً، قيل: هو إقرار المنكر بين أظهرهم، وقيل: افتراق الكلمة، وقيل: فتنة عذاباً، وقوله تعالى: {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} جواب الأمر، والمعنى إن إصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، ولكنها تعمكم، كما يحكى إنّ علماء بني إسرائيل لم ينهوا عن المنكر، فعمهم الله تعالى بالعذاب. فإن قيل: كيف جاز أن تدخل
النون المؤكدة في جواب الأمر؟ أجيب: بأنّ فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك ولا تطرحنك، وكقوله تعالى: {يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان} (النمل، 18) {واعلموا أنّ الله شديد العقاب} لمن خالفه. {واذكروا} يا معاشر المهاجرين {إذ أنتم} في أوائل الإسلام {قليل} أي: عددكم {مستضعفون} أي: لا منعة لكم {في الأرض} أي: أرض مكة، وإطلاقها لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها، أو لأنّ حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك، ولهذا عبر بالناس في قوله تعالى: {تخافون أن يتخطفكم الناس} أي: تأخذكم الكفار بسرعة كما تتخطف الجوارح الصيد {فآواكم} إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تتحصنون فيه على أعدائكم {وأيدكم} أي: قوّاكم {بنصره} أي: بإمداد الملائكة يوم بدر، وبمظاهرة الأنصار {ورزقكم من الطيبات} أي: الغنائم أحلها لكم، ولم يحلها لأحد قبلكم {لعلكم تشكرون} هذه النعم العظيمة. {يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} أي: بأن تضمروا خلاف ما تظهرون. روي أنه صلى الله عليه وسلم حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشام فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة واسمه رفاعة، أو مروان بن عبد المنذر وكان مناصحاً لهم؛ لأنّ ماله وعياله عندهم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه إنه الذبح أي: حكم سعد هو القتل، فلا تفعلوا، فقال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، وأمّا إذ فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله تعالى عليه، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرّ مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده فقال: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي، فقال له صلى الله عليه وسلم «يجزيك الثلث أن تتصدّق به» فنزلت هذه الآية. وعن المغيرة نزلت في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعن جابر بن عبد الله أنّ أبا سفيان خرج من مكة، فعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم الذهاب إليه، فكتب رجل من المنافقين إليه: إنّ محمداً يريدكم فخذوا حذركم، فنزلت، وقيل: معنى لا تخونوا الله بأن لا تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به، وأصل الخون النقص كما أنّ أصل الوفاء التمام، واستعماله في ضدّ الأمانة لتضمنه إياه، وقوله تعالى: {وتخونوا أماناتكم} أي: ما إئتمنتم عليه من الدين وغيره مجزوم بالعطف على الأوّل أي: ولا تخونوا، أو منصوب بأن مضمرة بعد الواو على جواب النهي أي: لا تجمعوا بين الخيانتين كقوله: *لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله* {وأنتم تعلمون}
أنكم تخونون أي: وأنتم علماء مميزون الحسن من القبيح. {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي: محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة؛ لأنه يشغل القلب بالدنيا ويصيره حجاباً عن خدمة المولى. ثم إنه تعالى نبه بقوله تعالى: {وإنّ الله عنده أجر عظيم} على أنّ سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا؛ لأنها أعظم في الشرف، وأعظم في القوّة، وأعظم في المدّة؛ لأنها تبقى بقاء لا نهاية له فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده بالعظم. قال الرازي: ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح؛ لأنّ الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد، ويوجب الحاجة إلى المال، وذلك فتنة، ومعلوم أنّ ما يفضي إلى الأجر العظيم عند الله هو خير مما يفضي إلى الفتنة، اه. لكن محله في غير المحتاج إلى النكاح الواجد أهبته، وإلا فالنكاح حينئذٍ أفضل وأولى من التخلي للعبادة. ولما حذر الله تعالى عن الفتنة بالأموال والأولاد رغب في التقوى التي توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد بقوله: , {يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} أي: بالأمانة وغيرها {يجعل لكم فرقاناً} أي: هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل {ويكفر عنكم سيآتكم} أي: يسترها ما دمتم على التقوى {ويغفر لكم} أي: يمح ما كان منكم غير صالح عيناً وأثراً، وقيل: السيآت الصغائر، والذنوب الكبائر، وقيل: المراد ما تقدّم وما تأخر؛ لأنها في أهل بدر، وقد غفر الله تعالى لهم، وقوله تعالى: {وا ذو الفضل العظيم} تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان، وإنه ليس مما توجبه تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعاماً على عمله. ولما ذكر سبحانه وتعالى المؤمنين بنعمه عليهم بقوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل} إلى آخره، عطف عليه قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} فذكر رسوله الله صلى الله عليه وسلم نعمه عليه، وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه، وهذه السورة مدنية، وهذا المكر كان بمكة، ولكن الله تعالى ذكره بالمدينة مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله تعالى عليه في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم، وكان ذلك المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من المفسرين إنّ قريشاً لما أسلمت الأنصار وبايعوه فرقوا أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعت رؤساؤهم كأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان وهشام بن عمرو وطعيمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبي البحتري بن هشام في دار الندوة متشاورين في أمره صلى الله عليه وسلم فدخل عليهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البحتري: رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدّوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك مثل ما هلك من قبله من الشعراء، فصرخ عدوّ الله النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه في بيت ليأتينكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم قالوا: صدق الشيخ
النجدي، فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع واسترحتم، فقال النجدي: بئس الرأي تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم، فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم، ألم تروا إلى حلاوة منطقه وطلاوة لسانه وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ذلك فيذهب ويستميل قلوب قوم، ثم يسير بهم إليكم ويخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق والله الشيخ النجدي، فقال أبو جهل لعنه الله تعالى: والله لأشيرن عليكم برأي لا رأي غيره، إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شاباً وتعطوه سيفاً صارماً، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا تقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا، فقال إبليس الملعون: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً القول ما قال لا أرى غيره، فتفرّقوا على قول أبي جهل مجمعين على قتله، فأتى جبريل عليه الصلاة والسلام النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله تعالى له عند ذلك بالخروج إلى المدينة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فنام في مضجعه، وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، ثم خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من تراب، وأخذ الله تعالى أبصارهم عنه، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} إلى قوله تعالى: {فهم لا يبصرون} (يس، 9) ومضى إلى الغار هو وأبو بكر، وخلف علياً بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت بمكة عنده، وكانت الودائع تودع عنده لصدقه وأمانته، وبات المشركون يحرسون علياً على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون إنه النبيّ صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا بادروا إليه فرأوا علياً، فقالوا له: وأين صاحبك؟ فقال: لا أدري، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم تكن تنسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاثاً، ثم قدم المدينة وأبطل الله مكرهم، وهذا معنى قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} {ليثبتوك} أي: يوثقوك ويحبسوك {أو يقتلوك} كلهم قتلة رجل واحد {أو يخرجوك} من مكة {ويمكرون} بك {ويمكر الله} أي: يردّ مكرهم عليهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبروه، وأمرك بالخروج إلى المدينة، وأخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا {وا خير الماكرين} أي: أعلمهم به، فلا ينفذ مكرهم دون مكره. قال البيضاوي: وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم، اه. واعترض عليه بأنه لا يتعين في مثل ذلك المشاكلة بل يجوز أن يكون ذلك استعارة؛ لأنّ إطلاق المكر على إخفاء الله تعالى ما أوعده لمن استوجبه إن جعل باعتبار أنّ صورته تشبه صورة المكر فاستعارة، أو باعتبار الوقوع في صحبة مكر العبد فمشاكلة، وعلى هذا لا يحتاج كما قال الطيبي إلى وقوعه في صحبة مكر العبد قال: ومنه قول عليّ رضي الله عنه: من وسع الله تعالى عليه في دنياه ولم يعلم إنه مكر به فهو مخدوع في عقله. {وإذا تتلى عليهم آياتنا} أي: القرآن {قالوا} أي: هؤلاء الذين ائتمروا في أمره صلى الله عليه وسلم {قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} وهذا غاية مكابرتهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك لفعلوه وإلا فما منعهم
لو كانوا مستطيعين، وقرّعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا بسورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصاً في باب البيان، وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبراً؛ لأنه كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار العجم ويحدّث بها أهل مكة، وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فكأنه كان قاضيهم، وقد أسره المقداد يوم بدر، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال المقداد: أسيري يا رسول الله؟ فقال: «إنه كان يقول في كتاب الله تعالى ما يقول» فعاد المقداد لقوله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «اللهمّ أغن المقداد من فضلك» فقال: ذاك الذي أردت يا رسول الله فقتله النبيّ صلى الله عليه وسلم فأنشدت أخته: *ما كان ضرك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق* فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه» {إن} أي: ما {هذا} أي: القرآن {إلا أساطير الأوّلين} أي: أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم، وما سطر الأوّلون في كتبهم، والأساطير جمع أسطورة وهي المكتوبة من قولهم سطرت أي: كتبت وقيل: أساطير جمع أسطور وأسطار جمع سطر. {وإذ قالوا اللهمّ إن كان هذا} أي: الذي يقرؤه محمد {هو الحق} المنزل {من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} أي: مؤلم على إنكاره غير الحجارة قاله النضر وغيره، استهزاء وإيهاماً أنه على بصيرة وجزم ببطلانه. وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة قال: أجهل من قومي قومك قالوا: {اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك} الآية، وما قالوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه. فإن قيل: قد حكى الله تعالى هذه المقالة عن الكفار، وهي من حسن نظم القرآن، فقد حصلت المعارضة في هذا القدر، وأيضاً حكي عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل، وقالوا: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} (الإسراء، 90) الآية، وذلك أيضاً كلام الكفار، فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن وذلك يدل على حصول المعارضة، أجيب: بأنّ الإتيان بهذا القدر لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنه كلام قليل لا تظهر فيه وجوه المعارضة والفصاحة والبلاغة؛ لأنّ أقل ما وقع به التحدي سورة أو قدرها قال الله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم} أي: بما سألوه {وأنت فيهم} أي: لأنّ العذاب إذا نزل عمّ، ولم يعذب أمّة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} أي: وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كان في هذه الأمّة أمانان أما النبيّ صلى الله عليه وسلم فقد مضى وأمّا الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة، فاللفظ وإن كان عامّاً إلا أنّ المراد بعضهم كما يقال قدم أهل البلدة الفلانية على القتال والمراد بعضهم. {وما لهم أن لا يعذبهم الله} بالسيف بعد خروجك والمستضعفين، فنفى تعالى في الآية أنه لا يعذبهم ما دام الرسول والمؤمنون فيهم، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم إذا خرجوا من بينهم، وقال الحسن: الآية الأولى منسوخة بهذه، وردّ بأنّ الأخبار لا يدخلها النسخ، واختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل: يوم فتح مكة، وقال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب
الآخرة، والعذاب الذي نفي عنهم هو عذاب الدنيا، ثم بيّن تعالى ما لأجله يعذبهم، فقال: {وهم يصدّون} أي: يمنعون النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين {عن المسجد الحرام} أن يطوفوا به وذلك عام الحديبية، ونبه تعالى على أنهم يصدّونهم لادعائهم أنهم أولياؤه، فكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصد من نشاء وندخل من نشاء، ثم بيّن تعالى بطلان هذه الدعوى بقوله تعالى: {وما كانوا أولياءه} كما زعموا {إن} أي: ما {أولياؤه إلا المتقون} أي: الذين يتحرّزون عن المنكرات الذين لا يعبدون فيه غيره، وقيل: الضميران لله {ولكنّ أكثرهم} أي: الناس {لا يعلمون} أن لا ولاية لهم عليه وكأنه نبه بالأكثر على أنّ منهم من يعلم ويعاند، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم. {وما كان صلاتهم عند البيت} أي: دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة، أو ما يضعون موضعها {إلا مكاء} أي: صفيراً {وتصدية} أي: تصفيقاً، قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون. وقال مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبيّ صلى الله عليه وسلم في الطواف ويستهزؤون به، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون، ويخلطون عليه طوافه وصلاته، فالمكاء جعل الأصابع في الشدق، والتصدية الصفير، وقال مقاتل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد الحرام قام رجلان عن يمينه ورجلان عن يساره يصفران ويصفقان ليخلطوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاته {فذوقوا العذاب} أي: عذاب القتل والأسر ببدر في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة {بما} أي: بسبب ما {كنتم تكفرون} اعتقاداً وعملاً. ولما ذكر تعالى عبادة الكفار البدنية، وهي المكاء والتصدية، ذكر عقبه عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة بقوله تعالى: {إنّ الذين كفروا ينفقون أموالهم} في حرب النبيّ صلى الله عليه وسلم {ليصدّوا عن سبيل الله} أي: ليصرفوا عن دين الله تعالى نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا إثني عشر رجلاً منهم: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وكلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم أيام بدر عشر جزائر، أو في أبي سفيان استأجر يوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش أي: اتخذه جيشاً، وأنفق عليهم أربعين أوقية، والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً، أو في أصحاب العير، فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك ثأرنا ففعلوا {فسينفقونها ثم تكون} أي: عاقبة الأمر {عليهم حسرة} أي: ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه {ثم يغلبون} أي: آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالاً قبل ذلك كما اتفق لهم في بدر، فإنهم أنفقوا مع الكثرة والقوّة، ولم يغن عنهم شيء من ذلك بل كان وبالاً عليهم فإنه كان سبباً لجراءتهم حتى قدموا فما كان في الحقيقة إلا قوّة للمؤمنين {والذين كفروا} أي: ثبتوا على الكفر {إلى جهنم يحشرون} أي: يساقون إليها يوم القيامة فهم في خزي في الدنيا والأخرة. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل تعالى: وإلى جهنم يحشرون؟ أجيب: بأنه أسلم منهم جماعة كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وحكيم بن حزام، بل ذكر أن الذين ثبتوا على الكفر يكونون كذلك. {ليميز الله الخبيث} أي: الفريق الكافر {من الطيب} أي: من الفريق المؤمن {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً} أي: يجمعه متراكماً بعضه على بعض
كقوله تعالى: {كادوا يكونون عليه لبداً} (الجن، 19) أي: لفرط ازدحامهم، وقيل: ليميز المال الخبيث الذي أنفقه الكافر على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم من المال الطيب الذي أنفقه المؤمن في جهاد الكفار كإنفاق أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما في نصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم فيركمه جميعاً {فيجعله في جهنم} في جملة ما يعذبون به كقوله تعالى: {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} (التوبة، 35) الآية، واللام على هذا متعلقة بتكون من قوله تعالى: {ثم تكون عليهم حسرة} وعلى الأوّل متعلقة بيحشرون أو يغلبون. وقرأ {ليميز} حمزة والكسائيّ بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء الثانية مع الكسر والباقون بفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء الثانية، وقوله تعالى: {أولئك} إشارة إلى الذين كفروا {هم الخاسرون} أي: الكاملون في الخسران؛ لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم. ولما بيّن تعالى ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى طريق الصواب. فقال: {قل} يا محمد {للذين كفروا} كأبي سفيان وأصحابه {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} أي: قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عن الكفر وقتال النبيّ صلى الله عليه وسلم يغفر لهم ما قد سلف من ذلك ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم {وإن يعودوا} أي: إلى الكفر ومعاداة النبيّ صلى الله عليه وسلم {فقد مضت سنة الأوّلين} أي: بإهلاك أعدائه ونصر أنبيائه وأوليائه وأجمع العلماء على أنّ الإسلام يجبّ ما قبله، واختلفوا هل الكافر الأصلي مخاطب بفروع الشريعة؟ وهل يسقط عن المرتدّ ما مضى في حال ردّته كالكافر الأصلي كما هو ظاهر الآية؟ وهل الردّة تحبط ما مضى من العبادات قبلها، ذهب أصحاب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه إلى أنه مخاطب بدليل قوله تعالى: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} (المدثر، الآيات: 42 ـ 43) الآية، وأنّ المرتدّ لا تسقط عنه العبادات الفائتة في الردّة تغليظاً عليه، وأنّ الردّة لا تحبط ما مضى، وقد تقدّم الكلام على ذلك في المائدة، وعن يحيى بن معاذ أنه قال: توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. ولما بيّن تعالى أنّ هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران، وإن عادوا فهم متوعدون سنة الأوّلين أتبعه بالأمر بقتالهم إذا أصرّوا، فقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي: شرك كما قاله ابن عباس، وقال الربيع: حتى لا يفتن أحدكم عن دينه؛ لأنّ المؤمنين كانوا يفتنون عن دين الله في مبدأ الدعوة، فافتتن من المسلمين بعضهم، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم، فأصاب المؤمنين جهد شديد، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة {ويكون الدين كله} خالصاً {} تعالى وحده لا يعبد غيره {فإن انتهوا} عن الكفر {فإن الله بما يعملون بصير} أي: فيجازيهم به. {وإن تولوا} عن الإيمان {فاعلموا أنّ الله مولاكم} أي: ناصركم ومتولي أموركم {نعم المولى} هو فإنه لا يضيع من تولاه {ونعم النصير} أي: الناصر، فلا يغلب من ينصره فمن كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته كان آمناً من الآفات مصوناً عن المخالفات. {واعلموا أنما غنمتم} أي: أخذتم من الكفار الحربيين
{من شيء} مما يقع عليه اسم شيء مما هو لهم ولو اختصاصاً {فإنّ خمسه وللرسول} . واعلم أنّ الغنيمة والفيء إسمان لما يصيبه المسلمون من الحربيين والصحيح أنهما مختلفان، فالفيء ما حصل لنا مما هو لهم بلا إيجاف كجزية وعشر تجارة وما جلوا عنه ولو لغير خوف كضرّ أصابهم، وتركه مرتدّ وكافر معصوم بلا وارث، وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله} (الحشر، 7) ، وأمّا الغنيمة فهي ما حصل لنا منهم مما هو لهم بإيجاف أو سرقة أو التقاط، وكذا ما انهزموا عنه عند التقاء الصفين، ولو قبل شهر السلاح، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة، ولم تحلّ الغنائم لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالاً جمعوه، فتأتي نار من السماء تأخذه، ثم أحلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم وكانت في صدر الإسلام له خاصة؛ لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم، ثم نسخ ذلك واستقل الأمر على أنها تجعل خمسة أقسام متساوية، ويؤخذ خمس رقاع ويكتب على واحدة لله أو للمصالح وعلى أربع للغانمين، ثم تدرج في بنادق مستوية، ويخرج لكل خمس رقعة، فما خرج لله أو للمصالح جعل بين أهل الخمس على خمسة أصناف، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه وذكر الله تعالى في الآية للتبرك، وأما ما كان له صلى الله عليه وسلم فهو لمصالح المسلمين كسد الثغور وأرزاق علماء بعلوم تتعلق بمصالحنا كتفسير وفقه وحديث، والصنف الثاني: ما ذكره الله تعالى بقوله: {ولذي القربى} أي: قرابة النبيّ صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب دون من عداهم لاقتصاره صلى الله عليه وسلم في القسم عليهم مع سؤال غيرهم من بني عمهم نوفل وعبد شمس له لقوله صلى الله عليه وسلم «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه» فيعطون ولو أغنياء، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث؛ لأنه عطية من الله تعالى تستحق بقرابة الأب كالإرث، فلا يعطي أولاد البنات من بني هاشم والمطلب شيئاً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير وعثمان مع أنّ أمّ كل واحد منهما كانت هاشمية. والصنف الثالث: ما ذكره الله تعالى بقوله: {واليتامى} اليتيم صغير ولو أنثى لخبر: «لا يتم بعد احتلام» لا أب له وإن كان له أمّ وجد، ومن فقد أمّه فقط يقال له: منقطع، واليتيم في البهائم من فقد أمّه، وفي الطير من فقد أباه وأمّه. والصنف الرابع: ما ذكره الله تعالى بقوله: {والمساكين} الصادقين بالفقراء والمسكين من له مال أو كسب لائق به يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه العمر الغالب، وقيل: سنة كمن يملك أو يكسب سبعة أو ثمانية ولا يكفيه إلا عشرة، والفقير من لا مال له أو له ذلك ولا يقع موقعاً من كفايته كمن يحتاج إلى عشرة، ولا يملك أو لا يكتسب إلا درهمين أو ثلاثة. والخامس: ما ذكره الله تعالى بقوله: {وابن السبيل} وهو المسافر المحتاج، ولا معصية بسفره والأخماس الأربعة الباقية للغانمين، وهم من حضر القتال ولو في أثنائه بنية القتال وإن لم يقاتل أو حضر بلا نية وقاتل كأجير لحفظ أمتعة وتاجر ومحترف، وقوله تعالى: {إن كنتم آمنتم با} متعلق بمحذوف دل عليه واعلموا أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإنّ العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد؛ لأنه مقصود بالعرض، والمقصود بالذات هو العمل وقوله تعالى: {وما} عطف على بالله {أنزلنا على عبدنا}
محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات والملائكة والنصر {يوم الفرقان} أي: يوم بدر، فإنه فرق به بين الحق والباطل {يوم التقى الجمعان} أي: جمع المؤمنين وجمع الكافرين، وهو يوم بدر وهو أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسعة عشر أو لسبعة عشر من رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً والمشركون ما بين الألف والتسعمائة فهزم الله تعالى المشركين، وقتل منهم سبعون، وأسر منهم مثل ذلك {وا على كلّ شيء قدير} فيقدر على نصر القليل على الكثير، والدليل على العزيز كما فعل ذلك بكم ذلك اليوم وقوله تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} أي: القربى من المدينة، بدل من يوم الفرقان أو من يوم التقى الجمعان، أو منصوب باذكروا مقدّراً، والعدوة الدنيا مما يلي المدينة {وهم بالعدوة القصوى} أي: البعدى من المدينة، وهي مما يلي مكة وكان الماء بها، وكان استظهار المشركين من هذا الوجه أشدّ. والقصوى تأنيث الأقصى، وكان قياسه قلب الواو كالدنيا والعليا، ولكن لم تغلب تفرقة بين الاسم والصفة، فإنها تقلب في الاسم دون الصفة على الأكثر وقيل: بالعكس وعلى الأوّل القصوى وإن كان صفة للعدوة في الآية كالدنيا لكن غلب عليها الاسمية لترك الوصف بها في أكثر الاستعمالات كما قاله ابن جني، فالقصوى بالواو على القولين شاذ بالنظر إلى اسميتها في الأوّل وإلى وصفيتها في الثاني، ومثال الصفة الخالصة حلوى تأنيث الأحلى فهي بالواو مقيسة على الأوّل شاذة على الثاني، ومثال الاسم الخالص حزوى اسم مكان فهو بالواو شاذ على الأوّل مقيس على الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو العدوّة وهي شط الوادي بكسر العين فيهما، والباقون بضمّ العين فيهما، وأمّا الدنيا والقصوى فأمالهما حمزة والكسائي محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين {والركب} أي: العير التي خرجوا لها التي يقودها أبو سفيان {أسفل منكم} أي: أسفل منكم على ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر، وأسفل نصب على الظرفية معناه مكاناً أسفل من مكانكم، وهو مرفوع المحل؛ لأنه خبر المبتدأ {ولو تواعدتم} أنتم والنفير للقتال {لاختلفتم في الميعاد} وذلك أنّ المسلمين خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج، وخرج الكفار مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأموالهم فيمنعوها من المسلمين، فالتقوا على غير ميعاد لقلتهم وكثرة عدوّهم {ولكن} جمع الله تعالى بينهم على هذه الحالة من غير ميعاد {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} في علمه وهو نصر أوليائه وإعزاز دينه وإعلاء كلمته وقهر أعدائه، وقوله تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة} بدل من ليقضي أو متعلق بقوله: {مفعولاً} واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي: ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالطة شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، فإنّ وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها.f وقرأ نافع والبزيّ وشعبة بياءين: الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، والباقون بياء واحدة مشدّدة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وإنّ الله لسميع عليم} أي: يسمع دعاءكم
ويعلم حاجتكم وضعفكم لا تخفى عليه خافية. {إذ} أي: واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ {يريكهم الله} أي: المشركين {في منامك} أي: نومك {قليلاً} فأخبرت أصحابك فسروا وقالوا: رؤيا النبيّ صلى الله عليه وسلم حق، وصار ذلك سبباً لجرائتهم على عدوّهم وقوّة لقلوبهم. فإن قيل: رؤيا الكثير قليلاً غلط، فكيف يجوز على الله تعالى؟ أجيب: بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يسئل عما يفعل، أو أنه تعالى أراه بعضهم دون بعض، فحكم صلى الله عليه وسلم على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون، وقال الحسن: إنّ هذه الإراءة كانت في اليقظة قال: والمراد من المنام العين التي هي موضع النوم {ولو أراكهم كثيراً لفشلتم} أي: ولو أراكم كثيراً لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا أي: جبنوا {ولتنازعتم} أي: اختلفتم {في الأمر} أي: أمر القتال وتفرّقت آراؤكم بين الفرار والقتال {ولكنّ الله سلم} أي: سلمكم من الفشل والتنازع فيما بينكم، وقيل: سلمكم من الهزيمة والقتل {إنه} تعالى {عليم} أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: بما في القلوب من الجراءة والجبن والجزع وغير ذلك. {وإذ يريكموهم} أي: المؤمنون {إذ التقيتم في أعينكم قليلاً} أي: إنّ الله تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين يوم التقوا في القتال ليتأكد في اليقظة ما رآه النبيّ صلى الله عليه وسلم في منامه، وأخبر به أصحابه، وتقوى بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم ولا يجبنوا عن قتالهم. قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى اجنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً، والضميران مفعولا يرى، وقليلاً حال من الثاني {ويقللكم في أعينهم} أي: ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم أي: المشركين؛ لئلا يهربوا وإذا استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب لقتالهم، فيكون ذلك سبباً لظهور المؤمنين. قال السدّيّ: قال ناس من المشركين: إنّ العير قد انصرفت، فارجعوا، فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه، فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم إنما محمد وأصحابه أكلة جزور يعني جمع آكل أي: قليل يشبعهم جزور واحد، يضرب مثلاً في القلة والأمر الذي لا يعبأ به، ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال، أراد بقوله ذلك القدرة والقوّة. فإن قيل: كيف يمكن تقليل الكثير وتكثير القليل؟ أجيب: بأنّ ذلك ممكن في قدرة الله تعالى، وإنّ الله تعالى على ما يشاء قدير، ويكون ذلك معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمعجزة هي من خوارق العادات، فلا ينكر ذلك، أو أنّ الله تعالى يستر عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في أعينهم ما يستقلون له الكثير كما أحدث في عيون الحول ما يرون له الواحد اثنين، قيل لبعضهم: إنّ الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك قال: فمالي أرى هذين الديكين أربعة، وهذا قبل: التحام القتال فلما التحم أراهم إياهم مثليهم كما في آل عمران {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} أي: في علمه، وهو إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله. فإن قيل: قد تقدّم ذلك في الآية المتقدّمة، فكان ذكره هنا محض تكرار أجيب: بأنّ المقصود من ذكره في الآية المتقدّمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم والمقصود من ذكره هنا ليس هو ذلك المعنى بل المقصود أنه تعالى ذكر هنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين الكفار، فبين تعالى أنه
إنما فعل ذلك ليصير ذلك سبباً؛ لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر فيصير ذلك سبباً لانكسارهم {وإلى الله ترجع الأمور} كلها فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد، وفي هذا تنبيه على أنّ أمور الدنيا غير مقصودة وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاد اليوم المعاد. ولما ذكر تعالى أنواع نعمه على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم} أي: قاتلتم؛ لأنّ اللقاء سبب للقتال غالباً {فئة} أي: جماعة كافرة {فاثبتوا} لقتالهم كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا أنفسكم بفرار هذا هو النوع الأوّل {واذكروا الله كثيراً} بقلوبكم وألسنتكم قال ابن عباس: أمر الله تعالى أولياءه بذكره في أشدّ أحوالهم تنبيهاً على أنّ الإنسان لا يجوز له أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله، ولو أنّ رجلاً أقبل من المشرق إلى المغرب على أن ينفق الأموال سخاء والآخر من المغرب إلى المشرق يضرب بسيفه في سبيل الله لكان الذاكر لله أعظم أجراً، وقيل: المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر؛ لأنّ ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى {لعلكم تفلحون} أي: تظفرون بمرادكم من النصر والثبوت. فإن قيل: هذه الآية توجب الثبات على كل حال وذلك يوهم أنها ناسخة لآية التحرّف والتحيز. أجيب: بأنّ المراد من الثبات الجدّ في المحاربة بل كان الثبات في هذا المقصود لا يحصل إلا بذلك التحرّف والتحيز. ثم قال تعالى مؤكداً لذلك: {وأطيعوا الله ورسوله} في سائر ما يأمران به؛ لأنّ الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات {ولا تنازعوا} أي: تختلفوا فيما بينكم {فتفشلوا} أي: تجبنوا {وتذهب ريحكم} أي: قوّتكم ودولتكم، والريح مستعارة للدولة شبهها في نفوذ أثرها بالريح، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به ادعاء، وأطلق اسم المشبه به على المشبه، وقيل: المراد بها الحقيقة؛ لأنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله تعالى، وفي حديث الشيخين «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» ، وعن النعمان بن مقرن قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل من أوّل النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر» أخرجه أبو داود {واصبروا} أي: عند لقاء العدوّ ولا تنهزموا عنه {إنّ الله مع الصابرين} بالنصر والمعونة. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف» ثم قال صلى الله عليه وسلم «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم» . {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} أي: ليمنعوا غيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها {بطراً} أي: فخراً وطغياناً في النعمة وذلك إنّ النعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد فإن صرفها في المفاخرة على الأقران وكاثر بها أبناء الزمان وأنفقها في غير طاعة الرحمن، فذلك هو البطر في النعمة، وإن صرفها في طاعة الله وابتغاء مرضاته فذلك شكرها {ورئاء الناس} أي: ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة، وأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نقدم بدراً، وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم فيها سوق في كل عام،
ونشرب بها الخمور وتعزف علينا القينات، والعزف اللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب به قاله ابن الأثير وغيره، والقينات الجواري، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فذلك بطرهم ورياؤهم الناس بإطعامهم فوافوها فسقوا المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص من حيث إنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه {ويصدّون عن سبيل الله} أي: ويمنعون الناس الدخول في دين الله {وا بما يعملون محيط} لا يخفى عليه شيء؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلها فيجازيهم بأعمالهم. {وإذ} أي: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم إذ {زين لهم} أي: المشركين {الشيطان} أي: إبليس {أعمالهم} الخبيثة بأنّ شجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر بن الحرث جاء إبليس وجند من الشياطين معه راية فتمثل لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكنانيّ وكان من أشرافهم {وقال} غارّاً لهم في أنفسهم {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} أي: مجير لكم من كنانة {فلما تراءت الفئتان} أي: التقى الفريقان رأى إبليس الملائكة قد نزلوا من السماء علم عدوّ الله إبليس أنهم لا طاقة لهم بهم {نكص على عقبيه} قال الضحاك: ولى مدبراً وقال النضر بن شميل: رجع القهقرى على قفاه هارباً {وقال إني بريء منكم} قال الكلبي: لما التقى الجمعان كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن مالك، وهو آخذ بيد الحرث بن هشام، فنكص عدوّ الله إبليس على عقبيه، فقال له الحرث: إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال له عدوّ الله إبليس: {إني أرى ما لا ترون} ودفع في صدر الحرث، وانطلق فانهزموا قال الحسن: رأى إبليس جبريل بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب، قال قتادة: قال إبليس: إني أرى ما لا ترون وصدق وقال: {إني أخاف الله} وكذب والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوّة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم، وذلك من عادة عدوّ الله إبليس لعنه الله لمن أطاعه إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم، وقال عطاء: خاف إبليس أن يهلكه الله تعالى فيمن يهلك، وقيل: أخاف الله عليكم، وقيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة تنزل من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، فقال ما قال إشفاقاً على نفسه. ولما انهزموا وبلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغه ذلك فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان، وقوله تعالى: {وا شديد العقاب} يجوز أن يكون من كلام إبليس أي: إني أخاف الله؛ لأنه شديد العقاب وأن يكون مستأنفاً أي: والله شديد العقاب لمن خالفه وكفر به. فإن قيل: كيف يقدر إبليس أن يتصوّر بصورة البشر وإذا تشكل بصورة البشر فكيف يسمى شيطاناً؟ أجيب: بأنّ الله تعالى أعطاه قوّة، وأقدره على فعل ذلك كما أعطى الملائكة قوّة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر لكن النفس الباطنية لم تتغير، فلم يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما رؤي إبليس يوماً فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة» وما ذاك إلا لما يرى من نزول الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما كان
من يوم بدر. {إذ} أي: واذكر إذ {يقول المنافقون} أي: من أهل المدينة، والمنافق هو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر كما أنّ المرائي هو من يظهر الطاعة ويخفي المعصية {والذين في قلوبهم مرض} أي: شك وارتياب، وهم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يقع الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن، فلما خرج قريش إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا معهم إلى بدر، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا وقالوا: {غرّ هؤلاء} المسلمين {دينهم} إذ خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير توهماً أنهم ينصرون بسببه، فقتلوا جميعاً منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وعديّ بن أمية بن خلف الجمحي والعاص بن أمية بن الحجاج، قال تعالى في جوابهم: {ومن يتوكل على الله} أي: يثق به يغلب {فإنّ الله عزيز} أي: غالب على أمره {حكيم} أي: في صنعه يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه. ولما شرح تعالى أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت بقوله تعالى: {ولو ترى} أي: عاينت وشاهدت يا محمد {إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} أي: بقبض أرواحهم عند الموت {يضربون وجوههم وأدبارهم} أي: ظهورهم وأستاههم، قال البيضاويّ: ولعلّ المراد تعميم الضرب أي: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر بمقامع من حديد {و} يقولون لهم: {ذوقوا عذاب الحريق} أي: النار. قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح، وجواب لو محذوف، والتقدير لرأيت منظراً هائلاً وأمراً فظيعاً وعقاباً شديداً، والملائكة مرفوع بالفعل ويضربون حال منهم ويجوز أن يكون في قوله: يتوفى ضمير الله تعالى والملائكة مرفوعة بالابتداء ويضربون خبر. {ذلك} أي: الذي نزل بكم من القتل والضرب والحريق {بما} أي: بسبب ما {قدّمت} أي: كسبت {أيديكم} من الكفر والمعاصي، وإنما عبر بالأيدي دون غيرها لأنّ أكثر الأفعال تزاول بها والتحقيق إنّ الإنسان جوهر واحد وهو الفعال وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع وهو العاصي وهذه الأعضاء آلة له وأدوات في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان {وأنّ الله ليس بظلام للعبيد} فلا يعذب أحداً من خلقه بغير ذنب وظلام للتكثير لأجل العبيد أي: أنه بمعنى ذي ظلم. {كدأب} أي: دأب هؤلاء الكفار بكفرهم مثل دأب {آل فرعون} وهو عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه أي: داموا عليه فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر كما جوزي آل فرعون بالإغراق، وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال: فلان دأب في كذا أي: داوم عليه وسميت العادة دأباً لأنّ الإنسان مداوم على عادته مواظب عليها {والذين من قبلهم} أي: من قبل آل فرعون وقوله تعالى: {كفروا بآيات الله} تفسير لدأب آل فرعون {فأخذهم الله بذنوبهم} أي: بسبب كفرهم كما أخذ هؤلاء {الله الله قويّ} أي: على ما يريده فينتقم ممن كفر وكذب رسله {شديد العقاب} ممن كفر وكذب رسله وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما حلّ بهم من العقاب {بأن} أي:
بسبب أن {الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم} أي: مبدلاً لها بالنقمة {حتى يغيروا ما بأنفسهم} أي: بأن يبدّلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ منه. فإن قيل: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله تعالى نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة أجيب: بأنه تعالى كما يغير الحال المرضية إلى المسخوطة يغير الحال المسخوطة؟ إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كفرة عبدة أوثان فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت عليه فغير الله تعالى ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب {وإنّ الله سميع} لما يقولون {عليم} بما يفعلون. {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} أي: أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ، كذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف {وأغرقنا آل فرعون} أي: هو وقومه. فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرّة ثانية؟ أجيب: بأنّ فيها فوائد: منها: إنّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل. ومنها: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها. ومنها: أنّ تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: {بآيات ربهم} وبيان ما أخذ به آل فرعون. ومنها: أنّ الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم {وكل} أي: من الفرق المكذبة أو من غرقى القبط وقتلى قريش {كانوا ظالمين} أنفسهم بالكفر والمعاصي وغيرهم بالإضلال واضعين الآيات في غير موضعها وهم يظنون بأنفسهم العدل، ولما وصف تعالى كل الكفار بقوله تعالى: {وكل كانوا ظالمين} أفرد بعضهم بمزية في الشر والفساد فقال: {إنّ شرّ الدواب عند الله} في حكمه وعلمه {الذين كفروا} أي: أصرّوا على الكفر {فهم لا يؤمنون} أي: لا يتوقع منهم إيمان وقوله تعالى: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرّة} بدل البعض من الذين كفروا، وهم يهود قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يمالئوا أي: يساعدوا عليه فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا: نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوا معهم يوم الخندق وانطلق كعب بن الأشرف إلى أهل مكة فحالفهم، وإنما جعلهم الله تعالى شر الدواب؛ لأنّ شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم وشر المصرين الناكثون العهود {وهم لا يتقون} الله في حذرهم. {فإمّا} فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة {تثقفنهم} أي: تجدن هؤلاء الذين نقضوا العهد وظفرت بهم {في الحرب فشرد} قال ابن عباس: فنكل {بهم} أي: بهؤلاء الذين نقضوا العهد {من خلفهم} أي: من وراءهم من أهل مكة واليمن وغيرهما، فيخافون أن تفعل بهم كفعل هؤلاء، وقال عطاء: أثخنْ فيهم القتل حتى يخافك غيرهم {لعلهم} أي: الذين خلفهم {يذكرون} أي: يتعظون بهم. {وإمّا تخافن} أي: تعلمن يا محمد {من قوم} عاهدتهم {خيانة} في العهد بإمارات تلوح لك
كما ظهر من قريظة والنضير {فانبذ} أي: اطرح عهدهم {إليهم} ، وقوله تعالى: {على سواء} حال أي: مستوياً أنت وهم في العلم بنقض العهد، بأن تعلمهم به؛ لئلا يتهموك بالغدر إذا نصبت الحرب معهم {إنّ الله لا يحبّ الخائنين} أي: في نقض العهد أو غيره. روي أنّ معاوية كان بينه وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدراً، فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية يسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية، قال الرازي: حاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بقتل من ينقض العهد على أقبح الوجوه، وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه، من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه، قال أهل العلم: إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن عاهدهم الإمام من المشركين بأمر ظاهر مستفيض، إمّا أن يظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به، فإن كان الأوّل وجب الإعلام عليه على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك أن قريظة عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فحصل للنبيّ صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء، ويعلمهم بالحرب، وأمّا إذا ظهر نقض العهد ظهوراً مقطوعاً به فههنا لا حاجة إلى نبذ العهد بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمّة النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يرعهم إلا وجيش النبيّ صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة. ولما بيّن تعالى ما يفعله صلى الله عليه وسلم في حق من يجده في الحرب ويتمكن منه، وذكر أيضاً ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد، بين أيضاً حال من فاته في يوم بدر وغيره لكي لا تبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذية النبيّ صلى الله عليه وسلم مبلغاً عظيماً بقوله تعالى: {ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا} أي: خلصوا من القتل والأسر يوم بدر {إنهم لا يعجزون} الله أي: لا يفوتونه بهذا السبق في الانتقام منهم، إمّا في الدنيا، وإمّا في الآخرة بعذاب النار، وفيه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيمن، فاته من المشركين ولم ينتقم منه، فأعلمه الله تعالى أنهم لا يعجزونه، وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص يحسبن بالياء على الغيبة على أن الفعل للذين كفروا، والباقون بالتاء على الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرد من صدر منه نقض العهد إلى من خاف منه النقص واتفق لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار بقوله تعالى: {وأعدوا لهم} أي: لقتالهم {ما استطعتم من قوّة} الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة إليه، وفي المراد بالقوّة أقوال. الأوّل: الرمي وقد جاءت مفسرة به عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم ألا إن القوّة الرمي ثلاثاً» أخرجه مسلم، وعن أبي أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين
صففنا لقريش وصفوا لنا: «إذا كبسوكم فعليكم بالنبل» ، وفي رواية: «ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبة أهله، ورميه بقوسه أي: نبله، فإنهنّ من الحق ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها أو كفرها» أخرجه الترمذي. والثاني: إنها الحصون. والثالث: إنها جميع الأسلحة والآلات التي تكون لكم قوّة في الحرب على قتال عدوّكم وقوله تعالى: {ومن رباط الخيل} مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله سواء كانت ذكوراً أو إناثاً، وقال عكرمة: المراد الإناث. وروي عن خالد بن الوليد أنه قال: لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها، وعن أبي محيريز أنه قال: كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات، وقيل: ربط الفحول أولى؛ لأنها أقوى على الكرّ والفرّ، ويدلّ للأوّل ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، فإنّ شبعه وريه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة» يعني حسناته، وعن عروة البارقيّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم» ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: «ما أنزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة {فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره} {ترهبون} أي: تخوفون {به} أي: بتلك القوّة أو بذلك الرباط {عدوّ الله وعدوّكم} أي: الكفار من أهل مكة وغيرهم، وذلك إنّ الكفار إذا علموا أنّ المسلمين متأهبون للجهاد مستعدون له مستكملون لجميع الأسلحة وآلات الحرب وإعداد الخيل مربوطة للجهاد خافوهم، فلا يقصدون دخول دار الإسلام بل يصير ذلك سبباً لدخول الكفار في الإسلام أو بذل الجزية للمسلمين {و} ترهبون {آخرين من دونهم} أي: غيرهم وهم المنافقون لقوله تعالى: {لا تعلمونهم} ؛ لأنهم معكم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم {الله يعلمهم} أي: إنهم منافقون. فإن قيل: المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكر الإرهاب؟ أجيب: بأنّ المنافقين إذا شاهدوا قوّة المسلمين، وكثرة آلاتهم وأسلحتهم كان ذلك مما يخوفهم ويقطع طمعهم من أن يصيروا غالبين، فيحملهم ذلك على أن يتركوا الكفر من قلوبهم، وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان، وقيل: هم اليهود، وقيل: الفرس {وما تنفقوا من شيء} وإن قل {في سبيل الله} أي: طاعته جهاداً كان أو غيره {يُوفّ إليكم} قال ابن عباس: أجره، أي: لا يضيع في الآخرة أجره ويعجل الله عوضه في الدنيا {وأنتم لا تظلمون} أي: لا تنقصون من الثواب، ولما سئل ابن عباس عن هذا التفسير تلا قوله تعالى: {آتت أكلها ولم تظلم منه شيأ} (الكهف، 33) ولما بيّن تعالى ما يرهب به العدوّ من القوّة، والاستظهار بيّن جواز الصلح بقوله تعالى: {وإن جنحوا} أي: مالوا {للسلم} أي: الصلح {فاجنح} أي: فمل {لها} وعاهدهم، وتأنيث الضمير في لها لحمل السلم مع أنه مذكر على ضدّه وهو الحرب قال الشاعر: *السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جُرَعُ* فأنث ضمير السلم، في تأخذ حملاً على ضدّه وهو الحرب، وعن ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون با} (التوبة، 29) وعن مجاهد بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة، 5)
وقال غيرهما: الصحيح إنّ الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام، وأهله من حرب أو سلم وليس بحتم أن يقاتلوا أبداً أو يجابوا إلى الهدنة أبداً وهذا ظاهر. وقرأ شعبة بكسر السين، والباقون بالفتح {وتوكل على الله} أي: فوض أمرك إليه فيما عقدته معهم؛ ليكون عوناً لك في جميع أحوالك {إنه هو السميع} ؛ لأقوالهم فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك، وفي غيره كما يسمعه علانية {العليم} بنياتهم فهو يعلم كل ما أخفوه كما إنه يعلم كل ما أعلنوه. {وإن يريدوا} أي: الكفار {أن يخدعوك} أي: بإظهار الصلح ليستعدوا لك {فإن حسبك} أي: كافيك {الله هو الذي أيدك بنصره} في سائر أيامك، فإن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم من أوّل حياته إلى وقت وفاته كان أمراً إلهياً وتدبيراً علوياً، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل {و} أيدك {بالمؤمنين} أي: الأنصار. فإن قيل: فإذا كان الله تعالى مؤيده بنصره، فأيّ حاجة مع نصره تعالى إلى المؤمنين؟ أجيب: بأن التأييد ليس إلا من الله تعالى دائماً لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة، والثاني ما يحصل بذلك فالأوّل هو المراد من قوله تعالى: {أيدك بنصره} ، والثاني: هو المراد من قوله تعالى: {وبالمؤمنين} والله تعالى هو مسبب الأسباب، وهو الذي أقامهم بنصره ثم بيّن تعالى كيف أيده بالمؤمنين بقوله تعالى: {وألف} أي: جمع {بين قلوبهم} وذلك إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، وحميتهم عظيمة حتى لو أنّ رجلاً من قبيلة لطم لطمةً واحدة، قاتلت عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً دعاة، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية، مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى: {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم} أي: تناهت عداوتهم إلى حد لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم تقدر على الإلفة والصلاح بينهم {ولكن الله ألف بينهم} بقدرته البالغة، فإنه تعالى المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء {إنه} أي: الله تعالى {عزيز} أي: غالب على أمره لا يعصى عليه ما يريد {حكيم} لا يخرج شيء عن حكمته، وقيل: الآية نزلت في الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم فأنساهم الله تعالى ذلك، وألف بين قلوبهم بالإسلام حتى تصادقوا وصاروا أنصاراً، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته. {يأيها النبيّ حسبك} أي: كافيك {ا} . فإن قيل: هذا مكرّر، أجيب: بأنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات، فلا يلزم حصول التكرار؛ لأنّ المعنى في الآية الأولى: إن أرادوا خداعك كفاك الله تعالى أمرهم، والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين وقوله تعالى: {ومن اتبعك من المؤمنين} إمّا في محل نصب على المفعول معه كقول الشاعر: *فحسبك والضحاك سيف مهند* يروي الضحاك بالنصب على أنه مفعول معه، والمعنى: كفاك وكفى أتباعك المؤمنين الله ناصراً، أو رفع عطفاً على اسم الله تعالى أي: كفاك الله وكفى المؤمنين، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وعن سعيد بن
جبير أسلم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فتمم الله تعالى به الأربعين فنزلت هذه الآية. {يأيها النبيّ حرّض المؤمنين} أي: حثهم {على القتال} للكفار والتحريض في اللغة، كالتحضيض، وهو الحث على الشيء {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} منهم {وإن يكن منكم مائة} صابرة {يغلبوا ألفاً من الذين كفروا} وهذا خبر بمعنى الأمر أي: ليقاتل العشرون منكم المائتين والمائة الألف قتال عشرة أمثالكم. تنبيه: تقييد ذلك بالصبر يدلّ على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قادراً على ذلك، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء منها: أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً، ومنها: أن يكون قويّ القلب شديد البأس شجاعاً غير جبان، ومنها: أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة، فإنّ الله تعالى استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدّمة فعند حصول هذه الشروط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة. فإن قيل: حاصل هذه العبارة المطولة إنّ الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة في العدول إلى هذه العبارة المطولة؟ أجيب: بأنّ هذا إنما ورد على وفق الواقعة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيد على المائة فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذين العددين. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بالتاء على التأنيث والباقون بالياء على التذكير {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قوم لا يفقهون} أي: جهلة بالله تعالى واليوم الآخر، فلا يقاتلوا لطلب ثواب وخوف عقاب إنما يقاتلون حمية، فإذا صدقتموهم في القتال لا يثبتون معكم، وكان هذا يوم بدر فرض الله تعالى على الرجل الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين، قال عطاء عن ابن عباس: لما نزل التكليف بهذه الآية صاح المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع، ونحن في غربة وعدوّنا في أهليهم ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، وعدوّنا ليس كذلك فنسخها الله تعالى بقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم} أيها المؤمنون {وعلم أن فيكم ضعفاً} أي: في قتال الواحد للعشرة {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} منهم {وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} منهم {بإذن الله} أي: بإرادته تعالى، فردّوا من العشرة إلى اثنين، فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوّهم لا يجوز أن يفروا، وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر {وا مع الصابرين} بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون، قال سفيان بن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر. {ما كان} أي: ما صح وما استقام {لنبيّ أن تكون له أسرى} قرأ أبو عمرو بالتاء على التأنيث، والباقون بالياء على التذكير {حتى يثخن في الأرض} أي: يكثر قتل الكفار، ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله؛ لأنّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتدّ بالقتل، قال الشاعر: *لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم*
روي أنه صلى الله عليه وسلم أتي يوم بدر بسبعين أسيراً فيهم العباس عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبوك وأخرجوك فقدمهم، واضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، وإنّ الله أغناك عن الفداء، مكّن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان ـ لنسيب له ـ فلنضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنّ الله لين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: {من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} (إبراهيم، 36) ومثل عيسى في قوله: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (المائدة، 118) ومثلك يا عمر مثل نوح قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} (نوح، 26) ومثل موسى حيث قال: {ربنا اطمس على أموالهم} (يونس، 88) ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «يا أبا حفص، وكان ذلك أوّل ما كناه، أتأمرني أن أقتل العباس؟» فجعل عمر يقول: ويل لعمر ثلكته أمه، ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة ولا يغلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق، فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتدّ خوفي فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إلا سهيل بن بيضاء» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم: «إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم» فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية، والأوقية أربعون درهماً، فيكون مجموع ذلك ألفاً وستمائة درهم، وقال قتادة: كان الفداء يومئذٍ لكل أسير أربعة آلاف. قال عمر رضي الله تعالى عنه: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة منه {تريدون} أيها المؤمنون {عرض الدنيا} بأخذ فداء من المشركين، وإنما سمي منافع الدنيا عرضاً، لأنها لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف منافع الآخرة {وا يريد} لكم {الآخرة} أي: ثوابها بقهركم المشركين ونصركم الدين {وا عزيز} لا يقهر ولا يغلب {حكيم} أي: لا يصدر منه فعل إلا وهو في غاية الإتقان، قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتدّ سلطانهم، أنزل الله تعالى في الأسرى {فإمّا مناً بعد وإما فداء} (محمد، 4) فجعل الله تعالى نبيه والمؤمنين في أمر الأسرى بالخيار إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا فادوهم، وإن شاءوا
أعتقوهم أي: فهذه الآية نسخت تلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الغنائم حراماً على الأنبياء والأمم، وكانوا إذا أصابوا مغنماً جعلوه للقربان وكانت تنزل نار من السماء فتأكله فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون وأخذوا الفداء فأنزل الله تعالى. {لولا كتاب من الله سبق} أي: لولا قضاء الله سبق في اللوح المحفوظ، بأنه يحمل لكم الغنائم {لمسكم} أي: لنالكم {فيما أخذتم} أي: من الفداء {عذاب عظيم} وقال الحسن ومجاهد: لولا كتاب من الله سبق إنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحق: لم يكن من المؤمنين أحد إلا أحب الغنائم، إلا عمر بن الخطاب، فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ» . روي: لما نزلت هذه الآية كف رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم أن يأخذوا من الفداء فنزلت: {فكلوا مما غنمتم} أي: من الفداء، فإنه من جملة الغنائم {حلالاً طيباً} فأحل الله الغنائم بهذه الآية لهذه الأمة وقال صلى الله عليه وسلم «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل لنا الغنائم ذلك بأنّ الله رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» . فإن قيل: ما معنى الفاء في قوله تعالى: {فكلوا} ؟ أجيب: بأنها سببية والمسبب محذوف تقديره أبحت لكم الغنائم فكلوا، وبنحوه تشبث من زعم أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة، وحلالاً حال من المغنوم أو صفة للمصدر أي: أكلاً حلالاً، وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة، ولذلك وصفه بقوله: {طيباً} . {واتقوا الله} في مخالفته {إنّ الله غفور} غفر ذنوبكم {رحيم} أباح لكم ما أخذتم، وقوله تعالى: {واتقوا الله} إشارة إلى المستقبل، وقوله تعالى: {إنّ الله غفور رحيم} إشارة إلى الحالة الماضية ولما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء من الأسارى وثق عليهم أخذ أموالهم منهم ذكر الله تعالى هذه الآية استمالاً لهم، فقال عز من قائل: {يأيها النبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى} قرأ أبو عمرو بضم الهمزة وفتح السين بعدها ألف، والباقون بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعدها، وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائي محضة، وورش بين بين {إن يعلم الله في قلوبكم خيراً} أي: خلوص إيمان وصحة نية {يؤتكم خيراً مما أخذ منكم} من الفداء، قال ابن عباس: نزلت في العباس وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث كان العباس أسيراً يوم بدر، ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس فكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر، فلم تبلغه النوبة حتى أسر، فقال العباس: كنت مسلماً إلا أنهم ألزموني فقال صلى الله عليه وسلم «إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا» قال العباس: وكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك ذلك الذهب لي فقال: «أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا» قال: فكلفني فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية، وفداء نوفل بن الحارث فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فأين ما دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة، وقلت لها ما أدري ما يصيبني، فإن
حدث بي ما حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: «أخبرني به ربي» فقال العباس: أنا أشهد أنك صادق وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي» . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمره العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة من ربكم يعني الدعوة بقوله تعالى: {ويغفر لكم وا غفور رحيم} واختلف المفسرون في أنّ الآية نزلت في العباس خاصة أو في جملة الأسارى قال بعضهم: إنها نزلت في الكل قال الرازي: وهذا أولى؛ لأنّ ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه: أحدها: قوله تعالى: {قل لمن في أيديكم} . وثانيها: قوله تعالى: {من الأسرى} . وثالثها: قوله تعالى: {إن يعلم الله في قلوبكم خيراً} . ورابعها: قوله تعالى: {يؤتكم خيراً} . وخامسها: قوله تعالى: {مما أخذ منكم} . وسادسها: قوله تعالى: {ويغفر لكم} فدلت هذه الألفاظ الستة على العموم فما الموجب للتخصيص أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول هذه الآية هو العباس إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. {وإن يريدوا} أي: الأسارى {خيانتك} أي: بما أظهروا من القول {فقد خانوا الله} بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعهد {من قبل} أي: قبل بدر {فأمكن منهم} ببدر قتلاً وأسراً فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا {وا عليم} بما في بواطنهم وضمائرهم من إيمان وتصديق وخيانة {حكيم} أي: بالغ الحكمة فهو يتقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة وكذا فعل تعالى في ابن عزة الجمحي، فإنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنّ عليه بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أنه لا يظاهر عليه أحداً، ثم خان فظفر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيراً، فاعتذر له وسأله العفو عنه فقال: «لا، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين وأمر به فضربت عنقه. {إنّ الذين آمنوا} أي: بالله ورسوله {وهاجروا} أي: وأوقعوا الهجرة من بلاد الشرك وهم المهاجرون الأوّلون هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حباً لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم {وجاهدوا} أي: وأوقعوا الجهاد وهو بذل الجهد في توهين الكفر {بأموالهم} وكانوا في غاية العزة في أوّل الأمر {وأنفسهم} بإقدامهم على القتال مع شدّة الأعداء وكثرتهم وقدم المال؛ لأنه سبب قيام النفس أي: بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار، والنخيل وغيرها، وأخر قوله تعالى: {في سبيل الله} لذلك، وفي سببية أي: جاهدوا بسببه حتى لا يصدّ عنه صاد، ويسهل المرور فيه من غير قاطع {والذين آووا} أي: من هاجر إليهم من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأسكنوهم في ديارهم وقسموا لهم من أموالهم وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوّجوهنّ {ونصروا} أي: الله ورسوله والمؤمنين وهم الأنصار رضي الله عنهم، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من هذين الجنسين ولكن المهاجرين الأوّلون أعلى منهم
لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زماناً طويلاً وصبرهم على فرقة الأهل والأوطان. @ وأشار تعالى إلى القسمين بأداة البعد لعلوّ مقامهم فقال: {أولئك} أي: العالو الرتبة {بعضهم أولى ببعض} أي: دون أقاربهم من الكفار قال ابن عباس في الميراث فكانوا يتوارثون بالهجرة فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة انقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام حيث كانوا وصار ذلك منسوخاً بقول تعالى {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} {والذين آمنوا ولم يهاجروا} أي: آمنوا وأقاموا بمكة {ما لكم من ولايتهم من شيء} أي: فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة {حتى يهاجروا} أي: إلى المدينة {وإن استنصروكم في الدين} أي: ولم يهاجروا {فعليكم النصر} أي: فيجب عليكم أن تنصروهم على المشركين {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي: عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم {وا بما تعملون بصير} في ذلك ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة وغير ذلك مما تقدّم وترهيب من العمل بأضدادها، وفي البصير إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً، ففيه مزيد حث على الإخلاص. {والذين كفرا بعضهم أولياء بعض} أي: في النصر؛ لأن كفار قريش كانوا معادين اليهود فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاونوا عليه جميعاً وفي الميراث، فيرث بعضهم بعضاً ولا إرث بينكم وبينهم {ألا تفعلوه} أي: ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم لبعض حتى في الميراث وقطع العلائق بينكم وبين الكفار {تكن} أي: تحصل {فتنة} أي: عظيمة {في الأرض} بضعف الإيمان وقوّة الكفر {وفساد كبير} في الدين، ولما تقدّمت أنواع المؤمنين المهاجر والناصر والقاعد وذكر أحكام موالاتهم أخذ يبين تفاوتهم في الفضل بقوله تعالى: {والذين آمنوا} أي: بالله ورسوله وما أتى به {وهاجروا} في الله تعالى من يعادي نبيه صلى الله عليه وسلم سابقين {وجاهدوا في سبيل الله} بما تقدّم من المال والنفس وغيرهما، فبذلوا الجهد في إذلال الكفار ولم يذكر آلة الجهاد؛ لأنها مع تقدّم ذكرها لازمة {والذين أووا} أي: من هاجر إليهم {ونصروا} أي: حزب الله {أولئك هم المؤمنون} أي: الكاملون في الإيمان {حقاً} أي: لأنهم حققوا إيمانهم بتحقيق مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق ثم وعدهم الموعد الكريم بقوله تعالى: {لهم مغفرة} أي: لزلاتهم وهفواتهم؛ لأن مبنى الآدمي على العجز اللازم عند التقصير وإن اجتهد ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة ذكر تزكيتهم بالرحمة بقوله تعالى: {ورزق} أي: من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة {كريم} أي: لا تبعة ولا منة فيه ثم الحق بهم في الأمرين من يستلحق بهم ويتسم بسمتهم بقوله تعالى: {والذين آمنوا من بعد} أي: بعد السابقين إلى الإيمان والهجرة {وهاجروا} أي: لاحقين للسابقين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية قال: وهي الهجرة الثانية {وجاهدوا معكم} أي: من تجاهدونه من حزب الشيطان {فأولئك منكم} أي: من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار فلهم ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها لأنّ الوصف الجامع هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم بما
سورة التوبة
أفهمته أداة البعد {وأولوا الأرحام} أي: ذووا القرابات {بعضهم أولى ببعض} قال ابن عباس: كانوا يتوارثون بالهجرة والإخاء حتى نزلت هذه الآية فبين الله تعالى بها أن سبب القرابة أقوى وأولى من سبب الهجرة والإخاء ونسخ بها ذلك التوارث وقوله تعالى: {في كتاب الله} أي: في حكمه في اللوح المحفوظ أو القرآن وتمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى بهذه على توريث ذوي الأرحام وأجاب عنه الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لما قال في كتاب الله كان معناه في حكم الله الذي بينه في سورة النساء، فصارت هذه السورة مقيدة بالأحكام التي ذكرها في سورة النساء في قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي فللعصبات فوجب أن يكون المراد من هذا هو ذاك فقط فلا يتعدّى إلى توريث ذوي الأرحام ثم قال تعالى في ختم السورة {إن الله بكل شيء عليم} أي: إن هذه الأرحام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح وليس فيها شيء من العبث والباطل لأنّ العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أنّ الملائكة لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال الله تعالى مجيباً لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون} أي: كما علمتم بكوني عالماً بكل المعلومات فاعلموا أنّ حكمي يكون منزهاً عن الغلط فكذا هنا وقول البيضاوي في بعض النسخ تبعاً للزمخشريّ، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطي عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته في الدنيا» حديث موضوع. سورة التوبة مدنية إلا الآيتين من قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} وهي آخر ما نزلت وآيها مائة وثلاثون وقيل: تسع وعشرون، وعدد كلماتها ألفان وأربعمائة وسبع وتسعون كلمة وحروفها عشرة آلاف وثمانمائة وسبعة وثمانون حرفاً، ولها عدّة أسماء: التوبة، براءة، المقشقشة، البحوثة، المبعثرة، المنقرة، المثيرة، الحافرة، المخزية، الفاضحة، المنكلة، المشردة، المدمدمة، سورة العذاب وإنما سميت بذلك لما فيها من التوبة للمؤمنين والقشقشة من النفاق وهي التبرؤ منه والبحث عن حال المنافقين وإثارتها والحفر عنها وما يخزيهم ويفضحهم وينكلهم ويشردهم ويدمدم عليهم ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم وأخرج في معناه عن علي أن البسملة أمان وهي نزلت لرفع الأمن بالسيف، وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب. وروى البخاريّ عن البراء أنها آخر سورة نزلت، وقيل: كان صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه سورة أو آية بين موضعها فتوفي ولم يبيّن موضعها وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال وتسامتها؛ لأنّ في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نبذها فضمت إليها، قال القاضي: يبعد أن يقال إنه عليه الصلاة والسلام لم يبيّن كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال لأنّ القرآن مرتب من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نقل ولو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور، وفي آيات السورة الواحدة وذلك يخرجه عن كونه
حجة بل الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحياً، وأنه عليه الصلاة والسلام حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحياً، والقول بأنّ قصتها تشابه قصتها وتناسبها فضمت إليها إنما يتم إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة من قبل أنفسهم لهذه العلة. وقيل: إن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة براءة سورة واحدة أم سورتان، فقال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأنّ كلتيهما نزل في القتال، ومجموعهما هو السورة السابعة من الطوال وهي سبع، وما بعدها المؤن؛ لأنهما معاً مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال: سورتان، فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا تركوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول: هما سورة واحدة. وقال بعض أصحاب الإمام الشافعي رضي الله عنه: لعل الله لما علم من بعض الناس أنهم ينازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن أمر أن لا تكتب ههنا ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن آية من هذه السورة وجب كونها آية من كل سورة، وقيل غير ذلك. والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه القاضي من أنّ القرآن مرتب من قبل الله ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نقل، وأنه صلى الله عليه وسلم حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحياً، وإنما ذكرت هذه الأقوال تشحيذاً للأذهان. وقوله تعالى: {براءة} خبر مبتدأ محذوف أي: هذه براءة. وقوله تعالى: {من الله ورسوله} من: ابتدائية متصلة بمحذوف تقديره: واصلة من الله ورسوله، ويجوز أن يكون: براءة مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر {إلى الذين عاهدتم} أي: أوقعتم العهد بينكم وبينهم {من المشركين} أي: وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعاً لهما، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع النظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، وإنما الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فغنيان عن ذلك، أمّا الله فبالغنى المطلق، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فبالذي اختاره للرسالة؛ لأنه ما فعل ذلك إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب. روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهوداً كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر الله تعالى بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى: {وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} (الأنفال، 58) الآية ونقض العهد بما يذكر في قوله تعالى {فسيحوا} أي: سيحوا آمنين أيها المشركون {في الأرض أربعة أشهر} لا يتعرّض لكم فيها ولا أمان لكم بعدها، وكان ابتداء هذه الأشهر يوم الحج الأكبر وانقضاؤها إلى عشر من ربيع الآخر، وقال الأزهري: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم؛ لأنها نزلت في شوّال. وقيل: في ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشرين من شهر ربيع الآخر، وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب؛ لأنّ ذا الحجة والمحرم منها. قال البغوي: والأوّل هو الأصوب وعليه الأكثرون اه. وقيل: العشر من ذي القعدة إلى عشر من شهر ربيع الأوّل؛ لأنّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة
وكان نزولها في سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على موسم الحج سنة تسع ثم أتبعه علياً رضي الله عنه راكب العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدّي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي من أبي بكر سمع أبو بكر الرغاء فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصل العضباء: المشقوقة الأذن، ولم تكن ناقته صلى الله عليه وسلم كذلك ولكن كان ذلك علماً عليها، والرغاء بالمدّ: صوت ذوات الخف قاله الجوهري، فلما لحقه قال أمير أو مأمور. وروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما كان ببعض الطريق هبط جبريل، وقال: يا محمد لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً رضي الله عنه فرجع أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أشيء نزل، قال: نعم فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي، فلما كان قبل التروية بيوم خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد ثلاث عشرة، ثم قال: أمرت بأربع آي بأن أخبروا نادى بها أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف به عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، فقالوا عند ذلك: أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع. فإن قيل: قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة لأن يؤدّوا عنه كثيراً ولم يكونوا من عترته، أجيب: بأنّ هذا ليس على العموم بل مخصوص بالعهود؛ لأنّ العرب عاداتها أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل من الأقارب، فلو تولاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه لجاز أن يقولوا: هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود، فربما لم يقبلوا فلم يخف عليهم بتوليته علياً ذلك، ويدل على ذلك أن في بعض الروايات لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، وقيل: لما خص أبا بكر بتولية الموسم خص علياً بهذا التبليغ تطييباً للقلوب ورعاية للجوانب، وقيل: قرر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خليفة لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى تنبيه على إمامة أبي بكر. فإن قيل: ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟ أجيب: بأنهم قالوا: قد نسخ وجوب الصيانة وأبيح قتال المشركين فيها. {واعلموا أنكم غير معجزي الله} أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم {وأنّ الله مخزي الكافرين} أي: مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب. {وأذان} أي: إعلام واقع {من الله ورسوله إلى الناس} إذ الأذان في اللغة الإعلام، ومنه الأذان للصلاة، فإنه إعلام بوقتها وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين. فإن قيل: لم علقت البراءة بالذين عاهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس أجيب: بأنّ البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث. {يوم الحج الأكبر} أي: يوم عيد النحر لأنّ فيه معظم أفعاله من طواف ونحر وحلق ورمي يقع
فيه، ولأن الإعلام كان فيه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في حجة الوداع فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر. وروي أن علياً رضي الله عنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر فقال: يومك هذا فخل سبيلها، وقيل: يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» ، وقيل: أيام منى كلها؛ لأنّ اليوم قد يطلق ويراد به الحين والزمان كقوله يوم صفين ويوم الجمل؛ لأنّ الحرب دامت في هذه الأيام ويطلق عليها يوم واحد. وقيل: هو الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود وعيد النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ولا بعده ووصف الحج بالأكبر؛ لأنّ العمرة تسمى الحج الأصغر، وإنما قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها عن الحج. وقيل: وصف بذلك لموافقته حج النبيّ صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة وودّع الناس فيه وخطبهم وعلمهم مناسكهم. وقيل: وصف بذلك لاجتماع أعياد الملل في ذلك اليوم. وقيل: لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين. وقوله تعالى: {إنّ الله بريء من المشركين} أي: من عهودهم فيه حذف تقديره وأذان من الله ورسوله بأنّ الله بريء من المشركين، وإنما حذف الجار لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: {ورسوله} مرفوع على أنه مبتدأ حذف خبره أي: ورسوله. كذلك وحكي أنّ أعرابياً سمع رجلاً يقرأ: ورسوله بالجرّ، فقال: إن كان الله بريء من رسوله فأنا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه، فحكى الأعرابيّ الواقعة فحينئذٍ أمر عمر بتعليم العربية. وحكي أيضاً أنّ أعرابياً قدم في زمن عمر، فقال: من يقرئني مما أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم فأقرأه رجل براءة، فقال: {إنّ الله بريء من المشركين ورسول} هـ بالجرّ، فقال الأعرابيّ: أوقد برىء الله من رسوله إن يكن الله بريء من رسوله فأنا بريء منه، فبلغ عمر رضي الله تعالى عنه مقالة الأعرابيّ فدعاه فسأله فأخبره الأعرابيّ بذلك، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابيّ فقال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: {إنّ الله بريء من المشركين ورسوله} بالرفع، فقال: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود الدؤلي فوضع النحو. {فإن تبتم} أي: عن الكفر والغدر {فهو} أي: ذلك الأمر العظيم وهو المتاب {خير لكم} أي: من الإقامة على الشرك، وهذا ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لدخول النار. {وإن توليتم} أي: أعرضتم عن الإيمان والتوبة من الشرك {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} وذلك وعيد عظيم وإعلام بأنّ الله تعالى قادر على إنزال أشدّ العذاب بهم كما قال تعالى: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} أي: مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة ولفظ البشارة هنا ورد على سبيل الإخبار أو على سبيل الاستهزاء كما يقال محبتهم الضرب وإكرامهم الشتم، وقوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} استثناء من المشركين وهم بنو ضمرة حيّ من كنانة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدّتهم، وكان قد بقي من مدّتهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا كما قال تعالى: {ثم لم ينقصوكم شيئاً} أي: من عهودكم التي عاهدتموهم عليها {ولم يظاهروا} أي: ولم يعاونوا {عليكم أحداً} من عدوّكم {فأتموا
إليهم عهدهم إلى مدّتهم} أي: إلى انقضائها، ولا تجروهم مجرى الناكثين. وقوله تعالى: {إنّ الله يحب المتقين} تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى. {فإذا انسلخ} أي: انقضى وخرج {الأشهر الحرم} التي حرم الله تعالى عليهم فيها قتالهم، وضربت أجلاً لسياحتهم والتعريف مثله في {فأرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول} (المزمل، 16) والمراد بكونها حرماً أنّ الله تعالى حرم القتل والقتال فيها. وقيل: هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، قال البيضاويّ: وهذا يخل بالنظم أي: نظم الآية إذ نظمها يقتضي توالي الأشهر المذكورة. {فاقتلوا المشركين} أي: الناكثين الذين ضربتم لهم هذا الأجل إحساناً وكرماً {حيث وجدتموهم} أي: في حل أو حرم أو في شهر حرام أو غيره. {وخذوهم} أي: بالأسر {واحصروهم} أي: بالحبس عن إتيان المسجد الحرام والتصرّف في بلاد الإسلام في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى الإسلام أو القتل {واقعدوا لهم} أي: لأجلهم خاصة، فإن ذلك من أفضل العبادات {كل مرصد} أي: طريق يسلكونه لئلا ينبسطوا في البلاد. وانتصاب كل على الظرفية كقوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (الأعراف، 16) وقيل: بنزع الخافض، قال الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء. {فإن تابوا} أي: عن الكفر بالإيمان {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم، فوصلوا ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق. {فخلوا سبيلهم} أي: فدعوهم ولا تتعرّضوا لهم بشيء من ذلك، وفي هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله؛ لأنه إن كان جاحداً لوجوبهما فهو مرتدّ وإلا قتل بترك الصلاة وأخذت منه الزكاة قهراً وقوتل على ذلك كما نقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما توفي النبيّ صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر كفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله» فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية: عقالاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أنّ الله شرح صدر أبي بكر إلى القتال، فعرفت أنه الحق. {إنّ الله غفور} أي: بليغ المحو للذنوب التي تاب صاحبها عنها {رحيم} به. {وإن أحد من المشركين} أي: الذين أمرت بقتالهم {استجارك} أي: طلب أن تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء مدّة السياحة {فأجره} أي: فأمنه ودافع عنه من يقصده بسوء. {حتى يسمع كلام الله} أي: القرآن بسماع التلاوة الدالة عليه فيعلم بذلك ما يدعى إليه من المحاسن ويتحقق أنه ليس من كلام الخلق {ثم} إن أراد الانصراف ولم يسلم {أبلغه مأمنه} أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه لينظر في أمره، ثم بعد ذلك يجوز لك قتلهم وقتالهم من غير غدر ولا خيانة. قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة. تنبيه: أحد: مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر وتقديره: وإن استجارك أحد، ولا يجوز أن
يرتفع بالابتداء؛ لأن إن من عوامل الفعل، فلا تدخل على غيره. {ذلك} أي: الأمر بالإجارة للغرض المذكور {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قوم لا يعلمون} أي: لا علم لهم لأنهم لا عهد لهم بنبوّة ولا رسالة ولا كتاب، فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم، وقوله سبحانه وتعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} استفهام معناه الجحد أي: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله وهم يغدرون وينقضون العهد {إلا الذين عاهدتم} أي: من المشركين {عند المسجد الحرام} يوم الحديبية وهم المستثنون قبل {فما استقاموا لكم} أي: أقاموا على العهد ولم ينقضوه {فاستقيموا لهم} أي: على الوفاء وهو كقوله تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم} (التوبة، 4) غير أنه مطلق وهذا مقيد، وما تحتمل الشرطية والمصدرية. {إنّ الله يحب المتقين} أي: من اتقى يوفي بعده لمن عاهده، وقد استقام صلى الله عليه وسلم على عهدهم حتى نقضوه بإعانة بني بكر على خزاعة. وقوله تعالى: {كيف} تكرار للاستبعاد بثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلوماً أي: كيف يكون لهم عهد ثابت {وإن} أي: والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة، فهم إن {يظهروا عليكم} أي: يعلو أمرهم على أمركم بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق {لا يرقبوا} أي: لا يراعوا {فيكم} أي: في أذاكم بكل جليل وحقير {إلا} أي: قرابة محققة قال حسان: *لعمرك إن إلّك من قريش ... كإلِّ السقب من رأل النعام* السقب: ولد الناقة، والرأل: ولد النعامة، والخطاب في لعمرك لأبي سفيان، أي: لا قرابة بينك وبين قريش كما لا قرابة بين ولد الناقة وولد النعامة. وقيل: إلا إلهاً، وقيل: جبريل {ولا ذمة} أي: عهداً بل يؤذوكم ما استطاعوا وقوله تعالى: {يرضونكم بأفواههم} أي: بكلامهم كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد {وتأبى قلوبهم} أي: عن الوفاء به لمخالفة ما فيها من الأضغان {وأكثرهم فاسقون} أي: راسخو الأقدام في الفسق. فإن قيل: الموصوفون بهذه الصفة كفار، والكفر أقبح وأخبث من الفسق، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم. وأيضاً الكفار كلهم فاسقون فلا يبقى لقوله: وأكثرهم فائدة؟ أجيب: بأنّ الكافر قد يكون عدلاً في دينه، فلا ينقض العهد، وقد يكون فاسقاً خبيث النفس في دينه فينقضه، فالمراد بالفسق هنا نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده، فلهذا قال: وأكثرهم أي: إنّ هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهد أكثرهم فاسقون في دينهم وعند أقوامهم وذلك يوجب المبالغة في الذم. وقال ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب فلهذا السبب قال: {وأكثرهم فاسقون} حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام. {اشتروا} أي: استبدلوا {بآيات الله} أي: القرآن {ثمناً قليلاً} أي: عرضاً يسيراً من الدنيا، وهو اتباع الأهواء والشهوات مع مصاحبة الكفر، وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم فنقض العهد الذي بينهم بسبب تلك الأكلة {فصدوا} أي: فتسبب لهم ذلك وأداهم إلى أن صدوا {عن سبيله} أي: منعوا الناس من الدخول في دينه {إنهم ساء} أي: بئس {ما كانوا يعملون} أي: عملهم
هذا، وما دل عليه قوله تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة} فهو تفسير لا تكرير، وقيل: الأوّل عام في المنافقين، وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. {وأولئك} أي: هؤلاء البعداء من كل خير {هم المعتدون} الذين تعدوا ما حد الله لهم في دينه وما يوجبه العقد والعهد. ولما بيّن تعالى حال من لا يرقب في الله إلاً ولا ذمة وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدّى ما حدّ الله تعالى له بين ما يصيرون به من أهل دينه بقوله تعالى: {فإن تابوا} أي: رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض العهد إلى الوفاء به {وأقاموا الصلاة} أي: المفروضة عليهم بجميع حدودها وأركانها {وآتوا الزكاة} المفروضة عليهم طيبة بها نفوسهم {فإخوانكم} أي: فهم إخوانكم {في الدين} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وقوله تعالى: {ونفصل الآيات لقوم يعلمون} اعتراض للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين. {وإن نكثوا} أي: نقضوا {أيمانهم} أي: عهودهم. {من بعد عهدهم} الذي عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحداً من أعدائكم {وطعنوا في دينكم} أي: وعابوا دينكم الذي أنتم عليه وقدحوا فيه. {فقاتلوا أئمة الكفر} أي: الكفار بأسرهم، وإنما خص الأئمة منهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع منهم على هذه الأعمال الباطلة، وقال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وأبي جهل وسائر رؤساء قريش، وهم الذين نقضوا عهودهم وهموا بإخراج الرسول، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة وحققها الباقون، وقول البيضاوي: والتصريح بالياء لحن تبع فيه الكشاف التابع للفراء، وهو مردود، فالجمهور من النحاة والقراء على جواز قلب الهمزة الثانية حرف لين، فبعضهم على جعلها بين بين، وبعضهم على قلبها ياء خالصة، وقوله تعالى: {إنهم لا أيمان لهم} قرأ ابن عامر بكسر الهمزة أي: لا تصديق لهم ولا دين وليس في ذلك دلالة على أنّ توبة المرتدّ لا تقبل، والباقون بالفتح جمع يمين أي: لا أيمان لهم على الحقيقة، وأيمانهم ليست بأيمان، وإلا لما طعنوا في دينكم ولم ينكثوا، وفيه دليل على أنّ الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده أي: إن شرط ذلك عليه كما هو مذهبنا وتمسك أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذا على أنّ يمين الكافر لا تكون يميناً وعند الشافعيّرخمه الله تعالى يمينهم منعقدة، ومعنى هذه الآية عنده أنهم لما لم يؤمنوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان والدليل على أنّ يمينهم منعقدة أنّ الله تعالى وصفها بالنكث في قوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم} ولو لم تكن منعقدة لما صح وصفها بالنكث وقوله تعالى: {لعلهم ينتهون} متعلق بقاتلوا أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن ينتهوا عما هم عليه من الكفر والطعن في دينكم والمظاهرة عليكم، وهذا في غاية كرم الله تعالى وفضله على الإنسان وليس الغرض إيصال الأذية لهم كما هو طريقة الموحدين. ولما قال تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} أتبعه بذكر ثلاثة أسباب تبعثكم على مقاتلتهم، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: أحدها ما ذكره تعالى بقوله: {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} أي: نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا
عقد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكرة على خزاعة وهذا يدلّ على أنّ قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجراً لغيرهم وثانيها قوله تعالى: {وهموا بإخراج الرسول} من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على ما ذكر في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} . وقيل: هم اليهود نكثوا عهد الرسول وهموا بإخراجه من المدينة وهذا من أوكد ما يجب القتال لأجله. وثالثها قوله تعالى: {وهم بدؤوكم} أي: بالقتال {أوّل مرّة} أي: هم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم بالكتاب المنير وتحدّاهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال فهم البادؤون بالقتال والبادىء أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم، وبخهم الله تعالى بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها، وتقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب حقيق بأن لا تترك مصادمته، وأن يوبخ من فرّط فيها. {أتخشونهم} أي: أتخافونهم أيها المؤمنون فتتركون قتالهم {فا أحق أن تخشوه} فقاتلوا أعداءه {إن كنتم مؤمنين} أي: مصدقين بوعد الله تعالى ووعيده؛ لأنّ قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه كقوله تعالى: {ولا يخشون أحداً إلا الله} (الأحزاب، 39) ولما وبخهم الله تعالى على ترك القتال جدّد له الأمر به بقوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} أي: بالقتل والأسر واغتنام الأموال. فإن قيل: قد قال الله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال، 33) فكيف قال تعالى هنا: {يعذبهم الله بأيديكم} ؟ أجيب: بأن المراد بالعذاب في الآية الأولى عذاب الاستئصال، وبهذه الآية القتل والأسر. والفرق: أنّ عذاب الاستئصال قد يتعدّى إلى غير المذنب، وإنه في حقه لمزيد الثواب وعذاب القتل مقصور على المذنب وهذا كالتصريح بأنّ هذا الفعل وما عطف عليه فعله تعالى وإن كان جارياً على أيدي العباد كسباً لا يرد على ذلك أنه لا يقال يعذب الله المؤمنين بأيدي الكافرين؛ لأنّ ذلك إنما امتنع لشناعة العبارة كما لا يقال: يا خالق القاذورات والأبوال والعذرات وإن كان هو الخالق لها. {ويخزهم} أي: بالذل والفضيحة في الدنيا والعذاب في الآخرة {وينصركم عليهم} أي: يمكنكم من قتلهم وإذلالهم {ويشف صدور قوم مؤمنين} أي: طائفة من المؤمنين وهم خزاعة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب. {ويذهب غيظ قلوبهم} أي: كربها ووجدها، وقد وفى الله تعالى بما وعد، والآية من المعجزات. وقوله تعالى: {ويتوب الله على من يشاء} استئناف أي: إنّ الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين ثم مَنَّ الله تعالى عليهم بالإسلام يوم فتح مكة فأسلموا وحسن إسلامهم. {وا عليم} أي: يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان فهو عليم بكل شيء، فيعلم من يصلح للتوبة ومن لا يصلح لها، أو يعلم ما في قلوبكم من الإقدام والإحجام {حكيم} أي: أحكم جميع أموره. {أم حسبتم} أي: أظننتم {أن تتركوا} فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من
الكاذب، والخطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال، وقيل للمنافقين. وأم: بمعنى همزة الإنكار. {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} أي: علماً ظاهراً تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل، وعبر تعالى بلما دون لم لدلالتها مع استغراق الزمان على أن تبين ما بعدها متوقع كائن، وقوله تعالى: {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} عطف على جاهدوا داخل في حيز الصلة كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذي وليجة من دون الله. والوليجة: فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل، وهي البطانة من المشركين يتخذونهم يفشون إليهم أسرارهم، وقال قتادة: هي الخيانة. وقال عطاء: هي الأولياء. {وا خبير بما تعملون} من مولاة المشركين وغيرها، فيجازيكم عليه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ عليّ رضي الله عنه عليه القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له عليّ: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم نحن أفضل منكم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني يعني الأسير فأنزل الله تعالى رداً على العباس. {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مسجد الله بدخوله والقعود فيه وخدمته، فإذا دخل بغير إذن مسلم عزر وإن دخل بإذنه لم يعزر، لكن لا بد من حاجة فيشترط للجواز الإذن والحاجة، ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر، وذهب جماعة إلى أنّ المراد منه العمارة المعروفة من بناء المسجد وترميمه عند خرابه فيمنع منه الكافر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون السين ولا ألف بعدها على التوحيد، وفي هذا دلالة على أن المراد المسجد الحرام. والباقون بفتح السين، وألف بعدها على الجمع. وفيه دلالة على أن المراد جميع المساجد، وقيل: المراد على القراءتين المسجد الحرام، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع. وقوله تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} حال من الواو في يعمروا، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك أنّ كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف بثياب قد عملنا فيها المعاصي وكلما طافوا أسبوعاً سجدوا للأصنام فلم يزدادوا من الله إلا بعداً. وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل: من أنت؟ فيقول: نصراني، واليهوديّ يقول: يهودي، والمشرك يقول: مشرك. {أولئك حبطت} أي: بطلت {أعمالهم} أي: الأعمال التي عملوها من أعمال البر وافتخروا بها مثل العمارة والحجابة والسقاية، وفك العناة مع الكفر لا تأثير لها {وفي النار هم خالدون} لجعلهم الكفر مكان الإيمان.
واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنّ مرتكب الكبيرة من أهل الإيمان لا يبقى مخلداً في النار من وجهين: الأوّل قوله تعالى: {وفي النار هم خالدون} يفيد الحصر أي: هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا وارداً في حق الكفار ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر. الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار عن كفرهم، فلو كان هذا الحكم جزاء لغير الكافر لما صح تهديد الكافر به. وفي الكشاف: أن الكبيرة تهدم الأعمال وهو جار على مذهبه الفاسد، ولما بيّن تعالى أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين المستحق لعمارتها بقوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن با واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش} أحداً {إلا الله} أي: إنما تتم عمارتها لهؤلاء الجامعين بين الكمالات العملية والعلمية. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مع أنّ الإيمان به شرط في صحة الإيمان؟ أجيب: بأنه تعالى لما ذكر الصلاة والصلاة لا تتم إلا بالتشهد وهو مشتمل على ذكره كان ذلك كافياً، ومما علم من أن الإيمان بالله تعالى قرينه وتمامه الإيمان به فكان الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مذكوراً بطريق أبلغ وهو طريق الكناية لما مرّ من مقارنتهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. وقيل: إن المشركين كانوا يقولون: إنّ محمداً إنما ادّعى رسالة الله طلباً للرّياسة والملك، فلذلك ترك ذكر النبوّة فكأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوّة تنبيهاً للكفار على أنه لا مطلوب له من الرياسة. فإن قيل: كيف قال تعالى: {ولم يخش إلا الله} والمؤمن يخاف الظَلَمة والمفسدين؟ أجيب: بأن المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله تعالى عنه رضا غيره لتوقع مخوف. وإذا اعترضه أمران: أحدهما: حق الله تعالى، والآخر: حق نفسه؛ أن يخاف الله تعالى، فيؤثر حق الله تعالى على حق نفسه. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم. ومن عمارة المساجد: ترميمها وفرشها وتنويرها بالسرج التي لا سرف فيها، وإدامة العبادة فيها والذكر. ومن الذكر درس العلم فيها، بل هو أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن المساجد لأجله كحديث الدنيا. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي في آخر الزمان ناس من أمّتي يأتون المساجد، فيقعدون حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة» . وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» . وفي «الكشاف» : أنه صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: إنّ بيوتي في أرضي المساجد، وإنّ زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره» . قال شيخ شيخنا ابن حجر: لم أجده هكذا، وفي الطبراني عن سلمان رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم زائره» . وروي عنه صلى الله عليه وسلم «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» وقال صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» . وعن أنس رضي الله عنه: من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوءه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد وراح أعد الله تعالى له نزلاً
من الجنة كلما غدا وراح» . وفي قوله تعالى: {فعسى أولئك} أي: الموصوفون بهذه الصفات {أن يكونوا من المهتدين} تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم أطماعهم والانتفاع بأعمالهم التي قد استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها، فإنه تعالى بيّن أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليه الخشية من الله تعالى، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائراً بين لعل وعسى، فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بخير من عند الله ومنع للمؤمنين من أن يغترّوا بأحوالهم ويتكلوا عليها، وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن با واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} أقوالاً، فعن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فنزلت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال العباس حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام وبالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فنزلت. وقيل: إن المشركين قالوا لليهود: نحن علينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه، فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل، فنزلت. وقيل: إنّ علياً قال للعباس رضي الله عنهما: يا عم، ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألست في أفضل من الهجرة أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام، فلما نزلت قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً» وكان العباس عم النبيّ صلى الله عليه وسلم بيده سقاية الحاج وكان يليها في الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره صلى الله عليه وسلم على ذلك. وروي أنه صلى الله عليه وسلم جاء السقاية فاستسقى، فقال العباس رضي الله عنه لابنه الفضل: يا فضل، اذهب إلى أمّك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال له صلى الله عليه وسلم «اسقني» قال: يا رسول الله يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني» فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: «اعملوا فإنكم على عمل صالح» . وعن أبيّ بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي، فقال: مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشربه وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوه، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيذ: تمر ينقع في الماء غدوة وهو حلال، فإن غلا وخمر حرم. تنبيه: السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية، فلا بد من مضاف محذوف تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله {لا يستوون عند الله} أي: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله
وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على كفره؛ لأنّ الله تعالى لا يقبل عملاً إلا مع إيمان به وبيّن عدم تساويهم بقوله تعالى: {وا لا يهدي القوم الظالمين} أي: الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة النبيّ صلى الله عليه وسلم منهمكون في الضلال، فكيف يساوون الذين عاهدهم الله تعالى ووفقهم للحق والصواب؟ وقيل: المراد بالظالمين الذين يسوّون بينهم وبين المؤمنين. {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله} أي: أعلى مرتبة وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات والمراد من كون العبد عند الله بالاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه قطع العندية بحسب الجهة والمكان؛ لأنّ الأرواح البشرية إذا تطهرت من دنس الأوصاف البدنية أشرقت بأنوار الجلال وتجلى فيها أضواء عالم الكمال، وسرت من العبودية إلى العندية. وقيل: أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة المسجد الحرام. فإن قيل: على هذا كيف قال في وصفهم أعظم درجة مع أنه ليس للكافر درجة؟ أجيب: بأنّ هذا ورد على حسب ما كانوا يقدّرون؛ لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله. ونظيره قوله تعالى: {الله خير أم ما يشركون} (النحل، 59) وقوله تعالى: {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم} (الصافات، 62) {وأولئك} من هذه صفتهم {هم الفائزون} أي: بسعادة الدنيا والآخرة. {يبشرهم} أي: يخبرهم {ربهم} والبشارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه وتستبشر بشرة وجهه عند سماع ذلك الخبر السار، ثم ذكر سبحانه وتعالى الذي يبشرهم به بقوله تعالى: {برحمة منه ورضوان} ، فهذا أعظم البشارات؛ لأنّ الرحمة والرضوان من الله تعالى سبحانه وتعالى على العبد نهاية مقصودة {وجنات} أي: بساتين كثيرة الأشجار والثمار {لهم فيها} أي: الجنات {نعيم} أي: جزاء خالص عن كدر مّا {مقيم} أي: غير منقطع. وقوله تعالى: {خالدين فيها} حال مقدرة وحقق الخلود بقوله تعالى: {أبداً} ، ولما ذكر تعالى هذه الأحوال، قال: {إنّ الله عنده أجر عظيم} وناهيك بما يصفه الله بالعظم وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه العبارات الثلاث المقرونة بالعظم والاسم الأعظم، فكان أعظم الثواب؛ لأنّ إيمانهم أعظم الإيمان. وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} أقوالاً فقال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة، وقال ابن عباس رضي الله تعنهما: لما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من تعلق به أهله وولده يقولون: ننشدك الله أن لا تضيعنا، فيرق لهم فيقيم عندهم ويدع الهجرة فنزلت، فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقربائه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه حتى رخص لهم بعد ذلك. قال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة أي: لا تتخذوهم أولياء يمنعوكم عن الإيمان ويصدوكم عن الطاعة لقوله تعالى: {إن استحبوا} أي: اختاروا {الكفر على الإيمان} أي: أقاموا عليه، تركوا الإيمان بالله ورسوله {ومن يتولهم منكم} أي: ومن يختر المقام معهم على الهجرة والجهاد {فأولئك هم الظالمون} أي: فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله تعالى واختيار الكفار على
المؤمنين. ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل قوله تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة {إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} أي: أقرباؤكم مأخوذ من العشرة، وقيل: من العَشَرة، فإن العشرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة {وأموال اقترفتموها} أي: اكتسبتموها {وتجارة تخشون كسادها} أي: عدم نفاقها بفراقكم لها {ومساكن ترضونها} أي: تستوطنونها راضين بسكناها {أحب إليكم من الله ورسوله} أي: الهجرة إلى الله ورسوله {وجهاد في سبيله} فقعدتم لأجل ذلك عن الهجرة والجهاد، أي: إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيل الله {فتربصوا} أي: انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ {حتى يأتي الله بأمره} . قال مجاهد بقضائه أي: عقوبة عاجلة أو آجلة، وقال مقاتل بفتح مكة {وا لا يهدي القوم} أي: لا يخلق الهداية في قلوب {الفاسقين} أي: الخارجين عن طاعته، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا. {لقد نصركم الله} النصرة المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم {في مواطن} أي: أماكن للحرب {كثيرة} كبدر وقريظة والنضير، والمراد بذلك غزواته صلى الله عليه وسلم وسراياه وبعوثه، وكانت غزواته صلى الله عليه وسلم على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه قاتل في ثمان منها، وأمّا جميع غزواته وسراياه وبعوثه فقيل: سبعون، وقيل: ثمانون {ويوم} أي: واذكر يوم {حنين} وهو واد بين مكة والطائف أي: يوم قتالكم فيه هوازن وقوله تعالى: {إذ أعجبتكم كثرتكم} بدل من يوم حنين، وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وقد بقي من شهر رمضان أيام، وخرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف، واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا ستة عشر ألفاً. وقال الكلبيّ: كانوا عشرة آلاف، وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً، عشرة آلاف الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء، وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا، وبالجملة كانوا عدداً كثيراً، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة إعجاباً بكثرتهم، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وقيل: قائلها أبو بكر رضي الله عنه، وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا القول بعيد جداً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان في أحواله كلها متوكلاً على الله تعالى منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها ثم اقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم المشركون وتخلوا عن الذراري ثم تنادوا: يا حماة السوادة اذكروا الفضائل فتراجعوا وانكشف المسلمون حتى بلغ منهزمهم مكة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجام بغلته، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث وناهيك بهذا شهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تناهي شجاعته قال البراء بن عازب: كانت
هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم واستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان، قال البراء: والذي لا إله إلا هو ما ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم دبره قط قد رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب والعباس أخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب فطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يولي ثم قال للعباس: «وكان صيتاً صح يا عباس» فنادى: «يا عباد الله يا أصحاب الشجرة» وهم أصحاب بيعة الرضوان المذكورون في قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} (الفتح، 18) يا أصحاب سورة البقرة قال الطيبي وهم المذكورون في قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} (البقرة، 285) وقيل: الذين أنزلت عليهم سورة البقرة فرجعوا جماعة واحدة يقولون: لبيك لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا حين حمي الوطيس» أي: اشتدّ الحرب ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاً من تراب فرماهم ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة» فانهزموا. وروي أنه صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم أخذ قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل بها وجوههم، ثم قال: «شاهت الوجوه» . قالت سلمة بن الأكوع: فما خلق الله تعالى منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله تعالى. {فلم تغن} أي: الكثرة. {عنكم شيأ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} أي: برحبها أي: بسعتها لا تجدون فيها مقراً تطمئن إليه نفوسكم من شدّة الرعب، ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه. {ثم وليتم مدبرين} أي: الكفار ظهوركم مدبرين أي: منهزمين، والإدبار الذهاب إلى خلف خلاف الإقبال. {ثم أنزل الله سكينته} أي: رحمته التي سكنوا إليها وأمنوا. {على رسوله وعلى المؤمنين} أي: على الذين انهزموا، فردّوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لما ناداهم العباس بإذنه صلى الله عليه وسلم وقيل: هم الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقع الحرب. {وأنزل جنوداً} أي: ملائكة {لم تروها} بأعينكم قال سعيد بن جبير: مد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشرة ألفاً. وروي أنّ رجلاً من بني النضير قال: للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال الذين عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «تلك الملائكة» {وعذب الذين كفروا} بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب المال. {وذلك جزاء الكافرين} أي: ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قسم ما أفاء الله عليه يوم حنين في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، لم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معاشر الأنصار: ألم أجدكم ضلالاً، فهداكم الله بي، وكنتم متفرّقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أنّ قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله، لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أما ترضون أمن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبيّ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، لو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار
شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» وعن رافع بن خديج أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطي عباس بن مرداس دون ذلك فقال العباس بن مرداس: *أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع* *فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع* *وما كنت دون امرىء منهما ... ومن يخفض اليوم لا يرفع* قال: فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم له مائة. {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} منهم بالتوفيق للإسلام {وا غفور رحيم} فيتجاوز عنهم، ويتفضل عليهم. روي أنّ ناساً منهم جاؤوا فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّ الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا قيل: سبي يومئذٍ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل ما لا يحصى فقال: إنّ عندي ما ترون إنّ خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً، والحسب ما يعدّه الإنسان من مفاخر آبائه، كنوا بذلك عن اختيار الذراري والنساء على استرجاع الأموال لأنّ تركهم في ذلّ الأسر يفضي إلى الطعن في أحسابهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنّ هؤلاء جاؤوا مسلمين وإنّا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يردّه فشأنه أي: فليلزم شأنه وأمره ومن لا تطب نفسه ليعطنا وليكن قرضاً علينا أي: بمنزلة القرض حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه فقالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعلّ فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا. {يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} أي: ذوو نجس لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس أو إنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم أو جعلوا كأنهم النجاسات بعينها مبالغة في وصفهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن رحمه الله تعالى: من صافح مشركاً توضأ وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين والنجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع. {فلا يقربوا المسجد الحرام} أي: لنجاستهم وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة والمنع من دخول الحرم. قال العلماء: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام: أحدها: الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخل المسجد بحال ذمياً كان أو مستأمناً لظاهر هذه الآية وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم لا يؤذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وجوّز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. القسم الثاني: من بلاد الإسلام الحجاز فيجوز للكافر دخوله بالإذن ولا يقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام. لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى
لا أدع إلا مسلماً» فأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن قدم منهم تاجراً ثلاثاً وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول وأمّا في العرض فمن جدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشأم. والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمّة أو أمان لكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة. وقوله تعالى: {بعد عامهم هذا} إشارة إلى العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ونادى عليّ رضي الله عنه ببراءة وهو سنة تسع من الهجرة وقبل سنة حجة الوداع ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يقرأ على مشركي مكة أوّل براءة وينبذ إليهم عهدهم وأنّ الله بريء من المشركين ورسوله قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدّة لانقطاع السبيل وفقد الحمولات وذلك أنّ أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون فلما امتنعوا من دخول الحرم خافوا الفقر وضيق العيش فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {وإن خفتم عيلة} أي: فقراً وحاجة بانقطاع تجارتهم عنكم {فسوف يغنيكم الله من فضله} أي: من عطائه وتفضله من وجه آخر وقد أنجز الله تعالى وعده بأن أرسل المطر عليهم مدراراً فكثر خيرهم وأسلم أهل جدّة وصنعاء وتبالة وجرش وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله تعالى ما كانوا يخافون، وتبالة بفتح التاء وجرش بضمّ الجيم وفتح الراء وشين معجمة قريتان من قرى اليمن وقيد ذلك بقوله تعالى: {إن شاء} لتنقطع الآمال إليه تعالى ولينبه على أنه متفضل في ذلك وأنّ الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام. دون عام {إنّ الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة {عليم} أي: بوجوه المصالح {حكيم} أي: فيما يعطي ويمنع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال من أين تأكلون فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب كما قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر} (التوبة، 29) فإن قيل: اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف أخبر الله تعالى عنهم بذلك؟ أجيب: بأنّ من اعتقد أن العزير ابن الله وأنّ المسيح ابن الله فليس بمؤمن بل هو مشرك وبأنّ من كذب رسولاً من الرسل فليس بمؤمن واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء {ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله} من الشرك وأكل أموال الناس بالباطل وتبديل التوراة والإنجيل وغير ذلك {ولا يدينون دين الحق} أي: الثابت الذي هو ناسخ لسائر الأديان وهو الإسلام كما قال تعالى: {إنّ الدين عند الله الإسلام} (آل عمران، 19) {من الذين أوتوا الكتاب} أي: اليهود والنصارى بيان للذين لا يؤمنون {حتى يعطوا الجزية} وهي الخراج المضروب على رقابهم في نظير سكناهم في بلاد الإسلام آمنين مأخوذ من المجازاة لكفنا عنهم. وقيل من الجزاء بمعنى القضاء قال الله تعالى: {واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً} (البقرة، 48) أي: لا تقضي وقوله تعالى: {عن يد} حال من الضمير أي: منقادين مقهورين يقال لكل من أعطي شيئاً كرهاً من غير طيب نفس أعطي عن يد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم وهل يجوز أن يوكلوا مسلماً في دفعها أو لا ينبغي على تفسير الصغار المذكور في قوله تعالى: {وهم صاغرون}
أي: أذلاء منقادون لحكم الإسلام ويكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم بما لا يعتقدون حله أن يجوز التوكيل على هذا تفسيره ـ أن يجلس الآخذ ويقوم الكافر ويطأطىء رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه وهما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من الجانبين: مردود بأن هذه الهيئة باطلة ودعوى سنيتها أو وجوبها أشدّ بطلاناً ولم ينقل أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا أحداً من الخلفاء الراشدين فعل شيئاً من ذلك وعلى تفسيرها بما ذكر يمتنع التوكيل إذا قيل بوجوبه لا باستحبابه. تنبيه: مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ولكن ألحق بهم المجوس لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وقال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وكذا من زعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود صلى الله عليهما وسلم ومن أحد أبويه كتابيّ والآخر وثنيّ وأولاد من تهوّد أو تنصر قبل النسخ أو شككنا في وقت التهوّد والتنصر أكان قبل النسخ أم بعده؟ فلا تعقد لأولاد من تهوّد أو تنصر بعد النسخ في ذلك الدين ولا لعبدة الأوثان والشمس والملائكة والسامرة والصابئون إن خالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم فليسوا منهم وإلا فمنهم، وعن مالك تؤخذ الجزية من كل كافر إلا المرتد، وعن أبي حنيفة إلا مشركي العرب، وأقلّ الجزية دينار لكل سنة عن كل واحد لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «خذ من كلّ حالم» ـ أي: محتلم ـ ديناراً صححه ابن حبان والحاكم وتؤخذ من زمن وشيخ هرم وأعمى وراهب وأجير وفقير عجز عن كسب فإذا تمت سنة وهو معسر ففي ذمّته حتى يوسر، وقال أبو حنيفة على الغنيّ ثمانية وأربعون درهماً وعلى المتوسط نصفها وعلى الفقير الكسوب ربعها ولا شيء على فقير غير كسوب ولا بدّ أن يكون المأخوذ منه حرّاً ذكراً غير صبيّ ومجنون وتلحق إفاقة مجنون كثرت فإن قلّ زمن الجنون كساعة من شهر فلا أثر لها ولو بلغ ابن ذمي ولم يعط جزية ألحق بمأمنه وإن أعطاها عقد له. وقيل: عليه كجزية أبيه ولا يحتاج إلى عقد له اكتفاء بعقد أبيه ومن مات ممن عقدت له الجزية أو أسلم أو جنّ أو حجر عليه بفلس أو سفه بعد سنة فجزيته كدين آدميّ أو في أثنائها تقسط وتسقط بالإسلام والموت عند أبي حنيفة. {وقالت اليهود عزير ابن الله} اختلفوا في قائل هذه المقالة على أقوال: أحدها قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال: إنّ الله فقير ونحن أغنياء وثانيها قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: كيف نتبع دينك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أنّ عزيراً ابن الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذين القولين القائل إنما هو بعض اليهود إلا أنّ الله تعالى نسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على اسم الواحد يقال: فلان ركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لم يجالس إلا واحداً. وثالثها: أنّ هذا المذهب لعله كان ثابتاً فيهم ثم انقطع فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولا عبرة بإنكار اليهود لذلك فإنّ الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على
التكذيب واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنّ اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرّع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه أن يردّ إليه الذي نسخ من صدورهم فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله تعالى نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه وقال: يا قوم قد آتاني الله تعالى التوراة وردّها إليّ فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله تعالى ثم إنّ التابوت أنزل بعد ذهابه عنهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله وقيل: لما رفع الله تعالى عنهم التوراة خرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم، فحفظه التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لا يخرم منها حرفاً، فقالوا: ما جمع الله التوراة في قلبه وهو غلام إلا أنه ابنه، وقال الكلبيّ: إنّ بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة وكان عزير إذ ذاك صغيراً فاستصغره فلم يقتله فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة فبعث الله تعالى عزيراً ليجدّد لهم التوراة ويكون لهم آية بعد ما أماته الله تعالى مائة سنة وأرسل إليه ملكاً بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت التوراة في صدره فلما أتاهم وقال لهم: أنا عزير كذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فاتل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره ثم إنّ رجلاً منهم قال: إنّ أبي حدّثني أنّ التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوا بها ما كتبه عزير فلم يجدوه غادر حرفاً فقالوا: إنّ الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله.u وقرأ عاصم والكسائيّ عزير بالتنوين والباقون بغير تنوين، قال الزجاج: الوجه إثبات التنوين فقوله: عزير مبتدأ، وقوله: ابن خبره، وإذا كان كذلك فلا بدّ من التنوين في حال السعة لأنّ عزيراً ينصرف سواء كان عربياً أم عجمياً وسبب كونه منصرفاً أمران: أحدهما: أنه اسم خفيف فينصرف وإن كان أعجمياً كهود ولوط والثاني: أنه على صيغة التصغير وأنّ الأسماء الأعجمية لا تصغر. وأمّا الذين تركوا التنوين فلهم فيه أوجه: أحدها أنه أعجميّ معرفة فوجب أن لا ينصرف. وثانيها: قال الفرّاء: نون التنوين ساكنة من عزير والباء من ابن الله ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين فحذف التنوين للتخفيف، وردّ هذا الوجه بأنه مخالف لما تقرّر من أن الوجه عند ملاقاة التنوين للساكن التحريك لا الحذف. وثالثها: أنّ الابن وصف والخبر محذوف والتقدير عزير بن الله معبودنا، وردّ هذا أيضاً بأنه يؤدّي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدّر لأنّ من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر توجه الإنكار إلى الخبر فكان المقصود بالإنكار قولهم: عزير ابن الله معبودنا وحصل تسليم كونه ابن الله ومعلوم أن ذلك كفر. {وقالت النصارى المسيح} أي: عيسى {ابن الله} واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقيل: إنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بلا أب، وقيل: إنّ النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى عليه الصلاة والسلام يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع
يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ثم قال بولص لليهود: إن الحق مع عيسى وقد كفرنا ومصيرنا إلى النار ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار وكان له فرس يقاتل عليه يقال له العقاب فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه وقال للنصارى: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه الكنيسة ونصروه ودخل بيتاً فيها مكث فيه سنة لا يخرج منه ليلاً ولا نهراً حتى تعلم الإنجيل ثم خرج منه وقال: إنه نودي أنّ الله قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ثم عمد إلى ثلاث رجال اسم واحد منهم نسطورا والآخر يعقوب والآخر ملكا فعلم نسطورا أنّ عيسى ومريم والإله ثلاث وعلم يعقوب أنّ عيسى ليس بإنسان ولا جسم ولكنه ابن الله وعلم ملكا أنّ عيسى هو الإله لم يزل ولا يزال فلما اشتهر ذلك فيهم دعا كل واحد منهم وقال له: أنت خالصتي فادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من اليلاد ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني، وقال لكل واحد منهم: سأذبح نفسي تقرّباً إلى عيسى، ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه وتفرّق أولئك الثلاثة فذهب واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس وواحد إلى ناحية أخرى وأحكم كل واحد منهم مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك طوائف من الناس فتفرّقوا واختلفوا ووقع القتال فهذا هو السبب في وقوع الكفر في طوائف النصارى هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى قال الرازي عقب هذه الحكاية: والأقرب عندي أن يقال ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف ثم إنّ القوم لأجل عداوة القوم بالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوّة الحقيقية والجهال قبلوا ذلك وفشا هذا المذهب الفاسد في اتباع عيسى عليه السلام والله سبحانه وتعالى أعلم بالحقيقة {ذلك قولهم بأفواههم} أي: لا مستند لهم عليه. فإن قيل: كل قول يقال بالفم فما معنى بأفواههم؟ أجيب: بأنه قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ تفوهوا به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تدل على معان وذلك أنّ القول الدالّ على معنى لفظه مقول بالفم ومعناه مؤثر في القلب وما لا معنى له مقول بالفم لا غير أو بأن يراد بالقول المذهب كقولهم قول الشافعيّ رحمه الله تعالى يريدون مذهبه وما يقول به كأنه قيل: ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم لأنه لا حجة معه ولا شبهة حتى تؤثر في القلوب وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له ولا ولد لم تكن لهم شبهة في انتفاء الولد قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولاً مقروناً بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زوراً {يضاهون} قال ابن عباس: يشابهون، وقال مجاهد: يواطئون، وقال الحسن: يوافقون {قول الذين كفروا من قبل} أي: من قبلهم ولا بدّ من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قول الذين كفروا ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً والمعنى أنّ الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم فالكفر قديم فيهم غير مستحدث أو يضاهي قول المشركين: الملائكة بنات الله، وقيل: الضمير للنصارى أي: يضاهي قولهم: المسيح ابن الله قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم. وقرأ عاصم بكسر الهاء وبعدها همزة مضمومة والباقون بضمّ الهاء ولا همز بعدها وقوله تعالى: {قاتلهم الله} دعاء
عليهم بالهلاك فإنّ من قاتله الله تعالى هلك أو تعجب من شناعة قولهم كما يقال لمن فعل فعلاً يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله وقيل: لعنهم الله. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كل شيء في القرآن مثله فهو لعن {أنى يؤفكون} أي: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل مع قيام الدليل بأنّ الله تعالى واحد أحد فجعلوا له ولداً تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً وهذا التعجب راجع إلى الخلق لأنّ الله تعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم فالله تعالى عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل. {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} أي: اتخذ اليهود أحبارهم أي: علماءهم والحبر في الأصل العالم من أي طائفة كان واختص في العرف بعلماء اليهود من ولد هرون وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حبر بالفتح وينكر الكسر، واتخذ النصارى رهبانهم أي: عبادهم أصحاب الصوامع، والراهب في الأصل من تمكنت الرهبة من قلبه فظهر آثارها على وجهه ولباسه واختص في العرف بعلماء النصارى أصحاب الصوامع {أرباباً من دون الله} لأنهم أطاعوهم في تحريم ما أحلّ الله تعالى وتحليل ما حرّم الله تعالى كما تطاع الأرباب في أوامرهم ونحوه تسمية أتباع الشيطان فيما يوسوس به عباده كما قال تعالى: {بل كانوا يعبدون الجنّ} (سبأ، 41) وقال إبراهيم الخليل عليه السلام: {يا أبت لا تعبد الشيطان} ، وعن عدي بن حاتم أنه قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فوصل إلى هذه الآية فقلت: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ويحلون ما حرّمه فتحلونه، قلت: بلى، قال: تلك عبادتهم» قال عبد اللهبن المبارك: *وهل بدّل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها* فإن قيل: إنه تعالى كفرهم بسبب أن أطاعوا الأحبار والرهبان فالقاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره على ما هو قول الخوارج. أجيب: بأنّ الفاسق وإن كان يقبل دعوى الشيطان إلا أنه لا يعظمه بل يلعنه ويستخف به وأمّا هؤلاء فكانوا يقبلون قول الأحبار والرهبان ويعظمونهم وقد يبالغ بعض الجهال في تعظيم شيخه بحيث يميل طبعه إلى القول بالحلول والاتحاد وذلك الشيخ إذا كان طالباً للدنيا بعيداً عن الآخر بعيداً عن الدين قد يلقي إليهم أنّ الأمر كما يقولون ويعتقدون، وعن الفضيل رضي الله تعالى عنه ما أبالي أطعت مخلوفاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة {والمسيح بن مريم} أي: اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابناً فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه ابن مريم فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته للآدميين في الحمل والولادة والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية {وما أمروا} أي: في التوراة والإنجيل {إلا ليعبدوا} أي: ليطيعوا على وجه التعبد {إلهاً واحداً} أي: لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة وهو الله تعالى وأما طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة طاعة الله تعالى وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} صفة ثانية أو استئناف مقرّر للتوحيد {سبحانه عما يشركون} أي: تعالى وتنزه عن أن يكون له
شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية يستحق التعظيم والإجلال. {يريدون} أي: رؤساء اليهود والنصارى {أن يطفئوا نور الله} أي: شرعه وبراهينه الدالة على واحدانيته وتقديسه عن الولد أو القرآن أو نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم {بأفواههم} أي: بأقوالهم الكاذبة وشركهم وفي تسمية دينه أو القرآن أو نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم نوراً ومعاندتهم إطفاءه بأفواههم تمثيل لحالهم في طلبهم أن يبطلوا نور الله بالتكذيب بالشرك بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق والإضاءة ليطفئه بنفخه ويطمسه {ويأبى الله} أي: لا يرضى {إلا أن يتمّ نوره} بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام. فإن قيل: كيف جاز أبى الله إلا كذا ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيداً؟ أجيب: بأنه أجرى أبى مجرى لم يرد ألا ترى كيف قوبل {يريدون أن يطفئوا} بقوله: {ويأبى الله} وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره وقوله تعالى: {ولو كره الكافرون} محذوف الجواب لدلالة ما قبله أي: ولو كرهوا غلبته. {هو الذي أرسل رسوله} محمداً صلى الله عليه وسلم {بالهدى} أي: القرآن الذي أنزله عليه وجعله هادياً له {ودين الحق} أي: دين الإسلام {ليظهره} أي: ليعليه {على الدين كله} أي: جميع الأديان المخالفة له وهذا كالبيان لقوله تعالى: {ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره} ولذلك كرّر {ولو كره المشركون} غير أنه وضع المشركون موضع الكافرون للدلالة على أنهم ضمو الكفر بالرسول إلى الشرك بالله تعالى. فإن قيل: الإسلام لم يضمّ غالباً لسائر الأديان في أرض الصين والهند والروم وسائر بلاد الكفر أجيب عن ذلك بأوجه: الأوّل: بأنه لا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن ذلك في جميع مواضعهم فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب وغلبوا النصارى على بلاد الشأم وما والاها إلى ناحية الروم والمغرب وغلبوا المجوس على ملكهم وغلبوا عُبَّاد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الهند والترك وكذا سائر الأديان فثبت أنّ الذي أخبر الله تعالى عنه في هذه الآية قد وقع وحصل فكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً. الوجه الثاني: ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: هذا وعد من الله تعالى بجعل الإسلام غالباً على جميع الأديان وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى عليه السلام فإنه لا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام، وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج. الوجه الثالث: أنّ المراد إظهاره في جزيرة العرب وقد حصل ذلك فإنه تعالى ما أبقى فيها أحداً من الكفار، وقال ابن عباس: الهاء في {ليظهره} إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره عليها حتى لا يخفى عليه شيء منها. {يأيها الذين آمنوا إنّ كثيراً من الأحبار} أي: علماء اليهود {والرهبان} أي: عباد النصارى {ليأكلون} أي: يتناولون {أموال الناس بالباطل} كالرشا وإنما عبر بالأكل لأنه معظم المراد من المال وإشارة إلى تحقير الأحبار والرهبان بأن يفعلوا ما ينافى مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه بإظهار الزهد والمبالغة في التدين قال الرازي: ولعمري من تأمّل أحوال الناس في زماننا وجد هذه الآيات كأنها
ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعظمة مثل الملائكة المقرّبين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله {ويصدّون} الناس {عن سبيل الله} أي: دينه ولما كان مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه بين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين أمّا المال فهو المراد بقوله تعالى: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} (التوبة، 34) وأما الجاه فهو المراد بقوله: {ويصدّون عن سبيل الله} فإنهم لو أقرّوا بأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم على الحق لزمهم متابعته وحينئذ كان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم ولأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعته صلى الله عليه وسلم ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة وفي منع الخلق من قبول دينه الحق {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} يحتمل أن يراد بقوله: {الذين} أولئك الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله تعالى: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} ووصفهم أيضاً بالبخل الشديد والامتناع من إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ولا يؤدّون حقه ويكون اقترانهم بالمرتشين من اليهود والنصارى تغليظاً ودلالة على أنّ من يأخذ منهم السحت ومن لا يعطي منكم بطيب زكاة ماله سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم وأن يراد كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين. لما روي عن زيد بن وهب قال مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلت بهذه الأرض فقال: كنا بالشأم فقرأت: {والذين يكنزون الذهب} الآية فقال معاوية: ما هذا فينا ما هذا إلا في أهل الكتاب، فقلت: إنها فيهم وفينا فصار ذلك سبباً لوحشة بيني وبينه فكتب إليّ عثمان أن أقبل إلي فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريباً فقلت: إني والله لن أدع ما كنت أقول وأصل الكنز في كلام العرب الجمع وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز يقال: هذا جسم مكتنزاً الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم على قولين: الأوّل: وهو ما عليه الأكثر أنه المال الذي لم تؤدّ زكاته لما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني: شدقيه ـ ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا {ولا تحسبّن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} (آل عمران، 180) الآية» ، والشجاع: الحية، والأقرع صفته لطول عمره لأنّ من طال عمره تمزق شعره وذهب وهي صفة أخبث الحيات، والزبيبتان: الزائدتان في الشدقين. وروي لما نزلت هذه الآية كبر على المسلمين فذكر عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم» وقال ابن عباس في قوله تعالى: {ولا ينفقونها في سبيل الله} يريد الذين
لا يؤدّون زكاة أموالهم، قال القاضي عياض تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه بل الواجب أن يقال: الكنز هو الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات وبين ما يلزم من نفقة الحج وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كلّ هذا الآثام وأن يكون داخلاً في الوعيد والقول الثاني: إنّ المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم واحتج الذاهبون إلى هذا القول بعموم الآية وبما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: «تبا الذهب تبا للفضة» قالها ثلاثاً فقالوا له: أي مال نتخذ قال: «لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه» وقال عليه الصلاة والسلام: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها» وتوفي شخص فوجد في مئزره دينار فقال صلى الله عليه وسلم «كية» وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: «كيتان» وأجاب القائلون بالأوّل بأنّ هذا كان قبل فرض الزكاة فأمّا بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن فيه ويؤدّي ما أوجب عليه فيه ثم يعاقبه. وقد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن هذه الآية فقال: كانت قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال وقال ما أبالي لو أنّ لي مثل أحد ذهباً أعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» وقال صلى الله عليه وسلم «ما أدّي زكاته فليس بكنز» وكان في زمانه صلى الله عليه وسلم جماعة معهم الأموال كعثمان وعبد الرحمن بن عوف وكان عليه الصلاة والسلام يعدّهم من أكابر الصحابة وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل وإلا دخل في الورع والزهد في الدنيا والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه وكونه أدخل في الورع لأمور منها أن كسب المال شاق شديد وحفظه بعد حصوله أشدّ وأشق وأصعب فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل وأخرى في طلب الحفظ ثم إنه لا ينتفع منها إلا بالقليل ومنها أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان كما قال تعالى: {إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} (العلق، آيتان: 6 ـ 7) فالطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ويوقع في الخذلان والخسران ومنها أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه. فإن قيل: قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى» أجيب: بأنّ اليد العليا إنما إفادته صفة الخيرية لأنه لما أعطى ذلك القليل تسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليل فحصل له الخيرية وبسبب أنه حصل للفقير بذلك الزيادة القليلة حصلت له المرجوحية. فإن قيل: إنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة ثم قال: {ولا ينفقونها} فلم أفرد الضمير؟ أجيب: بأنّ الضمير راجع إلى المعنى دون اللفظ لأنّ كل واحد منهما جملة وافية وعدّة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} (الحجرات، 9) وقيل: ذهب به إلى المكنوز، وقيل: إلى الأموال، وقيل: التقدير ولا ينفقون الفضة وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث أنهما معاً يشتركان في ثمنية الأشياء أو أن ذكر أحدهما يغنى عن الآخر كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} (الجمعة، 11) جعل
الضمير للتجارة وقيل: التقدير والذهب كذلك كما أنّ قول القائل: فإني وقيار بها لغريب أي: وقيار كذلك. فإن قيل: ما السبب في كونه خصهما بالذكر من سائر الأموال؟ أجيب: بأنهما خصا من دون سائر الأموال لأنهما أشرف الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز ومن كنزا عنده لم يعدم سائر أجناس المال فكان ذكر كنزهما دليلاً على ما سواهما ثم إنه تعالى لما ذكر من يكنز الذهب والفضة قال تعالى: {فبشرهم} أي: أخبرهم {بعذاب أليم} أي: مؤلم وعبر بالبشارة على سبيل التهكم. {يوم يحمى عليها} أي: الكنوز بأن تدخل {في نار جهنم} فيوقد عليها {فتكوى} أي: تحرق {بها} أي: بهذه الأموال {جباههم وجنوبهم وظهورهم} قال ابن مسعود رضي الله عنه لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته، وسئل أبو بكر الورّاق لم خصت الجباه والجنوب والظهور بالكي قال: لأنّ الغنيّ صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته وإذا جلس الفقير بجنبه تباعد عنه وولى عليه ظهره، وقيل: المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع أما من مقدمه فعلى الجبهة وأمّا من خلفه فعلى الظهر وأمّا من يمينه ويساره فعلى الجنبين، وقيل: لأنّ جمعهم وإمساكهم المال كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدّي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحة له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره كلما بردت عليه أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار» وقوله تعالى: {هذا ما كنزتم} على إرادة القول أي: يقال لهم هذا ما كنزتم {لأنفسكم} أي: لمنفعتها وكان عين مضرتها وسبب تعذبيها {فذوقوا ما كنتم تكنزون} أي: تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: «هم الأخسرون ورب الكعبة» فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمّي من هم قال: «هم؟ الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم» . {إنّ عدّة الشهور} أي: عددها {عند الله اثنا عشر شهراً} وهي المحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وشهر ربيع الثاني وجمادى الأوّل وجمادى الثاني ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوّال وذو القعدة وذو الحجة، هذه شهور السنة القمرية التي هي مبنية على سير القمر في المنازل وهي شهور العرب التي يعتدّ بها المسلمون في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورة واحدة تامّة وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف قال المفسرون: وسبب نزول هذه الآية من أجل النسىء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية
فكان حجهم يقع تارة في وقته وتارة في المحرّم وتارة في صفر وتارة في غيرهما من الشهور فأعلم الله تعالى أنّ عدة الشهور سنة المسلمين التي يعتدون بها اثنا عشر شهراً على منازل القمر وسيره فيها وهو قوله تعالى: {إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً} أي: في علمه وحكمه {في كتاب الله} أي: في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل وهو أصل الكتب التي أنزلها الله تعالى على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل فيما أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصواباً {يوم خلق السموات والأرض} أي: إنّ هذا الحكم حكم به قضاه يومئذ أي: السنة اثنا عشر شهراً {منها} أي: الأشهر {أربعة حرم} ثلاثة سواء ذو القعدة بفتح القاف وذو الحجة بكسر الحاء على المشهور فيهما وسميا بذلك لقعودهم عن القتال في الأوّل ولوقوع الحج في الثاني، والمحرّم بتشديد الراء المفتوحة سمي بذلك لتحريم القتال فيه وقيل: لتحريم الجنة فيه على إبليس ودخلته اللام دون غيره من الشهور لأنه أوّلها فعرفوه كأنه قيل: هذا الشهر الذي ابتدأ أول السنة وواحد فرد وهو رجب ويجمع على أرجاب ورجاب ورجوب ورجبات، ويقال له: الأصم والأصب، وقيل: لم يعذب الله أمّة في شهر رجب ورد عليه بأنّ الله تعالى أغرق قوم نوح فيه قاله الثعلبي، وهذا الترتيب الذي ذكرناه في عد الأشهر الحرم وجعلها من سنتين هو الصواب كما قاله النوويّ في شرح مسلم ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: «ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» وعدها الكوفيون من سنة واحدة فقالوا: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، قال ابن دحية: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها مرتبة فعلى الأوّل يبتدىء بذي القعدة وعلى الثاني بالمحرم ومعنى الحديث أنّ الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسىء الذي كان في الجاهلية وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة وكانت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي القعدة ومعنى الحرم أنّ المعصية فيها أشدّ عقاباً والطاعة فيها أكثر ثواباً والعرب كانوا يعظمونها جدّاً حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرّض له. فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة فما السبب في هذا التمييز؟ أجيب: بأنّ هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلع الرسالة وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة {ذلك} أي: تحريم الأشهر الأربعة {الدين القيم} أي: المستقيم وهو دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والعرب ورثوه منهما، وقيل: المراد بالدين الحساب يقال: الكيس من دان نفسه أي: حاسبها، والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية على
هذا التقدير ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدد المستوي وقال الحسن: ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير فالقيم هنا بمعنى القائم الدائم الذي لا يزول وهو الدين الذي فطر الناس عليه {فلا تظلموا فيهنّ} أي: الأشهر الحرم {أنفسكم} بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزراً لأنّ الله تعالى خص هذه الشهور بمزيد احترام في آية أخرى وهو قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (البقرة، 197) فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضاً إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيهاً على زيادتها في الشرف وقال ابن عباس: إنّ المراد فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقاً في جميع العمر قال الفراء: والأوّل أولى لأنّ العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة فيهنّ فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها: والأصل فيه أنّ جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ويكنى عن جمع الكثرة كما يكنى عن واحدة مؤنثة كما قال حسان: *لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما* قال: يلمعن ويقطرن لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ولو جمع جمع الكثرة لقال: تلمع وتقطر هذا في الاختيار ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة: *ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب* فقال: بهن، والسيوف جمع كثرة، وقيل: المراد بالظلم المقاتلة في هذه الأشهر، وقيل: النسيء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الذي أمر الله تعالى بإقامته فيه إلى شيء آخر ويغيرون تكاليف الله تعالى والجمهور على أنّ حرمة المقاتلة في الأشهر الحرم منسوخة، وعن عطاء لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم والأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأوّل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوّال وذي القعدة، وقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة} أي: جميعاً في كل الشهور {كما يقاتلونكم كافة واعلموا أنّ الله مع المتقين} بالعون والنصرة ومن كان معه نصر لا محالة. {إنما النسيء} أي: التأخير لحرمة شهر إلى آخر كما كانت الجاهلية تفعل كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرّموا مكانه شهراً آخر ورفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرّد العدد فكانوا يؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر فيحرّمون صفر ويستحلون المحرم فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع وهكذا شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها وكانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي القعدة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين وكذا باقي شهور السنة فوافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة في ذي القعدة قبل حجة الوداع بسنة ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافق حجه في شهر ذي الحجة وهو شهر الحج المشروع فوقف بعرفة في اليوم التاسع وخطب بالناس في اليوم العاشر وأعلمهم أنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ـ الحديث المتقدّم ـ وأمرهم بالمحافظة على ذلك لئلا يتبدل في مستأنف الأيام وقد رجع المحرّم إلى موضعه الذي وضعه الله تعالى وذلك بعد دهر طويل. وروي عن أبي
بكر رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته لنا: «أيّ شهر هذا» قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس ذا الحجة» قلنا: بلى قال: «أيّ بلد هذا» قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس البلد الحرام» قلنا: بلى قال: «فأي يوم هذا» قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس يوم النحر» قلنا: بلى قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل بلغت» قلنا: نعم قال: «اللهم اشهد» واختلفوا في أوّل من نسأ النسيء فقال ابن عباس: بنو مالك بن كنانة وكان يليه أبو ثمامة وجنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يقوم على جمل بالموسم فينادي إنّ آلهتكم قد أحلت لكم المحرّم فأحلوه ثم ينادي في قابل إنّ آلهتكم قد حرمت عليكم المحرّم فحرّموه وقال الكلبي: أوّل من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة، وقيل: أول من فعل ذلك عمرو بن لحي وهو أوّل من سيب السوائب وقال فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم «رأيت عمرو بن لحيّ يجرّ قصبه في النار» . وقوله تعالى: {زيادة في الكفر} معناه أنه تعالى حكى عنهم أنواعاً كثيرة من الكفر فلما ضموا تحريم ما أحل الله تعالى وتحليل ما حرّم الله تعالى وهو كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المتقدّمة من الكفر زيادة في الكفر لأنّ الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفراً فزادتهم رجساً إلى رجسهم كما أنّ المؤمن كلما أحدث طاعة ازدادا إيماناً فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون. وقرأ ورش النسيّ بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها فبقيت ياء مضمومة مشدّدة والباقون بهمزة مضمومة هذا في الوصل وأمّا الوقف فورش يقف بياء مشدّدة ساكنة وحمزة كذلك وله فيه الروم والاشمام والباقون بهمزة ساكنة {يضل به} أي: بهذا التأخير الذي هو النسيء {الذين كفروا} قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء وفتح الضاد لقوله تعالى: {زين لهم سوء أعمالهم} والباقون بفتح الياء وكسر الضاد على معنى أنهم هم الضالون لقوله تعالى: {يحلونه} أي: يحلون النسيء من الأشهر الحرم {عاماً} ويحرّمون مكانه شهراً آخر {ويحرّمونه عاماً} فيتركونه على حرمته وإنما فعلوا ذلك {ليواطؤا} أي: ليوافقوا {عدّة} أي: عدد {ما حرّم الله} من الأشهر فلا يزيدون على تحريم أربعة أشهر ولا ينقصون عنها ولا ينظرون إلى أعيانها {فيحلوا ما حرّم الله} بمواطأة العدة من غير مراعاة الوقت الذي يحلون إليه الأشهر الحرم {زين لهم سوء أعمالهم} قال ابن عباس: زين لهم الشيطان هذا العمل حتى حسبوا هذا القبيح حسناً {وا لا يهدي القوم الكافرين} أي: هداية موصلة إلى الاهتداء لما سبق لهم في الأزل أنهم من أهل النار، ولما رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة وحث على غزوة تبوك وكان ذلك الوقت زمان عسرة وشدّة حرّ وطابت ثمار المدينة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرّ شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز جلاً للناس أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم
فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فنزل: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم} بإدغام التاء في الأصل في المثلثة واجتلاب همزة الوصل إذ أصله تثاقلتم ومعناه تباطأتم وملتم عن الجهاد {إلى الأرض} والقعود فيها والاستفهام للتوبيخ، قال المحققون وإنما تثاقل الناس من وجوه: الأوّل: شدّة الزمان في الصيف والقحط، والثاني: بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به عادتهم في سائر الغزوات، والثالث: إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت، والرابع شدّة الحرّ في ذلك الوقت ثم قال لهم الله تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا} وغرورها {من الآخرة} بدل الآخرة ونعيمها {فما متاع الحياة الدنيا في} جنب متاع {الآخرة إلا قليل} أي: حقير لأنّ متاع الدنيا يفقد عن قريب ونعيم الآخرة باق على الدوام فلهدا السبب كان متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة قليلاً وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأنّ الله تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم يكن الجهاد واجباً لما عاتبهم الله على التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور في قوله تعالى: {إلا} أي: بإدغام نون إن الشرطية في لا في الموضعين {تنفروا} أي: تخرجوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم للجهاد {يعذبكم عذاباً أليماً} أي: مؤلماً في الآخرة لأنّ العذاب الأليم لا يكون إلا فيها أو بالإهلاك بسبب فظيع كقحط وظهور عدو، وقيل: باحتباس المطر عنهم قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر فكان ذلك عذابهم {ويستبدل قوماً غيركم} أي: يأت بهم بدلكم قال ابن عباس: هم التابعون وقال سعيد بن جبير: أبناء فارس، وقال أبو روق: هم أهل اليمن، قال الرازي: وهذه الوجوه ليست تفسيراً للآية لأنّ الآية ليس فيها إشعار بها بل حمل لذلك المطلق على صورة معينة شاهدوها وقال في الكشاف بعد ذكره ذلك والظاهر مستغن عن التخصيص {ولا تضروه شيئاً} أي: لا يقدح تثاقلكم في نصردينه شيئاً فإنه الغني عن كل شيء وفي كل أمر وقيل: الضمير راجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي: ولا تضروره لأنّ الله تعالى وعده أن ينصره ووعده كائن لا محالة {وا على كل شيء قدير} أي: فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا عدد كما قال تعالى: {إلا تنصروه} أي: محمداً صلى الله عليه وسلم أيها المؤمنون {فقد نصره الله} فإنه المتكفل بنصرة رسوله صلى الله عليه وسلم في إعزاز دينه وإعلاء كلمته أعنتموه أو لم تعينوه فإنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد وقد نصره {إذ} أي: حين {أخرجه الذين كفروا} من مكة حين مكروا به حيث تشاوروافي قتله أو إخراجه أو إثباته في دار الندوة فكان ذلك لإذن الله له في الخروج من بينهم حالة كونه {ثاني اثنين} أي: أحدهما أبو بكر رضي الله عنه لا ثالث لهما لم يبصرهما إلا الله تعالى وقوله تعالى: {إذ} بدل من إذ قبله {هما في الغار} أي: غار ثور الذي في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على مسيرة ساعة منها لما كمنا فيه ثلاث ليال ليفتر عنهما الطلب وذلك قبل أن يصلا إليكم ويعوّلا في النصر عليكم وقوله تعالى: {إذ} بدل ثان {يقول} صلى الله عليه وسلم {لصاحبه} أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وثوقاً بربه غير منزعج من شيء وقد قال له أبو بكر لما رأى أقدام المشركين
لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا {لا تحزن} والحزن همّ غليظ بتوجع يرق له القلب وإنما كان خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهما لما وصلا الغار نزل أبو بكر الغار أولاً يلتمس ما في الغار فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «ما لك» فقال: بأبي أنت وأمّي الغار مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك وكان في الغار جُحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم «لا تحزن» {إن الله معنا} فقال له أبو بكر: وإنّ الله لمعنا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «نعم» فجعل يمسح الدموع عن خدّه. وروي لما طلع المشركون فوق الغار وأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال عليه الصلاة والسلام: «ما طنك باثنين الله ثالثهما» . وروي لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين باضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه فقال صلى الله عليه وسلم «اللهمّ أعم أبصارهم» فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يرون أحداً ويقولون لو دخلا هذا الغار تكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت. تنبيه: دلت هذه الآية على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه من وجوه منها أنّ الهجرة كانت بإذن الله تعالى وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين وكانوا في النسبة إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب من أبي بكر رضي الله عنه فلولا أنّ الله تعالى أمره بأن يستصحبه في تلك الواقعة الصعبة الهائلة وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة وتخصيص الله تعالى له بهذا التشريف دال على منصب عال له في الدين ومنها قوله صلى الله عليه وسلم «لا تحزن إنّ الله معنا» ولا شك أنّ المراد من هذه المعية المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة وقد شرك صلى الله عليه وسلم بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية وكفى بها شرفاً ومنها أن قوله: «لا تحزن» نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يوجب الدوام والتكرار وذلك يقتضي أنه لا يحزن أبو بكر رضي الله عنه بعد ذلك البتة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ومنها إطباق الكل على أنّ أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي بكر: «أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض» قال الحسن بن الفضل: من قال إنّ أبا بكر رضي الله عنه لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكار نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً لا كافراً واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته} أي: طمأنينته {عليه} هل هو للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو لأبي بكر رضي الله عنه؟ رجح الثاني لوجوه: الأوّل: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات وأقرب المذكورات المتقدّمة في هذه الآية هو أبو بكر لأنه تعالى قال: {إذ يقول لصاحبه} والتقدير إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن وعلى هذا التقدير فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر فوجب عود الضمير إليه. والثاني: أنّ الحزن والخوف كانا حاصلين لأبي بكر لا للرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان آمناً
ساكن القلب فيما وعده الله تعالى أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر: لا تحزن صار آمناً فصرف السكينة لأبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه كان قبل ذلك ساكن النفس قويّ القلب. الثالث: إنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول صلى الله عليه وسلم لوجب أن يقال: إنّ الرسول كان قبل ذلك خائفاً ولو كان خائفاً لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: «لا تحزن إنّ الله معنا» فمتى كان خائفاً لم يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ولو كان راجعاً إلى الرسول لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه: «لا تحزن» فيكون ذلك مما يدلّ على فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ومنها حديث الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عن عائشة رضي الله عنها وعن أبويها قالت: لم أعقل أبويّ إلا وهما يدينان الدين ولم يمرّ علينا يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي المسلمون قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «إني رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان» فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامّة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: وهل ترجون ذلك يا رسول الله قال: «نعم» فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق الشجر وهو الخبط أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في حرّ الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أخرج من عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال: «قد أذن لي في الخروج» فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «نعم» قال أبو بكر: فخذ إحدى راحلتيّ هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بالثمن» قالت عائشة: فجهزناهما أحبّ الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فسميت بذلك ذات النطاقين قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الرحمن بن أبي بكر وهو غلام شاب فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء يفعل ذلك كل ليلة من الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً عارفاً بالهداية وهو على دين كفار قريش فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما بعد صبح ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديليّ فأخذ بهم طريق الساحل فعلم بهم سراقة بن مالك المدلجي وكان كفار قريش جعلوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر كل واحد منهما لمن قتله أو أسره دية قال سراقة فتبعتهم حتى دنوت فعثرت فرسي فخررت
عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام فقربت بي حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم الآمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إنّ قومك جعلوا فيك الدية وأخبرتهم بما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمان فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً أقبلوا من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياباً بيضاً فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرّة فأخذ بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل فقام في بني عمرو بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته وصار يمشي معه الناس حتى بركت عند مكان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكان مربد تمر لسهل وسهيل فساومهما صلى الله عليه وسلم ليتخذه مسجداً فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجداً وصار صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن: *هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر* ويقول أيضاً: *إنّ الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة* قال ابن شهاب: لم يبلغنا في الأحاديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا فإظهار خروجه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله تعالى عنه مما يدل على فضيلته وفضائله رضي الله عنه وعن بقية الصحابة أجمعين وفيما ذكرناه كفاية. وأمّا الضمير في قوله تعالى: {وأيده} فاتفقوا أنه للنبي صلى الله عليه وسلم فهو معطوف على قوله تعالى: {فقد نصره الله} . {بجنود لم تروها} أي: من الملائكة الكرام في الغار ويوم بدر والأحزاب وحنين وجميع مواطن قتاله {وجعل كلمة} أي: دعوة {الذين كفروا} إلى الكفر {السفلى} أي: المغلوبة فخيب سعيهم وردّ كيدهم {وكلمة الله} أي: إلى الإسلام {هي العليا} أي: الغالبة الظاهرة وقيل: كلمة الذين كفروا ما كانوا قدرها بينهم من الكيد بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وكلمة الله هي ما وعده بالنصر والظفر بهم فكان ما وعده الله تعالى حقاً وصدقاً {وا عزيز} في ملكه {حكيم} في أمره وتدبيره لا يمكن أن ينتقض شيء من مراده فلا محيص عن نفوذ ما أراده ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبلغاً هيأها للقبول أقبل عليها سبحانه وتعالى فقال: {انفروا خفافاً وثقالاً} أي: على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها وعلى الصفة التي يثقل عليكم وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة ولهذا
اختلفت عبارات المفسرين فيها فقال ابن عباس: نشاطاً وغير نشاط، وقال الحسن: شباناً وشيوخاً، وقال عطية العوفي: ركباناً ومشاة، وقال أبو صالح: فقراء وأغنياء، وقال الحكم بن عيينة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال حرة الهمداني: أصحاء وأصحاب مرض، وعن صفوان بن عمرو كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه وقال: استنفرنا الله خفافاً وثقالاً ألا إنه من يحبه الله يبتليه، وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب مرض فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وعن ابن أمّ مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعليّ أن أنفر قال: «ما أنت إلا خفيف أو ثقيل» فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} (النو، 61) أي: فهي منسوخة بذلك وقال ابن عباس: نسخت بقوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} (التوبة، 91) الآية، وقال السدي: لما نزلت اشتدّ شأنها على المسلمين فنسخها الله تعالى وأنزل {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} وقال عطاء الخراساني: منسوخة بقوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (التوبة، 122) وقوله تعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} أمر إيجاب للجهاد أي: ما أمكن لكم بهما كليهما أو أحدهما على حسب الحال والحاجة. {ذلكم} أي: هذا الأمر العظيم {خير لكم} أي: خاص بكم ويجوز أن يكون أفعل تفضيل، أي: عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله هل يمكن بلوغ درجة المجاهد فقال: «هل تستطيع أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر» ثم ختم تعالى الآية بقوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} أي: ما حصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق وأن القول بالثواب والعقاب صدق. ونزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: {لو كان} ما تدعوهم إليه {عرضاً} أي: متاعاً من الدينا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر {قريباً} أي: سهل المأخذ وقوله تعالى: {وسفراً قاصداً} أي: وسطاً فحذف اسم كان وهو ما قدرته، قال الزجاج: لدلالة ما تقدم عليه وإنما سمي السفر قاصداً لأن المتوسط بين الإفراط والتفريط يقال له: مقتصد قال تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} (فاطر، 32) لأن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد وقوله تعالى: {قاصداً} أي: ذا قصد كقولهم: لابن وتامر {لاتبعوك} أي: وافقوك طلباً للغنيمة {ولكن بعدت عليهم الشقة} أي: المسافة التي تقطع بمشقة {وسيحلفون} أي: المتخلفون {با} إذا رجعت من تبوك معتذرين {لو استطعنا} أي: لو كان لنا استطاعة بالبدن أو العدة {لخرجنا} أي: في هذه الغزاة {معكم يهلكون أنفسهم} أي: بسبب هذه الأيمان الكاذبة كما قال تعالى: {وا يعلم إنهم لكاذبون} في ذلك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج. {عفى الله عنك لم أذنت لهم} أي: عفا الله تعالى عنك يا محمد ما كان منك في ذلك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك، واختلفوا هل في ذلك معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فقال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يؤمر بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله تعالى كما تسمعون، وقال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأ الله تعالى بالعفو قبل أن يعيره، وقال القاضي عياض في الشفاء: إن هذا أمر لم يتقدّم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولأعده الله تعالى معصية عليه بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك وليس عفا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق» ولم تجب عليهم قط أي: لم يكن يلزمكم ذلك. ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول: العفو لا يكون إلا عن ذنب، من لا يعرف كلام العرب. وقال مكي: هو استفتاح كلام مثل أصلحك الله وأعزك. وقال السمرقندي: إن معناه عافاك الله، وقال الرازي: إن ذلك يدل على مبالغة الله في توقيره وتعظيمه كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظماً عنده عفا الله عنك ما جوابك عن كلامي ورضي الله عنك ما صنعت في أمري فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد التمجيد والتعظيم أي: كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله الأمير والملك ونحو ذلك. {حتى يتبين لك الذين صدقوا} أي: في اعتذارهم {وتعلم الكاذبين} أي: فيما أظهروا من الإيمان باللسان لو لم يؤذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره قال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يؤمئذ حتى نزلت براءة. {لا يستأذنك} أي: لا يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه {الذين يؤمنون با واليوم الآخر} أي: الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب {أن} أي: في أن {يجاهدوا} وإنما حسن هذا الحذف لظهوره {بأموالهم وأنفسهم} بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عموماً عليه فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف عنه فإن الخلص من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لا نستأذنه صلى الله عليه وسلم في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرّة بعد مرّة فأيّ فائدة في الاستئذان ولنجاهد معه بأموالنا وأنفسنا وكانوا بحيث لو أمرهم صلى الله عليه وسلم بالقعود لشق عليهم كما وقع لعليّ رضي الله عنه في غزوة تبوك لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ولم يرض حتى قال له صلى الله عليه وسلم «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» {وا عليم بالمتقين} أي: الذين يتقون مخالفته ويسارعون إلى طاعته. {إنما يستأذنك} يا محمد في التخلف عن الجهاد معك من غير عذر {الذين لا يؤمنون با واليوم الآخر} وهم المنافقون لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً {وارتابت} أي: شكت {قلوبهم} في الدين وإنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب لأنه محل المعرفة والإيمان فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقاً {فهم} أي: فتسبب عن ذلك أنهم {في ريبهم يتردّدون} أي: المنافقون ويتحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين. تنبيه: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآيات فقيل إنها منسوخة بالآية التي في سورة النور وهي قوله تعالى: {إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون با ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} (النو، 62) وقيل: إنها محكمات كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة الله تعالى وجهاد عدوهم من غير
استئذان فإذا عرض لأحدهم عذر استأذن في التخلف فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً في الإذن لهم بقوله تعالى: {فأذن لمن شئت منهم} وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر. {ولو أرادوا الخروج} إلى الغزو معك {لأعدّوا له} أي: قبل حلوله {عدّة} أي: قوّة وأهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون كالحاضرين في صلب الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها، ولما كان قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج} يعطي معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو أتى تعالى بحرف الاستدراك فقال تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} أي: لم يرض خروجهم معك إلى الغزو {فثبطهم} أي: حبسهم بالجبن والكسل {وقيل} لهم {اقعدوا مع القاعدين} أي: مع النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ومعنى {قيل لهم} أي: قدر الله تعالى عليهم ذلك بأن ألقى في قلوبهم القعود لما كره الله انبعاثهم مع المؤمنين، وقيل القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استأذنوه في القعود فقال لهم: اقعدوا مع القاعدين. فإن قيل: خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلِمَ قال تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} وإن فيه مفسدة فلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {عفا الله عنك لم أذنت لهم} في ترك الخروج؟ أجيب: بأن خروجهم فيه مفسدة عظيمة بدليل قوله تعالى: {لو خرجوا فيكم} أي: معكم {ما زادوكم} بخروجهم {إلا خبالاً} أي: فساداً وشراً بتخذيل المؤمنين وتقدم الكلام على قوله: {لم أذنت لهم} . تنبيه: لا يصح أن يكون فيه الاستثناء منقطعاً لأنّ الاستثناء المنقطع يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقوله: {ما زادوكم خيراً إلا خبالاً} والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر ووقع الاستثناء من أعم العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً {ولأوضعوا} أي: أسرعوا {خلالكم} أي: بينكم فيما يخل بكم بالمشي بالنميمة {يبغونكم الفتنة} أي: يطلبون منكم ما تفتتنون به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين: لقد جمعوا لكم كذا وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تجبنهم {وفيكم} أي: والحال أن فيكم {سماعون لهم} أي: عيون لهم يؤدون لهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم الجواسيس أو مطيعون لهم يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم وذلك أنهم يلقون إليهم أنواعاً من الشبهات الموجبة لضعف القلب فيقبلونها منهم. فإن قيل: كيف يكون في المؤمنين الخالصين من يطيع المنافقين؟ أجيب: بأنهم ربما قالوا قولاً أثر في قلوب ضعفة المؤمنين في بعض الأحوال وقوله تعالى: {وا عليم بالظالمين} وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين. {لقد ابتغوا الفتنة} أي: العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك وتفريق أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبيّ يوم أحد وحنين انصرف بمن معه وعن ابن جريج وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به. {من قبل} أي: قبل غزوة تبوك {وقلبوا لك الأمور} أي: ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في إبطال أمرك {حتى جاء الحق} وهو تأييدك ونصرك
{وظهر أمر الله} أي: غلب دينه وعلا شرعه {وهم كارهون} له أي: على رغم منهم فدخلوا فيه ظاهراً، ولما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس وكان من المنافقين: «يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر يعني: الروم نتخذ منهم سراري ووصفاء» فقال الجدّ بن قيس: يا رسول الله لقد علم قومي أني مغرم بالنساء وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ائذن لي بالقعود ولا تفتني وأعينك بمالي، قال ابن عباس: اعتل الجد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى فيه: {ومنهم} أي: المنافقين {من يقول أئذن لي} أي: في القعود في المدينة {ولا تفتني} أي: ببنات بني الأصفر وقيل: لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم وقيل: لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها وقيل: لا تفتني بسبب ضياع المال والعيال؛ إذ لا كافل لهم بعدي قال الله تعالى: {ألا في الفتنة سقطوا} أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف وظهور النفاق لا ما أخبروا عنه {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي: جامعة لهم لا محيص لهم عنها يوم القيامة أو هي محيطة بهم الآن لأنّ أسباب الإحاطة معهم فكأنهم في وسطها. {إن تصبك} يا محمد في بعض الغزوات {حسنة} أي: نصرة وغنيمة {تسؤهم} أي: تحزنهم لما في قلوبهم من الضعف والمرض {وإن تصبك مصيبة} أي: نكبة وإن صغرت في بعض الغزوات كما وقع يوم أحد {يقولوا} أي: سروراً وتبجحاً بحسن رأيهم {قد أخذنا أمرنا} أي: بالجد والحزم في القعود عن الغزو {من قبل} أي: قبل هذه المصيبة {ويتولوا وهم فرحون} أي: مسرورون بما نالك من المصيبة وسلامتهم منها قال الله تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب والمكروه {لن يصيبنا إلا ما كتب الله} أي: قدره {لنا} في اللوح المحفوظ لأنّ القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروهاً نزل به أو يجلب لنفسه نفعاً إن أراده ما لم يقدر له {هو} أي: الله {مولانا} أي: ناصرنا وحافظنا وهو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} في جميع أمورهم لأنّ حقهم أن لا يتوكلوا على غيره ليفعلوا ما هو حقهم. {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {هل تربصون} فيه حذف إحدى التاءين من الأصل أي: تنتظرون أن يقع {بنا} أيها المنافقون {إلا إحدى الحسنيين} تثنية حسنى تأنيث أحسن أي: إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى العواقب وهما النصر أو الشهادة، وذلك أنّ المسلم إذا ذهب إلى الجهاد في سبيل الله إما أن يسلم ويغنم فيحصل له المال وإما أن يقتل في سبيل الله فتحصل له الشهادة وهي العاقبة القصوى وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» {ونحن نتربص بكم} أي: إحدى السوأيين من العواقب إما {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} لا سبب لنا فيه كأن ينزل عليكم قارعة من السماء كما نزلت على عاد
وثمود {أو} بعذاب {بأيدينا} أي: بسببنا من قتل ونهب وأسر وغير ذلك {فتربصوا} بنا ما ذكرنا من عواقبنا {إنا معكم متربصون} ما هو عاقبتكم ولا بد أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه. {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {أنفقوا طوعاً أو كرهاً} أي: من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين. وسمي الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم لأنّ رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم {لن يتقبل منكم} أي: لا تقبل منكم نفقاتكم على أيّ حال كان. فإن قيل: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: {لن يتقبل منكم} ؟ أجيب: بأن هذا أمر في معنى الخبر كقوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً} (مريم، 75) وروي أنها نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مالي أعينك به فاتركني. ثم علل تعالى سبب منع القبول بقوله تعالى: {إنكم} أي: لأنكم {كنتم قوماً فاسقين} والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا با وبرسوله} أي: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم، وقرأ حمزة والكسائي: يقبل، بالياء على التذكير لأنّ تأنيث النفقات غير حقيقي، والباقون بالتاء على التأنيث {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} أي: متثاقلون لا يأتونها قط بنشاط {ولا ينفقون} أيّ: نفقة من واجب أو غيره {إلا وهم كارهون} أي: في حال الكراهة وإن ظهر خلاف ذلك وذلك كله لعدم النية الصالحة وهذا لا ينافي طوعاً لأنّ ذلك بحسب الظاهر وهذا بحسب الواقع. {فلا تعجبك} يا محمد {أموالهم} أي: وإن أنفقوها في سبيل الله وجهزوا بها الغزاة فإنّ ذلك من غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية {ولا أولادهم} الذين يتجملون بهم فإنّ ذلك استدراج ووبال كما قال تعالى: {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} وإن كان يتراءى أنها لذيدة لأنّ ذلك من شأن الحياة وتعذيبهم فيها بسبب ما يكابدون من جمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد والمصائب. فإن قيل: هذا لا يختص بالمنافق فما فائدة تخصيصه به؟ أجيب: بأنّ المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وأنه يثاب بالمصائب الحاصلة في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذاباً والمنافق لا يعتقد ذلك فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والمشقة والغم والحزن على المال والولد عذاباً عليه في الدنيا {وتزهق} أي: تخرج {أنفسهم} بسببها {وهم} أي: والحال أنهم {كافرون} أي: يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة وهكذا كل من أراد الله تعالى استدراجه في الغالب كثر ماله وولده فكثر إعجابه بماله وولده وبطره وكفره نعمة الله تعالى. والإعجاب السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه وهذه الحالة تدل على استغراق النفس بذلك الشيء وانقطاعه عن الله تعالى فإنه لا يبعد في حكم الله تعالى أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره والإنسان متى كان متذكراً لهذا المعنى زال إعجابه بذلك الشيء ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «هلك المكثرون» ، وقال أيضاً: «مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست
فأبليت أو تصدّقت فأبقيت» . وروي من كثر ماله اشتدّ حسابه ومن أراد من السلطان قرباً ازداد من الله بعداً والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة والمقصود منها الزجر عن الإطناب من الدنيا والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها لأنّ الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا فينبغي أن لا يشتدّ عجبه بالدنيا وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا، ولما بين تعالى كون المنافقين مستجمعين لكل مضار الدنيا والآخرة خالين عن جميع منافع الآخرة والدنيا عاد إلى ذكر فضائحهم وقبائحهم فمنها إقدامهم على الأيمان الكاذبة كما قال تعالى: {ويحلفون} أي: المنافقون {با} للمؤمنين إذا جاؤوا معهم {إنهم لمنكم} أي: على دينكم وملتكم {وما هم منكم} أي: لكفر قلوبهم {ولكنهم قوم يفرقون} أي: يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلوا بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية. {لو يجدون ملجأ} أي: حصناً يلجؤن إليه وقيل: لو وجدوا مهرباً هربوا إليه، وقيل: لو يجدون قوماً يأمنون عندهم على أنفسهم منكم لصاروا إليهم وفارقوكم {أو مغارات} أي: سراديب جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي: يستتر {أو مدّخلاً} أي: موضعاً يدخلونه {لولوا إليه} والمعنى أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه الثلاثة مع أنها شر الأمكنة لدخلوا إليه وتحرّزوا فيه {وهم يجمحون} أي: يسرعون في دخول ذلك المكان إسراعاً لا يردّ وجوههم شيء ومن هذا يقال: جمح الفرس وهو فرس جموح وهو الذي إذا حمل لا يرده اللجام، ثم ذكر تعالى نوعاً آخر من قبائح المنافقين وهو طعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أخذ الصدقات بقوله تعالى: {ومنهم من يلمزك} أي: يعيبك {في الصدقات} قال أبو على الفارسي: ههنا محذوف والتقدير يعيبك في تقسيم الصدقات واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري: بيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالاً إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم رأس الخوارج وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين واستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ويلك إن لم أعدل فمن يعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه فقال له صلى الله عليه وسلم «دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» . وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين يقال له الجوّاظ المنافق: ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أنه يعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا أبا لك أما كان موسى راعياً أما كان داود راعياً» فلما ذهب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون» ، وقال ابن زيد قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا هواه فنزلت. وروى أبو بكر الأصم في تفسيره أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «ماعلمك بفلان» فقال: ما لي به علم إلا أنك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء فقال صلى الله عليه وسلم «إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره» فقال: لو أعطيت فلاناً بعض ما تعطيه فقال صلى الله عليه وسلم «إنه مؤمن أكمل إيمانه وأما
هذا فمنافق أداريه خوف فساده» . {فإن أعطوا منها} أي: من الصدقات {رضوا} أي: رضوا عنك في قسمتها {وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} أي: وإن لم تعطهم عابوا عليك وسخطوا، قال أهل المعاني: إن هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق المنافقين ودناءة طباعم وذلك لأنه لشدّة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبوه إلى الجور في القسمة مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا، وقال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما آتاه الله تعالى من قليل المال وكثيره وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله تعالى وأما المنافقون فإن أعطوا كثيراً فرحوا وإن أعطوا قليلاً سخطوا وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين، وكلمة إذا للمفاجأة أي: وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط. {ولو أنهم} أي: المنافقين {رضوا ما آتاهم الله ورسوله} أي: ما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم والصدقات أو غيرها وذكر الله تعالى للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بأمره {وقالوا} أي: مع الرضا {حسبنا الله} أي: كافينا الله من فضله {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} أي: من غنيمة أو صدقة أخرى ما يكفينا {إنا إلى الله} أي: في أنّ الله تعالى يغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس ويوسع علينا من فضله {راغبون} أي: عريقون في الرغبة ولذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائناً ما كان وجواب لو محذوف والتقدير لكان خيراً لهم، نقل عن عيسى عليه السلام أنه مرّ بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي حملكم عليه؟ فقالوا: الخوف من عقاب الله، فقال: أصبتم، ومر على قوم يشتغلون بالذكر فسألهم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه، فقال: أنتم المحقون المحققون، ثم بين سبحانه وتعالى مصارف الصدقات تحقيقاً لما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عز من قائل: {إنما الصدقات} أي: الزكوات مصروفة {للفقراء} والفقير هو الذي لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته كأنه يحتاج إلى عشرة دراهم وهو لا يجد إلا درهمين أو ثلاثاً مأخوذ من الفقار كأنه أصيب فقاره {والمساكين} جمع مسكين وهو الذي يجد ما يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه كأن يحتاج إلى عشرة وهو يجد سبعة أو ثمانية مأخوذ من السكون كأنّ العجز أسكنه والمسكين أعلى من الفقير ويدل عليه قوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين} (الكهف، 79) وروي أنه صلى الله عليه وسلم تعوذ من الفقر وقيل: الفقير أعلى لقوله تعالى: {أو مسكيناً ذا متربة} والعبرة عند الجمهور في عدم كفاية الفقير والمسكين بالعمر الغالب بناء على أنه يعطى كفاية ذلك {والعاملين عليها} أي: الزكاة فيعطى العامل وإن كان غنياً ويدخل في اسم العامل الساعي وهو الذي يبعثه الإمام لأخذ الزكاة والكاتب والحاشر والعريف وهو الذي يعرف أرباب الاستحقاق والحاسب والحافظ للأموال والكيال والوزان والعداد عمال إن ميزوا أنصباء الأصناف لا المميزون للزكاة من المال وجامعوه فإن أجرتهم على المالك. {والمؤلفة قلوبهم} وهم إما ضعيف النية في الإسلام فيعطى ليقوى إسلامه أو شريف في قومه يتوقع بإعطائه
إسلام غيره أو كاف لناشر من يليه من الكفار أو مانعي الزكاة فيعطى حيث إعطاؤه أهون علينا من بعث جيش وأما مؤلفة الكفار لترغيبهم في الإسلام فلا يعطون من الزكاة ولا من غيرها للإجماع ولأنّ الله تعالى أعز الإسلام وأهله وأغنى عن التأليف. {وفي الرقاب} وهم المكاتبون كتابة صحيحة فيعطون ما يؤدّون من النجوم إن عجزوا عن الوفاء ولو لم يحل النجم لأن قوله تعالى: {وفي الرقاب} كقوله تعالى: {وفي سبيل الله} وهناك يعطى المال للمجاهدين فيعطى للرقاب فلا يشترى به رقاب للعتق كما قيل به: {والغارمين} وهم من لزمتهم الديون وهم ثلاثة أضرب: دين لزمه لمصلحة نفسه، ودين لزمه بضمان لا لتسكين فتنة، ودين لزمه لتسكينها وهو إصلاح ذات البين فمن استدان لمصلحة نفسه أعطى لا إن استدان في معصية إلا إن تاب عنها فيعطى إذا احتاج وكان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن فيترك له ما يكفيه ويعطي ما يقضي به بقية دينه ويعطى ولو قدر على قضائه بالكسب وكذا المكاتب ويشترط حلول الدين في إعطاء الغريم وإن ضمن لا لتسكين فتنة وهو معسر ملتزم بمال على معسر أعطي ما يقضي به دينه وإذا قضى به دينه لا يرجع على الأصيل وإن ضمن بإذنه وإنما يرجع إذا غرم من عنده ويعطى معسر ملتزم بمال على موسر بلا إذن من الأصيل لأنه إذا غرم لا يرجع عليه بخلاف ما إذا ضمن بإذنه ولا يعطى موسر ملتزم بمال على موسر وإن ضمن موسر ما على معسر أعطي الأصيل دون الضامن والغارم لإصلاح ذات البين يعطى مع الغني ولو في غير دم ويعطى المستدين لقرى ضيف وعمارة مسجد وبناء قنطرة وفك أسير ونحو ذلك من المصالح العامة عند العجز عن النقد. {وفي سبيل الله} وهم الغزاة المتطوعون أي: الذين لا رزق لهم في الفيء ويعطون ولو أغنياء إعانة لهم على الغزو وتحرم الزكاة على الغازي المرتزق ولو كان عاملاً فإذا عدم الفيء واضطررنا إلى المرتزق ليكفينا شر الكفار أعانه الأغنياء لا من الزكاة {وابن السبيل} أي: الطريق وهو من ينشىء سفراً مباحاً من محل الزكاة فيعطى ولو كان كسوباً أو كان مسافراً لنزهة ويعطى أيضاً المسافر الغريب المجتاز بمحل الزكاة وإنما يعطيان إن لم يجدا معهما شيئاً يكفيهما لسفرهما وقوله تعالى: {فريضة من الله} نصب بفعله المقدر أي: فرض لهم الصدقات فريضة أو حال من الضمير المستكن في للفقراء. {والله عليم} أي: بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المسلمين {حكيم} يضع الأشياء في مواضعها وإنما أضيفت الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك وإلى الأربعة الأخيرة بفي الظرفية للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأخيرة حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها استرجع بخلافه في الأولى ويجب تعميم الأصناف الثمانية في القسم إن أمكن بأن قسم الإمام ولو بنائبة ووجدوا لظاهر الآية سواء في ذلك زكاة الفطر وزكاة المال وإن لم يمكن بأن قسم المالك إذ لا عامل أو الإمام ووجد بعضهم كأن جعل عاملاً بأجرة من بيت المال فتعميم من وجد منهم وعلى الإمام تعميم آحاد كل صنف من الزكاة الحاصلة عنده إذ لا يتعذر عليه ذلك أو على المالك أيضاً إن انحصر الآحاد بالبلد بأن سهل عادة ضبطهم ومعرفة عددهم ووفّى بهم المال فإن أخل أحدهما بصنف ضمن وإن لم ينحصر أو لم يف بهم المال ويجب
إعطاء ثلاثة فأكثر من كل صنف لذكره في الآية بصيغة الجمع وهو المراد في سبيل الله وابن السبيل الذي هو للجنس ولا عامل في قسم المالك ويجوز حيث كان أن يكون واحداً إن حصلت به الكفاية كما يستغنى عنه فيما مرّ وتجب التسوية بين الأصناف غير العامل لا بين آحاد الصنف إلا أن يقسم الإمام وتتساوى الحاجات فتجب التسوية لأنّ عليه التعميم فعليه التسوية بخلاف المالك إذا لم ينحصروا أو لم يف بهم المال ولا يجزيه نقل الزكاة من بلد وجوبها مع وجود المستحقين فيه إلى بلد آخر أو حال الحول والمال ببادية فرقت الزكاة بأقرب البلاد إليه أمّا الإمام ولو بنائبه فله نقلها ولو امتنع المستحقون من أخذها قوتلوا وشرط أخذ الزكاة من هذه الثمانية حرّية وإسلام وأن لا يكون هاشمياً ولا مطلبياً ولا مولى لهما كما بينته السنة هذا مذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه وقال الرازي وغيره: لا دلالة في الآية على قول الشافعي في أنه لا بدّ من صرفها إلى جميع الأصناف لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف وأمّا أن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على الأصناف كلها فلا كما أنّ قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإنّ خمسه} (الأنفعال، 41) الآية، يوجب قسم الخمس على الطوائف من غير توزيع بالاتفاق وما ذهب إليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه قول عكرمة وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز صرفها إلى صنف واحد هو قول عمر وحذيفة وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين وكل على هدى من ربهم. فإن قيل: كيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ أجيب: بأنه تعالى ذكر ذلك ليدل على أنّ هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم حسماً لأطماعهم وإشعاراً باستحقاقهم الحرمان وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها فمالهم ومالها وما سلطهم على التكلم فيها وبمن قاسمها. {ومنهم} أي: المنافقين {الذين يؤذون النبيّ} هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويعيبونه وينقلون حديثه {ويقولون} إذا نهوا عن ذلك لئلا يبلغه {هو أذن} أي: يسمع كل ما يقال له ويصدقه سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة للسماع كما يسمى الجاسوس عيناً لذلك واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عباس: نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد وهو من المنافقين: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف له فيصدقنا فيما نقول فإنّ محمداً أذن ـ أي: أذن سامعة ـ يسمع كل ما يقال له ويقبله، وقال محمد بن إسحاق: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبيل بن الحرث وكان رجلاً ثائر الشعر أحمر العينين أسفع الخدين مشوّه الخلقة وقد قال صلى الله عليه وسلم «من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث» وكان ينم حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل ذلك فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئاً صدقه فنقول: ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، فنزلت. وقال الحسن: كان المنافقون يقولون: ما هذا الرجل إلا أذن من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له. ومقصود المنافقين بقولهم هو أذن ليس له ذكاء ولا بعد غور بل هو سليم القلب
سريع الاغترار بكل ما يسمع فلهذا السبب سموه بأذن وقوله تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {أذن خير لكم} تصديق لهم بأنه أذن لكن لا على الوجه الذي ذموه به بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله ثم فسر تعالى ذلك بقوله تعالى: {يؤمن با} أي: يصدّق به لما قام عنده من الأدلة {ويؤمن للمؤمنين} أي: ويصدّقهم ويقبل قولهم ولا يقبل قول المنافقين. فإن قيل: لم عدى فعل الإيمان بالباء إلى الله تعالى وإلى المؤمنين باللام أجيب: بأنّ الإيمان المعدى إلى الله تعالى المراد التصديق الذي هو نقيض الكفر، فعدي بالباء، والإيمان المعدي للمؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فعدي باللام كما في قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} (يوسف، 17) وقوله تعالى: {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} (يوسف، 83) وقوله تعالى: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (الشعراء، 111) وقوله: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} (طه، 71) وقرأ نافع: أذن في الموضعين بتسكين الذال، والباقون بالرفع {ورحمة} أي: وهو رحمة {للذين آمنوا منكم} أي: لمن أظهر الإيمان حيث يقبله ولا يكشف سرّه وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلاً بحالكم بل رفقاً بكم وترحماً عليكم وقرأ حمزة ورحمة بالجرّ عطفاً على خير، والباقون بالرفع، ولما بين سبحانه وتعالى كونه سبباً للخير بين أنّ كل من آذاه استوجب العذاب الأليم بقوله تعالى: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} أي: مؤلم لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ثم أنهم مع ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المنافقين بقوله تعالى: {يحلفون با لكم} أيها المؤمنون {ليرضوكم} أي: لترضوا عنهم واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا يعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم. وقال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد ووديعة بن ثابت فوقعوا في النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن أشر من الحمير وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس فحقروه وقالوا هذه المقالة فغضب الغلام وقال والله ما يقول محمد حق وأنتم أشر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أنّ عامراً كذب وحلف عامر أنهم كذبة فصدّقهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فجعل عامر يدعو اللهمّ صدق الصادق وكذب الكاذب فنزلت {وا ورسوله أحق أن يرضوه} أي: بالإرضاء بالطاعة والوفاق وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم لتلازمهما كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني أو أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله تعالى ولهذا السبب خص الله تعالى نفسه بالذكر أو لأنّ الكلام في إيذاء الرسول وإرضائه أو خبر الله أو رسوله محذوف وفي كلام البيضاوي إشارة إلى أن المذكور خبر الأوّل لأنه المتبوع وفي كلام سيبويه أنه للثاني لكونه أقرب مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر {إن كانوا} أي: هؤلاء المنافقون {مؤمنين} أي: مصدّقين بوعد الله ووعيده في الآخرة.
{ألم يعلموا} قال أهل المعاني: هذا خطاب لمن علم شيئاً ثم نسيه وتركه فيقال له: ألم تعلم أنه كان كذا وكذا ولما طال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من أحكام الدين ما يحتاجون إليه خاطب المنافقين بقوله تعالى: {ألم يعلموا} أنّ من شرائع الدين التي علمهم رسولنا {أنه} أي: الشأن {من يحادد الله} أي: من يخالف الله {ورسوله} وأصل المحادّة في اللغة المخالفة والمجانبة والمعاداة واشتقاقه من الحدّ يقال: حادّ فلان فلاناً أي: صار في حدّ غير حدّه، كقولك شاقه أي: صار في شق غير شقه، ومعنى {يحادد الله} أي: يصير في حدّ غير حدّ أولياء الله تعالى بالمخالفة وقوله تعالى: {فأنّ له نار جهنم} أي: على حذف الخبر أي: فحق أنّ له نار جهنم لأنّ الفاء واقعة في جواب الشرط فتقتضي جملة و {فأنّ له نار جهنم} مفرد في موضع رفع بالابتداء وقدر خبره مقدماً لأنّ أنّ لا يبتدأ بها قال الرازي أو أنّ معناه فله نار جهنم وأنّ تكررت للتوكيد واعترض بأنّ فيه الفصل بين المؤكد والمؤكد بأجنبي ثم قال أو جواب من محذوف والتقدير ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأنّ له نار جهنم {خالداً فيها} أي: دائماً من غير انقضاء كما كانت نيته المحادة أبداً، ثم نبه على عظم هذا الجزاء بقوله تعالى: {ذلك} أي: الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن {الخزي العظيم} أي: الهلاك الدائم. {يحذر} أي: يخاف {المنافقون أن تنزل عليهم} أي: المؤمنين {سورة تنبئهم} أي: تخبرهم {بما في قلوبهم} أي: بما في قلوب المنافقين من النفاق والحسد والعداوة للمؤمنين كانوا يقولون فيما بينهم ويستهزؤن ويخافون الفضيحة بنزول القرآن في شأنهم قال قتادة: هذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة أثارت مخازيهم ومثالبهم، قال ابن عباس: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضاً لأنّ أولادهم كانوا مؤمنين {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {استهزؤا} أمر تهديد {إنّ الله مخرج} أي: مظهر {ما تحذرون} إخراجه من نفاقكم، قال ابن كيسان: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدّروا وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم وعمار بن ياسر يقود ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حذيفة حتى نحاها عن الطريق فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم قال: لم أعرف منهم أحداً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنهم فلان وفلان حتى عدهم كلهم» ، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيناهم الله. {ولئن} اللام لام القسم {سألتهم} أي: المنافقين عن استهزائهم بك والقرآن وهم سائرون معك إلى تبوك {ليقولنّ} معتذرين {إنما كنا نخوض ونلعب} في الحديث لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك، قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان يستهزئان بالنبيّ صلى الله عليه وسلم والقرآن والثالث يضحك قيل: كانوا يقولون: إنّ محمداً يغلب الروم ويفتح
مدائنهم ما أبعده من ذلك وقيل: كانوا يقولون: إنّ محمداً يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن وإنما هو قوله وكلامه فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: «احبسوا الركب عليّ فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا وكذا فقال: {إنما كنا نخوض ونلعب} أي: كنا نتحدّث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لنقطع الطريق بالحديث واللعب» قال الله تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {أبا} أي: بفرائضه وحدوده وأحكامه {وآياته} أي: القرآن وسائر ما يدل على الدين الذي لا يمكن تبديله ولا يخفى على بصير ولا بصيرة {ورسوله} محمد صلى الله عليه وسلم الذي عظمته من عظمته وهو مجتهد في إصلاحكم وتشريفكم وإعلائكم {كنتم تستهزؤن} توبيخاً وتقريعاً لهم على استهزائهم بما لا يصلح الاستهزاء به وإلزاماً للحجة عليهم ولا يعبأ باعتقادهم الكاذب، ولما كان الاستهزاء بذلك كفراً قال الله تعالى: {لا تعتذروا} أي: لا تشتغلوا باعتذاراتكم الباطلة {قد كفرتم} أي: أظهرتم الكفر بقولكم هذا {بعد إيمانكم} أي: بعد إظهار الإيمان. فإن قيل: المنافقون لم يكونوا مؤمنين فكيف قال تعالى: {قد كفرتم بعد إيمانكم} ؟ أجيب: بأنهم كانوا يكتمون الكفر ويظهرون الإيمان فلما حصل ذلك الاستهزاء منهم وهو كفر فقد أظهروا الكفر بعدما أظهروا الإيمان كما تقرّر {إن نعف عن طائفة منكم} أي: بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق {نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} أي: مصرين على النفاق والاستهزاء قال محمد بن إسحاق: الذي عفا الله عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض وكان يمشي مجانباً لهم وكان ينكر بعض ما يسمع والعرب توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول خرج فلان إلى مكة على الجمال والله تعالى يقول: {الذين قال لهم الناس} (آل عمران، 173) يعني: نعيم بن مسعود فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهمّ إني لا أزال أسمع آية تقرأ تقشعر منها الجلود وتخفق منها القلوب اللهمّ اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه وقرأ عاصم نعف بالنون مفتوحة وضم الفاء ونعذب طائفة بنون مضمومة وكسر الذال وطائفة بالنصب والباقون إن يعف بياء مضمومة وتعذب بضم التاء وفتح الذال وطائلة بالرفع ثم بين تعالى نوعاً آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم والمقصود منه بيان أنّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة بقوله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضم من بعض} أي: متشابهة في النفاق والبعد عن الإيمان كإبعاض الشيء الواحد كما يقول الإنسان لغيره أنا منك وأنت مني أي: أمرنا واحد لا مباينة فيه {يأمرون بالمنكر} أي: يأمر بعضهم بعضاً بالشرك والمعصية وتكذيب النبيّ صلى الله عليه وسلم {وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم} أي: عن الإنفاق في كل خير من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله، والأصل في هذا أنّ المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده فقبض اليد كناية عن الشح وقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملنا النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذماً لأن النسيان ليس في وسع البشر ولخبر: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» وأيضاً فهو في حق الله تعالى محال
فلا بدّ من التأويل وهو من وجهين: الأوّل: معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وجاء هذا على مزاوجة الكلام كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) الثاني: النسيان ضدّ الذكر فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله ترك الله تعالى ذكرهم بالرحمة والإحسان وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأنّ من نسي شيئاً لم يذكره فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم {إنّ المنافقين هم الفاسقون} أي: الكاملون في الفسق الذي هو التمرّد في الكفر والانسلاخ عن كل خير وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله تعالى به المنافقين حتى بالغ في ذمهم وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلم أن يقول كرهت كسلت لأنّ المنافقين وصفوا بالكسل في قوله تعالى: {إلا وهم كسالى فما ظنك بالفسق} ، ولما بين سبحانه وتعالى كثيراً من أحوال المنافقين والمنافقات وأنه نسيهم أي: جازاهم على تركهم التمسك بطاعة الله تعالى أكد هذا الوعيد وضم المنافقين إلى الكفار فيه بقوله تعالى: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار} أي: المجاهرين في عنادهم يقال وعده بالخير وعدا وأوعده بالشر وعيداً {نار جهنم خالدين فيها} أي: مقدرين الخلود ولا شك أنّ النار المخلدة من أعظم العقوبات {هي حسبهم} أي: كافيتهم في العذاب {ولعنهم الله} أي: أبعدهم مع من أبعدهم من رحمته، ولما كان الخلود قد يتجوّز به عن الزمن الطويل فيكون بعده فرج نفى ذلك بقوله تعالى: {ولهم عذاب مقيم} أي: دائم لا ينقطع وقوله تعالى: {كالذين من قبلكم} رجوع من الغيبة إلى خطاب الحضور والكاف في كالذين للتشبيه والمعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم شبه فعل المنافقين بفعل الكافرين الذين كانوا من قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن فعل الخير والطاعة ثم إنه تعالى وصف الكفار بأنهم كانوا أشدّ من هؤلاء المنافقين قوّة وأكثر أموالاً وأولاداً بقوله تعالى: {كانوا أشدّ منكم قوّة} أي: بطشاً ومنعاً {وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم} أي: تمتعوا بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا بها عوضاً عن الآخرة والخلاق: النصيب، وهو ما خلق للإنسان وقدّر له من خير وشر كما يقال: قسم له. {فاستمتعتم بخلاقكم} أي: فتمتعتم أيها المنافقون والكافرون بخلاقكم فهو خطاب للحاضرين {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} ذم الأوّلين باستمتاعهم بما أوتوا من حظوظ الدنيا العاجلة وحرمانهم من سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ العاجلة تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم، ولما بين تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك المتقدّمين في طلب الدنيا وفي الإعراض عن طلب الآخرة بين حصول المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء وفي المكر والخديعة بقوله تعالى: {وخضتم} أي: ودخلتم في الباطل والكذب على الله تعالى وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين {كالذي خاضوا} أي: كالذين خاضوا أو كالفوج الذي خاضوا هذا كله إذا جعلنا الذي موصولاً اسمياً فإن جعلناه موصولاً حرفياً أول مع صلته بمصدر أي كخوضهم والفوج الجماعة. فإن قيل: أيّ فائدة في قوله تعالى: {فاستمتعوا بخلاقهم} وقوله تعالى: {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} مغن عنه كما أغنى
قوله تعالى: {كالذي خاضوا} عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ أجيب: بأنّ فائدة ذلك أن يذم الأوّلين بما مرّ ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على قبح ظلمه بقولك: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب من غير موجب وأمّا {خضتم كالذي خاضوا} فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة {أولئك} أي: هؤلاء الأشقياء {حبطت} أي: بطلت {أعمالهم في الدنيا} أي: بزوالها عنهم ونسيان لذاتها {والآخرة} أي: وفي الدار الآخرة لأنهم لم يسعوا لها سعيها فلم تنفعهم أعمالهم في الدارين بل يعاقبون عليها وزاد في التنبيه على بعدهما مما قصدوا لأنفسهم من النفع بقوله تعالى: {وأولئك هم الخاسرون} أي: الذين خسروا الدنيا والآخرة والمعنى أنه كما بطل أعمال الكفار الماضين وخسروا تبطل أعمالكم أيها المنافقون وتخسرون. وفي الالتفات إلى مقام الخطاب إشارة إلى تحذير كل سامع عن مثل هذه المقالة قال بعض كبراء التابعين: أدركت سبعين ممن أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه وذكر أنّ مالكاً رحمه الله تعالى دخل المسجد بعد العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبيّ: يا شيخ قم فاركع فقام وركع ولم يحاجه بما يراه مذهباً فقيل له في ذلك فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما» وقال تعالى: {لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} (التوبة، 54) ينظر المنافق إلى ما يسقط فضائل أهل الفضل ويتعامى عن محاسنهم. كما روي أنّ الله تعالى يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوى أهل المساوى فكيف بمعايب أهل المحاسن والمنافق يأخذ من الدين ما ينفع في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما لا يضر في الدنيا. ويذكر أن رجلاً من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها: دلني على موضع طاهر أصلي فيه، فقال له الراهب: طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت، قال المسلم: فخجلت منه. وقوله عز من قائل: {ألم يأتهم} فيه رجوع من الخطاب إلى الغيبة أي: ألم يأت هؤلاء المنافقين والكفار وهو استفهام بمعنى التقرير أي: قد أتاهم {نبأ} أي: خبر {الذين من قبلهم} من الأمم الماضية الذين خلوا من قبلهم كيف أهلكناهم حين خالفوا أمرنا وعصوا رسلنا، ولما شبه تعالى المنافقين بالكفار المتقدّمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم لرسلهم بين منهم ستة طوائف: الأولى: {قوم نوح} أهلكوا بالطوفان. {و} الثانية: {عاد} وهم قوم هود أهلكوا بالريح. {و} الثالثة: {ثمود} ، وهم قوم صالح أهلكوا بالرجفة. {و} الرابعة: {قوم إبراهيم} أهلكوا بسلب النعمة وأهلك نمروذ ببعوضة سلطها الله تعالى على دماغه فقتلته. {و} الخامسة: {أصحاب مدين} وهم قوم شعيب ويقال إنهم من ولد مدين بن إبراهيم أهلكوا بعذاب يوم الظلة. {و} السادسة: {المؤتفكات} وهم قوم لوط أي: أهلها أهلكوا بأن جعل الله تعالى أعالي أرضهم سافلها وأمطر عليهم حجارة، وإنما ذكر الله تعالى هذه الطوائف الستة لأن آثارهم باقية وبلادهم بالشام
والعراق واليمن وكل ذلك قريب من بلاد العرب فكانوا يمرّون عليهم ويعرفون أخبارهم وقوله تعالى: {أتتهم رسلهم} راجع إلى كل هؤلاء الطوائف {بالبينات} أي: المعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا كما فعلتم أيها الكفار والمنافقون فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم فتعجل لكم النقمة كما عجلت لهم. وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع {فما كان الله ليظلمهم} بتعجيل العقوبة لهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب، ولما بالغ سبحانه وتعالى في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة ثم ذكر عقبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة ذكر بعده صفات المؤمنين بقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة وهذا في مقابلة قوله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} (التوبة، 67) فإن قيل: لم قال تعالى في وصف المنافقين: {بعضهم من بعض} وقال في وصف المؤمنين: {بعضهم أولياء بعض} ما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنه لما كان نفاق الإتباع حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر لسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة قال فيهم: {بعضهم من بعض} ولما كانت الموافقة الخالصة بين المؤمنين بتوفيق الله تعالى وهدايته لا بمقتضى الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأنّ بعضهم أولياء بعض فظهر الفرق بين الفريقين وظهرت الحكمة، وقوله تعالى: {يأمرون بالمعروف} أي: بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره والمعروف كل ما عرف من الشرع من خير وطاعة {وينهون عن المنكر} أي: الشرك والمعاصي، والمنكر كل ما ينكره الشرع وينفر منه الطبع في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: {يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} {ويقيمون الصلاة} أي: المفروضة ويتمون أركانها وشروطها {ويؤتون الزكاة} أي: الواجبة عليهم في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: {ويقبضون أيديهم} المعبر به عن البخل وقوله تعالى: {ويطيعون الله ورسوله} أي: فيما يأمرهم به في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: {نسوا الله فنسيهم} ، ولما ذكر تعالى ما وعد به المنافقين من العذاب في نار جهنم ذكر ما وعد به المؤمنين من الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة بقوله تعالى: {أولئك} أي: المؤمنون والمؤمنات الموصوفون بهذه الصفات {سيرحمهم الله} بوعد لا خلف فيه {إنّ الله عزيز} أي: غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده {حكيم} أي: لا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل ما يبرمه، ولما ذكر سبحانه وتعالى الوعد على سبيل الإجمال ذكره على سبيل التفصيل بقوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} فذكر في هذه الآية أنّ الرحمة هي هذه الأنواع المذكورة في هذه الآية أوّلها قوله تعالى: {جنات تجري من تحتها الأنهار} فهي لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة، ولما كان النعيم لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى: {خالدين فيها} والمراد بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار البساتين التي يحير في حسنها الناظر لأنه تعالى قال: {ومساكن طيبة في جنات عدن} أي: إقامة وخلود وهذا هو النوع الثاني فتكون جنات عدن هي المساكن التي يسكنونها والجنات الأخر هي البساتين التي يتنزهون فيها فهذه فائدة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. قد كثر كلام أصحاب الآثار
في صفة جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين عن قوله تعالى: {ومساكن طيبة} فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمرّدة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام وفي كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن من القوّة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع» ، وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر» أي: دار الله تعالى التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته والمقرّبين من عباده، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قلت: يا رسول الله حدّثني عن الجنة ما بناؤها قال: «لبنة من ذهب ولبنة من فضة وبلاطها المسك الإذفر وتربتها الزعفران وحصباؤها الدر والياقوت فهي النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» . وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة، قال الأزهري: بطنانها وسطها، وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصر في الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى وسائر الجنان حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الإذفر، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما: إنّ في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حكم عدل. وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة قبابه على حافتيه، وقال الرازي: حاصل الكلام أنّ في جنات عدن قولين: أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول، وقال في «الكشاف» : وعدن علم بدليل قوله تعالى: {جنات عدن التي وعد الرحمن عباده} (مريم، 61) والقول الثاني: أنه صفة الجنة. قال الأزهري: مأخوذ من قولك: عدن بالمكان، إذا أقام به يعدن عدوناً فبهذا الاشتقاق قالوا الجنات كلها جنات عدن جعلنا الله تعالى ومن نحبه من أهلها وأحل علينا رضوانه فإنه المقصود الأعظم كما قال تعالى: {ورضوان من الله أكبر} لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدّي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء. روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم، يقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ قال تعالى: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» وهذا هو النوع الثالث وقرأ شعبة ورضوان بضم الراء، والباقون بالكسر {ذلك} أي: الرضوان أو جميع ما تقدّم {هو الفوز العظيم} الذي تستصغر دونه الدنيا وما فيها، ولما وصف الله تعالى المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع العقاب وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد لا جرم ذكر عقبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطاهرة الطيبة ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجة العالية ثم عاد إلى شرح أحوال الكفار
والمنافقين بقوله تعالى: {يأيها النبيّ جاهد الكفار} أي: المجاهرين {والمنافقين} أي: الساترين كفرهم بظهور الإسلام. فإن قيل: الآية تدلّ على وجوب مجاهدة المنافقين وهو غير جائز فإن المنافق كما مرّ من يستر كفره ويقرّ بلسانه ومن كان كذلك لم تجز محاربته ومجاهدته أجيب: بأن ليس في الآية ما يدلّ على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر وإنما تدلّ على وجوب الجهاد مع الفريقين وكيفية تلك المجاهدة إنما تعرف من دليل آخر وقد دلت الدلائل المفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب أن تكون بالسيف ومع المنافقين بالحجة والبرهان وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها. قال القاضي: وهذا ليس بشيء لأنّ إقامة الحدود واجبة على من ليس بمنافق فلا يكون لها تعلق بالنفاق. ولما كان صلى الله عليه وسلم مطبوعاً على الرفق وحسن الخلق قال تعالى: {واغلظ عليهم} أي: بالانتهار والمقت في الجهادين لا تعاملهم بمثل ما عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في القعود وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال: {المنافقون والمنافقات} فقدم في كل سياق الأليق به {ومأواهم} أي: مسكنهم في الآخرة {جهنم وبئس المصير} أي: المرجع هي. {يحلفون} أي: المنافقون {با ما قالوا} أي: ما بلغك عنهم من السب والمفسرون ذكروا في أسباب نزول هذه الآية وجوهاً. الأوّل: روي أنه عليه الصلاة والسلام أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد: لئن كان ما يقول محمد في إخواننا الذين خلفناهم بالمدينة حقاً لنحن شرّ من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاريّ للجلاس: أجل والله إنّ محمداً صادق وأنت شرّ من الحمار، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضره فحلف بالله عز وجل ما قاله فرفع عامر يده وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فنزلت فقال الجلاس: لقد ذكر الله تعالى التوبة في هذه الآية ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر ثم تاب وحسنت توبته. الثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وأراد به الرسول صلى الله عليه وسلم فسمع زيد بن أرقم ذلك فبلغه النبيّ صلى الله عليه وسلم فهم عمر رضي الله عنه بقتل عبد الله بن أبي فجاء عبد الله بن أبي وحلف أنه لم يقل. الثالث: روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الجهني على الغفاري فقال عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فحلف بالله ما قاله فنزلت {ولقد قالوا كلمة الكفر} وهي سب النبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل: هي كلمة الجلاس بن سويد، وقيل: هي كلمة عبد الله بن أبيّ {وكفروا بعد إسلامهم} أي: وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام {وهموا بما لم ينالوا} أي: من قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك توافق خمسة عشر منهم إذا تسنم العقبة أي: علاها بالليل فأخذ عمار بن ياسر بخطام ناقته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة
السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا. وقيل: هم المنافقون هموا بقتل عامر حين ردّ على الجلاس. وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما نقموا} أي: وما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} فإنّ أكثر أهل المدينة كانوا قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحرزون الغنيمة وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة وذلك يوجب أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله وقتل للجلاس مولى فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى فالمنافقون عملوا بضدّ الواجب فوضعوا موضع شكره صلى الله عليه وسلم أن نقموا منه. وقال ابن قتيبة معناه ليس هناك شيء ينقمون منه ولا يعيبون من الله إلا الصنيع وهذا كقول الشاعر: *ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا* وكقول النابغة: *ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب* أي: ليس فيها عيب {فإن يتوبوا} أي: من كفرهم ونفاقهم {يك خيراً لهم} في العاجل والآجل من إصرارهم على ذلك وهذا الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير في يك للتوبة {وإن يتولوا} أي: يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على النفاق والكفر {يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا} بالقتل والأسر والإذلال {والآخرة} بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه وهو خلودهم في النار {وما لهم في الأرض} أي: التي لا يعرفون غيرها لسفول همتهم {من ولي} يحفظهم منه {ولا نصير} يمنعهم وأمّا السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها في شيء ناصر أو غيره وأغلظ أكباداً من أن يرتقي فكرهم إلى ما بها من العجائب وما بها من الجنود واعلم أنّ هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف فلهذا السبب يذكرهم الله تعالى على التفصيل فيقول تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبيّ} (التوبة، 61) {ومنهم من يلمزك في الصدقات} (التوبة، 58) {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} (التوبة/ 49) {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنّ} فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد {ولنكونن من الصالحين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ثعلبة بن حاطب أبطأ عنه ماله بالشام فلحقه شدّة فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار لئن آتانا الله من فضله لأصدقنّ ولأؤدّينّ منه حق الله تعالى والمشهور في سبب نزول هذه الآية أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. فراجعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما لك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت» ثم أتاه بعد ذلك وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالاً فاتخذ غنماً
فنمت كما تنمى الدود حتى كثرت ونزل بها وادياً من أودية المدينة واشتغل بها حتى صار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه باقي الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضاً فصار لا يشهد إلا الجمعة ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضاً فصار لا يشهد لا جمعة ولا جماعة فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبة» فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنماً ما يسعها واد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ويح ثعلبة ثلاثاً» فنزلت آية الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين لأخذ الصدقة» وكتب لهما أصناف الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما: «مرّا بثعلبة وخذا صدقاته فأتياه وسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ثم رجعا إلى ثعلبة فقال كمقالته الأولى ولم يدفع إليهما شيئاً فرجعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبراه بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وسأله أن يقبل صدقته فقال: إن الله تعالى منعني من أن أقبل صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال صلى الله عليه وسلم «لقد قلت لك فما أطعتني» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها ثم جاء بها إلى عمر أيام خلافته فلم يقبلها فلما ولى عثمان أتاه بها فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه. فإن قيل: العبد إذا تاب تاب الله عليه فلماذا منع الله تعالى من قبول صدقته أجيب: بأنّ الله تعالى لما قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (التوبة، 103) وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه فلهذا السبب امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ تلك الصدقة ثم قال الله تعالى: {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} أي: منعوا حق الله تعالى منه {وتولوا} عن طاعة الله تعالى {وهم معرضون} أي: عن طاعة الله تعالى. {فأعقبهم} أي: صير عاقبتهم {نفاقاً} متمكناً {في قلوبهم إلى يوم يلقونه} أي: الله يوم القيامة {بما أخلفوا الله ما وعدوه} أي: بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح لأنّ الجزاء من جنس العمل {وبما كانوا يكذبون} أي: يجددون الكذب دائماً مع الوعد ومنفكاً عنه فقد استكملوا النفاق عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا وحدّثوا فكذبوا وقد قال صلى الله عليه وسلم «آية المنافق ـ أي: علامته ـ ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» . {ألم يعلموا} أي: المنافقون {إنّ الله يعلم سرّهم} أي: ما أسروا في أنفسهم من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه {ونجواهم} أي: ما تناجوا بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها فكيف يجترؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستمرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنّ الله تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر {وإنّ الله علام الغيوب} والعلام مبالغة في العالم والغيب ما كان غائباً عن الخلق
فكيف يمكن الإخفاء عنه وقوله تعالى: {الذين} مبتدأ {يلمزون} أي: يعيبون {المطوّعين} المتنفلين {من المؤمنين} أي: الراسخين في الإيمان {في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} أي: طاقتهم فيأتون به {فيسخرون منهم} أي: يستهزؤن بهم والخبر {سخر الله منهم} أي: جازاهم على سخريتهم {ولهم عذاب أليم} على كفرهم وهذا نوع آخر من أعمال المنافقين القبيحة وهو لمزهم لمن يأتي بالصدقات. روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم وحث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله مالي ثمانية آلاف درهم جئتك بأربعة آلاف درهم فاجعلها في سبيل الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» فبارك الله تعالى في مال عبد الرحمن حتى أنه خلف امرأتين يوم مات بلغ ثمن ماله لهما مائة وتسعين ألف درهم، وجاء عاصم بن عدي الأنصاريّ بسبعين وسقاً من تمر وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة وجاء أبو عقيل الأنصاريّ بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخله فأخذت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي وأتيتك بالآخر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا عبد الرحمن وعثمان ما يعطيان إلا رياء والله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطى من مال الصدقات فنزلت، وقوله تعالى: {أو لا تستغفر لهم} تخيير للنبيّ صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لهم وتركه قال صلى الله عليه وسلم «إني خيرت فاخترته» يعني: الاستغفار رواه البخاريّ {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} . روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام: «سأزيد على السبعين» وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل لجواز أن يكون ذلك حداً يخالفه حكم ما وراءه فبين تعالى أن المراد التكثير دون التحديد وإنما خص السبعين من العدد بالذكر لأنّ العرب كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبع وهو عدد شريف فإن السموات سبع والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار سبع والنجوم سبع وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد أي عدّة مراتبه الأصلية والفرعية مع ذكر أول فروع فروعه وهي سبعة آحاد عشرات مئين آحاد ألوف عشرات ألوف مئين ألوف آحاد ألوف الألوف وقوله تعالى: {ذلك بأنهم كفروا با ورسوله} إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها {وا لا يهدي القوم الفاسقين} أي: المتمردين في كفرهم وهو كالتنبيه على عذر النبيّ صلى الله عليه وسلم في استغفاره وهو عدم يأسهم عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى: {ما كان
للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} (التوبة، 113) {فرح المخلفون} عن غزوة تبوك {بمقعدهم} أي: بقعودهم فهو اسم للمصدر {خلاف رسول الله} هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين وهو فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد والمخلف المتروك ممن مضى. فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا فكانوا متخلفين. لا مخلفين أجيب: بأنّ من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف حيث لم ينهض وأقام. تنبيه: قوله تعالى: {خلاف} فيه قولان: الأوّل: وهو قول الزجاج بمعنى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار وأقاموا قال وهو منصوب لأنه مفعول له والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني: قال الأخفش: إن خلاف بمعنى خلف ومعناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} تعريض للمؤمنين بتحملهم المشاق لوجه الله تعالى بما فعلوا من بذل أنفسهم وأموالهم وإيثارهم ذلك على السكون والراحة وكره ذلك المنافقون وكيف لا يكرهون وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان {وقالوا} أي: قال بعض المنافقين لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطاً {لا تنفروا} أي: لا تخرجوا إلى الجهاد {في الحرّ} وكانت غزوة تبوك في شدّة الحر فأجاب الله تعالى عن هذا بقوله تعالى: {قل نار جهنم أشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون} أي: يعلمون أنّ بعد هذه الدار داراً أخرى وأن بعد هذه الحياة حياة أخرى وأنّ هذه مشقة منقضية وتلك مشقة باقية ما تخلفوا ولبعضهم *مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم اربها شبه الصابي* *فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب* وقوله تعالى: {فليضحكوا قليلاً} أي: في الدنيا {وليبكوا كثيراً} أي: في الآخرة ورد بصيغة الأمر ومعناه الإخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ودليل ذلك قوله تعالى: {جزاء بما كانوا يكسبون} أي: أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم وأعمالهم الخبيث في الدنيا. روي أن أهل النفاق يبكون في الآخرة في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم ففرحهم وضحكهم طول أعمارهم في الدنيا قليل بالنسبة إلى الآخرة لأنّ الدنيا فانية والآخرة باقية والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل. روي عن أنس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا فإنّ أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتنفرغ العيون حتى لو أن سفناً أجريت فيها لجرت» قال البيضاوي: ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغمّ والمراد من القلة العدم. {فإن رجعك} أي: ردّك {ا} من غزوة تبوك {إلى طائفة منهم} أي: ممن تخلف بالمدينة من المنافقين وإنما قال: {إلى طائفة منهم} لأنّ منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف أو اعتذر بعذر صحيح، وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين وأراد بالطائفة المنافقين
منهم {فاستأذنوك للخروج} معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك {فقل} يا محمد لهؤلاء الذين طلبوا الخروج معك وهم مقيمون على نفاقهم {لن تخرجوا معي أبداً} أي: في سفر من الأسفار إنّ الله تعالى قد أغناني عنكم وأحوجكم إلي {ولن تقاتلوا معي عدوّاً} إخبار بمعنى النهي للمبالغة وقوله تعالى: {إنكم رضيتم بالقعود أوّل مرّة} تعليل له وكان إسقاطهم من ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم وأوّل مرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} أي: المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان وغيرهم، قال الرازي: واعلم أنّ هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض إخوانه مكر وخداع ورآه مشدّداً فيه مبالغاً في تقرير موجباته فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه وأن يحترز عن مصاحبته، ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمنع المنافقين من الخروج معه إلى الغزوات إذلالاً لهم أمره بمنع الصلاة على من مات منهم إذلالاً لهم أيضاً بقوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} . روي أن ابن أبي ـ رأس المنافقين ـ دعا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه فلما دخل عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم سأله أن يصلي عليه وإذا مات يقوم على قبره ثم أرسل للنبيّ صلى الله عليه وسلم يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني فردّه وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه فقال عمر رضي الله عنه: لم تعطي قميصك للرجس النجس؟ فقال صلى الله عليه وسلم «إنّ قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً وإني أؤمّل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب» فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات جاء ابنه يعرفه وكان ابنه صحابياً خالصاً صالحاً فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «صل عليه وادفنه» فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه فقام عمر رضي الله عنه بينه وبين القبلة فنزلت هذه الآية وأخذ جبريل عليه السلام بثوب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {لا تصل على أحد منهم مات أبداً} قال عمر: فعجبت من جراءتي على النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه وذلك أنّ الوحي ينزل وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفدية من أسارى بدر وقد سبق شرحه، ومنها آية تحريم الخمر، ومنها آية تحويل القبلة، ومنها آية أمر النساء بالحجاب، ومنها هذه الآية، فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدارين ولهذا قال في حقه عليه الصلاة والسلام: «لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً» وإنما لم ينه صلى الله عليه وسلم عن التكفين في القميص ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت تخل بالكرم وكان الله تعالى أمره أن لا يردّ سائلاً بقوله تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} (الضحى، 10) ولأنّ ابنه كان بالوصف المتقدم فأكرمه النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنه ولأن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه صلى الله عليه وسلم ولأنها كانت مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين كان أسر ببدر والمراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر، قال الواحدي: مات في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل:
على أحد منهم ميت، وقوله تعالى: {أبداً} متعلق بقوله: {ولا تصل} والتقدير ولا تصل أبداً على أحد منهم منعاً كلياً دائماً، وقال البيضاوي: مات أبداً يعني: الموت على الكفر فإن إحياء الكافر للتعذيب لا للتمتع فكأنه لم يحيى واختلف في تفسير قوله تعالى: {ولا تقم على قبره} فقال الزجاج: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه قال الكلبي: لا تقم لإصلاح مهمات قبره وهو من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه، وقيل: لا تقم عند قبره لدفن أو زيارة والأوّل أولى لأنّ النهي للتحريم ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله تعالى: {إنهم كفروا با ورسوله وماتوا وهم فاسقون} أي: كافرون يعني: لم يتوبوا قبل موتهم عن كفرهم فسقط بذلك ما قيل: إن الفسق أدنى من الكفر فما الفائدة في وصفهم بعد ذلك بالفسق، وأجيب أيضاً: بأنّ الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً فوصف الله تعالى المنافق بالفسق بعد أن وصفه بالكفر تنبيهاً على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العلم. فإن قيل: كيف همّ صلى الله عليه وسلم أن يصلي على هذا المنافق مع قيام الكفر فيه وقيل: إنه صلى عليه؟ أجيب: بأنّ التكاليف مبنية على قوله صلى الله عليه وسلم «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» فإنه كان ظاهره الإسلام فلما أعلمه الله تعالى بذلك امتنع فلم يصل على منافق بعد ذلك ولا قام على قبره حتى قبض. {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} سبق ذكر هذه الآية في هذه السورة بعينها ولكن حصل بينهما تفاوت في ألفاظ أربعة: أوّلها: أنّ في الآية المتقدّمة {فلا تعجبك} بالفاء وههنا بالواو لأنّ الآية الأولى ذكرت بعد قوله تعالى: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال والأولاد فلهذ المعنى نهاه الله تعالى عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو. ثانيها: أنه قال تعالى في الآية الأولى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} وههنا كلمة لا محذوفه لأنّ مثل هذا الترتيب يبدأ فيه بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف فيقال: لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم وهذه الآية تدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم. ثالثها: أنه تعالى قال هناك: {إنما يريد الله ليعذبهم} وههنا قال: {إنما يريد الله أن يعذبهم} فالفائذة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال وإن ورد حرف التعليل ومعناه أنه كقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله} وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله. رابعها: أنه ذكر في الآية الأولى {في الحياة الدنيا} وههنا أسقط لفظ الحياة تنبيهاً على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة مبلغاً إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهاً على كمال دناءتها، قال الرازي: فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ والعالم بتحقيق القرآن هو الله تعالى. فإن قيل: ما الحكمة في التكرير؟ أجيب: بأنه أشدّ الأشياء جذباً وطلباً للخواطر الاشتغال بالدنيا وهي الأموال والأولاد وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرّة بعد أخرى في المطلوبية والمرغوبية كما أعاد تعالى
قوله في سورة النساء: {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما يشاء} (النساء، 48) مرّتين وقيل: إنما كرّر هذا المعنى لأنّ الآية الأولى في قوم منافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها وهذه الآية في قوم آخرين والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة لم يكن ذكره مع بعضهم مغنياً عن ذكره مع آخرين، وقوله تعالى: {وإذا أنزلت سورة} يحتمل أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها أي: طائفة من القرآن وقيل: المراد بالسورة سورة براءة لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد {أن آمنوا با} أي: بأن آمنوا ويجوز أن تكون أن المفسرة {وجاهدوا مع رسوله} . فإن قيل: كيف يأمر المؤمنين بالإيمان فإنّ ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال؟ أجيب: بأنّ معناه الدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل، وقيل: هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون أي: اخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأنّ الجهاد بغير الإيمان لا يفيد شيئاً ثم حكى الله تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون فقال تعالى: {استأذنك أولو الطول منهم} قال ابن عباس يعني: أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من المال، وقيل: هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم {وقالوا} أي: أولو الطول {ذرنا نكن مع القاعدين} أي: الذين قعدوا لعذر كالمرضى والزمنى، وقيل: مع النساء والصبيان ثم ذمّهم الله تعالى بقوله: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} جمع خالفة أي: النساء اللاتي تخلفن في البيوت، وقيل: الخوالف أدنياء الناس وسفلتهم يقال: فلان خالفه قومه إذا كان دونهم وإنما خص أولو الطول بالذكر لأنّ الذم لهم لازم لكونهم قادرين على السفر والجهاد وأمّا من لا مال له ولا قدرة له على السفر فلا يحتاج إلى الاستئذان قال المفسرون: كان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف {وطبع} أي: وختم {على قلوبهم} أي: هؤلاء المنافقين {فهم لا يفقهون} أي: لا يعلمون ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاوة والخذلان ولما شرح الله سبحانه وتعالى حال المنافقين من الفرار عن الجهاد بين حال الرسول والذين آمنوا معه بالضدّ منه بقوله تعالى: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي: بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله تعالى والتقرب إليه وفي قوله تعالى: {لكن} فائدة وهي تقرير أنه وإن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير منهم وأخلص نية واعتقاداً كقوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً} (الأنعام، 89) ، ولما وصفهم الله تعالى بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع وهو أنواع: أوّلها: ما ذكره تعالى بقوله سبحانه: {وأولئك لهم الخيرات} أي: منافع الدارين النصرة والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة، وقيل: الخيرات الحور العين لقوله تعالى: {فيهنّ خيرات حسان} (الرحمن، 70) ثانيها: ما ذكره الله تعالى بقوله: {وأولئك هم المفلحون} أي: الفائزون بالمطالب المتخلصون من العقاب والعتاب وثالثها: ما ذكره بقوله تعالى: {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} هذا بيان ما لهم من الخيرات الأخروية. {وجاء المعذرون} بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: المعتذرون بمعنى المعذورين {من الأعراب} إلى
النبي صلى الله عليه وسلم {ليؤذن لهم} في القعود لعذرهم فأذن لهم واختلف في هؤلاء المعذرين فقيل: هم أسد وغطفان قالوا: إنّ لنا عيالاً وإن بنا جهداً فائذن لنا في التخلف، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وسلم «سيغنيني الله عنكم» وقيل: نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله، وعن قتادة: اعتذروا بالكذب والاعتذار في كلام العرب على قسمين: يقال: اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله تعالى: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} (التوبة، 94) فردّ الله تعالى عيهم بقوله: {قل لا تعتذروا} (التوبة، 94) فدلّ ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه. ويقال: اعتذر إذا أتى بعذر صحيح كما في قول لبيد: *ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر* يريد: فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو التعذير الذي هو التقصير، يقال: عذر يعذر إذا قصر ولم يبالغ فعلى هذا المعنى يحتمل أنهم كانوا صادقين في اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكره قال بعده: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي: في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار فلما فصل بينهم وميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين. ويروى عن عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام فقال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {وجاء المعذرون} وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبه عذر جراءة على الله وهم المراد بقوله تعالى: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} {سيصيب الذين كفروا منهم} أي: من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره {عذاب أليم} في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار. ولما بين سبحانه وتعالى الوعيد في حق من توهم العذر مع أنه لا عذر له ذكر أصحاب الأعذار الحقيقة وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط بقوله تعالى: {ليس على الضعفاء} كالشيوخ ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفاً نحيفاً {ولا على المرضى} كالزمنى والعرج والعمي {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} في الجهاد {حرج} أي: إثم في التخلف عنه فنفى سبحانه وتعالى عن هذه الأقسام الثلاثة الحرج فيجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج لأنّ الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بقدر قدرته إما لحفظ متاعهم أو لتكثير سوادهم بشرط أن لا يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم كان ذلك طاعة مقبولة ثم إنه سبحانه وتعالى شرط في جواز هذا التأخر عن الغزو شرطاً بقوله: {إذا نصحوا ورسوله} في حال قعودهم بالإيمان والطاعة في السرّ والعلانية وأن يحترزوا عن إلقاء الإرجافات وعن إثارة الفتن ويسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا إما أن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم وإما أن يسعوا إلى إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد وقوله تعالى: {ما على المحسنين} في موضع ما عليهم لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم {من سبيل} أي: طريق إلى ذمهم أو لومهم والمعنى أنه سدّ بإحسانه طريق العتاب ومن أعظم الإحسان من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله مخلصاً من قلبه فإن ما عليه من سبيل في نفسه وماله لإباحة الشرع بدليل منفصل إذ العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان ورأس أبواب الإحسان ورئيسها هو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله {وا غفور} أي: محاء للذنوب {رحيم} أي: بجميع عباده، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير وإن اجتهد فلا يسعه إلا العفو ولما ذكر الله سبحانه وتعالى الضعفاء والمرضى والفقراء وبين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله وهو كونهم محسنين وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ذكر قسماً رابعاً من المعذورين بقوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} إلى الغزو وهم البكاؤن سبعة من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية بن زيد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: بدرنا بالخروج أي: أسرعنا فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين وقيل: هم بنو مقرن من مزينة وكانوا ثلاثة أخوة معقل وسويد والنعمان وقيل: أبو موسى وأصحابه وقيل: نزلت في العرباض بن سارية، ويحتمل أنها نزلت في كل من ذكر، وقوله تعالى: {قلت لا أجد ما أحملكم عليه} حال من الكاف في أتوك بإضمار قد وقوله تعالى: {تولوا} جواب إذا {وأعينهم تفيض} أي: تسيل {من الدمع} أي: دمعها فان، ومن للبيان كقولك: أفديك من رجل، وهو أبلغ من يفيض دمعها لأنه يدلّ على أن العين صارت دمعاً فياضاً وقوله تعالى: {حزناً} منصوب على العلة {أن لا يجدوا} أي: لئلا يجدوا محله نصب على أنه مفعول له وناصبه المفعول له الذي هو حزناً {ما ينفقون} في الجهاد ولما قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} قال تعالى في حق من يعتذر: {ولا عذر له} . {إنما السبيل} أي: إنما يتوجه الطريق بالعقوبة {على الذين يستأذنونك} يا محمد في التخلف عنك والجهاد {وهم أغنياء} أي: قادرون على أهبة الخروج معك وقوله تعالى: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} استئناف كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف وهم النساء والصبيان {وطبع الله على قلوبهم} فلأجل ذلك الطبع قال الله تعالى: {فهم لا يعلمون} أي: ما في الجهاد من منافع الدارين، أمّا في الدنيا فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو، وأمّا في الآخرة فالثواب والنعيم الدائم الذي لا ينقطع. {يعتذرون} أي: هؤلاء المنافقون {إليكم} أي: في التخلف {إذا رجعتم} من الغزو {إليهم} بالأعذار الباطلة والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً له ويحتمل أن يكون له وللمؤمنين. يروى أن الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من المنافقين كانوا بضعة وثلاثين رجلاً فلما رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل قال تعالى: {قل} لهم يا محمد {لا تعتذروا} بالمعاذير الباطلة {لن نؤمن لكم} أي: لن نصدّقكم فيما اعتذرتم به وقوله تعالى: {قد نبأنا} أي: أعلمنا {الله من أخباركم} أي: بعض أحوالكم التي أنتم عليها من الشرّ والفساد علة لانتفاء تصديقهم لأنّ الله تعالى إذا أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الإعلام بأحوالهم وما في ضمائرهم من الشرّ والفساد لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم {وسيرى الله علمكم ورسوله} أي:
أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه {ثم تردّون} أي: بالبعث {إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} أي: الله المطلع على ما في ضمائركم من الخيانة والكذب وإخلاف الوعد وغير ذلك من الخبائث التي أنتم عليها فيجازيكم عليه. {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم} أي: رجعتم {إليهم} من تبوك إنهم معذورون في التخلف {لتعرضوا عنهم} أي: لتصفحوا عنهم فلا تعاتبوهم {فأعرضوا عنهم} أي: فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، قال ابن عباس: يريد ترك الكلام والسلام قال مقاتل: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر تعالى علة الإعراض بقوله: {إنهم رجس} أي: قذر لخبث باطنهم فكما يجب الاحتراز عن الأنجاس الجسمانية يجب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية خوفاً من سريانها إلى الإنسان وحذراً من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال وقوله تعالى: {ومأواهم جهنم} من تمام العلة {جزاء بما كانوا يكسبون} من الأعمال الخبيثة في الدنيا واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية فقال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما كانوا ثمانين رجلاً من المنافقين فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبيّ حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها وطلب من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه فأنزل الله تعالى هذه الآية ونزل. {يحلفون لكم لترضوا عنهم} أي: يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم {فإن ترضوا عنهم} أي: فإن رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا إليكم وقبلتم عذرهم {فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} لأنه تعالى يعلم ما في قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى عنهم والمقصود من الآية عدم الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم. ونزل في سكان البادية: {الأعراب} أي: أهل البدو {أشدّ كفراً ونفاقاً} أي: من أهل الحضر لجفائهم وغلظ طباعهم وبعدهم عن أهل العلم وقلة استماعهم الكتاب والسنة واستيلاء الهواء الحار اليابس عليهم وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم وليسوا تحت سياسة سائس ولا تأديب مؤدّب ولا ضبط ضابط فنشؤوا كما شاؤوا ومن كان كذلك خرج على أشدّ الجهات نفاقاً ولو قابلت الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لعرفت الفرق بين أهل الحضر وأهل البادية. قال العلماء من أهل اللغة: يقال: رجل عربي إذا كان له نسب في العرب وجمعه العرب كما يقال: مجوسي ويهودي ثم تحذف ياء النسب في الجمع فيقال: المجوس واليهود ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدوياً يطلب مساقط الغيث والكلأ وسواء كان من العرب أم من مواليهم ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب. والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب له فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم أعراب والذي يدل على الفرق بينهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حب العرب من الإيمان» وأما الأعراب فقد ذمّهم الله تعالى في هذه الآية. وقيل: سموا بالعرب لأنّ ألسنتهم معربة عما
في ضمائرهم ولا شك أنّ اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة. قال الرازي: ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألسنتهم وعذوبة عباراتهم ثم حكم الله تعالى على الأعراب بحكم آخر بقوله تعالى: {وأجدر} أي: أحق وأولى {أن} أي: بأن {لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} من الأحكام والشرائع فرائضها وسننها {وا عليم} بما في قلوب عباده {حكيم} فيما فرض من فرائضه وأحكامه. {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق} في سبيل الله تعالى {مغرماً} أي: غرامة وخسراناً والغرامة ما ينفقه الرجل وليس يلزمه لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء لا لوجه الله تعالى وابتغاء المثوبة عنده وهم أسد وغطفان {ويتربص} أي: ينتظر {بكم الدوائر} أي: دوائر الزمان أن ينقلب عليكم فيموت النبيّ صلى الله عليه وسلم ويظهر المشركون قال الله تعالى: {عليهم دائرة السوء} دعاء عليهم معترض، قال التفتازاني: بين كلامين لا في أثناء كلام ولا في آخره دعا عليهم بنحو ما دعوا به قال الله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم} (المائدة، 64) أي: يدور عليهم البلاء والحزن ولا يرون في محمد صلى الله عليه وسلم ودينه وأصحابه إلا ما يسوءهم ويكيدهم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين والباقون بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك: رجل سوء في نقيض قولك: رجل صدق {وا سميع} لأقوالهم {عليم} بما تخفي ضمائرهم ولما بين سبحانه وتعالى أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرماً بين أن فيهم قوماً مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنماً بقوله تعالى: {ومن الأعراب من يؤمن با واليوم الآخر} كبعض جهينة ومزينة فوصفهم الله تعالى بوصفين: كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر والمقصود التنبيه على أنه لا بدّ في جميع الطاعات من تقديم الإيمان وفي الجهاد أيضاً كذلك والثاني: ما ذكره بقوله تعالى: {ويتخذ ما ينفق قربات} جمع قربة أي: يقربه {عند الله} الذي لا أشرف من القرب عنده {و} وسيلة إلى {صلوات} أي: دعوات {الرسول} صلى الله عليه وسلم لأنه كان يدعو للمصدقين عنده بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله صلى الله عليه وسلم «اللهم صل على آل أوفى» قال تعالى: {وصل عليهم} أي: ادع لهم ولما كان ما ينفق سبباً لذلك قيل: يتخذ ما ينفق قربات وصلوات الرسول {ألا إنها} أي: نفقاتهم {قربة لهم} عند الله وهذا شهادة من الله تعالى للمؤمن المتصدّق بصحة ما اعتقد من كون نفقاته قربات عند الله وصلوات الرسول وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه وهو قوله تعالى: {ألا} وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى: {إنها} ثم زاد في التأكيد فقال تعالى: {سيدخلهم الله في رحمته} فإن دخول السين توجب مزيد التأكيد وهذه النعمة هي أقصى مرادهم. وقرأ ورش: قربة برفع الراء والباقون بالسكون والأصل هو الضم والإسكان تخفيف {إنّ الله غفور} أي: بليغ الستر لقبائح من تاب {رحيم} بهم. ولما ذكر تعالى فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وما أعدّ لهم من الثواب بين تعالى أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها
بقوله تعالى: {والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار} أما من المهاجرين فقال سعيد بن المسيب: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، وقال محمد بن كعب: هم جماهير الصحابة، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة. واختلف في أوّل الناس إسلاماً وأوّل من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض العلماء: أوّل من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهذا قول جابر واختلفوا في سنه وقت إسلامه فقيل: كان ابن عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر، وقيل: كان بالغاً، والأكثرون على أنه لم يكن بالغاً وقت إسلامه، وقال بعضهم: أوّل من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن عباس، وقال بعضهم: أوّل من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول عروة بن الزبير وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الروايات فيقول: أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء أربعة سباق الخلق إلى الإسلام. وأما من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وهي الأولى وكانوا ستة نفر ثم العقبة الثانية من العام المقبل وكانوا اثني عشر رجلاً ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلاً فهؤلاء سباق الأنصار، وقيل: المراد بالسابقين الأوّلين من سبق إلى الهجرة والنصرة ويدل على هذا أنه تعالى ذكر كونهم سابقين ولم يبين لهم أنهم سابقون في ماذا فبقي اللفظ مجملاً فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما قد صاروا به مهاجرين وأنصاراً وهو الهجرة والنصرة فوجب أن يكون المراد منه السابقين الأوّلين في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ وأيضاً فإنّ الهجرة طاعة عظيمة ومرتبة عالية ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وآووه وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى الله تعالى عليهم ومدحهم {والذين اتبعوهم} أي: الفريقين إلى يوم القيامة {بإحسان} أي: في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقتهم. وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار ويترحمون عليهم ويدعون لهم ويذكرون محاسنهم. وقيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأوّلين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» والمدّ ربع الصاع والنصيف نصفه والمعنى لو أن أحداً عمل مهما قدر عليه من أعمال البرّ والإنفاق في سبيل الله ما بلغ هذا القدر الصغير من عمل الصحابة وإنفاقهم لأنهم أنفقوا وبذلوا المجهود في وقت الحاجة، وعن عمران بن حصين أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعده قرنين أم ثلاثاً. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم بعضاً واختلفوا في مدّته من الزمان من عشر سنين إلى عشرين سنة، وقيل: من مائة إلى مائة وهذا هو المشهور وقيل: من مائة إلى مائة وعشرين سنة ثم جمعهم الله تعالى في الثواب فقال: {رضي الله عنهم} فالسابقون مرتفع بالابتداء وخبره رضي الله عنهم أي: بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم {ورضوا عنه} بما أفاض عليهم
من نعمه الجليلة في الدنيا والآخرة {وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار} أي: هي كثيرة المياه فكل موضع أردته نبع منه ماء يجري منه نهر. وقرأ ابن كثير بزيادة من تحتها وبجرّ التاء بعد الحاء والباقون بغير من وفتح التاء، ثم نفى سبحانه الانقطاع بقوله تعالى: {خالدين فيها} وأكد المراد من الخلود بقوله تعالى: {أبداً} ثم استأنف مدح هذا الذي أعدّه لهم بقوله تعالى: {ذلك} أي: الأمر العالي الرتبة {الفوز العظيم} ولما شرح تعالى أحوال منافقي المدينة ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم وهم السابقون والمهاجرون والأنصار، ذكر أنّ جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق بقوله تعالى: {وممن حولكم} أي: أهل بلدتكم وهي المدينة {من الأعراب منافقون} وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها وقوله تعالى: {ومن أهل المدينة} عطف على خبر المبتدأ الذي هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت: ومن أهل المدينة قوم {مردوا على النفاق} على أن مردوا صفة موصوف محذوف كقول الشاعر: *أنا ابن جلا وطلاع الثنايا* أي: أنا ابن رجل جلا فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق أي: ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه وأصل المرود الملاسة ومنه صرّح ممرّد وغلام أمرد {لا تعلمهم} بأعيانهم أي: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك لفرط توقيهم ما يشكك في أمرهم ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله تعالى: {نحن نعلمهم} أي: لا يعلمهم إلا الله تعالى ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين لا تشك معه في إيمانهم وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به فلهم فيه اليد الطولى واختلفوا في تفسير قوله تعالى: {سنعذبهم مرّتين} فقال الكلبي والسدي: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج من المسجد جماعة من المنافقين وفضحهم فهذا هو العذاب الأوّل والثاني عذاب القبر. فإن قيل: كيف هذا مع قوله تعالى {لا تعلمهم نحن نعلمهم} ؟ أجيب: بأنه تعالى أعلمه بهم بعد ذلك. وقال مجاهد: الأوّل: القتل والسبي، والثاني: عذاب القبر، وقال ابن زيد: الأوّل: المصائب في الأولاد، والثاني: عذاب الآخرة، وقال ابن عباس: الأوّل: إقامة الحدود عليهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: عذبوا بالجوع مرّتين، وقيل: الأول: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: الأوّل: إحراق مسجدهم مسجد الضرار، والثاني: إحراقهم بنار جهنم كما قال تعالى: {ثم يردون} أي: في الآخرة {إلى عذاب عظيم} هو النار وقوله تعالى: {وآخرون} أي: وقوم آخرون مبتدأ وقوله تعالى: {اعترفوا بذنوبهم} ولم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة نعته، والخبر {خلطوا عملاً صالحاً} أي: وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك {وآخر سيئاً} أي: وهو تخلفهم {عسى الله أن يتوب عليهم إنّ الله عفور رحيم} يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة
تبوك، واختلف في عددهم فعن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة عشر وروي عنه أنهم كانوا خمسة وقال سعيد بن جبير: كانوا ثمانية، وقيل: كانوا ثلاثة ندموا لما بلغهم ما نزل بالمتخلفين وتابوا وقالوا: نكون في الظلال ومع النساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره وقرب من المدينة قالوا: والله لنوثقنّ أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقها ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد على عادته في رجوعه من سفره فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا الا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم وترضى عنهم فقال: «وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية» فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها خذها فتصدّق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً» فأنزل الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} من الذنوب أو حب المال المؤدّي إلى مثله وتجري لهم مجرى الكفارة هذا قول الحسن كان يقول: ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي كفارة الذنب الذي صدر ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم وتصدّق بها وأبقى لهم الثلثين ولم يأخذ الجميع لأنّ الله تعالى قال: {خذ من أموالهم} والصدقة الواجبة لا يؤخذ فيها ثلث المال {وتزكيهم بها} أي: وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين {وصل عليهم} أي: واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم والسنة أن يدعو آخذ الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها. وعن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصدقة: أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت. {إن صلاتك سكن لهم} أي: تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم لأنّ روحه صلى الله عليه وسلم كانت روحاً قوية مشرقة صافية باهرة فإذا دعا صلى الله عليه وسلم لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوّة روحه الروحانية على أرواحهم فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم وانتقلوا من الظلمة إلى النور ومن الجسمانية إلى الروحانية فحصل لهم بذلك غاية الطمأنينة. وقرأ حفص وحمزة والكسائيّ: صلاتك بغير واو بعد اللام ونصب التاء على التوحيد، والباقون بالواو وكسر التاء على الجمع لتعدّد المدعوّ لهم. قيل: إنّ هذه الآية كلام مبتدأ والمقصود منها إيجاب أخذ الزكوات من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكاة وقالوا في الزكاة: إنها طهرة {وا سميع} لأقوالهم واعترافهم ودعائك لهم {عليم} بندامتهم ونياتهم. ولما حكى سبحانه عن القوم الذين تقدّم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدّقوا وهناك لم يذكر إلا قوله: {عسى الله أن يتوب عليهم} وما كان ذلك صريحاً في قبول التوبة ذكر بعد ذلك أنه يقبل التوبة وأنه سبحانه يأخذ الصدقات ترغيباً لمن لم يتب في التوبة وترغيباً لكل العصاة في الطاعة بقوله تعالى: {ألم يعلموا أنّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ} أي: يقبل {الصدقات} والضمير إما للمتوب
عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم وإمّا لغيرهم والمراد به التحضيض عليها والآية وإن وردت بصيغة الاستفهام إلا أنّ المراد بها التقرير في النفس، ومن عادة العرب في إفهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا أما علمت أنّ من علمك يجب عليك خدمته أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره. فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم ترغيباً في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ترغيباً في التوبة ثم زاد تأكيداً بقوله تعالى: {وأنّ الله هو التوّاب الرحيم} أي: وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن الله يقبلها من عبده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد مؤمن يتصدّق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب إلا يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى أنّ اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم، ثم قرأ: {أنّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} » . {وقل اعملوا} أي: وقل لهم أو للناس يا محمد اعملوا ما شئتم {فسيرى الله عملكم} فإنه لا يخفى عليه شيء خيراً كان أو شرّاً، فيه ترغيب عظيم للمطيعين ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال: اجتهدوا في العمل في المستقبل فإنّ الله تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها {و} يرى أيضاً {رسوله والمؤمنون} أعمالكم، أما رؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم فبإطلاع الله إياه على أعمالكم، وأما رؤية المؤمنين فبقذف الله تعالى في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المفسدين {وستردّون إلى عالم الغيب والشهادة} أي: وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم سرّكم وعلانيتكم ولا يخفى عيه شيء من أعمال بواطنكم وظواهركم {فينبئكم} أي: فيخبركم {بما كنتم تعملون} من خير وشر فيجازيكم على أعمالكم. واعلم أن الله تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام: أوّلهم: المنافقون الذين مردوا على النفاق. والثاني: التائبون وهم المرادون بقوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} وبين أنه تعالى قبل توبتهم. والقسم الثالث: الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في قوله تعالى: {وآخرون} أي: من المتخلفين {مرجون} أي: مؤخرون عن التوبة. وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز بين الجيم والواو، والباقون بهمزة مضمومة بين الجيم والواو {لأمر الله} أي: لحكم الله تعالى فيهم، والفرق بين القسم الثاني وبين هذا أن أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا إليها، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وستأتي قصتهم عند قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} تخلفوا كسلاً وميلاً إلى الراحة لا نفاقاً ولم يعتذروا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم بعد {إمّا يعذبهم} بأن يميتهم من غير توبة {وإمّا يتوب عليهم} إن تابوا. فإن قيل: كلمة أما وإمّا للشك والله تعالى منزه عن ذلك. أجيب: بأن الترديد بالنسبة للعباد أي: ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء فإنّ الله تعالى لا تخفى عليه
خافية وفي هذا دليل على أنّ كلا الأمرين بإرادة الله تعالى {وا عليم} بأحوال عباده {حكيم} فيما يفعل بهم. ولما ذكر تعالى أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال تعالى: {والذين اتخذوا مسجداً} قال ابن عباس رضي الله عنه: وهم إثنا عشر رجلاً من المنافقين بنوا مسجداً {ضراراً} أي: مضارّة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء {وكفراً} أي: وتقوية للنفاق، وقال ابن عباس: يريدون به ضراراً للمؤمنين وكفراً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وقال غيره: اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على النبيّ صلى الله عليه وسلم والإسلام {وتفريقاً بين المؤمنين} لأنهم كانوا جميعاً يصلون بمسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدّي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة {وإرصاداً} أي: ترقباً {لمن حارب الله ورسوله} وهو أبو عامر والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة وكان قد ترهب في الجاهلية وتنصر ولبس المسوح فلما قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة عاداه لأنه زالت رياسته وقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم عليه السلام، فقال له أبو عامر: إنا عليها، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «إنك لست عليها» فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريداً وحيداً غريباً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «آمين» وسماه الفاسقى فلما كان يوم أحد قال أبو عامر: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من القوّة والسلاح وابنوا لي مسجداً فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد، وقوله تعالى: {من قبل} متعلق بحارب أي: حارب من قبل أن يبنى مسجد الضرار أو باتخذوا أي: اتخذوا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف. ولما وصف تعالى هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال تعالى: {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} أي: وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهي الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المظلمة والليلة الشاتية {وا يشهد إنهم لكاذبون} في قولهم. تنبيه: قوله تعالى: {والذين اتخذوا} محله نصب على الاختصاص كقوله تعالى: {والمقيمين الصلاة} (النساء، 162) أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي: وممن ذكرنا الذين. ولما بنى المنافقون ذلك المسجد للأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وقالوا: يا رسول الله بنينا مسجداً لذي العلة والليلة المظلمة والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا فيه بالبركة فقال صلى الله عليه وسلم «إني على جناح سفر في حال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه» فلما قفل أي: رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد نزل قوله تعالى: {لا تقم فيه أبداً} قال ابن عباس رضي الله عنهما معناه لا تصلّ فيه أبداً، وقال الحسن: همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل: لا تقم فيه أبداً فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن
السكن ووحشياً فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا جميعاً سريعاً حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج لكم بنار من أهلي فدخل إلى أهله وأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فهدموه وأحرقوه وتفرّق عنه أهله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك الموضع كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيداً فريداً غريباً وقيل: كل مسجد بني مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى أو بمال غير طيب فهو ملحق بمسجد الضرار. وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه وقوله تعالى: {لمسجد} اللام فيه للابتداء وقيل: لام القسم تقديره والله لمسجد {أسس} أي: وضع أساسه وقواعده {على التقوى} أي: تقوى الله تعالى {من أوّل يوم} أي: من أوّل أيام وجوده لأن من تعم الزمان والمكان أي: فأحاطت به التقوى لأنها إذا أحاطت بأوّله أحاطت بآخره {أحق} أي: أولى {أن} أي: بأن {تقوم} أي: تصلي {فيه} ، واختلف في هذا المسجد الذي أسس على التقوى فقيل: هو مسجد المدينة قاله زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد رضي الله عنه: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة» أي: ثوابت، وقيل: هو مسجد قباء قاله سعيد بن جبير وقتادة أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة ويدل على هذا قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} أي: من المعاصي والخصال المذمومة طلباً لمرضاة الله تعالى عليهم {وا يحب المطهرين} أي: يثيبهم ويرضى عنهم ويدنيهم من جنابه إدناء المحب حبيبه. روي أنها لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: «أمؤمنون أنتم؟» فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أترضون بالقضاء؟» فقالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟» قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: «مؤمنون ورب الكعبة» فجلس ثم قال: «يا معشر الأنصار إنّ الله عز وجل قد أثنى عليكم فماذا الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟» فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {رجال يحبون أن يتطهروا} . وروى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن ساعدة إنه صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: «إنّ الله تعالى قد أحسن إليكم الثناء في الطهر وفي قصة مسجدكم فما الطهور الذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا كان لنا جيران من اليهود فكانوا
يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا وفي حديث رواه البزار فقالوا: نتبع الحجارة بالماء فقال: «هو ذاك فعليكموه» ، وقيل: كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء إثر البول، وعن الحسن هو التطهر من الذنوب بالتوبة، وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم. {أفمن أسس بنيانه} أي: بنيان دينه {على تقوى من الله ورضوان} أي: على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه {خير أم من أسس بنيانه على شفا} أي: طرف {جرف} أي: جانب {هار} أي: على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار أي: مشرف على السقوط {فانهار به} أي: سقط مع بانيه {في نار جهنم} خير وهذا تمثيل للبناء على ضدّ التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير أي: الأوّل خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار قال الرازي: ولا نرى في العالم مثالاً أحسن مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال وحاصل الكلام إنّ أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله تعالى ورضوانه والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر فكان البناء الأوّل شريفاً واجب الإبقاء وكان الثاني خسيساً واجب الهدم. قيل: حفرت بقعة في مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منها، وقرأ نافع وابن عامر: أفمن أسس بضم الهمزة وكسر السين الأولى مع التشديد وضم النون قبل الهاء، والباقون بفتح الهمزة والسين مع التشديد أيضاً ونصب النون قبل الهاء، وقرأ شعبة: رضوان بضم الراء، والباقون بالكسر. ورسمت أم هنا مقطوعة من من والكلام على أسس بنيانه كالكلام على التي قبلها، وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة جرف بسكون الراء والباقون بالرفع، وأما شفا فلا تمال بخلاف هار فإن أبا عمرو وشعبة والكسائيّ يقرؤونه بالإمالة المحضة، وابن ذكوان بالفتح والإمالة، وورش بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح {وا لا يهدي القوم الظالمين} أي: إلى ما فيه صلاح ونجاة. {لا يزال بنيانهم الذي بنوا} أي: بناؤهم الذي بنوه وهو مصدر كالغفران والمراد هنا المبنى وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال: ضرب الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وليس بجمع خلافاً للواحدي في تجويزه أن يكون جمع بنيانه لأنه وصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: {ريبة} أي: شكاً {في قلوبهم} والمعنى: إنّ بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم فجعل نفس ذلك البنيان ريبة وإنما جعل سبباً للريبة لأنّ المنافقين فرحوا ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه عظم خوفهم في كل الأوقات وصاروا مرتابين في أنهم هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم، وقال الكلبي: صار حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه، وقال السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة أي: حرارة وغيظاً في قلوبهم {إلا أن تقطع قلوبهم} قطعاً إمّا بالسيف وإمّا بالموت بحيث لا يبقى لهم قابلية الإدراك وقيل: التقطع بالتوبة ندماً وأسفاً {وا عليم} بأحوالهم وأحوال عباده {حكيم} في الأحوال التي يحكم بها عليهم وعلى غيرهم. ولما تقدّم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى: {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} الآية، ثم الحزم بالجهاد بالنفس والمال في قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً} الآية ذكر فضيلة الجهاد وحقيقته بقوله تعالى: {إنّ الله اشترى} أي: بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة {من
المؤمنين} بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه {أنفسهم} التي تفرد بخلقها {وأموالهم} التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم وقدم النفس إشارة إلى أن المبايعة سابقة على اكتساب المال، ولما ذكر البيع أتبعه الثمن بقوله تعالى: {بأنّ لهم الجنة} مثل الله تعالى إثابتهم على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء. وروي تاجرهم الله تعالى فأغلى لهم الثمن، وعن عمر رضي الله عنه فجعل لهم الصفقتين جميعاً، وعن الحسن أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رازقها. وروي أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت. ومرّ أعرابي على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأها فقال: الأعرابي كلام من؟ قال عليه الصلاة والسلام: «كلام الله عز وجل» ، فقال الأعرابي: والله بيع مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد. وقال الحسن: اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة بايع الله تعالى بها كل مؤمن والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة والمراد بالأموال إنفاقها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم، وفي جميع وجوه البر والطاعات، وقوله تعالى: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} استئناف بيان ما لأجله الشراء، وقيل: يقاتلون في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المقتولين على القاتلين لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب ولأن فعل البعض قد يسند إلى الكل أي: فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي والباقون بتقديم القاتلين وقوله تعالى: {وعداً عليه حقاً} مصدران منصوبان بفعليهما المحذوفين ثم أخبر الله تعالى بأنّ هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت {في التوراة} كتاب موسى عليه السلام {والإنجيل} كتاب عيسى عليه السلام {والقرآن} أي: قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن أي: الكتاب الجامع لكل ما قبله {ومن أوفى بعهده من الله} أي: لا أحد أوفى منه سبحانه لأنّ الإخلاف لا تُقدِمُ عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق وقوله تعالى: {فاستبشروا} فيه التفات عن الغيبة أي: فافرحوا غاية الفرح {ببيعكم الذي بايعتم به} فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال تعالى: {وذلك هو الفوز العظيم} . تنبيه: هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيد: أوّلها: قوله تعالى: {إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} بكون المشتري هو الله تعالى المقدّس عن الكذب والخيانة وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد، ثانيها: أنه تعالى عبر عن إيصاله هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد، ثالثها: قوله تعالى: {وعداً} ووعد الله تعالى حق، رابعها: قوله تعالى: {عليه} وكلمة على للوجوب، خامسها: قوله تعالى: {حقاً} وهو لتأكد التحقيق، سادسها: قوله تعالى: {في التوراة والإنجيل والقرآن} وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة، سابعها: قوله تعالى: {ومن أوفى بعهده من الله} وهو غاية في التأكيد، ثامنها: قوله تعالى: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} وأيضاً هو مبالغة في التأكيد، تاسعها: قوله تعالى: {وذلك هو الفوز} ، وعاشرها قوله تعالى: {العظيم} فثبت
اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق. ولما ذكر تعالى في هذه الآية أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بين أنّ أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة الآتية: أولها: قوله تعالى: {التائبون} وهو مرفوع على المدح أي: هم التائبون يعني المذكورين في قوله تعالى: {إنّ الله اشترى من المؤمنين} وقال الزجاج: لا يبعد أن يكون قوله: {التائبون} مبتدأ وخبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله تعالى: {وكلا وعد الله الحسنى} أو خبره ما بعده أي: التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال والتائبون صيغة عموم محلاة بالألف واللام فتتناول التوبة من كل معصية والتوبة إنما تحصل عند أربعة أمور: أوّلها: احتراق القلب عند صدور المعصية. ثانيها: الندم على ما مضى. ثالثها: العزم على الترك في المستقبل. رابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته فإن كان غرضه منها رفع مذمّة الناس وتحصيل مدحهم أو لغرض من الأغراض الدنيوية فليس بتائب ولا بد من ردّ المظالم إلى أهلها إن كانت. الصفة الثانية قوله تعالى: {العابدون} أي: الذين أخلصوا العبادة لله وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السرّاء والضرّاء، وقال قتادة: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم. الصفة الثالثة قوله تعالى: {الحامدون} وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه ديناً ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «أوّل من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء» . الصفة الرابعة قوله تعالى: {السائحون} واختلف في المراد منهم فقال ابن مسعود وابن عباس: هم الصائمون قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصوم وقال صلى الله عليه وسلم «سياح أمّتي الصوم» وعن الحسن أنّ هذا صوم الفرض، وقيل: هم الذين يديمون الصيام، قال الأزهري: قيل للصائم سائح لأنّ الذي يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه كان ممسكاً عن الأكل والصائم ممسك عن الأكل فلهذا المشابهة يسمى الصائم سائحاً، وقال عطاء: السائحون الغزاة في سبيل الله تعالى. وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة فقال: «إنّ سياحة أمّتي الجهاد في سبيل الله» وقال عطاء: السائحون هم طلاب العلم والسياحة أمر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقى أفاضل مختلفين فيستفيد من كل واحد فائدة مخصوصة وقد يلقى الأكابر من الناس فيستحقر نفسه في مقابلتهم وقد يصل إلى المدارسة الكثيرة فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته وبالجملة فالسياحة لها أثر قوي في الدين. الصفة الخامسة والسادسة: قوله تعالى: {الراكعون الساجدون} أي: المصلون وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنّ بهما يتميز المصلي عن غيره بخلاف حالة القيام والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره ولأنّ القيام أوّل مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة
نهاية الخضوع والتعظيم. الصفة السابعة والثامنة: وقوله تعالى: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} أي: الآمرون بالإيمان والطاعة والناهون عن الشرك والمعصية ودخول الواو في والناهون عن المنكر للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة فكأنه قال: الجامعون بين الوصفين ولأنّ العرب تعطف بالواو على السبعة ومنه قوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} (الكهف، 22) وقوله تعالى في صفة الجنة: {وفتحت أبوابها} (الزمر، 22) إيذاناً بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التامّ والثامن تعداد آخر معطوف عليه ولذلك تسمى واو الثمانية، وقيل: الموصون بهذه الصفات هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعلى هذا يكون قوله تعالى: {التائبون} إلى قوله: {الساجدون} مبتدأ خبره هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. الصفة التاسعة: قوله تعالى: {والحافظون لحدود الله} أي: لأحكامه بالعمل بها والمقصود أنّ تكاليف الله تعالى كثيرة وهي محصورة في نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالعبادات، والثاني: ما يتعلق بالمعاملات. فإن قيل: ما الحكمة في أنّ الله تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل ثم ذكر عقبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة التاسعة؟ أجيب: بأنّ التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل، وأمّا البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء وأحكام الجنايات ودخل في هذه الصفة التاسعة رعاية أحوال القلوب بل البحث عنها، والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى لأنّ أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب. ثم ذكر سبحانه وتعالى عقب هذه الصفات التسعة قوله تعالى: {وبشر المؤمنين} تنبيهاً على أن البشارة في قوله تعالى: {فاستبشروا} لم تتناول إلا المؤمنين الموصفين بهذه الصفات التسعة وحذف تعالى المبشر به للتعظيم فكأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الإفهام وتعبير الكلام. واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} فقال سعيد بن المسيب عن أبيه إنه نزل في شأن أبي طالب وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء لعمه أبي طالب لما حضرته الوفاة فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان عليه إلى تلك المقالة حتى قال أبو طالب: آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال صلى الله عليه وسلم «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك» فنزل ذلك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا يعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} (القصص، 56) الآية. وقال بريدة لما قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمّه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له يستغفر لها فنزل {ما كان للنبيّ}
الآية، وقال أبو هريرة: زار النبيّ صلى الله عليه وسلم قبر أمّه آمنة فبكى وأبكى من حوله وقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزورها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت، وقال قتادة: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وروى الطبراني بسنده عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجالاً قالوا: يا نبيّ الله إنّ من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني أفلا نستغفر لهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم «والله لأستغفرنّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله تعالى {ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} أي: بأن ماتوا على الكفر قال البيضاوي: وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} أي: وعدها إبراهيم أباه بقوله: لأستغفرنّ لك أي: لأطلبنّ مغفرة لك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب أي: يقطع ويمحو ما قبله، وقرأ هشام: أبراهام بالألف بعد الهاء في الموضعين، والباقون بالياء فيهما {فلما تبيّن له أنه عدو} بأن مات على الكفر أو أوحى الله تعالى إليه إنه لن يؤمن {تبرأ منه} أي: قطع استغفاره {إنّ إبراهيم لأوّاه} أي: كثير التضرع والدعاء {حليم} أي: صبور على الأذى والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار لأبيه مع صعوبة خلق أبيه عليه. {وما كان الله ليضل قوماً} أي: يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم المنهي عنه {بعد إذ هداهم} للإسلام {حتى يبيّن لهم} بياناً شافياً لداء العمى {ما يتقون} أي: ما يجب اتقاؤه للنهي، أمّا قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه، وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ذلك، وفي الجملة دليل على أنّ الغافل غير مكلف {إنّ الله بكل شيء عليم} أي: بالغ العلم فهو يبيّن لكم ما تأتون وما تذرون مما يتوقف عليه الهدى وما تركه تعالى فإنما يتركه رحمة لكم لا يضل ربي ولا ينسى. {إن الله له ملك السموات والأرض} فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم أو يضرّكم {يحيي ويميت} أي: يحيي من شاء على الإيمان ويميته عليه ويحيي من شاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده {وما لكم} أيها الناس {من دون الله} أي: غيره {من ولي} يحفظكم منه {ولا نصير} يمنع عنكم ضرره. {لقد تاب الله} أي: أدام توبته {على النبيّ والمهاجرين والأنصار} وافتتح الله تعالى الكلام بذكر توبة النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه كان سبب توبتهم فذكره معهم كقوله تعالى: {فأنّ خمسه وللرسول} (الأنفال، 41) ونحوه، وقيل: هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبيّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى: {وتوبوا
إلى الله جميعاً} (النور، 31) إذ ما من أحد إلا وله مقام ينتقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده. فائدة: اتفق القرّاء على إدغام دال قد في التاء. {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} أي: في وقت العسرة لم يرد ساعة بعينها وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة والجيش يسمى جيش العسرة والعسرة الشدّة فكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء. قال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوّس والشعير المتغير وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ورضي عنا بهم آمين. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أنّ رقابنا ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقي على كبده وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أنّ رقبته ستقطع فقال أبو بكر: يا رسول الله إنّ الله تعالى قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع الله تعالى قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فلم يرجعا حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأنا ما معنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. {من بعدما كاد تزيغ} أي: قرب أن تميل {قلوب فريق منهم} أي: همّ بعضهم عند تلك العسرة العظيمة أن يفارق النبيّ صلى الله عليه وسلم لكنه صبر واحتسب ولم يرد الميل عن الدين فلذلك قال الله تعالى: {ثم تاب عليهم} لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر العسير. فإن قيل: قد ذكر الله تعالى التوبة أولاً ثم ذكرها ثانياً فما فائدة التكرار؟ أجيب: بأنّ الله تعالى ذكر التوبة أوّلاً قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطبيباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرّة أخرى تعظيماً لشأنهم وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. وقرأ حفص وحمزة: يزيغ، بالياء على التذكير لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقي، والباقون بالتاء على التأنيث، وأدغم أبو عمرو الدال من كاد في التاء بخلاف عنه {إنه بهم رؤوف رحيم} هاتان صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب فالرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرّ والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة، وقيل: إحداهما للرحمة السابقة والآخرى للمستقبلة وقوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} أي: عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع معطوف على الآية الأولى والتقدير لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم، وهذه الثلاثة كلهم من الأنصار وهم المذكورون في قوله تعالى: {وآخرون مرجون لأمر الله} (التوبة، 106) روي عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: وكان أعلم قومه وأوعاهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فأخبرهم بوجهه الذي يريد فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا فهممت أن أرتحل وأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك وكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أن لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في معطفيه فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب: فلما بلغني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه قافلاً حضرني همي وطفقت أذكر الكذب وأقول بمَ أخرج به من سخطه غداً واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظلّ قادماً راح عني الباطل وعرفت إني لم أخرج بشيء أبداً فيه كذب وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس وجاءه المخلفون يتعذرون إليه ويحلفون له وكانوا تسعة وثمانين رجلاً فقبل منهم صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم الغضبان ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قلت: بلى يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطك بعذر ولقد أعطيت جزلاً ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديت كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله ما كان لي من عذر والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمّا هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا وقد كان كافيك لذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لهم: هل أتى هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً ففيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس ولبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أثبت القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت حائط أبي قتادة وهو ابن عمّ لي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما ردّ عليّ السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطيّ من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه يقول: من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني فدفع إليّ كتاباً من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فقد بلغني أنّ صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأته: وهذا أيضاً من البلاء فيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهنّ فقلت لامرأتي: إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر قال كعب: فجاءت امرأة هلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: إنّ هلالاً شيخ ضعيف ليس له خادم هل تكره أن أخدمه؟ فقال: اخدميه ولكن لا يقربك قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء والله لا يزال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا فقال بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك لأذن لك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال الذي ذكره الله تعالى في قوله: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي: مع رحبها أي: سعتها فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه {وضاقت عليهم أنفسهم} أي: قلوبهم بالغم والوحشة أي: بتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس {وظنوا} أي: أيقنوا {أن} مخففة {لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم} أي: وفقهم للتوبة {ليتوبوا إنّ الله هو التوّاب الرحيم} إذ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجداً وعرفت أنه جاء فرج وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبيّ مبشرون ورجل رحل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم فأوفى إلى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ وكسوته إياهما والله ما أملك غيرهما يومئذٍ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنؤنني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني رضي الله تعالى عنه والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» ثم تلا علينا الآية، وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه. ولما حكم الله بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون كالزاجر عن مثل فعل ما مضى وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد بقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي: بترك معاصيه {وكونوا مع الصادقين} أي: مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين في الغزوات ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت وقيل: كونوا مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة الكاذبة وقيل مع بمعنى من أي: وكونوا من الصادقين. تنبيه: في الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته ويدلّ عليه أيضاً أشياء: منها ما روي عن ابن مسعود أنه قال: عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البرّ والبرّ يقرب إلى الجنة وإنّ العبد ليصدق فيكتب عند الله تعالى صدّيقاً وإياكم والكذب فإنّ الكذب يقرّب إلى الفجور والفجور يقرّب إلى النار وإنّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ألا ترى أنه يقال: صدقت وبررت وكذبت وفجرت. ومن
بقية أحكام الجهاد فعلى الأوّل يقال: وما استقام لهم أن ينفروا جميعاً لنحو غزو وطلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعاً فإنه يخلّ بأمر المعاش {فلولا} أي: فهلا {نفر من كل فرقة} أي: قبيلة {منهم طائفة} أي: جماعة ومكث الباقون {ليتفقهوا} أي: ليتكلفوا الفقاهة {في الدين} ويتجشموا مشاق تحصيلها ليعرفوا الحلال من الحرام ويعودوا إلى أوطانهم {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} أي: وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم وتخصيصه بالذكر لأنه أهمّ وفيه دليل على أنّ التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس وصرف وجوههم إليه والتبسط في البلاد ليدخل في قوله صلى الله عليه وسلم «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» وفي قوله صلى الله عليه وسلم «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» وفي قوله صلى الله عليه وسلم «من سلك طريقاً يلتمس فيها علماً سهل الله تعالى له طريقاً إلى الجنة» {لعلهم يحذرون} عقاب الله تعالى بامتثال أمره ونهيه، وعلى الاحتمال الثاني يقال: إنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنين إلى النفير وانقطعوا عن التفقه فأمروا بأن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويمكث الباقون يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأنّ الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو وفي رجعوا للطوائف ولينذروا لباقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم قال ابن عباس: فهذه مخصوصة بالسرايا والتي قبلها بالنهي عن تخلف أحد فيما إذا خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر صلى الله عليه وسلم أوّلاً بإنذار عشيرته الأقربين، وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام، وقيل: هم قريظة والنضير وفدك وخيبر، وقيل: الروم لأنهم كانوا يسكنون الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ما لم يضطرّوا إلى أهل ناحية أخرى {وليجدوا فيكم غلظة} أي: شدّة وصبراً على القتال والغلظة ضدّ الرقة أي: اغلظوا عليهم {واعلموا أنّ الله مع المتقين} بالعون والنصرة والحراسة. {وإذا ما أنزلت سورة} من القرآن {فمنهم} أي: المنافقين {من يقول} أي: لأصحابه إنكاراً واستهزاءً بالمؤمنين {أيكم زادته هذه} السورة {إيماناً} أي: تصديقاً، قال الله تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً} بزيادة العلم الحاصل في تدبر السورة وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم {وهم يستبشرون} أي: يفرحون بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم {وأما الذين في قلوبهم مرض} أي: شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضاً لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى علاج {فزادتهم} أي: السورة أي: نزولها {رجساً إلى رجسهم} أي: كفراً بها مضموماً إلى الكفر بغيرها {وماتوا} أي: هؤلاء المنافقون {وهم كافرون} أي: وهم جاحدون لما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم
قال مجاهد: في هذه الآية دليل على أنّ الإيمان يزيد وينقص، وكان عليّ رضي الله تعالى عنه يأخذ بيد الرجل والرجلين من الصحابة ويقول: تعالوا حتى نزداد إيماناً وقوله تعالى: {أولا يرون} قرأه حمزة بالتاء أي: أيها المؤمنون والباقون بالياء على الغيبة أي: المنافقون {أنهم يفتنون} أي: يبتلون {في كل عام مرّة أو مرّتين} بالأمراض والقحط والحرب {ثم لا يتوبون} من نفاقهم ونقض عهودهم إلى الله تعالى {ولا هم يذكرون} أي: ولا يتعظون بما يرون من نصرته صلى الله عليه وسلم وتأييده. {وإذا ما أنزلت سورة} فيها عيب المنافقين وتوبيخهم وقرأها صلى الله عليه وسلم {نظر بعضهم إلى بعض} أي: تغامزوا بالعيون إنكاراً لها وسخرية أو غيظاً لما فيها من عيوبهم ويريدون الهرب يقولون: {هل يراكم من أحد} أي: من المؤمنين إذا قمتم فإن لم يرهم أحد قاموا وخرجوا من المسجد وإن علموا أنّ أحداً يراهم ثبتوا على تلك الحالة {ثم انصرفوا} على كفرهم ونفاقهم وقيل: انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون وقوله تعالى: {صرف الله قلوبهم} أي: عن الهدى يحتمل الإخبار والدعاء {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قوم لا يفقهون} أي: لسوء فهمهم وعدم تدبرهم. {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي: من جنسكم عربيّ مثلكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم تعرفون حسبه ونسبه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبيّ صلى الله عليه وسلم وله فيها نسب وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية من زمن آدم عليه السلام، وعن الطبرانيّ قال صلى الله عليه وسلم «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» ، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام» وعن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسمعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام دال قد في الجيم والباقون بالإظهار {عزيز} أي: شديد شاق {عليه ما عنتم} أي: عنتكم وإيتاؤكم المكروه وقيل: يشق عليه ضلالتكم {حريص عليكم} أي: أن تهتدوا أو على إيصال الخير إليكم {بالمؤمنين} أي: منكم ومن غيركم {رؤوف} أي: شديد الرحمة بالمطيعين {رحيم} بالمذنبين وقدّم الأبلغ وهو الرؤوف محافظة على الفواصل، وعن الحسن بن الفضل: لم يجمع الله تعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم فسماه رؤوفاً رحيماً، وقال تعالى: {إنّ الله بالناس لرؤوف رحيم} وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمدّ الهمزة من رؤوف، والباقون بالقصر. {فإن تولوا} أي: فإن أعرضوا هؤلاء الكفار والمنافقون عن الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وناصبوك الحرب {فقل حسبي الله} أي: يكفيني الله وينصرني عليكم وإنما كان كافياً لأنه {لا إله إلا هو} فلا مكافىء له ولا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه {عليه توكلت} أي: فلا أرجو إلا إياه ولا أخاف إلا منه لأنّ أمره نافذ في كل شيء {وهو رب العرش} أي: الكرسي {العظيم} وخصه بالذكر تشريفاً له ولأنه من أعظم مخلوقاته سبحانه وتعالى. روي عن أبيّ بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى آخر
السورة، وقال: هما أحدث الآيات بالله عهداً وما رواه البيضاويّ رحمه الله تعالى تبعاً للكشاف من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنزل عليّ القرآن إلا آية آية وحرفاً حرفاً ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد فإنهما أنزلا عليّ ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة» حديث منكر ومخالف لما مرّ عن أبيّ من أنّ آخر ما نزل الآيتان، انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم.
سورة يونس
سورة يونس عليه السلام مكية إلا فإن كنت في شك الآيتين أو الثلاث أو {ومنهم من يؤمن به} الآية مائة وتسع أو عشر آيات وعدد كلماتها ألف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وحروفها سبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفاً، وهي أوّل المئين، إن جعلنا براءة مع الأنفال من الطوال، وإلا فبراءة أولاهن. {بسم الله} جامع العباد بعد تفريقهم بما له من العظمة والامتنان. {الرحمن} الذي عمهم بالإيجاد وخص منهم من شاء بالإيمان. {الرحيم} الذي خص أولياءه بالرضوان المبيح للجنان. {الر} قال ابن عباس والضحاك و {الر} أنا الله أرى، {والمر} أنا الله أعلم وأرى. وقيل: أنا الرب لا رب غيري. وقال سعيد بن جبير: الر وحم ونون حروف اسم الرحمن. وقد سبق الكلام على حروف الهجاء أوّل البقرة، واتفقوا على أنّ {الر} وحده ليس آية، واتفقوا على أنّ قوله طه وحده آية، والفرق أنّ قوله تعالى: الر لا يشاكل كل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله تعالى طه؛ فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بفتح الراء والألف بعدها، وورش بين اللفظين، والباقون بالإمالة المحضة. {تلك} أي: الآيات العظيمة جدًّا التي اشتملت عليها هذه السورة أو السورة، التي تقدّمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أنَّ القرآن كلام الله تعالى قد أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف. {آيات الكتاب} أي: الذكر الجامع لكل خير وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كلّ ما في التوراة والإنجيل من ذلك فدل ذلك على صدق الآتي به قطعاً؛ لأنه لم يكن يعرف شيئاً من الكتابين ولا جالس أحداً يعلمه. {الحكيم}
أي: المحكم. وقوله تعالى: {أكان للناس} أي: أهل مكة، استفهام إنكار للتعجب. وقوله تعالى: {عجباً} خبر كان، والعجب تغير النفس بما لا تعرف سببه مما خرج عن العادة، ثم ذكر الحامل على العجب؛ وهو اسم كان بقوله تعالى: {أن أوحينا} أي: إيحاؤنا {إلى رجل منهم} أي: من أهل مكة ومن قريش، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون صدقه ونسبه وأمانته، قيل: كانوا يقولون: العجب أنّ الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوّة، وهو لم يكن صلى الله عليه وسلم يقصر عن عظمائهم فيما يعتبر فيه إلا في المال، وخفة المال أهون شيءٍ في هذا الباب، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله كذلك، وقد قال الله تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى} (سبأ 37) {أن أنذر الناس} عامّة، أي: أعلمهم مع الخوف ما أمامهم من البعث وغيره، وأن هي المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول. {وبشر الذين آمنوا} إنما عمم في الإنذار لأنه قل أن يسلم أحد من كبيرة أو صغيرة أو هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات، وخصص البشارة إذ ليس للكافر ما يصح أن يبشر به. {أنَّ} أي: بأنَّ. {لهم قدم} أي: سلف {صدق عند ربهم} اختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق، فقال ابن عباس: أجراً حسناً مما قدّموا من أعمالهم. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة: صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وقال عطاء: مقام صدق لا زوال له ولا بؤس فيه. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وحب الحصيد. وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شرّ فهو عند العرب قدم. قال الشاعر: *صل لذي العرش واتخذ قدما ... ينجيك يوم العثار والندم وهو مؤنث فيقال: قدم حسنة وقدم صالحة. وقوله تعالى: {قال الكافرون إنَّ هذا لسحر مبين} قرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر بكسر السين وسكون الحاء على أنَّ الإشارة للقرآن المشتمل على ذلك، والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء على أنّ الإشارة للنبيّ صلى الله عليه وسلم. {إنّ ربكم} الموجد لكم والمربي والمحسن هو {الله الذي خلق} أي: قدّر وأوجد {السموات والأرض} على اتساعهما، وكثرة ما فيهما من المنافع {في ستة أيام} من أيام الدنيا، أي: في قدرها؛ لأنه لم يكن ثمّ شمس، ولو شاء لخلقهما في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت. فإن قيل: إنّ اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته، وقد يراد به النهار وحده. فما المراد؟ أجيب: بأنّ الغالب في اللغة أنه مراد باليوم اليومَ بليلته، ولما أوجد سبحانه وتعالى هذا الخلق الكبير المتباعد الأقطار، الواسع الانتشار، المفتقر إلى عظيم التدبير، ولطيف التصريف والتقدير؛ عبّر سبحانه وتعالى عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيراً إلى عظمته بأداة التراخي: {ثم استوى} أي: عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك. {على العرش} المتقدّم وصفه في الأعراف بالعظمة، وليست ثم للترتيب، بل كناية عن علوِّ الرتبة، وبعد منازلها، ثم بيّن ذلك الاستواء بقوله: {يدبر الأمر}
كله فلا يخفى عليه عاقبة أمر من الأمور؛ لأنَّ التدبير أعدل أحوال الملك، فالاستواء كناية عنه. وقوله تعالى: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} تقرير لعظمته جل وعلا، وردّ على من زعم أنَّ آلهتهم تشفع لهم عند الله. وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له {ذلكم الله} أي: الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية {ربكم} أي: الذي يستحق العبادة منكم. {فاعبدوه} أي: وحّدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلاً عن جماد لا يضرّ ولا ينفع، فإنَّ عبادتكم مع التشريك ليست عبادة، ولولا فضله لم يكن لمن زلّ أدنى زلة طاعة، وقوله تعالى: {أفلا تذكرون} قرأه حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال، والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال، أي: أفلا تتفكرون أدنى تفكر فينبئكم عن أنه المستحق للربوبية، والعبادة لا ما تعبدونه. {إليه} تعالى {مرجعكم} أي: رجوعكم بالموت والنشور حالة كونكم {جميعاً} لا يتخلف منكم أحد، فاستعدّوا للقائه. وقوله تعالى: {وعد الله} مصدر منصوب بفعله المقدّر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله تعالى: {إليه مرجعكم} وعد من الله، وقوله تعالى: {حقاً} أي: صدقاً لا خلف فيه مصدر آخر منصوب بفعله المقدّر مؤكد لغيره، وهو ما دل عليه وعد الله. {إنه يبدأ الخلق} أي: يحييهم ابتداءً. {ثم يعيده} أي: ثم يميتهم ثم يحييهم. وفي هذا دليل على الحشر والنشر والمعاد، وصحة وقوعه، وردّ على منكري البعث ووقوعه؛ لأنّ القادر على خلق هذه الأجسام المؤلفة، والأعضاء المركبة على غير مثال سبق، قادر على إعادتها بعد تفريقها بالموت والبلى، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيباً ثانياً، ويخلق الإنسان الأوّل مرّة أخرى، فإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت؛ كان المقصود منه إيصال الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، وهو قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي: بالعدل، لا ينقص من أجورهم شيئاً. {والذين كفروا لهم شراب من حميم} وهو ماء حار قد انتهى حرّه {وعذاب أليم} أي: بالغ في الإيّلام. {بما كانوا يكفرون} أي: بسبب كفرهم. {هو الذي جعل الشمس ضياءً} أي: ذات ضياء {والقمر نوراً} أي: ذا نور، وخص الشمس بالضياء؛ لأنها أقوى وآكد من النور، وخص القمر بالنور؛ لأنه أضعف من الضياء، لأنّ الشمس نيرة في ذاتها، والقمر نير بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها. وقرأ قنبل بهمزة مفتوحة ممدودة بعد الضاد، والباقون بياء مفتوحة، والضمير في قوله تعالى: {وقدّره منازل} يرجع إلى الشمس والقمر؛، أي: قدّر مسير كل واحد منهما منازل، أو قدّره ذا منازل، أو يرجع إلى القمر فقط، وتخصيصه بالذكر لسرعة مسيره ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علله بقوله تعالى: {لتعلموا عدد السنين والحساب} أي: حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرّفاتكم؛ لأنّ الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: {إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله} (التوبة: 36) فائدة: منازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً، وأسماؤها: السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعوّا، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة،
وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدّم، وفرغ الدلو المؤخر، وبطن الحوت. وهذه المنازل مقسومة على البروج وهي اثنا عشر برجاً: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. فلكل برجٍ منزلان وثلث، فينزل القمر في كل ليلة منها منزلاً، فيستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعاً وعشرين فليلة واحدة، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله تلك المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوماً، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها، أو انتفاع الخلق بضوء الشمس، وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى هذه الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم، وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل، والنهار يكون زماناً للتكسب وللطلب، والليل يكون زماناً للراحة. {ما خلق الله ذلك} المذكور. {إلا بالحق} أي: لم يخلق ذلك باطلاً ولا عبثاً ـ تعالى الله عن ذلك ـ إظهاراً لقدرته، ودلائل وحدانيته. ونظيره قوله تعالى في آل عمران: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً} (آل عمران: 191) . وقال تعالى في سورة أخرى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا} (ص، 27) . {يفصل} أي: يبين {الآيات} أي: الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة بياناً شافياً. {لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون بالتأمّل فيها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالياء، والباقون بالنون. ولما استدل سبحانه وتعالى على إثبات الإلهية والتوحيد بقوله تعالى: {إنّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض} (الأعراف: 54) ، وثانياً بأحوال الشمس والقمر، استدل ثالثاً بقوله تعالى: {إن في اختلاف الليل والنهار} أي: بالمجيء والذهاب، والزيادة والنقصان، ورابعاً بقوله تعالى: {وما خلق الله في السموات} من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك. {و} ما خلق الله في {الأرض} من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغير ذلك. فائدة: أقسام الحوادث في هذا العالم محصورة في أربعة أقسام، أحدها: الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار، ويدخل فيها أيضاً أحوال البحار والصواعق والزلازل والخسف، وثانيها: أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة، وثالثها: اختلاف أحوال النبات، ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى: {وما خلق الله في السموات} (يونس: 6) . والاستقصاء في شرح هذه الأحوال لا يدخل تحت الحصر، بل كل ما ذكر العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب. {لآيات} أي: دلالات على قدرته تعالى. {لقوم يتقون} الله فإنه يحملهم على التفكر والتذكر، وخصهم بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أنّ الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم، بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بدّ من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد. ولما أقام الله سبحانه وتعالى الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحمن، وعلى صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم،
وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر؛ شرع في شرح أحوال من يكفر بها، وشرح أحوال من يؤمن بها، وقد ابتدأ بأوّلها ووصفه بأربع صفات مبتدئاً بأوّلها بقوله تعالى: {إنّ الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافونه لإنكارهم البعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها، فهم مكّذبون بالثواب والعقاب والرجاء، يكون بمعنى الخوف، وبمعنى الطمع، فمن الأوّل قول العرب: فلان لايرجو فلاناً، بمعنى لا يخافه، ومنه قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقاراً} (نوح: 13) ، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: إذ لسعته النحل لم يرج لسعها. أي: لم يخفها. ومن الثاني قولهم: فلان يرجو فلاناً،، أي: يطمع فيه، والمعنى: لا يطمعون في ثوابنا، والصفة الثانية والثالثة: قوله تعالى: {ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} فيعملون لها عمل المقيم فيها مع ما يشاهدونه من سرعة زوالها منهمكين في لذاتهاوزخارفها، وسكنوا فيها سكون من لا ينزع عنها، والصفة الرابعة: قوله تعالى: {والذين هم عن آياتنا} أي: دلائل وحدانيتنا {غافلون} تاركون النظر فيها، بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدّة بعدهم عن طلب الاستعداد بالسعادات الأخروية، ويحتمل أنَّ الصفة الأخيرة لفريق آخر، ويكون المراد بالأوّلين: من أنكر البعث، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، وبالآخر: من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له، ولما وصفهم الله تعالى بتلك الصفات قال: {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} من الشرك والمعاصي، ولما شرح أحوال المنكرين الجاحدين ذكر تعالى شرح من يؤمن بها فقال: {إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} والأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة، والأعمال المذمومة مما يكون بالضدّ من ذلك. {يهديهم} أي: يرشدهم. {ربهم بإيمانهم} أي: بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لما يريدونه في الجنة، أو لإدراك الحقائق، كما قال صلى الله عليه وسلم «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم» . وقال مجاهد: المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول: أنا عملك. فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار» . ومفهوم ترتبِ الهداية على الإيمان، والعمل الصالح قد دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دل منطوق قوله جل وعلا: {بإيمانهم} (يونس: 9) . على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم، وهي أربعة الأولى: قوله تعالى: {تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} أي: يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين، والأنهار تجري من بين أيديهم، ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، ونظيره قوله تعالى: {قد جعل ربك تحتك سرياً} (مريم: 24) فهي ما كانت قاعدة عليه، ولكن المعنى: بين يديك، وكذا قوله: {وهذه الأنهار تجري من تحتي} (الزخرف، 51) ، أي: بين يدي فكذا هنا. الثانية قوله تعالى: {دعواهم فيها} قال بعض المفسرين:، أي: طلبهم لما يشتهون في الجنة أن يقولوا: {سبحانك} أي: ننزهك من كل سوء ونقيصة. {اللهمّ} أي: يا الله، فإذا ما طلبوا
بين أيديهم على موائد، كل مائدة ميل في ميل، على كل مائدة سبعون ألف صحفة، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضاً، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله تعالى، فذلك قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} . وأن المراد بقوله {سبحانك اللهم} اشتغال أهل الجنة بالتسبيح والتحميد والتقديس لله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله، وفي هذا الذكر سرورهم وابتهاجهم وكمال لذاتهم وهذا أولى، ويدل عليه ما روي عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس» ، أي: يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقاً. الثالثة: قوله تعالى: {وتحيتهم} فيما بينهم وتحية الملائكة لهم {فيها} أي: الجنة {سلام} وتأتيهم الملائكة أيضاً من عند ربهم بالسلام. قال تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد: 23، 24) . وقال تعالى: {سلام قولاً من رب رحيم} (يس: 58) . الرابعة: قوله تعالى: {وآخر دعواهم} أي: وآخر دعائهم. {أن الحمد لله رب العالمين} أي: أن يقولوا ذلك، وأن هي المخففة من الثقيلة، وقد ذكرنا أنَّ بعض المفسرين حمل التسبيح والتحميد على أحوال أهل الجنة بسبب المأكول والمشروب، فإنهم إذا اشتهوا شيئاً قالوا: {سبحانك اللهم} (يونس، 10) فيحصل ذلك الشيء، فإذا فرغوا منه قالوا: {الحمد لله رب العالمين} (الفاتحة، 2) فترتفع الموائد عند ذلك. قال الرازي: وهذا القائل ما رقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب، وحقيق بمثل هذا الإنسان أن يعدّ في زمرة البهائم، وأما المحققون فقد تركوا ذلك. اه. ولا تنبغي هذه المبالغة، فقد قاله البغوي، وتبعه جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: أعلمَ اللهُ أنّ أهل الجنة يفتتحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه. قال البيضاوي: المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله تعالى وكبرياءه مجّدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات، أو الله تعالى، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام، ولما وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، وكانوا عن آيات الله غافلين؛ بيّن أن مِنْ غفلتهم أنّ الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً بقوله تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشرّ} أي: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم بالشر فيما لهم فيه مضرة ومكروه {استعجالهم بالخير} أي: كما يحبون أن يعجل لهم إجابتهم بالخير {لقضي إليهم أجلهم} أي: لأهلكهم، ولكن يمهلهم. نزلت في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، ويدل عليه قوله تعالى: {فنذر} أي: فنترك. {الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم} أي: في تمردّهم وعتوهم. {يعمهون} أي: يتردّدون متحيرين. وقال ابن عباس: هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، لا بارك الله فيكم. وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له فيه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أخذ عندك عهداً لن تخلفنيه، إنما أنا بشر، فأيّ المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها إليّ يوم
القيامة» . فإن قيل: قابل التعجيل في الآية بالاستعجال، وكان مقتضى النظم أن يقابل التعجيل بالتعجيل والاستعجال بالاستعجال، أجيب: بأنَّ تقدير الكلام: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالاً كاستعجالهم بالخير، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه، وقال في «الكشاف» : أصل هذا الكلام: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم بالخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم بالخير شعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل لهم.A ولما حكى تعالى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، بين أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال بقوله تعالى: {وإذا مس الإنسان} أي: الكافر {الضرّ} أي: المرض والفقر {دعانا لجنبه} أي: على جنبه مضطجعاً {أو قاعداً أو قائماً} وفائدة التردّد تعميم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار، والمعنى: أنّه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه فإنه يتضرّع إلى الله تعالى في إزالته عنه، وفي دفعه عنه، وذلك يدل على أنه ليس صادقاً في طلب الاستعجال {فلما كشفنا عنه ضرّه} أي: أزلنا عنه ما نزل به، {مرّ} أي: مضى على ما كان عليه من الكفر، {كأن لم يدعنا} أي: كأنه، فأسقط الضمير على سبيل التخفيف، ونظيره قوله تعالى: {كأن لم يلبثوا} (يونس، 45) . {إلى ضرَ مسه} . قال الحسن: نسي ما كان دعا الله فيه، وما صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه، وإنما حمل الإنسان في هذه الآية على الكافر؛ لأنَّ العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة، وقول بعضهم: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد هو الكافر مردود، فقد قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} (الإنسان: 1) . وقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنون: 12) . وقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} (ق، 16) وأما المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمورٍ: أوّلها: أن يكون راضياً بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه، وإنما وجب عليه ذلك؛ لأنّه تعالى مالك على الإطلاق، وملك بالاستحقاق، فله أن يفعل في ملكه ما شاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق، وهو منزه عن فعل العبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، فيجب عليه الصبر وترك القلق، فإن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل. وثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى، والثناء عليه بدلاً عن الدعاء، كان أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ، ولأنّ الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق والاشتغال بالدعاء، اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أنَّ الأوّل أفضل. وثالثها: أنه تعالى إذا أزال عنه تلك البلية وجب عليه أن يبالغ في الشكر، وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدّة والرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء، وحينئذ يكون المؤمن على الضدّ من الكافر؛ لأنَّ الكافر منهمك في الشهوات، والإعراض عن العبادات. كما قال تعالى: {كذلك} أي: مثل ما زين لهؤلاء الكافرين هذا العمل القبيح. {زين للمسرفين} أي: المشركين {وما كانوا يعملون} من القبائح لإعراضهم عن الذكر واتباعهم الشهوات، وإنما سمي الكافر مسرفاً؛ لأنّه أتلف نفسه بتضييعها في عبادة الأوثان، وأتلف ماله في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والمزين هو الله تعالى؛ لأنه مالك الملك، والخلق كلهم عبيده يتصرّف
فيهم كيف شاء، وقيل: هو الشيطان وذلك بإقدار الله تعالى إياه على ذلك، وإلا فهو أخس وأحقر. {ولقد أهلكنا القرون} أي: الأمم الماضية. {من قبلكم} يا أهل مكة. {لما ظلموا} أي: حين أشركوا، وقوله تعالى: {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج الدالة على صدقهم، حال من الواو وبإضمار قد أو عطف على ظلموا. {وما} أي: والحال أنهم ما {كانوا ليؤمنوا} أي: وما استقام لهم أن يؤمنوا، ولو جاءتهم كل آية لعلمه تعالى بأنهم يموتون على كفرهم، واللام لتأكيد النفي. {كذلك} أي: مثل ذلك الجزاء العظيم وهو إهلاكهم لما كذبوا رسلهم {نجزي القوم المجرمين} أي: نجزيكم يا أهل مكة بتكذيبكم محمداً صلى الله عليه وسلم فوضع المظهر موضع المضمر للدّلالة على كمال جرمهم، وأنهم أعلام فيه. {ثم جعلناكم} أي: أيها المرسل إليهم أشرف رسلنا {خلائف} جمع خليفة {في الأرض من بعدهم} أي: استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر {لننظر} ونحن أعلم بكم من أنفسكم في علم الشهادة لإقامة الحجة. {كيف تعملون} من خير أو شر فنجازيكم به، وقد مرّ نظائر هذا، ومنه قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} (هود: 7) . وقال صلى الله عليه وسلم «إنّ الدنيا خضرة حلوة، وإنّ الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» . وقال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار. قال الزجاج: وموضع كيف نصب بقوله تعملون، أي: لا معمول ننظر؛ لأنها حرف استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله؛ لأنّ له صدر الكلام فلا يتقدمه عامله، وظاهر كلامه أنّ كيف مفعول لتعملون، وجمهور النحاة على أنه حال من ضمير تعملون. {وإذا تتلى عليهم} أي: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين. {آياتنا} أي: القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد حالة كون تلك الآيات {بينات} أي: ظاهرات تدل على وحدانيتنا وصحة نبوّتك. {قال الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافون عذابنا، ولا يرجون ثوابنا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، وكل من كان منكراً للبعث بعد الموت؛ فإنه لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. {ائت} أي: من عندك {بقرآن} أي: كلام مجموع جامع لما نريد. {غير هذا} في نظمه ومعناه. {أو بدله} بألفاظ أخرى، والمعاني باقية، وقد كانوا عالمين بأنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في العجز عن ذلك، ولكنهم قصدوا أن يأخذ في التغيير حرصاً على إجابة مطلوبهم، فيبطل مدعاه أو يهلك، واختلف في هذا القائل. فقال قتادة: هم مشركو أهل مكة. وقال مقاتل: هم خسمة نفر: عبد الله بن أمية الجمحي، والوليد بن المغيرة، ومكدر بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاصي بن عامر بن هشام، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد أن نؤمن بك فأت بقرآن ليس فيه ترك لعبادة اللات والعزى ومناة، وليس فيه عيبها، وإن لم ينزله الله فقل أنت من عند نفسك أو بدله، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حرام حلالاً، أو مكان حلالاً حراماً، ولما كان كأنه قيل فماذا أقول لهم؟ قال الله تعالى: {قل} لهم {ما يكون} أي: ما يصح {لي} ولا يتصوّر بوجه من الوجوه {أن أبدله من تلقاء} أي: قبل {نفسي} وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء والباقون بالسكون {إن} أي: ما {أتبع إلا ما يوحى إليّ} فيما
آمركم به أو أنهاكم عنه، أي: لا آتي بشيء ولا أذر شيئاً من نحو ذلك إلا متبعاً لوحي الله تعالى وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل، وليس إليّ تبديل ولا نسخ {إني أخاف إن عصيت ربي} أي: بتبديله {عذاب يوم عظيم} فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي وإني بفتح الياء، والباقون بالسكون. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك تغيير القرآن وتبديله {لو شاء الله ما تلوته عليكم} أي: لو شاء الله لم ينزل هذا القرآن، ولم يأمرني بقراءته عليكم {ولا أدراكم به} أي: ولا أعلمكم به على لساني. وقرأ ابن كثير بخلاف عن البزي بقصر الهمزة بعد اللام جواب لو، أي: لأعلمكم به على لسان غيري، والباقون بالمدّ المنفصل. وقوله تعالى: {فقد لبثت} أي: مكثت قراءة نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام {فيكم عمراً} سنين أربعين {من قبله} أي: قبل أن يوحى إليَّ هذا القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، ففي ذلك إشارة إلى أنّ هذا القرآن معجز خارق للعادة. وتقريره: أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوّل عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتاباً، ولا تتلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه، جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول، ودقائق علم الأحكام ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأوّلين، وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من له عقل سليم، فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى {أفلا تعقلون} أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر لتعلموا أنَّ مثل هذا الكتاب العظيم على من لم يتعلم ولم يتتلمذ ولم يطالع كتاباً، ولم يمارس مجادلة، أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي من الله تعالى، لا من مثلي، وهذا جواب عمّا دسوه تحت قولهم {ائت بقرآن غير هذا} من إضافة الإفتراء إليه. تنبيه: أقام صلى الله عليه وسلم بعد أن أوحي إليه بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال النووي: ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات: إحداها: أنه توفي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستين سنة. والثانية: خمس وستون سنة. والثالثة: ثلاث وستون سنة، وهي أصحها وأشهرها، وتأوّلوا رواية ستين بأنَّ راويها اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر، ورواية الخمس أيضاً متأوّلة، وحصل فيها اشتباه، ولما أقيمت الدلائل على أنّ هذا القرآن من عند الله وجب أن يقال: إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه من منكر ذلك كما قال تعالى: {فمن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى} أي: تعمد {على الله كذبا} أي: أيّ كذب كان من شريك أو ولد أو غير ذلك، وكأنّ الأصل مبنيّ على تقدير أن يكون هذا القرآن من عند الله، ولكنه وضع هذا الظاهر مكانه تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف {أو كذب بآياته} أي: دلائل توحيده فكفر بها كما فعلتم أنتم، وذلك من أعظم الكذب، وقوله تعالى: {إنه} أي: الشأن {لا يفلح} بوجه من الوجوه {المجرمون} أي: المشركون تأكيد لما سبق من هذين الوصفين {ويعبدون} أي: هؤلاء المشركون {من دون الله} أي: غيره {ما لا يضرّهم} أي:
إن لم يعبدوه {ولا ينفعهم} أي: إن عبدوه، وهو الأصنام؛ لأنها حجارة وجماد لا تضرّ ولا تنفع، والكافرون قادرون على التصرف فيها تارة بالإصلاح وتارة بالإفساد، وإذا كان العابد أصلح حالاً من المعبود كانت العبادة باطلة؛ لأنّ العبادة أعظم أنواع التعظيم، فلا تليق إلا بمن يضرّ وينفع، بأن يثيب على الطاعة، ويعاقب على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة يعبدون العزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة. {ويقولون هؤلاء} أي: الأصنام التي نعبدها. {شفعاؤنا عند الله} ونظيره قوله تعالى إخباراً عنهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} . (الزمر، 3) وقيل: إنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله. قال الرازي: ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله. اه. ولكن تعظيمهم لهؤلاء ليس كتعظيم الكفار، وفي هذه الشفاعة قولان: أحدهما: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم فيما يهمهم من أمور الدنيا في إصلاح معايشهم. قاله الحسن؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعث الموتى. والثاني: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة إن يكن بعث، قاله ابن جريج عن ابن عباس، وكأنهم كانوا شاكين فيه، وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة موجدهم الضارّ النافع إلى عبادة ما يعلم قطعاً أنه لا يضرّ ولا ينفع، على توّهم أنه ربما يشفع لهم. قال النضر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى. وقوله تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {أتنبئون} أي: تخبرون {الله} وهو العالم بكل شيء المحيط بكل محيط. {بما لا يعلم} أي: لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات، استفهام إنكار تهكم بهم، وبما ادّعوه ومن المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذي أنبؤوا به باطل غير منطوٍ تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه. وقوله تعالى: {في السموات ولا في الأرض} تأكيد لنفيه؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم، وهذا على طريق الإلزام، والمقصود نفي علم الله بذلك الشفيع، وأنه لا وجود له ألبتة؛ لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى، وجب أن لا يكون معلوماً موجوداً، وهذا مثل مشهور في العرب، فإنّ الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله ذلك مني؛ ومقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع. {سبحانه} أي: تنزيهاً له عن كل شيء فيه شائبة نقص. {وتعالى عما يشركون} ما مصدرية أو موصولة، أي: عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، لقوله: {أتنبئون الله} والباقون بالياء على الغيبة، فكأنه قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم قل أنت: سبحانه وتعالى عما يشركون، ويجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الذي نزه نفسه عما قالوه، فقال: سبحانه وتعالى عما يشركون. ولما أقام تعالى الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام بيّن السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد بقوله: {وما كان الناس إلا أمَّة واحدة} أي: جميعاً على الدين الحق وهو دين الإسلام. وقيل على الضلال في فترة الرسل، واختلف القائلون بالأوّل أنهم متى كانوا كذلك.؟ فقال ابن عباس ومجاهد: كانوا على دين الإسلام من لدن
آدم إلى أن قَتَلَ قابيلُ هابيلَ. وقال قوم: إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون. ثم اختلفوا في عهد نوح فبعث الله تعالى إليهم نوحاً. وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام من زمن نوح بعد الغرق حيث لم يذر الله على الأرض من الكافرين ديّاراً إلى أن ظهر الكفر فيهم. وقال آخرون: من عهد إبراهيم عليه السلام إلى زمن عمرو بن لحي، وهذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: {وما كان الناس إلا أمة واحدة} العرب خاصة. {فاختلفوا} بأن ثبت بعض وكفر بعض. {ولولا كلمة سبقت من ربك} وهو تأخير الحكم إلى يوم القيامة، وقيل: تلك الكلمة هي قوله سبحانه: سبقت رحمتي غضبي. فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال، وإمهاله إلى وقت الوجدان {لقضي بينهم} أي: الناس بنزول العذاب في الدنيا دون يوم القيامة {فيما فيه يختلفون} من الدين بإهلاك المبطل، وإبقاء المحق، وكان ذلك فصلاً بينهم {ويقولون} أي: كفار مكة {لولا} أي: هلا {أنزل عليه} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {آية من ربه} أي: غير ما جاء به كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد {فقل} يا محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين {إنما الغيب} أي: ما غاب عن العباد أمره {لله} أي: هو المختص بعلمه، ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما عليّ التبليغ {فانتظروا} أي: نزول ما اقترحتموه. وقيل نزول العذاب إن لم يؤمنوا {إني معكم من المنتظرين} أي: لما يفعل الله تعالى بكم لعنادكم وجحودكم الآيات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، بديعة في الآيات، رقية المسلك بين المعجزات مع عجزكم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأيّ عناد أعظم من هذا {وإذا أذقنا الناس} أي: كفار مكة {رحمة} أي: صحة وسعة {من بعد ضرّاء} أي: شدّة وبلاء {مستهم} سلط الله تعالى القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس بعد ذلك فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى العناد والكفر كما قال تعالى: {إذا لهم مكر في آياتنا} بالاستهزاء والتكذيب، وقيل: لا يقولون هذا من رزق الله، إنما يقولون: سُقينا بنوء كذا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها فيصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا» والنوء عند العرب: هي منازل القمر إذا طلع نجم سقط نظيره {قل الله} أي: قل لهم يا محمد الله {أسرع مكراً} منكم، أي: أعجل عقوبة وأشدّ أخذاً وأقدر على الجزاء. ومعنى الوصف بالأسرعية: أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم والمكر إخفاء الكيد وهو من الله تعالى، أمّا الاستدراج أو الجزاء على المكر، فإنهم لما قابلوا نعمة الله بالمكر قابل مكرهم بأشد منه، وهو إمهالهم إلى يوم القيامة. {إن رسلنا} أي: الحفظة الكرام الكاتبين {يكتبون ما تمكرون} لأنهم وكلوا بكم قبل كونكم نطفاً، ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما تفعلونه، ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه، وأمّا هو سبحانه وتعالى فإنه إذا قضى قضاء لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا بإطلاعه فكيف بغيرهم، وإذا تبين أنه عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره علم أنه لا يدعهم يدبرون كيداً إلا وقد سبب له ما يجعله في نحورهم، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع، ثم أخذ سبحانه وتعالى يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في
الآية قبلها؛ لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح، يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي فقال: {هو الذي يسيركم} أي: يحملكم على السير في كل وقت تسيرون فيه لا تقدرون على الإنفكاك عنه ويمكنكم منه، {في البرّ والبحر} أي: يسبب لكم أسباباً توجب سيركم فيهما. وقرأ ابن عامر بعد الياء الأولى بنون ساكنة بعدها شين معجمة مضمومة، والباقون بسين مهملة مفتوحة بعدها ياء مكسورة مشدّدة، ولما كان العطب بسير البحر أظهر مع أنَّ السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات بيّنه معرضاً عن ذكر البر بقوله تعالى: {حتى إذا كنتم} أي: كوناً لا براح لكم منه. {في الفلك} أي: السفن، فإن قيل: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر مع أنَّ الكون في الفلك متقدّم لا محالة على التسيير في البحر؟ أجيب: بأنه لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير، بل تقدير الكلام كأنه قيل: هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا، ولفظ الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع، فإن أريد الواحد كان كبناء قفل، أو الجمع كان كبناء حمر، والمراد هنا: الجمع لقوله تعالى: {وجرين بهم} أي: بمن فيها، وعدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح والالتفات في الكلام عن الغيبة إلى الحضور والعكس في فصيح كلام العرب. {بريح طيبة} أي: لينة الهبوب. {وفرحوا بها} أي: بتلك الريح وبالفلك الجارية بها، وقوله تعالى: {جاءتها} جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة بمعنى تلقتها {ريح عاصف} أي: شديدة الهبوب فأزعجت سفينتهم وأساءتهم {وجاءهم الموج} أي: وجاء ركاب السفينة الموج وهو ما ارتفع وعلا من ضراب الماء في البحر. وقيل: هو شدّة حركة الماء واختلاطه. {من كل مكان} أي: يعتاد مجيء الموج منه فأرجف قلوبهم. {وظنوا أنهم أحيط بهم} أي: فظنوا أنَّ الهلاك قد أحاط بهم وسدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط بهم العدوّ {دعوا الله مخلصين} أي: من غير اشتراك به {له الدين} أي: الدعاء؛ لأنهم لا يدعون حينئذٍ غيره؛ لأنَّ الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته ويصير منقطعاً عن جميع الخلق، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعاً إلى الله تعالى. وقوله تعالى: {لئن أنجيتنا من هذه} الشدائد التي نحن فيها وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة {لنكونن من الشاكرين} على إرادة القول أو مفعول دعوا؛ لأنه من جملة القول، أي: لنكونن من الشاكرين لك بالإيمان والطاعة على إنعامك علينا بانجائنا مما نحن فيه من هذه الشدّة. {فلما أنجاهم} أي: هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم من الشدّة التي كانوا فيها إجابة لدعائهم {إذا هم يبغون} أي: فأجاؤوا الفساد وسارعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي {في الأرض} أي: جنسها {بغير الحق} . فإن قيل: البغي لا يكون بحق فما معنى قوله بغير؟ أجيب: بأنه قد يكون بحقًّ كاستيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة، فإنّ ذلك إفساد بحق. قال صاحب «المفردات» : البغي على ضربين: أحدهما: غير محمود وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وإلى الشبهة، والآخر: كفعل المسلمين ما ذكر {يا أيها الناس إنما بغيكم} أي: ظلمكم {على أنفسكم}
يعود وباله عليها خاصة. قال صلى الله عليه وسلم «أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة» . وروي «ثنتان يعجلهما الله تعالى في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين» . وعن ابن عباس: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي. وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه: *يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة ... فاربع فخير فعال المرء أعدله *فلو بغى جبل يوماً على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر. وعلى تقدير الانتفاع بالبغي هو عرض زائل كما قال تعالى: {متاع الحياة الدنيا} أي: لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قليلة، وهي مدّة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها. {ثم إلينا} بعد البعث {مرجعكم} في القيامة {فننبئكم} أي: فنخبركم {بما كنتم تعملون} في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم عليها. وقرأ حفص متاع بنصب العين على أنه مصدر مؤكد، أي: تتمتعون متاع الحياة الدنيا، والباقون بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلك متاع الحياة الدنيا وعلى أنفسكم خبر بغيكم. ولما قال تعالى: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا} أتبعه بمثل عجيب ضربه لمن يبغي في الأرض، ويغتر بالدنيا، ويشتدّ تمسكه بها، ويقوى إعراضه عن أمر الآخرة، والتأهب لها، بقوله تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا} أي: حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها. والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأوّل {كماء أنزلناه} وحقق أمره وبينه بقوله تعالى: {من السماء فاختلط به} أي: بسببه {نبات الأرض} أي: اشتبك بعضه ببعض، والاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في بعض {مما يأكل الناس} من الحبوب والثمار ونحو ذلك {و} مما يأكل {الأنعام} من الحشيش ونحوه {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي: حسنها وبهجتها من النبات {وازينت} بإظهار ألوان زهرها من أبيض وأصفر وأحمر وغيرذلك من الزهور، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين، وأصل ازينت تزينت أبدلت التاء زاياً وأدغمت في الزاي {وظنّ أهلها} أي: أهل تلك الأرض {أنهم قادرون عليها} أي: متمكنون من تحصيل جذاذها وحصادها {أتاها أمرنا} أي: قضاؤنا من البرد والحرّ المفرط أو غيره {ليلاً أو نهاراً} أي: في الليل أو في النهار {فجعلناها} أي: زرعها {حصيداً} أي: كالمحصود بالمناجل. وقوله تعالى: {كأن} مخففة، أي: كأنها {لم تغن} أي: لم تكن {بالأمس} تلك الزروع والأشجار قائمة على ظهر الأرض، وحذف المضاف من فجعلناها ومن كأن لم تغن للمبالغة. تنبيه: تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوهاً: الأوّل أنّ عاقبة هذه الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأنّ الغالب أنّ المتمسك بالدنيا إذا وضع قلبه عليها وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت، وهو معنى قوله تعالى: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} (الأنعام، 44) أي: خاسرون الدنيا، وقد أنفقوا أعمارهم فيها، وخاسرون من الآخرة مع أنهم توجهوا إليها. الثاني: أنه تعالى بيّن
أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة محمودة فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد، مع أنَّ المنافع التي تحصل فيها مخلوطة بالمضار والمتاعب، فإنَّ سعادة الدنيا غير خالصة من الآفات، بل هي ممزوجة بالبليات، والاستقراء يدل عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق. فقيل: يا رسول الله، وما هو؟ قال: سرور يوم بتمامه» . الثالث: أن مالك ذلك البستان لما عمره بإتعاب النفس، وكد الروح، وعلق قلبه على الانتفاع به، فإذا حصل ذلك السبب المهلك صار العناء الشديد الذي تحمّله في الماضي سبباً لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات، فكذا حال من وضع قلبه على الدنيا، وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات وفاته كل ما فات صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا سبباً لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة. {كذلك} أي: مثل هذا التفصيل الذي ذكرناه {نفصل الآيات} أي: نبينها {لقوم يتفكرون} لأنهم المنتفعون بها، ولما نفّر تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبّهم في الآخرة بقوله تعالى: {والله يدعو} أي: يعلق دعاءه على سبيل التجدّد والاستمرار بالمدعوين {إلى دار السلام} . قال قتادة: السلام هو الله، وداره الجنة، وسمي سبحانه وتعالى بالسلام؛ لأنه واجب الوجود لذاته، فقد سلم من الفناء والتغير، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته، ومن الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد، 38) وقال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} (فاطر، 15) . وقيل: السلام بمعنى السلامة. وقيل: المراد بالسلام الجنة، سميت الجنة دار السلام؛ لأنّ أهلها يحيِّي بعضهم بعضاً بالسلام، والملائكة تسلم عليهم. قال الله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد، 32، 24) ومن كمال رحمته وجوده وكرمه على عباده أن دعاهم إلى الجنة التي هي دار السلام، وفيه دليل على أنّ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لأنّ العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم، ولا يصف إلا عظيماً. وقد وصف الله تعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه. وعن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنّ صاحبكم هذا مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مائدة، وبعث داعياً فمن أجب الداعي دخل الدار، وأكل من المائدة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المائدة، والدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم {و} الله {يهدي من يشاء} من عباده بما يخلق في قلبه من الهداية {إلى صرط مستقيم} وهو دين الإسلام، عمّ سبحانه وتعالى بالدعوة أوّلا إظهاراً للحجة، وخص بالهداية ثانياً إظهاراً للقدرة؛ لأنَّ الحكم له في خلقه. وقال الجنيد: الدعوة عامة، والهداية خاصة، بل الهداية عامة والصحبة خاصة، بل الصحبة عامة والاتصال خاص. وقيل: يدعو بالآيات، ويهدي للحقائق والمعارف. وقيل: الدعوة لله والهداية من الله. وقال بعضهم: لا تنفع الدعوة لمن لم يسبق له من الله الهداية. {للذين أحسنوا} أي: بالإيمان {الحسنى} وهي الجنة {وزيادة} وهي النظر إليه تعالى في الآخرة، كما في الحديث الصحيح: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم منه» . والزمخشري في «كشافه» قال في هذا: وزعمت المشبهة والمجبرة؛ لأنّ المعتزلة ينكرون
الرؤية، ويُردّ عليهم قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة، 22، 23) فأثبت الله لأهل الجنة أمرين أحدهما: النضارة وهي حسن الوجوه، وذلك من نعيم الجنة. والثاني: النظر إلى الله تعالى. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الحسنى الحسنة، والزيادة عشرة أمثالها. وعن الحسن عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وعن مجاهد: الزيادة مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم، فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم، ولا مانع من أن تفسر الزيادة بذلك كله؛ إذ لا تنافي فيها والفضل واسع. {ولا يرهق} أي: يغشى {وجوههم قتر} أي: سواد {ولا ذلة} أي: كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان. {أولئك} أي: هؤلاء الذين وصفهم الله هم {أصحاب الجنة} وقوله تعالى: {هم فيها خالدون} إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع ولا زوال فيها ولا انقراض، بخلاف الدنيا وزخارفها. ولما بين تعالى حال الفضل فيمن أحسن بيّن حال العدل فيمن أساء بقوله تعالى: {والذين كسبوا السيئات} أي: الشرك {جزاء سيئة} منهم {بمثلها} بعدل الله من غير زيادة، وفي ذلك إشارة إلى الفرق بين السيئات والحسنات؛ لأنَّ الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة تفضلاً منه تعالى وتكرّماً. وأما السيئة فإنه يجازي عليها بمثلها عدلاً منه تعالى {وترهقهم} أي: تغشاهم {ذلة} عكس أهل الجنة {ما لهم من الله من عاصم} أي: مانع يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم {كأنما أغشيت} أي: ألبست {وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} لفرط سوادها وظلمتها. وقرأ ابن كثير والكسائي بسكون الطاء، أي: جزء، والباقون بفتحها جمع قطعة، أي: أجزاء {أولئك} أي: هؤلاء الأشقياء {أصحاب النار هم فيها خالدون} لا يتمكنون من مفارقتها. {و} اذكر {يوم نحشرهم} أي: الفريقين الناجين والهالكين، العابدين منهم والمعبودين، من كل جانب وناحية إلى موقف الحساب حال كونهم {جميعاً} لا يتخلف منهم أحد وهو يوم القيامة والحشر الجمع بكره إلى موقف واحد {ثم نقول للذين أشركوا مكانكم} أي: الزموا مكانكم لا تبرحوا منه حتى تنظروا ما يفعل بكم، وقوله تعالى: {أنتم} تأكيد للضمير المستتر في الفعل المقدّر ليعطف عليه {وشركاؤكم} أي: من كنتم تعبدونه من دون الله {فزيلنا} أي: فرّقنا {بينهم} أي: بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك حين تبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده، وقيل: فرّقنا بينهم وبين المؤمنين كما في آية {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} (يس، 59) والأوّل أنسب بقوله تعالى: {وقال شركاؤهم} لهؤلاء المشركين {ما كنتم إيانا تعبدون} أي: إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أنداداً فأطعتموهم، واختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء. فقال بعضهم: الملائكة واستشهدوا بقوله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (سبأ، 40) . ومنهم من قال: هي الأصنام، والدليل عليه: أنّ هذا الخطاب مشتمل على الوعيد والتهديد، وذلك لا يليق بالملائكة المقرّبين، وسموا شركاء؛ لأنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فصيروهم شركاء لأنفسهم في تلك الأموال، ثم اختلفوا في هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام فقال بعضهم: إنّ الله تعالى خلق الحياة والعقل
والنطق فيها فقدرت على ذكر هذا الكلام. وقال آخرون: إنّ الله تعالى خلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى سمع منها ذلك الكلام. والأوّل أظهر؛ لأنّ ظاهر قوله تعالى: {وقال شركاؤهم} يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هو الشركاء. فإن قيل: إذا أحياها الله تعالى هل يبقيها أو يفنيها؟ أجيب: بأنَّ الكل محتمل فإنّ الله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء، وأحوال القيامة غير معلومة إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن وعلى لسان أنبيائه. وقال بعضهم: المراد بهؤلاء الشركاء كل من عبد من دون الله من إنس وملك وجنّ وشمس وقمر وصنم، وهذا أظهر، وعلى هذا والأوّل سموا شركاء؛ لأنّ الله تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله تعالى: {مكانكم} صاروا شركاء في هذا الخطاب، ولما قال لهم شركاؤهم ذلك قالوا بل كنا نعبدكم فقال: {شركاؤهم} . {فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم} فإنّه تعالى العالم بكنه الحال. {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} أي: لم نأمر بها ولم نعلم بها، وعلى القول بأنها الأصنام فتقول: ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، فإنها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور البتة. تنبيه: إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين الخفيفة والنافية. {هنالك} أي: في ذلك الموقف من المكان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال {تبلو} أي: تختبر {كل نفس} طائعة وعاصية {ما أسلفت} أي: ما قدّمت من عمل فتعاين نفعه وضرّه يؤدّي إلى سعادة أو شقاوة. وقرأ حمزة والكسائي بتاءين من التلاوة، أي: تقرأ ذكر ما قدّمت أو من التلو فيتبع كل شخص عمله فيقوده إلى الجنة والنار والباقون بعد التاء باء موحدة من البلوى وهو الاختبار {وردّوا إلى الله} أي: إلى جزائه إياهم عما أسلفوا فلم يكن لهم قدرة على قصد غيره. {مولاهم الحق} أي: ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة ولا التفات إلى سواه من تلك الأباطيل، بل انقطع رجاؤهم من كل ما يدعونه في الدنيا وهو المراد بقوله تعالى: {وضلّ عنهم} أي: ذهب وبطل وضاع. {ما كانوا يفترون} أي: يتعمدون كذبه من أنّ معبوداتهم شركاء، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم لغير الله كان باطلاً غير حق. ولما بيّن فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل على فساد هذا المذهب بحجج: الحجة الأولى: قوله تعالى: {قل} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين {من يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} بالنبات فانحصر الرزق في ذلك، أما من السماء فبتنزل الأمطار، وأما من الأرض فلأن الغذاء إما أن يكون نباتاً أو حيواناً، أما النبات فلا ينبت إلا من الأرض، وأما الحيوان فهو يحتاج أيضاً إلى الغذاء، ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيواناً آخر، وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له، وذلك محال فثبت أنّ أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات، وثبت أن تولد النبات من الأرض، فثبت القطع بأنّ الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض {أمّن يملك السمع} أي: الأسماع {والأبصار} أي: من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحدّ الذي سوّياً عليه من الفطرة العجيبة. عن علي رضي الله تعالى عنه كان يقول: سبحان من بصر بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم، أو جمعهما وحفظهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلائه وحفظه {ومن يخرج الحيّ من الميت} كأن يخرج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة {ويخرج الميت من
الحيّ} كأن يخرج النطفة من الإنسان والبيضة من الطائر. وقيل: المراد أن يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي ميت في الموضعين بعد الميم بكسر الياء المشدّدة، والباقون بعد الميم بسكون الياء. {ومن يدبر الأمر} أي: ومن يلي تدبير أمر الخلائق، وهو تعميم بعد تخصيص، وذلك لأنَّ أقسام تدبير الله تعالى في العالم السفلي وفي العالم العلوي وفي عالم الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها. وذكر كلها كالمتعذر، فلما ذكر بعض تلك الأفاصيل عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بيّن تعالى أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال {فسيقولون الله} إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه، وإذا كانوا يقرّون بذلك {فقل} لهم يا محمد {أفلا تتقون} الشرك مع اعترافكم بأنّ كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل بفضل الله تعالى وإحسانه. {فذالكم الله ربكم الحق} أي: الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه، وإذا ثبت أنّ هذا هو الحق وجب أن يكون ما سواه ضلالاً؛ لأنَّ النقيضين يمتنع أن يكونا حقين، وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقاً وجب أن يكون ما سواه باطلاً، كما قال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} إذ لا واسطة بينهما فهو استفهام تقرير، أي: ليس بعده غيره فمن أخطأ الحق وهو عبادة الله تعالى وقع في الضلال، ولذلك سبب عنه قوله تعالى: {فأنّى} أي: فكيف ومن، أي: جهة {تصرفون} أي: تعدلون عن عبادته وأنتم تقرّون بأنّ الله هو الحق. {كذلك} أي: كما حقت الربوبية لله تعالى أو أنّ الحق بعده الضلال، أو أنهم مصروفون عن الحق {حقت كلمة ربك} في الأزل {على الذين فسقوا} أي: تمرّدوا في كفرهم وخرجوا عن حدّ الاستصلاح. وقوله تعالى: {أنهم لا يؤمنون} بدل من الكلمة، أي: حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله منهم ذلك والمراد بكلمة الله العدة بالعذاب، وهو {لأملأن جهنم} (الأعراف، 18) الآية، وأنهم لا يؤمنون تعليل بمعنى لأنهم لا يؤمنون، أو ذلك تفسير لكلمته التي حقت. وقرأ نافع وابن عامر كلمة بالألف بعد الميم على الجمع، والباقون بغير الألف بعد الميم على الإفراد. الحجة الثانية: قوله تعالى: {قل} أي: قل يا محمد لهؤلاء {هل من شركائكم} الذين زعمتموهم شركاء وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزرعكم {من يبدأ الخلق} كما بدأ به ليصح لكم ما ادّعيتم من الشركة {ثم يعيده} كما كان. فإن قيل: هم غير معترفين بالإعادة فكيف احتج عليهم تعالى بها كالابتداء في الإلزام بها؟ أجيب: بأنها لظهور برهانها وإن لم يقروا بها وضعت موضع ما إن دفعه دافع كان مكابراً رادّاً للظاهر البيّن الذي لا مدخل للشبهة فيه دلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمراً مسلماً معترفاً بصحته عند العقلاء. ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينوب عنهم في الجواب بقوله تعالى: {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده} لأنّ لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها {فأنى} أي: فكيف {تؤفكون} عن عبادته مع قيام الدلائل. فإن قيل: ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل السؤال والاستفهام؟ أجيب: بأنّ الكلام إذا كان ظاهراً جلياً ثم ذكر على سبيل الاستفهام كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب. الحجة الثالثة: قوله تعالى {قل} أي: قل يا محمد لهم {هل من شركائكم من يهدي إلى الحق} بنصب الحجج، وخلق الاهتداء، وإرسال الرسل، ولما كانوا
جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب بقوله تعالى: {قل الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة {يهدي للحق} من يشاء لا أحداً ممن زعمتموه شركاء، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض. قال الزجاج: يقال هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد. فالله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله تعالى: {من يهدي إلى الحق} وفي قوله تعالى: {قل الله يهدي للحق} وقوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق} أي: وهو الله تعالى {أحق أن يتبع أمّن لا يهدي} أي: يهتدي {إلا أن يهدى} أحق أن يتبع استفهام تقرير وتوبيخ، أي: الأوّل أحق {فما لكم كيف تحكمون} هذا الحكم الفاسد من اتباع من لا يستحق الاتباع، وقوله تعالى: {وما يتبع أكثرهم} في تفسيره وجهان الأوّل: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى. {إلا ظناً} لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم. الثاني: وما يتبع أكثرهم إلا ظناً في قولهم للأصنام آلهة، وإنها شفعاء عند الله تعالى إلا الظنّ، حيث قلدوا فيه آباءهم. قال الرازي: والقول الأول أقوى لأنا في القول الثاني نحتاج إلى تفسير الأكثر بالكل {إنَّ الظنّ لا يغني من الحق} فيما المطلوب فيه العلم {شيئاً} من الإغناء، فدلت هذه الآية على أنَّ كل من كان ظاناً في مسائل الأصول، وما كان قاطعاً لا يكون مؤمناً. فإن قيل: فقول أهل السنة: أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم الكفر أجاب الرزاي: بأنَّ هذا ضعيف من وجوه: الأوّل: أنَّ مذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنَّ الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، فالشك حاصل في أنّ هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله تعالى والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية. الثاني: أنّ الغرض من قوله إن شاء الله تعالى بقاء الإيمان عند الخاتمة. الثالث: الغرض هضم النفس وكسرها. {إنَّ الله عليم} أي: بالغ العلم {بما يفعلون} أي: من اتباعهم الظنّ، وتكذيبهم الحق اليقين، فيجازيهم عليه. وقوله تعالى: {وما كان} عطف على قوله: {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} إلخ فهو حينئذٍ مقول القول، أي: قل لهم ذلك الكلام. {هذا القرآن} أي: الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق {أن يفترى} أي: افتراء {من دون الله} أي: غيره؛ لأنّ المفترى هو الذي تأتي به البشر، وكفار مكة زعموا أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أتى بهذا من عند نفسه، فأخبر الله تعالى أنّ هذا القرآن وحي أنزله عليه وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب وأنه لا يقدر عليه أحد إلا الله، ثم ذكر هذا بقوله تعالى: {ولكن} أنزل {تصديق الذي بين يديه} أي: قبله من الكتب الذي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والانجيل، فثبت بذلك أنه وحي من الله أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم وأنه معجزة له فإنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجتمع بأحد من العلماء، ثم أنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذا القرآن العظيم المعجز، وفيه أخبار الأوّلين وقصص الماضين، وقيل تصديق الذي القرآن بين يديه من القيامة والبعث. {وتفصيل الكتاب} أي: تبيين ما كتب الله من الأحكام وغيرها {لا ريب} أي: لا شك {فيه} . وقوله تعالى: {من رب العالمين} متعلق بتصديق أو بأنزل المحذوف. {أم} أي: بل {يقولون افتراه} أي: اختلقه محمد، ومعنى الهمزة فيه للإنكار
{قل} أي: قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون {فأتوا بسورة مثله} في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم، فأنتم عرب مثله في البلاغة والفطنة. فإن قيل: هل يتناول ذلك جميع السور الصغار والكبار أو يختص بالسور الكبار؟ أجيب: بأنّ هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فيكون المراد مثل هذه السورة؛ لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه، هكذا أجاب الرازي، والأولى التناول لجميع السور؛ فإنهم لا يقدرون أن يأتوا بأقصر سورة. فإن قيل: لم قال في البقرة {بسورة من مثله} (البقرة، 23) وهنا {بسورة مثله} ؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ ولم يكتب ولم يتتلمذ لأحد فقيل في سورة البقرة: {فأتوا بسورة من مثله} بناء على أنّ الضمير يرجع للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي: فليأت إنسان يساوي محمداً صلى الله عليه وسلم في عدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز، فهذا لا يدل على أنّ السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد صلى الله عليه وسلم في عدم التعلم والتتلمذ معجز. ثم بيّن تعالى في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجزة فإنّ الخلق وإن تتلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور وهو المراد من قوله تعالى: {وادعوا من استطعتم} أي: فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به {من دون الله} أي: غيره؛ فإنه تعالى وحده قادر على ذلك {إن كنتم صادقين} أي: في أني أتيت به من عندي؛ لأنَّ العاقل لا يجزم بشيء إلا إذا كان عنده منه مخرج وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر باهر. تنبيه: مراتب تحدّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستة: أوّلها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} (الإسراء، 88) . ثانيها: أنه تحدّاهم بعشر سور فقال تعالى: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} (هود، 32) . ثالثها: أنه تحدّاهم بسورة واحدة كما قال تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} (البقرة، 23) . رابعها: أنه تحدّاهم بحديث مثله. خامسها: أن في تلك المراتب الأربعة كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التلمذة والتعلم، ثم في هذه السورة طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي: إنسان سواء تعلم العلوم أم لم يتعلمها. سادسها: أنّ في المراتب المتقدّمة تحدي واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الاتيان بهذه المعارضة، كما قال تعالى: {وادعوا من استطعتم من دون الله} وههنا آخر المراتب فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أنّ القرآن معجز، ثم إنَّ الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن فقال تعالى: {بل كذبوا} أي: أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك {بما لم يحيطوا بعلمه} أي: القرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته من غير شبهة أصلاً بل عناداً وطغياناً ونفوراً مما يخالف دينهم، فهو من باب: مَنْ جَهِلَ شيئاً عاداه، والإحاطة إدارة ما هو كالحائط حول الشيء وإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه {ولما يأتهم} أي: إلى زمن تكذيبهم {تأويله} أي: تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب وعاقبة ما فيه من الوعيد حتى يتبين لهم
أنه صدق أم كذب، ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرّر عليهم التحدي، فجربوا عقولهم في معارضته فصغرت وضعفت دونها، ومع هذا لم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً {كذلك} أي: مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة قبل تدبر المعجزة {كذب الذين من قبلهم} أي: من كفار الأمم الماضية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم {فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبة الظالمين} بتكذيب الرسل، أي: آخر أمرهم من الهلاك، فكذلك يهلك من كذبك من قومك، وفي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس، والمعنى: فانظر أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم، فاحذر أن تفعل مثل فعله. {ومنهم} أي: من قومك يا محمد، {من يؤمن به} أي: القرآن، أي: يصدق به في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب {ومنهم من لا يؤمن به} في نفسه لغباوته وقلة تدبره، أو منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الكفر ويبدله بالإيمان، ومنهم من يصر ويستمرّ على الكفر، وإنما فسرت هذه الآية بهذين التأويلين؛ لأنّ كلمة يؤمن تصلح للحال والاستقبال {وربك أعلم بالمفسدين} أي: المعاندين على التفسير الأوّل، والمصرين على التفسير الثاني، وفي ذلك تهديد لهم. {وإن كذبوك} أي: وإن كذبوك يا محمد بعد الزام الحجة {فقل} لهم {لي عملي} من الطاعة وجزاء ثوابها {ولكم عملكم} من الشرك وجزاء عقابه، أي: فتبرأ منهم فقد أعذرت، والمعنى: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقاً كان أو باطلاً. {أنتم بريؤن مما أعمل وأنا برئ مما تعملون} لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم. واختلف في معنى ذلك فقيل: معنى الآية الزجر والردع. وقيل: بل معناه استمالة قلوبهم. وقال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الرازي: وهذا بعيد؛ لأنّ شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، وآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، فكان القول بالنسخ باطلاً انتهى. ولا تنبغي هذه المبالغة مع مثل من ذكر، وقد تبعهما جماعة من المفسرين. ولما قسم تعالى الكفار قسمين: منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به قسم من لا يؤمن به قسمين: منهم من يكون في نهاية البغض له والعداوة له ونهاية النفرة عن قبول دينه، ومنهم من لا يكون، كذلك، فوصف القسم الأول في قوله تعالى: {ومنهم} أي: من هؤلاء المشركين، {من يستمعون إليك} إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع بأسماعهم الظاهرة، ولا ينفعهم لشدّة عداوتهم وبغضهم لك، فإن الإنسان إذا قوي بغضه لآخر وعظمت نفرته منه صارت نفسه معرضة عن جميع جهات محاسن كلامه {أفأنت تسمع الصم} أي: أتقدر على إسماعهم {ولو كانوا} مع الصمم {لا يعقلون} أي: لأنّ الأصمّ العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دويّ الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعاً فقد تم الأمر، فكما أنك لا تقدر على إسماع الأصم الذي لا يعقل لا تقدر على إسماع من أصم الله تعالى قلبه، فإنَّ الله تعالى صرف قلوبهم عن الانتفاع بما يستمعون ولم يوفقهم لذلك، فشبههم بالصم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم، ثم وصف القسم الثاني في قوله تعالى: {ومنهم من ينظرون
إليك} أي: يعاينون دلائل نبوّتك ولا يصدّقونك {أفأنت تهدي العمي} أي: أتقدر على هدايتهم {ولو كانوا} مع العمى {لا يبصرون} أي: لا بصيرة لهم؛ لأنَّ الأعمى الذي في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن، فأمّا العمى مع الحمق فجهد البلاء، فلا تقدر على هداية من أعمى الله بصيرته، فهؤلاء في اليأس من أن يقبلوا أو يصدقوا كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر، فلا يقدر على إسماعهم وهدايتهم إلا الله تعالى. تنبيه: اختلف في أنّ السمع أفضل أو البصر فمنهم من قال: السمع، واحتج على ذلك بأمور منها تقدّمه في الآية، ومنها: أنّ القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجوانب، والقوّة الباصرة لا تدرك المرئيّ إلا من جهة واحدة، وهي المقابل، ومنها: أنّ الإنسان إنما يستفيد العلم من التعلم من الأستاذ، وذلك لا يكون إلا بقوة السمع، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة السمع. ومنها: أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم، فنبوّتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية، وإنما حصلت بسبب ما معهم من الأحوال المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع، وبيان الأحكام. ومنها: أنّ المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو النطق بالكلام، وإنما ينتفع بذلك بالقوّة السامعة، فمتعلق السمع النطق الذي يحصل به شرف الإنسان، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال، وذلك أمر مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات. ومنهم من قال: البصر، واحتج بأمور منها: أن آلة القوّة الباصرة هي النور، وآلة القوّة السامعة هي الهواء، والنور أشرف من الهواء. ومنها: أنّ جمال الوجه يحصل بالبصر وبذهابه عيبه وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيباً في جمال وجهه، والعرب تسمي: العينين الكريمتين، ولا تصف السمع بمثل هذا، وفي الحديث يقول الله تعالى: «من أذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة» . ومنها: أنهم قالوا في المثل المشهور: ليس وراء العيان بيان. وذلك يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الإبصار. ومنها: أنّ كثيراً من الأنبياء سمع الله، واختلفوا في أنه هل رآه منهم أحد أم لا؟ وأيضاً فإنّ موسى عليه السلام أسمعه الله تعالى كلامه من غير سبق سؤال والتماس، فلما طلب الرؤية قال: لن تراني، وذلك يدل على أنَّ حال الرؤية أعلى من حال السماع، وهذا هو الظاهر. ولما حكم تعالى على أهل الشقاوة بالشقاوة بقضائه وقدره السابق فيهم أخبر تعالى أنّ تقدير الشقوة عليهم ما كان ظلماً منه بقوله تعالى: {إنّ الله لا يظلم الناس شيئاً} أي: لأنه تعالى في جميع أحواله متفضل وعادل، فيتصرّف في ملكه كيف يشاء والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرّف في ملكه بالفضل والعدل لا يكون ظالماً، وإنما قال تعالى: {ولكن الناس أنفسهم يظلمون} لأنّ فعلهم منسوب إليهم بسبب الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله تعالى وقدره فيهم، ففي ذلك دليل على أنّ للعبد كسباً وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة. وقرأ حمزة والكسائي بكسر النون مخففة ورفع السين، والباقون بنصب النون مشدّدة ونصب السين. ولما وصف تعالى هؤلاء الكفار بقلّة الإصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد بقوله تعالى: {ويوم يحشرهم} أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المشركين لموقف الحساب، وأصل الحشر: إخراج الجماعة
وإزعاجهم عن مكانهم {كأن} أي: كأنهم {لم يلبثوا} في دنياهم. والجملة في موضع الحال من ضمير نحشرهم البارز، أي: مشبهين بمن لم يلبثوا {إلا ساعة} حقيرة {من النهار} أي: يستقصرون مدّة مكثهم في الدنيا وفي القبور لهول ما يرون {يتعارفون بينهم} أي: يعرف بعضهم بعضاً إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدّة الأهوال، والجملة حال مقدّرة متعلق الظرف، والتقدير: يتعارفون يوم نحشرهم. وقوله تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: بالبعث. يحتمل وجهين: الأوّل: أن يكون على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، الثاني: أن يكون كلام الله تعالى، فيكون شهادة من الله تعالى عليهم بالخسران. والمعنى: أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر؛ لأنه أعطى الكثير الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني {وما كانوا مهتدين} أي: إلى رعاية مصالح التجارة، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة، فصاروا كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب. وقوله تعالى: {وإمّا} فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة {نرينّك} يا محمد {بعض الذي نعدهم} به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف، أي: فذاك {أو نتوفّينّك} قبل أن نريك ذلك الوعد في الدنيا فإنك ستراه في الآخرة وهو قوله تعالى: {فإلينا} بعد البعث {مرجعهم} فنريك هناك ما هو أقرّ لعينك وأسرّ لقلبك، وقوله تعالى: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} فيه وعيد وتهديد لهم، أي: أنه تعالى شهيد على أفعالهم التي فعلوها في الدنيا فيجازيهم عليها يوم القيامة، ولما بيّن تعالى حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه بين أنّ حال كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم كذلك بقوله تعالى: {ولكل أمة} أي: من الأمم التي خلت من قبلك {رسول} يدعوهم إلى الله تعالى، وقوله تعالى: {فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط} فيه إضمار تقديره: فإذا جاء رسولهم وبلغهم ما أرسل به إليهم فكذبه قوم وصدقه آخرون، قضي، أي: حكم وفصل بينهم بالقسط، أي: بالعدل. وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم قولان: أحدهما أنه في الدنيا بأن يهلك الكافرين، وينجي رسوله والمؤمنين لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} (الإسراء، 15) والثاني في الآخرة: وذلك أنّ الله تعالى إذا جمع الأمم يوم القيامة للحساب والفصل بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي جيء بالرسل لتشهد عليهم لقوله تعالى: {وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم} (الزمر، 69) والمراد منه: المبالغة في إظهار العدل وهو قوله تعالى: {وهم لا يظلمون} في جزاء أعمالهم شيئاً بل يجازى كل واحد على قدر عمله فكذلك يفعل بهؤلاء. {ويقولون متى هذا الوعد} الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب ومن قيام الساعة وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد {إن كنتم صادقين} أي: فيما تعدونا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع على سبيل التعظيم أو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وإن كان كل أمة قالوا لرسولها مثل ذلك وهو الموافق لقوله تعالى: {ولكل أمّة رسول} قال الله تعالى: {قل} أي: قل لهم يا محمد {لا أملك لنفسي ضرًّا} من مرض أو فقر أدفعه {ولا نفعاً} من صحة أو غنىً أجلبه {إلا ما شاء الله} أن يقدرني عليه، فكيف أملك لكم حلول العذاب أوقيام
الساعة ولا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى {لكل أمة أجل} أي: مدّة مضروبة {إذا جاء أجلهم} أي: انقضت مدّة أعمارهم {فلا يستأخرون} أي: لا يتأخرون {عنه ساعة} ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها {ولا يستقدمون} أي: ولا يتقدّمون، أي: ولا يستعجلون؛ فإنّ الوفاء بالوعد لابدّ منه، والسين فيهما بمعنى الوجدان، أي: لا يوجد لهم المعنى الذي منع منه الفعل، ويجوز أن يكون المعنى لا يجدون التأخر ولا التقدّم وإن اجتهدوا في الطلب، فيكون في السين معنى الطلب. وتدلّ الآية على أنَ أحداً لا يموت إلا بانقضاء أجله، وكذا المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى، وسهل ورش وقنبل الثانية وأبدلها أيضاً حرف مد، والباقون بالتحقيق. قال الله تعالى: {قل} أي: قل لهم يا محمد أيضاً {أرأيتم إن أتاكم عذابه} الذي تستعجلون به {بياتاً} أي: في الليل بغتة كما يفعل العدوّ {أو نهاراً} أي: وقت أنتم فيه تشتغلون بطلب المعاش والكسب {ماذا} أي: أيّ شيء {يستعجل منه} أي: من عذابه وعذاب كل مكروه لا يحتمل شيء منه {المجرمون} أي: المشركون، وضع المجرمون موضع المضمر للدّلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد لا أن يستعجلوا، وجملة الاستفهام متعلقة بأرأيتم، وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه. {أثمَّ إذا ما وقع} أي: حل بكم {آمنتم} أي: آمنتم بالله أو العذاب وقت نزول العذاب وهو وقت اليأس، والهمزة لإنكار التأخير فلا يقبل منكم، وقوله تعالى: {آلآن} على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا وقت نزول العذاب آلآن {وقد كنتم به تستعجلون} تكذيباً واستهزاءً. تنبيه: اتفق قالون مع ورش على النقل هنا، واتفق القراء كلهم على همزة الوصل التي بعد همزة الاستفهام إن فيها وجهين: وهما البدل والتسهيل. وقوله تعالى: {ثم قيل للذين ظلموا} عطف على قيل المقدّر، أي: من، أي: قائل كان استهانة بهم. وقرأ هشام والكسائي بإشمام القاف وهو أن تضم القاف قبل الياء، والباقون بالكسر {ذوقوا عذاب الخلد} أي: الذي تخلدون فيه، والاتيان بثم إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن عذابه أدنى من عذاب يوم الدين {هل} أي: ما {تجزون إلا بما كنتم تكسبون} في الدنيا من الكفر والمعاصي {ويستنبئونك} أي: يستخبرونك يا محمد {أحق هو} أي: ما وعدتنا به من نزول العذاب وقيام الساعة وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء، قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة {قل} لهم في جوابهم {إي وربي إنه لحق} أي: كائن ثابت لا بدّ من نزوله بكم. تنبيه: أي: بمعنى نعم وهو من لوازم القسم، ولذلك توصل بواوه في التصديق فيقال: إي والله، ولا ينطقون به وحده. {وما أنتم بمعجزين} أي: بفائتين العذاب؛ لأن من عجز عن شيء فقد فاته. {ولو أنّ لكل نفس ظلمت} أي: أشركت {ما في الأرض} من الأموال {لافتدت به} من عذاب يوم القيامة ولم ينفعها الفداء لقوله تعالى {ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} (البقرة، 48) . {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي: حين عاينوه وأبصروه صاروا مبهوتين متحيرين فلم يطيقوا عنده بكاءً ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن ذهب به ليصلب؛ فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة. وقيل: إنهم أخلصوا لله في تلك الندامة،
ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم؛ لأنهم إنما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف، وقيل: المراد بالإسرار الإظهار، وهو من الأضداد؛ لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا فوجب الإظهار وليس هناك تخلد. فإن قيل: أسرّوا جاء على لفظ الماضي والقيامة من الأمور المستقبلة أجيب: بأنها لما كانت واجبة الوقوع جعل الله مستقبلها كالماضي. {وقضي بينهم} أي: بين الخلائق {بالقسط} أي: بالعدل {وهم لا يظلمون} . فإن قيل: هذه الآية مكرّرة؟ أجيب: بأنّ الأولى في القضاء بين الأنبياء وتكذيبهم وهذه عامّة. وقيل: بين المؤمنين والكفار. وقيل: بين الرؤساء والأتباع، فإنّ الكفار وإن اشتركوا في العذاب فلا بدّ أن يقضي الله تعالى بينهم؛ لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب الباقين؛ لأنّ العدل يقتضي أن ينصف المظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا أن يخفف من عذاب المظلومين، ويثقل في عذاب الظالمين. وقوله تعالى: u {ألا إنّ لله ما في السموات والأرض} تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب {ألا إنّ وعد الله} أي: ما وعد به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من البعث للجزاء ومن ثواب الطائع وعقاب العاصي {حق} لا شك فيه {ولكنّ أكثرهم} أي: الناس {لا يعلمون} أي: جاهلون عن حقيقة ذلك فهم باقون على الجهل معدودون مع البهائم لقصور عقلهم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا. {هو} أي: الذي يملك ما في السموات والأرض {يحيي ويميت} أي: قادر على الإحياء والإماتة لا يتعذر عليه شيء مما أراد {وإليه ترجعون} بعد الموت للجزاء وقوله تعالى: {يا أيها الناس} خطاب عامّ. وقيل: لأهل مكة {قد جاءتكم موعظة من ربكم} أي: كتاب فيه ما لكم وعليكم وهو القرآن {وشفاء} أي: دواء {لما في الصدور} أي: القلوب من داء الجهل؛ لأنّ داء الجهل أضرّ للقلب من المرض للبدن، وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات المهلكة، والقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها؛ لأنّ فيه المواعظ والزواجر والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير، فهو الشفاء لهذه الأمراض القلبية، وإنما خص تعالى الصدر بالذكر؛ لأنه موضع القلب وغيره وهو أعز موضع في الإنسان لمكان القلب فيه {وهدى} من الضلالة {ورحمة} أي: إكرام عظيم {للمؤمنين} لأنهم هم الذين انتفعوا به دون غيرهم. واختلف في تفسيره قوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته} فقال مجاهد وقتادة: فضل الله: القرآن، ورحمته: ان جُعِلْنَا من أهله. وقال ابن عباس والحسن: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن. وعن أبيّ بن كعب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا {قل بفضل الله وبرحمته} فقال: «بكتاب الله والإسلام» . وقال ابن عمر: فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في قلوبنا. وقيل: فضل الله: الإسلام، ورحمته: الجنة. وقيل: فضل الله: القرآن، ورحمته: السنن. ولا مانع من أن نفسر الآية بجميع ذلك إذ لا تنافي بين هذه الأقوال. والباء في بفضل الله وبرحمته متعلقة بمحذوف يفسره ما بعده تقديره: قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته. {فبذلك فليفرحوا} والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب
اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد المفعولين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليفرحوا بهما. فإنه لا مفروح به أحق منهما. {هو} أي: المحدّث عنه من الفضل والرحمة {خير مما يجمعون} أي: من حطام الدنيا ولذاتها الفانية. وقرأ ابن عامر بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة. {قل} يا محمد لكفار مكة {أرأيتم} أي: أخبروني {ما أنزل} أي: خلق {الله لكم من رزق} وأنه تعالى جعل الرزق منزلاً؛ لأنه مقدر في السماء يحصل بأسباب منها {فجعلتم منه} أي: من ذلك الرزق {حراماً وحلالاً} وهو مثل ما ذكروه من تحريم السائبة والوصيلة والحام، ومثل قولهم: هذه أنعام وحرث حجر. ومثل قولهم: هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا. ومثل قولهم: ثمانية أزواج من الضأن اثنين {قل} لهم يا محمد {ءآلله أذن لكم} في هذا التحريم والتحليل {أم} أي: بل {على الله تفترون} أي: تكذبون على الله بنسبة ذلك إليه {وما ظن الذين يفترون} أي: يتعمدون {على الله الكذب} أي: أيّ شيء ظنهم به {يوم القيامة} أيحسبون أن لا يؤاخذهم ولا يجازيهم على أعمالهم؟ فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع والتهديد والوعيد العظيم لمن يفتري على الله الكذب {إن الله لذو فضلٍ على الناس} بنعم كثيرة لا تحصى منها: إنزال الكتب مفصلاً، فيها ما يرضيه وما يسخطه، ومنها: إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها، ومنها: طول إمهالهم على سوء أفعالهم، ومنها: إنعامه عليهم بالعقل، فكان شكره واجباً عليهم {ولكن أكثرهم} أي: الناس {لا يشكرون} هذه النعم ولا يستعملون العقل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبيائه، ولا ينتفعون باستماع كتب الله، وقوله تعالى: {وما تكون} خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم {في شأن} أي: عمل من الأعمال وجمعه شؤون، والضمير في قوله تعالى: {وما تتلو منه} إمّا للشأن؛ لأنّ تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو معظم شأنه، وإمّا للتنزيل كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل {من قرآن} لأنّ كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له، وإما لله تعالى، والمعنى: وما تتلو من الله من قرآن نازل عليك، وقوله تعالى {ولا تعملون من عمل} أي: أيّ عمل كان تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رئيسهم وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم ولذلك ذكر حيث خص بما فيه فخامة وهو الشأن، وذكر حيث عمّ بقوله تعالى: من عمل، بما يتناول الجليل والحقير، وقيل: إنّ الكل داخلون في الخطابين الأوّلين أيضاً؛ لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب، كما في قوله تعالى: {يا أيها النبيّ إذا طلقتم النساء} (الطلاق، 1) . {إلا كنا عليكم شهودا} أي: رقباء نحصي عليكم أعمالكم؛ لأنّ الله تعالى رقيب على كل شيء وعالم بكل شيء إذ لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى، فكل ما يدخل في الوجود هنا من أحوال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة داخل في علمه وشاهد عليه {إذ تفيضون} أي: الله شاهد عليكم حين تدخلون وتخوضون {فيه} أي: ذلك العمل. وقيل: الإفاضة الدفع بكثرة. وقال الزجاج: إذ تنتشرون فيه، يقال: أفاض القوم في الحديث إذا انتشروا فيه {وما يعزب} أي: يغيب {عن ربك} يا محمد
{من مثقال} أي: وزن {ذرّة} وهي النملة الحمراء الصغيرة خفيفة الوزن جدّاً. وقيل: المراد بها الهباء وهو الشيء المنبث الذي تراه في البيت في ضوء الشمس. وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بالضم، ومن صلة على القراءتين، وإنما قيد بقوله تعالى: {في الأرض ولا في السماء} تقريباً لعقول العامّة. فإن قيل: لم قدّم ذكر الأرض على السماء، وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ حيث قال تعالى: {ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} فما فائدة ذلك؟ أجيب: بأنّ الكلام هنا في حال أهلها، والمقصود منه هو البرهان على إحاطة علمه، على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية {ولا أصغر من ذلك} أي: الذرّة {ولا أكبر} أي: منها {إلا في كتاب مبين} أي: بين وهو اللوح المحفوظ. وقرأ حمزة برفع الراء من أصغر وأكبر على الابتداء والخبر، والباقون بالنصب على أنّ ذلك اسم لا وفي كتاب خبرها {ألا إنّ أولياء الله} أي: الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة {لا خوف عليهم} من لحوق مكروه {ولا هم يحزنون} بفوات مأمول، وفسرهم بقوله تعالى: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} الله بامتثال أمره ونهيه، وهذا الذي فسر الله تعالى به الأولياء لا مزيد عليه. وعن علي رضي الله عنه: هم قوم صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الخوا. وعن سعيد بن جبير أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله تعالى؟ فقال: «هم الذين يذكر الله برؤيتهم» يعني السمت والهيئة. وعن ابن عباس: الإخبات والسكينة. وعن عمر رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم؟ وما أعمالهم؟ فلعلنا نحبهم، قال: هم قوم تحابوا في الله بغير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إنّ وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ الآية. ونقل النووي في مقدمة «شرح المهذب» عن الإمامين الشافعيّ وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما أنّ كلاً منهما قال: إذا لم تكن العلماء أولياء لله فليس لله وليّ. وذلك في العالم العامل بعلمه. وقال القشيري: من شرط الوليّ أن يكون محفوظاً كما أن من شرط النبيّ أن يكون معصوماً، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخادع. فالوليّ هو الذي توالت أفعاله على الموافقة. ولما نفى الله عنهم الخوف والحزن زادهم فقال تعالى مبيناً لتوليته لهم بعد أن شرع بتوليتهم له: {لهم البشرى} أي: الكاملة {في الحياة الدنيا وفي الآخرة} أمّا البشرى في الدنيا ففسرت بأشياء منها: الرؤيا الصالحة، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: «البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» . وقال صلى الله عليه وسلم «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» وقال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليتعوّذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرّات فإنه لا يضرّه» . وقال: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» ومنها: محبة الناس له، وذكرهم إياه في الثناء الحسن. وعن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، إنّ الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» . ومنها: البشرى لهم عند الموت، قال تعالى: {تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة} (فصلت، 30) . وأمّا البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرونه من بياض وجوههم، وإعطاء الصحائف بأيمانهم، وما يقرؤون منها، وسلام الله تعالى عليهم كما قال تعالى: {سلامٌ قولاً من ربَ رحيم} (يس، 58) وغير ذلك من المبشرات بما بشر الله تعالى به عباده المتقين في كتابه، وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه، فإن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية، ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أوليائه وشرح أحوالهم قال تعالى: {لا تبديل} أي: بوجه من الوجوه {لكلمات الله} أي: لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده، والكلمة والقول سواء، ونظيره قوله تعالى: {ما يبدّل القول لديّ} (ق، 29) . وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين {هو الفوز العظيم} هذه الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقق المبشر به وتعظيم شأنه، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله. {ولا يحزنك} يا محمد {قولهم} أي: هؤلاء المشركين، أي: لا يغمك تكذيبهم وتهديدهم وتشويرهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وسائر ما يتكلمون به في شأنك. وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، والباقون بفتح الياء وضم الزاي وكلاهما بمعنى. وقوله تعالى: {إن العزة} أي: القوة {لله جميعاً} استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل: ما لي لا أحزن فقيل إن العزة لله جميعاً،، أي: أنّ الغلبة والقهر في مملكة الله لله جميعاً، لا يملك أحد شيئاً منها لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم. قال تعالى: {كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي} (المجادلة، 21) . وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا} (غافر، 51) . وقيل: إنّ المشركين كانوا يتعززون بكثرة أموالهم وأولادهم وعبيدهم، فأخبر الله تعالى أنَّ جميع ذلك في ملكه فهو قادر على أن يسلب جميع ذلك ويذلهم بعد العز {هو السميع} أي: البليغ السمع لأقوالهم {العليم} أي: المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم، وهو تعليل لتفرّده بالعزة؛ لأنه تفرّد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره، ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة؟ فإن قيل: قوله تعالى: {إنّ العزة لله جميعاً} يضادّ قوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (المنافقون، 8) أجيب: بالمنع لأنّ عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله. {ألا إنّ لله من في السموات ومن في الأرض} ملكاً وخلقاً. فإن قيل: قد ذكر الله تعالى في الآية المتقدّمة {ألا إنَّ لله ما في السموات والأرض} بلفظ ما وقال هنا بلفظ من فما فائدة ذلك؟ أجيب: بأنه تعالى غلب في الآية الأولى ما لا يعقل على من يعقل لكثرته، وفي هذه غلب العاقل على غيره لشرفه، وقيل: مجموع الآيتين دال على أنّ الكل خلقه وملكه، وقيل: إنّ المراد بمن في السموات الملائكة، وبمن في الأرض الثقلان، وإنما خصهم بالذكر لشرفهم، وإذا كان هؤلاء في ملكه وتحت قهره فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له ندّا وشريكاً فهو كالدليل على قوله تعالى: {وما يتبع الذين يدعون} أي: يعبدون {من دون الله} أي: غيره أصناماً {شركاء} على الحقيقة وإن كانوا يسمونها شركاء ـ تعالى الله عن ذلك ـ {إنّ} أي: ما {يتبعون} في ذلك {إلا الظنّ} أي: ظنها أنها آلهة تشفع لهم وأنها تقربهم إلى الله تعالى، ثم بيّن تعالى أنّ هذا الظنّ لا حكم له بقوله تعالى: {وإن} أي: ما {هم إلا يخرصون} أي: يكذبون في ذلك، ويجوز
أن يكون وما يتبع في معنى الاستفهام، أي: وأيّ شيء يتبعون، وشركاء على هذا نصب بيدعون، وعلى الأوّل بيتبع، وكان حقه {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} شركاء فاقتصر على أحدهما للدلالة وقوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} أي: ليزول عنكم التعب والكلال فيه بما تقاسون في نهاركم من تعب التردد في المعاش {والنهار مبصراً} أي: مضيئاً تبصرون فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته المتوحد هو بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة. وإضافة الإبصار إلى النهار مع أنه يبصر فيه على طريق نقل الاسم من المسبب إلى السبب، كقولهم ليل نائم؛ لأنّ الليل سبب للسكون. قال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل، أي: صار ذا ظلمة، وأضاء النهار، أي: صار ذا ضياء. {إن في ذلك} المذكور {لآيات} أي: دلالات على وحدانيته تعالى {لقوم يسمعون} سماع اعتبار وتدبر فيعلمون بذلك أنّ الذي خلق الأشياء كلها هو الإله المعبود المتفرد بالوحدانية في الوجود، ثم ذكر الله تعالى نوعاً من أباطيل الكفار بقوله تعالى: {قالوا} أي: اليهود والنصارى ومن زعم أنّ الملائكة بنات الله {اتخذ الله ولداً} قال الله تعالى: {سبحانه} أي: تنزيهاً له عن الولد {هو الغنيّ} عن كل أحد، وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه، ثم بين تعالى غناه بقوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض} من ناطق وصامت ملكاً وخلقاً، ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه عطف بالإنكار والتوبيخ فقال: {إن} أي: ما {عندكم من سلطان} أي: حجة {بهذا} أي: الذي تقولونه، ثم بالغ تعالى في ذلك الإنكار عليهم بقوله تعالى: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه تعالى جهلاً منكم، والاستفهام للتوبيخ. {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يختلقون على الله الكذب فيقولون عليه الباطل ويزعمون أنّ له ولداً {إنَّ الذين يفترون} أي: يتعمدون {على الله الكذب لا يفلحون} أي: لا ينجحون في سعيهم ولا يفوزون بمطلوبهم بل خابوا وخسروا، فإنهم لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة ظنّ أنه قد فاز بالمقصد، والله سبحانه وتعالى أزال هذا الخيال بأن قال: {متاع في الدنيا} وفيه إضمار تقديره: لهم متاع في الدنيا، على أنه مبتدأ خبره محذوف، ويصح أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: افتراؤهم متاع في الدنيا يقيمون به رياستهم في الكفر أو حياتهم أو تقلبهم متاع في الدنيا وهو أيام يسيرة بالنسبة إلى طول بقائهم في العذاب {ثم إلينا مرجعهم} بالموت {ثم نذيقهم العذاب الشديد} بعد الموت {بما} أي: بسبب ما {كانوا يكفرون} ولما ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة من أحوال كفار قريش وما كانوا عليه من الكفر والعناد شرع بعد ذلك في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وذكر الله تعالى منهم في هذه السورة ثلاث قصص: القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام المذكورة بقوله تعالى: {واتل} يا محمد {عليهم} أي: كفار قريش {نبأ} أي: خبر {نوح} وذلك ليكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه أسوة ممن سلف من الأنبياء، فإنه كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع أنّ معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كان إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة
إذا عمت خفت، ولأنّ الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أنّ الجهال وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدّمين، إلا أنّ الله تعالى أعلنهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم؛ كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سبباً لانكسار قلوبهم ووقوع الخوف والوجل في صدورهم، ولأنّ الكلام إذا طال تقريراً في نوع من أنواع العلوم فربما حصل نوع من أنواع الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر شرح صدره، وطاب قلبه، ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوّة حادثة وميلاً قوياً؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم لما لم يتعلم علماً ولم يطالع كتاباً ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوت، ومن غير زيادة، ومن غير نقصان؛ دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل ويبدل من نبأ نوح {إذ قال لقومه} وهم بنو قابيل {يا قوم إن كان كبر} أي: شق وعظم {عليكم مقامي} أي: لبثي فيكم ألف سنة إلا خمسين عاماً {وتذكيري} أي: وعظي إياكم {بآيات الله} أي: بحجته وبيناته، فعزمتم على قتلي وطردي {فعلى الله توكلت} أي: فهو حسبي وثقتي أو قيامي على الدعوة؛ لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بيناً، وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود. { فأجمعوا أمركم} أي: فاعزموا على أمر تفعلونه في أذاي بالإهلاك أو غيره {وشركاءكم} أي: وادعو شركاءكم أو الواو وبمعنى مع، أي: مع شركائكم وهي الأصنام، وإنما حثهم على الاستعانة بها بناء على مذهبهم الفاسد، واعتقادهم أنها تضرّ وتنفع مع اعتقاده أنها جماد لا تضرّ ولا تنفع تبكيتاً وتوبيخاً لهم. {ثم لا يكن أمركم} أي: الذي تقصدوني به {عليكم غمة} أي: مستوراً من غمه إذا ستره، بل أظهروه وجاهروني مجاهرة، فإنه لا معارضة لي بغير الله الذي يستوي عنده السرّ والجهر {ثم اقضوا إليّ} أي: امضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات، ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه. وقيل: معناه توجهوا إليّ بالقتل والمكروه. وقيل: فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون: {فاقض ما أنت قاض} أي: اعمل ما أنت عامل. {ولا تنظرون} أي: ولا تؤخرون بعد إعلامكم إياي ما أنتم عليه، وإنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلامه وعصمته، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلاً {فإن توليتم} أي: أعرضتم عن تذكيري {فما سألتكم من أجر} أي: من جعل وعوض على تبليغ الرسالة، فينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم، وطلب أجر على عظتكم، ومتى كان الإنسان فارغاً عن الطمع كان قوله أقوى تأثيراً في القلب {إن أجري إلا على الله} وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما أنصحكم إلا لوجه الله تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا. وهكذا ينبغي لكل من ينفع الناس بعلم أو إرشاد إلى طريق الله تعالى {وأمرت أن أكون من المسلمين} أي: إني مأمور بالاستسلام لكل مكروه يصل إليّ منكم لأجل هذه الدعوة، وقيل: بدين الإسلام وأنا ماض فيه غير تاركٍ له قبلتموه أو لم تقبلوه. {فكذبوه} أي: أصرّوا على تكذيبه، بعدما ألزمهم الحجة، وبين أن توليتهم ليست إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب {فنجيناه} من الغرق {ومن معه في الفلك} أي: السفينة وكانوا ثمانين
{وجعلناهم} أي: الذين أنجيناهم معه في الفلك {خلائف} في الأرض يخلقون الهالكين بالغرق {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان، وقوله تعالى: {فانظر} أي: أيها الإنسان أو يا محمد {كيف كان عاقبة المنذرين} تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله وتسلية له، وهذه القصة إذا سمعها من صدّق النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن كذب به كان زجراً للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح، وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الإيمان ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذيرإذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدّم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ، ولهذا الوجه أكثر تعالى ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام. {ثم بعثنا من بعده} أي: نوح {رسلاً إلى قومهم} لم يسم هنا تعالى من كان بعد نوح من الرسل، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوت الله وسلامه عليهم. {فجاؤوهم بالبينات} أي: بالمعجزات الواضحات التي تدل على صدقهم. {فما كانوا ليؤمنوا} أي: فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدّه عنادهم وخذلان الله تعالى إياهم {بما} أي: بسبب ما {كذبوا به من قبل} أي: أنهم كانوا قبل بعثة الرسل إليهم أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد {كذلك} أي: مثل ما طبعنا على هؤلاء بسبب تكذيبهم الرسل {نطبع} أي: نختم {على قلوب المعتدين} في كل زمن لكل من تعمد العدول فيما لا يحلّ له، فلا يقبل الإيمان لانهماكهم في الضلال واتباعهم المألوف. وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد. القصة الثانية: قصة موسى عليه السلام المذكورة بقوله تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم} أي: هؤلاء الرسل {موسى وهارون إلى فرعون وملئه} أي: أشراف قومه وغيرهم تبع لهم، فهو مرسل إلى الجميع {بآياتنا} التسع {فاستكبروا} عن اتباعها والإيمان بها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبيينها ويتعظموا عن قبولها {وكانوا قوماً مجرمين} أي: كفاراً ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا عن ردّها. {فلما جاءهم الحق} أي: جاء فرعون وقومه {من عندنا} أي: الذي جاء به موسى من عند ربه، وعرفوا أنه ليس من عند موسى وهارون لتظاهر المعجزات الظاهرات المزيحة للشك {قالوا} أي: غير متأملين له ولا ناظرين في أمره لفرط تمرّدهم {إن هذا لسحر مبين} أي: بين ظاهر يعرفه كل أحد، وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي لا يظهر إلا على كافر أو فاسق، وقوله تعالى: {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} فيه حذف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا، فحذف السحر الأوّل اكتفاء بدلالة الكلام عليه، ثم قال أسحر هذا؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار بمعنى أنه ليس بسحر، ثم احتج على صحة قوله تعالى فقال: {ولا يفلح الساحرون} فإنه لو كان سحراً لاضمحل ولم يبطل سحر السحرة، فقلب العصا حية، وفلق البحر معلوم بالضرورة أنه ليس من باب التمويه والتخييل، فثبت أنه ليس بسحر {قالوا} أي: قوم فرعون لموسى {أجئتنا لتلفتنا} أي: لتردّنا وتصرفنا واللفت والفتل أخوان {عما وجدنا عليه آباءنا} أي: من الدين وعبادة الأصنام،
ثم قالوا لموسى وهارون {وتكون لكما الكبرياء} أي: الملك والعز {في الأرض} أي: أرض مصر. قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً الملوك موصوفون بالكبر، ولهذا وصف ابن الرقيات مصعباً في قوله: *ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء ينفي ما عليه الملوك من ذلك، ويجوز أن يقصدوا بذلك ذمهما، وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى عليه السلام: {إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض} (القصص، 19) . {وما نحن لكما بمؤمنين} أي: بمصدقين فيما جئتما به. {وقال فرعون} لقومه إرادة للمناظرة لما أتى به موسى عليه السلام {ائتوني بكل ساحر عليم} أي: بالغ في علم السحر لئلا يفوت شيء من السحر بتأخر البعض. وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين السين والحاء، وتشديد الحاء مفتوحة وألف بعدها بصيغة فعال دالّ على زيادة قلق فرعون، والباقون بألف بعد السين وتخفيف الحاء مكسورة ولا ألف بعدها. {فلما جاء السحرة} أي: كل من في أرض مصر، منهم قالوا لموسى: إمّا أن تلقي وإمّا أن نكون نحن الملقين {قال لهم موسى ألقوا} جميع {ما أنتم ملقون} فإن قيل: كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر؟ أجيب: بأنه إنما أمرهم بإلقاء ما معهم من الحبال والعصيّ التي معهم ليظهر للخلق، إنما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر. {فلما ألقوا} مامعهم من الحبال والعصيّ وخيلوا لسحرهم أعين الناس أنها تسعى {قال موسى} منكرا عليهم {ماجئتم به السحر} قرأه أبو عمرو بهمزتين الأولى همزة الاستفهام فهي مفتوحة والثانية همزة وصل، وله فيها وجهان: التسهيل والبدل، فما استفهامية مبتدأ. وجئتم به خبرها، والسحر بدل منه، وقرأ الباقون بهمزة وصل فتسقط في الوصل، أي: الذي جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحراً، ثم أخبره موسى عليه السلام بقوله: {إن الله سيبطله} أي: يهلكه ويظهر فضيحة صاحبه {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} أي: لا يثبته ولا يقوّيه. وقول البيضاوي: وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له محمول على ما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية وإلا فله حقيقة فهو حق عند أهل السنة، وهو علم بكيفية استعدادات تقتدر بها النفوس البشرية على ظهور التأثير في عالم العناصر {ويحق} أي: يثبت ويظهر {الله الحق بكلماته} أي: بقضائه ووعده الصادق لموسى عليه السلام. وقد أخبر الله تعالى في غير هذه السورة أنه كيف أبطل ذلك السحر، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف تلك الحبال والعصيّ {ولو كره المجرمون} . ولما بين تعالى أن قوم موسى شاهدوا هذه المعجزات ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل كما قال تعالى: {فما آمن لموسى إلا ذريّة من قومه} وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان يغتمّ بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر بين تعالى أنّ له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة؛ لأنّ الذي ظهر من موسى عليه السلام من المعجزات كان أمراً عظيماً، ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من قومه، والذرية اسم يقع على القليل، من القوم. قال ابن عباس: الذرية القليل، والهاء التي في قومه
راجعة إلى موسى، أي: فما آمن من قومه إلا طائفة من ذراري بني اسرائيل، كأنه قيل إلا أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وإجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف. وقيل: راجعة إلى فرعون، والذرية: امرأته آسية ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وماشطته {على خوف من فرعون وملئهم} أي: خوف منه؛ لأنه كان شديد البطش، وكان قد أظهر العداوة مع موسى، وإذا علم ميل القوم إلى موسى، كان يبالغ في إيذائهم، فلهذا السبب كانوا خائفين منه ومن أشراف قومه، والضمير لفرعون وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظمة؛ لأنه ذو أصحاب يأتمرون به. وقيل: المراد بفرعون آله. كما يقال ربيعة ومضر. {أن يفتنهم} أي: يصرفهم ويصدّهم عن الإيمان {وإنّ فرعون لعال} أي: متكبر قاهر {في الأرض} أي: أرض مصر {وإنه لمن المسرفين} أي: المجاوزين الحدّ، فإنه كان من أخس العبيد وادّعى الربوبية، وكان كثير القتل والتعذيب لبني إسرائيل. {وقال موسى} لقومه {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله} أي: صدقتم به وبآياته {فعليه توكلوا} أي: ثقوا به واعتمدوا عليه فإنه ناصر أوليائه ومهلك أعدائه {إن كنتم مسلمين} أي: مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين له. وقيل: إن كنتم آمنتم بالقلب وأسلمتم بالظاهر. {فقالوا} مجيبين له {على الله توكلنا} أي: عليه اعتمدنا لا على غيره، ثم دعوا ربهم فقالوا {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} أي: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا. {ونجنا} أي: خلصنا {برحمتك من القوم الكافرين} أي: من أيدي قوم فرعون؛ لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مخلصين، لا جرم أنّ الله تعالى قبل توكلهم، وأجاب دعاءهم ونجاهم، وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في الأرض. وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أنّ الداعي ينبغي أن يتوكل أوّلاً لتجاب دعوته. ولما شرح الله تعالى خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر فيهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون عليهما السلام باتخاذ البيوت بقوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه} أي: الذي طلب مؤازرته ومعاضدته {أن تبوّأا} أي: اتخذا {لقومكما بمصر بيوتاً} تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة {واجعلوا} أنتما وقومكما {بيوتكم} أي: تلك البيوت {قبلة} مصلى أو مساجد كما في قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} (النور، 36) موجهة نحو القبلة، أي: الكعبة، وكان موسى عليه السلام يصلي إليها. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بيوتاً وبيوتكم برفع الباء، والباقون بالخفض {وأقيموا الصلاة} فيها ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً ثلاثة: الأوّل: أنّ موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أوّل أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم ويؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أوّل الإسلام بمكة. الثاني: أنه قيل: إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فوعون بتخريب مساجد بني اسرائيل ومنعهم من الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفاً من فرعون. الثالث: أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى
وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء، وتكفل الله تعالى بأن يصونهم من شرّ الأعداء، وقد خص الله تعالى موسى وهارون في أوّل هذه الآية بالخطاب بقوله تعالى: {أن تبوّأا لقومكما} لأنّ التبوء للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور، ثم عمم هذا الخطاب فقال: واجعلوا بيوتكم قبلة؛ لأن جعل البيوت مساجد وإقامة الصلاة مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال تعالى: {وبشر المؤمنين} أي: بالنصر في الدنيا والجنة في العقبى؛ لأنّ الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة، فخص الله تعالى موسى بها ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام، وأنّ هارون عليه السلام تبع له، ثم إنّ موسى عليه السلام لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة الظاهرة ورأى القوم مصرّين على الجحد والعناد والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب إقدامه على الجرائم وكان جرمهم هو لأجل حبهم الدنيا يزكو {و} لهذا السبب {قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه} أي: أشراف قومه على ما هم عليه من الكفر والكبر {زينة} أي: عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما من الدواب والغلمان وأثاث البيت الفاخر ونحو ذلك. {وأموالاً} أي: كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما {في الحياة الدنيا} روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت، ثم بيّن غايتها لهم فقال مفتتحاً بالنداء باسم الرب: ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم. {ربنا} أي: يا ربنا آتيتهم ذلك {ليضلوا} أي: في خاصة أنفسهم ويضلوا غيرهم {عن سبيلك} أي: دينك واللام للعاقبة وهي متعلقة بآتيت كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزناً} (القصص، 8) وقيل: لام كي، أي: آتيتهم كي تفتنهم. وقيل: هو دعاء عليهم بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غير ذلك. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون بالفتح {ربنا اطمس على أموالهم} أي: امسخها وغيرها عن هيئتها. قال قتادة: صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة. وقال محمد بن كعب: جعل سكرهم حجارة. وقال ابن عباس: بلغنا أنّ الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً وأرباعاً، ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون، فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة، وإنها كالحجر. قال السدّي: مسخ الله تعالى أموالهم حجارة والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة فكانت إحدى الآيات التسع {واشدد على قلوبهم} أي: اطبع عليها واستوثق حتى لا تنشرح للإيمان وقوله: {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} جواب للدعاء، أو دعاء بلفظ النهي أو عطف على ليضلوا، وما بينهما دعاء معترض. وقوله تعالى: {قال قد أجيبت دعوتكما} فيه وجهان: الأوّل: قال ابن عباس: إنّ موسى كان يدعو وهارون كان يؤمّن فلذلك قال: دعوتكما، وذلك أنّ من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضاً داع؛ لأنّ قوله آمين تأويله: استجب، فهو سائل كما أنّ الداعي سائل أيضاً. الثاني: أن يكون كل منها ذكر هذا. غاية ما في الباب أن يقال: إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله تعالى: {وقال موسى ربنا} وهذا لا ينافي أن يكون هارون قد ذكر
الدعاء أيضاً. وأمّا قوله تعالى: {فاستقيما} فمعناه اثبتا على الدعوة والرسالة والزيادة في الزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فلا تستعجلا. قال ابن جريج: إنّ فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة. {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} أي: الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجاباً كان المقصود حاصلاً في الحال فربما أجاب الله تعالى دعاء الإنسان في مطلوبه إلا أنه إنما ربما يوصله إليه في وقته المقدور، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال، وهذا كما قال تعالى لنوح عليه الصلاة والسلام: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} (هود، 46) وهذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام، كما أنّ قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر، 65) لا يدل على صدور الشرك منه صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون، والباقون بتشديدها؛ لأنّ نون التوكيد تثقل وتخفف. ولما أجاب الله تعالى دعاءهما أمر بني اسرائيل وكانوا ستمائة ألف بالخروج من مصر في الوقت المعلوم، ويسر لهم أسبابه وفرعون كان غافلاً عن ذلك، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج في عقبهم كما قال تعالى: {وجاوزنا} أي: قطعنا {ببني اسرائيل} أي: عَبَدَنَا المخلص لنا {البحر} حتى بلغوا الشط حافظين لهم {فأتبعهم فرعون وجنوده} أي: لحقهم وأدركهم يقال: تبعه وأتبعه إذا أدركه ولحقه {بغياً وعدواً} أي: ظلماً وعدواناً. وقيل: بغياً في القول وعدواً في الفعل، فلما أدركهم فرعون قالوا لموسى: أين المخلص والمخرج، البحر أمامنا وفرعون وراءنا، قد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق لموسى وقومه فكان كل فرق كالطود العظيم، وكشف عنه وجه الأرض، وانتشر لهم البحر، فلما وصل فرعون إلى البحر هابوا دخوله، وكان فرعون على حصان أدهم وكان معه في عسكره ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه، وميكائيل يسوقهم حتى لم يشذ منهم أحد، فلما خرج آخر بني اسرائيل من البحر تقدّمهم جبريل على فرس وخاض البحر، فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يملك فرعون من أمره شيئاً، فنزل البحر وأتبعه جنوده، حتى إذا كملوا جميعاً في البحر وهمّ أوّلهم بالخروج التطم البحر عليهم، فلما أتاه الغرق أتى بكلمة الإخلاص كما قال تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق} أي: لحقه {قال آمنت أنه} أي: بأنه {لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين} . فإن قيل: إنه آمن ثلاث مرات أولها قوله: آمنت. وثانيها: قوله لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل. وثالثها: قوله وأنا من المسلمين. فما السبب في عدم القبول؟ أجاب: العلماء عن ذلك بأجوبة منها: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب غير مقبول، ويدلّ عليه قوله تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر، 85) ودس جبريل في فيه من حما البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له {آلآن} تؤمن {وقد عصيت قبل} وضيعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية {وكنت من المفسدين} بضلالك وإضلالك عن الإيمان والتوبة حتى أغلق بابها بحضور الموت ومعاينة الملائكة، وإنما قال له: وكنت من المفسدين في مقابلة قوله وأنا من المسلمين، ومنها أنّ فرعون إنما قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من البلية الحاضرة، ولم يكن قصده الإقرار بوحدانية
الله تعالى والاعتراف له بالربوبية، فلم ينفعه ما قال في ذلك الوقت، ومنها: أنّ فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه وتعالى ولذلك قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل، فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه، ومثل هذا الاعتقاد الفاسد لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية والدلائل اليقينية. ومنها: ما روي في بعض الكتب أنّ بعض أقوام بني اسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر، ومنها: أنّ الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى وبالإقرار بنبوّة موسى عليه السلام، وفرعون لم يقرّ بالنبوّة فلم يصح إيمانه، ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرّة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمانه إلا إذا قال معه: وأشهد أنّ محمداً رسول الله فكذا هنا. ومنها: أنّ جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتوى، ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه يقول: أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج عن سيده الكافر بنعمته أن يغرّق في البحر، ثم أنّ فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام إليه خطه. فإن قيل: فما فائدة دس جبريل في فم فرعون ذلك؛ لأنه في تلك الحالة إمّا أن يكون التكليف ثابتاً أم لا؟ فإنّ كان فكيف يمنعه من التوبة، وإن كان غير مكلف فلا فائدة في ذلك؟ أجيب: بأنَّ التكليف كان ثابتاً وجبريل عليه السلام لم يفعل ذلك من قبل نفسه فإنه عبد مأمور، والله تعالى يفعل ما يشاء كما قال تعالى: {فإنّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} (فاطر، 8) . وقال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة} (الأنعام، 110) وهكذا فعل بفرعون، منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أوّلاً، فدس الحما في فم فرعون من جنس الختم والطبع على القلب، ومن الناس من قال: قائل هذا القول هو الله تعالى؛ لأنه ذكر بعده. {فاليوم ننجيك} أي: نخرجك من البحر {ببدنك} أي: جسمك الذي لا روح فيه كاملاً سوياً لم يتغير، أو نخرجك من البحر عرياناً من غير لباس، أو أنّ المراد بالبدن الدرع. قال الليث: البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين، وهذا منقول عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف، به فأخرجه الله تعالى من الماء مع ذلك الدرع ليعرف {لتكون لمن خلفك} أي: بعدك {آية} أي: عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. وعن ابن عباس: أنّ بعض بني اسرائيل شكوا في موته، فأخرج لهم ليروه ويشاهده الخلق على ذلك الذلّ والمهانة بعدما سمعوا منه قوله: {أنا ربكم الأعلى} ليعلموا أنّ دعواه كانت باطلة، وأن ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما يرون لعصيانه ربه {وإنّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} أي: لا يعتبرون بها، وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى، ولكن القول الأوّل أشهر. {ولقد بوّأنا} أي: أنزلنا {بني اسرائيل مبوّأ صدق} أي: منزلاً صالحاً مرضياً وهو مصر والشام، وإنما وصف المكان بالصدق؛ لأنّ عادة العرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق، تقول العرب: هذا رجل صدق وقدم صدق، والسبب فيه أنّ الشيء إذا كان كاملاً صالحاً لا بدّ أن يصدق الظنّ فيه. وقيل: أرض
الشام والفرس والأردن؛ لأنها بلاد الخصب والخير والبركة {ورزقناهم من الطيبات} أي: الحلالات المستلذات من الفواكه والحبوب والألبان والأعسال وغيرها، فأورث تعالى بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من الناطق والصامت والحرث والنسل كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} (الأعراف/ 137) .v {فما اختلفوا} أي: هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني اسرائيل في أمر دينهم {حتى جاءهم العلم} أي: جاءهم ما كانوا به عالمين، وذلك أنهم كانوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم مقرين به مجمعين على نبوّته غير مختلفين فيه لما يجدونه مكتوباً عندهم، وكانوا يخبرون بمبعثه وصفته ونعته ويفتخرون بذلك على المشركين، فلما بعث صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه، فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وكفر به بعضهم بغياً وحسداً وإيثاراً لبقاء الرياسة، وأنهم ما اختلفوا في دينهم إلا من بعد ما قرؤوا التوراة وعلموا أحكامها {إن ربك} يا محمد {يقضي بينهم يوم القيامة} أي: الذي هو أعظم الأيام {فيما كانوا} أي: بأفعالهم الجبلية {فيه يختلفون} أي: فيتميز الحق من الباطل والصديق من الزنديق ويسكن كلا داره، واختلف المفسرون فيمن المخاطب بقوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب} أي: التوراة {من قبلك} أي: فإنه ثابت عندهم يخبرونك بصدقه، فقيل: هو النبيّ صلى الله عليه وسلم في الظاهر، والمراد أمته كقوله تعالى: {يا أيها النبيّ اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} (الأحزاب، 1) وقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} (الزمر، 46) . وقوله تعالى لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله} (المائدة، 116) ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جارة، والذي يدل على صحة ذلك وجوه: الأوّل: قوله تعالى في آخر السورة: {يا أيها الناس} فبين أنّ ذلك المذكور في أوّل الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لو كان شاكاً في نبوّة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية، الثالث: إذا قدر أن يكون شاكاً في نبوّة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوّته مع أنهم في الأكثر كفار؟ فثبت أنّ الخطاب وإن كان في الظاهر معه صلى الله عليه وسلم إلا أنّ المراد هو الأمّة، ومثل هذا معتاد فإنّ السلطان إذا كان له أمير وتحت راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه عليهم بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم ليكون ذلك أشدّ تأثيراً في قلوبهم، وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم على حقيقته ولكن الله تعالى علم أنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام فإنه يصرّح ويقول: يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل أكتفي بما أنزلته عليّ من الدلائل الظاهرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «لا أشك ولا أسأل أحداً منهم» ، ونظير هذا قوله للملائكة: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} (سبأ، 40) والمقصود أن يصرّحوا بالجواب الحق ويقولوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ. وكما قال تعالى لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين} (المائدة، 116)
والمقصود منه أن يصرّح عيسى عليه السلام بالبراءة من ذلك فكذلك هنا. وقرأ ابن كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين والباقون بالهمزة وسكون السين. وقيل الخطاب لكل من يسمع، أي: إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على لسان نبينا إليك. وفيه تنبيه على أنّ من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم، وأظهر هذه الأقوال أوّلها، وهذه الأقوال تجري في قوله تعالى: {لقد جاءك الحق من ربك} أي: الآيات القاطعة لا مدخل للمرية فيه {فلا تكونن من الممترين} أي: الشاكين فيه، وفي قوله تعالى: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} أي: الذين خسروا أنفسهم {إنّ الذين حقت عليهم كلمة ربك} أي: ثبت عليهم قوله تعالى الذي كتبه في اللوح المحفوظ وأخبر به الملائكة أنهم {لا يؤمنون} أي: يموتون كفاراً فلا يكون غيره، إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه. {ولو جاءتهم كل آية} فإنّ السبب الأصلي لإيمانهم وهو تعلق إرادة الله تعالى به مفقود، فإنّ الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى، وإذا لم تحصل تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل {حتى يروا العذاب الأليم} فحينئذٍ لا ينفعهم الإيمان كما لم ينفع فرعون. وقرأ نافع وابن عامر كلمات بألف بعد الميم على الجمع، والباقون بغير ألف على الإفراد. القصة الثالثة: قصة يونس عليه السلام المذكورة بقوله تعالى: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} {فلولا} أي: فهلا {كانت قرية} واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها {آمنت} أي: آمن أهلها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب {فنفعها} أي: فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها {إيمانها} بأن تقبله الله تعالى منها وكشف العذاب عنها، وقوله تعالى: {إلا قوم يونس} استثناء منقطع بمعنى لكن قوم يونس {لما آمنوا} أي: لما أخلصوا الإيمان أوّل ما رأوا آية العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله {كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} ويجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه كأنه قيل: ما آمن أهل قرية من القرى الهالكة فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس {ومتعناهم إلى حين} أي: إلى انقضاء آجالهم. روي عن ابن مسعود وغيره: أنّ قوم يونس كانوا بأرض نينوى من أرض الموصل، فأرسل الله تعالى إليهم يونس عليه السلام، يدعوهم إلى الإيمان فدعاهم فأبوا فقيل له: إنّ العذاب مصبحهم إلى ثلاثة أيام فأخبرهم بذلك فقالوا: إنا لم نجرب عليك كذباً، فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أنّ العذاب مصبحكم. فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس عليه السلام من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل. وقال وهب: غامت السماء غيماً عظيماً، أسود هائلاً يدخن دخاناً عظيماً فهبط حتى غشى مدينتهم واسودّت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس بينهم فلم يجدوه، وقذف الله تعالى في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وأولادهم ودوابهم ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرّقوا بين كل والدة وولدها من النساء والدواب فحنّ بعضها إلى بعض، وعلت أصواتها واختلطت بأصواتهم، وعجوا وتضرّعوا إلى الله تعالى وقالوا آمنا بما جاء به يونس عليه السلام، فرحمهم الله تعالى، واستجاب دعاءهم،
وكشف عنهم العذاب بعد ما أظلهم. وكل ذلك يوم عاشوراء يوم الجمعة، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم حتى أنّ الرجل كان يقلع الحجر وكان قد وضع عليه أساس بنيانه فيردّه، وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم: قولوا يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيي الموتى، ويا حيّ لا إله إلا أنت. فقالوها، فكشف عنهم. وعن الفضيل بن عياض: اللَّهمَّ إنّ ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وستأتي بقية القصة إن شاء الله تعالى في سورة والصافات. فإن قيل: قد حكى الله تعالى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته، وحكى عن قوم يونس أنهم آمنوا وقبل توبتهم، فما الفرق بين الحالين؟ أجيب: بأنّ فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب وهو وقت اليأس من الحياة، أمّا قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك، فإنهم لما ظهرت أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن ينزل بهم ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، وإنّ الله تعالى قد علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم بخلاف فرعون فإنه لم يصدق في إيمانه ولا أخلص فلم يقبل منه. قال الله تعالى: {ولو شاء ربك} يا محمد {لآمن} بك وصدّقك {من في الأرض كلهم} بحيث لم يشذ منهم أحد {جميعاً} أي: مجتمعين على ذلك في آن واحد لا يختلفون في شيء منه ولكن لم يشأ أن يصدّقك ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل، وفي هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه كان حريصاً على إيمانهم كلهم، فأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له السعادة الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم. وهو قوله تعالى: {أفأنت تكره الناس} أي: الذين لم يرد الله إيمانهم {حتى يكونوا مؤمنين} أي: ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه وتحرص عليه، إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئة الله تعالى وقضائه وليس لأحد ذلك سواه. كما قال تعالى: {وما كان} أي: وما ينبغي وما يتأتى {لنفس} أي: واحدة فما فوقها {أن تؤمن} أي: يقع منها إيمان في وقت مّا {إلا بإذن الله} أي: بإرادته لها بالإيمان، فإنّ هدايتها إلى الله فهو المهدي والمضل. وقال ابن عباس بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله. {ويجعل} الله {الرجس} أي: العذاب والخذلان فإنه سببه. وقرأ شعبة وحده بالنون {على الذين لا يعقلون} أي: لا يتدبرون في آيات الله تعالى، فينتفعوا بها وهم يدعون أنهم أعقل الناس ويتساقطون في مساوئ الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ولما بين الله تعالى في الآيات السابقة أنّ الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل بقوله تعالى: {قل انظروا} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك الآيات {ماذا} أي: الذي {في السموات والأرض} من الآيات وواضح الدلالات من عجائب صنعه ليدلكم على وحدته وكمال قدرته، ففي العالم العلوي الشمس والقمر وهما دليلان على الليل والنهار والنجوم وحركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها، والكواكب وما يختص بذلك من المنافع، وفي العالم السفلي الجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان، وأخصها حال الإنسان. كل ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وانه خالقها، كما قال
القائل: *وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وقرأ عاصم وحمزة في الوصل بكسر اللام والباقون بضمها، وأمّا الهمزة من انظروا فكل القراء يبتدؤون بالضم {وما تغني الآيات} أي: وإن كانت في غاية الوضوح {والنذر} جمع نذير، أي: الرسل {عن قوم لا يؤمنون} في علم الله تعالى وحكمه. تنبيه: قال النحويون: ما هنا تحتمل وجهين الأوّل: أن تكون نفياً بمعنى أنّ هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله تعالى عليه بأنه لا يؤمن كقولك: لا يغني عنك المال إذا لم تنفق. والثاني: أن تكون استفهاماً كقولك، أي: شيء يغني عنهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار. {فهل} أي: ما {ينتظرون} أي: أهل مكة بتكذيبك {إلا} أياماً، أي: وقائع {مثل أيام} أي: وقائع {الذين خلوا من قبلهم} أي: من مكذبي الأمم كالقبط وقوم نوح وما انطوى بينهما من الأمم، أي: مثل وقائعهم من العذاب {قل} أي: قل لهم يا محمد {فانتظروا} أي: العذاب {إني معكم من المنتظرين} أي: لنزول العذاب بكم. وقوله تعالى: {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} عطف على محذوف، دل عليه قوله تعالى: {إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} كأنه قيل: لنهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم على حكاية الأحوال الماضية. وقرأ أبو عمرو وحده بسكون السين {كذلك} أي: كما نجينا رسلنا والذين آمنوا معهم من الهلاك {حقاً علينا ننج المؤمنين} أي: ننجيك يا محمد ومن آمن معك وصدّقك من الهلاك والعذاب. فإن قيل: قوله تعالى حقاً يقتضي الوجوب والله تعالى لا يجب عليه شيء. أجيب: بأنَّ ذلك حق بحسب الوعد والحكم لا أنه حق بحسب الاستحقاق. لما ثبت أنّ العبد لا يستحق على خالقه شيئاً وهو اعتراض بين المشبه والمشبه به ونصب بفعله المقدّر، وقيل بدل من ذلك. وقرأ حفص والكسائي بسكون النون الثانية والباقون بفتحها. وأمّا الوقف عليها فجميع القراء يقفون على الجيم؛ لأنها مرسومة في المصحف بالجيم بلا ياء، فهي في القرآن وقفاً ووصلاً بلا ياء لجميع القراء. ولما ذكر تعالى الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه فقال: {قل} يا محمد {يا أيها الناس} أي: الذين أرسلت إليهم فشكوا في أمرك ولم يؤمنوا بك {إن كنتم في شك من ديني} أي: الذي أدعوكم إليه أنه حق وأصررتم على ذلك وعبدتم الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله} أي: غيره وهو الأصنام التي لا قدرة لها على شيء {ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} بقبض أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها، فإنه الذي يستحق العبادة، وإنما خص الله تعالى هذه الصفة للتهديد. وقيل: إنهم لما استعجلوا بطلب العذاب أجابهم بقوله: ولكن أعبد الله الذي هو قادر على إهلاككم ونصري عليكم. {وأمرت أن} أي: بأن {أكون من المؤمنين} أي: المصدّقين بما جاء من عند الله. وقيل: إنه لما ذكر العبادة وهي من أعمال الجوارح أتبعها بذكر الإيمان لأنه من أعمال القلوب. فإن قيل: كيف قال في شك وهم كفار يعتقدون بطلان ما جاء به؟ أجيب: بأنه كان فيهم شاكون أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمره صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وأن أقم وجهك للدين} عطف على أن أكون، غير أن صلة
أن محكية بصيغة الأمر ولا فرق بينهما في الغرض؛ لأنّ المقصود وصلها بما تضمن معنى المصدر ليدل معه عليه، وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها والطلب، والمعنى: وأمرت بالاستقامة في الدين والاستعداد فيه بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح، أو في الصلاة باستقبال القبلة وقوله: {حنيفاً} حال من فاعل أقم أو من الدين أو من الوجه، ومعناه: مائلاً مع الدين غير معوج عنه إلى دين آخر وقوله تعالى: {ولا تكونن من المشركين} أي: ممن يشرك بالله في عبادته غيره فتهلك، خطاباً للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته، أي: ولا تكونن أيها الإنسان وكذا قوله تعالى: {ولا تدع} أي: تعبد {من دون الله} أي: غيره {ما لا ينفعك} أي: إن عبدته {ولا يضرّك} إن لم تعبده {فإن فعلت} ذلك {فإنك إذاً من الظالمين} لنفسك؛ لأنك وضعت العبادة في غير موضعها، والظلم: وضع الشيء في غير محله، فإذا كان ما سوى الحق معزولاً عن التصرّف كان إضافة التصرّف إلى ما سوى الحق وضعاً للشيء في غير موضعه فيكون ظلماً. ولما ذكر الله تعالى الأوثان وبيّن أنها لا تقدر على ضرّ ولا نفع بيّن تعالى أنه هو القادر على كل شيء وأنه ذو الجود والكرم والرحمة بقوله تعالى: {وإن يمسسك} أي: يصبك {الله بضرَ} كفقر ومرض {فلا كاشف} أي: لا دافع {له إلا هو} لأنه الذي أنزله بك {وإن يردك بخير} كرخاء وصحة {فلا رادّ} أي: دافع {لفضله} أي: الذي أرادك به {يصيب به} أي: بالخير {من يشاء من عباده وهو الغفور} أي: البليغ الستر للذنوب {الرحيم} أي: البالغ في الإكرام. وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء، والباقون بالضم، فرجح سبحانه وتعالى جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه: الأوّل: أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار؛ لأنّ الاستثناء من النفي إثبات، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه بل قال: إنه لا راد لفضله، وذلك يدل على أنّ الخير مطلوب بالذات وأنّ الشر مطلوب بالعرض كما قال صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى أنه قال: «سبقت رحمتي غضبي» . الثاني: أنه سبحانه وتعالى قال في صفة الخير يصيب به من يشاء من عباده، وذلك يدل على أن جانب الخير أقوى وأغلب. الثالث: أنه تعالى قال {وهو الغفور الرحيم} وهذا أيضاً يدل على قوّة جانب الرحمة. وحاصل الكلام في هذه الآية: أنه سبحانه وتعالى بيّن أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه، وأنّ جميع الممكنات مسندة إليه وجميع الكائنات محتاجة (إليه) ، فالأيدي مرفوعة إليه، والحاجات منتهية إليه، والعقول والهة فيه، والرحمة والجود فائض منه. ولما قرر تعالى الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوّة والمعاد، وزين أمر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مبتدئاً بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية لئلا يبقى لأحدٍ عذر بقوله تعالى: {قل} يا محمد {يا أيها الناس} أي: الذين أرسلت إليهم {قد جاءكم الحق من ربكم} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق من الله تعالى والقرآن فلم يبق لكم عذر {فمن اهتدى} أي: آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وعمل بما في الكتاب {فإنما يهتدي لنفسه} لأنه اتبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل، فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها
سورة هود
الجنة فثواب اهتدائه له {ومن ضلّ} أي: كفر بها أو بشيء منها {فإنما يضل عليها} أي: على نفسه؛ لأنّ وبال ضلاله عليها؛ لأنّ من ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده منه شيء فقد غر نفسه. ثم قال صلى الله عليه وسلم {وما أنا عليكم بوكيل} أي: حفيظ، أي: موكول إليّ أمركم وإنما أنا بشير ونذير. قال ابن عباس: وهذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {واتبع} يا محمد {ما يوحى إليك} بالامتثال والتبليغ {واصبر} أي: على دعوتهم وتحمل أذيتهم {حتى يحكم الله} أي: بنصرك عليهم وإظهار دينك أو بالأمر بالقتال {وهو خير الحاكمين} إذ لا يمكن الخطأ في حكمه تعالى لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر، فحكم بقتل المشركين والجزية على أهل الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون. وأنشد بعضهم في الصبر: *سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ... وأصبر حتى يحكم الله في أمري *سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمرُ من الجمر وروي أنّ أبا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة، وقد تلقته الأنصار، ثم دخل المدينة فقال له: ما لك لم تتلقنا؟ قال: لم يكن عندنا دواب. قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. وقد قال صلى الله عليه وسلم «يا معشر الأنصار إنكم ستلقون بعدي أثرة» . قال معاوية: فماذا قال؟ قال: «فاصبروا حتى تلقوني» قال: فاصبر. قال: إذاً نصبر. فقال عبد الرحمن بن حسان: *ألا أبلغ معاوية بن حرب ... أمير الظالمين ثنا كلامي *بأنا صابرون فمنظروكم ... إلى يوم التغابن والخصام وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة يونس أُعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق يونس وكذب به وبعدد من غرق مع فرعون» حديث موضوع. سورة هود عليه السلام مكية إلا وأقم الصلاة الآية وإلا فلعلك تارك الآية وأولئك يؤمنون به الآية مائة وثنتان أو ثلاث وعشرون آية، وكلماتها ألف وسبعمائة وخمس عشرة، وحروفها سبعة آلاف وستمائة وخمسة أحرف. وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، عجل إليك الشيب؟ قال: «شيبتني هود وأخواتها. الحاقة والواقعة وعمّ يتساءلون هل أتاك حديث الغاشية» . {بسم الله} أي: الذي له تمام العلم وكمال الحكمة وجميع القدرة {الرحمن} لجميع خلقه بعموم البشارة والنذارة {الرحيم} لأهل ولايته بالحفظ في سلوك سبيله، وقوله تعالى: {الر كتاب} مبتدأ وخبر، أو كتاب خبر مبتدأ محذوف، وتقدم الكلام على أوائل السور أول سورة البقرة. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: {أحكمت آياته} صفة للكتاب وفسر الأحكام بوجوه: الأوّل: أحكمت آياته، أي: نظمت نظماً محكماً لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم المرصف، ولا يعتريه إخلال من جهة اللفظ، والمعنى: ولا يستطيع أحد
نقض شيء منه ولا الطعن في شيء من بلاغته أو فصاحته. الثاني: أنّ الأحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء فقوله: أحكمت آياته، أي: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به كما قال ابن عباس. الثالث: أنها أحكمت بالحجج والدلائل، أو جعلت حكيمة منقول من حكم بالضم إذا صار حكيماً؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية وقوله تعالى: {ثم فصلت} صفة أخرى للكتاب، أي: بينت بالأحكام والقصص والمواعظ والأخبار، وبالإنزال نجماً نجماً، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه، أو بجعلها سوراً. وقال الحسن أحكمت بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد. تنبيه: معنى ثم في قوله ثم فصلت ليس للتراخي في الوقت لكن في الحال كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. وقوله تعالى {من لدن حكيم خبير} أي: الله تعالى صفة أخرى للكتاب، والتقدير: الر كتاب من حكيم خبير أو خبر بعد خبر والتقدير: الر من لدن حكيم خبير أو صلة لأحكمت وفصلت، أي: أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير. وعلى هذا التقدير قد حصل بين أوائل هذه السورة وبين آخرها مناسبة لطيفة، كأنه يقول تعالى: أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور، وقوله تعالى: {أن لا تعبدوا إلا الله} يحتمل وجوهاً: الأوّل: أن تكون مفعولاً له والتقدير: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل أن لا تعبدوا إلا الله. الثاني: أن تكون مفسرة؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول، قال الرزاي: والحمل على هذا أولى؛ لأنّ قوله تعالى: {وأن استغفروا} معطوف على قوله تعالى: {أن لا تعبدوا} فيجب أن يكون معناه، أي: لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفاً على النهي، فإنّ كونه بمعنى لأن لا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه. الثالث: أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم إغراءً منه على اختصاص الله تعالى بالعبادة، ويدلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم {إنني لكم منه} أي: الله {نذير} بالعقاب على الشرك {وبشير} بالثواب على التوحيد، كأنه قيل ترك عبادة غير الله تعالى بمعنى اتركوها إنني لكم منه نذير وبشير كقوله تعالى: {فضرب الرقاب} (محمد، 4) . تنبيه: هذه الآية الكريمة مشتملة على أشياء مترتبة: الأوّل: أنه تعالى أمر أن لا تعبدوا إلا الله لأنّ ما سواه محدث مخلوق مربوب، وإنما حصل بتكوين الله وإيجاده، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل، وذلك لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة غير الله تعالى منكرة. المرتبة الثانية: قوله تعالى: {وأن استغفروا ربكم} المرتبة الثالثة: قوله {ثم توبوا إليه} واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه: الأوّل: أنّ معنى قوله {وأن استغفروا} ، أي: اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة. فقال: ثم توبوا إليه؛ لأنّ الداعي إلى التوبة والمحرك عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة فالاستغفار مطلوب بالذات والتوبة مطلوبة لكونها من مهمات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة. الثاني: وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ثم توبوا، أي: ارجعوا
إليه بالطاعة. الثالث: الاستغفار طلب من الله تعالى لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي فقدم الاستغفار ليدل على أنّ المؤمن يجب عليه أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة؛ لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه، والاستعانة بفضل الله تعالى تقدم على الاستعانة بسعي النفس، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يرتب عليها من الآثار المطلوبة، ومن المعلوم أنّ المطالب محصورة في نوعين؛ لأنه إنما يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة أما المنافع الدنيوية فهي المرادة من قوله تعالى: {يمتعكم متاعاً حسناً} أي: بطيب عيش وسعة رزق {إلى أجل مسمى} وهو الموت. فإن قيل: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وقال أيضاً: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» . وقال تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة} (الزخرف، 33) فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدّة والبلية، ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأن المشتغل بعبادة الله ومحبته مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه، فكلما كان امعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتمّ كان انقطاعه عن الخلق أتمّ وأكمل، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر كان الابتهاج والسرور أكمل؛ لأنه أمن من تغير مطلوبه وأمن من زوال محبوبه، وأمّا من كان مشتغلاً بحب غير الله كان أبداً في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله، وكان عيشه منغصاً وقلبه مضطرباً. ولذلك قال تعالى في صفة المشتغلين بخدمته {فلنحيينه حياة طيبة} (النحل، 97) . وقيل: المراد بالمتاع الحسن: عدم العذاب بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا. وسمى سبحانه وتعالى منافع الدنيا بالمتاع لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها، ونبه تعالى على كونها منقضية بقوله تعالى: {إلى أجل مسمى} فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية. وأمّا المنافع الأخروية فقد ذكرها تعالى بقوله تعالى: {ويؤت} أي: في الآخرة {كل ذي فضل} أي: في العمل {فضله} أي: جزاءه؛ لأنّ مراتب السعادات في الآخرة مختلفة؛ لأنها متقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا، فلما كان الإعراض عن غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية فكذلك مراتب السعادة الأخروية غير متناهية، فلهذا السبب قال تعالى: ويؤت كل ذي فضل فضله. وقال أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الآخرة. وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت سيئاته وحسناته كان من أهل الأعراف ثم يدخلون الجنة. وقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت له سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من حسناته العشر واحدة وبقي له تسع حسنات، ثم يقول ابن مسعود: هلك من غلب آحاده أعشاره. وقوله تعالى: {وإن تولوا} فيه حذف إحدى التاءين، أي: وإن تعرضوا عما جئتكم به من الهدى {فإني} أي: فقل لهم إني {أخاف
عليكم عذاب يوم كبير} هو يوم القيامة وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل. وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف. {إلى الله مرجعكم} أي: رجوعكم في ذلك اليوم فيثيب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته {وهو على كل شيء قدير} أي: قادر على جميع المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته، ومنه الثواب والعقاب، وفي ذلك دلالة على قدرة عالية وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف لهذا العبد، والملك القاهر العالي إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك، ومنه المثل المشهور: ملكت فأسحج () ، أي: فاعف، يقول مصنف هذا الكتاب: قد أفنيت عمري في خدمة العلم ومطالعة الكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور. والكريم إذا قدر عفا. فأسألك يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين أن تفيض سجال رحمتك عليّ وعلى والديّ وأولادي وإخواني وأحبابي، وأن تخصني وإياهم بالفضل والتجاوز والجود والكرم. واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم} فقال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنظر يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره فمعنى قوله تعالى: {يثنون صدورهم} يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة. وقال عبد الله بن شدّاد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كي لا يراه النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: كانوا يحنون ظهورهم كي لا يسمعوا كلام الله تعالى ولا ذكره. وروى البخاري عن ابن عباس أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويتغشى بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي. وقال السدي: يثنون صدورهم: أي: يعرضون بقلوبهم من قولهم ثنيت عناني {ليستخفوا منه} أي: من الله تعالى بسرهم فلا يطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عليه. وقيل: من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا: إن أرخينا علينا ستوراً واستغشينا ثياباً وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم {ألا حين يستغشون ثيابهم} أي: يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم {يعلم} تعالى {ما يسرّون} في قلوبهم {وما يعلنون} بأفواههم، أي: أنه لا تفاوت في علمه تعالى بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الإخفاء {إنه} تعالى {عليم بذات الصدور} أي: بالقلوب وأحوالها. ولما أعلم تعالى ما يسرّون وما يعلنون أردفه بما يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات بقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فذكر تعالى أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى، فلو لم يكن عالماً بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات، والدابة اسم كل حيوان دب على وجه الأرض، ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة وهي الأجناس التي تكون في البرّ والبحر والجبال، والله تعالى عالم بكيفية طباعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها ومساكنها وما يوافقها ويخالفها، فالإله المدبر لأطباق السموات والأرض ولطبائع الحيوانات والنبات كيف لا يكون عالماً بأحوالها
روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره الله تعالى أن يضرب عصاه على صخرة، فانشقت وخرج منها صخرة ثانية، ثم ضرب عصاه عليها فانشقت وخرج منها صخرة ثالثة، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها، ورفع الله تعالى الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع أنّ الدودة كانت تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني. فإن قيل: إن كلمة على للوجوب فيدل على أنّ إيصال الرزق إلى الدابة واجب على الله تعالى. أجيب: بأنه تعالى إنما أتى بذلك تحقيقاً لوصوله بحسب الوعد والفضل والإحسان وحملاً على التوكل فيه. وفي هذه الآية دليل على أنّ الرزق إلى كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد والله تعالى لا يخل به، ثم قد نرى أنّ إنساناً لا يأكل من الحلال طول عمره، فلو لم يكن الحرام رزقاً لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه فيكون الله تعالى قد أخل بالواجب، وذلك محال فعلمنا أنّ الحرام قد يكون رزقاً {ويعلم} تعالى {مستقرّها} قال ابن عباس: هو المكان الذي تأوي إليه وتستقر فيه ليلاً ونهاراً {ومستودعها} هو الذي تدفن فيه إذا ماتت. وقال عبد الله بن مسعود: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: المكان الذي تموت فيه. وقال عطاء: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: أصلاب الآباء. وقيل: الجنة أو النار والمستودع القبر. لقوله تعالى في صفة الجنة والنار: حسنت مستقرّا، وساءت مستقرّا ومقاماً، ولا مانع أن يفسر ذلك بهذا كله {كل} أي: كل واحدة من الدواب ورزقها ومستقرّها ومستودعها {في كتاب} أي: ذكرها مثبت في اللوح المحفوظ {مبين} أي: بيّن كما قال تعالى {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} (الأنعام، 59) . ولما أثبت تعالى بالدليل المتقدّم كونه عالماً بالمعلومات أثبت كونه تعالى قادراً على كل المقدورات بقوله تعالى: { وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} أي: من أيام الدنيا أوّلها الأحد وآخرها الجمعة، وتقدّم الكلام على تفسير ذلك في سورة الأعراف {وكان عرشه على الماء} قال كعب: خلق ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال أبو بكر الأصمّ: ومعنى قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} كقولهم السماء على الأرض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر. وقال حمزة: إن الله عز وجل كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم، فكتب به ما هو خالقه، وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله تعالى ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من خلقه، ففي هذا دلالة على كمال قدرته تعالى؛ لأنّ العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء، وقد أمسكه الله تعالى من غير دعامة تحته ولا علامة فوقه. وقوله تعالى {ليبلوكم} متعلق بخلق، أي: خلقها وما فيها منافع لكم ومصالح ليختبركم وهو أعلم بكم منكم {أيكم أحسن عملاً} أي: أطوع لله وأورع عن محارم الله، وهذا القيام الحجة عليهم. وقد مرّ أمثال ذلك، ولما بين تعالى أنه إنما خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم، وهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر؛ لأنّ الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة
والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة. خاطب تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فقال جلا وعلا: {ولئن قلت} يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك {إنكم مبعوثون من بعد الموت} أي: للحساب والجزاء {ليقولن الذي كفروا إن} أي: ما {هذا} أي: القرآن بالبعث أو الذي تقوله {إلا سحر مبين} أي: بين. وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، فيكون ذلك راجعاً للنبيّ صلى الله عليه وسلم والباقون بكسر السين وسكون الحاء، ولما حكى تعالى عن الكفار أنهم يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى عنهم نوعاً آخر بقوله تعالى: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى} مجيء {أمّة} أي: جماعة من الأوقات {معدودة} أي: قليلة {ليقولنّ} أي: استهزاء {ما يحبسه} أي: ما يمنعه من الوقوع قال الله تعالى: {ألا يوم يأتيهم} كيوم بدر {ليس مصروفاً} أي: مدفوعاً العذاب {عنهم وحاق} أي: نزل {بهم} من العذاب {ما كانوا به يستهزؤون} أي: الذي كانوا يستعجلون، فوضع يستهزؤون موضع يستعجلون؛ لأنّ استعجالهم كان استهزاء. فإن قيل: لم قال تعالى: وحاق على لفظ الماضي مع أنّ ذلك لم يقع؟ أجيب: بأنه وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التأكيد والتقرير والتهديد. ولما ذكر تعالى أنّ عذاب الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بدّ وأن يحيق بهم ذكر بعده ما يدل على كفرهم وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب بقوله تعالى: {ولئن أذقنا} أي: أعطينا {الإنسان} أي: الكافر {منا رحمة} أي: نعمة كغنى وصحة بحيث يجد لذتها {ثم نزعناها} أي: سلبنا تلك النعمة {منه إنه ليؤس} أي: قنوط من رحمة الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به {كفور} أي: جحود لنعمتنا عليه، وأمّا المسلم الذي يعتقد أنّ تلك النعمة من جود الله وفضله وإحسانه فإنه لا يحصل له اليأس بل يقول: لعله تعالى يردها عليّ بعد ذلك أحسن وأكمل وأفضل مما كانت. {ولئن أذقناه} أي: الكافر {نعماء بعد ضرّاء مسته} كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم، وفي اختلاف الفعلين وهما أذقناه ومسته من حيث الإسناد إليه تعالى في الأوّل وإلى الضرّاء في الثاني نكتة عظيمة وهي أنّ النعمة صادرة من الله تعالى تفضلاً منه لخبر: «ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا» . والضرر صادر من العبد كسباً؛ لأنه السبب فيه باجتلابه إياه بالمعاصي غالباً لقوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء، 79) ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {قل كل من عند الله} (النساء، 78) فإن الكلّ منه إيجاداً، غير أنّ الحسنة إحسان وامتحان، والسيئة مجازاة وانتقام لخبر: «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر» . {ليقولنّ} أي: الذي أصابه الصحة والغنى {ذهب السيئات} أي: المصائب التي أصابتني {عني} ولم يتوقع زوالها ولا يشكر عليها {إنه لفرح} أي: فرح بطر {فخور} على الناس بما أذاقه الله تعالى من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عن الشكر فبيّن سبحانه وتعالى في هذه الآية أنّ أحوال الدنيا غير باقية بل هي أبداً في التغير والزوال والتحوّل والانتقال، فإنّ الإنسان إمّا أن يتحوّل من النعمة إلى المحنة، ومن اللذات إلى الآفات كالقسم الأوّل، وإمّا أن يكون بالعكس من ذلك وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب كالقسم
الثاني. ولما بيّن تعالى أنّ الكافر عند الابتلاء لا يكون من الصابرين، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين بين حال المتقين بقوله تعالى: {إلا} أي: لكن {الذين صبروا} على الضرّاء {وعملوا الصالحات} أي: في النعماء، أي: فإنهم إن أصابتهم شدّة صبروا، وإن نالتهم نعمة شكروا {أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} فجمع لهم تعالى بين هذين المطلوبين، أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله تعالى: {لهم مغفرة} ، والثاني: الفوز بالثواب ودخول الجنة وهو المراد من قوله تعالى: {وأجر كبير} . {فلعلك} يا محمد {تارك بعض ما يوحى إليك} فلا تبلغهم إياه لتهاونهم به، فإنهم كانوا يستهزؤون بالقرآن ويضحكون منه. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش يين اللفظين والباقون بالفتح. {وضائق به صدرك} أي: بتلاوته عليهم لأجل {أن يقولوا لولا} أي: هلا {أنزل عليه كنز} ينفقه في الاستتباع كالملوك {أو جاء معه ملك} يصدقه كما اقترحنا، وروي عن ابن عباس: «أنّ رؤساء مكة قالوا: يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهباً إن كنت رسولاً وقال آخرون: ائتنا بالملائكة ليشهدوا بنبوّتك فقال: لا أقدر على ذلك» فنزل {إنما أنت نذير} فلا عليك إلا البلاغ لا الإتيان بما اقترحوه {والله على كل شيء وكيل} فتوكل عليه إنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقولهم وأفعالهم. {أم} أي: بل {يقولون} كفار مكة {افتراه} أي: اختلقه من تلقاء نفسه وليس هو من عند الله، قال الله تعالى: {قل} لهم يا محمد {فأتوا بعشر سور مثله} في البيان وحسن النظم {مفتريات} فإنكم عربيون مثلي. قال ابن عباس: هذه السور التي وقع بها هذا التحدي معينة وهي سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، وقيل: التحدي وقع بمطلق السور وهو متقدّم على التحدّي بسورة واحدة، والتحدّي بسورة واحدة وقع في سورة البقرة، وفي سورة يونس، أمّا تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر؛ لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية، وأمّا في سورة يونس فلأنّ كل واحدة من هاتين السورتين مكية، فتكون سورة هود متقدّمة في النزول على سورة يونس كما قاله الرازي، وأنكر المبرد هذا وقال: بل سورة يونس أولاً وقال معنى قوله في سورة يونس {فأتوا بسورة مثله} (يونس، 38) أي: مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر سور من غير وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرّد البلاغة {وادعوا} أي: وقل لهم يا محمد ادعوا للمعاونة على ذلك {من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} في أنه مفترى، والضمير في قوله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم} أي: بإتيان ما دعوتموهم إليه للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدونهم، وقال تعالى في موضع آخر: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم} (القصص، 50) والتعظيم للنبيّ صلى الله عليه وسلم {فاعلموا أنما أنزل} ملتبساً {بعلم الله} أي: بما لا يعلمه إلا الله تعالى من نظم يعجز الخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه ولا يقدر عليه سواه، وقوله تعالى: {وأن} مخففة من الثقيلة، أي: وأنه {لا إله إلا هو} وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم {فهل أنتم مسلمون} أي: ثابتون على الإسلام راسخون مخلصون فيه إذ
تحقق عندكم إعجازه مطلقاً. وقيل: الخطاب للمشركين والضمير في لم يستجيبوا لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على معارضته لعلمهم بالعجز عنه، وأنّ طاقتهم أقصر من أن تبلغه فاعلموا أنه منزل من عند الله، وأنّ ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم بعد هذه الحجة القاطعة مسلمون، أي: أسلموا وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر.. واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} أي: بعمله الذي يعمل من أعمال البرّ {نوف إليهم أعمالهم} أي: التي عملوها من خير كصدقة وصلة رحم {فيها} أي: في الدنيا {وهم فيها لا يبخسون} أي: نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرياسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد ونحو ذلك. {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط} أي: بطل {ما صنعوا} أي: عملوا {فيها} أي: الآخرة فلا ثواب لهم {وباطل ما كانوا يعملون} لأنه لغير الله تعالى، فقال مجاهد: نزلت في أهل الرياء قال صلى الله عليه وسلم «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالو: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» . والرياء هو أن يظهر الإنسان الأعمال الصالحة لتحمده الناس ويعتقدوا فيه الصلاح، فهذا هو العمل الذي لغير الله تعالى ـ نعوذ بالله من الخذلان ـ وقال أكثر المفسرين: إنّها نزلت في الكافر، وأمّا المؤمن فيريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وعن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأمّا الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً» . وقيل: نزلت في المنافقين الذين يطلبون بغزوهم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها. وقيل في اليهود والنصارى وهو منقول عن أنس. ولما ذكر تعالى الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ذكر من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة بقوله تعالى: {أفمن كان على بيّنة من ربه} قيل: هو النبيّ صلى الله عليه وسلم والبينة هي القرآن {ويتلوه} أي: يتبعه {شاهد} يصدقه {منه} أي: من الله تعالى وهو جبريل عليه السلام {ومن قبله} أي: القرآن {كتاب موسى} وهو التوراة شاهد له أيضاً وقوله تعالى {إماماً} أي: كتاباً مؤتماً به في الدين {ورحمة} أي: على المنزل عليهم؛ لأنه الوصلة إلى الفوز بسعادة الدارين حال من كتاب موسى، والجواب محذوف لظهوره، والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ليس مثله بل بينهم تفاوت بعيد وتباين بين. وقيل: هو من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، والمراد بالبينة: هو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ومنه، أي: من الله ومن قبله كتاب موسى، أي: ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى، أي: في دلالته على هذا المطلوب لا في الوجود. قال الرازي: وهذا القول هو الأظهر لقوله تعالى: {أولئك يؤمنون به} وهذه صفة جمع ولا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم انتهى. ويجوز أن تكون للتعظيم أو له صلى الله عليه وسلم ومن تبعه وربما يكون هذا أولى كما
جرى عليه بعض المفسرين، والإشارة إلى من كان على بينة، والضمير في به للقرآن وإذا كان هذا الفريق ليس له في الآخرة إلا النار فهذا الفريق ليس له في الآخرة إلا الجنة {ومن يكفر به} أي: بالنبيّ صلى الله عليه وسلم أو القرآن {من الأحزاب} أي: أصناف الكفار فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس {فالنار موعده} يعني في الآخرة. روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسمع بي يهوديّ ولا نصرانيّ فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار» . قال أبو موسى: فقلت في نفسي: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن فوجدت الله تعالى يقول: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال بعض العلماء: ولما دلت الآية على أنّ من يكفر به كانت النار موعده دلّ على أنّ من لا يكفر به كانت الجنة موعده وقوله تعالى: {فلا تك في مرية} أي: في شك {منه} أي: القرآن أو الموعد {إنه الحق من ربك} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بما أوحينا إليك أو بأن موعد الكفار النار، ثم وصف الله تعالى هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم. الصفة الأولى: كونهم مفترين على الله كما قال تعالى: {ومن} أي: لا أحد {أظلم ممن افترى على الله كذباً} بنسبة الشريك والولد إليه، أو أسند إليه ما لم ينزله، أو نفى عنه ما أنزله. الصفة الثانية: أنهم يعرضون على الله تعالى في موقف الذل والهوان كما قال تعالى: {أولئك يعرضون على ربهم} أي: يوم القيامة. فإن قيل: هم لا يختصون بهذا العرض لأنّ العرض عامّ في كل العباد كما قال تعالى: {وعرضوا على ربك صفاً} (الكهف، 48) أجيب: بأنهم يعرضون فيفتضحون بشهادة الأشهاد عليهم كما قال تعالى: {ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} فيحصل لهم من الخزي والنكال ما لا مزيد عليه، وهذه هي الصفة الثالثة، واختلف في هؤلاء الأشهاد، فقال مجاهد: هم الملائكة الذين يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا، وقال مقاتل: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد، أي: على رؤوس الناس، وقال قوم: هم الأنبياء كما قال تعالى: {فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين} (الأعراف، 6) . والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة. فإن قيل: العرض على الله يقتضي أن يكون الله تعالى في حيز وهو تعالى منزه عن ذلك. أجيب: بأنهم يعرضون على الأماكن المعدّة للحساب والسؤال، أو يكون ذلك عرضاً على من يوبخ بأمر الله تعالى من الأنبياء والمؤمنين. والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف. قال أبو علي الفارسي: وكان هذا أرجح؛ لأنّ ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل كقوله تعالى: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} (النحل، 89) . وعن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة فيستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا فيقول: نعم، حتى إذا قرّره بذنوبه قال تعالى: سترتها عليك في الدنيا وقد سترتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته» ، وأمّا الكافر والمنافق فتقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ولما أخبر الله تعالى عن حالهم في عقاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال بقوله تعالى: {ألا لعنة
الله على الظالمين} فبيّن تعالى أنهم في الحال ملعونون من عند الله، وهذه هي الصفة الرابعة، ثم وصفهم بالصفة الخامسة بقوله تعالى: {الذين يصدّون عن سبيل الله} أي: دينه، ثم وصفهم بالصفة السادسة بقوله تعالى: {ويبغونها} أي: يطلبون السبيل {عوجاً} أي: معوجة، أي: كأنهم ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات وتعويج الدلائل المستقيمة؛ لأنه لا يقال في العامّي: إنه يبغي عوجاً، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيف الاستقامة، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات، ثم وصفهم بالصفة السابعة بقوله تعالى: {وهم} أي: والحال أنهم {بالآخرة هم كافرون} وتكرير لفظ هم لتأكيد كفرهم وتوغلهم فيه. الصفة الثامنة: كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله كما قال تعالى: {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} أي: ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم إذ لا يمكنهم أن يهربوا من عذابه، فإنّ هرب العبد من عذاب الله تعالى محال؛ لأنه تعالى قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالقرب والبعد، والقوة والضعف. الصفة التاسعة: أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عقاب الله تعالى عنهم كما قال تعالى: {ما كان لهم من دون الله} أي: غيره {من أولياء} أي: أنصار يمنعوهم من عذابه. الصفة العاشرة: مضاعفة العذاب كما قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب} أي: بسبب إضلالهم غيرهم، وقيل: لأنّهم كفروا بالله وكفروا بالبعث والنشور. الصفة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وما كانوا يستطيعون السمع} قال قتادة: صم عن سماع الحق فلا يسمعون خيرا فينتفعون به {وما كانوا يبصرون} خيراً فيأخذوا به. قال ابن عباس: أخبر الله تعالى أنه أحال بين أهل الشرك وبين طاعة الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة، أمّا في الدنيا فإنه قال: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} وأمّا في الآخرة فإنه قال: {فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم} (القلم، 42، 42) . الصفة الثانية عشرة: قوله تعالى: {أولئك الذين خسروا أنفسهم} فإنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان مصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وذلك أعظم وجوه الخسرانات. الصفة الثالثة عشرة: قوله تعالى {وضلّ} أي: غاب {عنهم ما كانوا يفترون} على الله تعالى من دعوى الشريك وأنّ لآلهة تشفع لهم. الصفة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} أي: لا أحد أبين وأكثر خسراناً منهم. تنبيه: قال الفرّاء: إنّ لا جرم بمنزلة قولنا لا بدّ ولا محالة، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً. تقول العرب: لا جرم إنك محسن على معنى حقاً إنك محسن. وقال الزجاج: إنّ كلمة لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، وجرم معناه: كسب ذلك الفعل والمعنى: لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة. قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب. وقال سيبويه: لا ردّ على أهل الكفر كما مرّ. وجرم معناه: أحق والمعنى: أنه أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم واحتج سيبويه بقول الشاعر: *ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أراد أحقت الطعنة فزارة أن يغضبوا، ولما ذكر تعالى عقوبة الكفار وخسرانهم أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا وربحهم في الآخرة بقوله تعالى: {إنّ الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وأخبتوا إلى ربهم} أي: اطمأنوا إليه وخشعوا، إذ الإخبات في اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب، ويتعدّى بإلى وباللام فإذا قلت: أخبت فلان إلى كذا، فمعناه اطمأن إليه، وإذا قلت: أخبت له فمعناه خشع وخضع له، فقوله تعالى: {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إشارة إلى جميع عمل الجوارح. وقوله تعالى: {وأخبتوا} إشارة إلى أعمال القلوب وهي الخشوع والخضوع لله تعالى، وإن هذه الأعمال الصالحة لا تنفع في الآخرة إلا بحصول أعمال القلب وهي الخشوع والخضوع {أؤلئك} أي: الذين هذه صفتهم {أصحاب الجنة هم خالدون} فأخبر تعالى عن حالهم في الآخرة بأنهم من أهل الجنة التي لا انقطاع لنعيمها ولا زوال. ولما ذكر سبحانه وتعالى أحوال الكفار وما كانوا عليه من العمى عن طريق الحق ومن الصمم عن سماعه وذكر أحوال المؤمنين وما كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق والانقياد للطاعة ذكر فيهما مثالاً مطابقاً بقوله تعالى: {مثل} أي: صفة {الفريقين} أي: الكفار والمؤمنين {كالأعمى والأصم} هذا مثل الكافر شبه بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصامه عن استماع كلام الله تعالى وتأبيه عن تدبر معانيه {والبصير والسميع} هذا مثل المؤمن شبه بالبصير والسميع؛ لأنّ أمره بالضدّ من الكافر فيكون كل منهما مشبهاً باثنين باعتبار وصفين، أو يشبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضدّيهما على أن تكون الواو في الأصم وفي السميع لعطف الصفة على الصفة، بخلافه على التشبيه الأوّل فإنه لعطف الموصوف على الموصوف، ويعبر عنه بعطف الذات على الذات {هل يستويان} أي: هل يستوي الفريقان {مثلاً} أي: تشبيهاً لا يستويان، ويصح أن يكون مثلاً صفة لمصدر محذوف، أي: استواء مثلاً، وأن يكون حالاً من فاعل يستويان وقوله تعالى: {أفلا تذكّرون} فيه إدغام التاء في الأصل في الذال، أي: تتعظون بضرب الأمثال، والتأمّل فيها. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد، وقد جرت عادة الله تعالى بأنه إذا أورد على الكفار أنواع الدلائل أتبعها بالقصص ليصير ذكرها مؤكداً لتلك الدلائل. وفي هذه السورة ذكر أنواعاً من القصص: القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} وقوله: {إني لكم} قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الهمزة، أي: بأني والباقون بكسرها على إرادة القول {نذير مبين} أي: بين النذارة أخوّف من العقاب لمن خالف أمر الله تعالى. وقوله: {أن لا تعبدوا إلا الله} بدل من إني لكم أو مفعول مبين {إني أخاف عليكم} أي: إن عبدتم غيره {عذاب يوم أليم} أي: مؤلم موجع في الدنيا أو الآخرة. قال ابن عباس: بعث نوح بعد أربعين سنة ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة. وقال مقاتل: وهو ابن مائة سنة. وقيل: وهو ابن خمسين سنة. وقيل: وهو ابن مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربعمائة وخمسين. ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة. ولما حكى تعالى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوّته بثلاثة أنواع من الشبهات بقوله تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} وهم الأشراف {ما نراك
إلا بشراً مثلنا} هذه الشبهة الأولى، أي: أنك بشر مثلنا لا مزية لك علينا تخصك بالنبوّة ووجوب الطاعة، وإنما قالوا هذه المقالة وتمسكوا بهذه الشبهة جهلاً منهم؛ لأنّ الله تعالى إذا اصطفى عبداً من عباده وأكرمه بنبوّته ورسالته وجب على من أرسله إليهم اتباعه. الشبهة الثانية: ما ذكره الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} أي: أسافلنا كالحاكة وأهل الصنائع الخسيسة، وهو جمع أرذل بفتح الهمزة كقوله تعالى: {أكابر مجرميها} (الأنعام، 123) وقوله صلى الله عليه وسلم «أحاسنكم أخلاقاً» أو جمع أرذل بضم الذال جمع رذل بسكونها، فهو على الأوّل جمع مفرد وعلى الثاني جمع جمع، ثم قالوا: ولو كنت صادقاً لاتبعك الأكابر من الناس والأشراف منهم، وإنما قالوا ذلك جهلاً منهم أيضاً؛ لأنّ الرفعة بالدين واتباع الرسول لا بالمناصب العالية والمال {بادي الرأي} أي: اتبعوك في أوّل الرأي من غير تثبت وتفكر في أمرك ولو تفكروا ما اتبعوك. ونصبه على الظرف، أي: وقت حدوث أوّل رأيهم. وقرأ أبو عمرو بادئ بهمزة مفتوحة بعد الدال والباقون بياء مفتوحة، وأبدل السوسي همزة الرأي ألفاً وقفاً ووصلاً. وأمّا حمزة فأبدلها وقفاً لا وصلاً. الشبهة الثالثة: ماذكره الله تعالى عنهم في قوله تعالى: {وما نرى لكم} أي: لك ولمن اتبعك {علينا من فضل} أي: بالمال والشرف والجاه تستحقون به الاتباع منا وهذا أيضاً جهل منهم؛ لأنّ الفضيلة المعتبرة عند الله تعالى بالإيمان والطاعة لا بالشرف والرياسة. وقولهم: {بل نظنكم كاذبين} خطاب لنوح عليه السلام في دعوى الرّسالة وأدرجوا قومه معه في الخطاب. وقيل: خاطبوه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم. وقيل: كذبوه في دعوى النبوّة وكذبوا قومه في دعوى العلم بصدقه، فغلب المخاطب على الغائبين. ولما ذكروا هذه الشبهة لنوح عليه السلام. {قال} لهم {يا قوم أرأيتم} أي: أخبروني {إن كنت على بينة} أي: نبوّة ورسالة {من ربي وآتاني رحمة} أي: نبوّة ورسالة {من عنده} من فضله وإحسانه {فعميت} أي: خفيت والتبست {عليكم} ووحد الضمير إمّا لأنّ البينة في نفسها هي الرحمة وإمّا لأنه لكل واحدة منهما. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم العين وتشديد الميم والباقون بفتح العين وتخفيف الميم {أنلزمكموها} أي: أنكرهكم على قبولها {وأنتم لها كارهون} أي: لا تختارونها ولا تتأمّلون فيها لا نقدر على ذلك. قال قتادة: والله لو استطاع نبيّ الله لألزمها قومه ولكنه لا يملك ذلك، واتفق القراء على ضم النون من أنلزمكموها لاتصالها باللام رسماً، وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعاً وقدم الأعرف منهما جاز في الثاني الوصل كما في الآية، والفصل كأن يقال: أنلزمكم إياها. {ويا قوم لا أسألكم عليه} أي: على تبليغ الرسالة وهو وإن لم يذكر معلوم مما ذكر {مالاً} أي: جعلا تعطونيه {إن} أي: ما {أجري إلا على الله} أي: ما ثواب تبليغي إلا عليه فإنه المأمول منه تعالى. وقرأ ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي بسكون الياء والباقون بالفتح. وقول نوح عليه السلام: {وما أنا بطارد الذين آمنوا} جواب لهم حين طلبوا طردهم، فإنهم طلبوا من نوح عليه السلام قبل أن يطرد الذين آمنوا وهم الأرذلون في زعمهم فقال: ما يجوز لي ذلك. {إنهم ملاقوا ربهم} أي: بالبعث فيخاصمون طاردهم عنده ويأخذ لهم ممن
ظلمهم وطردهم أو أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم {ولكني أراكم قوماً تجهلون} أي: إنّ هؤلاء المؤمنين خير منكم أو عاقبة أمركم أو تسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل. {ويا قوم من ينصرني} أي: يمنعني {من الله} أي: من عقابه {إن طردتهم} عني وهم مؤمنون مخلصون {أفلا} أي: فهلا {تذكرون} أي: تتعظون. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال. {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} أي: خزائن رزقه، فكما أني لا اسألكم مالاً فكذلك لا أدعي أني أملك مالاً ولا غرض لي في المال لا أخذاً ولا دفعاً، وقوله: {ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} فأتعاظم به عليكم حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا بل طريقتي التواضع والخضوع، ومن كان هذا شأنه وطريقته كذلك فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين، ثم أكد ذلك بقوله: {ولا أقول للذين تزدري} أي: تحتقر {أعينكم} أي: لا أقول في حقهم {لن يؤتيهم الله خيراً} فإن ما أعدّ الله تعالى لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا {الله أعلم بما في أنفسهم} وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق {إني إذاً} أي: إن فعلت ذلك {لمن الظالمين} لنفسي ومن الظالمين لهم. فإن قيل: هذه الآية تدل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الإنسان إذا قال: لا أدعي كذا وكذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل؟ أجيب: بأن نوحاً عليه السلام إنما ذكر ذلك جواباً عما ذكروه من الشبه، فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال: ولا أقول لكم عندي خزائن الله حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضاً بأنهم منافقون فقال: ولا أعلم الغيب حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما تكليفي بناء الأحوال على الظاهر، وطعنوا فيه أنه من البشر فقال: ولا أقول إني ملك حتى تنفوا عني ذلك وحينئذٍ فالآية ليس فيها ذلك. فإن قيل: في هذه الآية دلالة على أنّ طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي فكيف طرد محمد صلى الله عليه وسلم بعض فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الله حتى عاتبه الله تعالى في قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيَّ؟ أجيب: بأنّ الطرد المذكور في هذه الآية محمول على الطرد المطلق على سبيل التأبيد، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم محمول على التبعيد في أوقات معينة رعاية للمصلحة. ولما أنّ الكفار أوردوا تلك الشبهة وأجاب نوح عليه السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أوردوا عليه كلامين: الأوّل ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا} أي: خاصمتنا {فأكثرت جدالنا} أي: فأطنبت فيه، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوّة والمعاد، وهذا يدل على أنّ الجدال في تقرير الدلائل، وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى أنّ التقليد والجهل حرفة الكفار، والثاني: ما ذكره الله تعالى عنهم بقوله: {فأتنا بما تعدنا} أي: من العذاب {إن كنت من الصادقين} في الدعوى والوعيد فإنّ مناظرتك لا تؤثر فينا. {قال} لهم نوح عليه السلام في جواب ذلك {إنما يأتيكم به الله
إن شاء} تعجيله لكم فإن أمره إليه إن شاء عجله، وإن شاء أخره لا إليّ {وما أنتم بمعجزين} أي: بفائتين الله تعالى. ولما أجاب نوح عليه السلام عن شأنهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة فقال: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} أي: يضلكم وجواب الشرط محذوف دل عليه ولا ينفعكم نصحي. وتقدير الكلام: إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي، فهو من باب اعتراض الشرط. على الشرط ونظير ذلك ما لو قال رجل لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيداً، فدخلت ثم كلمت لم تطلق فيشترط في وجوب الحكم وقوع الشرط الثاني قبل وقوع الأوّل. وفي الآية دليل على أنّ الله تعالى قد يريد الكفر من العبد فإنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه {هو ربكم} أي: خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته {وإليه ترجعون} فيجازيكم على أعمالكم قال تعالى: {أم} أي: بل {يقولون افتراه} أي: اختلقه وجاء به من عند نفسه، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم {قل} لهم {إن افتريته فعليّ إجرامي} وهذا من باب حذف المضاف؛ لأنّ المعنى فعليّ إثم إجرامي، والإجرام اقتراف المحظور. وفي الآية محذوف آخر وهو أنّ المعنى إن كنت افتريته فعليّ عقاب جرمي وإن كنت صادقاً وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب، إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليها {وأنا بريء مما تجرمون} أي: من عقاب جرمكم في إسناد الافتراء إليّ. تنبيه: أكثر المفسرين على أنّ هذا من بقية كلام نوح عليه السلام مع قومه. وقال مقاتل: أم يقولون، أي: المشركون من كفار مكة: افتراه، أي: محمد صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه. وهذه الآية وقعت في قصة محمد صلى الله عليه وسلم في أثناء قصة نوح عليه السلام. قال الرازي: وقوله بعيد جدًّا. {وأوحي إلى نوحٍ أنه لن يؤمن من قومك} أي: لن يستمرّ على الإيمان لقوله تعالى: {إلا من قد آمنّ} . قال ابن عباس: إنّ قوم نوح كانوا يضربون نوحاً حتى يسقط فيلفونه في لبد ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مات، فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله تعالى. وروي أنّ شيخاً منهم جاء متوكئاً على عصاه ومعه ابنه فقال لابنه: لا يغوينك هذا الشيخ المجنون فقال: يا أبتاه مكني من العصا فأخذها من أبيه وضرب بها نوحاً عليه السلام حتى شجه شجةً منكرةً، فأوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن {فلا تبتئس} أي: لا تحزن عليهم فإني مهلكهم {بما} أي: بسبب ما {كانوا يفعلون} من الشرك وننقذك منهم، فحينئذ دعا عليهم نوح عليه السلام فقال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (نوح، 26) . وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي: إنه بلغه أنهم يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى تمادوا في المعصية، واشتدّ عليه منهم البلاء، وهو ينظر من الجيل إلى الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أنجس من الذين قبلهم، ولقد كان يأتي القرن الآخر منهم فيقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنوناً فلا يقبلون منه شيئاً فشكى إلى الله تعالى، فقال: {رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً} (نوح، 5) حتى قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (نوح، 26) فأوحى الله تعالى إليه: {واصنع الفلك} أي: السفينة {بأعيننا} قال ابن
عباس بمرأى منا. وقال مقاتل: بعلمنا. وقيل: بحفظنا. {ووحينا} أي: بأمرنا لك كيف تصنعها {ولا تخاطبني في الذبن ظلموا} أي: ولا تراجعني في الكفار، ولا تدعني في استدفاع العذاب عنهم {إنهم مغرقون} أي: محكوم عليهم بالإغراق فلا سبيل إلى كفه. وقيل: لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك راعلة فإنهما هالكان مع القوم، ويروى أنّ جبريل عليه السلام أتى نوحاً فقال: إنّ ربك يأمرك أن تصنع الفلك. قال: كيف أصنع ولست بنجار. قال: إنّ ربك يقول اصنع فإنك بأعيينا، فأخذ القدوم فجعل ينجر ولا يخطئ وصنعها فعملها مثل جؤجؤ الطير، وفي قوله تعالى: {ويصنع الفلك} قولان: أحدهما: أنه حكاية حال ماضية، أي: في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك. الثاني: التقدير فأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله ويصنع الفلك، ثم إنّ نوحاً عليه السلام أقبل على عملها وَلَهَى عن قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ عدّة الفلك من القار وغيره، وجعل قومه يمرّون عليه ويسخرون منه كما قال تعالى: {وكلما مرّ عليه ملأ} أي: جماعة {من قومه سخروا منه} أي: استهزؤوا به ويقولون يا نوح قد صرت نجاراً بعدما كنت نبياً، فأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: اتخذ نوح عليه السلام السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في البطن الأوّل الوحوش والهوامّ، وفي البطن الأوسط الدوابّ وركب هو ومن معه البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد. وقال قتادة: كان في بابها في عرضها. وروي عن أنس: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة. وقيل: إنّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب فأخذ كفاً من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال كعب بن حام، قال فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض عن رأسه التراب وقد شاب، فقال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكت. قال: لا ولكن مت وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال: حدّثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات؛ طبقة للدواب والوحوش وطبقة للإنس وطبقة للطير، ثم قال له: عد بإذن الله تعالى كما كنت فعاد تراباً. قال البغوي: والمعروف أن طولها ثلاثمائة ذراع. وعن زيد بن أسلم قال: مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ومائة سنة يعمل الفلك. وعن كعب الأحبار: أنّ نوحاً عمل السفينة في ثلاثين سنة. وروي أنها كانت ثلاث طبقات: الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإنس، والطبقة العليا فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، ولما أفسد الفأر في السفينة فجعل يقرض حبالها؛ أوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة وهو القط فأقبلا على الفأر فأكلاه. قال الرزاي: واعلم أنّ أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة البتة، فكان الخوض فيها من باب الفضول، لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما يدل على
الجانب الصحيح، والذي نعلمه أنها كانت في السعة بحيث تسع المؤمنين من قومه، وما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان؛ لأنّ هذا القدر مذكور في القرآن. وما آمن معه إلا قليل، فأما تعيين ذلك القدر فغير معلوم. {قال} لهم لما سخروا منه {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} إذا نجونا وغرقتم. فإن قيل: السخرية لا تليق بمنصب النبوّة؟ أجيب: بأنّ ذلك ذكر على سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام كما في قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) والمعنى إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم، وهو قوله تعالى: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} أي: يهينه في الدنيا وهو الغرق {ويحلّ عليه} في الآخرة {عذاب مقيم} وهو النار التي لا انقطاع لها وقوله تعالى: {حتى إذا جاء أمرنا} أي: بإهلاكهم غاية لقوله ويصنع الفلك، وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام. واختلف في التنور في قوله تعالى: {وفار التنور} فقال عكرمة والزهريّ: هو وجه الأرض. وذلك أنه قيل لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة. وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: فار التنور وقت طلوع الفجر ونور الصبح. وقال الحسن ومجاهد والشعبيّ: أنه التنور الذي يخبز فيه. وهو قول أكثر المفسرين ورواية عطية وابن عباس: لأنه حمل الكلام على حقيقته، ولفظ التنور حقيقته هو الموضع الذي يخبز فيه وهو قول أكثر المفسرين فوجب حمل اللفظ عليه، وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال: إنه تنور لنوح. ومنهم من قال: إنه كان لآدم عليه السلام. قال الحسن: كان تنوراً من حجارة كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح فقيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب السفينة أنت وأصحابك. واختلفوا أيضاً في موضعه فقال مجاهد والشعبيّ: كان في ناحية الكوفة، وكان الشعبيّ يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة، وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان فوران الماء منه علماً لنوح. وقال مقاتل: كان تنور آدم عليه السلام وكان بالشأم بموضع يقال له عين وردة. وروي عن ابن عباس أنه كان بالهند، ومعنى فار نبع على قوّة وشدّة تشبيهاً بغليان القدر عند قوّة النار، ولا شبهة أنّ التنور لا يفور. والمراد: فار الماء من التنور فلما فار أمر الله تعالى نوحاً عليه السلام أن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء الأول قوله تعالى: {قلنا احمل فيها} أي: السفينة {من كل زوجين اثنين} والزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى، والتقدير من كل شيئين هما كذلك، فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر وواحد أنثى. وفي القصة أنّ نوحاً عليه السلام قال: يا رب كيف احمل من كل زوجين اثنين، فحشر الله تعالى إليه السباع والطير، فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى، فيحملهما في السفينة. وقرأ حفص بتنوين لام كل، أي: واحمل من كل شيء زوجين اثنين: الذكر زوج والأنثى زوج. فإن قيل: ما الفائدة في قوله زوجين اثنين والزوجان لا يكونان إلا اثنين؟ أجيب: بأنّ هذا على مثال قوله تعالى: {لا تتخذوا إلهين اثنين} (النحل، 51) . وقوله تعالى: {نفخة واحدة} (الحاقة، 13) والباقون بغير تنوين فهذا السؤال غير وارد، النوع
الثاني من الأشياء التي أمر الله تعالى نوحاً عليه السلام أن يحملها في السفينة قوله تعالى: {وأهلك} وهم أبناؤه وزوجته. وقوله تعالى: {إلا من سبق عليه القول} بأنه من المغرقين وهو ابنه كنعان وأمّه راعلة وكانا كافرين حكم الله تعالى عليهما بالهلاك بخلاف سام وحام ويافث وزوجاتهم ثلاثة وزوجته المسلمة. فإن قيل: الإنسان أشرف من سائر الحيوانات فلم بدأ بالحيوان؟ أجيب: بأنّ الإنسان عاقل فهو لعقله مضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات فلهذا السبب وقع الابتداء به. النوع الثالث: من الأشياء التي أمر الله تعالى نوحاً عليه السلام بحملها في السفينة قوله تعالى: {ومن آمن} أي: واحمل معك من آمن معك من قومك، واختلف في العدد الذي ذكره الله تعالى في قوله تعالى: {وما آمن معه إلا قليل} فقال قتادة وابن جريج: لم يكن معه في السفينة إلا ثمانية نفر نوح وامرأته المسلمة وثلاثة بنين له هم: سام وحام ويافث ونساؤهم. وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم نوح وبنوه الثلاثة وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعاً. وقال مجاهد كانوا اثنين وسبعين نفراً رجلاً وامرأة. وعن ابن عباس قال: كان في سفينة نوح ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء. وقال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله تعالى: {وما آمن معه إلا قليل} فوصفهم بالقلة فلم يحد عدداً بمقدار فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله تعالى، إذ لم يرد عدد في كتاب الله تعالى، ولا في خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدّم نحو ذلك عن الرازي. وقال مقاتل: حمل نوح عليه السلام جميع الدواب والطير ليحملها. قال ابن عباس أوّل ما حمل نوح الدرّة، وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل الحمار أدخل صدره وتعلق إبليس بذنبه فلم تستقل رجلاه فجعل نوح يقول: ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك، كلمة زلت على لسانه، فلما قالها خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال نوح: ما أدخلك عليّ يا عدوّ الله؟ قال: ما لك بد أن تحملني معك فكان معه على ظهر السفينة. هكذا نقله البغويّ. قال الرازيّ: وأمّا الذي يروى أنّ إبليس دخل السفينة فبعيد لأنّه من الجنّ وهو جسم ناري أو هوائي، فكيف يؤثر الغرق فيه، وأيضاً كتاب الله تعالى لم يدل عليه ولم يرد في ذلك خبر صحيح فالأولى ترك الخوض في ذلك. قال البغويّ: وروي أنّ بعضهم قال: إنّ الحية والعقرب أتيا نوحاً عليه السلام فقالتا احملنا معك، فقال: إنكما سبب البلاء فلا أحملكما فقالتا: احملنا فإنا نضمن لك أن لا نضر أحداً ذكرك. فمن قرأ حين يخاف مضرتهما {سلام على نوح في العالمين} (الصافات، 79) لم يضراه. وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأمّا ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئاً. {وقال} نوح لمن معه {اركبوا} أي: صيروا {فيها} أي: السفينة وجعل ذلك ركوباً؛ لأنها في الماء كمركوب في الأرض، وقوله تعالى: {بسم الله مجراها ومرساها} متصل باركبوا حال من الواو في اركبوا، أي: اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت اجرائها وارسائها. قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال: بسم الله جرت،
وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله رست. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بنصب الميم من جرت ورست، أي: جريها ورسوها وهما مصدران، والباقون بضم الميم من أجريت وأرسيت أي بسم الله إجراؤها وارساؤها وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحفص وحمزة والكسائي محضة وورش بين اللفظين والباقون بالفتح، وذكروا في عامل الإعراب في بسم الله وجوهاً: الأول: اركبوا بسم الله، الثاني: ابدؤوا بسم الله، الثالث: بسم الله إجراؤها {إنّ ربي لغفور رحيم} أي: لولا مغفرته لفرطائكم ورحمته إياكم لما نجاكم. وقوله تعالى: {وهي تجري بهم} متعلق بمحذوف دلّ عليه اركبوا، أي: فركبوا مسمين الله تعالى وهي تجري وهم فيها {في موج} وهو ما ارتفع من الماء إذا اشتدّت عليه الريح {كالجبال} في عظمه وارتفاعه على الماء، قال العلماء: بالسير أرسل الله تعالى المطر أربعين يوماً وليلة. وخرج الماء من الأرض فذلك قوله تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا، فالتقى الماء على أمر قد قدر} (القمر، 11، 12) فصار الماء نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعاً، وقيل: خمسة عشر ذراعاً حتى أغرق كل شيء، وروي أنه لما كثر الماء في السكك خافت امرأة على ولدها من الغرق وكانت تحبه حباً شديداً فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبيّ بيديها حتى ذهب بهما الماء، فلو رحم الله تعالى منهم أحداً لرحم هذه المرأة. وما قيل من أنّ الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه كما تسبح السمكة فليس بثابت. قال البيضاويّ: والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعاً. فإن صح، أي: أنه طبق ما بين السماء والأرض فلعل ذلك أي: ما ذكر من علو الموج قبل التطبيق {ونادى نوح ابنه} كنعان وكان كافراً كما مرّ، وقيل: اسمه يام {وكان في معزل} عزل فيه نفسه إمّا عن أبيه أو دينه ولم يركب معه، وإمّا عن السفينة، وإمّا عن الكفار كأنه انفرد عنهم. وظنّ نوح عليه السلام أنّ ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم ولذلك ناداه بقوله {يا بني اركب معنا} في السفينة. وقرأ عاصم بفتح الياء اقتصاراً على الفتح من الألف المبدلة ياء الإضافة في قولك يا بنيا. والباقون بالكسر في الوصل ليدل على ياء الإضافة المحذوفة كما قال الشاعر: *يا ابنة عم لا تلومي واهجعي ثم حذف الألف للتخفيف {ولا تكن مع الكافرين} أي: في دين ولا مكان فتهلك. ولما قال له ذلك. {قال سآوي} أي: ألتجئ وأصير {إلى جبل يعصمني} أي: يمنعني {من الماء قال} له نوح عليه السلام: {لا عاصم} أي: لا مانع {اليوم من أمر الله} أي: من عذابه وقوله {إلا من رحم} استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم كقوله تعالى: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظنّ} (النساء، 157) وقيل: {إلا من رحم} أي: إلا الراحم وهو الله تعالى، وقيل: إلا مكان من رحمه الله تعالى فإنه مانع من ذلك وهو السفينة. {وحال بينهما} أي: بين نوح وابنه أو بين ابنه والجبل {الموج} المذكور في قوله موج كالجبال {فكان} ابنه {من المغرقين} أي: فصار من المهلكين بالماء. {و} لما تناهى الطوفان وأغرق قوم نوح {قيل} أي: قال الله تعالى أو ملك بأمره تعالى
{يا أرض ابلعي ماءك} أي: اشربيه {ويا سماء أقلعي} أي: أمسكي ماءك، ناداهما بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل تمثيلاً لكمال انقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، وههنا همزتان مختلفتان من كلمتين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة. قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير بإبدال الثانية واواً خالصة والباقون بالتخفيف {وغيض الماء} أي: نقص وذهب، وقرأ هشام والكسائي بإشمام الغين وهو ضم الغين قبل الياء والباقون بالكسر وكذا وقيل: {وقضي الأمر} أي: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين {واستوت} أي: استقرّت السفينة {على الجودي} وهو جبل بالجزيرة قريب من الموصل. وقيل، أي: قال الله تعالى أو ملك بأمره تعالى: {بعداً} أي: هلاكاً {للقوم الظالمين} ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وبكون مكون قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في أفعاله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: {يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره ولا أن تستوي على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره. وروي أنّ السفينة لما استقرت بعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع، فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها، ولطخت رجليها بالطين فعلم نوح أنّ الماء قد نقص، فقيل: إنه دعا على الغراب بالخوف فلذا لا يألف البيوت، وطوّق الحمامة الخضرة التي في عنقها ودعا لها بالأمان فمن ثم تألف البيوت. وروي أنّ نوحاً ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرّت بالبيت العتيق، وقد رفعه الله تعالى من الغرق وبقي موضعه، فطافت به السفينة سبعاً. وأودع الحجر الأسود في جبل أبي قبيس، وهبط نوح ومن معه في السفينة يوم عاشوراء فصامه نوح وأمر من معه بصيامه شكراً لله تعالى. وبنوا قرية بقرب الجبل وسميت سوق ثمانين فهي أوّل قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان. وقيل: إنه لم ينج أحد من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق وكان الماء يصل إلى حجزته وهذا لا يأتي على القول بإطباق الماء. قال هذا القائل: وسبب نجاته أنّ نوحاً احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله، فحمله عوج إليه من الشام فنجاه الله تعالى من الغرق بذلك. فإن قيل: كيف أغرق الله تعالى من لم يبلغ الحلم من الأطفال؟ أجيب: بأنه تعالى يتصرف في خلقه لا يسئل عما يفعل. وقيل: إنّ الله تعالى أعقم أرحام نسائهم أربعمائة سنة فلم يولد لهم تلك المدّة. {ونادى نوح ربه} أي: دعاه وسأله {فقال رب إنّ ابني من أهلي} وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي {وإن وعدك الحق} أي: الصدق الذي لا خلف فيه {وأنت أحكم الحاكمين} لأنك أعلمهم وأعدلهم.l فإن قيل: إذا كان النداء هو قوله ربّ فكيف عطف قال رب على نادى بالفاء؟ أجيب: بأن الفاء تفصيل لمجمل نادى، مثلها في: توضأ فغسل. وقيل: نادى، أي: أراد نداءه فقال رب. {قال} الله تعالى له {يا نوح إنه} أي: هذا الابن الذي سألت نجاته {ليس من أهلك} أي: المحكوم بنجاتهم لإيمانهم وكفره، ولهذا علل بقوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} وقرأ الكسائي بكسر الميم ونصب اللام بغير
تنوين ونصب الراء، أي: عمل الكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح والباقون بفتح الميم ورفع اللام منونة ورفع الراء، أي: ذو عمل غير صالح أو صاحب عمل غير صالح، فجعل ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة ترتع: *فإنما هي إقبال وإدبار واختلف علماء التفسير هل كان ذلك الولد ابن نوح أو لا على أقوال: الأوّل: وهو قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرين: إنه ابنه حقيقة ويدل عليه أنه تعالى نص عليه فقال: {ونادى نوح ابنه} ونوح أيضاً نص عليه فقال: {يا بنيّ} وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه وأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة. القول الثاني: أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر، وقول الحسن البصري. والقول الثالث: وهو قول مجاهد والحسن: أنه ولد حنث ولد على فراشه ولم يعلم نوح بذلك، واحتج هذا القائل بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط {فخانتاهما} (التحريم، 10) . قال الرازي: وهذا قول واهٍ حيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو خلاف نص القرآن. وقد قيل لابن عباس: ما كانت تلك الخيانة؟ فقال: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزل به. {فلا تسألني ما ليس لك به علم} أي: بما لا تعلم أصواب هو أم لا؟ لأنّ اللائق بأمثالك من أولي العزم بناء أمورهم على التحقيق. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون والباقون بسكون اللام وتخفيف النون وأثبت الياء بعد النون. في الوصل دون الوقف ورش وأبو عمرو وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً {إني أعظك} أي: بمواعظي كراهة {أن تكون من الجاهلين} فتسأل كما يسألون. وإنما سمى نداءه سؤالاً لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله واستنجازه في شأن ولده. {قال} نوح {رب إني أعوذ بك أن} أي: من أن {أسألك} في شيء من الأشياء {ما ليس لي به علم} تأدباً بأدبك واتعاظاً بوعظك {وإلا تغفر لي} أي: الآن ما فرط مني وفي المستقبل ما يقع مني {وترحمني} أي: تستر زلاتي وتمحها وتكرمني {أكن من الخاسرين} أي: الغريقين في الخسارة. فإن قيل: هذا يدل على عصمة الأنبياء لوقوع هذه الزلة من نوح عليه السلام؟ أجيب: بأنّ الزلة الصادرة من نوح إنما هي كونه لم يستقص ما يدل على نفاق ابنه وكفره؛ لأنّ قومه كانوا على ثلاثة أقسام: كافر يظهر كفره، ومؤمن يخفي إيمانه، ومنافق لا يعلم حاله في نفس الأمر. وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة وحكم الكافرين هو الغرق، وكان ذلك معلوماً، وأما أهل النفاق فبقي أمرهم مخفياً، وكان ابن نوح منهم، وكان يجوز فيه كونه مؤمناً، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون للأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه كافراً بل على الوجوه الصحيحة فأخطأ في ذلك الاجتهاد كما وقع لآدم عليه السلام في الأكل من الشجرة فلم يصدر عنه إلا الخطأ في الاجتهاد، فلم تصدر منه معصية، فلجأ إلى ربه تعالى وخشع له ودعاه وسأله المغفرة والرحمة كما قال آدم عليه السلام: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف، 23) لأنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. {قيل} أي: قال الله تعالى أو ملك بأمره تعالى: {يا نوح اهبط} أي: انزل من السفينة أو من الجبل إلى الأرض المستوية {بسلام} أي: بعظم وأمن وسلامة {منا} وذلك أنّ الغرق لما كان عاماً في جميع
الأرض فعندما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جهات الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب، فلما قال الله تعالى: {اهبط بسلام منا} زال عنه ذلك الخوف؛ لأنّ ذلك يدل على حصول السلامة وأن لا يكون إلا مع الأمن وسعة الرزق. ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة بقوله تعالى: {وبركات عليك} وهو عبارة عن الدوام والبقاء والثبات؛ لأنّ الله تعالى صير نوحاً عليه السلام أبا البشر؛ لأنّ جميع من بقي كانوا من نسله؛ لأنّ نوحاً لما خرج من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من ذريته فالخلق كلهم من نسله، أو أنه لم يكن معه في السفينة إلا من كان من نسله وذريته، وعلى التقديرين فالخلق كلهم من ذريته. ويدل على ذلك قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} (الصافات، 77) فثبت أنّ نوحاً كان آدم الأصغر فكان أبا الأنبياء والخلق بعد الطوفان كلهم منه ومن ذريته وكان بين نوح وآدم ثمانية أجداد. وقوله تعالى: {وعلى أمم ممن معك} يحتمل أن تكون من للبيان فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة؛ لأنهم كانوا جماعات أو قيل لهم أمم؛ لأنّ الأمم تتشعب منهم، وأن تكون لابتداء الغاية، أي: على أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم إلى آخر الدهر. قال في «الكشاف» : وهو الوجه، وقوله تعالى: {وأمم} بالرفع على الابتداء، وقوله تعالى: {سنمتعهم} أي: في الدنيا صفة والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم. وإنما حذف لأنّ قوله ممن معك يدل عليه، والمعنى أنّ السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون في الدنيا {ثم يمسهم منا عذاب أليم} في الآخرة وهم الكفار. وعن محمد بن كعب القرظي: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر وقيل: المراد بالأمم الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب. ولما شرح تعالى قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال تعالى: {تلك} أي: قصة نوح التي شرحناها، ومحلّ تلك رفع على الابتداء وخبرها {من أنباء الغيب} أي: من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق. وقوله تعالى: {نوحيها إليك} خبر ثان والضمير لها، أي: موحاة إليك. وقوله تعالى: {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} أي: نزول القرآن خبر آخر، والمعنى أنّ هذه القصة مجهولة عندك وعند قومك من قبل إيحائنا إليك، ونظير هذا أن يقول إنسان لآخر: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك. فإن قيل: قد كانت قصة طوفان نوح مشهورة عند أهل العلم. أجيب: بأنّ ذلك كان بحسب الإجمال، وأمّا التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة، أو بأنه صلى الله عليه وسلم كان أمّياً لم يقرأ الكتب المتقدّمة ولم يعلمها. وكذلك كانت أمته. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فاصبر} أي: أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار. {إنّ العاقبة للمتقين} الشرك والمعاصي وفي هذا تنبيه على أنّ عاقبة الصبر لنبينا صلى الله عليه وسلم النصر والفرج، أي: السرور كما كان لنوح ولقومه. فإن قيل: هذه القصة ذكرت في يونس فما الحكمة والفائدة في إعادتها؟ أجيب: بأنّ القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه، ففي السورة الأولى كان
الكفار يستعجلون نزول العذاب فذكر تعالى قصة نوح في بيان أنّ قومه كانوا يكذبونه بسبب أنّ العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذه السورة ذكرت لأجل أنّ الكفار كانوا يبالغون في الإيحاش فذكرها الله تعالى لبيان أنّ إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان حاصلاً في زمان نوح عليه السلام، فلما صبر فاز وظفر، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خالياً عن الحكمة والفائدة. القصة الثانية: من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة هود عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: {س11ش50/ش55 وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا? قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا? اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ اله غَيْرُهُ??? إِنْ أَنتُمْ إِs مُفْتَرُونَ * يَاقَوْمِ ? أَسْـ?َلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا? إِنْ أَجْرِىَ إِs عَلَى الَّذِى فَطَرَنِى?? أَفَ تَعْقِلُونَ * وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا? رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُو?ا? إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَتَتَوَلَّوْا? مُجْرِمِينَ * قَالُوا? يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى? ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِs اعْتَرَ?ـاكَ بَعْضُءَالِهَتِنَا بِسُو?ءٍ? قَالَ إِنِّى? أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُو?ا? أَنِّى بَرِى?ءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ?? فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ تُنظِرُونِ} {وإلى عاد} أي: وأرسلنا إلى عاد {أخاهم} فهو معطوف على قوله تعالى نوحاً، وقوله تعالى: {هوداً} عطف بيان ومعلوم أنّ تلك الأخوة ما كانت في الدين، وإنما كانت في النسب لأنّ هوداً كان رجلاً من قبيلة عاد قبيلة من العرب كانوا بناحية اليمن. فإن قيل: إنه تعالى قال في ابن نوح إنه ليس من أهلك فبيّن أنّ قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين، وهنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين؟ أجيب: بأنّ قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يستبعدون أن يكون رسولاً من عند الله تعالى مع أنه واحد من قبيلتهم، فذكر الله تعالى أنّ هوداً كان واحداً من عاد، وأنّ صالحاً كان واحداً من ثمود لإزالة هذا الاستبعاد، ولما تقدّم أمر نوح عليه السلام مع قومه استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود عليه السلام هل هو مثل قوله أولاً؟ فاستأنف الجواب بقوله: {قال يا قوم اعبدوا الله} أي: وحدوه ولا تشركوا معه شيئاً في العبادة. {ما لكم من إله غيره} أي: هو إلهكم؛ لأنّ هذه الأصنام التي تعبدونها حجارة لا تضر ولا تنفع. فإن قيل: كيف دعاهم إلى عبادة الله تعالى قبل إقامة الدليل على ثبوت الإله؟ أجيب: بأنّ دلائل وجود الله تعالى ظاهرة وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما يوجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنّ الله} (لقمان، 25) . وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء صفة على اللفظ والباقون بالرفع صفة على محل الجار والمجرور ومن زائدة {إن أنتم إلا مفترون} أي: كاذبون في عبادتكم غيره. وكرر قوله: {يا قوم} للاستعطاف، وقوله: {لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني} أي: خلقني، خاطب به كل رسول قومه إزالة للتهمة وتمحيضاً للنصيحة فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع {أفلا تعقلون} أي: افلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ فتتعظون. ثم قال: {ويا قوم} أيضاً لما ذكر {استغفروا ربكم} أي: آمنوا به {ثم توبوا إليه} من عبادة غيره؛ لأنّ التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان {يرسل السماء} أي: المطر {عليكم مدراراً} أي: كثير الدر {ويزدكم قوّة إلى قوّتكم} أي: ويضاعف قوّتكم، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوّة؛ لأنّ القوم كانوا أصحاب زرع وبساتين وعمارات حراصاً عليها أشدّ الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مذلين غيرهم بما أوتوا من شدّة القوّة والبطش والبأس والنجدة، مهابين في كل ناحية، وقيل: أراد القوّة في المال. وقيل: القوة على النكاح. وقيل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم. وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه
وفد على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال ولا يولد لي فعلمني شيئاً لعل الله يرزقني ولداً. فقال: عليك بالاستغفار. فكان يكثر الاستغفار حتى ربّما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرّة فولد له عشر بنين، فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته ممّ قال ذلك؟ فوفد مرّة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود: {ويزدكم قوّة إلى قوّتكم} وقول نوح: {ويمددكم بأموالٍ وبنين} (نوح، 13) . {ولا تتولوا} أي: ولا تعرضوا عن قبول قولي ونصحي حالة كونكم {مجرمين} أي: مشركين. ولما حكى الله تعالى عن هود ما ذكره لقومه حكى أيضاً ما ذكره قومه له وهو أشياء: أوّلها: ذكره تعالى بقوله: {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة} أي: بحجة تدل على صحة دعواك. وسميت بينة؛ لأنها تبين الحق، ومن المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أظهر لهم المعجزات إلا أن القوم لجهلهم أنكروها وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات. وثانيها: قولهم: {وما نحن بتاركي آلهتنا} أي: عبادتها، وقولهم: {عن قولك} أي: صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي، وهذا أيضاً من جهلهم فإنهم كانوا يعرفون أنّ النافع والضارّ هو الله تعالى وأن الأصنام لا تضر ولا تنفع وذلك حكم فطرة العقل وبديهة النفس، وثالثها: قولهم: {وما نحن لك بمؤمنين} أي: مصدّقين، وفي ذلك إقناط له من الإجابة والتصديق. ورابعها: قولهم: {إن} أي: ما {نقول} في شأنك {إلا اعتراك} أي: أصابك {بعض آلهتنا بسوء} لسبك إياها فجعلتك مجنوناً وأفسدت عقلك، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك {قال} هود عليه السلام مجيباً لهم: {إني أشهد الله} عليّ {واشهدوا} أنتم أيضاً عليّ {أني بريء مما تشركون} . {من دونه} أي: الله وهو الأصنام التي كانوا يعبدونها {فكيدوني} أي: احتالوا في هلاكي {جميعاً} أنتم وأصنامكم التي تعتقدون أنها تضر وتنفع فإنها لا تضرّ ولا تنفع. فائدة: اتفق القراء على إثبات الياء في كيدوني هنا وقفاً ووصلاً لثباتها في المصحف {ثم لا تنظرون} أي: تمهلون، وهذا فيه معجزة عظيمة لهود عليه السلام؛ لأنه كان وحيداً في قومه وقال لهم هذه المقالة ولم يهبهم ولم يخف منهم مع ما هم فيه من الكفر والجبروت ثقة بالله تعالى كما قال تعالى: {إني توكلت على الله ربي وربكم} أي: فوضت أمري إليه واعتمدت عليه {ما من دابة} تدب على الأرض ويدخل في هذا جميع بني آدم والحيوان؛ لأنّهم يدبون على الأرض. {إلا هو آخذ بناصيتها} أي: مالكها وقاهرها فلا يقع نفع ولا ضر إلا بإذنه والناصية كما قال الأزهري: عند العرب منبت الشعر في مقدّم الرأس، وسمي الشعر النابت هنا ناصية باسم منبته، والعرب إذا وصفوا إنساناً بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، وكانوا إذا أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره، فخوطبوا في القرآن بما يعرفون من كلامهم {إن ربي على صرط مستقيم} أي: طريق الحق والعدل فلا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والإنصاف فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه. وقوله تعالى: {فإن تولّوا} فيه حذف إحدى التاءين، أي: تعرضوا {فقد أبلغتكم} جميع {ما أرسلت به إليكم} فإن قيل: الإبلاغ كان قبل التولي فكيف وقع جزاء للشرط؟ أجيب: بأنّ معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير من جهتي وصرتم محجوجين؛ لأنكم أنتم
الذين أصررتم على التكذيب وقوله {ويستخلف ربي قوماً غيركم} استئناف بالوعيد لهم بأنّ الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم يوحدونه تعالى ويعبدونه {ولا تضرّونه} أي: الله بإشراككم {شيئاً} من الضرر إنما تضرون أنفسكم. وقيل: لا تنقصونه شيئاً إذا أهلككم؛ لأنّ وجودكم وعدمكم عنده سواء {إنّ ربي على كلِّ شيء} صغير أو كبير، حقير أو جليل. {حفيظ} ، أي: رقيب عالم بكل شيء وقادر على كل شيء فيحفظني أن تنالوني بسوء أو حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو حفيظ على كل شيء يحفظه من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء. {ولما} لم يرجعوا ولم يرعووا ببينة ولا رغبة ولا رهبة {جاء أمرنا} أي: عذابنا، وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم الله تعالى بها سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وترفعهم وتضربهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية، وهنا همزتان مفتوحتان من كلمتين. قرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الأولى، وقرأ ورش وقنبل بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية والباقون بتحقيقهما، {نجينا هوداً والذين آمنوا معه} ، أي: من هذا العذاب وكانوا أربعة آلاف {برحمةٍ منا} لأنّ العذاب إذا نزل قد يعمّ المؤمن والكافر، فلما أنجى الله تعالى المؤمنين من ذلك العذاب كان برحمته وفضله وكرمه {ونجيناهم من عذاب غليظ} هو عذاب الآخرة. ووصفه بالغلظ؛ لأنه أغلظ من عذاب الدنيا أو نجينا هوداً والذين آمنوا معه من أن يصل إليهم الكفار بسوء مع اجتهادهم في ذلك، ونجيناهم من عذاب غليظ هو الريح المذكورة. ولما ذكر الله تعالى قصة عاد خاطب أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وتلك عاد} وهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه تعالى قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا، ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة، أمّا أوصافهم فثلاثة: الصفة الأولى: قوله تعالى: {جحدوا بآيات ربهم} ، أي: بالمعجزات التي أتى بها هود عليه السلام. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وعصوا رسله} ، أي: هوداً وحده، وإنما أتى به بلفظ الجمع إمّا للتعظيم، أو لأنّ من عصى رسولاً فقد عصى جميع الرسل لقوله تعالى: {لا نفرّق بين أحد من رسله} (البقرة، 285) . الصفة الثالثة: قوله تعالى: {واتبعوا أمر كل جبارٍ عنيد} ، أي: أنّ السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم ما هذا إلا بشر مثلكم، فأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم، وعصوا من دعاهم إلى الإيمان ولا يرديهم، والجبار: المرتفع المتمرد، والعنيد والعنود والمعاند هو المنازع المعارض. ولما ذكر تعالى أوصافهم ذكر أحوالهم بقوله تعالى: {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة} ، أي: جعل اللعن رديفاً لهم ومتابعاً ومصاحباً في الدنيا والآخرة. ومعنى اللعنة: الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير، وقيل: اللعنة في الدنيا من الناس وفي الآخرة لعنة على رؤوس الأشهاد. ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم بقوله تعالى: {ألا إن عاداً كفروا ربهم} ، أي: كفروا بربهم، فحذف الباء أو أنّ المراد بالكفر الجحد، أي: جحدوا ربهم. وقيل: هو من باب حذف المضاف، أي: كفروا نعمة ربهم. تنبيه: ألا أداة استفتاح لا تذكر إلا بين كلام يعظم موقعه ويجل خطبه، ثم قال: {ألا بعداً لعاد} دعاء عليهم بالهلاك. والمراد به الدلالة على أنهم كانوا مستوجبين لما نزل بهم بسبب ما حكي
عنهم، وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم تفظيعاً لأمرهم وحثاً على الاعتبار بحالهم. وقوله تعالى: {قوم هود} عطف بيان لعاد وفائدته تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود. القصة الثالثة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة صالح عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: {وإلى ثمود} وهم سكان الحجر، أي: وأرسلنا إلى ثمود {أخاهم} فهو معطوف على قوله تعالى نوحاً كما عطف عليه وإلى عاد وقوله تعالى: {صالحاً} عطف بيان، وتلك الأخوة كانت في النسب لا في الدين، كما مرّ في هود، ثم أخرج قوله عليه السلام على تقدير سؤال بقوله: {قال يا قوم} ، أي: يا من يعز عليّ أن يحصل لهم سوء {اعبدوا الله} ، أي: وحدوه وخصوه بالعبادة {ما لكم من إله غيره} هو إلهكم المستحق للعبادة لا هذه الأصنام، ثم ذكر الدلائل الدالة على وحدانيته تعالى بقوله: {هو أنشاكم} ، أي: ابتدأ خلقكم {من الأرض} وذلك أنهم من بني آدم وآدم خلق من الأرض، أو أنّ الإنسان مخلوق من المني وهو متولد من الدم والدم متولد من الأغذية وهي إمّا حيوانية وإمّا نباتية، فأمّا الحيوانية فحالها كحال الإنسان فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات متولد من الأرض، فثبت أنه تعالى أنشأ الإنسان من الأرض. وقيل: من بمعنى في كما في قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} (الجمعة، 9) . {واستعمركم فيها} ، أي: جعلكم عمارها وسكانها، وقال الضحاك: أطال أعماركم فيها حتى أنّ الواحد منهم كان يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذا كان قوم عاد، وروي أنّ ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وحصلت لهم الأعمار الطويلة، فسأل نبيّ من أنبياء زمانهم ربه ما سبب تلك الأعمار فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وأخذ معاوية في إحياء الأرض في آخرة عمره فقيل له ذلك فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: *ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار وقال مجاهد: استعمركم من العمرى، أي: جعلها لكم ما عشتم فإذا متم انتقلت إلى غيركم. ولما بيّن لهم عليه السلام عظمة الله تعالى بين لهم طريق الرجوع إليه بقوله: {فاستغفروه} ، أي: آمنوا به {ثم توبوا إليه} من عبادة غيره؛ لأنّ التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان وقد مرّ مثل ذلك {إنّ ربي قريب} من خلقه بعلمه لكل من أقبل عليه من غير حاجة إلى حركة {مجيب} لكل من ناداه لا كمعبوداتكم في الأمرين. ولما قرّر لهم عليه السلام هذه الدلائل. {قالوا} له {يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا} ، أي: القول الذي جئت به لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فإنك كنت تعطف على فقيرنا وتعين ضعيفنا وتعود مرضانا، فقوي رجاؤنا فيك أن تنصر ديننا فكيف أظهرت العداوة؟. ثم إنهم أضافوا إلى هذا التعجب الشديد فقالوا: {أتنهانا أن نعبد ما} كان {يعبد آباؤنا} من الآلهة، ومقصودهم بذلك التمسك بطرف التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجاب} (ص، 5) ثم قالوا: {وإننا لفي شك مما تدعونا إليه} من التوحيد وترك عبادة الأصنام {مريب} ، أي: موقع في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، والرجاء: تعلق
النفس بمجيء الخير على جهة الظنّ، ونظيره الأمل والطمع، والنهي: المنع من الفعل بصيغة لا تفعل. وقولهم هذا مبالغة في تزييف كلامه {قال} صالح عليه السلام مجيباً لهم {يا قوم أرأيتم} ، أي: أخبروني {إن كنت على بيّنة} ، أي: بيان وبصيرة {من ربي} وأتى بحرف الشك على سبيل الجزم ليلائم الخطاب حال المخاطبين {وآتاني منه رحمة} ، أي: نبوّة ورسالة {فمن ينصرني} ، أي: يمنعني {من الله} ، أي: عذابه {إن عصيته} ، أي: إن خالفت أمره في تبليغ رسالته والمنع عن الإشراك به {فما تزيدونني} ، أي: بأمركم لي بذلك {غير تخسير} ، أي: غير تضليل. قال الحسن بن الفضل: لم يكن صالح في خسارة حتى يقول فما تزيدونني غير تخسير، وإنما المعنى فما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة. ولما كانت العادة فيمن يدعي النبوّة عند قوم يعبدون الأصنام أن يطلبوا المعجزة وأمر صالح عليه السلام. هكذا كان يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة، فدعا ربه فخرجت كما سألوا. أشار إليها بقوله: {ويا قوم هذه ناقة الله} وإضافتها إلى الله إضافة تشريف كبيت الله {لكم آية} ، أي: معجزة من وجوه: أحدها: أنه خلقها الله تعالى من الصخرة. ثانيها: أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق الجبل عنها. ثالثها: أنه تعالى خلقها حاملاً من غير ذكر ثم ولدت فصيلاً يشبهها. رابعها: أنه تعالى خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة. خامسها: ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر. سادسها: أنه كان يحصل منها لبن كثير فيكفي الخلق العظيم به، فكل واحد من هذه الوجوه معجز قويّ، وليس في القرآن إلا أنّ هذه الناقة كانت آية معجزة، وأمّا بيان أنها كانت آية معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه. تنبيه: آية نصب على الحال وعاملها معنى الإشارة ولكن حال منها تقدّمت عليها لتنكيرها ولو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدّمت انتصبت على الحال ثم قال لهم: {فذروها} ، أي: اتركوها على، أي: حالة كان ترككم لها {تأكل} مما أرادت {في أرض الله} من العشب والنبات فليس عليكم مؤنتها فصارت مع كونها آية لهم تنفعهم ولا تضرّهم؛ لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها ثم إنه عليه السلام خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر فإنّ الخصم لا يحب ظهور حجة خصمه بل يسعى في إخفائها وإبطالها بأقصى الإمكان، فلهذا السبب كان يخاف من إقدامهم على قتلها فلهذا احتاط وقال: {ولا تمسوها بسوء} ، أي: بعقر أو غيره ثم توعدهم بقوله: {فيأخذكم} إن مسستموها بسوء {عذاب قريب} ، أي: في الدنيا لا يتأخر عن مسكم لها إلا يسيراً وذلك تحذير شديد لهم في الإقدام على قتلها فخالفوه. {فعقروها} وذبحوها {فقال} لهم عند بلوغه الخبر {تمتعوا} ، أي: عيشوا {في داركم} والتمتع التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس وذلك لا يحصل إلا للحي. وفي المراد من الدار وجهان: أحدهما: البلد وتسمى البلد الديار لأنه يدار فيها، أي: يتصرّف فيها، يُقال ديار بكر لبلادهم. الثاني: دار الدنيا، أي: تمتعوا في الدنيا {ثلاثة أيام} وذلك أنهم لما عقروا الناقة أنذرهم صالح عليه الصلاة والسلام بنزول العقاب بعد هذه المدّة قال ابن عباس: إنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الإيمان ثم قالوا لصالح عليه السلام وما علامة ذلك؟ قال: تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة وفي
الثاني محمرة وفي الثالث مسودّة ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع، فلما رأوا وجوههم مسودّة أيقنوا حينئذٍ بالعذاب فتحنطوا واستعدوا للعذاب فصبحهم اليوم الرابع كما قال تعالى: {ذلك} ، أي: الوعد العالي الرتبة في الصدق {وعد غير مكذوب} ، أي: فيه فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله: ويومٍ شهدناه أي ورب يوم شهدنا فيه سليماً وعامراً. أو غير مكذوب على المجاز أو وعد غير كذب على أنه مصدر قوله تعالى: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا} في تفسيره، وقراءة الهمزتين وعدد الذين آمنوا معه مثل ما تقدّم في قصة عاد {و} نجيناهم {من خزي يومئذ} وهو هلاكهم بالصيحة أو ذلهم أو فضيحتهم يوم القيامة. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم من يومئذ على البناء لإضافتها إلى مبني، وكسرها الباقون على الإعراب والأوّل أكثر {إنّ ربك هو القويّ} فهو يغلب كل شيء {العزيز} ، أي: القادر على منع غيره من غير أن يقدر أحد عليه، ثم أخبر تعالى عن عذاب قوم صالح بقوله: {وأخذ الذين ظلموا} ، أي: أنفسهم بالكفر {الصيحة} ، أي: صيحة جبريل عليه السلام، صاح بهم صيحة واحدة فهلكوا جميعاً أو أتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم في صدورهم فماتوا جميعاً، كما قال تعالى: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} ، أي: باركين على الركب ميتين. تنبيه: إنما قال تعالى وأخذ ولم يقل وأخذت؛ لأنّ الصيحة محمولة على الصياح، وأيضاً فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث. وقوله تعالى: {كأن} مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: كأنهم {لم يغنوا} ، أي: يقيموا {فيها} ، أي: ديارهم ولم يسكنوها مدة من الدهر يقال: غنيت بالمكان إذا أقمت به. وقوله تعالى: {ألا إنّ ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود} تفسيره ما تقدّم في قوله تعالى: {ألا إن عاداً كفروا ربهم} (هود، 60) الآية. وقرأ حفص وحمزة ألا إن ثمود بغير تنوين للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة، والباقون بالتنوين للذهاب إلى الحيّ أو إلى الأب الأكبر. ومَنْ نوّن وقف على ألف بعد الدال، ومن لم ينون وقف على الدال ساكنة. وقرأ الكسائي بعداً لثمودٍ بتنوين ثمود مع الكسر لما مرّ، والباقون بغير تنوين مع الفتح لما مرّ أيضاً. القصة الرابعة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} ، أي: بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، والمراد بالرسل الملائكة، ولفظ رسلنا جمع وأقله ثلاثة، واختلف في الزائد على ذلك وأجمعوا على أنّ الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام، واقتصر ابن عباس وعطاء على أقل الجمع فقالا: كانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الذاريات بقوله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} (الذاريات، 24) ، وفي الحجر: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم} (الحجر، 51) . وقال الضحاك: كانوا تسعة. وقال محمد بن كعب القرظي: كان جبريل ومعه سبعة أملاك. وقال السدي: كان جبريل ومعه أحد عشر ملكاً على صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن. قال النحويون: ودخلت كلمة قد ههنا؛ لأنّ السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع، ودخلت اللام في لقد لتأكيد الخبر. {قالوا سلاماً} ، أي: سلمنا عليك سلاماً، ويجوز نصبه بقالوا
على معنى ذكروا سلاماً، أي: سلموا {قال سلام} ، أي: أمركم أو جوابي سلام أو وعليكم سلام. تنبيه: قوله سلام أكمل من قوله السلام، لأنّ التنكير يفيد الكمال والمبالغة والتمام، ولهذا صح وقوعه مبتدأ؛ لأنّ النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ، أو لفظ السلام فإنه لا يفيد إلا الماهية. فإن قيل: فلأي شيء ما كفى الأوّل في التحلل من الصلاة عند النوويّ؟ أجيب: بأنّ ذلك سنة متبعة. وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام ولا ألف بعدها، والباقون بفتح السين واللام وبعدها ألف. قال الفراء: ولا فرق بين القراءتين كما يقال حل وحلال وحرم وحرام. وقيل سلم هو بمعنى الصلح، أي: نحن سلم صلح غير حرب. {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} (هود، 69) ، أي: فما أبطأ مجيئه به. والحنيذ: المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض، وكان سميناً يقطر ودكه. كما قال تعالى في موضع آخر: {فجاء بعجل سمين} . قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر. روي أنّ إبراهيم عليه السلام مكث خمس عشرة ليلة لم يأته ضيف فاغتمّ لذلك وكان يحب الضيف ولا يأكل إلا معه، فلما جاءته الملائكة رأى أضيافاً لم ير مثلهم فعجل قراهم وجاء بعجل سمين مشوي. {فلما رأى أيديهم} ، أي: الأضياف {لا تصل إليه} ، أي: لا يمدّون أيديهم إليه {نكرهم} أي: أنكرهم وأنكر حالهم لامتناعهم من الطعام {وأوجس} ، أي: أضمر في نفسه {منهم خيفة} ، أي: خوفاً. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنما جاء بشر. {قالوا لا تخف} يا إبراهيم {إنا} ملائكة الله {أرسلنا إلى قوم لوط} بالعذاب وإنما لم نمد له أيدينا لأنا لا نأكل. {وامرأته} ، أي: إبراهيم سارّة وهي ابنة عمّ إبراهيم {قائمة} وراء الستر تسمع محاورتهم أو على رؤوسهم للخدمة فسمعت البشارة بالولد التي دل عليها فيما مضى قوله بالبشرى {فضحكت} سروراً من تلك البشرى لزوجها مع كبره وربما ظنته من غيرها؛ لأنها كانت عجوزاً عقيماً فأزيل ذلك الظنّ عنها بقوله تعالى: {فبشرناها} ، أي: على لسان الملائكة تشريفاً لها وتفخيماً لشأنها. {بإسحاق} تلده {ومن وراء إسحاق يعقوب} ، أي: يكون يعقوب عليه السلام ابنا لإسحاق عليه السلام فتعيش حتى ترى ولد ولدها. قال البقاعي: والذي يدل على هذا التقدير من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت ما يأتي عن نص التوراة، وساق عن التوراة عبارة مطوّلة. وقيل: سبب سرورها زوال الخيفة أو هلاك أهل الفساد. وقيل: فضحكت فحاضت كما قال الشاعر: *عهدي بسلمى ضاحكاً في لبانة أي: حائضاً في جماعة من النساء. وهذا يرد على الفراء حيث قال: ضحكت بمعنى حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال آخر: تضحك الضبع لقتلى هذيل. أراد أنها تحيض فرحاً. تنبيه: ههنا همزتان مكسورتان من كلمتين، قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى مع المد والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسيهل الثانية وإبدالها أيضاً حرف مد. وقرأ أبو عمرو بإسقاط أحدهما مع المد والقصر، والباقون بتحقيق الهمزتين ولا ألف بينهما. {قالت يا ويلتا} هذه كلمة تقال عند أمر عظيم، والألف مبدلة من ياء الإضافة. {أألد وأنا عجوز} وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق، وقول مجاهد: تسع وتسعين سنة، {وهذا بعلي} ، أي: زوجي سُمِّيَ بذلك لأنه
قيّم أمرها، وقولها {شيخاً} نصب على الحال. قال الواحدي: وهذا من لطيف النحو وغامضه فإنّ كلمة هذا للإشارة فكان قولها {وهذا بعلي شيخاً} قائم مقام أن يقال: أشير إلى بعلي حال كونه شيخاً، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة، وكان ابن مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: مائة سنة وكان بين البشارة والولادة سنة {إن هذا لشيء عجيب} ، أي: إنّ الولد من هرمين فهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك {قالوا} ، أي: الملائكة لسارة {أتعجبين من أمر الله} منكرين عليها ذلك، أي: لا تعجبين من ذلك فإنّ الله تعالى قادر على كل شيء، وإذا أراد شيئاً كان سريعاً فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوّة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس بمستغرب {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} ، أي: بيت إبراهيم وأهل منصوب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم: اغفر لنا أيتها العصابة وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة، وفيه دليل على أنّ أزواج الرجل من أهل بيته {إنه} تعالى {حميدٌ} ، أي: محمود على كل حال أو فاعل ما يستوجب به الحمد {مجيد} ، أي: كثير الخير والإحسان. القصة الخامسة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة لوط عليه السلام المذكورة قوله تعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} ، أي: الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه واطمأن قلبه بعرفانهم {وجاءته البشرى} بدل الروع بالولد أخذ {يجادلنا} ، أي: يجادل رسلنا {في} شأن {قوم لوط} وجواب «لما» أخذ يجادلنا إلا أنه حذف اللفظ لدلالة الكلام عليه. وقيل: تقديره لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا. فإن قيل: كيف جادل إبراهيم الملائكة مع علمه بأنهم لا يمكنهم مخالفة أمر الله وهذا منكر؟ أجيب: بأنّ المراد من هذه المجادلة تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون ويرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، لأنّ الملائكة قالوا: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} (العنكبوت، 31) أو أنّ مجادلته إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيهم، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا قال: أو أربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون. قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا حتى بلغ خمسة قالوا: لا. قال: أرأيتم لو كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك قال: إنّ فيها لوطاً. وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة العنكبوت، فقال: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إنّ أهلها كانوا ظالمين، قال إنّ فيها لوطاً قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} (العنكبوت، 31، 32) قال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف ألف، ولو كانت هذه المجادلة مذمومة لما مدحه بقوله تعالى: {إنّ إبراهيم لحليم} ، أي: لا يتعجل مكافأة غيره بل يتأنى فيها فيؤخر أو يعفو. ومن هذا حاله يحب من غيره هذه الطريقة، وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم، ثم ضم إلى ذلك ما يتعلق بالحلم وهو قوله تعالى: {أوّاه} ، أي: كثير التأوّه من الذنوب والتأسف على الناس. {منيب} ، أي: رجاع فلما أطال مجادلتهم قالوا له: {يا إبراهيم أعرض عن هذا} ، أي: الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك فلا فائدة فيه: {إنه قد جاء أمر ربك} ، أي: قضاؤه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} ، أي: لا سبيل
إلى دفعه وردّه. {س11ش77/ش83 وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِى?ءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَاذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَآءَهُ? قَوْمُهُ? يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا? يَعْمَلُونَ السَّيِّـ?َاتِ? قَالَ يَاقَوْمِ هَا?ؤُ?ءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ? فَاتَّقُوا? اللَّهَ وَتُخْزُونِ فِى ضَيْفِى?? أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ * قَالُوا? لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْءَاوِى? إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا? يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُو?ا? إِلَيْكَ? فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَيَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِs امْرَأَتَكَ? إِنَّهُ? مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ? إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ? أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ? وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} {ولما جاءت رسلنا لوطاً} ، أي: هؤلاء الملائكة الذين بشروا إبراهيم بالولد. قال ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وهو ابن أخي إبراهيم عليهما الصلاة والسلام وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله تعالى {سيء بهم} ، أي: حزن بسببهم {وضاق بهم ذرعاً} ، أي: صدراً، يقال: ضاق ذرع فلان بكذا إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه. وذلك أنّ لوطاً نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم، فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم. وقيل: ساءه ذلك لأنه؛ عرف بالآخرة أنهم ملائكة الله تعالى وأنهم جاؤوا لإهلاك قومه، فَرَقَّ قلبه على قومه {وقال هذا يوم عصيب} ، أي: شديد كأنه قد عصب به الشرّ والبلاء، أي: شد به مأخوذ من العصابة التي تشد بها الرأس، قال قتادة: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوا لوطاً نصف النهار وهو في أرض له يعمل فيها، وروي أنه كان يحتطب وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فاستضافوه وانطلق بهم، فلما مضى ساعة قال لهم ما بلغكم من أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم قال: أشهد بالله أنها لشرّ قرية في الأرض عملاً يقول ذلك أربع مرّات. وروي أنّ الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها وقالت: إنّ في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثل وجوههم قط. {وجاءه قومه} لما علموا بهم {يهرعون} ، أي: يسرعون {إليه} قاله ابن عباس وقال الحسن: الإهراع المشي بين مشيين. {ومن قبل} ، أي: قبل مجيئهم إلى لوط وقيل من قبل مجيء الرسل إليهم {كانوا يعملون السيئات} ، أي: الفعلات الخبيثة والفاحشة القبيحة وهي إتيان الرجال في أدبارهم. لوطٌ {قال} لقومه حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان من بني آدم {يا قوم هؤلاء بناتي} قال مجاهد وسعيد بن جبير: أراد ببناته نساء قومه، وأضافهنّ إلى نفسه؛ لأنّ كل نبي هو أبو أمّته كالوالد لهم، أي: فتزوجوا منهنّ. وقيل: أراد بنات نفسه عرضهنّ عليهم بشرط الإسلام. وقيل: كان في ذلك الوقت وفي تلك الشريعة يباح تزويج المرأة المسلمة بالكافر كما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وهما كافران، وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوّجهما ابنتيه {هن أطهر لكم} ، أي: أنظف فعلاً. فإن قيل: أفعل التفضيل يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهراً ومعلوم أنه فاسد؛ لأنه لا طهارة في إتيان الرجال؟ أجيب: بأنّ هذا جارٍ مجرى قوله تعالى: {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم} (الصافات، 62) ومعلوم أنّ شجرة الزقوم لا خير فيها وكقوله صلى الله عليه وسلم «لما قالوا يوم أحد: اعل هبل قال: الله أعلى وأجل» . ولا مماثلة بين الله تعالى والصنم وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة ولهذا نظائر كثيرة {فاتقوا الله} وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي {ولا تخزون} ، أي: تفضحوني {في ضيفي} ، أي: أضيافي {أليس منكم رجل رشيد} يهتدي إلى الحق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} ، أي: حاجة {وإنك لتعلم ما نريد} ، أي: من إتيان الذكور وما لنا فيه الشهوة فعند ذلك. {قال} ، أي: لوط عليه السلام {لو أنّ لي بكم
قوّة} ، أي: طاقة {أو آوي إلى ركن شديد} ، أي: عشيرة تنصرني شبهت بركن الجبل في شدّته، وعنه صلى الله عليه وسلم «رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد» ، والركن الشديد نصر الله ومعونته فكأن النبيّ صلى الله عليه وسلم استغرب من لوط عليه السلام قوله: {أو آوي إلى ركن شديد} وعدّه نادرة إذ لا يمكن أشدّ من الركن الذي كان يأوي إليه، وجواب لو محذوف تقديره: لبطشت بكم أو لدفعتكم، روي أنه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوّروا الجدار فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب. {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} بسوء فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه، وله جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم وهو براق الثنايا، فضرب بجناحه وجوههم، فطمس أعينهم كما قال تعالى: {فطمسنا أعينهم} (القمر، 37) فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإنّ في بيت لوط قوماً سحرة. تنبيه: لن يصلوا إليك جملة موضحة للتي قبلها؛ لأنهم إذا كانوا رسل الله لن يصلوا إليه، ولن يقدروا على ضرره، ثم قالوا له: {فأسر بأهلك بقطع} ، أي: طائفة {من الليل} وقرأ نافع وابن كثير بعد الفاء بهمزة وصل من السرى والباقون بهمزة قطع من الإسراء. {ولا يلتفت منكم أحد} ، أي: لا ينظر إلى ورائه لئلا يرى عظيم ما نزل بهم. وقوله: {إلا امرأتك} قرأه ابن كثير وأبو عمرو برفع التاء على أنه بدل من أحد، والباقون بالنصب على أنه استثناء من الأهل، أي: فلا تسر بها {إنه مصيبها ما أصابهم} فلم يخرج بها، وقيل: خرجت والتفتت فقالت: واقوماه فجاءها حجر فقتلها. روي أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم فقالوا له: {إنّ موعدهم الصبح} قال: أريد أسرع من ذلك فقالوا: {أليس الصبح بقريب} ، أي: فأسرع الخروج بمن أمرت بهم. {فلما جاء أمرنا} ، أي: عذابنا بهلاكهم {جعلنا عاليها} ، أي: قراهم {سافلها} روي أنّ جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات المذكورة في سورة براءة، وكانت خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف، وقيل: أربعة آلاف، ألف فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونهيق الحمير ونباح الكلاب، لم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه نائم، ثم أسقطها مقلوبة إلى الأرض. {وأمطرنا عليها} ، أي: المدن بعد قلبها، وقيل: على شُذّاذها وهو بضمّ الشين المعجمة وبذالين معجمتين أولاهما مشدّدة وهم الذين ليسوا من أهلها يكونون في القوم وليسوا منهم {حجارة من سجيل} ، أي: من طين طبخ بالنار كما قال تعالى في موضع آخر {من طين} وقيل مثل السجل وهو الدلو العظيمة. {منضود} ، أي: متتابع يتبع بعضها بعضاً. {مسوّمة} ، أي: معلمة عليها اسم من يرمى بها. وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانئ، وهي حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. وقال الحسن: عليها أمثال الخواتيم. وقال ابن جريج: كان عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض، وقوله تعالى: {عند ربك} ظرف لها {وما هي} ، أي: تلك الحجارة {من الظالمين} ، أي: مشركي مكة {ببعيد} ، أي: بشيء بعيداً وبمكان بعيد؛ لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد إلا أنها إذا وقعت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمي، فكأنها بمكان قريب منه، وفيه وعيد لهم،
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سأل جبريل؟ فقال: يعني ظالمي مكة ما من ظالم منهم إلا وهو يعرض عليه حجر فيسقط عليه من ساعة إلى ساعة» وقيل الضمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكة يمرّون عليها في مسيرهم. القصة السادسة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة قصة شعيب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى: {وإلى مدين} ، أي: وأرسلنا إلى مدين وهم قبيلة؛ أبوهم مدين بن إبراهيم عليه السلام. وقيل: هو اسم مدينة بناها مدين المذكور، وعلى هذا فالتقدير: وأرسلنا إلى أهل مدين، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه، {أخاهم} ، أي: في النسب لا في الدين و {شعيباً} عطف بيان وكأنّ قائلاً قال: فما قال لهم؟ فقيل: {قال} ما قال إخوته من الأنبياء في البداءة بأصل الدين. {يا قوم} مستعطفاً لهم مظهراً غاية الشفقة {اعبدوا الله} ، أي: وحدوه ولا تشركوا به شيئاً {ما لكم من إله غيره} فلقد اتفقت كما ترى كلمتهم، واتحدت إلى الله تعالى دعوتهم، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم لما علم قطعاً من تباعد أعصارهم، وتنائي ديارهم، وإن بعضهم لم يلمّ بالعلوم، ولا عرف أخبار الناس إلا من الحيّ القيوم، ولما دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين الله تعالى دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين عبيده في أقبح ما كانوا اتخذوه بعد الشرك تديناً فقال: {ولا تنقصوا} بوجه من الوجوه {المكيال والميزان} ، أي: لا الكيل ولا آلته ولا الوزن ولا آلته، والكيل تعديل الشيء بالآلة في القلة والكثرة، والوزن تعديله في الخفة والثقل، فالكيل العدل في الكمية والوزن العدل في الكيفية، ثم علل ذلك بقوله: {إني أراكم بخير} ، أي: بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف. قال ابن عباس: كانوا موسرين في نعمة. وقال مجاهد: كانوا في خصب وسعة فحذرهم زوال تلك النعمة وغلاء السعر وحلول النقمة إن لم يؤمنوا ويتوبوا وهو قوله: {وإني أخاف عليكم} إن لم تؤمنوا {عذاب يوم محيط} ، أي: يحيط بكم فيهلككم جميعاً وهو عذاب الاستئصال في الدنيا وعذاب النار في الآخرة، ومنه قوله تعالى: {وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين} () والمحيط من صفة اليوم في الظاهر، وفي المعنى من صفة العذاب وذلك مجاز مشهور، كقوله: {هذا يوم عصيب} (هود، 77) . { ويا قوم أوفوا} ، أي: أتموا اتماماً حسناً {المكيال والميزان} ، أي: الكيل والوزن وآلتهما. فإن قيل: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله تعالى {أوفوا} ؟ أجيب: بأنهم نهوا أوّلاً عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان؛ لأنّ في التصريح بالقبيح نفياً عن المنهي وتغييراً له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحاً بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه وجيء به مقيداً. {بالقسط} ، أي: ليكون الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان أمراً بما هو الواجب؛ لأنّ ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه غير المأمور به، وقد يكون محظوراً كما في الربا وقوله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في المقدار أو في غيره، فإنهم كانوا يأخذون من كل شيء يباع كما تفعل السماسرة وكانوا، يمسكون الناس، وكانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك، فظهر بهذا البيان أنّ هذه الأشياء غير مكررة بل في كل واحد منها فائدة زائدة. والحاصل: أنه تعالى نهى في الآية الأولى عن النقصان في المكيال والميزان، وفي الثانية: أمر
بإعطاء قدر الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة، ولهذا قال الفقهاء: إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من الرأس، فكأنه تعالى نهى أوّلاً عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصاً لتحصل له تلك الزيادة. وفي الثاني: أمر بأن يسعى في تنقيص مال نفسه ليخرج بالتعيين عن العهدة كما قيده بقوله تعالى {بالقسط} ، وفي الآية الثالثة نهى عن النقص في كل الأشياء وكذا قوله تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} فإنّ العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد، ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها. وفائدتها: إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه السلام. {بقيت الله} قال ابن عباس: يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن {خير لكم} مما تأخذونه بالتطفيف. وقال مجاهد: مما يحصل لكم في الدنيا من المال الحرام {إن كنتم مؤمنين} ، أي: مصدّقين بما قلت لكم وأمرتكم به. فائدة: {بقيت} رسمت هنا بالتاء المجرورة وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والباقون وقفوا عليها بالهاء. {وما أنا عليكم بحفيظ} أعلم جميع أعمالكم وأقدر على كفكم عما يكون منها فساداً. ولما أمرهم شعيب عليه السلام بشيئين بالتوحيد وبترك البخس. {قالوا} له {يا شعيب} سموه باسمه استخفافاً وغلظة وأنكروا عليه متهزئين به {أصلواتك تأمرك} ، أي: تفعل معك فعل من يأمر دائماً بتكليفنا {أن نترك ما يعبد} ، أي: على سبيل المواظبة {آباؤنا} من الأصنام، فحذف الذي هو التكليف؛ لأنّ الإنسان لا يؤمر بفعل غيره، قالوا له ذلك في جواب أمره لهم بالتوحيد {أو} نترك {أن نفعل} ، أي: دائماً {في أموالنا ما نشاء} من قطع الدراهم والدنانير وإفساد المعاملة والمقامرة ونحوها مما يكون إفساداً للمال، قالوا ذلك في جواب النهي عن التطفيف والأمر بالإيفاء، وإنما أضافوا ذلك إلى صلاته تهكماً واستهزاء بها وإشعاراً بأن مثل هذا لا يدعو إليه داع عقلي، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه، وكان شعيب عليه الصلاة والسلام كثير الصلاة في الليل والنهار، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا. وقصدوا بقولهم أصلواتك تأمرك السخرية والهزء، كما أنك إذا رأيت معتوهاً يطالع كتباً ثم يذكر كلاماً فاسداً فيقال له: هذا فائدة مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزء فكذا هنا. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: أصلاتك بالإفراد، والباقون بالجمع والتاء بالرفع في القراءتين، وغلظ ورش اللام في أصلواتك، وقولهم له: {إنك لأنت الحليم الرشيد} تهكم به، وقصدوا وصفه بضدّ ذلك كما يقال للبخيل الخسيس: لو رآك حاتم لسجد لك، وعللوا إنكار ما سمعوه منه واستبعدوه بأنه موسوم بالحلم والرشد المانعين من المبادرة إلى مثل ذلك، ثم أخرج قوله عليه الصلاة والسلام على تقدير سؤال بقوله: {قال يا قوم} مستعطفاً لهم لما بينهم من عواطف القرابة منبهاً لهم على أحسن النظر فيما ساقه على سبيل الفرض؛ والتقدير: ليكون أدعى إلى سبيل الوفاق والإنصاف {أرأيتم} ، أي: أخبروني {إن كنت على بينة} ، أي: برهان {من ربي} وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله: {ورزقني} والضمير في {منه} لله تعالى، أي: من عنده بإعانته بلا كدّ مني في تحصيله. وعظم الرزق
بقوله: {رزقاً حسناً} جليلاً ومالاً حلالاً لم أظلم فيه أحداً، وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يسوغ مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه فأخالفه في أمره ونهيه، وهذا اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء {وما أريد أن أخالفكم} ، أي: وأذهب {إلى ما أنهاكم عنه} فأرتكبه {إن} ، أي: ما {أريد} ، أي: فيما آمركم به وأنهاكم عنه {إلا الإصلاح} ، أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر {ما استطعت} ، أي: وهو الإبلاغ والإنذار فقط، ولا استطيع إجباركم على الطاعة؛ لأنّ ذلك إلى الله تعالى فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء {وما توفيقي} ، أي: لإصابة الحق والصواب {إلا بالله} ، أي: إلا بمعونته وتأييده {عليه} لا على غيره {توكلت} ، أي: اعتمدت في جميع أموري، فإنه القادر على كل شيء، وما عداه عاجز، وهذه الصيغة تفيد الحصر فلا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب المبدأ وأمّا قوله: {وإليه أنيب} ففيه إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضاً يفيد الحصر؛ لأنّ قوله وإليه أنيب يدل على أنه لا مآب للخلق إلا إلى الله تعالى، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيباً قال: «خطيب الأنبياء» لحسن مراجعته قومه. {ويا قوم لا يجرمنكم} ، أي: لا يكسبنكم {شقاقي} ، أي: خلافي وهو فاعل بيجرم، والضمير مفعول أوّل، والمفعول الثاني {أن يصيبكم} عذاب العاجلة على كفركم وأفعالكم الخبيثة. قال في «الكشاف» : جرم مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد وإلى مفعولين، تقول: جرم ذنباً وكسبه وجرمته ذنباً وكسبته إياه. ومنه قوله تعالى {لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم} . {مثل ما أصاب قوم نوح} من الغرق {أو قوم هود} من الريح العقيم {أو قوم صالح} من الرجفة {وما قوم لوط منكم ببعيد} لا في الزمان ولا في المكان؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بهلاكهم، وكانوا جيران قوم لوط وبلادهم قريبة من بلادهم، فإن القرب في الزمان والمكان يفيد زيادة المعرفة وكمال الوقوف على الأحوال، فكأنه يقول: اعتبروا بأحوالهم واحذروا من مخالفة الله ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب. فإن قيل: لِمَ قال ببعيد ولم يقل ببعيدين؟ أجيب: بأنّ التقدير: وما إهلاكهم بشيء بعيد، وأيضاً يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودهما على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما انتهى. {واستغفروا ربكم} ، أي: آمنوا به {ثم توبوا إليه} عن عبادة غيره؛ لأنّ التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان وقد مرّ مثل ذلك. {إن ربي رحيم} ، أي: عظيم الرحمة للتائبين {ودود} ، أي: محب لهم. ولما بلغ عليه السلام في التقرير والبيان أجابوه بأنواع فاسدة. الأوّل: {قالوا} له {يا شعيب ما نفقه} ، أي: ما نفهم {كثيراً مما تقول} . فإن قيل: إنه كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا {ما نفقه} ؟ أجيب: بأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم لشدّة نفرتهم عن كلامه وهو قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} أو أنهم فهموه ولكنهم ما أقاموا له وزناً، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول. النوع الثاني: قولهم له: {وإنا لنراك فينا ضعيفاً} ، أي: لا قوّة لك فتمتنع منا إن أردناك بسوء أو ذليلاً
لا عز لك، وقيل: أعمى بلغة حمير، قاله قتادة، وفي هذا تجويز العمي على الأنبياء إلا أنّ هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى؛ لأنه ترك الظاهر من غير دليل، وقيل: ضعيف البصر، قاله الحسن. النوع الثالث: قولهم له: {ولولا رهطك} ، أي: عشيرتك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم {لرجمناك} بالحجارة حتى تموت، والرهط من الثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى السبعة، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا له أنه لا حرمة له عندهم ولا وقع له في صدورهم وأنهم إنما لم يقتلوه لأجل احترام رهطه. النوع الرابع: قولهم له: {وما أنت علينا بعزيز} ، أي: لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك؛ لأنهم من أهل ديننا ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا، ولما خوّف الكفار شعيباً عليه السلام بالقتل والإيذاء حكى الله تعالى عنهم ما ذكروه في هذا المقام وهو نوعان: الأوّل: {قال} لهم {يا قوم} مستعطفاً لهم مع غلظتهم عليه {أرهطي أعز عليكم من الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً حتى نظرتم إليهم فيّ لقرابتي منهم، ولم تنظروا إلى الله تعالى في قربي منه لما ظهر عليّ من كرامته تعالى {واتخذتموه وراءكم ظهرياً} ، أي: جعلتموه كالمنسيّ المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به، والإهانة لرسوله. قال في «الكشاف» : والظهريّ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب، ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس أمسيّ بكسر الهمزة، وقوله: {إنّ ربي بما تعملون محيط} ، أي: إنه عليم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. النوع الثاني: قوله: {ويا قوم اعملوا على مكانتكم} والمكانة الحالة التي يمكن صاحبها من عمله، والمعنى: اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إليّ، {إني} أيضاً {عامل} بما آتاني الله من القدرة والطاعة {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب} فمن موصولة مفعول العلم. فإن قيل: لم لم يقل فسوف تعلمون؟ أجيب: بأنّ إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وأمّا حذف الفاء فيجعله جواباً عن سؤال مقدّر وهو المسمى في علم البيان بالاستئناف البياني، تقديره أنه لما قال: {ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل} فكأنهم قالوا: فماذا يكون بعد ذلك فقال: سوف تعلمون، فظهر أن حذف حرف الفاء ههنا أكمل في بيان الفصاحة والتهويل؛ لأنه استئناف. {وارتقبوا} ، أي: انتظروا عاقبة أمركم {إني معكم رقيب} ، أي: منتظر، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم، بمعنى الضارب والصارم أو بمعنى المراقب كالعشير والنديم، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع. {ولما جاء أمرنا} بعذابهم وإهلاكهم {نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة} ، أي: بفضل {منا} بأن هديناهم للإيمان ووفقناهم للطاعة. فإن قيل: لم جاءت قصة عاد وقصة مدين بالواو وقصة صالح ولوط بالفاء؟ أجيب: بأنّ قصة عاد ومدين لم يسبقهما ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط فإنهما ذكرا بعد الوعد وذلك قوله تعالى: {وعد غير مكذوب} وقوله: {إنّ موعدهم الصبح} فلذلك جاءا بفاء السببية. {أخذت الذين ظلموا} ، أي: ظلموا أنفسهم بالشرك والبخس. {الصيحة} ، أي: صيحة جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة خرجت أرواحهم وماتوا جميعاً، وقيل: أتتهم صيحة من السماء {فأصبحوا
في ديارهم جاثمين} ، أي: باركين على الركب ميتين. {كأن لم يغنوا} ، أي: كأنهم لم يقيموا {فيها} ، أي: ديارهم مدّة من الدهر، مأخوذ من قولهم: غني بالمكان إذا أقام فيه مستغنياً به عن غيره {ألا بعداً} ، أي: هلاكاً {لمدين كما بعدت ثمود} إنما شبههم بهم؛ لأنّ عذابهم كان أيضاً بالصيحة لكن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم، قال ابن عباس: لم يعذب الله تعالى أمّتين بعذاب إلا قوم شعيب وقوم صالح؛ فأمّا قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأمّا قوم شعيب فأخذتهم الصيحة من فوقهم. القصة السابعة: التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي آخر قصصها قصة موسى عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} أي: التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام {وسلطان مبين} أي: برهان بيّن ظاهر على صدق نبوّته ورسالته وقيل: المراد بالآيات المعجزات وبالسلطان المبين العصا؛ لأنها أظهر الآيات، وذلك لأنّ الله تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات وهي العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والسنين، ومنهم من أبدل نقص الثمرات والسنين بإظلال الجبل وفلق البحر. قال بعض المحققين: سميت الحجة سلطاناً لأنّ صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوّة العلمية، والملوك سلاطين بحسب ما معهم من القدرة والمكنة إلا ان سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك؛ لأنّ سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأنّ سلطنة الملوك تابعة لسلطنة؛ العلماء لأنّ سلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة. {إلى فرعون} طاغية القبط {وملئه} ، أي: أشراف قومه الذين تتبعهم الأذناب؛ لأنّ القصد الأكبر رفع أيديهم عن بني إسرائيل {فاتبعوا أمر فرعون} ، أي: اتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل ولم يتبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات الظاهرة الباهرة لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم {وما أمر فرعون برشيد} ، أي: بسديد ولا حميد العاقبة ولا يدعو إلى خير وقيل: رشيد ذو رشد، وانسلاخ فرعون من الرشد كان ظاهراً؛ لأنه كان دهرياً نافياً للصانع والمعاد وكان يقول: لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية لمصلحة العالم، وكل الرشد في عبادة الله تعالى ومعرفته، فلما كان هو نافياً لهذين الأمرين كان خالياً من الرشد بالكلية. {يقدم قومه يوم القيامة} إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال أو كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم البحر وأغرقهم فكذا يتقدمهم في القيامة فيدخلهم النار كما قال تعالى: {فأوردهم النار} . فإن قيل: لم لم يقل يقدم قومه فيوردهم النار بل أتى بلفظ الماضي؟ أجيب: بأنه إنما أتى بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ونزل النار له منزلة الماء فسمّى إتيانها مورداً، ولهذا قال تعالى: {وبئس الورد المورود} وردهم لأنّ الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضدّه. فإن قيل: لفظ النار مؤنث فكان مقتضى ذلك أن يقال: وبئست الورد المورود؟ أجيب: بأن لفظ الورد مذكر فكان التذكير
والتأنيث جائزين كما تقول: نعم المنزل دارك ونعمت المنزل دارك، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار. {وأتبعوا في هذه} ، أي: الدنيا {لعنة} ، أي: طرداً وبعداً عن الرحمة {ويوم القيامة} ، أي: وأتبعوا يوم القيامة لعنة أخرى فهم ملعونون في الدنيا والآخرة، ونظيره قوله تعالى في سورة القصص: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} (القصص، 42) . {بئس الرفد} ، أي: العون {المرفود} رفدهم، سأل رافع بن الأزرق ابن عباس عن ذلك فقال: هو اللعنة بعد اللعنة. وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة، وكل شيء جعلته عوناً لشيء فقد رفدته به، وسميت اللعنة عوناً؛ لأنها إذا أتبعتهم في الدنيا أبعدتهم عن الرحمة وأعانتهم على ما هم فيه من الضلال. وسميت رفداً أي عوناً لهذا المعنى على التهكم كقول القائل: تحية بينهم ضرب وجيع. وسميت معاناً لأنها أردفت في الآخرة بلغة أخرى ليكونا هاديتين إلى طريق الجحيم. ولما ذكر تعالى قصص الأوّلين قال تعالى: {ذلك} ، أي: المذكور وهو مبتدأ خبره {من أنباء القرى} ، أي: أخبار أهل القرى وهم الأمم السالفة في القرون الماضية، وقوله تعالى: {نقصه عليك} ، أي: نخبرك به يا محمد خبراً بعد خبر، وفائدة ذكر هذه القصص على النبيّ صلى الله عليه وسلم ليعلم السامع أنّ المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، وأنّ الكافر يخرج مع اللعنة في الدنيا والعقاب في الآخرة، وإذا تكرّرت هذه الأقاصيص على السمع فلا بدّ وأن يلين القلب وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال. وفي أخباره صلى الله عليه وسلم بهذه القصص من غير مطالعة كتب ولا تتملذ دلالة على نبوّته فإنّ ذلك لا يكون إلا بوحي من الله تعالى {منها} ، أي: القرى {قائم} ، أي: باقٍ كالزرع القائم هلك أهله دونه {و} منها {حصيد} ، أي: عافى الأثر كالزرع المحصود هلك مع أهله. {وما ظلمناهم} ، أي: بإهلاكهم بغير ذنب {ولكن ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعاصي. وقال ابن عباس: يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفّوا بحقوق الله تعالى {فما أغنت} ، أي: دفعت {عنهم آلهتهم} ، أي: أصنامهم {التي يدعون} ، أي: يعبدون {من دون الله} ، أي: غيره {من شيء} أي شيئاً فمن مزيدة {لما جاء أمر ربك} ، أي: عقابه {وما زادوهم} بعبادتهم {غير تتبيب} ، أي: غير تخسير، وقيل: تدمير، ولما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه بما فعله بأمم من تقدّم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما خالفوا الرسل وما ورد عليهم من عذاب الاستئصال وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا. قال تعالى بعده: {وكذلك} ، أي: ومثل ذلك الأخذ العظيم {أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي} ، أي: القرى {ظالمة} والمراد أهلها ونظيره قوله تعالى: {وكما أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} (القصص، 58) وقوله تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} (الأنبياء، 12) فبين تعالى أنّ عذابه ليس مقصوراً على من تقدّم، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك. ولما بيّن تعالى كيفية أخذ الأمم المتقدّمة، ثم بين تعالى أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيداً وتقوية بقوله تعالى: {إنّ أخذه أليم} ، أي: مؤلم {شديد} ، أي: صعب مفتت القوى. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» . ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد} » وفي هذه الآية الكريمة والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم على ظلم فإنه يتداركه بالتوبة والإنابة وردّ الحقوق إلى أهلها، إن كان الظلم للغير لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد، ولا يظنّ أنّ هذه الآية مختصة بظالمي الأمم الماضية بل هي عامّة في كل ظالم ويعضده الحديث. {إنّ في ذلك} ، أي: ما ذكر من عذاب الأمم الماضية وإهلاكهم {لآية} ، أي: لعبرة وموعظة {لمن خاف عذاب} يوم الحياة {الآخرة} لأنه ينظر ما أحلّ الله تعالى بالمجرمين في الدنيا وما هو إلا أنموذج لما أعد لهم في الآخرة، فإذا رأى عظمه وشدّته اعتبر به عظم العذاب الموعود فيكون له عبرة وعظة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية من الله تعالى، وقوله: {ذلك} إشارة إلى يوم القيامة؛ لأنّ عذاب الآخرة دل عليه {يوم مجموع له} ، أي: فيه {الناس} ، أي: إنّ خلق الأوّلين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون، ثم وصفه تعالى بوصف آخر بقوله تعالى: {وذلك يوم مشهود} ، أي: يشهده أهل السموات وأهل الأرض. {وما نؤخره} ، أي: ذلك اليوم وهو يوم القيامة {إلا لأجل} ، أي: وقت {معدود} ، أي: معلوم محدود وذلك الوقت لا يعلمه إلا الله تعالى. {يوم يأت} ذلك اليوم {لا تكلم} فيه حذف إحدى التاءين، أي: لا تتكلم {نفس إلا بإذنه} تعالى. وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء بعد التاء من يأتي وصلاً ووقفاً وحذفها الباقون، وأمّا التاء من تكلم فشدّدها البزي في الوصل وخففها الباقون. فإن قيل: كيف يوفق بين قوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (النحل، 111) وقوله تعالى: {هذا يوم ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} ؟ أجيب: بأنّ ذلك اليوم يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام ولا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم {فمنهم} ، أي: الناس {شقيّ و} منهم {سعيد} ، أي: فمنهم من سبقت له الشقاوة فوجبت له النار بمقتضى الوعيد، ومنهم من سبقت له السعادة فوجبت له الجنة بموجب الوعد، وعن عليَ رضي الله تعالى عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله وبيده مخصرة ثم نكت بها الأرض ساعة، ثم قال: «ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أمّا من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ {فأمّا من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى} (الليل، 5، 6، 7) الآية» . وبقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة الشريفة ومدفنهم فيه، والمخصرة كالسوط والعصا مما يمسكه الإنسان بيده، والنكت بالنون والتاء المثناة من فوق ضرب الشيء بتلك المخصرة أو باليد أو نحو ذلك حتى يؤثر فيه. {فأمّا الذين شقوا} في علمه تعالى {ففي النار لهم فيها زفير} وهو صوت شديد {وشهيق} وهو صوت ضعيف. وقيل: الزفير إخراج النفس والشهيق ردّه. وقيل: الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار إذا ردّده في صدره. وقيل: الزفير
في الحلق والشهيق في الصدر، وعلى كل المراد منهما الدلالة على شدّة كربهم وغمهم {خالدين فيها} وقوله تعالى: {ما دامت السموات والأرض} فيه وجهان: أحدهما: سموات الآخرة وأرضها وهي مخلوقة دائمة للأبد والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله تعالى: {يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات} (إبراهيم، 48) . وقوله تعالى: {وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء} (الزمر، 74) ، ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إمّا سماء يخلقها الله تعالى، أو يظلهم العرش وكل ما أظلك فهو سماء، وكل ما استقرّ قدمك عليه فهو أرض. والوجه الثاني: أنّ المراد مدّة دوامهما في الدنيا {إلاّ} ، أي: غير {ما شاء ربك} من الزيادة على مدّتهما مما لا منتهى له وذلك هو الخلود فيها أبداً {إن ربك فعال لما يريد} من غير اعتراض. {وأمّا الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} كما تقدّم، ودل عليه قوله تعالى: {عطاء غير مجذوذ} ، أي: مقطوع، وقيل الاستثناء في أهل الشقاوة يرجع إلى قوم من الموحدين يدخلهم الله تعالى إلى النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء، وذلك كافٍ في صحة الاستثناء؛ لأنّ زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض من غير الجنس لأنّ الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم الله تعالى من الأشقياء،. لما روي عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار بالشفاعة» ، وفي رواية: «أن الله تعالى يخرج ما شاء من النار فيدخلهم الجنة» . وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليصيبن قوماً سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم الله بفضله ورحمته الجنة» وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد» ، أي: من أهل الكبائر من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم بأن تخلى طبقتهم التي كانوا فيها وإن نازع في ذلك الزمخشري على مذهبه الفاسد من أنّ أهل الكبائر يخلدون في النار، وأمّا الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدّة لبثهم في النار قبل دخولهم الجنة أو أنّ الاستثناء راجع إلى الفريقين فإنهم مفارقوا الجنة أيام عذابهم، وأنّ التأبيد من مبدأ معين ينقص باعتبار الابتداء كما ينقص باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله تعالى: {فمنهم شقيّ وسعيد} تقسيماً صحيحاً؛ لأنّ شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه؛ لأنّ ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي، أو مانع من الجميع من الجنة والنار، مدّة تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ وهو ما بين الموت إلى البعث ومدّة وقوفهم للحساب، ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيكون المعنى خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار. وقيل: معناه لو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء؛ لأنه تعالى حكم بالخلود. وقال الفراء: هذا الاستثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه. وقال أهل المعاني: هذه عبارة عن التأبيد على عادة العرب يقولون: لا آتيك ما دامت السموات والأرض ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار يعنون أبداً. وقيل: إنّ أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً،
وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة وهو الفوز برضوان الله تعالى ولقائه كما قال تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} (التوبة، 72) . وقرأ حفص وحمزة والكسائي سعدوا بضم السين على البناء للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده والباقون بفتحها، وعطاء نصب على المصدر المؤكد، أي: أعطوا عطاء، أو الحال من الجنة، ولما شرح الله تعالى أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلى الله عليه وسلم أحوال الكفار من قومه فقال: {فلا تك} يا محمد {في مرية} ، أي: شك {مما يعبد هؤلاء} المشركون من الأصنام أننا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم، وهذه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم} ، أي: كعبادتهم {من قبل} وقد عذبناهم {وإنا لموفوهم} مثلهم {نصيبهم} ، أي: حظهم من العذاب {غير منقوص} ، أي: كاملاً غير ناقص. ولما ذكر تعالى في هذه الآية إعراضهم عن الاتباع مع ما أتى به من المعجزات وأنزل عليه من الكتاب سلاه بأخيه موسى عليه السلام بقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} ، أي: التوراة الجامعة للخير {فاختلف فيه} ، أي: الكتاب، فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن {ولولا كلمة سبقت من ربك} بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة {لقضي} ، أي: لوقع القضاء {بينهم} ، أي: بين من اختلف في كتاب موسى في الدنيا فيما اختلفوا فيه بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به المحق، ولكن سبقت الكلمة أنّ القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة كما قال تعالى في سورة يونس عليه السلام: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} (يونس، 93) الآية ولما كان الاختلاف قد يكون بغير الكفر بين تعالى أنه به؛ لأنّ كل طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك فقال تعالى مؤكداً: {وإنهم لفي شك} ، أي: عظيم محيط بهم {منه} ، أي: من الكتاب والقضاء {مريب} ، أي: موقع في الريب والتهمة والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام الله تعالى ورؤية ما كان يتجلى في جبل الطور من خوارق الأحوال. وقيل: الضمير في وإنهم راجع لكفار مكة وفي منه للقرآن {وإن كلا} ، أي: كل الخلائق، وقوله تعالى {لما} ما زائدة واللام موطئة لقسم مقدّر تقديره والله {ليوفينهم ربك أعمالهم} فيجازي المصدّق على تصديقه الجنة، ويجازى المكذب على تكذيبه النار. وقرأ نافع وابن كثير وشعبة بتخفيف وإن والباقون بالتشديد، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد ميم لما والباقون بالتخفيف. فائدة: قال بعض الفضلاء أنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات: أوّلها: كلمة إن وهي للتأكيد، وثانيها: لفظة كل وهي أم الباب في التأكيد. وثالثها: اللام الداخلة على خبر إن تفيد التأكيد أيضاً. ورابعها: حرف ما إذا جعلناه على قول الفراء موصولاً. وخامسها: المضمر. وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب القسم. وسابعها: النون المذكورة في قوله تعالى {ليوّفينّهم} فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدلّ على أنّ أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر، ثم أردفه بقوله
تعالى: {إنه بما يعملون خبير} وهو من أعظم المؤكدات فإنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ففيه وعد للمحسنين ووعيد للمكذبين الكافرين. ولما بين تعالى أمر الوعد والوعيد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {فاستقم} ، أي: على دين ربك والعمل والدعاء إليه {كما أمرت} والأمر في ذلك للتأكيد فإنّه صلى الله عليه وسلم كان على الاستقامة لم يزل عليها، فهو كقولك للقائم: قم حتى آتيك، أي: دم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك، وتوطيئة لقوله تعالى: {ومن تاب معك} ، أي: وليستقم أيضاً على دين الله والعمل بطاعته من آمن معك. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ عنه روغان الثعلب، وأشار صلى الله عليه وسلم إلى شدّة الاستقامة بقوله: «شيبتني هود وأخواتها» ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم آية أشدّ ولا أشق من هذه الآية، وعن بعضهم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له: يروى عنك أنك قلت: «شيبتني هود» فقال: نعم. فقلت: بأيّ آية قال: «قوله تعالى {فاستقم كما أمرت} . وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحد غيرك؟ قال: «قل آمنت بالله ورسوله ثم استقم» . قال الإمام الرازي: إن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة، وذلك لأنّ القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به انتهى. ولما كانت الاستقامة هي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط نهى عن الإفراط بقوله تعالى: {ولا تطغوا} ، أي: لا تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطاً، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب أنفسكم لا لحاجته إلى ذلك، ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره والدين متين لم يشادّه أحد إلا غلبه، كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ويسروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» ، فقوله صلى الله عليه وسلم: إنّ الدين يسر ضدّ العسر أراد به التسهيل في الدين وترك التشديد فإنّ هذا الدين مع يسره وسهولته قوي فلن يغالب ولن يقاوى. وقوله وسدّدوا، أي: اقصدوا السداد في الأمور وهو الصواب وقاربوا، أي: اطلبوا المقاربة وهي القصد الذي لا غلوّ فيه ولا تقصير، والغدوة الرواح بكرة، والرواح الرجوع عشاء. والمراد منه: اعملوا بالنهار واعملوا بالليل أيضاً. وقوله: واستعينوا بشيء من الدلجة إشارة إلى تقليله، ولما نهى تعالى عن الإفراط وهو الزيادة تصريحاً أفهم النهي عن التفريط وهو النقص عن المأمور تلويحاً من باب أولى، ثم علل ذلك مؤكداً تنزيلاً لمن يفرط أو يفرّط منزلة المنكر فقال: {إنه بما تعملون بصير} ، أي: عالم بأعمالكم كلها لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم عليها. {ولا تركنوا} ، أي: تميلوا {إلى الذين ظلموا} أدنى ميل {فتمسكم النار} ، أي: تصيبكم بحرها والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومراقبتهم والرضا بأعمالهم والتشبيه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله تعالى: {ولا تركنوا} فإنّ الركون هو الميل
اليسير. وحكي أنّ الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو الله لك ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله تعالى بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله سبحانه وتعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} (آل عمران، 187) واعلم أنّ أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغيّ بدونك ممن لم يؤد حقاً ولم يترك باطلاً، حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم وجسراً يعبرون عليك إلى ملاذهم وسلّماً يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما أعمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً} (مريم، 59) فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فداوِ دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء والسلام. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القرّاء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملاً، أي: من الظلمة. وعن محمد بن سلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء. قال صلى الله عليه وسلم: «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه» . ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال: لا فقيل له: يموت، فقال: دعه يموت. وقوله تعالى: {وما لكم من دون الله من أولياء} ، أي: أعواناً وأنصاراً يمنعوكم من عذابه حال من قوله: {فتمسكم النار} ، أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة {ثم لا تنصرون} ، أي: لا تجدون من ينصركم ويخلصكم من عذاب الله في القيامة. ففي هذه الآية وعيد لمن ركن إلى الظلمة بأن تمسه النار فكيف يكون حال الظالم في نفسه. ولما أمر تعالى بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة بقوله تعالى: {وأقم الصلاة} وذلك يدلّ على أنّ أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى هو الصلاة وقوله تعالى: {طرفي النهار} الغداة والعشي، أي: الصبح والظهر والعصر. وقوله تعالى: {وزلفاً} جمع زلفةً، أي: طائفة {من الليل} ، أي: المغرب والعشاء {إنّ الحسنات} كالصلوات الخمس {يذهبن} ، أي: يكفرن {السيئات} ، أي: الذنوب الصغائر، لما رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر» ، وزاد في رواية أخرى: «ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر» ، وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرأيتم لو أنّ نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات ما تقولون هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يارسول الله، لا يبقى من درنه شيء.u فقال: ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا» . وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات» . وعن الحسن أنّ الحسنات قول العبد: سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وسبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي عن أبي اليسر بن عمر وقال: أتتني امرأة وزوجها بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعث فقالت: بعني بدرهم تمراً. قال: فأعجبتني فقلت: إنّ في البيت تمراً هو أطيب من هذا فالحقيني، فَدَخَلَتْ معي البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً، فأتيت عمراً فذكرت له ذلك فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «أخنت رجلاً غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا» حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً حتى أوحي إليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل} إلى قوله تعالى: {ذلك ذكرى للذاكرين} ، أي: عظة للمتقين. قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهذا خاصة أم للناس عامّة؟ قال: «بل للناس عامّة» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وعن عبد الله بن مسعود أنّ رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فنزلت فقال رجل: يا رسول الله، ألهذا خاصة؟ فقال: «بل للناس كافة» . وعن معاذ بن جبل قال: أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً لقي امرأة ليس بينهما معرفة وليس يأتي الرجل إلى امرأة شيئاً إلا قد أتى هو إليها إلا أنه لم يجامعها؟ قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي، فقال معاذ بن جبل فقلت: يا رسول الله، أهي له خاصة أم للمؤمنين عامّة؟ قال: «بل للمؤمنين عامّة» . قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحة مثل الصلاة والصدقة والذكر والاستغفار ونحو ذلك من أعمال البر، وأمّا الكبائر من الذنوب فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ثلاث شرائط: الأوّل: الإقلاع عن الذنب بالكلية، الثاني: الندم على فعله، الثالث: العزم التام على أن لا يعود إليه في المستقبل، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى والإشارة في قوله تعالى {ذلك ذكرى} إلى ما تقدّم ذكره من قوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} إلى ههنا. وقيل: هو إشارة إلى القرآن. وقوله تعالى: {واصبر} خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي: واصبر يا محمد على أذى قومك أو على الصلاة وهو قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليهافإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ، أي: أجر أعمالهم. وعدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلاً على أنّ الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص. ولما بيّن تعالى أنّ الأمم المتقدّمين حل بهم عذاب الاستئصال بين أنّ السبب فيه أمران، السبب الأوّل: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض فقال تعالى: {فلولا} ، أي: فهلا {كان من القرون} ، أي: من الأمم الماضية {من قبلكم أولو بقية} ، أي: أصحاب رأي وخير وفضل {ينهون عن الفساد في الأرض} وسمي الفضل والجود بقية؛ لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلاً في الجودة والفضل، ويقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم وبه فسر بيت الحماسة: *إن تذنبوا ثم يأتيني بقيتكم ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو بقاء على أنفسهم
وصيانة لها من سخط الله تعالى وعقابه. فائدة: حكي عن الخليل أنه قال: كل ما في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا إلا التي في الصافات. قال صاحب «الكشاف» : وما صحت هذه الحكاية ففي غير الصافات {لولا أن تداركه نعمة من ربه} (القلم، 49) ، {ولولا رجال مؤمنون} (الفتح، 25) ، {ولولا أن ثبتناك} (الإسراء، 74) انتهى. وقوله تعالى: {إلا قليلاً ممن أنجينا منهم} استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. السبب الثاني لنزول عذاب الاستئصال قوله تعالى: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} ، أي: ما نعموا فيه من الشهوات واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك {وكانوا مجرمين} ، أي: كافرين. تنبيه: قوله تعالى: (واتبع الذين ظلموا) إن كان معناه واتبعوا الشهوات كان معطوفاً على مضمر؛ لأنّ المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، وأتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على نهوا، وإن كان معناه واتبعوا جزاء الاتراف فالواو للحال فكأنه قيل: أنجينا القليل وقد أتبع الذين ظلموا جزاءهم. وقوله تعالى: {وكانوا مجرمين} عطف على أترفوا، أي: اتبعوا الاتراف، وكونهم مجرمين؛ لأنّ تابع الشهوات مغمور بالآثام أو على اتبعوا، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ثم بيّن تعالى أنه ما أهلك أهل القرى بظلم بقوله تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} ، أي: بشرك {وأهلها مصلحون} فيما بينهم، والمعنى: أنه لا يهلك أهل القرى بمجردّ كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، والحال أنّ عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين الشرك بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم، ولهذا قيل: إنّ حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة، وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح. ويقال في الأثر: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم، وإنما نزل على قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق {ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة} ، أي: أهل ملة واحدة وهي الإسلام كقوله تعالى {إنّ هذه أمتكم أمة واحدة} وفي هذه الآية دليل على أنّ الأمر غير الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه. والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار، ولهذا قال الزمخشري: يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة {ولا يزالون مختلفين} ، أي: على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم، فكل أهل دين من هذه الأديان اختلفوا في دينهم أيضاً اختلافاً كثيراً لا ينضبط. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة» وفي رواية «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة فثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» . والمراد بهذه الفرق: أهل البدع والأهواء كالقدرية والمعتزلة والرافضة. والمراد بالواحدة: هي ملة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله. فإن قيل: ما الدليل على أنّ الاختلاف في الأديان فلم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال؟ أجيب: بأنّ الدليل عليه ما قبل هذه
الآية وهو قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة} (هود، 118) فيجب حمل الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمّة واحدة وما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: {إلا من رحم ربك} ، أي: أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه، فيجب حمل الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه ذلك، وفي هذه الآية دلالة على أنّ الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى؛ لأنّ تلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة العذر، فإنّ كل ذلك حاصل في حق الكفار فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو أنه سبحانه وتعالى خلق فيهم تلك الهداية والمعرفة {ولذلك خلقهم} ، أي: خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وخلق أهل الرحمة للرحمة. روي عن ابن عباس أنه قال: خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وخلق أهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، والحاصل: أنّ الله تعالى خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين، فحكم على بعضهم بالاختلاف وهم أهل الباطل ومصيرهم إلى النار، وحكم على بعضهم بالاتفاق وهم أهل الحق ومصيرهم إلى الجنة، ويدل لذلك قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك} وهي {لأملأنّ جهنم من الجنة} ، أي: الجنّ {والناس أجمعين} وهذا صريح بأنّ الله تعالى خلق أقواماً للجنة والرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل الجنة، وخلق أقواماً للضلالة والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية، ولما ذكر تعالى القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر نوعين من الفائدة أوّلهما تثبيت الفؤاد بقوله تعالى: { وكلاً} ، أي: وكل نبأ {نقص عليك} وقوله تعالى: {من أنباء الرسل} ، أي: نخبرك به بيان لكل. وقوله تعالى: {ما نثبت به فؤادك} بدل من كلاً، ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى، وذلك لأنّ الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، وإذا سمع الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القصص وعلم أنّ حال جميع الأنبياء مع أتباعهم هكذا سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه. الفائدة الثانية: قوله تعالى: {وجاءك في هذه الحق} ، أي: في السورة وعليه الأكثر، أو في هذه الأنباء المقتصة فيها. وقال الحسن: في هذه الدنيا. قال الرازي: وهذا بعيد غير لائق بهذا الموضع؛ لأنه لم يجر للدنيا ذكر حتى يعود الضمير لها. فإن قيل: قد جاءه الحق في غير هذه السورة بل القرآن كله حق وصدق؟ أجيب: بأنه إنما خصها بالذكر تشريفاً لها {وموعظة وذكرى للمؤمنين} وخصهم بالذكر لانتفاعهم بذلك بخلاف الكفار، فذكر تعالى أموراً ثلاثة: الحق والموعظة والذكرى، أمّا الحق فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد، وأمّا الموعظة فهي إشارة إلى السفر عن الدنيا وتقبيح أحوالها، وأمّا الذكرى فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال النافذة الصالحة في الدار الآخرة، ولما بلغ تعالى الغاية والإنذار والإعذار والترغيب والترهيب أتبع ذلك بأن قال لرسوله صلى الله عليه وسلم {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} ، أي: حالتكم، وفيه وعيد وتهديد، وإن كانت صيغته صيغة الأمر فهو كقوله تعالى لإبليس: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك
سورة يوسف
ورجلك} (الإسراء، 64) وقرأ شعبة بعد النون بألف على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد {إنا عاملون} ، أي: على حالتنا التي أمرنا بها ربنا {وانتظروا} ، أي: ما يعدكم الشيطان به من الخذلان {إنا منتظرون} ، أي: ما يحل بكم من نقم الله تعالى وعذابه نحو ما نزل على أمثالكم، وقيل: إنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان، ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدّسة فقال: {ولله غيب السموات والأرض} ، أي: علم ما غاب فيهما فعلمه سبحانه وتعالى نافذ في جميع مخلوقاته خفيها وجليها {وإليه} أي لا إلى غيره {يرجع الأمر كله} ، أي: إليه يرجع أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة، وقرأ نافع وحفص بضم الياء وفتح الجيم على البناء للمفعول، والباقون بفتح الياء وكسر الجيم. ولما كان أوّل درجات السير إلى الله تعالى عبوديته وآخرها التوكل عليه قال تعالى: {فاعبده} ولا تشتغل بعبادة غيره {وتوكل عليه} ، أي: ثق به في جميع أمورك فإنه كافيك {وما ربك بغافل عما تعملون} فيحفظ على العباد أعمالهم لا يخفى عليه شيء منها فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. فائدة: قال كعب الأحبار خاتمة التوراة خاتمة سورة هود. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء» حديث موضوع. سورة يوسف عليه السلام مكية كلها مائة وإحدى عشرة آية وعدد كلماتها ألف وتسعمائة وست وتسعون كلمة وعدد حروفها سبعة آلاف ومائة وستة وسبعون حرفاً. {بسم الله} الذي وسع كل شيء قدرة وعلماً {الرحمن} لجميع خلقه المبين لهم طريق الهدى {الرحيم} الذي خص حزبه بالإبعاد عن مواطن الردى وقوله تعالى: {الر} تقدّم الكلام على أوائل السور أوّل سورة البقرة، وقرأ ورش بالإمالة بين بين، وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، والباقون بالفتح، واختلف في سبب نزول هذه السورة فعن سعيد بن جبير أنه قال: لما أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتلوه على قومه فقالوا: يا رسول الله لوقصصت علينا، فنزلت هذه السورة، فتلاها عليهم فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فنزل {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} فقالوا: لو ذكرتنا فنزل: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} (الحديد 16) ، وعن ابن عباس أنه قال: سألت اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدّثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فنزلت هذه السورة، وقوله تعالى: {تلك} إشارة إلى آيات هذه السورة، أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة بالر هي {آيات الكتاب} ، أي: القرآن {المبين} ، أي: المبين فيه الهدى والرشد والحلال والحرام المظهر للحق من الباطل الذي ثبت فيه قصص الأوّلين والآخرين، وشرحت فيه أحوال المتقدّمين. {إنا أنزلناه} ، أي: الكتاب {قرآناً عربياً} ، أي: بلغة العرب لكي يعلموا معانيه ويفهموا ما فيه. روي أنّ علماء اليهود قالوا
لكبراء المشركين اسألوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن كيفية قصة يوسف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر فيها أنه تعالى عبّر عن هذه القصة بألفاظ عربية ليتمكنوا من فهمها، والتقدير أنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف حال كونه قرآناً عربياً، وسمي بعض القرآن قرآناً؛ لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض {لعلكم} يا أهل مكة {تعقلون} ، أي: إرادة أن تفهموا أو تحيطوا بمعانيه، ولا يلتبس عليكم {ولو جعلناه قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته} (يوسف، 44) . واختلف العلماء هل في القرآن شيء بغير العربية؟ فقال أبو عبيدة: من زعم أنّ في القرآن لساناً غير العربية فقد أعظم على الله القول واحتج بهذه الآية {إنا أنزلناه قرآناً عربياً} وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أنّ فيه من غير لسان العرب من سجيل ومشكاة وأليم وإستبرق، وجمع بعض المفسرين بين القولين بأنّ هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة وإن كانت غير عربية في الأصل لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم وصارت لهم لغة وهو جمع حسن. {نحن نقص عليك أحسن القصص} ، أي: أحسن الاقتصاص؛ لأنه اقتص على أبدع الأساليب، والقصص اتباع الخبر بعضه بعضاً، وأصله في اللغة من قص الأثر إذا اتبعه، وإنما سميت الحكاية قصة؛ لأنّ الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئاً فشيئاً، والمعنى: أنا نبين لك يا محمد أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان، أو قصة يوسف عليه السلام خاصة، وسماها أحسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا وما فيها من سير الملوك والمماليك والغلمان ومكر النساء والصبر على إيذاء الأعداء وحسن التجاوز عنهم بعد اللقاء وغير ذلك. قال خالد بن معدان في سورة يوسف ومريم: يتفكه فيهما أهل الجنة في الجنة. وقال ابن عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها {بما} ، أي: بسبب ما {أوحينا} ، أي: بإيحائنا {إليك} يا محمد {هذا القرآن} الذي قالوا فيه أنه مفترى، فنحن نتابع القصص القصة بعد القصة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر أنه من عند الله {وإن كنت من قبله} ، أي: إيحائنا إليك أو هذا القرآن {لمن الغافلين} ، أي: عن قصة يوسف وإخوته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما علم ذلك بالوحي، وقيل لمن الغافلين عن الدين والشريعة، وإن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية وقوله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه} بدل من {أحسن القصص} أو منصوب بإضمار اذكر، ويوسف اسم عبري، وقيل: عربي، وردّ بأنه لو كان عربياً لصرف، وسئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف فقال: الأسف في اللغة الحزن، والأسيف العبد، واجتمعا في يوسف فسمي به، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» وقوله {يا أبت} أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، ولذلك قلبها ابن كثير وابن عامر هاء في الوقف، ووقف الباقون بالتاء كالرسم، وفي الوصل بالتاء للجميع، وفتح التاء في الوصل ابن عامر، وكسرها الباقون {إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمسم والقمر} قال أهل التفسير: رأى يوسف عليه الصلاة والسلام في منامه، وكان ابن اثنتي عشرة، سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبع سنين
ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر كأنّ أحد عشر كوكباً نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر، فسجدوا له وفسروا الكواكب بإخوته، وكانوا أحد عشر يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم، والشمس والقمر بأبيه وأمّه بجعل الشمس للأمّ؛ لأنها مؤنثة والقمر للأب؛ لأنه مذكر. والذي رواه البيضاوي تبعاً «للكشاف» عن جابر من أنّ يهودياً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فأخبره بأسمائها فقال اليهودي:، أي: والله إنها لأسماؤها. قال ابن الجوزي: إنه موضوع، وقوله: {رأيتهم لي ساجدين} استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرار؛ لأنّ الرؤية الأولى تدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر والثانية تدل على أنه شاهد كونها ساجدة له. وقال بعضهم: إنه لما قال: إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر قيل له: كيف رأيت؟ قال: رأيتهم لي ساجدين. وقال آخرون: يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا، وهذا القائل لم يبين أنّ أيهما يحمل على الرؤية وأيهما يحمل على الرؤيا؟ قال الرازي: فذكر قولاً مجملاً غير مبين. فإن قيل: قوله: رأيتهم وقوله: ساجدين لا يليق إلا بالعقلاء والكواكب جمادات فكيف جاءت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات؟ أجيب: بأنها لما وصفت بالسجود صارت كأنها تعقل وأخبر عنها كما أخبر عمن يعقل كما قال تعالى في صفة الأصنام: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} (الأعراف، 198) وكما في قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} (النمل، 18) . فإن قيل: لم أفرد الشمس والقمر بالذكر مع أنهما من جملة الكواكب؟ أجيب: بأنه أفردهما لفضلهما وشرفهما على سائر الكواكب كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة، 98) وهل المراد بالسجود نفس السجود حقيقة أو التواضع؟ كلاهما محتمل، والأصل في الكلام حمله على الحقيقة قال أهل التفسير: إن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف عليه السلام فحسده إخوته لهذا السبب، وظهر وذلك ليعقوب فلما رأى يوسف هذه الرؤيا، وكان تأويلها أن أبويه وإخوته يخضعون له، وخاف عليه حسدهم وبغيهم. {قال} له أبوه {يا بنيّ} بصيغة التصغير للشفقة أو لصغر سنه على ما تقدّم، وقرأ حفص في الوصل بفتح الياء، والباقون بالكسر والتشديد للجميع {لا تقصص رؤياك على إخوتك} ، أي: لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها {فيكيدوا لك كيدا} ، أي: فيحتالوا في هلاكك. فإن قيل: لم لم يقل فيكيدوك كما قال فكيدوني؟ أجيب: بأنّ هذه اللام تأكيد للصلة كقوله: {للرؤيا تعبرون} (يوسف، 43) وكقوله: نصحتك ونصحت لك، وشكوتك وشكوت لك.I وقيل صلة كقوله: {لربهم يرهبون} (الأعراف، 154) . {إن الشيطان للإنسان عدوّ مبين} ، أي: ظاهر العداوة كمل فعل بآدم وحوّاء فلا يألو جهداً في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد، وعن أبي قتادة قال: كنت أرأى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يحبه فلا يحدّث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتفل عن يساره ثلاثاً وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وشرّها فإنها لا تضرّه» وعن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من
الله فليحمد الله عليها وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضرّه» . وعن أبي رزين العقيلي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوّة، وهي على رجل طائر ما لم يحدّث بها فإذا حدّث بها سقطت» قال: وأحسبه قال: «ولا يحدّث بها إلا لبيباً أو حبيباً» وإنما أضيفت الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف بخلاف الرؤيا المكروهة وإن كانتا جميعاً من خلق الله تعالى وتدبيره وإرادته ولا فعل للشيطان فيهما، ولكنه يحضر المكروهة ويرتضيها، فيستحب إذا رأى الشخص في منامه ما يحب أن يحدّث به من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدّث به وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم من شرها، وليتفل ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الآخر فإنها لا تضرّه، فإنّ الله تعالى جعل هذه الأسباب سبباً لسلامته من المكروه كما جعل الصدقة سبباً لوقاية المال. قال الحكماء: إنّ الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين، قالوا: والسبب فيه أن رحمة الله تعالى تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل، وأمّا الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدّماً على ظهوره بزمن طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حضور ذلك الخير أكثر وأتم، ولهذا لم تظهر رؤيا يوسف عليه السلام إلا بعد أربعين سنة، وهو قول أكثر المفسرين، وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة حتى اجتمع على أبويه وإخوته وخروا له ساجدين. {وكذلك} ، أي: وكما اجتباك ربك للاطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكمال نفس {يجتبيك} ، أي: يختارك ويصطفيك {ربك} بالدرجات العالية واجتباء الله تخصيصه بفيض إلهي يحصل منه أنواع الكرامات بلا سعي من العبد، وذلك مخصوص بالأنبياء وبعض من يقاربهم من الصدّيقين والشهداء والصالحين وقوله: {ويعلمك} كلام مستأنف خارج عن التشبيه والتقدير وهو يعلمك {من} ، أي: بعض {تأويل الأحاديث} من تأويل الرؤيا وغيرها من كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدّمين، وكان يوسف عليه السلام في تعبير الرؤيا وغيرها غاية، والتأويل ما تؤل إليه عاقبة الأمر {ويتم نعمته عليك} بالنبوّة. قال ابن عباس: لأنّ منصب النبوّة، أي: ومع الرسالة أعلى من جميع المناصب، وكل الخلق دون درجة الأنبياء، فهذا من تمام النعمة عليهم؛ لأنّ جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة والنبوّة فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوّة والرسالة، وقيل: يجتبيك بالنبوّة ويتم نعمته عليك بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة، أمّا سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والإجلال في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد، وأمّا سعادات الآخرة فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى {وعلى آل يعقوب} ، أي: أولاده وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب، وتمام النعمة هو النبوّة والرسالة كما مرّ فلزم حصولها لآل يعقوب وأيضاً أن يوسف عليه السلام قال: إني رأيت أحد عشر كوكباً وكان تأويله أحد عشر نفساً لهم فضل وكمال ويستضىء بعلمهم ودينهم أهل الأرض؛ لأنه لا شيء أضوأ
من الكواكب وبها يهتدي، وذلك يقتضي أن تكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلاً. فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام؟ أجيب: بأنّ ذلك وقع منهم قبل النبوّة، والعصمة من المعاصي إنما تعتبر بعد النبوّة لا قبلها على خلاف فيه. {كما أتمها على أبويك} بالنبوّة والرسالة، وقيل: إتمام النعمة على إبراهيم عليه السلام خلاصه من النار واتخاذه خليلاً، وعلى إسحاق خلاصه من الذبح وفداؤه بذبح عظيم على قول أن إسحاق هو الذبيح. {من قبل} ، أي: من قبل هذا الزمان وقوله: {إبراهيم وإسحاق} عطف بيان لأبويك ثم إن يعقوب عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله: {إن ربك عليم} ، أي: بليغ العلم {حكيم} ، أي: بليغ الحكمة وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها. {لقد كان في} خبر {يوسف وإخوته} وهم أحد عشر؛ يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وزبلون قال البقاعي: بزاي وباء موحدة ويشجر وأمّهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب وولد له من سريتين إحداهما زلفى، والأخرى يلقم كذا قاله البغويّ. وقال الرازي: والأخرى بلهمة أربعة أولاد وأسماؤهم دان ونفتالى؛ قال البقاعي: بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقية ولام بعدها ياء، وجاد وأشر، ثم توفيت ليا فتزوّج بأختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين، وقيل: جمع بينهما ولم يكن الجمع محرماً حينئذٍ {آيات} ، أي: علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء {للسائلين} عن قصصهم. قال الرازيّ: ولمن لم يسأل عنها وهو كقوله تعالى: {في أربعة أيام سواء للسائلين} (فصلت، 10) وقيل: آيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنّ اليهود سألوه عن قصة يوسف، وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من أرض كنعان إلى أرض مصر فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما في التوراة، فعجبوا منه فكان دلالة على نبوّته صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ الكتب المتقدّمة ولم يجالس العلماء وأصحاب الأخبار، ولم يأخذ عنهم شيئاً، فدل ذلك على أنّ ما يأتي به وحي سماوي أوحاه الله تعالى إليه وعرفه به، وهذه السورة تشتمل على أنواع من العبر والمواعظ والحكم منها رؤيا يوسف عليه السلام وما حقق الله تعالى فيها من حسد إخوته وما آل إليه أمره من الملك، ومنها ما اشتمل على حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ المراد، وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان اعتبر، وقرأ ابن كثير {آية} على التوحيد، والباقون على الجمع. {إذ} ، أي: واذكر إذ {قالوا} ، أي: بعض إخوة يوسف لبعض بعد أن بلغتهم الرؤيا وقالوا: ما يرضى أن تسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه {ليوسف وأخوه} ، أي: بنيامين {أحب إلى أبينا منا} اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة أردوا أنّ زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه، وخبر المبتدأ أحب ووحد؛ لأن أفعل يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكراً كان أو مؤنثاً إذا لم يعرّف أو لم يضف، وقيل: اللام لام قسم تقديره والله ليوسف، وإنما قالوا: وأخوه وهم جميعاً إخوته؛ لأنّ أمّهما كانت واحدة، والواو في قولهم: {ونحن عصبة} واو الحال، أي: يفضلهما في المحبة علينا وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة أقوياء نقوم بمرافقه فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة
والمنفعة عليهما، والعصبة والعصابة العشرة فما فوقها. وقيل: إلى الأربعين سموا بذلك؛ لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ويستكفى بهم النوائب {إنّ أبانا لفي ضلال} ، أي: خطأ {مبين} ، أي: بيّن في إيثاره حب يوسف وأخيه علينا والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد؛ لأنّا في البنوّة سواء ولنا مزية تقتضي تفضيلنا وهي إنا عصبة لنا من النفع له والذّب عنه والكفاية ما ليس لهما. تنبيه: هاهنا سؤالات: الأوّل: إنّ من المعلوم أنّ تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد فلم أقدم يعقوب عليه السلام على ذلك؟ أجيب: بأنه إنما فضلهما في المحبة والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذوراً فيها ولا يلحقه في ذلك لوم. الثاني: كيف اعترضوا على أبيهم وهم يعلمون أنه نبيّ وهم مؤمنون به؟ وأجيب: بأنهم وإن كانوا مؤمنين بنبوّته لكن جوّزوا أن يكون فعله باجتهاد، ثم أنّ اجتهادهم أدّى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد لكونهم أكبر سناً وأكثر نفعاً وغاب عنهم أنّ تخصيصهما بالبرّ كان لوجوه: أحدها: أنّ أمّهما ماتت، ثانيها: أنه كان في يوسف من آثار الرشد والنجابة ما لم يجده في سائر أولاده، ثالثها: أنه وإن كان صغيراً إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة أعلى وأشرف مما كان يصدر عن سائر أولاده، والحاصل أنّ هذه المسألة كانت اجتهادية وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر. الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال عن رعاية مصالح الدنيا والبعد عن طريق الرشد لا الضلال في الدين. الرابع: أنّ قولهم: {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} محض حسد، والحسد من أمّهات الكبائر لا سيما وقد أقدموا بسبب ذلك الحسد على أمورٍ مذمومة منها قولهم: {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً} ، أي: بحيث يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه، ومنها القاؤه في ذل العبودية، ومنها أنهم أبقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم، ومنها إقدامهم على الكذب وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوّة؟ أجيب: بما تقدّم أنّ ذلك كان قبل النبوّة، وقرأ نافع وابن كثير وهشام والكسائي بضم التنوين من مبين في الوصل، والباقون بالكسر، فإن وقف القارئ على مبين وامتحن في الابتداء يبتدئ بالضم للجميع، وقولهم: {يخل لكم وجه أبيكم} جواب الأمر، أي: يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد، وقولهم: {وتكونوا} مجزوم بالعطف على يخل لكم أو منصوب بإضمار أن {من بعده} ، أي: قتل يوسف أو طرحه {قوماً صالحين} بأن تتوبوا إلى الله تعالى بعد فعلكم فإنه يعفو عنكم، وقال مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم. {قال قائل منهم} هو يهوذا وكان أحسنهم رأياً فيه، وهو الذي قال: {فلن أبرح الأرض} (يوسف، 80) وقيل: روبيل وكان أكبرهم سناً {لا تقتلوا يوسف وألقوه} ، أي: اطرحوه {في غيابت الجب} ، أي: في أسفله وظلمته، والغيابة كل موضع ستر شيئاً وغيبه عن النظر قال القائل: *فإن أنا يوماً غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب البئر الكبيرة التي ليست مطوية سميت جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء غير القطع من طيّ أو ما أشبهه، وإنما ذكر الغيابة مع الجب دلالة على
أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين. قال بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله وعصمه الله تعالى رحمة بهم ولو فعلوا لهلكوا أجمعين، واختلف في موضع ذلك الجب، فقال قتادة: هو ببيت المقدس وقال وهب: هو بأرض الأردن. وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وقرأ نافع بألف بين الباء والتاء على الجمع والباقون بغير ألف على التوحيد {يلتقطه} ، أي: يأخذه {بعض السيارة} جمع سيار، أي: المبالغ في السير، وذلك الجب كان معروفاً يرد عليه كثير من المسافرين، فإذا أخذوه ذهبوا به إلى ناحية أخرى فنستريح منه {إن كنتم فاعلين} ، أي: ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك ولما أجمعوا على التفريق بين يوسف وأبيه بضرب من الحيل. {قالوا} إعمالاً للحيلة في الوصول إليه مستفهمين على وجه التعجب؛ لأنه كان أحس منهم السوء فكان يحذرهم عليه {يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف و} الحال {إنا له لناصحون} ، أي: قائمون بمصلحته وحفظه. تنبيه: اتفق القراء على إخفاء النون الساكنة عند النون المتحرّكة واتفقوا أيضاً على إدغامها مع الإشمام. {أرسله معنا غداً} ، أي: إلى الصحراء {نرتع} ، أي: نتسع في أكل الفواكه ونحوها وأصل الرتع أكل البهائم في الخصب في زمن الربيع ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير {ونلعب} روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء، وأيضاً جاز أن يكون المراد باللعب الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لجابر: «فهلا بكراً تلاعبها، وتلاعبك» وأيضاً كان لعبهم الاستباق والانتضال والغرض منه المحاربة والمقاتلة مع الكفار، والدليل عليه قولهم {إنا ذهبنا نستبق} وإنما سموه لعباباً لأنه في صورته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون فيهما، والباقون بالياء، وسكن العين أبو عمرز وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وكسرها الباقون في الوصل، ولقنبل وجه آخر وهو أنه يثبت الياء في نرتع بعد العين وقفاً ووصلاً {وإنا له لحافظون} ، أي: بليغون في الحفظ له حتى نردّه إليك سالماً. قال أبو حيان: وانتصب {غداً} على الظرف وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد، وأصل غداً غدو فحذفت الواو انتهى. ثم إنّ يعقوب عليه السلام اعتذر لهم بعذرين الأوّل: ما حكاه الله تعالى عنه بقوله: {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} ، أي: ذهابكم به، والحزن هنا ألم القلب بفراق المحبوب؛ لأنه كان لا يقدر أن يصبر عنه ساعة، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي، والثاني: قوله: {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم به، وكان يعقوب عليه السلام رأى في النوم أنّ الذئب شدّ على يوسف فكان يحذره فمن أجل هذا ذكر ذلك، وكأنه لقنهم العلة، وفي أمثال العرب البلاء موكل بالمنطق، والمراد به الجنس، وكانت أرضهم كثيرة الذئاب. {قالوا} مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله مؤكدين لتطييب خاطره دالين على القسم بلامه {لئن أكله الذئب ونحن} ، أي: والحال أنَّا {عصبة} ، أي: جماعة عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفى الخطوب، وأجابوا عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط
بقولهم {إنّا إذاً} ، أي: إذا كان هذا {لخاسرون} ، أي: كاملون في الخسارة؛ لأنا إذا ضيّعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعاً، وأعرضوا عن جواب الأول؛ لأن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأوّل وهو شدّة حبه له، فلما سمعوا ذلك المعنى تغافلوا عنه وأقله أن يقولوا: ما وجه الشح بفراقه يوماً والسماح بفراقنا كل يوم. وقرأ الذيب ورش والسوسي والكسائي بإبدال الهمزة ياء وقفاً ووصلاً، وحمزة وقفاً لا وصلاً، والباقون بالهمزة وقفاً ووصلاً. وقوله تعالى: {س12ش15/ش20 فَلَمَّا ذَهَبُوا? بِهِ? وَأَجْمَعُو?ا? أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ? وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَاذَا وَهُمْ يَشْعُرُونَ * وَجَآءُو? أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُوا? يَا?أَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ? وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَآءُو عَلَى قَمِيصِهِ? بِدَمٍ كَذِبٍ? قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا? فَصَبْرٌ جَمِيلٌ? وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ * وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا? وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ?? قَالَ يَابُشْرَى هَاذَا غُلَامٌ? وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً? وَاللَّهُ عَلِيمُ? بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا? فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ} {فلما ذهبوا به} فيه إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا به {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب} ، أي: وعزموا على إلقائه فيها ولا بدّ من تقدير جواب، وهو فجعلوه فيها وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط أن يكون المذكور دليلاً عليه وهنا كذلك، قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إن إخوة يوسف قالوا له: ما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا فتصيد وتستبق؟ قال: بلى. قالوا: فاسأل أباك أن يرسلك معنا قال يوسف: أفعل، فدخلوا جميعاً على أبيهم وقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بنيّ؟ قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي اللين واللطف فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب عليه الصلاة والسلام يكره مفارقته ويحب مرضاته، فأذن له فأرسله معهم، فلما خرجوا من عند أبيهم جعلوا يحملونه على رقابهم وأبوهم ينظر إليهم، فلما بعدوا عنه وصاروا إلى الصحراء ألقوه على الأرض وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعلوا يضربونه فجعلوا كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به يضربه فلم ير منهم رحيماً فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح يا أبتاه ويا يعقوب لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وجعل يبكي بكاء شديداً، فأخذه روبيل فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره وأراد قتله فقال له: مهلاً يا أخي لا تقتلني فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام الكاذبة قل لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه، فاستغاث يوسف بيهوذا، وقال له: اتق الله فيّ وحل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة ورقة، فقال يهوذا: يا إخوتاه ما على هذا عاهدتموني، فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، فجاؤوا به على بئر على غير الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إِخوتاه ردّوا عليّ قميصي أستتر به في الجب فقالوا: ادع الشمس والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك فقال: إني لم أر شيئاً فألقوه فيها، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة كانت في البئر فقام عليها فنادوه فظنّ أنها رحمة أدركته فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ليقتلوه، فمنعهم يهوذا من ذلك وكان يهوذا يأتيه بالطعام وبقي فيها ثلاث ليال. {وأوحينا إليه} في الجب في صغره وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها كما أوحى إلى يحيى وعيسى عليهما السلام في صغرهما، وفي القصص أنّ إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرّد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ودفعه إبراهيم عليه السلام إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها بيوسف فأخرجها جبريل وألبسه إياها {لتنبئنهم} ، أي: لتخبرنهم بعد هذا اليوم
{بأمرهم} ، أي: بصنعهم {هذا وهم لا يشعرون} ، أي: أنك يوسف لعلوّ شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للهيئات كما قال تعالى: {فعرفهم وهم له منكرون} (يوسف، 58) والمقصود من ذلك تقوية قلبه وأنه سيخلص مما هو فيه من المحنة، ويصير مستولياً عليهم، ويصيرون تحت أمره ونهيه وقهره. روي أنهم لما دخلوا عليه لطلب الحنطة عرفهم وهم له منكرون ودعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطنّ فقال: إنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف فطرحتموه وقلتم لأبيكم: أكله الذئب، وقيل: لا يشعرون بإيحائنا إليك وأنت في البئر بأنك ستخبرهم بصنيعهم هذا، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم وكانوا يقصدون قتله، وقيل: إنّ المراد من هذا الوحي الإلهام كما في قوله تعالى {وأوحينا إلى أمّ موسى} (القصص، 7) وقوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} (النحل، 68) {و} لما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل الذي فعلوه إلا الاعتذار {جاؤوا أباهم} دون يوسف {عشاءً} في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبوهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضدّ ما جاؤوا به من الاعتذار وقد قيل: لا تطلب الحاجة في الليل فإنّ الحياء في العينين ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار {يبكون} والبكاء جريان الدمع من العين، والآية تدل على أنه لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع، روي أنّ امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق فعند ذلك فزع يعقوب عليه السلام فقال: هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما فعل يوسف؟. {قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق} قال الزجاج: يسابق بعضنا بعضاً في الرمي، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نضل أو حافر» يعني بالنضل الرمي، وقيل: العدو لنتبين أينا أسرع عدواً {وتركنا يوسف} أخانا {عند متاعنا} ، أي: ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحو ذلك {فأكله} ، أي: فتسبب عن انفراده أن أكله {الذئب وما} ، أي: والحال أنك ما {أنت بمؤمن} ، أي: بمصدّق لما علموا أنه لا يصدّقهم بغير أمارة {لنا ولو كنا صادقين} في هذه القصة لمحبة يوسف عندك فكيف وأنت تسيء الظنّ بنا؟ وقيل: لا تصدّقنا؛ لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله تعالى.v {و} لما علموا أنه لا يصدّقهم بغير أمارة {جاؤوا على قميصه} ، أي: يوسف عليه السلام {بدم كذب} قال الفراء:، أي: مكذوب فيه إلا أنه وصفه بالمصدر على تقدير ذي كذب أو مكذوب أطلق على المصدر مبالغة؛ لأنه غير مطابق للواقع؛ لأنهم ادّعوا أنه دم يوسف عليه السلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوا القميص بذلك الدم. قال القاضي: ولعلّ غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم إذ يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بدّ في المعصية من أن يقترن بها الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الاتهام أقوى فلما شاهد يعقوب عليه السلام القميص صحيحاً علم كذبهم، روي أنّ يعقوب عليه السلام أخذ القميص منهم، وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق قيمصه. تنبيه:
على قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاؤوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحماله، ولا يصح أن يكون حالاً متقدّمة؛ لأنّ حال المجرور لا يتقدّم عليه. قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك أنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ولما شهد الشاهد قال: {إن كان قميصه قد من قبل} (يوسف، 26) ولما أتي بقميصه إلى يعقوب وألقي على وجهه ارتدّ بصيراً. ثم ذكر تعالى أنّ إخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم {قال} يعقوب عليه السلام {بل سوّلت} ، أي: زينت {لكم أنفسكم أمراً} ففعلتموه به، واختلف في السبب الذي عرف به كونهم كاذبين على وجوه: الأوّل: أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم. الثاني: كان عالماً بأنه حيّ؛ لأنه عليه السلام قال ليوسف: {وكذلك يجتبيك ربك} (يوسف، 6) وذلك دليل على كذبهم في ذلك القول، الثالث: أنه لما رأى قميصه صحيحاً قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرق ثوبه، وقيل: إنه لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله، اللصوص فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم وقوله: {فصبرٌ جميلٌ} مرفوع بالابتداء لكونه موصوفاً، وخبره محذوف والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل وقال قطرب: معناه فصبري صبر جميل. وقال الفراء: فهو صبر جميل. وعن الحسن أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر الجميل؟ فقال: «صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر كما قال يعقوب {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} » . وقال مجاهد: فصبر جميل من غير جزع. وقال الثوري: إنّ من الصبر أن لا تحدّث بوجعك ولا بمصيبتك ولا تزكي نفسك. وروي أنّ يعقوب عليه السلام كان قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟ فقال: يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك أنها قالت: والله لئن حلفت لا تصدّقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده والله المستعان على ما تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل. وقوله {فصبر جميل} يدل على أنّ الصبر على قسمين قد يكون جميلاً، وقد يكون غير جميل، فالصبر الجميل أن ينكشف له أنّ هذا البلاء، من الحق فاستغراقه في شهود نور المبلي يمنعه من الاشتغال بالشكاية من البلاء ولذلك قيل: المحبة التامّة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء؛ لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والخط وموصل النصيب لا يكون محبوباً بالذات بل بالعرض، فهذا هو الصبر الجميل وأمّا الصبر لا للرضا بقضاء الله تعالى بل كان لسائر الأغراض فذلك الصبر لا يكون جميلاً. فإن قيل: الصبر على قضاء الله تعالى واجب، وأمّا الصبر على ظلم الظالمين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير، فلم صبر يعقوب على ذلك ولم يبالغ في البحث مع شدّة رغبته في حضور يوسف ونهاية حبه له وكان من بيت عظيم شريف وكان الناس يعرفونه ويعتقدون فيه؟. أجيب: بأنه يحتمل أن يكون منع من الطلب بوحي تشديداً للمحنة عليه زيادةً في أجره، أو أنه لو بالغ في البحث لربما أقدموا على إيذائه ولم يمكنوه من الطلب والفحص
فرأى أنّ الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى وقال: {والله المستعان} ، أي: المطلوب منه العون {على ما تصفون} ، أي: تذكرون من أمر يوسف، والمعنى أنّ إقدامه على الصبر لا يكون إلا بمعونة الله تعالى؛ لأنّ الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع، وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر، فكأنّ المحاربة وقعت بين الصنفين فما لم تحصل إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: {فصبر جميل} يجري مجرى قوله: {إياك نعبد} (الفاتحة، 4) وقوله: {والله المستعان على ما تصفون} يجري مجرى قوله: {وإياك نستعين} (الفاتحة، 5) . ولما أراد الله تعالى خلاص يوسف من الجب بين سببه بقوله تعالى: {وجاءت سيارة} وهم القوم المسافرون سموا بذلك؛ لأنهم يسيرون في الأرض وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر، فأخطؤوا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف وكان الجبّ في قفرة بعيدة عن العمران، أي: لم يكن إلا للرعاة. روي أنّ ماءه كان ملحاً فعذب حين ألقي يوسف فيه، فلما نزلوا أرسلوا رجلاً يقال له: مالك بن ذعر لطلب الماء فذلك قوله تعالى: {فأرسلوا واردهم} ، أي: الذي يريد الماء ليستقي منه، والوارد هو الذي يتقدّم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء {فأدلى} ، أي: أرسل {دلوه} في البئر يقال: أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ودلوتها إذا أخرجتها، والدلو معروف والجمع الدلاء فلما أرسلها تعلق بالحبل يوسف عليه السلام فلما خرج فإذا هو بغلام أحسن ما يكون قال صلى الله عليه وسلم «أعطي يوسف شطر الحسن» . ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدّته سارة، وكانت جدّته قد أعطيت سدس الحسن قال ابن إسحاق: ذهب يوسف وأمّه بثلثي الحسن. وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار قال: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص البطن صغير السرّة، وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع من ثناياه لا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله وصوّره قبل أن يصيب الخطيئة، فلما رآه مالك بن ذعر {قال يا بشرى هذا غلام} نادى البشرى بشارة لنفسه، كأنّه قال تعالى فهذا أوانك. وعن الأعمش أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى فقال: يا بشرى. وعن السدي أنّ المدلي نادى صاحبه وكان اسمه بشرى فقال: يا بشرى. كما قرأه حمزة وعاصم والكسائي، فإنهم قرؤوا بحذف الياء بعد الألف، والباقون بإثبات الياء. وقيل: ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك. وروي أنّ جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها واختلف في ضمير {وأسرّوه بضاعة} إلى من يعود؟ وفيه قولان: الأوّل: أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه بالجب، وذلك أنهم قالوا: إن قلنا للسيارة: التقطناه شاركونا، وإن قلنا اشتريناه سألونا الشركة فالأصوب أن نقول: إنّ أهلاً لنا جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر. والثاني: ونقل عن ابن عباس أنه قال: وأسرّوه يعني إخوة يوسف أسرّوا شأنه، وذلك أنّ يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم فلم يجده في البئر فأخبر إخوته فطلبوه، فإذا هم بمالك بن ذعر وأصحابه نزول فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا: هذا عبد لنا أبق منا وتابعهم يوسف على ذلك؛
لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية. قال الرازي: والأوّل أولى؛ لأنّ قوله {وأسرّوه بضاعة} يدل على أنّ المراد أنهم أسرّوه حال ما حكموا بأنه بضاعة، وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة يوسف. تنبيه: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته. قال الزجاج: وبضاعة منصوب على الحال كأنه قال: وأسرّوه حال ما جعلوه بضاعة ولما جعل تعالى هذا البلاء سبباً لوصوله إلى مصر، ثم صارت وقائعه إلى أن صار ملكاً بمصر، وحصل ذلك الذي رآه في النوم، فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيّره الله تعالى سبباً لحصول ذلك المطلوب، فلهذا المعنى قال تعالى: {والله عليم} ، أي: بالغ العلم {بما يعملون} ، أي: لم يخف عليه ما فعلوه بيوسف وأبيهم. {وشروه} ، أي: باعوه إذ قد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال: شريت الشيء بمعنى بعته وإنما حمل هذا الشراء على البيع؛ لأنّ الضمير في (شروه) وفي {كانوا فيه من الزاهدين} يرجع إلى شيء واحد، وذلك أنّ إخوته زهدوا فيه فباعوه، وقيل: إنّ الضمير يعود إلى مالك بن ذعر وأصحابه، وعلى هذا يكون لفظ الشراء على بابه. وقال محمد بن إسحاق: ربك أعلم أَإِخوته باعوه أم السيارة، واختلفوا في معنى قوله تعالى: {بثمن بخس} فقال الضحاك:، أي: حرام، لأنّ ثمن الحرّ حرام وسمي الحرام بخساً؛ لأنه مبخوس البركة. وقال ابن مسعود: أي: زيوف، وقال عكرمة: أي: بثمن قليل، ويدل لهذا قوله تعالى: {دراهم معدودة} لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما إنما كانوا يأخذون ما دونها عداً، فإذا بلغتها وهي أوقية وزنوها، واختلفوا في عدد تلك الدراهم فقال ابن عباس: كانت عشرين درهماً فاقتسموها درهمين درهمين، وعلى هذا لم يأخذ أخوه بنيامين شقيقه منها شيئاً، وقال مجاهد: كانت اثنتين وعشرين درهماً. وقال عكرمة: أربعين درهماً. {وكانوا} ، أي: إخوته {فيه} ، أي: يوسف {من الزاهدين} لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله تعالى، ومعنى الزهد قلة الرغبة يقال: زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه، وأصله القلة، يقال: رجل زهيد إذا كان قليل الطمع، وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين؛ لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، وإنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. وقيل: الضمير في كانوا للسيارة؛ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه لا جرم باعوه بأوكس الأثمان. روي في الأخبار أنّ مالك بن ذعر انطلق هو وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه؛ لأنه آبق فذهبوا به حتى أتوا مصر وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير أو اطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله تعالى العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} (غافر، 34) وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.
وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهباً وزنه فضة ووزنه مسكاً وحريراً، وكان وزنه أربعمائة رطل وكان عمره حينئذ سبع عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن فذلك قوله تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} واسمها زليخا وقيل: راعيل {أكرمي مثواه} قال الرازي: اعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات فاللائق بالعاقل أن يحترز من ذكرها انتهى. ولكن البغوي ذكرها وتبعه على ذلك جماعة من المفسرين واللام في امرأته متعلقة بقال لا باشتراه، والمثوى موضع الإقامة، أي: اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً، أي: حسناً مرضياً بدليل قول يوسف: {إنه ربي أحسن مثواي} والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه بحسن الملكية حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا ساكنة في كنفنا. قال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه يدل على أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال: سلام الله على المجلس العالي. ولما أمر بإكرام مثواه علّل ذلك بأن قال: {عسى أن ينفعنا} ، أي: يقوم بإصلاح مهماتنا، أو نبيعه بالربح إن أردنا بيعه {أو نتخذه ولدا} ، أي: نتبناه وكان حصوراً ليس له ولد. قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف حيث قال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا} ، وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى: {استأجره} ، وأبو بكر في عمر حيث استخلفه. {وكذلك} ، أي: وكما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه قلب العزيز {مكنا ليوسف في الأرض} ، أي: أرض مصر. قال البقاعي: التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه من الحكم بالعدل والنبوّة، وقوله تعالى: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} ، أي: تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا، أي: لنمكنه أو الواو زائدة {والله غالب على أمره} ، أي: الأمر الذي يريده؛ لأنه تعالى فعال لما يريد، ولا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه وسمائه أو على أمر يوسف أراد إخوته قتله، فغلب أمره عليهم، وأرادوا أن يلتقطه بعض السيارة ليندرس اسمه، فغلب أمره وظهر اسمه واشتهر، ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب الله أمره حتى صار ملكاً وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يضرّوا أباهم ويطيبوا قلبه حتى يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم، واحتالت عليه امرأة العزيز لتخدعه عن نفسه فغلب أمره تعالى فعصمه حتى لم يهمّ بسوء بل هرب منه غاية الهرب، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى الله تعالى إلا إعزازه وبراءته، ثم أراد يوسف عليه السلام ذكر الساقي له فغلب أمره تعالى فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه الله تعالى له وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أنه لا أمر لغيره {ولكنّ أكثر الناس} وهم الكفار {لا يعلمون} أنّ الأمر كله بيد الله تعالى، أو أنّ أكثر الناس لا يعلمون ما هو صانع بيوسف وما يريد منه فمن تأمّل في الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أنّ الأمر كله لله، وأنّ قضاء الله تعالى غالب. ولما بين تعالى أنّ إخوته أساؤوا إليه وصبر على تلك الشدائد والمحن ومكنه
في الأرض اتبعه الأمر بتمام النعمة عليه بقوله تعالى: {ولما بلغ أشدّه} ، أي: منتهى شبابه وقوّته وشدّته تقول العرب: بلغ فلان أشدّه إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوّته، وهذا اللفظ مستعمل في الواحد والجمع يقال: بلغ فلان أشدّه وبلغوا أشدّهم وهو ثلاث وثلاثون سنة. وقال السدي: بلغ ثلاثين سنة، وقال الضحاك: عشرين سنة. وقال الكلبي: الأشد ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين، وقيل: أقصاه اثنان وستون سنة. قال الأطباء: إنّ الإنسان يحدث في أوّل الأمر ويتزايد كل يوم شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال، ثم يأخذ في التراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق كالقمر. {آتيناه حكما} ، أي: حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل أو حكماً بين الناس {وعلماً} ، أي: علم تأويل الأحاديث، وقيل: المراد بالحكم النبوّة والرسالة. وتقدّم أنّ قوله تعالى: {وأوحينا} أنه وحي حقيقة. قال الرازي: فلا يبعد أن يقال: إنّ ذلك الوحي إليه في ذلك الوقت لا لأجل بعثته إلى الخلق بل لأجل تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره؛ ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه السلام {وكذلك} ، أي: ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به {نجزي المحسنين} قال ابن عباس: يعني المؤمنين، وعنه أيضاً يعني المهتدين، وقال الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام. وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله. ولما أخبر تعالى أنّ سبب النعمة عليه إحسانه اتبعه دليله فقال تعالى: {وراودته التي هو في بيتها} ، أي: امرأة العزيز راودت يوسف {عن نفسه} لأنها لما رأته في غاية الحسن والجمال طمعت فيه، ويقال: إنّ زوجها كان عاجزاً، والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كان المعنى خادعته عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهو عبارة عن التمحل لمواقعته إياها {وغلقت الأبواب} ، أي: أطبقتها وكانت سبعة، والتشديد للتكثير أو للمبالغة في الإيثاق، لأنّ مثل هذا الفعل لا يكون إلا في ستر وخفية لا سيما إذا كان حراماً ومع قيام الخوف الشديد {وقالت} له {هيت} أي تهيأت وتصنعت {لك} خاصة فأقبل إليّ وامتثل أمري. قال الواحدي: هيت لك اسم للفعل نحو رويد وصه ومه، ومعناه: هلم في قول جميع أهل اللغة، وقرأ نافع وابن عامر بكسر الهاء، والباقون بالفتح قرأ وهشام بعد الهاء بهمزة ساكنة، والباقون بياء ساكنة، وقرأ ابن كثير بضم التاء وفتحها، والباقون بالفتح {قال} لها يوسف عليه السلام {معاذ الله} ، أي: أعوذ بالله وأعتصم به وألجأ إليه مما تدعينني إليه {إنه} ، أي: الذي اشتراني {ربي} ، أي: سيدي {أحسن مثواي} ، أي: أكرم منزلي فلا أخونه في أهله وقيل: إنه أي: الله ربي أحسن مثواي، أي: آواني ومن بلاء الجب أنجاني {إنه لا يفلح الظالمون} ، أي: إن فعلت هذه الفعلة فأنا ظالم ولا يفلح الظالمون. {ولقد همت به وهم بها} ، أي: قصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهمَّ بالشيء قصده والعزم عليه، ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بشيء أمضاه والمراد بهمته ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله تعالى من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهمّ، ولهذا قال بعض أهل الحقائق: الهمّ قسمان: همّ ثابت وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز،
فالعبد مأخوذ به، وهمّ عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام، والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل، كما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشرة أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» . قال في «الكشاف» : ويجوز أن يريد بقوله: {وهم بها} شارف أن يهم بها كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته كأنّه شرع فيه {لولا أن رأى} ، أي: بعين قلبه {برهان ربه} ، أي: الذي آتاه إياه من الحكم والعلم، أي: لهمّ بها لكنه كان البرهان حاضراً لديه حضور من يراه بالعين فلم يهمّ أصلاً مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله تعالى من القوّة مع كونه في سن الشباب، فلولا المراقبة لهمّ بها لتوفر الداعي غير أنّ نور الشهود محاها أصلاً، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه عليه السلام مع أنه الذي تدلّ عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء وأنّ السجن أحب إليه من ذلك مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} الآية من مطلق الإرادة ومع ما يتحتم من تقدير ما ذكر بعد لولا في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب، فإنه يجب أن يكون المقدّر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله، وهذا مثل قوله تعالى: {إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} (القصص، 10) ، أي: لأبدت به، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك من تفسيرهم بها بأن حل الهيمان وجلس بها مجلس المجامع وبأنه حلّ تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، ومن تفسير البرهان بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها فلم يكترث له، فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمعه ثالثاً أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته، وقيل: ضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله، وقيل: كل ولد يعقوب ولد له اثنا عشر ولداً إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنا قعد لا ريش له، وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها: {وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين} (الأنفطار، 10، 11) فلم ينصرف ثم رأى فيها: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} (الإسراء، 32) فلم ينته ثم رأى فيها {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} (البقرة، 281) فلم ينجع فيه فقال الله تعالى لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يدرك الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز.d وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته وقالت: أستحي أن يرانا، فقال يوسف: استحيت مما لا يسمع ولا يبصر ولا أستحي من السميع العليم بذات الصدور، فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أنّ هذه الأقوال التي وردت عنهم إذا جمعت تناقضت وتكاذبت. قال الزمخشريّ: وهذا ونحوه ممن يورده أهل الجبر والحشو الذين دينهم بهت لله وأنبيائه فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبيّ من أنبياء الله تعالى فيما ذكروه وأهل العدل والتوحيد.
ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل وأطال في ردّ ذلك، وكذا فعل الرازي. وقيل: وهمّ بها، أي: بزجرها ووعظها. وقيل: همّ بها، أي: غمه امتناعه منها. وقيل: همّ بها، أي: نظر إليها وقيل: همّ بضربها ودفعها. وقيل: هذا كله قبل نبوّته، وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف عليه السلام ميل شهوة حتى نبأه الله تعالى فألقى عليه هيبة النبوّة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه {كذلك} ، أي: مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر {لنصرف عنه السوء} ، أي: الهمّ بالزنا وغيره {والفحشاء} أي: الزنا وغيره، وقيل: السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة، والفحشاء هي الزنا، فكأنه قيل: لم فعل به هذا؟ فقيل: {إنه من عبادنا} ، أي: الذين عظمناهم {المخلصين} ، أي: في عبادتنا الذين هم خير صرف لا يخالطهم غش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام بعد الخاء، والباقون بالفتح. قال الرازي: فوروده باسم الفاعل دل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدلّ على أنّ الله تعالى استخلصه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا اللفظين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه وهذا مع قول إبليس: {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} (الحجر: 39، 40) شهادة من إبليس أنّ يوسف عليه السلام بريء من الهمّ فمن نسبه إلى الهمّ إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته، قال: ولعلهم يقولون كنا في أوّل الأمر تلامذة إبليس إلا أنا زدنا وفجرنا عليه في السفاهة كما قال الجزوري: *وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الأمر حتى صار إبليس من جندي *فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغة في الامتناع بالجدّ في الهرب دليلاً على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلاً فقال: {واستبقا الباب} ، أي: أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما هذا للهرب منها، وهذه لمنعه، فكل منهما بذل أقصى جهده في السبق، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه قد كان سبقها بقوّة الرجولية وقوّة الداعية إلى الفرار إلى الله تعالى، ولكن عاقه إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه وهو ما كان من ورائه خوف فواته فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها ففتحه فأراد الخروج فمنعته {و} لم تزل تنازعه حتى {قدّت} ، أي: شقت {قميصه} وكان القدّ {من دبر} ، أي: الناحية من الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها {وألفيا} ، أي: وجدا {سيدها} ، أي: زوجها قطفير وهو العزيز تقول المرأة لبعلها: سيدي ولم يقل: سيدهما؛ لأنّ ملك يوسف لم يصح فلم يكن سيداً له على الحقيقة {لدى} ، أي: عند {الباب} جالساً مع ابن عمّ المرأة. فإن قيل: كيف وحد الباب وقد جمعه في قوله: {وغلقت الأبواب} ؟ أجيب:. بأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من العار، فقد روى كعب الأحبار: أنّ يوسف لما هرب جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب فلما رأت المرأة ابن عمها هابته وخافت التهمة فسابقت يوسف بالقول و {قالت} لزوجها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} ، أي: فاحشة زنا أو غيره، ثم خافت عليه أن يقتل وذلك لشدّة
حبها له فقالت: {إلا أن يسجن} ، أي: يحبس في السجن ويمنع التصرّف {أو عذاب أليم} ، أي: مؤلم بأن يضرب بالسياط ونحوها، وإنما بدأت بالسجن قبل العذاب؛ لأنّ المحب لا يشتهي إيلام المحبوب، وإنما أرادت أن يسجن عندها يوماً أو يومين ولم ترد السجن الطويل فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة، بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين، ألا ترى أن فرعون هكذا قال في حق موسى عليه السلام في قوله: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} (الشعراء، 29) . فلما سمع يوسف عليه السلام مقالتها {قال} مبرئاً نفسه {هي} بضمير الغيبة لاستحيائه بمواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب {راودتني عن نفسي} ، أي: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت منها، وذلك أنّ يوسف عليه السلام ما كان يريد أن يذكر ذلك القول ولا يهتك سترها ولكن لما قالت هي ما قالت ولطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه، وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كان فيه وهو أنهما عند الباب ولو كان الطلب منه لما كان إلا في محلها الذي تجلس فيه وهو صدر البيت وأشرف موضع فيه، وأيضاً هو عبد لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحال، وأيضاً أنّ المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، وأما يوسف فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى. ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلاً آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة، ويدل على أنه بريء من الريب وأنّ المرأة هي المذنبة وهو قوله تعالى: {وشهد شاهد من أهلها} ، أي: وحكم حاكم من أهل المرأة، واختلفوا في هذا الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: كان صبياً في المهد أنطقه الله تعالى كرامة ليوسف عليه السلام. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «تكلم في المهد أربعة وهم صغار شاهد يوسف وابن ماشطة بنت فرعون وعيسى بن مريم وصاحب جريج الراهب» رواه الإمام أحمد، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى بن مريم وصاحب جريج وصبيّ كان يرضع أمّه فمرّ راكب حسن الهيئة فقالت أمّه: اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله» وبهذا الاعتبار صاروا خمسة وزاد الثعلبي سادساً وهو يحيى بن زكريا عليهما السلام وزاد غيره على ذلك، ولعل الحصر فيما ذكر في الحديث كان قبل العلم بالزيادة فلا تناقض وأوصلهم السيوطي إلى أحد عشر ونظمهم فقال: *تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم *ومبري جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم *وطفل عليه مرّ بالأمّة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم *وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم وقالت طائفة عظيمة من المفسرين: إنها كان لها ابن عم وكان رجلاً حكيماً واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال: قد سمعنا الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنّا لا ندري أيكما قدّام صاحبه ولكن {إن كان قميصه قدّ من قبل} ، أي: من قدام {فصدقت وهو من الكاذبين} {وإن كان قميصه قد من دبر} ، أي: من خلف {فكذبت وهو من الصادقين} لأنه لولا إدباره
منها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة كما قال تعالى: {فلما رأى} ، أي: سيدها {قميصه} ، أي: يوسف عليه السلام {قدّمن دبر قال} لها زوجها قطفير وقد قطع بصدقه وكذبها مؤكداً لأجل إنكارها {إنه} ، أي: هذا القذف له {من كيدكن} معشر النساء، والكيد طلب الإنسان بما يكره {إن كيدكن عظيم} والعظيم ما ينقص مقدار غيره عنه حساً أو معنى. فإن قيل: كيف وصف كيد النساء بالعظم مع قوله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفاً} (النساء، 28) وهلا كان مكر الرجال أقوى من مكر النساء؟ أجيب: بأنّ الإنسان ضعيف بالنسبة لخلق ما هو أعظم منه كخلق السموات والأرض وبأن كيدهنّ أدق من كيد الرجال وألطف وأخفى؛ لأنّ الشيطان عليهنّ لنقصهنّ أقدر ومكرهنّ في هذا الباب أعظم من كيد جميع البشر؛ لأنّ لهنّ من المكر والحيل والكيد في إتمام مرادهن ما لا يقدر عليه الرجال في هذا الباب؛ ولأنّ كيدهنّ في هذا الباب يورث العار ما لا يورثه كيد الرجال، ولما ظهر للقوم براءة يوسف من ذلك الفعل المنكر حكى تعالى أنه قال: {يوسف} ، أي: يا يوسف {أعرض} ، أي: انصرف بكليتك مجاوزاً {عن هذا} الحديث فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع وينشر بين الناس، ثم التفت إلى المرأة وقال لها: {واستغفري لذنبك} ، أي: توبي إلى الله تعالى مما رميتي يوسف به من الخطيئة وهو بريء منها {إنك كنت من الخاطئين} ، أي: الآثمين. قال أبو بكر الأصم: إنّ ذلك الزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها بالاستغفار، وقيل: إنّ القائل المذكور هو الشاهد. فإن قيل: كيف قال من الخاطئين بلفظ التذكير؟ أجيب: بأنه قال ذلك تغليباً للذكور على الإناث أو أن المراد أنك من نسل الخاطئين، فمن ذلك النسل سرى ذلك العرق الخبيث فيك، ثم شاع الخبر واشتهر. {وقال نسوة} ، أي: وقال جماعة من النساء وكنّ خمساً: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب، والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي، ولذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث وقوله: {في المدينة} ، أي: مدينة مصر ظرف، أي: أشعن الحكاية في مصر أو صفة نسوة، وقيل: مدينة عين شمس. {امرأت العزيز} وإنما أضفنها إلى زوجها إرادة لإشاعة الخبر، لأنّ النفس إلى سماع أخبار أولي الأخطار أميل ويردن قطفير والعزيز الملك بلسان العرب ورسم امرأة بالتاء المجرورة ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء، وأما الوصل فهو بالتاء للجميع {تراود فتاها} ، أي: عبدها الكنعاني، يقال: فتاي وفتاتي، أي: عبدي وجاريتي {عن نفسه} ، أي: تطلب منه الفاحشة وهو يمتنع منها {قد شغفها حباً} ، أي: شق شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها، وحباً نصب على التمييز، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب قال النابغة: *وقد حال همّ دون ذلك والج ... مكان انشغاف تبتغيه الأصابع وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الشين، والباقون بالإدغام {إنا لنراها} ، أي: نعلم أمرها علماً هو كالرؤية {في ضلال} ، أي: خطأ {مبين} ، أي: بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر بسبب حبها إياه. {فلما سمعت} زليخا {بمكرهنّ} ، أي: قولهن
وإنما سمي ذلك مكراً لوجوه: الأوّل أنّ النسوة إنما ذكرن ذلك الكلام استدعاءً لرؤية يوسف عليه السلام، والنظر إلى وجهه؛ لأنهنّ عرفن أنهنّ إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهنّ ليتمهد عذرها عندهنّ. الثاني: أنّ زليخا أسرّت إليهنّ حبها ليوسف عليه السلام وطلبت منهنّ كتمان هذا السرّ فلما أظهرن السرّ كان ذلك مكراً. الثالث: أنهنّ وقعنّ في غيبتها والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر {أرسلت إليهنّ} تدعوهنّ لتقيم عذرها عندهنّ. قال وهب: اتخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهنّ الخمس {وأعتدت} ، أي: أعددت {لهنَّ متكأً} ، أي: طعاماً يقطع بالسكين، وهو الأترج وإنما سمي الطعام متكأً؛ لأنه يتكأ عنده. قال جميل: *فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله والمتكأ ما يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث؛ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك جاء النهي عنه في الحديث أن يأكل الرجل متكئاً. وقال صلى الله عليه وسلم «لا آكل متكئاً» وقيل: إنها زينت البيت بألوان الفواكه والأطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة اللاتي عيرنها بحب يوسف عليه السلام {وآتت} ، أي: أعطت {كل واحدة منهنَّ سكيناً} ، أي: لتأكل بها، وكانت عادتهنّ أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين {وقالت} زليخا ليوسف عليه السلام {اخرج عليهنّ} ، أي: النسوة، وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهنّ يوسف وكانت قد زينته واختبأته في مكان. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر التاء في الوصل، والباقون بالضم، وأمّا الابتداء فجميع القراء يبتدؤون الهمزة بالضم {فلما رأينه} ، أي: النسوة {أكبرنه} ، أي: أعظمنه ودهشن عند رؤيته، واتفق الأكثرون على أنهنّ إنما أكبرنه بمحبتهنّ الجمال الفائق، والحسن الكامل وكان يوسف قد أعطي شطر الحسن، وقال عكرمة: كان فضل يوسف في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت يوسف ليلة أسري بي إلى السماء كالقمر ليلة البدر» ذكره البغويّ بغير سند، وقال ابن إسحاق: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يتلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من الماء عليها ويقال: إنه ورث حسن آدم عليه السلام يوم خلقه الله تعالى قبل أن يخرج من الجنة، وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة، وقيل: أكبرنه يعني حضن، والهاء للسكت يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر؛ لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأنّ أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله: *خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق وقيل: أمنين قال الكميت: *ولما رأته الخيل من رأس شاهق ... صهلن وأمنين المنيّ المدفقا وقال الرازي: إنما أكبرنه؛ لأنهنّ رأين عليه نور النبوّة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والإخبات وشاهدن فيه شهادة الهيبة، وهيبة ملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهنّ، وكان الجمال العظيم مقروناً بتلك الهيبة، فوقع الرعب والمهابة منه في قلوبهنّ
{وقطعنّ أيديهنّ} ، أي: جرحنها بالسكاكين التي معهنّ، وهنّ يحسبن أنهنّ يقطعنّ الأترج، ولم يجدن الألم من فرط الدهشة بيوسف، وقال وهب: مات جماعة منهنّ {وقلن حاش لله} ، أي: تنزيهاً، له الرسم بغير ألف بعد الشين. وقرأ أبو عمرو في الوصل دون الوقف بألف بعد الشين والباقون بغير ألف وقفاً ووصلاً {ما هذا} ، أي: يوسف عليه السلام {بشراً} وإعمال ما عمل ليس هي اللغة القدمى الحجازية ويدل عليها هذه الآية وقوله تعالى {ما هنّ أمّهاتهم} (المجادلة، 2) {إن} ، أي: ما {هذا إلا ملك كريم} ، أي: على الله لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية، فإنّ الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة. {قالت} ، أي: زليخا للنسوة لما رأين يوسف ودهشن عند رؤيته {فذلكن} ، أي: فهذا هو {الذي لمتنني فيه} ، أي: في محبته قبل أن تتصوّرنّه حق تصوره ولو تصورتنه بما عاينتن لعذرتنني، ثم أنها صرحت بما فعلت فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} ، أي: فامتنع من ذلك الفعل الذي طلبت، وإنما صرحت بذلك؛ لأنها علمت أنها لا ملامة عليها منهنّ، وأنهنّ قد أصابهنّ ما أصابها عند رؤيته، ثم قالت: {ولئن لم يفعل ما آمره} ، أي: وإن لم يطاوعني فيما دعوته إليه {ليسجنن} ، أي: ليعاقبن بالحبس {وليكونا من الصاغرين} ، أي: الذليلين المهانين، فقال النسوة ليوسف: أطع مولاتك فيما دعتك إليه، فاختار يوسف عليه السلام السجن على ما دعت إليه فلذلك. {قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه} وإن كان هذا مما تشتهيه النفس، وذلك مما تكرهه نظراً إلى العاقبة، فإنّ الأوّل فيه الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، والثاني فيه المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة. فإن قيل: إنّ الدعاء كان منها فلم أضافه إليهنّ جميعاً؟ أجيب: بأنهنّ خوّفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها، وقيل: إنهنّ دعونه إلى أنفسهنّ. قال بعض العلماء لو لم يقل السجن، أحب إليّ لم يبتل بالسجن والأولى بالعبد أن يسأل الله تعالى العافية، ولذلك ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على من كان يسأل الله الصبر بقوله له: «سألت الله البلاء فاسأله العافية» رواه الترمذي {وإلا} ، أي: وإن لم {تصرف عني كيدهنّ} ، أي: فيما أردن مني بالتثبيت على العصمة {أصب} ، أي: أمل {إليهنّ} يقال: صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه واشتاقه {وأكن} ، أي: أصر {من الجاهلين} ، أي: من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإن الحكيم لا يفعل القبيح وفي ذلك دليل على أن من ارتكب ذنباً إنما يرتكبه عن جهالة، والقصد بذلك الدعاء ولذلك قال تعالى: {فاستجاب له ربه} ، أي: فأجاب الله تعالى دعاءه الذي تضمنه هذا الثناء؛ لأنّ الكريم يغنيه التلويح عن التصريح كما قيل: *إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاك من تعرّضه الثناء {فصرف عنه كيدهن} ، أي: فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان {إنه هو السميع} ، أي: لدعاء الملتجئين إليه {العليم} ، أي: للضمائر والنيات فيجيب ما صح فيه القصد وطاب منه العزم. {ثم بدا} ، أي: ظهر {لهم} ، أي: العزيز وأصحابه {من بعد ما رأوا الآيات} ، أي: الدالة على براءة يوسف عليه السلام كشهادة الصبيّ وقدّ القميص وقطع النساء أيديهنّ واستعصامه عنهنّ {ليسجننه حتى} ، أي: إلى {حين} ينقطع فيه كلام الناس، وذلك أنّ
المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري فإمّا أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإمّا أن تحبسه كما حبستني، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أنّ الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة فسجنه. تنبيه: في فاعل بدا أربعة أوجه: أحسنها أنه ضمير يعود على السجن بفتح السين، أي: ظهر لهم حبسه. والثاني: أنّ الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل وهو بدا، أي: بدا لهم بداء. والثالث: أنه مضمر يدل عليه السياق، أي: بدا لهم رأي. والرابع: أنه محذوف وليسجننه قائم مقامه، أي: بدا لهم السجن، فحذف وأقيمت الجملة مقامه، وليست الجملة فاعلاً؛ لأن الجمل لا تكون كذلك، وقيل: الحبس هنا خمس سنين، وقيل: سبع سنين. وقال مقاتل بن سليمان: حبس يوسف اثنتي عشرة سنة، وقال الرازي: والصحيح أنّ هذه المقادير غير معلومة، وإنما القدر المعلوم أنه بقي مسجوناً مدّة طويلة لقوله تعالى: {وادّكر بعد أمة} (يوسف، 45) وعن عكرمة قال: قال رجل ذو رأي للعزيز: متى تركت هذا العبد يعتذر إلى الناس، ويقص عليهم أمره فاتركه في بيتها لا يخرج إلى الناس فإن خرج للناس عذروه وفضحوا أهلك فأمر به فسجن. {ودخل معه السجن فتيان} وهما غلامان كانا للوليد بن نزوان العمليقي ملك مصر الأكبر أحدهما خبازه صاحب طعامه، والآخر ساقيه صاحب شرابه غضب الملك عليهما فحبسهما وكان السبب فيه أنّ جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله وقتله، فضمنوا لهذين الغلامين مالاً على أن يسما الملك في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم أنّ الساقي ندم ورجع عن ذلك، وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإنّ الطعام مسموم فقال الخباز: لا تشرب فإنّ الشراب مسموم. فقال الملك للساقي اشرب فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك الطعام: دابة فهلكت، فأمر بحبسهما، وكان يوسف عليه السلام حين دخل السجن قال لأهله: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرّب هذا العبد العبراني فنتراءى له رؤيا قال ابن مسعود: وما رأيا شيئاً وإنما تحالما ليجربا يوسف وقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكر أنهما صاحبا الملك حبسهما وقد رأيا رؤيا غمتهما، فقال يوسف: قصا عليّ ما رأيتما {قال أحدهما} وهو صاحب شراب الملك {إني أراني أعصر خمراً} . فإني قيل: كيف يعقل عصر الخمر؟ أجيب: عن ذلك بثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي: العنب الذي يكون عصيره خمراً فحذف المضاف. الثاني: إن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه تقول: فلان يطبخ دبساً وهو يطبخ عصيراً. الثالث: قال أبو صالح: أزد وعمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها. قال الضحاك: نزل القرآن بألسنة جميع العرب وذلك أنه قال: إني رأيت في المنام كأني في بستان وإذا فيه شجرة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه، وسقيت الملك فشربه {وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه} وذلك أنه قال: رأيت في المنام كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان
الطعام وسباع الطير تنهش منه {نبئنا} ، أي: أخبرنا {بتأويله} ، أي: بتفسيره {إنا نراك من المحسنين} ، أي: في علم التفسير؛ لأنه متى عبر لم يخطئ كما قال: وعلمتني من تأويل الأحاديث، وقيل: في أمر الدين؛ لأنه كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة، فإنه كان يصوم النهار ويقوم الليل كله، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا وفي سائر الأمور، وقيل: في حق الشركاء والأصحاب؛ لأنه كان يعود مرضاهم ويؤنس حزينهم، وإذا ضاق على أحدهم وسع عليه وإذا احتاج أحدهم جمع له شيئاً، قيل: إنه لما دخل السجن وجد قوماً اشتدّ بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يسكنهم ويقول: اصبروا وأبشروا تؤجروا فيقولون: بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفيّ الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: والله يا فتى لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت. وروي أنّ الفتيين لما رأيا يوسف قالا: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما يوسف: أنشدكما الله أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ بلاء ثم أحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فحبست، فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما. {قال} معرضاً عن سؤالهما أخذاً في غيره من إظهار المعجزة في الدعاء إلى التوحيد {لا يأتيكما طعام ترزقانه} ، أي: في منامكما {إلا نبأتكما بتأويله} ، أي: في اليقظة {قبل أن يأتيكما} تأويله، وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام ترزقانه من منازلكما تطعمانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل إليكما قبل أن يصل وأي طعام أكلتم، ومتى أكلتم وهذه كمعجزة عيسى عليه السلام حيث قال: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} (آل عمران، 49) فقالا: هذا فعل العرافين والكهنة. فمن أين لك هذا العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن {ذلكما} ، أي: هذا التأويل والإخبار بالمغيبات {مما علمني ربي} وفي ذلك حث على إيمانهم ثم قواه بقوله {إني تركت ملة} ، أي: دين {قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} وكرر لفظة هم للتأكيد لشدّة إنكارهم للمعاد. ولما ادعى يوسف عليه السلام النبوّة وأظهر المعجزة أظهر أنه من أهل بيت النبوّة بقوله: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} ليسمعوا قوله ويطيعوا أمره فيما يدعوهم إليه من التوحيد، فإنّ الإنسان متى ادّعى حرفة أبيه وجدّه لم يستبعد ذلك منه، وأيضاً فكمال درجة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمر مشهور في الدنيا، فإذا أظهر أنهم آباؤه عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال فكان انقيادهم له أتم وتأثير قلوبهم بكلامه أكمل. فإن قيل: إنه كان نبياً فكيف قال: اتبعت ملة آبائي، والنبيّ لا بدّ وأن يكون مختصاً بشريعة نفسه؟ أجيب: بأنّ مراده التوحيد الذي لا يتغير، أو لعله كان رسولاً من عند الله تعالى إلا أنه كان نبي على شريعة إبراهيم عليه السلام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون ياء آبائي، والباقون بالفتح {ما كان} ، أي: ما صح {لنا} معشر الأنبياء {أن نشرك بالله من شيء} لأنّ الله تعالى طهره وطهر آباءه عن الكفر ونظيره قوله تعالى: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} (مريم، 35) وإنما قال: من شيء
لأنّ؛ أصناف الشرك كثيرة، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الملائكة، فقوله: من شيء ردّ على هؤلاء الطوائف وإرشاد إلى الدين الحق، وهو أنه لا موجد ولا خالق ولا رازق إلا الله {ذلك} ، أي: التوحيد {من فضل الله علينا} بالوحي {وعلى الناس} ، أي: سائرهم ببعثنا لارشادهم وتثبيتهم عليه {ولكنّ أكثر الناس} ، أي: المبعوث إليهم {لا يشكرون} هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم؛ لأنهم تركوا عبادته وعبدوا غيره ثم دعاهم إلى الإيمان فقال: {يا صاحبي السجن} ، أي: يا صاحبيّ في السجن فأضافهما إلى السجن كما تقول: يا سارق الليلة، فكما أنّ الليلة مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب وإنما المصحوب غيره وهو يوسف عليه السلام، أو يا ساكني السجن كما قيل لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار {أأرباب} ، أي: آلهة {متفرقون} ، أي: متباينون من ذهب وفضة وصفر وحديد وخشب وحجارة وصغير وكبير ومتوسط وغير ذلك {خير} ، أي: أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة {أم الله الواحد القهار} ، أي: المتوحد بالألوهية الذي لا يغالب ولا يشارك في الربوبية غيره خير، والاستفهام للتقرير، وفي الهمزتين في {أأرباب} من القراءات ما في {أأنذرتهم} وقد مرّ. فإن قيل: هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال: إنها خير أم الله؟ أجيب: بأنّ ذلك خرج على سبيل الفرض، والمعنى: لو سلمنا أنه حصل منها ما يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار. ثم بين عجز الأصنام فقال: {ما تعبدون} وإنما خاطبهم بلفظ الجمع وقد ابتدأ بالتثنية في المخاطبة؛ لأنه أراد جميع من في السجن من المشركين. والعبادة خضوع القلب في أعلى مراتب الخضوع، وبيّن حقارة معبوداتهم وسفالتها بقوله: {من دونه} ، أي: الله الذي قام البرهان على إلهيته وعلى اختصاصه بذلك {إلا أسماء} وبيّن ما يريد وأوضحه بقوله {سميتموها} ، أي: ذوات أوجدتم لها أسماء {أنتم} سميتموها آلهة وأرباباً، وهي حجارة جماد خالية عن المعنى لا حقيقة لها {وآباؤكم} من قبلكم سموها كذلك {ما أنزل الله بها} ، أي: بعبادتها {من سلطان} ، أي: حجة وبرهان {إن الحكم} ، أي: ما الحكم {إلا لله} ، أي: المختص بصفات الكمال والحكم فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة {أمر} وهو النافذ الأمر المطاع الحكم {أن لا تعبدوا إلا إياه} ؛ لأنه المستحق للعبادة لا هذه الأسماء التي سميتموها آلهة. ولما أقام الدليل على هذا الوجه الذي كان جديراً بالإشارة إلى فضله أشار إليه بأداة البعد تنبيهاً على علوّ مقامه وعظيم شأنه فقال: {ذلك} ، أي: الشأن الأعظم وهو توحيده وإفراده عن خلقه {الدين القيم} ، أي: المستقيم الذي لا عوج فيه {ولكنَّ أكثر الناس} وهم الكفار {لا يعلمون} ما يسيرون إليه من العذاب فيشركون. ولما قرر يوسف عليه السلام أمر التوحيد والنبوّة إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه فقال: {يا صاحبي السجن} ، أي: الذي يحصل فيه الانكسار للنفس والرقة في القلب، فتخلص فيه المودّة، ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز أبهم ليجوّز كل منهما أنه الفائز، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذراً له في الخروج عن الأليق فقال: {أمّا أحدكما} وهو صاحب شراب الملك {فيسقي ربه} ، أي: سيده {خمراً} على
عادته، والعناقيد الثلاثة هي ثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يدعو به الملك فيردّه إلى رتبته التي كان عليها هذا تأويل رؤياه {وأمّا الآخر} وهو صاحب طعام الملك {فيصلب} والسلال الثلاثة ثلاثة أيام، ويدعو به الملك فيصلبه {فتأكل الطير من رأسه} هذا تأويل رؤياه، قال ابن مسعود: فلما سمعا قول يوسف عليه السلام قالا: ما رأينا شيئاً إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف عليه السلام {قضي} ، أي: تم {الأمر الذي فيه تستفتيان} ، أي: تطلبان الإفتاء فيه عملاً بالفتوة، فسألتما عن تأويله وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما لم أقله عن جهل ولا غلط. {وقال} يوسف عليه السلام {للذي ظنّ} ، أي: علم وتحقق، فالظنّ بمعنى العلم؛ لأنه قاله عن وحي لقوله {قضي الأمر} ويجوز أن يكون ضمير ظنّ للساقي، فهو حينئذ على بابه {أنه ناجٍ منهما} وهو الساقي {اذكرني عند ربك} ، أي: سيدك ملك مصر بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما رميت به، والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله: {أأرباب متفرقون} فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قاله لهما يوسف عليه السلام، واختلف في ضمير {فأنساه الشيطان ذكر ربه} على قولين: أحدهما: أنه يعود إلى الساقي، وهو قول جماعة من المفسرين، أي: فأنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك قالوا: لأنّ صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل الساقي حتى أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. والقول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أنه يرجع إلى يوسف عليه السلام. وقال الرازي: إنه الحق، أي: أنّ الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه تعالى حتى استعان بمخلوق مثله، وتلك غفلة عرضت له عليه السلام، فإنّ الاستعانة بالمخلوق في رفع الظلم جائزة في الشريعة إلا أنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، فهذا وإن كان جائزاً لعامّة الخلق إلا أنّ الأولى بالصدّيقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب، فلهذا صار يوسف عليه السلام مؤاخذاً بهذا القول ولم يؤاخذه تعالى في تلك القصة البتة بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء فعلم بذلك أنه عليه السلام كان مبرأً مما نسبه الجهال والحشوية إليه. فإن قيل: كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه؟ أجيب: بأنّ ذلك إنما كان شغل خاطر، وأمّا النسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر وإزالته عن القلب بالكلية فلا يقدر عليه، واختلف في قدر البضع في قوله تعالى: {فلبث في السجن بضع سنين} فقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى التسع. وقال ابن عباس: ما دون العشرة. وقال البغوي: وأكثر المفسرين أنّ البضع في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبله خمس سنين، فجملته اثنتا عشرة سنة، وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين. وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلنّ حبسك، فبكى يوسف وقال: يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، قال الحسن: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها ما لبث في السجن ما لبث» ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا بلاء فزعنا إلى الناس، ذكره الثعلبي مرسلاً وبغير سند. وقال الحسن أيضاً: دخل جبريل على يوسف عليهما السلام في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: يا أخا المنذرين ما لي أراك بين
الخاطئين. فقال له جبريل: يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين ويقول لك: أما استحييت مني واستشفعت للآدميين فوعزتي لالبثنك في السجن بضع سنين. قال يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: نعم. قال: إذاً لا أبالي. وقال كعب: قال جبريل ليوسف: إنّ الله تعالى يقول لك: من خلقك؟ قال: الله. قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله. قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله. قال: فمن أنجاك من كرب البئر؟ قال: الله تعالى. قال فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله. قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟. قال محمد بن عمر الرازيّ في تفسيره: والذي جربته من أوّل عمري إلى آخره أنّ الإنسان كلما عوّل في أمر من الأمور على غير الله تعالى صار ذلك سبباً للبلاء والمحنة والشدّة والرزية، وإذا عول على الله تعالى ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه، فهذه التجربة قد استمرّت لي من أوّل عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت إلى السابع والخمسين، فعند ذلك استقرّ قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه. ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر الأكبر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هائلة، كما قال تعالى: {وقال الملك إني أرى} ، أي: رأيت عبر بالمضارع حكاية للحال لشدّة ما هاله من ذلك {سبع بقرات سمان} ، أي: خرجن من نهر يابس، والسمن زيادة البدن من الشحم واللحم وسمان جمع سمينة، ويجمع سمين أيضاً عليه يقال: رجال سمان ونساء سمان كما يقال: رجال كرام ونساء كرام {يأكلهنّ} ، أي: يبتلعهنّ {سبع} ، أي: من البقر {عجاف} جمع عجفاء، أي: مهازيل خرجن من ذلك النهر. تنبيه: جمع عجفاء على عجاف، والقياس عجف نحو حمراء وحمر حملاً له على سمان؛ لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض {و} إني أرى {سبع سنبلات خضر} ، أي: قد انعقد حبها {و} إني أرى سبع سنبلات {أخر يابسات} ، أي: قد أدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها وإنما استغنى عن بيان حالها بما نص من حال البقرات، والسنبلة نبات كالقصبة فيها جملة حبوب منتظمة، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: قال الملك بعد أن جمع السحرة والكهنة والمعبرين {يا أيها الملأ} ، أي: الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مآثرهم {أفتوني في رؤياي} ، أي: أخبروني بتأويلها {إن كنتم للرؤيا تعبرون} ، أي: إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا فاعبروها. تنبيه: اللام في للرؤيا مزيدة فلا تعلق لها بشيء، وزيدت لتقدّم المعمول تقويةً للعامل كما زيدت إذا كان العامل فرعاً كقوله تعالى: {فعال لما يريد} (البروج، 16) ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة، وقيل: ضمن تعبرون معنى ما يتعدّى باللام تقديره: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا، وقيل: متعلقة بمحذوف على أنها للبيان كقوله تعالى: {وكانوا فيه من الزاهدين} (يوسف، 20) تقديره: أعني فيه، وكذلك هذا تقديره: أعني للرؤيا، وعلى هذا يكون مفعول تعبرون محذوفاً تقديره تعبرونها، وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قالوا} هذه الرؤيا {أضغاث} ، أي: أخلاط {أحلام} مختلطة مختلفة مشتبهة جمع ضغث بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة، وهي قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، والأحلام جمع حلم بضم الحاء وإسكان اللام وضمها، وهو الرؤيا فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلاً
لكونه من حديث النفس ووسوسة الشيطان لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها؛ لأنّ الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من تحزين الشيطان وتخليطاته، وتارة من حديث النفس، ثم قالوا: {وما نحن} ، أي: بأجمعنا {بتأويل الأحلام} ، أي: المنامات الباطلة {بعالمين} ، أي: ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدّمة ثانية للعذر ولما سأل الملك عن هذه الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف عليه السلام؛ لأنه كان يعتقد فيه كونه متبحراً في هذا العلم كما قال تعالى: {وقال الذي نجا} ، أي: خلص {منهما} ، أي: من صاحبي السجن وهو الشرابي إنّ في الحبس رجلاً فاضلاً صالحاً كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في كل ما ذكر وما أخطأ في حرف، فكانت هذه الرؤيا سبباً لخلاص يوسف عليه السلام، ولم يتذكر الشرابي إلا بعد طول المدّة كما قال تعالى: {وادّكر} بالدال المهملة، أي: طلب الذكر بالذال المعجمة وزنه افتعل {بعد أمّة} ، أي: وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة، أي: مدّة طويلة، والجملة اعتراض ومقول القول {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} ، أي: إلى يوسف عليه السلام فإنه أعلم الناس فأرسلوه إليه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولم يكن السجن بالمدينة فأتاه، فقال الساقي المرسل إليه منادياً له نداء القرب تحبباً إليه: {يوسف} وزاد في التحبب بقوله {أيها الصدّيق} ، أي: البليغ في الصدق والتصديق؛ لأنه جرّب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، وهذا يدل على أنّ من أراد أن يتعلم من رجل شيئاً فإنه يجب عليه أن يعظمه وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال، ثم إنه أعاد السؤال يعني اللفظ الذي ذكره الملك فقال: {أفتنا} ، أي: اذكر لنا الحكم {في سبع بقرات سمان} ، أي: رآهنّ الملك {يأكلهنّ سبع} من البقر {عجاف و} في {سبع سنبلات} جمع سنبلة وهي مجمع الحب من الزرع {خضر و} في سبع {أخر} من السنابل {يابسات} ، أي: في رؤيا ذلك، ونعم ما فعل من ذكر السؤال بعين اللفظ، فإنّ نفس الرؤيا قد تختلف بحسب اختلاف الألفاظ كما هو مذكور في ذلك العلم ثم قال: {لعلي أرجع إلى الناس} ، أي: إلى الملك وجماعته بفتواك قبل مانع يمنعني {لعلهم يرجعون} ، أي: بتأويل هذه الرؤيا، وقيل: بمنزلتك في العلم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بفتح الياء، والباقون بالسكون. {قال} يوسف عليه السلام معبراً لتلك الرؤيا: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخصبات، وأمّا البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبة فذلك قوله {تزرعون سبع سنين} وهو خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن} (البقرة، 228) {والوالدات يرضعن} (البقرة، 233) وإنما خرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في الإيجاب فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: {فذروه في سنبله} وقوله: {دأباً} نصب على الحال، أي: دائبين، أي: سبع سنين متتابعة على عادتكم في الزراعة، والدأب العادة، وقيل: ازرعوا بجد واجتهاد، وهذا تأويل السبع السمان والسنبلات الخضر. وقرأ حفص بفتح الهمزة، وسكنها الباقون، وأبدلها السوسي ألفا وقفاً ووصلاً، وحمزة وقفاً فقط. {فما حصدتم فذروه} ، أي: اتركوه {في سنبله} لئلا يفسد ولا يقع فيه السوس، وذلك أبقى له على
طول الزمان {إلا قليلاً مما تأكلون} ، أي: ادرسوا قليلاً من الحنطة للأكل بقدر الحاجة، أمرهم بحفظ الأكثر لوقت الحاجة أيضاً، وهو وقت السنين المجدبة كما قال: {ثم يأتي من بعد ذلك} ، أي: السبع المخصبات {سبع شداد} ، أي: مجدبات صعاب وهي تأويل السبع العجاف والسنبلات اليابسات {يأكلن ما قدّمتم لهنّ} ، أي: يأكل أهلهنّ ما ادّخرتم لأجلهنّ، فأسند إليهنّ على المجاز تطبيقاً بين المعبر وهو يأكلهنّ سبع عجاف والمعبر به وهو يأكلن ما قدّمتم لهنّ {إلا قليلاً مما تحصنون} ، أي: تحرزون وتدّخرون للبذر، والإحصان الإحراز وهو إبقاء الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع. {ثم يأتي من بعد ذلك} ، أي: السبع المجدبات {عام فيه يغاث الناس} ، أي: يمطرون من الغيث وهو المطر، وقيل: ينقذون من قول العرب استغثت فأغاثني {وفيه يعصرون} من العنب خمراً، ومن الزيتون زيتاً، ومن السمسم دهناً، وأراد بذلك كثرة النعم والخير. وقال أبو عبيدة: ينجون من الكرب والشدّة والجدب. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب؛ لأنّ الكلام كله مع الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة ردّاً إلى الناس. ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه. {وقال الملك} ، أي: الذي العزيز في خدمته {ائتوني به} لأسمع ذلك منه وأكرمه وهذا يدلّ على فضيلة العلم فإنه سبحانه وتعالى جعل علمه سبباً لخلاصه من المحنة الدنيوية، فكيف لا يكون العلم سبباً للخلاص من المحن الأخروية؟ فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك {فلما جاءه} ، أي: يوسف عليه السلام عن قرب من الزمان {الرسول} بذلك وهو الساقي وقال له: أجب الملك {قال} له يوسف عليه السلام {ارجع إلى ربك} ، أي: سيدك الملك، ولم يخرج معه حتى يظهر برهانه للملك ولا يراه بعين النقص ولذلك قال: {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهنّ} وإنما قال يوسف عليه السلام: فاسأله ما بال النسوة، ولم يقل: فاسأله أن يفتش عن حالهنّ؛ لأنّ قوله: فاسأله يحتمل أن يكون بمعنى المسألة، أي: اسأله عن شأنهنّ وأن يكون بمعنى الطلب، وهو أن يفتش عن شأنهنّ فحسن تقييده بلفظ ما التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ليهيجه أن يتحرك للتفتيش عن حالهنّ؛ لأنّ الإنسان حريص على تحقيق الشيء ويستنكف أن ينسب إلى الجهل به بخلاف ما لو قال: سله أن يفتش، أي: اطلب منه فإنه لا يبالي بهذا الطلب ولا يلتفت إليه لا سيما الملوك.k وإنما لم يتعرّض لسيدته مع ما صنعته به كرماً ومراعاة للأدب، وقدّم سؤال النسوة وفحص حالهنّ لتظهر براءة ساحته؛ لأنه لو خرج في الحال لربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثر، فلما التمس من الملك أن يفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي للشخص أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لقد عجبت من يوسف وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حيث أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر، إن كان لحليماً ذا أناة» . وأصل الحديث في الصحيحين مختصراً، وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك على سبيل التواضع لا أنه
صلى الله عليه وسلم كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، والتواضع لا يصغر كبيراً ولا يضع رفيعاً ولا يبطل لذي حق حقه، لكنه يوجب لصاحبه فضلاً ويلبسه جلالة وقدراً، وقوله: «والله يغفر له» مثل هذه المقدمة مشعرة بتعظيم المخاطب من توقيره وتوقير حرمته كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي، وقوله: «إن كان لحليماً» إن هي المخففة من الثقيلة، والأناة الوقار، وقيل: هو اسم من التأني في الأمور. وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها {إنّ ربي} ، أي: الله {بكيدهنّ عليم} حين قلن أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهنّ والاستشهاد بعلم الله تعالى عليه وأنه بريء مما عيب به، والوعيد لهنّ على كيدهنّ، وقيل: المراد بربي الملك، وجعله رباً لنفسه لكونه مربياً له، وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالماً بكيدهنّ ومكرهنّ، ولما قال يوسف عليه السلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين الأمر رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه السلام فكأنه قيل: فما فعل الملك؟ فقيل: {قال} للنسوة بعد أن جمعهنّ وامرأة العزيز معهنّ {ما خطبكنّ} ، أي: ما شأنكنّ العظيم وقوله: {إذ راودتنّ} ، أي: خادعتنّ {يوسف عن نفسه} دليل على أنّ براءته كانت متحققة عند كل من علم القصة، وإنما خاطب الملك جميع النسوة بهذا الخطاب، والمراد بذلك امرأة العزيز وحدها ليكون أستر لها، وقيل: إنّ امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهنّ فكأنه قيل فما قلن؟ قيل: {قلن حاش لله} ، أي: عياذاً بالملك الأعظم وتنزيهاً له من هذا الأمر {ما علمنا عليه} ، أي: يوسف عليه السلام وأغرقن في النفي فقلن {من سوء} ، أي: من خيانة في شيء من الأشياء، ولما أنّ يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال: {ما بال النسوة اللاتي قطعنّ أيديهنّ} (يوسف، 50) فذكرهنّ ولم يذكر تلك المرأة البتة وعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيماً لجانبها وإخفاء للأمر عنها أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن، فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء فلذلك {قالت امرأت العزيز} مصرحة بحقيقة الحال {الآن حصحص الحق} ، أي: ظهر وتبين {أنا راودته} ، أي: خادعته {عن نفسه} وأكدت ما أفصحت به مدحاً ونفياً لكل سوء بقولها مؤكداً لأجل ما تقدّم {وإنه لمن الصادقين} ، أي: الغريقين في هذا الوصف في نسبة المراودة إليّ، وتبرئة نفسه، فقد شهد النسوة كلهنّ ببراءته، وإنه لم يقع منه ما ينسب به إلى شيء من السوء البتة، فمن نسب بعد ذلك هما أو غيره فهو تابع لمجرّد الهوى في نبيّ من المخلصين. قال الرازي: رأيت في بعض الكتب أنّ امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادّعت عليه المهر، فأمر القاضي بأن تكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من إقامة الشهادة. فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقرّ بصداقها في دعواها. فقالت المرأة: لما أكرمتني إلى هذا الحدّ فاشهدوا أني أبرأت ذمّتك من كل حق لي عليك. ولما رجع الرسول إلى يوسف عليه السلام وأخبره بشهادتهنّ ببراءته قال: {ذلك} ، أي: الخلق العظيم في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق {ليعلم} العزيز بإقرارها وهي في الأمن وأنا في محل الضيق والخوف علماً مؤكداً {أني لم أخنه} ، أي: في أهله ولا في غيرها {بالغيب} ، أي:
والحال أنّ كلاً منا غائب عن صاحبه هذا قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام، قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى: {إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} (النمل، 34) هذا كلام بلقيس، ثم قال الله تعالى: {وكذلك يفعلون} (النمل، 34) وقوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} (آل عمران، 9) كلام الداعي ثم قال الله تعالى: {إنّ الله لا يخلف الميعاد} ثم ختم الكلام بقوله: {وأنّ الله لا يهدي} ، أي: يسدّد وينجح بوجه من الوجوه {كيد الخائنين} ، أي: ولو كنت خائناً لما خلصني الله من هذه الورطة العظيمة، وحيث خلصني منها ظهر أني بريء عما نسبوني إليه. وقيل: إنه كلام امرأة العزيز، والمعنى: أني وإن كنت أحلت عليه الذنب في حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه في غيبته، أي: لم تقل فيه وهو في السجن خلاف الحق، ثم إنها بالغت في تأكيد هذا القول وقالت: {وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين} يعني إني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت، وإنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله تعالى منه. واعلم أنّ هذه الآية على القول الأوّل دالة على طهارة يوسف عليه السلام من وجوه كثيرة؛ الأوّل: قولها: {أنا رادوته عن نفسه} . والثاني: قولها: {وإنه لمن الصادقين} وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله: {هي راودتني عن نفسي} . والثالث: قول يوسف عليه السلام: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت. قال الرازي: وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد، أي: وإنما أسندها بعضهم لابن عباس بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعياً منهم في تحريف ظاهر القرآن. ورابعها: أنّ إقدامه على قوله {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلاً لا يليق بأحد من العقلاء، فكيف يليق إسناده إلى نبي مرسل من سلالة الأنبياء الأصفياء؟ فثبت أنّ هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقول الجهال والحشوية، واختلفوا في تفسير قوله: {وما أبرئ نفسي} لأنّ ذلك يختلف باختلاف ما قبله؛ لأنّ قوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} إن كان من كلام يوسف عليه السلام، وقد مرّ أنه قول الأكثرين فهو أيضاً كلامه، وإن كان من كلام المرأة، فهذا أيضاً كلامها، فعلى الأوّل قد تمسك به الحشوية، وقالوا: إنه عليه السلام لما قال: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال له جبريل: ولا حين حللت تكة سراويلك فعند ذلك قال يوسف عليه السلام {وما أبرئ نفسي} . {إنّ النفس لأمّارة بالسوء} ، أي: بالزنا {إلا ما رحم} ، أي: عصم منه {ربي إنّ ربي غفور} ، أي: للهم الذي هممته {رحيم} ، أي: لو فعلته لتاب عليّ، وهذا ضعيف كما قاله الرازي لما تقدّم أنّ الآية المتقدّمة برهان قاطع على براءته من الذنب، وإنما قال ذلك عليه السلام؛ لأنه لما قال: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} كان ذلك جارياً مجرى مدح النفس وتزكيتها وقد قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم، 32) فاستدرك ذلك على نفسه بقوله: {وما أبرئ نفسي} والمعنى وما أزكي نفسي {إنّ النفس لأمارة بالسوء} ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية. وعلى الثاني أنها لما قالت: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}
قالت: {وما أبرئ نفسي} من الخيانة مطلقاً، فإني قد خنته حي أحلت الذنب عليه وقلت: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن} وأودعته في الحبس، كأنها أرادت الاعتذار مما كان، واختلف في قوله: {وقال الملك} فمنهم من قال: هو العزيز، ومنهم من قال: هو الريان الذي هو الملك الأكبر. قال الرازي: وهذا هو الأظهر لوجهين: الأوّل: أنّ قول يوسف {اجعلني على خزائن الأرض} يدل عليه. الثاني: قوله {أستخلصه لنفسي} يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً وقد كان يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصاً للعزيز فدل هذا على أنّ هذا الملك هو الملك الأكبر انتهى. وإنما صرّح به ولم يستغن بضميره كراهية الالتباس لما تخلل بينه وبين جواب امرأة العزيز من كلام يوسف عليه السلام، ولو كان الكل من كلامها لاستغني بالضمير، ولم يحتج إلى إبرازه {ائتوني به استخلصه لنفسي} ، أي: أجعله خالصاً لي دون شريك. قال ابن عباس: فأتاه الرسول فقال له: ألق عنه ثياب السجن وألبسه ثياباً جدداً، وقم إلى الملك فدعا له أهل السجن وهو يومئذٍ ابن ثلاثين سنة، واغتسل وتنظف ولبس ثياباً جدداً بعد أن دعا لأهل السجن فقال: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عنهم الأخبار، وكتب على باب السجن هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وبيوت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم أتى الملك فلما رآه غلاماً حدثاً فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة؟ ثم أقعده قدّامه وقال له: لا تخف وألبسه طوقاً من ذهب وثياباً من حرير، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك، وروي أنّ جبريل عليه السلام دخل على يوسف وهو في الحبس وقال: قل: اللهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، فقبل الله تعالى دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن، وروي أنّ يوسف لما دخل عليه قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه بالعربية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان آبائي، قال وهب: كان الملك يتكلم بسبعين لغة ولم يعرف هذين اللسانين، وكان الملك كلما كلمه بلسان أجابه يوسف عليه السلام وزاد بالعربية والعبرانية {فلما كلمه} ، أي: كلم الملك يوسف عليه السلام وشاهد منه ما شاهد من جلال النبوّة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل السعادة أقبل عليه وقال: إني أحبّ أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهاً، فأجابه بذلك الجواب شفاهاً وشهد قلبه بصحته فعند ذلك. {قال} له {إنك اليوم لدينا مكين أمين} ، أي: ذو مكانة وأمانة على أمرنا فما ترى أيها الصديق؟ {قال} أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنين المجدبة بعنا الغلال فيحصل بهذا الطريق مال عظيم، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟ فقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} جمع خزانة وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض أرض مصر، أي: خزائن أرضك مصر، وقال الربيع بن أنس:، أي: خرج مصر ودخله. وروى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من
ساعته لكنه لما قال ذلك أخره الله تعالى سنة فأقام في بيته سنة مع الملك» . قال الرازي: وهذا من العجائب؛ لأنه لما تثاقل عند الخروج من السجن سهل الله تعالى عليه ذلك على أحسن الوجوه. ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه، وهذا يدل على أنّ ترك التصرف أتم، والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى، ثم قال: {إني حفيظ عليم} ، أي: ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل: كاتب وحاسب. فإن قيل: لم طلب يوسف عليه السلام الإمارة والنبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة» . ولم طلب الإمارة من سلطان كافر، ولم لم يصبر مدّة، ولم أظهر الرغبة في طلبها في الحال، ولم طلب أمر الخزائن في أوّل الأمر مع أن هذا يورث نوع تهمة، ولم مدح نفسه وقد قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم، 32) ولم ترك الاستثناء في هذا وقد قال تعالى: {ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} (الكهف: 23، 24) فهذه سبعة أسئلة؟. أجيب عنها: بأنّ الأصل في جواب هذه الأسئلة أنّ التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان وإنما كان ذلك واجباً عليه لوجوه: الأوّل: أنه كان رسولاً حقاً من الله تعالى إلى الخلق والرسول يجب عليه مراعاة الأمة بقدر الإمكان. والثاني: أنه علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد، فلعله تعالى أمره أن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. والثالث: أن السعي أيضاً في إيصال النفع إلى المستحقين ورفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول، فكان مكلفاً عليه السلام برعاية المصالح من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإنما مدح نفسه؛ لأنّ الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكن ما كان عالماً بأنه يفي بهذا الأمر، وأيضاً مدح النفس إنما يكون مذموماً إذا قصد به الشخص التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، وأمّا هذا الوجه فليس بمذموم وقوله تعالى {فلا تزكوا أنفسكم} (النجم، 32) المراد به تزكية حال من لا يعلم كونها مزكاة والدليل قوله تعالى بعد هذه الآية: {هو أعلم بمن اتقى} (النجم، 32) أمّا إذا كان الإنسان عالماً بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه، وإنما ترك الاستثناء؛ لأنه لو ذكره بما اعتقد الملك فيه إنه إنما ذكره لعلمه أنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي، فلهذا المعنى ترك الاستثناء، ولما سأل يوسف عليه السلام ما تقدم قال معلماً بأنه قد أجيب بتنجيز الله تعالى له: {وكذلك} ، أي: كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن {مكنا ليوسف في الأرض} ، أي: أرض مصر {يتبوّأ} ، أي: ينزل {منها حيث يشاء} بعد الضيق والحبس قال ابن عباس وغيره: ولما انقضت السنة من يوم سأل الأمارة دعاه الملك فتوجه وجعل خاتم الملك في إصبعه وقلده سيفه وجعل له سريراً من ذهب مكللاً بالدرّ والياقوت طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع عليه ستون فراشاً، فقال يوسف عليه السلام: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأمّا الخاتم فأدبر به أمرك، وأمّا التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي، وأمره أن يخرج فخرج لونه كالثلج ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لونه، فانطلق حتى جلس على ذلك السرير ودانت له الملوك ودخل الملك بيته وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن إسحاق: قال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن
كثيرة فسلم سلطانه كله إليه وجعل أمره وقضاءه نافذاً في مملكته، ثم مات قطفير بعد ذلك فزوّجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ قالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي، فوجدها يوسف عليه السلام عذراء فأصابها فولدت له ذكرين افراثيم وميشا، فأقام العدل بمصر وأحبه الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى، ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية، ثم بالدواب في السنة الثالثة، ثم بالعبيد والإماء في السنة الرابعة، ثم بالضياع والعقار في السنة الخامسة، ثم بأولادهم في السنة السادسة، ثم برقابهم في السنة السابعة حتى لم يبق بمصر حرّ ولا حرّة إلا صار عبداً له، فقال الناس: ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم من هذا صار كل الخلق عبيداً له، فلما سمع ذلك قال: إني أشهد الله أني اعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع أحداً ممن يطلب الطعام أكثر من حمل بعير؛ لئلا يضيق الطعام على الباقين هذا ملخص ما قاله البغوي والزمخشري وغيرهما. قال الرازي: والله أعلم بحقيقة الحال وروي أنّ يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام، فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إن شبعت نسيت الجائع، وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غداءه نصف النهار أراد بذلك أن يذيق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين قال البغوي: فمن ثم جعل الملوك غداءهم نصف النهار قال الله تعالى: {نصيب} ، أي: نخص {برحمتنا من نشاء} في الدنيا والآخرة {ولا نضيع أجر المحسنين} بل نؤتيهم أجورهم عاجلاً؛ وآجلاً لأنّ إضاعة الأجر إما أن تكون للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل ممتنع في حق الله تعالى فالإضاعة ممتنعة. {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} الشرك والفواحش، قال الرازي: وهذا تنصيص من الله تعالى على أنّ يوسف عليه السلام كان في الزمان السابق من المتقين وليس هاهنا زمان سابق يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله تعالى فيه: {ولقد همت به وهمّ بها} فكان هذا من الله تعالى شهادة بأنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين وأيضاً قوله: {ولا نضيع أجر المحسنين} شهادة من الله تعالى على أنه كان من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأنّ يوسف كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين، والجاهل الحشوي يقول: إنه كان من المذنبين ولا شك أن من لم يقبل قول الله تعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين. ولما اشتدّ القحط وعظم البلاء عم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى بلاد الشام وأرض كنعان، وقصد الناس مصر من كل مكان للميرة، فجعل يوسف عليه السلام لا يعطي أحداً أكثر من حمل بعير وإن كان عظيماً تقسيطاً بين الناس. وتزاحم الناس عليه، ونزل بآل يعقوب ما نزل بالناس من الشدّة، فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه فذلك قوله تعالى: {وجاء إخوة يوسف} وكانوا عشرة وكان منزلهم بالعربات من أرض فلسطين ثغور الشأم وكانوا أهل إبل وشياه، فدعاهم أبوهم يعقوب عليه السلام، وقال: بلغني أن
بمصر ملكاً صالحاً يبيع الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون من الطعام. وههنا همزتان مختلفتان من كلمتين، فقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو بتسهيل الثانية، والباقون بالتحقيق. ولما أمرهم أبوهم بذلك خرجوا حتى قدموا مصر {فدخلوا عليه فعرفهم} قال ابن عباس: بأوّل نظرة إليهم عرفهم. وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. {وهم له منكرون} ، أي: لم يعرفوه وذلك لوجوه: الأوّل: أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بواسطة، الثاني: أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيراً، ثم أنهم رأوه بعد وفور اللحية وكبر الجثة، قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه، وقال عطاء: إنما لم يعرفوه؛ لأنه كان على سرير الملك، وكان بزيّ ملوك مصر عليه ثياب حرير، وفي عنقه طوق ذهب، ثم أنّ يوسف عليه السلام أمر بإنزالهم وإكرامهم وكانت عادته أن لا يزيد أحداً على حمل بعير، وكانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال كما قال تعالى: {ولما جهزهم بجهازهم} ، أي: وفاهم كيلهم والجهاز ما يعدّ من الأمتعة للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها، فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر بقي معه وذكروا أنّ أباهم لأجل سنه وشدّة حزنه لم يحضر، وأن أخاهم في خدمة أبيه ولا بدّ لهما أيضاً من حملين آخرين من الطعام، فلما ذكروا ذلك قال يوسف عليه السلام: فهذا يدل على أنّ حب أبيكم له أزيد من حبه لكم، وهذا شيء عجيب؛ لأنكم أنتم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل ذلك على أنه أعجوبة في العقل والأدب فجيئوني به حتى أراه كما قال تعالى حكاية عنه: {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} ، أي: الذي خلفتموه عنده. وقيل: إنه لما نظر إليهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: اخبروني من أنتم وما أمركم؟ فإني أنكرت شأنكم قالوا: قوم من أرض الشأم أصابنا ما أصاب الناس، فجئنا نمتار فقال: لعلكم جئتم لتنظروا إلى عورة بلادنا؟ قالوا: لا والله لسنا بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صديق، يقال له يعقوب نبيّ من أنبياء الله تعالى، قال: وكم كنتم؟ قالوا: كنا اثنى عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها، وكان من أحبنا إلى أبينا قال: فكم أنتم ههنا؟ قالوا: عشرة. قال: وأين الابن الآخر؟ قالوا: عند أبينا؛ لأنه أخو الذي هلك وأبوه مبتلى به. قال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد. فقال يوسف عليه السلام: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. فقالوا: إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده، ثم إنه قال لهم: {ألا ترون أني أوفي الكيل} ، أي: أتمه ولا أبخس منه شيئاً، وقرأ نافع بفتح الياء من أني، والباقون بالسكون، وأما الياء من {أوفي} فجميع القراء يثبتونها في الوقف لثباتها في الرسم، وحذفوها في الوصل لالتقاء الساكنين {وأنا خير المنزلين} ، أي: المضيفين فإنه كان قد أحسن ضيافتهم مدّة إقامتهم عنده. قال الرازي: وهذا يضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم عيون وجواسيس، ولو شافههم بهذا الكلام
فلا يليق به أن يقول لهم: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين} وأيضاً يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقاً أن يقول لهم: أنتم عيون وجواسيس مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة؛ لأنّ البهتان لا يليق بحال الصديق ثم قال عليه السلام: {فإن لم تأتوني به} ، أي: بأخيكم {فلا كيل} ، أي: فلا ميرة {لكم عندي} ولم يمنعهم من غيره {ولا تقربون} نهي أو عطف على محل فلا كيل لكم، أي: تحرموا ولا تقربوا مني ولا تدخلوا دياري، فجمع لهم عليه السلام بين الترغيب والترهيب فالترغيب في قوله الأوّل، والترهيب في قوله الثاني؛ لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى الطعام وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، ومع ذلك لم يخطر ببالهم أنه يوسف، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قالوا سنراود} ، أي: بوعد لا خلف فيه حين نصل {عنه أباه} ، أي: سنكمله فيه وننازعه الكلام ونحتال فيه ونتلطف في ذلك ولاندع جهداً {وإنا لفاعلون} ما أمرتنا به والتزمناه. {و} لما أرغبهم وأرهبهم في شأن أخيه {قال لفتيته} ، أي: غلمانه الكيالين جمع فتى، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بألف بعد الياء المثناة تحت وبعد الألف نون مكسورة، والباقون بالياء المثناة تحت ثم بتاء مثناة فوق مكسورة. {اجعلوا بضاعتهم} ، أي: التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها كانت النعال والأدم {في رحالهم} جمع رحل أوعيتهم التي يحملون فيها الطعام {لعلهم يعرفونها} ، أي: بضاعتهم {إذا انقلبوا} ، أي: رجعوا {إلى أهلهم} وفتحوا أوعيتهم {لعلهم يرجعون} إلينا. واختلف في السبب الذي من أجله رد يوسف عليه السلام بضاعتهم في رحالهم على أوجه: الأوّل: أنه أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدّة الزمان، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم. الثاني: أراد أن يعرّف أباه انه أكرمهم وطلبهم لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه. الثالث: مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا يطلب زيادة الثمن. والرابع: أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه عيب ولا منة. الخامس: قال الفراء: إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد أنبياء فيرجعون ليعرفوا السبب فيه، ويردوا الملك إلى مالكه. السادس: أراد به التوسعة على أبيه؛ لأنّ الزمان كان زمان القحط. السابع: رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه ومن إخوته على شدّة حاجتهم إلى الطعام لؤم. الثامن: خاف أن لا يكون عند أبيه من المال ما يرجعون به مرّة أخرى. التاسع: أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه علموا أنّ ذلك كرم من يوسف عليه السلام وسخاء، فيبعثهم ذلك إلى العود إليه والحرص على معاملته عليه السلام. {فلما رجعوا} ، أي: أخوة يوسف عليه السلام {إلى أبيهم قالوا يا أبانا} إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا إكرامه، فقال يعقوب عليه السلام: إذا رجعتم إلى ملك مصر فأقرؤوه مني السلام وقولوا له: إنّ أبانا يدعو لك بما أوليتنا، ثم قال لهم: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، وأخبروه بالقصة وقولهم: {منع منا الكيل} فيه قولان: أحدهما: أنهم لما طلبوا الطعام
لأخيهم الغائب عند أبيهم منعوا منه. والثاني: أنهم منعوا الكيل في المستقبل، وهو قول يوسف عليه السلام: {فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} ويدل لهما قولهم: {فأرسل معنا أخانا} بنيامين {نكتل} فإنّ حمزة والكسائي قرآه بالياء، أي: يكتل لنفسه، وهذا يدل للقول الأوّل، والباقون بالنون، أي: نكتل نحن وإياه، وهذا يدل للقول الثاني {وإنا له لحافظون} عن أن يناله مكروه حتى نردّه إليك، فلما قالوا ليعقوب عليه السلام هذه المقالة. {قال} لهم {هل آمنكم} ، أي: أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم لي فيه بما يسوءني تأميناً مستقبلاً {عليه} ، أي: بنيامين {إلا كما أمنتكم} ، أي: في الماضي {على أخيه} يوسف عليه السلام {من قبل} فإنكم أكدتم غاية التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردّوه إليّ، والأمن اطمئنان القلب إلى سلامة النفس، فأنا في هذا لا آمن عليه إلا الله تعالى {فالله} المحيط علماً وقدرة {خيرٌ حافظاً} منكم ومن كل أحد، ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه في جميع الأمور. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح الحاء وألف بعدها وكسر الفاء، والباقون بكسر الحاء وسكون الفاء، وهو منصوب على التمييز في القراءتين، وتحتمل الأولى النصب على الحال اللازمة {وهو أرحم الراحمين} ، أي: أرحم بي من أن يفجعني به بعد مصيبتي بأخيه فلا يجمع عليّ مصيبتين. {ولما} أرادوا تفريغ ما قدموا به من الميرة {فتحوا متاعهم} ، أي: أوعيتهم التي حملوها من مصر {وجدوا بضاعتهم} ، أي: ما كان معهم من كنعان لشراء القوت {ردّت إليهم} والوجدان ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عنها، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا} ، أي: لأبيهم عليه السلام {يا أبانا ما} استفهامية، أي: أي شيء {نبغي} ، أي: نريد، جميع القراء أثبتوا الياء وقفاً ووصلاً لثباتها في الرسم، فكأنه قال لهم: ما الخبر؟ فقالوا بياناً لذلك؟ وتأكيداً للسؤال في استصحاب أخيهم: {هذه بضاعتنا ردّت إلينا} هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا وردّ علينا متاعنا. ولما كان التقدير ونرجع بها إليه بأخينا، فيظهر له نصحنا وصدقنا {ونمير أهلنا} ، أي: نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه، والميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد {ونحفظ أخانا} فلا يصيبه شيء مما تخشى عليه تأكيداً للوعد بحفظه {ونزداد كيل بعير} لأخينا {ذلك كيل يسير} ، أي: سهل على الملك لسخائه وحرصه على البذل، وقيل: قصير المدّة ليس سبيل مثله أن تطول مدّته بحسب الحبس والتأخير، وقيل قليل فابعث أخانا حتى نبدل تلك القلة بالكثرة، فكأنه قيل: ما قال لهم؟ فقيل: {قال} يعقوب عليه السلام: {لن أرسله} ، أي: بنيامين كائناً {معكم} ، أي: في وقت من الأوقات {حتى تؤتوني موثقاً} ، أي: عهد مؤكداً {من الله} قرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد النون وقفاً ووصلاً، وأبو عمرو بإثبات الياء وقفاً لا وصلاً، وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً، وقوله {لتأتنني} ، أي: كلكم {به} أي: تحلفوا بالله لتأتنني به من الإتيان، وهو المجيء في كل حال جواب القسم، أو المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به {إلا} ، أي: في حال {أن يحاط} ، أي: تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب لاطاقة لكم بها {بكم} فتهلكوا من عند آخركم كل ذلك زيادة في التوثيق بما حصل له من المصيبة بيوسف عليه السلام، وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله تعالى، وهذا من باب
اعقلها وتوكل، فأجابوه إلى ذلك كما قال تعالى {فلما آتوه موثقهم} بذلك {قال الله على ما نقول} نحن وأنتم {وكيل} ، أي: شهيد، وأرسله معهم بعد ذلك. فإن قيل: لم أرسله معهم وقد شاهد منهم ما شاهد في يوسف عليه السلام؟ أجيب: بأن ذلك لوجوه: أحدها: أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح، الثاني: أنه كان شاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام، الثالث: لعل الله أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه. {و} لما عزموا على الخروج إلى مصر وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد {قال} لهم {يا بني لا تدخلوا} إذا قدمتم إلى مصر {من باب واحد} من أبوابها {وادخلوا من أبواب} واحترز من أن تكون متلاصقة أو متقاربة جداً بقوله: {متفرّقة} ، أي: تفرّقا كثيراً، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا بالعين، وهي من قدر الله تعالى. وقد ورد شرعنا بذلك ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق» . وفي رواية عن أحمد «يحضرها الشيطان وحسد ابن آدم» . وفي رواية لمسلم: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» . وفي رواية عن جابر: «إنّ العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر» ، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: «أعيذكما بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامّة» . ويقول: «هكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق» صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر النبيين، وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوّل النهار فوجدته شديد الوجع، ثم عدت إليه في آخر النهار فرأيته معافى فقال: «إنّ جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك، قال فأفقت» وفي رواية أنّ بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلماناً بيضاً فقالت أسماء: يا رسول الله، إنّ العين إليهم سريعة فاسترق لهم من العين؟ فقال لها: «نعم» . وفي رواية دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أمّ سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين. فقال: «أما تسترقون له من العين» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «كان يؤمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين الذي أصيب بالعين» . ولما خاف يعقوب عليه السلام أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أنّ الحذر يغني عن القدر نفى ذلك بقوله عليه السلام {وما أغني} ، أي: أدفع {عنكم} بقولي ذلك {من الله من شيء} قدره عليكم، وإنما ذلك شفقة، ومن مزيدة للتأكيد، واعلم أنّ الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم بأن يجزم بأنه لا يحصل الا ما قدره الله تعالى وإن الحذر لايدفع القدر، فالإنسان مأمور بأن يحذر الأشياء المهلكة والأغذية الضارة، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضارّ بقدر الإمكان، ومع ذلك يكون جازماً بأنه لا يصل إليه إلا ما قدّره الله تعالى، ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله تعالى، فقوله عليه السلام: {لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله: {وما أغني عنكم من الله من شيء} إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب بل إلى التوحيد المحض، والبراءة من كل شيء سوى الله تعالى. ولما قصر
الأمر كله إليه تعالى وجب رد كل أمر إليه، وقصر النظر عليه، فقال منبهاً على ذلك {إن الحكم إلا لله} وحده الذي ليس الحكم إلا له {عليه} ، أي: على الله وحده {توكلت} ، أي: جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعل {وعليه} وحده {فليتوكل المتوكلون} ، أي: الثابتون في باب التوكل، فإنّ ذلك من أعظم الواجبات من فعله فاز ومن أغفله خاب، وقد ثبت بالبرهان أن لا حكم إلا لله، فلزم القطع بأنّ حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله تعالى، وذلك يوجب أن لا توكل إلا على الله تعالى، فهذا مقام شريف عال. والشيخ أبو حامد الغزالي أكثر في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتب «إحياء علوم الدين» فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب. ولما قال يعقوب عليه السلام: {وما أغني عنكم من الله من شيء} صدّقه الله تعالى في ذلك فقال: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} ، أي: متفرّقين {ما كان} ذلك التفرّق {يغني عنهم من الله} ، أي: من قضائه وأغرق في النفي فقال: {من شيء} ، أي: مما قضاه عليهم كما تقدّم من قول يعقوب عليه السلام فسرّقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب عليه السلام وقوله تعالى: {إلا حاجة} استثناء منقطع، أي: لكن حاجة {في نفس يعقوب} وهي الوصول إلى ما أمر به شفقة عليهم {قضاها} يعقوب عليه السلام وأبرزها من نفسه إلى أولاده فعملوا فيها بمراده فاغني عنهم الخلاص من عقوق أبيهم فقط {وإنه} ، أي: يعقوب عليه السلام مع أمره لبنيه بذلك {لذو علم} ، أي: معرفة بالحكمين حكم التكليف وحكم التقدير واطلاع على الكونين عظيم {لما علمناه} بالوحي ونصب الحجج، ولذلك قال: {وما أغني عنكم من الله من شيء} ولم يغتر بتدبيره. ولما كان قد يظنّ أنّ كل أحد يكون كذلك، أي: يعلم ما علمه نفى ذلك سبحانه وتعالى بقوله جل شأنه {ولكنّ أكثر الناس} ، أي: لأجل ما نالهم من الاضطراب {لا يعلمون} ، أي: ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه واستفراغ قواهم في الاهتمام بما وقع التكليف لهم به ومن أحوال الدنيا ومقابلة فطرهم القويمة السليمة بردّها إلى ما تدعوهم إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون طب لمخلوق. ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد أخبر عن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف عليه السلام. فقال: {ولما دخلوا} ، أي: أخوة يوسف عليه السلام {على يوسف} في المقدمة الثانية بأخيهم بنيامين قالوا: هذا أخونا فقال: أحسنتم واحتسبتم وستجدون خير ذلك عندي، ثم أنزلهم وأكرم منزلهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً أجلسني معه، فقال يوسف: لقد صار أخوكم هذا وحيداً فأجلسه معه على مائدته، وصار يؤاكله فلما كان الليل أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً، فبقي بنيامين وحده فقال يوسف هذا ينام معي على فراشي كما قال تعالى {آوى} أي: ضم {إليه أخاه} فبات معه وجعل يوسف يضمه إليه ويشمه ثم قال له: ما اسمك؟ فقال: بنيامين، قال: وما بنيامين؟ قال: المثكل وذلك أنه لما ولد هلكت أمّه. قال: وما اسم أمّك؟ قال: راحيل بنت لاوي. قال: فهل لك من ولد؟ قال: نعم عشرة بنين. ولما رأى تأسفه لأخ له هلك، قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك؟ فقال: ومن يجد أخاً مثلك ولكنك لم يلدك
يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه {وقال إني أنا أخوك فلا تبتئس} ، أي: لا تحزن {بما كانوا يعملون} ، أي: بشيء فعلوه بنا فيما مضى، فإنّ الله قد أحسن إلينا فلا تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي قد أقدموا عليها، وقد جمعنا الله تعالى على خير ولا تعلمهم بشيء من ذلك. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، ومدّ بعد النون من أنا قبل الهمزة المفتوحة نافع، والباقون بالقصر، ثم أنه ملأ لهم أوعيتهم كما أرادوا، وكان في المرّة الأولى أبطأ في تجهيزهم في طول المدّة ليتعرّف أخبارهم من حيث لا يشعرون، ولذلك لم يعطف بالفاء، وأسرع في تجهيزهم في هذه المرّة قصداً إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي دبّرها فلذلك أتت الفاء في قوله: {فلما جهزهم} ، أي: اعجل جهازهم وأحسنه {بجهازهم جعل} بنفسه أو بمأذونه {السقاية} ، أي: المشربة التي كان يشرب بها {في رحل أخيه} ، أي: وعاء طعام أخيه بنيامين كما فعل ببضاعتهم في المرّة الأولى. قال ابن عباس: كانت من زبرجد. وقال ابن إسحاق: كانت من فضة وقيل: من ذهب. وقال عكرمة: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر، وجعلها يوسف عليه السلام مكيالاً لئلا يكال بغيرها وكان يشرب فيها. قال الرازي: هذا بعيد؛ لأنّ الإناء الذي يشرب فيه الملك لا يصلح أن يجعل صاعاً، وقيل: كانت الدواب تسقى بها، قال: وهذا أيضاً بعيد؛ لأنّ الآنية التي تسقى الدواب فيها لا تكون كذلك، وقال: والأصوب أن يقال: كان ذلك الإناء شيئاً له قيمة أمّا إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا، والسقاية والصواع واحد، ثم ارتحلوا وأمهلهم يوسف عليه السلام حتى انطلقوا وذهبوا منزلاً، وقيل: حتى خرجوا من العمارة ثم بعث خلفهم من استوقفهم وحبسهم {ثم أذن} ، أي: أعلن فيهم بالنداء {مؤذن} قائلاً برفع صوته وإن كانوا في غاية القرب منه بما دل عليه إسقاط الأداة {أيتها العير} ، أي: القافلة، قال أبو الهيثم: كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير. قال: وقول من قال العير الإبل خاصة باطل، فقوله: {أيتها العير} ، أي: أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي. قال الفراء: كانوا أصحاب إبل. وقال مجاهد: كانت العير حميراً. وقرأ ورش بإبدال همزة مؤذن واواً وقفاً ووصلاً، وحمزة في الوقف فقط، والباقون بالقصر. {إنكم لسارقون} فقفوا حتى ننظر الذي فقد لنا، والسرقة أخذ ما ليس له أخذه في خفاء من حرز مثله. فإن قيل: هل كان هذا النداء بأمر يوسف عليه السلام أو ما كان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بيوسف عليه السلام مع علو منصبه أن يبهت أقواماً وينسبهم إلى السرقة كذباً وبهتاناً؟ وإن كان بغير أمره فهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة؟ أجيب: بأجوبة: الأوّل: أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال لست أفارقك قال: لا سبيل إلى ذلك إلا بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما لا يليق بك. قال: رضيت بذلك، وعلى هذا لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام؛ لأنه قد رضي به فلا يكون ذلك ذنباً. الثاني: {إنكم لسارقون} يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام فهو من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة من الكذب. الثالث: أنّ المنادي إنما ذكر النداء على سبيل الاستفهام وعلى هذا يخرج أن يكون كذباً. الرابع: ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا هذا بأمر يوسف عليه السلام. قال الرازي: والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم
فعلوا ذلك من أنفسهم؛ لأنهم لما طلبوا السقاية فلم يجدوها، ولم يكن هناك أحد غيرهم غلب على ظنهم أنهم الذين أخذوها. ولما وصل إليهم الرسول قال لهم: ألم نحسن ضيافتكم ونكرم مثواكم ونفيكم كيلكم وفعلنا بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قالوا: سقاية الملك فقدناها ولا نتهم عليها غيركم فذلك قوله تعالى: {قالوا و} الحال أنهم قد {أقبلوا عليهم} ، أي: على جماعة الملك المنادي وغيره {ماذا} ، أي: ما الذي {تفقدون} مما يمكننا أخذه والفقدان ضدّ الوجود {قالوا نفقد} وكان للسقاية اسمان فعبروا بقولهم {صواع الملك} والصواع هو المكيال وهو السقاية المتقدّمة سموه تارة كذا وتارة كذا، وإنما اتخذوا هذا الإناء مكيالاً لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. {ولمن جاء به حمل بعير} ، أي: من الطعام، والبعير يطلق لغة على الذكر خاصة وأطلقه بعضهم على الناقة أيضاً، وجعله نظير إنسان وهو ما جرى عليه الفقهاء في باب الوصية، والجمع في القلة على أبعرة، وفي الكثرة على بعران {وأنا به زعيم} قال مجاهد: هذا الزعيم هو الذي أذن، والزعيم الكفيل، وهذه الآية تدل على أنّ الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «الزعيم غارم» . وإذا ورد في شرعنا ما يقرّر شرع غيرنا، هل يكون شرعاً لنا؟ في ذلك خلاف والراجح أنه ليس بشرع لنا. فإن قيل: كيف تصح هذه الكفالة مع أنّ السارق لا يستحق شيئاً؟ أجيب: بأنهم لم يكونوا سراقاً في الحقيقة فيحمل ذلك على مثل رد الضائع، فيكون ذلك جعالة أو أنّ مثل هذه الكفالة، كانت جائزة عندهم في ذلك الزمان. {قالوا} ، أي: أخوة يوسف عليه السلام {تالله} التاء حرف قسم، وهي عند الجمهور بدل من واو القسم، والواو بدل من الباء، فهي فرع الفرع، فلذلك ضعفت عن التصريف في الأسماء، فلا تدخل إلا على الجلالة الكريمة أو الرب مضافاً للكعبة أو الرحمن في قول ضعيف، ولو قلت: تالرحمن لم يجز، أي: والله {لقد علمتم} أي: بما جرّبتم من أمانتنا قبل هذا في كون مجيئنا {ما جئنا} وأكدوا النفي باللام فقالوا {لنفسد} ، أي: نوقع الفساد {في الأرض} ، أي: أرض مصر {و} لقد علمتم {ما كنا} ، أي: بوجه من الوجوه {سارقين} ، أي: موصوفين بهذا الوصف قطعاً. فإن قيل: من أين علموا ذلك؟ أجيب: بأنّ ذلك يعلم مما رأوا من أحوالهم، وقيل: لأنهم ردّوا البضاعة التي جعلت في رحالهم، قالوا: فلوا كنا سارقين ما رددناها، وقيل: قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، وكانوا إذا دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم كي لا تتناول شيئاً من حروث الناس. {قالوا} ، أي: أصحاب يوسف عليه السلام المنادي ومن معه {فما جزاؤه} ، أي: السارق، وقيل: الصواع {إن كنتم كاذبين} في قولكم: ما كنا سارقين ووجد فيكم، والجزاء مقابلة العمل بما يستحق من خير وشر. {قالوا} وثوقاً منهم بالبراءة وإخباراً بالحكم عندهم {جزاؤه من وجد في رحله} ولتحققهم البراءة علقوا الحكم على مجرد الوجدان لا السرقة، ثم أكدوا ذلك بقولهم: {فهو جزاؤه} قال ابن عباس: كان ذلك الزمان كل سارق بسرقته فلذلك قالوا ذلك، أي: فالسارق جزاؤه أن يسلم بسرقته إلى المسروق منه فيسترق سنّة، وكان ذلك سنّة آل يعقوب في حكم السارق وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس
أخاه عنده فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم {كذلك} ، أي: الجزاء {نجزي الظالمين} بالسرقة، قال أصحاب يوسف: فلا بد من تفتيش رحالكم، فردوهم إلى يوسف عليه السلام فأمر بتفتيشها بين يديه. {فبدأ بأوعيتهم} ففتشها {قبل وعاء أخيه} لئلا يتهم فلم يجد فيها شيئاً {ثم} ، أي: بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك {استخرجها} ، أي: السقاية أو الصاع؛ لأنه يذكر ويؤنث {من وعاء أخيه} فلما خرج الصاع من وعاء بنيامين نكس أخوته رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين يلومونه ويقولون: له إيش الذي صنعت فضحتنا وسوّدت وجوهنا يا ابن راحيل مازال لنا منكم بلاء حتى أخذت هذا الصاع. فقال بنيامين: بل بنوا راحيل مازال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فاهلكتموه في البرية إنّ الذي وضع هذا الصاع في رحلي هو الذي وضع البضاعة في رحالكم، فأخذ بنيامين رقيقاً. وقيل: إنّ المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيش رحالهم وهم الذين استخرجوا الصاع من رحله فأخذوه برقبته وردّوه إلى يوسف عليه السلام. تنبيه: هاهنا همزتان مختلفتان من كلمتين قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الثانية ياء، والباقون بالتحقيق. {كذلك} ، أي: مثل ذلك الكيد {كدنا ليوسف} خاصة بأنّ علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه السلام في الابتداء، وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: {فيكيدوا لك كيداً} (يوسف، 5) والكيد من الخلق الحيلة، ومن الله تعالى التدبير بالحق، فالمراد من هذا الكيد هو أنّ الله تعالى ألقى في قلب إخوته بأن حكموا أنّ جزاء السارق هو أن يسترق لا جرم لما ظهر الصاع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، وصار ذلك سبباً لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه. ولما كان الكيد يشعر بالحيلة والخديعة، وهو في حق الله تعالى محال حمل على الغاية، ونهايته هنا إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق الله تعالى محال على هذا المعنى، وقيل: المراد بالكيد هاهنا إنّ أخوة يوسف سعوا في إبطال أمره، والله تعالى نصره وقوّاه وأعلى أمره وقوله تعالى: {ما كان} ، أي: يوسف {ليأخذ أخاه في دين الملك} ، أي: حكمه بيان للكيد؛ لأنّ جزاءه كان عنده الضرب وتغريم مثلي ما أخذ لا أنه يستبعد، وقوله تعالى: {إلا أن يشاء الله} فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء منقطع تقديره: ولكن بمشيئة الله أخذه في دين الملك، وهو دين آل يعقوب عليه السلام إنّ الاسترقاق جزاء السارق. والثاني: أنه مفرغ من الأحوال العامّة والتقدير ما كان ليأخذه في كل حال إلا في حال التباسه بمشيئة الله، أي إذنه في ذلك. ولما كان يوسف عليه السلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته بعدما كان فيه عندهم من الصغار كان ذلك محل عجب فقال تعالى التفاتاً إلى مقام التكلم: {نرفع درجات من نشاء} ، أي: بالعلم كما رفعنا درجته، وكان الأصل درجاته ولكنه عمم؛ لأنه أدل على العظمة، فكان أليق بمظهرها، وفي هذه الآية دليل على أنّ العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات؛ لأنّ الله تعالى لما هدى يوسف عليه السلام إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك ورفع درجته على إخوته، ووصف إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء} عندما حكى عنه دلائل التوحيد والبراءة
عن إلهية الشمس والقمر والكواكب. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين التاء، والباقون بغير تنوين {وفوق كل ذي علم عليم} قال ابن عباس: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فوق كل عالم؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعلم، وفي الآية دليل على أنّ إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء، وكان يوسف أعلم منهم. قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم العالم نفسه ويستشعر التواضع لربه تعالى، ولا يطمع نفسه في العلية في العلوم؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم فوقه. ولما حصل لإخوة يوسف من إخراج الصواع من رحل بنيامين ما حصل، فكأنه قيل: فما كان فعلهم عند ذلك؟. فقيل: {قالوا} تسلية لأنفسهم ودفعاً للعار عن خاصتهم {إن يسرق} ولم يجزموا بسرقته لعلمهم بأمانته وظنهم أنّ الصواع دس في رحله وهو لا يشعر كما دست بضاعتهم في رحالهم، وكان قد قال لهم ذلك {فقد سرق أخ له من قبل} ، أي: يوسف وكان غرضهم من ذلك إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة؛ لأنهما من أمّ أخرى، واختلفوا في التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال، فقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلاً. وقال مجاهد: جاءه سائل فأخذ بيضة من البيت فناولها للسائل، وقال وهب: كان يخبىء الطعام من مائدة يعقوب للفقراء، وقال سعيد بن جبير: كان جدّه أبو أمّه كافراً يعبد الوثن وأمرته أمّه أن يسرق تلك الأوثان ويكسرها، فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك فهذا هو السرقة. وقال محمد بن إسحاق: إنّ يوسف عليه السلام كان عند عمته ابنة إسحاق، وكانت تحبه حباً شديداً، فأرادت أن تمسكه عند نفسها وكان قد بقي معها منطقة لأبيها إسحاق عليه السلام، وكانوا يتبركون بها، فشدّتها على وسط يوسف عليه السلام من تحت ثيابه وهو صغير لا يشعر، ثم قالت: إنه سرقها، وكان علمهم أنّ من سرق يسترق فقال يعقوب عليه السلام: إن كان قد فعل ذلك فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ماتت، فتوصلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها. قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها سرقة، ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب، وقيل: إنهم كذبوا عليه وبهتوه، وكانت قلوبهم مملوءة من الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدّة الطويلة. قال الرازي: وهذه الواقعة تدل على أنّ قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها} ، أي: يظهرها {لهم} والضمير للكلمة التي هي قوله: {قال} ، أي: في نفسه {أنتم شرّ مكاناً} ، أي: من يوسف وأخيه، أي: لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له، وقيل: الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى: فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه {والله أعلم} منكم {بما تصفون} ، أي: تقولون، وأنه ليس كما قلتم، قال أصحاب الأخبار والسير: إنّ يوسف عليه السلام لما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال: إنّ صاعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلاً لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم فبعتموه فقال بنيامين: أيها الملك إنّ صاعك يخبرك من جعله في رحلي، ثم نقره وأدناه من أذنه، فقال: إنّ صاعي غضبان وهو يقول: كيف تسألوني عن صاحبي وقد رؤيت مع من كنت؟ قالوا: فغضب
روبيل لذلك، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه، وكان أقوى الأخوة وأشدّهم، وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. فقال: اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، ودخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردّن علينا أخانا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها، وقامت كل شعرة في جسده حتى خرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه، ويروى خذ بيده فائتني به، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم؟ قالوا: لم يصبك منا أحد. فقال روبيل: إنّ هنا بذراً من بذر يعقوب. فقال يوسف: من يعقوب؟ وروي أنه غضب ثانياً، فقام إليه يوسف فركضه برجله، وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض، وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أنّ لا أحد أشد منكم فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا. و {قالوا يا أيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} ، أي: هذا الذي وجد الصواع في رحله {أباً شيخاً كبيراً} ، أي: في سنه وقدره وهو مغرم به لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه {إنا نراك} ، أي: نعلمك علماً هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه {من المحسنين} ، أي: العريقين في صفة الإحسان فاجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها سرقة، ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب، وقيل: إنهم كذبوا عليه وبهتوه، وكانت قلوبهم مملوءة من الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدّة الطويلة. قال الرازي: وهذه الواقعة تدل على أنّ قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها} ، أي: يظهرها {لهم} والضمير للكلمة التي هي قوله: {قال} ، أي: في نفسه {أنتم شرّ مكاناً} ، أي: من يوسف وأخيه، أي: لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له، وقيل: الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى: فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه {والله أعلم} منكم {بما تصفون} ، أي: تقولون، وأنه ليس كما قلتم، قال أصحاب الأخبار والسير: إنّ يوسف عليه السلام لما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال: إنّ صاعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلاً لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم فبعتموه فقال بنيامين: أيها الملك إنّ صاعك يخبرك من جعله في رحلي، ثم نقره وأدناه من أذنه، فقال: إنّ صاعي غضبان وهو يقول: كيف تسألوني عن صاحبي وقد رؤيت مع من كنت؟ قالوا: فغضب روبيل لذلك، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه، وكان أقوى الأخوة وأشدّهم، وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. فقال: اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، ودخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردّن علينا أخانا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها، وقامت كل شعرة في جسده حتى خرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه، ويروى خذ بيده فائتني به، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم؟ قالوا: لم يصبك منا أحد. فقال روبيل: إنّ هنا بذراً من بذر يعقوب. فقال يوسف: من يعقوب؟ وروي أنه غضب ثانياً، فقام إليه يوسف فركضه برجله، وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض، وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أنّ لا أحد أشد منكم فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا. و {قالوا يا أيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} ، أي: هذا الذي وجد الصواع في رحله {أباً شيخاً كبيراً} ، أي: في سنه وقدره وهو مغرم به لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه {إنا نراك} ، أي: نعلمك علماً هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه {من المحسنين} ، أي: العريقين في صفة الإحسان فاجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: {قال معاذ الله} هو نصب على المصدر، وحذف فعله وأضيف إلى المفعول، أي: نعوذ بالذي لا مثل له معاذاً عظيماً من {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} ولم يقل: سرق متاعنا؛ لأنه لم يفعل في الصواع فعل السارق، ولم يقع منه قبل ذلك ما يصح إطلاق الوصف عليه، ثم علله بقوله {إنا إذاً} ، أي: إذا أخذنا أحداً مكانه {لظالمون} ، أي: عريقون في الظلم في دينكم، فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم، ولما استيأسهم بما قال عن إطلاق بنيامين حكى الله تعالى ما تم لهم من الرأي فقال: {فلما} دالاً بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات {استيأسوا} ، أي: أيسوا {منه} لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأساً شديداً بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله {خلصوا} ، أي: انفردوا عن غيرهم حال كونهم {نجياً} وهو مصدر يصلح للواحد وغيره، أي: ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضاً، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قال كبيرهم} في السنّ وهو روبيل، وقيل: في الفضل والعلم وهو يهوذا، وقيل: شمعون وكان له الرياسة على إخوته {ألم تعلموا} مقرراً لهم بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتدّ توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم {أن أباكم} ، أي: الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه {قد أخذ عليكم} ، أي: قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر {موثقاً} ، أي: عهداً وثيقاً {من الله} في أخيكم، وإنما جعل حلفهم بالله موثقاً منه؛ لأنه بإذن منه وتأكيد من جهته، وقوله {ومن قبل ما فرطتم} في هذه الآية وجوه: أظهرها أن ما مزيدة فيتعلق الظرف بالفعل بعدها والتقدير: ومن قبل هذا فرطتم، أي: قصرتم في حق يوسف وشأنه، وزيادة ما كثيرة، وبه بدأ الزمخشري وغيره، وقيل: أنها مصدرية في محل رفع
بالابتداء والخبر هو قوله: {في يوسف} ، أي: وتفريطكم كائن أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي، وقيل: غير ذلك ولا نطيل بذكره إذ في هذا القدر كفاية {فلن أبرح} ، أي: أفارق {الأرض} ، أي: أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} ، أي: بالعود إليه {أو يحكم الله لي} بخلاص أخي {وهو خير الحاكمين} ، أي: أعدلهم، فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب، فكيف يجوز ليوسف عليه السلام أن يعمل مثل هذه الأعمال بأبيه ولم يخبره بمكانه، وحبس أخاه أيضاً عنده مع علمه بشدة وجدان أبيه عليه وشدة غمه وفيه ما فيه من العقوق وإيذاء الناس من غير ذنب لاسيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عنده بهذه التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد؟ أجيب: بأجوبة كثيرة للعلماء، وأحسنها أنه إنما فعل ذلك بأمر من الله تعالى له لا عن أمره وإنما أمره الله تعالى بذلك ليزيد بلاء يعقوب عليه السلام، فيضاعف له الأجر على البلاء ويلحقه بدرجة آبائه، ولله تعالى أسرار لا يعلمها أحد من خلقه، وهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فهو الذي أخفى خبر يوسف عن يعقوب في هذه المدة مع قرب المسافة لما يريد أن يدبره فيهم، والله أعلم بأحوال عباده، ثم قال كبيرهم: {ارجعوا إلى أبيكم} دوني {فقولوا} له، أي: متلطفين في خطابكم {يا أبانا} وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها وقولوا {إن ابنك سرق} فإن قيل: كيف يحكمون عليه بأنه سرق من غير بينة وهو قد أجابهم بالجواب الشافي، فقال: الذي جعل الصاع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟ أجيب: بأنهم لما شاهدوا الصاع وقد أخرج من متاعه غلب على ظنهم أنه سرق فلذلك نسبوه إلى السرقة في ظاهر الأمر لا في حقيقة الحال، ويدل على أنهم لم يقطعوا عليه بالسرقة قولهم {وما شهدنا} عليه {إلا بما علمنا} ظاهراً من رؤيتنا الصاع يخرج من وعائه، وأما قوله: وضع الصاع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم، فالفرق ظاهر؛ لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأما هذا الصاع فإن أحداً لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصاع في رحله، فلهذا السبب غلب على ظنهم أنه سرق، فشهدوا بناء على الظن {وما كنا للغيب} ، أي: ما غاب عنا حين أعطينا الموثق {حافظين} ، أي: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ويصير أمرنا إلى هذا ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا، وإنما قلنا: ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه سبيل، وحقيقة الحال غير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فلعل الصاع دس في رحله، ونحن لا نعلم ذلك، فلعل حيلة دبرت في ذلك غاب عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا. {واسأل القرية} ، أي: أهلها على حذف المضاف، وهو مجاز مشهور، وقيل: إنه مجاز لكنه من باب إطلاق المحل وإرادة الحال {التي كنا فيها} وهي مصر عما أخبرناك به يخبروك بصدقنا، فإن الأمر قد اشتهر عندهم، وقيل: هي قرية من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر {و} اسأل {العير} ، أي: القافلة، وهم قوم من كنعان جيران يعقوب عليه السلام {التي أقبلنا فيها} والسؤال طلب الأخبار بأداته من الهمزة، أو هل أو غيرهما، والقرية الأرض الجامعة لحدود فاصلة وأصلها من قريت الماء جمعته، والعير قافلة الحمير من العير بالفتح وهو الحمار هذا هو الأصل ثم كثر حتى استعمل في غير الحمير، ولما كان ذلك
بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم أكدوه بقولهم {وإنا} ، أي: والله إنا {لصادقون} في أقوالنا، ولما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال كبيرهم، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {س12ش83/ش87 قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا? فَصَبْرٌ جَمِيلٌ? عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا? إِنَّهُ? هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا?أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا? تَاللَّهِ تَفْتَؤُا? تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا? بَثِّى وَحُزْنِى? إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا تَعْلَمُونَ * يَابَنِىَّ اذْهَبُوا? فَتَحَسَّسُوا? مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَتَا?يـ?َسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ? إِنَّهُ? يَا?يْـ?َسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِs الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} {قال} لهم {بل سوّلت} ، أي: زينت تزييناً فيه غي {لكم أنفسكم أمراً} ، أي: حدّثتكم بأمر ففعلتموه، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته {فصبر جميل} ، أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل صبري، أو أجمل، وقدم مثل ذلك في واقعة يوسف إلا أنه قال فيها: {والله المستعان على ما تصفون} (يوسف، 18) وقال هنا {عسى الله أن يأتيني بهم} ، أي: بيوسف وشقيقه بنيامين والأخ الثالث الذي أقام بمصر {جميعاً} ، أي: فلا يتخلف منهم أحد، وإنما قال يعقوب عليه السلام هذه المقالة؛ لأنه لما طال حزنه واشتدّ بلاؤه ومحنته علم أن الله تعالى سيجعل له فرجاً ومخرجاً عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله تعالى وتفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه السلام، وأن الأمر يرجع إلى سلامة واجتماع، ثم علل هذا بقوله: {إنه هو العليم} ، أي: البليغ العلم بما خفي عنا من ذلك فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد {الحكيم} ، أي: البليغ فيما يدبره ويقضيه. {و} لما ضاق قلب يعقوب عليه السلام بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين {تولى عنهم} ، أي: انصرف بوجهه عنهم لما توالى عنده من الحزن {وقال يا أسفا} ، أي: يا أسفي {على يوسف} ، أي: تعال هذا أوانك، والأسف اشدّ الحزن والحسرة، والألف بدل من ياء المتكلم، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه، والحادث إنما هو مصيبتهما؛ لأن مصيبته كانت قاعدة المصائب، والحزن القديم إذا صادفه حزن آخر كان ذلك أوجع للقلب وأعظم لهيجان الحزن الأوّل، كما قال متمم بن نويرة لما رأى قبراً جديداً جدّد حزنه على أخيه مالك: *فقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك؟ *فقلت نعم إنّ الأسى يبعث الأسى ... فدعني فهذا كله قبر مالك ولأنه كان واثقاً بحياتهما دون حياته، وفي حديث رواه الطبراني «لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع، وقال {يا أسفا} {وابيضت عيناه} ، أي: انمحق سوادهما وبدل بياضاً {من الحزن} ، أي: من كثرة البكاء عليه، وقيل: عند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، وقيل: ضعف بصره حتى صار يدرك إدراكاً لطيفاً، وقيل: عمي، وقال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف عليه السلام. قيل: إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في السجن، فقال: إنّ بصر أبيك ذهب من الحزن عليك، فوضع يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني، ولم أكن حزناً على أبي. فإن قيل: هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية وهو لا يليق بمثل يعقوب عليه السلام أجيب: بأنه لم يذكر إلا هذه الكلمة، ثم عظم بكاؤه، ثم أمسك لسانه عن النياحة، وذكر ما لا ينبغي، ولم يظهر الشكاية مع أحد من الخلق ويدل لذلك قوله: {فهو كظيم} ، أي: مغموم مكروب لا يظهر كربه وقوله: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} فكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته صبر وتجرع الغصة وما أظهر
الشكاية به، فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء الجزيل. روي أن يوسف عليه السلام قال لجبريل عليه السلام: هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فكيف حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، وهي التي لها ولد واحد يموت. قال: فهل له أجر؟ قال: نعم أجر مئة شهيد، ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد وأيضاً البكاء مباح فقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: «القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون» . رواه الشيخان. تنبيه: شرف الإنسان باللسان والعين والقلب فبين تعالى أن هذه الثلاثة كانت غريقة في الغم، فاللسان كان مشغولاً بقوله: يا أسفا، والعين بالبكاء والبياض، والقلب بالغم الشديد، أي: الذي يشبه الوعاء المملوء الذي سد فلا يمكن خروج الماء منه، وهذا مبالغة في وصف ذلك الغم. ولما وقع من يعقوب عليه السلام ذلك كأن قائلاً يقول: فما قال له أولاده؟ فقيل: {قالوا} له حنقاً من ذلك {تالله تفتؤ} ، أي: لا تفتأ، أي: لا تزال {تذكر يوسف} تفجعاً، فتفتأ جواب القسم وهو على حذف لا كقول الشاعر: *فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتاً لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد معاً عند البصريين أو أحدهما عند الكوفيين، فتفتأ هنا ناقصة بمعنى لا تزال كما تقرّر، ورسمت تفتؤ بالواو {حتى} إلى أن {تكون حرضاً} ، أي: مشرفاً على الهلاك لطول مرضك وهو مصدر يستوي فيه الواحد وغيره {أو تكون من الهالكين} ، أي: الموتى. فإن قيل: لما حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟ أجيب: بأنهم بنوا الأمر على الظاهر، قال أكثر المفسرين: قائل هذا الكلام هم أخوة يوسف، وقال بعضهم: ليس الأخوة بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاده وخدمه، ولما قالوا له ذلك فكأن قائلاً يقول: فما قال لهم؟ فقيل: {قال} لهم {إنما أشكو بثي} والبث أشد الحزن سمي بذلك؛ لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر {وحزني} مطلقاً وإن كان سببه خفيفاً يقدر الخلق على إزالته {إلى الله} المحيط بكل شيء علماً وقدرةً لا إلى غيره، فهو الذي تنفع الشكوى إليه {وأعلم من الله} ، أي: الملك الأعلى من اللطف بنا أهل البيت {ما لا تعلمون} فيأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، وفي ذلك إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف، ويتوقع رجوعه إليه وذكروا لسبب هذا التوقع أموراً: أحدها: أنّ ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا يا نبي الله، ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه من ههنا ولذلك قال: {يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا} ، أي: والتحسيس طلب الخبر بالحاسة وهو قريب من التجسيس بالجيم، وقيل: التحسيس بالحاء يكون في الخير، وبالجيم يكون في الشرّ ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورة الناس، والمعنى تحسسوا خبراً {من} أخبار {يوسف وأخيه} ، أي: اطلبوا خبرهما. وثانيها: أنه علم أنّ رؤيا يوسف عليه السلام صادقة؛ لأنّ أمارات الرشد والكمال ظاهرة في حق يوسف عليه السلام، ورؤيا مثله لا تخطئ. وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين الوقت، فلهذا بقي في القلق. ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال
حاله وأقواله وأفعاله طمع في أن يكون هو يوسف وقال: بعيد أن يظهر في الكفار مثله، ثم تلطف ببنيه وقال لهم: {ولا تيأسوا} ، أي: تقنطوا {من روح الله} قال ابن عباس: من رحمة الله. وقال قتادة: من فضل الله. وقال ابن زيد: من فرج الله. {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} ، أي: الغريقون في الكفر، قال ابن عباس: إنّ المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده على الرخاء، والكافر على الضدّ من ذلك، فإنّ اليأس من رحمة الله لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أنّ إله العالم غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، وإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ثبت أنّ اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً. وقرأ البزي بعد التاء من تيأسوا وبعد الياء من لا ييأس بألف وبعدها ياء مفتوحة بخلاف عنه، والباقون بهمزة مفتوحة قبلها ياء ساكنة. ولما قال يعقوب عليه السلام لبنيه ذلك قبلوا منه هذه الوصية وعادوا إلى مصر. {فلما دخلوا عليه} ، أي: على يوسف عليه السلام {قالوا يا أيها العزيز} وكان العزيز لقباً لملك مصر يومئذ {مسنا وأهلنا} ، أي: من خلفناهم وراءنا {الضر} ، أي: لابسنا ملابسة نحسها {وجئنا ببضاعة} وقالوا {مزجاة} إمّا لنقصها أو لرداءتها أو لهما جميعاً. وقال الحسن: البضاعة المزجاة القليلة، واختلفوا في تلك الرداءة. فقال ابن عباس: كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، وقيل: متاع الأعراب الصوف والسمن، وقيل: الأقط، وقيل: النعال والأدم وقيل: إنّ دراهم مصر كان ينقش فيها صورة يوسف عليه السلام، والدراهم التي جاؤوا بها ما كان فيها ذلك فما كانت مقبولة عند الناس، ثم سببوا عن هذا الاعتذار؛ لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم قولهم: {فأوف لنا الكيل} ، أي: شفقة علينا بسبب ضعفنا {وتصدّق} ، أي: تفضل {علينا} زيادة على الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه، ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين الله تعالى عللوا ذلك بقولهم: {إنّ الله} ، أي: الذي له الكمال كله {يجزي المتصدّقين} ، أي: وإن كانت على غني قوي، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف. فائدة: سئل سفيان بن عيينة هل حرمت الصدقة على نبي من الأنبياء سوى نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام؟ قال سفيان: ألم تسمع قوله: {وتصدّق علينا..} الآية يريد أن الصدقة كانت حلالاً لهم ولأبيهم. وروي أنّ الحسن سمع رجلاً يقول: اللهم تصدّق عليّ قال: إنّ الله لا يتصدّق وإنما يتصدّق من يبغي الثواب قل: اللهم أعطني وتفضل عليّ. فإن قيل: إذا كان أبوهم أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه فلم عادوا إلى الشكوى؟ أجيب: بأن المتحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق والاعتراف بالعجز، وضموا رقة الحال وقلة المال وشدّة الحاجة، وذلك مما يرقق القلب فقالوا: نجربه في هذه الأمور، فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا، فقدّموا هذه المقدّمة قال أبو إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرقة على إخوته فارفض دمعه فباح بالذي كان يكتم فلهذا. {قال} لهم {هل علمتم} مقرّراً لهم بعد أن استأنسوا به، قال البقاعي: والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان {ما} ، أي: قبح الذي {فعلتم بيوسف} ، أي: أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه {وأخيه} في
جعلكم أباه فريداً منه ذليلاً بينكم، ثم في قولكم له لما وجد الصاع في رحله: لا يزال يأتينا البلاء من قبلكم يا بني راحيل، وإنما قال لهم ذلك نصحاً لهم وتحريضاً على التوبة وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريباً، وقيل: أعطوه كتاب يعقوب عليه السلام في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه، فقال لهم ذلك وقوله {إذ أنتم جاهلون} ، أي: فاعلون فعلهم؛ أو لأنهم كانوا حينئذ صبياناً طياشين تلويحاً إلى معرفته، فقد روي أنه لما قال هذا تبسم وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله منه من رآه ولو مرّة واحدة فعرفوه بذلك فلذلك. {قالوا أئنك لأنت يوسف} استفهام تقرير، ولذلك حقق بأن واللام عليه، وقيل: عرفوه بنظره وخلقه حين كلمهم، وقيل: رفع التاج عن رأسه فرآوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء، وكان لسارة ويعقوب وإسحاق مثلها. وقرأ ابن كثير بهمزة مكسورة بعدها نون على الخبر، وقرأ قالون وأبو عمرو بهمزة مفتوحة بعدها همزة مكسورة مسهلة بينهما ألف على الاستفهام، وقرأ ورش بغير ألف بينهما، والتسهيل في الثانية على الاستفهام أيضاً، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين مع القصر، ولهشام وجه ثان وهو المدّ، وقيل: أنهم لم يعرفوه حتى {قال} لهم {أنا يوسف} وزادهم بقوله {وهذا أخي} بنيامين شقيقي، وإنما ذكره لهم ليزيدهم ذلك معرفة له وتثبيتاً في أمره وليبني عليه قوله: {قد منّ الله علينا} قال ابن عباس: بكل خير في الدنيا والآخرة. وقال آخرون: بالجمع بيننا بعد التفرقة. {إنه من يتق} ، أي: المعاصي {ويصبر} ، أي: على البليات وأذى الناس وقال ابن عباس: يتقي الزنا ويصبر على العزوبة، وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على السجن {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} والمعنى أنه من يتق ويصبر، فإنّ الله لا يضيع أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين، وقرأ قنبل بإثبات الياء بعد القاف وقفاً ووصلاً، واختلف المعربون في ذلك على وجهين: أجودهما: أنّ إثبات حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب وأنشدوا عليه قول قيس بن زهير: *ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد وقول الآخر: *هجوت زبان ثم جئت معتذراً ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع وقول الآخر: *إذا العجوز غضبت فطلقي ... ولا ترضاها ولا تلق والثاني أنه مرفوع غير مجزوم ومن موصولة والفعل صلتها، فلذلك تمم بإثبات لامه وسكن (يصبر) لتوالي الحركات، وإن كانت في كلمتين، وقرأ الباقون بالحذف وقفاً ووصلاً، ولما ذكر يوسف عليه السلام لإخوته أنّ الله تعالى منّ عليه، وأنه من يتق ويصبر فإنّ الله تعالى لا يضيعهم صدقوه فيه واعترفوا له بالفضل والمرتبة ولذلك. {قالوا} مقسمين بقولهم: {تالله} ، أي: الملك الأعظم {لقد آثرك} ، أي: اختارك {الله علينا} بالعلم والعقل والحلم والحسن والملك والتقوى وغير ذلك، واحتج بعضهم بهذه الآية على أنّ إخوته ما كانوا أنبياء؛ لأنّ جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوّة
كالعدم بالنسبة إليه، فلو شاركوه في منصب النبوّة لما قالوا ذلك، ثم قالوا: {وإن كنا لخاطئين} ، أي: والحال أن شأننا إنا كنا مذنبين بما فعلنا معك، ولذلك أذلنا الله تعالى لك، فكأنه قيل: ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من إهانتهم له؟ فقيل: {قال} لهم قول الكرام اقتداءً بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام {لا تثريب} ، أي: لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك {عليكم اليوم} وإنما خصه بالذكر؛ لأنه مظنة التثريب فإذا انتفى ذلك فيه فما ظنك بما بعده، ولما أعفاهم من التثريب كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله تعالى، فاتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله: {يغفر الله} ، أي: الذي لا إله غيره {لكم} ، أي: ما فرط منكم، وعبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشاداً لهم إلى إخلاص التوبة، ورغبّهم في ذلك، ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران، فقال: {وهو} تعالى {أرحم الراحمين} لجميع العباد لا سيما التائب، فهو جدير بإدراك النعم. روي أنهم أرسلوا إليه إنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشياً ونحن نستحي مما فرط منا، فقال: إن أهل مصر ينظرونني وإن ملكت فيهم بعين العبودية فيقولون: سبحان من بلغ عبداً بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من ذرية إبراهيم عليه السلام، ولما أقرّ أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى سأل عن أبيه فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: ابيضت عيناه من الحزن فأعطاهم قميصه وقال: {اذهبوا بقميصي هذا} وهو قميص إبراهيم عليه السلام الذي لبسه حين ألقي في النار عرياناً فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، وكان ذلك عند إبراهيم، فلما مات إبراهيم ورثه إسحاق، فلما مات إسحاق ورثه يعقوب، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك في قصبة من فضة وسدّ رأسها وعلقها في عنقه لما كان يخاف عليه من العين، وكان لا يفارقه، فلما ألقي في البئر عرياناً جاءه جبريل وعلى يوسف ذلك التعويذ، فأخرج القميص وألبسه إياه، ففي الوقت جاء جبريل عليه السلام وقال: أرسل ذلك القميص، فإنّ فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا على سقيم إلا عوفي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته، وقال: إذا وصلتم إلى أبي {فألقوه على وجه أبي يأت} ، أي: يصر {بصيراً} ، أي: يردّ إليه بصره كما كان، أو يأت إليّ حال كونه بصيراً {وأتوني} ، أي: أبي وأنتم {بأهلكم} ، أي: مصاحبين لكم {أجمعين} لا يتخلف منكم أحد فرجعوا بالقميص لهذا القصد. وروي أنّ يهوذا هو الذي حمل القميص لما لطخوه بالدم فقال: لا يحمل هذا غيري لأفرحه كما أحزنته فحمله وهو حاف من مصر إلى كنعان، وبينهما ثمانون فرسخاً. {ولما فصلت العير} من عريش مصر وهو آخر بلاد مصر إلى أوّل بلاد الشأم {قال أبوهم} لولد ولده ومن حوله من أهله مؤكداً لعلمه أنهم ينكرون قوله: {إني لأجد ريح يوسف} أوصلته إليه ريح الصبا بإذن الله تعالى من مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر، قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص. قال أهل المعاني: إنّ الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء مدّة المحنة ومجيء وقت الفرج من المكان
البعيد، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدّة ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل، ومعنى {أجد ريح يوسف} أشم وعبر بالوجود؛ لأنه وجدان له بحاسة الشم {لولا أن تفندون} ، أي: تنسبوني إلى الخرف. قال أبو بكر الأنباري: أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله. وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو مفند. قال في «الكشاف» : يقال: شيخ مفنّد ولا يقال: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأى حتى تفند في كبرها، وقيل: التفنيد الإفساد يقال: فندت فلاناً إذا أفسدت رأيه ورددته قال بعضهم: *يا صاحبيّ دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمر بمردود ولما ذكر يعقوب عليه السلام ذلك {قالوا} ، أي: الحاضرون عنده {تالله إنك لفي ضلالك} ، أي: حبك {القديم} ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه على بعد العهد، وهو كقول إخوة يوسف: {إن أبانا لفي ضلال مبين} (يوسف، 8) وقال مقاتل: معنى الضلال هنا الشقاء، أي: شقاء الدنيا، والمعنى إنك لفي شقائك القديم بما تكابده من الأحزان على يوسف، وقال الحسن: إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم أنّ يوسف قد مات، فكان يعقوب في ولوعه بذكره ذاهباً عن الرشد والصواب، ثم أنهم عجلوا له بشيراً فأسرع قبل وصولهم بالقميص {فلما} وزيدت {أن} لتأكيد مجيئه على تلك الحالة، وزيادتها بعد لما قياس مطرد {جاء البشير} وهو يهوذا بذلك القميص {ألقاه} ، أي: طرحه البشير {على وجهه} ، أي: يعقوب، وقيل: ألقاه يعقوب على وجه نفسه {فارتدّ} ، أي: رجع {بصيراً} ، أي: صيره الله بصيراً كما كان، كما يقال: طالت النخلة، والله تعالى هو الذي أطالها. ولما ألقى القميص على وجهه وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه، وانشرح صدره، وزالت أحزانه فعند ذلك {قال} لبنيه {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} من حياة يوسف وإنا الله تعالى يجمع بيننا، قال السهيليّ: لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام، أعطاه في: بشارته كلمات كان يرويها عن أبيه عن جدّه عليهم السلام، وهي: يا لطيفاً فوق كل لطيف ألطف بي في أموري كلها كما أحب ورضني في دنياي وآخرتي. وروي أنّ يعقوب عليه السلام قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: تركته ملك مصر. قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة فعند ذلك {قالوا يا أبانا} منادين بالأداة التي تدل على الاهتمام العظيم بما بعدها لما له من عظيم الوقع {استغفر} ، أي: اطلب من الله تعالى أن يغفر {لنا ذنوبنا} ، أي: التي اقترفناها ثم قالوا مؤكدين تحقيقاً للإخلاص في التوبة {إنا كنا خاطئين} ، أي: متعمدين للإثم بما ارتكبنا في أمر يوسف عليه السلام ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه، ويسأل له المغفرة. قال صلى الله عليه وسلم «إنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» . فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال} لهم: {سوف أستغفر} ، أي: أطلب أن يغفر {لكم ربي} الذي أحسن إليّ بأنّ يغفر لبنيّ حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء والربوبية ملك هو أتم الملك على الإطلاق وهو ملك الله تعالى، وظاهر هذا الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال بل وعدهم بأن يستغفر لهم بعد ذلك،
واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه، فقال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأنّ هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة، وفي رواية أخرى له أنه أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة؛ لأنها أوفق لأوقات الإجابة. وقال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقال طاوس: أخر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء، وقيل: استغفر لهم في الحال، وقوله: {سوف أستغفر لكم} معناه أني أدوام على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل، وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه، وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما فعلوا في حق يوسف، فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين. وعن الشعبي قال: أسأل يوسف أن عفا عنكم استغفر لكم ربي {إنه هو الغفور الرحيم} كل ذلك تسكيناً لقلوبهم وتصحيحاً لرجائهم، وروي أنّ يوسف عليه السلام كان بعث مع البشير إلى يعقوب عليه السلام مئتي راحلة وجهازاً كثيراً ليأتوا بيعقوب وأهله وولده، فتهيأ يعقوب عليه السلام للخروج إلى مصر، فخرج بهم فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وركب أهل مصر معهما بأجمعهم يتلقون يعقوب، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا هذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فقال له جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان. وقال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف عليهما السلام عانق كل واحد منهما صاحبه وبكى فقال يوسف: يا أبت بكيت عليّ حتى ابيضت عيناك ألم تعلم أنّ القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بنيّ ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك فذلك قوله تعالى: {فلما دخلوا على يوسف آوى} ، أي: ضمّ {إليه أبويه} قال الحسن: أباه وأمّه وكانت حية إكراماً لهما بما يتميزان، به وغلب الأب في التثنية لذكورته، وعن ابن عباس أنها خالته ليا وكانت أمه قد ماتت في نفاس بنيامين. قال البغويّ: وفي بعض التفاسير أنّ الله تعالى أحيا أمّه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر. فإن قيل: ما معنى دخولهم عليه قبل مصر؟ أجيب: بأنه حين استقبلهم نزل بهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه {وقال} مكرماً {ادخلوا مصر} ، أي: البلد المعروف وأتى بالشرط للأمن لا للدخول فقال: {إن شاء الله آمنين} من جميع ما ينوب حتى مما فرطتم في حقي وفي حق أخي، روي أنّ يعقوب عليه السلام وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى عليه السلام والمقاتلون منهم ألف وبضعة وسبعون رجلاً سوى الصبيان والشيوخ. {و} لما استقرّت بهم الدار بدخول مصر {رفع أبويه} ، أي: أجلسهما معه {على العرش} ، أي: السرير الرفيع والرفع هو النقل إلى العلوّ {وخرّوا له} ، أي: انحنوا له أبواه وإخوته {سجداً} ، أي: سجود انحناء، والتواضع قد يسمى سجوداً كقول الشاعر: *ترى ألا كم فيها سجداً للحوافر لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان، أو أنهم وضعوا الجباه وكان ذلك على طريقة التحية والتعظيم لا على طريقة
العبادة، وكان ذلك جائزاً في الأمم السالفة، فنسخت في هذه الشريعة، وروي عن ابن عباس أنه قال: معناه خرّوا لله سجداً بين يدي يوسف عليه السلام، فيكون سجود شكر لله لأجل وجدان يوسف، ويدل عليه قوله تعالى {ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجداً} وذلك يشعر بأنهم صعدوا على السرير، ثم سجدوا لله تعالى، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير؛ لأنّ ذلك أدخل في التواضع. فإن قيل: هذا التأويل لا يطابق قول يوسف عليه السلام {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} والمراد منه قوله {إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف، 4) أي: رأيتهم ساجدين لأجلي، أي: أنهم سجدوا لله لطلب مصلحتي والسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا محتملاً سقط السؤال قال الرازيّ: وعندي أنّ هذا التأويل متعين؛ لأنه يبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوّة أو أنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا شكراً لنعمة وجدانه، فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة. / قال حسان: *ما كنت أعرف أنّ الأمر منصرف ... عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن *أليس أوّل من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالآثار والسنن ثم استأنف يوسف عليه السلام فقال {قد جعلها ربي} ، أي: الذي رباني بما أوصلني إليها {حقاً} ، أي: مطابقة للواقع لتأويلها وتأويل ما أخبرتني به أنت، والتأويل تفسير ما يؤول إليه معنى الكلام، وعن سلمان رضي الله تعالى عنه أنّ ما بين رؤياه وتأويلها أربعون سنة. وعن الحسن: أنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وبقي في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، ثم وصل إلى أبيه وأقاربه وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، فكان عمره وعشرين سنة {وقد أحسن} ، أي: أوقع إحسانه {بي} تصديقاً لما بشرتني به من إتمام النعمة، وتعدية أحسن بالباء أدل على القرب من التعدية بإلى، وإن كان أصل أحسن أن يتعدّى بإلى كما قال تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك} (القصص، 77) وقيل: ضمن معنى لطف فتعدّى بالباء كقوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} (البقرة، 83) وقال: {إذ أخرجني من السجن} ولم يذكر إخراجه من الجب لوجوه: أوّلها: أنه قال لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم} (يوسف، 92) ولو ذكر واقعة الجب لكان ذلك تثريباً لهم فكان إهماله جارياً مجرى الكرم. ثانيها: أنه لما خرج من الجب لم يصر ملكاً بل صيروه عبداً، وإنما صار ملكاً بعد إخراجه من السجن، فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاماً كاملاً. ثالثها: أنه لما خرج من الجب وقع في المضارّ الحاصلة بسبب تهمة المرأة ولما خرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته، فكان هذا أقرب إلى المنفعة مع أنّ اللفظ محتمل للجب أيضاً لكنه احتمال خفيّ، ولما كان يعقوب وولده بأرض كنعان وتحوّل إلى بدو قال ابن عباس: ومنه قدم على يوسف قال يوسف عليه السلام: {وجاء بكم من البدو} ، أي: من أطراف بادية فلسطين وذلك من أكبر النعم، كما جاء في الحديث: «من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة» والبدو ضدّ الحاضرة، وهو من الظهور يقال: بدا يبدو إذا سكن في البادية، يروى عن عمر: إذا بدونا جفونا، أي: تخلقنا بأخلاق البدويين قال الواحدي: البدو بسط من الأرض يظهر فيه
الشخص من بعيد، وأصله من بدا يبدو بدواً، ثم سمي المكان باسم المصدر، وفي الآية دلالة على أن فعل العبد خلق الله تعالى؛ لأنه أضاف إخراجه من السجن إلى الله تعالى ومجيئهم من البدو إليه {من بعد أن نزغ} ، أي: أفسد {الشيطان} بسبب الحسد {بيني وبين إخوتي} وأصل النزغ دخول في أمر لإفساده. فإن قيل: إضافة يوسف عليه السلام الخير إلى الله تعالى والشر إلى الشيطان تقتضي أن فعل الشر ليس من الله تعالى كما قاله بعض المبتدعة، ولو كان منه لأضافه إليه. أجيب: بأنّ إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مجاز؛ لأنّ الفاعل المطلق هو الله تعالى في الحقيقة، قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (الأنبياء، 22) فثبت بذلك أنّ الكل من عند الله تعالى وبقضائه وقدره، وليس للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين، وذلك بإقدار الله تعالى إياه على ذلك كما حكى الله تعالى ذلك عنه بقوله تعالى: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم، 22) ولما كان حصول الاجتماع بينه وبين إخوته وأبويه مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال، وكان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف قال يوسف عليه السلام {إنّ ربي لطيف لما يشاء} ، أي: لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها فإذا أراد حصول الشيء سهل أسبابه فحصل، وإن كان في غاية البعد عن الحصول {إنه هو العليم} بوجوه المصالح والتدابير {الحكيم} ، أي: الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة روي أنّ يوسف عليه السلام طاف بأبيه في خزائنه، فلما أدخله خزانة القرطاس قال: يا بنيّ ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟ قال: أمرني جبريل بذلك قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أقرب مني إليه، فسأله فقال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب، قال: فهلا خفتني؟ ولما حضر يعقوب عليه السلام الموت وصى يوسف عليه السلام أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه فدفنه ثمة. ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثاً وعشرين سنة. ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال: {رب قد آتيتني} وافتتح بقد؛ لأنّ الحال حال توقع السامع لشرح حال الرؤيا {من الملك} ، أي: بعضه بعد بعدي منه جدًّا وهو ملك مصر {وعلمتني من} ، أي: بعض {تأويل الأحاديث} طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك {والله غالب على أمره} (يوسف، 21) ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال: {فاطر} ، أي: خالق {السموات والأرض} ثم أعلمه بما هو أعلم به منه من أنه لا يعوّل على غيره في شيء من الأشياء {أنت وليي} ، أي: الأقرب إليّ باطناً وظاهراً {في الدنيا والآخرة} ، أي: لا وليّ لي غيرك، والولي يفعل لموليه الأصلح والأحسن فأحسن لي في الآخرة أعظم مما أحسنت لي في الدنيا. روي أنه صلى الله عليه وسلم حكى عن جبريل عن رب العزة جل وعلا أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فلهذا المعنى من أراد الدعاء لا بدّ وأن يقدّم عليه ذكر الثناء على الله تعالى فهذا يوسف عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه الثناء وهو قوله: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديت فاطر السموات والأرض} ثم ذكر عقبه الدعاء وهو قوله {توفني} ، أي:
اقبض روحي وافياً تامًّا في جميع أمري حساً ومعنى حال كوني {مسلماً} ولما كان المسلم حقيقة من كان عريقاً في الإخلاص عقبه بقوله: {وألحقني بالصالحين} ونظيره ما فعله الخليل عليه السلام في قوله: {الذي خلقني فهو يهدين} (الشعراء، 78) فمن ههنا إلى قوله: {رب هب لي حكماً} ثناء على الله تعالى ثم قوله: {رب هب لي حكماً} إلى آخر الكلام دعاء فكذا هنا. تنبيه: اختلف في قوله {توفني مسلماً} هل هو طلب منه للوفاة أم لا؟ فقال قتادة: سأل ربه اللحوق به ولم يتمنّ نبيّ قط الموت قبله، وكثير من المفسرين على هذا القول. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد إذا توفيتني فتوفني على الإسلام، فهذا طلب لأن يجعل الله تعالى وفاته على الإسلام، وليس فيه ما يدل على أنه طلب الوفاة، واللفظ صالح للأمرين، ولا يبعد في الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت وتعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة منها: أنّ الخطباء والبلغاء وإن أطنبوا في مذمّة الدنيا إلا أنّ حاصل كلامهم يرجع إلى ثلاثة أمور: أحدها: أنّ هذه السعادات سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشدّ من اللذة الحاصلة عند وجدانها. وثانيها: أنها غير حاصلة بل هي ممزوجة بالمنغصات والمكدّرات. وثالثها: أنّ الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها، بل ربما كان حصة الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل، فهذه الجهات الثلاثة منفرة عن هذه اللذات، ولما عرف العاقل أنه لا يحصل تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه الجهات الثلاثة المنفرة لا جرم تمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات، ومنها: أن تداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع: لذة الأكل ولذة النكاح ولذة الرياسة، ولكل واحدة منها عيوب كثيرة، أمّا لذة الأكل ففيها عيوب أحدها: أنّ هذه اللذة ليست لذة قوية، فإنه لا يمكن إبقاؤها، فإنّ الإنسان إذا أكل وشبع لم يبق فيه الالتذاذ، بالأكل، فهذه اللذة ضعيفة، ومع ضعفها غير باقية: وثانيها: أنها في نفسها خسيسة وأنّ الأكل عبارة عن ترطيب ذلك الطعام بالبزاق المجتمع في الفم، ولا شك أنه شيء منفر، ولما يصل إلى المعدة يظهر فيه الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة، وذلك أيضاً منفر، وثالثها: أنّ جميع الحيوانات الخسيسة مشاركة له فيها، ورابعها: أنّ الأكل إنما يطيب عند اشتداد الجوع، والجوع نقص وآفة، وخامسها: أنّ الأكل مستحقر عند العقلاء حتى قيل: من كانت همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه، فهذه إشارات مختصرة إلى معايب الأكل، وأمّا لذة النكاح فما ذكر في الأكل حاصل هنا مع أشياء أخر، وهي أنّ النكاح سبب لحصول الولد، وحينئذ تكثر الأشخاص فتكثر الحاجات إلى المال، فيحتاج الإنسان بسببها إلى الاحتيال في المال بطرق لا نهاية لها، وربما صار هالكاً بسبب طلب المال. وأمّا لذة الرياسة فعيوبها كثيرة منها: أن يكون على شرف الزوال في كل حين وأوان، ومنها: أنه عند حصولها في الخوف الشديد من الزوال، ومنها أنه يكون عند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال، فالعاقل إذا تأمّل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات فيكون لقاء الله عنده أرجح فيتمنى الموت. وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنّ ميمون بن مهران بات عنده فرآه كثير البكاء والمسألة للموت فقال له: صنع الله لك خيراً كثيراً أحييت سنناً، وأمت بدعاً وفي حياتك خير وراحة للمسلمين فقال:
أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع أمره قال: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} . فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وإنه لا يجوز؟ أجيب: بأن حال كمال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الاستسلام، ويرضى بقضاء الله، وتطمئن النفس وينشرح الصدر، وينفسح القلب في هذا الباب، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضدّ الكفر، والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى. فإن قيل: إنّ يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء، والصلاح أوّل درجة المؤمنين فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية؟ أجيب: بأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يعني بأن يلحقه بآبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والمعنى ألحقني بهم في ثوابهم ودرجاتهم، وولد ليوسف عليه السلام من امرأة العزيز ثلاثة افراثيم وميشا وهو جدّ يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب عليهم السلام، ولما تاقت نفسه إلى الملك المخلد وتمنى الموت فلم يأت عليه أسبوع حتى توفاه الله عز وجل طيباً طاهراً، وتشاح الناس في دفنه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل حيث يتفرّق الماء بمصر ليجري عليه الماء، وتصل بركته إلى جميعهم، قال عكرمة: دفن في الجانب، الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب، وأجدب الجانب، الآخر، فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الآخر، فدفنوه في وسطه وقدّروا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان إلى أن أخرجه موسى عليه السلام ودفنه بقرب آبائه بالشام، وقد يسر الله تعالى زيارته وزيارة آبائه في عام شرعت في هذا التفسير سنة أربع وستين وتسعمئة جمعني الله تعالى وآبائي وأهلي وأصحابي وأحبابي معهم في دار كرامته. ولما تمّ الذي كان من أمر يوسف عليه السلام وإخوته على الوجه الأحكم، والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه قال تعالى مشيراً إلى أنه دليل كاف في تصحيح نبوّته صلى الله عليه وسلم بقوله: {ذلك} ، أي: الذي ذكرته لك يا محمد من قصة يوسف عليه السلام وما جرى له مع إخوته، ثم صار إلى الملك بعد الرق {من أنباء الغيب} ، أي: أخبار ما غاب عنك {نوحيه إليك} ، أي: الذي أخبرناك به من أخبار يوسف وحي أوحيناه إليك {و} الحال إنك {ما كنت لديهم} ، أي: عند إخوة يوسف عليه السلام {إذ} ، أي: حين {أجمعوا أمرهم} ، أي: عزموا على أمر واحد، وهو إلقاء يوسف في الجب {وهم يمكرون} ، أي: يدبرون الأذى في الخفية بيوسف، والمعنى أنّ هذا النبأ غيب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب ولا تتلمذ لأحد، ولا كانت البلدة بلدة العلماء، وإتيانه صلى الله عليه وسلم بهذه القصة الطويلة على وجه لا يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم، ومن غير أن يقال: إنه حاضر معهم لا بدّ وأن يكون معجزاً وقوله تعالى: {وما كنت لديهم} ذكر على سبيل التهكم بهم؛ لأنّ كل أحد يعلم أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان معهم، ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نقله أبو حيان عن ابن الأنباري عن قصة يوسف عليه السلام، فنزلت مشروحة هذا الشرح الشافي مبينة هذا البيان الوافي فأمّل صلى الله عليه وسلم أن يكون
ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله عزاه الله تعالى بقوله: {وما أكثر الناس} ، أي: أهل مكة {ولو حرصت} على إيمانهم {بمؤمنين} لعنادهم وتصميمهم على الكفر وكان ذلك إشارة إلى ما ذكر الله تعالى في قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء} (القصص، 56) ثم نفى عنه التهمة بقوله تعالى: {وما تسألهم عليه} ، أي: على تبليغ هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك وأغرق في النفي فقال: {من أجر} حتى يكون سؤالك سبباً لأن يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغن به عن سؤالنا، ثم نفى عن هذا الكتاب كل غرض دنيوي بقوله تعالى: {إن هو إلا ذكر} ، أي: عظة من الله تعالى {للعالمين} عامّة، ثم إنّ الله تعالى أخبر عنهم أنهم لما تأمّلوا الآيات الدالة على توحيده تعالى بقوله تعالى: {وكأين} ، أي: وكم {من آية} دالة على وحدانية الله تعالى {في السموات} كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى {والأرض} من الجبال والشجر والدوابّ وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى {يمرّون عليها} ، أي: يشاهدونها {وهم عنها معرضون} ، أي: لا يتفكرون فيها فلا عجب إذا لم يتأمّلوا في الدلائل على نبوّتك، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، ثم إنهم يمرّون عليها ولا يلتفتون إليها. ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أنّ الله تعالى فاعل تلك الآيات؟ بين أنّ إشراكهم سقط لذلك بقوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله} حيث يقرّون بأنه الخالق الرازق {إلا وهم مشركون} بعبادته الأصنام قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله} (الزخرف، 87) لكنهم كانوا يثبتون شريكاً في العبودية. وعن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في تلبية مشركي العرب كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك يعنون الأصنام. وعنه أيضاً أنّ أهل مكة قالوا: الله ربنا وحده لا شريك له والملائكة بناته فلم يوحدوا بل أشركوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده، وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا، وقال المهاجرون والأنصار: ربنا الله وحده لا شريك له، ولما كان أكثر هؤلاء لا ينقادون إلا بالعذاب قال تعالى: {أفأمنوا} إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد {أن تأتيهم} في الدنيا {غاشية} ، أي: نقمة تغشاهم وتشملهم {من عذاب الله} ، أي: الذي له الأمر كله كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم {أو تأتيهم الساعة بغتة} ، أي: فجأة وهم عنها في غاية الغفلة وقوله تعالى: {وهم لا يشعرون} ، أي: بوقت إتيانها قبله كالتأكيد لقوله {بغتة} . ولما كان صلى الله عليه وسلم مبلغاً عن الله تعالى أمره أن يأمرهم باتباعه بقوله تعالى: {قل} يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحاً وإخلاصاً {هذه} ، أي: الدعوة إلى الله تعالى التي أدعو إليها {سبيلي} ، أي: طريقتي التي أدعو إليها الناس، وهي توحيد الله تعالى ودين الإسلام وسمي الدين سبيلاً؛ لأنه الطريق المؤدّي إلى ثواب الجنة {أدعو إلى الله} ، أي: إلى توحيده والإيمان به {على بصيرة} ، أي: حجة واضحة وقوله {أنا} تأكيد للمستتر في أدعو على بصيرة؛ لأنه حال منه أو مبتدأ خبره على بصيرة وقوله: {ومن اتبعني} ، أي: ممن آمن بي وصدق بما جاءني عطف عليه؛ لأنّ كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدور وسعه
إلى الله، وهذا دلّ على أن الدعاء إلى الله إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط وهو أن يكون على بصيرة مما يقول ويقين، فإن لم يكن كذلك وإلا فهو محض الغرور، وقال صلى الله عليه وسلم «العلماء أمناء الرسل على عباد الله» من حيث يحفظون ما يدعون إليه. فائدة: جميع القراء يثبتون الياء وقفاً ووصلاً لثباتها في الرسم {وسبحان} ، أي: وقل سبحان {الله} تنزيهاً له تعالى عما يشركون به {وما أنا من المشركين} ، أي: الذين اتخذوا مع الله ضدًّا وندًّا، ولما قال أهل مكة للنبيّ صلى الله عليه وسلم هلا بعث الله ملكاً؟ قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك} إلى المكلفين {إلا رجالاً} ، أي: مثل ما أنك رجل لا ملائكة ولا إناثاً كما قاله ابن عباس، ولا من الجنّ كما قاله الحسن، {يوحى إليهم} ، أي: بواسطة الملائكة مثل ما يوحي إليك. وقرأ حفص قبل الواو بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء وفتح الحاء وضم الهاء من إليهم حمزة على أصله، وكسرها الباقون {من أهل القرى} ، أي: من أهل الأمصار والمدن المبنية بالمدر والحجر ونحوه لا من أهل البوادي؛ لأنّ أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل وأعقل من أهل البوادي، ومكة أم القرى؛ لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت وكان العرب كلهم يأتونها فكيف تعجبوا في حقك؟ قال الحسن: لم يبعث الله نبياً من البادية لغلظهم وجفائهم، ثم هدّدهم سبحانه وتعالى بقوله تعالى: {أفلم يسيروا} ، أي: هؤلاء المشركون المكذبون {في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من المكذبين للرسل والآيات فيحذروا تكذيبك ويعتبروا بهم وبما حلّ بهم من عذابنا. ولما أنّ الله تعالى نجى المؤمنين عند نزول العذاب بالأمم الماضية المكذبة وما في الآخرة خير لهم بين ذلك بقوله تعالى: {ولدار الآخرة} ، أي: ولدار الحال الآخرة أو الساعة الآخرة أو الحياة الآخرة {خير} وهي الجنة {للذين اتقوا} الله من حياة مآلها الموت، وإن فرحوا فيها بالمحال وإن امتدّت ألف عام وكان عيشها كله رغداً من غير آلام {أفلا يعقلون} فيستعملون عقولهم فيتبعون الداعي إلى هذا السبيل الأقوم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتاء على الخطاب لأهل مكة، والباقون بالياء على الغيبة لهم وللمشركين المكذبين وقوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل} غاية لمحذوف دلّ عليه الكلام، أي: لا يغررهم تمادي أيامهم فإنّ من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل من النصر عليهم في الدنيا ومن إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفين متمادين فيه من غير وازع {وظنوا} ، أي: أيقن الرسل {أنهم قد كذبوا} بالتشديد كما قرأه غير حمزة وعاصم والكسائي تكذيباً لا إيمان بعده، وأمّا بالتخفيف كما قرأه هؤلاء فالمعنى أنّ الأمم ظنوا أنّ الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر عليهم {جاءهم نصرنا} لهم بخذلان أعدائهم {فنجي من نشاء} ، أي: النبيّ والمؤمنون، وقرأ ابن عامر وعاصم بنون مضمومة بعدها جيم مشدّدة وياء بعد الجيم مفتوحة، والباقون بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الجيم وسكون الياء {ولا يرد بأسنا} ، أي: عذابنا {عن القوم المجرمين} ، أي: المشركين ما نزل بهم. ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه القصص وحث على الاعتبار بها بقوله: {أفلم يسيروا} أتبعه بأنّ في أحاديثهم أعظم عبرة فقال حثا على تأملها والاستبصار بها: {لقد كان في قصصهم} ، أي: يوسف وإخوته أو في قصص الرسل {عبرة} ، أي: عظة
سورة الرعد
عظيمة {لأولي الألباب} ، أي: لذوي العقول المبرأة من شوائب الكدر ويعتبرون بها إلى ما يسعدهم؛ لأنّ من قدر على ما قص من أمر يوسف عليه السلام لقادر على أن يعز محمداً صلى الله عليه وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائناً من كان كما فعل بيوسف وغيره. ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن نبه تعالى على ذلك بتقدير سؤال فقال تعالى: {ما كان حديثاً يفترى} ، أي: يختلق؛ لأنّ الذي جاء به من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتريه؛ لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد، ولم يخالط العلماء، فمن المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما رأوه في التوراة من غير تفاوت كما يعلم من قوله تعالى: {ولكن تصديق الذي بين يديه} ، أي: من الكتب الإلهية المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل، ففي ذلك إشارة إلى أنّ هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة من ذكر قصة يوسف عليه السلام {و} زاد على ذلك بقوله {تفصيل} ، أي: تبيين {كل شيء} ، أي: يحتاج إليه من الدين إذ ما من أمر دينيّ إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط، وقيل: المراد تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته. قال الواحدي: وعلى التفسيرين جميعاً فهو من العامّ الذي أريد به الخاص كقوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} (الأعراف، 156) ، أي: يجوز أن يدخل فيها وقوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} (النمل، 23) . {وهدى} من الضلال {ورحمة} ينال بها خير الدارين {لقوم يؤمنون} ، أي: يصدّقون خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين انتفعوا به كقوله تعالى {هدى للمتقين} فسبحان من أنزله معجزاً باهراً وقاضياً بالحق لا يزال ظاهراً، وما رواه البيضاويّ تبعاً ل «الكشاف» من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «علموا أرقاءكم سورة يوسف فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوّة أن لا يحسد أحداً» حديث موضوع والله أعلم. سورة الرعد مكية إلا {ولا يزال الذين كفروا} الآية {ويقول الذين كفروا لست مرسلاً} الآية أو مدنية إلا {ولو أنّ قرآنا سيرت به الجبال} وهي ثلاث أو أربع أو خمس أو ست وأربعون آية وعدد كلماتها وخمس وخمسون كلمة وعدد حروفها ثلاثة آلاف وسبعة أحرف. {بسم الله} الحق الذي كل ما عداه باطل {الرحمن} الذي عمّ الرغبة والرهبةبعموم الرحمة {الرحيم} الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الرهبة. {المر} قال ابن عباس معناه أنا الله أعلم وأرى. وقال في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن. وقد تقدم الكلام على شيء من أوائل السور في أوّل سورة البقرة، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بالفتح، وقرأ ورش بين بين والباقون بالإمالة {تلك} ، أي: هذه الآيات {آيات الكتاب} ، أي: القرآن، والإضافة بمعنى من، وقيل: المراد بالكتاب السورة الكاملة، ووصفت بالكمال من تعريف الكتاب بأل؛ لأنّ خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة، وقوله تعالى: {والذي أنزل إليك من ربك} ، أي: القرآن مبتدأ وخبره {الحق} ، أي: الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة الواضح الذي لا يتخلف شيء منه
عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره {ولكن أكثر الناس} ، أي: مشركي مكة {لا يؤمنون} لإخلالهم بالنظر والتأمّل فيه. قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إنّ محمداً يقوله من تلقاء نفسه فرد الله تعالى عليهم بذلك. ولما ذكر تعالى أنّ {أكثر الناس لا يؤمنون} ذكر عقبه ما يدّل على صحة التوحيد والمعاد بأمور أحدها قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد} ، أي: سواري جمع عمود كأدم وأديم أو عماد كأهب وإهاب، والعمود جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل، وقوله جمع عمود كأدم وأديم الخ في «حاشية الجمل» : والعامة على فتح العين والميم وهو اسم جمع وعبارة بعضهم أنه جمع نظراً إلى المعنى دون الصناعة وقرأ أبو حيوة ويحيى بن وثاب عمد بضمتين ومفرده يحتمل أن يكون عماداً كشهاب وشهب وكتاب وكتب وأن يكون عموداً كرسول ورسل اه. {ترونها} ، أي: وأنتم ترون السماء مرفوعة بغير عمد من تحتها تسندها ولا من فوقها علاقة تمسكها، فالعمد منفية بالكلية، قال إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض مثل القبة ففي ذلك دلالة عظيمة على وحدانية الله تعالى؛ لأنّ هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجوّ العالي، ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذاتها فهذا برهان باهر على وجود الإله القادر القاهر، وقيل: الضمير راجع إلى العمد، أي: أن لها عمداً ولكن لا ترونها أنتم، ومن قال بهذا القول يقول: أن عمدها على جبل قاف وهو جبل من زمرّد محيط بالدنيا والسماء عليه مثل القبة وهذا قول مجاهد وعكرمة، قال الرازي: وهذا التأويل في غاية السقوط، لأنّ السموات لما كانت مستقرّة على جبل قاف فأي دلالة تبقى فيها على وجود الإله. تنبيه: الله مبتدأ، والذي رفع السموات خبره، ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر يدبر الأمر. ثانيها: قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} بالحفظ والتدبير والقهر والقدرة، أي: أنّ من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وتدبيره وفي الاحتياج إليه وتقدّم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما فيه كفاية. وثالثها: قوله تعالى: {وسخر} ، أي: ذلل {الشمس والقمر} لمنافع خلقه مقهوران يجريان على ما يريد {كل} منهما {يجري} في فلكه {لأجل مسمى} ، أي: إلى وقت معلوم وهو وقت فناء الدنيا وزوالها وعند مجيء ذلك الوقت تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك التسييرات، كما وصف الله تعالى ذلك في قوله {إذا الشمس كورت} (التكوير، 1) ، {وإذا النجوم انكدرت} (التكوير، 2) ، {وإذا السماء انشقت} (الإنشقاق، 1) ، {وإذا السماء انفطرت} (التكوير، 1) وعن ابن عباس للشمس وثمانون منزلاً كل يوم لها منزل وذلك يتمّ في ستة أشهر ثم أنها تعودمرّة أخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرّة أخرى، وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلاً، فالمراد بقوله تعالى: {كل يجري لأجلٍ مسمى} هذا، وتحقيقه أنه تعالى قدّر لكل واحد من تلك الكواكب سيراً إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء، وحينئذ يلزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال: {يدبر الأمر} ، أي: يقضي أمر ملكه من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل، وتكليف العباد، وفي ذلك دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك؛ لأنّ هذا العالم المعلوم من إعلاء العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله عز وجل، والدليل المذكور على أنّ اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته ليس إلا من الله تعالى، ومن المعلوم أنّ من اشتغل بتدبير شيء آخر فإنه يشغله شأن، عن شأن فالعاقل إذا تأمّل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم
الأجساد وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير، فلا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير عن تدبير، وذلك يدل على أنه تعالى متعال في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته عن مشابهة المحدثات والممكنات. ولما كان هذا بياناً شافياً لا لبس فيه قال تعالى: {يفصل} ، أي: يبين {الآيات} التي برزت إلى الوجود وتدبيرها الدالة على وحدانيته وكمال حكمته المشتملة عليها مبتدعاته فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها تقريباً لعقولكم وتدريباً لفهومكم لتعلموا أنها فعل الواحد المختار. ولما كان هذا التدبير وهذا التفصيل دالاً على تمام القدرة وغاية الحكمة وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة علل ذلك بقوله {لعلكم} يا أهل مكة {بلقاء ربكم} بالبعث {توقنون} فتعلموا أنّ من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها قادر على إيجاد الإنسان وإحيائه بعد موته، يروى أنّ واحداً قال لعليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة واحدة، فقال: كما يرزقهم الآن دفعة واحدة، وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة، وحاصل الكلام أنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجوّ العالي لا يبعد أن يرد الأرواح إلى الأجساد، وإن كان الخلق عاجزين عنه، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى لا يشغله شأن، عن شأن فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن. تنبيه: اليقين صفة من صفات العلم، وهي فوق المعرفة، والدراية وهي سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك. ولما ذكر تعالى الدلائل الدالة على وحدانيته وكمال قدرته من رفع السماء بغير عمد وأحوال الشمس والقمر أردفها بذكر الدلائل الأرضية بقوله تعالى: {وهو الذي مدّ الأرض} ، أي: بسطها طولاً وعرضاً لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان ولوشاء لجعلها كالجدار والأزج لا يستطاع القرار عليها هذا إذا قلنا أنّ الأرض مسطحة لا كرة، وعند أصحاب الهيئة أنها كرة فكيف يقولون بذلك ومدّ الأرض ينافي كونها كرة، كما ثبت بالدليل؟ أجيب: بأنّ الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح كما أنّ الله تعالى جعل الجبال أوتاداً مع أنّ العالم من الناس يستقرّون عليها، فكذلك ومع هذا فالله تعالى قد أخبر أنه مدّ الأرض ودحاها وبسطها، وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلاً وأبين دليلاً من أصحاب الهيئة هذا هو الدليل الأوّل من الدلائل الأرضية. الثاني منها قوله: {وجعل} ، أي: وخلق {فيها} ، أي: الأرض {رواسي} ، أي: جبالاً ثوابت واحدها راسية، أي: ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن مكانها لا تتحرّك ولا يتحرك ما هي راسية فيه وهذا لا بدّ وأن يكون بتخليق القادر الحكيم قال ابن عباس: أوّل جبل وضع على وجه الأرض جبل أبي قبيس ولما غلب على الجبال وصفها بالرواسي صارت الصفة تغني عن الموصوف، فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل قاله أبو حيان. الثالث منها قوله تعالى: {وأنهاراً} ، أي: وجعل في الأرض أنهاراً جارية لمنافع الخلق، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، وأصله الاتساع، ومنه النهار لاتساع ضيائه. الرابع منها: قوله تعالى: {ومن كل الثمرات} وهو متعلق
بقوله تعالى: {جعل فيها} ، أي: الأرض {زوجين اثنين} ، أي: وجعل فيها من جميع أنواع الثمار صنفين اثنين، والاختلاف إمّا من حيث الطعم كالحلو والحامض أو اللون كالأسود والأبيض، أو الحجم كالصغير والكبير، أو الطبيعة كالحارّ والبارد. فإن قيل: الزوجان لا بدّ وأن يكونا اثنين فما الفائدة في اثنين؟ أجيب: بأنه قيل: إنه تعالى أوّل ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط فلو قال: خلق زوجين لم يعلم أنّ المراد النوع أو الشخص، فلما قال: اثنين علم أنه تعالى أوّل ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد، فكما أنّ الناس وإن كان فيهم الآن كثرة فابتداؤهم من زوجين اثنين بالشخص آدم وحوّاء، فكذا القول في جميع الأشجار والزروع. الخامس منها: قوله تعالى: {يغشي} ، أي: يغطي {الليل} بظلمته {النهار} ، أي: والنهار الليل بضوئه فيعتدل فعلهما على ما قدّره الله تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان، وذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا الظاهرة لكل ذي عقل أنها تدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين، والباقون بسكون الغين وتخفيف الشين. ولما ذكر تعالى هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة جمعها وناطها بالفكر فقال تعالى: {إن في ذلك} ، أي: الذي وقع التحدّث عنه من الآيات {لآيات} ، أي: دلالات {لقوم يتفكرون} ، أي: يجتهدون في الفكر فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالسبب على المسبب والتفكر والتدبر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء، ثم أنه تعالى ذكر دليلاً ظاهراً جدًّا بقوله تعالى: {وفي الأرض} ، أي: التي أنتم سكانها تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل الشك {قطع} ، أي: بقاع مختلفة {متجاورات} ، أي: متقاربات يقرب بعضها من بعض واحدة طيبة، والأخرى سبخة لا تنبت وأخرى صالحة للزرع لا للشجر، وأخرى بالعكس، وأخرى قليلة الريع، وأخرى كثيرته مع انتظام الكل في الأرضية، وهو من دلائل قدرته تعالى {وجنات} ، أي: بساتين فيها أنواع الأشجار من نخيل وأعناب وغيرذلك كما قال تعالى: {من أعناب وزرع ونخيل صنوان} جمع صنو وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس: «عمّ الرجل صنو أبيه» يعني أنهما من أصل واحد {وغير صنوان} ، أي: متفرقات مختلفة الأصول وسمي البستان جنة؛ لأنه يستر بأشجاره الأرض. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص برفع العين واللام والنون الثانية من صنوان والراء من غير مع التنوين في العين واللام والنون، وعدم التنوين في الراء، والباقون بالخفض في الأربعة وعدم التنوين في الراء. ولما كان الماء بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الواحد المسبب لا إلى شيء من الأسباب قال: {تسقى} قراءة ابن عامر وعاصم بالياء على التذكير، أي: المذكور، وقراءة الباقين بالتاء على التأنيث، أي: الجنات وما فيها {بماء واحد} فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتقدّم، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل في حدّه: جوهر سيال به قوام الأرواح {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} ، أي: في الطعم ما بين حلو وحامض وغير ذلك.
وفي الشكل والرائحة والمنفعة وغير ذلك، وذلك أيضاً مما يدل على القادر الحكيم، فإنّ اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار، قال مجاهد: وذلك كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم وكانت الأرض طينة واحدة في يد، أي: في قدرة الرحمن فسطحها فصارت قطعاً متجاورات، فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد، وكذلك الناس خلقوا من آدم، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع. وقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} (الإسراء، 82) وقرأ حمزة والكسائي بالياء ليطابق قوله تعالى: {يدبر الأمر} والباقون بالنون وقرأ نافع وابن كثير بسكون الكاف، والباقون بالرفع {إن في ذلك} ، أي: الأمر العظيم الذي ذكرناه {لآيات} ، أي: دلالات {لقوم يعقلون} ، أي: يستعملون عقولهم بالتدبر والتفكر في الآيات الدالة على وحدانيته تعالى. ولما ذكر تعالى الدلائل القاهرة الدالة على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدل على المعاد بقوله تعالى: {وإن تعجب} ، أي: يا أكرم الخلق من تكذيب الكفار لك بعد أن كنت تعرف عندهم بالصادق الأمين {فعجب} ، أي: فحقيق أن يتعجب منه {قولهم} ، أي: منكري البعث {أئذا كنا تراباً} ، أي: بعد الموت {أئنا لفي خلق جديد} ، أي: خلق بعد الموت كما كنا قبله، ولم يعلموا أنّ القادر على إنشاء الخلق وما تقدّم على غير مثال قادر على إعادتهم. وقيل: وإن تعجب من اتخاذ المشركين ما لا يضرّهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأنّ الله تعالى خلق السموات، والأرض، وهو يضر وينفع، وقد رأوا قدرة الله تعالى وما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم ذلك، والعجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، وقال المتكلمون: العجب هو الذي لا يعرف سببه، وذلك في حق الله تعالى محال؛ لأنه تعالى علام الغيوب لا تخفى عليه خافية، وقرأ أبو عمرو وخلاد والكسائي بإدغام الباء في الفاء، والباقون بالإظهار. تنبيه: هنا آيتان في كل منهما همزتان، فقرأ قالون بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الهمزة الثانية، ويدخل بينهما ألفاً على الاستفهام، وفي الآية الثانية بهمزة مكسورة وبعدها نون مشددة على الخبر، وورش كذلك إلا أنه لا يدخل بين الهمزتين في أئذا ألفاً وينقل في الثاني على أصله، وابن كثير يقرأ بالاستفهام فيهما من غير إدخال ألف بين الهمزتين مع تحقيق الأولى وتسهيل الثانية فيهما، وأبو عمرو كذلك مع إدخال ألف بينهما، وابن عامر في الأول بهمزة مكسورة بعدها ذال مفتوحة على الخبر، وفي الثاني بهمزة مفتوحة محققة وهمزة مكسورة محققة على الاستفهام، وأدخل هشام بينهما ألفاً بخلاف عنه، والباقون بهمزتين محققتين الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة ولا ألف بينهما في الموضعين. فائدة: جميع ما في القرآن من ذلك أحد عشر موضعاً في تسع سور، والأحد عشر مكرّرة فتصير اثنين وعشرين، في هذه السورة موضع، والثاني والثالث في سورة الإسراء، والرابع في المؤمنون، والخامس في النمل، والسادس في العنكبوت، والسابع في السجدة،
والثامن والتاسع في الصافات، والعاشر في الواقعة، والحادي عشر في النازعات. وأذكر إن شاء الله تعالى في كل سورة من السور المذكورة مذهبهم في محله. {أولئك} ، أي: الذين جمعوا أنواعاً من البعد من كل خير {الذين كفروا بربهم} ، أي: غطوا ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم، ثم رباهم بأنواع اللطف، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا بدأهم {وأولئك} البعداء البغضاء {الأغلال} يوم القيامة {في أعناقهم} بسبب كفرهم، والغل: طوق من حديد تقيد به اليد في العنق، وقيل: المراد بالأغلال ذلهم وانقيادهم يوم القيامة كما يقاد الأسير الذليل بالغل، وقيل: إنهم مقيدون بالضلال لا يرجى فلاحهم. {وأولئك} ، أي: الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم {أصحاب النار هم فيها خالدون} ، أي: ثابت خلودهم دائماً لا يخرجون منها ولا يموتون. ولما كان صلى الله عليه وسلم يهدّدهم تارة بعذاب يوم القيامة وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلما هدّدهم بعذاب يوم القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر، وهو الذي تقدّم ذكره في الآية الأولى، وكلما هدّدهم بعذاب الدنيا قالوا له: فجئنا بهذا العذاب، وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن وإظهار أنّ الذي يقول كلام لا أصل له نزل: {ويستعجلونك} ، أي: استهزاء وتكذيباً، والاستعجال طلب التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له {بالسيئة} ، أي: العذاب {قبل الحسنة} ، أي: الرحمة، وذلك أنّ مشركي مكة كانوا يقولون: اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذا أليم. تنبيه: قوله {قبل الحسنة} فيه وجهان: أحدهما: متعلق بالاستعجال ظرفاً له والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من السيئة قاله أبو البقاء. {وقد} ، أي: والحال أنه قد {خلت من قبلهم المثلات} جمع مثلة بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات، أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها. {وإنّ ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} وإلا لم يترك على ظهرها دابة كما قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} (فاطر، 45) . وقال ابن عباس: معناه لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا. {وإنّ ربك لشديد العقاب} للمصرين على الشرك الذين ماتوا عليه. وقال مقاتل: إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وشديد العقاب إذا عاقب. ولما بين سبحانه وتعالى أنّ الكفار طعنوا في نبوة النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبب طعنهم في الحشر والنشر أوّلاً، ثم طعنوا في نبوّته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانياً، ثم طعنوا في نبوّته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة. ثالثاً، وهو المذكور في قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا} ، أي: هلا {أنزل عليه} ، أي: محمد صلى الله عليه وسلم {آية من ربه} ، أي: مثل عصا موسى وناقة صالح وذلك؛ لأنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات، وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب، وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزاً مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم راغباً في إجابة مقترحاتهم لشدّة التفاته إلى إيمانهم قال الله تعالى له: {إنما أنت منذر} ، أي: ليس عليك إلا الإنذار والتخويف، وليس عليك إتيان الآيات. {ولكل قوم هاد} ، أي: نبيّ يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون.
وقرأ ابن كثير في الوقف بياء بعد الدال، وفي الوصل بغير ياء وتنوين الدال، والباقون بغير ياء في الوقف والوصل مع تنوين الدال. ولما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات أخبرهم الله تعالى عن عظيم قدرته وكمال علمه بقوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} من ذكر وغيره وواحد ومتعدّد وغير ذلك {وما تغيض} ، أي: تنقص {الأرحام} من مدّة الحمل {وما تزداد} ، أي: من مدّة الحمل فقد تكون سبعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند الإمام أبي حنيفة، وإلى اربع عند الإمام الشافعي، وإلى خمس عند الإمام مالك رضي الله تعالى عنهم. وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرماً. وقيل: ما تنقصه الرحم من الأولاد وتزيده منهم. يروى أنّ شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمّه. وقيل: من نقصان الولد فيخرج ناقصاً والزيادة تمام خلقه. وقيل: ما تنقص بالسقط عن أن يتم وما يزداد بالتمام. وقيل: ما تنقص بظهور دم الحيض، وذلك أنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص بمقدار حصول ذلك. قال ابن عباس: كلما سال الحيض في وقت الحمل يوماً زاد في مدّة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر والآية تحتمل جميع ذلك إذ لا تنافي في هذه الأقوال. ويدل لذلك قوله تعالى: {وكل شيء} من هذا وغيره من الآيات المقترحات وغيرها {عنده} ، أي: في علمه وقدرته {بمقدار} في كيفيته وكميته لا يجاوزه ولا يقصر عنه لأنه تعالى عالم بكيفية كل شيء وكميته على الوجه المفصل المبين. تنبيه: قوله تعالى: {عنده} يجوز أن يكون مجرور المحل صفة لشيء أو مرفوعه صفة لكل أو منصوبه ظرفاً لقوله: {بمقدار} أو ظرفاً للاستقرار الذي تعلق به الجار لوقوعه خبراً. {عالم الغيب} وهو ما غاب عن كل مخلوق {والشهادة} وهو ما شاهدوه، وقيل: الغيب هو المعدوم والشهادة هو الموجود. وقيل: الغيب ما غاب عن الحس، والشهادة ما حضر في الحس {الكبير} ، أي: العظيم {المتعال} عن خلقه بالقهر المنزه عن صفات النقص فهو تعالى موصوف بالعلم الكامل والقدرة التامّة. وقرأ ابن كثير في الوقف والوصل بياء بعد اللام، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً. ولما كان علمه تعالى شاملاً لجميع الأشياء قال تعالى: {سواء منكم} ، أي: في علمه تعالى {من أسرّ القول} ، أي: أخفى معناه في نفسه {ومن جهر به} ، أي: أظهره فقد استوى في علمه تعالى المسرّ بالقول والجاهر به {ومن هو مستخف} ، أي: مستتر {بالليل} ، أي: بظلامه {وسارب} ، أي: ظاهر بذهابه في سربه {بالنهار} والسرب: بفتح السين وسكون الراء الطريق، وقال ابن عباس: سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة، وقال مجاهد: سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليل، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التواري والضمير في. {له} يعود إلى من في قوله {سواء منكم من أسّر القول ومن جهر به ومن هومستخف بالليل} أو للإنسان {معقبات} ، أي: ملائكة تعقبه، والذي عليه الجمهور أنّ المراد بالملائكة الحفظة، وإنما صح وصفهم بالمعقبات إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار، وبالعكس وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويبتغونها بالحفظ والكتب وكل من عمل عملاً، ثم عاد إليه فقد عقب، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل والنهار، روي عن عثمان أنه قال يا رسول الله أخبرني
عن العبد كم معه من ملك فقال صلى الله عليه وسلم «ملك عن يمينك للحسنات وهو أمير على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين: اكتب قال: لا لعله أن يتوب أو يستغفر فيستأذنه ثلاث مرات فإذا قال ثلاثاً قال اكتب أراحنا الله منه. فبئس القرين ما أقل مراقبته لله واستحيائه منا فهو قوله تعالى {له معقبات} {من بين يديه} ، أي: قدّامه {ومن خلفه} ، أي: ورائه، وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك، وإن تجبرت قصمك وملكان على شفتيك يحفظان عليك الصلاة، وملك على فيك، لا يدع أن تدخل الحية في فيك وملكان على عينيك فهذه عشرة أملاك على كل أدمي» ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فهم عشرون ملكاً على كل آدمي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله تعالى وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون» . وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك موكل يحفظه من الجن والأنس والهوام في نومه ويقظته، فإن قيل: الملائكة ذكور فلم ذكروا في جمع الإناث وهو المعقبات؟ أجيب: بجوابين: الأول: قال الفراء: المعقبات ملائكة معقبة واحدها معقب ثم جمعت معقبة بمعقبات كما قيل أبناآت ورجالات جمع أبناء ورجال والذي على التذكير قوله تعالى: {يحفظونه} والثاني: وهو قول الأخفش إنما أنث لكثرة ذلك منها نحو نسابة وعلامة وهو ذكر، واختلف في المراد من قوله تعالى: {من أمر الله} على أقوال: أحدها: إنه على التقديم والتأخير، والتقدير له معقبات من أمر الله يحفظونه. ثانيها: أنّ فيه إضماراً، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله تعالى به فحذف الاسم وأبقى خبره. وثالثهما: أنّ كلمة من معناها الباء والتقدير يحفظونه بأمر الله وبإعانته، وقال كعب الأحبار: لولا أنّ الله تعالى وكّل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجنّ، وقال ابن جريج: معنى يحفظونه، أي: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص هؤلاء الملائكة مع بني آدم وتسليطهم عليهم؟ أجيب: بأن الإنسان إذا علم أنَّ الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب؛ لأنّ من اعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم، فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام إليها كما يزجره إذا حضر من يعظمه من البشر، وإذا علم أنّ الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال، كان ذلك أيضاً ردعاً له عنها، وإذا علم أنّ الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل. ولما دل ذلك على غاية القدرة والعظمة قال تعالى: {إنّ الله} مع قدرته {لا يغير ما بقوم} ، أي: لا يسلبهم نعمته {حتى يغيروا ما} ، أي: الذي {بأنفسهم} من الأحوال الجميلة إلى الأحوال القبيحة {وإذا أراد الله بقوم سوءً} ، أي: هلاكاً وعذاباً {فلا مردّ له} أي لا يقدر أحد لا من المعقبات ولا من غيرها أن يرد مانزل بهم من قضائه وقدره {ومالهم} ، أي: إن أراد الله بهم سواءً {من دونه} ، أي: غير الله {من وال} يلي أمرهم وينصرهم ويمنع العذاب عنهم، وقرأ ابن كثير في الوقف بإثبات الياء بعد اللام دون
الوصل، والباقون بغير ياء بعد اللام وقفاً ووصلاً. ولما خوّف الله تعالى بقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءً} اتبعه بذكر آيات تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه بقوله تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفاً} ، أي: للمسافرين من الصواعق {وطمعاً} ، أي: للمقيم في المطر، وقيل: إنّ كل شيء يحصل في الدنيا يحتمل الخير والشر، فهو خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه وشر في حق من يضرّه ذلك إما بحسب المكان وإما بحسب الزمان، والبرق معروف وهو لمعان يظهر من بين السحاب {وينشىء} ، أي: يخلق {السحاب الثقال} ، أي: بالمطر. تنبيه خوفاً وطمعاً مصدران ناصبهما محذوف، أي: تخافون خوفاً وتطمعون طمعاً، ويجوز غير ذلك، والسحاب قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: غربال الماء وهو غيم ينسحب في السماء، وهو اسم جنس جمعي واحده سحابة وأكثر المفسرين على أنّ الرعد في قوله تعالى: {ويسبح الرعد بحمده} على أنه اسم للملك الذي يسوق السحاب والصوت المسموع منه تسبيحه ولا يردّ ذلك عطف الملائكة عليه في قوله تعالى: {والملائكة} ، أي: تسبحه {من خيفته} ، أي: الله؛ لأنه أفرد بالذكر تشريفاً له، كما في قوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة، 98) . قال ابن عباس: «أقبلت يهود على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب» . قال ابن الأثير: والمخاريق جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً وهي آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه، وقد جاء تفسير المخراق في حديث آخر، وهو سوط من نور تزجر به الملائكة السحاب. وعن ابن عباس أنه قال: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعليّ ديته. وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: «لو أنّ عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت الشمس عليهم بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد» . وفي رواية عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه حيث يؤمر وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى إذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر. وعن الحسن أنّ الرعد خلق من خلق الله ليس بملك، وقد اختلفت الروايات في ذلك، ففي بعضها أنه ملك موكل بالسحاب، وفي بعضها أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه، وفي بعضها أنه ملك يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادي الإبل بحدائه، وفي بعضها: أنه ملك سمي به وهو الذي تسمعون صوته، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك في البقرة، وقيل: هؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله تعالى له أعواناً، فهم خائفون خاضعون طائعون، وقيل: المراد بهم جميع الملائكة واستظهر وقوله تعالى: {ويرسل الصواعق} جمع صاعقة وهي العذاب المهلك تنزل من البرق فتحرق من تصيبه {فيصيب بها من يشاء} فيهلكه {وهم يجادلون في الله} حيث يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم والتكذيب التشديد في الخصومة. روي «أنّ عامر
بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف فتنبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهمّ اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامر بغدة فمات في بيت سلولية فكان يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فنزلت» . «وعن الحسن أنه قال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم نفراً يدعونه إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: أخبروني عن رب محمد الذي تدعونني إليه مم هو؟ أمن ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلاً أكفر قلباً ولا أعتى على الله منه. فقال صلى الله عليه وسلم ارجعوا، إليه فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مقالته الأولى وقال: أجيب محمد إلى رب لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا وقالوا: يا رسول الله، ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث فقال: ارجعوا إليه فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: احترق صاحبكم فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحى الله تعالى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله} » . {وهو شديد المحال} واختلف المفسرون في قوله تعالى: {وهو شديد المحال} فقال عليّ رضي الله عنه: شديد الأخذ. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقال مجاهد: شديد القوة. وقال أبو عبيدة: شديد القوة والمغالبة. واختلف في قوله تعالى: {له} ، أي: الله {دعوة الحق} فقال عليّ: دعوة الحق التوحيد. وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: الحق هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق. {والذين يدعون} ، أي: وهم الكفار. {من دونه} ، أي: غير الله وهي الأصنام {لا يستجيبون} ، أي: الأصنام {لهم} ، أي: الكفار {بشيء} مما يطلبونه من نفع أو دفع ضر {إلا} ، أي: الاستجابة {كباسط} ، أي: كاستجابة باسط {كفيه إلى الماء} ، أي: على شفير البئر يدعوه {ليبلغ فاه} ، أي: بارتفاعه من البئر إليه {وما هو} ، أي: الماء {ببالغه} ، أي: فاه أبداً؛ لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم أبداً؛ لأنّ أصنامهم كذلك، وقيل: شبهوا في قلة فائدة دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسط كفيه ناشراً أصابعهما، ولم يصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من مشربه، ثم أنه تعالى عمم في أنه لا يستجاب لهم بقوله تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ، أي: ضياع لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا آلهتهم لم تستطع إجابتهم، وقيل: المراد بالدعاء في الحالين العبادة وقوله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض} يحتمل أن يراد به السجود على حقيقته وهو وضع الجبهة، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: {طوعاً} للملائكة والمؤمنين من الثقلين حالتي الشدّة والرخاء وقوله تعالى: {وكرهاً} للكافرين والمنافقين الذين أكرهوا على السجود بالسيف وأن يراد به التعظيم والاعتراف بالعبودية، فكل من السموات والأرض معترف بعبودية الله
تعالى كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله} (الزخرف، 87) وأن يراد به الانقياد والخضوع وترك الامتناع، وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأنّ قدرته ومشيئته نافذة في الكل. تنبيه: قوله تعالى: {طوعاً وكرهاً} إمّا مفعول من أجله وإمّا حال، أي: طائعين وكارهين. واختلف في تفسير قوله تعالى: {وظلالهم بالغدوّ} ، أي: البكر {والآصال} ، أي: العشايا، أي: تسجد فقال أكثر المفسرين: كل شخص سواء كان مؤمناً أو كافراً، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله تعالى وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله تعالى وهو كاره. وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباريّ: ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال عقولاً وأفهاماً تسجد بها لله وتخشع. وقيل: المراد من سجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس وهي منقادة مسلسلة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خص الغدوّ والآصال بالذكر؛ لأنّ الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين. تنبيه: الغدوّ جمع غداة كقنى وقناة، والآصال جمع الأصل، والأصل جمع أصيل، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. ولما بيّن تعالى أن كل من في السموات والأرض ساجد لله تعالى عدل إلى الردّ على عباد الأصنام بقوله تعالى: {قل} يا أشرف الخلق على الله تعالى لقومك {من رب السموات والأرض} ، أي: من مالكهما وما فيهما ومدبرهما وخالقهما؟ {قل الله} ، أي: أجب عنهم بذلك إن لم يقولوه، ولا جواب لهم غيره، ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه ولقنهم الجواب به. وروي أنه لما قال للمشركين ذلك عطفوا عليه وقالوا: أجب أنت فأمره الله تعالى، فأجاب بذلك، ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله تعالى: {قل} لهم {أفاتخذتم من دونه} ، أي: غير الله {أولياء} ، أي: أصناماً تعبدونها {لا يملكون لأنفسهم نفعاً} يجلبونه {ولا ضرّاً} يدفعونه فكيف يملكون لكم ذلك؟ وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال في اتخذتم عند التاء، والباقون بالإدغام، ثم ضرب الله تعالى مثلاً للمشركين الذين يعبدون الأصنام والمؤمنين الذين يعبدون الله فقال تعالى: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} قال ابن عباس: يعني المشرك والمؤمن، وإنما مثل الكافر بالأعمى؛ لأنه لا يهتدي سبيلاً، فكذلك الكافر لا يهتدي سبيلاً. ثم ضرب الله مثلاً للإيمان والكفر بقوله تعالى: {أم هل تستوي الظلمات} ، أي: الكفر {والنور} ، أي: الإيمان؟ الجواب: لا. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي {يستوي} بالياء على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، وأمّا اللام من هل هنا فلا تدغم على القراءتين. {أم جعلوا لله شركاء} والهمزة للانكار، وقوله تعالى: {خلقوا كخلقه} صفة شركاء، أي: خلقوا سموات وأرضين وشمساً وقمراً وجبالاً وبحاراً وجناً وإنساً. {فتشابه الخلق} ، أي: خلق الشركاء بخلق الله {عليهم} من هذا الوجه فلا يدرون ما خلق الله ولا ما خلق آلهتهم، فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم، وهذا استفهام إنكار، أي: ليس الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا الخالق. ولما كان من المعلوم قطعاً أن جوابهم أن الخلق كله لله لزمتهم الحجة فقال تعالى: {قل} لهؤلاء المشركين {الله خالق كل شيء} ، أي: مما يصح أن يكون مخلوقاً، فهو من العموم الذي يراد به
الخصوص، فلا يدخل في ذلك صفات الله تعالى، وإذا كان لا خالق غيره فلا يشاركه في العبادة أحد، فوجب أن ينفرد بالإلهية كما قال تعالى: {وهو الواحد} ، أي: الذي لا يجانسه شيء، وكل ما سواه لا يخلو عن مماثل يماثله، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له؟ {القهار} الذي كل شيء تحت قهره، فيدخل تحت قضائه ومشيئته وإرادته، ثم ضرب تعالى مثلاً للحق والباطل بقوله تعالى: {أنزل من السماء} ، أي: السحاب أو السماء نفسها {ماء} ، أي: مطراً {فسالت أودية} ، أي: أنهار جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه، واستعمل للماء الجاري فيه، وتنكيرها؛ لأنّ المطر يأتي على تناوب بين البقاع {بقدرها} ، أي: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضارّ، أو بمقداره في الصغر والكبر. {فاحتمل السيل زبداً رابياً} ، أي: عالياً هو ما على وجهه من قذر ونحوه {ومما توقدون عليه من النار} ، أي: من جواهر الأرض الذهب والفضة والنحاس والحديد {ابتغاء} ، أي: طلب {حلية} ، أي: زينة {أو متاع} ، أي: ينتفع به كالأواني إذا أذيبت، وآلات الحرب والحرث، والمقصود من هذا بيان منافعها {زبد مثله} ، أي: مثل زبد السيل، وهو خبثه الذي ينفيه الكير، ومن للابتداء أو للتبعيض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة على أن الضمير للناس وإضماره للعلم به، والباقون بالتاء على الخطاب {كذلك} ، أي: مثل هذا الضرب العلي الرتب المتبين السبب {يضرب الله} ، أي: الذي له الأمر كله {الحق والباطل} ، أي: مثلهما، فإنه تعالى مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة، فيننتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنيّ والآبار، ومثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وهو قوله تعالى: {فأما الزبد} ، أي: من السيل وما أوقد عليه من الجواهر {فيذهب جفاء} . قال أبو حيان: مضمحلاً، أي: متلاشياً لا منفعة فيه ولا بقاء له. وقال ابن الأنباري: متفرّقاً، وانتصابه على الحال. {وأما ما ينفع الناس} من الماء ومن الجواهر الذي هو مثل الحق. {فيمكث في الأرض} ، أي: يثبت ويبقى لينتفع به أهلها {كذلك} ، أي: مثل ذلك الضرب {يضرب} ، أي: يبين {الله} الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة {الأمثال} فيجعلها في غاية الوضوح، وإن كانت في غاية الغموض. قال أهل المعاني: هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن الله يمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء، فيذهب الزبد فيبقى الماء الصافي الذي ينفع، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى، ويذهب العلو الذي هو الكدر وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل. وقيل: هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس، ومثل الكافر وخبث اعتقاده كمثل الزبد الذي لا ينتفع به البتة. ثم إنه تعالى لما ذكر الحق والباطل ذكر ما لأهلهما من الثواب والعقاب فقال تعالى: {للذين استجابوا لربهم} ، أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوّة وبعث الأموات، والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم {الحسنى} قال ابن عباس وقال أهل المعاني: الحسنى
هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرّة الدائمة الخالصة عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال، ولم يذكر تعالى الزيادة هاهنا؛ لأنه تعالى ذكرها في سورة أخرى وهي قوله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس، 26) هذا ما لأهل الحق، وأمّا ما لأهل الباطل فهو ما ذكره بقوله جل من قائل: {والذين لم يستجيبوا له} وهم الكفرة فلهم أنواع ثلاثة من العذاب والعقوبة، فالنوع الأوّل قوله تعالى: {لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به} ، أي: جعلوه فكاك أنفسهم بغاية جهدهم؛ لأنّ المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما هو سواه فهو إنما يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضر والألم والتعب وكان مالكاً لما يساوي عالم الأجناس والأرواح، فإنه يرضى بأن يجعله فداء نفسه؛ لأنّ المحبوب بالعرض لا بدّ وأن يكون فداء لما كان محبوباً بالذات، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله ما في الأرض.d والنوع الثاني من أنواع العذاب الذي أعده الله تعالى لهم ما ذكره بقوله تعالى: {أولئك لهم سوء الحساب} وهو المناقشة فيه، وعن النخعي بأن يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفر منه شيء، وإنما نوقشوا؛ لأنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى، فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين من الفوز بسعادة خدمة المولى. والنوع الثالث من عقوباتهم ما ذكره بقوله تعالى: {ومأواهم} ، أي: مرجعهم {جهنم} وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاشتغال بخدمة المولى عاشقين للذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم، فيحترقون على مفارقتها، وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك كان مأواهم جهنم. ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى بقوله عز من قائل: {وبئس المهاد} ، أي: الفراش، والمخصوص بالذم محذوف، أي: جهنم. ونزل في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمار وأبي جهل. {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} ، أي: يؤمن به ويعمل بما فيه، وهو حمزة أو عمار رضي الله تعالى عنهما. {كمن هو أعمى} ، أي: أعمى البصيرة ولا يؤمن به ولا يعمل بما فيه وهو أبو جهل، قال ابن الخازن في تفسيره: وحمل الآية على العموم أولى، وإن كان السبب مخصوصاً، والمعنى: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن هو لا يبصر الحق ولا يتبعه، وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى؛ لأنّ الأعمى لا يهتدي لرشد {إنما يتذكر} ، أي: يتعظ {أولو الألباب} ، أي: أصحاب العقول الذين يطلبون من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشرة لبابها، ويعبرون من ظاهر كل حديث إلى سره ولبابه. {الذين يوفون بعهد الله} ، أي: ما عاقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: بلى، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه. {ولا ينقضون الميثاق} ، أي: ما واثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وبينهم وبين العباد، فهو تعميم بعد تخصيص. {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} ، أي: من الإيمان والرحم وغير ذلك، والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم. عن أبي موسى أنّ عبد الرحمن بن عوف عاد أبا الدرداء فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يحكي عن ربه تعالى: «أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، أو قال: بتته» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» . وعن
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يبسط في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» . ومعنى ينسأ يؤخر، والمراد به تأخير الأجل، وفيه قولان: أحدهما وهو المشهور: أنه يزاد في عمره زيادة حقيقية. والثاني: يبارك له في عمره فكأنه قد زيد فيه. وعن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها» . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تأتي يوم القيامة لها ألسنة ذلقة الرحم فتقول: أي: رب قطعت والأمانة تقول: أي رب تركت والنعمة تقول: أي: رب كفرت» . وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ فقالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة، فأساء إليها لم يكن من المحسنين. {ويخشون ربهم} ، أي: وعيده عموماً، والخشية خوف يشوبه تعظيم {ويخافون سوء الحساب} خصوصاً فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا {والذين صبروا} ، أي: على طاعة الله تعالى وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه. وقال ابن عباس: صبروا على أمر الله. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي، ومرجع الكل واحد فإنّ الصبر الحبس، وهو تجرع مرارة منع النفس عما تحب مما لا يجوز فعله {ابتغاء} ، أي: طلب {وجه ربهم} ، أي: رضاه لا طلب غيره من جور أو سمعة أو رياء أو لغرض من أغراض الدنيا أو نحو ذلك {وأقاموا الصلاة} ، أي: المفروضة، وقيل: مطلق الصلاة، فيدخل فيه الفرض والنفل. {وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية} قال الحسن: المراد به الزكاة، فإن لم يتهم بترك الزكاة فالأولى أن يؤدّيها سرًّا، وإن كان يتهم بترك أدائها، فالأولى أن يؤدّيها علانية، وقيل: المراد بالسر صدقة التطوّع، وبالعلانية الزكاة. وقيل: المراد بالسر ما يؤدّيه من الزكاة بنفسه وبالعلانية ما يدفعه إلى الإمام. {ويدرؤون} ، أي: يدفعون {بالحسنة السيئة} كالجهل بالحلم والأذى بالصبر. روي عن ابن عباس قال: يدفعون بالصالح من العمل السيء من العمل، وهو معنى قوله تعالى: {إنّ الحسنات يذهبن السيئات} (هود، 114) وقوله صلى الله عليه وسلم «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية» . وعن عقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيق قد خنقه ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض» . وقال ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سوء غيرهم. وعن الحسن إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عمر: ليس الواصل من وصل، ثم وصل تلك مجازاة لكن من قطع ثم وصل وعطف من لم يصله، وليس الحليم من ظلم، ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج لكن الحليم من قدر ثم عفا. وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا، وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره، وروي أنّ شقيقاً البلخي دخل على ابن المبارك متنكراً فقال له: من أين أنت؟ فقال: من بلخ. فقال: وهل تعرف شقيقاً؟ قال: نعم. فقال: وكيف طريقة أصحابه؟ قال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا. فقال ابن المبارك: طريقة كلابنا هكذا. فقال شقيق: فكيف ينبغي أن يكون الأمر؟ فقال: الكاملون
هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. {أولئك} ، أي: العالو الرتبة {لهم عقبى الدار} وبينها تعالى بقوله: {جنات عدن} ، أي: إقامة لا انفكاك لها يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ثم استأنف بيان تمكنهم بها بقوله تعالى: {يدخلونها} ولما كانت الدار لا تطيب بدون الأحبة قال تعالى عاطفاً على الضمير المرفوع: {ومن صلح من آبائهم} ، أي: الذين كانوا سبباً في إيجادهم، فيشمل ذلك الآباء والأمهات وإن علوا {وأزواجهم وذرياتهم} ، أي: الذين تسببوا عنهم، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم وتعظيماً لشأنهم، ويقال: إنّ من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكروا الله تعالى على الخلاص منها والفوز بالجنة، ولذلك قال الله تعالى في صفة أهل الجنة أنهم يقولون: {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} (يس: 26، 27) . وفي ذلك دليل على أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم، والتقييد بالصلاح دلالة على أنّ مجرد الأنساب لا تنفع. وفسر ابن عباس الصلاح بالتصديق فقال: يريد من صدّق بما صدّقوا وإن لم يعمل مثل أعمالهم، قال الرازي: قوله {وأزواجهم} ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وما روي عن سودة أنها لما همّ الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في جملة نسائك. كالدليل على ما ذكرنا اه. وعلى هذا من تزوجت بغيره قيل: إنها تتخير بينهما، ثم زاد تعالى في ترغيبهم بقوله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم} لأنّ الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في السرور والعز. ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على الأدب والكرم قال تعالى: {من كل باب} قال ابن عباس: لهم خيمة من درّة مجوّفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصارعها من ذهب يدخلون عليهم من كل باب يقولون لهم: {سلام عليكم} ، أي: فأضمر القول هنا لدلالة الكلام عليه {بما صبرتم} على أمر الله، والباء للسببية، أي: بسبب صبركم، أو البدلية، أي: بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه. فإن قيل: بم يتعلق قوله {بما صبرتم} قال الزمخشري: بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم، وقال البيضاوي: متعلق بعليكم أو بمحذوف لا بسلام، فإن الخبر فاصل مع أنّ الزمخشري قال ويجوز أن يتعلق بسلام، أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم، وهذا أظهر وردّ الأول بأن الممنوع منه إنما هو المصدر المؤوّل بحرف مصدري، وفعل والمصدر هنا ليس كذلك. ولما تم ذلك تسبب عنه قوله تعالى: {فنعم عقبى الدار} وهي المسكن في قرار المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها، والمرافق التي ينتفع بها، والعقبى الإنتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: عقباكم. ولما ذكر تعالى صفات السعداء ومايترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر أحوال الأشقياء، وذكر مايترتب عليها من الأحوال المخزية المكربة، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب؛ ليكون البيان كاملاً فقال تعالى: {والذين ينقضون عهد الله} ، أي: فيعملون بخلاف موجبه، والنقض التفريق الذي ينفي تأليف البناء {من بعد ميثاقه} ، أي: الذي أوثقه عليهم من الإقرار والقبول
{ويقطعون ما} ، أي: الذي {أمر الله به أن يوصل} وذلك في مقابلة قوله من قبل {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} (الرعد، 21) فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل، والمراد به قطع ما يوجب الله تعالى وصله، أي: لما له من المحاسن الجلية والخفية التي هي عين الصلاح، ويدخل في ذلك وصل الرسول صلى الله عليه وسلم بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين ووصل الأرحام، ووصل سائر من له حق {ويفسدون} ، أي: يوقعون الفساد {في الأرض} ، أي: في أي جزء كان منها بالظلم وتهييج الفتن، والدعاء إلى غير دين الله تعالى {أولئك} أي البعداء البغضاء {لهم اللعنة} ، أي: الطرد والبعد {ولهم سوء الدار} والدار لهم هي جهنم، وليس لهم فيها إلا ما يسوء الصائر إليها. ولما حكم تعالى على من نقض عهده في قبول التوحيد والنبوّة بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة، فكأنه قيل: لو كانوا أعداء الله تعالى لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا فأجاب الله تعالى بقوله تعالى: {الله يبسط الرزق} ، أي: يوسعه {لمن يشاء ويقدر} ، أي: يضيقه على من يشاء سواء في ذلك الطائع والعاصي ولا تعلق لذلك بالكفر والإيمان فقد يوجد الكافر موسعاً عليه دون المؤمن ويوجد المؤمن موسعاً عليه دون الكافر فالدنيا دار امتحان ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من وفقه الله تعالى قال الله تعالى: {وفرحوا} ، أي: كفار مكة فرح بطر {بالحياة الدنيا} ، أي: بما نالوه فيها لا فرح سرور بفضل الله والعافية عليهم ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة {وما الحياة الدنيا} ، أي: بكمالها {في الآخرة} ، أي: في جنبها {الامتاع} ، أي: حقير متلاش يتمتع به ويذهب كعجالة الراكب وهي ما يتعجله من تميرات أو شربة ماء سويق أو نحو ذلك. {ويقول الذين كفروا} من أهل مكة {لولا} ، أي: هلا {أنزل عليه} ، أي: على هذا الرسول {آية} ، أي: علامة بينة {من ربه} ، أي: المحسن إليه كالعصا واليد لموسى والناقة لصالح لنهتدي بها فنؤمن به وأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله: {قل} ، أي: لهؤلاء المعاندين {إن الله يضل من يشاء} إضلاله فلا تغني عنه الآيات شيئاً وإن أنزلت كل آية {ويهدي} ، أي: يرشد {إليه} ، أي: إلى دينه {من أناب} ، أي: رجع إليه كأبي بكر الصديق وغيره ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم ولو حصلت آية واحدة فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله تعالى في طلب الهداية وقوله تعالى: {الذين آمنوا} بدل من أناب أو خبر مبتدأ محذوف {وتطمئن} ، أي: تسكن {قلوبهم بذكر الله} ، أي: أنساً به واعتماداً عليه ورجاءً منه أو بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده أو بالقرآن الذي هو أقوى المعجزات وقال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت فإن قيل: قد قال الله تعالى في سورة الأنفال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} (الأنفال، 2) والوجل ضد الاطمئنان فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ أجيب: بأنهم إذا ذكروا العقاب ولم يأمنوا أن يقدموا على المعاصي فهناك يحصل الوجل وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت قلوبهم إلى ذلك وحينئذ حصل الجمع بينهما {ألا بذكر الله} ، أي: الذي له الجلال والإكرام لا بذكر غيره {تطمئن} ، أي: تسكن {القلوب} ويثبت اليقين فيها وقوله تعالى: {الذين آمنوا وعملوا
الصالحات} مبتدأ خبره {طوبى لهم} واختلف العلماء في تفسير طوبى فقال ابن عباس: فرح لهم وقرة عين. وقال عكرمة: نعمى لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وقال النخعي: خير لهم وكرامة. وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية. قال الرازي: وهذا القول ضعيف؛ لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما، اشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر. وعن أبي هريرة وأبي الدرداء أن طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرة إلا وفيها منه إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: وكل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله تعالى بأنواع التسبيح. وعن أبي سعيد الخدري أنّ رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم ما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» . وعن معاوية بن قرّة عن أبيه يرفعه: «طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» . وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: «إنّ في الجنة شجرة يقال لها: طوبى يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما يشاء فتتفتق له عن فرس مسرجة بلجامها وهيئتها كما يشاء وتتفتق له عن راحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء» . وقيل: طوبى فعلى من الطيب قلبت ياؤه واواً لضم ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى ومعنى طوبى لك أصبت خيراً وطيباً. {وحسن مآب} ، أي: حسن المنقلب. {كذلك} ، أي: مثل إرسال الرسل الذين قدمنا الإشارة إليهم في آخر سورة يوسف وفي غيرها {أرسلناك في أمّة} ، أي: جماعة كثيرة {قد خلت من قبلها} ، أي: تقدّمتها {أمم} طال أذاهم لأنبيائهم، ومن آمن بهم، واستهزاؤهم بهم في عدم الإجابة حتى كأنهم تواصوا بهذا القول فليس ببدع إرسالك إليهم {لتتلو} ، أي: لتقرأ {عليهم} ، أي: على أمّتك {الذي أوحينا إليك} من القرآن وشرائع الدين {وهم} ، أي: والحال أنهم {يكفرون بالرحمن} ، أي: بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء. وقال قتادة: هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن سهل بن عمرو لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم» . فقال سهل بن عمرو: لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعني مسيلمة الكذاب أكتب كما كنت تكتب باسمك اللهمّ» فهذا معنى قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} ، أي: أنهم يكفرونه ويجحدونه. قال البغويّ: والمعروف أنّ الآية مكية، وسبب نزولها أنّ أبا جهل سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إنّ محمداً يدعو الله ويدعو إلهاً آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (الإسراء، 110) . وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم «اسجدوا للرحمن» قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: {قل} لهم يا محمد إنّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته {هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت} ، أي: اعتمدت عليه في أموري كلها {وإليه متاب} ،
أي: مرجعي ومرجعكم. روي أنّ أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا، واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أم باطل؟ فقد كان عيسى يحي الموتى، وسخر لنا الريح حتى نركبها إلى البلاد، فقد كانت الريح مسخرة لسليمان، فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله تعالى: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} ، أي: نقلت عن أماكنها {أو قطعت} ، أي: شققت {به الأرض} من خشية الله تعالى عند قراءته، فجعلت أنهاراً وعيوناً. {أو كلم به الموتى} ، أي: بأن يحيوا، وجواب لو محذوف، أي: لكان هذا القرآن في غاية ما يكون من الصحة، واكتفى بمعرفة السامعين مراده، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقيل: تقديره لما آمنوا، ونقل عن الفراء أنّ جواب لو هي الجملة من قوله: {وهم يكفرون} ففي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض، وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن لو أنّ قرآناً سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم. فإن قيل: لم حذفت التاء في قوله تعالى: {وكلم به الموتى} وثبتت في الفعلين قبله؟ أجيب: بأنه من باب التغليب؛ لأنّ الموتى يشمل المذكر والمؤنث. {بل لله الأمر} ، أي: القدرة على كل شيء {جميعاً} وهذا إضراب عما تضمنته لو من معنى النفي، أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكن الإرادة لم تتعلق بذلك لعلمه تعالى بأنه لا يلين قلوبهم ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا} عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب أكثرهم إلى أنّ معناه: أفلم يعلم الذين آمنوا {أن} ، أي: بأنه {لو يشاء الله} ، أي: الذي له صفات الكمال {لهدى الناس جميعاً} ، أي: إلى الإيمان من غير آية، ولكنه تعالى لم يشأ هداية جميع الخلائق {ولا يزال الذين كفروا} ، أي: جميع الكفار {تصيبهم بما} ، أي: بسبب ما {صنعوا قارعة} ، أي: نازلة وداهية تقرعهم بأنواع البلايا تارة بالجدب، وتارة بالسلب وتارة بالقتل، وتارة بالأسر وغيرذلك. واختلف في الكفار على قولين. قيل: أراد بهم جميع الكفار، لأنّ الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من ذلك أوجبت حصول الغم في قلب الكل. وقيل: المراد الكفار من أهل مكة والألف واللام للمعهود السابق ويدل لهذا قول ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثها إليهم {أو تحل} ، أي: تنزل نزولاً ثابتاً تلك القارعة {قريباً من دارهم} ، أي: فتوهن أمرهم، وقيل: معناه أو تحل أنت يا محمد بجيشك قريباً من دارهم مكة كما حل بالحديبية {حتى يأتي وعد الله} ، أي: بالنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه بفتح مكة، أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن عيسى عليه السلام فينقطع ذلك؛ لأنه لا يبقى على الأرض كافر. وقيل: أراد بوعد الله يوم القيامة؛ لأنّ الله يجمعهم فيه فيجازيهم بأعمالهم {إنّ الله لا يخلف الميعاد} لامتناع الكذب في كلامه تعالى. ولما كان الكفار يسألون هذه الآيات منه صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء والسخرية، وكان ذلك يشق عليه ويتأذى من تلك الكلمات أنزل الله تعالى تسلية له وتصبيراً له
على سفاهة قومه: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك {فأمليت للذين كفروا، أي: أطلت المدّة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم} بالعقوبة {فكيف كان عقاب} ، أي: هو واقع موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك، والإملاء الإمهال بأن يترك مدّة من الزمان في راحة وأمن كالبهيمة يملي لها في المرعى، وهذا استفهام معناه التعجب، وفي ضمنه وعيد شديد لهم، وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج، وما يكون توبيخاً لهم وتعجيباً من عقولهم فقال تعالى: {أفمن هو قائم} ، أي: رقيب {على كل نفس بما كسبت} ، أي: عملت من خير وشر وهو الله تعالى القادر على كل الممكنات العالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات، ولا بدّ لهذا الكلام من جواب فإن من موصولة صلتها هو قائم، والموصول مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره كمن ليس بهذه الصفة، وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ دل على هذا المحذوف قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء} ونظيره قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام} (الزمر، 22) الآية تقديره كمن قسا قلبه يدل عليه قوله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} (الزمر، 22) وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلاً للمبتدأ، وقد جاء مبيناً كقوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} (النحل، 17) وقوله تعالى: {قل سموهم} فيه تنبيه على أنّ هؤلاء الشركاء لا يستحقونها، والمعنى: سموهم بأسمائهم الحقيقية، فإنهم إذا عرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو مركز العجز، ومحل الفقر عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم قيل: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده؟ {أم تنبئونه} ، أي: تخبرونه {بما لا يعلم} وعلمه محيط بكل شيء {في الأرض} من كونها آلهة ببرهان قاطع {أم} تسمونهم شركاء {بظاهر من القول} ، أي: بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلم فليس بشيء، وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز. ولما كان التقدير ليس لهم على شيء من هذا برهان قاطع، ولا قول ظاهر بنى عليه قوله تعالى: {بل زين} ، أي: وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان من شياطين الإنس أو شياطين الجنّ. {للذين كفروا مكرهم} ، أي: أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا أنّ شركاءهم آلهة حقاً وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقرّبهم إلى الله زلفى، ولتشفع لهم، وهم لا يعتقدون بعثاً ولا نشوراً، فصار كل ذلك من فعلهم فعل الماكر {وصدّوا} غيرهم {عن السبيل} ، أي: طريق الهدى الذي لا يقال لغيره سبيل، فإنّ غيره عدم بل العدم خير منه، فهم لم يسلكوا السبيل، ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، وليس ذلك بعجيب فإنّ الله أضلهم {ومن يضلل الله} ، أي: الذي له الأمر كله بإرادة إضلاله {فما له من هاد} وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد الدال في الوقف دون الوصل، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً. وكذلك من واق وكذا ولا واق. ولما أخبر الله تعالى بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بقوله تعالى: {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر والذم والإهانة واغتنام الأموال واللعن، ونحو ذلك مما فيه غيظهم {ولعذاب الآخرة أشق} ، أي: أشدّ في المشقة بسبب القوّة والشدّة
وكثرة الأنواع والدوام، وعدم الانقطاع، ثم بين تعالى أنّ أحداً لا يقيهم من عذابه بقوله تعالى: {وما لهم من الله من واق} ، أي: مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، والواقي فاعل من الوقاية، وهي الحجز بما يدفع الأذية. ولما ذكر تعالى عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين بقوله تعالى: {مثل} ، أي: صفة {الجنة} ، أي: التي هي مقرهم {التي وعد المتقون} واختلف في إعراب ذلك على أقوال: الأوّل: قال سيبويه: {مثل الجنة} مبتدأ وخبره محذوف والتقدير فيما قصصناه عليك {مثل الجنة} . والثاني: قال الزجاج: {مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا. والثالث: مثل الجنة} مبتدأ وخبره. {تجري من تحتها الأنهار} كما تقول صفة زيد أسمر، والرابع الخبر. {أكلها} ، أي: مأكولها {دائم} لأنه الخارج عن العادة، فقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة أوصاف، الأوّل: تجري من تحتها، أي: من تحت قصورها وأشجارها الأنهار. الثاني: إن أكلها دائم لا ينقطع أبداً بخلاف جنة الدنيا. والثالث: قوله تعالى: {وظلها} ، أي: دائم ليس كظل الدنيا لا تنسخه الشمس ولا غيرها إذ ليس فيها شمس ولا قمر ولا ظلمة، بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول. ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بيّن تعالى أنها للمتقين بقوله تعالى: {تلك} ، أي: الجنة العالية الأوصاف {عقبى} ، أي: آخر أمر {الذين اتقوا} ، أي: الشرك، ثم كرر الوعيد للكافرين بقوله تعالى {وعقبى} ، أي: منتهى أمر {الكافرين النار} لا غير، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين. واختلف في قوله تعالى: على قولين الأوّل: أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بالكتاب القرآن {يفرحون بما أنزل إليك} من أنواع التوحيد والعدل والنبوّة والبعث والأحكام والقصص {ومن الأحزاب} ، أي: الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار {من ينكر بعضه} وهذا قول الحسن وقتادة. فإن قيل: الأحزاب منكرون كل القرآن؟ أجيب: بأنهم لا ينكرون كل ما في القرآن، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء، والأحزاب لا ينكرون كل هذه الأشياء. والقول الثاني: أنّ المراد بالكتاب التوراة، وبأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومن أسلم من النصارى، وهم ثمانون رجلاً أربعون من نجران وثمانية من اليمن واثنان وثلاثون من أرض الحبشة، وفرحوا بالقرآن؛ لأنهم آمنوا به وصدّقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب، وسائر المشركين، وقيل: كان ذكر الرحمن قليلاً في القرآن في الابتداء فلما اسلم عبد الله بن سلام ومن تبعه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرّر الله تعالى ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه} (الرعد، 36) يعني مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: ما نعرف إلا رحمن اليمامة؟ يعني مسيلمة فأنزل الله تعالى: {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} (الأنبياء، 36) . ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد وبينه بألفاظ قليلة فقال: {قل} ، أي: يا أكرم الخلق على الله تعالى {إنما أمرت} ، أي: وقع إليّ الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغيير ممن له الأمر كله {أن أعبد
الله} ، أي: وحده، ولذلك قال: {ولا أشرك به} شيئاً {إليه} وحده {أدعو وإليه مآب} ، أي: مرجعي للجزاء لا إلى غيره. {وكذلك} ، أي: كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم {أنزلناه} ، أي: القرآن {حكماً} والحكم فصل الأمر على الحق {عربياً} بلسانك ولسان قومك، وإنما سمي القرآن حكماً؛ لأنّ فيه جميع التكاليف والحلال والحرام، والنقض والإبرام، فلما كان سبباً للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. وروي أنّ المشركين كانوا يدعون النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه، فوعده الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب بأن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله تعالى عنها بقوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} ، أي: الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم {بعد ما جاءك من العلم} ، أي: بأنك على الحق وأن قبلتك هي الكعبة {ما لك من الله من ولي} ، أي: ناصر {ولا واق} ، أي: مانع من عذابه. وقال ابن عباس: الخطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. ونزل لما عير الكفار النبيّ صلى الله عليه وسلم بكثرة النساء. {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً} ، أي: نساء ينكحونهنّ فكان لسليمان امرأة وسرية وكان لداود عليه السلام إمرأة {وذرية} ، أي: أولاداً فأنت مثلهم، وكانوا يقولون أيضاً: لو كان رسولاً من عند الله لكان، أي: شيء طلبناه منه من المعجزات أتى به فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بأذن الله} ، أي: بإرادته؛ لأنّ المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر، والعلة وفي إظهار الحجة والبينة، وأمّا الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن لم يشأ لم يظهرها لا اعتراض لأحد عليه في ذلك. ولما توعدهم صلى الله عليه وسلم نزول العذاب، وظهور النصرة له ولقومه وتأخر ذلك عنهم قالوا: لو كان نبياً صادقاً لما ظهر كذبه، فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى {لكل أجل} ، أي: مدّة {كتاب} ، أي: مكتوب قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام، والإتيان بالآيات وغيرها إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة. ولما اعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنّ محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم، ثم يأمر بخلافه غداً، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء} ، أي: محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه {ويثبت} ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقرّه ويمضي حكمه كقوله تعالى: {ما ننسخ من آية} (البقرة، 106) إلى قوله تعالى: {ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير} (البقرة، 106) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بسكون الثاء المثلثة وتخفيف الباء الموحدة، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء الموحدة. تنبيه: في هذه الآية قولان: أحدهما أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وهذا مذهب عمر وابن مسعود وغيرهما قالوا: إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليّ الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب، ومثله عن ابن مسعود وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعض
الآثار: أنّ الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيردّ إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيرد إلى ثلاثين سنة. وروي أنّ الله تعالى ينزل، أي: أمره في آخر ثلاث ساعات تبقى من الليل فينظر في الساعة منهنّ في أمّ الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. والقول الثاني أنّ هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض، واختلفوا على هذا القول فقال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض، فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة، واستدل لهذا بما رواه حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول الملك: يا رب رزقه فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد ولا ينقص» . وقال ابن عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله تعالى، ثم يرجع لمعصية الله تعالى، فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو الذي يثبت يعمل الرجل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت. وقال الحسن: يمحو ما يشاء، أي: من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجيء أجله إلى أجله. وعن سعيد بن جبير قال: يمحو ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات كما قال تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} . (الفرقان، 70) وقال السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت ما يشاء يعني الشمس بيانه قوله تعالى: {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} (الإسراء، 12) . وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله تعالى عند النوم، فمن أراد موته أمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته وردّه إلى صاحبه بيانه قوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} (الزمر، 42) الآية. وقيل إنّ الله تعالى يثبت في أوّل كل سنة حكمها، فإذا مضت السنة محاه، وأثبت حكماً آخر للسنة المستقبلة. وقيل: يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل: إنّ الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب. وقيل: هذا في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب، ثم يمحوها بالدعاء والصدقة {وعنده} تعالى {أمّ الكتاب} أصل الكتب والعرب تسمى كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمّا، ومنه أمّ الرأس للدماغ، وأمّ القرى، وكل مدينة فهي أمّ لما حولها من القرى فكذلك أمّ الكتاب هو الذي يكون أصلاً لجميع الكتب، وفيه قولان: الأوّل: أنه اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدّل وجميع حوادث العالم العلوي والسفلي يثبت فيه. روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة» . والقول الثاني: أنّ أمّ الكتاب أصله الذي لا يغير منه شيء وهو الذي كتب في الأزل. وقال ابن عباس في رواية عكرمة: هما كتابان كتاب سوى أمّ الكتاب يمحو ما يشاء منه ويثبت وعنده أمّ الكتاب لا يغير منه شيء، وعلى هذا فالكتاب الذي يمحو منه ويثبت هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق. وعن ابن
عباس قال: إنّ لله لوحاً محفوظاً مسيرته خمسمائة عام من درّة بيضاء له دفتان من ياقوتة لله فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب. وسأل ابن عباس كعباً عن أمّ الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه. ولما كان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك البعض وإثباته ليؤمن به غيره تقريباً لفصل النزاع قال تعالى: {وإما نرينك} يا محمد وأكده بتأكيد للإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلال من ضل بعد إبلاغه {بعض الذي نعدهم} ، أي: من العذاب وأنت حيّ مما تريد، أو تريد أصحابك قبل وفاتك فذلك شافيك من أعدائك، والوعد الخبر عن خير مضمون، والوعيد الخبر عن شر مضمون والمعنى عليه وسماه وعداً لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد {أو نتوفينك} ، أي: قبل أن نرينك ذلك فلا لوم عليك ولا عتب {فإنما عليك البلاغ} ، أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم، وليس عليك أن تجازيهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات، والبلاغ، اسم أقيم مقام التبليغ، وأمّا فيه إدغام نون أن الشرطية في ما الزائدة. {وعلينا الحساب} ، أي: علينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم، فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم. تنبيه: قال أبو حيان: هنا شرطان؛ لأنّ المعطوف على الشرط شرط، فيقدّر لكل شرط، ما يناسب أن يكون جزاء مرتباً عليه والتقدير: وإمّا نرينك بعض الذي نعدهم، فذلك شافيك من أعدائك، وإمّا نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك ولما وعد الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يريه بعض ما يعده أو يتوفاه قبل ذلك بين تعالى آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت بقوله تعالى: {أو لم يروا} ، أي: كفار مكة {أنّا نأت الأرض} ، أي: نقصد أرض هؤلاء الكفرة {ننقصها من أطرافها} بما يفتح الله تعالى على المسلمين من ديار الشرك أرضاً بعد أرض حوالي أرضهم، هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة. وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة قال: هو قبض الناس. وعن الشعبي مثله، وعطاء وجماعة نقصانها موت العلماء وذهاب الفقهاء، ويؤيد هذا ما رواه عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . وقال الحسن: قال عبد الله بن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله. وقال عليّ: إنما مثل الفقهاء كمثل الأنف إذا قطعت لم تعد. وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأوّل حتى يتعلم الآخر، وإذا هلك الأوّل قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم، ثم أثبت تعالى لنفسه أمراً كلياً فقال: {والله} ، أي: الملك الأعلى. {يحكم} في خلقه بما يريد؛ لأنه {لا معقب} ، أي: راد؛ لأنّ التعقيب ردّ الشيء بعد فصله {لحكمه} وقد حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. تنبيه: محل جملة لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه كما تقول: جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة تريد حاسراً {وهو} عز
وجل مع تمام القدرة {سريع الحساب} فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. وقال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني: حسابه للمجازاة بالخير والشرّ، فمجازاة الكفار بالإنتقام منهم، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدّم الكلام في معنى سريع الحساب قبل هذا. وقوله تعالى: {وقد مكر الذين من قبلهم} ، أي: من كفار الأمم الماضية قيل: مكروا بأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى واليهود مكروا بعيسى فيه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {فلله المكر جميعاً} ، أي: أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه وإرادته؛ لأنه تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، فالمكر لا يضرّ إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره، فيه أمان له صلى الله عليه وسلم من مكرهم، فكأنه قيل: إذا كان حدوث المكر من الله تعالى وتأثيره في الممكور به من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى لا من أحد من المخلوقين، وذهب بعض المفسرين إلى أنّ المعنى: فلله جزاء المكر، وذلك أنهم لما مكروا بالمؤمنين بيّن الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم. قال الواحدي: والأوّل أظهر القولين بدليل قوله تعالى: {يعلم ما تكسب كل نفس} ، أي: أنّ أكساب العباد معلومة لله تعالى، وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك، فلا قدرة لعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله فيجازيهم على أعمالهم، وفي ذلك وعيد وتهديد للكفار الماكرين، ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد بقوله تعالى: {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} ، أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف بعد الكاف على الإفراد والكاف مفتوحة والفاء مكسورة مخففة، والباقون بالألف بعد الفاء على الجمع، فالكاف مضمومة والفاء مفتوحة مشدّدة، فمن قرأ بالإفراد أراد الجنس كقوله تعالى: {إنّ الإنسان لفي خسر} (العصر، 2) ليوافق قراءة الجمع. وقال عطاء: المستهزؤون وهم خمسة والمقتسمون وهم ثمانية وعشرون. وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. قال الرازي: والأوّل هو الصواب، أي: ليوافق قراءة الجمع كما مرّ. ولما تقدّم قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} (الرعد، 7) عطف عليه بعد شرح ما استتبعه قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لست مرسلاً} ، أي: لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل يوماً: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ فقال تعالى: {قل} لهم {كفى بالله} الذي له الإحاطة الكاملة {شهيداً} ، أي: بليغ العلم في شهادته بالإطلاع على ما ظهر وما بطن {بيني وبينكم} يشهد بتأييد رسالتي، وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية، وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب ويشهد بتكذيبهم بادعائكم القدرة على المعارضة، وترككم لها عجزاً، وهذا أعلى مراتب الشهادة؛ لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظنّ بأن الأمر كما شهد به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولاً من عند الله، واختلف في قوله تعالى: {ومن عنده علم الكتاب} فروى العوفي عن ابن عباس أنهم علماء اليهود والنصارى، أي: أنّ كل من كان عالماً من اليهود بالتوراة، ومن النصارى بالإنجيل علم أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله لما يجد من الدلائل الدالة على نبوّته فيها شهد بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم.n والثاني:
سورة إبراهيم
أنّ المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا، وهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري. وقال الحسن ومجاهد والزجاج وسعيد بن جبير: {ومن عنده علم الكتاب} هو الله تعالى. قال الحسن: لا والله لا يعني إلا الله، والمعنى كفى بالله الذي يستحق العبادة، وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيداً بيني وبينكم، وهذا أظهر كما استظهره البقاعي، وإن كان عطف الصفة على الموصوف خلاف الأصل إذ يقال: شهد بهذا زيد الفقيه، لا زيد والفقيه؛ لأنه جائز في الجملة، وقيل: معناه: أن علم أنّ القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب وعن الأمم الماضية فمن علمه بهذه الصفة كان شهيداً بيني وبينكم والله أعلم بمراده. وما رواه البيضاويّ تبعاً للزمخشريّ وتبعهما ابن عادل من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله» حديث موضوع. سورة إبراهيم عليه السلام مكية إلا قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله} (إبراهيم، 28) الآيتين، وهي اثنتان وخمسون آية وعدد كلماتها وإحدى وثلاثون كلمة، وعدد حروفها ثلاثة آلاف وأربعة وثلاثون حرفاً {بسم الله الرحمن الرحيم} قوله تعالى: {الر} تقدّم الكلام عليها أول يونس وهود. وقوله تعالى: {كتاب} خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا القرآن كتاب، أو الر، إن قلنا: إنها مبتدأ والجملة بعده صفة، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة بعده وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنها موصوفة تقديراً، تقديره كتاب، أي: كتاب يعني عظيماً من بين الكتب السماوية {أنزلناه إليك} يا أشرف الخلق عند الله تعالى {لتخرج الناس} ، أي: عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم {من الظلمات} ، أي: الكفر وأنواع الضلالة {إلى النور} ، أي: الإيمان والهدى. قال الرازي: والآية دالة على أنّ طرق الكفر والبدع كثيرة وأنّ طريق الحق ليس إلا واحداً؛ لأنه تعالى قال: {لتخرج الناس من الظلمات} وهي صيغة جمع، وعبر عن الإيمان والهدى بالنور، وهو لفظ مفرد وذلك يدل على أنّ طرق الجهل والكفر كثيرة وأنّ طريق العلم والإيمان ليس إلا واحداً. تنبيه: القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول، احتجوا بهذه الآية، وذلك يدلّ على أنّ معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم. وأجيب: بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كالمنبه وأمّا المعرفة فهي إنما تحصل من الدليل وقوله تعالى: {بإذن ربهم} متعلق بالإخراج، أي: بتوفيقه وتسهيله، ويبدل من إلى النور {إلى صراط} ، أي: طريق {العزيز} ، أي: الغالب {الحميد} ، أي: المحمود على كل حال المستحق لجميع المحامد، وفي قوله: {الله} قراءتان، فقرأ نافع وابن عامر برفع الهاء وصلاً وابتداء على أنه مبتدأ خبره {الذي له ما في السموات وما في الأرض} ، أي: ملكااً وخلقاً، وقرأ الباقون بالجرّ على أنه بدل أو عطف بيان وما
بعده صفة. تنبيه: ذهب جماعة من المحققين إلى أنّ قولنا: الله جار مجرى الاسم العلم لذات الله سبحانه وتعالى، وذهب قوم آخرون إلى أنه لفظ مشتق. قال الرازي: والحق عندنا هو الأوّل؛ لأنّ الأمّة لما اجتمعت على أنّ قولنا: لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض علمنا أنّ قولنا: الله جار مجرى الاسم العلم. وقد قال تعالى: {هل تعلم له سمياً} (مريم، 65) ، أي: هل تعلم من اسمه الله غير الله، وذلك يدل على قولنا: الله اسم لذاته المخصوصة، ولذا استشكل قراءة الجرّ إذ الترتيب الحسن أن يذكر الاسم، ثم يذكر عقبه الصفات كقوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} (الحشر، 24) وأمّا الخالق الله فلا يحسن. وأجيب عن ذلك بأنه لا يبعد أن تذكر الصفة أوّلاً، ثم يذكر الاسم ثم تذكر الصفة مرّة أخرى كما يقال: مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه، وهو بعينه نظير قوله تعالى: {صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} والآية تفيد حصر ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره، وذلك ليدلّ على أنه لا مالك إلا الله، ولا حاكم إلا الله، وأنه تعالى خالق لأعمال العباد؛ لأنها حاصلة في السموات والأرض، فوجب القول بأنّ أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله، وإذا ثبت أنها مقدورة لله وجب وقوعها بقدرة الله، وإلا لكان العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره، وذلك محال، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال تعالى: {وويل للكافرين} ، أي: الذين تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السموات وما في الأرض، وعبدوا من لا يملك شيئاً البتة، بل هو مملوك لله تعالى؛ لأنه من جملة ما في السموات وما في الأرض، وويل مبتدأ، وجاز الابتداء به؛ لأنه دعاء كسلام عليكم وللكافرين خبره، وقوله تعالى: {من عذاب شديد} ، أي: يعذبهم في الآخرة متعلق بويل ولا يضر الفصل بالخبر، ثم وصفهم بقوله تعالى: {الذين يستحبون} ، أي: يختارون {الحياة الدنيا على الآخرة} ، أي: يؤثرونها عليها {ويصدّون عن سبيل الله} ، أي: يمنعون الناس عن قبول دين الله {ويبغونها} ، أي: السبيل {عوجاً} ، أي: معوجة والأصل ويبغون لها زيغاً وميلاً، فحذف الجار، وأوصل الفعل إلى الضمير {أولئك} ، أي: الموصوفون بهذه الصفات {في ضلال بعيد} ، أي: عن الحق وإسناد البعد إلى الضلال إسناد مجازي؛ لأنّ البعيد هم الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني. ثم ذكر ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين بقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول} ، أي: في زمن من الأزمان {إلا بلسان} ، أي: لغة {قومه} أمّا بالنسبة إلى الرسول؛ فلأنه تعالى بين أنّ سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة البشر، وكان هذا الإنعام في حقك أكمل وأفضل، وأمّا بالنسبة إلى عامّة الخلق، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولاً إلا بلسان أولئك القوم {ليبين لهم} ما أمروا به فيفهموه عنه بيسر وسرعة؛ لأنّ ذلك أسهل لفهم أسرار تلك الشريعة، والوقوف على حقائقها وأبعد عن الغلط والخطأ. تنبيه: تمسك طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية بهذه الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يرسل لغير العرب من وجهين: الأوّل: أن القرآن لما كان نازلاً بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب، وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا عليهم. الثاني: أنّ قوله تعالى:
{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم، 4) المراد بذلك اللسان لسان العرب، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط. وردّ عليهم بأنّ المراد بالقوم أهل دعوته والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} (الأعراف، 158) بل إلى الثقلين؛ لأنّ التحدي كما وقع مع الإنس وقع مع الجنّ بدليل قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} (الإسراء، 88) . ثم بيّن سبحانه وتعالى أنّ الإضلال والهداية بمشيئته بقوله تعالى: {فيضل الله من يشاء} إضلاله {ويهدي من يشاء} هدايته، فإنه تعالى هو المضل الهادي، وليس على الرسل إلا التبليغ والبيان والله تعالى هو الهادي المضل يفعل ما يشاء {وهو العزيز} في ملكه، فلا رادّ له عن مشيئته {الحكيم} في صنعه فلا يهدي ولا يضل إلا لحكمة. ولما بين تعالى أنه إنما أرسل محمداً عليه الصلاة والسلام إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم، وكيفية معاملة أقوامهم لهم ليكون ذلك تصبيراً له صلى الله عليه وسلم على أذى قومه وإرشاداً له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم، فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام فقال: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} ، أي: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل والمنّ والسلوى وسائر معجزاته {أن أخرج قومك} ، أي: بني إسرائيل {من الظلمات} ، أي: الكفر والضلال {إلى النور} ، أي: الإيمان والهدى. تنبيه: يجوز أن تكون أن مصدرية، أي: بأن أخرج، والباء في بآياتنا للحال، وهذه للتعدية، ويجوز أن تكون مفسرة للرسالة بمعنى، أي: ويكون المعنى، أي: أخرج قومك من الظلمات، أي: قلنا له أخرج قومك كقوله تعالى: {وانطلق الملأ منهم أن امشوا} (ص، 6) . {وذكرهم بأيام الله} قال ابن عباس: بنعم الله. وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة، يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي: بوقائعهم، وفي المثل من سرّ يوماً يره. قال الرازي: معناه من رأى في يوم سروره بمصرع غيره رآه غيره في يوم آخر بمصرع نفسه، وقال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} (آل عمران، 140) والمعنى: عظهم بالترغيب، والترهيب، والوعد والوعيد، والترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمنوا بالرسل فيما سلف من الأيام، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأمر الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل فيما سلف من الأيام مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ليرغبوا في الوعد، فيصدّقوا ويحذروا من الوعيد، فيتركوا التكذيب، وقيل: بأيام الله في حق موسى أن يذكر قومه بأيام المحنة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء العذاب، فخلصهم الله من ذلك وجعلهم ملوكاً بعد أن كانوا مملوكين {إنّ في ذلك} ، أي: التذكير العظيم {لآيات} على وحدانية الله تعالى وعظمته {لكل صبار} ، أي: كثير الصبر على الطاعة وعن المعصية {شكور} ، أي: كثير الشكر للنعم، وإنما خص الصبور والشكور بالاعتبار بالآيات، وإن كان فيها عبرة للكل؛ لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات، فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله تعالى: {هدى للمتقين} (البقرة، 3) فإنّ
الانتفاع لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابراً شاكراً أما من لا يكون كذلك فلا ينتفع بها البتة. ولما أمر الله تعالى موسى أن يذكرهم بأيام الله حكى عنه أنه ذكرهم بها بقوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} وقوله: {إذ أنجاكم من آل فرعون} ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت {يسومونكم سوء العذاب} بالاستعباد {ويذبحون} ، أي: تذبيحاً كثيراً {أبناءكم} ، أي: المولودين {ويستحيون} ، أي: يستبقون {نساءكم} أحياء وذلك كقول بعض الكهنة إنّ مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملك فرعون. فإن قيل: لم ذكر تعالى في سورة البقرة {يذبحون} بغير واو وذكره هنا مع الواو؟ أجيب: بأنها إنما حذفت في سورة البقرة؛ لأنها تفسير لقوله تعالى: {يسومونكم سوء العذاب} وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، وهنا أدخل الواو فيه؛ لأنه نوع آخر لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح فليس تفسيراً للعذاب {وفي ذلكم بلاء} ، أي: إنعام وابتلاء {من ربكم عظيم} لأنّ الابتلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعاً، ومنه قوله تعالى: {ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة} (الأنبياء، 35) . فإن قيل: تذبيح الأبناء فيه بلاء، وأمّا استحياء النساء فكيف فيه ابتلاء؟ أجيب: بأنهم كانوا يستحيونهن ويتركونهنّ تحت أيديهم كالإماء، فكان ذلك ابتلاء وقوله تعالى: {وإذ} ، أي: واذكروا إذ {تأذن ربكم} فهو أيضاً من كلام موسى عليه السلام، وتأذن بمعنى أذن كتوعد وأوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة {لئن شكرتم} . يا بني اسرائيل نعمتي بالتوحيد والطاعة {لأزيدنكم} نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود، والشكر عبارة عن الإعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة، ثم قد يرتقي العبد عن تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن الالتفات إلى النعمة، ولاشك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ومعرفته، وأما الزيادة في النعمة فهي على قسمين: روحانية وجسمانية، فالأولى هي أن الشاكر يكون أبداً في مطالعة أقسام نعمة الله تعالى، وأنواع فضله وكرمه، وأما الثانية: فلأن الاستقراء دل على أنّ كل من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر كان وصول نعم الله إليه أكثر نسأل الله تعالى القيام بواجب شكر النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه، ويفعل ذلك بأهلينا وأحبابنا. ثم إنه تعالى لما ذكر ما يستحقه الشاكر ذكر ما يستحقه مقابله بقوله تعالى: {ولئن كفرتم} ، أي: جحدتم النعمة بالكفر والمعصية لأعذبنكم دل عليه {إن عذابي لشديد} ، أي: لمن كفر نعمتي ولا يشكرها، ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد، ولما بيّن موسى أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا والآخرة، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد وحصول الآفات في الدنيا والآخرة بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر، وصاحب الكفران، وأما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران فلا جرم قال تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم} يا بني اسرائيل {ومن في الأرض} وأكده بقوله تعالى: {جميعاً} ، أي: من الثقلين فإنما ضرر ذلك يعود على أنفسكم
وحرمتموها الخير كله {فإن الله لغني} عن جميع خلقه فلا يزداد بشكر الشاكرين ولا ينقص بكفر الكافرين {حميد} ، أي: محمود في جميع أفعاله؛ لأنه فيها متفضل عادل وقوله تعالى: {ألم يأتكم} يا بني اسرائيل {نبأ} ، أي: خبر {الذين من قبلكم قوم نوح} وكانوا ملء الأرض {و} نبأ {عاد} قوم هود وكانوا أشد الناس أبداناً {و} نبأ {ثمود} قوم صالح وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور يحتمل أن يكون من كلام موسى، أو كلام مبتدأ من الله تعالى لقوم محمد صلى الله عليه وسلم وهو استفهام تقرير وقوله تعالى: {والذين من بعدهم} ، أي: بعد هؤلاء الأمم الثلاثة {لايعلمهم إلا الله} فيه قولان؛ الأول أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله تعالى؛ لأن المذكور في القرآن جملة، فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل، والقول الثاني: إنّ المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلاً كذبوا رسلاً لم نعرفهم أصلاً ولا يعلمهم إلا الله، ولذلك كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدّعون علم الأنساب إلى آدم عليه السلام، وقد نفى الله علمها عن العباد. وعن ابن عباس أنه قال بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وقروناً بين ذلك كثيراً وكلاً ضربنا له الأمثال وكلاً تبرنا تتبيراً} (الفرقان: 38، 39) وقوله تعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} (غافر، 78) . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان في انتسابه لا يجاوز معدّ بن عدنان بن أدر وقال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق» . قال الرازي: والقول الثاني أقرب. ولما {جاءتهم} ، أي: هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم {رسلهم بالبينات} ، أي: الدلائل الواضحات والمعجزات الباهرات أتوا بأمور أوّلها ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {فردّوا} ، أي: الأمم {أيديهم في أفواههم} وفي ذلك احتمالات: الأول: أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل كقوله تعالى: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} (آل عمران، 119) . والثاني: أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية، فعند ذلك ردّوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك، فيضع يده على فيه. والثالث: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام، واسكتوا عن ذكر هذا الحديث. والرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم الكفر كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى: {وقالوا إنَّا كفرنا بما أرسلتم به} أي: على زعمكم أي: أن هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق هذا هو الأمر الثاني الذي أتوا به، وقيل: الضمير في ردوا راجع للرسل عليهم السلام، وفيه وجهان: أحدهما أنّ الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوا وليقطعوا الكلام. والثاني: أنّ الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم، على أفواه أنفسهم فإنّ من ذكر كلاماً عند قوم وأنكروه وخافهم، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه، وغرضه أن يعرّفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكلام البتة، والأمر الثالث: قولهم: {وإنا لفي شك مما} ، أي: شيء {تدعوننا} أيها الرسل {إليه} ، أي: من الدين {مريب} ، أي: موجب الريبة، أي: موقع في الريبة والشبهة والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي
يشك فيه. فإن قيل: إنهم قالوا أولاً: إنّا كفرنا بما أرسلتم به، فكيف يقولون ثانياً (وإنا لفي شك) والشك دون الكفر؟ أجيب: بأنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل كلهم حصل لهم شبه توجب الشك لهم فقالوا: إن لم ندع الجزم واليقين في كفرنا فلا أقلّ من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. ولما قال هؤلاء الكفار للرسل ذلك. {قالت} لهم {رسلهم} مجيبين {أفي الله شك} ، أي: هل تشكون في الله؟ وهو استفهام انكار، أي: لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه منها قوله تعالى: {فاطر} ، أي: خالق {السموات والأرض} ، أي: وما فيهما من الأنفس والأرواح والأرزاق، وقرأ أبو عمرو رسلهم هنا وفيما مر في {جاءتهم رسلهم} بإسكان السين، والباقون بالرفع. ولما أقاموا الدليل على وجود الله تعالى وصفوه بكمال الرحمة بقولهم: {يدعوكم} ، أي: إلى الإيمان ببعثنا وقولهم: {ليغفر لكم} اللام متعلقة بيدعو، أي: لأجل غفران ذنوبكم كقوله: *دعوت لما نالني مسورا ... فلبى فلبى يدي مسور ويجوز أن تكون معدية كقوله: دعوتك لزيد، والتقدير: يدعوكم إلى غفران ذنوبكم وقوله: {من ذنوبكم} قال السيوطي: من زائدة فإنّ الإسلام يغفر به ما قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد اه. أي: والمغفور لهم ما بينهم وبين الله تعالى. قال الرازي: والعاقل لا يجوز له المصير إلى كلمة من كلام الله تعالى بأنها زائدة من غير ضرورة اه. وقال في «الكشاف» : ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله: {واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم} (نوح: 3، 4) {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم} (الأحقاف، 32) . وقال في خطاب المؤمنين: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم} (الصف: 11، 12) وغيرذلك مما يوقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، وأن لا يسوّى بين الفريقين في المعاد اه. قال الرازي: وأما قول «الكشاف» فهو من باب الظلمات؛ لأنّ هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسداً. {ويؤخركم} ، أي: ولا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة في الإهلاك لمن خالفهم بل يؤخركم. {إلى أجل مسمى} ، أي: إلى وقت قد سماه وبين مقداره يبلغكموه إن أنتم آمنتم به، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت إن أنتم ما آمنتم. فإن قيل: أليس قال تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف، 34) فكيف قال هنا: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} (إبراهيم، 10) أجيب: بأنّ الأجل على قسمين: معلق ومبرم.Y {قالوا} ، أي: الأمم مجيبين للرسل. {إن} ، أي: ما {أنتم} أيها الرسل {إلا بشر مثلنا} ، أي: لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوّة دوننا ولو أرسل الله تعالى إلى البشر رسلاً لجعلهم من جنس، أي: من البشر في زعم القائلين أفضل، وقول «الكشاف» : وهم الملائكة جار على مذهبه. {تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا} ، أي: ما تريدون بقولكم هذا إلا صدّنا عن آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها {فأتونا بسلطان مبين} ، أي: بحجة ظاهرة على صدقكم. ولما حكى الله تعالى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوّة حكى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جوابهم عنها بقوله تعالى: {قالت لهم رسلهم} مجيبين لهم {إن} ، أي: ما {نحن
إلا بشر مثلكم} كما قلتم، فسلموا أنّ الأمر كذلك لكنهم بينوا أنّ التماثل في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض بمنصب النبوّة بقولهم {ولكنّ الله يمنّ} أي: يتفضل {على من يشاء من عباده} بالنبوّة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم الشريف، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} (الأنعام، 124) . {وما كان} ، أي: ما صح واستقام {لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} ، أي: إلا بأمره؛ لأنا عبيد مربوبون فليس إلينا الاتيان بالآيات، ولا تستبد به استطاعتنا حتى نأتيكم بما اقترحتموه، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة الله تعالى فله أن يخص كل نبيّ بنوع من الآيات. {وعلى الله فليتوكل} بأمر حتم {المؤمنون} ، أي: يثقوا به فلا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على الله، واعتمادنا على فضل الله، فإن الروح متى كانت مشرفة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء علم الغيب قلما تبالي بالأحوال الجسمانية، وقلما تقيم لها وزناً في حالتي السراء والضراء فلهذا توكلوا على الله، وعوّلوا على فضله، وقطعوا أطماعهم عمن سواه، وعمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أوّلياً ألا ترى إلى قولهم: {وما لنا أن لا نتوكل على الله} ، أي: أيّ عذر لنا في أن لا نتوكل عليه {وقد هدانا سبلنا} ، أي: وقد عرّفنا طريق النجاة وبيّن لنا الرشد، فإنّ من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مقام الإخلاص والمكاشفة يقبح عليه أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى يعصم أولياءه، والمخلصين في عبوديته عن كيد أعدائهم ومكرهم. وقرأ أبو عمرو بسكون الباء والباقون بالرفع، وكذلك لرسلهم سكن أبو عمرو السين ورفعها الباقون، ثم قالوا: {ولنصبرنّ على ما آذيتمونا} فإنّ الصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات، والحق لا بدّ وأن يصير غالباً قاهراً، والباطل لا بدّ وأن يصير مغلوباً مقهوراً ثم قالوا: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} . فإن قيل:، أي: فرق بين التوكلين؟ أجيب: بأنّ الأوّل لاستحداث التوكل والثاني طلب دوامه،، أي: فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم. ولما حكى الله تعالى عن الأنبياء عليهم السلام أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة بقوله تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم} مستهينين لمن قصروا التجاءهم عليه. {لنخرجنكم من أرضنا} ، أي: التي لنا الآن الغلبة عليها. {أو لتعودنّ في ملتنا} ، أي: حلفوا ليكونن أحد الأمرين إمّا إخراجكم أيها الرسل، وإمّا عودكم إلى ملتنا، أي: ديننا. فإن قيل: قد يفهم هذا بظاهره أنهم كانوا على ملتهم قبل ذلك؟ أجيب: بأنّ العود هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية، لا تكاد تسمعهم يستعملون صار ولكن عاد يقولون ما عدت أراه، عاد لا يكلمني، ما عاد لفلان مال. وقد أجمعت الأمّة على أنّ الرسل من أوّل الأمر إنما نشؤوا على التوحيد لا يعرفون غيره ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه فغلبوا الجماعات على الواحد، وقيل: {أو لتعودنّ في ملتنا} (الأعراف، 88) إلى ما كنتم عليه قبل ادعاء الرسالة من السكوت عند ذكر معايبه وعدم التعرّض له بالطعن والقدح. ولما ذكر الكفار هذا الكلام قال تعالى: {فأوحى إليهم} ، أي: الرسل {ربهم} وقوله تعالى: {لنهلكنّ الظالمين} ، أي: الكافرين حكاية تقتضي إضمار
القول أو أجرى الايحاء مجرى القول؛ لأنه ضرب منه. {ولنسكننكم الأرض} ، أي: أرضهم {من بعدهم} ، أي: بعد هلاكهم ونظيره قوله تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} (الأعراف، 137) وقوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم} (الأحزاب، 27) . قال الزمخشري: وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم «من آذى جاره ورثه الله داره» . قال: ولقد عاينت هذا في مدّة قريبة كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا فيها ويؤذيني فيه فمات ذلك العظيم، وملكني الله ضيعته، فنظرت يوماً إلى أبناء خالي يتردّدون، منها ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثتهم به وسجدنا شكراً لله تعالى. {ذلك} ، أي: النصر وإيراث الأرض {لمن خاف مقامي} ، أي: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنّ ذلك الموقف موقف الله الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره {وأمّا من خاف مقام ربه} (النازعات، 40) وقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرخمن، 46) وقيل: {ذلك لمن خاف مقامي} (إبراهيم، 14) ، أي: خافني، فالمقام مقحم مثل ما يقال: سلام على المجلس العالي والمراد السلام على فلان {وخاف وعيد} قال ابن عباس: ما أوعدت من العذاب، وهذا يدل على أنّ الخوف من الله غير الخوف من وعيده؛ لأنّ العطف يقتضي المغايرة، وفي تفسير قوله تعالى: {واستفتحوا} قولان: أحدهما: طلب الفتح، أي: واستنصروا الله تعالى على أعدائهم وهو كقوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} (الأنفال، 19) والثاني: الفتح الحكم والقضاء، أي: واستحكموا الله وسألوه القضاء بينهم، وهو مأخوذ من الفتاحة، وهي الحكومة كقوله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} (الأعراف، 89) . فعلى القول الأول المستفتح هم الرسل؛ لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم. قال نوح: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} (نوح، 26) وقال موسى: {ربنا اطمس على أموالهم} (يونس، 88) وقال لوط: {انصرني على القوم المفسدين} (العنكبوت، 30) . وعلى القول الثاني: قال الرازي: فالأولى أن يكون المستفتح هم الأمم وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين، فعذبنا، ومنه قول كفار {قريش: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} (الأنفال، 32) . وكقول آخرين: {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} (العنكبوت، 29) . {وخاب} ، أي: خسر وهلك {كل جبار} ، أي: متكبر عن طاعة الله، وقيل: هو الذي لا يرى فوقه أحداً، وقيل: هو المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه، واختلفوا في قوله تعالى: {عنيد} فقال مجاهد: معاند للحق ومجانبه. وقال ابن عباس: هو المعرض عن الحق. وقال مقاتل: هو المتكبر. وقال قتادة: هو الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله، وقيل: هو المعجب بما عنده. ولما حكم تعالى على الكافر بالخيبة، ووصفه بكونه جباراً عنيداً وصف كيفية عذابه بأمور: الأوّل: قوله تعالى: {من ورائه} ، أي: أمامه {جهنم} ، أي: هو صائر إليها. قال أبو عبيدة: هو من الأضداد وقال الشاعر: *عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب ويقال أيضاً: الموت وراء كل أحد. وقال تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} (الكهف، 79) ، أي: أمامهم. وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك أم قدامك، فيصح إطلاق لفظ الوراء على خلف وقدّام. وقال ابن الأنباري: وراء بمعنى بعد. قال الشاعر: وليس وراء الله للخلق مهرب. ومعنى الآية على هذا: أن الكافر بعد الخيبة يدخل جهنم. الأمر الثاني: ما ذكره تعالى بقوله:
{ويسقى} ، أي: في جهنم {من ماء صديد} وهو ما يسيل من جوف أهل النار مختلطاً بالقيح والدم جعل ذلك شراب أهل النار. وقال محمد بن كعب: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر. فإن قيل: علام عطف {ويسقى} ؟ أجيب: بأنه عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد. {يتجرّعه} ، أي: يتكلف أن يبتلعه مرّة بعد مرّة لمرارته وحرارته ونتنه {ولا يكاد يسيغه} ، أي: ولا يقدر على ابتلاعه. قال الزمخشري: دخل كاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة؟ كقوله تعالى: {لم يكد يراها} (النو، 40) ، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ فإن قيل: كيف الجمع على هذا الوجه بين {يتجرّعه} و {لا يكاد يسيغه} ؟ أجيب بجوابين: أحدهما: أنّ المعنى ولا يسيغ جميعه كأنه يتجرّع البعض وما أساغ الجميع. والثاني: إنّ الدليل الذي ذكر إنما دل على وصول ذلك الشراب إلى جوف ذلك الكافر؛ لأنّ ذلك ليس بإساغة؛ لأنّ الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق واستطابة المشروب، والكافر يتجرّع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه، أي: لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة، وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة. الأمر الثالث: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {ويأتيه الموت} ، أي: أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب {من كل مكان} ، أي: من سائر الجهات، وقيل: من كل مكان من جسده حتى أصول شعره وإبهام رجله. {وما هو بميت} فيستريح. وقال ابن جريج: تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكان من جوفه فتنفعه الحياة. الأمر الرابع: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {ومن ورائه} ، أي: ومن بين يديه بعد ذلك العذاب {عذاب غليظ} ، أي: شديد كل وقت يستقبله أشدّ مما قبله، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. ولما ذكر تعالى أنواع عذابهم بين بعده أنّ سائر أعمالهم تصير باطلة ضائعة، وذلك هو الخسران الشديد بقوله تعالى: {س14ش18/ش23 مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا? بِرَبِّهِمْ? أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ? s يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا? عَلَى شَىْءٍ? ذالِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَا?رْضَ بِالْحَقِّ? إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَبَرَزُوا? لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَا?ؤُا? لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُو?ا? إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ? قَالُوا? لَوْ هَدَ?ـانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ? سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ ا?مْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ? وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِ? أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى? فَ تَلُومُونِى وَلُومُو?ا? أَنفُسَكُمْ? مَّآ أَنَا? بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ? إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ? إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَءَامَنُوا? وَعَمِلُوا? الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ا?نْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ? تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} {مثل} ، أي: صفة {الذين كفروا بربهم أعمالهم} ، أي: الصالحة كصدقة وصلة رحم وفك أسير، وإقراء ضيف، وبر والد في عدم الانتفاع بها {كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف} ، أي: شديد هبوب الريح، فجعلته هباء منثوراً لا يقدر عليه كما قال تعالى: {لا يقدرون} ، أي: الكفار يوم الجزاء {مما كسبوا} ، أي: عملوا في الدنيا {على شيء} ، أي: لا يجدون لهم ثواباً لفقد شرطه وهو الإيمان. وقرأ نافع (الرياح) بالجمع، والباقون بالإفراد. {ذلك} إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون {هو الضلال البعيد} ، أي: الخسران الكبير لأنّ أعمالهم ضلت وهلكت فلا يرجى عودها. تنبيه: في ارتفاع قوله تعالى: {مثل} أوجه: أحدها: وهو مذهب سيبويه أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله تعالى: {أعمالهم كرماد} مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟ فقيل أعمالهم كرماد. والثاني: وهو مذهب الفراء التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه، وهو قوله تعالى: {أعمالهم} ومثله قوله تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة} (الزمر، 60) المعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودّة. الثالث: أن يكون التقدير: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد كقوله: صفة
زيد عرضه مصون وماله مبذول. الرابع: أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله: {مثل الذين كفروا} ، والتقدير مثل أعمالهم وقوله تعالى: {كرماد} هو الخبر. وقيل: غير ذلك. وقوله تعالى: {ألم تر} ، أي: تنظر خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به أمّته، وقيل: لكل واحد من الكفرة على الالتفات. {أنّ الله خلق السموات} على عظمها وارتفاعها {والأرض} على تباعد أقطارها واتساعها، وقوله تعالى: {بالحق} ، أي: بالحكمة، والوجه الذي يحق أن تخلق عليه متعلق بخلق. وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الخاء وكسر اللام، ورفع القاف، وخفض الأرض. والباقون بغير ألف بعد الخاء، وفتح اللام والقاف، ونصب الأرض. {إن يشأ يذهبكم} أيها الناس {ويأت} بدلكم {بخلق جديد} أطوع منكم، رتب ذلك على كونه خالق السموات والأرض استدلالاً به عليه، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم قدر أن يبدلهم بخلق آخر، ولم يمتنع عليه كما قال تعالى: {وما ذلك على الله بعزيز} ، أي: بممتنع، فإنه تعالى قادر بذاته، ولا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن هذا شأنه كان حقيقاً أن يؤمن به، ويعبد رجاء ثوابه وخوفاً من عقابه يوم الجزاء. ولما ذكر تعالى أصناف عذاب هؤلاء الكفار، وذكر عقبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ذكر كيفية مجادلتهم عند تمسك أتباعهم بهم وكيفية افتضاحهم عندهم بقوله تعالى: {وبرزوا} ، أي: الخلائق من قبورهم {لله جميعاً} والتعبير فيه وفيما يأتي بالماضي، وإن كان معناه الاستقبال لتحقق وقوعه؛ لأنّ كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو حق وصدق وكائن لا محالة، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود، ونظيره: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} (الأعراف، 44) تنبيه: البروز في اللغة الظهور بعد الاستتار، وهو في حق الله تعالى محال، فلا بدّ من تأويله وهو من وجهين: الأوّل: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أنّ ذلك خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عن أنفسهم، وعلموا أنّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية. الثاني: أنهم خرجوا من قبورهم، فبرزوا لحساب الله تعالى وحكمه. ثم حكى الله تعالى؟ عنهم أنّ الضعفاء يقولون للرؤوساء هل تقدرون على دفع عذاب الله تعالى عنا بقوله تعالى: {فقال الضعفاء} ، أي: الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعفاء الرأي {للذين استكبروا} ، أي: المتبوعين الذين طلبوا الكبر، وادّعوه فاستغووهم به حتى تكبروا على الرسل، وقوله تعالى: {إنا كنا لكم تبعاً} يصح أن يكون مصدراً نعت به للمبالغة، أو على إضمار مضاف وأن يكون جمع تابع، أي: تابعين لكم في تكذيب الرسل، فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم {فهل أنتم} ، أي: في هذا اليوم {مغنون} ، أي: دافعون {عنا من عذاب الله} ، أي: من انتقامه {من شيء} فإن قيل: فما الفرق بين من في عذاب الله وبين من في شيء؟ أجيب: بأنّ الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو من بعض عذاب الله؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معاً بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله، وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا: {لو هدانا الله} ، أي: الذي له صفات الكمال {لهديناكم} ، أي: لو أرشدنا الله تعالى لارشدناكم، ودعوناكم إلى الهدى، ولكنه لم يهدنا، فضللنا
وكنتم لنا تبعاً فأضللناكم، ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع قالوا: {سواء علينا} ، أي: نحن وأنتم {أجزعنا أم صبرنا} ، أي: مستو علينا الجزع والصبر، والجزع أبلغ من الحزن؛ لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه {ما لنا من محيص} ، أي: منجى ومهرب مما نحن فيه من العقاب. تنبيه: يحتمل أن يكون هذا من كلام المتبوعين، وأن يكون كلام الفريقين، ويؤيد الثاني ما روي أنهم يقولون في النار: تعالوا نجزع فيجزعون خمسمئة عام فلا ينفعهم الجزع، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمئة عام فلا ينفعهم الصبر، فعند ذلك يقولون ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي: بلغني أنّ أهل النار استغاثوا بالخزنة كما قال الله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} (غافر، 49) فردّت الخزنة عليهم: {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى} (غافر، 50) فردّت الخزنة عليهم: {ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (غافر، 50) فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا: {يا مالك ليقض علينا ربك} (الزخرف، 77) سألوا الموت فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوماً واليوم {كألف سنة مما تعدون} (الحج، 47) ثم يجيبهم بقوله: {إنكم ما كثون} . فلما أيسوا مما عنده، قال بعضهم لبعض ذلك. ولما ذكر تعالى المناظرة التي وقعت بين الرؤوساء والأتباع من كفرة الإنس أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه بقوله تعالى: {وقال الشيطان} الذي هو أوّل المتبوعين في الضلال ورأس المضلين والمستكبرين {لما قضي الأمر} ، أي: أحكم وفرغ منه، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه وتوبيخه، فيقوم فيهم خطيباً. قال مقاتل: يوضع له منبر من نار، فيجتمع أهل النار إليه يلومونه، فيقول لهم ما أخبر الله تعالى بقوله: {إنّ الله وعدكم وعد الحق} ، أي: بالبعث والجزاء على الأعمال فصدقكم {ووعدتكم} أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب {فأخلفتكم} ، أي: الوعد، فلم أقل شيئاً إلا كان زيفاً، فاتبعتموني مع كوني عدوّكم، وتركتم ربكم وهو وليكم. تنبيه: في الآية إضمار من وجهين: الأوّل: أنّ التقدير: إنّ الله وعدكم الحق فصدقكم كما تقدّم تقريره، ووعدتكم فأخلفتكم، وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد لأنهم كانوا يشاهدونها، وليس وراء العيان بيان؛ ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف، فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى. الثاني: أنّ قوله: {ووعدتكم فأخلفتكم} الوعد يقتضي مفعولاً ثانياً، وحذف هذا للعلم به، والتقدير: ووعدتكم أن لا جنة ولا نار، ولا حشر ولا حساب كما تقرّر، ولما بين غروره بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: {وما كان لي عليكم من سلطان} ، أي: سلطان، فمن مزيدة، أي: قوّة وقدرة أقهركم على الكفر والمعاصي، وألجئكم على متابعتي وقوله: {إلا أن دعوتكم} استثناء منقطع، قال النحويون: لأنّ الدعاء ليس من جنس السلطان، فمعناه: لكن دعوتكم {فاستجبتم لي} محكمين الشهوات؛ لأنّ النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية، ولا يتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو إليها يرغب فيها كما قال: {والآخرة خير وأبقى} . قال الرازي: وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة إلا ههنا استثناء حقيقي، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير
على عمل من الأعمال تارة تكون بالقهر والقسر، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسليط اه. ثم قال لهم: {فلا تلوموني} ، أي: لأنه ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة {ولوموا أنفسكم} ؛ لأنكم سمعتم دلائل الله تعالى وجاءتكم الرسل، فكان من الواجب عليكم أن لا تلتفتوا إليّ، ولا تسمعوا قولي، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم بكم أولى بإجابتي ومتابعتي من غير حجة ولا دليل. فإن قيل: لم قال الشيطان: {فلا تلوموني} وهو ملوم بسبب إقدامه على تلك الحالة والوسوسة الباطلة؟ أجيب: بأنه أراد لا تلوموني على فعلكم ولوموا أنفسكم عليه؛ لأنكم عدلتم عما توجه من هداية الله تعالى لكم. ثم قال تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: {ما أنا بمصرخكم} ، أي: بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب، فأزيل صراخكم منه. {وما أنتم بمصرخي} ، أي: بمغيثيّ فيما يخصني منه. وقرأ ما عدا حمزة بفتح الياء مع التشديد، وقرأ حمزة بكسر الياء مع التشديد على الأصل في إلتقاء الساكنين؛ لأنّ ياء الإعراب ساكنة، وياء المتكلم أصلها السكون، فلما التقيا كسرت لالتقاء الساكنين.I قال البيضاوي: وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع حركة ياء الإضافة اه. فقوله: أصل مرفوض، أي: متروك عند النحاة، وإلا فهو قراءة متواترة عند القراء، فيجب المصير إليها؛ لأنها وردت من رب العالمين على لسان سيد المرسلين. وقول الفراء: ولعلها من وهم القراء، فإنه قلّ من سلم منهم من الوهم ممنوع، فقد قال أبو حيان: هي قراءة متواترة نقلها السلف، واقتفى آثارهم فيها الخلف، فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة، وقد نقل جماعة من أهل اللغة أنها لغة لكن قلّ استعمالها، ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع، ونص على أنها صواب أبو عمرو بن العلاء، لما سئل عنها، والقاسم بن معن من روؤساء الكوفيين. قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: {إني كفرت بما أشركتموني من قبل} ، أي: كفرت اليوم باشراككم إياي من قبل هذا اليوم، أي: في الدنيا كقوله تعالى: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} (فاطر، 14) ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى: {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} (الممتحنة، 4) . وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة «يقول: عيسى ذلك النبيّ الأمّي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل فيّ نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكفار قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون: ما هو غير الشيطان هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم قم أنت فاشفع لنا فإنك أضللتنا، فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد، ثم يعظم لهبهم ويقول عند ذلك: {إن الله وعدكم وعد الحق} الآية» . قال في «الكشاف» : وقوله {إن الظالمين} ، أي: الكافرين {لهم عذاب أليم} ، أي: مؤلم من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله تعالى ما سيقوله في ذلك الوقت؛ ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بدّ لهم من الوصول إليه، وأن يتصوروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان
ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم. ولما بالغ سبحانه وتعالى في شرح حال الأشقياء من الوجوه الكثيرة شرح أحوال السعداء، وما أعد لهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل، وذلك أنّ الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} وكونها دائمة أشير إليها بقوله تعالى: {خالدين فيها} وهو حال مقدرة، والتعظيم حصل لهم من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: {بإذن ربهم} ؛ لأنّ تلك المنافع إنما كانت تفضلاً من الله تعالى وإنعاماً. والثاني: قوله تعالى: {تحيتهم فيها سلام} ؛ لأنّ بعضهم يحيى بعضاً بهذه الكلمة والملائكة يحيونهم بها كما قال تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} (الرعد: 23، 24) والرب يحييهم أيضاً بهذه التحية كما قال تعالى: {سلام قولاً من رب رحيم} (يس، 58) ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما دخلوا الجنة سلموا من جميع آفات الدنيا وحسراتها وفنون آلامها وأسقامها وأنواع همومها وغمومها؛ لأنّ السلام مشتق من السلامة. ولما شرح سبحانه تعالى أحوال الأشقياء، وأحوال السعداء ذكر مثلاً يبين الحال في حكم هذين القسمين بقوله تعالى: {ألم تر} ، أي: تنظر، والخطاب يحتمل أن يكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم ويدخل معه غيره، وأن يكون لكل فرد من الناس، أي: ألم تر أيها الإنسان {كيف ضرب الله} ، أي: المحيط بكل شيء علماً وقدرة {مثلاً} سيره بحيث يعم نفعه، والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأوّل، ثم بينه بقوله تعالى: {كلمة طيبة} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي لا إله إلا الله. {كشجرة طيبة} قال ابن مسعود وأنس: هي النخلة. وعن ابن عباس: هي شجرة في الجنة. وعن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «إنّ الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي وكنت صبياً فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا صغير القوم» . وروي: فمنعني مكان عمر فاستحييت فقال له عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحب إليّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا إنها النخلة» . قيل: الحكمة في تشبيه الإنسان بالنخلة من بين سائر الأشجار أنّ النخلة أشبه به من حيث إنها إذا قطع رأسها يبست وسائر الأشجار يتشعب من جوانبها بعد قطع رأسها، وأنها تشبه الإنسان بحيث أنها لا تحمل إلا باللقاح؛ لأنها خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «أكرموا عمتكم قيل: ومن عمتنا؟ قال: النخلة» . {أصلها ثابت} ، أي: في الأرض {وفرعها} ، أي: غصنها {في السماء} ، أي: في جهة العلو والصعود ولم يرد المظلة كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه. {تؤتي} ، أي: تعطي. {أكلها} ، أي: ثمرها {كل حين بإذن ربها} ، أي: بإرادته، والحين في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقدار هذا، فقال مجاهد: الحين هنا سنة كاملة؛ لأنّ النخلة تثمر في كل سنة مرّة. وقال قتادة: ستة أشهر يعني من حين طلعها إلى وقت صرامها. وقال الربيع: كل حين يعني كل غدوة وعشية؛ لأنّ ثمر النخل يؤكل ليلاً ونهاراً وصيفاً وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والخلال والبسر والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى
حين الطري الرطب، فأكلها دائم في كل وقت. قال العلماء: ووجه الحكمة في تمثيل كلمة الإخلاص بالشجرة؛ لأنّ الإيمان ثابت في قلب المؤمن كثبوت أصل هذه الشجرة في الأرض، وعمله يصعد إلى السماء كما قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر، 10) فكذلك فرع هذه عال في السماء، وتنال بركته وثوابه كل وقت، والمؤمن كلما قال: لا إله إلا الله، صعدت إلى السماء، وجاءه بركتها وخيرها وثوابها ومنفعتها؛ ولأنّ الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الأبدان، ثم نبه تعالى على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه فيلزم فقال: {ويضرب الله} ، أي: الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} ، أي: يتعظون، فإنّ في ضرب الأمثال زيادة إفهام، وتذكير وتصوير للمعاني العقلية، فيحصل الفهم التامّ والوصول إلى المطلوب. ولما ذكر مثل حال السعداء أتبعه بمثل حال الأعداء فقال: {ومثل كلمة خبيثة} هي كلمة الكفر {كشجرة خبيثة} هي الحنظل وقيل: الثوم، وقيل: الكشوث بمثلثة في آخره. قال الجوهري: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر: *هي الكشوث لا أصل ولا ورق ... ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر وقيل شجرة الشوك {اجتثت} ، أي: استؤصلت {من فوق الأرض} ، أي: عروقها قريبة منه {ما لها من قرار} ، أي: أصل ولا عرق، فكذلك الكفر بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوّة. وعن عبادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في {كلمة خبيثة} ؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها يوم القيامة. ولما وصف الله سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة في الآية المتقدّمة أخبر بقوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} أنه تعالى يثبتهم بها {في الحياة الدنيا} ، أي: في القبر، وقيل: قبل الموت {وفي الآخرة} ، أي: يوم القيامة عند البعث والحساب، وقيل: في القبر على القول الثاني. ولما وصف الكلمة الخبيثة في الآية المتقدّمة أخبر بقوله تعالى: {ويضلّ الله الظالمين} ، أي: الكفار أنه تعالى لا يهديهم للجواب الصواب {ويفعل الله ما يشاء} ، أي: إن شاء هدى، وإن شاء أضلّ لا اعتراض عليه. وروي عن البراء بن عازب انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} » . وروي عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ العبد إذا وضع في القبر وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد صلى الله عليه وسلم فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعاً» قال قتادة: ذكر لنا أنه يفسح له في قبره ثم رجع إلى حديث أنس. قال: «وأمّا المنافق أو الكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه. فيقال: ما دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير
الثقلين» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغنا من دفنها وانصرف الناس قال: «إنه الآن يسمع خفق نعالكم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن نبيه؟ فإن كان ممن يعبد الله تعالى قال: كنت أعبد الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فيقال له: على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته، وإن كان من أهل الشك قال: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته فيقال له: على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئاً، فتنهشه وتؤمر الأرض فتنضم عليه حتى تختلف أضلاعه» . فنسأل الله الثبات لنا ولوالدينا ولأحبابنا في الدنيا والآخرة إنه كريم جواد. ثم إنه تعالى عاد إلى وصف الكافرين فقال: {ألم تر} ، أي: تنظر، وفي المخاطب ما تقدّم {إلى الذين بدّلوا} والتبديل جعل الشيء مكان غيره {نعمة الله} ، أي: التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد ومن جميع النعم الدنيوية وتيسير الرزق وغير ذلك بأن جعلوا مكان شكرها {كفراً} وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان، وأعلاهم همماً في الوفاء وأبعدهم عن الجفاء {وأحلوا} ، أي: أنزلوا {قومهم} ، أي: الذين تابعوهم في الكفر بإضلالهم إياهم {دار البوار} ، أي: الهلاك مع إدعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلاً عن الأهل. روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة، وقوله تعالى: {جهنم} عطف بيان {يصلونها} ، أي: يدخلونها {وبئس القرار} ، أي: المقر هي. {وجعلوا لله} ، أي: الذين يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا رزقهم؛ لأنّ له الكمال كله {أنداداً} ، أي: شركاء، وقوله تعالى: {ليضلوا عن سبيله} ، أي: دين الإسلام، فيه قراءتان: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من ضلّ، يضلّ والباقون بضم الياء من أضل يضل، وليس الضلال ولا الإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض. ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} ، أي: تهديداً لهم، فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا {تمتعوا} بدنياكم قليلاً {فإن مصيركم} ، أي: مرجعكم {إلى النار} في الآخرة، ولما أمر الله تعالى الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر المؤمنين بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال بقوله تعالى: {قل لعبادي} فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبباً لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم بقوله تعالى: {الذين آمنوا} ، أي: أوجدوا هذا الوصف {يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم} فيه وجهان: أحدهما: يصح أن يكون جواباً بالأمر محذوف تقديره قل لعبادي الذين آمنوا: أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. والثاني: يصح أن يكون هو أمراً مقولاً محذوفاً منه اللام، أي: ليقيموا ليصح تعلق القول بهما، وإنما حسن ذلك هاهنا ولم يحسن في قوله:
*محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا أي تبالى به، أي: تكثرت به لدلالة قل عليه: {سراً وعلانية} ، أي: ينفقون أموالهم في حال السر والعلانية، وقيل: المراد بالسر صدقة التطوع، وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة. تنبيه: في انتصاب سرّاً وعلانية وجوه: أحدها: أن يكون على الحال، أي: ذوي سر وعلانية بمعنى مسرّين ومعلنين. والثاني: على الظرف، أي: وقت سر وعلانية. وثالثها: على المصدر، أي: إنفاق سر وإنفاق علانية. ولما أمرهم الله تعالى بإقامة الصلاة والإنفاق أشار إلى عدم التهاون بذلك بقوله عز وجل: {من قبل أن يأتي يوم} ، أي: عظيم جدّاً ليس كشيء من الأيام التي تعرفونها {لا بيع فيه} ، أي: فيشتري المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه {ولا خلال} ، أي: مخالة، أي: صداقة تنفع في ذلك اليوم. قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة، فكأنه تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا يحصل فيه مبايعة ولا مخالة، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة: {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} (البقرة، 254) . فإن قيل: كيف نفى الله تعالى المخالة في هاتين الآيتين مع أنه تعالى أثبتها في قوله تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين} (الزخرف، 67) أجيب: بأن الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس، والآية الدالة على حصول المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى. ولما طال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وكانت العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته، وفي حصول الشقاوة فقدان ذلك ختم تعالى أحوال الفريقين بقوله تعالى: {الله} ، أي: الملك الأعلى المحيط بكل شيء، ثم اتبعه بالدلائل الدالة على وجوده وكمال علمه وقدرته، وذكر هنا عشرة أنواع من الدلائل: أوّلها: قوله تعالى: {الذي خلق السموات} وثانيها: قوله تعالى: {والأرض} وهما أكبر خلقاً منكم وأعظم شأناً. وثالثها قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم} تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس. تنبيه: الله مبتدأ، وخبره الذي خلق، ورزقاً مفعول لأخرج، ومن الثمرات بيان له حال منه، ويصح أن يكون المراد بالسماء هنا السحاب اشتقاقاً من السمو والارتفاع، وأن يكون الجرم المعهود فينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض، وقد ذكرت ذلك في سورة البقرة، وفي غيرها، ورابعها قوله تعالى: {وسخر لكم الفلك} ، أي: السفن {لتجري في البحر} ، أي: بالركوب والحمل {بأمره} ، أي: بمشيئته وإرادته، وخامسها: قوله تعالى: {وسخر لكم الأنهار} ، أي: ذللها لكم تجرونها حيث شئتم؛ لأنّ ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع والثمرات ولا في الشراب فكان ذلك نعمة من الله تعالى، وسادسها وسابعها: قوله تعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} ، أي: جاريين في فلكهما لا يفتران في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إنارة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان إلى آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها، والشمس سلطانها النهار، وبها تعرف فصول السنة، وهي أفضل من القمر لكثرة نفعها، والقمر سلطانه الليل، وبه يعرف انقضاء
الشهور، وكل ذلك بتسخير الله تعالى وإنعامه، وثامنها وتاسعها: قوله تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان فيكم بالضياء والظلمة، والزيادة والنقصان، وذلك من نعم الله تعالى على عباده حيث جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليبتغوا فيه من فضله. وعاشرها: قوله تعالى: {وآتاكم من كل ما سألتموه} ، أي: مما أنتم محتاجون إليه على حسب مصالحكم، فأنتم سألتموه بالقوّة. ولما ذكر سبحانه وتعالى بعض ما أنعم به على عباده بين أنّ العبد عاجز عن حصرها وعدّها بقوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} ، أي: لا تحيطوا بها ولا تطيقوا عدّها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدّوها على الإجمال، وأمّا على التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله تعالى. {إنّ الإنسان} ، أي: الكافر، وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. {لظلوم} ، أي: كثير الظلم لنفسه {كفار} ، أي: كفور لنعم ربه، وقيل: ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع. فإن قيل: لم قال تعالى هنا {إنّ الإنسان لظلوم كفار} وفي النحل: {إنّ الله لغفور رحيم} (النحل، 18) أجيب: بأنه تعالى يقول للعبد: إذاحصلت لك النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها فحصل لك عند أخذها وصفان، وهما كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفور وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وتقصيرك فلا أقابل تقصيرك، إلا بالتوقير ولا أجازي جزاءك إلا بالوفاء، ونسأل الله حسن والعاقبة والرحمة. ولما بين الله تعالى بالدلائل المتقدّمة لأن لا معبود إلا الله سبحانه وتعالى وأنه لا تجوز عبادة غير الله البتة، حكي عن إبراهيم عليه السلام مبالغة في إنكاره عبادة الأوثان بقوله تعالى: {وإذ} ، أي: واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ {قال إبراهيم رب} ، أي: المحسن إليّ بإجابة دعائي {اجعل هذا البلد} ، أي: مكة {آمناً} ، أي: ذا أمن، وقد أجاب الله تعالى دعاءه، فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان، ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه. فإن قيل:، أي: فرق بين قوله: {اجعل هذا بلداً آمناً} (البقرة، 126) وبين قوله: {اجعل هذا البلد آمناً} (إبراهيم، 35) بأنّ المسؤول في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني: أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها، وهي الخوف ويجعل لها تلك الصفة، وهي الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً. فإن قيل: كيف أجاب الله تعالى دعاءه مع أنّ جماعة من الجبابرة قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها؟ أجيب: بجوابين: أحدهما: أنّ إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله تعالى فلم يقدر أحد على إخراب مكة. فإن قيل: يرد على هذا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» ؟ أجيب: بأنّ قوله تعالى: {اجعل هذا البلد} (إبراهيم، 35) يعني إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا فهو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين، فلا تعارض بين النصين، والجواب الثاني: أنّ المراد جعل أهلها آمنين كقوله تعالى: {واسأل القرية} (يوسف: 82) ، أي: أهلها وهذا الجواب عليه أكثر المفسرين، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر الله تعالى بقوله: {ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت، 67) وأهل مكة آمنون من ذلك حتى أنّ
من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وماله، وحتى أنّ الوحوش إذا كانت خارجة الحرم استوحشت، وإذا كانت داخلة الحرم استأنست؛ لعلمها أنه لا يهجيها أحد في الحرم، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها {واجنبني} ، أي: بعدني {وبنيّ أن} ، أي: عن أن {نعبد الأصنام} ، أي: اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها. فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فما الفائدة في قوله: {واجنبني} عن عبادة الأصنام؟ أجيب: بأنه عليه الصلاة والسلام إنما سأل ذلك هضماً لنفسه، وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب، وفي ذلك دليل على أنّ عصمة الأنبياء بتوفيق الله تعالى وحفظه إياهم. فإن قيل: كان كفار قريش من أبنائه مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام فكيف أجيب دعاؤه؟ أجيب: بأنّ المراد من كان موجوداً حال الدعاء، ولا شبهة أنّ دعوته كانت مجابة فيهم، أو أنّ هذا الدعاء مخصوص بالمؤمنين من أولاده، والدليل عليه أنه قال عليه السلام في آخر الآية: {فمن تبعني فإنه مني} (إبراهيم، 36) وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، ونظيره قوله تعالى: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} (هود، 46) ، والصنم المنحوت على خلقة البشر وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهو وثن، قاله الطبري. ولذا لما سئل ابن عيينة كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال: ما عبد أحد من بني إسماعيل صنماً، واحتج بقوله تعالى: {واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام} (إبراهيم، 35) وإنما كانت أنصاب الحجارة لكل قوم قالوا: البيت حجر فحينما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت فكانوا يدورون بذلك الحجر، أي: يطوفون به أسابيع تشبيهاً بالكعبة، ويسمونه الدوّار بضم الدال مشدّدة، وقد تفتح، قال الجوهري: دوّار بالضم صنم وقد تفتح فاستحب أن يقال طاف بالبيت، ولا يقال دار بالبيت. قال الرازي: وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله، والحجر كالصنم في ذلك. ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: {رب إنهن} ، أي: الأصنام {أضللن كثيراً من الناس} بعبادتهم لها. تنبيه: اتفق كل الفرق على أن قوله: أضللن مجاز؛ لأنها جمادات، والجماد لايفعل شيئاً البتة إلا أنه لما حصل عند عبادتها أضيف إليها كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرّتهم، أي: افتتنوا بها واغتروا بسببها ثم قال: {فمن تبعني} ، أي: على التوحيد {فإنه مني} ، أي: فإنه جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه وقربه مني {ومن عصاني} ، أي: في غير الدين {فإنك غفور رحيم} وهذا صريح في طلب الرحمة والمغفرة لأولئك العصاة، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثبت حصولها في حق محمد صلى الله عليه وسلم لأنه مأمور بالإقتداء به كما قال تعالى: {واتبع ملة إبراهيم} (النساء، 125) وقيل: إنّ هذا الدعاء كان قبل أن يعلم إبراهيم أنّ الله لايغفر الشرك، وقيل: إنك قادر أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام، وقيل: المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب، فلا يمهلهم حتى يتوبوا، قال الرازي: واعلم أنّ هذه الأوجه ضعيفة، وارتضى ما تقرّر أولاً. تنبيه: حكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب من الله تعالى سبعة أمور: الأوّل: طلب من الله تعالى نعمة الأمان، وهو (رب اجعل هذا البلد آمناً) المطلوب الثاني: أن يرزقه الله تعالى التوحيد ويصونه عن الشرك وهو قوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} المطلوب
الثالث قوله: {ربنا إني أسكنت من ذريتي} (إبراهيم، 37) ، أي: بعض ذريتي أو ذرّية من ذريتي، فحذف المفعول على هذا القول، وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم {بواد} هو وادي مكة المشرفة لكونه في فضاء منخفض بين جبال تجري فيه السيول {غير ذي زرع} ، أي: لايكون فيه من الزرع قط، فإنه حجري لا ينبت كقوله تعالى: {قرآناً عربياً غير ذي عوج} (الزمر، 28) بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج {عند بيتك المحرم} ، أي: الذي حرمت التعرض له، والتهاون به، وجعلت ما حوله حرماً لمكانه؛ أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرّم الذي حقه أن يجتنب؛ أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه؛ أو لأنه حرّم على الطوفان، أي: منع منه كما سمي عتيقاً؛ لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو لأنه أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل، أو لأنه حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض، وحفه بسبعة أملاك، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم فرفع إلى السماء السادسة، وروي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت منه إسماعيل، فقالت سارة: كنت أريد أن يهب الله لي ولداً من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي، وغارت عليهما، وقالت لإبراهيم: بعدهما مني وناشدته بالله أن يخرجهما من عندها، فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولاشيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وهو لا يلتفت إليها فقالت له آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذاً لايضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لايرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه وقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي} (إبراهيم، 37) حتى بلغ (يشكرون) وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يلتوي، أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد، فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرّات قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها ثم تسمعت، فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم «يرحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً» قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأنّ الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية يأتيه السيل فيأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا، فنزلوا في أسفل مكة، فنظروا طائراً: فقالوا إننّهذا الطائر ليدور على الماء
لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم قال ابن عباس: قالت ذلك أمّ إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم فشب الغلام وتعلم العربية منهم، وألفهم وأعجبهم حتى شب، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوّج إسماعيل وتقدّم تمام هذه القصة في سورة البقرة. ثم قال: {ربنا ليقيموا الصلاة} اللام لام كي متعلقة بأسكنت، أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي المقفر الذي لا شيء فيه إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرّم، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبرّكين بالبقعة التي شرفتها على البقاع مستعبدين بجوارك الكريم متقرّبين إليك بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك، وتكرير النداء وتوسطه للإشعار بأنهما المقصود بالذات من إسكانهم هناك، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها {فاجعل أفئدة} ، أي: قلوباً محترقة بالأشواق {من الناس} ومن للتبعيض، والمعنى: واجعل أفئدة بعض الناس {تهوي} ، أي: تميل {إليهم} ويدلّ عليه ما روي عن مجاهد لو قال: أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: {أفئدة من الناس} فهم المسلمون. وقال ابن عباس: لو قال: أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم. ولما دعا لهم بالدين دعا لهم بالرزق فقال: {وارزقهم من الثمرات} ولم يقل: وارزقهم الثمرات، وذلك يدل على أنّ المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات إليهم، ويحتمل أن يكون المراد بإيصال بعض الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات كما قال تعالى: {يجبى إليه ثمرات كل شيء} (القصص، 57) حتى توجد فيه الفواكه الصيفية والربيعية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجب، وأن يكون المراد عمارة القرى بالقرب منها لتحصل تلك الثمار. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم ذلك رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم. {لعلهم يشكرون} يدلّ على أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرّغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات. ولما طلب عليه السلام من الله تعالى تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهاية الأمور في المستقبل، فإنه تعالى هو العالم بها والمحيط بأسرارها فقال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي} ، أي: نسر {وما نعلن} وهذا هو المطلوب الرابع: والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا، قيل: ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء، وقيل: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حين قال، ت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله أكلكم قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. واختلف في قوله تعالى: {وما يخفى على
الله من شيء في الأرض ولا في السماء} فقيل: من تتمة قول إبراهيم عليه السلام يعني: وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في، أي: مكان، والأكثرون على أنه قول الله تعالى تصديقاً لإبراهيم فيما قال، كقوله تعالى: {وكذلك يفعلون} (النمل، 34) ولفظة من تفيد الاستغراق، كأنه قيل وما يخفى عليه شيء ما. ولما تم إبراهيم عليه السلام ما دعا به أتبعه الحمد على ما رزقه من النعم بقوله تعالى: {الحمد لله} ، أي: المستجمع لصفات الكمال {الذي وهب لي} ، أي: أعطاني {على الكبر} ، أي: وهب لي وأنا كبير آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر استعظاماً للنعمة وإظهاراً لما فيه من المعجزة {إسماعيل وإسحاق} ومقدار ذلك السنّ غير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات، فقال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مئة واثنتي عشرة سنة. فإن قيل: إنّ إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وأمّه في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد إسحاق، فكيف يمكنه أن يقول ذلك؟ أجيب: بأن هذا يقتضي أنّ إبراهيم إنما ذكر هذا الكلام في زمن آخر لا عقب ما تقدّم من الدعاء. قال الرازي: ويمكن أيضاً أن يقال: إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق، وإن كان ظاهر الروايات بخلافه انتهى. تنبيه: قوله (على الكبر) بمعنى مع كقوله: *إني على ما ترين من كبري ... أعلم من حيث يؤكل الكتف وهو في موضع الحال. ولما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإفصاح والتصريح قال: {إنّ ربي} ، أي: المحسن إليّ {لسميع الدعاء} ، أي: لمجيبه. فإن قيل: الله تعالى يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه؟ أجيب: بأن هذا من قولك: سمع الملك كلامي إذا اعتدّ به وقبله، ومنه سمع الله لمن حمده. المطلوب الخامس: قوله: {رب اجعلني مقيم الصلاة} ، أي: معدّلاً لها مواظباً عليها. تنبيه: في الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنّ قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام} (إبراهيم، 35) يدل على أنّ ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى. وقوله: {رب اجعلني مقيم الصلاة} يدل على أنّ فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى، وذلك تصريح بأنّ إبراهيم عليه السلام كان مصراً على أنّ الكل من الله تعالى، وقوله تعالى: {ومن ذرّيتي} عطف على المنصوب في اجعلني، أي: واجعل بعض ذريتي كذلك؛ لأن كلمة من في قوله (ومن ذرّيتي) للتبعيض، وأما ذكر هذا التبعيض، فلأنه علم بإعلام الله تعالى أنه يكون في ذرّيته جمع من الكفار وذلك قوله تعالى: {ولا ينال عهدي الظالمين} (البقرة، 124) . المطلوب السادس: أنه عليه السلام لما دعا الله تعالى في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: {ربنا وتقبل دعاء} . قال ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} (مريم، 48) . وقيل: دعائي المذكور المطلوب السابع قوله: {ربنا} ، أي: أيها المالك لأمورنا المدبر لنا {اغفر لي} فإن قيل: إنّ طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة ذنب أجيب: بأن المقصود من ذلك الالتجاء إلى الله تعالى، وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته، ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: {ولوالديّ} فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لوالديه وكانا
كافرين؟ أجيب بوجوه: الأول: أنّ المنع منه لا يعلم إلا بتوقيف، فلعله لم يجد منه منعاً وظنّ كونه جائزاً، الثاني: أراد بوالديه آدم وحواء، الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام، وقال بعضهم: كانت أمّه مؤمنة ولذلك خص أباه بالذكر في قوله: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} (التوبة، 114) . ثم دعا لمن تبعه في الدين من ذريته وغيرهم بقوله {وللمؤمنين} ، أي: العريقين في هذا الوصف {يوم يقوم} ، أي: يبدو ويظهر {الحساب} وقيل: أراد يوم يقوم الناس فيه للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوماً عند السامع، وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة، والله تعالى لا يردّ دعاء خليله إبراهيم عليه السلام، وفيه بشارة عظيمة للمؤمنين بالمغفرة، فنسأل الله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأحبابنا ولمن نظر في هذا التفسير، ودعا لمن كان سبباً فيه بالمغفرة. ولما بيّن تعالى دلائل التوحيد، ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله تعالى أن يصونه عن الشرك، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة عقبه بقوله تعالى مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} ؛ لأنّ الغفلة معنى يمنع الإنسان عن الوقوف على حقائق الأمور، وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وهذا في حق الله تعالى محال، والمقصود من ذلك التنبيه على أنه ينتقم للمظلوم من الظالم، ففيه وعيد وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه مغفلاً عنه، وعن سفيان بن عيينة فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له: من قال هذا؟ فغضب، وقال: إنما قاله من علمه. فإن قيل: كيف يليق به صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة وهو أعلم الناس به؟ أجيب: بوجوه: الأوّل: أنّ المراد به التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً كقوله: {لا تدع مع الله إلهاً آخر} (القصص، 88) . والثاني: أنّ المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم. والثالث: أنّ المراد ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. والرابع: أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الظاهر إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمّة. ثم بيّن تعالى أنه {إنما يؤخرهم} ، أي: عذابهم {ليوم} موصوف بخمس صفات الصفة الأولى: قوله تعالى: {تشخص فيه الأبصار} ، أي: أبصارهم لا تقرّ مكانها من هول ما ترى في ذلك اليوم. الصفة الثانية: قوله تعالى: {مهطعين} ، أي: مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم لا يطرقون هيبة وخوفاً. وقيل: المهطع الخاضع الذليل الساكن. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {مقنعي رؤوسهم} ، أي: رافعيها إذ الإقناع: رفع الرأس إلى فوق، فأهل الموقف من صفتهم أنهم رافعو رؤوسهم إلى السماء، وهذا بخلاف المعتاد؛ لأنّ من يتوقع البلاء يطرق بصره إلى الأرض. وقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {لا يرتدّ إليهم طرفهم} ، أي: بل تثبت عيونهم شاخصة لا يطرفون بعيونهم، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان قد شغلهم ما بين أيديهم. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وأفئدتهم} ، أي: قلوبهم {هؤاء} ، أي: خالية من العقل لفرط الحيرة
والدهشة. وقال قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم، فصارت في حناجرهم، فلا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها. تنبيه: اختلفوا في وقت حصول هذه الصفات، فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك بأنه يقوم الحساب، وقيل: إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق، فالسعداء يذهبون إلى الجنة والأشقياء إلى النار. وقيل: يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور. قال الرازي: والأوّل أولى. {وأنذر الناس} يا محمد، أي: خوّفهم يوم القيامة وهو قوله تعالى: {يوم يأتيهم العذاب} ، أي: الذي تقدّم ذكره، وهو شخوص أبصارهم وكونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم. {فيقول الذين ظلموا} ، أي: كفروا {ربنا أخرنا} ، أي: بأن تردّنا إلى الدنيا {إلى أجل قريب} إلى أمد واحد من الزمان قريب {نجب دعوتك} ، أي: بالتوحيد ونتدارك ما فرّطنا فيه {ونتبع الرسل} فيما يدعوننا إليه، فيقال لهم توبيخاً: {أو لم تكونوا أقسمتم} ، أي: حلفتم {من قبل} في الدنيا {ما لكم} وأكد النفي بقوله: {من زوال} ، أي: ما لكم عنها انتقال ولا بعث ولا نشور كما قال في آية أخرى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} (النمل، 38) وكانوا يقولون: لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت، أو عن شباب إلى هرم، أو عن غنى إلى فقر، ثم إنه تعالى زادهم توبيخاً آخر بقوله تعالى: {وسكنتم} في الدنيا {في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر من الأمم السابقة {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} ، أي: وظهر لكم بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم {وضربنا} ، أي: وبينا {لكم الأمثال} في القرآن أنّ عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال، مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله تعالى كثير. ولما ذكر تعالى صفة عقابهم أتبعه بذكر كيفية مكرهم بقوله تعالى: {وقد مكروا مكرهم} ، أي: الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، واختلف في عود الضمير في مكروا على وجوه: الأوّل: أن يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ لأنّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور. والثاني: إلى قوم محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {وأنذر} ، أي: يا محمد الناس وقد مكر قومك مكرهم، وذلك المكر هو الذي ذكر الله تعالى في قوله: {إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} (الأنفال، 30) . {وعند الله مكرهم} ، أي: ومكتوب عند الله فعلهم، فهو مجازيهم عليه بمكر عو أعظم منه. وقيل: إنّ مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت الجبال.k وقد حكي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قول آخر وهو أنها نزلت في نمروذ الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه فقال نمروذ: إن كان ما يقوله إبراهيم حقاً فلا أنتهي حتى أصعد إلى السماء، فأعلم ما فيها، ثم أمر نمروذ صاحبه فاتخذ لنفسه تابوتاً، وجعل له باباً من أعلاه وباباً من أسفله، وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور، وكان قد جوّعها، ورفع فوق الجوانب الأربع من التابوت عصياً أربعة وعلق على كل واحدة منها قطعة لحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت، فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جوّ
الهواء، فطارت يوماً حتى أبعدت في الهواء، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأسفل، وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل فقال: أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان قال: فطارت النسور، يوماً آخر وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأعلى، ففتح فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل، فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي أيها الطاغي أين تريد؟ قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخاً بالدم بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء، وقيل: طائر أصابه السهم فقال: كفيت إله السماء، فنكس تلك العصيّ التي علق عليها اللحوم، فتسفلت النسور، وهبطت إلى الأرض، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أن قد حدث في السماء حدث وأن القيامة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها فذلك قوله تعالى: {وإن كان مكرهم} ، أي: من القوّة والضخامة {لتزول منه الجبال} قال الرازي: ولا حاجة في تأويل الآية إلى هذا، فإنه لم يجيء فيه خبر صحيح معتمد انتهى. والمراد بالجبال هنا قيل: حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات. وقرأ الكسائيّ بفتح اللام الأولى ورفع الأخيرة، والباقون بكسر الأولى وفتح الثانية، والتقدير على القراءة الأولى: وإن كان بحيث أنه تزول منه الجبال، وقيل: أن نافية واللام لتأكيد النفي. {فلا تحسبنّ الله} الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمّته {مخلف وعده رسله} من النصر وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا} (غافر، 51) . وقال تعالى: {كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي} (المجادلة، 21) . فإن قيل: هلا قال مخلف رسله وعده ولم قدّم المفعول الثاني على الأوّل؟ أجيب: بأنه تعالى قدّم ذلك ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله تعالى: {إنّ الله لا يخلف الميعاد} (آل عمران، 9) ثم قال: رسله ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ {إنّ الله} ، أي: ذو الجلال والإكرام {عزيز} ، أي: غالب يقدر ولا يقدر عليه {ذو انتقام} ، أي: ممن عصاه وقوله تعالى: {س14ش48/ش52 يَوْمَ تُبَدَّلُ ا?رْضُ غَيْرَ ا?رْضِ وَالسَّمَاوَاتُ? وَبَرَزُوا? لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَـ?ـ?ِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ا?صْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَاذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا? بِهِ? وَلِيَعْلَمُو?ا? أَنَّمَا هُوَ اله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا? ا?لْبَابِ} بدل من يوم يأتيهم، أو ظرف للانتقام، والمعنى: يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة، وقوله تعالى: {والسموات} عطف على الأرض وتقديره والسموات غير السموات، والتبديل التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه {بدلناهم جلوداً غيرها} (النساء، 56) {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} (سبأ، 16) . وفي الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، ومنه قوله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} (الفرقان، 70) والآية محتملة لكل واحد من هذين المفهومين، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي تلك الأرض، وإنما تغير أوصافها، وأنشد: *وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم* فتتبدّل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتستوي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وتبدل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها وكونها أبواباً، ويدلّ لذلك قوله صلى الله عليه وسلم «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء
كقرصة النقاء ليس فيها علم لأحد» أخرجاه في الصحيحين، العفراء بالعين المهملة، وهي البيضاء إلى حمرة، ولهذا شبهها بقرصة النقاء، وهو الجير الأبيض الجيد الفائق المائل إلى الحمرة. كأن النار ميلت بياض وجهه إلى الحمرة، وقوله: ليس فيها علم لأحد يعني: ليس فيها علامة لأحد لتبديل هيئتها وصفتها وزوال جبالها وجميع بنائها، فلا يبقى فيها أثر يستدلّ به. وعن ابن مسعود أنه قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم، ولم تعمل عليها خطيئة. وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: الأرض من فضة والسماء من ذهب. وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. وعن الضحاك أيضاً: من فضة كالصحائف. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأين يكون الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط» . أخرجه مسلم. وروى ثوبان أنّ حبراً من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض؟ قال: «هم في الظلمة دون الجسر» . قال الرازي: واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم والسموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى: {كلا إنّ كتاب الأبرار لفي عليين} (المصطففين، 18) . وقوله تعالى: {كلا إنّ كتاب الفجار لفي سجين} (المصطففين، 7) . {وبرزوا} ، أي: خرجوا من قبورهم {لله} ، أي: لحكمه والوقوف بين يديه تعالى للحساب {الواحد} ، أي: الذي لا شريك له {القهار} ، أي: الذي لا يدافعه شيء عن مراده كما قال تعالى: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} (غافر، 16) . ولما وصف نفسه سبحانه وتعالى بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم بقوله تعالى: {وترى} يا محمد، أي: تبصر {المجرمين} ، أي: الكافرين {يومئذٍ} ، أي: يوم القيامة، ثم ذكر تعالى من صفات عجزهم وذلتهم أموراً: الصفة الأولى: قوله تعالى: {مقرّنين} ، أي: مشدودين {في الأصفاد} جمع صفد وهو القيد. قال الكلبي: كل كافر مع شيطان في غل. وقال عطاء: وهو معنى قوله تعالى: {وإذا النفوس زوجت} (التكوير، 7) ، أي: قرنت فتقرن نفوس المؤمنين الحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وقيل: هو قرن بعض، الكفار ببعض فتضم تلك النفوس الشقية والأرواح الكدرة الظلمانية بعضها إلى بعض لكونها متشاكلة متجانسة، وتنادى ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى. وقال ابن زيد: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. الصفة الثانية: قوله تعالى: {سرابيلهم} ، أي: قمصهم جمع سربال وهو القميص {من قطران} وهو شيء يتحالب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ وتطلى به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أنه يتسارع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلاء كالسرابيل، فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران، وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين. الصفة الثالثة قوله تعالى: {وتغشى} ، أي: تعلو {وجوههم النار} ونظيره قوله تعالى: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} (الزمر، 24) . وقوله تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} (القمر، 48) . ولما كان موضع العلم والجهل هو القلب، وموضع الكفر والوهم هو
سورة الحجر
الرأس، وأثر هذه الأحوال يظهر في الوجه فلهذا خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيها فقال في القلب: {نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة} (الهمزة: 6، 7) . وقال في الوجه: {وتغشى وجوههم النار} (إبراهيم، 50) . وقوله تعالى: {ليجزي الله} متعلق ببرزوا {كل نفس ما كسبت} ، أي: من خير أو شرّ وهذا أولى من قول الواحدي: المراد منه أنفس الكفار؛ لأنّ ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان. ولما كان حساب كل نفس جديراً بأن يستعظم قال: {إنّ الله سريع الحساب} ، أي: لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى، ولا شأن عن شأن قوله تعالى: {هذا} إشارة إلى القرآن الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، نزل منزلة الحاضر وقيل: إلى السورة {بلاغ} ، أي: كان غاية الكفاية في الإيصال {للناس} والموعظة لهم، وقوله تعالى: {ولينذروا} ، أي: وليخوّفوا {به} عطف على محذوف ذلك المحذوف متعلق ببلاغ تقديره، أي: لينصحوا ولينذروا، وقيل: الواو مزيدة، ولينذروا متعلق ببلاغ {وليعلموا} ، أي: بما فيه من الحجج على وحدانية الله تعالى. {أَنما هو} ، أي: الله {إله واحد} فيستدلوا بذلك على أنّ الله واحد لا شريك له {وليذكر} بإدغام التاء في الأصل في الذال، أي: يتعظّ {أولو الألباب} ، أي: أصحاب العقول الصافية من الأكدار، والأفهام الصحيحة، فإنه موعظة لمن اتعظ. تنبيه: ذكر سبحانه وتعالى لهذا البلاغ ثلاث فوائد مستفادة من قوله تعالى: {ولينذروا به} وتالييه والحكمة في إنزال الكتب تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوّة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوّة العملية التي هي التدرع بلباس التقوى، جعلنا الله تعالى من الفائزين بها بمحمد وآله، وفعل ذلك بوالدينا وأحبابنا. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد» حديث موضوع. قال العلامة ابن جماعة في «شرح منظومة ابن فرج» التي أولها غرامي صحيح فرع من غرائب الجويني يكفر واضع الحديث، أي: والمشهور عدم تكفيره. سورة الحجر مكية وهي تسع وتسعون آية وستمائة وأربع وخمسون كلمة، وعدد حروفها ألفان وسبعمائة وستون حرفاً {بسم الله} الملك الواحد القهار {الرحمن} الذي أسبغ نعمه على سائر بريته، فعجزت عن وصفه الأفكار {الرحيم} الذي خص أهل ولايته بنجاتهم من النار، وقوله تعالى: {الر} ذكر فيه الفتح والإمالة أوّل يونس. وقيل: معناه: أنا الله أرى، وقدّمنا الكلام على أوائل السور في أوّل سورة البقرة، وقوله تعالى: {تلك} إشارة إلى آيات هذه السورة، أي: هذه الآيات {آيات الكتاب} ، أي: القرآن، والإضافة بمعنى من، وقوله تعالى: {وقرآن مبين} ، أي: مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة. وقيل: المراد بالكتاب هو السورة، وكذا القرآن، وقيل: المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب. ثم بيّن سبحانه وتعالى حال الكفار يوم القيامة بقوله تعالى: {ربما يودّ} ،
أي: يتمنى {الذين كفروا} إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين في ذلك اليوم {لو كانوا مسلمين} وقيل: حين يعاينوا حال المسلمين عند نزول النصر وحلول الموت، ورب للتكثير، فإنه يكثر منهم تمنى ذلك. وقيل: للتقليل، فإنّ الأهوال تدهشهم، فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. فإن قيل: لم دخلت رب على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟ أجيب: بأنّ المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحقيقه، فكأنه قيل: ربما ودّ. وقرأ عاصم ونافع بتخفيف باء ربما، والباقون بالتشديد. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما، وقيس وبكر يثقلونها، ولما تمادوا في طغيانهم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {ذرهم} ، أي: دعهم عن النهي عما هم عليه والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم {يأكلوا ويتمتعوا} بدنياهم وتنفيذ شهواتهم، والتمتع التلذذ، وهو طلب اللذة حالاً بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالاً بعد حال. {ويلههم الأمل} ، أي: ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار، واستقامة الأحوال عن أخذ حظهم من السعادة، وعن الاستعداد للمعاد. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي برفع الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء ورفع الميم. وأمّا الوقف فالجميع بكسر الهاء، والكلام على الهاء الثانية، وأمّا الهاء الأولى فمكسورة للجميع وقفاً ووصلاً. ولما كان هذا أمراً لا يشتغل به إلا أحمق تسبب عنه التهديد بقوله تعالى: {فسوف يعلمون} ، أي: ما يحل بهم بعدما فسحنا لهم في زمن التمتع من سوء صنيعهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. تنبيه: في الآية دليل على أنّ إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين. وعن بعضهم: التمتع في الدنيا من أخلاق الهالكين والأخبار في ذم الأمل كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر» . وعن علي رضي الله تعالى عنه: إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى، فإنّ طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصدّ عن الحق. ولما هددهم تعالى بآية التمتع وإلهاء الأمل أتبعه بما يؤكد الزجر. بقوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية} ، أي: من القرى، والمراد أهلها ومن مزيدة {إلا ولها كتاب معلوم} ، أي: أجل مضروب محدود مكتوب في اللوح المحفوظ لهلاكها. تنبيه: المستثنى جملة واقعة صفة لقرية والأصل أن لا تدخلها الواو، كقوله تعالى: {إلا لها منذرون} (الشعراء، 208) وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب. فائدة: رسم كتاب هنا بإثبات الألف. ثم بيّن تعالى الآية السابقة بقوله تعالى: {ما تسبق} وأكد الاستغراق بقوله تعالى: {من أمة} وقيل: من مزيدة كقولك: ما جاءني من أحد، أي: أحد وبيّن أنّ المراد بالكتاب الأجل بقوله تعالى: {أجلها} ، أي: الذي قدّرناه لها. {وما يستأخرون} ، أي: عنه. تنبيه: أنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً حملاً على اللفظ الأوّل وعلى المعنى في الثاني. قال البقاعي: وإنما ذكره لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه وسلم تعنتاً وفي الآية دليل على أنّ كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله وإن من قال بجواز أن يموت قبل أجله مخطئ. ولما بالغ تعالى في تهديد الكفار ذكر
شبههم في إنكار نبوّته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر} ، أي: القرآن في زعمه {إنك لمجنون} إنما نسبوه إلى الجنون إما لأنهم كانوا يستبعدون كونه رسولاً حقاً من عند الله لأنّ الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره فربما قال به جنون، وإما لأنه عليه الصلاة والسلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ويدل عليه قوله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} (الأعراف، 184) ثم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا: {لو ما} ، أي: هلا {تأتينا بالملائكة} ، أي: يشهدون لك بأنك رسول من عند الله حقاً. {إن كنت من الصادقين} في إدعائك للرسالة وأنّ هذا القرآن من عند الله ولما كان في قولهم أمران أجاب الله تعالى عن قولهم الثاني لأنه أقرب بقوله تعالى: {وما ننزل الملائكة إلا بالحق} ، أي: إلا تنزلاً ملتبساً بالحكمة والمصلحة ولا حكمة في أن نأتيكم بهم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار ومثله قوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} (الحجر، 85) وقيل الحق الوحي أو العذاب. وقرأ شعبة بضم التاء مع فتح الزاي ورفع الملائكة وحفص وحمزة والكسائي بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة وكسر الزاي ونصب الملائكة والباقون بالتاء مفتوحة مع فتح الزاي ورفع الملائكة وشدّد التاء البزي في الوصل، وأما الزاي فهي مشدّدة للجميع من يفتح ومن يكسر {وما كانوا} ، أي: الكفار {إذاً} ، أي: إذ تأتيهم الملائكة {منظرين} ، أي: لزوال الإمهال عنهم فيعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدّقوا وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم ثم أجاب تعالى عن الأوّل بقوله تعالى مؤكذاً لتكذيبهم: {إنا نحن} بما لنا من العظمة والقدرة {نزلّنا} ، أي: بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام {الذكر} ، أي: القرآن {وإنا له لحافظون} ، أي: من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} (النساء، 82) فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه كلمة واحدة أو حرفاً واحداً وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه؟ أجيب: بأن جمعهم القرآن في المصحف كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على كون البسملة آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد حفظ القرآن والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصوناً من الزيادة والنقصان فلو لم تكن البسملة آية من القرآن لما كان مصوناً عن التغيير ولما كان محفوظاً عن الزيادة ولو جاز أن يظنّ بالصحابة أنهم زادوا جاز أيضاً أن يظن بهم النقصان وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة، وقيل: الضمير في له راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: وإنا لمحمد لحافظون ممن أراد به سوءاً فهو كقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} (المائدة، 67) . ولما أساء الكفار عليه صلى الله عليه وسلم في الأول وخاطبوه
بالسفاهة وقالوا: {إنك لمجنون} (الحجر، 6) . وكان عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء قال سبحانه وتعالى تسلية له على وجه رادّ عليهم: {ولقد أرسلنا من قبلك} ، أي: رسلاً فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه وقوله تعالى: {في شيع} أي: فرق {الأوّلين} من باب إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: {حق اليقين} (الواقعة، 95) سموا شيعاً لمتابعة بعضهم بعضاً في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة المجتمعة المتفقة كلمتهم على مذهب وطريقة. وقال الفراء: الشيعة هم الأتباع وشيعة الرجل أتباعه، وقيل: الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. {وما يأتيهم} عبر بالمضارع على حكاية الحال الماضية، فإن ما لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال، والأصل وما كان يأتيهم {من رسول} ، أي: على، أي: وجه كان {إلا كانوا به} جبلة وطبعاً {يستهزؤون} كاستهزاء قومك بك فصبروا فاصبر كما صبروا. {كذلك} ، أي: مثل ادخالنا التكذيب في قلوب هؤلاء المستهزئين بالرسل {نسلكه} ، أي: ندخله {في قلوب المجرمين} ، أي: كفار مكة المستهزئين. {لا يؤمنون به} ، أي: بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل: بالقرآن. وفي الآية دليل على أنّ الله تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون، ومنه قوله تعالى: {ما سلككم في سقر} (الدثر، 42) وقيل: الضمير في نسلكه يعود للذكر كما أنّ الضمير في به يعود إليه وجملة لا يؤمنون به حال من ذلك الضمير والمعنى على هذا مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذباً به غير مؤمن به قال البيضاوي: وهذا الاستدلال ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه اه. وما أعدت الضمير عليه في ذلك هو ما قاله ابن الخازن، وجرى عليه الجلال السيوطي وقوله تعالى: {وقد خلت سنة الأولين} ، أي: سنة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم وعيد شديد لكفار مكة بأنه ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية المكذبة، وقال الزجاج: قد مضت سنة الله في أن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم.I قال الرازي: وهذا أليق بظاهر اللفظ. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار وقوله تعالى: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء} الآية هو المراد في سورة الأنعام في قوله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس} (الأنعام، 7) الآية، أي: الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة فلو أنزلنا الملائكة {فظلوا فيه} ، أي: فظلت الملائكة {يعرجون} ، أي: يصعدون في الباب وهم يرونها عياناً. {لقالوا} ، أي: من عتوّهم في الكفر {إنما سكرت أبصارنا} ، أي: سدت عن الأبصار بالسحر من السكر ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف أو حيرت من السكر يدل عليه قراءة الباقين بالتشديد. {بل نحن قوم مسحورون} ، أي: قد سحرنا محمد بذلك، أي: كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات كانشقاق القمر وما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجنّ والإنس أن يأتوا بمثله. وقيل: الضمير في يعرجون للمشركين، أي: فظل المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات وما فيها من العجائب لما آمنوا لعنادهم وكفرهم وقالوا: إنما سحرنا. وقرأ الكسائي بإدغام لام بل في النون والباقون بالإظهار. ولما أجاب الله تعالى عن شبهة منكري
النبوّة والقول بالنبوّة مفرع على القول بالتوحيد ودلائل التوحيد منها سماوية ومنها أرضية بدأ منها بذكر الدلائل السماوية فقال مفتتحاً بحرف التوقع: {ولقد جعلنا} بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة. {في السماء بروجاً} قال الليث: البروج واحدها برج من بروج الفلك، والبروج هي النجوم الكبار مأخوذة من الظهور يقال: تبرجت المرأة إذا ظهرت وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس والقمر والكواكب السيارة وهي اثنا عشر برجاً الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت وهي منازل الكواكب السبعة السيارة المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو. وهذه البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها الشمس في كل سنة مرّة وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوماً. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بروج الشمس والقمر يعني منازلهما وقال عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال مجاهد: هي النجوم العظام. قال أبو إسحاق: يريد نجوم هذه البروج. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالإدغام. {وزيناها} ، أي: السماء بالشمس والقمر والنجوم والأشكال والهيئات البهية {للناظرين} ، أي: المعتبرين المستدلين بها على توحيد خالقها ومبدعها وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوّره. {وحفظناها من كل شيطان رجيم} ، أي: مرجوم وقيل: ملعون. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الله لغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات ولما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، فلما منعوا تلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن فقالوا: والله هذا حدث وقوله تعالى: {إلا من استرق السمع} بدل من كل شيطان رجيم. وقيل استثناء منقطع، أي: لكن من استرق السمع واستراق السمع اختلاسه. قال ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة وذلك أنّ الشياطين يركب بعضهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة فيرمون بالكواكب كما قال تعالى: {فأتبعه شهاب مبين} وهو شعلة من نار ساطعة وقد يطلق على الكواكب لما فيها من البريق يشبه شهاب النار فلا يخطئ أحداً فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه أو جنبه أو يده حيث يشاء الله. ومنهم من يخبله فيصير غولاً فيضل الناس في البوادي. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترقو السمع» ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض. ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدّد بين أصابعه
فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها إلى لسان الساحر أو الكاهن، وربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا فيصدّق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء. فإن قيل: إذا جاز أن يسمع الشيطان أخبار الغيوب من الملائكة خرج الإخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق لأنّ كل غيب يخبر عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم قام فيه الاحتمال وحينئذٍ يخرج عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق. أجيب: بأنا أثبتنا كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات ثم بعد العلم بنبوّته نقطع بأنّ الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيب معجزاً، ولما شرح الله تعالى الدلائل السماوية في تقرير التوحيد أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي أنواع؛ النوع الأوّل: قوله تعالى: {والأرض مددناها} قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. قال البغوي: يقال إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. فإن قيل: فهل يدل ذلك على أنها بسيطة أو كرة عظيمة على ما يقوله أرباب الهيئة؟ أجيب: بأن ليس في الآية دلالة على شيء من ذلك، لأنّ الأرض على تقدير كونها كرة فهي في غاية العظمة والكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي، وتقدّم الكلام على ذلك في سورة البقرة، وسيأتي زيادة على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة والنازعات. النوع الثاني: قوله تعالى: {وألقينا فيها رواسي} ، أي: جبالاً ثوابت واحدها راس والجمع راسية وجمع الجمع رواسي. وهو كقوله تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} (النحل، 15) قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكي لا تميد بأهلها، وقيل: إنّ الله تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال. النوع الثالث: قوله تعالى: {وأنبتنا فيها} واختلف في عود ضمير فيها فقيل: يعود إلى الأرض لأنّ أنواع النبات المنتفع به يكون في الأرض وقيل: إلى الجبال لأنها أقرب مذكور ولقوله تعالى: {من كل شيء موزون} وإنما يوزن ما يتولد من الجبال والأولى عوده لهما، واختلفوا في المراد بالموزون فقال ابن عباس:، أي: معلوم. وقال مجاهد:، أي: مقدار معين تقتضيه حكمته. وقال الحسن: أعني به الشيء الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن والأولى أنه جميع ما ينبت في الأرض والجبال، لأنّ ذلك نوعان أحدهما يستخرج من المعادن وجميع ذلك موزون. والثاني النبات فبعضه موزون وبعضه بالكيل وهو يرجع إلى الوزن لأنّ الصاع والمدّ مقدران بالوزن. {وجعلنا لكم فيها} ، أي: إنعاماً منا وتفضلاً عليكم {معايش} وهي بياء صريحة من غير مدّ جمع معيشة وهو ما يعيش به الإنسان مدّة حياته في الدنيا من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها. {و} جعلنا لكم {من لستم له برازقين} من العبيد والأنعام والدواب والطير فإنكم تنتفعون بها ولستم لها برازقين لأنّ رزق جميع الخلق على الله تعالى وبعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم هم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد،
وذلك خطأ فإنّ الله هو الرزاق يرزق المخدوم والخادم والمملوك والمالك لأنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة وأعطى القوة الغاذية والهاضمة وإلا لم يحصل لأحد رزق. فإن قيل: صيغة من مختصة بمن يعقل؟ أجيب: بأنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقاً على الله تعالى حيث قال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها} (هود: 6) {والأرض مددناها} قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. قال البغوي: يقال إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. فإن قيل: فهل يدل ذلك على أنها بسيطة أو كرة عظيمة على ما يقوله أرباب الهيئة؟ أجيب: بأن ليس في الآية دلالة على شيء من ذلك، لأنّ الأرض على تقدير كونها كرة فهي في غاية العظمة والكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي، وتقدّم الكلام على ذلك في سورة البقرة، وسيأتي زيادة على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة والنازعات. النوع الثاني: قوله تعالى: {وألقينا فيها رواسي} ، أي: جبالاً ثوابت واحدها راس والجمع راسية وجمع الجمع رواسي. وهو كقوله تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} (النحل، 15) قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكي لا تميد بأهلها، وقيل: إنّ الله تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال. النوع الثالث: قوله تعالى: {وأنبتنا فيها} واختلف في عود ضمير فيها فقيل: يعود إلى الأرض لأنّ أنواع النبات المنتفع به يكون في الأرض وقيل: إلى الجبال لأنها أقرب مذكور ولقوله تعالى: {من كل شيء موزون} وإنما يوزن ما يتولد من الجبال والأولى عوده لهما، واختلفوا في المراد بالموزون فقال ابن عباس:، أي: معلوم. وقال مجاهد:، أي: مقدار معين تقتضيه حكمته. وقال الحسن: أعني به الشيء الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن والأولى أنه جميع ما ينبت في الأرض والجبال، لأنّ ذلك نوعان أحدهما يستخرج من المعادن وجميع ذلك موزون. والثاني النبات فبعضه موزون وبعضه بالكيل وهو يرجع إلى الوزن لأنّ الصاع والمدّ مقدران بالوزن. {وجعلنا لكم فيها} ، أي: إنعاماً منا وتفضلاً عليكم {معايش} وهي بياء صريحة من غير مدّ جمع معيشة وهو ما يعيش به الإنسان مدّة حياته في الدنيا من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها. {و} جعلنا لكم {من لستم له برازقين} من العبيد والأنعام والدواب والطير فإنكم تنتفعون بها ولستم لها برازقين لأنّ رزق جميع الخلق على الله تعالى وبعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم هم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد، وذلك خطأ فإنّ الله هو الرزاق يرزق المخدوم والخادم والمملوك والمالك لأنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة وأعطى القوة الغاذية والهاضمة وإلا لم يحصل لأحد رزق. فإن قيل: صيغة من مختصة بمن يعقل؟ أجيب: بأنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقاً على الله تعالى حيث قال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها} (هود: 6) فغلب من يعقل على غيره. حكي أنّ الماء قد قلّ في بعض الأودية والجبال واشتدّ الحرّ قال بعضهم: فرأيت بعض تلك الوحوش رفعت رؤوسها إلى السماء عند اشتداد عطشها قال: فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت وامتلأت الأودية. تنبيه: قيل لا يجوز أن يكون و {من لستم له برازقين} (الحجر، 20) مجروراً عطفاً على الضمير لا يقال: أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كما في قوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} (الأحزاب، 7) والراجح الجواز كما قرئ قوله تعالى: {تساءلون به والأرحام} (النساء، 1) بالخفض في القراءات السبع وهذا أعظم دليل. ولما بين سبحانه وتعالى أنه أنبت لهم كل شيء موزون وجعل لهم معايش أشعر بذكر ما هو السبب لذلك فقال تعالى: {وإن} ، أي: وما {من شيء} ، أي: مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة وهي لا نهاية لها. {إلا عندنا خزائنه} ، أي: قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره على كل مقدور. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عند جدّه قال: في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البحر والبرّ والخزائن جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه للحفظ. وقيل: أراد مفاتيح الخزائن، وقيل: المطر لأنه سبب الأرزاق لبني آدم والوحش والطير والدواب ومعنى عندنا، أي: في حكمه تعالى وتصرّفه وأمره وتدبيره {وما ننزله} من يفاع القدرة {إلا بقدر معلوم} ، أي: على حسب المصالح وقيل: إنّ لكل أرض حدّاً ومقداراً من المطر يقال: لا ينزل من السماء قطرة مطر إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث يشاء الله ولما أتم ما أراد من آيتي السماء والأرض وختمه بشمول قدرته لكل شيء أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعاً في خزائن قدرته بقوله تعالى: {وأرسلنا الرياح} جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجوّ سريع الممر {لواقح} ، أي: حوامل لأنها تحمل الماء إلى السحاب فهي لاقحة، يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد. وقال ابن مسعود: يرسل الله تعالى الريح فتحمل الماء فتمجه في السحاب ثم تمرّ به فتدرّ كما تدر اللقحة ثم تمطر. وقال عبيد بن عمير: يبعث الله تعالى الريح المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاماً ثم يبعث الله اللواقح تلقح الشجر. وعن ابن عباس قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبيّ صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: «اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها ريحاً» . وعن عائشة رضي الله عنها «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال: اللهمّ إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به» . وقرأ حمزة بالإفراد والباقون بالجمع. {فأنزلنا} ، أي: بعظمتنا بسبب تلك السحاب التي حملتها الريح {من السماء} ، أي: الحقيقية أو جهتها أو السحاب لأنّ الأسباب المترقبة يسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد {ماء} وهو جسم مائع سيال به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء {فأسقيناكموه} ، أي: جعلناه لكم سقياً، يقال: سقيته ماء يشربه وأسقيته، أي:
مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد، ونفى سبحانه وتعالى عن غيره ما أثبته أولاً لنفسه بقوله: {وما أنتم له} ، أي: لذلك الماء {بخازنين} ، أي: ليست خزائنه بأيديكم والخزن وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ فثبت أنّ القادر عليه واحد مختار ومن دلائل التوحيد الإحياء والإماتة كما قال تعالى: {وإنا لنحن نحيي} ، أي: لنا هذه الصفة على وجه العظمة فنحيي بها من نشاء من الحيوان بروح البدن ومن الروح بالمعارف ومن النبات بالنمو وإن كان أحدهما حقيقة والآخر مجازاً لأنّ الجمع جائز {ونميت} ، أي: لنا هذه الصفة فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء. {ونحن الوارثون} ، أي: الإرث التام إذا مات الخلائق الباقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء فليس لأحد تصرّف بإماتة ولا إحياء، فثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار فلما ثبت بهذا كمال قدرته وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم قال تعالى: {ولقد علمنا المستقدمين منكم} وهو من قضينا بموته أولاً من لدن آدم فيكون في موته كأنه يسارع إلى التقدّم إليه وإن كان هو وكل من أهله مجتهداً بالعلاج في تأخيره {ولقد علمنا المستأخرين} ، أي: الذين نمدّ في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم أو نحوه أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بسيف أو غيره فعرف من ذلك قطعاً أن الفاعل واحد مختار. وقال ابن عباس: أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياءز وقال عكرمة: المستقدمين من خلق الله تعالى والمستأخرين من لم يخلق. وقال الحسن: المستقدمين في الطاعة والخير والمستأخرين المستبطؤون عنه. وقيل: المستقدمين من القرون الأولى والمستأخرين أمّة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: المستقدمين في الصفوف والمستأخرين فيها وذلك أنّ النساء كنّ يخرجن إلى الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان في الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صف الرجال ومن النساء من في قلبها ريبة فتتقدم إلى أوّل صف النساء لتقرب من الرجال فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «خير صفوف الرجال أوّلها وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أولها» . تنبيه: في سبب نزول هذه الآية قولان أحدهما: أنّ امرأة حسناء كانت تصلي خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم فكان بعضهم يستقدم حتى يكون في أوّل صف حتى لا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون آخر صف، فإذا ركع نظر من تحت إبطه فنزلت. والثاني: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّض على الصف الأوّل فازدحموا عليه، وقال قوم بيوتهم قاصية عن المسجد لنبيعنّ دورنا ولنشترين دوراً قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المقدم فنزلت. {وإنّ ربك هو يحشرهم} ، أي: المستقدمين والمستأخرين للجزاء وتوسط الضمير للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غيره وتصدير الجملة بأنّ لتحقيق الوعد والتنبيه على أنّ ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرّح به بقوله تعالى: {إنه حكيم} ، أي: باهر الحكمة متقن في أفعاله {عليم} وسع علمه كل شيء، ولما استدل سبحانه وتعالى بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدّمة أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب بقوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان} قال الرازي والمفسرون: أجمعوا على أنّ المراد منه آدم عليه السلام. ونقل
في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر سمي إنساناً لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل: من النسيان لأنه عهد إليه فنسى. {من صلصال} ، أي: من الطين الشديد اليابس الذي لم تصبه نار، إذا نقرته سمعت له صلصلة، أي: صوتاً. وقال ابن عباس: هو الطين إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرّك تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن واختاره الكسائي وقال الفراء: هو طين خلط برمل فصار له صوت عند نقره. وقال الرازي: قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم من طين فصوّره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالاً لا يدري أحد ما يراد به ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح. {من حمأ} ، أي: طين أسود منتن {مسنون} ، أي: مصوّر بصورة الآدمي. وقال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن. وقال مجاهد: هو المنتن المتغير. قال البغوي: وفي بعض الآثار إنّ الله تعالى خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغير أسود ثم خلق منه آدم عليه السلام. قال ابن الخازن: والجمع بين هذه الأقوال على ما ذكره بعضهم أنّ الله تعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام قبض قبضة من تراب الأرض وإليه الإشارة بقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} (آل عمران، 59) ثم إنّ ذلك التراب بله بالماء وحمأ حتى اسودّ وأنتن ريحه وتغير وإليه الإشارة بقوله تعالى: {من حمأ مسنون} ثم إنّ ذلك الطين الأسود المتغير صوّره الله صورة إنسان أجوف فلما جف ويبس كانت تدخل فيه الريح فيسمع له صلصلة وإليه الإشارة بقوله تعالى: {من صلصال كالفخار} (الرحمن، 14) وهو الطين اليابس يفخر في الشمس ثم نفخ فيه الروح فكان بشراً سوياً. ولما ذكر سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذكر ما خلقه قبل من الجان فقال تعالى: {والجانّ} قال ابن عباس: هو أبو الجن كما أنّ آدم عليه السلام أبو البشر وإبليس أبو الشياطين وفي الجنّ مسلمون وكافرون ويأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم، وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات إبليس. وقال وهب: إنّ من الجنّ من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ومن الجنّ من هو بمنزلة الريح لا يتولدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين. قال ابن الخازن: والأصح أنّ الشياطين نوع من الجنّ لاشتراكهم في الاستتار سموا جناً لتواريهم واستتارهم عن الأعين، من قولهم جنّ الليل إذا ستر والشيطان هو العاتي المتمرّد الكافر، والجنّ منهم المؤمن ومنهم الكافر وانتصاب الجان بفعل يفسره. {خلقناه من قبل} ، أي: قبل خلق الإنسان {من نار السموم} ، أي: من ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله من قوّة حرارتها. قال الرازي: فالريح الحارة فيها نار وبها فيح كما ورد في الخبر أنها من فيح جهنم انتهى. ويقال: السموم بالنهار والحرور بالليل. وقال الكلبي: عن أبي صالح السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها وهي نار تكون بين السماء وبين الحجاب فإذا أحدث الله تعالى أمراً خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به فالهدّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. وعن ابن عباس هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه الآية. وعن الضحاك عن ابن عباس كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجنّ خلقوا من نار السموم، وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن {من مارج من نار} (الرحمن، 15) ، وأمّا الملائكة فخلقوا
من النور. ولما ذكر الله تعالى حدوث الإنسان الأوّل واستدل بذكره على وجود الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته بقوله تعالى: {وإذ} ، أي: واذكر يا أشرف الخلق قول ربك عز وجل إذ {قال ربك} ، أي: المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه السلام لتشريفك {للملائكة إني خالق بشراً} ، أي: حيواناً كثيفاً يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أبشار البشر والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان وقوله تعالى: {من صلصال من حمأ مسنون} تقدّم تفسيره. {فإذا سويته} ، أي: عدّلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح فيه بالفعل {ونفخت فيه من روحي} ، أي: خلقت الحياة فيه وليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل وأضاف الروح إليه تشريفاً كما يقال: بيت الله وهو ما يصير به الروح عالماً وأشرف منه ما يصير به العالم عاملاً خاشعاً وسيأتي الكلام على الروح إن شاء الله تعالى في سورة سبحان عند قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح} (الإسراء، 85) . {فقعوا} ، أي: أسقطوا {له} تعظيماً حال كونكم {ساجدين} وتقدّم في سورة البقرة الكلام على من المخاطب بالسجود وهل هو كل الملائكة أو ملائكة السموات أو ملائكة الأرض وهل هو سجود انحناء أو غيره. {فسجد الملائكة} وقوله تعالى: {كلهم أجمعون} قال سيبويه: تأكيد بعد تأكيد. وسئل المبرد عن ذلك فقال: لو قال {فسجد الملائكة} احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: {كلهم} زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ثم عند هذا بقي احتمال وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت آخر، فلما قال: {أجمعون} ظهر أنّ الكل سجدوا دفعة واحدة. قال الزجاج: وقول سيبويه أجود لأنّ أجمعين معرفة فلا يكون حالاً وقوله تعالى: {إلا إبليس} أجمعوا على أنّ إبليس كان مأموراً بالسجود لآدم واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا وقد سبقت هذه المسألة على الاستقصاء في سورة البقرة وقوله تعالى: {أبى أن يكون مع الساجدين} أي: لآدم استئناف تقديره إنّ قائلاً قال: هل سجد فقيل أبى ذلك واستكبر عنه. {قال} الله تعالى له: {يا إبليس ما لك ألا تكون} أي: أن تكون ولا مزيدة، أي: ما منعك أن تكون {مع الساجدين} لآدم {قال لم أكن لأسجد لبشر} جسماني كثيف واللام لتأكيد النفي، أي: لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد وأنا ملك روحاني لبشر. {خلقته من صلصال من حمأ مسنون} وهو أخس العناصر {وخلقتني من نار} وهي أشرفها استنقص آدم باعتبار النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في سورة الأعراف. تنبيه: قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله وضعف لأنّ إبليس قال في الله لجواب: {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال} فقوله: خلقته خطاب الحضور لا خطاب الغيبة وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأنّ إبليس تكلم مع الله بغير واسطة فكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى من غير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم؟ وأجيب: بأنّ مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام فأمّا إذا كانت على سبيل الإهانة والإذلال فلا. {س15ش34/ش44 قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى? إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى ?زَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ا?رْضِ وَ?غْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِs عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَاذَا صِرَاطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِs مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} {قال} الله تعالى له {فاخرج منها} أي: من الجنة وقيل: من السموات وقيل: من زمرة الملائكة وقد تقدّم الكلام
على ذلك أيضاً في سورة الأعراف. {فإنك رجيم} أي: مطرود من الخير والكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان رجيم بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته. {وإن عليك اللعنة} أي: هذا الطرد والإبعاد {إلى يوم الدين} قال ابن عباس: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم مثل قوله تعالى: {مالك يوم الدين} (الفاتحة، 3) . فإن قيل: كلمة إلى تفيد حصر انتهاء الغاية فهذا يفيد أنّ اللعنة لا تحصل إلا إلى يوم الدين وعند القيامة يزول اللعن؟ أجيب: بجوابين الأوّل: أنّ المراد التأبيد وذكر القيامة أبعد غاية ذكرها الناس في كلامهم كقوله تعالى: {ما دامت السموات والأرض} (هود، 107) في التأبيد والثاني: أنه مذموم مدعو عليه باللعن في السموات والأرض إلى يوم القيامة من غير أن يعذب فإذا جاء اليوم عذب عذاباً يقترن اللعن معه فيصير اللعن حينئذٍ كالزائل بسبب أنّ شدّة العذاب تذهل عنه. ولما جعله رجيماً ملعوناً إلى يوم القيامة فكأنَّ قائلاً يقول فماذا قال؟ فقيل: {قال رب} فاعترف بالعبودية والإحسان إليه {فأنظرني} أي: أخرني والإنظار تأخير المحتاج للنظر في أمره والفاء متعلقة بمحذوف دلّ عليه {فاخرج منها فإنك رجيم} . {إلى يوم يبعثون} أي: الناس أراد أن يجد فسحة في الإغواء ونجاة من الموت إذ لا موت بعد وقت البعث. {قال} الله تعالى مجيباً للأوّل دون الثاني بقوله تعالى: {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} وهو المسمى فيه أجلك عند الله وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد. فإن قيل: كيف أجابه الله تعالى إلى ذلك الإمهال؟ أجيب: بأنه إنما أجابه إلى ذلك زيادة في بلائه وشقائه وعذابه لا لإكرامه ورفع مرتبته. ولما أجيب لذلك كأنه قيل فماذا قال فقيل: {قال رب} أي: أيها الموجد والمدبر لي وقوله: {بما أغويتني} أي: خيبتني من رحمتك الباء فيه للقسم وما مصدرية وجواب القسم {لأزينن} أي: أقسم بإغوائك إياي لأزينن {لهم في الأرض} حب الدنيا ومعاصيك كقوله: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} (ص، 82) إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله وهي من صفات الذات وهنا أقسم بإغواء الله، وهي من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال والراجح فيها الصحة. {ولأغوينهم} أي: بالإضلال عن الطريق الحميدة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم ولأحملنهم. {أجمعين} على الغواية وقوله: {إلا عبادك منهم المخلصين} قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا دينك عن الشوائب وقرأه الباقون بفتحها، أي: الذين أخلصهم الله تعالى بالهداية وإنما استثنى إبليس المخلصين لأنه علم أنّ كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. وقال الرازي: والذي حمله على هذا الاستثناء أنه لا يصير كاذباً في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أنّ الكذب في غاية الخساسة. تنبيه: قال رويم: الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عنه عوضاً من الدارين ولا عوضاً من الملكين. وقال الجنيد: الإخلاص سر بين العبد وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. وذكر القشيري وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألت جبريل عليه السلام عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سرّ استودعته قلب
من أحب من عبادي» . ولما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه وتضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته. {قال} تعالى {هذا} أي: الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه {صراط} أي: طريق {عليّ مستقيم} أي: لا انحراف عنه لأني قضيت به وحكمت به عليك وعليهم ولو لم تقل أنت. ولما قال إبليس لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين أوهم هذا أنّ له سلطاناً على عباد الله غير المخلصين فبين تعالى كذبه أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء أكانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ومن اتبع منهم إبليس باختياره صار تبعاً له ولكن حصول تلك المتابعات أيضاً ليس لأجل إبليس وأوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً فبين تعالى كذبه وذكر تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً بقوله تعالى: {إن عبادي} أي: المؤمنين كلهم {ليس لك} أي: بوجه من الوجوه {عليهم سلطان} أي: لتردّهم كلهم عما يرضيني ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم، 22) وقال تعالى في آية أخرى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} (النحل: 99، 100) . {إلا من اتبعك} أي: بتعمدٍ منه ورغبة من اتباعك {من الغاوين} أي: ومات من غير توبة فإني جعلت لك عليهم سلطاناً بالتزيين والإغواء وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية؟ فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي. وقيل: إنّ الإضافة للتشريف فلا تشمل إلا الخلص فحينئذ يكون الاستثناء منقطعاً وفائدة سوقه بصورة الاستثناء على تقدير الانقطاع الترغيب في رتبة التشريف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه لأن ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام ويرونه كما هو الحق أعلى مرام. {وإن جهنم لموعدهم} أي: الغاوين وهم إبليس ومن تبعه {أجمعين} ثم بين تعالى أنهم متفاوتون فيها بقوله تعالى: {لها} أي: لجهنم {سبعة أبواب} أي: سبع طبقات قال عليّ رضي الله تعالى عنه: أتدرون كيف أبواب النار؟ هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى، أي: سبعة أبواب بعضها فوق بعض. وإنّ الله تعالى وضع الجنات على العرض ووضع النيران بعضها على بعض. قال ابن جريج: النار سبعة دركات أوّلها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية. تنبيه: تخصيص العدد لأنّ أهلها سبع فرق وقيل: جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، لأنها مصادر السيئات فكانت مواردها الأبواب السبعة، ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية والنية من أعمال القلب زادت الأعضاء واحداً فجعلت أبواب الجنان ثمانية قال تعالى: {لكل باب} أي: منها {منهم} أي: من الغاوين خاصة لا يشاركهم فيها مخلص {جزء} أي: نصيب. وقرأ شعبة بضم الزاي والباقون بالسكون {مقسوم} أي: معلوم فلكل دركة قوم يسكنونها. قال الضحاك: في الدرجة الأولى أهل التوحيد الذي أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفي الثانية النصارى وفي الثالثة اليهود وفي الرابعة الصابئون، وفي
الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} (النساء، 145) . وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمّتي أو قال على أمّة محمد» . ولما شرح تعالى أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب بقوله تعالى مؤكداً لإنكار المكذبين بالبعث: {إن المتقين} أي: الذين اتقوا الشرك بالله تعالى كما قال جمهور الصحابة والتابعين وهو الصحيح لأنّ المتقي والآتي بالتقوى مرّة واحدة كما أنّ الضارب هو الآتي بالضرب مرّة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل مرّة واحدة فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً أو قاتلاً كونه آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى لأنّ الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى، لأنّ كل فرد من أفراد الماهية يجب كونه مشتملاً على تلك الماهية {في جنات} أي: بساتين. قال الرازي: أمّا الجنات فأربعة لقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرحمن، 46) ثم قال: {ومن دونهما جنتان} (الرحمن، 62) فيكون المجموع أربعة. وقوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (الرخمن، 46) يؤكد ما قلناه لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه من الخوف من الله تعالى. وقوله تعالى: {ولمن خاف} يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرّة واحدة. وقوله تعالى: {وعيون} قال الرازي: يحتمل أن يكون المراد منها ما ذكره الله تعالى في قوله {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمرة لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} (محمد، 15) . ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار. فإن قيل: هل كان واحد من المتقين مختص بعيون أو تجري تلك العيون بعضها إلى بعض؟ أجيب: بأن كل واحد من الوجهين محتمل فيجوز أن يختص كل واحد بعين ينتفع هو بها، ومن يختص به من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجاتهم وعلى حسب شهواتهم ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم يطهرون عن الحقد والحسد. وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين والباقون بالكسر وقرأ بكسر التنوين في الوصل أبو عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة والباقون بالضم. ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس قال تعالى: {ادخلوها} أي: يقال لهم ذلك {بسلام} أي: سالمين من كل آفة مرحباً بكم {آمنين} من ذلك دائماً. ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة وصفاء القلوب عن الكدر. قال تعالى: {ونزعنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {ما في صدورهم من غلّ} أي: حقد كامن في القلب ويطلق على الشحناء والعداوة والحسد والبغضاء فكل هذه الخصال المذمومة داخلة في الغل لأنها كامنة في القلب. يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد حالة كونهم {إخواناً} أي: متصافين حالة كونهم {على سرر} جمع سرير وهو مجلس رفيع موطأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يريد على سرر من ذهب مكالة بالزبرجد والدرّ والياقوت والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية {متقابلين} لا يرى بعضهم قفا بعض فإن التقابل
التواجه وهو نقيض التدابر ولا شك أنّ المواجهة أشرف الأحوال. وعند مجاهد رضي الله تعالى عنه تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين. تنبيه: ليس المراد الإخوة في النسب بل المراد الإخوة في المودّة والمخالطة كما قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين} (الزخرف، 67) . وعن الجنيد أنه قال: ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب وما أمرّ الاجتماع مع الأضداد. وقوله تعالى: {لا يمسهم فيها نصب} أي: إعياء وتعب وجهد ومشقة استئناف أو حال بعد حال أو حال من الضمير في متقابلين وقوله تعالى: {وما هم منها بمخرجين} المراد به كونه خلوداً بلا زوال وبقاء بلا فناء وكمالاً بلا نقصان وفوزاً بلا حرمان. ولما ذكر تعالى أحوال المتقين وأحوال غيرهم أتبع ذلك بقوله تعالى: {نبئ} أي: خبر يا أفضل الخلق {عبادي} إخباراً جليلاً {أني أنا} أي: وحدي {الغفور} أي: للمؤمنين {الرحيم} بهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من عبادي وأني والباقون بالسكون. وأمّا الهمزة في نبئ فلم يبدلها إلا حمزة في الوقف فقط، وكذا الهمزة من نبئهم ونقل عن حمزة كسر الهاء في الوقف. {وأنّ عذابي} أي: وحدي للعصاة {هو العذاب الأليم} أي: المؤلم. تنبيه: في هذه الآية لطائف: الأولى أنه سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى نفسه وهذا تشريف عظيم ألا ترى أنه قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} (الإسراء، 1) . الثانية: أنه تعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيدات بألفاظ ثلاث أوّلها: قوله تعالى: {أني} . ثانيها: قوله: {أنا} . ثالثها: إدخال حرف الألف واللام على قوله تعالى: {الغفور الرحيم} . ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك، بل قال: {وأن عذابي هو العذاب الأليم} . الثالثة: أنه أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. والرابعة: أنه لما قال: {نبئ عبادي} كان معناه نبئ كل من كان معترفاً بعبوديتي وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة فأمسك منها عنده تسعة وتسعين، وأرسل في خلقه رحمة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة. ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار» . وعن عبادة رضي الله تعالى عنه قال بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله ما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لجمع نفسه إلى قتلها» . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه مرّ بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: «أتضحكون وقد ذكر الجنة والنار نبى أيديكم فنزل {بنئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} » . ولما بالغ تعالى في تقرير النبوّة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر تعالى عقبه أحوال القيامة ووصف الأشقياء والسعداء أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليكون سماعها مرغباً في العبادة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء ومحذراً عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم عليه السلام. فقال تعالى: {ونبئهم} أي: خبّر يا سيد المرسلين عبادي
{عن ضيف إبراهيم} وهم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل عليه السلام. فإن قيل: الضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى؟ أجيب: بأنّ هؤلاء سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف فهو من دلالة التضمن وقيل أيضاً: إنّ من يدخل دار إنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفاً وإن لم يأكل. {إذ دخلوا عليه} أي: إبراهيم وكان يكنى أبا الضيفان كان لقصره أربعة أبواب لكي لا يفوته أحد {فقالوا سلاما} أي: نسلم عليك سلاماً أو سلمت سلاماً {قال} إبراهيم عليه السلام بلسان الحال أو المقال {إنا} أي: أنا ومن عندي {منكم وجلون} أي: خائفون وكان خوفهم لامتناعهم من الأكل أو لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره. {قالوا لا توجل} أي: لا تخف {إنا} رسل ربك {نبشرك بغلام} أي: ولد ذكر في غاية القوّة ليس كأولاد الشيوخ ضعيفاً. وقرأ حمزة بفتح النون وسكون الباء وضم الشين مخففة والباقون بضم النون وفتح الباء وكسر الشين مشدّدة {عليم} أي: ذي علم كثير هو إسحاق عليه السلام كما ذكر في هود وتقدّم ذكر القصة هناك بأسرها {قال} إبراهيم عليه السلام {أبشرتموني} أي: بالولد وقوله: {على أن مسني الكبر} حال، أي: مع مسه إياي. فإن قيل: كيف قال {فبم} أي: فبأيّ شيء {تبشرون} أي: بينوا لي ذلك بياناً شافياً مع أنهم قد بينوا ما بشروا به وما فائدة هذا الاستفهام؟ أجيب: بأنه أراد أن يعرف أنّ الله تعالى هل يعطيه الولد مع بقائه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شاباً ثم يعطيه الولد، والسبب في هذا الاستفهام أنّ العادة جارية بأنه لا يحصل في حالة الشيخوخة التامّة، وإنما يحصل في حال الشباب أو أنه استفهام تعجب ويدل لذلك قولهم: {قالوا بشرناك بالحق} قال ابن عباس: يريدون بما قضاه الله تعالى والمعنى أنّ الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحاق ويخرج من صلب إسحاق ذرية مثل ما أخرج من صلب آدم وقولهم: {فلا تكن} أي: بسبب تبشيرنا {من القانطين} أي: الآيسين، نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط ونهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كونه فاعلاً للمنهي عنه، كما في قوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} (الأحزاب، 1) ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه {قال ومن يقنط} أي: ييأس من هذا اليأس. {من رحمة ربه} أي: الذي لم يزل إحسانه عليه {إلا الضالون} أي: المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون والباقون بفتحها ولما تحقق عليه السلام البشرى ورأى إتيانهم مختفين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما ينزل الملك إلا بالحق كان ذلك سبباً لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله ولذلك {قال} عليه السلام {فما} بفاء السبب {خطبكم} أي: شأنكم. قال أبو حيان: والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد اه. وقال الرماني: إنه الأمر الجليل. {أيها المرسلون} فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فصلاً بين هالك وناج. {قالوا إنا أرسلنا} أي: أرسلنا العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به {إلى} إهلاك {قوم} أي: ذوي منعة {مجرمين} أي: كافرين وهم قوم لوط وقوله تعالى: {إلا آل لوط}
فيه وجهان أحدهما: أنه استثناء متصل على أنه مستثنى من الضمير المستكن في مجرمين بمعنى أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا، ويكون معنى قوله تعالى: {إنا لمنجوهم أجمعين} أي: لإيمانهم استئناف إخبار بنجاتهم لكونهم لم يجرموا أو يكون الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لا هلاك أولئك وإنجاء هؤلاء. والثاني: أنه استثناء منقطع لأنّ آل لوط لم يندرجوا في المجرمين البتة فيكون قوله تعالى: {إنا لمنجوهم أجمعين} جرى مجرى خبر لكن في اتصاله بآل لوط لأن المعنى لكن آل لوط منجوهم وقرأ حمزة والكسائي بسكون النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم وقوله تعالى: {إلا امرأته} استثناء من آل لوط أو من ضميرهم على الأوّل وعلى الثاني لا يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل {إنا لمنجوهم} اعتراضاً وقوله تعالى: {قدّرنا} قرأ شعبة بتخفيف الدال والباقون بالتشديد {إنها لمن الغابرين} أي: من الباقين في العذاب لكفرها. تنبيه: معنى التقدير في اللغة جعل الشيء على مقدار غيره يقال: قدر هذا الشيء لهذا، أي: اجعله على مقداره وقدّر الله تعالى الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية ويفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله تعالى عليه وقدره عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر وقيل: معنى قدّرنا كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن قيل: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عز وجلّ؟ أجيب: بأنهم إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما تقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم وإنما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك فكذا هنا. ولما بشر الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون بعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد إبراهيم عليه السلام إلى لوط وآله وهذه هي القصة الثانية المذكورة في هذه السورة قال تعالى: {فلما جاء آل لوط المرسلون} ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط واحدة منهما مع المدّ والقصر. وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية وإبدالها حرف مدّ والباقون بتحقيق الهمزتين وكذا {وجاء أهل المدينة} (الحجر، 67) {قال} لهم {إنكم قوم منكرون} لأنهم دخلوا عليه هجماً فاستنكرهم وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه، ولأجل أنهم كانوا شباباً مرداً حسان الوجوه فخاف أن يهجم قومه عليهم بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة. وقيل: إنّ النكرة ضدّ المعرفة فقوله عليه السلام {إنكم قوم منكرون} أي: لا أعرفكم ولا أعرف أنكم من أي الأقوام أنتم، ولأيّ غرض دخلتم عليّ فعند ذلك. {قالوا} أي: الملائكة {بل جئناك بما} أي: بالعذاب الذي {كانوا} أي: قومك {فيه يمترون} أي: يشكون في نزوله بهم والجاهل يوصف بالشك وإن كان مكذباً من جهة ما يعرض له منه من حيث أنه لا يرجع إلى نفسه فيما هو عليه ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم: {وأتيناك بالحق} أي: باليقين الذي لا يشك فيه ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم: {وإنا لصادقون} أي: فيما أخبرناك به {فأسر بأهلك} أي: فاذهب بهم في الليل {بقطع من الليل} أي: في طائفة من الليل وقيل: هي آخره، قال الشاعر: *افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليل بهيم
كأنه طال عليه الليل فخاطب ضجيعته بذلك أو كان يحب طول الليل للوصال. وقرأ نافع وابن كثير بوصل همزة فأسر بعد الفاء من السرى، والباقون بالقطع وهما بمعنى. {واتبع أدبارهم} أي: وكن على آثار أهلك وسر خلفهم وتطلع على أحوالهم {ولا يلتفت منكم أحد} أي: لئلا يرى أليم ما نزل بهم من البلاء، وقيل: جعل ترك الإلتفات علامة لمن ينجو من آل لوط {وامضوا حيث تؤمرون} أي: إلى المكان الذي أمركم الله بالمضيّ إليه، قال ابن عباس: هو الشأم. وقال الفضيل: حيث يقول لكم جبريل وذلك أن جبريل أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط، وقيل: إلى الأردن، وقيل: إلى مصر. تنبيه: حيث ههنا على بابها من كونها ظرف مكان مبهم ولإبهامها تعدى إليها الفعل من غير واسطة. {وقضينا} أي: وأوحينا {إليه} ولما ضمن قضينا معنى الإيحاء تعدى بإلى ومثله {وقضينا إلى بني إسرائيل} (الإسراء، 4) وقوله تعالى: {ذلك الأمر} مبهم تفسيره {أن دابر هؤلاء مقطوع} أي: مستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وقوله تعالى: {مصبحين} حال من هؤلاء أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى فإن دابر هؤلاء في معنى مدبري هؤلاء، أي: يتم استئصالهم في الصباح. {وجاء أهل المدينة} أي: مدينة من مدائن قوم لوط وهي سذوم بسين مهملة وذال معجمة وأخطأ من قال بمهملة {يستبشرون} أي: بأضياف لوط طمعاً فيهم وليس في الآية دليل على المكان الذي جاؤوه إلا أن القضية تدل على أنهم جاؤوا دار لوط. وقيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط. وقيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك. قال الرازي: وبالجملة فالقوم قالوا نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجهاً ولا أحسن شكلاً منهم فذهبوا إلى دار لوط طلباً منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور ولما وصلوا إليه. {قال} لهم لوط: {إن هؤلاء ضيفي} أي: وحق على الرجل إكرام الضيف {فلا تفضحون} فيهم يقال: فضحه إذا أظهر من أمره ما يلزم به العار وإذا قصد الضيف بسوء كان ذلك إهانة لصاحب المحل ثم أكد ذلك بقوله: {واتقوا} أي: خافوا {الله} في أمرهم {ولا تخزون} أي: ولا تخجلوني فيهم بقصدكم إياهم بفعل الفاحشة من الخزاية وهي الحياء أو لا تذلوني بسببهم من الخزي وهو الهوان. {قالوا} أي: قومه في جواب قوله لهم {أو لم ننهك عن العالمين} أي: عن أن تضيف أحداً من العالمين، وقيل: أو لم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة فإنا نطلب منهم الفاحشة، وقيل: أو لم ننهك أن تمنع بيننا وبينهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد وكان لوط عليه السلام يمنعهم عنهم بقدر وسعه ثم {قال} لهم: {هؤلاء بناتي} أي: نساء القوم لأن كل أمة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهنّ وخلوا بني فلا تتعرّضوا لهم {إن كنتم فاعلين} أي: ما أقول لكم أو قضاء الشهوة والكلام في ذلك قد مرّ بالاستقصاء في سورة هود وقرأ نافع بفتح ياء بناتي والباقون بسكونها قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على لسان ملائكته: {لعمرك} أي: وحياتك وما أقسم بحياة أحد غيره وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى {إنهم لفي سكرتهم} أي: شدّة غفلتهم التي أزالت عقولهم {يعمهون} أي: يتحيرون الخطاب للوط عليه السلام قالت له الملائكة ذلك، أي:
فكيف يعقلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك. تنبيه: لعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوباً وإنهم وما حيزه جواب القسم تقديره: لعمرك قسمي أو يميني إنهم والعمر والعمر بالفتح والضم واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فيه وذلك لأنّ الحلف كثير الدور على ألسنتهم بلعمري ولعمرك. {فأخذتهم الصيحة} أي: صيحة هائلة مهلكة وهل هي صيحة جبريل عليه السلام. قال الرازي: ليس في الآية دليل على ذلك فإن ثبت بدليل قوي قيل به وإلا ليس في الآية دليل إلا أنهم جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله تعالى: {مشرقين} أي: داخلين في وقت الشروق وهو بزوغ الشمس حال من مفعول أخذتهم ثم بين سبحانه وتعالى ما تسبب عن الصيحة معقباً لها بقوله تعالى: {فجعلنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {عاليها} أي: مدائنهم {سافلها} بأن رفعها جبريل عليه السلام إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض {وأمطرنا عليهم} أي: أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم {حجارة من سجيل} أي: طين طبخ بالنار. تنبيه: دلت الآية الكريمة على أنّ الله تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب أحدها الصيحة الهائلة المنكرة وثانيها: أنه جعل عاليها سافلها، وثالثها: أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل، وتقدّمت الإشارة إلى ذلك في سورة هود. {إنّ في ذلك} أي: المذكور من هذه الأنواع {لآيات} أي: دلالات على وحدانية الله تعالى {للمتوسمين} أي: للناظرين المعتبرين جمع متوسم وهو الناظر في السمة حتى يعرف حقيقة الشيء وسمته. {وإنها} أي: هذه المدائن {لبسبيل} أي: طريق قريش إلى الشأم {مقيم} أي: لم يندرس بل يشاهدون ذلك ويرون أثره أفلا يعتبرون. ثم قال سبحانه وتعالى مشيراً إلى زيادة الحث على الاعتبار بالتأكيد {إنّ في ذلك} أي: هذا الأمر العظيم {لآية} أي: علامة عظيمة في الدلالة على وحدانيته تعالى {للمؤمنين} أي: كل من آمن بالله وصدّق الأنبياء والرسل عرف أنّ ذلك إنما كان لأجل أنّ الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أمّا الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه، ثم ذكر تعالى القصة الثالثة وهي قصة شعيب عليه السلام بقوله تعالى: {وإن} مخففة من الثقيلة، أي: وإنه {كان} أي: جبلة وطبعاً {أصحاب الأيكة} وهم قوم شعيب عليه السلام وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء والأيكة الشجر المتكاثف وقيل الشجر الملتف وقال ابن عباس: هي شجر المقل. وقال الكلبي: الأيكة الغيضة، أي: غيضة شجر بقرب مدين. {لظالمين} أي: عريقين في الظلم بتكذيبهم شعيباً عليه السلام. {فانتقمنا منهم} أي: بسبب ذلك قال المفسرون: اشتدّ الحرّ فيهم أياماً ثم اضطرم عليهم المكان ناراً فهلكوا عن آخرهم وقوله تعالى: {وإنهما} فيه قولان: الأوّل: أن المراد قرى قوم لوط والأيكة. والقول الثاني: أنّ الضمير للأيكة ومدين، لأنّ شعيباً كان مبعوثاً إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء ضميرهما {لبإمامٍ} أي: طريق {مبين} أي: واضح والإمام اسم لما يؤتم به. قال الفراء: إنما جعل الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع وقال ابن قتيبة: لأنّ المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده ثم ذكر تعالى القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام بقوله
تعالى: {ولقد كذب أصحاب الحجر} وهم ثمود قوم صالح عليه السلام وديارهم بين المدينة الشريفة والشام {المرسلين} أي: كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك لأنّ الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق فمن كذب واحداً منهم فقد كذب الجميع وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء ثم أتبع ذلك قوله تعالى: {وآتيناهم} أي: بما لنا من العظمة والقدرة على يد رسولهم صالح عليه السلام {آياتنا} أي: آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزات كالناقة وكان فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظيم خلقها وقرب ولادتها وغزارة لبنها وإنما أضاف الآيات إليهم وإن كانت لنبيهم صالح عليه السلام لأنه مرسل من ربهم إليهم بهذه الآيات {فكانوا عنها} أي: الآيات {معرضين} أي: تاركيها غير ملتفتين إليها لا يتفكرون فيها ثم أخبر تعالى عنهم أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشدّ منهم فقال تعالى: {وكانوا ينحتون} والنحت قلع جزء بعد جزء من الجسم على سبيل المسح {من الجبال} أي: التي تقدّم أنا جعلناها رواسي. {بيوتاً آمنين} عليها من الإنهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص برفع الباء والباقون بكسرها. {فأخذتهم الصيحة} أي: صيحة العذاب {مصبحين} أي: وقت الصبح. {فما أغنى} أي: ما دفع {عنهم} الضرّ والبلاء {ما كانوا يكسبون} أي: يعملون من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد. وعن جابر رضي الله تعالى عنه مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء ثم زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها» . ولما ذكر تعالى هذه القصص تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه إذا سمع أنّ الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله بمثل هذه المعاملات سهل تحمل تلك السفاهة قال تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض} أي: على ما لها من العلوّ والسعة والأرض على ما لها من المنافع والغرائب {وما بينهما} من هؤلاء المشركين المكذبين وعذابهم ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك {إلا بالحق} أي: إلا خلقاً ملتبساً بالحق فيتفكر فيه من وفقه الله تعالى ليعلم النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى {وإن الساعة} أي: القيامة {لآتية} لا محالة فيجازي الله تعالى كل أحد بعمله ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه رغبّه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم بقوله تعالى: {فاصفح الصفح الجميل} أي: أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه ولا تعجل بالإنتقام منهم وهذا منسوخ بآية السيف. قال الرازي: وهو بعيد لأنّ المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والصفو والصفح فكيف يصير منسوخاً اه. والأوّل جرى عليه البغوي وجماعة من المفسرين ثم علل تعالى هذا الأمر بقوله: {إنّ ربك} أي: المحسن إليك الآمر لك بهذا {هو} أي: وحده {الخلاّق} أي: المتكرر منه هذا الفعل {العليم} أي: البالغ العلم بكل المعلومات فليست أقوالهم وأفعالهم إلا منه سبحانه وتعالى لأنه خالقها وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك فإنه نعم المولى ونعم النصير. ولما صبره الله تعالى على أذى قومه وأمره أن يصفح
الصفح الجميل، أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى أفضل خلقه بها بقوله تعالى: {ولقد آتيناك} يا أفضل الخلق بما لنا من العظمة والقدرة، كما آتينا صالحاً ما تقدّم {سبعاً} يكون كل سبع منها كفيلاً بإغلاق باب أبواب من النيران السبعة وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة زيادة في حفظها وتبرّكاً بلفظها وتذكراً لمعانيها وتخصيصاً لها عن بقية الذكر الذي تكفلنا بحفظه، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة لأنها سبع آيات وهذا ما عليه أكثر المفسرين. روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال: «هي السبع المثاني» . رواه أبو هريرة، وقيل: المراد سبع سور وهي الطوال. واختلف في السابعة فقيل: الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل بينهما بآية البسملة، وقيل: الحواميم السبع، وقيل: سبع صحائف وهي الأسباع وقوله تعالى: {من المثاني} صفة للسبع وهو جمع واحده مثناة والمثناة كل شيء يثنى، أي: يجعل اثنين من قولك: ثنيت الشيء ثنيا، أي: عطفته وضممت إليه آخر ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني، لأنها تثنى بالفخذ والعضد ومثاني الوادي معاطفه. أما تسمية الفاتحة بالمثاني فلوجوه: الأوّل: أنها تثنى في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة. الثاني: أنها تثنى بما بعدها فيما يقرأ معها. الثالث: أنها قسمت قسمين اثنين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» والحديث مشهور، وقد ذكرته في وجه تسميتها صلاة عند ذكرها. الرابع: أنها قسمان اثنان ثناء ودعاء وأيضاً النصف الأوّل منها حق الربوبية وهو الثناء، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء. الخامس: أنّ كلماتها مثناة مثل {الرحمن الرحيم} ، {إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} . وأما السور والأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء كأنها تثنى على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. تنبيه: من في {من المثاني} إما للبيان أو للتبعيض، إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال وللبيان إن أردت الأسباع. قال الزمخشريّ: ويجوز أن تكون كتب الله كلها مثاني لأنها تثنى عليه لما فيها من المواعظ المكرّرة ويكون القرآن بعضها، وقوله تعالى: {والقرآن العظيم} أي: الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفل بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى فيه أوجه أحدها: أنه من عطف بعض الصفات على بعض، أي: الجامع بين هذين النعتين. الثاني: أنه من عطف العامّ على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة وإما الطوال، فكأنه ذكر مرّتين بجهة الخصوص ثم باندراجه في العموم. الثالث: أنّ الواو مقحمة. ولما عرف سبحانه وتعالى رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين وهو أنه آتاه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم نهاه عن الرغبة في الدنيا بقوله تعالى: {لا تمدّنّ عينيك} أي: لا تشغل سرّك وخاطرك بالالتفات {إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} أي: أصنافاً من الكفار والزوج في اللغة الصنف وقد أوتيت القرآن العظيم الذي فيه غنى عن كل شيء. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: من أوتي القرآن فرأى أنّ أحداً أوتي في الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً. وتأوّل سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبيّ صلى الله
عليه وسلم «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» ، أي: لم يستغن. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: {لا تمدّنّ عينيك} أي: لا تتمنّ ما فضلنا به أحداً من متاع الدنيا، وقيل: أتت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في طاعة الله تعالى فقال الله تعالى: لقد أعطيتكم سبع آيات هنّ خير من هذه القوافل السبع. وقرّر الواحدي هذا المعنى فقال: إنما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا. روي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق وقد عوست في أبوالها وأبعارها وهو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» . وقوله تعالى: {ولا تحزن عليهم} نهي له عن الالتفات إليهم إن لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار. ولما نهاه سبحانه وتعالى عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين بقوله تعالى: {واخفض جناحك} أي: ألن جانبك {للمؤمنين} أي: العريقين في هذا الوصف واصبر نفسك معهم وارفق بهم. ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالزهد في الدنيا والتواضع للمؤمنين أمره بتبليغ ما أرسل به إليهم بقوله تعالى: {وقل إني أنا النذير} من عذاب الله أن ينزل عليكم إن لم تؤمنوا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون {المبين} أي: البين الإنذار وقوله تعالى: {كما أنزلنا} أي: العذاب {على المقتسمين} قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى سموا بذلك لأنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا به. وقال عكرمة: إنهم اقتسموا سور القرآن فقال واحد: هذه السورة لي. وقال آخر: هذه السورة لي، وإنما فعلوا ذلك استهزاء به. وقال مجاهد: أنهم اقتسموا كتبهم فآمن بعضهم ببعضها وكفر بعضهم ببعضها. وقال قتادة: أراد بالمقتسمين كفار قريش قال: سموا بذلك لأنّ أقوالهم تقسمت في القرآن فقال بعضهم: إنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأوّلين. وقال ابن السائب: سموا بالمقتسمين لأنهم اقتسموا طرق مكة، وذلك أنّ الوليد بن المغيرة بعث رهطاً من أهل مكة قيل: ستة عشر، وقيل: أربعين. وقال: انطلقوا فتفرّقوا على طرق مكة حيث يمر بكم أهل الموسم فإذا سألوكم عن محمد فليقل بعضكم: إنه مجنون وليقل بعضكم: إنه كاهن وليقل بعضكم: إنه ساحر وليقل بعضكم: إنه شاعر فذهبوا وقعدوا على طرق مكة يقولون ذلك لمن يمرّ بهم من حجاج العرب وقعد الوليد بن المغيرة على باب المسجد الحرام نصبوه حكماً فإذا جاؤوا سألوا عما قال أولئك فيقول: صدقوا فأهلكهم الله تعالى يوم بدر. وقوله تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} نعت للمقتسمين وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى جزؤوا القرآن أجزاء فآمنوا بما وافق التوراة والإنجيل وكفروا بالباقي. وقال مجاهد: قسموا كتاب الله ففرقوه وبدّدوه، وقيل: كانوا يستهزؤون به
فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول بعضهم: سورة آل عمران لي. وقيل: اقتسموا القرآن فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: شعر. وقال بعضهم: كذب. وقال بعضهم: أساطير الأوّلين. وقيل: هم أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض على أنّ القرآن ما يقرؤونه من كتبهم فيكون ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم وقولهم سحر وشعر وأساطير الأوّلين بأنّ غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.l تنبيه: عضين جمع عضة وهي الفرقة والعضين الفرق وتقدّم معنى جعلهم القرآن كذلك وقيل: العضة السحر بلغة قريش يقولون هو عاضه وهي عاضهة. وفي الحديث: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة» ، أي: الساحرة والمستسحرة وقيل: هو من العضه وهو الكذب والبهتان، يقال: عضهه عضها وعضيهة، أي: رماه بالبهتان وقيل: جمع عضو مأخوذ من قولهم: عضيت الشيء أعضيه إذا فرقته وجعلته أجزاء وذلك أنهم جعلوا القرآن أعضاء مفرقة فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: أساطير الأوّلين. ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه على أنه يسأل هؤلاء المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين بقوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} فيكون الضمير عائداً على المقتسمين لأنه الأقرب ويحتمل أن يعود على جميع المكلفين لأنّ ذكرهم تقدّم في قوله تعالى: {وقل إني أنا النذير المبين} (الحجر، 89) أي: لجميع الخلق قال جماعة من المفسرين: يسألون عن لا إله إلا الله. وقال أبو العالية: يسألون عما كانوا يعبدون وما أجابوا به المرسلين. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين} وبين قوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن، 39) أجيب: بأنّ النفي ينصرف إلى بعض الأوقات والاثبات إلى وقت آخر لأنّ يوم القيامة يوم طويل وفيه مواقف يسألون في بعضها ولا يسألون في بعض آخر. ونظيره قوله تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} (المرسلات، 35) . وقال في آية أخرى: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} (الزمر، 31) ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {فاصدع} أي: اجهر بعلو وشدّة فارقاً بين الحق والباطل. وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد الساكنة قبل الدال والباقون بالصاد الخالصة. {بما} أي: بسبب ما {تؤمر} به. أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة. روي عن عبد الله بن عبيدة قال: كان مستخفياً حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه. {وأعرض} أي: إعراض من لا يبالي {عن المشركين} بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة. قال بعض المفسرين كالبغوي: وهذا منسوخ بآية القتال، قال الرازي: وهو ضعيف لأنّ معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخاً. ولما كان هذا الصدع في غاية الشدّة عليه صلى الله عليه وسلم لكثرة ما يلقى عليه من الأذى خفف عنه سبحانه وتعالى بقوله معللاً له: {إنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {كفيناك المستهزئين} أي: شرّ الذين هم عريقون في الاستهزاء وهم خمسة نفر من رؤوساء قريش الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، ووصف سبحانه وتعالى هؤلاء بقوله تعالى: {الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر} وقيل: ليس بصفة بل مبتدأ ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره
سورة النحل
وهو {فسوف يعلمون} أي: عاقبة أمرهم في الدارين. ولما ذكر سبحانه وتعالى أنّ قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون قال له تعالى: {ولقد نعلم} أي: نحقق وقوع علمنا {أنك} أي: على ما لم من الحلم وسعة البطان {يضيق صدرك} أي: يوجد ضيقه ويتجدد {بما يقولون} أي: من الاستهزاء والتكذيب بك وبالقرآن لأنّ الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال تعالى: {فسبح} ملتبساً {بحمد ربك} أي: نزهه عن صفات النقص. وقال الضحاك: قل سبحان الله وبحمده. وقال ابن عباس: فصلّ بأمر ربك. {وكن من الساجدين} أي: من المصلين. روي أنه صلى الله عليه وسلم «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» . وقدّمت معناه في سورة البقرة. تنبيه: اختلف الناس كيف صار الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن فقال العارفون المحققون: إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات يتنوّر باطنه ويشرق عليه وينفسح وينشرح صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها. وقال بعض الحكماء: إذا نزل بالإنسان بعض المكاره ففزع إلى الطاعات فكأنه يقول: يا رب يجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات فأنا عبدك بين يديك فافعل بي ما تشاء {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال ابن عباس: يريد الموت، وسمى الموت يقيناً لأنه أمر متيقن وهذا مثل قوله تعالى في سورة مريم: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} (مريم، 31) . وروى البغوي بسنده عن ابن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحى إليّ أن {سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} » . فإن قيل: أي: فائدة لهذا التوقيت مع أنّ كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟ أجيب: بأنّ المراد منه واعبد ربك في جميع زمان حياتك فلا تخل لحظة من لحظات الدنيا بهذه العبادات. وعن عمر رضي الله عنه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلاً وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب ولقد رأيت عليه حلة شراها أو قال شريت له بمائتي درهم فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون» . وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم. حديث موضوع. سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: {وإن عاقبتم} إلى آخر السورة وحكى الأصم عن بعضهم أنها كلها مدنية وقال آخرون: من أوّلها إلى قوله: {كن فيكون} مدني وما سواه مكي. وعن قتادة بالعكس، وتسمى سورة النعم والمقصود من هذه السورة الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص وأدل ما فيها على هذا المعنى أمر النحل، لما ذكر من شأنها في دقة الفهم في ترتيب
بيوتها ورحبها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة وغير ذلك من الأمور ووسمها بالنعم واضح وهي مائة وثمانية وعشرون آية وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة وعدد حروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف. {بسم الله} أي: المحيط بدائرة الكمال فما شاء فعل {الرحمن} أي: الذي عمت نعمته جليل خلقه وحقيره صغيره وكبيره. {الرحيم} أي: الذي خص من شاء بنعمته النجاة مما يسخطه بما يراه وقوله تعالى: {أتى أمر الله} فيه وجهان أحدهما أنه ماض لفظاً مستقبل معنى إذ المراد به يوم القيامة وإنما أبرزه في صورة ما وقع وانقضى تحقيقاً له ولصدق المخبر به. والثاني: أنه على بابه والمراد مقدّماته وأوائله وهو نصر رسوله صلى الله عليه وسلم أي: جاء أمر الله ودنا وقرب فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع. يقال لمن طلب الإعانة وقرب حصولها: جاءك الغوث، أي: أتى أمر الله وعداً {فلا تستعجلوه} وقوعاً قبل مجيئه فإنه واقع لا محالة روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى» . قال ابن عباس: كان مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة. ولما مرّ جبريل بأهل السموات مبعوثاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قامت الساعة. وروي أنه لما نزلت {اقتربت الساعة} قال (القمر، 1) قال الكفار بعضهم لبعض: إنّ هذا، أي: محمداً صلى الله عليه وسلم يزعم أنّ القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تقولون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزل {اقترب للناس حسابهم} (الأنبياء، 1) فاشفقوا وانتظروا فلما امتدّت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوّفنا به فنزل {أتى أمر الله} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزل {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا فكأن الكفار قالوا: سلمنا لك يا محمد إلا أنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله تعالى فتخلصنا من هذا العذاب المحكوم به فأجابهم الله تعالى بقوله تعالى: {سبحانه} أي: تنزيهاً له {وتعالى عما يشركون} أي: تبرأ سبحانه وتعالى بالأوصاف الحميدة عن أن يكون له شريك في ملكه. وقرأ حمزة والكسائي أتى بالإمالة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. وقرأ حمزة والكسائي عما يشركون في الموضعين بالتاء على وفق قوله فلا تسعجلوه والباقون بالياء على الغيبة على تلوين الخطاب أو على أنّ الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم. ولما أجاب سبحانه وتعالى الكفار عن شبهتهم بقوله تنزيهاً لنفسه عما يشركون وكان الكفار قالوا: هب أنّ الله تعالى قضى على بعض عبيده بالشرّ وعلى آخرين بالخير ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله تعالى؟ وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله تعالى وأحكامه في ملكه وملكوته فأجابهم الله تعالى بقوله: {ينزل الملائكة} قال ابن عباس: يريد بالملائكة جبريل وحده. قال الواحدي: يسمى الواحد بالجمع إذا كان ذلك الواحد رئيساً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الزاي والباقون بتشديدها والمراد {بالروح} الوحي أو القرآن فإنّ القلوب تحيا به من موت الجهالات وقوله تعالى: {من أمره} أي: بإرادته حال من الروح {على من يشاء من عباده} وهم الأنبياء {أن أنذروا} أي: خوّفوا الكافرين بالعذاب وأعلموهم {أنه}
أي: الشأن {لا إله إلا أنا} أي: لا إله غيري وقوله تعالى: {فاتقون} أي: خافوني رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود. تنبيه: في قوله تعالى: {أن أنذروا} ثلاثة أوجه أحدها: أنها المفسرة لأنّ الوحي فيه ضرب من القول والإنزال بالروح عبارة عن الوحي قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} (الشورى، 52) . الثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. الثالث: أنها المصدرية التي من شأنها نصب المضارع ووصلت بالأمر كقولهم: كتبت إليه بأن قم والآية تدل على أنّ نزول الوحي بواسطة الملائكة وأنّ النبوّة عطاءة. ولما وحد سبحانه وتعالى نفسه ذكر الآيات الدالة على وحدانيته من حيث أنها تدلّ على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة بقوله تعالى: {خلق السموات} أي: التي هي السقف المظل {والأرض} أي: التي هي البساط المقل. {بالحق} أي: أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته {تعالى} أي: تعالياً فات الوصف {عما يشركون} به من الأصنام. ولما كان خلق السموات والأرض غيباً لتقدّمه وكان خلق الإنسان على هذه الصفة شهادة فتكون أقوى في الدلالة على وحدانيته تعالى قال تعالى: {خلق الإنسان} أي: هذا النوع {من نطفة} أي: آدم عليه السلام من مطلق الماء ومن تفرع منه بعد زوجه حوّاء من ماء مقيد بالدفق إلى أن صيره قوياً شديداً {فإذا هو خصيم} أي: شديد الخصومة {مبين} أي: بينها. روي أنّ أبيّ بن خلف الجمحي وكان ينكر البعث جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال: تزعم يا محمد أنّ الله يحيي هذا العظم بعدما قد رمّ فنزلت هذه الآية، ونزل فيه أيضاً قوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم} (يس، 78) . قال الخازن في تفسيره: والصحيح أنّ الآية عامة في كل ما يقع فيه الخصومة في الدنيا ويوم القيامة وحملها على العموم أولى. ولما كان أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات وأشرفها الأنعام ذكرها بقوله تعالى: {والأنعام} أي: الأزواج الثمانية الضأن، والمعز، والإبل، والبقر، ونصبه بفعل يفسره {خلقها} . قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: {والأنعام خلقها} ثم ابتدأ فقال: {لكم فيها دفء} أي: ما يدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار. قال: ويجوز أيضاً أن يكون تمام الكلام عند قوله: {والأنعام خلقها لكم} ثم ابتدأ فقال تعالى: {فيها دفء} . قال الرازي: قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله تعالى: {خلقها} والدليل عليه أنه عطف عليه {ولكم فيها جمال} والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال. ولما ذكر تعالى الأنعام ذكر لها أنواعاً من المنافع الأوّل: قوله تعالى: {لكم فيها دفء} . والنوع الثاني: قوله تعالى: {ومنافع} أي: ولكم فيها منافع من نسلها ودرها وركوبها والحمل عليها وسائر ما ينتفع به من الأنعام وإنما عير تعالى عن ذلك بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم لأنّ الدر والنسل قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات، فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل. النوع الثالث: قوله تعالى: {ومنها تأكلون} فإن قيل: تقديم الظرف يفيد الحصر لأنّ تقديم
الظرف موذن بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها. أجيب: بأنّ الأكل من هذه الأنعام هو الذي يعتمده الناس في معايشهم، وأمّا الأكل من غيرها كالدجاج والبط والأوز وصيد البرّ والبحر فليس بمعتد به في الأغلب، وأكله يجري مجرى التفكه به فخرج ومنها تأكلون مخرج الغالب في الأكل من هذه الأنعام. فإن قيل: منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللباس فلم قدّمت منفعة اللباس عليه؟ أجيب: بأنّ منفعة اللباس أكثر من منفعة الأكل فلهذا قدّمت على منفعة الأكل. {ولكم فيها جمال} أي: زينة {حين تريحون} أي: تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشيّ {وحين تسرحون} أي: تخرجونها بالغداة إلى المرعى، فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين وتجل أهلها في أعين الناظرين إليها. فإن قيل: لم قدّمت الإراحة على التسريح؟ أجيب: بأنّ الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها فيفرح أهلها بها بخلاف تسريحها إلى المرعى فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع ثم تأخذ في التفرق والانتشار للمرعى في البرية فليس في التسريح تجمل كما في الإراحة. النوع الرابع: قوله تعالى: {وتحمل أثقالكم} جمع ثقل وهو متاع المسافر. {إلى بلد} أي: غير بلدكم أردتم السفر إليه {لم تكونوا بالغيه} أي: غير واصلين إليه على غير الإبل {إلا بشق الأنفس} أي: إلا بكلفة ومشقة والشق بكسر الشين نصف الشي، أي: لم تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوّة النفس وذهاب نصفها. وقال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن وإلى الشأم وإلى مصر قال الواحدي: والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم. وخص ابن عباس هذه البلاد لأنّ متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد. فإن قيل: المراد من قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم} الإبل فقط بدليل أنه وصفها إلى آخر الآية بقوله: {وتحمل أثقالكم إلى بلد} وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل؟ أجيب: بأنّ المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع حاصل في الكل وبعضها مختص بالبعض والدليل عليه أن قوله: {ولكم فيها جمال} حاصل في البقر والغنم، مثل حصوله في الإبل. تنبيه: احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فإنها تدل على أنّ الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس وحمل الأثقال على الإبل ومثبتوا الكرامات يقولون: إنّ الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب وتحمل مشقة، وكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلاً وإذا بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور إذ لا قائل بالفرق، وأجاب المثبتون بأنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات {إنّ ربكم} أي: الموجد لكم والمحسن إليكم {لرؤوف} أي: بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بما يرضيه. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة والباقون بالمدّ. {رحيم} أي: بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب. وقوله تعالى: {والخيل} أي: الصاهلة وهو اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والرهط. {والبغال} أي: المتولدة بينها وبين الحمير {والحمير} الناهقة عطف على الأنعام، أي: وخلق هذه الحيوانات {لتركبوها} أي: لأجل أن تركبوها وفي نصب قوله تعالى: {وزينة} أوجه أحدها: أنه مفعول من أجله وإنما وصل الفعل إلى
الأوّل باللام في قوله تعالى: {لتركبوها} وإلى هذا بنفسه لاختلاف شرطه في الأوّل وهو عدم اتحاد الفاعل فإنّ الخالق هو الله تعالى والراكب المخاطبون بخلاف الثاني. الثاني: أنها منصوبة على الحال وصاحب الحال إمّا مفعول خلقها وإمّا مفعول لتركبوها فهو مصدر أقيم مقام الحال. الثالث: أن ينتصب بتقدير فعل قدّره الزمخشري بقوله وخلقها زينة وقدّره ابن عطية وغيره بقولهم: وجعلها زينة. الرابع: أنها مصدر لفعل محذوف، أي: وتتزينون بها زينة. وتنبيه: احتج القائلون وهم ابن عباس والحاكم وأبو حنيفة ومالك بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكره تعالى علمنا أنه يحرم أكله لأنّ الله تعالى خص الأنعام بالأكل حيث قال تعالى: {ومنها تأكلون} (النحل، 5) وخص هذه بالركوب فقال: {لتركبوها} فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل واحتج القائلون بإباحة أكل اللحم من الخيل وهم سعيد بن جبير وعطاء وشريح والحسن والشافعي بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنهما قالت: «نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً ونحن بالمدينة» . وبما روي عن جابر رضي الله عنه «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل» . وفي رواية: «أكلنا في زمن خيبر الخيل وحمر الوحش ونهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي» هذه رواية البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود قال: «ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير وكنا قد أصابنا مخمصة فنهانا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل» . وأجابوا عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أنّ منفعتها مختصة بذلك وإنما خص هاتين المنفعتين بالذكر لأنهما معظم المقصود ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: {وتحمل أثقالكم} (النحل، 70) ولم يلزم من ذلك تحريم الأثقال على الخيل. وقال الواحدي: لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذا الحيوان لكان تحريم أكلها معلوماً في مكة لأجل أنّ هذه السورة مكية ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامّة المفسرين والمحدّثين أنّ لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر، أي: وذلك في المدينة باطلاً لأنّ التحريم لما كان حاصلاً قبل هذا اليوم لم يكن لتخصيص هذا التحريم بهذه السنة فائدة، قال الرازي: وهذا جواب حسن متين. وقال ابن الخازن: والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أنّ السنة مبينة للكتاب. ولما كان نص الآية يقتضي أنّ الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة وكان الأكل مسكوتاً عنه ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم فوردت السنة بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير، أخذنا به جمعاً بين النصين. ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الأنواع من الحيوان ذكر باقيها على سبيل الإجمال بقوله تعالى: {ويخلق ما لا تعلمون} وذلك لأنّ أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحدّ والإحصاء ولو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبه المجلدات الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر الله تعالى في هذه الآية. وروى عطاء
ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إنّ عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل كل يوم ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نفضة تقع من ريشه تقع كذا وكذا ألف ملك يدخل كل يوم منهم سبعون ألفاً البيت المعمور وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة سبحان من له هذا الملك العظيم، قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} (المدثر/ 31) . وفسر قتادة الآية بالسوس في النبات والدود في الفواكه وفسرها بعضهم بما أعدّ الله تعالى لأهل الجنة في الجنة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولما شرح الله تعالى دلائل التوحيد قال تعالى: {وعلى الله} أي: الذي له الإحاطة بكل شيء {قصد السبيل} أي: بيان الطريق المستقيم إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة والمراد بالسبيل الجنس ولذلك أضاف إليها القصد. وقال: {ومنها} أي: السبيل {جائر} أي: حائد عن الاستقامة. فإن قيل: هذه الآية تدلّ على أنّ الله تعالى يجب عليه الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار كما قال به المعتزلة لأنه تعالى قال: {وعلى الله قصد السبيل} . وكلمة على للوجوب. قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت} (آل عمران، 97) أجيب: بأنّ المراد على الله تعالى بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح. فإن قيل: لم غير أسلوب الكلام حيث قال في الأوّل: {وعلى الله قصد السبيل} . وفي الثاني: {ومنها جائر} دون وعليه جائر؟ أجيب: بأنّ المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. ثم قال تعالى: {ولو شاء} هدايتكم {لهداكم} إلى قصد السبيل {أجمعين} فتهتدون إليه باختيار منكم. قال الرازي: وهذا يدلّ على أنّ الله تعالى ما شاء هداية الكفار وما أراد منهم الإيمان لأنّ كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره. ولما ذكر تعالى نعمه على عباده بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة عقبه بذكر إنزال المطر لأنه من أعظم النعم على عباده فقال: {هو} أي: لا غيره مما تدعى فيه الإلهية {الذي أنزل} أي: بقدرته الباهرة {من السماء} إمّا من نفسها أو من غيرها أو من جهتها أو من السحاب كما هو مشاهد {ماء} أي: واحداً تحسونه بالذوق والبصر {لكم منه} أي: من ذلك الماء {شراب} أي: تشربونه وقد بيّن تعالى في آية أخرى أنّ هذه النعمة جليلة فقال: {وجعلنا من الماء كل شيء حيّ} (الأنبياء، 30) . فإن قيل: ظاهر هذا أنّ شرابنا ليس إلا من المطر؟ أجيب: بأنه تعالى لم ينف أن يشرب من غيره وبتقدير الحصر لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر سكن هناك بدليل قوله في سورة المؤمنون: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} (المؤمنون، 18) . {ومنه} أي: من الماء {شجر} أي: ينبت بسببه والشجر هنا كل نبات من الأرض حتى الكلأ وفي الحديث: «لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت» يعني الكلأ. فإن قيل: قال المفسرون: في قوله تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} (الرحمن، 6) المراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ومن الشجر ما له ساق؟ أجيب: بأن عطف الجنس على النوع وبالضدّ مشهور وأيضاً فلفظ الشجر يشعر بالاختلاط يقال: تشاجر القوم إذا اختلط
أصوات بعضهم ببعض وتشاجرت الرياح إذا اختلطت وقال تعالى: {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النساء، 65) ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ. فوجب إطلاق لفظ الشجر عليه ويصح أن يكون المراد بالشجر هنا ما له ساق لأنّ الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار وحينئذٍ فإطلاق الشجر على الكلأ مجاز. {فيه} أي: الشجر {تسيمون} أي: ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى وسامت هي إذا رعت حيث شاءت. قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر في الأرض برعيها علامات وقال غيره: لأنها تعلم الإرسال في المرعى. ولما ذكر تعالى الحيوانات تفصيلاً وإجمالاً ذكر الثمار تفصيلاً وإجمالاً بقوله تعالى: {ينبت} أي: الله {لكم به} أي: بذلك الماء {الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} فبدأ بذكر الزرع وهو الحبّ الذي يقتات به كالحنطة والشعير والأرز لأن به قوام البدن بذكر الزيتون لما فيه من الأدم والدهن وبارك فيه وثلث بذكر النخيل لأنّ ثمرها غذاء وفاكهة وختم بذكر الأعناب لأنه شبيه النخيل في المنفعة من التفكه والتغذية ثم ذكر تعالى سائر الثمار إجمالاً لينبه بذلك على عظيم قدرته وجزيل نعمته على عباده لأنّ الحبة الواحدةتقع في الطين فإذا مضى عليها مقدار معين من الوقت نفذ في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنفتح الحبة فينشق أعلاها وأسفلها فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى ثم تخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ثم إنّ تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإنّ قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إنّ في ذلك لآية} بينة على أنّ فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده وإنما تحصل معرفة ذلك {لقوم يتفكرون} فيما ذكر من دلائل قدرته ووحدانيته فيؤمنون. ثم ذكر سبحانه وتعالى أشياء تدلّ على أنه الفاعل المختار بقوله تعالى: {وسخر لكم} أي: أيها الناس لإصلاح أحوالكم {الليل} للسكنى {والنهار} للمعاش. ثم ذكر آية النهار فقال: {والشمس} أي: لمنافع اختصاصها ثم آية الليل فقال: {والقمر} لأمور علقها به {والنجوم} أي: الآيات نصبها لها. ثم نبه على تغيرها بقوله تعالى: {مسخرات} أي: بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها {بأمره} أي: بإرادته سبباً لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم دلالة على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار ولو شاء تعالى لأقام أسباباً غيرها أو أغنى عن الأسباب. وقرأ ابن عامر برفع الأربع وهي الشمس والقمر والنجوم ومسخرات على الابتداء والخبر ووافقه حفص في الاثنين الأخيرين والنجوم مسخرات لا غير والباقون بالنصب عطفاً على ما قبله في الثلاثة الأول وفي الرابع وهو مسخرات على الحال. ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الأشياء وجعلها مسخرات لمنافع عباده ختم ذلك بقوله: {إنّ في ذلك} أي: التسخير العظيم {لآيات} أي: دلالات متعدّدة كثيرة عظيمة
{لقوم يعقلون} أي: يتدبرون فيعلمون أنّ جميع الخلق تحت قدره وقدرته وتسخيره لما أراده منهم. وقوله تعالى: {وما ذرأ} أي: خلق {لكم في الأرض} عطف على الليل، أي: وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. وقيل: إنه في موضع نصب بفعل محذوف، أي: وخلق هكذا قدّره أبو البقاء وكأنه استبعد تسلط سخر على ذلك فقدّر فعلاً لائقاً. وقوله تعالى: {مختلفاً} حل منه. وقوله تعالى: {ألوانه} أي: في الخلقة والهيئة والكيفية فاعل به {إنّ في ذلك لآية لقوم يذّكّرون} أي: يتعظون. تنبيه: ختم تعالى الآية الأولى بالتفكر لأنّ ما فيها يحتاج إلى تأمّل ونظر، وختم الثانية بالعقل لأنّ مدار ما تقدّم عليه وختم الثالثة بالتذكر لأنه نتيجة ما تقدّم وجمع الآيات في الثانية دون الأولى والثالثة لأن ما نيط بها أكثر ولذلك ذكر معها العقل. ولما استدل سبحانه وتعالى على إثبات الإله أولاً بأجرام السموات والأرض وثانياً ببدن الإنسان وثالثاً بعجائب خلقة الحيوان ورابعاً بعجائب النبات ذكر خامساً عجائب العناصر وبدأ بالاستدلال بعنصر الماء بقوله تعالى: وهو أي: لا غيره. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها {الذي سخر البحر} أي: ذلله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكوّن الجواهر وغير ذلك قال علماء الهيئة: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء فذاك هو البحر المحيط وجعل في هذا الربع المسكون سبعة أبحر قال تعالى: {والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر} (لقمان، 27) والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار فمن تسخيرها للخلق ما مر ومنه جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها بالركوب وبالغوص وبغير ذلك فمنافع البحار كثيرة وذكر سبحانه وتعالى منها هنا ثلاثة منافع الأولى قوله تعالى: {لتأكلوا منه} أي: بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك. {لحماً طرياً} لا تجد أنعم منه ولا ألين وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله عذباً ففي ذلك دلالة على كمال قدرته تعالى وذلك أن السمك لو كان كله مالحاً لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري لأنه لما خرج من البحر الملح اللحم الطري في غاية العذوبة علم أنه يخلق الله وقدرته لا بحسب الطبع وعلم بذلك أنّ الله تعالى قادر على إخراج الضدّ من الضدّ. المنفعة الثانية: قوله تعالى: {وتستخرجوا منه} أي: بجهدكم في الغوص وما يتبعه {حلية} أي: اللؤلؤ والمرجان، كما قال تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن، 22) . {تلبسونها} أي: نساؤكم وهنّ بعضكم فكأن اللابس أنتم ولأنّ زينة النساء بالحلي إنما هو لأجل الرجال فكان ذلك زينة لهم. المنفعة الثالثة: قوله تعالى: {وترى الفلك} أي: السفن {مواخر} أي: تمخر الماء، أي: تشقه بجريها {فيه} أي: مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر بريح واحدة. وقال مجاهد: تمخر الريح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع لها صوت. وقال الحسن: مواخر يعني مملوءة متاعاً. وقوله تعالى: {ولتبتغوا} أي: لتطلبوا عطف على تأكلوا وما بينهما إعتراض. وقيل: عطف على محذوف تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا {من فضله} أي: من سعة رزقه بركوبها للتجارة وللوصول إلى البلدن الشاسعة {ولعلكم تشكرون} الله على هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره. ثم إنه تعالى ذكر بعض النعم التي خلقها الله تعالى في الأرض بقوله تعالى: {وألقى
في الأرض رواسي} أي: جبالاً ثوابت {أن تميد} أي: كراهة أن تميل وتضطرب {بكم} وقيل: لئلا تميل بكم والأوّل قدره البصريون والثاني قدّره الكوفيون، وقد تقدّم مثل ذلك في قوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} (النساء، 176) . روي أن الله تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت وقوله تعالى: {وأنهاراً} عطف على رواسي لأنّ الإلقاء بمعنى الخلق والجعل. ألا ترى أنه تعالى قال في آية أخرى: {وجعل فيها رواسي من فوقها} (فصلت، 10) . وقال تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} (طه، 39) . وذكر تعالى الأنهار بعد الجبال لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من الجبال. {و} جعل لكم فيها {سبلاً} أي: طرقاً مختلفة تسلكون فيها في أسفاركم والتردّد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان {لعلكم تهتدون} أي: بتلك السبل إلى مقاصدكم وإلى معرفة الله تعالى فلا تضلون. {و} جعل لكم فيها {علامات} أي: من الجبال وغيرها جمع علامة تهتدون بها في أسفاركم. ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأوضحها براً وبحراً ليلاً ونهاراً نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظنّ أن المخاطب مخصوص والأمر لا يتعدّاه فقال تعالى: {وبالنجم} أي: الجنس {هم} أي: أهل الأرض كلهم وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش ثم العرب كلها لفرط معرفتهم بالنجوم. {يهتدون} وقدّم الجارّ تنبيهاً على أن الدلالة بغيره بالنسبة إليه سافلة، وقيل: المراد بالنجم الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي. وقيل: الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم. ولما ذكر سبحانه وتعالى من عجائب قدرته وبديع خلقه ما ذكر على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدّمة كلها دالة على كمال قدرة الله ووحدانيته، وأنه تعالى المنفرد بخلقها جميعها قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام العاجزة التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تقدر على شيء. {أفمن يخلق} أي: هذه الأشياء الموجودة وغيرها {كمن لا يخلق} شيئاً من ذلك بل على إيجاد شيء ما فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق العبادة وترك عبادة من يستحقها وهو الله تعالى. فإن قيل: ذلك إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق فكان حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ أجيب: بأنهم لما جعلوا غير الله مثل الله تعالى في تسميته باسمه والعبادة له وسوّوا بينه وبينه فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهاً بها فانكر عليهم ذلك بقوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} . فإن قيل: من لا يخلق إن أريد به جميع ما عبد من دون الله كان ورود من واضحاً لأنّ العاقل يغلب على غيره فيعبر عن الجميع بمن ولو جيء أيضاً بما لجاز وإن أريد به الأصنام فلم جيء بمن الذي هو لأولي العلم؟ أجيب: بأنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ألا ترى إلى قوله تعالى على أثره: {والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون} (النحل، 20) وإلى قول الشاعر: *بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ... فقلت ومثلي بالبكاء جدير
*أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير *وكل قطاة لا تعير جناحها ... تعيش بذل والجناح قصير فأوقع من على سرب لما عامله معاملة العقلاء، وقيل: للمشاكلة بينه وبين من يخلق، وقيل: المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده كقوله تعالى: {ألهم أرجل يمشون بها} (الأعراف، 195) يعني أنّ الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف تصح لهم العبادة إلا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا. ولما كان هذا القدر ظاهراً غير خافٍ على أحد فلا يحتاج فيه إلى تدقيق الفكر والنظر بل مجرّد التذكر فيه كفاية لمن فهم وعقل. ختم تعالى ذلك بقوله تعالى: {أفلا تذكرون} بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه فتؤمنون. تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنّ العبد غير خالق لأفعال نفسه لأنه تعالى ميز نفسه عن الأشياء التي يعبدونها بصفة الخالقية لأنّ الغرض من قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} بيان تميزه عن هذه الأشياء بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والعبودية لكونه تعالى خالقاً وهذا يقتضي أنّ العبد لو كان خالقاً لشيء لوجب كونه إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أنّ العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد، ولما كانت المقدورات لا تحصى وأكثرها نعم على العباد مذكرة لهم بخالقهم قال ممتناً عليهم بإحسانه من غير سبب منهم. {وإن تعدّوا} كلكم {نعمت الله} أي: إنعام الملك الأعظم الذي لا رب غيره عليكم من صحة البدن وعافية الجسم وإعطاء النظر الصحيح والعقل السليم وبطش اليدين ومشى الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليكم وما خلق لكم مما تحتاجون إليه من أمر الدنيا حتى لو رام أحدكم معرفة أدنى نعمة من هذه النعم لعجز عنها وعن معرفتها وحصرها فإن نتبعها يفوت الحصر. {لا تحصوها} أي: لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كثرتها وإعراضكم جملة عن شكرها والعبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات وبالغ في شكر نعم الله تعالى فإنه يكون مقصراً لأنّ نعم الله كثيرة وأقسامها عظيمة وعقل الخلق قاصر عن الإحاطة بمبادئها فضلاً عن غاياتها لكن الطريق إلى ذلك أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها. {إنّ الله لغفور} أي: لتقصيركم في القيام بشكرها يعني النعمة كما يجب عليكم {رحيم} بكم فوسع عليكم النعم ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير والمعاصي. وقوله تعالى: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} فيه وجهان: الأوّل: أنّ الكفار مع كفرهم كانوا ليسرون أشياء وهو ما كانوا يمكرون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وما يعلنون، أي: وما يظهرون من أذاه صلى الله عليه وسلم فأخبر الله تعالى بأنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا يخفى عليه خافية وإن دقت وخفيت. والوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية المتقدّمة ذكر في هذه الآية أنّ الإله الذي يستحق العبادة يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات سرها وجهرها وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة. ثم وصف تعالى هذه الأصنام بصفات الأولى مذكورة في قوله تعالى: {والذين تدعون} أي: تعبدون {من دون الله} أي: الأصنام وتعتقدون
أنها آلهة وقرأ عاصم بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب {لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون} أي: يصوّرون من الحجارة وغيرها. فإن قيل: قوله تعالى في الآية المتقدّمة {أفمن يخلق كمن لا يخلق} يدلّ على أنّ هذه الأصنام لا تخلق شيئاً وهم يخلقون وهذا هو المعنى المذكور في تلك الآية المذكورة فما فائدة هذا التكرار؟ أجيب: بأنّ فائدته أنّ المعنى المذكور في الآية المتقدّمة أنهم لا يخلقون شيئاً فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون كغيرهم فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار فكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم فبين أولاً أنها لا تخلق شيئاً، ثم بيّن ثانياً أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة كغيرها. الصفة الثانية قوله تعالى: {أموات} أي: جمادات لا روح لها {غير أحياء} إذ الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي الذي لا يموت. فإن قيل: علم من قوله: أموات أنها غير أحياء فما الفائدة في ذكره؟ أجيب: بأنّ من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطف التي ينشئها الله تعالى حيواناً وأجساد الحيوانات التي تبعث بعد موتها وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة وذلك أعرق في موتها. وقيل: ذكر للتأكيد لأنّ الكلام مع الكفار الذي يعبدون الأوثان وهم في نهاية الجهالة والضلالة ومن تكلم مع الجاهل الغبي فقد يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة وغرضه الإعلام بكون المخاطب في غاية الغباوة في أنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. الصفة الثالثة قوله تعالى: {وما يشعرون} أي: الأصنام {أيان} أي: وقت {يبعثون} أي: وما تعلم هؤلاء الآلهة متي تبعث الأحياء تهكماً بحالها لأنّ شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حيّ إلا الحيّ القيوم سبحانه وتعالى. وقيل: الضمير راجع للأصنام. قال ابن عباس: إنّ الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وقيل: المراد بقوله تعالى: {والذين تدعون من دون الله} الملائكة وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله تعالى: إنهم أموات، أي: لا بد لهم من الموت غير أحياء، أي: باقية حياتهم وما يشعرون، أي: لا علم لهم بوقت بعثهم. ولما زيف سبحانه وتعالى طريقة عبدة الأصنام وبيّن فساد مذهبهم قال تعالى: {إلهكم} أي: أيها الخلق جميعاً المعبود بحق {إله} أي: متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أوان وكل زمان وكل مكان {واحد} لا يقبل التعدّد الذي هو مثال النقص بوجه من الوجوه لأنّ التعدّد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية. {فالذين} أي: فتسبب عن هذا أنّ الذين {لا يؤمنون بالآخرة} أي: دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة {قلوبهم منكرة} أي: جاحدة للوحدانية {وهم} أي: والحال أنهم بسبب إنكار ذلك {مستكبرون} أي: متكبرون عن الإيمان بها {لا جرم} أي: حقاً {أن الله يعلم} علماً غيبياً وشاهدياً {ما يسرون} أي: ما يخفون مطلقاً أو بالنسبة إلى بعض الناس {وما يعلنون} أي: يظهرون فيجاز يهم ذلك. ولما كان في ذلك معنى التهديد علل ذلك بقوله تعالى: {إنه} أي: العالم بالسر والعلن {لا يحب المستكبرين} أي: على خلقه فما بالك بالمستكبرين على التوحيد واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى عدم محبتهم أنه يعاقبهم.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: يا رسول الله، إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً؟ قال: إنّ الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمص الناس» ومعنى بطر الحق أنه يستكبر عند سماع الحق فلا يقبله ومعنى غمص الناس استنقاصهم وازدراؤهم. ولما بالغ سبحانه وتعالى في دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام قال تعالى عاطفاً على قلوبهم منكرة: {وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وقوله تعالى: {ما} استفهامية و {ذا} موصولة، أي: ما الذي {أنزل ربكم} على محمد صلى الله عليه وسلم واختلف في قائل هذا القول فقيل: كلام بعضهم لبعض، وقيل: قول المسلمين لهم، وقيل: قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم {قالوا} مكابرين في إنزال القرآن هو {أساطير} أي: آكاذيب {الأوّلين} مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضتهم أقصر سورة منه مع علمهم بأنهم أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدّم أو متأخر قول إلا قالوا أبلغ منه. فإن قيل: هذا كلام متناقض لأنه لا يكون منزلاً من ربهم وأساطير؟ أجيب: بأنهم قالوه على سبيل السخرية كقوله: {إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (الشعراء، 27) واللام في قوله تعالى: {ليحملوا} لام العاقبة كما في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزناً} (القصص، 80) وذلك لما وصفوا القرآن بكونه أساطير الأوّلين كان عاقبتهم بذلك أن يحملوا {أوزارهم} أي: ذنوب أنفسهم وإنما قال تعالى: {كاملة} لئلا يتوهم أنه يكفر عنهم شيء بسبب البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البرّ التي عملوها في الدنيا بل يعاقبون بكل أوزارهم {يوم القيامة} الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه. قال الرازي: وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة {و} ليحملوا أيضاً {من} جنس {أوزار} الجهلة الضعفاء {الذين يضلونهم} وقوله تعالى: {بغير علم} حال من مفعول يضلونهم، أي: يضلون من يعلم أنهم ضلال أو من الفاعل وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل وإنما حصل للرؤوساء الذين أضلوا غيرهم وصدّوهم عن الإيمان مثل أوزار الأتباع لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم فاشتركوا في الإثم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» أخرجه مسلم. ومعنى الآية والحديث أنّ الرئيس والكبير إذا سنّ سنة حسنة أو سيئة قبيحة فتبعه عليها جماعة فعملوا بها فإن الله تعالى يعطيهم ثوابه وعقابه حتى يكون ذلك الثواب والعقاب مساوياً لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع الذين عملوا بالسنة الحسنة أو القبيحة، وليس المراد بأن الله يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه
الأتباع إلى الرؤوساء ويدل لذلك قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام، 164) . وقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم، 39) . تنبيه: قال الواحدي: لفظة من في قوله تعالى: {ومن أوزار} ليست للتبعيض لأنها لو كانت كذلك لنقص عن الأتباع بعض الأوزار وقد قال صلى الله عليه وسلم «لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» لكنها للجنس كما قدّرت ذلك في الآية الكريمة، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع. وقيل: إنها للتبعيض وجرى عليه البيضاوي تبعاً للزمخشري. {ألا ساء} أي: بئس {ما يزرون} أي: يحملون حملهم هذا وفي هذا وعيد وتهديد لهم. فإن قيل: إنّ الله تعالى حكى هذه الشبهة عن القوم ولم يجب عنها بل اقتصر على محض الوعيد فما السبب في ذلك؟ أجيب: بأنّ السبب فيه أنه تعالى بيّن كون القرآن معجزاً بطريقين: الأوّل: أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم أولاً بكل القرآن وثانياً بعشر سور وثالثاً بسورة فعجزواعن المعارضة وذلك يدل على كونه معجزاً الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهي قوله تعالى: {اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} (الفرقان، 50) وأبطلها بقوله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض} (الفرقان، 6) . ومعناه أنّ القرآن يشتمل على الإخبار بالغيوب، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالماً بأسرار السموات والأرض. ولما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين وتكرّر شرح هذين الطريقين مراراً كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرّد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ثم إنه سبحانه وتعالى بالغ في وصف وعيد هؤلاء الكفار بقوله تعالى: أي: ممن رأوا آثارهم في ديارهم {فأتى الله} أي: أمره {بنيانهم من القواعد} أي: من جهة العمد التي بنوا عليها مكرهم {فخرّ} أي: سقط {عليهم السقف من فوقهم} وصار سبب هلاكهم وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم. والباقون بكسر الهاء وضم الميم. وأمّا الوقف فحمزة بضم الهاء على أصله والباقون بالكسر. {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: من جهة لا تخطر ببالهم وهذا على سبيل التمثيل، أي: التشبيه والتخييل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل فجعل الله هلاكهم فيما أبرموه كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن تضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا نحوه من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً، وقيل: هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء قال ابن عباس: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. وقال كعب: كان طوله فرسخين فأهب الله تعالى الريح فألقت رأسه في البحر وخرّ عليهم الباقي وهم تحته قال البغوي: ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية فذلك قوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي: أتى أمره فخرب بنيانهم من أصلها فخرّ عليه وعلى قومه السقف، أي: أعلى البيوت من فوقهم فهلكوا. تنبيه: قال ابن الخازن في قول البغوي: وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية نظر لأنّ صالحاً عليه السلام كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية وكان أهل اليمن عرباً منهم جرهم الذين نشأ إسماعيل بينهم وتعلم منهم العربية وكان ببابل من العرب طائفة
قديمة قبل إبراهيم عليه السلام انتهى. وقد يقال: إنه كان لسان أكثر الناس بالسريانية فلا ينافي ذلك. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {فخرّ عليهم السقف من فوقهم} والسقف من فوقهم؟ أجيب: بأنهم قد لا يكونون تحته فلما قال تعالى: {فخرّ عليهم السقف من فوقهم} دل على أنهم كانوا تحته وحينئذٍ يفيد هذا الكلام بأنّ الأبنية قد تهدّمت وهم ماتوا تحتها. ولما ذكر الله تعالى حال أصحاب المكر في الدنيا ذكر حالهم في الآخرة بقوله عز وجلّ: { ثم يوم القيامة يخزيهم} أي: يذلهم ويهينهم بعذاب النار {ويقول} لهم الله تعالى على لسان الملائكة توبيخاً: {أين شركائي} أي: في زعمكم واعتقادكم {الذين كنتم تشاقون} أي: تخالفون المؤمنين {فيهم} أي: في شأنهم وقرأ نافع بكسر النون والباقون بفتحها {قال} أي: يقول {الذين أوتوا العلم} أي: من الأنبياء والمؤمنين وقال ابن عباس: يريد الملائكة {إنّ الخزي} أي: البلاء المذل {اليوم} أي: يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة {والسوء} أي: كل ما يسوء {على الكافرين} أي: الغريقين في الكفر الذين تكبروا في غير موضع التكبر، وفائدة قولهم إظهار الشماتة، وزيادة الإهانة، وحكايته لتكون لطفاً لمن سمعه. تنبيه: في الآية دلالة على أن ماهية الخزي وماهية السوء في يوم القيامة مختصة بالكافرين وهذا ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم ويؤكد هذا قول موسى عليه السلام: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} (طه، 48) ثم إنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكافرين من وجه آخر فقال سبحانه وتعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة} أي: يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه عليهم السلام. وقرأ حمزة في هذه الآية وفي الآية الآتية بالياء في الموضعين على التذكير لأن الملائكة ذكور والباقون بالتاء على التأنيث لأن لفظ الجمع مؤنث. {ظالمي أنفسهم} أي: بأن عرضوها للعذاب المخلد بكفرهم {فالقوا السلم} أي: استسلموا وانقادوا حين عاينوا الموت قائلين: {ماكنا نعمل من سوء} أي: شرك وعدوان فتقول لهم الملائكة: {بلى} أي: بل كنتم تعملون أعظم السوء ثم علل تكذيبهم بقوله تعالى: {إنّ الله عليم بما كنتم تعملون} أي: فلا فائدة لكم في إنكاركم فيجازيكم به. ولمّا كان هذا الفعل مع العلم سبباً لدخول جهنم قال تعالى: {فادخلوا} أي: أيها الكفرة {أبواب جهنم} أي: أبواب طبقاتها ودركاتها {خالدين} أي: مقدّرين الخلود {فيها} أي: جهنم لا يخرجون منها وإنما قال تعالى ذلك لهم ليكون أعظم في الخزي والغم وفي ذلك دليل على أنّ الكفار بعضهم أشدّ عذاباً من بعض ثم قال تعالى: {فلبئس مثوى} أي: مأوى {المتكبرين} عن قبول التوحيد وسائر ما آتت به الرسل. ولمّا بيّن تعالى أحوال المكذبين ذكر أحوال الصدّيقين بقوله تعالى: {وقيل للذين اتقوا} أي: خافوا عقاب الله {ماذا} أي: أيّ شيء {أنزل ربكم قالوا خيراً} أي: أنزل خيراً وذلك أنّ أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه فيقولون: ساحر شاعر كذاب مجنون ولو لم تلقه خيرلك فيقول السائل: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وألقاه فيدخل مكة فيرى أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث
من الله تعالى فذلك قوله تعالى: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم} الآية فإن قيل: لم رفع الأول وهو قولهم أساطير الأوّلين ونصب الثاني وهو قولهم خيراً أجيب: بأنه ذكر ذلك للفصل بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، وذلك أنهم لمّا سألوا الكفار عن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء لأنهم لم يعتقدوا كونه منزلاً. ولمّا سألوا المؤمنين عن المنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يتلعثموا، وطابقوا الجواب عن السؤال بيناً مكشوفاً مفعولاً للإنزال، فقالوا: {خيراً} أي: أنزل خيراً، وتمّ الكلام عند قوله {خيراً} فهو وقف تامّ، ثم ابتدأ بقوله تعالى: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} أي: حياة طيّبة أو أنّ للذين أتوا بالأعمال الصالحات الحسنة لهم ثوابها حسنة مضاعفة من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، أو أنه تعالى بيّن أنّ اعترافهم بذلك الإحسان في هذه الدنيا حسنة أي: جزاء لهم على إحسانهم {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرخمن، 60) ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال أخبر عن حالهم في الآخرة فقال: {ولدار الآخرة} أي: الجنة {خير} أي: ما أعدّ الله لهم في الجنة خير مما حصل لهم في الدنيا، ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى: {ولنعم دار المتقين} أي: دار الآخرة، فحذف لتقدّم ذكرها وقال الحسن: هي الدنيا لأنّ أهل التقوى يتزوّدون فيها للآخرة. وقوله تعالى: {جنات} أي: بساتين {عدن} أي: إقامة خبر مبتدأ محذوف ويصح أن يكون المخصوص بالمدح {يدخلونها} أي: تلك الجنات حالة كونها {تجري من تحتها} أي: من تحت غرفها {الأنهار} ثم كأنّ سائلاً سأل عما فيها من الثمار وغيرها. فأجيب بأنّ {لهم فيها ما يشاؤون} أي: ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، مع زيادات غير ذلك، فهذه الآية تدل على حصول كل الخيرات والسعادات فهي أبلغ من قوله تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} (الزخرف، 71) لأن هذين القسمين داخلان في قوله تعالى: {لهم فيها ما يشاؤون} مع أقسام أخرى وعلى أنّ الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا، لأنّ قوله: {لهم فيها ما يشاؤون} يفيد الحصر {كذلك} أي: مثل هذا الجزاء العظيم {يجزي الله} أي: الذي له الكمال كله {المتقين} أي: الراسخين في صفة التقوى، ثم حث تعالى على ملازمة التقوى بالتنبيه على أنّ العبرة بحال الموت فقال: {الذين تتوفاهم الملائكة} أي: تقبض أرواحهم وقوله تعالى: {طيبين} كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه، ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة، مبّرئين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه كونهم مبرّئين عن العلائق الجسمانية، متوجهين إلى حضرة القدس، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح، وأنها لم تقبض إلامع البشارة بالجنة، حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها، ومن هذا حاله لا يتألم بالموت، وأكثر المفسرين على أنّ هذا التوفي هو قبض الأرواح كما مرّ، وإن كان الحسن يقول: إنه وفاة الحشر. واستدل بقوله تعالى: {ادخلوا الجنة} لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا، ادخلوا الجنة. وأجاب الأكثرون بما سيأتي وأدغم أبو عمرو التاء في الطاء بخلاف عنه. ثم بيّن تعالى أنّ الملائكة {يقولون} لهم عند الموت {سلام عليكم} فتسلم عليهم أوتبلغهم السلام
من الله تعالى، كما روي أنّ العبد المؤمن إذا أشرف على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة، ويقال لهم في الآخرة هذا جواب الأكثرين {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} أو إنهم لمّا بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم، وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم: ادخلوا الجنة، أي: هي خاصة لكم كأنكم فيها. ولما طعن الكفار في القرآن بقولهم: {أساطير الأوّلين} وذكر أنواع التهديد والوعيد ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيراً، عاد إلى بيان أنّ أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم وأقوالهم الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة، وأتاهم أمر ربك فقال تعالى: {هل ينظرون إلاأن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم. وقرأ حمزة والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وتقدّم توجيه ذلك {أو يأتي أمر ربك} أي: يوم القيامة وقيل: العذاب. وقيل: إنهم طلبوا من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوّة فقال تعالى: {هل ينظرون} في التصديق بنبوّتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك. وعلى كلا التقديرين، فقد قال تعالى: {كذلك} أي: مثل ما {فعل} هؤلاء هذا الفعل البعيد الشنيع فعل {الذين من قبلهم} من الأمم السالفة، كذبوا رسلهم فأهلكوا {وما ظلمهم الله} باهلاكهم بغير ذنب. {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بكفرهم وتكذيبهم للرسل فاستوجبوا ما نزل بهم {فأصابهم} أي: فتسب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم {سيئات} أي: عقوبات أو جزاء سيئات {ما عملوا وحاق} أي: نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} تكبراً عن قبول الحق فحاق بهم جزاؤه، والحيق لا يستعمل إلا في الشر. وقرأ حاق حمزة بالإمالة والباقون بالفتح. {وقال الذين أشركوا} للنبيّ صلى الله عليه وسلم استهزاء ومنعاً للبعثة والتكليف {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل وهو اعتقاد باطل، فلذلك استحقوا عليه الذم والوعيد ثم قالوا لهم: {ولا حرّمنا من دونه من شيء} أي: من السوائب والبحائر والحامي فهو راض به وبمشيئته وحينئذ فلا فائدة في مجيئك وفي إرسالك وهذا عين ما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله} (الأنعام، 148) الآية. قال الله تعالى: {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: من تقدّم هؤلاء من الكفار من الأمم الماضية كانوا على هذه الطريقة، وهذا الفعل الخبيث فإنكار بعثة الرسل كان قديماً في الأمم الخالية ففي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وكذا في قوله تعالى: {فهل على الرسل إلا البلاغ} أي: الإبلاغ. {المبين} أي: البين فليس عليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما أرسلوا به إلى من أرسلوا إليه. ثم بين تعالى أنّ البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سبباً لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه ويضرّ المزاج المنحرف ويفنيه بقوله تعالى: {ولقد} أي: والله لقد {بعثنا} أي: بما لنا من العظمة التي من اعترض عليها قصم. {في كل أمّة} من الأمم الذين من قبلكم {رسولاً} أي: كما بعثنا فيكم محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً. {أن اعبدوا الله} أي: الملك
الأعلى وحده. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون في الوصل والباقون بالضم. {واجتنبوا الطاغوت} أي: الأوثان أن تعبدوها {فمنهم من هدى الله} أي: وفقهم للإيمان بإرشاده {ومنهم من حقت} أي: وجبت {عليه الضلالة} أي: في علم الله تعالى فلم ينفعهم ولم يرد هداهم. تنبيه: في هذه الآية أبين دليل على أنّ الهادي والمضل هو الله تعالى لأنه المتصرف في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا اعتراض عليه فيما حكم به لسابق علمه، ثم التفت سبحانه وتعالى إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال تعالى: {فسيروا} أي: فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من أخبار الرسل فسيروا {في الأرض} أي: جنسها {فانظروا} أي: إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، ثم أشار تعالى بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: {كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {المكذبين} أي: من عاد ومن بعدهم من الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر من أسلافكم لعلكم تعتبرون. ولما كان من المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد أعرض عنهم ملتفتاً إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم محمد صلى الله عليه وسلم فقال مسلياً له: {إن تحرص على هداهم} فتطلبه بغاية جدّك واجتهادك وقد أضلهم الله تعالى لا تقدر على ذلك ثم قال تعالى: {فإنّ الله لا يهدي من يضلّ} أي: من يرد ضلاله وهو معين لمن حقت عليه الضلالة. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الدال، والباقون بضم الياء وفتح الدال على البناء المفعول. قال البيضاوي: وهو أبلغ. ثم قال تعالى: {وما لهم} أي: هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله {من ناصرين} أي: وليس لهم أحد ينصرهم في الدنيا والآخرة عند مجازاتهم على الضلالة لينقذوهم مما يلحقهم عليه من الوبال كما فعل بالمكذبين ممن قبلهم. ثم حكى الله عن هؤلاء القوم أنهم ينكرون الحشر والنشر بقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي: غاية اجتهادهم فيها {لا يبعث الله من يموت} وذلك أنهم قالوا: إنّ الإنسان ليس هو إلا هذه البنية المخصوصة فإذا مات وتفرّقت أجزاؤه وبلى امتنع عوده بعينه؛ لأنّ الشيء إذا عدم فقد فني، ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فكذبهم الله تعالى في قولهم بقوله تعالى: {بلى} أي: يبعثهم بعد الموت فإنّ لفظة بلى إثبات لما بعد النفي والجواب عن شبهتهم أنّ الله تعالى خلق الإنسان وأوجده من العدم، ولم يكن شيئاً فالذي أوجده ولم يكن شيئاً قادر على إيجاده بعد إعدامه لأنّ النشأة الثانية أهون من الأولى، وقوله تعالى: {وعداً عليه حقاً} مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدّر، أي: وعد ذلك وعداً وحقه حقاً. {ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون} ذلك، أي: لا علم لهم يوصلهم لذلك لأنه من عالم الغيب، لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله تعالى ولا هم يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم الله بروح منه لتقيدهم بما يوصل إلى عقولهم أنها قاصرة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب بغير واسطة منه سبحانه وتعالى، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استبعاداً وهو خصيم مبين. وقوله تعالى: {ليبين لهم الذي
يختلفون فيه} يتعلق بما دل عليه بلى، أي: يبعثهم ليبين لهم والضمير لمن يموت وهو عامّ للمؤمنين والكافرين والذي اختلفوا فيه هو الحق. {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} في قولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} وقولهم: {لا يبعث الله من يموت} وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله: {ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً} أي: بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب ثم بين سبحانه وتعالى تيسر الإعادة بقوله تعالى: {إنما قولنا} أي: بما لنا من العظمة والقدرة {لشيء} إبداء وإعادة {إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} أي: يتسبب عن ذلك القول أنه يكون. تنبيه: قوله تعالى: {قولنا} مبتدأ و {أن نقول} خبره. فيكون وكن من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود،، أي: إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له: أحدث فيحدث عقب ذلك من غير توقف. فإن قيل: قوله تعالى: {كن} إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محال وإن كان خطاباً مع الموجود فكان أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال؟ أجيب: بأنّ هذا تمثيل لنفي الكلام والغايات وخطاب مع الخلق بما يعقلون ليس هو خطاب المعدوم لأنّ ما أراد فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع ولو أراد تعالى خلق الدنيا والآخرة بما فيها من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن خاطب تعالى العباد بما يعقلون، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله تبارك وتعالى: يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له. أمّا شتمه إياي فيقول: إنّ لي ولداً. وأمّا تكذيبه فيقول: ليس يعيدني كما بدأني» . حديث وفي رواية: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأمّا شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً. وأنا الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدٍ» . وقرأ ابن عامر والكسائي بفتح النون من يكون عطفاً على يقول أو جواباً للأمر والباقون بالرفع. ولما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي والجهالة والجهل والضلال، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وإنزال العقوبة بهم، وحينئذٍ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا من تلك الديار والمساكن فبيّن تعالى حكم تلك الهجرة، وما لهؤلاء المهاجرين من الحسنة في الدنيا والآخرة بقوله تعالى:
وقوله تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات} فيه إضمار تقديره المكرات السيئات وهم كفار قريش مكروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبالقرآن في أذيتهم والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أربعة أمور الأوّل قوله تعالى: {أن يخسف الله بهم الأرض} كما خسف بقارون وأصحابه فإذا هم في بطنها لا يقدرون على نوع تقلب بمتابعة ولا غيرها. الثاني قوله تعالى: {أو يأتيهم العذاب} على غير تلك الحال {من حيث لا يشعرون} به فيأتيهم بغتة فيهلكهم كما فعل بقوم لوط عليه السلام. الثالث: قوله تعالى: {أو يأخذهم} أي: الله بعذابه {في} حالة {تقلبهم} ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة وفي تفسير هذا التقلب وجوه أوّلها: أنه تعالى يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر. {فما هم بمعجزين} أي: بفائتين العذاب بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله تعالى حيث كانوا. ثانيها: أنه تعالى يأخذهم بالليل والنهار وفي حال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم. وثالثها: أنّ الله تعالى يأخذهم في حال ما يتقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: {وقلبوا لك الأمور} (التوبة، 48) فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها. الأمر الرابع: قوله تعالى: {أو يأخذهم على تخوّف} وفي تفسير التخوّف قولان؛ الأوّل: التخوّف تفعل من الخوف يقال: خفت الشيء وتخوّفته، والمعنى: أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أوّلاً بل يخيفهم أوّلاً ثم يعذبهم بعده، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك قرية فتخاف التي تليها فيأتيهم العذاب. والثاني: التخوّف بمعنى التنقص، أي: أنه تعالى ينقص شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوّفه إذا تنقصه. وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟ فسكتوا. فقال شيخ من هذيل: هذه لغتنا التخوّف التنقص. فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير: تخوّف، أي: تنقص ـ الرحل، أي: رحل ناقته ـ منها تامكاً، أي: سناماً ـ قردا،
أي: متراكماً أو مرتفعاً وهو بسكون الراء ـ كما تخوّف عود النبعة السفن والنبعة بالضم واحدة النبع وهو شجر يتخذ منه السفن والسفن بفتح السين والفاء ما ينحت به الشيء وهو فاعل تخوّف ومفعوله عود. فقال عمر: عليكم بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ومعنى البيت أنّ رحل ناقته ينقص سنامها المتراكم أو المرتفع كما ينقص السفن عود النبعة. {فإنّ ربكم} أي: المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد وقوله تعالى: {لرؤوف} قرأه أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة والباقون بالمدّ ومعناه بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة وكذا من قاطعه أتم مقاطعة وإليه أشار بقوله تعالى: {رحيم} أي: حيث لم يعاجلهم بالعذاب. ولما خوّف سبحانه وتعالى المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ليظهر لهم أنه مع كمال هذه القدرة الباهرة والقوّة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأجسام الأربعة بقوله تعالى: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} أي: من الأجرام التي لها ظل كشجر وجبل {تتفيؤ} أي: تتميل {ظلاله عن اليمين والشمائل} جمع شمال، أي: عن جانبي كل واحد منهما وشقيه. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب على نسق ما قبله والباقون بالياء على الغيبة إلى ما خلق استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له. وقال قتادة والضحاك: أمّا اليمين فأوّل النهار وأمّا الشمائل فآخره لأنّ الشمس وقت طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الظلال إلى الجانب الغربي فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقعت الظلال في الجانب الشرقي والظلال في أوّل النهار تبتدئ من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض. فإن قيل: ما السبب في ذكر اليمين بلفظ الواحد والشمائل بصيغة الجمع؟ أجيب: بأشياء الأوّل: أنه وحّد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر على الواحد كقوله تعالى: {ويولون الدبر} (القمر، 45) الثاني: قال الفرّاء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإذا جمع ذهب إلى كلها وذلك لأنّ قوله: {إلى ما خلق الله من شيء} لفظه واحد ومعناه الجمع على ما مرّ فيحتمل كلا الأمرين. الثالث: أنّ العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} (الأنعام، 1) . وقوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} (البقرة، 7) . تنبيه: الهمزة للاستفهام وهو استفهام إنكار، أي: قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيه ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه وما موصولة مبهمة بمعنى الذي ومن شيء بيان لها. فإن قيل: كيف بين الموصول وهو مبهم بشيء وهو مبهم بل أبهم مما قبله؟ أجيب: بأن شيئاً قد اتضح وظهر بوصفه بالجملة بعده وهو تتفيؤ ظلاله وقيل: الجملة بيان لما. وقوله تعالى: {سجداً لله} حال من الظلال جمع ساجد كشاهد وشهد، وراكع وركع. واختلف في المراد من السجود على قولين أحدهما: أنّ المراد منه
الاستسلام والانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال: اسجد للقرد في زمانه، أي: اخضع له وقال الشاعر: * ترى الأكم فيها سجداً للحوافر أي متواضعة. والثاني: أنّ هذه الظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد فلما كانت الظلال يشبه شكلها شكل الساجدين أطلق الله تعالى عليها هذا اللفظ وكان الحسن يقول: أما ظلك فيسجد لربك وأمّا أنت فلا تسجد لربك بئسما صنعت. وعن مجاهد ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء أكان ذلك الشيء ساجداً أم لا. قال الرازي: والأوّل أقرب إلى الحقائق العقلية والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة. وقوله تعالى: {وهم داخرون} أي: صاغرون حال أيضاً من الظلال فينتصب عنه حالان وقيل: حال من الضمير المستتر في سجداً فهي حال متداخلة. فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون؟ أجيب: أنه تعالى لما وصفها بالطاعة والدخور أشبهت العقلاء أو أن في جملة ذلك من يعقل فغلب. ولما حكم على الظلال بما يعم أصحابها من جماد وحيوان وكان الحيوان أشرف من الجماد رقي الحكم إليه بخصوصه، فقال: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض} وقوله تعالى: {من دابة} يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً على أنّ في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما تدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض ويراد بما في السموات الملائكة وكرّر ذكرهم بقوله تعالى: {والملائكة} خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهنّ وبقوله تعالى: {والملائكة} ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم. فإن قيل: سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ أجيب: بأنّ المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم وبسجود غيرهم انقياده لإرادة الله تعالى وأنه غير ممتنع عليه وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. فإن قيل: هلا جيء بمن دون ما تغليباً للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ أجيب: بأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولاً للعقلاء خاصة فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة للعموم. {وهم} أي: الملائكة {لا يستكبرون} عن عبادته ثم علل تخصيصهم بقوله تعالى دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء. {يخافون ربهم} أي: الموجد لهم المدبر لأمورهم المحسن إليهم خوفاً مبتدأ {من فوقهم} إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} (الأنعام، 18) . وقوله تعالى: {وإنا فوقهم قاهرون} (الأعراف، 127) والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون، أو بيان له أو تقرير لأنّ من خاف الله لا يستكبر عن عبادته. {ويفعلون ما يؤمرون} أي: من الطاعة والتدبير وفي ذلك دليل على أنّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين وأنهم بين الخوف والرجاء، كما مرّت الإشارة إليه وأنهم معصومون من الذنوب لأنّ قوله تعالى: {وهم لا يستكبرون} يدل
على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في أمر من الأمور كما قال تعالى: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء، 27) . ولما بيّن تعالى أنّ كل ما سوى الله تعالى سواء أكان من عالم الأرواح أم من عالم الأجساد فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه أتبعه بالنهي عن الشرك وبالأمر بأنّ كل ما سواه فهو ملكه وأنه غني عن الكل بقوله تعالى: {وقال الله} فعبّر لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص {لا تتخذوا} أي: لا تكلفوا فطرتكم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أنّ الإله واحد أن تأخذ في اعتقادها {إلهين اثنين} . فإن قيل: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة لأنّ المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. فأمّا رجل ورجلان وفرس وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله تعالى: {إلهين اثنين} ؟ أجيب: بأجوبة أوّلها: قال الرازي: وهو الأقرب عندي أنّ الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على ما فيه من القبح والقول بوجود إلهين مستقبح في العقول فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجود والقدم وصفات الكمال فالمقصود من تكرار اثنين تأكيد التنفير عنه وتوقيف العقل على ما فيه من القبح. الثاني: أنّ قوله تعالى: {إلهين} لفظ واحد يدل على أمرين ثبوت الإله وثبوت التعدّد فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإلهين أو عن اثبات التعدّد أو عن مجموعهما فلما قال: لا تتخذوا إلهين اثنين ظهر أنّ قوله لا تتخذوا نهي عن إثبات التعدّد فقط. الثالث: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين. الرابع: أنّ الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنيّ به منهما والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكده بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية، ثم علل تعالى ذلك النهي بما اقتضاه السياق من الوحدانية فقال جل ذكره: {إنما هو} أي: الإله المفهوم من لفظ إلهين الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازاً لأنه لا يطلق إطلاقاً حقيقياً إلا على من وجوده من ذاته.k {إله} أي: مستحق هذا الوصف على الإطلاق {واحد} لا يمكن أن يثنى بوجه ولا أن يجزأ بغاية وغير غاية لغناه المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه. ولما دلت الدلائل على أنه لا بدّ للعالم من إله وثبت أنّ القول بوجود إلهين محال، وثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الفرد الصمد، قال تعالى بعده: {فإياي فارهبون} أي: خافون دون غيري والرهبة مخافة مع حزن واضطراب وإنما نقل الكلام من الغيبة إلى خطاب الحضور وهو من طريقة الالتفات لأنه أبلغ في الترهيب من قوله فإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم. ولما ثبت بالدليل الصحيح والبرهان الواضح أنّ إله العالم لا شريك له في الإلهية وجب أن يكون جميع المخلوقات عبيده وفي ملكه وتصرفه وتحت قهره وذلك قوله تعالى: أي: الله وأعاد الضمير في قوله تعالى له
على الله الاسم الأعظم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى. {ما في السموات والأرض} أي: ما تعبدونه وغيره فكيف يتصوّر أن يكون شيء من ذلك إلهاً، وهو ملكه مع كونه محتاجاً إلى الزمان والمكان وغيرهما. {وله الدين} أي: الطاعة وقوله تعالى: {واصباً} أي: دائماً حال من الدين والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل. قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه وتعالى فإطاعته واجبة أبداً، ولأنه المنعم على عباده المالك لهم فكانت طاعته واجبة دائماً أبداً. وقوله تعالى: {أفغير الله} أي: الذي له العظمة كلها {تتقون} استفهام إنكار والمعنى: أنكم بعدما عرفتم أنّ إله العالم واحد وعرفتم أنّ كل ما سواه محتاج إليه في وقت دوامه وبقائه فبعد العلم بذلك كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة من غير الله تعالى ولما بيّن تعالى أنّ الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله بيّن أنه يجب عليه أن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى بقوله تعالى: {وما بكم من نعمة} أي: من نعمة الإسلام وصحة الأبدان وسعة في الأرزاق وكل ما أعطاكم من مال أو ولد أو جاه {فمن الله} هو المتفضل على عباده فيجب عليكم شكره على جميع إنعامه لأنّ الشكر إنما يجب على النعمة، فثبت بهذا أنّ العاقل يجب عليه أن لا يخاف، وأن لا يشكر إلا الله تعالى. تنبيه: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنّ الإيمان حصل بخلق الله فقالوا: الإيمان نعمة وكل نعمة فمن الله ينتج أنّ الإيمان من الله وأيضاً النعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعاً به وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان فثبت أنّ الإيمان نعمة والمسلمون مطبقون على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان والنعم إمّا دينية وإمّا دنيوية. أمّا النعم الدينية فهي إمّا معرفة الحق لذاته وإمّا معرفة الخير لأجل العمل به. والنعم الدنيوية إمّا نفسانية وإمّا بدنية وإمّا خارجية، وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر. كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم، 34) وقد مرّت الإشارة إلى ذلك عند ذكر هذه الآية. ولما كان إخلاصهم له مع ادعائهم ألوهية غيره أمراً مستبعداً عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى: {ثم إذا مسكم} أي: أصابكم أدنى مس {الضّرّ} بزوال نعمة مما أنعم به عليكم. وقال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة. {فإليه} أي: لا إلى غيره {تجأرون} أي: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة لما ركز في فطرتكم الأوّلية السليمة من أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. {ثم إذا كشف} سبحانه وتعالى {الضّرّ} أي: الذي مسكم {عنكم} ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران فقال: {إذا فريق} أي: جماعة هم أهل فرقة وضلال {منكم} أي: أيها العباد {بربهم} الذي تفرّد بالإنعام عليهم {يشركون} أي: يوقعون الإشراك بعبادة غيره. {ليكفروا بما آتيناهم} أي: من النعم. تنبيه: في هذه اللام وجهان: الأوّل: أنها لام كي فيكون المعنى على هذا أنهم إنما أشركوا بالله ليجحدوا نعمه عليهم في كشف الضر. الثاني: أنها لام العاقبة كما في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزناً} (القصص، 8) والمعنى عاقبة أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم من النعماء، وكشفنا عنهم الضر والبلاء. ثم إنه تعالى توعدهم بعد ذلك بقوله تعالى: {فتمتعوا} أي: باجتماعكم على عبادة الأصنام وهذا لفظه أمر والمراد منه التهديد كقوله تعالى:
{قل آمنوا به أو لا تؤمنوا} (الإسراء، 107) . وقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف، 29) . {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب. ولما بين تعالى بالدلائل القاهرة فساد قول أهل الشرك والتشبيه شرح تفاصيل أقوالهم، وبين فسادها بأنواع الأوّل قوله تعالى: {ويجعلون} أي: المشركون {لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم} من الحرث والأنعام بقولهم هذا لله وهذا لشركائنا. تنبيه: الضمير في قوله تعالى: {لما لا يعلمون} عائد على الأصنام، أي: أنّ الأصنام لا تعي شيئاً البتة لأنها جماد والجماد لا علم له. وقيل: عائد إلى المشركين، ومعنى لا يعلمونها أنهم يسمونها آلهة فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع لهم وليس الأمر كذلك. ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة بقوله تعالى: {تالله لتسألنّ} سؤال توبيخ وفيه التفات من الغيبة إلى الحضور وهو من بديع الكلام وبليغه. {عما كنتم تفترون} على الله من أنه أمركم بذلك. تنبيه: في وقت السؤال احتمالان الأوّل: أنه يقع عند القرب من الموت. الثاني: أنه يقع في الآخرة. قال الرازي: وهذا أولى. النوع الثاني قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات} ونظيره قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله. قال الرازي: أظنّ أنّ العرب إنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون، فأشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم البنات. قال ابن عادل: وهذا الذي ظنه ليس بشيء فإنّ الجنّ أيضاً مستترون عن العيون، ولم يطلقوا عليهم لفظ البنات. ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول، قال تعالى: {سبحانه} وفيه وجهان: الأوّل: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه الثاني: تعجيب الخلق من هذا الأمر والجهل الصريح وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى، قيل في التفسير: معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأوّل. ولما ذكر الله تعالى إلى ما جعلوا له مع الغنى المطلق بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم الحاجة والضعف بقوله تعالى: {ولهم ما يشتهون} من البنين وقد يكونون أعداء أعدائهم. ثم إنه تعالى ذكر أنّ الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فكيف يثبته لله تعالى؟ فقال: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} أي: أخبر بولادتها {ظل وجهه} أي: صار أو دام النهار كله {مسودًّا} من الكآبة والحياء من الناس واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتخجيل كما أنّ بياض الوجه وإشراقه كناية عن الفرح والسرور. {وهو كظيم} أي: مملوء غيظاً على المرأة ولا ذنب لها بوجه والبشارة في أصل اللغة الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور، ثم خص في عرف اللغة بالسرور ولا يكون إلا بالخبر الأوّل فالمراد بالبشارة هنا الإخبار كما مرّ. وقول الرازي: إنّ إطلاقه على الخير والشر داخل في التحقيق خلاف المشهور. {يتوارى} أي: يستحي {من القوم} أي: من الرجال الذين هو فيهم {من سوء ما بشر به} خوفاً من التعيير وذلك أنّ العرب كانوا في الجاهلية إذا قرب ولادة زوجة أحدهم توارى عن القوم إلى أن يعلم ما ولد له فإن ولد له ذكر ابتهج وسرّ بذلك وظهر، وإن كانت أنثى حزن ولم يظهر أياماً متردّداً ماذا يفعل بذلك الولد {أيمسكه} أي: يتركه بغير قتل {على هون} هوان وذل {أم يدسه في التراب} وذكر الضمير في يمسكه ويدسه نظراً للفظ الولد أو
لكون الأنثى ولداً كما علم مما مرّ. قال ابن ميلق: قال المفسرون: كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفرة وجلست على شفيرها فإن وضعت ذكراً أظهرته وظهر السرور على أهله، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمرها بإلقائها في الحفرة وردّت التراب عليها وهي حية لتموت انتهى. وعن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول الله، إني واريت ثمان بنات في الجاهلية. فقال له صلى الله عليه وسلم «أعتق عن كل واحدة منهنّ رقبة. فقال: يا نبيّ الله إني ذو إبل. قال: إهد عن كل واحدة منهن هدياً» . وروي أنّ رجلاً قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام مذ قد أسلمت، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها فلما انتهيت إلى واد فيه بئر بعيدة القعر ألقيتها فيها فقالت: يا أبت قتلتني، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. فقال صلى الله عليه وسلم «ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار» ، وكانوا في الجاهلية مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفرة ويدفنها فيها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية خوفاً من أن يطمع فيهنّ غير الأكفاء وتارة خوفاً من الفقر وكثرة العيال ولزوم النفقة. وكان الذي منهم يريد أن يحيي ابنته تركها حتى تكبر ثم يلبسها جبة من صوف أو شعر ويجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية. قال الله تعالى: {ألا ساء} أي: بئس {ما يحكمون} حكمهم هذا وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات فأوّلها: أنه يسود وجهه، وثانيها: أنه يختفي من القوم من شدّة نفرته عن البنت. وثالثها: أنّ الولد محبوب بحسب الطبيعة ثم إنه بسبب نفرته عنها يقدم على قتلها وذلك يدل على أنّ النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغاً لا يزاد عليه فكيف يليق بالعاقل أن يثبت ذلك لإله عالم مقدس عال عن مشابهة جميع المخلوقات، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى} (النجم: 21، 22) ثم قال تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة} وهم الكفار {مثل السوء} أي: الصفة السوء بمعنى القبيحة وهي قتلهم البنات مع احتياجهم إليهنّ للنكاح {ولله المثل الأعلى} أي: الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا هو، وأن له جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي وغير ذلك من الصفات التي وصف الله بها نفسه. وقال ابن عباس: مثل السوء النار والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله. فإن قيل: كيف جاء لله المثل الأعلى مع قوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} (النحل، 74) أجيب: بأنّ المثل الذي يضربه الله تعالى حق وصدق والذي يذكره غيره باطل. {وهو العزيز} الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له. {الحكيم} الذي لا يوقع شيئاً إلا في محله. ولما حكى الله تعالى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم بين أنه تعالى يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهاراً للفضل والرحمة والكرم بقوله تعالى: أي: بسبب كفرهم ومعاصيهم {ما ترك عليها} أي: على الأرض وإنما أضمر ذكرها من غير ذكر لدلالة الناس والدابة عليها. {من دابة} أي: أنّ الله تعالى لو آخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض. فإن قيل: اسم الناس جنس يشمل الكل
فيدخل في ذلك الأنبياء فيدل على عدم عصمتهم؟ أجيب: بأنّ ذلك عام مخصوص بقوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} (فاطر، 32) فالمذكور في هذه الآية، إما كل العصاة المستحقين العقاب أو الذين تقدّم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات، أو جميع الكفار بدليل قوله تعالى: {إنّ شرّ الدواب عند الله الذين كفروا} (الأنفال، 55) . وقال قتادة: قد فعل الله تعالى ذلك في زمن نوح عليه السلام فأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح عليه السلام. روي أنّ أبا هريرة رضي الله تعالى عنه سمع رجلاً يقول: إنّ الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال: بئسما قلت إنّ الحبارى تموت هزالاً من ظلم الظالم. وقال ابن مسعود: إنّ الجعل تعذب في حجرها بذنب ابن آدم، والجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة قاله الجوهريّ. وقيل في معنى الآية: ولو يؤاخذ الله الآباء الظالمين بسبب ظلمهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء ولم يبق في الأرض أحد. {ولكن يؤخرهم} أي: يمهلهم بفضله وكرمه وحلمه {إلى أجل مسمى} أي: إلى انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة} عنه {ولا يستقدمون} أي: لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله الله تعالى لهم ولا ينتقصون منه. تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط إحدى الهمزتين مع المدّ والقصر. وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية وإبدالها حرف مدّ والباقون بتحقيق الهمزتين. والنوع الثالث من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله تعالى عنهم قوله: {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم من البنات وأراذل الأحوال والشركاء في الرياسة. ثم وصف الله تعالى جراءتهم مع ذلك بقوله تعالى: {وتصف} أي: وتقول {ألسنتهم الكذب} أي: مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل، ثم بيّنه بقوله تعالى: {أنّ لهم الحسنى} أي: عنده، أي: الجنة كقوله تعالى: {ولئن رجعت إلى ربي إنّ لي عنده للحسنى} ولا جهل أعظم ولا أحكم سوءاً من أن تقطع بأنّ من تجعل له ما تكره أن يجعل لك ما تحب فكأنه قيل ما لهم عنده؟ فقيل: {لا جرم} أي لا ظن ولا تردّد في {أن لهم النار} أي: هي جزاء الظالمين وقيل لا جرم بمعنى حقاً. {وأنهم مفرطون} أي: متركون فيها أو مقدّمون إليها وقرأ نافع بكسر الراء، أي: متجاوزون الحد والباقون بالفتح. فإن قيل: إنهم لم يقرّوا بالبعث فكيف يقولون إن لنا الحسنى عند الله؟ أجيب: بأنهم قالوا إن كان محمد صادقاً في البعث بعد الموت فإن لنا الجنة، وقيل إنه كان في العرب جمع يقرّون بالبعث والقيامة وأنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون إنّ ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، ثم بين تعالى أنّ مثل هذا الصنيع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدّمين بقوله تعالى: {تالله} أي: الملك الأعلى {لقد أرسلنا} أي: بما لنا من القدرة رسلاً من الماضين {إلى أمم من قبلك} كما أرسلنا إلى هؤلاء {فزين لهم الشيطان} أي: المحترق بالغضب المطرود باللعنة {أعمالهم} الخبيثة من الكفر والتكذيب كما زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم، وهذا يجري مجرى التسلية للنبيّ
صلى الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم والمزين في الحقيقة هو الله تعالى هذا مذهب أهل السنة وإنما جعل الشيطان آلة بالإلقاء للوسوسة في قلوبهم وليس له قدرة على أن يضلّ أحداً أو يهدي أحداً وإنما له الوسوسة فقط فمن أراد الله تعالى شقاوته سلطه الله عليه حتى يقبل وسوسته {فهو وليهم اليوم} أي: في الدنيا وإنما عبر باليوم عن زمانها، أي: فهو وليهم حين كان يزين لهم أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية، أي: لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم. وقيل: الضمير لقريش، أي: زين الشيطان للكفرة المتقدّمين أعمالهم وهو وليّ هؤلاء القوم يغرّهم ويغريهم، وقيل: يجوز أن يقدّر مضاف، أي: فهو ولي أمثالهم والوليّ القرين والناصر فيكون نعتاً للناصر لهم على أبلغ الوجوه {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة. ثم ذكر تعالى أنه مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الحجة وأزاح العلة بقوله تعالى: {وما أنزلنا} أي: بما لنا من العظمة من جهة العلوّ. {عليك} يا أشرف المرسلين {الكتاب} أي: القرآن {إلا لتبين لهم} أي: للناس {الذي اختلفوا فيه} من أمر الدين مثل التوحيد والشرك وإثبات المعاد ونفيه فإنه كان فيهم من ينكر البعث ومنهم من يؤمن به ومنهم عبد المطلب ومثل تحريم الحلال كالبحيرة والسائبة وتحليلهم أشياء محرّمة كالميتة. فإن قيل: اللام في لتبين لهم تدل على أنّ أفعال الله تعالى معللة بالأغراض كقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس} (إبراهيم، 1) . وقوله: {وما خلقت الجنّ والأنس إلا ليعبدون} (الذاريات، 56) أجيب: بأنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل وقوله تعالى: {وهدى ورحمة} أي: وإكراماً بمحبة معطوفان على محل لتبين إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ودخلت اللام على لتبين لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل وإنما ينتصب مفعولاً له ما كان فعل فاعل الفعل المعلل، ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم نفاه بقوله تعالى: {لقوم يؤمنون} ونظيره قوله تعالى في أوّل البقرة: {هدى للمتقين} (البقرة، 2) . وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث أنهم قبلوه وانتفعوا به كما في قوله تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} (النازعات، 45) لأنه إنما انتفع بإنذراه هذا القوم فقط. ولما انقضى الدليل على أنّ قلوبهم منكرة استكباراً وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب في الإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوّات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار وكان أجلّ هذه المقاصد الإلهيات شرع في ذكر الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدّم ليعلم أنّ أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} (النحل، 19) . قوله جامعاً في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي. {والله} أي: الذي له الأمر كله {أنزل من السماء} في الوقت الذي يريده {ماء} بالمطر والثلج والبرد {فأحيا به} أي: بذلك الماء {الأرض} بأنواع النبات {بعد موتها} أي: يبسها {إنّ في ذلك} المذكور {لآية} أي: دلالة واضحة على كمال قدرته تعالى {لقوم يسمعون} أي: سماع تدبر وإنصاف ونظر لأنّ سماع القلوب هو النافع لاسماع الآذان فمن سمع آيات القرآن بقلبه وتدبرها وتفكر فيها
انتفع ومن لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع فلم ينتفع بالآيات ومن الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: {وإنّ لكم في الأنعام لعبرة} أي: اعتباراً إذا تفكرتم فيها وعرفتم كمال قدرتنا وقوله تعالى: {نسقيكم مما في بطونه} استئناف بيان للعبرة وإنما ذكر لفظ الضمير لأنه لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع كالرهط والقوم ولا من اللبس والدلالة على قوّة المعنى لكونها سورة النعم وأنثه في سورة المؤمنون للمعنى فإنّ الأنعام اسم جمع ولذلك عدّه سيبويه في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال كقولهم: ثوب أكياش بياء تحتية وشين معجمة ضرب من الثياب يغزل مرتين ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإنّ اللبن لبعضها دون جميعها. وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بفتح النون تقول: سقيته حتى روي. قال تعالى: {وسقاهم ربهم شراباً طهوراً} (الإنسان، 21) . والباقون بضمها من قولك: اسقاه إذا جعل له شراباً كقوله تعالى: {وأسقيناكم ماءً فراتاً} (المرسلات، 27) . ولما كان في موضع العبرة تخليص اللبن من غيره قدم قوله تعالى: {من بين فرث} وهو الثفل الذي نزل إلى الكرش فإذا خرج منه لم يسم فرثاً. {ودمٍ لبناً خالصاً} أي: صافياً خلقه الله وسطاً بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما بزرخ من قدرة الله لا يبغي عليه أحدهما بلون أو رائحة أو طعم.d روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا أكلت البهيمة العلف واستقرّ في كرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً والكبد متسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقتسمها فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث في الكرش فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل، وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم. {سائغاً للشاربين} أي: سهل المرور في الحلق. وقيل: لم يغص أحد باللبن قط. تنبيه: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأنّ هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيراً آخر بقلب ذلك الدم لبناً ثم دبر تدبيراً آخر فأحدث من ذلك اللبن السمن والجبن فهذا الاستقرار يدلّ على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أنّ البعث والقيامة أمرممكن غير ممتنع وفي حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقاً لتغذية الطفل مشتملة على حكمة عجيبة يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم المدبر وبيانه من وجوه: الأوّل أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء فإذا تناول الإنسان غذاء أو شراباً انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة، ويجذب ما صفي منه إلى الكبد ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم لأنه متى كانت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم من المعدة انفتح فحصول
الانطباق تارة والانفتاح تارة أخرى بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم. الثاني: عند تولد اللبن في الضرع يحدث الله تعالى في حلمة الثدي ثقباً صغيرة ومسامّ ضيقة وجعلها بحيث إذا اتصل المص والحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها ولما كانت تلك المسام ضيقة جدًّا كان لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة. وأمّا الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل فالحكمة في أحداث تلك الثقب الصغيرة والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أنها تكون كالمصفاة فكل ما كان لطيفاً خرج وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل ولم يخرج فبهذا الطريق يصيراللبن خالصاً موافقاً لبدن الطفل سائغاً للشاربين. الثالث: أنه تعالى ألهم ذلك الطفل إلى المص فإنّ الأمّ كلما ألقت حلمة الثدي في فم الطفل فذلك الطفل في الحال يأخذ في المص، ولولا أنّ الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي. وقوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب} متعلق بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرهما وحذف لدلالة نسقيكم عليه، وقوله تعالى: {تتخذون منه سكراً} بيان وكشف عن كنه الإسقاء. قال الواحدي: الأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب والعنب نفسه ثمرة وليس له ثمرة أخرى {ورزقاً حسناً} كالتمر والزبيب والدبس والخل. تنبيه: في تفسير السكر وجوه: الأوّل: هو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو: رشد رشداً ورشداً. فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله تعالى في معرض الأنعام؟ أجيب: عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنّ هذه السورة مكية وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكأنّ نزول هذه الآية كان في الوقت الذي كانت الخمرة فيه غير محرمة وممن قال بنسخها النخعي والشعبي. الثاني: أنّ الآية جامعة بين العتاب والمنة فالعتاب بالنسبة إلى السكر والمنة بالنسبة إلى رزقاً حسناً. الوجه الثاني: أنّ السكر هو النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر فإذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد فهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلى حد السكر، ويحتج بهذه الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم «الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر وكل من أثبت هذه المغايرة قال: إنه النبيذ المطبوخ. الوجه الثالث: أنّ السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة واحتج عليه بقول الشاعر: * جعلت إعراض الكرام سكراً أي تنقلب بإعراضهم بأن جعلتها نقلاً وتناولتها والنقل ما ينتقل به على الشراب. قال البغوي: وأولى الأقاويل أن قوله تعالى: {تتخذون منه سكراً} منسوخ انتهى. ويدل له قول الحسن: ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرّمها عليهم. وروي عن ابن عباس قال: السكر ما حرم من ثمرها، والرزق الحسن ما أحل من ثمرها. وروي عنه أيضاً السكر الحرام منه والرزق زبيبه وعنبه ومنافعه. ثم قال تعالى: {إنّ في ذلك} المذكور {لآية} أي: دلالة على قدرته تعالى: {لقوم يعقلون} أي: يستعملون عقولهم بالنظر والتأمّل في الآيات فيعلمون أنّ هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر
الحكيم. ولما بيّن أنّ إخراج الألبان وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دليل قاطع وبرهان ساطع على أنّ لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً حكيماً. ذكر أنّ إخراج العسل الذي جعله الله تعالى شفاء للناس من دابة ضعيفة وهي النحل دليل قاطع. وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود بقوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} وحي إلهام. قال الضحاك: ألهمها ولم يرسل إليها رسولاً والمراد من الإلهام أنه تعالى قدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر وبيانه من وجوه: الأوّل: ما ذكر الله بقول تعالى: {أن اتخذي} أي: بأن اتخذي ويجوز أن تكون مفسرة لأنّ في الإيحاء معنى القول: {من الجبال بيوتاً} تأوين إليها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتاً تشبيهاً ببيت الإنسان، فتبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرّد طبعها والعقلاء من البشر لا يمكنهم، مثل تلك البيوت إلا بآلات وأنظار دقيقة. الثاني: أنه ثبت في الهندسة أنّ تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدّسات كأن كانت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال فإنه تبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة فاهتداء هذا الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب. الثالث: أنّ النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي ويكون نافذ الحكم على تلك البقية وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه وذلك أيضاً من الأعاجيب. الرابع: أنها إذا انفردت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات الموسيقى فبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها، وهذه أيضاً حالة عجيبة فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة كان ليس إلا على سبيل الإلهام وهو حالة شبيهة بالوحي، والوحي قد ورد في حق الأنبياء كقوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب} (الشورى 51) وفي حق الأولياء قال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} (المائدة، 111) وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى: {وأوحينا إلى أمّ موسى} . (القصص، 7) وفي حق سائر الحيوانات خاص. قال الزجاج: يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلاً لأنّ الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها. وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله تعالى وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. {و} اتخذي {من الشجر} أي: الصالحة بيوتاً {و} اتخذي {مما يعرشون} أي: الناس فيبنون تلك الأماكن وذلك أنّ النحل منه وحشي وهو الذي يسكن الجبال والشجر والكهوف، ومنه أهليّ وهو الذي يأوي إلى البيوت وتربيه الناس عندهم وقد جرت العادة أنّ الناس يبنون للنحل الأماكن حتى يأوي إليها وذكر ذلك بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش من الكرم أو سقف ولا في كل مكان منها. وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الراء والباقون بكسرها. تنبيه: ظاهر قوله تعالى: {اتخذي} أمر، وقد اختلفوا فيه فمن الناس من يقول: لا بُعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ولا بدع أن يتوجه عليها من الله أمر ونهي. وقال آخرون: بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها
غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في سورة النمل، عند قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} . (النمل، 18) ولما كان أهم شيء للحيوانات بعد الراحة من همّ المقيل أكل شيء، ثنى به فقال: {ثم كلي من كل الثمرات} أي: من كل ثمرة يشتهيها مرّها وحلوها، وذكر ذلك بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها. تنبيه: لفظ من هذا للتبعيض أو لابتداء الغاية. ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة أنّ تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه نبه على خرقه العادة في تيسيره لها بقوله تعالى: {فاسلكي سبل ربك} أي: الطرق التي ألهمك الله تعالى أن تسلكيها وتدخلي فيها لأجل طلب الثمار وقوله تعالى: {ذللاً} جمع ذلول حال من السبل، أي: مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا تضلي عن العود وإن بعدت. وقيل: من الضمير في اسلكي، أي: منقادة لأربابها حتى أنهم ينقلونها من مكان إلى مكان آخر حيث شاؤوا وأرادوا لا تستعصي عليهم. وقوله تعالى: {يخرج من بطونها} فيه عدول عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل الإنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم {شراب} أي: عسل {مختلف ألوانه} ما بين أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار ويستحيل في بطونها عسلاً بقدرة الله تعالى، ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب. وقال الرازي: إنه رأى في بعض كتب الطب أنّ العسل طل من السماء ينزل كالترنجبين فيقع على الأزهار وأوراق الشجر فتجمعه النحل فتأكل بعضه وتدّخر بعضه في بيوتها لأنفسها لتتغذى به فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذلك هو العسل وقال هذا القول أقرب إلى العقل لأنّ طبيعة الترنجبين تقرب من طبيعة العسل وأيضاً إنا نشاهد أنّ النحل يتغذى بالعسل وأجاب، عن قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب} إنّ كل تجويف داخل البدن يسمى بطناًفقوله: {يخرج من بطونها} أي: من أفواهها انتهى. والأوّل كما قال ابن الخازن وغيره أظهر لأنا نشاهد أنّ العسل يوجد فيه طعم تلك الأزهار التي يأكلها النحل وكذا توجد لذتها وريحها وطعمها فيه أيضاً، ويعضد هذا قول بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم له: «أكلت مغافير؟ قال: لا، قالت: ما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. قالت: جرست نحله العرفط» . والعرفط شجر الطلع له صبغ يقال له: المغافير كريه الرائحة، فمعنى جرست نحله العرفط أكلت ورعت من العرفط الذي له الرائحة الكريهة، فثبت بهذا أنه يوجد في طعم العسل ولونه وريحه طعم ما يأكله النحل ولونه وريحه لا ما قاله الأطباء من أنه طل لأنه لو كان طلاً لكان على لون واحد وقوله: كل تجويف في داخل البدن يسمى بطناً خلاف الظاهر لأنّ لفظ البطن إذا أطلق لم يرد به إلا العضو المعروف بطن الإنسان وغيره. {فيه} أي: الشراب الذي يخرج من بطون النحل {شفاء للناس} من الأوجاع كما قال ابن عباس وابن مسعود، إمّا لبعضها كما دلّ عليه تنكير شفاء، وإمّا لكلها بضميمته إلى غيره إذ قل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل أو بدونه بنيته وبهذا سقط ما قيل إنه يضرّ بأصحاب الصفراء ويهيج الحرارة، ويضرّ بالشباب
المحرورين ويعطش. قال ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور. وفي رواية عنه: عليكم بالشفاءين القرآن والعسل. وروى نافع أنّ ابن عمر ما كانت قرحة ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل. ويقرأ {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ أخي يشتكي بطنه. فقال صلى الله عليه وسلم اسقه العسل فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع؟ فقال: اذهب فاسقه العسل فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه، فشفاه الله، فبرأ، فكأنما نشط من عقال» فقوله صلى الله عليه وسلم «صدق الله وكذب بطن أخيك» يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي الإلهي، أنّ العسل الذي أمره بشربه سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال قال: صدق الله يعني فيما وعده من أنّ فيه شفاء للناس، وكذب بطن أخيك، يعني باستعجالكم للشفاء في أوّل مرّة. وقال مجاهد: الضمير في {فيه شفاء للناس} راجع للقرآن، لأنّ فيه شفاء من أمراض الشرك، والجهالة والضلالة. وهو هدى ورحمة للناس وعلى هذا تمت قصة تولد العسل من النحل عند قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} ثم ابتدأ وقال: {فيه شفاء للناس} أي: في هذا القرآن. قال الرازي: وهذا قول ضعيف، ويدل عليه وجهان: الأوّل أنّ الضمير في قوله تعالى: {فيه شفاء للناس} يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله تعالى: {شراب مختلف ألوانه} . وأمّا الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق فهو غير مناسب. والثاني: حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله تعالى: {إنّ في ذلك} أي: المذكور {لآية لقوم يتفكرون} أي: في اختصاص النحل بتلك الطعوم الرقيقة واللطائف الخفية مثل بناء البيوت المسدسة وغير ذلك فيعتبرون ويستدلون بما ذكرنا على وحدانيتنا وقدرتنا وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوّعها تارة بالعقل وتارة بالفكر وتارة بالذكر وتارة بغيرها. ثم إنه تعالى لما أيقظهم من رقدتهم ونبههم على عظيم غفلتهم ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك فقال: {والله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {خلقكم} أي: أوجدكم من العدم وأخرجكم إلى الوجود ولم تكونوا شيئاً. {ثم يتوفاكم} أي: عند انقضاء آجالكم على اختلاف الإنسان فلا يقدر الصغير أن يؤخر ولا الكبير على أن يقدّم فمنكم من يموت على حال قوّته. {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي: أخسه من الهرم والخرف. قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب سنّ الطفولية والنمو وهو أوّل العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سنّ الشباب، وبلوغ الأشدّ ثم المرتبة الثانية سنّ الوقوف وهو من ثلاثة وثلاثين سنة إلى أربعين سنة وهو غاية القوّة وكمال العقل والمرتبة الثالثة سنّ الكهولة وهو من الأربعين إلى الستين وهذه المرتبة يشرع فيها الإنسان في النقص لكنه يكون نقصاً خفياً لا يظهر، ثم المرتبة الرابعة سنّ الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر خمسة وستون سنة يتبين النقص ويكون الهرم والخرف. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أرذل العمر خمسة وسبعون سنة وقيل ثمانون سنة. وقال قتادة: تسعون سنة. وعن أنس رضي الله
تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من العجز والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات» . وفي رواية عنه كان يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات» . {لكيلا يعلم بعد علم شيئاً} أي: ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان القوّة والعقل وسوء الفهم. تنبيه: هل ذلك عام في المسلم والكافر أو مختص بالكافر فيه قولان: أحدهما: أنه عامّ، والقول الثاني: أنه مختص إذ المسلم لا يزداد بطول العمر إلا كرامة على الله تعالى، ولا يقال في حقه: إنه ردّ إلى أرذل العمر. قال الرازي: والدليل عليه قوله تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (التين: 5، 6) فبين أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردّوا إلى أسفل السافلين. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر إلى هذه الحالة. وقال في قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} : هم الذين قرؤوا القرآن. وقال ابن عباس: قوله: {ثم رددناه أسفل سافلين} يريد الكافرين ثم استثنى المؤمنين فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وهذا يؤيد ما مرّ. {إن الله عليم} بمقادير أعمارهم {قدير} يميت الشاب النشيط، ويبقي الهرم الفاني، وفي ذلك تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم وعدّل أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان مقتضى الطباع كما يقول الطبائعيون لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ. ولما ذكر تعالى المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت أتبعها بالمفاوتة في الأرزاق فقال: {والله} أي: الذي له الأمر كله {فضل بعضكم} أيها الناس {على بعض في الرزق} فمنكم غني، ومنكم فقير، ومنكم مالك، ومنكم مملوك، كل ذلك بتقدير العزيز الحكيم، فيجعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم فنرى أكيس الناس وأكثرهم عقلاً يفني عمره في طلب القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك، ونرى أجلف الخلق وأقلهم عقلاً وفهماً تفتح له أبواب الدنيا فكل شيء خطر بباله، أو دار في خياله، فإنه يحصل له بسهولة ولو كان السبب في ذلك هو جهل الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال فلما رأينا أنّ الأعقل أقل نصيباً وأنّ الأجهل الأخس أوفر نصيباً علمنا أنّ ذلك بسبب قسمة القسام كما قال تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} (الزخرف، 32) فاتقوا الله وأجملوا في طلب الرزق وأقبلوا في جمع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار وأنشد سفيان بن عيينة يقول: *كم من قويّ قويّ في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف *ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف وحكي أنّ سليمان المهلبي أرسل إلى الخليل بن أحمد بمئة ألف درهم فردّها الخليل وكتب إليه هذه الأبيات: *أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال *شحي بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت جوعاً ولا يبقى على حال
*فالعجز عن قدرها العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال *والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال وقال الشافعي رحمه الله تعالى: *ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق تنبيه: هذا التفاوت ليس مختصاً بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة، والحسن والقبح، والعقل والحمق، والصحة والسقم، والاسم الحسن والاسم القبيح، وهذا بحر لا ساحل له. قال الرازي: وقد كنت مصاحباً لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه، فكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه الكثيرة العطرة عنده، وما كان يمكنه أن يتناول شيئاً منها وكان من الفقراء من هو صحيح المزاج وقوي البنية كامل القوّة وما كان يجد ملء بطنه طعاماً فذلك الملك وإن كان يفضل هذا الفقير في المال إلا أنّ هذا الفقير كان يفضل ذلك الملك في الصحة والقوّة وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه فيه، فنسأل الله تعالى أن يغنينا من فضله وأن يرضينا بما قسم لنا إنه كريم جواد. ثم ضرب الله تعالى مثلاً للذين جعلوا لله شركاء بقوله تعالى: {فما الذين فضلوا} أي: في الرزق وهم الموالي {برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} أي: بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها بينهم وبين مماليكهم {فهم} أي: المماليك والموالي {فيه سواء} أي: شركاء يقول الله تعالى هم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء فكيف يجعلون بعض عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني، وقيل: معنى الآية أنّ الموالي والمماليك الله رازقهم جميعاً فهم في رزقه سواء فلا تحسبن الموالي يردّون أرزاقهم على مماليكهم من عند أنفسهم بل ذلك رزق الله أجراه على أيدي الموالي للماليك. والمقصود منه بيان أنّ الرازق هو الله تعالى لجميع خلقه وأنّ الموالي والمماليك في ذلك الرزق سواء وأنّ المالك لا يرزق المملوك وإنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم فالرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى. ولما قرّر سبحانه وتعالى هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق فعند هذا قال: {أفبنعمة الله} في تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه البينات {يجحدون} أن يكفرون وفي ذلك إنكار على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره وجعلوا له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم فيسوّون بينهم وبينه في ذلك. وقرأ شعبة بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة ثم إنه تعالى ذكر نوعاً آخر من أحوال الناس ليستدلّ به على وجود الإله المختار الحكيم وتنبيهاً على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم بقوله تعالى: {والله} أي: الذي له تمام القدرة وكمال العلم {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} أي: من جنسكم لتستأنسوا بها ولتكون أولادكم منكم فخلق حوّاء من ضلع آدم وسائر الناس من نطف الرجال والنساء فهو خطاب عام فتخصيصه بآدم وحوّاء فقط خلاف الدليل، والمعنى أنه تعالى خلق النساء لتتزوّج بهنّ الذكور ومعنى من أنفسكم كقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} (البقرة، 54) {فسلموا على
أنفسكم} (النور، 61) أي: بعضكم بعضاً ونظيره قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً} (الروم، 21) . {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} والحفدة جمع حافد وهو المسرع بالخدمةالمسارع إلى الطاعة ومنه قول القانت: وإليك نسعى ونحفد، أي: نسرع إلى طاعتك هذا أصله في اللغة. واختلف فيه أقوال المفسرين فقال ابن مسعود والنخعي: الحفدة أختان الرجل على بناته. وعن ابن مسعود أنهم أصهاره فهو بمعنى الأوّل وعلى هذا يكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوّجونهنّ فيحصل لكم بسببهنّ الأختان والأصهار. وقال الحسن وعكرمة والضحاك: هم الخدم. وقال مجاهد: هم الأعوان وكل من أعانك فهو حفيدك. وقال عطاء: هم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه. وقال الكلبي ومقاتل: البنون هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذين يعينون الرجل الذين ليسوا منه، أي: أولاد المرأة من الزوج الأوّل. قال الرازي: والأولى دخول الكل فيه لأنّ اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالحفدة البنون أنفسهم كأنه قيل: جعل لكم منهنّ أولاداً هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين انتهى. ومع هذا فالمشهور أنّ الحافد ولد الولد من الذكور والإناث. فائدة: قال الأطباء وأهل الطبيعة: المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة، وإذا انصب من الخصية اليسرى ثم انصب إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد أنثى تاماً في الأنوثة، وإذا انصب إلى الخصية اليمنى وانصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإذا انصب إلى الخصية اليسرى ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور. وحاصل كلامهم أنّ الذكور الغالب عليهم الحرارة واليبوسة والغالب على الإناث البرودة والرطوبة، وهذه العلة ضعيفة فإنّ في النساء من مزاجها في غاية السخونة وفي الرجال من مزاجه في غاية البرودة فخالق الذكر والأنثى هو الإله القادر الحكيم. ولما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما بينه فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة فقال: {ورزقكم من الطيبات} سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو كانت من الحيوان والمراد بالطيب المستلذ أو الحلال ومن في من الطيبات للتبعيض لأنّ كل الطيبات في الجنة وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها واختلف في تفسير قوله تعالى: {أفباطل يؤمنون} فقال ابن عباس: يعني بالأصنام. وقال مقاتل: يعني بالشيطان، وقال عطاء: يصدّقون أنّ لي شريكاً وصاحبة وولداً. {وبنعمت الله هم يكفرون} أي: بأن يضيفوها إلى غير الله تعالى، ويتركون إضافتها إلى الله تعالى. وقيل: الباطل ما سوّل لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم من هذه الطيبات وتحريم الخبائث. فائدة: رسمت نعمت هنا بالتاء ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقرأ بالإمالة. ولما شرح الله تعالى الدلائل على صحة التوحيد وأتبعها بذكر أقسام النعم العظيمة أتبعها بالرد على عبدة الأصنام فقال: {ويعبدون من دون الله} أي: غيره {ما لا يملك لهم رزقاً}
أي: تاركين عبادة من بيده جميع الأرزاق وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات ويعبدون غيره، ثم بين تعالى جهة الرزق بقوله تعالى: {من السموات والأرض} أمّا الرزق الذي يأتي من جانب السماء فالمطر، وأمّا الذي من جانب الأرض فالنبات والثمار التي تخرج منها، وقوله تعالى: {شيئاً} فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه منصوب على المصدر، أي: لا يملك لهم ملكاً، أي: شيئاً من الملك. والثاني: أنه بدل من رزقاً، أي: لا يملك لهم شيئاً. قال ابن عادل: وهذا غير مفيد إذ من المعلوم أنّ الرزق شيء من الأشياء ويؤيد ذلك أنّ البدل لا يأتي إلا لأحد معنيين البيان أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيان لأنه أعمّ ولا تأكيد. الثالث: أنه منصوب على أنه اسم مصدر واسم المصدر يعمل عمل المصدر على خلاف في ذلك. ولما كان من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق نفى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى: {ولا يستطيعون} أي: وليس لهم نوع استطاعة أصلاً. فإن قيل: إنه تعالى قال: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك} فعبر عن الأصنام بصيغة ما وهي لغير العاقل ثم جمع بالواو والنون. وقال: {ولا يستطيعون} وهو مختص بمن يعقل؟ أجيب: بأنه عبر عنها ثانياً اعتباراً باعتقادهم أنها آلهة. وفي تفسير قوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} وجهان: الأوّل: قال أكثر المفسرين: ولا تشبهوا الله بخلقه فإنه واحد لا مثل له ولا شبيه ولا شريك من خلقه لأنّ الخلق كلهم عبيده وفي ملكه، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق، والرازق بالمرزوق، والقادر بالعاجز. الثاني: أنّ عبدة الأوثان كانوا يقولون أنّ إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا، بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هؤلاء الأصنام، ثم إنّ الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حفدة الملك، وأولئك الأكابر كانوا يخدمون الملك فكذا ههنا. {إنّ الله} أي: الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره {يعلم} أي: خطأ ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له. {وأنتم لا تعلمون} ذلك وقيل معناه: وأنتم لا تعلمون ما عليكم من العقاب العظيم بسبب عبادة هذه الأصنام ولو علمتموه لتركتم عبادتها. ولما ختم تعالى إبطال مذهب عبدة الأصنام بسبب العلم الذي هو مناط السداد عنهم، أكد ذلك بضرب مثل بقوله تعالى: {ضرب الله} أي: الذي له كمال العلم وتمام القدرة. {مثلاً} بالأحرار والعبيد ثم أبدل من مثلاً {عبداً} وقيده بقوله تعالى: {مملوكاً} ليخرج الحرّ. لأنّ العبد يطلق على الحرّ بالنسبة إلى الله تعالى وقيده بقوله تعالى: {لا يقدر على شيء} ليخرج المكاتب ومن فيه شائبة حرّية وهذا مثل شركائهم ثم عطف على عبداً قوله: {ومن} أي: وحرًّا فهي نكرة موصوفة ليطابق عبداً {رزقناه منا رزقاً حسناً} أي: واسعاً طيباً {فهو ينفق منه} دائماً وهو معنى قوله تعالى: {سراً وجهراً} أي: يتصرف فيه كيف يشاء وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى: {هل يستوون} أي: هذان الفريقان الممثل بهما لأن المراد الجنس فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوّى بين مخلوقين أحدهما حرّ مقتدر والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوّى بين حجر من صوّان أو غيره وبين الله تعالى الذي له القدرة التامّة على كل شيء، وقيل: ذلك تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق.
تنبيه: جواب هل يستوون هو لا يستوون. وقوله تعالى: {الحمد لله} قال ابن عباس: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد، وقيل المعنى: أن كل الحمد لله، وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد لأنها جماد عاجز، أي: إنما الحمد لله لا لغيره فيجب على جميع العباد حمد الله لأنه تعالى أهل المحامد والثناء الحسن، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك فقيل: {بل أكثرهم} أي: الكفار {لا يعلمون} لكونهم يسوّونه غيره ومن نفى عنه أصل العلم الذي هو أعلى صفات الكمال. كان في عداد الأنعام فهم لذلك يشبهون به ما ذكر ويضربون له الأمثال الباطلة ويضيفون نعمه إلى غيره. ثم إنه تعالى ضرب لعبدة الأوثان مثلاً آخر بقوله تعالى: {وضرب الله مثلاً} ثم أبدل منه {رجلين} ثم استأنف البيان لما أجمل فقال {أحدهما أبكم} وهو الذي ولد أخرس فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأبكم الذي لا يسمع ولايبصر وصف الله تعالى هذا الرجل بصفة ثانية بقوله تعالى: {لايقدر على شيء} لأنه لايفهم ولاَيُفهم وفي ذلك إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل ثم وصفه الله تعالى بصفة ثالثة بقوله تعالى: {وهو} أي: ذلك الأبكم العاجز {كلّ على مولاه} أي: ثقيل على من ولي أمره ويعوله، قال أهل المعاني: أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة يقال: كلّ السكين إذا غلظت شفرته فلم تقطع وكلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينهض فيه ثم وصفه تعالى بصفة رابعة بقوله: {أينما يوجهه} أي: يرسله ويصرفه ذلك المولى {لا يأت بخير} لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم، قيل: هذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم ووبخهم الله تعالى بقوله: {هل يستوي هو} أي: هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع {ومن} أي: ورجل آخر على ضد صفته فهو ناطق قادر عالم فطن قوي خبير مبارك ميمون {يأمر} أي: ورجل آخر بماله من العلم والقدرة {بالعدل} أي: يبذل النصيحة لغيره {وهو} في نفسه ظاهراً وباطناً {على صراط} أي: طريق واضح {مستقيم} أي: عامل فيه بما يأمر به، قيل: هذا مثال المعبود بالحق الذي يكفي عابديه جميع المؤن وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته، وقيل: المراد من هذا الأبكم عبد لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان ذلك العبد يكره الإسلام وما كان فيه خير ومولاه وهو عثمان يأمر بالعدل وكان على الدين القويم والصراط المستقيم، وقيل: المراد كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة وهذا القول كما قال الرازي أولى من الأول لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن وكذلك بالبكم وبالكلّ وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى وأيضاً المقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى، وأمّا القول الثاني فضعيف أيضاً لأنّ المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة وذلك غير مختص بشخص معين بل إذا حصل التفاوت في الصفات المذكورة فإنه يحصل المقصود. ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بكمال العلم بقوله تعالى: {ولله} أي: لا لغيره {غيب السموات
والأرض} وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوساً ولم يدل عليه محسوس، وقيل: الغيب هنا هو قيام الساعة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض ثم وصف سبحانه وتعالى كمال قدرته بقوله تعالى: {وما أمر الساعة} وهو الوقت الذي يكون فيه البعث {إلا كلمح البصر} أي: إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، والمعنى: وما أمر قيام الساعة في السرعة والسهولة إلا كطرف العين والمراد منه تقدير كمال القدرة ومعنى قوله تعالى: {أو هو أقرب} إنّ لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ولا شك أنّ الحدقة مؤلفة من أجزاء فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف الحدقة ولاشك أن تلك الأجزاء كثيرة والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلذلك قال أو هو أقرب إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره، ثم قال: {أو هو أقرب} تنبيهاً على ما مرّ ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك فالمراد إذاً بل هو أقرب، وقال الزجاج: المراد به الإبهام على المخاطبين لا أنه تعالى يأتي بالساعة إمّا بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع، وقيل معناه: إنّ قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة كقوله تعالى: {وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الرحمن، 47) . {إنّ الله} أي: الملك الأعظم {على كل شيء قدير} فيقدر على أن يحي الخلائق دفعة واحدة كما قدر على إحيائهم، فإنه تعالى مهما أراده كان في أسرع ما يكون ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار فعطف على قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} قوله عز وجل: {والله} أي: الذي له العظمة كلها {أخرجكم} بقدرته وعلمه {من بطون أمّهاتكم} حال كونكم عند الإخراج {لا تعلمون شيئاً} من الأشياء قلّ أو جلّ فالذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطون الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة والباقون بضمها، وقرأ حمزة بكسر الميم والباقون بفتحها ثم عطف على أخرجكم قوله تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه وفتق مواضعها وسوّاها وعدلها، وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يد ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة فالذي قدر على ذلك في البطن إبداعاً قادر على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى. قال البقاعيّ: ولعله تعالى جمعهما، أي: الأبصار والأفئدة دون السمع لأنّ التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله، والأفئدة هي القلوب التي هيأها الله تعالى للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة للمعاني الدقيقة {لعلكم تشكرون} لتصيروا بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة فإنه إنما أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم. فإن قيل: عطف وجعل لكم السمع على أخرجكم يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرين عن الإخراج من البطون مع أنّ
الأمر ليس كذلك؟ أجيب: بأنّ حرف الواو لا يوجب الترتيب وأيضاً إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال ثم إنه تعالى ذكر دليلاً آخر على كمال قدررته وحكمته بقوله تعالى: {ألم يروا إلى الطير مسخرات} أي: مذللات للطيران {في جوّ السماء} أي: في الهواء بين الخافقين مما لا يقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول فعلم قطعاً أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران فيها وإلا لما أمكن ذلك لأنه تعالى أعطى الطير جناحاً يبسطه مرة ويكسره مرّة أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء، وخلق الجوّ خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً ومع ذلك {ما يمسكهنّ} في الجوّ عن الوقوع {إلا الله} أي: الملك الأعظم فإنّ جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجوّ معلقاً من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوّ هو الله تعالى. وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه خطاب العامّة والباقون بالياء على الغيبة {إنّ في ذلك} المذكور {لآيات} أي: دلالات {لقوم يؤمنون} وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء. ثم ذكر تعالى نوعاً آخر من دلائل التوحيد بقوله تعالى: {والله} أي: الذي له الحكمة البالغة. {جعل لكم من بيوتكم} وأصل البيت المأوى ليلاً ثم اتسع فيه {سكناً} أي: موضعاً لتسكنوا فيه. تنبيه: البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين: أحدهما: البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن تسقيف البيوت، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقلها، بل الإنسان ينتقل إليها. والقسم الثاني: القباب والخيام والفساطيط، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} المتخذة من الأدم ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث أنها ثابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها {تستخفونها} أي: تتخذونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها. {يوم ظعنكم} أي: وقت ترحالكم وعبر باليوم لأنّ الترحال في النهار {ويوم إقامتكم} أي: وقت الحضر أو وقت النزول وهذا القسم من البيوت يمكن نقلها وتحويلها من مكان إلى مكان. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح العين والباقون بالسكون، وأضاف قوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} إلى ضمير الأنعام لأنها من جملتها. قال المفسرون وأهل اللغة: الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز. {أثاثاً} أي: ما يلبس ويفرش {ومتاعاً} أي: ما يتجر به، وقيل: الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به واختلف في معنى قوله تعالى: {إلى حين} فقيل: إلى حين تبلى، وقيل: إلى حين الموت، وقيل: إلى حين بعد حين، وقيل: إلى يوم القيامة. تنبيه: في نصب أثاثاً وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفاً على بيوتاً، أي: وجعل لكم من أصوافها أثاثاً. والثاني: أنه منصوب على الحال، واعلم أنّ الإنسان إمّا أن يكون مقيماً أو مسافراً والمسافر إمّا أن يكون غنياً يستصحب معه الخيام أولا فالقسم الأوّل أشار إليه بقوله تعالى: {جعل لكم من بيوتكم سكناً}
وأشار إلى القسم الثاني بقوله تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى: {والله} أي: الذي له الجلال والإكرام {جعل لكم} أي: من غير حاجة منه تعالى {مما خلق} من شجر وجبال وأبنية وغيرها. وقوله تعالى: {ظلالاً} جمع ظل تتقون به شدّة الحرّ. وقوله تعالى: {وجعل لكم} مع غناه المطلق {من الجبال أكناناً} جمع كنّ موضع تسكنون فيه من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها {وجعل لكم} أي: امتناناً منه عليكم {سرابيل} جمع سربال. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره، أي: وسواء كان من صوف أو كتان أو قطن أو غير ذلك {تقيكم الحرّ} ولم يقل تعالى والبرد لتقدّمه في قوله تعالى: {فيها دفء} (النحل، 5) . وقيل: إنه اكتفى بأحد المتقابلين. وقيل: كان المخاطبون بهذا الكلام العرب وبلادهم حارّة فكان حاجتهم إلى ما يدفع الحرّ فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} وسائر أنواع الثياب أشرف إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان الفهم بها أشدّ واعتيادهم للبسها أكثر، ولما كانت السرابيل نوعاً واحداً لم يكرّر لفظ جعل فقال: {وسرابيل} أي: دروعاً من حديد وغيرها {تقيكم بأسكم} أي: حربكم، أي: في الطعن والضرب فيها. ولما عدّد الله تعالى أنواع نعمه قال: {كذلك} أي: كإتمام هذه النعمة المتقدّمة {يتمّ نعمته عليكم} في الدنيا والدين بالبيان والهداية لطريق النجاة والمنافع والتنبيه على دقائق ذلك {لعلكم} يا أهل مكة {تسلمون} أي: تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الأنعامات أحد سواه، وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع. {فإن تولوا} فلم يقبلوا منك وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر {فإنما عليك} يا أفضل الخلق {البلاغ المبين} هذا جواب الشرط وفي الحقيقة جواب الشرط محذوف، أي: فقد تمهد عذرك بعد ما أدّيت ما وجب عليك من التبليغ فذكر سبب العذر وهو البلاع ليدل على المسبب وذلك لأنّ تبلغيه سبب في عذره فأقيم السبب مقام المسبب وهذا قبل الأمر بالقتال، ثم إنه تعالى ذمّهم بأنهم {يعرفون نعمة الله} أي: الملك الأعظم التي تقدّم عدّ بعضها في هذه السورة وغيرها {ثم ينكرونها} بعبادتهم غير المنعم بها، وقال السدي: نعمة الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أنكروه وكذبوه. وقيل: نعمة الله هي الإسلام وهو من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده، ثم إنّ كفار مكة أنكروه وجحدوه، واختلف في معنى قوله تعالى: {وأكثرهم الكافرون} مع أنهم كلهم كانوا كافرين على وجوه؛ الأوّل: إنما قال تعالى: {وأكثرهم} لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة، ممن لم يبلغ حدّ التكليف أو كان ناقص العقل فأراد بالأكثر البالغين الأصحاء. الثاني: أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند وكان فيهم من لم يكن معانداً بل كان جاهلاً بصدق الرسول وما ظهر له كونه نبياً حقاً من عند الله. الثالث: أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع لأنّ أكثر الشيء يقوم مقام الكل، فذكر الأكثر كذكر الجميع، وهذا كقوله تعالى: {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} (الزمر، 29) ولما بين تعالى من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وذكر أيضاً من حالهم أن أكثرهم كافرون أتبعه بالوعيد فذكر حال يوم القيامة بقوله تعالى: {ويوم} أي: وخوّفهم
يوم أو واذكر لهم يوم {نبعث} بعد البعث {من كل أمّة شهيداً} هو نبيها كما قال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} (النساء، 41) يشهد نبيها لها وعليها يوم القيامة ليحكم تعالى بقوله إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان تعالى غنياً عن شهيد. وقوله تعالى: {ثم لا يؤذن للذين كفروا} فيه وجوه: أحدها: لا يؤذن لهم في الاعتذار كقوله تعالى: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات، 36) . ثانيها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام. ثالثها: لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف. رابعها: لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود. فإن قيل: ما معنى ثم ههنا؟ أجيب: بأنّ معناها أنهم يمتحنون، أي: يبتلون بغير شهادة الأنبياء عليهم السلام بما هو أطمّ منها وأنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة {ولا هم يستعتبون} أي: لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون، يقال: استعتبت فلاناً بمعنى اعتبته، أي: أزلت عتباه. {وإذا رأى الذين ظلموا} أي: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي {العذاب} أي: عذاب جهنم بعد الموقف وشهادة الشهداء {فلا يخفف عنهم} ذلك العذاب {ولا هم ينظرون} أي: لا يمهلون. ولما بين تعالى حاصل أمرهم في البعث وما بعده وكان من أهمّ المهمّ أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يرجونهم عطف على ذلك بقوله تعالى: {وإذا رأى} أي: بالعين يوم القيامة {الذين أشركوا شركاءهم} أي: الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء من الشياطين وغيرها {قالوا ربنا} أي: يا من أحسن إلينا وربانا {هؤلاء شركاؤنا} أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجبة لضرّهم ثم بينوا المراد بقولهم: {الذين كنا ندعوا} أي: نعبدهم {من دونك} ليقرّبونا إليك فأكرمنا لأجلهم جرياً على مناهجهم في الدنيا في الجهل والغباوة فخاف شركاؤهم من عواقب هذا القول والإقرار عليه سطوات الغضب {فألقوا} أي: الشركاء {إليهم} أي: المشركين {القول} أي: بادروا به حتى كان إسراعهم إليه إسراع شيء ثقيل يلقى من علو وأكدوا قولهم فقالوا: {إنكم لكاذبون} في جعلنا شركاء أو أنكم عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم كقوله تعالى: {كلا سيكفرون بعبادتهم} (مريم، 82) ولا يبعد أن تنطق الأصنام بذلك يومئذ في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم، 22) . {وألقوا} أي: الشركاء {إلى الله} أي: الملك الأعلى {يومئذٍ} أي: يوم القيامة {السلم} أي: الاستسلام بحكمه بعد الاستكبار في الدنيا {وضلّ} أي: غاب {عنهم} أي: الكفار {ما كانوا يفترون} أي: من أنّ آلهتهم تشفع لهم. ولما ذكر تعالى وعيد الذين كفروا أتبعه بوعيد من ضمّ إلى كفره صد الغير عن سبيل الله بقوله تعالى: {الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله} أي: ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس عن الدخول في الإيمان بالله وبرسوله {زدناهم عذاباً} لصدّهم {فوق العذاب} المستحق بكفرهم {بما كانوا يفسدون} أي: بكونهم مفسدين بصدّهم، وقيل: زدناهم عذاباً بحيات وعقارب كأمثال البخت يستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ذكر أنّ لكل عقرب ستمائة نقرة في كل نقرة ثلاثمائة قلة من سم، وقيل: عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ثم كرّر سبحانه
وتعالى التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة وهو أنّ الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم فقال: {ويوم} أي: وخوفهم أو واذكر لهم يوم {نبعث} أي: بمالنا من القدرة {في كل أمّة} من الأمم والأمّة عبارة عن القرن والجماعة {شهيداً عليهم} قال ابن عباس: يريد الأنبياء قال المفسرون: كل نبيّ شاهد على أمّته وهو أعدل شاهد عليها {من أنفسهم} أي: منهم لأنّ كل نبيّ إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ليشهدوا عليهم بما فعلوا من كفر وإيمان وطاعة وعصيان {وجئنا} بما لنا من العظمة {بك} يا خير المرسلين {شهيداً على هؤلاء} أي: الذين بعثناك إليهم وهم أهل الأرض وأكثرهم ليس من قومه صلى الله عليه وسلم ولذلك لم تقيد بعثته بشيء، وقال أبو بكر الأصم: المراد بذلك الشهيد هوأنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى أنها تشد عليه وهو الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان، قال: والدليل عليه ماقاله في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم، ورد بأنه تعالى قال: {شهيداً عليهم} يجب أن يكون غيرهم، وأيضاً قال {من كل أمّة} فيجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمّة وآحاد هذه الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمّة، ثم بيّن تعالى أنه أزاح علتهم فيما كلفوا به فلا حجة لهم ولا معذرة بقوله تعالى: {ونزلنا} أي: بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم {عليك} ياخير خلق الله {الكتاب} أي: القرآن الجامع للهدى {تبياناً} أي: بياناً بليغاً {لكل شيء} فإن قيل: كيف كان القرآن تبياناً لكل شيء؟ أجيب: بأن المعنى من كل شيء من أمور الدين حيث كان نصاً على بعضها وإحالة على السنة حيث أمر فيه بإتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم وطاعته. وقد قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى} (النجم، 3) وحثاً على الاجماع في قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} (النساء، 115) وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمّته اتباع أصحابه والاقتداء بآثارهم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مسندة إلى تبيان الكتاب فمن ثم كان تبياناً لكل شيء {وهدى} أي: من الضلالة {ورحمة} لمن آمن به وصدّقه {وبشرى} بالجنة {للمسلمين} أي: الموحدين خاصة ولما استقصى سبحانه وتعالى في شرح الوعد والوعيد والرغبة والترهيب أتبعه بقوله: {إنّ الله} أي: الملك المستجمع لصفات الكمال {يأمر بالعدل} قال ابن عباس: في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله {والإحسان} أداء الفرائض، وقال في رواية أخرى: العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحبّ للناس ما تحبّ لنفسك فإن كان مؤمناً أحببت له أن يزداد إيماناً وإن كان كافراً أحببت له أن يكون أخاك في الإسلام، وقال في رواية ثالثة: العدل هو التوحيد والإحسان هو الإخلاص فيه وقال آخرون: يعني بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وأصل العدل المساواة في كل شيء من غير زيادة ولا نقصان فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيراً فخير وإن شراً فشر والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه والشرّ بأن تعفو عنه، وعن الشعبي قال عيسى بن مريم: إنما الإحسان أن تحسن
إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك. وقيل: العدل الإنصاف، والإنصاف أعدل من الاعتراف للمنعم بإنعامه، والإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، وعن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل؟ فقلت: بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم ابناً وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك. {وإيتاء} أي: ومن الإحسان إيتاء {ذي القربى} أي: القرابة القربى والبعدى فيندب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن وتودّد. وروى أبو سلمة عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، إنّ أهل هذا البيت ليكونون تجاراً فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم» . ولما أمر تعالى بالمكارم نهى عن المساوئ بقوله تعالى: {وينهى عن الفحشاء} قال ابن عباس:، أي: الزنا، فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. وقال غيره: الفحشاء ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال والأفعال المذمومة جميعها. {والمنكر} قال ابن عباس: يعني الشرك والكفر. وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة أو سنة. {والبغي} هو الاستيلاء على الناس والتجبر عليهم قيل: إنّ أعجل المعاصي عقاباً البغي، ولو أنّ جبلين بغى أحدهما على الآخر لدك الباغي. ونص تعالى على البغي مع دخوله في المنكر اهتماماً به، كما بدأ بالفحشاء لذلك. وقال ابن قتيبة في هذه الآية: العدل استواء السرّ والعلانية والإحسان أن تكون سريرته خيراً من علانيته والفحشاء والمنكر والبغي أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وقال بعض العلماء: إنّ الله تعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء، فذكر العدل وهو الإنصاف والمساواة في الأقوال والأفعال، وذكر في مقابلته الفحشاء وهو ما قبح من الأقوال والأفعال، وذكر الإحسان وهو أن يعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، وذكر في مقابلته المنكر وهو أن ينكر إحسان من أحسن إليه، وذكر إيتاء ذي القربى، والمراد به صلة القرابة والتودّد إليهم والشفقة عليهم وذكر في مقابلته البغي وهو أن يتكبر عليهم أو يظلمهم حقوقهم. ولما كان هذا المذكور من أبلغ المواعظ نبه عليه بقوله تعالى: {يعظكم} أي: يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة الثلاثة الأول وهي العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ومجانبة الثلاثة الأخيرة وهي الفحشاء والمنكر والبغي. {لعلكم تذكرون} أي: لكي تتعظوا فتعملوا بما فيه رضا الله تعالى. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد وفيه ادغام التاء في الأصل في الذال. وروى البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن مسعود أنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم} (البقرة، 255) وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل: {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان} وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق: 2، 3) وأشدّ آية في كتاب الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} (الزمر، 53) الآية. وقال أهل المعاني: لما قال الله تعالى في الآية الأولى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} بيّن في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه على سبيل الإجمال فما من شيء يحتاج
إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى به أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية. وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان من أهل الجاهلية يعملون به ويعظونه ويخشونه إلا أمر الله تعالى به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه. وعن عكرمة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى آخر الآية. فقال له: يا ابن أخي أعد عليّ فأعادها عليه؟ فقال الوليد: والله إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، ولما تقرّرت هذه الجمل التي جمعت بجمعها المأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت من البلاغة مبلغاً يحصل به غاية السرور. ذكر بعض تلك الأقسام وبدأ بما هو مع جمعه أهمّ وهو الوفاء بالعهد بقوله تعالى: {وأوفوا} أي: أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره {بعهد الله} أي: الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل من التوحيد والبيع والإيمان وغيرها من أصول الدين وفروعه {إذا عاهدتم} بتقلبكم له بإذعانكم لامتثاله {ولا تنقضوا الأيمان} واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى: {بعد توكيدها} أي: تشديدها فتحنثوا فيها، وفي ذلك دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منه. وقرأ أبو عمرو بادغام الدال في التاء بخلاف عنه. {و} الحال أنكم {قد جعلتم الله} أي: الذي له العظمة كلها {عليكم كفيلاً} أي: شاهداً ورقيباً. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالادغام. وعن جابر رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع على الإسلام فقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها} فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. {إنّ الله} أي: الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم ما تفعلون} من وفاء العهد ونقضه. ثم ضرب الله تعالى لنقض العهد مثلاً فقال: {ولا تكونوا} أي: في نقض العهد {كالتي نقضت غزلها} أي: ما غزلته فهو مصدر بمعنى المفعول {من بعد قوّة} أي: إبرام وإحكام، وقوله تعالى: {أنكاثاً} جمع نكث وهو ما ينقض من الغزل والحبل. قال مقاتل: هذه إمرأة من قريش يقال لها: رائطة، وقيل: ريطة وتلقب بجعواء وكان خرقاء حمقاء لها وسوسة اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل إصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهنّ فينقضن ما غزلن وكان هذا دأبها. وقال السدّي: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة تغزل فإذا برمت غزلها نقضته. وقال مجاهد: نقضت حبلها بعد إبرامها إياه. وقال قتادة: لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم ما أحمق هذه، وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده. وقال في قوله تعالى: {تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم} خيانة وغدراً انتهى. والدخل ما يدخل في الشيء على سبيل الفساد، وقيل: الدخل والدغل أن يظهر الرجل الوفاء بالعهد ويبطن نقضه وإنما كانوا يفعلون ذلك {أن} أي: بسبب أن {تكون} أو مخافة أن تكون، وتكون يجوز أن تكون تامّة فتكون {أمّة} أي: جماعة فاعلها وأن تكون ناقصة فتكون أمّة اسمها و {هي} مبتدأ و {أربى} أي: أكثر {من أمّة}
خبره، والجملة في محل نصب على الحال على الوجه الأوّل وفي موضع الخبر على الثاني، وأربى مأخوذ من ربا الشيء يربو إذا زاد، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوّة وفي الشرف. قال مجاهد: وكانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأوّلين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهاهم الله تعالى عن ذلك {إنما يبلوكم الله} الذي له الملك كله، أي: يختبركم {به} أي: يعاملكم معاملة المختبر ليظهر للناس تمسككم بالوفاء وانخلاعكم عنه اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين أو غيرهم مع قدرته سبحانه وتعالى على ما يريد فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القويّ ويقلل الكثير ويكثر القليل. {وليبينن لكم} أي: إذا تجلى لفصل القضاء {يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} أي: إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب، فاحذروا يوم العرض على مالك السموات والأرض، وأنّ من نوقش الحساب يهلك. {ولو شاء الله} أي: الملك الأعلى الذي لا أثر لأحد معه أن يجعلكم أمّة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه {لجعلكم أمّة واحدة} أي: متفقة على أمر واحد وهو دين الإسلام {ولكن} لم يشأ ذلك بل شاء اختلافكم فهو تعالى: {يضلّ من يشاء} عدلاً منه تعالى لأنه تامّ الملك، ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات {ويهدي} بفضله {من يشاء} ولو كان على أخس الحالات والأحوال فبذلك تكونون مختلفين لا يسئل عما يفعل سبحانه وتعالى {ولتسئلنّ عما كنتم تعملون} في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بعدله تعالى. ولما حذر سبحانه وتعالى عن نقض العهد والأيمان مطلقاً قال تعالى: {ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً} أي: فساداً ومكراً وخديعة {بينكم} وليس المراد منه التحذير عن نقض مطلق الأيمان وإلا لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أقدموا عليها فلهذا المعنى قال المفسرون: المراد نهي الذين بايعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن نقض العهد لأنّ قوله تعالى: {فتزلَّ} أي: فيكون ذلك سبباً لأن تزل {قدم} هي في غاية العظمة {بعد ثبوتها} أي: عن مركزها التي كانت به من دين أو دنيا فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها لا يليق بنقض عهد قبله وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وبشرائعه. تنبيه: فتزل منصوب بإضمار أن على جواب النهي وزلل القدم مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية أو سقط في ورطة بعد سلامة أو محنة بعد نعمة {وتذوقوا السوء} أي: العذاب في الدنيا {بما} أي: بسبب ما {صددتم} أي: أنفسكم ومنعتم بأيمانكم التي قد أردتم بها الإفساد وخفاء الحق. {عن سبيل الله} أي: دينه وذلك أنّ من نقض العهد سهل على غيره طرق نقض العهد فيستن به {ولكم} مع ذلك {عذاب عظيم} أي: ثابت غير منفك إذا متم على ذلك ثم أكد سبحانه وتعالى هذا التحذير بقوله تعالى: {ولا تشتروا} أي: ولا تكلفوا أنفسكم لجاجاً وتركاً للنظر أن تأخذوا وتستبدلوا. {بعهد الله} الذي له الكمال كله {ثمناً قليلاً} أي: من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيراً ثم علل قلته بقوله تعالى: {إنما عند الله}
أي: الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين {هو خير لكم} ولا يعدل عن الخير إلى غيره إلا لجوج ناقص العقل، ثم شرط علم خيريته لكونهم من ذوي العلم بقوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} أي: إن كنتم من أهل العلم والتمييز فتعلمون فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك بقوله تعالى: {ما عندكم} أي: من متاع الدنيا ولذاتها {ينفد} أي: يفنى فصاحبه منغص العيش أشدّ ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه {وما عند الله} أي: الذي له الأمر كله من ثواب الآخرة ونعيم الجنة {باق} أي: دائم. روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» . وقرأ ابن كثير باقي في الوقف بالياء، والباقون بغير ياء. وأمّا في الوصل فالجميع بالتنوين. {وليجزينّ الذين صبروا} على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي في السرّاء والضرّاء. {أجرهم} أي: ثواب صبرهم {بأحسن ما كانوا يعملون} أي: بجزاء أحسن من أعمالهم أو يجزيهم على أحسن أعمالهم وذلك لأنّ المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شكّ أنّ الواجبات والمندوبات مما يثاب على فعلها لا على فعل المباحات. وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون قبل الجيم، أي: ولنجزين نحن والباقون بالياء، أي: وليجزين الله. ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} إذ لا اعتداد بأعمال الكفار في استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. فإن قيل: من عمل صالحاً يفيد العموم فما فائدة من ذكر أو أنثى؟ أجيب: بأنه ذكر دفعاً للتخصيص بأحد الفريقين. واختلف في قوله تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} فقال سعيد بن جبير وعطاء: هي الررزق الحلال. وقال مقاتل: هي العيش في الطاعة. وقال الحسن: هي القناعة لأنّ عيش المؤمن في الدنيا وإن كان فقيراً أطيب من عيش الكافر وإن كان غنياً، لأنّ المؤمن لما علم أنّ رزقه من عند الله تعالى وذلك بتقديره وتدبيره تعالى. وعرف أنّ الله تعالى محسن كريم حكيم يضع الأشياء في محلها فكان المؤمن راضياً بقضاء الله وبما قدّره له ورزقه إياه، وعرف أنّ مصلحته في ذلك القدر الذي رزقه فاستراحت نفسه من الكدر والحرص فطاب عيشه بذلك، وأمّا الكافر والجاهل بهذه الأصول فدائم الحرص على طلب الرزق فيكون أبداً في حزن وتعب وعناء وحرص في الدنيا ولا يناله من الرزق إلا ما قدّر له فظهر بهذا أن عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. وقال السدّي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر لأنّ المؤمن يستريح بالموت من كدّ الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وملك بلا هلك، وسعادة بلا شقاوة. فأثبت بهذا أنّ الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولا مانع من أنّ المؤمن الكامل يحصل جميع ذلك ثم إنّ الله تعالى ختم الآية بقوله تعالى: {ولنجزينهم أجرهم} أي: في الدنيا والآخرة {بأحسن ما كانوا يعملون} أي: من الطاعة وقد سبق تفسيره. ولما قال تعالى: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} أرشد به إلى العمل الذي به تخلص أعماله من الوسواس بقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن} أي: أردت قراءته {فاستعذ} أي: إن شئت جهراً وإن شئت سرًّا. قال الشافعي رضي الله
تعالى عنه: والإسرار أولى في الصلاة. وفي قول يجهر كما يفعل خارج الصلاة. {بالله} أي: سل الذي له الكمال كله أن يعيذك {من الشيطان} أي: المحترق باللعنة {الرجيم} أي: المطرود عن الرحمة من أن يصدّك بوساوسه عن اتباعه ويدخل في ذلك جميع المردة من الشياطين لأنّ لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم بإقدار الله تعالى على ذلك. وقيل: المراد إبليس خاصة والاستعاذة بالله تعالى هي الاعتصام به، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من أمّته وظاهر الآية وجوب الاستعاذة، وإليه ذهب عطاء سواء كانت القراءة في الصلاة أم في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أنها سنة في الصلاة وغيرها والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة منها القراءة بدون ذكر تعوّذ كحديث البخاري وغيره عن أبي سعيد بن العلاء رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي. قال ألم يقل الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} (الأنفال، 24) ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن {الحمد لله رب العالمين} » . وفي رواية الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم نادى أبيّاً وأنه قال له: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: أبيّ: فقرأت {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت إلى آخرها» ، وظاهر الآية يدل على أنّ الاستعاذة بعد القراءة وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول أبي هريرة وإليه ذهب مالك وداود الظاهريّ. قالوا: لأنّ قارئ القرآن يستحق ثواباً عظيماً وربما حصل الوسواس في قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب أو لا، فإذا استعاذ بعد القرءاة اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصاً والذي ذهب إليه الأكثرون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار أنّ الاستعاذة مقدّمة على القراءة قالوا: ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله وتبعتهم على ذلك فلهذا قدّرت ذلك في الآية الكريمة، ومثل ذلك قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (المائدة، 6) ومثله من الكلام إذا أكلت فسمّ،، أي: إذا أردت أن تأكل فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا سافرت فتأهب، أي: إذا أردت السفر فتأهب، وأيضاً الوسوسة إنما تحصل في أثناء القراءة فتقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها. ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان، وكان ذلك يوهم أنّ للشيطان قدرة على التصرّف في إتيان الإنسان أزال الله تعالى ذلك الوهم وبيّن أنه لا قدرة له ألبتة إلا على الوسوسة بقوله تعالى: {إنه ليس له سلطان} أي: بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه. {على الذين آمنوا} أي: بتوفيق ربهم لهم. {وعلى ربهم} وحده {يتوكلون} أي: على أوليائه المؤمنين به والمتوكلين عليه، فإنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته. وعن سفيان الثوريّ قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم، ثم وصل تعالى بذلك ما أفهمه من أنّ له سلطاناً على غيرهم بقوله: {إنما سلطانه} أي: الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله تعالى له: {على الذين يتولونه} أي: يجيبونه ويطيعونه {والذين هم به} أي: بالله تعالى {مشركون} وقيل الضمير راجع إلى الشيطان والمعنى هم بسببه مشركون بالله. ولما كان المشركون إذا
نزلت آية فيها شدّة ثم نزلت آية ناسخة لها يقولون إن محمداً يستهزئ بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه نزل. {وإذا بدّلنا} أي: بقدرتنا بالنسخ {آية} سهلة كالعدّة بأربعة شهور وعشر وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار، أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب الصلوات الخمس فجعلناها {مكان آية} شاقة كالعدّة بحول ومصابرة عشرة من الكفار أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر والتبديل رفع الشيء ووضع غيره مكانه {والله} أي: الذي له الإحاطة الشاملة {أعلم بما ينزل} من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو غيره {قالوا} أي: الكفار {إنما أنت} يا محمد {مفتر} أي: متقوّل على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه وهو جواب إذا. {والله أعلم بما ينزل} اعتراض، والمعنى: والله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف، أي: هو أعلم بجميع ذلك ومصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قولهم إنما أنت مفتر، أي: إذا كان هو أعلم بما ينزل فما لهم ينسبون محمداً إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ {بل أكثرهم} وهم الذين يستمرّون على الكفر {لا يعلمون} حكمة فائدة النسخ والتبديل ولا يميزون الخطأ من الصواب، فإن الله تعالى أعلم بمصالح العباد كما أنّ الطبيب يأمر المريض بشربة ثم بعد مدّة ينهاه عنها، ويأمره بغيرها بضدّ تلك الشربة، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالردّ عليهم بقوله تعالى: {قل} لمن واجهك بذلك منهم {نزّله} أي: القرآن بحسب التدريج لأجل أتباع المصالح بإحاطة علم المتكلم به {روح القدس} أي: جبريل عليه السلام وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كما يقال: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد الروح المقدّس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدّس المطهر من المآثم {من ربك بالحق} أي: متلبساً بالحكمة {ليثبت الذين آمنوا} أي: ليثبت بالقرآن قلوب الذين آمنوا فيزدادوا إيماناً ويقيناً {وهدى} أي: بياناً واضحاً {وبشرى للمسلمين} أي: المنقادين لحكمك. فإن قيل: ظاهر الآية أن القرآن لا ينسخ بالسنة لقوله تعالى: {وإذا بدّلنا آية مكان آية} إذ متقضاه أنّ الآية لا تنسخ إلا بأخرى؟ أجيب: بأنّ هذه الآية دلت على أنه تعالى يبدّل آية بآية ولا دلالة فيها على أنه لا يبدّل آية إلا بآية، وأيضاً فجبريل عليه السلام ينزل بالسنة كما ينزل بالآية. ولما كان المشركون يقولون: إن محمداً إنما يتعلم هذه القصص وهذه الأخبار من إنسان آخر وهو آدمي مثله وليس هو من عند الله كما يزعم نزل قوله تعالى: {ولقد نعلم} أي: علماً مستمرّاً {أنهم يقولون إنما يعلّمه بشر} واختلف في البشر الذي قال المشركون إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يتعلم منه فقيل: هو عبد لبني عامر بن لؤيّ يقال له: يعيش كان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، وقيل: عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، وكان اسمه خيراً فكانت قريش تقول: عبد بني الحضرمي يعلّم خديجة وخديجة تعلّم محمداً، وقيل: كان بمكة نصراني أعجميّ اللسان اسمه بلعام، ويقال: ابن ميسرة يتكلم بالرومية، وقيل: سلمان الفارسي، وبالجملة فلا فائدة في تعداد هذه الأسماء والحاصل أنّ القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه، ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه فأجاب
الله تعالى عنه تكذيباً لهم فيما رموا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب بقوله تعالى: {لسان الذي يلحدون} أي: يميلون إليه أو يشيرون {إليه} أي: أنه يعلمه {أعجميّ} أي: لا يعرف لغة العرب وهو مع ذلك الكن في التأدية غير مبين {وهذا} أي: القرآن {لسان عربيّ مبين} أي: ذو بيان وفصاحة فكيف يعلمه أعجميّ. وروي أنّ الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه. {إنّ الذين لا يؤمنون} أي: لا يصدقون كل تصديق معترفين {بآيات الله} أي: الذي له العظمة كلها {لا يهديهم الله} أي: لا يرشدهم ولا يوفقهم للإيمان {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة. ثم أخبر الله تعالى أنّ الكفار المفترون بقوله تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} أي: القرآن بقولهم: هذا من قول البشر {وأولئك} أي: البعداء البغضاء {هم الكاذبون} أي: الكاملون في الكذب لأنّ تكذيب آيات الله أعظم من الكذب أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين. ولما ذكر تعالى الذين لا يؤمنون مطلقاً أتبعهم صنفاً منهم هم أشدّ كفراً بقوله تعالى: {من} أي: أيّ مخلوق وقع له أنه {كفر بالله} أي: الذي له صفات الكمال بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر {من بعد إيمانه} بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم {إلا من أكره} أي: على التلفظ بالكفر فتلفظ به {وقلبه مطمئن بالإيمان} فلا شيء عليه لأنّ محل الإيمان هو القلب. روي أنّ قريشاً أكرهوا عماراً وأباه ياسراً وأمّه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل ياسر وهما أوّل قتيل في الإسلام، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرهاً وهو كاره بقلبه فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه كفر فقال صلى الله عليه وسلم «كلا إنّ عماراً امتلأ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول: ما لك إن عادوا لك فقل لهم مثل ما قلت» . تنبيه: في الآية دليل على إباحة التلفظ بالكفر وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازاً للدين كما فعله أبواه. ولما روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أيضاً، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصمّ. فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد جوابه فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» . واختلف الأئمة في وقوع الطلاق بالإكراه فقال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى: لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: يقع. واستدل الشافعي بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} (البقرة، 256) ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأنّ ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره، أي: لا أثر له ولا عبرة به. وقال عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . وقال أيضاً: «لا طلاق في إغلاق» ، أي: إكراه. وتمسك أبو حنيفة بقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحلّ له} (البقرة، 23) وهذا قد طلقها. وأجيب بأنّ الآية مخصوصة بغير ذلك جمعاً بين الأدلة. {ولكن من شرح بالكفر صدراً} أي: فتحه ووسعه لقبول الكفر واختاره ورضي به {فعليهم غضب} أي: غضب لم تبين جهة عظمه لكونه {من الله}
أي: الملك الأعظم {ولهم} أي: بظواهرهم وبواطنهم {عذاب عظيم} في الآخرة لارتدادهم على أعقابهم. {ذلك} أي: الوعيد العظيم {بأنهم} أي: بسبب أنهم {استحبوا} أي: أحبوا حباً عظيماً {الحياة الدنيا} الكائنة الحاضرة الفانية فآثروها {على الآخرة} الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمنون من الضيق والكافرون من السعة {وأنّ الله} أي: الذي له الغنى المطلق {لا يهدي القوم الكافرين} أي: لا يرشدهم إلى الإيمان ولا يوفقهم للعمل. {أولئك} أي: البعداء البغضاء {الذين طبع الله} أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه {على قلوبهم} أي: ختم عليها واستوثق. ولما كان التفاوت في السمع نادراً وحده بقوله تعالى: {وسمعهم} أو بمعنى أسماعهم ليناسب قوله تعالى: {وأبصارهم} فصاروا بعدم انتفاعهم بهذه المشاعر كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون {وأولئك} أي: الأباعد من كل خير {هم الغافلون} عما يراد بهم من العذاب في الآخرة. {لا جرم} أي: لا شك {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} أي: أكمل الناس خسارة لأنّ الله تعالى وصفهم بست صفات الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله تعالى. الثانية: أنهم استوجبوا العذاب الأليم. الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. الرابعة: أنّ الله تعالى حرمهم من الهداية. الخامسة: أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. السادسة: أنه جعلهم من الغافلين عن العذاب الشديد يوم القيامة إذ كل واحدة من هذه الصفات من أعظم الأحوال المانعة من الفوز بالخيرات والسعادات ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان في الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعته سعادات الآخرة فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه، فلهذا السبب حكم تعالى عليهم بالخسران. ولما ذكر تعالى حال من كفر بالله من بعد إيمانه، وحال من أكره على الكفر ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن بقوله تعالى: {ثم إنّ ربك} أي: المحسن إليك {للذين هاجروا} إلى المدينة الشريفة بالولاية والنصر وقوله تعالى: {من بعد ما فتنوا} قرأ ابن عامر بفتح الفاء والتاء على استناد الفعل إلى الفاعل والباقون بضم الفاء وكسر التاء على فعل ما لم يسمّ فاعله وجه القراءة الأولى أنه عاد الضمير على المؤمنين، فالمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول ظاهراً، وأنهم لما صبروا على عذاب المشركين فكأنهم فتنوا أنفسهم وإن عاد على المشركين فهو ظاهر، أي: فتنوا المؤمنين لأنّ أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء المشركين على الردّة والرجوع عن الإيمان فبيّن تعالى أنهم هاجروا {ثم جاهدوا وصبروا} على الطاعة {إنّ ربك من بعدها} أي: الفتنة {لغفور} أي: بليغ الإكرام {رحيم} فهو يغفر لهم ويرحمهم. تنبيه: حذف خبر إنّ الأولى لدلالة خبر الثانية عليه أو مقدّر بما مرّ. {يوم} أي: اذكر يوم {تأتي كل نفس} أي: وإن عظم جرمها {تجادل} ، أي: تحاجج {عن نفسها} أي: لا يهمها غيرها وهو يوم القيامة. فإن قيل: ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟ أجيب: بأنه يقال لعين الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره، والنفس الجملة كما هي فالنفس الأولى هي الجملة والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كلٌ يقول: نفسي نفسي، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها
كقولهم: هؤلاء الذين أضلونا وما كنا مشركين. {وتوفى كل نفس} صالحة أو غير صالحة {ما عملت} أي: جزاءه من جنسه {وهم لا يظلمون} أي: شيئاً. ولما هدّد تعالى الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هدّدهم أيضاً بآفات الدنيا وهي الوقوع في الجوع والخوف بقوله تعالى: {وضرب الله} أي: المحيط بكل شيء {مثلاً} ويبدل منه {قرية} هي مكة والمراد أهلها {كانت آمنة} أي: ذات أمن ويأمن بها أهلها في زمن الخوف، قال تعالى: {أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت، 67) والأمن في مكة كان كذلك، لأنّ العرب كان يغير بعضهم على بعض دون أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم الله والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم. {مطمئنة} أي: قارة بأهلها لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال، بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوّة المدد وكف الله تعالى الناس عنها ووجود ما يحتاج إليه أهلها. فإن قيل: الاطمئنان هو الأمن فيلزم التكرار؟ أجيب: بأنّ قوله تعالى: {آمنة} إشارة إلى الأمن وقوله تعالى: {مطمئنة} أي: لا يحتاجون فيها إلى نجعة كما مرّ، وقيل: أشار تعالى بذلك إلى الصحة لأنّ هواء ذلك البلد كان ملائماً لأمزجتهم فلذلك اطمأنوا إليه واستقرّوا. قالت العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية. {يأتيها} أي: على سبيل التجدّد والاستمرار {رزقها رغداً} أي: واسعاً طيباً {من كل مكان} برّ وبحر بتيسير الله تعالى. ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالباً نبه تعالى على ذلك بقوله تعالى: {فكفرت بأنعم الله} أي: الذي له الكمال كله وأنعم جمع نعمة. قال الزمخشري: على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع. وقال قطرب: هي جمع نعم والنعم النعمة، يقال: هذه أيام نعم وطعم فلا تصوموا، وقيل: جمع نعماء مثل بأساء وأبؤس. فإن قيل: الأنعم جمع قلة فكأنّ تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من نعم الله فعذبها الله تعالى فلم لم يقل تعالى: كفروا بنعم عظيمة فاستوجبوا العذاب؟ أجيب: بأنّ المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى فإن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فبكفران النعم الكثيرة أولى وبأنّ الله تعالى أنعم عليهم بالنعمة العظيمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وبالغوا في إيذائه. {فأذاقها الله} أي: المحيط بكل شيء {لباس الجوع} بعد رغد العيش سبع سنين وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا وأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب الميتة، وقيل: إنّ القرية غير مكة لأنها ضربت مثلاً لمكة ومثل مكة يكون غير مكة. {والخوف} بسرايا النبيّ صلى الله عليه وسلم تنبيه: استعير الذوق لإدراك أثر الضرر واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والحوف وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير عزة: *غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المال فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظراً إلى المستعار له ولو نظر إلى المستعار لقال: ضافي الرداء، أي: سابغه ومعنى البيت إذا ضحك المسؤول ضحكة أيقن السائل بذلك التبسم استرقاق رقاب ماله وأنه يعطي بلا خلاف وقد ينظر إلى المستعار له كقوله:
*ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر *لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر استعار الدراء للسيف ثم قال: فاعتجر نظراً إلى المستعار ولو نظر إلى المستعار منه لقال تعالى في الآية: وكساهم لباس الجوع والخوف ولقال كثير: ضافى الرداء إذا تبسم ضاحكاً وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة، وقال ابن عطية: لما باشرهم ذلك صار كاللباس وهذا كقول الأعشى: *إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت عليه فكانت لباسا ومثله قوله تعالى: {هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ} (البقرة، 187) ومثله قول الشاعر: *وقد لبست بعد الزبير مجاشع ... لباس التي حاضت ولم تغسل الدما كأنَّ العار لما باشرهم ولصق بهم كأنهم نسوة وقوله تعالى: {فأذاقها} نظير قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان، 49) ونظير قول الشاعر: دون ما جنيت فاحس وذق. وقوله تعالى: {بما كانوا يصنعون} يجوز أن تكون ما مصدرية، أي: بسبب صنعهم أو بمعنى الذي والعائد محذوف، أي: بسبب الذي كانوا يصنعونه والواو في يصنعون عائد على أهل البلد، وقيل: قرية نظير قوله تعالى: {أو هم قائلون} (الأعراف، 4) بعد قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} (الأعراف، 4) . ولما ذكر الله تعالى المثل ذكر الممثل له فقال تعالى: {ولقد جاءهم} أي: أهل هذه القرية {رسول منهم} من نسبهم يعرفونه بأصله ونسبه وهو محمد صلى الله عليه وسلم {فكذبوه فأخذهم العذاب} قال ابن عباس: يعني الجوع الذي كان بمكة، وقيل: القتل الذي كان يوم بدر {وهم ظالمون} أي: في حال تلبسهم بالظلم كقوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} (النساء، 97) نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالادغام ثم قال تعالى: {فكلوا} أي: أيها المؤمنون {مما رزقكم الله} قال ابن عباس: يريد من الغنائم. وقال الكلبي: إنّ رؤوساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، وكانت الميرة قد قطعت عنهم فأذن في الحمل إليهم فحمل الطعام إليهم فقال الله تعالى: {كلوا مما رزقكم الله} . وقال الرازي: والقول ما قال ابن عباس يدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية {إنما حرم عليكم الميتة} يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا مما رزقكم الله. {حلالاً طيباً} وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم. ولما أمرهم تعالى بأكل الحلال أمرهم بشكر النعمة بقوله تعالى: {واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون} أي: تطيعون. تنبيه: رسمت نعمت بالتاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقف بالإمالة. وتقدّم تفسير قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فإنّ الله غفور رحيم} في سورة البقرة فلا إفادة في تفسير ذلك. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة فمن اضطر في الوصل بكسر النون والباقون بالضمّ. تنبيه: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة مذكور أيضاً في سورة الأنعام عند قوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه} (الأنعام، 145) الآية. وفي سورة المائدة في قوله تعالى: {أحلت
لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} (المائدة، 41) وأجمعوا على أنّ المراد بقوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} هو قوله تعالى في سورة البقرة: {حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير الله} (البقرة، 173) وقوله تعالى في المائدة: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} (المائدة، 3) فهذه الأشياء داخلة في الميتة. ثم قال تعالى: {وما ذبح على النصب} (المائدة، 3) وهو أحد الأشياء الداخلة تحت قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} (البقرة، 173) فثبت أنّ هذه السور الأربعة دالة على حصر المحرمات في هذه الأربعة سورتان مكيتان وسورتان مدنيتان، فإنّ سورة البقرة مدنية وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله بالمدينة، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربعة إلا ما خصه الإجماع والدلائل العقلية القاطعة كان في محل أن يخشى عليه، لأنّ هذه السورة دلت على أنّ حصر المحرمات في هذه الأربعة كان مشروعاً ثابتاً في أوّل زمان مكة وآخره، وأوّل زمان المدينة وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السور الأربعة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة. ولما حصر تعالى المحرمات في هذه الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار وفي الزيادة على هذه الأربعة تارة وفي النقصان عنها أخرى بقوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} لما لم يحله الله ولم يحرمه فإنهم كانوا يحرّمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وكانوا يقولون: {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا} (الأنعام، 193) فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضاً في المحللات لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فبيّن تعالى أنّ المحرمات هي هذه الأربعة وبين أن الأشياء التي يقولون هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله تعالى. تنبيه: في انتصاب الكذب وجهان؛ أحدهما: قال الكسائي: ما مصدرية والتقدير ولا تقولوا لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال: لا تقولوا لكذا وكذا كذا وكذا. فإن قيل: حمل الآية على هذا يؤدّي إلى التكرار لأنّ قوله تعالى: {لتفتروا على الله الكذب} عين ذلك؟ أجيب: بأنّ قوله تعالى: {لما تصف ألسنتكم الكذب} ليس فيه بيان أنه كذب على الله فأعاده ليحصل فيه هذا البيان الزائد. ونظيره في القرآن كثير، وهو أنه تعالى يذكر كلاماً ويعيده بعينه مع فائدة زائدة. الثاني: أن تكون ما موصولة والتقدير: ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، وحذف لفظ فيه لكونه معلوماً، وقيل: اللام في لتفتروا لام العاقبة كما في قوله تعالى: {ليكون لهم عدوًّا وحزناً} (القصص، 8) . فإن قيل: ما معنى وصف ألسنتكم الكذب؟ أجيب: بأنّ ذلك من فصيح الكلام وبليغه جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه وإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته، كقولهم: وجهها يصف الجمال، أي: هي جميلة، وعينها تصف السحر، أي: هي ساحرة فلما أرادوا المبالغة في وصف الوجه بالجمال ووصف العين بالسحر عبروا بذلك. ثم إنه تعالى أوعد المفترين بقوله تعالى: {إنّ الذين يفترون على الله} أي: الذي له الملك كله {الكذب} منكم ومن غيركم {لا يفلحون} أي: لا يفوزون بخير لأن المفتري يفتري لتحصيل مطلوب فنفى الله تعالى عنه الفلاح، لأنه الفوز بالخير والنجاح. ثم بين
تعالى أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب بقوله تعالى: {متاع قليل} أي: منفعة قليلة تنقطع عن قرب لفنائه وإن امتدّ ألف عام {ولهم} بعده {عذاب أليم} أي: مؤلم في الآخرة. ولما بين تعالى ما يحل ويحرم لأهل الإسلام أتبعه ببيان ما يخص اليهودية من المحرمات بقوله تعالى: {وعلى الذين هادوا} أي: اليهود {حرّمنا} عليهم عقوبة لهم بعداوتهم وكذبهم على ربهم {ما قصصنا عليك} يا أجل المرسلين {من قبل} أي: في سورة الأنعام وهو قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر} (الأنعام، 164) الآية. {وما ظلمناهم} أي: بتحريم ذلك عليهم {ولكن كانوا} أي: دائماً طبعاً لهم وخلقاً مستمرًّا {أنفسهم} خاصة {يظلمون} بالبغي والكفر فضيقنا عليهم معاملة بالعدل وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل فاشكروا النعمة واحذروا غوائل النقمة. ولما بيّن تعالى هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جدًّا استجلاباً لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى: {ثم إن ربك} أي: المحسن إليك {للذين عملوا السوء} وهو يتناول كل ما لا ينبغي فعله فيشمل الكفر وسائر المعاصي {بجهالة} أي: بسببها أو ملتبسين بها ليعمّ الجهل بالله وبقضائه وعدم التدبر في العواقب، فكل من عمل سوءاً إنما يفعله بالجهالة، أما الكفر فلأن أحداً لا يرضى به مع العلم بكونه كفراً لأنه لو لم يعتقد كونه حقاً فإنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية فلأن العالم لم تصدر منه المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل، فثبت أنّ كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة. {ثم تابوا من بعد ذلك} أي: الذنب ولو كان عظيماً واقتصروا على ما أذن فيه خالقهم {وأصلحوا} بالاستمرار على ذلك {إن ربك} أي: المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره {من بعدها} أي: التوبة {لغفور} أي: بليغ الستر لما عملوا من السوء {رحيم} أي: بليغ الرحمة محسن بالإكرام فضلاً منه ونعمة. ولما دعاهم الله تعالى إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام رئيس الموحدين لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة ووصفه بتسع صفات. الصفة الأولى: قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمّة} أي: لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرّقة في أشخاص كثيرة كقول القائل: وليس لله، أي: من الله ـ بمستنكر أن يجمع العالم في واحد أي أن يجمع صفاتهم في شخص واحد. وقال مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كانوا كفاراً فلهذا المعنى كان وحده أمّة واحدة. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعثه الله امّة واحدة» . وعن شهر بن حوشب لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده، وقيل: أمّة فعلة بمعنى مفعول كالدخلة والنخبة من أمّه إذا قصده واقتدى به، فإنّ الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيره كقوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً} (البقرة، 124) . وقرأ هشام أن إبراهام وملة إبراهام بالألف بعد الهاء فيهما. وقرأ الباقون بالياء فيهما. الصفة الثانية: قوله تعالى: {قانتاً لله} أي: مطيعاً له قائماً بأوامره. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {حنيفاً} أي: مائلاً عن الباطل، قال ابن عباس: إنه أوّل من اختتن، وأقام
مناسك الحج، وضحى وهذه السنة الحنيفية. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {ولم يك من المشركين} أي: أنه عليه الصلاة والسلام كان من الموحدين في الصغر والكبر، وقد أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: {لا أحب الآفلين} (الأنعام، 76) ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أنّ القوم ألقوه في النار وذلك دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه، وهو قوله: {ربي الذي يحيي ويميت} (البقرة، 258) . ثم طلب من الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى ليحصل له زيادة الطمأنينة. قال الرازي: ومن وقف على علم القرآن علم أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان غريقاً في بحر علم التوحيد. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {شاكراً لأنعمه} فإن قيل: لفظ الأنعم جمع قلة ونعمة الله تعالى على إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة فلم قال: {شاكراً لأنعمه} ؟ أجيب: بأنه ذكر القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر القليلة فكيف بالكثيرة. وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أنّ بهم جذاماً فقال لهم: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم بهذا البلاء. الصفة السادسة: قوله تعالى: {اجتباه} أي: اصطفاه للنبوّة واختاره لخلقه. الصفة السابعة: قوله تعالى: {وهداه إلى صراط مستقيم} أي: وهداه إلى دين الإسلام لأنه الصراط المستقيم، والدين القويم، ونظيره قوله تعالى: {وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} (الأنعام، 153) . الصفة الثامنة: قوله تعالى: {وآتيناه في الدنيا حسنة} قال قتادة: حببه للناس حتى أنّ أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه، وأمّا المسلمون واليهود والنصارى فظاهر، وأمّا كفار قريش وسائر العرب فلا فخر لهم إلا به وتحقيق القول أنّ الله تعالى أجاب دعاءه في قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} (الشعراء، 84) وقال آخرون: هو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وقيل: أولاداً أبراراً على الكبر. الصفة التاسعة: قوله تعالى: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} في الجنة. فإن قيل: لم لم يقل تعالى في أعلى مقامات الصالحين؟ أجيب: بأنه تعالى حكى عنه أنه قال: {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} (الشعراء، 83) فقال تعالى هنا: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} تنبيهاً على أنه تعالى أجاب دعاءه ثم إنّ كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى مقامات الصالحين، فإنّ الله تعالى بيّن ذلك في آية أخرى، وهي قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} (الأنعام، 83) . ولما وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية الشريفة أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في أتباعه مشيراً إلى علو مرتبته بحرف التراخي بقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك} يا أشرف الرسل. وقيل: أتي بثم للتراخي، أي: لتراخي أيامه عن أيام إبراهيم عليهما أفضل الصلاة والسلام. {أن اتّبع ملة إيراهيم} في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرّة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه، ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضاً. وقيل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم مأموراً بشريعة إبراهيم عليهما الصلاة والسلام إلا ما نسخ منها وما لم ينسخ صار شرعاً له وقوله تعالى: {حنيفاً} حال من النبيّ صلى الله عليه وسلم ويصح أن يكون حالاً من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: {وما كان من المشركين} كرّره
ردًّا على من زعم من اليهود والنصارى أنهم على دينه، وقوله سبحانه وتعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} فيه قولان: الأوّل: روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة وقال تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من الخلق، وهو يوم السبت فجعل عليهم السبت وشدّد عليهم فيه، ثم جاء عيسى عليه السلام أيضاً بالجمعة فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم، أي: اليهود بعد عيدنا فاتخذوا الأحد. وروى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «أن الله تعالى كتب يوم الجمعة على من كان قبلكم فاختلفوا فيه وهدانا الله له فهم لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد» . فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أنّ الجمعة أفضل من السبت والأحد فإن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام وبدأ تعالى بالخلق والتكوين في يوم الأحد وتمم في يوم الجمعة فكان يوم السبت يوم الفراغ فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال فعينوا يوم السبت لهذا المعنى. وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد فنجعل هذا اليوم عيدنا فهذان الوجهان معقولان لنا فما وجه جعل يوم الجمعة عيداً؟ أجيب: بأنّ يوم الجمعة هو يوم التمام والكمال وحصول التمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسرور فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه. القول الثاني: اختلافهم في السبت هو أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرّموه تارة وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة. {وإن ربك} أي: المحسن إليك بطواعية أصحابك لك، {ليحكم بينهم} أي: هؤلاء المختلفين {يوم القيامة} وهو يوم اجتماع جميع الخلائق {فيما كانوا فيه يختلفون} فيحكم للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب. ولما أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم باتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بين الشيءالذي أمره بمتابعته فيه بقوله تعالى: {ادع} أي: كل من تمكن دعوته ممن بعثت إليه {إلى سبيل ربك} أي: المحسن إليك بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية {بالحكمة} أي: المعاملة المحكمة وهو الدليل الواضح المزيل للشبهة {والموعظة الحسنة} أي: بالدعاء إلى الله تعالى بالترغيب والترهيب بالخطابات المتقنة والعبارات النافعة. والأولى لدعوى خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوى عوامهم {وجادلهم} أي: وجادل معانديهم {بالتي} أي: بالمجادلة التي {هي أحسن} كالدعاء إلى الله تعالى بآياته والدعاء إلى حججه بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير غلظ ولا تعسف فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم، وتبيين شبههم، وقيل: المراد بالحكمة القرآن، أي: ادعهم بالقرآن والموعظة الحسنة الرفق واللين في الدعوة، وفي الأمر بالمجادلة التي هي أحسن الإعراض عن أذاهم وعدم التقصير في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق وعلى هذا القول قال بعض علماء التفسير: هذا منسوخ بآية السيف، وقيل: إنّ الناس خلقوا وجبلوا على ثلاثة أقسام: القسم الأوّل: العلماء الكاملون وهم أصحاب العلوم الصحيحة والبصائر الشافية الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها فهؤلاء
هم المشار إليهم بقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} أي: ادعهم بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها وينفعوا الناس وهم خواص العلماء من الصحابة وغيرهم. القسم الثاني: أصحاب الفطرة السليمة والخلقة الأصلية وهم غالب الناس الذين لم يبلغوا حد الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان فهم أوسط الأقسام وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {والموعظة الحسنة} أي: ادع هؤلاء بالموعظة الحسنة. القسم الثالث: أصحاب جدال وخصام ومعاندة وهؤلاء هم المشار إليهم بقوله تعالى: {وجادلهم بالتي أحسن} أي: حتى ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه. {إن ربك} المحسن إليك بالتخفيف عنك {هو أعلم} أي: من كل من يتوهم فيه علم {بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي: فهو سبحانه وتعالى أعلم بالفريقين فمن كان فيه خير كفاه الوعظ والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل وكأنك تضرب في حديد بارد فما عليك إلا البلاغ والدعوة، وأمّا حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس ذلك إليك، وهذا قبل الأمر بالقتال. وذكر في قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أقوال: أحدها: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما رأى عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «أما أنها لو أكلته لم تدخل النار أبداً، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئاً من جسده النار، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه نظر إلى شيء لم ينظر إلى شي قط أوجع لقلبه منه فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم رحمة الله عليك فإني ما علمتك إلا فعالاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله لئن ظفرني الله بهم لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك فنزلت، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أراد وكفر عن يمينه» . وقال المسلمون أيضاً: لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون والمثلة السيئة حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به إلا حنظلة بن الراهب فإنّ أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن ظفرنا عليهم لنزيدّن عليهم يعني على صنيعهم ولنمثلنّ بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد. القول الثاني: أنّ هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد حتى كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبتدؤوا بالقتال وهو قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} (البقرة، 19) وفي هذه الآية أمر الله تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا. القول الثالث: أنّ المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين. قال الرازي: وحمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله، وهو غاية البعد بل الأصوب عندي أن يقال: إنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بدعوة الخلق إلى الدين الحق بإحدى الطرق الثلاثة وهي: الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالطريق الأحسن، ثم إنّ تلك
الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم والحكم عليهم بالكفر والضلالة وذلك مما يشوّش قلوبهم ويوحش صدورهم ويحمل أكثرهم على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة وبالضرب ثانياً وبالشتم ثالثاً. ثم إنّ ذلك الداعي المحق إذا سمع تلك السفاهات لا بدّ وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه. فإن قيل: فهل تقدحون فيما روي أنه عليه الصلاة والسلام ترك العزم على ترك المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية؟ أجيب: بأنه لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية لأنّ تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية وذلك لا يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى. تنبيه: أمر الله تعالى برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية، ورتب ذلك على أربع مراتب المرتبة الأولى: قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أي: إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقنعوا بالمثل، ولا تزيدوا عليه فإنّ استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله تعالى ورحمته، وفي قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} دليل على أنّ الأولى له أن لا يفعل كما أنك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح كان معناه: أنّ الأولى بك أن لا تأكله فذكر تعالى بطريق الرمز، والتعريض أنّ الأولى تركه. المرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} وهذا تصريح بأنّ الأولى ترك ذلك الانتقام لأنّ الرحمة أفضل من القسوة والانتفاع أفضل من الانتقام. وقرأ لهو قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون برفعها. المرتبة الثالثة: هو الأمر الجازم بالترك وهو قوله تعالى: {واصبر} لأنه في المرتبة الثانية ذكر أنّ الترك خير وأولى وفي هذه المرتبة الثالثة: صرّح بالأمر بالصبر في هذا المقام. ولما كان الصبر في هذا المقام شديداً شاقاً ذكر بعده ما يفيد سهولته بقوله تعالى: {وما صبرك إلا بالله} أي: الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم فذلك بتوفيقه ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي. ثم ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب بقوله سبحانه وتعالى: {ولا تحزن عليهم} أي: في شدّة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس {ولا تك في ضيق} ولو قل كما لوّح إليه بتنوين التحقير {مما يمكرون} أي: من استمرار مكرهم بك {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر، 99) وكأنك به وقد أتى فاصبر فإنّ الله معزك ومظهر دينك. وقرأ ابن كثير بكسر الضاد والباقون بنصبها. تنبيه: هذا من الكلام المقلوب لأنّ الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلاً في الصفة فكان المعنى: ولا يكن الضيق فيك إلا أنّ الفائدة في قوله تعالى: {ولا تك في ضيق} هو أنّ الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى. المرتبة الرابعة: قوله تعالى: {إنّ الله} أي: الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه {مع الذين اتقوا} أي: وجد منهم الخوف من الله تعالى واجتنبوا المعاصي {والذين هم محسنون} في أعمالهم والشفقة على خلقه، وهذا يجري مجرى
سورة الإسراء
التهديد لأنّ في المرتبة الأولى رغبة في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} . وفي المرتبة الثالثة: أمر بالصبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرابعة: كأنه ذكر الوعيد على فعل الانتقام فقال: {إن الله مع الذين اتقوا} أي: عن استيفاء الزيادة والذين هم محسنون أي: في ترك أصل الانتقام فكأنه تعالى قال: إن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين وهذه المعية بالرحمة والفضل والتربية وفي قوله تعالى: {اتقوا} إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وفي قوله: {والذين هم محسنون} إشارة إلى الشفقة على خلق الله تعالى قيل لهرم بن حبان عند قرب وفاته أوص فقال: إنّ الوصية في المال ولا مال لي ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل. تنبيه: قال بعضهم: إنّ قوله تعالى: {وإن عاقبتم} إلى {لهو خير للصابرين} منسوخ بآية السيف. قال الرازي: وهذا في غاية البعد، لأنّ المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوى إلى الله تعالى وترك التعدّي وطلب الزيادة ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله تعالى بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلته كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية» . حديث موضوع. قال الرازي: في آخر هذه السورة يقول مصنف الكتاب: الحق عزيز، والطريق بعيد، والمركب ضعيف، والقرب بعد، والوصل هجر، والحقائق مصونة، والمعالي في غيب الغيب مكنونة، والأسرار فيما وراء أقفال العزة مخزونة، وبيد الخلق القيل والقال، والكمال ليس إلا لله تعالى ذي الإكرام والجلال. سورة الإسراء وتسمى سبحان وبني إسرائيل مكية إلا {وإن كادوا} الآيات الثمان مائة وعشر آيات أو إحدى عشرة وألف وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة وعدد حروفها ستة آلاف وأربعمائة وستون حرفاً. {بسم الله} الملك المالك لجميع الأمر {الرحمن} لكل ما أوجده بما رباه {الرحيم} لمن خصه بالتزام العمل بما يرضاه. وقوله تعالى: {سبحان} اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه وقد يستعمل علماً له فيقطع عن الإضافة ويمنع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون قال الأعشى في مدحه عامر بن الطفيل: *قد قلت لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر أي: العجب منه إذ يفخر والعرب تقول سبحان من كذا إذا تعجبوا منه الشاهد في سبحان حيث جعله علماً على التنزيه فمنعه الصرف وعلقمة المذكور صحابيّ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيخ فأسلم وبايع واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على حوران فمات بها {الذي أسرى بعبده} هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف عباده على الإطلاق وأحقهم بالإضافة إليه. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي أسرى بالإمالة محضة وورش بين بين
والباقون بالفتح وقوله تعالى: {ليلاً} نصب على الظرف والإسراء سير الليل. وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل وإلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العليّ الأعلى إلى رياضة بصيام ولا غيره بل كان مهيأ لذلك متأهلاً له فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش {من المسجد الحرام} أي: بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق» وقيل كان نائماً في الحطيم، وقيل في بيت أمّ هانئ بنت أبي طالب قال البقاعي: وهو قول الجمهور، والمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد. {إلى المسجد الأقصى} أي: بيت المقدس الذي هو بعيد المسافة حينئذٍ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقاً من مكة المشرّفة بينهما أربعون ليلة فصلى بالأنبياء كلهم إبراهيم وموسى ومن سواهما على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ورأى من آياتنا الكبرى ما قدرنا له كما سيأتي في حديث المعراج، ورجع بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل، وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهراً ذهاباً وشهراً إياباً. ثم وصفه تعالى بما يقتضي تعظيمه، وأنه أهل للقصد بقوله تعالى: {الذي باركنا حوله} أي: بما لنا من العظمة بالمياه والأشجار. وقال مجاهد: سماه مباركاً لأنه مقرّ الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ومنه يحشر الناس يوم القيامة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات، وبارك تعالى حوله لأجله فما ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه، ثم منه إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وسلم قال البقاعي: ولعل حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور أفهامهم عن إدراك أدلته، لو أنكروه بخلاف الإسراء فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وسلم لم يرها قبل ذلك فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله تعالى بالمعراج. ثم ذكر سبحانه وتعالى الغرض من الإسراء بقوله تعالى: {لنريه} بعينه وقلبه {من آياتنا} أي: عجائب قدرتنا السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ملكوت السموات والأرض. {إنه} أي: الله {هو السميع} لجميع الأقوال {البصير} أي: العالم بأحوال عباده فيكرم ويقرّب من شاء منهم وقيل: إنه أي: هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو أي: خاصة السميع أي: أذناً وقلباً بالإجابة لنا والإذعان لأوامرانا البصير بصراً وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات وصدقه من الدلالات حتى نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء. واختلف هل أسري بروحه أو بجسده صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول ما فقدت جسد النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه، والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم «أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس
فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، قال جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة. قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: من معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها. قال صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت له: أي: رب خفف عن أمّتي فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ فقلت: قد حط عني خمساً. قال: إنّ أمّتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، لأنّ أمّتك لا تطيق ذلك. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمساً خمساً حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك فإن أمّتك لا تطيق فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت» رواه الشيخان. وروي أنه قال بعد ذلك: «ولكن أرضى وأسلم فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك» . وروي أنه لما
وصل إلى سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: «ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليّ البيت المعمور ثم أوتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فاخترت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمّتك قال: ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة يوم فرضت فمررت على موسى وساق الحديث» . ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت ربي عز وجل» . قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال: والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم. ومنها ما رواه قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حدّثهم عن ليلة الإسراء به قال: «بينا أنا في الحطيم وربما قال في الحجر، مضطجع ومنهم من قال: بين النائم واليقظان، وذكر بين رجلين وأتيت بطشت من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً فشق من النحر إلى مراق البطن واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد» ، وقال سعيد وهشام: ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيماناً وحكمة «ثم أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته وساق بقية الحديث» . ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيت أمّ هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به، ورجع من ليلته، وقص القصة على أمّ هانئ. وقال: «مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أمّ هانئ بثوبه فقال: ما لك؟ قالت: أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم. قال: وإن كذبوني فخرج إليهم» . وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكان بذي طوى قال: «يا جبريل إنّ قومي لا يصدّقوني. قال: يصدّقك أبو بكر الصدّيق» . قال ابن عباس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت أنّ الناس يكذبوني» . فروي «أنه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلاً حزيناً فمرّ به أبو جهل فجلس إليه فقال كالمستهزئ: هل استفدت من شيء؟ قال: نعم، أسري بي الليلة. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤيّ هلموا فانفضت إليه المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما قال: حدّث قومك بما حدّثتني. قال: نعم، إني قد أسري بي الليلة. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قالوا: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتدّ ناس ممن كان آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه. فقالوا له: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال: أو قد قال؟ قالوا: نعم. قال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: تصدّقه على ذلك؟ قال: إني لأصدّقه على أبعد من ذلك أصدّقه على خبر السماء في غدوة أو روحة فسمي الصدّيق. قال: وفي القوم من كان يأتي المسجد الأقصى، فقالوا: فهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد الأقصى قال: نعم. قال: فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس عليّ. قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم: أما النعت فو الله لقد أصاب ثم قالوا: يا
محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهمّ إلينا هل لقيت منها شيئاً قال: نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته ثم وضعته كما كان فاسألوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه. قالوا هذه آية قال: ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان راكبان قعوداً لهما فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان فانكسرت يده فاسألوهما عن ذلك. قالوا: وهذه آية. قالوا: فأخبرنا عن عيرنا متى تجيء قال: مررت بها بالتنعيم قالوا: فما عدّتها وما حملها وما أحمالها ومن فيها. فقال: هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا: وهذه آية، ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون: والله لقد قص محمد شيئاً وبينه حتى أتوا كداء فجلسوا عليه فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم: هذه الشمس والله قد أشرقت فقال آخر: والله وهذه العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين» والأورق من الإبل الذي في لونه بياض إلى سواد وهو أطيب الإبل لحماً قاله الجوهري. ومنها ما روي عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذرّ يحدث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، وجاء بطشت من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي وعرج بي إلى السماء فلما جئنا إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: ومن هذا؟ قال جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد. قال: فأرسل إليه؟ قال: نعم ففتح، قال: فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبيّ الصالح. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار وإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، ثم عرج بي جبريل حتى أتى إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها: مثل ما قال خازن السماء الدنيا. فقال أنس بن مالك فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يبين كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة. قال: فلما مرّ جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإدريس فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيّ الصالح. قال: فقلت: من هذا؟ قال: إنه إدريس. قال: ثم مررت بموسى فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح والأخ الصالح. قال: قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى فقال: ثم مررت بعيسى فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح والأخ الصالح. قال: فقلت من هذا؟ قال: عيسى، ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبيّ الصالح. قال: فقلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم. قال ابن شهاب: أخبرني ابن حزم أنّ ابن عباس كان يقول كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صرير الأقلام» . وروى معمر عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أتى بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً فاستصعب عليه فقال جبريل أبمحمد تفعل هذا فماركبك أحد أكرم على الله منه فارفض عرقاً وقال ابن زيد
عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهيت إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها حجراً وشد به البراق وفي رواية أنه جاء جبريل بالبراق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له يامحمد اركب فركبه صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل وطار به البراق في الهواء فاخترق به الجو فعطش صلى الله عليه وسلم واحتاج إلى الشراب فأتاه جبريل باناءين إناء من لبن وإناء من خمر وذلك قبل تحريم الخمر فعرضهما عليه فتناول اللبن فقال له جبريل عليه السلام أصبت الفطرة أصاب الله تعالى بك أمّتك ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتأوّل اللبن بالعلم فلما وصل إلى السماء الدنيا استفتح إلى أن قال ثم عرج بي إلى سدرة المنتهى وأخبره جبريل أن أعمال بني آدم تنتهي إلى تلك السدرة وأنها مقر الأرواح فهي نهاية لما ينزل مما فوقها ونهاية لما يعرج إليها مما هو دونها وبها مقام جبريل عليه السلام فنزل صلى الله عليه وسلم عن البراق وجيء إليه بالرفرف وهو نظير المحفة عندنا فقعد عليه وسلمه جبريل إلى الملك النازل بالرفرف فسأله الصحبة ليأنس به فقال له: لا أقدر لو خطوت خطوة لاحترقت فما منا إلا له مقام معلوم وما أسرى الله بك يا محمد إلا ليريك من آياته فلا تغفل، فودّعه وانصرف مع ذلك الملك والرفرف، والملك يمشي به إلى أن ظهر لمستوى سمع فيه صرير الأقلام في الألواح وهي تكتب ما يجريه الله تعالى في خلقه وما تنسخه الملائكة من أعمال عباده قال تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (الجاثية، 29) ثم زج بي في النور زجة فأفرده الملك الذي كان معه وتأخر عنه فلم يره معه فعلم أن الرفرف ما تدلى إلا لكون البراق له مكان لا يتعدّاه كجبريل، لما بلغ إلى المكان الذي لا يتعدّاه وقف وكذلك الرفرف لما وصل إلى مقام لا يتعدّاه زج به في النور فغمره النور من جميع نواحيه وأعطي علماً آخر لم يكن يعلمه قبل ذلك عن وحي من حيث لا يدري وجهته» : وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد رأيتني وأنا في الحجر وقريش تسألني عن مسراي: فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط فرفعه الله إليّ لأنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبئتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا بموسى قائم يصلي فإذا رجل جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني به نفسه صلى الله عليه وسلم فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام» . وعن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما كذبني قريش قمت إلى الحجر فجلّى الله لي بيت المقدس» وذكر الحديث. وعن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره» . فإن قيل: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى يصلي في قبره وكيف تصلي الأنبياء بعد الموت وهم في دار الآخرة؟ أجيب: بأن صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام ببيت المقدس يحتمل أن الله تعالى جمعهم له ليصلي بهم ويعرفوا فضله وتقدّمه عليهم، ثم إن الله تعالى أراه إياهم في السموات على مراتبهم ليعرف هو مراتبهم وفضلهم، وأما مروره بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر
فيحتمل أنه كان بعد رجوعه من المعراج، وأما حكم صلاة الأنبياء وهم في الدار الآخرة فهم في حكم الشهداء بل هم أفضل منهم، وقد قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء} (آل عمران، 169) فالأنبياء بعد الموت أولى، وأمّا حكم صلاتهم فيحتمل أنها بالذكر والدعاء وذلك من أعمال الآخرة. قال تعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهمّ} (يونس، 10) وورد في الحديث أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ويحتمل أن الله تعالى خصهم بخصائص في الآخرة كما خصهم في الدنيا بخصائص لم يخص بها غيرهم. منها أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رآهم يلبون ويحجون فكذلك الصلاة والله أعلم بحقائق الأمور. وروي عن شريك بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أوّلهم: أيهم هو. قال أوسطهم: هو خيرهم فقال آخرهم: خذوا خيرهم» وساق حديث المعراج بقصته. قال: «فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان قال: ما هذان يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات عنصرهما ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه نهر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أذفر. قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هو الكوثر الذي خبأ لك ربك» وذكر في آخر حديثه أنه صلى الله عليه وسلم قال في آخر الحديث: «ثم علا بي حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار ورب العزة فتدلى فكان منه كقاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه» وذكرت عائشة أنّ الذي دنا فتدلى جبريل عليه السلام وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة النجم. فإن قيل: قوله تعالى: {لنريه من آياتنا} (الإسراء، 1) يدلّ على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات لأنّ كلمة من تفيد التبعيض وقال في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} (الأنعام، 75) أي: ملكهما فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل من معراج محمد عليهما الصلاة والسلام؟ أجيب: بأنه لما أضيفت تلك الآيات إلى الله تعالى دلّ على أنها أفضل مما رآه إبراهيم. تنبيه: قال النووي في شرح مسلم قد جاء في رواية شريك في حديثه أوهام أنكر عليه العلماء فيها منها قوله وذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه وإنّ الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً. وقال الطبراني: كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهري: كان بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين قال ابن إسحق أسرى به صلى الله عليه وسلم وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل وقيل كان الإسراء في رجب ويقال في رمضان قال النووي وأشبه الأقوال قول الزهري وابن إسحق ومما يدل على أنه أسري بجسده صلى الله عليه وسلم قوله تعالى {أسرى بعبده} ولفظ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أتيت بالبراق» وهو اسم للدابة وهي التي ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به واشتقاقه من البرق لسرعته أو لشدة صفائه وبياضه ولمعانه وتلألؤ نوره والحلقة بإسكان اللام ويجوز فتحها والمراد بربط البراق بالحلقة الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب وأنّ ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى وقوله جاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فيه اختصار
والتقدير قال لي اختر فاخترت اللبن وقول جبريل اخترت الفطرة يعني فطرة الإسلام وجعل اللبن علامة الفطرة الصحيحة السليمة لكونه سهلاً طيباً سائغاً للشاربين وإنه سليم العاقبة بخلاف الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشرّ وقوله: ثم عرج بي حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فيه بيان الأدب لمن استأذن أن يقول أنا فلان، ولا يقول أنا فقط فإنه مكروه، وفيه أن للسماء أبواباً وبوّابين عليها حرساً وقول بوّاب السماء وقد أرسل إليه وفي الرواية الأخرى، وقد بعث إليه معناه للاستواء وصعود السماء وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإنّ ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدّة، وقوله فإذا أنا بآدم وذكر جماعة من الأنبياء فيه استحباب لقاء أهل الفضل والصلاح بالبشر والترحيب والكلام الحسن وإن كان الزائر أفضل من المزور وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه، إذا أمن عليه من الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة وقوله فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور فيه دليل على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل ظهره إليها. وقوله ذهب بي إلى السدرة المنتهى هكذا وقع في هذه الرواية بالألف واللام وفي باقي الروايات إلى سدرة المنتهى. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: سميت بذلك لأنّ علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن مسعود: سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله عز وجل. وقوله وإذا ثمرها مثل القلال هو بكسر القاف جمع قلة بضمها وهي الجرّة الكبيرة التي تسع قربتين أو أكثر وقوله فرجعت إلى ربي. قال النووي: معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته منه أولاً فناجيته فيه ثانياً وقوله فلم أزل أرجع بين موسى وبين ربي معناه ربي موضع مناجاة ربي. وقوله ففرض على أمتي خمسين صلاة إلى قوله فوضع عني خمساً وفي رواية شطرها وفي رواية عشراً ليس بين هذه الروايات منافاة لأنّ المراد بالشطر الجزء وهو الخمس وليس المراد منه التنصيف وأمّا رواية العشر فهو رواية شريك ورواية الخمس رواية قتادة وهو أثبت من شريك والمراد حط عني خمساً إلى آخره، ثم قال: هي خمس وهنّ خمسون يعني خمسين في الأجر والثواب لأنّ الحسنة بعشر أمثالها، واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله وفي الحديث أنه شق صدره ليلة المعراج وقد شق صدره أيضاً في صغره وهو عند حليمة التي كانت ترضعه فالمراد بالشق الثاني زيادة التطهير لما يراد به من الكرامة ليلة المعراج وقوله: أتيت بطشت من ذهب قد يتوهم أنه يجوز استعمال الذهب لنا وليس الأمر كذلك لأنّ هذا الفعل من فعل الملائكة وهم مباح لهم استعمال الذهب، أو لعل هذا كان قبل تحريمه. وقوله ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغها في صدري قد يقال الحكمة والإيمان من المعاني والإفراغ صفة الأجسام فما معنى ذلك أجيب بأنه يحتمل أنه جعل في الطشت شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما تسمى إيماناً وحكمة لكونه سبباً لها، وهذا من أحسن المجاز. وقوله في صفة آدم: فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة هو جمع سواد وقد فسره في الحديث بأنه نسم بنيه يعني أرواح بنيه. فإن قيل: أرواح المؤمنين في السماء وأمّا أرواح الكفار فتحت
الأرض السفلى فكيف تكون في السماء؟ أجيب: بأنه يحتمل أنّ أرواح الكفار تعرض على آدم عليه السلام وهو في السماء فوافق وقت عرضها على آدم مرور النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبر بما رأى. وقوله: إذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى، ففيه شفقة الوالد على أولاده وسروره وفرحه بحسن حال المؤمن منهم وحزنه على حال الكافر منهم وقوله في إدريس مرحباً بالأخ الصالح والنبيّ الصالح، قد اتفق المؤرخون أنه هو أخنوخ جدّ نوح فيكون جدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كما أنّ إبراهيم جدّه فكان ينبغي أن يقول بالنبيّ الصالح والابن الصالح كما قال آدم وإبراهيم؟ وأجيب: بأنه قيل إنّ إدريس المذكور هنا هو إلياس وهو من ذرية إبراهيم فليس هو جدّ نوح قاله القاضي عياض. وقال النووي: ليس في هذا الحديث ما يمنع كون إدريس أباً لنبينا صلى الله عليه وسلم وأنّ قوله: الأخ الصالح يحتمل أن يكون قاله تلطفاً وتأدّباً وهو أخ وإن كان ابناً لأنّ الأنبياء إخوة والمؤمنون إخوة انتهى. وإنما أطلت في بيان ذلك لأنّ الكلام مع الأحبة يحلو ولولا خوف الملل ما اقتصرت على ذلك. فقد قال بعض المفسرين لا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه التي فضل بها كافة الأنبياء ما تضمنته هذه السورة ولكن في هذا القدر كفاية لأولي الألباب. ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به صلى الله عليه وسلم عن نفسه المقدّسة من عظيم القدرة وما جاءه صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير أتبعه ما منح في السير من مصر إلى الأرض المقدّسة من الآيات في مدد طوال موسى عليه الصلاة والسلام الذي كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمّة ليلة الإسراء لما أرشد النبيّ صلى الله عليه وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين فقال: {وآتينا} أي: بعظمتنا {موسى الكتاب} أي: التوراة {وجعلناه} أي: الكتاب بما لنا من العظمة {هدى لبني إسرائيل} بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام وأسرينا بموسى عليه السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى، فأقاموا سائرين إليها أربعين سنة ولم يصلوا ومات كل من خرج إلا المتقين الموفين بالعهد فقد بان الفضل بين الإسراءين كما بان الفضل بين الكتابين، فذكر الإسراء أوّلاً دليل على حذف مثله أوّلاً فالآية من الاحتباك ثم نبه على أنّ المراد من ذلك كلمة التوحيد اعتقاداً وعبادة بقوله تعالى: {أنّ لا} أي: لئلا {يتخذوا} على قراءة أبي عمرو بالياء على الغيبة، وقرأ غيره بالتاء على أن لا تتخذوا كقولك كتبت إليه أن أفعل كذا. {من دوني وكيلاً} أي: ربا تكلون إليه أموركم، وذلك هو التوحيد فلا معراج أعلى ولا درجة أشرف ولا نعمة أعظم من أن يصير المرء غريقاً في بحر التوحيد وأن لا يعوّل في أمر من الأمور إلا على الله تعالى، فإن نطق نطق بذكر الله، وإن تفكر تفكر في دلائل تنزيه الله وإن طلب طلب من الله، فيكون كله لله وبالله وإلى الله. وقوله تعالى: {ذرية} نصب على الاختصاص في قراءة أبي عمرو وعلى النداء عند الباقين أي: يا ذرّية {من حملنا} أي: في السفينة بعظمتنا على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء ونبه تعالى على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى: {مع نوح} ففي ذلك تذكير بإنعام الله تعالى
عليهم وإنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح في السفينة. قال قتادة: الناس كلهم من ذرّية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاث بنين سام وحام ويافث، فالناس كلهم من ذرّية أولئك. قال البقاعي: لأنّ الصحيح أنّ من كان معه من غير ذرّيته ماتوا ولم يعقبوا ولم يقل ذرّية نوح ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى. ثم إنه تعالى أثنى على نوح حثاً على الاقتداء به في التوحيد كما اقتدى به آباؤهم في ذلك بقوله تعالى: {إنه كان عبداً شكوراً} أي: مبالغاً في الشكر الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه لما خلق له. روي أنه عليه الصلاة السلام كان إذا أكل قال: «الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني» وفي رواية «أنه يسمي إذا أكل ويحمد إذا فرغ، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حداني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه» . وفي رواية أنه كان يقول: «الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفعته في جسدي وأخرج عني أذاه» . وفي رواية: أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من مرّ به فإن وجده محتاجاً آثره به. ولما ذكر تعالى إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة عليهم، وبأنه جعل التوراة هدى لهم بين أنهم ما اهتدوا بهداه بل وقعوا في الفساد بقوله تعالى: {وقضينا} أي: أوحينا {إلى بني إسرائيل} أي: إلى بني عبدنا يعقوب عليه السلام الذي كان أطوع أهل زمانه وحياً مقطوعاً مثبوتاً {في الكتاب} أي: التوراة التي قد أوصلناها إليهم على لسان موسى عليه السلام وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وقوله تعالى: {لتفسدنّ} جواب قسم محذوف ويجوز أن يجري القضاء المثبوت مجرى القسم فيكون لتفسدنّ جواباً له كأنه قال: وأقسمنا لتفسدنّ {في الأرض} أي: أرض الشام قاله السيوطي. وقال الرازي: أرض مصر ويوافق الأوّل قول البقاعي أي: المقدّسة التي كأنها لشرفها هي الأرض. {مرّتين} أي: إفسادتين. قال في «الكشاف» : أولاهما قتل زكريا عليه السلام وحبس أرميا حين أنذرهم بسخط الله تعالى، والأخرى قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى بن مريم. وقال البيضاوي: الأولى مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا أو قتل أرميا. وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم السلام. {ولتعلنّ} أي: بما صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم {علوّاً كبيراً} بالظلم والتمرّد لأنه يقال لكل متجبر قد علا وتعظم {فإذا جاء وعد أولاهما} أي: أولى مرّتي الفساد وهو الوقت الذي جدّدنا لهم الانتقام فيه {بعثنا عليكم عباداً لنا} أي: لا يدان لكم بهم كما قال تعالى: {أولي بأس شديد} أي: أصحاب قوّة في الحرب. واختلف فيهم فقال في «الكشاف» : سنحاريب وجنوده، وقيل بختنصر. وقال ابن عباس: جالوت قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخرّبوا المساجد وسبوا منهم سبعين ألفاً. وقال البيضاوي: عباداً لنا بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده، وقيل: جالوت الحزري وهو بحاء فزاي: مفتوحتين فراء نسبة إلى الحزر وهو ضيق العين وصغرها، وهو الذي قتله داود أو جيل من الناس. وذكر الرازي في ذلك قولين: الأوّل: أنّ الله تعالى سلط عليهم بختنصر فقتل منهم أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة وذهب
بالبقية إلى أرض نفسه، فبقوا هناك في الذل. الثاني: أنّ الله تعالى ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال الله ذلك الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: أفسدوا المرّة الأولى، فأرسل الله عليهم جالوت فقتلهم وأفسدوا المرّة الثانية فقتلوا يحيى بن زكريا فبعث الله عليهم بختنصر. وعن ابن مسعود قال: كان أوّل الفساد من قتل زكريا فبعث الله عليهم ملك القبط. وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: الأولى قتل زكريا والأخرى قتل يحيى. قاله الرازي. واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط الله عليهم أقواماً فقتلوهم وأفنوهم. ثم قال الله تعالى: {فجاسوا} أي: تردّدوا لطلبكم {خلال الديار} أي: وسطها للقتل والغارة. قال البيضاوي: فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرّقوا التوراة وخرّبوا المسجد، والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك أولوا البعث بالتخلية انتهى. وفي ذلك تعريض بالزمخشري فإنه قال في «كشافه» : فإن قلت كيف جاز أن يبعث الله تعالى الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه. قلت: معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم على أنّ الله عز وجل أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه فهو كقوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون} (الأنعام، 129) . {وكان} أي: ذلك البعث ووعد العقاب به {وعداً مفعولاً} أي: قضاء كائناً لازماً لا شك في وقوعه ولا بدّ أن يفعل. {ثم رددنا لكم الكرّة} أي: الدولة والغلبة {عليهم} حتى تبتم عن ذنوبكم ورجعتم عن الفساد في زمن داود بقتله جالوت وذلك بعد مائة سنة {وأمددناكم بأموال} تستعينون بها على قتال عدوّكم {وبنين} تتقوّون بهم {وجعلناكم أكثر} من عدوّكم {نفيراً} أي: عشيرة تنفر معكم عند إرادة القتال وغيره من المهمات والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل: جمع نفر، وهم المجتمعون للذهاب إلى العدوّ. ولما حكى الله تعالى عنهم أنهم لما عصوا سلط الله عليهم أقواماً قصدوهم بالقتل والنهب والسبي ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة، وأعاد عليهم الدولة فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا الله فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصرّوا على المعصية فقد أساؤوا على أنفسهم وقد تقرّر في العقول أنّ الإحسان إلى النفس حسن مطلوب وأنّ الإساءة إليها قبيحة فلهذا المعنى قال تعالى: {إن أحسنتم} أي: بفعل الطاعة على حسب الأمر في الكتاب الداعي إلى العدل والإحسان {أحسنتم لأنفسكم} أي: لأنّ ثوابها لها {وإن أسأتم} بارتكاب المحرّمات والإفساد {فلها} أي: الإساءة لأنّ وبالها عليها. قال النحويون: وإنما قال: {وإن أسأتم فلها} للتقابل، والمعنى فإليها أو فعليها كما مرّ مع أنّ حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض كقوله تعالى: {يومئذٍ تحدّث أخبارها بأن ربك أوحى لها} (الزلزلة: 4، 5) أي: إليها. تنبيه: قال أهل الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله غالبة على غضبه بدليل أنه تعالى لما حكى عنهم الإحسان ذكره مرّتين فقال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرّة واحدة فقال تعالى: {وإن أسأتم فلها} ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا لما كان كذلك ثم قال: {فإذا جاء وعد الآخرة} أي: ثانية في
الإفساد وهو الوقت الذي حدّدنا له الانتقام فيه. {ليسوءوا} أي: بعثنا عليكم عباداً لنا ليسوءوا {وجوهكم} أي: بجعل آثار الإساءة بائنة فيها وحذف متعلق اللام لدلالة الأوّل عليه. وقرأ الكسائي بعد اللام بنون مفتوحة على التوحيد والضمير فيه لله والباقون بالياء مفتوحة، وأمّا الهمزة التي بعد الواو والتي بعد السين فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص بضم الهمزة ومدّها والباقون بفتح الهمزة ولا مدّ وقوله تعالى: {وليدخلوا المسجد} عطف على ليسوءوا والمراد بالمسجد الأقصى الذي سقناكم إليه من مصر في تلك المدد الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج وجعلناه محل عزكم وأمنكم ثم جعلناه محلاً لإكرام أشرف خلقنا بالإسراء إليه وجمع أرواح النبيين كلهم فيه وصلاته بهم، وهذا تعريض بتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا بدل الله أمنهم في الحرم خوفاً وعزهم ذلاً، وأدخل عليهم جنوداً لا قبل لهم بها، وقد فعل ذلك عام الفتح لكنه فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم {كما دخلوه} أي: الأعداء {أوّل مرّة} بالسيف ويقهروا جميع جنودكم دفعة واحدة {وليتبروا} أي: يهلكوا ويدمروا مع التقطيع والتفريق {ما علوا} أي: عليه من ذلك وقيل ما مصدرية أي: مدّة علوهم {تتبيراً} أي: إهلاكاً. قال الزجاج: وكل شيء جعلته مكسراً مفتتاً فقد تبرته ومنه قيل تبر الزجاج، وتبر الذهب لمكسره، ومنه قوله تعالى: {إنّ هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} (الأعراف، 139) . قال الرازي: وهذه المرّة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام. قال البيضاوي: وذلك بأن سلط عليهم الفرس مرّة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه حردون، وقيل جردوس، قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم جمع قربان فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا: دم قربان لم يقبل منا فقال: ما صدقتموني فقتل عليه ألوفاً منهم فلم يهدأ الدم، ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً فقالوا إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ينتقم ربكم منكم، ثم قال: يا يحيى أي: خطاباً لدمه قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل أن لا يبقى أحد منهم فهدأ أي: سكن.l وقال الواحدي: فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه فسبى بني إسرائيل وخرب بيت المقدس. قال الرازي: أقوال التواريخ تشهد أنّ بختنصر كان قبل وقت عيسى ويحيى وزكريا بسنين متطاولة، ومعلوم أنّ الملك الذي انتقم من اليهود ملك الروم يقال له قسطنطين الملك والله أعلم بأحوالهم ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام انتهى. ولما انقضى ذلك كان كأنه قيل هل بقي لهم نصرة على عدوّهم؟ فقال تعالى: يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم فترد الدولة إليكم ثم بعد أن أطمعهم فزعهم بقوله تعالى: {وإن عدتم} أي: إلى المعصية {عدنا} أي: إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرّة أخرى. قال القفال: إنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبراً عن بني إسرائيل: {وإذ تأذن ربك ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامةمن يسومهم سوء العذاب} (الأعراف، 167) . ثم قال وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل فعاد الله تعالى عليهم بالتعذيب على أيدي
العرب فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء ثم الباقي منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان ثم قال تعالى {وجعلنا} أي: بعد ذلك بعظمتنا {جهنم} أي: التي تلقى داخلها بالتجهيم والكراهة {للكافرين} وذكر الوصف الظاهر موضع الضمير لبيان تعلق الحكم به على سبيل الرسوخ سواء في ذلك هم وغيرهم وقوله تعالى {حصيرا} يحتمل أن يكون فعيلاً بمعنى الفاعل أي: جعلنا جهنم حاصراً لهم ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول أي: جعلناها موضعاً محصوراً لهم والمعنى أنّ عذاب الدنيا وإن كان شديداً قوياً إلا أنه قد ينقلب بعض الناس عنه والذي يقع في ذلك العذاب يتخلص منه إمّا بالموت وإمّا بطريق آخر، وأمّا عذاب الآخرة فإنه يكون حاصراً للإنسان محيطاً به لا رجاء في الخلاص عنه فهؤلاء الأقوام لهم من عذاب الدنيا ما وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطاً بهم من جميع الجهات ولا يتخلصون منه أبداً. ولما بين سبحانه وتعالى كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت المقدس في تلك المدّة المتطاولة وجعله هدى لبني إسرائيل صادق الوعد والوعيد بين تعالى كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب مسيره إليه في ذلك، ووصفه بثلاثة أنواع من الصفات الأولى قوله تعالى: {إنّ هذا القرآن} أي: الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس {يهدي للتي} أي: إلى الطريق التي {هي أقوم} أي: أصوب من كل طريق فقوله تعالى: {للتي هي أقوم} نعت لموصوف محذوف كما تقرّر ويصح أن يقدّر الملة والشريعة أي: يهدي إلى الملة والشريعة التي هي أقوم الملل والشرائع ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن كقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} (المؤمنون، 96) وقيل إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله. تنبيه: لفظ افعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا الله أكبر أي: الله الكبير وكقولنا الأشج والناقص أعدلا بني مروان، فأقوم يحتمل أن يكون كذلك وأن يبقى على ظاهره. الصفة الثانية قوله تعالى: {ويبشر المؤمنين} أي: الراسخين في هذا الوصف ولهذا قيدهم بياناً لهم بقوله: {الذين} أي: يصدّقون إيمانهم بأنهم {يعملون} أي: على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم {الصالحات} من التقوى والإحسان {أنّ لهم أجراً كبيراً} هو الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة والباقون بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشدّدة. فإن قيل: قال هنا {أجراً كبيراً} وفي الكهف {أجراً حسناً} (الكهف، 2) أجيب: بوقوع ذلك لموافقة الفواصل قبل وبعد في كل منهما. الصفة الثالثة قوله تعالى: {وأنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا} أي: أحضرنا وهيأنا {لهم عذاباً أليماً} وهو النار في الآخرة وهو عطف على أنّ لهم أجراً كبيراً، والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم، نظيره قولك بشرت زيداً بأنه سيعطى وبأنّ عدوّه سيمنع. فإن قيل: كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب؟ أجيب: بأنّ هذا مذكور على سبيل التهكم أو أنه من باب إطلاق أحد الضدّين على الآخر كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى، 40) أو على يبشر بإضمار يخبر. فإن قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود
وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة؟ أجيب: بأنّ أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين وبأنّ بعضهم قال: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} (آل الأعراف، 24) فهم بذلك صاروا كالمنكرين للآخرة. ولما بين سبحانه وتعالى أنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، والإنسان قد يقدم على ما لا فائدة فيه بينه بقوله تعالى: {ويدع الإنسان بالشرّ} عند ضجره على نفسه وأهله وماله {دعاءه} أي: مثل دعائه {بالخير} ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. روي أنه صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئنّ في الليل فقالت له: ما لك؟ فبكى وشكا فرحمته فأرخت كتافه فهرب، فلما أصبح النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا به فأعلم بشأنه فقال صلى الله عليه وسلم «اللهمّ اقطع يدها فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله تعالى يدها، فندم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضبون فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له وقيل المراد النضر بن الحرث حيث قال: اللهمّ انصر خيرالحزبين اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك إلى آخره فأجاب الله تعالى دعاءه وضربت رقبته يوم بدر صبراً. وكان بعضهم يقول: {ائتنا بعذاب الله} (العنكبوت، 29) وآخرون يقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} (يونس، 48) وإنما فعلوا ذلك للجهل ولاعتقاد أنّ محمداً كاذب فيما يقول، وقيل المراد أنّ الإنسان قد يبالغ في الدعاء طالباً لشيء قد يعتقد أنّ خيره فيه مع أنّ ذلك الشيء منبع لشرّه وضرره وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء وإنما يقدّم على مثل هذا العمل لكونه عجولاً مغترّاً بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها، كما قال تعالى: {وكان الإنسان} أي: الجنس {عجولاً} أي: يسارع إلى كل ما يخطر بباله ولا ينظر إلى عاقبته وقيل المراد آدم عليه السلام لما انتهى الروح إلى سرّته ذهب لينهض فسقط. تنبيه: حذفت واو ويدع أي: التي هي لام الفعل خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفها لفظاً في العربية لكنها لما كانت لا تظهر في اللفظ حذفت في الخط، ونظيره قوله تعالى: {سندع الزبانية} (العلق، 18) و {سوف يؤت الله المؤمنين} (النساء، 146) و {يوم يناد المنادي} (ق، 41) {فما تغن النذر} (القمر، 5) . قال الفراء: ولو كان ذلك بالواو والياء لكان صواباً. وقال الرازي: أقول هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قد عظم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير فإنّ إثبات الواو والياء في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتها في هذه المواضع المعدودة يدل على أنّ هذا القرآن نقل كما سمع وأن أحداً لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوّة عقله. ولما بيّن تعالى ما أوصل من نعم الدين وهو القرآن أتبعه بما وصل إليهم من نعم الدنيا فقال: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} دالتين على تمام العلم وشمول القدرة آية الليل كالآيات المتشابهة وآية النهار كالمحكمة فكما أنّ المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا بهاتين الآيتين {فمحونا} أي: بعظمتنا الباهرة {آية الليل} أي: طمسنا نورها بالظلام ليسكنوا فيه فجعلناها لا يبصر فيها المرئيات كما لا يبصر الكتاب إذا محي. {وجعلنا} مما لنا من القدرة. {آية النهار مبصرة} أي: مبصراً فيها بالضوء فلا تزال هذه الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن الظلمة إلى النور كما أن الإنسان بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله من انتقال من نقصان إلى كمال ومن كمال إلى
نقصان، كما أن القمر الذي هو أنقص من الشمس كذلك. قال ابن عباس: جعل الله نور الشمس سبعين جزءاً ونور القمر كذلك فمحى من نور القمر تسعة وستين جزءاً فجعلها مع نور الشمس. وحكي أن الله تعالى أمر جبريل فأمر بجناحه على وجه القمر ثلاث مرّات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور. وسأل ابن ذكوان علياً رضي الله عنه عن السواد الذي في القمر قال هو أثر المحو. تنبيه: المراد من الآيتين بعض الليل والنهار فالإضافة للبيان أي: أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا، أمّا الدين فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له مع كونهما متعاقبين على الدوام وهو من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين بذاتهما بل لا بدّ لهما من فاعل يدبرهما ويقدّرهما بالمقادير المخصوصة، وأمّا في الدنيا فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار فلولا الليل ما حصل السكون والراحة ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرّف وقيل الليل والنهار ظرفان والتقدير وجعلنا آيتين في الليل والنهار والمراد بالآيتين على هذا إمّا الشمس والقمر وإمّا تكوير هذا على هذا وهذا على هذا ثم ذكر تعالى بعض المنافع المرتب على ذلك بقوله تعالى: {لتبتغوا} أي: تطلبوا طلباً شديداً {فضلاًمن ربكم} أي: المحسن إليكم فيهما بضياء هذا تارة ونور هذا أخرى {ولتعلموا} بفصل هذا عن هذا {عدد السنين والحساب} لأن الحساب يبنى على أربع مراتب الساعات والأيام والشهور والسنين، والعدد للسنين والحساب لما دون السنين وهي الشهور والأيام والساعات وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلا التكرار كأنهم رتبوا العدد على أربع مراتب الآحاد والعشرات والمئات والألوف وليس بعدها إلا التكرار. ولما ذكر تعالى أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا، وقد ذكر تعالى في آيات كثيرة منافعهما كقوله تعالى: {وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً} (النبأء: 10، 11) . وكقوله تعالى: {جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} (القصص، 73) وشرح تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق، ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق، كان ذلك تفصيلاً نافعاً وتبياناً كاملاً فلا جرم، قال تعالى: {وكل شيء} أي: لكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم {فصلناه تفصيلاً} أي: بيناه تبييناً، وهو كقوله تعالى: {ما فرّطنا في الكتاب من شيء} (الأنعام، 38) وكقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} (النحل، 89) وقوله: {تدمّر كل شيء بأمر ربها} (الأحقاف، 25) . وإنما ذكر تعالى تفصيلاً لأجل توكيد الكلام وتقريره، فكأنه قال: فصلناه حقاً. ولما بين تعالى أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدنيا والدين مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعماً عليهم بوجود النعم وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤولاً عن أعماله وأقواله كما قال تعالى: {وكل إنسان ألزمناه} أي: بعظمتنا {طائره} أي: عمله الذي قدرناه عليه من خير وشرّ، لأن العرب كانوا إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى عمل شرّ اعتبروا أحوال الطير وهو أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه وإذا طار فهو يطير متيامناً أو متياسراً
أو صاعداً إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة فلما كثر ذلك منهم سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه فقوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} (الإسراء، 13) أي: وكل إنسان ألزمناه عمله {في عنقه} الذي هو محل التزين بالقلادة ونحوها ومحل الشين بالغل ونحوه فإن كان عمله خيراً كان كالقلادة والحلي في العنق وهذا مما يزينه وإن كان عمله شرّاً كان كالغل في عنقه وهو مما يشينه وقال مجاهد ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، قال الرازي: والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والفهم والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك المقدار وإن كان ينحرف عنه بل لا بدّ وأن يصل إليه ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية فتلك الأشياء المقدرة كأنها تطير إليه وتصير إليه فلهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدّرة بلفظ الطائر فقوله تعالى {ألزمناه طائره في عنقه} (الإسراء، 13) كناية عن كل ما قدّره الله ومعنى في عنقه حصوله له فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» انتهى ملخصاً. ثم قال تعالى: {ونخرج له يوم القيامة كتاباً} أي: مكتوباً فيه عمله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. قال الحسن: بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك، فأمّا الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأمّا الذي عن شمالك فيحفظ لك سيئاتك، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة، وقوله تعالى: {يلقاه منشوراً} صفتان لكتاباً وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف على البناء للمفعول من لقيته كذا أي: استقلبته به والباقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، وأمال الألف بعد القاف حمزة والكسائي محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ثم إنه إذا لقي كتابه يوم القيامة يوم العرض قيل له: {اقرأ كتابك} أي: بنفسك {كفى بنفسك اليوم} الذي تكشف فيه الستور وتظهر جميع الأمور {عليك حسيباً} أي: حساباً بليغاً فإنك تعطى القدرة على قراءته أمياً كنت أو قارئاً ولا ترى فيه زيادة ولا نقصاناً ولا تقدر أن تنكر منه حرفاً وإن أنكره لسانك شهدت عليك أركانك فيا لها من قدرة باهرة وقوّة قاهرة ونصفة ظاهرة. قال الحسن: عدل والله في حقك من جعلك حسيب نفسك. وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} فإن قيل: قد قال تعالى: {وكفى بنا حاسبين} فكيف الجمع في ذلك؟ أجيب: بأنّ المراد بالحسيب هنا الشهيد أي: كفى بشخصك اليوم شاهداً عليك أو أنّ القيامة مواقف مختلفة ففي موقف يكل الله تعالى حسابهم إلى أنفسهم وعلمه محيط بهم وفي آخر يحاسبهم هو. وقوله تعالى: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} لأنّ ثواب اهتدائه له لا ينجي غيره {ومن ضل فإنما يضل عليها} أي: إثمه عليها فلا يضرّ في ضلاله سواه، كما قال الكلبي دلالة على أنّ العبد متمكن
من الخير والشرّ وإنه غير مجبور على عمل بعينه أصلاً لأنّ قوله تعالى: {من اهتدى} إلى آخره إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد، أمّا المجبور على أحد الطرفين الممنوع عن الطرف الثاني فهذا لا يليق به، هذا مذهب أهل السنة والجماعة فاتبعه ترشد ثم إنه تعالى أعاد تقرير أنّ كل أحد مختص بأثر عمل نفسه بقوله تعالى: {ولا تزر} أي: نفس {وازرة} أي: آثمة أي: لا تحمل {وزر} نفس {أخرى} بل إنما تحمل وزرها فقط. فإن قيل: ورد أنّ المظلوم يأخذ من حسنات الظالم فإذا لم يوف يؤخذ من سيئات المظلوم وتطرح على الظالم؟ أجيب: بأنّ ذلك بسببه فهو كفعله. فإن قيل: قد ورد أن الميت ببكاء أهله؟ أجيب: بأنّ ذلك محمول على ما إذا أوصى بذلك وكان ذلك الفعل كقول طرفة بن العبد: *إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد وعليه حمل الجمهور الأخبار الواردة بتعذيب الميت على ذلك. فإن قيل: ذنب الميت فيما إذا أوصى أو أمر بذلك فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه؟ أجيب: بأنّ الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب وشاهده «من سن سنة سيئة» الخ وقال الشيخ أبو حامد: إنّ ما ذكر محمول على الكافر وغيره من أهل الذنوب. ثم قال تعالى: {وما كنا} أي: على ما لنا من القدرة {معذبين} أحداً {حتى نبعث رسولاً} يبين له ما يجب عليه فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم السلام في جميع الأمم قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً} (النحل، 36) . وقال تعالى: {وإن من أمّة إلا خلا فيها نذير} (فاطر، 24) فإنّ دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت وعمت الأقطار واشتهرت. فإن قيل: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسول لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله تعالى وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستحقاقهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان؟ أجيب: بأنّ بعثة الرسول من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة لئلا يقولوا: {إنا كنا عن هذا غافلين} (الأعراف، 172) ، فهلا بعثت إلينا رسولاً ينبهنا على النظر في أدلة العقل، وفي الآية دليل على أن لا وجوب قبل الشرع. فائدة: في حكم أهل الفترتين بين نوح وإدريس وبين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة عشر قسماً؛ ستة سعداء وأربعة أشقياء وثلاثة تحت المشيئة، فأمّا السعداء فقسم وحّد الله تعالى بنور وجده في قلبه كقس بن ساعدة فإنه كان يقول إذا سئل هل لهذا العالم إله؟ قال: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام يدل على المسير. وقسم وحد الله تعالى بما تجلى لقلبه من النور الذي لا يقدر على دفعه، وقسم ألقى في نفسه واطلع من كشفه على منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فآمن من به في عالم الغيب، وقسم اتبع ملة حق ممن تقدمة، وقسم طالع في كتب الأنبياء فعرف شرف محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به وقسم آمن بنبيه الذي أرسل إليه وأدرك رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به فله أجران. وأما الأشقياء فقسم عطل لا عن نظر بل عن تقليد، وقسم عطل بعدما أثبت لا عن استقصاء بنظر، وقسم أشرك عن
تقليد محض، وقسم علم الحق وعانده، وأما الذي تحت المشيئة فقسم عطل فلم يقر بوجوده عن نظر قاصر لضعف في مزاجه، وقسم أشرك عن نظر أخطأ فيه، وقسم عطل بعدما أثبت لا عن نظر بلغ فيه أقصى القوّة هكذا قسم محيي الدين بن عربي في الباب العاشر من الفتوحات المكية نقل ذلك عن شيخ وقته الشيخ عبد الوهاب الشعراني، ونقل عن السيوطي أنّ أبوي النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تبلغهما الدعوة والله تعالى يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجياً ولا يعذب ويدخل الجنة. قال: وهذا مذهب لا خلاف فيه بين المحققين من أئمتنا الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول، ونص على ذلك الإمام الشافعيّ رضي الله عنه، وتبعه على ذلك الأصحاب، قال السيوطي: وقد ورد في الحديث أن الله تعالى أحيا أبويه حتى آمنا به، وعلى ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي وأبو القاسم بن عساكر وأبو حفص بن شاهين والسهيلي والقرطبي والطبري وابن المنير وابن سيد الناس وابن ناصر الدين الدمشقي والصفدي وغيرهم والأولى لنا الإمساك عن ذلك فإنّ الله تعالى لم يكلفنا بذلك ونكل الأمر في ذلك إلى الله تعالى، ونقول كما قال النووي لما سئل عن طائفة ابن عربي {تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} (البقرة، 134) . ولما أشار تعالى إلى عذاب المخالفين قرّر أسبابه وعرف أنها بقدره وأن قدره لا يمنع حقوق العذاب بقوله تعالى: {وإذا أردنا} أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ألقينا في قلوب أهلها امتثال أو أمرنا والتقييد باتباع رسلنا وإذا أردنا {أن نهلك قرية} في الزمن المستقبل {أمرنا} أي: بما لنا من القدرة التامّة الشاملة {مترفيها} أي: منعميها الذين لهم الأمر والنهي قال الأكثرون: أمرهم الله تعالى بالطاعة والخير على لسان رسله {ففسقوا فيها} أي: خرجوا عن طاعة الله ورسوله. وقال صاحب «الكشاف» : ظاهر اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق فيفسقون إلا أنّ هذا مجاز، ومعناه أنه يفتح عليهم أبواب الخيرات والراحات فعند ذلك تمردوا وطغوا وبغوا. قال: والدليل على أنّ ظاهر اللفظ يقتضي ما ذكرناه أن المأمور به إنما حذف لأنّ قوله ففسقوا يدل عليه يقال أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة فكذا هنا لما قال: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا لا يقال يشكل هذا بقولهم أمرته فعصاني وخالفني فإنّ هذا كلام لا يفهم منه أني أمرته بالمعصية والمخالفة لأنّا نقول: إنّ المعصية منافية للأمر ومناقضة له فيكون كونها مأموراً بها مخالفاً فلهذه الضرورة تركنا هذا الظاهر انتهى. قال الرازي: ولقائل أن يقول كما أنّ قوله أمرته فعصاني يدل على أنّ المأمور به شيء غير المعصية من حيث إنّ المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله أمرته ففسق يدل على أنّ المأمور به غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان به فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أنّ كونه معصية ينافي كونها مأموراً بها فوجب أن يدل هذا اللفظ على أنّ المأمور به ليس بفسق وهذا الكلام في غاية الظهور ولم أدر لم أصرّ صاحب «الكشاف» على قوله مع ظهور فساده فثبت أنّ الحق ما ذكر الكل وهو أن المعنى
أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر عناداً وأقدموا على الفسق {فحق عليها القول} أي: الذي توعدناهم به على لسان رسولنا {فدمرناها تدميراً} أي: أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم، وخص المترفين بالذكر لأنّ غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور، وقيل معناه كثرنا وروى الطبراني وغيره حديثاً: «خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة» أي: كثيرة النتاج. والسكة بكسر السين وتشديد الكاف الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة الملقحة قال ذلك الجوهري. وروي أنّ رجلاً من المشركين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرى أمرك هذا حقيراً؟ فقال صلى الله عليه وسلم «إنه سيأمر» أي: سيكثر وسيكبر. وعن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: «لا إلى إلا الله ويل للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين إصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت زينب قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» أي: الشرّ. وويل يقال لمن وقع في مهلكة أو أشرف أن يقع فيها. وقوله تعالى: {وكم أهلكنا} أي: بما لنا من العظمة وبين مدلول كم بقوله تعالى: {من القرون} أي: المكذبين {من بعد نوح} كعاد وثمود من الأمم الماضية يخوّف به الكفار أي: كفار مكة قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن عشرون ومائة سنة. وقيل: مائة سنة. روي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بشر المازني أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: «سيعيش هذا الغلام قرناً» . قال محمد بن القاسم: ما زلنا نعدّ له حتى تمت له مائة سنة، ثم مات. وقال الكلبي: القرن ثمانون سنة وقيل أربعون. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وكفى بربك} أي: المحسن إليك {بذنوب عباده خبيراً بصيراً} أي: عالماً ببواطنها وظواهرها فكم من إنسان كنتم ترونه من أكابر الصالحين ثم استقرّت عاقبته على خلاف ذلك وكم من شخص ترونه مجتهداً في العبادة فإذا خلا بارز ربه بالعظائم، وتقديم الخبر لتقديم متعلقه. ولما قرّر أنه سبحانه وتعالى عالم ببواطن عباده وظواهرهم قسمهم إلى قسمين الأوّل: قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة} أي: الدنيا مقصوراً عليها همه {عجلنا له فيها} أي: العاجلة بأن نفيض عليه من منافعها {ما نشاء} أي: من البسط والتقتير {لمن نريد} أي: أن نفعل به ذلك فقيد تعالى الأمر بقيدين أحدهما تقييد المعجل بإرادته ومشيئته. والثاني: تقييد المعجل له بإرادته وهكذا الحال ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه وكثير منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة. تنبيه: لمن نريد بدل بعض من كل من الضمير في له بإعادة العامل تقديره لمن نريد تعجيله له ويقال إنّ الآية في المنافقين كانوا يراؤون المسلمين ويقرؤون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها وهذا هو المناسب لقوله تعالى: {ثم جعلنا له جهنم يصلاها} أي: في الآخرة {مذموماً} أي: مفعولاً به الذم {مدحوراً} أي: مدفوعاً مطروداً مبعداً وإن ذكره البيضاوي بصيغة قيل. ثم ذكر تعالى القسم الثاني وشرط فيه ثلاثة شروط: الأوّل: قوله تعالى: {ومن أراد الآخرة} أي: أراد بعمله ثواب الآخرة فإنه إن لم ينو
ذلك لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم، 39) . وقوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» . الثاني: قوله تعالى: {وسعى لها سعيها} وذلك يقتضي أن يكون ذلك العمل من باب القرب والطاعات وكثير من الضلال يتقرّبون بعبادة الأوثان ولهم فيها تأويلات، أحدها أنهم يقولون إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا على إظهار عبوديته وخدمته ولكن غاية قدرتنا أن نشتغل بعبادة بعض المقرّبين من عباد الله بأن يشتغل بعبادة كوكب أو ملك من الملائكة ثم إن الملك أو الكوكب يشتغل بعبادة الله تعالى فهؤلاء يتقرّبون إلى الله تعالى بهذا الطريق وهذه طريقة فاسدة فلا جرم أنه لم ينتفع بها. ثانيها أنهم قالوا اتخذنا هذه التماثيل على صورة الأنبياء والأولياء والمراد من عبادتها أن تصير تلك الأنبياء والأولياء شفعاء لنا عند الله وهذا الطريق أيضاً فاسد فلا جرم لم ينتفع بها. ثالثها: أنه نقل عن أهل الهند أنهم يتقرّبون إلى الله بقتل أنفسهم تارة أخرى أنفسهم أخرى وهذه الطريقة أيضاً فاسدة فلا جرم لم ينتفع بها. وكذا القول في جميع الفرق المبطلين الذين يتقرّبون إلى الله تعالى بمذاهبهم الباطلة. الثالث: قوله تعالى: {وهو مؤمن} لأنّ الشرط في كون أعمال البرّ مقتضية للثواب هو الإيمان فإن لم يوجد لم يحصل المشروط، وعن بعض المتقدّمين من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب، وتلا هذه الآية. ثم إنه تعالى أخبر عند وجود هذه الشروط بقوله تعالى: {فأولئك} أي: العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة {كان سعيهم مشكوراً} أي: مقبولاً مثاباً عليه بالتضعيف وبعضهم يفتح له أبواب الدنيا مع ذلك كداود وسليمان عليهما السلام ويستعمله فيها بما فيه مرضاة الله تعالى وبعضهم يزويها عنه كرامة له لا هواناً به فربما كان الفقر خيراً له وأعون على مراده، فالحاصل أنها إن وجدت عند الولي لم تشرفه وإن عدمت عنه لم تحقره، وإنما التشريف وغيره عند الله تعالى بالأعمال. تنبيه: كل من أتى بفعل إما أن يقصد به تحصيل خيرات الدنيا، وإمّا أن يقصد به خيرات الآخرة، وإمّا أن يقصد به مجموعهما، وإمّا أن لا يقصد به واحداً منهما. فإن قصد به تحصيل الدنيا فقط أو تحصيل الآخرة فقط فالله ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية. وأمّا القسم الثالث فيقسم إلى ثلاثة أقسام: إمّا أن يكون طلب الآخرة راجحاً أو مرجوحاً أو يكون الطلبان متعادلين، فإن كان طلب الآخرة راجحاً فهل يكون هذا العمل مقبولاً عند الله تعالى؟ فيه رأيان: أحدهما أنه غير مقبول لقوله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى أنه قال: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه» . وأيضاً طلب رضوان الله إمّا أن يكون سبباً مستقلاً لكونه باعثاً لهم على ذلك الفعل وداعياً إليه، وإمّا أن لا يكون، فإن كان الأوّل امتنع أن يكون لغيره مدخل في ذلك البعث والدعاء لأنّ الحكم إذا أسند لسبب تام كامل امتنع أن يكون لغيره مدخل فيه، وإن كان الثاني فيكون الداعي إلى ذلك الفعل هو المجموع، وذلك المجموع ليس هو طلب رضوان الله لأنّ المجموع الحاصل من الشيء ومن غيره يجب أن يكون مغايراً لطلب رضوان الله فوجب أن لا يكون مقبولاً. الرأي الثاني: أنه مقبول لأنّ طلب الآخرة لما كان راجحاً على
طلب الدنيا تعارض المثل بالمثل فبقي القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فوجب كونه مقبولاً، وأمّا إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين أو كان طلب الدنيا راجحاً فقد اتفقوا على أنه غير مقبول إلا أنه على كل حال خير مما إذا كان طلب الدنيا خالياً بالكلية عن طلب الآخرة. وأمّا القسم الرابع وهو الإقدام على الفعل من غير داع فهذا مبنّي على أنّ صدور الفعل من القادر هل يتوقف على حصول الداعي أم لا فالذين يقولون إنه يتوقف على حصول الداعي قالوا هذا القسم ممتنع الحصول والذين قالوا لا يتوقف قالوا هذا الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث. ثم إنه تعالى قال: {كلاًّ} أي: من الفريقين مريد الدنيا ومريد الآخرة {نمدّ} أي: بالعطاء ثم أبدل من كلاً قوله تعالى {هؤلاء} أي: الذين طلبوا الدنيا نمدّ {وهؤلاء} أي: الذين طلبوا الآخرة نمدّ {من عطاء ربك} أي: المحسن إليك إن ضيق على مؤمن فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما هي لعب ولهو وإن وسع فبالاستعمال فيها على حسب ما يرضيه {وما كان عطاء ربك} أي: الموجد لك المدبر لأمرك {محظوراً} أي: ممنوعاً في الدنيا عن مؤمن ولا كافر بل هو ملء السهل والجبل من الذهب والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلاً ونهاراً ولم يكن لهم شغل سوى ذلك لأعياهم ولم يقدروا عليه فسبحان الجواد المعطي المانع ثم إنه تعالى أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا بقوله تعالى: {انظر} أي: أيها الإنسان أو يا محمد {كيف فضلنا بعضهم على بعض} فأوسعنا على مؤمن وقترنا على مؤمن آخر وأوسعنا على كافر وقترنا على كافر آخر وبين سبحانه وتعالى وجه الحكمة في التفاوت في سورة الزخرف بقوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} (الزخرف، 32) الآية. وقال تعالى في آخر سورة الأنعام: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} (الأنعام، 65) . تنبيه: كيفَ: نصب إمّا على التشبيه بالظرف وإما على الحال وهي معلقة لانظر بمعنى فكر أو أبصر. ولما نبه تعالى على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته أخبر أنّ ما بعد الموت كذلك بقوله تعالى: {وللآخرة أكبر} أي: أعظم {درجاتٍ وأكبر تفضيلاً} من درجات الدنيا ومن تفضيلها فإنّ نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا فإن كان الإنسان تشتدّ رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب الآخرة أحرى لأنها دار المقامة. روي أنّ قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله تعالى عنه فخرج الأذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أوتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة. ولما بيّن تعالى أنّ الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العذاب ومنهم من يريد طاعة الله وهم أهل الثواب، ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط فصل تلك المجملات وبدأ أولاً بشرح حقيقة الإيمان وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي الشريك والأضداد بقوله تعالى: {لا تجعل مع الله}
أي: الذي له جميع صفات الكمال {إلها آخر} قيل الخطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، والأولى أنه للإنسان فيكون خطاباً عامّاً لكل من يصلح أن يخاطب به. {فتقعد} أي: فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي: تصير في الدنيا قبل الآخرة {مذموماً مخذولاً} لأنّ المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذمّ والخذلان ولأنه قد ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر إلا الله تعالى فحينئذ تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله فاستحق الذمّ والخذلان. تنبيه: قال الواحدي: قوله تعالى: {فتقعد} () انتصب لأنه وقع بعد الفاء جواباً للنهي وانتصابه بإضمار أن كقولك لا تنقطع عنا فنجفوك والتقدير لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدّمة بحرف الفاء وإنما سماه النحويون جواباً لكونه مشابهاً للجزاء وأنّ الثاني مسبب عن الأوّل كما تقرّر. ولما ذكر تعالى ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائعه وذلك أنواع الأوّل أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى ويتحرّز عن عبادة غيره وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وقضى} أي: أمر {ربك} أي: المحسن إليك وقوله تعالى: {أن لا تعبدواً} أي: أنت وجميع أهل دعوتك وهم جميع الناس {إلا إياه} فيه وجوب عبادة الله تعالى والمنع من عبادة غيره لأنّ العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ولا منعم إلا الله تعالى فكان هو المستحق للعبادة لا غيره. تنبيه: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: كان الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرئ وقضى ربك ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأنّ خلاف قضاء الله ممتنع وهذا القول كما قاله الرازي بعيد جدّاً إذ لو فتح هذا الباب لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين ويندفع ما قاله بما فسر قضى به. ولما أمر تعالى بعبادة نفسه أتبعه بالأمر ببر الوالدين بقوله تعالى: {وبالوالدين} أي: وأحسنوا أي: وأوقعوا الإحسان بهما. {إحساناً} أي: بأن تبروهما ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. تنبيهان: أحدهما المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى والأمر ببر الوالدين من وجوه الأوّل أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده والسبب الظاهر هو الأبوان فأمر الله تعالى بتعظيم السبب الحقيقي ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري. الثاني: أنّ الموجود إمّا قديم وإمّا محدث ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الموجود القديم بالتعظيم والعبودية ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وأحق الخلق بالشفقة الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان» فقوله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى. وقوله تعالى: {بالوالدين إحساناً} إشارة إلى الشفقة على خلق الله. الثالث: أنّ الاشتغال بشكر المنعم واجب ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى وقد يكون بعض المخلوقين منعماً عليك وشكره أيضاً واجب لقوله صلى الله عليه وسلم «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» ، وليس لأحد
من الخلائق نعمة على الإنسان مثل الأبوين لأن الولد قطعة من الوالدين قال صلى الله عليه وسلم «فاطمة بضعة مني» وأيضاً شفقة الوالدين على الولد عظيمة وإيصال الخير إلى الولد منهما أمر طبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعي أيضاً فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة بل هي أكبر من كل نعمة تصل من الإنسان إلى الإنسان وأيضاً حال ما يكون الإنسان في غاية الضعف ونهاية العجز يكون إنعام الأبوين في ذلك الوقت واصلاً إلى الولد، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه كان موقعه عظيماً وأيضاً فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فكان الإنعام فيه أتم وأكمل فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق وهو قوله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} . فإن قيل: الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهماً فلزم منه دخول الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخالفات فأي: إنعام للأبوين على الولد، حتى أنّ بعض المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة وقيل لأبي العلاء المعري ماذا نكتب على قبرك فقال: اكتبوا على قبري: هذا جناية أبي علي وما جنيت على أحد. وقال في ترك التزوج والولد: *وتركت فيهم نعمة العدم التي ... فيهم لقد سبقت نعيم العاجل *ولو أنهم ولدوا لعانوا شدّة ... ترمي بهم في موبقات الآجل وقيل لإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: أستاذي أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد عند تعليمي فأوقعني في نور العلم، وأمّا الوالد فإن طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد. ومن الكلمات المأثورة المشهورة خير الآباء من علمك. أجيب: بأنه وإن كان في أوّل الأمر طلب لذة الوقاع إلا أنّ الاهتمام بإيصال الخيرات إليه ودفع الآفات عنه من أوّل دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهات الخيرات والمبرات فسقطت تلك الشبهات. التنبيه الثاني: أن لفظ الآية يدل على معان كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين منها أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة وجعل من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أنّ هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة، ومنها أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى وثلث ببر الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة منها أنه تعالى لم يقل وإحساناً بالوالدين بل قال {وبالوالدين إحساناً} فتقديم ذكرهما يدل على شدّة الاهتمام بهما. ومنها أنه تعالى قال: {إحساناً} بلفظ التنكير، والتنكير يدل على التعظيم أي: إحساناً عظيماً كاملاً لأنّ إحسانهما إليك
قد بلغ الغاية العظيمة فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ثم على جميع التقديرات لا تحصل المكافأة لأن إنعامهما عليك على سبيل الابتداء. وفي الأمثال المشهورة أنّ البادئ بالبرّ لا يكافأ. ولما كان سبحانه وتعالى عليماً بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السنّ قال تعالى: {إما} مؤكداً بإدخال ما على إن الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماماً بشأن الوالدين {يبلغن عندك الكبر} أي: كأن يضطرا إليك في حالة الضعف والعجز فلا يكون لهما كافل غيرك فيصيرا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوّله {أحدهما أو كلاهما} . وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الغين وكسر النون فالألف ضمير الوالدين لتقدّم ذكرهما وأحدهما بدل منه أو كلاهما عطف عليه فاعلاً أو بدلاً. فإن قيل: هلا كان كلاهما توكيداً لا بدلاً أجيب: بأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيد الاثنين فوجب أن يكون مثله. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون أحدهما بدلاً وكلاهما توكيداً ويكون ذلك عطفاً للتوكيد على البدل؟ أجيب: بأنّ العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلاً والآخر توكيداً خلاف الأصل، وقرأ الباقون بغير ألف وفتح النون والإعراب على هذا ظاهر، وجميع القرّاء يشدّدون النون. ثم أنه تعالى أمر الإنسان في حق والديه بخمسة أشياء: الأوّل منها قوله تعالى: {فلا تقل لهما أفّ} أي: لا تتضجر منهما قال الزجاج: أف معناه النتن وهذا قول مجاهد لأنه قال معنى قوله {فلا تقل لهما أف} أي: لا تتقذرهما كما أنهما كانا لا يتقذران منك حين كنت تخرأ وتبول. وفي رواية أخرى عن مجاهد إذا وجدت منهما رائحة توذيك {فلا تقل لهما أفّ} فلقد بالغ سبحانه وتعالى بالوصية بهما حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخِّص في أدنى كلمة تنفلت من التضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة وقد قال صلى الله عليه وسلم «إياكم وعقوق الوالدين فإنّ الجنة يوجد ريحها مع مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زانٍ، ولا جارّ إزاره خيلاء، إن الكبرياء لله رب العالمين» . وسئل الفضيل بن عياض عن برّ الوالدين فقال: لا يقوم إلى خدمتهما عن كسل. وقرأ نافع وحفص بالتنوين في الفاء مع الكسر وابن كثير وابن عامر بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون بكسر الفاء من غير تنوين. الثاني قوله تعالى: {ولا تنهرهما} أي: لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. قال تعالى: {وأمّا السائل فلا تنهر} (الضحى، 10) . فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بالأولى فما فائدة ذكره؟ أجيب: بأن المراد بالمنع من التأفيف المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير والمراد من منع الانتهار المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الردّ عليهما والتكذيب لهما. الثالث قوله تعالى: {وقل لهما قولاً كريماً} أي: حسناً جميلاً طيباً ليناً كما يقتضيه حسن الأدب معهما. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو أن يقول يا أبتاه يا أمّاه. وسئل سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. وعن عطاء أنه قال: هو أن يتكلم معهما بشرط أن لا يرفع إليهما بصره
ولا يشتد إليهما نظره وذلك أنّ هذين الفعلين ينافيان القول الكريم. فإن قيل: إبراهيم الخليل عليه السلام قال لأبيه: {إني أراك وقومك في ضلال مبين} مع أنه عليه السلام من أعظم الناس أدباً وحلماً وكرماً؟ أجيب: بأن حق الله تعالى مقدّم على حق الأبوين فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديماً لحق الله تعالى. والرابع قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة} أي: لا من أجل الامتثال للأمر وخوف العار فقط بل من أجل الرحمة لهما بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وبما تقدّم لهما من الإحسان إليك والمقصود المبالغة في التواضع وهذه استعارة بليغة. قال القفال: وفي تقريره وجهان: الأوّل أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن جنس التربية فكأنه قال للولد أكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك بك حال صغرك. والثاني أنّ الطائر إذا أراد الطيران نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع وإذا أراد ترك الطيران خفض جناحيه ولم يرفع فجعل خفض الجناح كناية عن التواضع واللين. فإن قيل: كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له؟ أجيب: بوجهين: الأوّل: أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال حاتم الجود فكما أنّ المراد هناك حاتم الجواد فكذا هنا المراد اخفض لهما جناحك الذليل، الثاني: أنّ مدار الاستعارة على الخيلان فهنا تخيل للذل جناحاً خفيضاً كما جعل لبيد للشمال يداً وللقرة زماماً في قوله: *وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فأثبت للشمال يداً وللقرة زماماً ووضع زمامها في يد الشمال فكذا هنا ومن ظريف ما حكي أنّ أبا تمام لما نظم قوله: *لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبّ قد استعذبت ماء بكائي جاءه رجل بقصعة وقال له: اعطني شيئاً من ماء الملام فقال له: حتى تأتيني بريشة من جناح الذل يريد أنّ هذا مجازاً استعاره لذلك وقال بعضهم: *راشوا جناحي ثم بلوه بالندى ... فلم أستطع من حبهم أن أطيرا الخامس قوله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} أي: لا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك هذا إذا كانا مسلمين، فإن كانا كافرين فإنّ الدعاء لهما بالرحمة منسوخ بقوله تعالى: {ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} (التوبة، 113) بل يدعو الله تعالى لهما بالهداية والإرشاد فإذا هداهما فقد رحمهما. وسئل بعضهم عن برّ الوالدين فقال: لا ترفع صوتك عليهما ولا تنظر إليهما شزراً ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا. وتدعو لهما إذا ماتا وتقوم بخدمة أودّائهما من بعدهما لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أبرّ البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه» . تنبيه: قد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها ما روي عن أبي هريرة أنه قال: «جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحسن الناس بصحبتي؟ فقال: أمّك ثم أمّك ثم أبوك ثم أبوك ثم أدناك فأدناك» .
ومنها عنه أيضاً أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرغم الله أنفه أرغم الله أنفه أرغم الله أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة» . ومنها ما روي عنه أيضاً أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» . ومنها ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد. فقال: أحيّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد» . ومنها ما رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين» . ومنها ما «روي عن أبي الدرداء أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيِّع» . ومنها ما «روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم أيّ؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثم أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله» . وسئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت فقال: ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع لهم من الاستغفار ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الوالدين. ولقد كرّر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز الوصية بالوالدين. ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما» . ومنها ما روي عن سعيد بن المسيب أنّ البارّ بوالديه لا يموت ميتة سوء. ومنها ما «روي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ أبويّ بلغا من الكبر أنى ألى منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما» . ومنها ما رواه أبو هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، ورغم أنف رجل أتى عليه شهر رمضان فلم يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك أبويه الكبر فلم يدخلاه الجنة» . ومنها ما روي «أنّ رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأنه يأخذ ماله فدعاه فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قويّ وفقيراً وأنا غنيّ فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي واليوم أنا ضعيف وهو قويّ وأنا فقير وهو غنيّ ويبخل عليّ بماله فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع بهذا إلا بكى ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك» . وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه فقال: «لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر قال: إنها سيئة الخلق قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها واظمأت لك نهارها قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عنقي. قال: ما جزيتها» . وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً في الطواف يحمل أمّه ويقول: *أنا لها مطية لا تذعر ... إذا الركائب نفرت لا تنفر *ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال الأكبر تظنني جزيتها يا ابن عمر قال: لا، والله ولا زفرة واحدة. ولما كان ما ذكر في حق الوالدين عسراً جدّا يحذر من التهاون به أشار بقوله تعالى: {ربكم} أي: المحسن إليكم في الحقيقة فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك {أعلم} أي: من كل أحد {بما في نفوسكم}
من قصد البرّ بهما وغيره، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن فإنّ ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سبباً لرحمتهما {إن تكونوا صالحين} أي: متقين محسنين في نفس الأمر والصلاح استقامة الفعل على ما يدعو الدليل إليه. وأشار تعالى إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد كرّة بقوله تعالى: {فإنه كان للأوابين} أي: الرجاعين إلى الخير مرّة إثر مرّة بعد جماح أنفسهم عنه {غفوراً} أي: بالغ الستر بمن وقع منه تقصير فرجع عنه فإنه مغفور له. ولما حث تعالى على الإحسان للوالدين بالخصوص عمّ بالأمر بالإحسان لكل ذي قرابة ورَحِمٍ وغيره بقوله تعالى: {وآت ذا القربى} من جهة الأب والأمّ وإن بعد {حقه} والخطاب لكل أحد أن يؤتي أقاربه حقوقهم من صلة الرحم والمودّة والزيارة وحسن المعاشرة والمعاضدة ونحو ذلك. وقيل إن كانوا محتاجين ومحاويج وهو موسر لزمه الإنفاق عليهم عند الإمام أبي حنيفة وقال الشافعيّ: لا يلزم إلا نفقة الوالد على ولده والولد على والده فقط، وقيل المراد بالقرابة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم {و} آت {المسكين} حقه وإن لم يكن قريباً {و} آت {ابن السبيل} وهو المسافر المنقطع عن ماله ليكون متقياً محسناً. ولما رغب تعالى في البذل وكانت النفس قلما يكون فعلها قواماً بين الإفراط والتفريط أتبع ذلك بقوله تعالى: {ولا تبذر} بتفريق المال سرفاً وهو بذله فيما لا ينبغي وقد كانت الجاهلية تبذر أموالها في الفخر والسمعة وتذكر ذلك في أشعارها فأمر الله تعالى بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف إليه وفي قوله تعالى: {تبذيراً} تنبيه على أنّ الارتفاع نحو ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير والتبذير بسط اليد في المال على حسب الهوى. وقد سئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه، وأمّا الجود فهو اتباع أمر الله تعالى في حقوق المال. وعن مجاهد لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيراً ولو أنفق مدّا في باطل كان تبذيراً وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير. وعن عبد الله بن عمر قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أوفي الوضوء سرف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار» . ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين بقوله تعالى: {إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي: على طريقتهم أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف أو هم قرناؤهم وهم في النار على سبيل التوعد، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان بقوله تعالى: {وكان الشيطان} أي: هذا الجنس البعيد من كل خير المحترق بكل شرّ {لربه} أي: الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته {كفوراً} أي: ستوراً لما يقدر على ستره من آياته الظاهرة ونعمته الباهرة مع الحجة فلا ينبغي أن يطاع لأنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. قال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في الخيلاء والتفاخر وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدّوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية تنبيهاً على قبح أفعالهم في هذا الباب
وقوله تعالى: {وإمّا تعرضنّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} نزل في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب وكانوا يسألون النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك لانتظار رزق من الله يرجوه أن يأتيه فيعطيه {فقل لهم} أي: في حالة الإعراض {قولاً ميسوراً} أي: ذا يسر يشرح صدروهم ويبسط رجاءهم لأنّ ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين. قال أبو حيان: روي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل يقول: «يرزقنا الله تعالى وإياكم من فضله» انتهى. وقد وقع هذا الابتغاء موضع الفقد لأنّ فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبباً للابتغاء والابتغاء مسبباً عنه فوضع المسبب موضع السبب، ثم أمر تعالى نبيَّه بما وصف له عباده المؤمنين في الإنفاق في سورة الفرقان بقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (الفرقان، 67) . فقال تعالى: {ولا تجعل يدك} أي: بالبخل {مغلولة} أي: كأنها بالمنع مشدودة بالغل {إلى عنقك} أي: لا تستطيع مدّها أي: لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيق على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات، والمعنى لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط {ولا تبسطها} بالبذل {كل البسط} فتبذر بحيث لا يبقى في يدك شيء. ذكر الحكماء في كتب الأخلاق أنّ لكل خلق طرفي إفراط وتفريط وهما مذمومان والخلق الفاضل هو العدل والوسط، فالبخل إفراط في الإمساك والتبذير إفراط في الإنفاق وهما مذمومان والمعتدل هو الوسط. وعن جابر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيّ فقال: يا رسول الله إنّ أمي تستكسيك درعاً أي: قميصاً ولم يكن لرسول. الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه فقال للصبيّ: «من ساعة إلى ساعة» . هذا متعلق بمحذوف، أي: أخر سؤالك من ساعة ليس لنا فيها درع إلى ساعة يظهر لنا فيها درع فعد إلينا فذهب إلى أمّه فقالت له: قل له إنّ أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزع قميصه فأعطاه وقعد عرياناً أي: في إزار ونحوه فأذن بلال بالصلاة فانتظره فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عرياناً. فأنزل الله تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} » . فتعطي جميع ما عندك. تنبيه: ما ذكرته عن جابر تبعاً «للكشاف» والبيضاوي والرازي وغيرهم قال الوليّ العراقي: لم أقف عليه وكذا قال الحافظ ابن حجر وقد يقال من حفظ حجة على من لم يحفظ. {فتقعد} أي: توجد كالمقعد {ملوماً} أي: بليغ الرسوخ فيما يلام بسببه عند الله لأنّ ذلك مما نهى الله عنه عند نفسك وعند الناس لأنه يلوم نفسه وأصحابه أيضاً يلومونه على تضييع المال بالكلية. {محسوراً} أي: منقطعاً بك لذهاب ما تقوى به. قال القفال: شبه حال من أنفق كل ماله بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته لأنّ ذلك المقدار من المال كأنه مطية تحمل الإنسان إلى آخر الشهر والسنة، كما أنّ ذلك البعير يحمله ويبلغه إلى آخر المنزل فإذا انقطع ذلك البعير بقي في وسط الطريق عاجزاً متحيراً فكذلك الإنسان إذا أنفق مقدار ما يحتاج إليه في مدّة شهر في أقل منه بقي في وسط ذلك الشهر عاجزاً متحيراً ومن فعل ذلك لحقه اللوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب
سوء تدبيره وترك الحرم في مهمات معاشه ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {إن ربك} أي: المحسن إليك {يبسط الرزق} أي: بوسعه {لمن يشاء} البسط دون غيره {ويقدر} أي: يضيقه سواء قبض يده أم بسطها لأنّ الرب هو الذي يربي المربوب ويقوم بإصلاح مهماته ورفع درجاته على مقدار الصلاح في الصواب فيوسع الرزق على البعض ويضيقه على البعض، لأنّ ذلك هو الصلاح قال تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء} (الشورى، 27) . {إنه كان بعباده خبيراً} أي: بالغ الخبر {بصيراً} أي: بالغ البصر بما يكون من كل من القبض والبسط لهم مصلحة ومفسدة فالتفاوت في أنه ربى العباد ليس لأجل بخل بل لأجل رعاية مصلحة لا يعلم بها العبد فسبحان المتصرف في عباده كيف يشاء. ولما أتم سبحانه وتعالى الوصية بالأصول وما يتبع ذلك أوصى بالفروع بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم} فذكرهم بلفظ الولد الذي هو داعية إلى الحنو والعطف {خشية إملاق} أي: فقر متوقع لم يقع بعد ثم وصل بذلك استئنافاً بقوله تعالى: {نحن نرزقهم وإياكم} مقدّماً ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقباً من الإنفاق عليهم ثم علل تعالى ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى: {إن قتلهم} أي: مطلقاً لهذا أو لغيره {كان خطأ} أي: إثماً {كبيراً} أي: عظيماً وقرأ ابن كثير بفتح الطاء ومدّ بعدها مدّاً متصلاً، وقرأ ابن ذكوان بفتح الخاء والطاء ولا مدّ بعد الطاء والباقون بكسر الخاء وسكون الطاء. قال الرمانيّ: الخطء بكسر ثم سكون لا يكون إلا تعمداً إلى خلاف الصواب والخطأ أي: محركاً قد يكون من غير تعمد. وإنما وجب بر الأولاد لأمور: أحدها أنهم في غاية الضعف ولا كافل لهم غير الوالدين وإنما وجب برّ الوالدين مكافأة لما صدر منهما من أنواع البر إلى الولد. الثاني أنّ امتناع الآباء من البرّ بالأولاد يقتضي خراب العالم. الثالث: أنّ قرابة الولادة قرابة الجزئية والبعضية وهي من أعظم الموجبات للمحبة فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في الروح وقسوة في القلب، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة فرغب الله تعالى في الإحسان إلى الأولاد إزالة لهذه الخصلة الذميمة وعبر تعالى بالأولاد ليشمل الإناث، فإنّ العرب كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على النهب والغارة عليهم وأيضاً كانوا يخافون أنهنّ بعد كبرهنّ تفقد أكفاؤهنّ فيحتاجون إلى إنكاحهنّ من غير أكفاء وفي ذلك عار شديد فنهاهم الله تعالى عن ذلك فإنّ الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً وهذا المعنى وصف مشترك بين الذكور والإناث وأما ما يخاف من الفقر في البنات فقد يخاف مثله في الذكور في حال الصغر وقد يخاف أيضاً في العاجزين من البنين، وكما أنه سبحانه وتعالى يفتح أبواب الرزق على الذكور فكذلك على الإناث. ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل وفي فعل الزنا داع من الإسراف أتبعه به فقال تعالى: {ولا تقربوا الزنا} أدنى قرب ولو بفعل شيء من مقدماته وإنما أتى تعالى بالقربان تعظيماً له لما فيه من المفاسد الجارّة إلى الفتن بالقتل وتضييع النسب والتسبب في إيجاد نفس بالباطل وغير ذلك ثم علل تعالى النهي عن ذلك بقوله تعالى مؤكداً إبلاغاً في التنفير عنه لما للنفس من شدّة الداعية إليه. {إنه كان فاحشة} أي: فعله ظاهرة القبح زائدته وقد نهاكم الله تعالى عن
الفحشاء في قوله تعالى: {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء} (النحل، 90) الآية. {وساء} أي: وبئس الزنا {سبيلاً} أي: طريقاً طريقه ثم نهى سبحانه وتعالى عن القتل مطلقاً عن التقييد بالأولاد بغير حق بقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله} أي: بالإسلام والعهد {إلا بالحق} وهو المبيح للقتل، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم إمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ رجل كفر بالله بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفساً بغير حق» . ومثل انتقال المسلم من دين الإسلام إلى دين الكفر انتقال كافر من دين إلى دين آخر سواء كان ذلك الدين يقرّ عليه أم لا، ومن ذلك قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (التوبة، 29) وقوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا} (المائدة، 33) . واختلف الفقهاء في أشياء غير ذلك منها أنّ تارك الصلاة كسلاً هل يقتل فعند الشافعيّ يقتل بشروط معلومة، وعند أبي حنيفة لا يقتل التارك كالزاني. ومنها أنّ عمل اللواط هل يوجب القتل فعند الشافعيّ يوجب قتل الفاعل كالزاني، وعند أبي حنيفة لا يوجبه. ومنها أنّ الساحر إذا قال قتلت فلاناً بسحري عمداً هل يوجب القتل فعند الشافعيّ يوجبه وعند أبي حنيفة لا يوجبه. ومنها أنّ القتل بالمثقل هل يوجب القصاص فعند الشافعيّ يوجب وعند أبي حنيفة لا يوجب. ومنها الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل اختلفوا فيه في زمان أبي بكر رضي الله عنه. ومنها أنّ إتيان البهيمة هل يوجب القتل فعند أكثر الفقهاء لا يوجب وعند قوم يوجبه ولكل ممن ذكر أدلة يستدل بها رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ثم قال تعالى: {ومن قتل مظلوماً} أي: بأي: ظلم كان من غير أن يرتكب ما يبيح قتله {فقد جعلنا لوليه} أي: سواء كان قريباً أم بعيداً {سلطاناً} أي: أمراً متسلطاً به. وقوله تعالى: {فلا يسرف في القتل} قرأ حمزة والكسائيّ بالتاء على الخطاب أي: أيها الوليّ والباقون بالياء على الغيبة أي: الوليّ وفسر الإسراف بوجوه الأول: أن يقتل القاتل وغير القاتل وذلك أنّ أولياء المقتول كانوا إذا قتل واحد من قبيلة شريفة قتلوا خلقاً من القبيلة الدنيئة فنهى الله تعالى عنه وحكم بقتل القاتل وحده. الثاني: أنّ الإسراف هو أن لا يرضى بقتل القاتل فإنّ الجاهلية كانوا يقصدون أشرف القبائل ثم يقتلون منهم قوماً معينين ويتركون القاتل. الثالث: أنّ الإسراف هو أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يقتله ثم يمثل به ويقطع أعضاءه، قال القفال: ولا يبعد حمله على الكل لأنّ حمله على هذه المعاني مشترك في كونها إسرافاً. واختلف في رجوع الهاء إلى ماذا في قوله تعالى: {إنه كان منصوراً} فقال مجاهد: راجعة إلى المقتول في قوله تعالى: {ومن قتل مظلوماً} أي: أنّ المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله. وقال قتادة: راجعة لوليّ المقتول، أي: أنه منصور على القاتل باستيفاء القصاص أو الدية فليكتف بهذا القدر ولا يطمع في الزيادة، وقيل راجعة إلى القاتل الظالم أي: أن القاتل يكتفي منه باستيفاء القصاص ولا يطلب منه زيادة لأنه منصور من عند الله تعالى في تحريم طلب الزيادة منه أو أنه إذا عوقب في الدنيا بأزيد مما فعل نصر في الآخرة. وقيل راجعة إلى الدم وقيل إلى الحق. ولما ذكر تعالى النهي عن إتلاف النفوس أتبعه بالنهي
عن إتلاف الأموال لأنّ أعز الأشياء بعد النفوس الأموال وأحق الناس بالنهي عن إتلاف أموالهم هو اليتيم لأنه لصغره وضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله، فلهذا السبب خصهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم بقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم} عبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيماً للمقام فهو أبلغ من قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً} (النساء، 6) . وفي تفسير قوله تعالى: {إلا بالتي هي أحسن} وجهان الأوّل إلا بالتصرف الذي ينميه ويكثره. الثاني: روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إذا أحتاج أكل بالمعروف وإذا أيسر قضاه، فإن لم يوسر فلا شيء عليه، والوليّ تبقى ولايته على اليتيم. {حتى يبلغ أشدّه} وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه كما بين تعالى ذلك في آية أخرى وهي قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} (النساء، 6) . ولما نهى سبحانه وتعالى عن ثلاثة أشياء وهي الزنا والقتل وأكل مال اليتيم أتبعها بثلاثة أوامر الأوّل قوله تعالى: {وأوفوا بالعهد} أي: إذا عاهدتم الله تعالى على فعل المأمورات وترك المنهيات أو الناس على فعل أو قول جائز وفي تفسير قوله تعالى: {إن العهد كان مسؤولاً} وجوه الأوّل: أن يراد أنّ صاحب العهد كان مسؤولاً فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله تعالى: {واسأل القرية} (يوسف، 82) . ثانيها: {أنّ العهد كان مسؤولاً} أي: مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي. ثالثها: أن يكون هذا تخييلاً كأن يقال للعهد لم نكثت وهلا أوفى بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة {بأي ذنب قتلت} (التكوير، 9) . وكقوله تعالى لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} (المائدة، 116) والمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره، الأمر الثاني: قوله تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم} أي: لغيركم فإن كلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن نقصتم عن حقكم ولم تفوا الكيل. الأمر الثالث: قوله تعالى: {وزنوا} أي: وزناً متلبساً {بالقسطاس} أي: ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين وزاد في تأكيد معناه فقال: {المستقيم} دون شيء من الحيف. تنبيه: القسطاس رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأنّ الأعجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربياً وقرأ حفص والكسائي وحمزة بكسر القاف والباقون بضمها. {ذلك} أي: الأمر العالي الرتبة الذي أخبرناكم به من الإيفاء بالتمام والكمال {خير} لكم في الدارين الدنيا والآخرة من التطفيف بالكيل أو الوزن من حيث أن الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة وإن تراءى لكم أن التطفيف خير {وأحسن تأويلاً} أي: عاقبة في الدارين، أما في الدنيا فلأنه اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل وكم رأينا من الفقراء من اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة انقلبت القلوب عليهم وحصلت الأموال الكثيرة لهم، وأمّا في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب الأليم والتأويل وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع أو أفعل التفضيل هنا لاستعمال النصفة بإرخاء العنان أي: على تقدير أن يكون في كل منهما خير فهذا المعنى الذي ذكرناه أزيد خيراً والعاقل لا يرضى لنفسه بالدون. ولما شرح
الله تعالى الأوامر الثلاثة عاد إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة أشياء أوّلها قوله تعالى: {ولا تقف} أي: لا تتبع أيها الإنسان {ما ليس لك به علم} من قول أو فعل وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً وهو قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة، واختلف المفسرون فيها فقال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك. وقال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم. وقيل المراد النهي عن القذف، وقيل المراد النهي عن الكذب. وقيل المراد نهي المشركين عن اعتقاداتهم وتقليد أسلافهم لأنّ الله تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتباع الهوى فقال تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظنّ وما تهوى الأنفس} (النجم، 23) . وقيل القفو هو البهت وأصله من القفا كأنه يقال خلفه وهو في معنى الغيبة. قال صلى الله عليه وسلم «من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله تعالى في ردغة الخبال» وراه الطبراني وغيره وردغة بسكون الدال وفتحها عصارة أهل النار. وقال الكميت: *ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا اقفو الحواصن إن قفينا ببناء قفينا للمفعول والحواصن النساء العفائف واللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقييد. تنبيه: يقال قفوت أثر فلان أقفوا إذا اتبعت أثره، وسميت قافية الشعر قافية لأنّ البيت يقفو البيت وسميت القبيلة المشهورة بالقافة لأنهم يتبعون آثار أقفاء الناس أو آثار أقدامهم ويستدلون بها على أحوال الناس. وقال تعالى: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا} (الحديد، 27) وسمي القفا قفاً لأنه مؤخر بدن الإنسان فإن مشى يتبعه ويقفوه. فإن قيل: إنّ هذه الآية تدلّ على منع القياس فإنه لا يفيد إلا الظنّ والظنّ مغاير للعلم؟ أجيب: بأن ذلك عام دخله التخصيص فإنّ الحكم في الدين بمجردّ الظنّ جائز بإجماع الأمة وبأنّ المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعياً أم ظنياً واستعماله بهذا المعنى شائع ذائع وقد استعمل في مسائل كثيرة منها أنّ العمل بالفتوى عمل بالظنّ، ومنها أنّ العمل بالشهادة عمل بالظنّ، ومنها الاجتهاد في طلب القبلة ولا يفيد إلا الظنّ، ومنها قيم المتلفات وإرش الجنايات لا سبيل إليهما إلا بالظنّ، ومنها الفصد والحجامة وسائر المعالجات تبنى على الظنّ، ومنها بعث الحكمين في الشقاق. قال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} (النساء 35) وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم، ومنها الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمناً مظنون وينبني على هذا الظنّ أحكام كثيرة مثل حصول التوارث ومثل الدفن في مقابر المسلمين، ومنها الاعتماد على صدق الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون. وقال صلى الله عليه وسلم «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» . وذلك تصريح بأنّ الظنّ معتبر فبطل قول من يقول أنه لا يجوز بناء الأمر على الظنّ، ثم علل تعالى النهي مخوّفاً بقوله تعالى: {إن السمع والبصر} وهما طريقا الإدراك {والفؤاد} الذي هو آلة الإدراك، ثم عوّل تعالى الأمر بقوله تعالى: {كل أولئك} أي: هذه الأشياء العظيمة العالية المنافع البديعة التكوين. تنبيه: أولاء وجميع أسماء
الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقول الشاعر: *ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام يجوز في ذم فتح الميم وكسرها وضمها وقوله بعد منزلة اللوى أي: بعد مفارقتها والإضافة في منزلة اللوى للبيان وهو ممدود ولكن قصره هنا للضرورة والعيش عطف على المنازل والأيام صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان له {كان عنه} أي: بوعد لا خلف فيه {مسؤولاً} بسؤال يخصه. تنبيه: ظاهر الآية يدل على أنّ الجوارح مسؤولة وفيه وجوه الأوّل: أنّ معناه أنّ صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤول لأنّ السؤال لا يصح إلا ممن كان عاقلاً وهذه الجوارح ليست كذلك بل العاقل الفاهم هو الإنسان كقوله تعالى: {واسأل القرية} (يوسف، 82) أي: أهلها والمعنى أنه يقال للإنسان لم سمعت ما لم يحل سماعه ولم نظرت ما لم يحل نظره ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه. الثاني: أنّ تقدير الآية أنّ أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع والبصر والفؤاد فيقال لهم استعملتم السمع فيماذا أفي الطاعة أم في المعصية؟ وكذا القول في بقية الأعضاء وذلك لأنّ الحواس آلات النفس والنفس كالأمير لها والمستعمل لها في مصالحها فإن استعملها في الخيرات استوجب الثواب، وإن استعملها في المعاصي استحق العقاب. الثالث: أن الله تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم أنها تسأل لقوله تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} (النور، 24) فكذلك لا يبعد أن يخلق العقل والحياة والنطق في هذه الأعضاء ثم أنها تسأل روى عن شكل بن حميد قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبيّ الله علمني تعويذاً أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال: «قل أعوذ بك من شرّ سمعي وشر بصري وشرّ لساني وشرّ قلبي وشرّ منيي» قال: فحفظتها، قال سعد: المني ماؤه. النهي الثاني: قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض} أي: جنسها {مرحاً} أي: ذا مرح وهو شدّة الفرح والمراد من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشياً يدل على الكبرياء والعظمة. قال الزجاج: ولا تمش في الأرض مختالاً فخوراً، ونظيره قوله تعالى في سورة الفرقان: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} (الفرقان، 63) وقال تعالى في سورة لقمان: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} (لقمان، 19) وقال تعالى فيها: {ولا تمش في الأرض مرحاً إنّ الله لا يحب كل مختال فخور} (لقمان، 18) . ثم علل تعالى النهي عن ذلك بقوله تعالى: {إنك لن تخرق الأرض} أي: تثقبها حتى تبلغ آخرها بكبرك {ولن تبلغ الجبال طولاً} أي: بتطاولك وهو تهكم بالمختال لأنّ الاختيال حماقة مجردة لا تفيد شيئاً ليس في التذلل وفي ذلك إشارة إلى أنّ العبد ضعيف لا يقدر على خرق أرض ولا وصول إلى جبال فهو محاط به من فوقه ومن تحته بنوعين من الجمادات وهو أضعف منهما بكثير والضعيف المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله محصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي وقيل ذكر ذلك لأن من مشى خيلاء يمشي مرّة على عقبيه ومرّة على صدور قدميه فقيل له إنك لن تثقب الأرض إن مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن مشيت على صدور قدميك. قال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مشى تكفأ تكفأ كأنما ينحط من صبب» . وروى
أبو هريرة رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنّ الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وإنه غير مكترث» . وقوله تعالى: {كل ذلك} إشارة إلى ما نهى عنه مما تقدّم فإنّ الذي تقدّم منهيات ومأمورات وجملة ذلك من قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر} (الإسراء، 22) إلى هنا خمسة وعشرون وها أنا أسردها لك تسهيلاً عليك. فأوّلها: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر} (الإسراء، 22) . وثانيها وثالثها: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} لاشتماله على تكليفين الأمر بعبادة الله تعالى والنهي عن عبادة غيره. ورابعها: {وبالوالدين إحساناً} . خامسها: {فلا تقل لهما أف} . سادسها: {ولا تنهرهما} . سابعها: {وقل لهما قولاً كريماً} ثامنها: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} . تاسعها: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} . عاشرها: {وآت ذا القربى حقه} . حادي عشرها: {والمسكين} . ثاني عشرها: {وابن السبيل} . ثالث عشرها: {ولا تبذر تبذيراً} . رابع عشرها: {فقل لهم قولاً ميسوراً} . خامس عشرها: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} . سادس عشرها: {ولا تبسطها كل البسط} . سابع عشرها: {ولا تقتلوا أولادكم} . ثامن عشرها: {ولا تقتلوا النفس} . تاسع عشرها: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً} . عشروها: {فلا يسرف في القتل} حادي عشريها: {وأوفوا بالعهد} ثاني عشريها: {وأوفوا الكيل} . ثالث عشريها: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} . رابع عشريها: {ولا تقف ما ليس لك به علم} . خامس عشريها: {ولا تمش في الأرض مرحا} . فكل هذه تكليفات بعضها أوامر وبعضها نواه فالمنهي عنه هو الذي الذي قال تعالى فيه: {كان سيئه عند ربك مكروهاً} أي: يبغضه والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة وبالتاء منونة منصوبة وقرأ الباقون بضم الهمزة والهاء مضمومة من غير تنوين. والمعنى على هذا ظاهر، أي: إن سيئ تلك الأقسام يكون مكروهاً، وأمّا القراءة الأولى فسيئة خبر كان وأنث حملاً على معنى كل ثم قال مكروهاً حملاً على لفظها. وقال الزمخشري: إن السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والاسم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنثيه ولا فرق بين سيئة وسيأ ألا ترى أنك تقول الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة فلا فرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث، وفي نصب مكروهاً أوجه أحدها: أنه خبر ثان لكان. الثاني: أنه بدل من سيئة وضعف بأن البدل بالمشتق قليل. الثالث: أنه حال من الضمير المستتر في عند ربك لوقوعه صفة لسيئه. الرابع: أنه نعت لسيئه وإنما ذكّرَ وصف سيئه لأن تأنيثه وتأنيث موصوفه مجازي، وردّ بأن ذلك إنما يجوز حيث أسند إلى المؤنث المجازي، أما إذا أسند إلى ضميره فلا نحو الشمس طالعة فلا يجوز طالع. وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى الأحكام المتقدّمة في الأوامر والنواهي {مما أوحى إليك} يا أشرف الخلق {ربك} أي: المحسن إليك {من الحكمة} التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، وإنما سميت هذه الأمور حكمة لوجوه الأول: أنّ حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد، وأنواع الطاعات والخيرات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة فالآتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعياً إلى دين الشيطان، بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعياً إلى دين الرحمن. الثاني: أنّ هذه الأحكام المذكورة في هذه
الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال فكانت محكمة، وحكمة من هذا الاعتبار. الثالث: أنّ الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، كما مرّت الإشارة إليه، فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب عليها ولا ينحرف عنها فثبت أنّ الأشياء المذكورة من هذه الآيات عين الحكمة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام وجعل سبحانه وتعالى فاتحتها قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر} وخاتمتها قوله تعالى: {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر} تنبيهاً على أنّ التوحيد مبدأ الأمور ومنتهاه، وأنّ من قصد بفعل أو ترك غيره ضاع سعيه وأنه رأس الحكمة وملاكها ورتب عليه ما هو عائدة الشرك في قوله تعالى أوّلاً: {ولا تجعل مع الله} ، أي: في الدنيا، وثانياً ما هو نتيجته في العقبى فقال: {فتلقى} أي: فيفعل بك في الآخرة في الحشر {في جهنم} من الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عال حال كونك. {ملوماً} أي: تلوم نفسك {مدحوراً} أي: مبعداً من رحمة الله. تنبيه: ذكره سبحانه وتعالى في الآية الأولى بقوله تعالى: {مذموماً مخذولاً} وفي هذه الآية {ملوماً مدحوراً} والفرق بين الذم واللوم هو أن يذكر له أنّ الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر فهذا معنى كونه مذموماً ثم يقال له فعلت هذا الفعل القبيح وما الذي حملك عليه فهذا هو اللوم فأوّل الأمر يصير مذموماً وآخره يصير ملوماً، والفرق بين المخذول والمدحور هو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت أعضاؤه، أي: ضعفت والمدحور هو المطرود والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة فكونه مخذولاً عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه وكونه مدحوراً عبارة عن إهانته فيصير أوّل الأمر مخذولاً وآخره مدحوراً. وقوله تعالى: {فأصفاكم ربكم بالبنين} خطاب للذين قالوا الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار، أي: أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، ولم يجعل فيهم نصيباً لنفسه {واتخذ من الملائكة إناثاً} أي: بنات لنفسه وهذا خلاف ما عليه معقولكم وعادتكم، فإنّ العبيد لا يستأثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوائب ويكون أردؤها وأدونها للسادات {إنكم لتقولون قولاً عظيماً} بإضافة الأولاد إليه لأن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركباً من الأبعاض والأجزاء وذلك يقدح في كونه قديماً واجب الوجود لذاته، وأيضاً فبتقدير ثبوت الولد فقد جعلوا أشرف القسمين لأنفسهم وأخس القسمين لله تعالى وهذا جهل عظيم، وأيضاً جعلوا الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثاً في غاية الرخاوة. ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على إنسان ولم يرجعوا أشار إلى أنّ لهم مثل هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى: {ولقد صرّفنا} أي: بينا بياناً عظيماً بأنواع طرق البيان من العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام في قوالب الوعد والوعيد والأمر والنهي والمحكم والمتشابه إلى غير ذلك {في هذا القرآن} أي: في مواضع منه من الأمثال كما قال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل
مثل} (الروم، 58) قيل لفظة في زائدة كما في قوله تعالى: {وأصلح لي في ذريتي} (الأحقاف، 15) . ورد بأنّ في لا تزاد وما ذكر متأوّل كما يأتي إن شاء الله تعالى في الأحقاف والتصريف لغة صرف الشيء من جهة إلى أخرى ثم صار كناية عن التبيين قاله أبو حيان. وقوله تعالى: {ليذكروا} متعلق بصرفنا وقرأ حمزة والكسائي بسكون الذال ورفع الكاف من غير تشديد من الذكر الذي هو بمعنى التذكر والباقون بفتح الذال والكاف مع تشديدهما. {وما يزيدهم} أي: التصريف {إلا نفوراً} أي: تباعداً عن الحق وقلة طمأنينة إليه، وعن سفيان كان إذا قرأها قال: زادني ذلك لك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قل} أي: لهؤلاء المشركين ولا تيأس من رجوع بعضهم. {لو كان معه آلهة كما تقولون} من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ضحكة للعباد {إذا لابتغوا} أي: طلبوا طلباً عظيماً {إلى ذي العرش} أي: صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفرداً بالتدبير {سبيلاً} أي: طريقاً سالكاً يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض أو ليتخذوا عنده يداً يقربهم إليه، وقرأ ابن كثير وحفص بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب وأدغم أبو عمرو الشين من العرش في السين بخلاف عنه. ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه فقال عز من قائل: {سبحانه} أي: تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص {وتعالى} أي: علا أعلى العلوّ بصفات الكمال {عما يقولون} أي: من هذه النقائص التي لا يرضاها لنفسه أحد من عقلاء خلقه {علوّاً} أي: تعالياً {كبيراً} أي: متباعداً غاية البعد عما يقولون فإنه تعالى في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجوب والبقاء لذاته. تنبيه: جعل العلوّ مصدر التعالي ومصدره تعالياً كما قدّرته فهو المراد ونظيره قوله تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتاً} (نوح، 17) . فإن قيل: ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير؟ أجيب: بأنّ المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوّة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها لأنّ المنافاة بين الواجب لذاته وبين الممكن لذاته وبين القديم والمحدث وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة، ثم استأنف تعالى بيان عظمة هذا التنزيه مقروناً بالوصف بالكمال فقال: {تسبح} أي: توقع التنزيه الأعظم {له} أي: الإله الأعظم الذي تقدّم وصفه بالجلال والإكرام خاصة {السموات السبع والأرض} أي: السبع {ومن فيهنّ} أي: من ذوي العقول {وإن} أي: وما وأغرق في النفي فقال: {من شيء} أي: ذي عقل أو غيره {إلا يسبح بحمده} أي: يقول سبحان الله العظيم وبحمده، أو يقول سبحان الله وبحمده. وقال ابن عباس: وإنّ من شيء حيّ إلا يسبح بحمده. وقال قتادة: يعني الحيوانات والناميات. وقال عكرمة: الشجرة تسبح والإسطوانة تسبح وعن المقداد بن عدي: التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح والورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح والماء يسبح ما دام جارياً فإذا ركد ترك التسبيح والثوب يسبح ما دام جديداً فإذا وسخ ترك التسبيح. وقال السيوطي:
في جواب سؤال عن ذلك: *قد خصصت آية الأسرى بمتصف ... وصف الحياة كرطب الزرع والشجر *فيابس مات لا تسبيح منه كذا ... وما زال عن موضع كالقطع للحجر وقال إبراهيم النخعي: وإنّ من شيء جماد وحيّ إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف، وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله تعالى حيواناً كانت أو جماداً وتسبيحها سبحان الله وبحمده يدل على ذلك ماروي عن ابن مسعود كنا نعدّ الآيات بركة وأنتم تعدّونها تخويفاً كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقلَّ الماء فقال صلى الله عليه وسلم «اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده صلى الله عليه وسلم في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل» . وعن جابر بن سمرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ بمكة حجراً كان يسلم عليّ ليالي بعثت إني لأعرفه الآن» . وعن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع فلما اتخذ له المنبر تحوّل إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه وفي رواية فنزل فاحتضنه وساره بشيء ففي هذه الأحاديث دليل على أنّ الجماد يتكلم وأنه يسبح. وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السموات والأرض والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان الحال حيث تدلّ على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك ويصير لها بمنزلة التسبيح. قال البغوي: والأول أصح وهو المنقول عن السلف. وقال ابن الخازن: القول الأول أصح لما دلت عليه الأحاديث وأنه منقول عن السلف. قال البغوي: واعلم أنّ لله تعالى علماً في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه {ولكن لا تفقهون} أي: لا تفهمون {تسبيحهم} أي: لأنه ليس بلغتكم {إنه كان حليماً غفوراً} . ولما ذكر سبحانه وتعالى إثبات الإلهية أتبعه بذكر تقرير النبوّة بقوله تعالى: {وإذا قرأت القرآن} أي: الذي لا يدانيه واعظ ولا يساويه مفهم وهو تبيان لكل شيء {جعلنا} أي: بما لنا من العظمة {بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} أي: يحجب قلوبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم والانتفاع به. قال قتادة: هو الأكنة فالمستور بمعنى الساتر كقوله تعالى: {كان وعده مأتياً} (مريم، 61) مفعول بمعنى فاعل وقيل: مستوراً عن أعين الناس فلا يرونه وفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين الظاهرة كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت {تبت يدا أبي لهب} (المسد، 1) جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبيّ صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه فلم تره فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ لقد بلغني أنه هجاني. فقال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت وهي تقول: قد كنت جئت بهذا الحجر لأرض به رأسه فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله؟ قال: «لا ما يزل ملك بيني وبينها يسترني» . {وجعلنا} أي: بما لنا من العظمة {على قلوبهم أكنة} أي: أغطية كراهية {أن يفقهوه} أي: يفهموه أي: يفهموا القرآن حق فهمه {وفي آذانهم وقراً} أي: شيئاً ثقيلاً يمنع سماعهم، وعن أسماء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تقول: مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا. فقال أبو بكر: يا رسول الله معها
فهر أخشاها عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فجاءت وما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إني رأيت قريشاً قد علمت أني ابنة سيدها وإنّ صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب الكعبة ورب هذا البيت ما هجاك. وروى ابن عباس أنّ أبا سفيان والنضر بن الحارث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبيّ صلى الله عليه وسلم ويسمعون حديثه فقال النضر يوماً: ما أرى ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه يتحرّكان بشيء. وقال أبو سفيان: إني لا أرى بعض ما يقوله إلا حقاً. وقال أبو جهل: هو مجنون. وقال أبو لهب: هو كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر، فنزلت هذه الآية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاث آيات وهي في سورة الإسراء: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً} (الإسراء، 46) . وفي سورة النحل {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} (النحل، 108) وفي حم الجاثية {أفرأيت من أتخذ إلهه هواه} (الجاثية، 23) إلى آخر الآية، فكان الله تعالى يحجبه ببركة هذه الآيات عن عيون المشركين {وإذا ذكرت ربك} أي: المحسن إليك وإليهم {في القرآن وحده} أي: مع الإعراض عن آلهتهم كأن قلت وأنت تتلو القرآن لا إله إلا الله. تنبيه: في نصب وحده وجهان أحدهما أنه منصوب على الحال وإن كان معرفة لفظاً في قوّة النكرة إذ هو في معنى منفرداً. والثاني: أنه منصوب على الظرف. {ولّوا على أدبارهم نفوراً} أي: هرباً من استماع التوحيد. تنبيه: في نفوراً وجهان أحدهما مصدر من غير اللفظ مؤكد لأنّ التولي والنفور بمعنى والثاني أنه حال من فاعل ولوا وهو حينئذٍ جمع نافر كقاعد وقعود وشاهد وشهود والضمير في ولوا يعود إلى الكفار وقيل يعود إلى الشيطان وإن لم يجر لهم ذكر. قال المفسرون: إنّ القوم كانوا عند استماع القرآن على أقسام منهم من كان يلهو عند استماعه. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه ويساره إخوان من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار، ومنهم من كان إذا سمع من القرآن ما فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين لا يفهمون منه شيئاً ومنهم من إذا سمع آيات فيها ذكر الله تعالى وذم المشركين ولوا نفوراً وتركوا ذلك المجلس. ولما كانوا ربما ادّعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه أتبعه تعالى بقوله تعالى: {نحن أعلم} أي: من كل عالم {بما يستمعون} أي: يبالغون في الإصغاء والميل لقصد السمع {به} من الآذان والقلوب أو بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن {إذ يستمعون} أي: يصغون بجهدهم {إليك} أي: إلى قراءتك {وإذ} أي: حين {هم} ذو {نجوى} أي: يتناجون بأن يرفع كل منهم بصره إلى صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماع ثم ذكر تعالى ظرف النجوى بقوله تعالى: {إذ} وهو بدل من إذ قبله {يقول الظالمون} وقولهم {إن} أي: ما {تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} أي: مخدوعاً مغلوباً على عقله. وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر علياً أن يتخذ طعاماً ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال: قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم» فأبوا عليه ذلك وكانوا عند استماعهم من النبيّ صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوى إلى الله تعالى يقولون: {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} .
فإن قيل: أنهم لم يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يصح أن يقولوا {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} أجيب: بأنّ معناه إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلاً مسحوراً. وقرأ ابو عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة بكسر التنوين في الوصل والباقون بالضم ثم قال تعالى: {انظر كيف ضربوا} أي: هؤلاء الضُّلال {لك الأمثال} التي هي أبعد شيء من صفتك من قولهم كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون. {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك {فلا} أي: فتسبب عن ذلك أنهم لا {يستطيعون سبيلاً} أي: وصولاً إلى طريق الحق. ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوّة والمعاد وقدم الدلالة على الأوّلين وختم بإثبات جهلهم في النبوّة مع ظهورها أتبع ذلك أمراً جلياً في ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرّره غاية التقرير، وحرّه أتم تحرير. قال تعالى معجباً منهم: {وقالوا} أي: المشركون المنكرون للتوحيد والنبوّة والبعث مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت إنا نحيي الأرض بعد موتها وقولهم: {أئذا} استفهام إنكاري كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه والعامل في إذا فعل من لفظ مبعوثون لا هو فإن ما بعد إنّ لا يعمل فيما قبلها فالمعنى أنبعث إذا {كنا} أي: بجملة أجسامنا كوناً لازماً {عظاماً ورفاتاً} أي: حطاماً مكسراً مفتتاً أو غباراً. وقال الفراء: هو التراب وهو قول مجاهد ويؤيده أنه قد يكرر في القرآن تراباً وعظاماً. ويقال للتبن الرفات لأنه دقاق الزرع. {أئنا لمبعوثون} حال كوننا مخلوقين {خلقاً جديداً} . تنبيه: تقرير شبهة هؤلاء الضلال هي أنّ الإنسان جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم فالأجزاء المائية مختلطة بمياه العالم والأجزاء الترابية مختلطة بالتراب، والأجزاء الهوائية مختلطة بالهواء فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرّة أخرى وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرّة أخرى هذا تقرير شبهتهم؟ أجيب: عنها بأنها لا تتم إلا بالقدح في كمال علم الله تعالى وفي كمال قدرته فإنه تعالى قادر على كل الممكنات فهو قادر على إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها فمن سلم كمال علم الله تعالى وكمال قدرته زالت عنه هذه الشبهة بالكلية. ولما كان كأنه قيل فماذا يقال لهم في الجواب؟ فقال: {قل} لهم يا أشرف الخلق لا تكونوا رفاتاً بل {كونوا} أصلب من التراب {حجارة} أي: هي في غاية اليبس {أو حديداً} أي: زائداً على يبس الحجارة لشدّة اتصال الأجزاء. تنبيه: ليس المراد به أمر إلزام بل المراد لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة وذلك كقول القائل أتطمع فيّ وأنا فلان فيقول كن من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقي. {أو خلقاً} غير ذلك {مما يكبر} أي: يعظم عظمة كبيرة {في صدوركم} أي: مما يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها فإنّ الله تعالى قادر على إعادة الحياة إليها. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين: أنه الموت فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم، وقيل السموات والأرض والجبال لأنها من أعظم المخلوقات {فسيقولون} تمادياً في الاستهزاء {من يعيدنا} إذا كنا كذلك {قل الذي فطركم} أي: ابتدأ خلقكم {أوّل مرّة} ولم تكونوا شيئاً يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها فكما لم تعجز تلك
عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة {فسينغضون} أي: يحركون {إليك رؤوسهم} تعجباً واستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون والنغض والإنغاض تحريك بارتفاع وانخفاض {ويقولون} استهزاء {متى هو} أي: البعث والقيامة. قال الرازي: واعلم أنّ هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي تقدمت ثم إنّ الله تعالى بيَّن بالبرهان الباهر كونه ممكناً في نفسه فقولهم متى هو كلام لا تعلق له بالمبحث فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه فأما أنه متى يوجد فذلك لا يمكن إثباته من طريق العقل بل إنما يمكن إثباته بالدليل السمعي فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته لأنه تعالى بين في القرآن انه لا يطلع احداً من الخلق على وقته المعين فقال تعالى: {إنّ الله عنده علم الساعة} (لقمان، 34) وقال: {إنما علمها عند ربي} (الأعراف، 187) . وقال تعالى: {إنّ الساعة آتية اكاد أخفيها} (طه، 15) فلا جرم. قال تعالى: {قل عسى أن يكون قريباً} قال المفسرون: عسى من الله واجب ومعناه أنه قريب إذ كل آت قريب وأمال متى وعسى حمزة والكسائي إمالة محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح وقوله تعالى: {يوم يدعوكم} بدل من قريباً والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم، أي: بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال تعالى: {يوم ينادي المنادي من مكان قريب} (ق، 41) . روي أنّ إسرافيل ينادي أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرّقة عودي كما كنتِ. {فتستجيبون} أي: تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أنّ الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي آكد من الإجابة واختلف في معنى قوله تعالى: {بحمده} فقال ابن عباس: بأمره. وقال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهمّ وبحمدك فيحمدونه حين لا ينفعهم الحمد. وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. وقال أهل المعاني: تستجيبون بحمده، أي: تستجيبون حامدين كما تقول جاء بغضبه، أي: جاء غضبان وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه. وقال الزمخشريّ: بحمده حال منهم، أي: حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيأبى ويمتنع ستركبه وأنت حامد شاكر يعني أنك تحمل عليه وتقسر عليه قسراً حتى إنك تلين لين المستميح الراغب فيه الحامد عليه {وتظنون أن} أي: ما {لبثتم إلا قليلاً} أي: مع استجابتكم وطول لبثكم وشدّة ما ترون من الهول فعندها تستقصرون مدّة لبثكم في الدنيا وتحسبونها يوماً أو بعض يوم. وعن قتادة تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة وقال الحسن: معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدّة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال مدّة لبثهم في برزخ القيامة لأنه لما كان عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا لبثهم في برزخ القيامة. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء المثناة والباقون بالإدغام. ولما ذكر تعالى الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله تعالى: {قل الذي فطركم أوّل مرّة} قال تعالى: {وقل} يا محمد {لعبادي} أي: المؤمنين لأنّ لفظ العباد في أكثر
آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى: {فبشر عبادي الذين يستمعون القول} (الزمر: 17، 18) . وقال تعالى: {فادخلي في عبادي} (لبفجر، 29) . وقال تعالى: {عيناً يشرب بها عباد الله} (الإنسان، 6) . {يقولوا} للكفار الذين كانوا يؤذونهم الكلمة {التي هي أحسن} ولا يكافؤهم على سفههم بل يقولون يهديكم الله وكان هذا قبل الأذن بالقتال وقيل نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله تعالى بالعفو وقيل أمرالمؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا الخلة التي هي أحسن وقيل الأحسن قول لا إلى إلا الله، ثم علل بقوله تعالى: {إن الشيطان} أي: البعيد عن الرحمة المحترق باللعنة {ينزغ بينهم} أي: يفسد ويغري بعضهم على بعض ويوسوس لهم لتقع بينهم المشارّة والمشاقة وأصل النزغ الطعن وهم غير معصومين فيوشك أن يأتوا بما لا يناسب الحال. ثم علل تعالى هذه العلة بقوله تعالى: {إنّ الشيطان كان} أي: في قديم الزمان وأصل الطبع كوناً هو مجبول عليه {للإنسان عدوًّا} أي: بليغ العداوة {مبيناً} أي: بين العداوة، ثم فسر تعالى التي هي أحسن مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى: {ربكم أعلم بكم} فعلم أنّ قوله تعالى: {إن الشيطان} إلى آخره جملة اعتراضية بين المفسر والمفسر وسكن أبو عمرو الميم وأخفاها عند الباء بخلاف عنه وكذا أعلم بمن ثم استأنف تعالى: {إن يشأ} أي: رحمتكم {يرحمكم} أي: بهدايتكم {أو إن يشأ} تعذيبكم {يعذبكم} أي: بإضلالكم فلا تحتقروا أيها المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك، فإنه يجرّ إلى غيظ القلوب فلا فائدة لأنّ الخاتمة مجهولة ولا تتجاوزوا فيهم ما أمركم الله به من قول وفعل. ثم رقى الله الخطاب إلى أعلى الخلق، ورأس أهل الشرع ليكون من دونه أولى بالمعنى منه فقال تعالى: {وما أرسلناك} أي: مع ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء {عليهم وكيلا} أي: حفيظاً وكفيلاً تقسرهم على ما يرضي الله، وإنما أرسلناك على حسب ما نأمرك به بشيراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بمداراتهم، وقد مرّ أنّ هذا قبل الإذن بالقتال. ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه تعالى أخبر بما هو أعم من ذلك قاصراً الخطاب على أعلم خلقه بقوله تعالى: {وربك} أي: المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم بمن في السموات والأرض} فعلمه غير مقصور عليكم بل متعلق بجميع الموجودات والمعدومات، ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات، فيعلم تعالى حال كل أحد، ويعلم ما يليق به من المفاسد والمصالح، ويعلم اختلاف صورهم وأديانهم وأخلاقهم وأحوالهم وجميع ما هم عليه سبحانه وتعالى، لا تخفى عليه خافية، فيفضل بعض الناس على بعض على حسب إحاطة علمه وشمول قدرته، وبعض النبيين على بعض كما قال تعالى: {ولقد فضلنا} بما لنا من العظمة {بعض النبيين} سواء كانوا رسلاً أم لا {على بعض} بعد أن جعلنا لكل فضلاً لتقوى كل منهم وإحسانه، فخصصنا كلاً منهم بفضيلة كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء، فلا ينكر أحد من العرب، أو بني إسرائيل أو غيرهم، تفضيلنا لهذا النبي الكريم، الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق، فإذا نفعل ما نشاء بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل. وقرأ نافع بالهمزة والباقون بالياء، وورش على أصله يمد على الهمزة ويوسط ويقصر. {وآتينا} موسى التوراة
و {داود زبوراً} وعيسى الإنجيل، فلم يبعد أيضاً أن نؤتي محمداً صلى الله عليه وسلم القرآن، ولم يبعد أن نفضله على جميع الخلق. فإن قيل: ما السبب في تخصيص داود عليه السلام بالذكر هنا؟ أجيب: بأوجه الأول أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض، ثم قال: {وآتينا داود زبوراً} يعني أنّ داود أوتي ملكاً عظيماً، ثم إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك، وذكر ما آتاه من الكتاب تنبيهاً على أنّ الفضل الذي ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا بالمال. الثاني: أنه تعالى كتب في الزبور أنّ محمداً خاتم الأنبياء، وأنّ أمّة محمد خير الأمم قال تعالى: {ولقدكتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء، 105) وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته. فإن قيل: هلا عرفه كقوله: {ولقد كتبنا في الزبور} ؟ أجيب: بأنّ التنكير هنا يدل على تعظيم حاله؛ لأنّ الزبور عبارة عن المزبور، فكان معناه الكتاب، وكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتاباً، ويجوز أنّ يكون زبوراً علماً، فإذا دخلت عليه أل كقوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور} كانت للمح الأصل كعباس، والعباس وفضل والفضل الثالث أنّ كفار قريش ماكانوا أهل نظر وجدل بل كانوا يرجعون إلى اليهود في إستخراج الشبهات واليهود كانوا يقولون أنّه لا نبيّ بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة فنقض الله عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود. وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه لتسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ» ، أي: القرآن قال البقاعي: ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره بالذكر هنا، ذكر البعث الذي هذا مقامه فيه صريحاً، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك. أمّا البعث فلا ذكر له فيها أصلاً، وأمّا النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد، وأمّا الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في غير موضع انتهى. وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بالفتح، واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة {من دونه} أي: من سواه كالملائكة وعزير والمسيح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي بضم اللام من قل وكسرها عاصم وحمزة كل هذا في حال الوصل، وأما الابتداء فالجميع ابتدؤوا بهمزة مضمومة {فلا يملكون كشف الضر} أي: البؤس الذي من شأنه أن يمرض الجسم كله {عنكم} حتى لا يدعوا شيئاً منه {ولا تحويلاً} له إلى غيركم. فقال ابن عباس: إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيراً والملائكة والشمس والقمر والنجوم، وقيل: إنّ قوماً عبدوا نفراًمن الجنّ فأسلم النفر من الجن وبقي أولئك القوم متمسكين بعبادتهم فنزلت فيهم هذه الآية. وقيل إنّ المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعوا لهم فنزل {قل} للمشركين {ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه} (الأنعام، 94) وليس المراد الأصنام لأنه تعالى قال في وصفهم: {أولئك الذين يدعون} أي: يدعونهم الكفار ويتألهونهم {يبتغون} أي: يطلبون طلباً عظيماً {إلى ربهم} أي: المحسن إليهم {الوسيلة} أي: المنزلة والدرجة والقربة لأعمالهم الصالحة، وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي بضم
الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم. تنبيه: أولئك مبتدأ وخبره يبتغون ويكون الموصول نعتاً أو بياناً أو بدلاً، والمراد باسم الإشارة الأنبياء أو الملائكة الذين عبدوا من دون الله والمراد بالواو والعباد لهم، ويكون العائد على الذين محذوفاً أو المعنى أولئك الأنبياء الذين يدعونهم المشركون لكشف ضرّهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة {أيهم أقرب} أي: يتسابقون بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل {ويرجون رحمته} رغبة فيما عنده {ويخافون عذابه} فهم كغيرهم موصوفون بالعجز والحاجة فكيف يدعونهم آلهة، وقيل معناه أن الكفار ينظرون أيهم أقرب إلى الله تعالى فيتوسلون به. ثم علل خوفهم بأمر عامّ بقوله تعالى: {أنّ عذاب ربك} أي: المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمّتك {كان} أي: كوناً لازماً {محذوراً} جديراً بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل، فضلاً عن غيرهم لما شوهد من إهلاكه للقرون الماضية ولما قال تعالى: {إنّ عذاب ربك كان محذوراً} بين بقوله تعالى: {وإن} أي: وما {من قرية إلا ونحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً} إنَّ كل قرية، أي: أهلها لابد وأن يرجع حالهم إلى أحد أمرين: إما الإهلاك بالموت والإستئصال، وإمّا العذاب بالقتل وأنواع البلاء. وقال مقاتل: أمّا الصالحة فبالموت وأمّا الطالحة فبالعذاب. وقال عبد الله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله تعالى في هلاكها. {كان ذلك} أي: الأمر العظيم {في الكتاب} أي: اللوح المحفوظ {مسطوراً} أي: مكتوباً. قال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال وما أكتب قال: القدر ما كان وما هو كائن إلى أبد الأبد» أخرجه الترمذي. ولما كان كفار قريش قد تكرر اقتراحهم للآيات وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على إيمان كل أحد يحب أن الله تعالى يجيبهم إلى مقترحهم طمعاً في إيمانهم فأجاب الله تعالى بقوله: {وما منعنا} أي: على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها مانع {أن نرسل بالآيات} أي: التي اقترحوها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك في قولهم {فأتنا بآية كما أرسل الأوّلون} (الأنبياء، 5) وقال آخرون {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} (الإسراء، 90) الآيات. وقال سعيد بن جبير: أنهم قالوا إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من أحيا الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فكان كأنه لا آيات عندهم سوى ذلك {إلا} علمنا في عالم الشهادة بما وقع من {أن كذب بها} أي: المقترحات {الأولون} وعلمنا في عالم الغيب أنّ هؤلاء مثل الأوّلين أن الشقّي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها وأنه يقول فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو ذلك، والسعيد لا يحتاج في إيمانه إليها فكم أجبنا أمّة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة منهم إلا كفراً فأخذناهم لأنّ سنتنا جرت أنَّا لا نمهل بعد الإجابة إلى المقترحات من كذب بها. قال ابن عباس: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا تلك الأراضي فطلب صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط إن لم يؤمنوا أهلكتهم فقال صلى الله
عليه وسلم «لا أريد ذلك» فتفضل الله تعالى برحمته هذه الأمة وتشريفها على الأمم السالفة بعدم استئصالها لما يخرج من أصلاب كفرتها من خلص عباده، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم فقال جلّ ذكره: {بل الساعة موعدها والساعة أدهى وأمرّ} (القمر، 46) . ثم ذكر تعالى من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت إليهم فأهلكوا ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {آتينا ثمود الناقة} حالة كونها {مبصرة} أي: مضيئة بينة جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها فيستدل بها على صدق قول ذلك النبيّ {فظلموا بها} أي: ظلموا أنفسهم بتكذيبها. وقال ابن قتيبة: جحدوا بأنها من الله تعالى فأهلكناهم فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى، وخص تعالى هذه الآية بالذكر لأنّ آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم. ثم قال تعالى: {وما نرسل بالآيات} أي: المقترحات وغيرها {إلا تخويفاً} للمرسل إليهم بها فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا بعذاب الاستئصال من كذب بالآيات المقترحات وبعذاب الآخرة من كذب بغيرها كالمعجزات وآيات القرآن فأمر من بعث إليهم مؤخراً إلى يوم القيامة. فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدّعى فكيف حصل المقصود من إظهارها في التخويف؟ أجيب: بأنه لما كان هو الحامل والغالب على التصديق فكأنه هو المقصود ولما طلب القوم من النبي صلى الله عليه وسلم تلك الآيات المقترحات وأجاب الله تعالى بأنّ إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سبباً لجراءة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له لو كنت رسولاً حقاً من عند الله لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء، فعند هذا قوى الله تعالى قلبه وبين له أنه ينصره ويؤيده فقال تعالى: {و} اذكر يا أشرف الخلق {إذ قلنا لك إن ربك} أي: المتفضل بالإحسان إليك بالرفق لأمتّك {أحاط بالناس} علماً وقدرة فهم في قبضته وقدرته لا يقدرون على الخروج من مشيئته فلا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، وهو حافظك ومانعك منهم فلا تهتم باقتراحهم، وامض فيما أمرك به من تبليغ الرسالة فهو ينصرك ويقوّيك على ذلك كما وعدك بقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} (المائدة، 67) وقيل: إن المراد بالناس أهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم. روي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه كان يدعو ويقول: «اللهمّ إني أسألك عهدك ووعدك ثم خرج وعليه الدرع يحرّض الناس ويقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} (القمر، 45) » وكان صلى الله عليه وسلم يقول حين ورد بدراً: «والله كأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان» فتسامعت قريش بما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم عطف تعالى على {وما نرسل بالآيات} قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} أي: التي شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي: امتحاناً واختباراً {للناس} لأنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان قد آمن به وازداد المخلصون إيماناً فلهذا السبب كانت امتحاناً. وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس أنه قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وتقدم
أنه قول الأكثر فمنهم سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج وما قاله بعضهم من أن الرؤيا تدل على أنها رؤيا منام ضعيف إذ لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة يقال رأيته بعيني رؤية ورؤيا. فائدة: قال بعض العلماء: كانت إسراآته صلى الله عليه وسلم أربعاً وثلاثين مرّة واحدة بجسده والباقي بروحه رؤيا رآها قال ومما يدل على أنّ الإسراء ليلة فرض الصلاة كانت بالجسم ما ورد في بعض طرق الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استوحش لما زج به في النور ولم ير معه أحداً إذ الأرواح لا توصف بالوحشة ولا بالاستيحاش قال: ومما يدلك على أنّ الإسراء كان بجسمه ما وقع له من العطش فإنّ الأرواح المجردة لا تعطش، ولما كان صلى الله عليه وسلم قد وصل الجحيم وأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم وكان ذلك في غاية الغرابة ضمها إلى الإسراء في ذلك بقوله تعالى: {والشجرة الملعونة في القرآن} لأنّ فيها امتحاناً أيضاً بل قال بعض المفسرين هي على التقديم والتأخير والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. واختلف في هذه الشجرة فالأكثرون قالوا: إنها شجرة الزقوم المذكورة في قوله تعالى: {إنّ شجرة الزقوم طعام الأثيم} (الدخان: 43، 44) فكانت الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين الأول أنّ أبا جهل قال: زعم صاحبكم أنّ نار جهنم تحرق الحجارة حيث قال: {وقودها الناس والحجارة} (البقرة، 24) ثم يقول في النار شجرة والنار تأكل الشجر فكيف يولد فيها الشجر. والثاني: قال ابن الزبعري: ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجراً {إنا جعلناها فتنة للظالمين} (الصافات، 43) الآيات {وما قدروا الله حق قدره} (الأنعام، 91) من قال ذلك فإن الله تعالى قادر على أن يجعل الشجرة من جنس لا تأكله النار فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار فيذهب الوسخ وبقيت سالمة لا تعمل فيها النار، وترى النعامة تبلع الجمر وتبلع الحديد الحمر بإحماء النار فلا يضرها ثم أقرب من ذلك أنه تعالى جعل في الشجر ناراً فما تحرقه قال تعالى: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} (يس، 80) . فإن قيل: ليس في القرآن لعن هذه الشجرة؟ أجيب: عن ذلك بوجوه الأوّل المراد لعن الكفار الذين يأكلونها لأنّ الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. الثاني: أنّ العرب تقول لكل طعام ضار إنه ملعون. الثالث: أنّ اللعن في اللغة الإبعاد ولما كانت هذه الشجرة مبعدة عن صفات الخير سميت ملعونة، وقيل إنّ الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى: {لعن الذين كفروا} (المائدة، 78) الآية. وقيل: هي الشيطان. وقيل أبو جهل. وعن ابن عباس هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب. ولما ذكر سبحانه وتعالى أنه يرسل بالآيات تخويفاً قال هنا أيضاً: {ونخوّفهم فما يزيدهم} أي: الكافرين والتخويف بالقرآن. {إلا طغياناً كبيراً} أي: تجاوز للحد هو في غاية العظم فبتقدير أن يظهر الله تعالى لهم المعجزات التي اقترحوها لم يزدادوا بها إلا تمادياً في الجهل والعناد فاقتضت الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات فإنهم قد خوّفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر، وخوّفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال
ما يقترحون من الآيات. ولما نازع القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد، أمّا الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد، وأمّا الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوّة فبيّن تعالى أنّ هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج عن الإيمان والدخول في الكفر بقوله تعالى: {وإذ} أي: واذكر إذ {قلنا} بما لنا من العظمة التي لا ينقض مرادها {للملائكة} حين خلقنا أباك آدم وفضلناه {اسجدوا لآدم} أي: امتثالاً لأمري {فسجدوا إلا إبليس} أي: أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله وعظمته وذلك معنى قوله تعالى: {قال} أي: منكراً متكبراً {أأسجد} أي: خضوعاً {لمن خلقت} حال كون أصله {طيناً} فكفر بنسبته لنا إلى الجور متخيلاً أنه أفضل من آدم عليه السلام من حيث أن الفروع ترجع إلى الأصول وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين الذي هو أصل آدم وذهب عنه أن الطين أنفع من النار وعلى تقدير التنزل فالجواهر كلها من جنس واحد والله تعالى هو الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض. وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في سبع سور وهي البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدّم في البقرة ولعل هذه القصة إنما كررت تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه فكأنه تعالى يقول ألا ترى أن أول الأنبياء هو آدم عليه السلام ثم أنه كان في محنة شديدة من إبليس وأنّ الكبر والحسد كل منهما بلية عظيمة ومحنة عظيمة للخلق وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفاً ولم يدخل ورش وابن كثير بينهما ألفاً ولورش أيضاً إبدال الثانية ألفاً، وإذا وقف حمزة سهل الثانية كقراءة ابن كثير وقرأ هشام بالتحقيق في الثانية والتسهيل وإدخال ألف بينهما. وقرأ الباقون بتحقيقهما بلا إدخال. ولما أخبر تعالى بتكبره كان كأنه قيل أن هذه الوقاحة عظيمة واجتراء على الجناب الأعلى فهل كان منه غير ذلك قيل: {قال أرأيتك} أي: أخبرني وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء ولورش وجه ثان وهو أن يبدلها ألفاً وأسقطها الكسائي والباقون بالتحقيق. {هذا الذي كرّمت عليّ} لم كرّمته عليّ مع ضعفه وقويّ فكأنه قيل لقد أتى بالغاية في إساءة الأدب فما كان بعد هذا فقيل: قال مقسماً لأجل استبعاد أن يجترئ أحد هذه الجراءة على الملك الأعلى: {لئن أخرتن} أي: أيها الملك الأعلى تأخيراً ممتدًّا. {إلى يوم القيامة} حياً متمكناً وجواب القسم الموطأ له باللام. {لأحتنكنّ} أي: بالإغواء {ذريته} أي: لاستولين عليهم استيلاء من جعل في حنك الدابة الأسفل حبلاً يقودها به فلا تأبى عليه. وقرأ نافع وأبو عمرو بزيادة ياء بعد النون في أخرتني عند الوصل وحذفها في الوقف، وأثبتها ابن كثير وصلاً ووقفاً وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً اتباعاً للرسم. ولما علم أنه لا يقدر على الجميع قال: {إلا قليلاً} وهم أولياؤك الذين حفظتهم مني كما قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} (الحجر، 42) . فإن قيل: كيف ظنّ إبليس هذا الظنّ الصادق بذرية آدم؟ أجيب: بأوجه الأوّل: أنه سمع الملائكة يقولون {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}
فعرف هذه الأحوال. الثاني: أنه وسوس إلى آدم ولم يجد له عزماً فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم. الثالث: أنه عرف أنه مركب من قوّة بهيمية شهوية وقوّة وهمية شيطانية وقوّة عقلية ملكية، وقوّة سبعية غضبية، وعرف أن بعض تلك القوى تكون هي المستولية في بعض أوّل الخلقة ثم إن القوّة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ومن كان كذلك كان ما ذكره إبليس لازماً له ثم كأنه قيل لقد أطال عدوّ الله الاجتراء فما قال له ربه بعد ذلك فقيل: {قال} ممدّا له {اذهب} أي: امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سوّلت له نفسه، وتقدّم في الحجر أنه إنما يؤخر إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم ينفخ في الصور لا أنه يؤخر إلى يوم القيامة كما طلب، وقرأ أبو عمرو وخلاد والكسائيّ بادغام الباء الموحدة في الفاء، وأظهرها الباقون. ولما حكم تعالى بشقاوته وشقاوة من أراد طاعته له تسبب عنه قوله تعالى: {فمن تبعك منهم} أي: أولاد آدم عليه السلام {فإن جهنم} أي: الطبقة النارية التي تتجهم داخلها {جزاؤكم} أي: جزاؤك وجزاء أتباعك تجزون ذلك {جزاء موفوراً} أي: مكملاً وافياً بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة. ولما طلب إبليس اللعين من الله تعالى الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم ذكر الله تعالى له أشياء الأوّل اذهب، أي: امض كما مرّ فإني أمهلتك هذه المدّة وليس من الذهاب الذي هو ضدّ المجيء. الثاني: قوله تعالى: {واستفزز} أي: استخف {من استطعت منهم} أن تستفزه وهم الذين سلطناك عليهم {بصوتك} قال ابن عباس: معناه بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية الله تعالى فهو من جند إبليس، وقيل أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب. الثالث: قوله تعالى: {وأجلب} أي: صح {عليهم} من الجلبة وهي الصياح {بخيلك ورجلك} . واختلفوا في الخيل والرجل على أقوال الأوّل: روى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال: كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى وعلى هذا فخيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية. الثاني: يحتمل أن يكون لإبليس جيش من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل. الثالث: أن المراد منه ضرب المثل كما يقال للرجل المجد في الأمر جدّ بالخيل والرجل. قال الرازي: وهذا أقرب. وقال الزمخشري: هو كلام ورد مورد التمثيل مثل في تسلطه على من يغويه بمغوار وقع على قوم فصوّت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقلهم عن مراكزهم وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم والخيل تقع على الفرسان قال صلى الله عليه وسلم «يا خيل الله اركبي» وقد تقع على الأفراس خاصة. وقرأ حفص عن عاصم بكسر الجيم وسكنها الباقون جمع راجل كصاحب وصحب وراكب وركب ورجل بالكسر والضم لغتان مثل حدث وحدث وهو مفرد أريد به الجمع. الرابع قوله تعالى: {وشاركهم في الأموال والأولاد} أمّا المشاركة في الأموال فقال مجاهد: هو كل ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام. وقال قتادة: هو جعلهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وقال الضحاك: هو ما يذبحونه لآلهتهم. وقال عكرمة: هو تبتيكهم آذان الأنعام وقيل هو جعلهم من أموالهم شيئاً لغير الله، كقولهم: {هذا لله} {وهذا لشركائنا} (الأنعام، 136) ولا منافاة بين جميع هذه الأقوال. وأمّا المشاركة في الأولاد فقال عطاء عن ابن عباس: هو تسمية الأولاد بعبد شمس وعبد العزى
وعبد الحرث وعبد الدار ونحوها وقال الحسن: هو أنهم هوّدوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم وروي عن جعفر بن محمد أنّ الشيطان يعقد ذكره على ذكر الرجل فإذا لم يقل بسم الله أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها، كما ينزل الرجل ويقال في جميع هذه الأقوال أيضاً ما تقدّم. وروي أنّ رجلاً قال لابن عباس: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة نار قال ذلك من وطء الجنّ. وفي الآثار أنّ إبليس لمّا خرج إلى الأرض قال: يا رب أخرجتني من الجنة لأجل آدم فسلطني عليه وعلى ذرّيته. قال: أنت مسلط. قال: لا أستطيعه إلا بك فزدني قال: {استفزز من استطعت منهم بصوتك} . قال: آدم: يا رب سلطت إبليس عليّ وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك. قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظونه. قال: زدني. قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. قال: زدني. قال: التوبة مفروضة ما دام الروح في الجسد. فقال: زدني. فقال: {يا عبادي الذين أسرفوا} (الزمر، 53) الآية. وفي الخبر أنّ إبليس قال: يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتباً فما قرآني؟ قال: الشعر. قال: فما كتابي؟ قال: الوشم. قال: ومن رسولي؟ قال: الكهنة. قال: فما طعامي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي. قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر. قال: وأين مسكني؟ قال: الحمامات. وقال: وأين مجلسي؟ قال: الأسواق. قال: وما حبائلي؟ قال: النساء. قال: وما أذاني؟ قال: المزمار. الخامس قوله تعالى: {وعدهم} أي: من المواعيد الباطلة ما يستخفهم ويغرّهم من ذلك وعدهم بأن لا جنة ولا نار ومن ذلك شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى بالأنساب الشريفة وتسويف التوبة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك. وقوله تعالى: {وما يعدهم الشيطان} من باب الالتفات وإقامة الظاهر مقام الضمير ولو جرى على سنن الكلام الأوّل لقال وما تعدهم بالتاء من فوق. وقوله تعالى: {إلا غروراً} فيه أوجه أحدها: أنه نعت مصدر محذوف وهو نفسه مصدر والأصل إلا وعداً غروراًز الثاني: أنه مفعول من أجله، أي: ما يعدهم من الأماني الكاذبة إلا لأجل الغرور. الثالث: أنه مفعول به على الاتساع، أي: ما يعدهم إلا الغرور نفسه والغرور تزيين الباطل بما يظنّ أنه حق. فإن قيل: كيف ذكر الله تعالى هذه الأشياء لإبليس وهو يقول إنّ الله لا يأمر بالفحشاء؟ أجيب: بأنّ هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} (فصلت، 40) . وكقول القائل: اعمل ما شئت فسوف ترى، وكما يقال اجهد جهدك فسوف ترى ما ينزل بك. ولما قال الله تعالى له افعل ما تقدر عليه قال تعالى: {إنّ عبادي} أي: الذين أهلتهم للإضافة إليّ فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى والإحسان {ليس لك عليهم سلطان} أي: فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر فإني وفقتهم للتوكل عليّ فكفيتهم أمرك {وكفى بربك} أي: الموجد لك {وكيلاً} ، أي: حافظاً لهم منك. ولما ذكر تعالى أنه الوكيل الذي لا كافي غيره أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك بقوله تعالى: {ربكم} أي: المتصرف فيكم هو {الذي يزجي} أي: يجري {لكم الفلك} ومنها التي حملكم فيها مع أبيكم نوح عليه الصلاة والسلام {في البحر لتبتغوا} أي: لتطلبوا {من فضله} الربح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم ثم إنه تعالى علل ذلك بقوله عز وجل: {إنه} أي: فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه {كان} أي: أزلاً وأبداً {بكم رحيماً} حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر من أسبابه. تنبيه: الخطاب
في قوله ربكم وفي قوله إنه كان بكم عام في حق الكل والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها وأمّا قوله تعالى: {وإذا مسكم الضرّ} أي: الشدة {في البحر} خطاب للكفار بدليل قوله تعالى {ضلّ} أي: غاب عن ذكركم وخواطركم {من تدعون} أي: تعبدون من الآلهة {إلا إياه} وحده فأخلصتم له الدعاء علماً منكم أنه لا ينجيكم سواه {فلما نجاكم} من الغرق وأوصلكم بالتدريج {إلى البرّ أعرضتم} عن الإخلاص له ورجعتم إلى الإشراك {وكان الإنسان} أي: هذا النوع {كفوراً} أي: جحوداً للنعم بسبب أنه عند الشدّة يتمسك بفضله ورحمته وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره، وقوله تعالى: {أفأمنتم} الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه {أن نخسف بكم جانب البرّ} فنغيبكم في، أي: جانب كان منه لأنّ قدرتنا على التغيبين في الماء والتراب على السواء فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله تعالى في جميع الجوانب {أو} أمنتم أن {نرسل عليكم} من جهة الفوق شيئاً من أمرنا {حاصباً} أي: نمطر عليكم حجارة من السماء كما أمطرناها على قوم لوط قال الله تعالى: {إنا أرسلنا عليهم حاصباً} (القمر، 34) وقيل الحاصب الريح {ثم لا تجدوا لكم} أيها الناس {وكيلاً} ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلاً غيره. {أم أمنتم} أي: جاوزت بكم الغباوة حدّها فلم تجوّزوا ذلك {أن نعيدكم فيه} أي: البحر الذي يضطرّكم إلى ذلك فنقسركم عليه وإن كرهتم {تارة أخرى} بأسباب تضطرّكم إلى أن ترجعوا فتركبوه {فنرسل عليكم قاصفاً من الريح} أي: ريحاً شديدة لا تمرّ بشيء إلا قصفته فتكسر فلككم {فنغرقكم} في البحر الذي أعدناكم فيه بقدرتنا {بما كفرتم} أي: بسبب إشراككم وكفرانكم نعمة الانجاء {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} أي: مطالباً يطالبنا بما فعلنا بكم. تنبيه: تارة بمعنى مرّة وكرّة فهي مصدر وتجمع على تير وتارات. قال الشاعر: *وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يجم فيغرق وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أن نخسف أو نرسل أن نعيدكم فنرسل فنغرقكم جميع هذه الخمسة بنون العظمة والباقون بياء الغيبة والقراءة الأولى على سبيل الالتفات من الغائب في قوله تعالى: {ربكم} إلى آخره. والقراءة الثانية على سنن ما تقدّم من الغيبة. ثم إنّ الله تعالى ذكر نعمة أخرى رفيعة جليلة على الإنسان وذكر فيها أربعة أنواع: النوع الأول: قوله تعالى: {ولقد كرّمنا} أي: بعظمتنا تكريماً عظيماً {بني آدم} وحذف متعلق التكريم فلذا اختلف المفسرون فيه فقال ابن عباس: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه يأكل بيده. وعن الرشيد أنه حضر طعاماً عنده فدعاه بالملاعق وعنده أبو يوسف فقال له: جاء في تفسير جدّك ابن عباس {ولقد كرّمنا بني آدم} جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه. وروي عن ابن عباس أنه قال: بالعقل. وقال الضحاك: بالنطق والتمييز. وقيل على سائر الطين بالنموّ، وعلى النامي بالحياة وعلى سائر الحيوان بالنطق. وقال عطاء: بتعديل القامة وامتدادها والدواب منكسة على وجوهها. قال بعضهم: وينبغي أن يشترط مع هذا شرط وهو طول القامة مع استكمال القوّة
العقلية والحسية والحركية وإلا فالأشجار أطول قامة من الإنسان قيل الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقيل بأن سخر لهم سائر الأشياء وقيل بأنّ منهم خير أمّة أخرجت للناس. وقيل بحسن الصورة. قال تعالى: {وصوّركم فأحسن صوركم} (غافر، 64) . ولما ذكر الله تعالى خلقة الإنسان وهي {ولقد خلقنا الإنسان} (الحجر، 26) الآية قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} (المؤمنون، 14) . قال الرازي: فإن شئت فتأمّل عضواً واحداً من أعضاء الإنسان وهي العين فخلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق ذلك البياض سواد الشعر. وليكن هذا المثال الواحد أنموذجاً لك في هذا الباب انتهى. واستدل أيضاً لشرف الإنسان بأنّ الموجود إمّا أن يكون أزلياً وأبدياً وهو الله تعالى وإمّا أن لا يكون لا أزلياً ولا أبدياً وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان وهذا أحسن الأقسام وإمّا أن يكون أزلياً ولا يكون أبدياً وهذا ممتنع الوجود لأنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وإمّا أن لا يكون أزلياً ولكنه يكون أبدياً وهو الإنسان والملك ولا شك أنّ هذا القسم أشرف من الثاني والثالث وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر المخلوقات. النوع الثاني: قوله تعالى: {وحملناهم في البرّ} على الدوابّ وغيرها {و} في {البحر} على السفن وغيرها، من حملته حملاً إذا جعلت له ما يركبه أو حملناهم فيهما حتى لم نخسف بهم الأرض ولم نغرقهم في الماء. النوع الثالث: قوله تعالى: {ورزقناهم من الطيبات} أي: المستلذات من الثمرات والأقوات، وذلك لأنّ الأغذية إمّا حيوانية وإمّا نباتية وكلا القسمين فإنّ الإنسان إنما يتغذى بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامّة والطبخ الكامل والنضج البالغ وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان. النوع الرابع: قوله تعالى: {وفضلناهم} في أنفسهم بإحسان الشكل وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين {على كثير ممن خلقنا} أي: بعظمتنا التي خلقناهم بها. وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: {تفضيلاً} . تنبيه: ظاهر الآية يدل على فضلهم على كثير من خلقه لا على الكل. وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة. وهو قول ابن عباس واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في بسيطه. وقال الكلبي: فضلوا على جميع الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم. وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق وعلى جميع الملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل كقوله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} إلى قوله تعالى: {وأكثرهم كاذبون} (الشعراء: 221، 223) أي: كلهم. وروى جابر يرفعه قال: «لما خلق الله تعالى آدم وذرّيته قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه روحي كمن قلت له كن فكان» . والأولى كما قاله بعض المفسرين كالبغوي وابن عادل أن يقال عوامّ الملائكة أفضل من عوام المؤمنين، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة. قال تعالى: {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} (البينة، 7) . وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه قال: المؤمن أكرم على الله من الملائكة عنده. رواه البغوي ورواه الواحدي في بسيطه. فإن قيل: قال تعالى في أوّل الآية: {ولقد كرّمنا بني آدم} وقال في آخرها: {وفضلناهم} فلا بدّ من الفرق بين التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار؟ أجيب: بأنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية كالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم أنه سبحانه وتعالى عرّضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة. ولما ذكر تعالى أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة بقوله تعالى: {يوم} أي: اذكر يوم {ندعو} أي: بتلك العظمة {كل أناس} أي: منكم {بإمامهم} الإمام في اللغة كل من ائتمّ به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبيّ إمام أمّته والخليفة إمام رعيته والقرآن إمام المسلمين، وإمام القوم هو الذي يقتدون به في الصلاة. وذكروا في تفسير الإمام هنا أقوالاً أحدها إمامهم نبيهم. روي ذلك مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «فينادى يوم القيامة يا أمّة إبراهيم يا أمّة موسى يا أمّة عيسى يا أمّة محمد صلى الله عليه وسلم فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم ثم ينادى الأتباع يا أتباع ثمود يا أتباع فرعون يا أتباع فلان وفلان من رؤوساء الضلال وأكابر الكفر» . الثاني: أنّ إمامهم كتابهم الذي أنزل عليهم فينادى في القيامة يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل. الثالث: إمامهم كتاب أعمالهم قال تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (يس 12) فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماماً. قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أنّ الإمام جمع أمّ وأنّ الناس يدعون يوم القيامة بأمّهاتهم دون آبائهم وان الحكمة فيه رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا تفتضح أولاد الزنا. قال: وليت شعري أيهما أبدع البدع؟ أصحة لفظه أم بهاء حكمته. قال ابن عادل: وهو معذور لأن أمّا لا يجمع على إمام هذا قول من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب. {فمن أوتي} أي: من المدعوّين {كتابه} أي: كتاب عمله {بيمينه} وهم السعداء أولو البصائر في الدنيا {فأولئك يقرؤون كتابهم} ابتهاجاً وتبجحاً بما يرون فيه من الحسنات {ولا يظلمون} بنقص حسنة ما من ظالم ما {فتيلاً} أي: شيئاً في غاية القلة والحقارة بل يزدادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاة الأعمال. تنبيه: الفتيل القشرة التي في شق النواة تسمى بذلك لأنه إذا رام الإنسان إخراجه انفتل وهذا مثل يضرب للشيء الحقير التافه ومثله القطمير وهو الغلالة التي في ظهر النواة، والنقير وهي النقرة التي في ظهر النواة. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الفتيل هو الوسخ الذي يفتله الإنسان بين سبابته وإبهامه. فإن قيل: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أهل الشمال يقرؤونه؟ أجيب: بأن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملاً على المهلكات العظيمة والقبائح الكاملة فيستولي الخوف على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزون عن القراءة الكاملة وأمّا اصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم على أحسن الوجوه ثم لا يقنعون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارئ لأهل المحشر: {هاؤم اقرؤوا كتابيه} (الحاقة، 19) جعلنا الله تعالى وجميع أحبابنا منهم. ثم قال الله تعالى: {ومن كان} منهم {في هذه}
أي: الدار {أعمى} أي: ضالاً يعمل في الأفعال فعل الأعمى في أخذ الأعيان لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضرّه ولا يميز بين حسن وقبيح {فهو في الآخرة أعمى} أي: أشدّ عمى مما كان عليه في هذه الدار لا ينجح له قصد ولا يهتدي لصواب ولم يقل تعالى أشدّ عمى كما يقال في الخلق اللازمة لحالة واحدة مثل العور والحمرة والسواد ونحوها لأن هذا مراد به عمى القلب الذي من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة شيئاً بعد شيء. {وأضلّ سبيلاً} لأنّ هذه الدار دار الاكتساب والترقي في الأسباب، وأمّا تلك فليس فيها شيء من ذلك. وقال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: اقرؤوا ما قبلها فقرؤوا: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك} إلى قوله: {تفضيلاً} . فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو في الآخرة التي لم يعاين ولم ير أعمى وأضلّ سبيلاً، وعلى هذا فالإشارة في قوله هذه إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدّمة، وحمل بعضهم العمى الثاني على عمى العين والبصر كما قال تعالى: {ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (الحجر، 126) . وقال تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً} (الإسراء، 97) وهذا العمى زيادة في عقوبتهم. ولما عدّد تعالى في الآيات المتقدّمة أقسام نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء عن الاغترار بوسواس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكر والتلبيس فقال تعالى: {وإن كادوا} أي: قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة الله تعالى لك. ولما كانت إن هذه هي المخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية بقوله تعالى: {ليفتنونك} أي: ليخالطونك مخالطة تميلك إلى جهة قصدهم لكثرة خداعهم. واختلف في سبب نزول هذه الآية فروى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال قال: وما هنّ قالوا أن لا نجبي في الصلاة بفتح الجيم والباء الموحدة المشدّدة، أي: لا ننحني فيها ولا نكسر أصنامنا إلا بأيدينا، وأن لا تمنعنا من اللات والعزى سنة من غير أن نعبدها فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود» . وأمّا أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم وأمّا الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها، وفي رواية وحرّم وادينا كما حرّمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فقالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك فصاح عليهم عمر وقال: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن الكلام كراهة لما تذكرونه فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وقال سعيد بن جبير: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فمنعه قريش وقالوا: لا ندعك حتى تلمّ بآلهتنا وتمسها فحدّث صلى الله عليه وسلم نفسه ما عليّ أن أفعل ذلك والله يعلم أني لها لكاره بعد أن يدعوني
حتى استلم الحجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي أنّ قريشاً قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك فنزلت: {وإن كادوا ليفتنونك} . {عن الذي أوحينا إليك} من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا {لتفتري} أي: لتقول {علينا غيره} أي: ما لم نقله {وإذاً} أي: لو ملت إلى ما دعوك إليه {لاتخذوك} أي: بغاية الرغبة {خليلاً} أي: لوالوك وصافوك وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراض بشركهم ومن يكن خليل الكفار لم يكن خليل الله تعالى، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله واستمروا على عماهم إتماماً لتفضيلنا لك على كل مخلوق. {ولولا أن ثبتناك} أي: على الحق بعصمتنا إياك {لقد كدت} أي: قاربت {تركن} أي: تميل {إليهم} أي: إلى الأعداء {شيئاً} أي: ركونا {قليلاً} لمحبتك في هدايتهم وحرصك على منفعتهم ولكنا عصمناك فمنعناك أن تقرب من الركون فضلاً من أن تركن إليهم لأنّ كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره تقول لولا زيد لهلك عمرو ومعناه أنّ وجود زيد منع من حصول الهلاك لعمرو فكذلك ههنا قوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم} معناه لولا حصل تثبيت الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان تثبيت الله مانعاً من حصول قرب الركون وهذا صريح في أنه عليه الصلاة والسلام ما همّ بإجابتهم مع قوّة الداعي إليها ودليل على أنّ العصمة بتوفيق الله وحفظه. {إذاً} أي: لو قاربت الركون الموصوف إليهم {لأذقناك ضعف} عذاب {الحياة وضعف} عذاب {الممات} أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة وكان أصل الكلام عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ثم أضيفت كما يضاف موصوفها وقيل المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة وضعف الممات عذاب القبر، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعمة الله تعالى في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى: {يا نساء النبيّ من يأت منكنّ بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} (الأحزاب، 30) وقيل الضعف من أسماء العذاب {ثم لا تجد لك} أي: وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم مرتبة وهمة {علينا نصيراً} أي: مانعاً يمنعك من عذابنا. واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى: {وإن} أي: وإن هم {كادوا} أي: الأعداء {ليستفزونك} أي: ليزعجونك بمعاداتهم {من الأرض ليخرجوك منها} فقال ابن عباس: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم، فقالوا: يا أبا القاسم إنّ الأنبياء إنما بعثوا بالشأم وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك وأتبعناك، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله يمنعك منهم فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة وقيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشام فيدخلون في دين الله فنزلت هذه الآية فرجع وهذا قول الكلبيّ وعلى هذا فالآية مدنية والمراد بالأرض أرض المدينة. وقال قتادة ومجاهد: الأرض أرض مكة والآية مكية، همّ المشركون أن يخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكفهم الله تعالى عنه حتى أمره
بالهجرة فخرج بنفسه. قال ابن عادل تبعاً للرازي: وهذا أليق بالآية لأنّ ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية وهذا اختيار الزجاج وكثير في التنزيل ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} (المائدة، 33) أي: من مواضعهم. وقوله تعالى حكاية عن أخي يوسف: {فلن أبرح الأرض} (يوسف، 80) يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة. فإن قيل: قال تعالى: {وكأين من قرية هي أشدّ قوّة من قريتك التي أخرجتك} (محمد، 13) يعني أهل مكة فالمراد أهلها، فذكر تعالى أنهم أخرجوه، وقال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} فكيف الجمع بينهما على القول الثاني؟ أجيب: بأنهم هموا بإخراجه وهو صلى الله عليه وسلم ما خرج بسبب إخراجهم وإنما خرج بأمر الله تعالى وحينئذٍ فلا تناقض {وإذاً} أي: وإذا أخرجوك {لا يلبثون خلفك} أي: بعد إخراجك لو أخرجوك {إلا} زمناً {قليلاً} وقد كان كذلك على القول الثاني، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته، وعلى القول الأوّل قتل منهم بني قريظة وأجلى بني النضير بقليل. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة بفتح الخاء وسكون اللام والباقون بكسر الخاء وفتح اللام وبعدها ألف، قال الشاعر: عفت الديار، أي: اندرست ـ خلافهم، أي: خلفهم. *فكأنما بسط الشواطب بينهنّ حصيرا الشواطب النساء اللاتي يشققن الجريد ليعملن منه الحصير والشطب والشواطب سعف النخل الأخضر يصف دروس ديار الأحبة بعدهم وأنها غير منكوسة كأنما بسط فيها سعف النخل. ولما أخبره بذلك أعلمه أنه سنة في جميع الرسل بقوله تعالى: {سنة} أي: كسنة أو سننا بك سنة {من قد أرسلنا قبلك} أي: في الأزمان الماضية كلها {من رسلنا} أنا نهلك كل أمّة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، والسنة لله وإضافتها إلى الرسل لأنها من أجلهم ويدل عليه قوله تعالى: {ولا تجد لسنتنا تحويلاً} (الإسراء، 77) أي: تغييرا. ولما قرّر تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم الآلهيات والمعاد والنبوّات أردفها بذكر الأمر بالطاعة وأشرف الطاعة بعد الإيمان الصلاة فلذلك قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {أقم الصلاة} بفعل جميع أركانها وشرائطها بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها فإنها لب العبادة لما فيها من المناجاة والإعراض عن كل غير، وفناء عن كل سوى، بما أشرق من أنوار الحضرة التي قد اضمحل إليها كل فان، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أنّ الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ثم عين له الأوقات بقوله تعالى: {لدلوك الشمس} في هذه اللام قولان أحدهما أنها بمعنى بعد، أي: بعد دلوك الشمس ومثله قول متمم: *فلما تقرّقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا والثاني أنها على بابها لأنها إنما تجب بزوال الشمس والدلوك مصدر دلكت الشمس وفيه أقوال أحدها: أنه الزوال وهو قول ابن عباس وابن عمر وجابر وأكثر التابعين ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم «أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر» وقول أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة. والثاني أنه
الغروب وهو قول ابن مسعود ونقله الواحدي في «البسيط» عن عليّ رضي الله عنه، وبه قال إبراهيم النخعي والضحاك والسدي وهو اختيار الفراء وكما يقال للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة يقال لها أيضاً إذا غربت دالكة لأنها في الحالين زائلة. قال الأزهري: والثالث أنه من الزوال إلى الغروب وقال في «القاموس» دلكت الشمس غربت أو اصفرّت أو مالت أو زالت عن كبد السماء فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استمعال المشترك في معانيه أمّا في الظهر والمغرب فواضح لما مرّ وأمّا العصر فلأنّ أول وقتها أوّل أخذ الشمس في الاصفرار وأدل دليل على ذلك أنه تعالى غيا الإقامة لوقت العشاء بقوله تعالى: {إلى غسق الليل} أي: ظلمته وهو وقت صلاة عشاء الآخرة والغاية أيضاً هنا داخلة لما سيأتي وقد أجمعوا على أنّ المراد من قوله تعالى: {وقرآن الفجر} أي: صلاة الصبح وهو منصوب قيل على الإغراء، أي: وعليك بقرآن الفجر ورد أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. وقال الفراء: أنه منصوب بالعطف على الصلاة في قوله تعالى: {أقم الصلاة} والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وحينئذٍ تدخل الصلوات الخمس في هذه الآية. قال ابن عادل كالرازي: وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى انتهى. وسميت صلاة الصبح قرآناً لاشتمالها عليه وإن كانت بقية الصلوات أيضاً مشتملة عليه لأنه يطوّل فيها في القراءة ما لا يطوّل في غيرها فالمقصود من قوله تعالى: {وقرآن الفجر} الحث على طول القراءة فيها أكثر من غيرها لأنّ التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من غيره. ولما كان القيام عن المنام يشق علل مرغباً مظهراً غير مضمر لأنّ المقام مقام تعظيم فقال: {إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً} أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل، وأوّل ديوان النهار. قال الرازي: ثم أنّ ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا إننا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى لملائكته: اشهدوا بأني قد غفرت لهم. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تفضل صلاة الجمع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً} » وهذا يدل على أنّ التغليس أولى من التنوير لأنّ الإنسان إذا شرع فيها من أوّل الوقت ففي ذلك الوقت ظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرة ثم امتدّت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار، وأمّا إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك لم يبق أحد من ملائكة الليل فلا يحصل المعنى المذكور فقوله: {كان مشهوداً} يدل على أنّ التغليس أفضل، وأيضاً الإنسان إذا شرع في صلاة الصبح من أوّل هذا الوقت فكانت الظلمة القوية في العالم فإذا امتدّت القراءة ففي أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء مناسب للحياة والوجود، فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ومن السكون إلى الحركة، وهذه الحالة العجيبة
تشهد العقول بأنه لا يقدر على هذا التقليب إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة فحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة ويتخلص من مرض قلبه، فإن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما كان قد يقوى مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلاً فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر لأنّ الطبيب إذا كان مشفقاً حاذقاً فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه وإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وفي تخفيفه فلما كان مرض الدنيا مستولياً على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوى إلى معرفة الله سبحانه وتعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس وقل من يقبله وينقاد له لا جرم أنّ الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض فحملوا الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أوّل وقت القيام من النوم لأنه مما ينفع في إزالة هذا المرض. ثم حث سبحانه وتعالى على التهجد لأفضليته وارشديته بقوله عز من قائل: {س17ش79/ش82 وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ? نَافِلَةً لَّكَ عَسَى? أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا * وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا * وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ? إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا * وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ? وَيَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِs خَسَارًا} {ومن الليل} أي: وعليك أو وقم بعض الليل {فتهجد به} أي: واترك الهجود للصلاة يقال هجد وتهجد نام ليلاً وهجد وتهجد سهر فهو من الأضداد ومنه قيل لصلاة الليل التهجد قاله في الصحاح. والضمير في به لمطلق القرآن والمراد من الآية قيام الليل لصلاة النافلة فلا يحصل التهجد إلا بصلاة نفل بعد نوم، وكانت فريضة على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى أمّته في الابتداء بقوله تعالى: {يا أيها المزمّل قم الليل إلا قليلاً} (المزمل: 1، 2) ثم نسخ بما في آخرها، ثم نسخ بما في الصلوات الخمس وبقي قيام الليل على الاستحباب بقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر منه} (المزمل، 20) وبقي الوجوب في حقه صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {نافلة لك} أي: زيادة لك مختصة بك. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث هنّ عليّ فريضة وهنّ سنة لكم الوتر والسواك وقيام الليل» والصحيح أنه نسخ في حقه أيضاً ودليل النسخ رواه مسلم وقد وردت أحاديث كثيرة في قيام الليل منها ما روي «عن المغيرة بن شعبة أنه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً» . ومنها ما روي عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقنّ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم ركعتين طويلتين ثم ركعتين طويلتين، ثم ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة، فلهذا قيل: إنه أكثر الوتر وهو أحد قولي الشافعيّ والمرجح عنده أن أكثره إحدى عشرة ركعة، لما رواه أبو سلمة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.، أي: وتراً يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ ثم يصلي ثلاثاً قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عيني تنام ولا ينام قلبي» . ومنها ما روي عن أنس بن مالك قال: «ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصلياً إلا رأيناه وما نشاء
أن نراه نائماً إلا رأيناه» وفي رواية غيره قال: وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئاً ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئاً ثم قال تعالى: {عسى أن يبعثك ربك} أي: المحسن إليك {مقاماً محموداً} أتفق المفسرون على أنّ كلمة عسى من الله واجب. قال أهل المعاني: لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنساناً في شيء ثم حرمه كان عاراً والله أكرم من أن يطمع أحدنا في شيء ثم لا يعطيه ذلك. وأمّا المقام المحمود فقال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمّتي» . وقال حذيفة: يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس فأوّل مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» . فقال هذا هو المراد من قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} . ويدل للأوّل أحاديث؛ منها ما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لكل نبيّ دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئاً» . ومنها ما روي عن جابر أنه قال: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة» . ومنها ما روي عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها ولكن ائتوا نوحاً أوّل نبيّ بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحاً فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب بسؤال ربه بغير علم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهنّ ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجياً. قال: فيأتون موسى فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس ولكن ائتوا عيسى عبد الله وكلمته قال: فيأتون عيسى فيقول لست هناكم ولكن ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر قال: فيأتوني فاستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني فيقول: ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء يعلمنيه قال ثم أشفع فيحدّ لي حدّاً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه قال: ثم أشفع فيحد لي حدّاً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن، أي: وجب عليه الخلود» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مقاماً محموداً يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف
فيه على جميع الخلائق سل فتعطى واشفع فتشفع ليس أحد إلا تحت لوائك والأخبار في الشفاعة كثيرة وفي هذا القدر كفاية لأولي البصائر جعلنا الله تعالى وجميع أحبابنا من أهلها الداخلين تحت شفاعة سيد الأنبياء والمرسلين آمين. واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} فقال ابن عباس والحسن: أدخلني مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق مكة، نزل حين أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالهجرة. وقال الضحاك: أخرجني مخرج صدق من مكة آمنا من المشركين وأدخلني مدخل صدق ظاهراً عليها بالفتح. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوّة مدخل صدق وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب عليّ من حقها مخرج صدق. وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً. وقيل: أدخلني مدخل صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة. وقيل: أدخلني في القبر مدخل صدق إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق إخراجاً ملقى بالكرامة. والجامع لهذه الأقوال ما جرى عليه البقاعي في تفسيره بقوله في كل مقام تريد إدخالي فيه حسيّ ومعنويّ دنيا وأخرى مدخل صدق يستحق الداخل فيه أن يقال له أنت صادق في قولك وفعلك فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً. وأخرجني من كل ما تخرجني منه مخرج صدق انتهى. والمراد من المدخل والمخرج الإدخال والإخراج ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما، كأنه سأل الله تعالى إدخالاً حسناً وإخراجاً حسناً لا يرى فيهما ما يكره. ثم سأل الله تعالى أن يرزقه التقوية بالحجة وبالقهر والقدرة فقال: {واجعل لي من لدنك} أي: عندك {سلطاناً نصيراً} أي: حجة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني وقد أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه أنه يعصمه من الناس بقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} (المائدة، 67) . وقال تعالى: {فإن حزب الله هم الغالبون} (المائدة، 56) . وقال تعالى: {ليظهره على الدين كله} (التوبة، 33) وقال تعالى: {ليستخلفنهم في الأرض} (النور، 55) . ووعده تعالى ليظهره على الدين ووعده تعالى لينزعن ملك فارس والروم فيجعله له. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال: «انطلق فقد استعملتك على أهل الله» فكان شديداً على المرائين المنافقين ليناً على المؤمنين، وقال: والله لا أعلم متخلفاً يتخلف عن الصلاة إلا منافقاً فقال: أهل مكة يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابياً جافياً فقال صلى الله عليه وسلم «إني رأيت فيما يرى النائم كأنّ عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالاً شديداً حتى فتح له فدخلها» فأعز الله تعالى الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم فذلك السلطان النصير، ثم أمره الله تعالى أن يخبر بالإجابة بقوله تعالى: {وقل} أي: لأوليائك وأعدائك {جاء الحق} وهو ما أمرني به ربي وأنزله إليّ {وزهق} أي: اضمحل وبطل وهلك {الباطل} وهو كل ما يخالف الحق ثم علل زهوقه بقوله تعالى: {إنّ الباطل} أي: وإن ارتفعت له دولة وصولة {كان} في نفسه بجبلته وطبعه {زهوقاً} أي: لا يبقى بل يزول على أسرع الوجوه وقت وأسرع رجوع قضاء قضاه الله تعالى من الأزل ـ قوله على أسرع الوجوه وقت الخ هكذا في جميع النسخ ولعله على أسرع الوجوه كل وقت ويرجع اه. روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود قال: «دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول
الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً صنم كل قوم بحيالهم فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل} فجعل الصنم ينكب لوجهه» حديث وعن ابن عباس كانت لقبائل العرب أصنام يحجون إليها ويخرون لها فشكى البيت إلى الله تعالى فقال:، أي: رب إلى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك فأوحى الله تعالى إلى البيت أني سأحدث لك نوبة جديدة فاملؤك خدوداً سجداً يدفون إليك دفيف النسور ويحنون إليك حنين الطير إلى بيضها لهم عجيج حولك بالتلبية. ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح جاء جبريل عليه السلام وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خذ مخصرتك ثم ألقها فجعل يأتي صنماً صنماً وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل} فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان قوارير صفر فقال: «يا علي الزم به» فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد ورمى به فكسره فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد. قال الزمخشري: وشكاية البيت والوحي إليه تخييل وتمثيل ولما بين سبحانه وتعالى الآلهيات والنبوّات والحشر والنشر والبعث وإثبات القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ونبه على ما فيها من الأسرار وكان القرآن هو الجامع لجميع ذلك أتبعه ببيان كونه شفاء ورحمة بقوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} أي: ما هو شفاء في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمريض. تنبيه: في من هذه ثلاثة أوجه أحدها: أنه لبيان الجنس قاله الزمخشريّ والبيضاويّ وابن عطية وأبو البقاء ورد عليهم أبو حيان بأنّ التي للبيان لا بدّ أن تتقدّمها عليه ما تبينه لا أن تتقدّم عليه وهنا قد وجد تقديمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض وأنكره الحوفي لأنه يلزم أن لا يكون بعضه شفاء. وأجاب أبو البقاء بأنّ منه ما يشفي من المرض وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيد الحيّ الذي لدغ بالفاتحة فشفي من المرض فيكون التبعيض بالنسبة للأمراض الجسمانية وإلا فهو كله شفاء للأبدان وللقلوب من الاعتقادات وغيرها. الثالث: أنها لابتداء الغاية وهو كما قال ابن عادل واضح. {و} من العجيب أنّ هذا الشفاء {لا يزيد الظالمين} وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه بإعراضهم هما يجب قبوله {إلا خسارا} أي: نقصاناً لأنه إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم أعرضوا عنه فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرهم كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم، وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس أحد القرآن فقام عنه إلا بزيادة أو نقصان ثم قرأ هذه الآية، ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلاء الكافرين الجاهلين الضالين في أودية الضلال ومقامات الخزي والنكال وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه واعتقادهم أنّ ذلك إنما يحصل بسبب جدّهم واجتهادهم فقال تعالى: {وإذا أنعمنا} أي: بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي: هذا النوع هؤلاء وغيرهم وقال ابن عباس: إنّ الإنسان ههنا هو الوليد بن المغيرة. قال الرازي: وهذا بعيد بل المراد، أي: نوعُ الإنسان إذا أنعمنا عليه {أعرض} أي: عن ذكرنا ودعائنا إذ شأن نوع الإنسان أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلاً عن عبودية الله متمرّداً عن طاعة الله كما قال تعالى: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} (العلق: 6/ 7) . {ونأى} عن ذكر الله
{بجانبه} أي: لوى عطفيه وبعد نفسه كأنه مستغني بأمره ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه. وقرأ ابن ذكوان بألف ممدودة بعد النون وتأخير الهمزة مثل جاء وفي هذه القراءة تخريجان أحدهما من نأى ينوء، أي: نهض. والثاني: أنه مقلوب من نأى فيكونان بمعنى. قال ابن عادل: ولكن متى أمكن عدم القلب فهو أولى. وقرأ الباقون بالهمزة بعد النون وألف بعد همزة وآمال الألف بعد الهمزة السوسيّ وشعبة وخلاد محضة بخلاف عن السوسي وأمالها ورش بين بين وأمال الهمزة والنون محضة خلف والكسائيّ وفتح الباقون. {وإذا مسه الشرّ} أي: هذا النوع وإن قل {كان يؤساً} أي: شديد اليأس عما عهده من رحمة ربه والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها ونسي ذكر الله وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله فهذا المسكين محروم أبداً عن ذكر الله تعالى ونظيره قوله تعالى: {فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} (الفجر: 15، 16) وكذلك {إنّ الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشرّ جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً} (المعارج: 19، 20، 21) إلا من حفظه الله وشرّفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قل كل} من الشاكر والكافر {يعمل على شاكلته} أي: طريقته التي تشاكل روحه وتشاكل ما طبعناه عليه من خير أو شرّ {فربكم} أي: فتسبب عن ذلك أنّ الذي خلقكم وصوّركم {أعلم} من كل أحد {بمن هو} منكم {أهدى سبيلاً} أي: أوضح طريقاً واتباعاً للحق فيشكر ويصبر احتساباً فيعطيه الثواب ومن هو منكم أضلّ سبيلاً فيجعل له العقاب لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغيره تعالى إنما يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة وقد روى الإمام أحمد لكن بسند منقطع عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا وإذا سمعتم برجل تغير عن طبعه فلا تصدقوا فإنه يصير إلى ما جبل عليه» . واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {ويسئلونك} أي: تعنتا وامتحانا {عن الروح} فعن عبد الله بن مسعود قال بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب معه فمرَّ بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض اسألوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء بشيء تكرهونه فقال بعضهم: لنسألنّ فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت أنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه قال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} قال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وقال ابن عباس: إنّ قريشاً اجتمعوا فقالوا: إنّ محمداً نشأ فينا بالصدق والأمانة وما اتهمناه بكذب وقد ادّعى ما ادّعى فابعثوا نفراً إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبيّ وإن أجاب عن اثنين فهو نبيّ فسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأوّل ما كان أمرهم فإنه كان لهم حديث عجيب. وعن رجل بلغ مشرق الأرض
ومغربها وعن الروح فسألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أخبركم بما سألتم غداً ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي. قال مجاهد: اثنى عشر ليلة وقيل خمسة عشر يوماً وقيل أربعين يوماً وأهل مكة يقولون وعدنا محمد غداً وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} (الكهف: 23، 24) . ونزل في الفتية: {أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} (الكهف، 9) . ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب {ويسألونك عن ذي القرنين} (الكهف: 83) ونزل في الروح: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} . وقول الرازي: ومن الناس من طعن في هذه الرواية من وجوه، وذكر من جملة ذلك كيف يليق به أن يقول إني لا أعرف هذه المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة مع جمهور الخلق غير لائق لأنّ ذلك علامة على نبوّته. قال الزمخشري: فبيّن لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم انتهى. واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه، فروى عن ابن عباس أنه جبريل عليه السلام وهو قول الحسن وقتادة، وروي عن علي أنه قال: ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها. وقال مجاهد: خلق على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام. وقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقاً أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهنّ بلقمة واحدة لفعل، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين يقوم يوم القيامة على يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى عند الحجب السبعين وأقرب إلى الله تعالى وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أنّ بينه وبين الملائكة ستراً من نور لاحترق أهل السموات من نوره. وقيل الروح هو القرآن وقيل المراد منه عيسى فإنه روح الله تعالى وكلمته ومعناه أنه ليس كما تقوله اليهود ولا كما تقوله النصارى. وقال بعضهم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان. قال البغوي: وهو الأصح وتكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أنّ الحيوان إذا مات لا يفوت منه إلا الدم. وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس. وقال قوم: عرض. وقال قوم: هو جسم لطيف. وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم والعلو والبقاء ألا ترى أنه إذا كان موجوداً يكون الإنسان موصوفاً بجميع هذه الصفات وإذا خرج ذهب الكل. قال البغوي: وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى الله عز وجل، وهو قول أهل السنة. قال عبد الله بن بريدة: إنّ الله تعالى لم يطلع على الروح ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً بدليل قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} أي: في جنب علم الله تعالى: تنبيه: اختلف في المخاطب بقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} () فقيل هو النبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل اليهود فإنهم يقولون: أوتينا التوراة وفيها العلم الكبير وقيل عام. روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال: «نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً» . فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً
كثيراً} (البقرة، 269) وساعة تقول: هذا فنزلت. {ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه} (لقمان، 27) الآية قال الزمخشري: وليس ما قالوا بلازم لأنّ القلة والكثرة يدوران مع الإضافة فيوصف الشيء بالقلة مضافاً إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافاً إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة. وقيل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ولكن لم يخبر به لأن ترك أخباره كان علماً لنبوّته. قال البغوي: والأوّل أصح أنّ الله استأثره بعلمه انتهى. وعن أبي يزيد لقد مضى النبيّ صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح. وقال الرازي: قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} من فعل ربي وهذا الجواب يدل على أنهم سألوه أنّ الروح قديمة أو حادثة فقال: بل هي حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده، ثم احتج على إحداث الروح بقوله: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} بمعنى أنّ الروح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم تحصل المعارف والعلوم فهي لا تزال تكون في التغير من حال إلى حال، وفي التبديل من نقصان إلى كمال والتغير والتبدّل من أمارات الحدوث. فقوله: {قل الروح من أمر ربي} يدل على أنهم سألوه أنّ الروح هل هي حادثة أو قديمة فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله تعالى وتكوينه وهو المراد من قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} . ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال، وهو المراد بقوله: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} فهذا ما نقوله في هذا الباب انتهى. وهو نص لطيف. ولما بيّن سبحانه وتعالى أنهم ما آتاهم من العلم إلا قليلاً بيّن أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل أيضاً لقدر عليه بقوله تعالى: {ولئن شئنا} أي: ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء واللام موطئة للقسم وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: {لنذهبنّ} أي: بما لنا من العظمة ذهاباً محققاً {بالذي أوحينا إليك} بأن نمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب وهذا وإن كان امراً مخالفاً للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه. {ثم} أي: بعد الذهاب به {لا تجد لك به علينا وكيلاً} أي: لا تجد من تتوكل عليه في ردّ شيء منه وإعادته مسطوراً محفوظاً. وقوله تعالى: {إلا رحمة من ربك} استثناء متصل لأنه مندرج في قوله وكيلاً. والمعنى إلا أن يرحمك ربك فيردّه عليك أو منقطع فتقدر لكن عند البصريين أو بل رحمة من ربك عند الكوفيين. والمعنى ولكن رحمة من ربك أو بل رحمة من ربك بتركه غير مذهوب به وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن. قال الرازي: وهذا تنبيه على أنّ لله تعالى على جميع العلماء نوعين من المنة أحدهما: تسهيل ذلك العلم عليهم. والثاني: إبقاء حفظه عليهم فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين النعمتين وعن القيام بشكرهما وهما منة من الله تعالى عليه بحفظ العلم ورسوخه في صدره ومنته عليه في بقاء المحفوظ. فإن قيل: كيف يذهب القرآن وهو كلام الله تعالى؟ أجيب: بأنّ المراد محو ما في المصاحف وإذهاب ما في الصدور. قال عبد الله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع قيل هذه المصاحف ترفع فكيف ما في صدور الناس قال: يسري عليه ليلاً فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئاً ولا يجدون في المصاحف شيئاً ثم يفيضون في الشعر. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل
له دويّ تحت العرش كدويّ النحل فيقول الرب ما لك؟ فيقول: يا رب أتلى ولا يعمل بي. وفي رواية لابن مسعود أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة وليصلين قوم ولا دين لهم وأنّ هذا القرآن تصبحون يوماً وما فيكم منه شيء فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا وتعلمه أبناؤنا ويعلمه أبناؤنا أبناؤهم؟ فقال: يسري عليه ليلاً فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب وقوله تعالى: {إن فضله كان} أي: ولم يزل {عليك كبيراً} فيه قولان أحدهما المراد منه أنّ فضله كان عليك كبيراً بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك. ثانيهما أنّ المراد أنّ فضله كان عليك كبيراً بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك المقام المحمود، وقد أنعم عليك أيضاً بإبقاء العلم والقرآن عليك. ونزل حين قال الكفار للنبيّ صلى الله عليه وسلم لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن. {قل} أي: لهؤلاء البعداء {لئن اجتمعت الأنس} الذين تعرفونهم وتعرفون ما أوتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم {والجنّ} الذين يأتون كهانهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم وغيرهم وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من التصدي ولأنهم كانوا وسائط {على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى {لا يأتون بمثله} أي: لا يقدرون على ذلك فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله. تنبيه: في قوله تعالى: لا يأتون بمثله قولان أظهرهما أنه جواب للقسم الموطأ له باللام والثاني: أنه جواب لشرط واعتذروا عن رفعه بأنّ الشرط ماض فهو كقوله: وإن أتاه خليل، أي: فقير ـ يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم لأنّ الشرط وقع ماضياً وناقشه أبو حيان بأنّ هذا ليس مذهب سيبويه ولا الكوفيين والمبرد لأنّ مذهب سيبويه في مثله أنّ النية به التقديم ومذهب الكوفيين والمبرد أنه على حذف الفاء وهذا مذهب ثالث قال به بعض الناس: {ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} أي: معيناً بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه. تنبيه: قد تقدّم في سورة البقرة أنّ الله تعالى قال: {فأتوا بسورة من مثله} (البقرة، 23) وقدّمنا الكلام على ذلك وفي وجه كون القرآن معجزاً قولان أحدهما: أنه معجز في نفسه. والثاني: أنه ليس في نفسه معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضاً للعادة فيكون معجزاً والقول الأوّل أظهر. {ولقد صرّفنا} أي: بينا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان {للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه متوقعاً في الأنفس. وقيل معناه من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد والقصص وغيرها. وقيل صفة لمحذوف، أي: مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا {فأبى أكثر الناس} وهم من هم في صورة الناس ككفار قريش وقد سلبوا معانيهم {إلا كفوراً} أي: جحوداً. فإن قيل: كيف جاز {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} ولم يجز ضربت إلا زيداً؟ أجيب: بأنّ أبى متأول بالنفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفوراً. ولما تبين بالدليل إعجاز القرآن على وفق دعوى محمد
صلى الله عليه وسلم ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح الآيات فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة وذكروا من ذلك ستة أنواع من المعجزات أوّلها: {وقالوا} أي: كفار قريش ومن والاهم {لن نؤمن لك حتى تفجر} أي: تفجيراً عظيماً {لنا من الأرض ينبوعاً} أي: عيناً غزيرة الماء من شأنها أن تنبع بالماء ولا ينضب ماؤها. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة والباقون بضم التاء وفتح الياء وكسر الجيم المشدّدة ثانيها قولهم: {أو تكون لك} أنت وحدك {جنة من نخيل وعنب} أي: وأشجار عنب عبر عنه بالثمرة لأنّ الانتفاع منه بغيرها قليل {فتفجّر الأنهار} الجارية {خلالها} أي: وسطها {تفجيراً} أي: تشقيقاً والفجر شق الظلام عن عمود الصبح والفجور شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد ثالثها قولهم: {أو تسقط السماء} أي: نفسها {كما زعمت} فيما تتوعدنا به {علينا كسفاً} أي: قطعاً جمع كسفة وهي القطعة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بنصب السين مثل قطعة وقطع وسدرة وسدر، والباقون بسكونها مثل دمنة ودمن وسدرة وسدر وهو نصب على الحال في القراءتين جميعاً كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة. رابعها: قولهم: {أو تأتي} معك {بالله} أي: الملك الأعظم {والملائكة قبيلاً} أي: عياناً ومقابلة ننظر إليه لا يخفى علينا شيء منه. وقال الضحاك: هو جمع قبيلة، أي: أصناف الملائكة قبيلة قبيلة. قال ابن هانئ كفيلاً، أي: يكفلون بما تقول. خامسها: قولهم: {أو يكون لك} أي: خاصاً بك {بيت من زخرف} أي: ذهب كامل الحسن والزينة. سادسها: قولهم: {أو ترقى} أي: تصعد {في السماء} درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعداً {ولن نؤمن} أي: نصدق مذعنين {لرقيك} أي: أصلاً {حتى تنزل} وحققوا معنى كونه من السماء بقولهم {علينا كتاباً} ومعنى كونه في رق أو نحوه بقولهم {نقرؤه} يأمرنا فيه بأتباعك. روى عكرمة عن ابن عباس أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا البحتري بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبهانا ومنبهاً ابني الحجاج اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك يكلمونك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظنّ أنهم بدا لهم في أمره بداء وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليم لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم أنّ رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعيبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيا تراه قد غلب عليك لا تستطيع ردّه بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجنّ الرئي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف عليكم ولا للملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتاباً
وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه إليّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم. فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق بلاداً وأشدّ عيشاً منا فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت ويبسط لنا بلادنا ويفجر فيها أنهاراً كأنهار الشأم والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدّقوك صدّقناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به وإن تقبلوه فهو حظكم وإن تردّوه أصبر لأمر الله. قالوا: فإن لم تفعل فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدّقك وسله أن يجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك فإنا نقوم بالأسواق ونلتمس المعاش كما تلتمسه فقال صلى الله عليه وسلم ما بعثت بهذا ولكنّ الله بعثني بشيراً ونذيراً. قالوا: فأسقط السماء كما زعمت إنّ ربك إن شاء فعل؟ فقال: ذاك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم. فقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً، فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله بن أمية وهو ابن عاتكة بنت عبد المطلب، وقال له: عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك أن تجعل ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى به، وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدّقك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً لما رأى من مباعدتهم فأنزل الله هذه الآية» وفيها إشارة إلى أنه ليس من شرط كونه نبياً صادقاً تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها إذ لو فتح هذا الباب لزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بمعجز اقترحوا عليه بمعجز آخر ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدّ ينقطع عنه عناد المعاندين وتعنت الجاهلين مع أنه صلى الله عليه وسلم أعطى من الآيات والمعجزات ما أغنى عن هذا كله مثل القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبه ذلك. ولما تمّ تعنتهم وكان لسان الحال طالباً من الله تعالى الجواب عنه أمر الله تعالى بجوابهم بقوله تعالى: {قل} أي: لهؤلاء البعداء والأشقياء: {سبحان ربي} أي: تعجباً من اقتراحاتهم وتنزيهاً لله من أن يأتي أو يتحكم عليه أو يشاركه أحد في القدرة. وقرأ ابن كثير وابن عامر بصيغة الماضي والباقون قل بصيغة الأمر و {هل كنت إلا بشراً} لا يقدر على غير ما يقدر عليه البشر {رسولاً} كما كان من قبلي من الرسل وكانوا لا يؤتون قومهم إلا بما يظهره الله تعالى على أيديهم بما يلائم حال قومهم ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله حتى يتخيروها. هذا هو الجواب المجمل، وأمّا التفصيلي فقد ذكر في آيات أخر كقوله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم} (الأنعام، 7) {ولو فتحنا عليهم باباً} (الحجر، 14) ونحو ذلك. ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشراً أتبعه قوله عطفاً على فأبى أو وقالوا: {وما منع الناس} أي: قريشاً ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب {أن يؤمنوا} أي: لم يبق لهم مانع من الإيمان والجملة مفعول
منع {إذ جاءهم الهدى} أي: الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة. وقرأ أبو عمرو وهشام بإدغام ذال إذ عند الجيم والباقون بالإظهار وأمال الألف بعد الجيم حمزة وابن ذكوان محضة وإذا وقف حمزة على جاءهم سهل الهمزة مع المدّ والقصر. {إلا أن قالوا} فاعل منع أن قالوا، أي: منكرين عليه غاية الإنكار متعجبين متهكمين {أبعث الله بشراً رسولاً} لأنّ الكفار كانوا يقولون: لن نؤمن لك لأنك بشر، ولو بعث الله تعالى رسولاً إلى الخلق لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة فأجابهم الله تعالى بقوله: {قل} أي: لهؤلاء المطرودين عن الرحمة {لو كان في الأرض ملائكة يمشون} عليها كالآدميين {مطمئنين} أي: مستوطنين فيها كالبشر {لنزلنا عليهم} مرّة بعد مرّة كما فعلنا في تنزيل جبريل عليه السلام على الأنبياء من البشر وحقق الأمر بقوله تعالى: {من السماء ملكاً رسولاً} يعلمهم الخير ويهديهم المراشد لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم له بخلاف البشر كما هو مقتضى الحكمة لأنّ رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم إذ الشيء عن شكله أفهم وبه آنس وإليه أحنّ وله آلف إلا من فضله الله تعالى بتغلب روحه على نفسه، وبتغلب عقله على شهوته فأقدره بذلك على التلقي من الملك كالمرسلين ثم أجابهم الله تعالى جواباً آخر بقوله عز وجلّ: {قل كفى بالله} أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً. وأمال الألف حمزة والكسائي محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح {شهيداً بيني وبينكم} على أني رسوله إليكم ليظهر المعجزات على وفق دعواهم وإني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم عاندتم ومن يشهد الله على صدقه فهو صادق فعند ذلك قول القائل بأنّ الرسول يجب أن يكون ملكاً لا إنساناً تحكم فاسد لا يلتفت إليه. تنبيه: شهيداً نصب على الحال أو التمييز، ثم إنه تعالى ذكر ما هو كالتهديد والوعيد بقوله تعالى: {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم من قلوبهم أنهم لا ينكرون هذا إلا لمحض الحسد وحب الرياسة والاستنكاف من الانقياد للحق. ولما تقدّم أنه تعالى أعلم بالمهتدي والضال عطف عليه قوله تعالى: {ومن يهد الله} بأن يخلق الهداية في قلبه {فهو المهتدى} لا يمكن أحد غيره أن يضله. تنبيه: أثبت نافع وأبو عمرو الياء بعد الدال مع الوصل دون الوقف وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً. {ومن يضلل فلن تجد لهم} أي: الضالين {أولياء} يهدونهم {من دونه} ولا ينفعونهم بشيء أراد الله تعالى غيره. ولما كان يوم القيامة يظهر الله فيه لكل أحد ما كان يعمله نبه على ذلك بقوله تعالى: {ونحشرهم} بنون العظمة، أي: نجمعهم بكره {يوم القيامة} الذي هو محط الحكمة {على وجوههم} مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا. قال تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} (القمر، 48) أي: يمشون عليها. روى أبو هريرة قيل: يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم قال: «إنّ الذي يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» . قال حكماء الإسلام: إنّ الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا ولذاتها وليس لها تعلق بعالم الأنوار وحضرة الإله سبحانه وتعالى، فلما كانت وجوه قلوبهم وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم، وأمّا قوله تعالى: {عمياً وبكماً وصماً} فقد استشكله شخص على ابن عباس
فقال: أليس قد قال الله تعالى: {ورأى المجرمون النار} (الكهف، 53) وقال تعالى: {سمعوا لها تغيظاً وزفيراً} (الفرقان، 12) وقال تعالى: {دعوا هنالك ثبوراً} (الفرقان، 13) وقال تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (النحل، 111) . وقال تعالى حكاية عن الكفار: {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام، 23) . فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال تعالى هنا: {عمياً وبكماً وصماً} ؟ أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه الأوّل: قال ابن عباس عمياً لا يرون شيئاً يسرّهم صماً لا يسمعون شيئاً يسرّهم بكما لا ينطقون بحجة الثاني قال في رواية عطاء عمياً عن النظر، أي: عما جعله الله تعالى لأوليائه وبكماً عن مخاطبة الله تعالى ومخاطبة الملائكة المقرّبين صماً عن ثناء الله تعالى عليهم. الثالث: قال مقاتل: إنه حين يقال لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون يصيرون عمياً بكماً صماً، أمّا قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون. الرابع: أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا لإلزام حجة الله تعالى عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله تعالى عمياً بكماً صماً. قال الرازي: والجواب الأول أولى لأنّ الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ويسمعون ويصيحون. ثم بيّن تعالى مكانهم بقوله عز وجلّ: {مأواهم جهنم} تسعر عليهم {كلما خبت} أي: أخذ لهبها في السكون عند أكلها لحومهم وجلودهم {زدناهم سعيراً} توقد بإعادة الجلود واللحوم ملتهبة مسعرة كانهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله تعالى بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر بإظهار تاء التأنيث عند الزاي وأدغمها الباقون. ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته بقوله تعالى: {ذلك} أي: العذاب العظيم {جزاؤهم بأنهم} أي: أهل الضلالة {كفروا بآياتنا} القرآنية وغيرها وكانوا كل يوم يزدادون كفراً وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا {وقالوا} إنكاراً لقدرتنا {أئذا كنا عظاماً ورفاتاً} ممزقين في الأرض ثم كرّروا الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم {أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً} فنحن نريهم جزاء على هذا الإنكار المكرّر الخلق الجديد في جلودهم ولحومهم مكرّراً كل لحظة، قال تعالى: {كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} (النسلء، 56) . ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم بقوله تعالى: {أو لم يروا} أي: يعلموا بعيون بصائرهم على ما هو كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل بصحته من الشواهد الجلائل {أنّ الله الذي خلق السموات} جمعها لما دل على ذلك من الحسن، ولما لم تكن الأرض مثل ذلك أفردها مريداً الجنس الصالح للجميع بقوله تعالى: {والأرض} على كبر أجرامها وعظم أحكامها، وقوله تعالى: {قادر على أن يخلق مثلهم} فيه قولان الأوّل: المعنى قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبر عن خلقهم ثانياً بلفظة المثل كما يقوله المتكلمون أنّ الإعادة مثل الابتداء. الثاني: أنّ المراد قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحدونه ويقرّون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا فهو كقوله تعالى: {ويأت بخلق جديد} (إبراهيم، 19) . وقوله تعالى: {ويستبدل قوماً غيركم} (التوبة، 39) . قال الواحدي: والقول هو الأوّل لأنه أشبه بما قبله. ولما بيّن الله تعالى بالدليل المذكور أنّ البعث والقيام أمر ممكن
الوجود في نفسه أردفه ببيان أن لوقوعه في الوجود وقتاً معلوماً عند الله وهو قوله تعالى: {وجعل لهم أجلاً لا ريب} أي: لا شك {فيه} وهو الموت أو القيامة {فأبى الظالمون إلا كفوراً} أي: بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا الكفر والجحود. ولما قال الكفار: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} فطلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم ويتسع عيشهم، بيّن تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم بقوله تعالى: {قل} أي: لهؤلاء المتعنتين {لو أنتم} أي: دون غيركم {تملكون خزائن} عبر بصيغة منتهى الجموع لأنّ المقام جدير بالمبالغة {رحمة ربي} أي: خزائن رزقه وسائر نعمه وذلك غير متناه. {إذاً لأمسكتم} أي: لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها {خشية} أي: مخافة عاقبة {الإنفاق} أي: الموصل إلى الفقر فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح والدناءة وهذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشح. وقول البيضاويّ تبعاً للزمخشريّ: أنتم مرفوع بفعل يفسره ما بعده. قال الزمخشريّ: تقديره لو تملكون جرى فيه على مذهب الكوفيين من أن لو يليها الفعل مضمراً كما يليها ظاهراً والبصريون يمنعون إيلاء لها مضمراً إلا في شذوذ كقول حاتم لو ذات سوار لطمتني، وأصل هذا المثل أنّ امرأة عطلاء من الحلي والهيئة لطمت حاتماً على نحر الناقة وقالت له بقسوة إنما أردناك بفصدها والفصد عندهم أن يقطع عرق من عروق ثم يجمع دمها فيشوى وقيل أصله أنّ المرأة المذكوة لطمت رجلاً فقال: لو ذات سوار لطمتني لاحتملتها فصار مثلاً يضرب لكريم يلطمه الدني، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالشاهد من مضمون قولهم {وكان} أي: جبلة وطبعاً {الإنسان} أي: الذي من شأنه الأنس بنفسه فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها {قتوراً} أي: بخيلاً. تنبيه: فتح الياء في ربي نافع وأبو عمرو، وسكنها الباقون وهم على مراتبهم في المدّ. فإن قيل: قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم؟ أجيب: من وجوه الأوّل: أن الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجاً والمحتاج لا بدّ وأن يحبس ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان البخل. الثاني: أنّ الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وليخرج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل. الثالث: أنّ المراد بهذا الإنسان المعهود السابق وهم الذين قالوا: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} . ولما قدم سبحانه وتعالى أن أكثر الناس جحدوا الآيات لكونه تعالى حكم بضلالهم ومن حكم بضلاله لا يمكن هداه شرع يسلي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بما أتفق لمن قبله من الأنبياء بقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} أي: واضحات واختلف في هذه الآيات فقال ابن عباس والضحاك هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وقال مجاهد وعطاء: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الثمرات. وقال البقاعي: وهي كما في التوراة: العصا ثم الدم ثم الضفادع ثم القمل ثم موت البهائم ثم البرد الكبار التي أنزلها
الله تعالى مع النار المضطرمة فكانت تهلك كل ما مرّت عليه من نبات وحيوان ثم الجراد ثم الظلمة ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع الحيوان ثم قال: وقد نظمتها ليهون حفظها فقلت: *عصا قمل موت البهائم ظلمة ... جراد دم ثم الضفادع والبرد *وموت بكور الآدميّ وغيره ... من الحيّ آتاه الذي عز وانفرد قال: وكأنه عدّ اليد مع العصا آية، ولم تفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم اه. وقال البيضاويّ: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل وذكر محمد بن كعب القرظي الطمس والبحر بدل السنين ونقص من الثمرات. وقال: كان الرجل منهم مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين والمرأة منهم قائمة تخبز وقد صارت حجراً. وقال بعضهم: هي آيات الكتاب وهي أحكام يدل عليها. ما روي عن صفوان «أن يهودياً قال لصاحبه: تعال نسأل هذا النبيّ فقال الآخر: لا تقل نبيّ، فإنه لو سمع صارت له أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} فقال لا تشركوا بالله شيئاً ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقلته ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تفروا من الزخف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلوا يده، وقالوا: نشهد أنك نبيّ. قال: فما منعكم أن تتبعوني؟ قالوا: إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبيّ وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود» . وقال الرازيّ: علم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه السلام، أحدها: أنه تعالى أزال العقدة من لسانه، قيل في التفسير ذهب أعجم وجاء فصيحاً. ثانيها: انقلاب العصا حية. ثالثها: تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها. رابعها: اليد البيضاء. وخمسة أخرى وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعاشر شق البحر وهو قوله تعالى: {وإذ فرقنا بكم البحر} (البقرة، 50) والحادي عشر الحجر، وهو قوله تعالى: {أن اضرب بعصاك الحجر} ، (الأعراف، 160) والثاني عشر: إظلال الجبل، وهو قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} . (الأعراف، 171) والثالث عشر: إنزال المنّ والسلوى عليه وعلى قومه. والرابع عشر والخامس عشر: قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} (الأعراف، 130) والسادس عشر: الطمس على أموالهم حجارة من النخل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير. روي أنّ عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله تعالى: {تسع آيات بينات} () فذكر محمد بن كعب في جملة التسع حل عقدة اللسان والطمس. فقال عمر بن عبد العزيز: هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال: يا غلام أخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور نصفين وجوز مكسور وفوم وعدس وحمص كلها حجارة، وقوله تعالى: {فاسأل} ، أي: يا أعظم خلقنا {بني إسرائيل} يجوز أن يكون الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. وقرأ ابن كثير والكسائيّ بفتح السين ولا همزة بعدها، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ويجوز أن يكون الخطاب له خاصة وأمره بالسؤال لهم ليتبين له كذبهم مع قومهم، أي: فاسأل بني إسرائيل عامّة الذين نبهوا قريشاً على السؤال عن الروح كما في بعض الروايات، وعن أهل الكهف وذي
القرنين وعن حديث موسى عليه السلام والمؤمنين منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه {إذ} ، أي: عن ذلك حين {جاءهم} ، أي: جاء آباءهم فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك {فقال} ، أي: فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك صدق ما يقتضيه الحال وهو أن قال: {له فرعون} عتوًّا واستكباراً {إني لآظنك يا موسى مسحوراً} ، أي: مخدوعاً مغلوباً على عقلك فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر وهذا كما قالت قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} . (الإسراء، 47) وقال في موضع آخر ساحر وأنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل مبالغة لأنه كالمخبر عن الفعل وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم ولما لم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها فكأنه قيل فما قال موسى عليه السلام؟ فقيل: {قال} لفرعون {لقد علمت} بفتح التاء قراءة غير الكسائيّ وقرأ الكسائيّ بضمها على إخباره عن نفسه. {وما أنزل هؤلاء} ، أي: الآيات {إلا رب السموات والأرض} ، أي: خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات {بصائر} ، أي: بينات يبصر بها صدقي، وأمّا السحر فإنه لا يخفى أنه خيال لا حقيقة له ولكنك تعاند. تنبيه: قوله تعالى: هؤلاء الكلام عليه من جهة الهمزتين كالكلام على هؤلاء إن كنتم في البقرة وقد تقدّم الكلام على ذلك. ثم حكى الله تعالى أن موسى قال لفرعون: {وإني} ، أي: وإن ظننتني يا فرعون مسحوراً {لأظنك يا فرعون مثبوراً} ، أي: ملعوناً مطروداً ممنوعاً من الخير فاسد العقل فعارضه موسى بذلك وشتان بين الظنين فإن ظنّ فرعون كذب صرف لعناده لرب العالمين لوضوح مكابرته للبصائر التي كشف عنها ربها الغطاء فهي أوضح من الشمس، وظنّ موسى عليه السلام قريب إلى الصحة واليقين من نظائر أماراته لأن هذه الآيات ظاهرة وهذه المعجزات قاهرة. ولا يرتاب العاقل أنها من عند الله وفي أنه تعالى أظهرها لأجل تصديقي وأنت منكرها فلا يحملنك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والبغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور {فأراد} ، أي: فما تسبب عن هذا الذي هو موجب للإيمان في العادة إلاأن فرعون أراد {أن يستفزهم} ، أي: يستخف بموسى وبمن آمن معه ويخرجهم فيكونوا كالماء إذا سال من قولهم فز الجرح إذا سال. {من الأرض} بالنفي والقتل للتمكن منهم كما أراد هؤلاء أن يستفزوك منها مما هم عليه من الكفر والعناد. ثم أخذ تعالى يحذرهم سطواته بما فعل بمن كان قبلهم وأكثر منهم وأشدّ بقوله تعالى: {فأغرقناه} ، أي: فتسبب عن ذلك أن رددنا كيده في نحره كما قال تعالى: {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} (فاطر، 43) . أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر لتتخلص له تلك البلاد والله تعالى أهلك فرعون وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه فأدخله البحر حين أدخل بني إسرائيل فأنجاهم وأغرق آل فرعون {ومن معه جميعاً} كما جرت به سنة الله تعالى فيمن عاند بعد أن رأى الخوارق وكفر النعمة وأفرط في البغي بعد ظهور الحق فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا خرج رسولنا من بين أظهرهم ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له صلى الله عليه وسلم في أنّ الله تعالى يسلك به في النصرة والتمكن سبيل إخوانه من الرسل عليهم الصلاة
والسلام. {وقلنا من بعده} ، أي: الإغراق {لبني إسرائيل} الذين كانوا تحت يده أذل من العبيد لتقواهم وإحسانهم {اسكنوا الأرض} ، أي: التي أراد أن يستفزكم منها {فإذا جاء} ، أي: مجيئاً محققاً {وعد الآخرة} ، أي: القيامة بعد أن سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتاً {جئنا} ، أي: بما لنا من العظمة والقدرة {بكم} منها {لفيفاً} ، أي: بعثناكم وإياهم مختلطين لا حكم لأحد على آخر ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا ثم ميزنا بعضكم عن بعض، ثم عطف سبحانه وتعالى على قوله تعالى: {ولقد صرّفنا} قوله عز وجلّ: {وبالحق} ، أي: من المعاني الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره {أنزلناه} نحن، أي: القرآن فهو ثابت لا يزول كما أنّ الباطل هو الذاهب الزائل وهذا القرآن الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوّة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة، وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ويشتمل أيضاً على شريعة باقية لا يتطرّق إليها النقص والتغيير والتحريف وأيضاً هذا القرآن تكفل الله تعالى بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر، 9) . {وبالحق} لا بغيره {نزل} هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله عليك كما أنزلناه سواء غضاً طرياً محفوظاً لم يطرأ عليه طارئ فليس فيه من تحريف ولا تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين سألهم قومك ثم قال تعالى: {وما أرسلناك} يا أفضل الخلق بما لنا من العظمة {إلا مبشراً} للمطيع {ونذيراً} للعاصي من العقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا ما يقترحونه عليك من المعجزات فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء، ثم إنّ الله تعالى أخبر أنّ الحكمة في إنزال القرآن مفرّقاً بقوله عز وجلّ: {وقرآناً} ، أي: وفصلنا أو وأنزلنا قرآناً {فرقناه} ، أي: أنزلناه منجماً في أوقات متطاولة قال سعيد بن جبير نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء السفلى، ثم فصل في السنين التي نزل فيها. قال قتادة: كان بين أوّله وآخره عشرون سنة وقيل ثلاث وعشرون سنة والمعنى قطعناه آية آية وسورة سورة ولم ينزل جملة {لتقرأه على الناس} ، أي: عامّة {على مكث} ، أي: مهل وتؤدة ليفهموه {ونزلناه} من عندنا بما لنا من العظمة {تنزيلاً} بعضه إثر بعض مفرّقاً بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها وأعون على الفهم لطول التأمّل لما نزل من نجومه في مدّة ما بين النجمين لغزارة ما فيه من المعاني ثم إن الله تعالى هدّدهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {قل} لهؤلاء المضلين {آمنوا به} ، أي: القرآن {أو لا تؤمنوا} فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم وإلا لم تضروا إلا أنفسكم فاختاروا ما تريدون فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالاً وامتناعكم منه لا يورثه نقصاناً وقوله تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله} ، أي: من قبل إنزاله ممن آمن به من بني إسرائيل تعليل له، أي: إن لم تؤمنوا به وأنتم أهل جاهلية وشرك فإنّ خيراً منكم وأفضل وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب وعلموا ما الوحي وما الشرائع قد آمنوا به وصدّقوه وثبت عندهم أنه النبيّ العربيّ الموعود في كتبهم {إذا يتلى عليهم} ، أي: القرآن {يخرون للأذقان} منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام.
قال الزجاج: الذقن مجمع اللحيين وكما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن. وقيل: إنّ الأذقان كناية عن اللحى والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخشوع والخضوع ربما مسح لحيته على التراب، فإنّ اللحية يبالغ في تنظيفها فإذا عفرها الإنسان بالتراب في حوض المبالغة فقد أتى بغاية التعظيم، وقيل: إنّ الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه فيكون حينئذ خروره على الذقن فقوله {يخرّون للأذقان} كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته. فإن قيل: لم قال: {يخرّون للأذقان سجداً} ولم يقل يسجدون؟ أجيب: بأنّ المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى كأنهم يسقطون. فإن قيل: لم قال: {يخرّون للأذقان} ولم يقل على الأذقان؟ اجيب: بأن العرب تقول إذا خرّ الرجل فوقع لوجهه خرّ للذقن ثم بين أن ذلك ليس سقوطاً اضطرارياً من كل جهة بقوله تعالى: {سجداً} ، أي: يفعلون ذلك لما يعلمون من خيفته بما أوتوا من العلم السالف وما في قلوبهم من الإذعان والخشية للرحمن. {ويقولون} ، أي: على وجه التجديد المستمرّ {سبحان ربنا} تنزيهاً له عن خلف الوعد {إن} ، أي: انه {كان} ، أي: كوناً لا ينفك {وعد ربنا} ، أي: المحسن إلينا بالإيمان وما تبعه من وجوه العرفان {لمفعولاً} ، أي: دون خلف ولا بدّ أن يأتي جميع ما وعد به في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال الفرقان عليه ومن الثواب والعقاب وهو تعريض بقريش حيث كانوا يستهزؤون بالوعيد في قولهم أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ونحوه مما في معناه الطعن في قدرة الله تعالى القادر على كل شيء وقوله تعالى: {ويخرّون للأذقان يبكون} كرّره لاختلاف الحال والسبب فإنّ الأول للشك عند إنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله {ويزيدهم} ، أي: سماع القرآن خشوعاً، أي: خضوعاً وتواضعاً ولين قلب ورطوبة عين. ولما طالت الكلمات في المناظرة مع المشركين ومنكري النبوّات والجواب عن شبهاتهم أتبعها ببيان كيف يدعون الله ويطيعونه وكيف يذكرونه في وقت الاشتغال بأداء العبودية فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قل} لهم {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عباس: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذات ليلة وهو ساجد يا الله يا رحمن فسمعها ابو جهل وهم لا يعرفون الرحمن. فقال: إنّ محمداً ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر مع الله تعالى يقال له الرحمن، فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي: إن شئتم قولوا يا الله وإن شئتم قولوا يا رحمن» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعاء يقول: يا الله يا رحمن فسمعه أهل مكة فأقبلوا عليه فأنزل الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} الآية» . وعن ابن عباس أنّ ذكر الرحمن كان في القرآن قليلاً في أوّل ما أنزل وكان الذين قد أسلموا من اليهود يسوءهم قلة ذلك لكثرته في التوراة كابن سلام وابن يامين وابن صوريا وغيرهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فنزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} ، فقال قريش: ما بال محمد كان يدعو إلها واحداً وهو الآن يدعو إلهين ما نعرف الرحمن
إلا صاحب اليمامة فنزل {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} (الأنبياء، 36) ، ونزل أيضاً قوله تعالى: {قالوا وما الرحمن} (الرحمن، 60) ، وفرح مؤمنو أهل الكتاب وهو قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب} ، أي: مشركي قريش {من ينكر بعضه} (الرعد، 36) . وعن ابن عباس «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن} إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أمان من السرقة، فإنّ رجلاً من المهاجرين تلاها حين أخذ مضجعه فدخل عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب فوجد الباب مردوداً فوضع الكارة ففعل ذلك ثلاث مرّات فضحك صاحب الدار فقال: إني أحصن بيتي» . فإن قيل: إذا قال الرجل ادع زيداً أو عمراً فهم منه كون زيد مغايراً لعمرو فيوهم كون الله تعالى غير الرحمن وحينئذ تقوى شبهة أبي جهل لعنه الله تعالى؟ أجيب: بأنّ الدعاء هنا بمعنى التسمية لا بمعنى النداء والتسمية تتعدّى إلى مفعولين يقال دعوته زيداً ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال دعوت زيداً والله والرحمن المراد بهما الاسم لا المسمى وأو للتخيير فمعنى الآية ادعوا باسم الله أو ادعوا باسم الرحمن، أي: اذكروه بهذا الاسم أو اذكروه بذلك الاسم فقوله ادعوا الله ينبه على ملزم في كرمه بحكم الوعد من إفاضة الرحمة والكرم، وأيضاً تخصيص هذين الاسمين بالذكر يدل على على أنهما أشرف من سائر الأسماء وتقديم اسم الله على اسم الرحمن يدل على أنّ قولنا الله أعظم الأسماء وتقدّم الكلام على ذلك في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم والتنوين في قوله تعالى: {أياً مّا تدعوا} عوض عن المضاف إليه وما صلة للأبهام المؤكد والمعنى أياً تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله تعالى: {فله الأسماء الحسنى} لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما منها ومعنى كونها أحسن الأسماء أنها مستقلة بمعاني التمجيد والتقديس والتعظيم وقد قدّمنا ذكر الأسماء الحسنى في الأعراف عند قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (الأعراف، 180) وبعض الأحاديث الواردة في فضلها فليراجع، ووقف حمزة والكسائيّ على الألف بعد الياء ووقف الباقون على الألف بعد الميم، واختلف في تفسير ونزول قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} فروى ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه {ولا تجهر بصلاتك} فيسمعه المشركون فيسبوا الله تعالى عدواً بغير علم {ولا تخافت بها} فلا تسمع أصحابك {وابتغ بين ذلك سبيلاً} وروي «أنه صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته، فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لم تخفي صوتك فقال: أناجي ربي وقد علم حاجتي، وقال لعمر: لم ترفع صوتك؟ فقال: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً وعمر أن يخفض صوته قليلاً» . وقيل معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً، بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وقيل إنّ المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها وأبي هريرة ومجاهد، قالت عائشة: هي الدعاء. وروي هذا مرفوعاً أنّ
النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: «إنما ذلك في الدعاء والمسألة» . قال عبد الله بن شدّاد كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهمّ ارزقنا مالاً وولداً يجهرون فأنزل الله تعالى هذه، والمخافتة خفض الصوت والسكون يقال: صوت خفيت، أي: خفيض، ويقال للرجل إذا مات قد خفت، أي: انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال: من لم يخافت لم يسمع أذنيه وقد مدح الله تعالى المؤمنين بقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} (الفرقان، 67) وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عز من قائل: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (الإسراء، 29) وبعضهم قال الآية منسوخة بقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية} (الأعراف، 55) . قال الرازي: وهو بعيد. ولما أمر الله تعالى أنه لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علم كيفية التحميد بقوله تعالى: {وقل الحمد لله} ، أي: الملك الأعظم ثم ذكر سبحانه وتعالى من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع الأوّل قوله تعالى: {الذي لم يتخذ} ، أي: لكونه محيطاً بالصفات الحسنى {ولداً} والسبب فيه وجوه الأوّل أنّ الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء ذلك الشيء فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد. الثاني: أنّ كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض تلك النعم على عبيده. الثالث: أنّ الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضياً ومن كان كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات، فوجب أن لا يستحق الحمد على الإطلاق. النوع الثاني: من الصفات السلبية قوله تعالى: {ولم يكن له} بوجه من الوجوه {شريك في الملك} والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك لم يعرف حينئذ أنّ هذه النعم والمنافع حصلت منه أو من شريكه فلا يعرف كونه مستحقاً للحمد والشكر. النوع الثالث قوله تعالى: {ولم يكن له وليّ من الذل} ، أي: ولم يواله من أجل مذلة به يدفعها بموالاته والسبب في اعتباره أنه لو جاز عليه وليّ يلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأقسام الشكر فنفي عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختياراً أو اضطراراً أو ما يعاونه ويقويه ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد لأنه كامل الذات المنفرد بالإيجاد المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك نعمة أو منعم عليه ولذلك عطف عليه قوله تعالى: {وكبره تكبيراً} ، أي: وعظمه تعظيماً على نفي اتخاذ الولد والشريك والذل وكل ما لا يليق به وترتيب الحمد على ذلك للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد لكمال ذاته وتفرّده في صفاته. روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «آية العز {الحمد لله الذين لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك} إلى آخر السورة» . وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوّل من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدونه في السراء والضراء» . وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده» . وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه
سورة الكهف
وسلم «إنّ أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله» . وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحب الكلام إلى الله تعالى أربع لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهنّ بدأت» . أخرجه مسلم. وروي أنّ قول العبد الله أكبر خير له من الدنيا وما فيها. وعن عمرو بن شعيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه وقل الحمد لله الآية، يقال أفصح الصبيّ في منطقه فهم ما يقول. وعن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة. وأمّا ما رواه البيضاويّ تبعاً للزمخشريّ وتبعهما ابن عادل أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين كان له قنطار في الجنة والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية» فحديث موضوع. سورة الكهف مكية إلا {واصبر نفسك} الآية وهي مائة وعشر آيات وألف وخمسمائة وسبع وسبعون كلمة وعدد حروفها ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفاً. {بسم الله} الذي لا كفء له ولا شريك {الرحمن} الذي أقام عباده على أوضح الطرق بإنزال هذا الكتاب {الرحيم} بتفضيل من اختصه بالصواب وهو قوله تعالى: {الحمد لله} تقدّم الكلام عليه مستقصى في أوّل الفاتحة: {الذي أنزل على عبده الكتاب} ، أي: القرآن رتب تعالى استحقاق الحمد على إنزاله تنبيهاً على أنه أعظم إنعامه وخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على العموم، أمّا كونه نعمة عليه فلأنّ الله تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه. وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفليّ بأحوال العالم العلويّ، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات، ولا شكّ أنّ ذلك من أعظم النعم. وأمّا كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والعقاب. وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل أحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فوجب عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمّته أن يحمدوه على هذه النعم الجزيلة. وقال تعالى: {على عبده} لما في كل من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه وتعالى من الإعلام بتشريفه وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ليريه من آياته. ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين الأوّل قوله تعالى: {ولم يجعل له} ، أي: فيه {عوجاً} ، أي: اختلافاً وتناقضاً كما قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} (النساء 84) والجملة حال من الكتاب. الوصف الثاني: قوله تعالى: {قيماً} قال ابن عباس: يريد مستقيما، أي: معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط. قال الرازي: وهذا عندي مشكل لأنه لا معنى لنفي الإعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم
يوجب التكرار بل الحق أنّ المراد من كونه قيما كونه سبباً لهداية الخلق وأنه يجري مجرى من يكون قيماً للأطفال فالأرواح البشرية كالأطفال والقرآن كالقيم المشفق القائم بمصالحهم وقال قبل ذلك أنّ الشيء يجب أن يكون كاملاً في ذاته ثم يكون مكملاً لغيره، ويجب أن يكون تامّاً في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عنه كمال الغير فقوله تعالى: {ولم يجعل له عوجاً} إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته وقوله: {قيماً} إشارة إلى كونه مكملاً لغيره. ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة في صفة الكتاب: {لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة، 2) فقوله: {لا ريب فيه} إشارة إلى كونه في نفسه بالغاً في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب على العاقل أن لا يرتاب فيه، وقوله: {هدى للمتقين} إشارة إلى كونه سبباً لهداية الخلق ولكمال حالهم فقوله تعالى: {ولم يجعل له عوجاً} قائم مقام قوله تعالى: {لا ريب فيه} قوله تعالى: {قيماً} قائم مقام قوله تعالى: {هدى للمتقين} . واختلف النحويون في نصب قوله تعالى: {قيماً} على أوجه: الأوّل قال في «الكشاف» : لا يجوز جعله حالاً من الكتاب لأنّ قوله تعالى: {ولم يجعل له عوجاً} معطوف على قوله تعالى: {أنزل} فهو داخل في حيز الصلة وأنه لا يجوز. قال: ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير ولم يجعل له عوجاً جعله قيماً لأنه تعالى إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة. قال: فإن قلت فما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد ورب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح. الوجه الثاني: أنه حال ثانية والجملة المنفية قبله حال أيضاً كما مرّ وتعدّد الحال الذي حال واحد جائز، والتقدير أنزله غير جاعل له عوجاً قيماً. الوجه الثالث: أنه حال أيضاً ولكنه بدل من الجملة قبله لأنها حال وإبدال المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز. ولما ذكر تعالى أنه أنزل على عبده هذا الكتاب الموصوف بما ذكر أردفه ببيان ما لأجله أنزله بقوله عز وجلّ: {لينذر} ، أي: يخوّف الكتاب الكافرين {بأساً} ، أي: عذاباً {شديداً من لدنه} ، أي: صادراً من عنده، وقرأ شعبة بإسكان الدال وكسر النون والهاء وصلة الهاء بياء والباقون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء، وابن كثير على أصله بضم الهاء في الوصل بواو. {ويبشر المؤمنين} ، أي: الراسخين في هذا الوصف، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء التحتية وسكون الموحدة، وضم الشين مخففة والباقون بضم التحتية وفتح الموحدة وكسر الشين مشدّدة. {الذين يعملون الصالحات} وهي ما أمر به خالصاً له وذانك الشيئان مفتاح الإيمان. {أنّ لهم} ، أي: بسبب أعمالهم {أجراً حسناً} هو الجنة حال كونهم. {ماكثين فيه أبداً} بلا انقطاع أصلاً فإنّ الأبد زمان لا آخر له، وقوله تعالى: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً} معطوف على قوله تعالى: {لينذر بأساً شديداً من لدنه} والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه، فالأوّل عام في حق كل كافر، والثاني خاص بمن أثبت لله ولداً. وعادة القرآن جارية بأنه إذاذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة، 98) فكذا ههنا هذا العطف يدل على أنّ أقبح أنواع الكفر إثبات الولد لله تعالى. تنبيه: الذين أثبتوا لله ولداً ثلاث طوائف الأولى:
كفار العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله. الثانية: النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله. الثالثة: اليهود الذين قالوا عزير ابن الله. ثم إنه تعالى أنكر على القائلين ذلك من وجهين الأوّل: قوله تعالى: {ما لهم به} ، أي: القول. {من علم} ، أي: أصلاً لأنه مما لا يمكن أن يتعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن وجوده، ثم قرّر تعالى هذا المعنى وأكده بقوله: {ولا لآبائهم} الذين يغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لم يتبعوهم فيه. فإن قيل: اتخاذ الله ولداً محال في نفسه فكيف قيل ما لهم به من علم؟ أجيب: بأن انتفاء العلم بالشيء قد يكن للجهل بالطريق الموصل إليه وقد لا يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} (المؤمنين، 117) . الوجه الثاني: {كبرت} ، أي: مقالتهم {كلمة} ، أي: ما أكبرها من كلمة وصور فظاظة اجترائهم على النطق بهابقوله تعالى: {تخرج من أفواههم} ، أي: لم يكفهم خطورها في أنفسهم وتردّدها في صدورهم حتى تلفظوا بها وكان صدورهم بها على وجه التكرير كما يشير إليه التعبير بالمضارع. تنبيه: سميت هذه كلمة كما يسمون القصيدة كلمة. ثم بين تعالى ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم لأحد به أصلاً لأنه لا وجود له فقال تعالى: {إن} ، أي: ما {يقولون إلا كذباً} ، أي: قولاً لا حقيقة له بوجه من الوجوه. ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان قومه شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيماً خفض عليه سبحانه وتعالى بقوله تعالى: {فلعلك باخع} ، أي: قاتل {نفسك} من شدّة الغمّ والوجد وأشار تعالى إلى شدّة نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله عز من قائل: {على آثارهم} ، أي: حين تولوا عن التوحيد وعن إجابتك {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} ، أي: القرآن المتجدّد تنزيله على حسب التدريج {أسفاً} منك على ذلك والأسف شدّة الحزن والغضب. فإن قيل: ذلك يدل على حدوث القرآن؟ أجيب: بأنه محمول على الألفاظ وهي حادثة. ثم بين سبحانه وتعالى علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده تعالى، وأنّ الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره بقوله عز وجل: {إنّا} ، أي: إنا لا نفعل ذلك لأنا {جعلنا ما على الأرض} من الحيوان والنبات والشجر والأنهار والمعادن وغير ذلك. وقال بعضهم: بل المراد الناس فهم زينة الأرض، وبالجملة فليس في الأرض إلا المواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات الشامل للشجر والحيوان وأشرف أنواع الحيوان الإنسان. {زينة لها} ، أي: الأرض قيل المراد أهلها، أي: زينة لأهلها. قال الرازي: ولا يمتنع أن يكون ما تحسن به الأرض زينة لها كما جعل الله السماء مزينة بالكواكب. ولما أخبر تعالى بزينتها أخبر تعالى بعلته بقوله تعالى: {لنبلوهم} ، أي: نعاملهم معاملة المختبر {أيهم أحسن عملاً} بإخلاص الخدمة لربه فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهراً فإنّ الله تعالى يعلم السرّ وأخفى، لتقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتاه منها استحق العقوبة فكأنه تعالى يقول: يا محمد إني خلقت الأرض وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع
والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمرّدون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم فأنت أيضاً يا محمد لا ينبغي أن تنتهي في الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق. ثم إنه تعالى لما بين أنه إنما زين الأرض لأجل الامتحان والابتلاء لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعماً بها أبداً، زهد فيها بقوله تعالى: {وإنا لجاعلون ما عليها} من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه {صعيداً} ، أي: فتاتاً {جزراً} ، أي: يابساً لا ينبت ونظيره قوله تعالى: {كل من عليها فان} (الرحمن، 26) . وقوله تعالى: {فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} (طه: 106، 107) . وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أنّ سائر الآيات على أنّ الأرض أيضاً لا تبقى كما قال تعالى: {يوم تبدّل الأرض غير الأرض} (إبراهيم، 84) . ولما أنّ القوم تعجبوا في قصة أصحاب الكهف وسألوها النبيّ صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان قال تعالى: {أم حسبت} ، أي: ظننت على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين {أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب والواقع أنهم كانوا من العجائب ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا فإنّ من كان قادراً على تخليق السموات والأرض كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدّة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم والكهف الغار الواسع في الجبل، واختلف في الرقيم فقيل هو اسم كلبهم قال أمية بن أبي الصلت: وليس بها إلا الرقيم مجاورا وصيدهم؛ وهو بكسر الصاد مفعول مجاورا، أي: فناءهم. والقوم في الكهف هجد؛، أي: نوّم، وقيل هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم وقصصهم جعل على باب الكهف. قال البغويّ: وهذا أظهر الأقاويل. وقيل: إنّ الناس رقموا حديثهم نقراً في الجبل وقيل هو الوادي الذي فيه الكهف، وقيل الجبل وقيل قريتهم، وقيل أصحاب الرقيم قوم آخرون غير أصحاب الكهف كانوا ثلاثة يطلبون الكلأ أو نحوه لأهلهم فأخذهم المطر فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدّت عليهم بابه فقال أحدهم: اذكروا ايكم عمل حسنة لعلّ الله يرحمنا ببركته فقال واحد: استعملت أجراء ذات يوم فجاء رجل منهم وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطيته مثل أجرهم فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت فمرّ بي بقر فاشتريت فصيلة والفصيلة ولد الناقة إذا انفصل عن أمّه فبلغت ما شاء الله فرجع إليّ بعد حين شيخاً ضعيفاً لا أعرفه وقال: إنّ لي عندك حقاً وذكره حتى عرفته فدفعتها إليه جميعاً اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع عنهم الجبل حتى رأوا الضوء والصدع الشق والصداع وجع الرأس. وقال آخر: كان في فضل وأصاب الناس شدّة فجاءتني امرأة تطلب مني معروفاً فقلت: والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثاً ثم ذكرت ذلك لزوجها فقال: أجيبي له وأعيني عيالك فأتت وسلمت إليّ نفسها فلما كشفتها وهممت بها ارتعدت فقلت لها: ما لك؟ فقالت: أخاف الله تعالى: فقلت لها: خفتيه في الشدّة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها اللهمّ إن كنت فعلته لوجهك
فافرج عنا فانصدع حتى تعارفوا. وقال الثالث: كان لي أبوان هرمان وكان لي غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيم فلم أرجع حتى أمسيت فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما قوجدتهما نائمين فشقّ عليّ أنّ أوقظهما فوقفت حابساً محلبي على يديّ حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما اللهمّ إن كنت فعلت ذلك لوجهك الكريم فافرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك النعمان بن بشير وقد قدّمنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح} (الإسراء، 85) . وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحاً فقال: كان النضر بن الحرث من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث رستم واسفنديار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلساً ذكر فيه الله تعالى وحذر قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام وقال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه فهلموا فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه ثم يحدّثهم عن ملوك فارس ثم قال: إنّ قريشاً بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفته فإنهم أهل الكتاب الأوّل وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار اليهود عن أحوال محمد فقال لهم اليهود سلوه عن ثلاثة؛ عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل فإن حديثهم عجيب. وعن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها. وسلوه عن الروح وما هي فإن أخبركم فهو نبيّ وإلا فهو متقول، فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد وأخبراهم بما قالته اليهود، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أخبركم بما سألتم عنه غداً» ، ولم يستئن فانصرفوا عنه فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لم ينزل عليه وحي وشق عليه ذلك ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله بسورة أهل الكهف وفيها معاتبة الله تعالى إياه على جراءته عليهم وفيها خبر أولئك الفتية وخبر الرجل الطوّاف ثم بدأ بالفتية فقال: {إذ} ، أي: واذكر إذ {أوى الفتية} وهم أصحاب الكهف المسؤول عنهم جميع فتى وهو الشاب الكامل والشباب أقبل إلى الحق وأهدى للسبيل من الشيوخ {إلى الكهف} خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج اهل الانجيل وكثرت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكين بعبادة الله وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له ذقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل قرى الروم فلا يترك في قرية نزلها أحد إلا فتنه عن دينه حتى يعبد الأصنام أو يقتله ثم نزل مدينة أهل الكهف وهي أفسوس فلما نزل بها كبر على أهل الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه واتخذ شرطاً من الكفار وأمرهم أن يتبعوهم في أماكنهم ويخرجوهم إليه فيخيروهم بين القتل وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن
يعبد غير الله تعالى فيقتل فلما رأى ذلك أهل الشدّة في الإيمان جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون ثم جعل ما قطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت الفتنة فلما رأى ذلك الفتية حزنوا حزناً شديداً فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والدعاء والتسبيح وكانوا من أشراف المدينة ومن أشراف الروم وكانوا ثمانية نفر بكوا وتضرّعوا إلى الله تعالى وجعلوا يقولون ربنا اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم هذا البلاء حتى يعلنوا عبادتك فبينما هم على ذلك وقد دخلوا مصلى لهم أدركهم الشرط فوجدوهم سجوداً على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله تعالى فقالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك انطلقوا إليه ثم خرجوا فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس فقالوا: نجمع الناس للذبح لآلهتك وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يستهزؤون بك ويعصون أمرك فلما سمع ذلك بعث إليهم فأتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة وجوههم في التراب فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم بأسوة سراة أهل مدينتكم؟ اختاروا إمّا إن تذبحوا لآلهتنا وإمّا أن أقتلكم فقال له كبيرهم: واسمه مكسلمينا إنّ لنا إلهاً ملء السموات والأرض عظمته لن ندعو من دونه إلهاً أبداً له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصاً ابداً إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير، وأمّا الطواغيت فلن نعبدها أبداً، اصنع ما بدا لك وقال أصحابه مثل ما قال، فلما قالوا ذلك أمر الملك بنزع لباسهم، وحلية كانت عليهم من الذهب والفضة، وقال: سأفرغ لكم وأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعي أن أعجل لكم ذلك إلا أني أراكم شباباً حديثة أسنانكم فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تذكرون فيه وترجعون إلى عقولكم ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده وانطلق إلى مدينة أخرى قريبة منهم لبعض أموره فلما رأى الفتية خروجه بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فائتمروا بينهم أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدّقوا منها ويتزوّدوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة فمكثوا فيه ويعبدوا الله تعالى حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما يشاء فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فاخذ نفقة فتصدق منها وانطلقوا بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم حتى إذا أتوا ذلك الكهف فلبثوا فيه. وقال كعب الأحبار: مرّوا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مراراً فقال لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جنايتي أنا أحب أحباب الله عز وجل فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس: هربوا ليلاً من دقيانوس وكانوا سبعة، فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم وتبعه كلبه فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب من البلد قال ابن اسحق فلبثوا فيه ليس لهم عمل غير الصلاة والصيام والتسبيح والتمجيد ابتغاء وجه الله تعالى وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سراً وكان من أجملهم وأجلدهم وكان إذا دخل المدينة يضع ثياباً كانت عليه حساناً ويأخذ ثياباً كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها ثم ياخذ وَرِقه وينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاماً وشراباً
ويتجسس لهم الخبر هل ذكروا أصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا في ذلك ما شاء الله أن يلبثوا ثم قدم دقيانوس المدينة وأمر عظماء أهلها أن يذبحوا للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وكان تمليخا يشتري لأصحابه طعامهم فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل أخبرهم أنّ الجبار قد دخل المدينة وأنهم قد ذكروا والتمسوا من عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجوداً يدعون ويتضرعون ويتعوذون من الفتنة ثم إن تمليخا قال لهم: يا إخوتاه ارفعوا رؤوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع فطعموا ذلك مع غروب الشمس ثم جعلوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضاً فينما هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم فلما كان الغد تفقدهم دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم فقال لبعض عظمائه وعظماء المدينة لقد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا أن بي غضباً عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري ما كنت لأجهل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي. فقال عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوماً فجرة مردة عصاة، فقد كنت أجلت لهم أجلاً ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا فلما قالوا ذلك غضب غضباً شديداً ثم أرسل إلى آبائهم فأتي بهم فسألهم وقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني فقالوا له: أمّا نحن فلم نعصك فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة ثم انطلقوا فارتقوا إلى جبل يدعى بنجلوس فلما قالوا ذلك خلا سبيلهم وجعل ما يدري ما يصنع بالفتية، فألقى الله تعالى في قلبه أن يسدّ باب الكهف عليهم واراد الله تعالى أن يكرمهم بذلك ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم {أنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور} (الحج، 7) ، قوله بنجلوس هكذا في النسخ والذي في حياة الحيوان منحلوس اه. فأمر دقيانوس بالكهف أن يسدّ عليهم وقال: دعوهم كما هم في الكهف يموتون جوعاً وعطشاً ويكون كهفهم الذي اختاروه قبراً لهم وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال، ثم إنّ رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في البنيان وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من يفتح عليهم خبرهم حين يقرأ الكتاب ففعلا ذلك وبنيا عليه وبقي دقيانوس ما بقي ثم مات وقومه وقرون بعده كثيرة. وقد حكى الله تعالى عنهم أنهم لما أووا إلى الكهف {فقالوا} ، أي: عقب استقرارهم فيه {ربنا آتنا من لدنك} ، أي: من عندك {رحمة} توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من عدوّك {وهيئ لنا من أمرنا} ، أي: من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار {رشداً} الرشد والرشد والرشاد نقيض الضلال وفي تفسير اللفظ وجهان الأوّل أنّ التقدير هيئ لنا أمراً ذا رشد، أي: حتى نصير بسبببه راشدين مهتدين. الثاني: اجعل أمرنا رشداً كله كقولك رأيت منك رشداً. ولما أجابهم سبحانه وتعالى عبر عن ذلك بقوله تعالى: {فضربنا} ، أي: عقب هذا القول
وبسببه {على آذانهم} حجاباً يمنع السماع، أي: أنمناهم نومة لا تنبههم الأصوات الموقظة فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة. ثم بين تعالى أنه إنما ضرب على آذانهم {في الكهف} ، أي: المعهود وهو ظرف مكان وقوله تعالى: {سنين} ظرف زمان وقوله تعالى: {عدداً} ، أي: ذوات عدد يحتمل التكثير والتقليل فإنّ مدّة لبثهم كبعض يوم عنده كقوله تعالى: {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} (الأنفاق، 35) . وقال الزجاج: إذا قل الشيء فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى أن يعدّ وإذا كثر أحتاج إلى أن يعدّ {ثم بعثناهم} ، أي: أيقظناهم من ذلك النوم {لنعلم} ، أي: علم مشاهدة وقد سبق نظير هذه الآية في القرآن كثيراً منها ما سبق في سورة البقرة {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} (البقرة، 143) . وفي آل عمران: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (آل عمران، 142) وقد نبهنا على ذلك في محله {أيّ الحزبين} ، أي: الفريقين المختلفين في مدّة لبثهم {أحصى لما لبثوا أمداً} واختلفوا في الحزبين المختلفين فقال عطاء عن ابن عباس: المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك وأصحاب الكهف. وقال مجاهد: الحزبان من الفتية أصحاب الكهف لما تيقظوا اختلفوا في أنهم كم لبثوا ويدل له قوله تعالى: {قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} (الكهف، 19) فالحزبان هما هذان وكان الذين {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} هم الذين علموا أنّ لبثهم قد تطاول. وقال الفرّاء: إنّ طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدّة لبثهم. تنبيه: أحصى فعل ماض، أي: أيهم ضبط أمر أوقات لبثهم وأمّا من جعله أفعل تفضيل فقال في «الكشاف» : ليس بالوجه السديد وذلك أنّ بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس ونحو أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذلق شاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به. ثم قال الله تعالى: {نحن} ، أي: بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة {نقص عليك} يا أشرف الخلق {نبأهم} ، أي: خبرهم العظيم قصاً ملتبساً {بالحق} ، أي: الصدق {إنهم فتية} ، أي: شبان {آمنوا بربهم} ، أي: المحسن إليهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، ثم وصفهم الله تعالى بقوله: {وزنادهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفناه في قلوبهم من المعارف {وربطنا على قلوبهم} ، أي: قويناها فصار ما فيها من القوى مجتمعاً غير مبدد فكانت حالهم في الجلوة حالهم في الخلوة. {إذ قاموا} ، أي: وقت قيامهم بين يدي الجبار دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام {فقالوا ربنا رب السموات والأرض} وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله تعالى هؤلاء الفتية حتى عصوا ذلك الجبار وأقروا بربوبية الله تعالى وصرحوا بالبراءة من الشرك والأنداد بقولهم: {لن ندعو من دونه إلهاً} لأنّ ما سواه عاجز والله {لقد قلنا إذاً} ، أي: إذا دعونا من دونه غيره {شططاً} ، أي: قولاً ذا بعد عن الحق جداً. وقال مجاهد: كانوا أبناء عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أنّ أحداً يجده قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أنّ ربي رب السموات والأرض. قالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً فقالوا: {ربنا رب السموات والأرض} . وقال عطاء: قالوا ذلك عند قيامهم من النوم. قال الرازي: وهو بعيد
لأنّ الله تعالى استأنف قصتهم بقوله تعالى: {نحن نقص عليك} . وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتياناً مطوّقين مسورين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زيّ وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها وقد قذف الله تعالى في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخفى كل واحد إيمانه فقالوا في أنفسهم: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالساً وحده فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك ثم خرج آخر فخرجوا كلهم جميعاً فاجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم وكل واحد يكتم صاحبه مخافة على نفسه ثم قالوا: ليخرج كل فتيين فيخلوا ثم يفشي كل واحد سرّه إلى صاحبه ففعلوا فإذا هم جميعاً على الإيمان، وإذا بكهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض: { هؤلاء قومنا} وإن كانوا أسنّ منا وأقوى وأجل في الدنيا {اتخذوا من دونه آلهة} أشركوهم معه تعالى لشبهة واهية {لولا} ، أي: هلا {يأتون عليهم بسلطان} ، أي: دليل {بين} ، أي: ظاهر مثل ما نأتي نحن على تقرير معبودنا بالأدلة الظاهرة فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين فلذلك قالوا: {فمن أظلم} ، أي: لا أحد أظلم {ممن افترى} ، أي: تعمد {على الله} ، أي: الملك الأعظم {كذباً} بنسبة الشريك إليه تعالى. ثم قال بعض الفتية لبعض: {وإذ} ، أي: وحين {اعتزلتموهم} ، أي: قومكم {وما يعبدون} ، أي: واعتزلتم معبودهم وقولهم: {إلا الله} يجوز أن يكون استثناء منه متصلاً على ما روي أنهم كانوا يقرّون بالخالق ويشركون معه كما كان أهل مكة، وأن يكون منقطعاً وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية بأنهم لم يعبدوا غير الله تعالى: {فأووا إلى الكهف} ، أي: الغار الذي في الجبل {ينشر} ، أي: يبسط {لكم} ويوسع عليكم {ربكم} ، أي: المحسن إليكم {من رحمته} ما يكفيكم به المهم من أمركم في الدارين {ويهيئ لكم من أمركم} ، أي: الذي من شأنه أن يهمكم {مرفقاً} ، أي: ما ترتفقون به وتنتفعون وجزمهم بذلك لخلوص نيتهم وقوّة وثوقهم بفضل الله. وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء والباقون بكسر الميم وفتح الفاء. قال الفراء: وهما لغتان واشتقاقهما من الارتفاق، وكان الكسائي لا يذكر في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا كسر الميم وفتح الفاء، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد وقيل هما لغتان إلا أنّ الفتح أقيس والكسر أكثر والخطاب في قوله تعالى: {وترى الشمس} للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد وليس المراد أنّ من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو ومعناه أنك لو رأيته على هذه الصورة {إذا طلعت تزاور} ، أي: تميل {عن كهفهم ذات اليمين} ، أي: نا حيته {وإذا غربت تقرضهم} ، أي: تعدل في سيرها عنهم {ذات الشمال} ، أي: فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم لأنّ الله تعالى زواها عنهم. وقيل إنّ باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله. وقرأ السوسي بإمالة ألف ترى المنقلبة بعد الراء في الأصل بخلاف عنه، والباقون بالفتح في الوصل وهم على أصولهم في الوقف وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون
بالفتح، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وتزاور بتشديد الزاي وتخفيف الراء مضمومة، وابن عامر بسكون الزاي ولا ألف بعدها وتشديد الواو على وزن تحمرّ، والباقون وهم عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الزاي والواو ولا خلاف في ضم الراء. ولما بين أنه تعالى حفظهم من حرّ الشمس بيّن أنه أنعشهم بروح الهواء وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال تعالى: {وهم في فجوة منه} ، أي: في وسط الكهف ومتسعه ينالهم برد الريح ونسيمها، ثم بيّن تعالى نتيجة هذا الأمر الغريب في النبأ العجيب بقوله تعالى: {ذلك} ، أي: المذكور العظيم {من آيات الله} ، أي: دلائل قدرته {من يهد الله} ، أي: الذي له الملك كله يخلق هذه الهداية في قلبه كأصحاب الكهف {فهو المهتد} في، أي: زمان كان فلن تجد له مضلاً مغويا ففي ذلك إشارة إلى أنّ أهل الكهف جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم فلطف بهم وأعانهم وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأنّ كل من سلك طريق المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح واهتدى إلى السعادة، وقرأ نافع وأبو عمرو بزيادة ياء بعد الدال في الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وقفاً ووصلاً. {ومن يضلل} ، أي: يضله الله تعالى ولم يرشده كدقيانوس وأصحابه {فلن تجد له ولياً} ، أي: معيناً {مرشداً} ، أي: يرشده للحق، ثم إنه تعالى عطف على ما مضى بقية أمرهم بقوله تعالى: {وتحسبهم} ، أي: لو رأيتهم أيها المخاطب {أيقاظاً} ، أي: منتبهين لأنّ أعينهم مفتحة للهواء لأنه يكون أبقى لها، جمع يقظ بكسر القاف {وهم رقود} ، أي: نيام جمع راقد قال الزجاج: لكثرة تقلبهم يظنّ أنهم أيقاظ والدليل عليه قوله تعالى: {ونقلبهم} ، أي: في ذلك حال نومهم تقلباً كثيراً بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم {ذات} ، أي: في الجهة التي هي صاحبة {اليمين} منهم {وذات الشمال} لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث. تنبيه: اختلف في مقدار مدّة التقليب، فعن أبي هريرة أنّ لهم في كل عام تقليبتين. وعن مجاهد يمكثون رقوداً على أيمانهم تسع سنين ثم ينقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة يوم عاشوراء. قال الرازي: وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها ولفظ القرآن لا يدل عليها وما جاء فيه خبر صحيح فكيف يعرف انتهى. ولهذا قلت بحسب ما ينفعهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فائدة تقلبهم لئلا تأكل الأرض لحومهم ولا ثيابهم اه. قال الرازي: وهذا أعجب من ذلك لأنه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم ثلاثمائة سنة وأكثر أفلا يقدر على حفظ أجسادهم من غير تقليب اه. وهذا ليس بعجيب لأنّ القدرة صالحة لذلك وأكثر بحسب العادة، وأمّا إمساك أرواحهم فهو خرق للعادة فلا يقاس عليه. {وكلبهم باسط ذراعيه} ، أي: يديه، أي: ملقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» . وقال المفسرون: كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهما. تنبيه: باسط اسم فاعل ماض وإنما عمل على حكاية الحال والكسائيّ يعمله ويستشهد بالآية الكريمة وأكثر المفسرين على أنّ الكلب من جنس الكلاب. وروي عن ابن جريج أنه كان أسداً
ويسمى الأسد كلباً فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فافترسه الأسد» . وقال ابن عباس: كان كلباً أغزّ واسمه قطمير وعن عليّ اسمه ريان واختلف في قوله تعالى: {بالوصيد} فقال ابن عباس: هو باب الكهف وقيل العتبة. قال السدي: والكهف لا يكون له باب ولا عتبة، وإنما أراد موضع الباب والعتبة وقال الزجاج: الوصيد فناء البيت وفناء الدار، قال الشاعر: *بأرض فضاء لا يسدّ وصيدها ... عليّ ومعروفي بها غير منكر وقال مجاهد والضحاك: الوصيد الكهف. {لو اطلعت عليهم} بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين، أي: وهم على تلك الحالة {لوليت منهم} حال وقوع بصرك عليهم {فراراً} لما البسهم الله تعالى من الهيبة وجعل لهم من الجلالة تدبيراً منه لما أراد منهم حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله. {ولملئت منهم رعباً} ، أي: فزعاً، واختلف في ذلك الرعب كان لماذا؟ فقال الكلبيّ: لأنّ أعينهم مفتتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام، وقيل من وحشة الكلام وقيل لكثرة شعورهم وطول أظفارهم وتقلبهم من غير حس كالمستيقظ وقيل: إنّ الله تعالى منعهم بالرعب حتى لا يراهم أحد. وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس قد منع ذلك من هو خير منك {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً} ، فبعث معاوية ناساً فقال: اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأخرجتهم. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد اللام بعد الميم، والباقون بتخفيفها والسوسي بإبدال الهمزة ياء على أصله وقفاً ووصلاً وحمزة في الوقف فقط. وقرأ ابن عامر والكسائي رعباً بضم العين والباقون بسكونها. {وكذلك} ، أي: كما فعلنا بهم ما ذكرنا آية {بعثناهم} ، أي: أيقظناهم آية {ليتساءلوا بينهم} ، أي: ليسأل بعضهم بعضاً عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيتعرّفوا حالهم وما صنع الله تعالى بهم فيزدادوا يقيناً على كمال قدرة الله تعالى وليستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. {قال قائل منهم} مستفهماً من إخوانه: {كم لبثتم} نائمين في ذا الكهف من ليلة أو يوم؟ وهذا يدل على أنّ هذا القائل استشعر طول لبثهم مما رأى من هيئتهم أو بغير ذلك من الأمارات {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم} لأنهم دخلوا الكهف طلوع الشمس وبعثوا آخر النهار فلما رأوا الشمس باقية قالوا: أو بعض يوم فلما نظروا إلى طول أظفارهم وشعورهم {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} فأحالوا العلم على الله تعالى قال ابن عباس القائل ذلك هو رئيسهم تمليخا رد علم ذلك إلى الله تعالى، وعلم أن مثل هذا التغيير لا يحصل إلا في الأيام الطويلة، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند المثناة والباقون بالإدغام، ثم لما علموا أنّ الأمر ملتبس عليهم لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه} ، أي: بفضتكم، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة بسكون الراء والباقون بكسرها والورق اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا ويدل عليه ما روي أن غرفجة اتخذ
أنفاً من ورق ويقال لها الرقة وفي الحديث «في الرقة ربع العشر» . {إلى المدينة} ، أي: التي خرجتم منها وهي مدينة طرسوس وهذه الآية تدل على أنّ السعي في إمساك الزاد أمر مهمّ مشروع وأنه لا يبطل التوكل على الله تعالى إذ حقيقة التوكل على الله تعالى تهيئة الأسباب واعتقاد أن لا مسبب للأسباب إلا الله تعالى، فحمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله دون المتوكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة رضي الله تعالى عنها لمن سألها عن محرم يشدّ عليه هميانه أوثق عليك نفقتك. وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحب إلى أن يرزق حج بيت الله الحرام وعلم منه ذلك فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم قوم على حج أتوه أن يحجوا به وألحوا عليه فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده ما لهذا السفر إلا شيئان شدّ الهميان والتوكل على الرحمن {فلينظر أيها أزكى طعاماً} قال ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون إيمانهم وقال مجاهد: كان ملكهم ظالماً فقولهم أيها أزكى طعاماً، أي: أيها أبعد عن الغصب وكل سبب حرام، وقيل: أيها أطيب وألذ وقيل أيها أرخص. قال الزجاج: قولهم أيها رفع بالابتداء وأزكى خبره وطعاماً تمييز ولا بدّ هنا من حذف، أي: أيّ أهلها أزكى، أي: أحل، وقيل لا حذف والضمير عائد على الأطعمة المدلول عليها من السياق. {فليأتكم} ذلك الأحد {برزق منه} لنأكل {وليتلطف} ، أي: وليكن في ستر وكتمان في دخول المدينة وشراء الأطعمة حتى لا يعرف {ولا يشعرنّ} ، أي: ولا يخبرنّ {بكم أحداً} من أهل المدينة. {إنهم} ، أي: أهل المدينة {إن يظهروا} ، أي: يطلعوا عالين {عليكم يرجموكم} ، أي: يقتلوكم والرجم بمعنى القتل كثير في القرآن كقوله تعالى: {ولولا رهطك لرجمناك} (هود، 91) وقوله: {لأرجمنك} (مريم، 46) وقوله: {أن ترجمون} (الدخان، 20) . وقال الزجاج:، أي: يقتلوكم بالرجم والرجم أخبث أنواع القتل. {أو يعيدوكم في ملتهم} إن لنتم لهم {ولن تفلحوا إذاً} ، أي: إن رجعتم إلى ملتهم {أبداً} بل تكونوا خاسرين. قال بعض العلماء: ولا خوف على المؤمن الفارّ بدينه أعظم من هذين الأمرين أحدهما ما فيه هلاك النفس وهو الرجم الذي هو أخبث أنواع القتل والآخر هلاك الدين. فإن قيل: أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا {ولن تفلحوا إذاً أبداً} أجيب: بأنهم خافوا أنهم لو بقوا على الكفر مظهرين له فقد يميل بهم ذلك إلى الكفر الحقيقي فكان خوفهم بسبب هذا الاحتمال. فإن قيل: ما النكتة في العدول عن واحدكم إلى أحدكم وكل ذلك دال على الوحدة؟ أجيب: بأنّ النكتة فيه أنّ العرب إذا قالوا أحد القوم أرادوا به فرداً منهم وإذا قالوا واحد القوم أرادوا رئيسهم والمراد في القصة، أي: واحد كان والقرآن الكريم أنزل بلغتهم فراعى ما راعوا. {س18ش21 وَكَذَالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُو?ا? أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ? فَقَالُوا? ابْنُوا? عَلَيْهِم بُنْيَانًا? رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ? قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا? عَلَى? أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} {وكذلك} ، أي: ومثل ما فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم والستر والحماية من الطالبين لهم والحفظ لأجسادهم على ممرّ الزمان وتعاقب الحدثان وغير ذلك {أعثرنا} ، أي: أطلعنا غيرهم {عليهم} يقال عثرت على كذا علمته وأصله أنّ من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه فكان العثر سبباً لحصول العلم فأطلق السبب على السبب بقوله تعالى: {ليعلموا} متعلق بأعثرنا
والضمير قيل يعود على مفعول أعثرنا المحذوف تقديره أعثرنا الناس وقيل يعود إلى أهل الكهف وهذا هو الظاهر {أنّ وعد الله} الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجثة معاً {حق} لأنّ قيامهم بعد نومهم يتقلبون نيفاً وثلاثمائة سنة مثل من مات ثم بعث. قال بعض العارفين: علامة اليقظة بعد النوم علامة البعث بعد الموت. ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى: {وأنّ} ، أي: وليعلموا أنّ {الساعة} ، أي: آتية {لا ريب} ، أي: لا شك {فيها} . تنبيه: اختلف في السبب الذي عرف الناس واقعة أصحاب الكهف، فقال محمد بن إسحاق: إنّ ملك تلك البلاد رجل صالح يقال له تندوسيس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانية وستين سنة فتحزب الناس في مملكته فكانوا أحزاباً؛ منهم من يؤمن بالله ويعلم أنّ الساعة حق، ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك الصالح فبكى وتضرّع إلى الله تعالى وحزن حزناً شديداً لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون: لا حياة إلا الدنيا وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، وجعل الملك يرسل إلى من يظن فيهم خيراً وأنهم أئمة في الخلق فلم يقبلوا منه، وجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يخرجون الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك دخل بيته وأغلق بابه عليه ولبس مسحاً وجعل تحته رماداً، فجلس عليه ودأب ليله ونهاره زماناً يتضرّع إلى الله تعالى ويبكي، أي: رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم، قوله يقال له تندوسيس الذي في حياة الحيوان يقال تاودوسيوس فليحرّر اه. ثم إنّ الله تعالى الذي يكره هلكة عباده أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، ويستجيب لعبده تندوسيس ويتم نعمته عليه، وأن يجمع من كان تبدّد من المؤمنين وألقى الله في نفس رجل من تلك البلد الذي فيه الكهف أن يهدم ذلك البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر غلامين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان تلك الحظيرة حتى إذا نزعا ما على فم الكهف وفتحا باب الكهف أذن الله تعالى ذو القدرة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهري الكهف فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولا في ألوانهم شيء يكرهونه كهيئتم حين رقدوا وهم يرون أنّ ملكهم دقيانوس في طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم ائتنا بما قال الناس في شأننا عشية أمس عند الجبار وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون وقد تخيل لهم أنهم قد ناموا أطول ما كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض كم لبثتم نياماً، قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم. قالوا ربكم أعلم بما لبثتم، وكل ذلك في أنفسهم يسير فقال لهم تمليخا: ألتمستم بالمدينة وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم فما شاء الله بعد ذلك فعل فقال لهم مسكلمينا: يا إخواتاه اعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدوّ الله ثم قالوا لتمليخا انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال لنا بها وما الذي يذكر عند دقيانوس وتلطف ولا تشعرنّ بك أحداً وابتع لنا طعاماً وائتنا به وزدنا على الطعام الذي جئتنا به فقد أصبحنا
جياعاً ففعل تمليخا كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها وأخذ ورقاً من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقيانوس وكانت كخفاف الربع فانطلق تمليخا خارجاً فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منها ثم مرّ ولم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفياً يصدّ عن الطريق متخوّفاً أن يراه أحد من أهلها فيعرفه ولا يشعر أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمئة سنة فلما أتى تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان إذا كان أمر الإيمان ظاهراً فلما رأى عجب وجعل ينظر إليها مستخفياً وينظر يميناً وشمالاً ثم ترك الباب وتحوّل لباب آخر من أبوابها فرأى مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها ورأى ناساً كثيراً محدثين لم يكن رآهم قبل ذلك فجعل يمشي ويتعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه، ويقول: يا ليت شعري ما هذا أمّا عشية أمس فكان المسلمون يخبؤون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلي حالم ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ بكسائه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها فيسمع ناساً يحلفون باسم عيسى بن مريم فزاده فرقاً ورأى أنه حيران فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدران المدينة ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا عشية أمس فليس على وجه الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلا قتل، وأمّا اليوم فأسمع كل إنسان يذكر عيسى ولا يخاف ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست المدينة التي أعرف، ووالله ما أعلم مدينة بقرب مدينتنا فقام كالحيران ثم لقي فتى فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ فقال: اسمها أفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مساً أو أمراً أذهب عقلي والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شرّ فأهلك ثم أنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من هذه المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلاً منهم فقال: بعني بهذا الورق طعاماً فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها فعجب منها ثم طرحها إلى رجل من أصحابه فنظر إليها ثم إلى آخر، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ويتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض: إنّ هذا أصاب كنزاً مخبأ في الأرض منذ زمان ودهر طويل فلما رآهم تمليخا يتشاورون من أجله فرق فرقاً شديداً، وجعل يرتعد ويظنّ أنهم فطنوا به وعرفوه وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرّفونه فقال لهم: وهو شديد الفرق أفضلوا عليّ قد أخذتم ورقي فأمسكوها، وأمّا طعامكم فليس لي حاجة به. فقالوا: من أنت يا فتى؟ وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزاً من كنوز الأوّلين وأنت تريد أن تخفيه انطلق معنا وأرنا وشاركنا فيه نخف عليك ما وجدت وإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك، فلما سمع قولهم قال: ما وجدت شيئاً وقال قد وقعت في كل شيء أحذر منه قالوا: يا فتى إنك والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت فجعل تمليخا لا يدري ما يقول لهم وخاف حتى إنه لم يردّ إليهم جواباً، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه وطرحوه
في عنقه وجعلوا يقودونه في سكك المدينة حتى سمع من فيها فقيل أخذ رجل عنده كنز واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه قط، وما نعرفه فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة وكان متيقناً أنّ أباه وإخوته في المدينة وأنه من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا به، فبينما هو قائم كالحيران ينظر متى يأتيه بعض أهله فيخلصه من بين أيديهم إذ اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أريوس واسم الآخر أسطيوس، فلما انطلقوا به إليهما ظنّ تمليخا أنه ينطلق به إلى دقيانوس الجبار فجعل يلتفت يميناً وشمالاً وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون وجعل تمليخا يبكي ويرفع رأسه إلى السماء. وقال: اللهمّ إله السماء وإله الأرض أفرغ اليوم عليّ صبراً وأولج معي روحاً منك تؤيدني بها عند هذا الجبار وجعل يقول في نفسه: فرّق ما بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت ويا ليتهم يأتوني فنقوم جميعاً بين يدي هذا الجبار فإنا كنا توافقنا على الإيمان بالله سبحانه وتعالى وأنّ لا نشرك به شيئاً ولا نفترق في حياة ولا موت، فلما انتهى به إلى الرجلين الصالحين ورأى أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء فأخذ أريوس وأسطيوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ فقال تمليخا: ما وجدت كنزاً ولكن هذا ورق أبائي ونقش المدينة وضربها ولكن والله ما أدري ما شأني وما أقول لكم فقال أحدهما: ممن أنت؟ فقال تمليخا: أمّا أنا فكنت أرى أني من أهل هذه المدينة قالوا: فمن أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه فلم يجدوا أحداً يعرفه ولا أباه فقال له: أحدهما أنت رجل كذاب لا تأتينا بالحق فلم يدر تمليخا ما يقول لهم غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال بعض من حوله: هذا رجل مجنون. وقال بعضهم: ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمداً حتى ينفلت منكم. فقال له أحدهما ونظر إليه نظراً شديداً: أتظنّ انا نرسلك ونصدّقك بأن هذا مال أبيك ونقش هذه الورق وضربها أكثر من ثلاثمئة سنة، وأنت غلام شاب وتظنّ أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شيوخ وشمط كما ترى وحولك سراة هذه المدنية وولاة أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار وإني لأظنني سآمر بك فتعذب عذاباً شديداً ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدته، فلما قال ذلك قال لهم تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه فإن فعلتم صدّقتكم عما عندي فقالوا: سل لا نكتمك شيئاً. قال: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالوا: ليس نعرف اليوم على وجه الأرض ملكاً يسمى دقيانوس ولم يكن إلا ملكاً هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة. فقال تمليخا: إني إذا لحيران وما هو بمصدّقي أحد من الناس بما أقول لقد كنا فتية وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا فلما انتبهنا خرجت لأشتري طعاماً وأتجسس الأخبار فإذا أنا كما ترون فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي فلما سمع أريوس ما يقول تمليخا قال: يا قوم لعلّ هذه آية من آيات الله تعالى جعلها الله تعالى لكم على يد هذا الغلام فانطلقوا بنا معه ليرينا أصحابه فانطلق معه أريوس وأسطيوس
ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصخاب الكهف لينظروا إليهم فلما رأى الفتية أصحاب الكهف تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي فيه فظنوا أنه قد أخذ وذهب به إلى ملكهم دقيانوس فبينما هم يظنون ذلك ويتحققونه إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة عندهم فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث إليهم ليأتوا بهم فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضاً. وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا تمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار وهو ينتظرنا حتى نأتيه فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس على هذه الحالة إذا هم باريوس وأصحابه وقوف على باب الكهف فسبقهم تمليخا ودخل وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا معه ثم سألوه عن خبره فقص عليهم الخبر كله فعرفوا أنهم كانوا نياماً بأمر الله تعالى ذلك الزمن الطويل، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقاً للبعث ويعلم الناس أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، ثم دخل على أثر تمليخا أريوس فرأى تابوتاً من نحاس مختوماً بخاتم من فضة فقام بباب الكهف ثم دعا رجالاً من عظماء أهل المدينة ففتح التابوت عندهم فوجد فيه لوحين من رصاص مكتوب فيهما مكسلمينا ومخشلمينا وتمليخا ومطرونس وكشطونس وبيرونس وبيطونس كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسدّ عليهم بالحجارة وإنا كتبنا أسماءهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم فلما قرؤوه عجبوا وحمدوا الله تعالى الذي أراهم آية البعث فيهم ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله تعالى وتسبيحه ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوساً مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخرّ أريوس وأصحابه سجوداً وحمدوا الله تعالى الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضاً وأنبأهم الفتية عن الذي لقوه من ملكهم دقيانوس ثم إنّ أريوس وأصحابه بعثوا بريداً إلى ملكهم الصالح تندوسيس أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله تعالى على ملكك وجعلها آية للعالمين ليكون لهم نوراً وضياء وتصديقاً للبعث، فاعجل إلى فتية بعثهم الله تعالى وكان قد توفاهم منذ أكثر من ثلاثمئة سنة، فلما أتى الملك الخبر قام ورجع إليه عقله وذهب همه، فقال: أحمد الله ربّ السموات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطوّلت عليّ ورحمتني فلم تطفئ النور الذي جعلته لآبائي وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك فلما نبئ به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس فتلقاهم أهل المدينة وساروا معه نحو الكهف فلما صعد الجبل ورأى الفتية تندوسيس فرحوا به وخرّوا سجداً على وجوههم وقام تندوسيس قدّامهم ثم اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله تعالى ويحمدونه ثم قالوا له: نستودعك الله السلام عليك ورحمة الله وبركاته وحفظك وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شر الإنس والجنّ، فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى الله أنفسهم وقام الملك تندوسيس إليهم فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في المنام وقالوا له إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ولكن خلقنا من تراب وإلى التراب نصير فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله تعالى منه فأمر الملك
حينئذٍ بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله تعالى حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم، وقيل إنّ تمليخا لما حمل إلى الملك الصالح قال له الملك: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواماً لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أنّ فتية فقدوا في الزمان الأوّل وأن أسماؤهم مكتوبة على لوح في خزانته فدعا باللوح فنظر في أسمائهم فإذا اسمه مكتوب في ذكر أسماء ألاخرين فقال تمليخا: هم أصحابي فلما سمع الملك ذلك ركب هو ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي وأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم فقضبت روحه وأرواحهم وأغمي على الملك وأصحابه أثرهم فلم يهتدوا عليهم. ثم وقع التنازع في أمرهم بين أهل المدينة كما قال تعالى: {إذ يتنازعون} ، أي: أهل المدينة {بينهم أمرهم} ، أي: أمر الفتية في البناء حولهم {فقالوا} ، أي: الكفار {ابنوا عليهم} ، أي: حولهم {بنياناً} يسترهم فإنهم كانوا على ديننا وقوله تعالى: {ربهم أعلم بهم} يجوز أن يكون من كلام الله تعالى وأن يكون من كلام المتنازعين فيهم {قال الذين غلبوا على أمرهم} ، أي: أمر الفتية وهم المؤمنون {لنتخذن عليهم} ، أي: حولهم {مسجداً} يصلى فيه وفعل ذلك على باب الكهف، وقيل: إنّ بعضهم قال: الأولى أن نسدّ باب الكهف عليهم لئلا يدخل أحد عليهم ولا يقف على أحوالهم إنسان. وقال الآخرون: بل الأولى أن نبني على باب الكهف مسجداً وهذا القول يدل على أنّ أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: تنازعوا في مقدار مكثهم وقيل في عددهم وأسمائهم. تنبيه: بنياناً يجوز أن يكون مفعولاً به جمع بنيانة وأن يكون مصدراً. ولما ذكر أصحاب الكهف عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وقع الاختلاف في عددهم كما قال تعالى: أي: الخائضون في قصتهم من أهل الكتاب والمؤمنين فقال بعض أهل الكتاب: {ثلاثة رابعهم كلبهم} ، أي: هم ثلاثة رجال ورابعهم كلبهم بانضمامه إليهم {ويقولون} ، أي: بعضهم {خمسة سادسهم كلبهم} فهذان القولان لنصارى نجران وقيل الأوّل قول اليهود والثاني قول النصارى. فإن قيل: لم جاءت سين الاستقبال في الأوّل دون الأخيرين؟ أجيب: بانّ في ذلك وجهين أن تدخل الأخيرين في حكم السين كما تقول قد أكرم وأنعم تريد معنى التوقع في الفعلين وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له. ولما كان قولهم ذلك بغير علم كان {رجماً بالغيب} ، أي: ظناً في الغيبة عنهم فهو راجع إلى القولين معاً ونصب على المفعول له، أي: لظنهم ذلك {ويقولون} ، أي: المؤمنون {سبعة وثامنهم كلبهم} قال أكثر المفسرين: هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه الأوّل أنه تعالى لما حكى قوله {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} قال بعده: {قل ربي أعلم بعدّتهم ما يعلمهم إلا قليل} وأتبع القولين الأوّلين بقوله تعالى: {رجماً بالغيب} وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أنّ الحال في الباقي بخلافه أن يكون المخصوص بالظنّ الباطل هو القولان الأوّلان، وأن يكون القول الثالث مخالفاً لهما في كونه رجماً بالغيب. الوجه الثاني: أنّ الواو في قوله تعالى: {وثامنهم} هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً من المعرفة في نحو
قولك جاءني رجل ومعه آخر توكيد للصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أنّ اتصافه بها أمرثابت مستقرّ فكانت هذه الواو دالة على أنّ الذين كانوا في الكهف كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وقول محمد بن إسحاق: إنهم كانوا ثمانية مردود فكأنّ الله تعالى حكى اختلافهم وتم الكلام عند قوله: {ويقولون سبعة} ثم حقق هذا القول بقوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} والثامن لا يكون إلا بعد السبع وهذه الواو يسمونها واو الثمانية لأنّ العرب تعد فتقول واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية لأنّ العقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة ونظير هذه الآية في ثلاث آيات وهو قوله تعالى: {والناهون عن المنكر} (التوبة، 112) وقوله تعالى: {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} (الزمر، 71) لأنّ ابواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة. وقوله تعالى: {ثيبات وأبكاراً} (التحريم، 5) . قال القفال: وقولهم واو الثمانية ليس بشيء بدليل قوله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} (الحشر، 23) ولم يذكروا الواو في النعت الثامن اه. وقد يجاب بأنّ ذلك جرى على الغالب. الوجه الثالث: أنه تعالى قال: {ما يعلمهم إلا قليل} وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدّتهم لذلك القليل. وكان ابن عباس يقول: أنا من أولئك العدد القليل وكان يقول: إنهم سبعة وثامنهم كلبهم. وكان عليّ رضي الله تعالى عنه يقول: كانوا سبعة. وقال الرازي: وأسماؤهم تمليخا مكسلمينا مشلينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك وعن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان الملك يستشير هؤلاء الستة ليتصرّفوا في مهماته، والسابع كشفططيوش وهو الراعي الذي وافقهم لما هربوا من ملكهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: هم مكشلمينا وتمليخا ومرطونس ويدنونس ودونواقس وكقشططونس وهو الراعي واسم كلبهم قطمير واسم مدينتهم أفسوس. تنبيه: في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة كما تقدّم تقديره فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه وقيل: الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل منهم، أي: ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وأكثرهم على الظنّ. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعها بأن نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن شيئين عن المراء وعن الاستفتاء أمّا النهي عن المراء فبقوله تعالى: {فلا تمار} ، أي: تجادل {فيهم} ، أي: في شأن الفتية {إلا مراء} ، أي: جدالاً {ظاهراً} ، أي: غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير أن تكذبهم في تعيين ذلك العدد ونظيره قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (العنكبوت، 46) ، وأمّا النهي عن الاستفتاء فقوله تعالى: {ولا تستفت فيهم} ، أي: ولا تسأل {منهم} ، أي: من أهل الكتاب اليهود {أحداً} عن قصتهم سؤال مسترشد لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم وفيما أوحى إليك مندوحة عن غيره ولا سؤال متعنت تريد تفضيح المسؤول عنه وتزييف ما عنده فإنه يخل بمكارم الأخلاق. ولما سأل أهل مكة عن خبر أهل الكهف فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبركم به غداً ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً وفي رواية أخرى أربعين يوماً نزل: {ولا تقولنّ لشيء} ، أي: لأجل شيء تعزم عليه {إني فاعل ذلك} الشيء {غداً} ، أي: فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة. {إلا أن يشاء الله} الله إلا متلبساً بمشيئته بأن تقول إن شاء الله والسبب في ذلك أنّ الإنسان إذا قال سأفعل الفعل
الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد ولم يبعد أيضاً إن بقي حياً أن يعيقه عن ذلك الفعل سائر العوائق فإذا لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في ذلك الوعد والكذب منفر لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلهذا السبب وجب عليه أن يقول إن شاء الله حتى إذا تعذر عليه الوفاء بذلك الوعد لم يصر كاذباً ولم يحصل التنفير. تنبيه: قال كثير من الفقهاء: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع عليه الطلاق لأنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئته تعالى لم يقع عليه الطلاق إلا إذا علمنا حصول المشيئة ومشيئة الله تعالى غيب لا سبيل لنا إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة وقع وهو الطلاق، وعلى هذا لا يعرف حصول المشيئة إلا إذا وقع الطلاق ولا يعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفت المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منهما على العلم بالآخر وهو دور فلهذا لا يقع الطلاق وقيل المراد إلا أن يشاء الله، أي: إلا أن يأذن لك الله تعالى في ذلك القول والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك بأنك تفعل الفعل الفلاني إلا أن يأذن لك الله تعالى في ذلك الإخبار، وقد احتج القائلون بأنّ المعدوم شيء بهذه الآية لأنّ الشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال فوجب تسمية المعدوم بأنه شيء. وأجيب: بأنّ هذا الاستدلال لا يفيد إلا أنّ المعدوم يسمى بكونه شيئاً وعندنا أنّ السبب فيما سيصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في الحال كما قال تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (النحل، 1) والمراد سيأتي أمر الله. واختلف في معنى قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس: لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدّة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في رفع الحنث. وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم، وعن طاوس لا يقدر على الاستثناء إلا في مجلسه. وعن عطاء يستثنى على مقدار حلب ناقة غزيرة وعند عامّة الفقهاء أنه لا أثر له في الكلام ما لم يكن موصولاً واحتج ابن عباس بأنّ قوله إذا نسيت غير مختص بوقت غير معين بل هو متناول لكل الأوقات وظاهره أنّ الاستثناء لا يجب أن يكون متصلاً أمّا عامّة الفقهاء فقالوا: لو جوّزنا ذلك للزم أن لا يستقرّ شيء من العقود والإيمان يحكى أنّ المنصور بلغه أنّ أبا حنيفة خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال له الإمام أبو حنيفة: هذا يرجع عليك لأنك تأخذ البيعة بالإيمان أترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن المنصور كلامه ورضي الله عنه واستدلّ بأنّ الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد. قال تعالى: {أوفوا بالعقود} (المائدة، 1) وقال تعالى: {وأوفوا بالعهد} (الإسراء، 34) فإذا أتى بالعقد أو العهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات خالفنا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً لأنّ الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد بدليل أنّ الاستثناء وحده لا يفيد شيئاً فهو جار مجرى بعض الكلمة الواحدة فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، فإذا لم يكن متصلاً أفاد الالتزام التامّ فوجب الوفاء بذلك الملتزم، وقيل أنّ قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله. قال عكرمة: واذكر ربك إذا غضبت وقال وهب: مكتوب في الانجيل ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب. وقال
الضحاك والسدي هذا في الصلاة المنسية. قال الرازيّ: وتعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القصة وجعله مستأنفاً يصير الكلام مبتدأ منقطعاً وذلك لا يجوز وفي قوله تعالى: {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً} وجوه الأوّل: أن يكون قوله تعالى: {إلا أن يشاء الله} ليس يحسن تركه وذكره أولى من تركه وهو قوله: {لأقرب من هذا رشداً} والمراد منه ذكر هذه الجملة. الثاني: أنه لما وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله فيقول وعسى أن يهدين ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به. الثالث: أنّ قوله: {عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً} إشارة إلى قصة أصحاب الكهف،، أي: لعلّ الله يوفقني من البينات والدلائل على صحة نبوّتي وصدقي في ادعاء النبوّة ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله تعالى ذلك حين آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك. ثم شرع تعالى في آية هي آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف بقوله تعالى: {ولبثوا في كهفهم} ، أي: نياماً {ثلاثمئة} ، أي: مدّة ثلاثمئة {سنين} قال بعضهم: وهذه السنون الثلاثمئة عند أهل الكتاب شمسية وتزيد القمرية عليها تسع سنين وقد ذكرت في قوله: {وازدادوا تسعاً} ، أي: تسع سنين لأنّ التفاوت بين الشمسة والقمرية في كل ما ئة سنة ثلاث سنين لأنّ السنة الشمسية تزيد على السنة القمرية عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة فالثلاثمئة سنة الشمسية ثلاثمئة وتسع قمرية قال الرازي: وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول ويمكن أن يقال لعلهم لما استكملوا ثلاثمئة سنة قرب أمرهم من الإنتباه ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين وقرأ حمزة والكسائي بغير تنوين في الوصل والباقون بالتنوين فسنين عطف بيان لثلاثمائة لأنه لما قال: {ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة} لم يعرف أنها أيام أو شهور أو سنون، فلما قال: {سنين} صار هذا بياناً لقوله ثلاثمئة فكان ذلك عطف بيان له وقيل هو على التقديم والتأخير، أي: لبثوا سنين ثلاثمئة. وأمّا وجه القراءة الأولى فهو أنّ الواجب في الإضافة أن يقال ثلاثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله تعالى: {بالأخسرين أعمالاً} (الكهف، 103) وحذف مميز تسع لدلالة ما تقدّم عليه إذ لا يقال عندي ثلاثمئة درهم وتسعة إلا وأنت تعني تسعة دراهم، ولو أردت ثياباً أو نحوها لم يجز لأنه ألغاز. ثم إنّ الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا نازعوه في مدّة لبثهم في الكهف بقوله تعالى: {قل الله أعلم بما لبثوا} ، أي: فهو أعلم منكم وقد أخبر بمدّة لبثهم، وقيل إنّ أهل الكتاب قالوا إنّ المدّة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا وهو اجتماعهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسع سنين، فرد الله تعالى عليهم ذلك وقال: الله أعلم بما لبثوا يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله {له غيب السموات والأرض} ، أي: ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما فالغيب ما يغيب عن إدراكك والله عز ذكره لا يغيب عن إدراكه شيء فيكون عالماً بهذه الواقعة لا محالة وقوله تعالى: {أبصر به وأسمع} كلمة تذكر في التعجب، أي: ما أبصر الله تعالى بكل موجود وما أسمعه بكل بمسموع {ما لهم} ، أي: أهل السموات والأرض {من دونه} ، أي: الله {من وليّ} ، أي: ناصر {ولا يشرك في حكمه} ، أي: في
قضائه {أحداً} منهم ولا يجعل له فيه مدخلاً لأنه غني بذاته عن كل أحد، وقيل الحكم هنا علم الغيب، أي: لا يشرك في علم غيبه أحداً. وقرأ ابن عامر بالمثناة فوق قبل الشين وبسكون الكاف على نهي كل أحد عن الإشراك، والباقون بالتحتية وضمّ الكاف. تنبيه: احتج أصحابنا رحمهم الله تعالى بهذه القصة على صحة القول بالكرامة للأولياء وقد قدمنا معرفة الوليّ في سورة يونس عند قوله تعالى: {إلا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (يونس، 62) فمما يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول، أمّا القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات الحجة الأولى قصة مريم عليها السلام وقد شرحناها في سورة آل عمران فلا نعيدها. الحجة الثانية: قصة أصحاب الكهف وبقاؤهم في النوم سالمين من الآفات مدّة ثلاثمئة سنة وتسع سنين، وأنّ الله تعالى كان يعصمهم من حرّ الشمس، ومن الناس من تمسك أيضاً في هذه المسألة بقوله تعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك} (النمل، 40) على أنه غير السيد سليمان والسيد جبريل. وأما الأخبار فكثيرة منها ما أخرج في الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى بن مريم وصبيّ في زمن جريج وصبيّ آخر؛ وأمّا عيسى فقد عرفتموه، وأمّا جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أمّ فكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمّه فقالت: يا جريج فقال: يا رب أمّي وصلاتي الصلاة خير أم رؤيتها ثم يصلي فدعته ثانياً فقال: مثل ذلك حتى تم ثلاث مرّات وكان يصلي ويدعها فاشتدّ ذلك على أمّه فقالت: اللهمّ لا تمته حتى تريه المومسات. وكانت زانية في بني إسرائيل فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني بي فأتته فلم تقدر على شيء، وكان هناك راع يأوي بالليل إلى صومعته فلما أعياها جريج راودّت الراعي على نفسها فأتاها فولدت ثم قالت: ولدي هذا من جريج، فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه ثم نخس الغلام قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قال بيده: يا غلام من أبوك؟ فقال: الراعي. فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب أو فضة فأبى عليهم وبناها كما كانت. وأمّا الصبيّ الآخر فإنّ امرأة كان معها صبيّ لها ترضعه إذ مرّ بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللهمّ اجعل ابني مثل هذا. فقال الصبيّ: اللهمّ لا تجعلني مثله، ثم مرّ بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللهمّ لا تجعل ابني مثل هذه. فقال الصبيّ: اللهمّ اجعلني مثلها. فقالت له أمّه في ذلك، فقال: إنّ الراكب جبار من الجبابرة فكرهت أن أكون مثله وإنّ هذه قيل لها زنيت ولم تزن وقيل له سرقت ولم تسرق وهي تقول: حسبي الله فأحببت أن أكون مثلها» . ومنها خبر الغار وهو مشهور في الصحيح عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدّت عليهم باب الغار» وقد ذكرت ذلك عند قوله تعالى: {كانوا من آياتنا عجباً} (الكهف، 9) . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم «ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره» . ولم يفرق من شيء وشيء فيما يقسم به على الله تعالى. ومنها ما روي عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل
يسوق بقرة قد حمل عليها التفتت البقرة، وقالت: إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت بهذا وأبو بكر وعمر» . ومنها ما روي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال: فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟ قال: فلان ابن فلان قلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟ قال: ولم تسأل عن ذلك. قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال: أمّا إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً» . وأمّا الآثار فكثيرة ايضاً ولنبدأ منها ببعض ما نقل أنه ظهر على يد الخلفاء الراشدين من الكرامات ثم ببعض ما ظهر على يد بعض الصحابة. أمّا أبو بكر رضي الله تعالى عنه فمن كراماته أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول الله، هذا أبو بكر بالباب فإذا بالباب قد فتح وإذا بهاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب، وأمّا عمر رضي الله تعالى عنه فقد ظهرت أنواع كثيرة من كراماته النوع الأوّل ما روي أنه لما بعث جيشاً وأمرّ عليهم رجلاً يدعى سارية بن الحصين فبينما عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر يا سارية الجبل الجبل. قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كتبت تاريخ هذه الكلمة فلما قدم رسول ذلك الجيش فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فهزمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهرنا إلى الجبل فهزم الله تعالى الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت. قال الرازي: قلت سمعت بعض المذكرين قال: كان ذلك معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال لأبي بكر وعمر: «أنتما بمنزلة السمع والبصر» ، فلما كان عمر بمنزلة البصر لمحمد صلى الله عليه وسلم لا جرم قدر على أن يرى من ذلك البعد العظيم. النوع الثاني: ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة فكان لا يجري حتى تلقى فيه جارية حسناء فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص إلى عمر فكتب عمر على خرقة أيها النيل إن كنت تجري بأمر الله فاجر وإن كنت إنما تجري بأمرك لا حاجة بنا إليك فألقيت تلك الخرقة في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك. النوع الثالث: لما وقعت الزلزلة في المدينة فضرب عمر بالدرّة على الأرض وقال: اسكني بأذن الله فسكنت وما حدثت الزلزلة بالمدينة بعد ذلك الوقت. النوع الرابع: وقعت النار في بعض دور المدينة فكتب عمر على خرقة يا نار اسكني بأذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال. النوع الخامس: ما روي أنّ رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظنّ أن داره مثل قصور الملوك فقالوا ليس له ذلك وإنما هو في الصحراء يضرب اللبن فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر وضع درّته تحت رأسه ونام على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال أهل المشرق والمغرب يخافون هذا الإنسان وهو على هذه الصفة ثم قال في نفسه إن وجدته خالياً فاقتله وأخلص الناس منه فلما رفع السيف أخرج الله تعالى من الأرض أسدين فقصداه فخاف وألقى السيف من يده وانتبه عمر ولم ير شيئاً فسأله عن الحال فذكر له الواقعة وأسلم. قال الرازي: وأقول هذه
الواقعة رويت بالآحاد وههنا ما هو معلوم بالتواتر وهو أنه مع بعده عن زينة الدنيا واحترازه عن التكلفات والتهويلات ساس الشرق والغرب وغلب الممالك والدول ولو نظرت في كتب التواريخ علمت أنه لم يتفق لأحد من أوّل عهد عمر إلى الآن ما تيسر له، فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات ولا شك أنّ هذا من أعظم الكرامات. وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فأشياء كثيرة، منها ما روي عن أنس قال: سرت في الطريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلتُ على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا ظاهرة عليكم فقلت أجاء الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا ولكن فراسة صادقة، ومنها أنه لما طعن بالسيف فأوّل قطرة من دمه سقطت وقعت على المصحف على قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} (البقرة، 137) . ومنها أنّ جهجاها الغفاري انتزع العصا من يد عثمان فكسرها على ركبته فوقعت الأكلة في ركبته. وأما علي رضي الله تعالى عنه فأشياء كثيرة أيضاً، منها ما روي أنّ واحداً من محبيه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى عليّ فقال: أسرقت؟ فقال: بلى. فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء. فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟ فقال له: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول. فقال له سلمان: قطع يدك وتمدحه. فقال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار، فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل، ودعا بدعوات فسمعنا صوتاً من السماء: إرفع الرداء عن اليد فرفعناه فإذا اليد قد برئت. وأما ما روي عن بعض الصحابة فشيء كثير، ونذكر منها شيئاً قليلاً، منها ما روى محمد بن المنكدر عن سفينة قال: ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، وركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في خيسة فيها أسد فخرج الأسد إليّ يريدني فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فتقدّم الأسد إليّ ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودّعني ورجع. ومنها ما روى ثابت عن أنس أنّ أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار تحدّثا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل زمان ثم خرجا من عنده وكانت الليلة شديدة الظلمة وكان في يد كل واحد منهما عصا فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها فلما افترقت بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى حتى بلغ منزله. ومنها ما روي أنه قيل لخالد بن الوليد أنّ في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلة فطاف بالعسكر فلقي رجلاً على فرس ومعه خمر فقال: ما هذا؟ قال: خل. فقال خالد: اللهم اجعله خلاً فذهب الرجل إلى أصحابه فقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثله فلما فتحوا فإذا هو خل فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل فقال: والله هذا دعاء خالد. ومنها الواقعة المشهورة وهي أنّ خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضرّه. ومنها ما روي أنّ ابن عمر كان في بعض أسفاره فلقي جماعة وقفوا على الطريق من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم، ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. ومنها ما روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث العلاء الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر
فدعا باسم الله الأعظم ومشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات متجاوزة عن الحدّ والحصر فمن أرادها طالعها. وأما الدلائل العقلية على جواز الكرامات فمن وجوه: الأوّل: أنه صلى الله عليه وسلم قال حاكياً عن رب العزة: «من آذى لي ولياً فقد بارزته بالمحاربة» فجعل إيذاء الولي قائماً مقام إيذائه وتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، استسقيتك فما سقيتني، استطعمتك فما أطعمتني، فيقول: يا رب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمين فيقول: إنّ عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي» . وكذا في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أنّ أولياء الله يبلغون هذه الدرجات العالية والمراتب الشريفة. فإذا جاز اتصال العبد إلى هذه الدرجات فأيّ بعد أن يعطيه الله تعالى كسرة خبز أو جرعة ماء أو يسخر له كلباً أو دودة. الوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال عن رب العزة: «ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترض عليه، ولا يزال يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً وقلباً ولساناً ويداً ورجلاً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يمشي» . وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب لغير الله تعالى لما قال: أنا سمعه وأنا بصره، وهذا المقام أشرف من تسخير الحية والسبع، وإعطاء عنقود من العنب أو شربة من الماء فلما أوصل برحمته عبده إلى هذه الدرجات العالية فأي بعد في أن يعطيه رغيفاً واحداً أو شربة من الماء في مفازة. الوجه الثالث: لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إمّا لأجل أنّ الله تعالى ليس أهلاً لأن يفعل مثل هذا الفعل أو لأجل أنّ المؤمن ليس أهلاً لأن يعطيه الله هذه العطية والأوّل قدح في قدرة الله تعالى وهو كفر. والثاني باطل فإنّ معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته والمواظبة على ذكر تقديسه وتمجيده وتهليله أشرف من إعطاء رغيف واحد في مفازة وتسخير حية أو أسد فإن إعطاءه المحبة والذكر والشكر من غير سؤال أولى من أن يعطيه شربة ماء في مفازة فأي بعد فيه. واحتج المنكر للكرامات بوجوه: الأوّل: أنّ ظهور الفعل الخارق للعادة جعله الله تعالى دليلاً على النبوّة فلو حصل لغير النبيّ لبطلت هذه الدلالة. الوجه الثاني: أنّ الله تعالى قال: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} (النحل، 7) . والقول بأنّ الوليّ ينتقل من بلد إلى بلد بعيد لا على هذا الوجه طعن في هذه الآية وأيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا في أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف يعقل أن يقال أنّ الوليّ ينتقل من بلد نفسه إلى الحج في اليوم الواحد. الوجه الثالث: أنّ هذا الوليّ الذي يظهر عليه الكرامات إذا ادّعى على إنسان درهماً واحداً فهل يطلب بالبينة أم لا فإن طالبناه بها كان عبثاً لأنّ ظهور الكرامة عليه يدل على أنه لا يكذب ومع قيام الدليل القاطع كيف يطلب الدليل الظني وإن لم يطالب بها فقد تركنا قوله صلى الله عليه وسلم «البينة على المدّعي» . فهذا يدل على أنّ القول بالكرامة باطل، وأجيب عن الأوّل بأنّ الناس اختلفوا هل يجوز للولي دعوى الولاية؟ فقال قوم من المحققين إنه لا يجوز فعلى هذا الفرق بين المعجزة والكرامة، أنّ المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوّة والكرامة لا تكون مسبوقة
بدعوى الولاية وعلى القول بالجواز الفرق بينهما أنّ النبيّ يدّعي المعجزة ويقطع بها والوليّ إذا ادّعى الكرامة لا يقطع بها لأنّ المعجز يجب ظهوره، والكرامة لا يجب ظهورها، وأجيب عن الثاني بأنّ قوله تعالى: {وتحمل أثقالكم} إلى آخره محمول على المعهود المتعارف، وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثنيات من ذلك العموم المتعارف، وأجيب عن الثالث بأنّ التمسك بالأمور النادرة لا يعول عليه في الشرع فلا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «البينة على المدّعي» . ومع هذا فصاحب الكرامة يجب عليه أن يكون خائفاً وجلاً ولهذا قال المحققون: أكثر ما حصل الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أشدّ أنواع البلاء. والذي يدل على أنّ الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه: الأوّل: أنّ الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه وتعالى فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق والفرح بغير الحق حجاب والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور. الوجه الثاني: أنّ من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقاً للكرامة بسبب عمله حصل لعمله وقع عظيم في قلبه، ومن كان لعمله وقع عظيم في قلبه كان جاهلاً إذ لو عرف ربه لعلم أنّ كل طاعات الخلق في جنب جلاله تقصير وكل شكر في جنب آلائه ونعمائه قصور وكل معارفهم وعلومهم فهي في مقابلة عزته حيرة وجهل. وجدت في بعض الكتب أنه قرئ في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر، 10) فقال: علامة أنّ الحق رفع عملك أن لا يبقى عندك مرتقى عملك في نظرك، فإن بقي عملك في نظرك فهو غير مرفوع وإن لم يبق عملك في نظرك فهو مرفوع مقبول. الوجه الثالث: أنّ صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتضرّع في حضرة الله تعالى، فإذا ترفع وتكبر وتجبر بسبب الكرامات فقد بطل ما به وصل إلى الكرامات فهذا طريق يؤدّي ثبوته إلى عدمه فكان مردوداً ولهذا المعنى لما ذكر صلى الله عليه وسلم مناقب نفسه وفضائلها كان يقول في آخر كل واحد منها ولا فخر، أي: لا أفخر بهذه الكرامات، وإنما أفخر بالمكرم والمعطي. الوجه الرابع: أنه تعالى وصف عباده المخلصين بقوله تعالى: {ويدعوننا رغباً} (الأنبياء، 90) ، أي: في ثوابنا {ورهباً} ، أي: من عذابنا. وقيل رغباً في وصالنا ورهباً من عقابنا. قال بعض المحققين: والأحسن أن يقال رغباً فينا ورهباً عنا، وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب، جعلنا الله تعالى وأحبابنا من أهل ولايته بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحابته. ثم لما دل اشتمال القرآن على قصة أصحاب الكهف من حيث أنها من المغيبات بالإضافة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم على أنه وحي معجز أمره أن يداوم درسه ويلازم أصحابه بقوله تعالى: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} ، أي: القرآن واتبع ما فيه واعمل بما فيه {لا مبدّل لكلماته} ، أي: لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره، وقال بعضهم: مقتضى هذا أن لا يتطرق النسخ إليه وأجاب بأنّ النسخ في الحقيقة ليس تبديلاً لأنّ المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالمغاير فكيف يكون تبديلاً وهذا لا يحتاج إليه مع التفسير المذكور {ولن تجد من دونه} ، أي: الله {ملتحداً} ، أي: ملجأً في البيان والإرشاد وقيل إن لم تتبع
القرآن. ونزل في عيينة بن حصن الفزاري لما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان الفارسي وعليه شملة قد عرق فيها وبيده خوص يشقه ثم ينسجه فقال له: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، أي: كما قال قوم نوح: {أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون} (الشعراء، 111) فنحهم حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلساً واجعل لهم مجلساً. {واصبر نفسك} ، أي: احبسها وثبتها {مع الذين يدعون ربهم} ونظير هذه الآية قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه} (الأنعام، 52) ففي تلك الاية نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم، وفي هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم وفي قوله تعالى: {بالغداة والعشيّ} وجوه الأوّل: أنهم مواظبون على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل ليس لفلان عمل بالغداة والعشيّ إلا شتم الناس. الثاني: المراد صلاة الفجر والعصر. الثالث: أنّ المراد الغداة وهو الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من النوم إلى اليقظة، وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة، والعشيّ هو الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من الحياة إلى الموت ومن اليقظة إلى النوم، والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لله تعالى عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه وقرأ ابن عامر بضم الغين المعجمة وسكون الدال وبعدها واو مفتوحة والباقون بفتح الغين والدال وألف بعدها والرسم في المصحف بالواو هنا وفي سورة الأنعام. {يريدون} بعبادتهم {وجهه} تعالى، أي: رضاه وطاعته لا شيئاً من أعراض الدنيا {ولا تعد} ، أي: تنصرف {عيناك عنهم} إلى غيرهم وعبر بالعينين عن صاحبهما فنهى صلى الله عليه وسلم أن يصرف بصره ونفسه عنهم لأجل رغبته في مجالسة الأغنياء لعلهم يؤمنون وقوله تعالى: {تريد زينة الحياة الدنيا} في موضع الحال، أي: إنك إن فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة الحياة الدنيا. ولما بالغ تعالى في أمره في مجالسة الفقراء من المسلمين بالغ في النهي عن الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين بقوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ، أي: جعلنا قلبه غافلاً عن ذكرنا، أي: عيينة بن حصن وقيل أمية بن خلف {واتبع هواه} ، أي: في طلب الشهوات {وكان أمره فرطاً} ، أي: إسرافاً وباطلاً، وهذا يدل على أنّ أشرّ أحوال الإنسان أن يكون قلبه خالياً عن ذكر الحق ويكون مملوءاً من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق، لأنّ ذكر الله تعالى نور وذكر غيره ظلمة لأنّ الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله تعالى وما سواه فهو ممكن الوجود لذاته والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله تعالى فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة التامّة والإعراض عن الحق هو المراد بقوله تعالى: {أغفلنا قلبه عن ذكرنا} والإقبال على الخلق هو المراد بقوله تعالى: {واتبع هواه} . روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت جالساً في عصابة من ضعفاء المهاجرين وأنّ بعضهم
ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ من القرآن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ما الذي كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان واحد يقرأ من القرآن ونحن نسمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي جعل من أمّتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا وقال: أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التامّ يوم القيامة فتدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة سنة» . ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا: إن طردت الفقراء آمنا بك. قال تعالى بعده: {وقل الحق} ، أي: وقل لهؤلاء ولغيرهم هذا الذي جئتكم به في أمر أهل الكهف وغيرهم من هذا الوجه العربي المعرى عن العوج الظاهر الإعجاز الباهر الحجج الحق كائناً {من ربكم} المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع المؤمنين والإعراض عمن سواهم وغير ذلك لا ما قلتموه في أمرهم، ويجوز أن يكون الحق مبتدأ وخبره الجار بعده {فمن شاء} ، أي: منكم ومن غيركم {فليؤمن} بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم فهو مقبول مرغوب فيه وإن كان فقيراً رث الهيئة ولم ينفع إلا نفسه {ومن شاء} منكم ومن غيركم {فليكفر} فهو أهل لأن يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة وإن تعاظمت هيئته وهذا لا يقتضي استقلال العبد بفعله كما تقول المعتزلة، فعن ابن عباس في معنى الآية من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر ونقل عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: هذه الصيغة تهديد ووعيد، أي: فهي كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} (فصلت، 40) فإن الله تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضرّ بكفر الكافرين بل نفع الإيمان يعود على المؤمن وضرر الكفر بعود على الكافر كما قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} (الإسراء، 7) ولما هدد السامعين بما حاصله ليختار كل امرئ لنفسه ما يجده غداً عند الله أتبعه بذلك الوعيد والأفعال الباطلة، وبذكر الوعد على الإيمان والأعمال الصالحة، أمّا الوعيد فقوله تعالى: {إنا أعتدنا} ، أي: هيأنا بما لنا من العظمة والقدرة {للظالمين} ، أي: لمن أنف عن قبول الحق لأجل أنّ الذين قبلوه فقراء ومساكين وكذا كل من لم يؤمن {ناراً} وهي الجحيم ثم وصف الله تعالى تلك النار بصفتين؛ الأولى قوله تعالى: {أحاط بهم} كلهم {سرادقها} ، أي: فسطاطها شبه به ما يحيط بهم من النار وقيل هو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وقيل حائط من نار والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرّجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة من كل الجوانب، وقيل هو دخان يغشاهم قبل دخولهم النار يحيط بهم كالسرداق حول الفسطاط. الصفة الثانية قوله تعالى: {وإن يستغيثوا} ، أي: يطلبوا الغوث {يغاثوا بماء} ووصف هذا الماء بصفتين؛ الأولى قوله تعالى: {كالمهل} وهو كما في حديث مرفوع دردي الزيت، وعن ابن مسعود أنه دخل بيت المال وأخرج نقاعة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال: هذا هو المهل. وقال أبو عبيدة والأخفش: كل شيء أذبته من نحاس أو ذهب أو فضة فهو المهل. وقيل إنه الصديد والقيح وقيل إنه ضرب من القطران ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى: {تصلى ناراً حامية تسقى من عين آنية} (الغاشية: 4، 5) ويحتمل أن يستغيثوا
من حرّ جهنم فيطلبوا ما يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء قال تعالى حكاية عنهم: {أفيضوا علينا من الماء} (الأعراف، 50) . وقال تعالى في آية أخرى: {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} (إبراهيم، 50) . فإذا استغاثوا من حرّ جهنم صب عليهم القطران الذي يعمّ كل أبدانهم كالقميص. والصفة الثانية للماء: قوله تعالى: {يشوي الوجوه} ، أي: إذا قرب إلى الفم ليشرب فكيف بالفم والجوف ثم وصل تعالى بذلك ذمّه فقال تعالى: {بئس الشراب} ، أي: ذلك الماء الذي هو كالمهل لأنّ المقصود من شرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في إحراق الإنسان مبلغاً عظيماً ثم عطف عليه ذمّ النار المعدّة لهم بقوله تعالى: {وساءت} ، أي: النار وقوله تعالى: {مرتفقاً} تمييز منقول من الفاعل، أي: قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله تعالى الآتي في الجنة: {وحسنت مرتفقاً} وإلا فأي ارتفاق في النار. ولما ذكر تعالى وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين فقال تعالى: {إنّ الذين آمنوا} ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر عطف عليه ما يحقق ذلك بقوله تعالى: {وعملوا الصالحات} ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: {إنا لا نضيع} ، أي: بوجه من الوجوه {أجر من أحسن عملاً} وهذه الجملة خبر إن الذين وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم، أي: نثيبهم بما تضمنه. {أولئك لهم جنات عدن} ، أي: إقامة فكأنه قيل فما لهم فيها فقيل: {تجري من تحتهم} ، أي: من تحت منازلهم {الأنهار} وذلك لأنّ أفضل المساكن ما كان تجري فيه الأنهار أو الماء فكأنه قيل ثم ماذا فقيل: {يحلون فيها} وبنى الفعل المجهول لأنّ المقصود وجود التحلية وهي لعزتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلاً من الله تعالى. ولما كانت نعم الله لا تحصى نوع منها قال تعالى مبعضاً: {من أساور} جمع إسورة كاحمرة جمع سوار كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس وقيل من زائدة، وقيل للابتداء ومن في قوله تعالى: {من ذهب} للبيان صفة لأساور وتنكيرها لتعظيم جنسها عن الإحاطة به. وقيل للتبعيض. ولما كان اللباس جزاء العمل فكان موجوداً عندهم أسند الفعل إليهم فقال: {ويلبسون ثياباً خضراً} لأنّ الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة ثم وصفها بقوله تعالى: {من سندس} وهو ما رقّ من الديباج {وإستبرق} وهو ما غلظ منه جمع بين النوعين للدلالة على أنّ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وفي آية أخرى {بطائنها من إستبرق} (الرحمن، 54) فيكون الغليظ بطانة للرقيق، ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى: {متكئين فيها} ، أي: لأنهم في غاية الراحة {على الأرائك} جمع أريكة وهي السرير في الحجلة وهي بيت يزين بالثياب والستور للعروس ثم مدح هذا بقوله تعالى: {نعم الثواب} ، أي: الجزاء الجنة لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {وحسنت} ، أي: الجنة كلها وبين ذلك بقوله تعالى: {مرتفقاً} ، أي: مقرّاً ومرتفقاً ومجلساً ولما افتخر الكفار بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين بيّن الله تعالى أنّ ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنياً والغنيّ فقيراً وأمّا الذي يجب الافتخار به فطاعة الله تعالى وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبيّن ذلك بضرب هذا المثل المذكور
بقوله تعالى: {واضرب لهم} ، أي: لهؤلاء الأغنياء المتجبرين الذين يستكبرون على المؤمنين ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم {مثلاً} لما آتاهم الله من زينة الحياة والدنيا واعتمدوا عليه وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه بل أدّاهم إلى الافتخار والتكبر على من زوي ذلك عنه إكراماً له وصيانة عنه {رجلين} إلى آخر الآية. واختلف في سبب نزولها فقيل نزلت في رجلين من أهل مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر كافر وهو الأسود بن عبد ياليل، وهما ابنا عبد الأسد بن عبد ياليل. وقيل مثال لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه شبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، وقال مقاتل: تمليخا والآخر كافر واسمه فطروس وقال وهب قطفر، وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة والصافات وكانت قصتهما على ما حكى عبد الله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراساني قال: كانا رجلين شركين لهما ثمانية آلاف دينار وقيل كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضاً بألف دينار فقال صاحبه: اللهمّ إنّ فلاناً قد اشترى أرضاً بألف دينار وإني مشتر منك أرضاً في الجنة بألف دينار فتصدّق بها، ثم إن صاحبه بنى داراً بألف دينار فقال صاحبه: اللهمّ إنّ فلاناً بنى داراً بألف دينار وإني اشتريت منك داراً في الجنة بألف دينار فتصدّق بها، ثم تزوّج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال هذا: اللهمّ إني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار فتصدّق بها ثم إنّ صاحبه اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال هذا: اللهمّ إني أشتري خدماً ومتاعاً من الجنة بألف دينار فتصدّق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مرّ به في حشمه فقام إليه فنظر إليه الآخر فعرفه فقال له: فلان؟ قال: نعم. قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك فأتيت لتعينني بخير قال: فما فعل مالك وقد اقتسمنا مالاً وأخذت شطره فقص عليه قصته فقال: وإنك لمن المصدّقين بهذا إذهب فلا أعطيك شيئاً فطرده. وروي أنه لما أتاه أخذ بيده فجعل يطوف به ويريه أموال نفسه فنزل فيهما {واضرب لهم مثلاً رجلين} ، أي: اذكر لهم خبر رجلين؛ {جعلنا لأحدهما جنتين} ، أي: بسانين يسر ما فيهما من الأشجار من يدخلهما {من أعناب} لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها، ثم إنه تعالى وصف الجنتين بصفات الصفة الأولى قوله تعالى: {وحففناهما} ، أي: اطفناهما من جوانبهما {بنخل} لأنها من أشجار البلاد الحارّة، وتصبر على الحرور بما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخلّ، فكان النخل كالأكليل من وراء العنب. تنبيه: الحفاف الجانب وجمعه أحفة يقال: أحف به القوم، أي: أطافوا بجوانبه. الصفة الثانية قوله تعالى: {وجعلنا بينهما} ، أي: أرضي الجنتين {زرعاً} لبعد شمول الآفة للكل لأنّ زمان الزرع ومكانه غير زمان ثمار الشجر ومكانه وذلك هو العمدة في القوت فكانت الجنتان أرضاً جامعة لخير الفاكهة وأفضل الأقوات وعمارتهما متواصلة
متشابكة لم يتوسطها ما يقطعهما ويفصل بينهما مع سعة الأطراف وتباعد الأكتاف وحسن الهيئات والأوصاف. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {كلتا} ، أي: كل واحدة من {الجنتين} المذكورتين {آتت أكلها} ، أي: ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب كاملاً غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة وهو بمعنى {ولم تظلم} ، أي: ولم تنقص {منه شيئاً} يعهد في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالباً والظلم النقصان تقول الرجل ظلمني حقي أي نقصني. تنبيه: كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان وكلتا اسم مفرد ومعرفة يؤكد به مؤنثان معرفتان وإنما إذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك ورأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك وجاءني كلتا أختيك ورأيت كلتا أختيك ومررت بكلتا أختيك. وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف وفي الجرّ والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً فقوله تعالى: {آتت أكلها} حمل على اللفظ لأنّ كلتا لفظ مفرد ولو قيل آتتا على المعنى لجاز. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وفجرنا خلالهما نهراً} ، أي: وسطهما وبينهما ومنه قوله تعالى: {ولأوضعوا خلالكم} (التوبة، 47) ومنه يقال خللت القوم، أي: دخلت القوم وذلك ليدوم شربهما ويستغنيا عن المطر عند القحط ويزيد بهاؤهما. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وكان له} ، أي: صاحب الجنتين {ثمر} ، أي: أنواع من المال سوى الجنتين قال ابن عباس: من ذهب وفضة وغير ذلك من أثمر ماله إذا كثر وعن مجاهد الذهب والفضة خاصة، أي: كان مع الجنتين أشياء من الأموال ليكون متمكناً من العمار بالأعوان والآلات وجميع ما يريد وقرأ أبو عمرو وثمر هنا وثمره الآتي بسكون الميم فيهما بعد ضم الثاء المثلثة، وقرأ عاصم بفتح المثلثة والميم فيهما والباقون بضم المثلثة والميم فيهما ذكر أهل اللغة أنّ الضم أنواع المال من الذهب والفضة وغيرهما وبالفتح حمل الشجر قال قطرب: وكان أبو عمرو بن العلاء يقول الثمر المال والولد وأنشد للحرث بن حلزة: *ولقد رأيت معاشراً ... قد أثمروا مالاً وولدا وقال النابغة: *مهلاً فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد {فقال} ، أي: هذا الكافر {لصاحبه} ، أي: المسلم المجعول مثلاً للفقراء المؤمنين {وهو} ، أي: صاحب الجنتين {يحاوره} ، أي: يراجعه الكلام من حار يحور إذا رجع افتخاراً عليه وتقبيحاً لحاله بالنسبة إليه والمسلم يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا {أنا أكثر منك مالاً} لما ترى من جناتي وثماري، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بالقصر هذا في الوصل، وأمّا في الوقف فبالألف للجميع، وسكن قالون وأبو عمرو والكسائي هاء وهو وضمها الباقون ورقق ورش راء يحاوره {وأعز نفراً} ، أي: ناساً يقومون معي في المهمات وينفعون عند الضرورات لأنّ ذلك لازم لكثرة المال غالباً وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم فإنّ ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه. {ودخل جنته} بصاحبه يطوف به فيها ويفاخرهُ بها وأفرد الجنة لإرادة الجنس ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة وإشارة
إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظّ له في الآخرة {وهو} ، أي: والحال أنه {ظالم لنفسه} لاعتماده على ماله والإعراض عن ربه، ثم استأنف بيان ظلمه بقوله تعالى: {قال ما أظنّ أن تبيد} ، أي: تنعدم {هذه} ، أي: الجنة {أبداً} لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بجهله ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فأنكر البعث بقوله: {وما أظنّ الساعة قائمة} ، أي: كائنة استلذاذاً بما هو فيه وإخلاداً إليه واعتماداً عليه وقوله: {ولئن رددت إلى ربي} المحسن إليّ في هذه الدار في الساعة إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وعلى ما يزعم صاحبه أنّ الساعة قائمة {لأجدنّ خيراً منها} ، أي: من هذه الجنة {منقلباً} ، أي: مرجعاً لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها قال ذلك طمعاً وتمنياً على الله وادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه كقوله: أنّ لي عنده الحسنى لأوتين مالاً وولداً. {قال له صاحبه} ، أي: المؤمن {وهو} ، أي: والحال أنّ ذلك الصاحب {يحاوره} ، أي: يراجعه منكراً عليه {أكفرت بالذي خلقك من تراب} ، أي: خلق أصلك آدم من تراب لأنّ خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقاً له {ثم من نطفة} متولدة من أغذية أصلها تراب هي مادّتك القريبة {ثم سوّاك} ، أي: عدلك بعد أن أولدك وطورك في أطوار النشأة {رجلاً} ، أي: كملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال جعل كفره بالبعث كفراً بالله تعالى لأنّ منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى ولذلك ترتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإنّ من قدر على بدء خلقه مرّة قدر على أن يعيده منه، ولما أنكر على صاحبه أخبر عن اعتقاده بما يضاد اعتقاد صاحبه، فقال مؤكداً لأجل إنكار صاحبه مستدركاً لأجل كفرانه. {لكنا} أصله لكن أنا نقلت حركة الهمزة إلى النون وحذفت الهمزة ثم أدغمت النون في مثلها كما قال القائل: *وترمينني بالطرف، أي: أنت مذنب ... وتقلينني لكنّ إياك لا أقلي أي لكن أنا لا أقليك. ولما كان سبحانه وتعالى لا شيء أظهر منه ولا شيء أبطن منه أشار إلى ذلك جميعاً بإضماره قبل الذكر فقال: {هو} ، أي: الظاهر أتم ظهور فلا يخفى أصلاً ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك {الله} ، أي: المحيط بصفات الكمال {ربي} وحده لم يحسن إليّ خلقاً ورزقاً أحد غيره وهذا اعتقادي في الماضي والحال. وقرأ ابن عامر بإثبات الألف بعد النون وقفاً ووصلاً لاتباع المرسوم والباقون بإثبات الألف بعد النون وقفاً وحذفها وصلاً. فإن قيل: قوله لكنا استدراك لماذا؟ أجيب: بأنه لقوله {أكفرت} فكأنه قال لأخيه: أكفرت بالله لكني مؤمن موحد، كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر. وذكر القفال في قول المؤمن: {ولا أشرك بربي} ، أي: المحسن إليّ في عبادتي {أحداً} وجوهاً أحدها: أني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى وأصبر إذا ابتلى، ولا أكفر عندما ينعم عليّ ولا أرى كثرة الأموال والأعوان من نفسي وذلك لأنّ الكافر لما اغتر بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى. وثانيها: لعل ذلك الكافر مع كونه منكراً للبعث كان عابد صنم فبيّن هذا
المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء. وثالثها: أنّ هذا الكافر لما عجز الله تعالى عن البعث والحشر فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر: {ولولا إذ} ، أي: وهلا حين {دخلت جنتك قلت} عند إعجابك بها ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى وهو {ما شاء الله} ، أي: الأمر ما شاء الله أو ما شاء الله كائن على أنّ ما موصولة، أي: وأي شيء شاء الله كان على أنها شرطية والجواب محذوف، أي: إقراراً بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أهلكها، وقرأ ابن ذكوان وحمزة بالإمالة والباقون بالفتح وإذا وقف حمزة وهشام على شاء أبدل الهمزة ألفاً مع المدّ والتوسط والقصر، وأظهر إذ عند الدال نافع وابن كثير وعاصم والباقون بالإدغام وهلا قلت: {لا قوّة إلا بالله} اعترافاً بالعجز على نفسك والقدرة لله وأنّ ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها فبمعونة الله تعالى وإقداره أو لا يقوى أحد في بدنه ولا في غير ذلك إلا بالله. وفي الحديث «من أعطى خيراً من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوّة إلا بالله لم ير فيه مكروهاً» ثم إنّ المؤمن لما أعلم الكافر بالإيمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفس فقال: {إن ترني أنا أقلّ منك مالاً وولداً} أي: من جهة المال والولد، ويحتمل أن يكون أنا فصلاً وأن يكون تأكيداً للمفعول الأوّل. وقرأ قالون وأبو عمرو بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً، وابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً، والباقون بالحذف وقفاً ووصلاً وقوله تعالى: {فعسى ربي} ، أي: المحسن إليّ {أن يؤتيني} من خزائن رزقه {خيراً من جنتك} إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة لإيماني جواب الشرط {ويرسل عليها} ، أي: جنتك {حسباناً} جمع حسبانة، أي: صواعق {من السماء فتصبح} بعد كونها قرّة للعين بما تهتز به من الأشجار والزروع {صعيداً زلقاً} ، أي: أرضاً ملساء باستئصال بنيانها وأشجارها فلا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم وقوله: {أو يصبح ماؤها غوراً} ، أي: غائراً في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء مصدر وصف به كالزلق {فلن تستطيع} أنت {له} ، أي: للماء الغائر {طلباً} يصير بحيث لا تقدر على ردّه إلى موضعه، ثم إنه أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدّره هذا المؤمن فقال: {وأحيط} ، أي: وقعت الإحاطة بالهلاك وبني للمفعول لأنّ النكد حاصل بإحاطة الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص والدلالة على سهولته {بثمره} ، أي: الرجل المشرك كله واستؤصل هالكاً ما في السهل منه وما في الجبل وما يصبر منه على البرد والحر وما لا يصبر. قال بعض المفسرين: إنّ الله تعالى أرسل عليها ناراً فأهلكتها وغار ماؤها {فأصبح يقلب كفيه} ندماً ويضرب أحداهما على الأخرى تحسراً فتقلب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأنّ النادم يقلب كفيه ظهراً لبطن كما يكنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد لأنه في معنى الندم فعدى تعديته كأنه قيل فأصبح يندم {على ما أنفق فيها} ، أي: في عمارتها ونمائها {وهي خاوية} ، أي: ساقطة {على عروشها} ، أي: دعائمها التي كانت تحتها فسقطت على الأرض وسقطت هي فوقها. وقوله تعالى: {ويقول} عطف على يقلب أو حال من ضميره {يا} للتنبيه {ليتني} تمنياً لرد ما فاته لحيرته وذهول عقله ودهشته وعدم اعتماده على الله تعالى من غير إشراك بالاعتماد على الفاني {لم أشرك بربي
أحداً} كما قال له صاحبه فندم حيث لا ينفعه الندم على ما فرّط في الماضي لأجل ما فاته على الدنيا لا حرصاً على الإيمان لحصول الفوز في العقبى لقصور عقله ووقوفه مع المحسوسات المشاهدة. فإن قيل: إنّ هذا الكلام يوهم أن جنته إنما هلكت بشؤم شركه وليس مراداً لأنّ أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون} (الزخرف، 33) . وقال صلى الله عليه وسلم «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» . وأيضاً لما قال: {يا ليتني لم أشرك بربي أحداً} فقد ندم على الشرك ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمناً فلم قال تعالى بعده: {ولم تكن له فئة} ، أي: جماعة من نفره الذين اغتر بهم ولا من غيرهم {ينصرونه} مما وقع فيه {من دون الله} عند هلاكها {وما كان} هو {منتصراً} بنفسه بل ليس الأمر في ذلك إلا لله وحده. أجيب: عن الأوّل بأنه لما عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضاً في عمره كله عن طلب الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي محروماً من الدنيا والدين، وعن الثاني بأنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحداً غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب في ذلك لأجل طلب الدنيا فلذلك لم يقبل الله توحيده. وقرأ حمزة والكسائي يكن بالتحتيتة على التذكير والباقون بالفوقية على التأنيث. ولما أنتج هذا المثل قطعاً أنه لا أمر لغير الله تعالى المرجو لنصر أوليائه بعد ذلهم ولإغنائهم بعد فقرهم ولإذلال أعدائهم بعد عزهم وكبرهم وإفقارهم بعد إغنائهم وحده وإن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له، صرّح بذلك في قوله تعالى: {هنالك} ، أي: في مثل هذه الشدائد العظيمة {الولاية لله} ، أي: الذي له الكمال كله، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الواو وأي الملك والباقون بفتحها، أي: النصرة وقوله تعالى: {الحق} قرأه أبو عمرو والكسائي برفع القاف على الاستئناف والقطع تعليلاً تنبيهاً على أنّ فزعهم في مثل هذه الأزمان إليه تعالى دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل وأنّ الفخر بالعرض الزائل من أجهل الجهل، وأنّ المؤمنين لا يصيبهم فقر ولا يسوغ طردهم لأجله وأنه يوشك أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوّة وقرأه الباقون بخفضها على الوصف، أي: الثابت الذي لا يحول يوماً ولا يزول ولا يغفل ساعة ولا ينام ولا ولاية لغيره بوجه {هو خير ثواباً} من ثواب غيره لو كان يثيب {وخير عقباً} ، أي: عاقبة للمؤمنين، وقرأ عاصم وحمزة بسكون القاف والباقون بضمها ونصب على التمييز. ولما تمّ المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أنظرتهم فكانت سبباً لشقاوتهم وهم يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامّة لجميع الناس في قلة ثوابها وسرعة فنائها وأنّ من تكبر كان أخس منها فقال: {واضرب} ، أي: صير {لهم} ، أي: لهؤلاء الكفار المغترّين بالعرض الفاني المفتخرين بكثرة ذكر الأموال والأولاد وعزة النفر. وقوله تعالى: {مثل الحياة الدنيا} مفعول أوّل ثم ذكر المثل بقوله تعالى: {كماء} وهو المفعول الثاني {أنزلناه} بعظمتنا وقدرتنا وقال تعالى: {من السماء} تنبيهاً على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة {فاختلط} ، أي: فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط {به نبات الأرض} ، أي: التف بسببه حتى
خالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه كما قال تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} (الحج، 5) . وقيل: اختلط ذلك الماء بالنبات حتى روى واهتز ونما وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته ثم إذا انقطع ذلك بالمطر مدّة جف ذلك النبات {فأصبح هشيماً} أي يابساً متفرّقة أجزاؤه {تذروه} ، أي: تنثره وتفرّقه {الرياح} فتذهب به والمعنى أنه تعالى شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرّقته الرياح حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن وقرأ حمزة والكسائي بالتوحيد والباقون بالجمع {وكان الله} ، أي: المختص بصفات الكمال {على كل شيء} من دون ذلك وغيره إنشاءً وإفناءً وإعادةً. {مقتدراً} أزلاً وأبداً بتكوينه اوّلا وتنميته وسطاً وإبطاله آخراً فأحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أوّلاً في غاية الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلاً قليلاً ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن ينتهي إلى الهلاك والفناء ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به. تنبيه: قوله تعالى: {فأصبح} يجوز أن يكون على بابه فإنّ أكثر ما يطرق من الآفات صباحاً كقوله تعالى: {فأصبح يقلب كفيه} ويجوز أن يكون بمعنى صار من غير تقييد كقول القائل: *أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا ولما بيّن سبحانه وتعالى أنّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال والبوار والفناء بيّن بقوله تعالى: {س18ش46/ش48 الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحياةِ الدُّنْيَا? وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَ? * وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى ا?رْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا? عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة?? بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا} {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} إدخال هذا الجزئيّ تحت هذا الكلي فينعقد به قياس بين الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا ولما كانت زينة الحياة الدنيا سريعة الانقضاء والانقراض أنتج إنتاجاً بديهياً أنّ المال والبنون سريع الانقضاء والانقراض وما كان كذلك فإنه ينتج بالعقل أن لا يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له في نظره وزناً وهذا برهان ظاهر باهر على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال. ثم ذكر تعالى ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال: {والباقيات الصالحات خير} ، أي: من الزينة الفانية لأنّ خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة لا سيما وقد ثبت أنّ خيرات الدنيا حقيرة خسيسة وأنّ خيرات الآخرة رفيعة شريفة. والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالاً أحدها أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وزاد بعضهم ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وللغزالي في تفسير وجه لطيف فقال: روي أنّ من قال: سبحان الله حصل له من الثواب عشر حسنات فإذا قال: الحمد لله صارت عشرين فإذا قال: ولا إله إلا الله صارت ثلاثين فإذا قال: والله أكبر صارت أربعين وتحقيق القول فيه أنّ مراتب الثواب أعظمها هو الاستغراق في معرفة الله تعالى وفي محبته فإذا قال: سبحان الله فقد عرف كونه تعالى منزهاً عن كل ما لا يليق به وكل ما لا ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك الحمد لله فقد أقرّ بأنّ الحق سبحانه وتعالى مع كونه منزهاً عن كل ما لا ينبغي فهو المبتدئ لكل ما ينبغي ولإفاضة كل
فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا بمضاعفة الثواب فإذا قال مع ذلك: لا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي وهو المبتدئ لكل ما ينبغي ليس في الوجود موجود هكذا إلا هو الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فإذا قال العبد: والله أكبر فمعنى أنه أكبر أنه أعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة فلا جرم صارت درجات الثواب أربعة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس» . وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هنّ يا رسول الله قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله» ، ثانيها أنها الصلاة الخمس، ثالثها أنها الطيب من القول، رابعها وهو أعمها، وأولاها أنها أعمال الخيرات التي تبقى ثمراتها أبد الآباد فيندرج في ذلك الصلاة وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله والكلام الطيب وغير ذلك من كل عمل وقول دعاك لمحبة الله تعالى ومعرفته وخدمته، وأما ما دعاك من قول أو عمل إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك لأن كل ما سوى الحق فهو فانٍ لذاته فكان الاشتغال به والانفاق عليه باطلاً وسعياً ضائعاً، وأما الحق لذاته فهو الباقي الذي لا يقبل الزوال، لا جرم كان الاشتغال بمحبته ومعرفته وطاعته وخدمته هو الذي يبقى بقاء لا يزول ولما كان أهم ما إلي من حصل البقاء ليس لكفايته بل لمن يحفظها له لوقت حاجته قال تعالى: {عند ربك} أي: الجليل المواهب العالم بالعواقب وخير من المال والبنين في العاجل والآجل {ثواباً وخير} من ذلك كله {أملاً} أي: من جملة ما يرجوه فيها من الثواب ويرجوه فيها من الأمل لأن ثوابها إلى بقاء آملها كل ساعة في تحقق وعلوّ وارتقاء وآمل المال والبنين يخان أحوج ما يكون إليهما، وعن قتادة كل ما أريد به وجه الله تعالى خير ثواباً أي: ما يتعلق بها من الثواب وما يتعلق بها من الأمل لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة. ولما بيّن سبحانه وتعالى خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وذكر منها أنواعاً النوع الأوّل قوله تعالى: {ويوم} أي: واذكر لهم يوم {نسير} بأيسر أمر {الجبال} عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما نسير نبات الأرض بعد أن صار هشيماً بالرياح كما قال تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّمرّ السحاب} (النمل، 88) تنبيه: ليس في لفظ الآية ما يدل إلى أين تسير، قال الرازي: ويحتمل أن يقال: إن الله يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك لخلقه، والحق أنّ المراد أنّ الله تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: {ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} (طه، 105، 106) ولقوله: {وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً} (الواقعة، 5، 6) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم التاء الفوقية وفتح الياء التحتية بعد السين على فعل ما لم يسم فاعله ورفع الجبال بإسناد تسير إليها كما في قوله تعالى: {وإذا الجبال سيرت} (التكوير، 3) والباقون بالنون المضمومة وكسر الياء التحتية بعد السين بإسناد فعل التسيير إليه تعالى نفسه ونصب الجبال لكونه مفعول نسير والمعنى نحن نفعل بها ذلك
اعتباراً بقوله تعالى: {وحشرناهم} والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله تعالى. النوع الثاني قوله تعالى: {وترى الأرض} بكمالها {بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها وهو المراد من قوله تعالى: {لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} (طه، 106) وقيل: إنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فإذا هي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف كما قال تعالى: {وألقت ما فيها وتخلت} (الانشقاق، 4) وقال تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} (الزلزلة، 2) . النوع الثالث قوله تعالى: {وحشرناهم} أي: الخلائق قهراً إلى الوقت الذي تنكشف فيه المخبآت وتظهر القبائح والمغيبات ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير والناقد فيه بصير {فلم نغادر} أن نترك {منهم} أي: الأوّلين والآخرين {أحداً} لأنه لا ذهول ولا عجز، ونظيره قوله تعالى: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} (الواقعة: 50، 51) فإن قيل: لم جيء فحشرناهم ماضياً بعد نسير وترى؟ أجيب: بأن ذلك يقال للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك. ولما ذكر تعالى حشرهم وكان من المعلوم أنه للعرض ذكر كيفية ذلك العرض فقال بانياً الفعل للمفعول على طريقة كلام القادرين ولأن المخوف العرض لا لكونه من معين {وعرضوا على ربك} المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك، وقوله تعالى: {صفاً} حال أي: مصطفين واختلف في تفسيره على وجوه؛ الأوّل: أن تعرض الخلق كلهم صفاً واحداً لاتساع الأرض ظاهرين لا يحجب بعضهم بعضاً، ثانيها: لا يبعد أن يكونوا صفاً يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي تكون بعضها خلف بعض وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: صفاً صفوفاً كقوله تعالى: {يخرجكم طفلاً} (غافر، 67) أي: أطفالاً، ثالثها: المراد بالصف القيام كما في قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} (الحج، 36) أي: قياماً وقيل: كل أمّة صف ويقال لهم: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أوّل مرّة} أي: فرادى حفاةً عراةً غرلاً وليس المراد حصول المساواة من كل وجه لأنهم خلقوا صغاراً ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد ما مرّ ويقال لمنكري البعث: {بل زعمتم أن} أي: أنا {لن نجعل لكم موعداً} أي: مكاناً ووقتاً نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز لكم ما وعدناكم به على ألسنة رسلنا فكنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار منكرين البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن القيامة والبعث حق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أوّل خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أوّل خلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم، قال: فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين على أعقابهم منذ فارقتهم» وفي رواية فأقول: «سحقاً سحقاً» وقوله: غرلاً أي: قلفا الغرلة القلفة التي تنقطع من جلد الذكر وهو موضع الختان وقوله: سحقاً أي: بعداً. قال بعض العلماء: المراد بهؤلاء الذين ارتدوا من العرب بعده، وعن عائشة رضي الله تعالى
عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلاً، فقلت: الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض، فقال: الأمر أشدّ من أن يهمهم ذلك» زاد النسائي في رواية لكم امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: «يحشر الناس على ثلاث طوائف راغبين راهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا» {ووضع} بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة {الكتاب} المضبوط فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بيّن لا يخفي على قارئ ولا غيره شيء منه، فيوضع كتاب كل إنسان في يده، إما في اليمن وإما في الشمال والمراد الجنس وهو صحف الأعمال {فترى المجرمين مشفقين} أي: خائفين خوف العقاب من الحق وخوف الفضيحة من الخلق {مما فيه} من قبائح أعمالهم وسيء أفعالهم وأقوالهم {ويقولون} عند معاينتهم ما فيه من السيآت وقولهم {يا} للتنبيه {ويلتنا} أي: هلكتنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك {مال هذا الكتاب} أي: أيّ شيء له حال كونه على غير حال الكتب في الدنيا {لا يغادر} أي: لا يترك {صغيرة ولا كبيرة} من ذنوبنا وقال ابن عباس الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة، وقال سعيد بن جبير الصغيرة اللمم والمسيس والقبلة والكبيرة الزنا {إلا أحصاها} أي: عدّها وأثبتها في هذا الكتاب، ونظيره قوله تعالى: {وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون} (الإنفطار: 10، 11، 12) وقوله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (الجاثية، 29) تنبيه: إدخال التاء في الصغيرة والكبيرة على تقدير أنّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة، قال بعض العلماء: احتجبوا من الصغائر قبل الكبائر لأن الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر واحترزوا من الصغائر حذراً من أن تقعوا في الكبائر، وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء هذا بعود فطبخوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات {ووجدوا ما عملوا حاضراً} أي: مثبتاً في كتابهم {ولا يظلم ربك} أي: الذي رباك بخلق القرآن {أحداً} منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب بل يجازي الأعداء بما يستحقونه تعذيباً لهم ويجازي أولياءه الذين عادوهم بما يستحقون تنعيماً لهم، روى الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر يستأذن فاستأذن عليه قال: فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته قلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله عز وجل الناس أو قال العباد حفاة عراة بهما قلت: وما بهما قال: ليس معهم شيء ثم ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عليه حق حتى أقتص منه حتى اللطمة، قال: فقلنا كيف وإنا
نأتي حفاة عراة بهما قال: بالحسنات والسيآت» وروى الرازي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحاسب الله الناس في القيامة على ملة يوسف وأيوب وسليمان فيدعوا المملوك فيقال: ما شغلك عني فيقول: جعلتني عبداً لآدمي فلم يفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك فلم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار ثم يدعو المبتلى، فإذا قال: شغلتني بالبلاء دعا أيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك من عبادتي، ثم يؤتى بالملك في الدينا مع ما آتاه الله تعالى من الغنى والسعة فيقول: ما عملت فيما آتيتك؟ فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعي سليمان فيقول: هذا عبدي آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشلغه ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك ويؤمر به إلى النار» ، وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؛ عن جسده فيم أبلاه وعن عمره فيم أفناه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه كيف عمل به» . ولما كان المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المذكورة في قوله تعالى: {وإذ} أي: واذكر إذ {قلنا للملائكة} الذين هم أطوع شيء لأوامرنا المقصود من ذكرها عين هذا المعنى وذلك لإن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين وأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد له وكيف أتواضع له، وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بمعنى هذه المعاملة فقالوا: كيف نجالس هؤلاء الفقراء مع أنّا أناس من أنساب شريفة وهم من أنساب باذلة ونحن أغنياء وهم فقراء، ذكر الله تعالى هذه القصة تنبيهاً على أن هذه الطريقة هي نفسها طريقة إبليس حين أمره الله تعالى في جملة الملائكة بقوله تعالى: {اسجدوا لآدم} سجود انحناء بلا وضع جبهة تحية له {فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} قيل: هم نوع من الملائكة فالاستثناء متصل، وقيل: هو منقطع وإبليس أبو الجن فله ذرّية ذكرت معه بعد، والملائكة لا ذرّية لهم وكرّرت هذه القصة لهذا المقصود المذكور. قال البيضاوي: وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن أي: إنما يكرّر لمناسبة ذلك المحل الذي يذكر فيه {ففسق} أي: خرج بتركه السجود {عن أمر ربه} أي: سيده ومالكه المحسن إليه والفاء للسببية وفيه دليل على أنّ الملك لا يعصي البتة ورنما عصى إبليس لأنه كان خبيثاً في أصله والكلام المستقصى فيه تقدّم في سورة البقرة ثم أنه تعالى حذر عن أتباعه بقوله تعالى: {أفتتخذونه} الخطاب لآدم وذريته والهاء هنا وفيما سيأتي لإبليس والهمزة للإنكار والتعجب أي: يفسق باستحقاركم فنطرده لأجلكم فيكون ذلك سبباً لأن تتخذوه {وذريته} شركاء لي {أولياء} لكم {من دوني} تطيعونهم بدل طاعتي وقوله تعالى: {وهم لكم عدوّ} أي: أعداء حال ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم وصل به قوله تعالى: {بئس للظالمين بدلاً} من الله إبليس وذريته، وكان الأصل لكم ولكنه أبرز الضمير ليعلق الفعل بالوصف لإفادة التعميم. روى مجاهد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوماً إذ أقبل جمال فقال: أخبروني هل لإبليس زوجة قلت: إنّ ذلك لعرس ما شهدته ثم ذكرت قوله تعالى: {أفتتخذونه
وذريته أولياء من دوني} فعلمت أن لا تكون ذرّية إلا من زوجة فقلت: نعم وقال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض البيضة فتنفلق عن جماعة من الشياطين، قال مجاهد من ذرية إبليس لاقيس وولهان وهما صاحبا الطهارة والصلاة والهفاف ومرة وبه يكنى وزلنيور وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والأيمان الكاذبة ومدح السلع ونبز وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة، ومطوس وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسم الله ولم يذكر الله دخل معه، وإذا أكل ولم يسم الله أكل معه، قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت: ارفعوا وخاصمتهم ثم اذكر فأقول داسم داسم. وعن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك شيطان يقال له خترب فإذا أحسسته فتعوّذ بالله واتفل عن يسارك ثلاثاً قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني» ، وعن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وساوس الماء» ، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت» ، قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه واختلفوا في عود الضمير في قوله تعالى: { ما أشهدتهم} على وجوه؛ أحدها وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذين اتخذوهم أولياء {خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله تعالى: {اقتلوا أنفسكم} (النساء، 66) نفى إحضار إبليس وذريته خلق السماوات والأرض وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله تعالى: {وما كنت متخذ المضلين} أي: الذين يضلون الناس ووضع الظاهر موضع المضمر إظهاراً لإضلالهم وذمّاً لهم {عضداً} أي: أعواناً، وثانيها قال الرازي: وهو الأقوى عندي إن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء من عندك فلا تؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة بل هم قوم كسائر الخلق فلم أقدموا على الاقتراح الفاسد قال: والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات فالأقرب في هذه الآية هو أولئك الكفار وهو قوله تعالى: {بئس للظالمين بدلاً} والمراد بالظالمين أولئك الكفار، وثالثها أن يكون المراد من قوله ما أشهدتهم إلى آخره دون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته والشقي من حكم الله بشقاوته
في الأزل وأنتم غافلون عن أحوال الأزل فإنه تعالى قال: ما أشهدتهم إلى آخره وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلوّ والكمال ولغيركم بالذل والدناءة بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس مما حكمتم به. ولما قرّر تعالى أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء اقتدوا فيه بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأهوال القيامة فقال: {ويوم} التقدير واذكر لهم يا محمد يوم عطفاً على قوله وإذ قلنا للملائكة {يقول} أي: الله يوم القيامة لهؤلاء الكفار تهكماً بهم وقرأ حمزة بالنون والباقون بالياء {نادوا شركائي} أي: ما عبد من دوني وقيل: إبليس وذرّيته ثم بيّن تعالى أن الإضافة ليست على حقيقتها بل توبيخ لهم فقال تعالى: {الذين زعمتم} أنهم شركائي أو شفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي {فدعوهم} تمادياً في الجهل والضلال {فلم يستجيبوا لهم} أي: فلم يغيثوهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم {وجعلنا بينهم} أي: المشركين والشركاء {موبقاً} أي: وادياً من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً، وهو من وبق بالفتح هلك، نقل ابن كثير عن عبد الله بن عمر أنه قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلال، وقال الحسن البصري: عداوة أي: يؤل بهم إلى الهلاك والتلف كقول عمر رضي الله تعالى عنه: لا يكون حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً أي: لا يكن حبك يجر إلى الكلف ولا بغضك يجر إلى التلف، وقيل: الموبق البرزخ البعيد أي: وجعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً يهلك فيه الساري لفرط بعده لأنهم في قعر جهم وهم في أعلى الجنان. ولما قرر سبحانه وتعالى ما لهم مع شركائهم ذكر حالهم في استمرار جهلهم فقال تعالى: {ورأى المجرمون} أي: العريقون في الإجرام {النار} من مكان بعيد {فظنوا} ظناً {أنهم مواقعوها} أي: مخالطوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة لشدّة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها كما قال تعالى: {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً} (الفرقان، 12) فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامّة يقال لها: مواقعة {ولم} أي: والحال أنهم لم {يجدوا عنها مصرفاً} أي: مكاناً ينصرفون إليه لأن الملائكة تسوقهم إليها والموضع موضع التحقق ولكن ظنهم جرياً على عادتهم في الجهل كما قالوا: اتخذوا الله ولداً بغير علم وما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة إن نظنّ إلا ظناً وما نحن بمستيقنين مع قيام الأدلة التي لا شك فيها، وقيل: الظن هنا بمعنى العلم واليقين. ولما افتخر هؤلاء الكفار على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم وبيّن الله تعالى الوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبههم باطلة ذكر فيه المثلين المتقدّمين ثم قال بعده: {ولقد صرّفنا} وأظهر نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم الدال وأدغمها الباقون {في هذا القرآن} أي: القيم الذي لا عوج فيه مع جمعه للمعاني {للناس} أي: المزلزلين والثابتين وقوله: {من كل مثل} صفة لمحذوف أي: مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا أو أنّا حولنا الكلام وصرّفناه في كل وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة والأساليب المتناسقة ما صار بها في غرابته كالمثل يقبله كل من سمعه وتضرب به آباط الأبل في سائر البلاد بين العباد فتسر به قلوبهم وتلهج به ألسنتهم فلم يقبلوه ولم يتركوا المجادلة الباطلة كما قال تعالى: {وكان الإنسان أكثر شيء} يتأتى منه الجدال
وميز الأكثرية بقوله تعالى: {جدلاً} أي: خصومة، قال بعض المحققين والآية دالة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جادلوهم في الدين لأنّ المجادلة لا تحصل إلا من الطرفين ولهذا قيل: أراد بالإنسان الكافر، وقيل الآية على العموم، قال ابن الخازن: وهو الأصح وكذا قال البغوي فعن عليّ رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنها ليلة فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً، وقال ابن عباس أراد النضر بن الحارث وجداً له في القرآن، وقال الكلبي: أراد به خلفاً الجمحي. ولما بيّن سبحانه وتعالى إعراضهم بيّن موجبه عندهم فقال تعالى: {وما منع الناس} أي: الذين جادلوا بالباطل الإيمان هكذا كان الأصل ولكنه عبر عن هذا المفعول الثاني بقوله: {أن يؤمنوا} ليفيد التجديد وذمّهم على الترك {إذ} أي: حين {جاءهم الهدى} أي: القرآن على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وعطف على المفعول الثاني معبراً بمثل ما مضى لما مضى قوله تعالى: {ويستغفروا ربهم} أي: لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة. ولما كان الاستثناء مفرغاً أتى بالفاعل فقال: {إلا أن} أي: طلب أن {تأتيهم سنة الأوّلين} أي: سنتنا فيهم وهي الإهلاك المقدّر عليهم {أو} طلب أن {يأتيهم العذاب قبلاً} أي: مقابلة وعياناً وهو القتل يوم بدر، وقيل عذاب الآخرة وقرأ الكوفيون برفع القاف والباء الموحدة والباقون بكسر القاف وفتح الباء الموحدة. ولما كان ذلك ليس إلى الرسول وإنما هو إلى الله تعالى نبه بقوله تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} بالثواب على أفعال الطاعة {ومنذرين} بالعقاب على أفعال المعصية فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم {ويجادل الذين كفروا} أي: يجدّدون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا {بالباطل} من قولهم ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو كنتم صادقين لأتيتم بما يطلب منكم مع أن ذلك ليس كذلك إذ ليس لأحد غير الله من الأمر شيء {ليدحضوا به} أي: ليبطلوا بجدالهم {الحق} أي: القرآن والمعجزات المثبتة لصدقهم {واتخذوا آياتي} أي: القرآن {وما أنذروا} أي: وإنذارهم أو والذي أنذروا به من العقاب {هزوا} أي: استهزاء وقرأ حفص بالواو وقفاً ووصلاً وحمزة بالواو ووقفاً لا وصلاً وسكن الزاي حمزة ورفعها الباقون ولحمزة في الوقف أيضاً النقل. ولما حكى الله تعالى عن الكفار أحوالهم الخبيثة وصفهم بما يوجب الخزي بقوله تعالى: {ومن أظلم} أي: لا أحد أظلم وهو استفهام على سبيل التقرير {ممن ذكر بآيات ربه} أي: المحسن إليه بها وهي القرآن {فأعرض عنها} تاركاً لما يعرف من تلك العلامات العجيبة وما يوجب ذلك الإحسان من الشاكر {ونسي ما قدّمت يداه} من الكفر والمعاصي فلم يتفكر في عاقبتها ثم علل تعالى ذلك الإعراض بقوله تعالى: {أنا جعلنا على قلوبهم} فجمع رجوعاً إلى أسلوب واتخذوا آياتي لأنه أنص على ذم كل واحد {أكنة} أي: أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا يدع شيئاً من الخير يصل إليها فهي لا تعي شيئاً من آياتنا، ودلّ تذكير الضمير وإفراده على أنّ المراد بالآيات
القرآن فقال: {أن} أي: كراهة أن {يفقهوه} أي: يفهموه {وفي آذانهم وقراً} أي: ثقلاً فهم لا يسمعون حق السمع ولا يعون حق الوعي {وإن تدعهم} أي: تكرّر دعاءهم كل وقت {إلى الهدى} لتنجيهم بما عندك من الحرص والجد على ذلك {فلن يهتدوا} أي: بسبب دعائك {إذا} أي: إذا دعوتهم {أبداً} لأن الله تعالى حكم عليهم بالضلال فلا يقع منهم إيمان ثم قال تعالى: {وربك} مشيراً بهذا الاسم إلى ما اقتضاه حال الوصف من الإحسان {الغفور} أي: البليغ المغفرة الذي يستر الذنوب إمّا بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت آخر {ذو الرحمة} أي: الموصوف بالرحمة الذي يعامل وهو قادر مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام، ثم استشهد تعالى على ذلك بقوله تعالى: {لو يؤاخذهم} أي: هؤلاء الذين عادوك وهو عالم أنهم لا يؤمنون أو يعاملهم معاملة المؤاخذة {بما كسبوا} من الذنوب {لعجل لهم العذاب} أي: في الدنيا {بل لهم موعد} وهو إمّا يوم القيامة وإمّا في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح {لن يجدوا من دونه} أي: الموعد {موئلاً} أي: ملجأ ينجيهم منه فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأوّل ظلمهم وآخره وقوله تعالى: {وتلك} مبتدأ وقوله تعالى: {القرى} أي: الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم صفته لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر {أهلكناهم} والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم {لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً} أي: وقتاً معلوماً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، وقرأ شعبة بفتح الميم واللام أي: لهلاكهم، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام والباقون بضم الميم وفتح اللام أي: لإهلاكهم، ثم عطف سبحانه وتعالى على قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة} (الكهف، 50) {وإذ} أي: واذكر لهم حين {قال موسى لفتاه} يوشع بن نون بن افراثيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام وإنما قال فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ منه العلم وقيل فتاه عبده، وفي الحديث: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي» . تنبيه: أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة، وعن كعب الأحبار أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب وهو قد كان نبياً قبل موسى بن عمران، قال البغوي: والأول أصح واحتج له القفال بأن الله تعالى لم يذكر في كتابه موسى إلا أراد به صاحب التوراة فاطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المراد شخصاً آخر يسمى موسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة كما أنه لما كان المشهور في العرف عن أبي حنيفة هذا الرجل المعين، فلو ذكرنا هذا الاسم وأردنا به رجلاً سواه لقيدناه مثل أن نقول: قال أبو حنيفة الدينوري: وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدوّ الله ونوف البكالي هو نوف بن فضالة الحميريّ الشامي البكالي، ويقال: إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب الأحبار نقله ابن كثير، وحجة الذين قالوا: موسى هذا غير صاحب التوراة أنه يقال بعد أن أنزل عليه التوراة وكلمه بلا واسطة وخصه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكبر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التعلم
والاستفادة وأجيب: بأنه لا يبعد أن يكون العالم الكامل في كثرة العلوم يجهل بعض العلوم فيحتاج في تعلمها إلى من هو دونه وهو أمر متعارف. روى البخاري حديث أن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي: الناس أعلم قال: أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله تعالى إليه أنّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك قال: يا رب فكيف لي به قال: تأخذ حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثم قال: {لا أبرح} أي: لا أزال أسير في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله {حتى أبلغ مجمع البحرين} أي: ملتقى بحر الروم وبحر فارس ممايلي الشرق قاله قتادة أي: المكان الجامع لذلك فألقاه هناك {أو أمضي حقباً} أي: دهراً طويلاً في بلوغه إن لم أظفر به بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعد إليّ في لقائه والحقب، قال في «القاموس» ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة والسنون انتهى فسارا وتزوّدا حوتاً مشوياً في مكتل كما أمر به فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع كما قال تعالى: {فلما بلغا مجمع بينهما} أي: بين البحرين قال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني وناما واضطرب الحوت في المكتل وخرج وسقط في البحر فلما استيقظا {نسيا حوتهما} أي: نسي يوشع حمله عند الرحيل ونسي موسى عليه السلام تذكيره وقيل: الناسي يوشع فقط وهو على حذف مضاف أي: نسي أحدهما كقوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن، 22) {فاتخذ} الحوت {سبيله في البحر} أي: جعله بجعل الله {سرباً} أي: مثل السرب وهو الشق الطويل لا نفاذ له وذلك أنّ الله تعالى أمسك عن الحوت جري الماء فانجاب عنه فبقي كالكوة لم يلتئم وجمد ما تحته، وقد ورد في حديثه في الصحيح أنّ الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء فصار طاقاً لا يلتئم وكأنّ المجمع كان ممتداً فظن عليه السلام أنّ المطلوب أمامه أو ظنّ المراد مجمع البحرين آخراً فسارا {فلما جاوزا} ذلك المكان بالسير بقية يومهما وليلتهما واستمرّا إلى وقت الغداء من ثاني يوم {قال} موسى عليه السلام {لفتاه آتنا} أي: أحضر لنا {غداءنا} وهو ما يؤكل أوّل النهار لنقوى به على ما حصل لنا من الإعياء ولذلك وصل به قوله: {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} أي: تعباً ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله تعالى به فقوله هذا إشارة إلى السفر الذي وقع بعد مجاوزتهما الموعد أو مجمع البحرين ونصبا مفعول بلقينا {قال} له فتاه {أرأيت} أي: ما دهاني وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي هي عين الكلمة ولورش وجه آخر وهو إبدالها حرف مدّ وأسقطها الكسائي والباقون بالتحقيق {إذ أوينا إلى الصخرة} التي بمجمع البحرين {فإني نسيت الحوت} أي: نسيت أن أذكر لك أمره ثم علل عدم ذكره بقوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان} بوسواسه، وقرأ حفص بضم الهاء وأمال الألف الكسائي محضة وورش بين بين وبالفتح والباقون بالفتح وقوله: {أن أذكره} لك في محل نصب على البدل من هاء أنسانيه بدل اشتمال أي: أنساني ذكره {واتخذ سبيله} أي: طريقه الذي ذهب فيه {في البحر عجباً} وهو كونه كالسرب معجزة لموسى أو الخضر وذكره له الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا النسيان ليس مفوتاً لطاعة بل فيه ترقية لهما في معراج المقامات العالية لوجدان التعب بعد
المكان الذي فيه البغية وحفظ الماء منجاباً على طول الزمان وغير ذلك من الآيات الظاهرة وقوله تعالى: {إنما سلطانه على الذين يتولونه} (النحل، 100) مبين، أن السلطان الحمل على المعاصي وقوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد كان في هذه القصة خوارق منها حياة الحوت ومنها إيجاد ما كان أكل منه ومنها إمساك الماء عن مدخله وقد اتفق لنبينا صلى الله عليه وسلم نفسه وأتباعه ببركته مثل ذلك، أمّا إعادة ما أكل من الحوت المشوي وهو جنبه، فقد روى البيهقي في أواخر دلائل النبوّة عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه «أنه صلى الله عليه وسلم أتي بشاة مشوية فقال لبعض أصحابه: «ناولني ذراعها» وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدّمها ثم قال: «ناولني ذراعها» فناوله ثم قال: «ناولني ذراعها» فقال: يا رسول الله إنما هما ذراعان وقد ناولتك فقال صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لو سكت ما زلت تناولني ذراعاً ما قلت لك ناولني ذراعاً» فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو سكت أوجد الله تعالى ذراعاً ثم ذراعاً وهكذا، وأمّا حياة الحوت المشوي ففي قصة الشاة المشوية المسمومة أنّ ذراعها أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسموم فهذا أعظم من عود الحياة من غير نطق وكذا حنين الجذع وتسليم الحجر وتسبيح الحصى ونحو ذلك أعظم من عود الحياة إلى ما كان حياً. وروى البيهقي في «الدلائل» عن عمرو بن سواد قال: قال الشافعي: ما أعطى الله تعالى نبياً ما أعطى محمداً صلى الله عليه وسلم قلت: أعطى عيسى عليه السلام إحياء الموتى، فقال: أعطى محمد صلى الله عليه وسلم إحياء الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حين هيئ له المنبر وحنّ الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك انتهى، وقد ورد أشياء كثيرة من إحياء الموتى له صلى الله عليه وسلم ولبعض أمّته، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة ومعها ابن لها فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياماً ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه فلما أردنا أن نغسله قال: «ائت أمّه فأعلمها» فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك تطوّعاً وخلعت الأوثان زهداً وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ما انقضى كلام المرأة حتى حرّك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله رسول صلى الله عليه وسلم وحتى هلكت أمّه، وأمّا آية الماء فمرجعها إلى صلابته ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام بعد الانخراق وبين جموده وصلابته بالامتناع من الانخراق، وقد جهز عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جيشاً واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي فحصل لهم حرّ شديد وجهدهم العطش، قال بعض الجيش: فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مدّ يده وما نرى في السماء شيئاً فوالله ما حط يده حتى بعث الله تعالى ريحاً وأنشأ سحاباً فأفرغت حتى ملأت القدور والشعاب فشربنا وسقينا واستقينا ثم أتينا عدوّنا وقد جاوزنا خليجاً في البحر إلى جزيرة فوقف على الخليج وقال: «يا عليّ يا عظيم يا حليم يا كريم» ثم قال: «أجيزوا بسم الله» فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا فأصبنا العدوّ عليه فقتلنا وأسرنا
وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا وما بل الماء حوافر دوابنا والأخبار في ذلك كثيرة. ولما قال فتاه ذلك كأنه قيل فما قال موسى عليه السلام حينئذٍ؟ {قال} له {ذلك} أي: الأمر العظيم من فقد الحوت {ما كنا نبغ} أي: نريد من هذا الأمر المغيب عنا فإن الله تعالى جعله موعداً في لقاء الخضر، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء وصلا لا وقفاً وابن كثير يثبتها وصلاً ووقفاً والباقون بالحذف {فارتدّا على آثارهما} أي: فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصانها {قصصاً} أي: يتبعان أثرهما إتباعاً أو مقتصين حتى يأتيا الصخرة، قال البقاعي: يدل على أنّ الأرض كانت رملاً لا علم فيها فالظاهر والله أعلم أنه مجمع النيل والملح عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركب في سفينته للتعدية كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح ومن المشهور في بلاد رشيد أنّ الأمر كان عندهم وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: إنه من نسل تلك السمكة والله أعلم انتهى. وتقدم عن قتادة أنه ملتقى بحر فارس والروم، وقال محمد بن كعب طنجة، وقال أبيّ بن كعب: إفريقية، وقيل: البحران موسى والخضر لأنهما كانا بحري علم، قال ابن عادل: وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح في الخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه انتهى. ثم استمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت {فوجدا عبداً من عبادنا} مضافاً إلى حضرة عظمتنا قيل: كان ملكاً من الملائكة والصحيح الذي جاء في التواريخ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس، قيل: كان من بني إسرائيل وقيل: من أبناء الملوك الذين تنزهوا وتركوا الدنيا، والخضر لقب سمي بذلك لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء والفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة، وقيل: سمي خضراً لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله، روي أن موسى عليه السلام رأى الخضر مسجى موكأ فسلم عليه فقال الخضر: وأني بأرضك السلام، قال: أنا موسى أتيتك تعلمني مما علمت رشداً، وفي رواية لقيه وهو مسجى بثوب مستلقياً على قفاه بعض الثوب تحت رأسه وبعضه تحت رجليه، وفي رواية لقيه وهو يصلي، ويروى لقيه وهو على طنفسة خضراء على كبد البحر، وروي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: ما عرّفك هذا؟ فقال: الذي بعثك إليّ، وكان الخضر في أيام أفريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى، وقيل: إن موسى سأل ربه أيّ عبادك أحب إليك؟ قال: «الذي يذكرني ولا ينساني» ، قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» فقال: فأي عبادك أعلم؟ قال: «الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى» ، فقال: إن كان في عبادك أفضل مني فادللني عليه قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على ساحل عند الصخرة، قال كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك {آتيناه} بعظمتنا {رحمة من عندنا} أي: وحياً ونبوة وكونه نبياً هو قول الجمهور، وقيل: إنه ليس بنبي. قال البغوي: عند أهل العلم أي: فعندهم أنه وليّ {وعلمناه من لدنا} أي: مما لم يجر على قوانين العادات على أنه ليس بمستغرب عند أهل
الاصطفاء {علماً} قذفناه في قلبه بغير واسطة، وأهل التصوّف سموا العلم بطريق المكاشفة العلم اللدني فإذا سعى العبد في الرياضات بتزين الظاهر بالعبادات وتخلي النفس عن العلائق وعن الأخلاق الرذيلة بتحليتها بالأخلاق الجميلة صارت القوى الحسية والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوى العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية في جوهرة العقل وحصلت المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعي وطلب في التفكر والتأمّل وهذا هو المسمى بالعلوم اللدنية، ثم أورد سبحانه وتعالى القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما قبله وذلك أنه من المعلوم أنّ الطالب للشخص إذا لقيه كمله لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال: لمن؟ كأنه سأل عن ذلك {قال له موسى} طالباً منه على سبيل التأدّب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان {هل أتبعك} أي: اتباعاً بليغاً حيث توجهت والاتباع الإتيان بمثل فعل الغير لمجرّد كونه آتياً به وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله: {على أن تعلمني} أثبت الياء نافع وأبو عمرو وصلاً لا وقفاً وابن كثير وصلاً ووقفاً والباقون بالحذف وزاد في التعطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال: {مما علمت} وبناه للمفعول لعلم المتخاطبين لكونهما من المخلصين بأن الفاعل هو الله تعالى وللإشارة إلى سهولة كل أمر إلى الله تعالى {رشداً} أي: علماً يرشدني إلى الصواب فيما أقصده، وقرأ أبو عمرو بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين. ولما أتم موسى عليه السلام العبارة عن السؤال. {قال} له الخضر عليه السلام {إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبراً} نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها لا تصح ولا تستقيم وفتح الياء من معي صبراً في المواضع الثلاثة هنا حفص وسكنها الباقون ثم علل عدم الصبر معه واعتذر عنه بقوله: {وكيف تصبر} يا موسى {على ما لم تحط به خبراً} أي: وكيف تصبر على أمور وأنت نبيّ ظاهرها مناكير والرجل الصالح لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك بل يبادر ويأخذ في الإنكار وخبراً مصدر لمعنى لم تحط به أي: لم تخبر حقيقته. {قال} له موسى عليه السلام آتياً بنهاية التواضع لمن هو أعلم منه إرشاداً لما ينبغي في طلب العلم رجاء تسهيل الله تعالى له النفع به {ستجدني} فأكد الوعد بالسين ثم أخبر تعالى أنه قوّي تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدّم الحق عليه في هذه السورة في قوله تعالى ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ليعلم أنه منهاج الأنبياء فقال: {إن شاء الله} أي: الذي له صفات الكمال {صابراً} على ما يجوز الصبر عليه ثم زاد التأكيد بقوله: عطفاً بالواو على صابراً لبيان التمكن في كل من الموضعين {ولا أعصي} أي: وغير عاص {لك أمراً} تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله تعالى. تنبيه: دلت هذه الآية الكريمة على أنّ موسى عليه السلام راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر، منها أنه جعل نفسه تبعاً له بقوله: هل أتبعك ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية كأنه قال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك؟ وهذه مبالغة عظيمة في التواضع، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم «على أن تعلمني» وهذا اقرار منه على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم، ومنها قوله:
{مما علمت} وصيغة من للتبعيض وطلب منه تعليم بعض ما علم، وهذا أيضاً اقرار بالتواضع كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من أجزاء ما علمت، ومنها أن قوله: مما علمت اعتراف منه بأن الله تعالى علمه ذلك العلم، ومنها قوله: {رشداً} طلب منه الإرشاد والهداية، ومنها قوله: {ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً} ، ومنها أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولاً أن موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلمه الله من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع، وذلك يدل على كونه عليه السلام آتياً في طلب العلم بأعظم أبواب المبالغة في التواضع وذلك يدل على أن هذا هو اللائق به، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر كان طلبه لها أشدّ، فكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأرشد، وكل ذلك يدل على أنّ الواجب على المتعلم إظهار التواضع بكل الغايات، وأمّا المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيد نفعاً وإرشاداً إلى الخير فالواجب عليه ذكره فإنّ السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور وذلك يمنعه من التعلم. وروي أن موسى عليه السلام لما قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ قال له الخضر: كفى بالتوراة علماً وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: الله أمرني بهذا {قال} له الخضر: {فإن اتبعتني} أي: صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطاً فقال: {فلا تسألني عن شيء} أقوله أو أفعله {حتى أحدث لك} خاصة {منه ذكراً} أي: حتى أبدأك بوجه صوابه فإني لا أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر، وإن كان ظاهره غير ذلك فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم من العالم، ولما تشارطا وتراضيا على الشرط تسبب عن ذلك قوله تعالى: {فانطلقا} أي: موسى والخضر عليهما السلام على الساحل فانتهيا إلى موضع احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فما زالا يطلبان سفينة يركبان فيها واستمرّا {حتى إذا ركبا في السفينة} التي مرت بهما وأجاب الشرط بقوله: {خرقها} أي: أخذ الخضر فأساً فخرق السفينة بأن قلع لوحاً أو لوحين من ألواحها من جهة البحر لما بلغت اللجة ولم يقترن خرق بالفاء لأنه لم يكن مسبباً عن الركوب، ثم استأنف قوله: {قال} أي: موسى عليه السلام منكراً لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس ناسياً لما عقد على نفسه على أنه لو لم ينسَ لم يترك الإنكار كما فعل عند قتل الغلام لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد، لأنّ المستثنى شرعاً كالمستثنى وضعاً {أخرقتها} وبين عذره في الإنكار لما في غاية الخرق من الفظاعة فقال: {لتغرق أهلها} فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية مفتوحة وفتح الراء ورفع اللام من أهلها والباقون بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الراء ونصب لام أهلها، ثم قال له موسى: والله {لقد جئت شيئاً أمراً} أي: عظيماً منكراً. {قال} الخضر: {ألم أقل إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبراً} فذكره بما قال له عند الشرط. {قال} موسى: {لا تؤاخذني} يا خضر {بما نسيت} أي: غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك، قال ابن
عباس: إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام أي: وهي التورية بالشيء عن الشيء، وفي المثل: إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب، أي: سعة فكأنه نسي شيئاً آخر وقيل معناه بما تركت من عهدك والنسيان الترك. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسياناً والوسطى شرطاً والثالثة عمداً» {ولا ترهقني من أمري عسراً} أي: لا تكلفني مشقة يقال: أرهقه عسراً وأرهقته عسراً أي: كلفته ذلك، يقول: لا تضيق علي أمري ولا تعسر متابعتك علي ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر، وعسراً مفعول ثان لترهقني من أرهقه كذا إذا حمله إياه وغشاه به وما في بما نسيت مصدرية أو بمعنى الذي والعائد محذوف. وروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء، وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشا به الخرق، وروي أن الخضر أخذ قدحاً من زجاج ورقع به خرق السفينة فإن قيل: قول موسى عليه السلام أخرقتها لتغرق أهلها إن كان صادقاً في هذا دل ذلك على صدور ذنب عظيم من الخضر إن كان نبياً، وإن كان كاذباً دل ذلك على صدور الذنب من موسى وأيضاً فقد التزم موسى أن لا يعترض عليه وجرت العهود المذكورة بذلك ثم إنه خالف تلك العهود وذلك ذنب أجيب: بأن كلاً منهما صادق فيما قال موف بحسب ما عنده، أما موسى عليه السلام فإنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهى بما يعتقده منكراً، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر أنه لا يقدم على منكر. {فانطلقا} بعد نزولهما من السفينة وسلامتهما من الغرق والعطب {حتى إذا لقيا غلاماً} قال ابن عباس: لم يبلغ الحنث {فقتله} حين لقيه كما دلت عليه الفاء العاطفة على الشرط، قال البغوي في القصة: إنهما خرجامن البحر يمشيان فمرّ بغلمان يلعبون فأخذ غلاماً ظريفاً وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، قال السدي: كان أحسنهم وجهاً كان وجهه يتوقد حسناً، قال البقوي: وروينا أنه أخذ رأسه فاقتلعه بيده، وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار بيده بأصابعه الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه، وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة، وقيل: ضرب رأسه بالجدار فقتله وكونه لم يبلغ الحنث هو قول الأكثرين. وقال الحسن: كان رجلاً، قال شعيب الحياني: وكان اسمه جيسور، وقال الكلبي: كان فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلتجئ إلى أبويه، وقال الضحاك: كان غلاماً يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه، وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» . قال الرازي: وليس في القرآن كيف لقياه، هل كان يلعب مع جمع من الغلمان أو كان منفرداً؟ وهل كان مسلماً أوكافراً؟ وهل كان بالغاً أو صغيراً؟ وكان اسم الغلام بالصغير أليق وإن احتمل الكبير إلا أن قوله بغير نفس أليق بالبالغ منه بالصبيّ لأن الصبي لا يقتل وإن قتل، قال البقاعي: إلا أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ، وقال ابن عباس: ولم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس إلا وهو صبيّ، قال الرازي أيضاً: وكيفية قتله هل قتله بأن حزّ رأسه أو بأن ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقسام انتهى. ثم أجاب الشرط بقوله مشعراً بأن شروعه في الإنكار في هذه أسرع
{قال} موسى: {أقتلت} يا خضر {نفساً زاكية بغير نفس} قتلتها ليكون قتلها لها قوداً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بألف بعد الزاي وتخفيف الياء التحتية والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد التحتية، قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعنى هذه الطهارة، وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب والزكية التي اذنبت ثم تابت ثم استأنف قوله: {لقد} أظهر الدال نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون {جئت} في قتلك إياها {شيئاً} وصرح بالإنكار في قوله: {نكراً} لأن مباشرة الخرق سبب، ولهذا قال بعضهم: النكر أعظم من الأمر في القبح لأن قتل الغلام أعظم من خرق السفينة لأنه يمكن أن لا يحصل الغرق، وأمّا هنا فقد حصل الإتلاف قطعاً، والنكر ما أنكرته العقول ونفرت منه النفوس فهو أبلغ في القبح من الأمر، وقيل: الأمر أعظم لأن خرق السفينة يؤدي إلى إتلاف نفوس كثيرة وهذا القتل ليس إلا إتلاف شخص واحد، وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبة برفع الكاف والباقون بكسونها. ولما كانت هذه ثانية. {قال} له الخضر: {ألم أقل لك إنك} يا موسى {لن تستطيع معي صبراً} وهذا عين ما ذكره في المسألة الأولى إلا أنه هنا زاد لفظه لك {فإن قيل} لم زادها هنا؟ أجيب: بأنه زادها مكافحة بالعقاب على رفض الوصية ووسماً بقلة الصبر والثبات لما تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار ولم يرعو بالتذكير أول مرّة، قال ابن الأثير: المكافحة المدافعة والمضاربة والاشمئزاز من اشمأز الرجل أي: انقبض قلبه، قال البغوي: وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى يا نبيّ الله اذكر العهد الذي أنت عليه {قال} موسى حياءً منه لما أفاق بتذكيره ما حصل من فرط الوجد لأمر الله تعالى فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله تعالى {إن سألتك عن شيء بعدها} أي: بعد هذه المرّة وأعلم بشدّة ندمه على الإنكار بقوله: {فلا تصاحبني} أي: لا تتركني أتبعك بل فارقني ثم علل ذلك بقوله: {قد بلغت} وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال: {من لدني} أي: من قبلي {عذراً} باعتراضي مرّتين واحتمالك لي فيهما، وقد أخبر الله بحسن حالك في غزارة عملك فمدحه بهذه الطريقة من حيث أنه احتمله مرّتين أوّلاً وثانياً مع قرب المدّة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك، ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحمة الله علينا وعلى موسى ـ وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه ـ لولا أن عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة أي: حياء واشفاق، فقال: إن سألتك إلى آخره» ، وقرأ نافع بضم الدال وتخفيف النون، وقرأ شعبة كذلك إلا أنه يشم الدال فتصير ساكنة قريبة من الضم والباقون بضم الدال وتشديد النون. {فانطلقا} أي: موسى والخضر يمشيان لينظر الخضر أمراً ينفذ فيه ما عنده من علمه وورش يغلظ اللام في لفظ انطلقا على أصله بعد قتل الغلام {حتى إذا أتيا أهل قرية} ، قال ابن عباس: هي انطاكية، وقال ابن سيرين: هي الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء وعبر عنها بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذمّ، وقيل: برقة، وعن أبي هريرة بلدة بالأندلس {استطعما أهلها} أي: طلبا من أهل القرية أن يطعموهما، وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على
مجالس أولئك القوم يستطعمانهم {فأبوا أن يضيفوهما} أي: أن ينزلوهما ويطعموهما يقال ضافه إذا كان له ضيفاً وحقيقته مال إليه من ضاف السهم عن الغرض وضيفه وأضافه أنزله وجعله ضيفاً فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام وكيف قدم عليه موسى والخضر وقد حكى الله تعالى عن موسى أنه قال عند ورود ماء مدين ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير؟ أجيب: بأن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما وجب ذلك عند الخوف من الضرر الشديد فإن قيل: لم قال: حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ولم يقل استطعماهم؟ أجيب: بأن التكرير قد يكون للتأكيد كقول الشاعر: *ليت الغراب غداة يبعث دائباً ... كان الغراب مقطع الأوداج» وعن قتادة شر القرى التي لا تضيف الضيف. فائدة: قال الرازي: وفي كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب وقالوا: يا رسول الله جئناك بهذا الذهب لتجعل الباء تاء حتى تصير القراءة هكذا فأتوا أن يضيفوهما أي: أتيناهم لأجل الضيافة حتى يندفع عنا هذا اللوم فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى وذلك يوجب القدح في الإلهية» فعلمنا أن تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية. ولما أبوا أن يضيفوهما انصرفا {فوجدا فيها} أي: القرية ولم يقل فيهم إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع {جداراً} أي: حائطاً مائلاً مشرفاً على السقوط ولذا قال: مستعيراً لما لم يعقل صفة من يعقل {يريد أن ينقص} أي: يسقط وهذا من مجاز كلام العرب لأنّ الجدار لا إرادة له وإنما معناه قرب ودنا من السقوط كما تقول العرب داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها فاستعير الإرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم في قوله: *يريد الرمح صدر أبي براء ... ويعدل عن دماء بني عقيل» وقول الآخر: *إنّ دهراً يلف صدري بجمل ... لزمان يهم بالإحسان» ففي البيت الأوّل دليل على استعارة الإرادة للمشارفة، وفي الثاني دليل على استعارة الهم لها وجمل اسم محبوبته يقول: إن دهراً يجمع بيني وبينها زمان قصده الإحسان لا الإساءة ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب} (الأعراف، 154) وقوله تعالى: {أن يقول له كن فيكون} (يس، 82) وقوله تعالى: {قالتا أتينا طائعين} (فصلت، 11) ، قال الزمخشري ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم كان يجعل الضمير للخضر، وقيل: إن الله تعالى خلق للجدار حياة وإرادة كالحيوان {فأقامه} أي: سواه، وفي حديث أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم «فقال الخضر بيده فأقامه» ، وقال ابن عباس: هدمه وقعد يبنيه، وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار بيده فاستقام وذلك من معجزاته، وقال السدي: بلّ طيناً وجعل يبني الحائط فشق ذلك على موسى عليه السلام فإن قيل: الضيافة من المندوبات فتركها ترك مندوب وذلك غير منكر فكيف يجوز من موسى عليه السلام مع علو منصبه أنه غضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه في
قوله: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} وأيضاً مثل الغضب لأجل ترك الأكل في ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلاً عن كليم الله تعالى أجيب: بأن تلك الحالة كانت حالة افتقار واضطرار إلى الطعام فلأجل تلك الضرورة نسي موسى عليه السلام ما قاله فلا جرم {قال} موسى: {لو شئت لاتخذت عليه أجراً} أي: لطلبت على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم وتحصيل سائر المهمات، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف التاء بعد اللام وكسر الخاء، وأظهر ابن كثير الذال عند التاء على أصلها، وأدغمها أبو عمرو والباقون بتشديد التاء وفتح الخاء، وأظهر حفص الذال على أصله وأدغمها الباقون. ولما كان كلام موسى هذا متضمناً للسؤال. {قال} له الخضر: {هذا} أي: هذا الإنكار على ترك الأجر {فراق بيني وبينك} وقيل: إن موسى عليه السلام لما شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالاً آخر حصل به الفراق حيث قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فلما ذكر هذا السؤال فارقه وهذا فراق بيني وبينك أي: هذا الفراق المعهود الموعود فإن قيل: كيف ساغ إضافة بين إلى غير متعدّد؟ أجيب: بأنّ مسوّغ ذلك تكريره بالعطف بالواو، ألا ترى أنك لو اقتصرت على قولك المال بيني لم يكن كلاماً حتى تقول: بيننا أو بيني وبين فلان ثم قال له الخضر: {سأنبئك} أي: سأخبرك يا موسى قبل فراقي لك {بتأويل} أي: بتفسير {ما لم تستطع عليه صبراً} لأن هذه المسائل الثلاثة مشتركة في شيء واحد وهو أن أحكام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبنية على الظواهر كما قال صلى الله عليه وسلم «نحن نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر» والخضر ما كانت أموره وأحكامه مبنية على ظواهر الأمور بل كانت مبنية على الأسباب الخفية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لأن الظاهر في أموال الناس وفي أرواحهم أنه يحرم التصرّف فيها، والخضر تصرف في أموال الناس وفي أرواحهم في المسألة الأولى وفي الثانية من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف لأن الإقدام على خرق السفينة وقتل الإنسان من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف محرّم، والإقدام على إقامة ذلك الجدار المائل في المسألة الثالثة تحمل للتعب والمشقة من غير سبب ظاهر، ثم أخذ الخضر في تأويل ذلك مبتدئاً بالمسألة الأولى بقوله: {أما السفينة} أي: التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها {فكانت لمساكين} عشرة إخوة خمسة زمني وخمسة {يعملون في البحر} أي: يؤاجرون ويكتسبون، واحتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على أن حال الفقير أشدّ في الحاجة والضرر من حال المسكين لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة {فأردت أن أعيبها} أي: أن أجعلها ذات عيب بأن تفوت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكلف أهلها لوحاً أو لوحين يسدونها بذلك أخف عليهم من أن تفوتهم منفعتها بالكلية كما يعلم من قوله: {وكان وراءهم} أي: أمامهم كقوله تعالى: {ومن ورائهم برزخ} (المؤمنين، 100) وقيل خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه {ملك} كان كافراً واسمه الجلندي، وقال محمد بن إسحاق اسمه سولة بن خليد الأزدي، وقيل: اسمه هدد بن بدد {يأخذ كل سفينة} أي: صالحة وحذف التقييد بذلك للعلم به {غصباً} من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به فإذا مرّت به تركها لعيبها فإذا جاوزته أصلحوها فانتفعوا بها قيل: سدوها بقارورة وقيل: بالفار فإن قيل: قوله:
فأردت أن أعيبها مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب فلم قدّم عليه؟ أجيب: بأن النية به التأخير وإنما قدم للعناية ولأنّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين، فلما كان كل من الغصب والمسكنة سبب الفعل قدمها على الغصب إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين. ثم شرع في تأويل المسألة الثانية بقوله: {وأمّا الغلام} الذي قتلته {فكان أبواه مؤمنين} التثنية للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر وهو شائع ومثله العمران، قيل: إن ذلك الغلام كان بالغاً وكان يقطع الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع شر الناس عنه والتعصب له وتكذيب من يرميه بشيء من المنكرات وكان يصير سبباً لوقوعهما في الفسق وربما قاد ذلك الفسق إلى الكفر، وقيل: إنه كان صبياً إلا أنه علم منه أنه لو صار بالغاً لحصلت فيه هذه المفاسد، وفي الحديث أنه طبع كافراً ولو عاش لأرهقهما ذلك كما قال {فخشينا} أي: خفنا، والخشية خوف يشوبه تعظيم {أن يرهقهما} أي: يغشيهما ويلحقهما {طغياناً وكفراً} أي: لمحبتهما له يتبعانه في ذلك فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان بمثل ذلك؟ أجيب: بأنه إذا تأكد ذلك بوحي من الله تعالى جاز، وعن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه كيف قتله أي: كيف قتل الخضر الغلام، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان فكتب إليه: «إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل» . رواه بمعناه مسلم. ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد تسبب عنه قوله: {فأردنا} أي: بقتله وإراحتهما من شره {أن يبدلهما ربهما} أي: المحسن إليهما بإعطائه وأخذه، قال مطرف: فرح به أبواه ح